استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-05-2026, 06:12 AM   #217

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا... ﴾

قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 148] قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾ أي: ولكل أمة، ولكل أحد جهة.

﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ قرأ ابن عامر: ﴿ مُوَلِّيهَا ﴾ بفتح اللام وألف بعدها، اسم مفعول، أي: هو موجّه ومصروف إليها وقرأ الباقون: ﴿ مُوَلِّيهَا ﴾ بكسر اللام وياء بعدها، اسم فاعل، أي: متوجه إليها، ومستقبلها، سواء كانت وجهة حسية، كالقبلة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145]، أو كانت وجهة معنوية كالإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، والخير والشر.

فلكل أمة قبلة يتوجهون إليها، ولكل أحد منهج ومسلك يتوجه إليه ويسلكه قدراً، أو قدراً وشرعاً، كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 48]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، وقال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9 - 10]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 84].

وقال صلى الله عليه وسلم: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"[1].

قال لبيد[2]:
وما الناس إلا عاملان فعامل
يُتَبِّر ما يبني وآخر رافع


﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ضُمِّن الفعل ﴿ فَاسْتَبِقُوا ﴾ معنى "افعلوا" ولهذا تعدى بنفسه، أي: افعلوا الخيرات، وبادروا إليها، وتسابقوا فيها، وذلك بالتوجه إلى المسجد الحرام، والمبادرة إلى فعل الواجبات في أول وقتها، إبراء للذمة، كالصلاة والصيام والحج وإخراج الزكاة، والبعد عن المنهيات، والإكثار من السنن والمستحبات، والإحسان قولاً وفعلاً وبذلاً.

كما قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، وقال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21]، وقال: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [الواقعة: 10، 11]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26].

فالحياة ميدان سباق "وَمَن بَطَّأَ به عمله لم يُسْرِع به نَسَبُه"[3].

وقد عرف سلف هذه الأمة والموفقون هذه الحقيقة، فكانوا يسابقون الزمن، لتحصيل الخيرات والأعمال الصالحات، وينافسون في ذلك؛ ولهذا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة تسابق أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، فجاء عمر بنصف ماله، وجاء أبوبكر بكل ماله، فعلم عمر رضي الله عنه أن لن يسبق أبابكر، وقال: "لا أسابقك إلى شيء أبداً"[4].

وقد أحسن القائل:
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه
فمن كان اسعى كان بالمجد أجدرا
فلم يتأخر من أراد تقدمًا
ولم يتقدم من أراد تأخرا[5]


وفي قوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ إشارة إلى أنه لا ينبغي الاغترار بما عليه الكثرة الكاثرة من الناس من الزهد فيما عند الله؛ لأن أكثرهم لم يقدروا الأمر قدره، كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ هذه الجملة كالتعليل لقوله: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾، و"أين" شرطية، و"ما" زائدة إعراباً مؤكدة من حيث المعنى. و"تكونوا" فعل الشرط، مجزوم بحذف النون، و"يأت" جواب الشرط مجزوم بحذف الياء و"كان" تامة، أي: في أي مكان توجدون من بر أو بحر أو جو، ومهما تفرقت أجسادكم بعد الموت والبلى فإن الله- عز وجل- يأتي بكم جميعاً يوم القيامة، من آمن ومن كفر، ومن سابق إلى الخيرات، ومن تباطأ عنها.

وفيه إشارة إلى أن المهم المسابقة إلى الخيرات، لا استقبال الجهات- مع ما فيه من الترغيب والترهيب، كما قال تعالى: ﴿ ﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الكهف: 48]، وقال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: 3، 4]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات: 9، 10]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الواقعة: 49، 50]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 9].

وكما أن مرجع جميع الخلائق إليه يوم القيامة، فكذلك يجب أن يكون مرجعهم في الدنيا إليه- عز وجل- وحده، وإلى ما دل عليه وأوصل إليه، وهو ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الحق وما وجهه إليه.

