كنت بفضل الله عز وجل ذكرت كلمة مختصرة عن الزاهد الثري إبراهيم بن آدهم ثم كتبت كلمة عن الفقيه سفيان الثوري ثم بدا لي أن اتوسع في الكتابة عن الفقهاء والمحدثين من سلفنا الصالح وخاصة طبقتي التابعين وأتباع التابعين ورأيت أن ابدأ بهذا الفقيه الورع الذي كان له مذهب في الفقه يضارع بل ويفوق مذهب مالك وأبي حنيفة ولكن لم يصل إلينا لتقصير تلامذته في نشر المذهب والحفاظ عليه من اجل ذالك فلم يأخذ الإمام حظه من الشهرة عند العوام وإن كان كل عالم وطالب علم يقدر قدر وفضل الإمام (الليث بن سعد) فيا ترى من هــــــــــو الليــــــــــــــث بن ســـــــــــــــــــــعد......؟ هو الإمام الفقيه الورع حافظ الدنيا شيخ الإسلام عالم الديار المصرية الإمام
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي فقيه المصريين وكنيته أبو الحارث
ولد رحمه الله في قرية من قرى مصر تسمى قرقشنده وهى تابعة لمركز طوخ محافظة القليوبية (إحدى محافظات جمهورية مصر العربية) ... ولد رحمه الله في شهر شعبان من عام أربع وتسعين من الهجرة وحج وهو ابن التاسعة عشر من عمره وهو بذالك أصغر سناً من إمام دار الهجرة مالك بن أنس (رأس المتقنين وكبير المتثبتين علامة الفقه ونجم المحدثين) تعلم الفقه والحديث من علماء كُثَرْ يصعب حصرهم وعدهم منهم الإمام الفقيه عطاء بن أبي رباح(الذي آلت إليه الرئاسة في الفقه والفتيا في مكة بعد موت عبدالله بن عباس رضي الله عنه وعن أبيه الصحابي بن الصحابي بن عم النبي ترجمان القرآن وحبر الأمة) ومنهم نافع مولى عبد الله بن عمر (شيخ مالك وأثبت الناس في حديث بن عمر)حتى قيل اصح الأحاديث ما جاء عن طريق مالك عن نافع عن بن عمر ويمكن أن نسميها بالسلسلة الذهبية ..ومنهم سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو من أثبت الناس في حديث أبي هريرة بعد العمالقة الثلاث (وهم أعلم الناس بحديث أبي هريرة) سعيد بن المسيب (سيد التابعين وزوج ابنة أبي هريرة) وابن سيرين. والأعرج (عبد الرحمن بن هرمز) .. ومنهم بن شهاب (أفضل وأكبر شيوخ مالك) (ويعد بن شهاب الزهري أحد ستة رجال يدور عليها الإسناد الصحيح) وقيل أن أصح الأسانيد كلها مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .. وقيل غير ذالك فقيل مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة .. وقيل مالك أعلم الناس بحديث الزهري وقيل بل عقيل وسأذكر ذالك بعد قليل .. ومنهم عقيل بن خالد الأموي (مات في مصر عام144)ولذا يعده العلماء من علماء المصريين ... ومنهم هشام بن عروة وصفوان بن سليم (وكلاهما من شيوخ مالك بن أنس) وغيرهم علماء كثيرون .. وأما تلاميذه فلا يمكن لأحد قط أن يحصيهم عدداً.. فمن تلاميذه (ابنه) شعيب بن الليث ومنهم (ابن ابنه)عبد الملك بن شعيب بن الليث ومنهم يحيي بن عبد الله بن بكير مفتي مصر في زمانه ومنهم يونس بن عبد الأعلى المصري أحد أئمة الفقه في الدنيا في زمانه (وشيخ مسلم والنسائي وابن ماجة) وغيرهم من علماء مصر ومن علماء الحجازوالعراق والشام كعبد الله بن المبارك (إمام الجرح والتعديل في زمانه) .. ومنهم أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد السكونى