أخي الفاضل
أن ما ذكرته لك من الكافي إنما من باب بيان كامل الرواية بدون إستقطاعها كما فعلت أنت , وليس من باب أن كل ما موجود في الكافي هو صحيح وليس من باب الأحتجاج بتلك الرواية .
إلحاقا بمداخلتي السابقة وكما وعدتك بها أني سأذكر الروايات الدالة على إمامة أو خلافة الأمام أمير المؤمنين عليه السلام .. فسأذكر في هذه المداخلة أحدها وهي :
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين .
تعرضنا في البحوث السابقة إلى بعض آيات من القرآن الكريم يستدلّ بها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، وكانت الايات المذكورة دالة على عصمته ، أو على ولايته ، أو على أفضليّته عليه السلام من غيره ، فكانت دالة على إمامة أمير المؤمنين بالوجوه المختلفة .
ننتقل الان إلى الحديث والبحث عن عدّة من الاحاديث المستدل بها على إمامة أمير المؤمنين ، فإنّ الاحاديث الواردة في كتب أهل السنّة الدالّة على إمامة أمير المؤمنين كثيرة لا تحصى ، وهي أيضاً تنقسم إلى أقسام :
منها : ما هو نصّ في إمامته وخلافته .
ومنها : ما يدلّ على أفضليّته بعد رسول الله .
ومنها : ما يدلّ على أولويّته وولايته .
ومنها : ما يدلّ على العصمة .
موضوع بحثنا في هذه االماخلة حديث الانذار أو حديث الدار .
لمّا نزل قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ﴾(1) دعا رسول الله صلي الله عليه و اله رجال عشيرته ، ودعاهم إلى الاسلام ، وهذا الخبر وارد في كتب التاريخ ، في كتب السيرة ، في كتب التفسير ، وفي الحديث أيضاً .
قبل كلّ شيء ، أقرأ لكم نصّ الحديث عن تفسير البغوي المتوفى سنة ٥١٠ هـ ، يقول البغوي :
روى محمّد بن إسحاق ، عن عبد الغفار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب ، عن عبدالله بن عباس ، عن علي بن أبي طالب قال :
____________
1- سورة الشعراء : ٢١٤ .
لمّا نزلت هذه الاية على رسول الله صلي الله عليه و اله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ ﴾ دعاني رسول الله صلي الله عليه و اله فقال : يا علي ، إنّ الله يأمرني أن أُنذر عشيرتي الاقربين ، فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت أنّي متى أُباديهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ عليها ، حتّى جاءني جبرئيل فقال لي : يا محمّد إلاّ تفعل ما تؤمر يعذّبك ربّك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام ، واجعل عليه رِجل شاة ، واملا لنا عسّاً من لبن ، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أُبلّغهم ما أُمرت به .
ففعلت ما أمرني به ، ثمّ دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلاً ، يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب .
فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته ، فجئتهم به ، فلمّا وضعته ، تناول رسول الله صلي الله عليه و اله جذبة من اللحم ، فشقّها بأسنانه ، ثمّ ألقاها في نواحي الصفحة ، ثمّ قال : خذوا باسم الله ، فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة ، وأيم الله أنْ كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم .
ثمّ قال : إسقِ القوم ، فجئتهم بذلك العس فشربوا حتّى رووا جميعاً ، وأيم الله أنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله .
فلمّا أراد رسول الله أن يكلّمهم بدره أبو لهب فقال : سحركم
صاحبكم ، فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله صلي الله عليه و اله .
فقال في الغد : يا علي ، إنّ هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرّق القوم قبل أنْ أُكلّمهم ، فأعد لنا من الطعام مثل ما صنعت ثمّ اجمعهم ، ففعلت ثمّ جمعت ، فدعاني بالطعام فقرّبته ، ففعل كما فعل بالامس ، فأكلوا وشربوا ، ثمّ تكلّم رسول الله صلي الله عليه و اله
فقال :
يا بني عبد المطّلب ، إنّي قد جئتكم بخيري الدنيا والاخرة ، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه ، فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟
فأحجم القوم عنها جميعاً .