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذه الجملة مؤكدة بـ"إن"، وبتقديم المتعلق وهو قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾؛ للدلالة على عموم قدرته- عز وجل- على كل شيء، وأنه ذو القدرة التامة على كل شيء، أيًّا كان ذلك الشيء، صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، من جمع الخلائق، وغير ذلك، فلا يعجزه شيء، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [فاطر: 44].

المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن »

[1] سبق تخريجه.

[2] انظر: "ديوانه" ص56.

[3] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (2699)، والترمذي في القراءات (2945)، وابن ماجه في المقدمة (225) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أبوداود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675)- من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[5] البيتان لابن هانئ. انظر: "ديوانه" ص140.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:15 AM   #218

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 149].


قوله: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الإمام المقتدى به في الصلاة، والرسول الذي للأمة فيه أُسوة، وقد يكون الخطاب له صلى الله عليه وسلم ولكل مسلم مصل.

وهذا أمر ثان بالتوجه في الصلاة إلى المسجد الحرام، تأكيداً للأمر الأول، أي: ومن أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها، وفي أي مكان كنت فتوجه واستقبل جهة المسجد الحرام.

﴿ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [البقرة: 147]، وقال تعالى قبل ذلك: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144].

والواو في قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾: عاطفة، و"إن" حرف توكيد ونصب، والضمير الهاء اسمها، يعود إلى المصدر المفهوم من الأمر السابق.

﴿ لَلْحَقُّ ﴾ خبر "إن" واللام فيه للتوكيد أي: وإن توليك وتوجهك جهة المسجد الحرام هو الحق الثابت من ربك وما عداه فباطل.

وقوله: ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: من خالقك، ومالكك ومدبرك، ومتوليك بربوبيته الخاصة بأوليائه.

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ الواو: استئنافية، والباء حرف جر زائد من حيث الإعراب مؤكد للنفي من حيث المعنى، والغفلة: السهو والذهول.

﴿ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾"ما" مصدرية، أو موصولة. قرأ أبوعمرو: (يَعمَلوُنَ) بالياء، والضمير الواو يعود إلى المخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وغيرهم، وقرأ الباقون: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء خطاباً للمسلمين، أو للمسلمين وغيرهم.

أي: وما الله بغافل عن الذي تعملون أو عن عملكم، أو: وما الله بغافل عن الذي يعملون أو عن عملهم، بل هو بصير بهم وبأعمالهم وبكم وبأعمالكم خبير بها، وسيجازيهم ويجازيكم عليها، وفي هذا وعد للمؤمنين المتبعين، ووعيد للمخالفين المعارضين، في أمر القبلة وغيره.
المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:18 AM   #219

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ... الآية

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: 150]

قوله: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ هذا أمر وتأكيد ثالث باستقبال المسجد الحرام، وإنما جاء الأمر على هذه الكيفية من التوكيد والإطناب؛ لإرغام أنوف المكذبين المنكرين لذلك، ولعظم الأمر وأهميته، فليس من السهل تحول الناس عن قبلة كانوا عليها إلى قبلة أخرى، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة: 143] لهذا اقتضى الأمر هذا التأكيد والإطناب.

كما أن في تكرار قوله عز وجل: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ الآية، تمهيداً وتوطئة لقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ الآية.

وشبيه بهذا- وإن كان دونه- تحريم الخمر- حيث جاء متدرجاً على أربع مراحل، نظراً لتعلق الناس بشربها- كما يشربون الماء الزلال، فكان من الصعب نقلهم فجأة إلى تحريمها، فجاء التدرج في ذلك؛ لهذا السبب.
وهكذا الأمر في توريث النساء والصبيان، وغير ذلك.

﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي: وفي أيّ مكان كنتم من الأرض، أيها المؤمنون، فولوا وجوهكم في الصلاة جهة المسجد الحرام في مساجدكم، وفي بيوتكم، رجالكم ونساؤكم. ولم يقل: (ومن حيث خرجتم)؛ لأن الخطاب يتناول جميع المؤمنين، ومنهم من لا يخرج إلى الصلاة كالنساء، وأهل الأعذار.

﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ اللام للتعليل، أي: لأجل أن لا يكون للناس عليكم حجة، أي: أن من حكمة أمركم بالتوجه شطر المسجد الحرام، وتأكيد ذلك ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ .

والمراد بالناس كل من أنكر توجه المسلمين إلى المسجد الحرام، وتحولهم من بيت المقدس، من اليهود والمشركين والمنافقين.

والحجة: ما يحتج به من دليل أو تعليل ونحو ذلك.
أي: لئلا يكون لليهود والمشركين عليكم أيها المؤمنون حجة قد يمكن قبولها لو لم نوجهكم إلى استقبال المسجد الحرام ونؤكد لكم ذلك، أو لو لم تمتثلوا أمر الله لكم بذلك، كقول اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، لو بقي على استقبال بيت المقدس: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، وكقولهم: صلى إلى قبلتنا وسيتبع ملتنا، وقولهم: صلى إلى قبلتنا، وخالف ديننا، وأيضاً فإنهم يعلمون أن قبلته المستقرة هي الكعبة.

وكقول المشركين: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل، وآثر عليها قبلة اليهود وداهنهم.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ الاستثناء منقطع، و"إلا" بمعنى "لكن" أي: لكن الذين ظلموا منهم.

ويحتمل كون الاستثناء متصلاً، أي: إلا الذين ظلموا من الناس، أي: من اليهود والمشركين والمنافقين، وهم المعاندون المكابرون منهم، ذوو الحجج الداحضة الباطلة، الذين لا يقبلون الحق مهما تبين.

كقول اليهود: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة: 142]، وقولهم: ترك ملتنا إلى ملة آبائه.
وكقول المشركين: ندم محمد على فراق ديننا، وسيرجع إليه، كما رجع إلى قبلتنا.

وكقول المنافقين، المذبذبين بين حجج اليهود والمشركين الباطلة: لو كان هذا الرجل نبيًّا حقًّا لثبت على قبلة واحدة.

فهؤلاء ظالمون، وحججهم داحضة، ولا حيلة فيهم؛ لأنهم لا يقبلون الحق مهما تبين، ولا يرضون عنكم إلا باتباع مللهم وأهوائهم الباطلة، ويأبى الله ذلك.

لكن ينبغي قطع الطريق أمام حجج المبطلين وشبههم، ودفع ملامة اللائمين ما أمكن، كما جاء في الأثر "رحم الله امرأً كفّ الغيبة عن نفسه".

﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ أي: فلا تخشوا هؤلاء الظلمة المعاندين المخالفين للحق من اليهود والمشركين والمنافقين، مهما قالوا، ومهما أرادوا بكم من أذى، فحججهم داحضة وشبههم واهية، والله لهم بالمرصاد.

والخشية: أخص من الخوف.
﴿ وَاخْشَوْنِي أي: واخشوني وحدي، فأنا القادر على نصركم، وحفظكم منهم وقدم النهي عن خشيتهم؛ لأن التخلية قبل التحلية.

﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ معطوف على قوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي: ولأتم نعمتي عليكم، فيما شرعت لكم من استقبال المسجد الحرام، قبلة أبيكم إبراهيم- عليه السلام- لتكمل شريعتكم من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3].

﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: ولأجل أن تهتدوا إلى العلم النافع والعمل الصالح، وإلى ما ضلت عنه الأمم قبلكم مما فضلكم الله به؛ من استقبال المسجد الحرام.

فوجّه- عز وجل- المسلمين إلى استقبال المسجد الحرام وأكد ذلك عدة مرات لعلل ثلاث: قطع الحجة على المعترض من الناس، إلا من كان ظالماً لا حيلة فيه، ولإتمام نعمته- عز وجل- عليهم، ولأجل أن يهتدوا إلى العلم النافع والعمل الصالح.

المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن »




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:23 AM   #220

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

الفوائـد والأحكـام في سورة البقرة، الآيات (144-150)

1- إثبات وتحقيق أن الله- عز وجل- يَرى ويُبصر جميع الكائنات والمخلوقات؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 144]، كما قال تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ [الأنعام: 103].

