بابٌ فضلُ كلِّ كلْمٍ في سبيل الله فكيف بالقتلِ
الحديث الثاني والثلاثون : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ)) رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم.
بعض معاني الكلمات:
يكلم : يجرح
يثعب : يجري، وقال النووي : بفتح الياء والعين وإسكان المثلثة بينهما ومعناه يجرى متفجرا أي كثيرا.
بعض فوائد الحديث :
الأولى: فضل الجرح في سبيل الله سواء كان صغيراً أم كبيراً.
الثانية: رُبَّ جريح أو قتيل في الصف الله أعلم بنيته، قال ابن عبد البر : ((وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "والله أعلم بمن يكلم في سبيله" دليل على أن ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيته ويعلم الله من قلبه أنه خرج يريد وجهه ومرضاته لا رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخراً))اهـ.
الثالثة : مدارُ قبول الأعمال الصالحة وانتفاع العبد بها مبنيٌّ على صحة النية واستقامة القصد، كما ذكر السندي : ((أن المدار على الإخلاص الباطني المعلوم عند الله لا على ما يظهر للناس))، وفي هذا تنبيه على خطر النية وضرورة معالجتها حتى لا يجتمع عليه كَلْمانِ كلم الدنيا بالجراح والآلام والآخرة بضياع الثواب ونزول العقاب.
الرابعة : عِظَم فضل الشهادة في سبيل الله، فإذا كان ما ذكر هو في الجرح –وقد يكون صغيراً- فكيف بمن تتقطع أشلاؤه وتتطاير أطرافه وأعضاؤه في سبيل الله تعالى.
وذلك في ذات الإله وإن يشأ .... يبارك على أوصال شول ممزع
قال الشيخ عبد الله بن جبرين –رحمه الله- : ((وإذا كان هذا في فقد عضوٍ أو جرح أو نحو ذلك فأعظم من ذلك أن يفقد نفسه، يعني: أن يُستشهد في سبيل الله، فإنه والحال هذه أعظم أجراً وأكثر ثواباً))اهـ.
الخامسة: محبة الله لرؤية آثار الطاعة على عبده؛ ولهذا فالشهيد لا يغسل دمه في الدنيا، ويأتي يوم القيامة بجراحه ودمه ينزف، تنويها بعلو منزلته وجلالة كرامته، قال ابن حجر –رحمه الله- : ((قال العلماء الحكمة في بعثه كذلك أن يكون معه شاهد بفضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى))اهـ.
السادسة : التحريض على الجهاد لنيل فضائله ومنها ما جاء في هذا الحديث، قال ابن عبد البر : ((هذا من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله والحض على الثبوت عند لقاء العدو))اهـ
|