فقلت وأنا أحدثهم سنّاً : يا نبيّ الله ، أكون وزيرك عليه .
قال : فأخذ برقبتي وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا .
فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أنْ تسمع لعلي وتطيع(1) .
____________
1- معالم التنزيل ٤/٢٧٨ ـ ٢٧٩ ـ طبعة دارالفكر ـ بيروت ـ ١٤٠٥ هـ .
رواة حديث الدار
هذا الخبر يرويه محمّد بن إسحاق مسنداً عن ابن عباس ، وهو موجود في كتاب كنز العمال مع فرق سأذكره فيما بعد .
يرويه صاحب كنز العمال عن :
١ ـ ابن إسحاق .
٢ ـ ابن جرير الطبري ، صاحب التفسير والتاريخ .
٣ ـ ابن أبي حاتم الرازي ، صاحب التفسير المعروف .
٤ ـ ابن مردويه .
٥ ـ أبي نعيم الاصفهاني الحافظ .
٦ ـ البيهقي(1) .
____________
1- كنز العمال ١٣/١٣١ رقم ٣٦٤١٩ ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ١٤٠٥ هـ ، تفسير الطبري ١٩/٧٤ ـ دار المعرفة ـ بيروت ، السنن الكبرى ٩/٧ ـ دار المعرفة ـ بيروت ، تفسير ابن أبي حاتم ٩/٢٨٢٦ رقم ١٦٠١٥ باختلاف ـ مكتبة نزار الباز ـ مكة المكرمة ـ ١٤١٧ هـ .
فرواة هذا الحديث أئمّةٌ أعلام من أهل السنّة ، منهم :
محمّد بن إسحاق صاحب السيرة ، المتوفى سنة ١٥٢ هـ(1) .
محمّد بن إسحاق يروي هذا الخبر عن عبد الغفار بن القاسم ، وهو أبو مريم الانصاري ، وهو شيخ من شيوخ شعبة بن الحجاج الذي يلقّبونه بأمير المؤمنين في الحديث ، ويقولون بترجمته إنّه لا يروي إلاّ عن ثقة ، وشعبة بن الحجاج كان يثني على عبد الغفار بن القاسم الذي هو شيخه ، لكن المتأخرين من الرجاليين يقدحون في عبد الغفار ، لانّه كان يذكر بلايا عثمان ، أي كان يتكلّم في عثمان ، أو يروي بعض مطاعنه ، ولذا نرى في ميزان الاعتدال عندما يذكره الذهبي يقول : رافضي .
فإذا عرفنا وجه تضعيف هذا الرجل وهو التشيع ، أو نقل بعض قضايا عثمان ، إذا عرفنا هذا السبب للجرح ، فقد نصّ ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري في شرح البخاري على أنّ التشيع بل الرفض لا يضر بالوثاقة ، هذا نص عبارة الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة شرح البخاري .
____________
1- من رجال البخاري ـ في المتابعات ـ ومسلم والاربعة . تقريب التهذيب ٢ / ١٤٤ .
فإذن ، هذا الرجل لا مطعن فيه ولا مورد للجرح ، إلاّ أنّه يروي بعض مطاعن عثمان ، لكن شعبة تلميذه يروي عنه ويثني عليه ، وشعبة أمير المؤمنين عندهم في الحديث . فهذا عبد الغفار بن القاسم .
والمنهال بن عمرو ، من رجال صحيح البخاري ، والصحاح الاربعة الاُخرى فهو من رجال الصحاح ما عدا صحيح مسلم(1) .
وأمّا عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب ، فهذا من رجال الصحاح الستّة كلّها(2) .
عن عبدالله بن العباس .
عن أمير المؤمنين علي عليه السلام .
فالسند في نظرنا معتبر ، وعلى ضوء كلمات علمائهم في الجرح والتعديل ، إلاّ عبد الغفار بن القاسم ، الذي ذكرنا وجه الطعن فيه والسبب في جرح هذا الرجل ، وهذا السبب ليس بمضر
بوثاقته ، استناداً إلى تصريح الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة فتح الباري(3) .