2- عناية الله- عز وجل- بنبيه صلى الله عليه وسلم ونظره في تقلب وجهه في السماء، وإجابته دعاءه وإرضاؤه.

3- محبته صلى الله عليه وسلم وتشوقه وتشوفه إلى تحويله إلى الكعبة، قبلة أبيه إبراهيم- عليه السلام- وإلحاحه في دعاء ربه- عز وجل- أن يحوله إليها، وذلك أول مقدمه المدينة.

4- إثبات أن الله- عز وجل- في السماء عالٍ على خلقه، بائنٌ منهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو وينظر إلى السماء، ينتظر الوحي من الله- عز وجل- الذي في السماء كما قال تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ [الملك: 16، 17].

5- جواز رفع النظر إلى السماء، حال الدعاء، وذلك في غير الصلاة؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وقد أقره الله على ذلك، فقال: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ أما في الصلاة، فلا يجوز رفع البصر إلى السماء؛ لورود النهي عنه، والوعيد الشديد في ذلك[1].

6- إثبات العظمة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ نَرَى ﴾، ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ﴾ بضمير الجمع في الموضعين للتعظيم.

7- أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرع كله من عند الله- عز وجل- ووحيه، لا من تلقاء نفسه، ولهذا مع محبته صلى الله عليه وسلم التوجه إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم- عليهما الصلاة والسلام- لم يتوجه إليها حتى أمره الله بذلك.

8- وعد الله- عز وجل- الذي لا يتخلف لرسوله صلى الله عليه وسلم بتوجيهه قبلة يرضاها، وشرفه صلى الله عليه وسلم عند ربه- عز وجل- وعناية الله به، حيث يسارع- عز وجل- في رضاه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ [البقرة: 144].

9- تحقيقه- عز وجل- وعده لنبيه، وأمره له صلى الله عليه وسلم بالتوجه نحو المسجد الحرام، وأمر المؤمنين بالتوجه نحوه، من جميع جهات الأرض وأقطارها، أينما كانوا؛ لقوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144].

وفي هذا نسخ للتوجه إلى بيت المقدس، الذي كان صلى الله عليه وسلم عليه قبل نزول هذه الآيات، وهو أول نسخ في القرآن الكريم، وفي الإسلام، من نسخ السنة بالقرآن، وقيل: من نسخ القرآن بالقرآن.

10- إثبات حرمة المسجد الحرام، ووجوب احترامه وتعظيمه؛ لقوله تعالى: ﴿ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾.

11- في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم والأمة جميعاً بالتوجه إلى قبلة واحدة أعظم رمز لوحدة الأمة الإسلامية، مما يوجب على الأمة تتويج هذه الوحدة بتضامنها وتعاونها واجتماعها وألفتها، والقضاء على أسباب الخلاف بينها.

12- وجوب استقبال المسجد الحرام في جميع الصلوات، في أي مكان كان المصلي، في البر أو البحر أو الجو؛ لقوله تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144] فذلك شرط من شروط الصلاة.

ويستثنى من ذلك صلاة النافلة في السفر، فإن المسافر يصليها حيث توجهت راحلته؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 115].

كما يخص من ذلك الصلاة حال التحام القتال والمسايفة، فيصلون على أي حال، وإلى أي جهة- حسب الحال والإمكان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239].

ومثل ذلك المريض، الذي لا يستطيع التوجه إلى القبلة، وليس عنده من يوجهه إليها، ونحوه.

كما يخص من ذلك من جهل القبلة في السفر، فإنه يجتهد ويصلي، فإن أخطأها، فلا إعادة عليه، لأنه اتقى الله ما استطاع.

13- أن الواجب استقبال المسجد الحرام في الصلاة بجميع البدن؛ لأن الله أمر بتولية الوجه شطره، والوجه واجهة البدن كله، ويجب استقبال عين الكعبة ما أمكن لمن بداخل الحرم، ويجب على من بخارجه إصابة جهتها لتعذر إصابة عينها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"[2].