البغدادى .. ومنهم عبد الرحمن بن خلف بن عبد الرحمن بن الضحاك النصرى الحمصى .. وأكتفي حتى لا يطول بنا الوقت كان مهاب في أهل مصر لا يعقد في مصر أمر إلا بمشورته وكان سخياً ذو كرم وأراد المنصور أن يوليه حكم مصر فرفض المنصب والولاية .. أرأيت كيف زهده .. بالله عليك أرأيت رجل يعرض عليه أن يكون رئيس دولة هي من أكبر وأهم دول العالم يومئذ قيرفض .. وكان مالك يفتي الناس في الحج فإذا جاءه أحد من أهل مصر يرفض أن يفتيه مهابة وإجلالاً لليث ويقول يا أهل مصر كيف أفتيكم وفيكم الليث إذهبوا لليثكم .. أنظر كيف أخلاق مالك وكيف كاننت أخلاق العلماء وإجلال بعضهم لبعض وسافر إلي العراق في عام 161 من الهجرة وسأل عن دار هشيم الواسطي ونهل من كتبه وعلمه .. رغم مكانته وشهرته العلمية .. فانظر أخي إلى تواضع العلماء .. ولمَّا دخل العراق قال المهدي (أمير المؤمنين وقتئذ) لوزيره إذهب فالزم الشيخ (يعني الليث) فلم يبقى على وجه الأرض أعلم منه ... رغم أن مالك كان حيٌ وفي أوج مجده وشهرته .. أرأيت كيف كانوا يقدرون الليث ويجعلوه أعلم أهل الأرض في زمانه .. ويقول يحيي بن بكير العالم الجليل لم أرى قط مثل الليث .. وقال بن بكير (كما ثبت في تاريخ بغداد)وقال ابن بكير: كان الليث فقيه البدن، عربي اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن المذاكرة، فما زال يذكر خصالا جميلة، ويعقد بيده، حتى عقد عشرة: لم أر مثله
ويقول ابن وهب(تلميذ مالك والليث) لولا مالك، والليث، لضل الناس
قال قتيبة: كان الليث يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة، وقال: ما وجبت علي زكاة قط.ومعنى ذالك أنه كان له دخلٌ سنوي كبير جداً إلا أنه كان ينفقه كله في سبيل الله فكان ينفق بسخاء على العلماء داخل وخارج مصر فكان ينفق من ماله الخاص على الإمام مالك بن أنس في المدينة وعلى ابن لهيعة ومنصور بن عمار وغيرهم من العلماء الأجلاء
وكما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن هارون الرشيد أرسل لليث فآتاه الليث فسأله هارون الرشيد فقال له حلفت أن لي جنتين فاستحلفه الليث ثلاثا انك تخاف الله... (فانظر أخي إلى جرأة الليث) فمن منا يستطيع أن يقول لحاكم {رئيس كان أو ملك} أتخاف الله ... فحلف هارون الرشيد أنه يخاف الله فقال له الليث قال الله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) قال شرحبيل بن جميل بن يزيد مولى شرحبيل بن حسنة قال أدركت الناس أيام هشام وكان الليث بن سعد حدث السن وكان بمصر عبيد الله بن جعفر وجعفر بن ربيعة والحارث بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب وبن هبيرة وغيرهم من أهل مصر ومن يقدم علينا من فقهاء المدينة وانهم ليعرفون لليث فضله وورعه وحسن إسلامه على حداثة سنه ... فانظر أخي كيف كان العلماء يقدرون لليث قدره وانظر كيف تجمع في مصر كل هذا العدد والقدر من العلماء فكلهم مصريون .. ووالله لولا أن أخشى عليكم الملل لأطالة فما أجمل وأروع سيرة الليث بن سعد الفهمي فقيه المصريين .. توفي يوم النصف من شعبان يوم الجمعة سنة خمس وسبعين ومائة وصلى عليه موسى بن عيسى الهاشمي ودفن يوم الجمعة ... فعليه سحائب الرحمة والمغفرة