____________
1- من رجال البخاري والاربعة ، تقريب التهذيب ٢ / ٢٧٨ .
2- تقريب التهذيب ١ / ٤٠٨ .
3- مقدمة فتح الباري: ٤١٠.٣٩٨.٣٨٢
فهذا نص الخبر ، وفيه كما سمعتم أنّ النبي يقول : « فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فقال أمير المؤمنين : يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ رسول الله برقبة علي وقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع » .
وليست الامامة والخلافة إلاّ : وجوب الاطاعة ، وجوب الاقتداء ، وجوب الاخذ ، وجوب التمسّك بالشخص ، وأيّ نصّ أصرح من هذا في إمامة علي أو غير علي ؟
يعني لو كان هذا اللفظ وارداً في حقّ غير علي بسند معتبر متفق عليه لوافقنا نحن على إمامة ذلك الشخص .
فهذا هو الخبر ، وهو خبر متفق عليه بين الطرفين ، إذ ورد هذا الخبر بأسانيد علمائنا وأصحابنا في كتبنا المعتبرة المشهورة .
فمن رواة هذا الخبر :
١ ـ ابن إسحاق ، صاحب السيرة .
٢ ـ أحمد بن حنبل ، يروي هذا الخبر في مسنده(1) .
____________
1- مسند أحمد ١/١١١ رقم ٨٨٥ ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ١٤١٤ هـ .
٣ ـ النسائي ، صاحب الصحيح(1) .
٤ ـ الحافظ أبو بكر البزار ، صاحب المسند .
٥ ـ الحافظ سعيد بن منصور ، في مسنده .
٦ ـ الحافظ أبو القاسم الطبراني ، في المعجم الاوسط .
٧ ـ الحافظ أبو عبدالله الحاكم النيسابوري ،في مستدركه على الصحيحين .
٨ ـ عرفتم أنّ من رواته أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري .
٩ ـ الحافظ أبو جعفر الطحاوي ، صاحب كتاب مشكل الاثار .
١٠ ـ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، صاحب التفسير .
١١ ـ أبو بكر بن مردويه .
١٢ ـ الحافظ أبو نعيم الاصفهاني ، صاحب دلائل النبوة وكتاب حلية الاولياء .
١٣ ـ الحافظ البغوي ، صاحب التفسير .
١٤ ـ الضياء المقدسي ، في كتابه المختارة ، وهذا الكتاب الذي التزم فيه الضياء المقدسي بالصحة ، فلا يروي في كتابه هذا إلاّ الروايات الصحيحة المعتبرة ، ولذا قدّم بعض علمائهم هذا الكتاب
____________
1- سنن النسائي ٦/٢٤٨ ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
على مثل المستدرك للحاكم ، ومن جملة من ينصّ على ذلك هو ابن تيميّة صاحب منهاج السنّة ، ينصّ على أنّ كتاب المختارة أفضل وأتقن من المستدرك للحاكم .
١٥ ـ الحافظ ابن عساكر الدمشقي ، صاحب تاريخ دمشق .
١٦ ـ أبو بكر البيهقي ، صاحب دلائل النبوة .
١٧ ـ الحافظ ابن الاثير ، صاحب الكامل في التاريخ .
١٨ ـ الحافظ أبو بكر الهيثمي ، في كتابه مجمع الزوائد يروي هذا الحديث(1) .
١٩ ـ الحافظ الذهبي ، في تلخيص المستدرك ينصّ على صحّة هذا الحديث.
٢٠ ـ الحافظ جلال الدين السيوطي ، في كتابه الدر المنثور
٢١ ـ الشيخ علي المتقي الهندي ، صاحب كنز العمال ، يرويه صاحب كنز العمال عن : أحمد ، والطحاوي ، وابن إسحاق ، ومحمّد بن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم الاصفهاني ، والضياء المقدسي .
هذا بالنسبة إلى متن الحديث ، وعدّة من كبار علماء القوم
____________
1- مجمع الزوائد ٩ / ١١٣ ، وفيه : وإسناده جيّد ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ ١٤٠٣ هـ .
الرواة لهذا الحديث في كتبهم .