14- ينبغي أن ينظر المصلي أمامه، حيث ولى وجهه، إما تلقاء وجهه، أو إلى موضع سجوده، أو إلى سبابته، حسب حاله في الصلاة؛ لأن ذلك من تمام تولي الوجه شطر المسجد الحرام.

15- تحريم الالتفات بجميع البدن في الصلاة، وأنه مبطل لها؛ لأنه خلاف ما أمر الله به من تولية الوجه شطر المسجد الحرام.

16- تأكيد علم أهل الكتاب أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوجه إلى الكعبة هو الحق، لكنهم أنكروه عناداً منهم وحسداً وبغياً، والإشارة إلى عدم المبالاة بهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144].

17- إثبات ربوبية الله- عز وجل- العامة لجميع الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ وهو- عز وجل- ربهم ورب جميع الخلق.

18- في إضافة ضمير أهل الكتاب إليه- عز وجل- في قوله ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ تذكير لهم بنعم الله- عز وجل- عليهم واستمالة لقلوبهم- علها أن تلين، ولكن هيهات.

19- كمال علم الله- عز وجل- وإحاطته بأعمال أهل الكتاب وغيرهم، وعدم غفلته عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144] وهذه من الصفات المنفية الدالة على كمال ضدها.

20- الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد لأهل الكتاب، الذين أنكروا التوجه إلى المسجد الحرام، وهم يعلمون أنه الحق، بأن الله ليس بغافل عما يعملون، وسيجازيهم بما يستحقون، وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم.

21- حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق بشتى الوسائل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ﴾ [البقرة: 145].

22- شدة تعنت أهل الكتاب وعنادهم ومخالفتهم للحق، مع قيام الحجة، وبيان المحجة، لهذا أقسم الله- عز وجل- لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته، وهذا ينبئ عن مرض قلوبهم. وفيه تقوية لقلبه صلى الله عليه وسلم؛ ليستعد لهم، ولا يشق عليه أمرهم.

23- أن رد الحق بعد معرفته، وقيام الأدلة عليه من صفات أهل الكتاب، وبخاصة اليهود، فيجب الحذر من مسلكهم، والتشبه بهم.

24- تأكيد تميزه صلى الله عليه وسلم في قبلته عن أهل الكتاب، وثباته على قبلته "الكعبة"، وعدم اتباعه قبلتهم، واستحالة ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معصوم عن مخالفة أمر الله- عز وجل- كما أن أتباع شرعه لا يمكن أن يتبعوا قبلة غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ [البقرة: 145].

25- اختلاف قبلة اليهود والنصارى، فاليهود قبلتهم إلى بيت المقدس، والنصارى قبلتهم إلى المشرق، ولا يمكن أن يتبع بعضهم قبلة بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ [البقرة: 145].

26- ذم أهل الكتاب باتباعهم أهواءهم.

27- تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع أهواء أهل الكتاب، بعد الذي جاءه من العلم والوحي من عند الله- عز وجل- فيكون من الظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145].

وحاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الخلق، وهو تحذير له صلى الله عليه وسلم ولأمته، وفيه تأكيد أنه لا محاباة لأحد من الخلق عند الله أيًّا كان- إنما الشأن كل الشأن في اتباع هدى الله ومخالفة الهوى.

28- إثبات صدق رسالته صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به من الوحي من عند الله عز وجل، وليس من تقوّله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [البقرة: 145].

ففي هذا إثبات مجيء العلم له صلى الله عليه وسلم، وهو الوحي من الله- عز وجل- والعلم الشرعي الذي هو أصل العلوم كلها.

29- أن الذم والوصف بالظلم إنما يكون لمن ترك الحق عن علم؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾.

30- أن اتباع الهوى ومخالفة الهدى من أعظم الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾.

31- معرفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته، وأن ما جاء به حق، من التوجه إلى الكعبة، وغير ذلك من الشرع، كما يعرفون أبناءهم؛ لما في كتبهم من البشارة به، وصفته صلى الله عليه وسلم، وصفة دينه وأمته؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146].