وأمّا بالنسبة إلى سنده ، فسنده في كتاب محمّد بن إسحاق قد قرأته لكم وصحّحت السند .
ويقول الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد بعد أن يرويه عن أحمد بن حنبل يقول : رواه أحمد ورجاله ثقات(1) .
ويقول بعد أن يرويه بسند آخر عن بعض كبار علمائهم من أحمد وغير أحمد يقول : رجال أحمد وأحد إسنادي البزّار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة(2) .
إذن ، حصلنا على أسانيد عديدة ينصّون على صحّتها .
مضافاً : إلى سند الحافظ المقدسي في كتابه المختارة الملتزم في هذا الكتاب بالصحّة .
كما ذكر المتقي الهندي صاحب كنز العمال : أنّ الطبري محمّد بن جرير قد صحّح هذا الحديث .
وأيضاً ، صحّحه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس في حديث طويل ، ووافقه على التصحيح الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك .
____________
1- مجمع الزوائد ٨/٣٠٢ ـ باب معجزاته صلّى الله عليه وسلّم في الطعام .
2- مجمع الزوائد ٨/٣٠٣ .
وأيضاً نصّ على صحّة هذا الحديث الشهاب الخفاجي في شرحه على الشفاء للقاضي عياض ، حيث يذكر هناك معاجز رسول الله صلي الله عليه و اله ، ومن جملة معاجزه هذه القضية ، حيث أنّ الطعام كان صاعاً واحداً وعليه رِجل شاة فقط ، فأكلوا وكلّهم شبعوا ، وهذا من جملة معاجز رسول الله صلي الله عليه و اله ، ويقول الشهاب الخفاجي : إنّ سند هذا الخبر صحيح(1) .
وعندما نراجع نصوص الحديث في الكتب المختلفة ، نجد في بعضها هذا اللفظ : « فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ قال علي : أنا يا نبيّ الله ، أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي فقال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعلي » .
وهذا لفظ ، وقد قرأناه عن عدّة من المصادر .
لفظ آخر : « من يضمن عنّي ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنّة ويكون خليفتي في أهلي ؟ فقيل له : أنت كنت بحراً ، من يقوم بهذا ، فعرض ذلك على أهل بيته واحداً واحداً ،فقال علي: أنا،
____________
1- نسيم الرياض ـ شرح الشفاء للقاضي عياض ٣ / ٣٥ .
فبايعه رسول الله على هذا»(1).
ومن ألفاظ هذا الحديث ما يلي : « قال رسول الله : من يبايعني على أن يكون أخي ووصيّي ووليّكم من بعدي ؟ قال علي : فمددت يدي فقلت : أنا أُبايعك . فبايعني رسول الله صلي الله عليه و اله »(2) .
فهذه ألفاظ الحديث ، وتلك أسانيد الحديث ، وتلك كلمات كبار علمائهم في صحّة هذا الحديث وتنصيصهم على صحّته .
____________
1- تفسير ابن كثير ٦/١٦٨ ـ دار طيبة ـ الرياض ـ ١٤١٨ هـ ، كنز العمال ١٣/١٢٨ رقم ٣٦٤٠٨ ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ١٤٠٥ هـ .
2- كنز العمال ١٣/١٤٩ رقم ٣٦٤٦٥ .
دلالة حديث الدار على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
وهذا الحديث الصحيح المتفق عليه هو من جملة أدلّتنا على إمامة أمير المؤمنين الدالّة على إمامته وولايته بالنص .
وإنّما اخترت من بين الاحاديث التي هي نصّ على إمامة أمير المؤمنين هذا الحديث في هذه الليلة ، لخصوصيات موجودة في هذا الحديث ، قد لا تكون في غيره ، مضافاً إلى صحّته وكونه مقبولاً بين الطرفين ، بل يمكن دعوى تواتر هذا الحديث :
الخصوصية الاولى
صدور هذا الحديث في أوائل الدعوة النبويّة ، وفي بدء البعثة المحمّديّة ، فكأنّ رسول الله صلي الله عليه و اله مأمورٌ بأنْ يبلّغ ثلاثة أُمور في آن واحد وفي عرض واحد :
مسألة التوحيد والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى .
ومسألة رسالته .
ومسألة خلافته من بعده الثابتة لعلي عليه السلام .
وقد أسفر ذلك المجلس وتلك الدعوة عن هذه الاُمور الثلاثة
الخصوصية الثانية
إنّ القوم من أبي لهب وغيره قالوا ـ وهم يضحكون ـ لابي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لابنك علي .
هذا ممّا يؤيّد استنتاجنا من هذا الحديث واستظهارنا من هذا الكلام ، إنّه حتّى أُولئك المشركون أيضاً فهموا من هذا الحديث ومن هذا اللفظ ومن كلام رسول الله : إنّه يريد أن ينصب عليّاً إماماً مطاعاً من بعده لعموم الناس .
الخصوصية الثالثة
استدلال أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الخبر في جواب سائل ، يروي هذا الحديث النسائي في صحيحه(1) يقول : إنّ رجلاً قال لعلي : يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمّك دون عمّك ؟ أي ، بأيّ دليل
____________
1- خصائص أمير المؤمنين : ٨٦ ، ط الغري ، وهو من صحيحه كما ثبت في محلّه .
أصبحت أنت وارثاً لرسول الله ولم يكن العباس وارثاً لرسول
الله صلي الله عليه واله ؟ فذكر الامام عليه السلام حديث الانذار ، وجاء في هذا الحديث بهذا اللفظ وقال : أنت أخي ووارثي ووزيري . فذكر أمير المؤمنين في جواب هذا السائل هذا الخبر ثمّ قال: فبذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي .
إذن ، يصبح علي عليه السلام بحكم هذا الحديث القطعي المتفق عليه خليفة لرسول الله ووزيراً له ووارثاً ووصيّاً وقائماً مقامه ووليّه من بعده ، والناس كلهم مأمورون لانْ يطيعوه ويسمعوه .
أو ليست الخلافة والامامة هذا ؟
وأيّ شيء يريدون منّا عند إقامتنا الادلّة على إمامة أمير المؤمنين أوضح وأصرح من مثل هذه الاحاديث الواردة في كتبهم وبأسانيد معتبرة ينصّون هم على صحّتها ؟
وهل ورد مثل هذا في حقّ أحد غير علي مع هذه الخصوصيات من حيث السند والدلالة والقرائن الموجودة في لفظه ؟
مع علماء أهل السنة في حديث الدار
حينئذ يأتي دور مواقف العلماء من أهل السنّة ، الذين يريدون ـ في الحقيقة ـ أن يبرّروا ما وقع ، الذين يحاولون أن يوجّهوا ما كان !!
اختلفت مواقفهم أمام هذا الحديث الصحيح سنداً ، الصريح دلالةً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .
مع الفضل ابن روز بهان
يقول الفضل ابن روزبهان(1) : إنّ كلمة خليفتي التي هي مورد الاستدلال غير موجودة في مسند أحمد ، وهي من إلحاقات الرافضة .
____________
1- أنظر : دلائل الصدق ٢ / ٣٥٩ .
لو لم يكن مسند أحمد موجوداً بين أيدينا ، لو لم ينظر أحد في كتاب مسند أحمد ، لامكن للفضل أن يتفوّه بمثل هذه الكلمة ويقول هذا الكلام ويتركه على عواهنه ، إذا لم يراجع أحد المسند ، أو كان كتاب المسند غير موجود بين أيدينا ، ولكن يقتضي أن يكون الانسان عندما يتكلّم يتصوّر الاخرين يسمعون كلامه ، ويلتفت إلى أنّهم سيراجعون إلى المصادر التي يحيل إليها ، إمّا إثباتاً وإمّا نفياً ، وإلاّ فمن العيب للانسان العاقل عندما يريد أن يتكلّم يتصوّر الناس كأنّهم لا يسمعون ، أو لا يفهمون ، أو سوف لا يراجعون إلى تلك المصادر أو الكتب التي يذكرها .