32- التنديد بكتمان فريق من أهل الكتاب ما عندهم من العلم بصدق رسالته صلى الله عليه وسلم، وما جاء به؛ كتماناً للحق وإنكاراً له، وتكذيباً به، وذمهم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146].

33- أن من أهل الكتاب من لم يكتم ما في كتبهم من البشارة به صلى الله عليه وسلم وبدينه وصفة ذلك، بل شهدوا بصدقه صلى الله عليه وسلم، وهم قليل، منهم عبدالله بن سلام- رضي الله عنه- من اليهود، والنجاشي من النصارى، ومنهم من لم يحصل منه لا هذا ولا هذا بل كفر جهلاً.

34- أن من رد الحق وخالفه عن علم ومعرفة أعظم جرماً وأشد ذمًّا ممن رده وخالفه عن جهل وبلا علم، بل إن الجاهل قد يعذر لجهله في بعض الأحكام.

35- تقرير وتوكيد أن ما جاءه صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه هو الحق الثابت من ربه- عز وجل- تثبيتاً له صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [البقرة: 147].

36- إثبات ربوبية الله- عز وجل- الخاصة لرسله وأوليائه، وأولاهم بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ وفي إضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم تشريف وتكريم له.

37- في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الامتراء- وحاشاه من ذلك- دلالة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [البقرة: 147].

38- لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه، بل ولا إمكان وقوعه، فالامتراء والشك مستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشك ينافي الإيمان، وهو أول المؤمنين، ومعصومٌ من الشك.

39- أن لكل أحد ولكل أمة وجهة حسية كانت أو معنوية، فلكل أمة قبلة، ولكل أمة شرعها ومنهاجها، ولكل فرد من الناس وجهته وعمله، فمن عامل خيراً ومزكٍّ نفسه ومعتقها وقائدها إلى الفلاح، ومن عامل شرًّا ومهين نفسه وموبقها وقائدها إلى الهلاك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ [البقرة: 148].

40- الحث على المبادرة إلى الخيرات، والأعمال الصالحات، والمسابقة إليها، وفيها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148].

41- عدم الاغترار بما عليه أكثر الناس من الوجهات والمناهج المختلفة المخالفة للحق، ووجوب لزوم طريق الخير والحق والعدل.

42- إثبات بعث الخلائق كلهم وجمعهم عند الله- عز وجل- يوم القيامة، مهما تفرقوا في البلاد، وتفتتت منهم بعد البلى الأجساد؛ لقوله تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 148].

43- إثبات وتأكيد قدرة الله- عز وجل- التامة على كل شيء من بعث الخلق وجمعهم وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 148].

44- الأمر ثانياً وثالثاً باستقبال المسجد الحرام؛ تأكيداً لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام؛ نظراً لعظم وقع ذلك على النفوس، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ [البقرة: 143]، وإزالة للشك والريب في ذلك، وإرغاماً للمعارضين والمعاندين.

45- تأكيد حرمة المسجد الحرام، ووجوب احترامه وتعظيمه.

46- تأكيد أن ما جاءه صلى الله عليه وسلم من الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام هو الحق من ربه- عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [البقرة: 149].

47- تأكيد كمال علمه- عز وجل- وإحاطته بأعمال العباد، وأنه ليس بغافل عنها، بل هو مطلع عليها، وسيحصيها عليهم، ويجازيهم بها، وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 149].

48- إثبات أفعال العباد الاختيارية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 149]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144] حيث أضاف العمل إليهم، وفي هذا رد على الجبرية الذين يسلبون العبد الاختيار، ويزعمون أنه مجبور على فعله.

49- قطع حجة المخالفين المعاندين، بالأمر باستقبال المسجد الحرام، وتأكيد ذلك، وأمر المؤمنين بامتثال ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ [البقرة: 150].

50- أن الظالمين من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين ونحوهم لن يقبلوا الحق مهما تبين، وسيردونه بأضعف الحجج وأوهاها؛ لأنهم إنما يتبعون أهواءهم الباطلة، ولهذا قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 150] أي: فلا حيلة فيهم ولا سبيل لقبولهم الحق.