إنّ هذا الحديث موجود في غير موضع من مسند أحمد بن حنبل والكلمة أيضاً موجودة في رواية مسند أحمد ، وقد راجعناه نحن ، ومسند أحمد بن حنبل موجود الان بين أيدينا(1) .
فالتكلم بهذا الاُسلوب ، إمّا أن يكون من التعصب وقلة الحياء ، وإمّا أن يكون من الجهل وعدم الفهم ، وإلاّ فكيف يكذّب الانسان مثل العلاّمة الحلّي الذي هو في مقام الاستدلال على العامة بكتبهم ، ينقل عنهم ليستدلّ بما يروونه ، فيلحق كلمة أو كلمات في حديث ،
____________
1- مسند أحمد ١ / ١١١ .
وهو في مقام الاحتجاج والاستدلال ؟! هذا شيء لا يكون من مثل العلاّمة وأمثاله .
هذا بالنسبة إلى الفضل ابن روزبهان ، وقد أراد أن يريح نفسه بهذا الاُسلوب .
مع ابن تيمية
وأمّا ابن تيميّة ، فقد أراح نفسه بأحسن من هذا ، وأراد أنْ يريح الاخرين أيضاً ، قال : هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث ، فما من عالم يعرف الحديث إلاّ وهو يعلم أنّه كذب موضوع ، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات ، لانّ أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أنّ هذا كذب(1) .
إنّ هذا الاُسلوب من الكلام يدلّ بشكل آخر على صحّة هذا الحديث ، وتماميّة الاستدلال بهذا الحديث ، أي لولا صحّة هذا الحديث ولولا تماميّة دلالة هذا الحديث على مدّعى الامامية ، لما التجأ ابن تيميّة إلى أن يقول بهذا الشكل ، وأن يتهجّم على العلماء من الشيعة والسنّة أيضاً لروايتهم هذا الحديث ، لانّه يقول : إنّ أدنى
____________
1- منهاج السنّة ٧ / ٣٠٢ .
من له معرفة بالحديث يعلم أنّ هذا كذب .
إذن ، فأحمد بن حنبل مع علمه بكون هذا الحديث كذباً يرويه أكثر من مرّة في مسنده ! ومحمّد بن جرير الطبري في تاريخه يروي هذا الخبر مع علمه بأنّه كذب ! والنسائي أيضاً ! وأبو بكر البزّار كذلك ! وو ... إلى آخره ، وهؤلاء كبار علمائهم وأعلام محدّثيهم ، يروون مثل هذا الحديث وهم يعلمون أنّه كذب !!
ولو أمكن للانسان أن يرتاح بمثل هذه الاساليب ، فلكلّ منكر أن ينكر في أيّ بحث من البحوث ، في أيّ مسألة من المسائل ، سواء في أُصول الدين أو في فروع الدين ، أو في قضايا أُخرى وعلوم أُخرى ، يكتفي بالانكار ، بالنفي ، والتكذيب .
لكن هذا الاُسلوب ليس له قيمة في سوق الاعتبار ، هذا الاُسلوب لا يسمع ولا يعتنى به ، ولا جدوى له ولا فائدة ، لذلك لابدّ من أساليب أُخرى .
تحريف الحديث
من جملة الاساليب : تحريف الحديث ، فالطبري يروي هذا الحديث في تاريخه وفي تفسيره أيضاً ، إنْ رجعتم إلى التاريخ لرأيتم الحديث كما ذكرناه ، ورووه عنه في كتبهم كصاحب كنز
العمال(1) وغيره ، وأيضاً السيوطي في الدر المنثور(2) يروي هذا الحديث عن الطبري ، وينصّ صاحب كنز العمال على أنّ الطبري قد صحّح هذا الحديث ، فالحديث في تاريخه كما رأيتم وسمعتم .
أمّا في تفسيره ، إذا لاحظتم تفسير الطبري في ذيل هذه الاية المباركة : { وأنذر عشيرتك الاقربين} تأتي العبارة بهذا الشكل : « إنّ هذا أخي وكذا وكذا»(3) ، وأصل العبارة : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم » ، جاء بدل هذه العبارة : « إنّ هذا أخي وكذا وكذا » .
لكنّنا لا نعلم هل هذا من صنع الطبري نفسه ، أو من النسّاخ لتفسيره ، أو من الطابعين ؟ هذا لا نعلمه ، ولا يمكننا أنْ نرمي الطبري نفسه ، لانّه يكون من باب الرجم بالغيب ، لا نتمكّن أن نقول ، أو أن نتّهم الطبري نفسه ، فربّما كان هذا من النسّاخ للتفسير ، أو كان من الطابعين ، والله العالم .
هذا أُسلوبٌ ، أُسلوب التحريف .
وأيضاً ، إذا راجعتم الدر المنثور للسيوطي ، ففي الدر المنثور
____________
1- مجمع الزوائد ٩ / ١١٣ ، كنز العمال ١٣ / ١٣١ .
2- الدر المنثور ٦/٣٢٤ ـ ٣٢٩ ـ دارالفكر ـ بيروت ـ ١٤٠٣ هـ
3- تفسير الطبري ١٩/٧٥ ـ دار المعرفة ـ بيروت . .
ينقل نفس الحديث عن نفس الاشخاص من ابن إسحاق ، وابن جرير الطبري ، وأبي نعيم ، والبيهقي ، وابن مردويه ، وغيرهم ، عندما يصل إلى هذه الجملة التي هي محل الاستدلال ، تأتي الجملة في الدرّ المنثور بهذا الشكل : « فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ، فقلت وأنا أحدثهم سنّاً : أنا ، فقام القوم يضحكون»(1) ، ولا يوجد
أكثر من هذا ، يعني حذف من اللفظ جملة : « ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم » . هذا حذف .
وأيضاً حذفوا منه : قام القوم يضحكون وقالوا لابي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لعليّ . هذا أيضاً محذوف .
وهل هذا من السيوطي نفسه ؟ لا نعلم ، من النسّاخ ؟ لا نعلم ، من الناشرين للكتاب ؟ لا نعلم .
مع الندوي
ومن علماء العامّة المؤلِّفين المعروفين في هذا الزمان : أبو الحسن الندوي .
وهذا الرجل الذي هو من كبار علماء السنّة ، يسكن في الهند ،
____________
1- الدرّ المنثور ٦ / ٣٢٤ و٣٢٩ .
وعنده دار الندوة مدرسة كبيرة يعلّم هناك الطلبة ويدرّبهم ، وله ارتباطات ببعض الجهات الكذائية ، له كتب ، ومن جملة مؤلفاته كتاب المرتضى سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي عنه الله وكرّم الله وجهه ، وهو كتاب صغير في حجمه جدّاً ، وكثير من مطالب هذا الكتاب لا علاقة لها بأمير المؤمنين أصلاً ، لعلّ مائة صفحة أو مائة وخمسين صفحة من هذا الكتاب ـ الذي هو في مائتين وخمسين صفحة تقريباً ـ يتعلّق بأمير المؤمنين ، وأصبح كتاب سيرة علي بن أبي طالب رضي عنه الله وكرّم الله وجهه !! في مائة وخمسين صفحة تقريباً !!
فهناك عندما يصل إلى هذه القضية يقول : وتكلّم ابن كثير في بعض رواة القصة ، وفيها ما يشكك في صحّتها وضبطها . انتهى ، وهذا غاية ما حقّقه هذا الرجل العالم في نظرهم الذي له أتباع وأنصار في مختلف البلاد .
مع هيكل
وأمّا محمّد حسين هيكل ، فقد قامت القيامة عليه عندما نشر كتابه حياة محمّد ، وذكر القصة كما هي في كتب القوم في كتابه المذكور ، قامت القيامة ضدّه حتّى ألجأوه إلى حذف القصة في الطبعة الثانية من كتابه .
مع البوطي
ويأتي محمّد سعيد رمضان البوطي ، فيؤلّف كتاباً في السيرة النبويّة يسمّيها فقه السيرة النبويّة ، يكتب السيرة النبويّة كما يشاء له هواه ، وهناك إذا راجعتم لا يشير إلى هذه القصة لا من قريب ولا من بعيد ، وهذا أيضاً له أنصار وأتباع وأعوان ، ويذكر كعالم من علمائهم في هذا الزمان .