51- وجوب خشية الله- عز وجل- وحده، واتباع أمره والعمل بشرعه، وعدم خشية من سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾ [البقرة: 150] وفي هذا تقوية لقلوب المؤمنين أمام كيد أعدائهم.

52- فضل الله- عز وجل- على هذه الأمة بإتمام نعمته عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 150].

53- أن توجيه المؤمنين لاستقبال المسجد الحرام من إتمام النعمة على هذه الأمة، حيث وجههم لأشرف قبلة، قبلة أبيهم إبراهيم- عليه السلام.

54- أن الله- عز وجل- أمر المؤمنين بالتوجه إلى الكعبة؛ لأجل أن يهتدوا إلى ما ضلت عنه الأمم قبلهم مما خص الله به هذه الأمة، وفضلها به من توجيههم لأشرف قبلة، كما خصهم بيوم الجمعة الذي ضلت عنه اليهود والنصارى، كذلك خصهم بأن جعلهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.

55- حكمة الله- عز وجل- التامة في أمر المؤمنين باستقبال المسجد الحرام وتوجههم نحوه، ففي ذلك قطع حجج المخالفين، وإتمام نعمته على هذه الأمة، وهدايتهم للعلم النافع والعمل الصالح، ولما ضل عنه أهل الكتاب قبلهم.

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1] كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم" أخرجه البخاري في الأذان (750). وفي حديث جابر بن سمرة: "أو لا ترجع إليهم أبصارهم" أخرجه مسلم في الصلاة (428).

[2] أخرجه الترمذي في الصلاة (342)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1011)- من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وروى الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر نحوه.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2026, 04:44 AM   #221

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ... ﴾

قوله تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151].

امتن الله عز وجل في الآيات السابقة على المؤمنين بتوجيههم إلى الكعبة قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام؛ إتماماً لنعمته عليهم وهدايتهم، ثم ذكرهم بسابق إنعامه عليهم بما هو أعظم بل بما هو أصل كل نعمة وهو إرسال محمد صلى الله عليه وسلم فيهم.

قوله: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾ الكاف للتشبيه، وهي محل نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير: وَجَّهتكم إلى الكعبة قبلة أبيكم إبراهيم لأتم نعمتي عليكم ولهدايتكم، وذلك كإنعامنا عليكم في إرسال محمد صلى الله عليه وسلم فيكم.

أي: أن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة ليس ببدع من نعمنا عليكم ولا بأولها بل أنعمنا عليكم قبل ذلك بما هو أجل وأعظم وهو إرسالنا فيكم رسولاً منكم؛ استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في قولهما: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 128، 129].

وقوله: ﴿ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ﴾ أي: بعثنا فيكم، أيها المؤمنون.

﴿ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، ونكّر للتعظيم، أي: رسولاً عظيماً منكم هو محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ مِنْكُمْ ﴾ أي: من أنفسكم ومن جنسكم تعرفونه،ويتكلم بلغتكم؛ ليبين لكم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4].

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ﴾ صفة ﴿ رَسُولًا ﴾ أي: يتلو عليكم آياتنا الشرعية "القرآن الكريم" ويبين لكم ألفاظه، ويتلو ويقص عليكم آياتنا الكونية.

﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾ أي: يطهركم من الشرك والأخلاق الرذيلة، وينمي في نفوسكم الأخلاق الحسنة الكريمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق "[1].

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي: ويعلمكم القرآن، أي: ألفاظه ومعانيه وأحكامه، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44].

﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ أي: السنة، ألفاظها ومعانيها وأحكامها، وأسرار الشريعة، وحِكَمها والفقه فيها.

﴿ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ الجملة معطوفة على قوله:﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة ﴾ مقررة لها، من عطف العام على الخاص.

و"ما": موصولة، أي: ويعلمكم الذي لم تكونوا تعلمونه من أمر الدين والدنيا وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 282].

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1]أخرجه أحمد (2 /381) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-09-2026, 04:47 AM   #222

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]

امتن الله عز وجل على المؤمنين ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم يتلو عليهم آياته يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وهذه أصول النعم كلها وأهمها، ثم فرّع على ذلك أمرهم بذكره وشكره على هذه النعم.

قوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ﴾ قرأ ابن كثير بفتح الياء: ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾، وقرأ الباقون: ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ بإسكان الياء.

والفاء للتفريع، أي: فاذكروني واشكروني مقابل نعمي عليكم أي: فاذكروني بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، فذكر الله بالقلب عدم نسيانه، وأن يكون القلب حاضراً غير غافل عند أداء العبادات القولية والفعلية، كما قال تعالى:
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

وذكر الله باللسان بالنطق بالذكر من قراءة القرآن وأنواع الذكر وكل قول يقرب إلى الله تعالى.

وذكر الله بالجوارح والأعضاء بكل فعل يقرب لله تعالى من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45].

وذِكْرُ الله من حيث الإجمال واجب، أما من حيث التفصيل فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، وفي الحديث: "ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم"[1].

ومعنى "ترة" أي: حسرة وندامة.

﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ جواب الأمر، أي: أذكركم وأثيبكم، بمغفرتي ورحمتي وذكري لكم، كما قال تعالى في الحديث القدسي: "أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"[2].

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما شهدا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"[3].

﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فَاذْكُرُونِي ﴾ أشبه بعطف العام على الخاص؛ لأن الذكر هو رأس الشكر، فأمر بالذكر خصوصاً، ثم من بعده أمر بالشكر عموماً.

و"اللام" في قوله (لي) للاختصاص، أي: اشكروا لي وحدي على ما أعطيتكم من النعم، وما دفعت عنكم من النقم، والشكر: القيام بطاعة المنعم، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا[4]


أي: واشكروني وحدي على ما أنعمت به عليكم بالاعتراف باطناً بقلوبكم بأن هذه النعم مني، والتحدث والثناء بها ظاهراً بألسنتكم، كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]. وباستعمال الجوارح بطاعة الله تعالى شكراً له عليها.

وهو قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة، أي: بقاء للموجود وزيادة من المفقود.

﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ الجملة معطوفة على جملة ﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾ مؤكدة لها.

و"لا": ناهية، والفعل "تكفرون" مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة والنون المذكورة نون الوقاية، وحذفت منه ياء المتكلم تخفيفاً لتناسب الفواصل.

والكفر: الجحود وهو ضد الشكر، أي: ولا تكفروني، ولا تجحدوا نعمتي في حال من الأحوال وفي وقت من الأوقات، بل داوموا على ذكري وشكري وشكر نعمتي.

وكفر النعمة مراتب أشدها جحودها وإنكارها، ونسبتها إلى غير مسديها، ثم قصد إخفائها، ثم السكوت عن شكرها، وقد قال عز وجل: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].
المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن »

[1] أخرجه الترمذي في الدعوات: (3380) من حديث هريرة رضي الله عنه، وقال: "حديث حسن صحيح".

[2] أخرجه البخاري في التوحيد- قول الله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ (7405)، ومسلم في الذكر والدعوات- الحث على ذكر الله تعالى: (2675)، وأحمد (2/251)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (2700)، وأبو داود في الصلاة (1455)، والترمذي في القراءات (2945)، وابن ماجه في المقدمة (225).

[4] البيت لبشر. انظر: "المفضليات" ص344 .


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* القهار - القاهر جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* أوليات أشعرية
* بيان خطورة التنكيت بآيات قرآنية
* المصور جل جلاله وتقدست أسماؤه
* الحشَّاشون أكثر الفرق دموية في التاريخ الإسلامي
* قـامـوس البدع العقـديــة
* من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
----متجدد, الله, الرحمن, القرآن», تفسير, شاء, في, هو, «عون, كتاب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 289 يوم أمس 05:24 AM
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم ملتقى الكتب الإسلامية 269 02-09-2026 03:05 PM
منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 20 01-30-2026 04:05 PM
تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 3 12-26-2025 02:48 PM
كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن أبوالنور ملتقى الكتب الإسلامية 2 07-24-2024 04:32 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009