خاتمة المطاف
فتلخص ممّا ذكرنا : إنّ الحديث حديث متفق عليه بين الطرفين ، مقطوع الصدور ، وقد يمكن دعوى أنّ هذا الخبر قد بلغ إلى حدّ الدراية ولا يحتاج إلى رواية ، ورواه كبار علماء القوم في كتبهم ونصّوا على صحّته كما ذكرت لكم بعض الكلمات .
كما أنّي حاولت أنْ أُحصّل على سند محمّد بن إسحاق نفسه كي أرى مدى اعتبار هذا السند ، وقد قرأته لكم ووثّقت رجاله ، إلاّ عبد الغفار بن القاسم الذي تكلّموا فيه ، لانّه كان يذكر بعض معايب عثمان ورموه بالتشيّع والرفض ، وقد قلنا : إنّ التشيّع والرفض لا يضرّان بالوثاقة كما نصّ الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة شرح البخاري ، مضافاً إلى أنّ هذا الرجل يثني عليه شعبة ويروي عنه ، وشعبة عندهم أمير المؤمنين في الحديث .
فإذاً تمّ سنده ، وكانت دلالته صريحة ، ورأينا أنّهم ليس لهم
كلام معقول في الجواب عن هذا الاستدلال .
مثلاً : إذا تراجعون منهاج السنّة يقول في الاشكال على هذا الخبر : بأنّ رجال قريش في ذلك العهد لم يكونوا يبلغون الاربعين ، وهذا من علائم كذب هذا الخبر .
هذا وجه يقوله ابن تيميّة ، لا أدري من الّذي يرتضي هذا الكلام من مثل هذا الشخص الذي هو شيخ إسلامهم !؟
وأيضاً : إنّه يشكل على هذا الخبر بأنّ العرب لم يكونوا أكّالين بهذا المقدار ، بحيث أنّ هؤلاء أكلوا وشبعوا والطعام كفاهم كلّهم ، فهذا من قرائن كذب هذا الخبر .
ليس عندهم كلام معقول يذكر في مقام ردّ الاستدلال بهذا الحديث ، لذا تراهم يلتجئون إلى التحريف ، يلتجئون إلى التصرّف في الحديث .
وإنّني على يقين بأنّ الباحث الحرّ المنصف ، إذا وقف على هذا المقدار من البحث ، أيّ باحث يكون ، سواء كان مسلماً أو خارجاً عن الدين الاسلامي ، ويريد أن يحقّق في مثل هذه القضايا ، لو أُعطي هذا الحديث مع مصادره ، وعرف رواة هذا الحديث ، وأنّهم كبار علماء السنّة في العصور المختلفة ، ثمّ لاحظ متن الحديث ولفظه بدقّة ، ثمّ راجع كلمات المناقشين في هذا الحديث
والمعارضين لهذا الاستدلال ، من مثل ابن تيميّة والفضل ابن روزبهان وأمثالهما ، وثمّ تصرّفات هؤلاء في متن هذا الحديث .
لو أنّ هذا الباحث الحرّ المنصف يحقّق هذه الاُمور ، وفي ما يتعلّق بهذا الحديث وحده فقط ، أنا على يقين بأنّ الباحث الحر المنصف يكفيه هذا الحديث للاعتقاد بإمامة علي بعد رسول الله ، كما أنّي أعتقد أنّ الذين يأخذون معارف دينهم ومعالم دينهم من مثل الفضل ابن روزبهان أو من مثل ابن تيميّة أو الندوي أو البوطي ، لو دقّقوا النظر وراجعوا القضايا على واقعيّاتها ، واستمعوا القول لاتباع الاحسن ، لرفعوا اليد عن اتباع مثل هؤلاء الاشخاص ، وعن أن يقلّدوهم في أُصولهم وفروعهم .
ولكنّ الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهدي أحداً يهديه ، وما تشاءون إلاّ أنْ يشاء الله .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .
وللموضوع تتمة .. إن شاء الله
|