![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
|
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم مقدمة كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» المقدمـــة: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل عليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا، فقام صلى الله عليه وسلم به حتى تفطرت قدماه[1]، وأقرأه أمته وبلّغهم إياه، وعلّمهم ما فيه من المعاني والهداية والأحكام، وأوصاهم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي...» الحديث[2]. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي نبيًا عن أمته، فقد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى الصلاة، وأتم التسليم. ورضي الله عن صحابته الكرام، الذين كانوا إذا تعلموا عشر آيات من القرآن لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلّموا القرآن والعلم والعمل جميعًا[3]، تعلّموه، وعملوا بما فيه، وعلّموه من بعدهم، ونقلوه بحروفه ومعانيه وأحكامه إلى أقطار الدنيا كلها، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ورحم الله من جاء بعدهم، من سلف هذه الأمة من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم، الذين قاموا بخدمة هذا الكتاب، بما دونوا من مؤلفات فيها بيان معانيه وأحكامه، وحلاله وحرامه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأسباب نزوله، ومكيِّهِ ومدنيِّهِ، وسائر علومه فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وعمّ بالرحمة كل من رفع بهذا الكتاب رأسًا، أو قدم له خدمة، مبتغيًا بذلك وجه الله والدار الآخرة، ونضمنا -بفضله- في سلكهم إنه جواد كريم- أما بعد: فقد لمست من خلال تدريسي للطلاب في الجامعة مدى الحاجة الملحة إلى أن يقدم لهم، بل للأمة كلها تفسير كتاب الله- عز وجل- بغاية من التحقيق والتهذيب، والاختيار للصحيح، أو الراجح والأظهر من الأقوال، وما تحتمله الآيات، مع استخراج ما فيه من الهدايات والفوائد والأحكام، والحكم والمواعظ، والدروس التربوية؛ لكي يؤدي تفسير كتاب الله وتدريسه وتعليمه ثماره المرجوّة؛ صلاحًا في أعمال الأمة، وسموًا في آدابها وأخلاقها وسلوكها، أسوة بخير البشرية صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن؛ لتنشأ أجيال الأمة الإسلامية تحمل القرآن الكريم لفظًا ومعنى، وأحكامًا وآدابًا، تطبيقًا وسلوكًا وأخلاقًا، وهذا ما قصدت التنبيه عليه، والتوجيه إليه في هذا التفسير، قدر جهدي وطاقتي، متمثلًا قول شعيب عليه السلام: ï´؟ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ï´¾ [هود: 88]. وقد سلكت في هذا التفسير مسلك البسط والإيضاح، وتسهيل العبارة؛ لأن هذا المسلك هو الأمثل لتربية المسلمين بالقرآن الكريم وأحكامه وآدابه وأخلاقه، والذي هو الغاية من إنزال القرآن الكريم، وهو حقيقة تدبره وثمرته. وحرصت كل الحرص على أن أختار من الأقوال أصحها وأرجحها وأعمها، وما تحتمله دلالة الآية وسياقها، معتمدًا في ذلك على مصادر التفسير المعتمدة، من تفسير القرآن بالقرآن والسنة، وأسباب النزول وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، ولغة العرب، وعلى كلام محققي أهل العلم، من المفسرين وغيرهم. وإذا كانت الآية تحتمل معنيين أو أكثر ذكرت تلك المعاني، مع حمل الآية على المعنى الأعم الأوسع؛ لأن من قواعد التفسير أن تحمل الآيات على أوسع معانيها. قال ابن القيم[4]: «والمعهود من ألفاظ القرآن كلها أن تكون دالة على جملة معانٍ». وقال الشنقيطي[5]: «تقرر عند العلماء أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعيّن حملها على الجميع». كما حرصت أيضًا على اطّراح الأقوال الشاذة والضعيفة التي لا يؤيدها دليل، لا من السياق، ولا من غيره، بل إن جل هذه الأقوال لا يحتملها معنى الآية ولا سياقها، وما أكثر هذه الأقوال في كتب التفسير، والتي يجب إبعادها عن تفسير كلام الله عز وجل؛ لأنها لم تُبْنَ على دليل، بل هي قول على الله بغير علم، تشغل عن فهم معاني كلام الله- عز وجل- والمراد به، وتشتت القارئ، وتحول بينه وبين الوصول إلى المعنى الصحيح للآيات. قال ابن جرير الطبري[6]: «وغير جائز حمل كتاب الله ووحيه -جل ذكره- على الشواذ من الكلام، وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود». وقال ابن العربي[7]: «وأكثر أقوال المفسرين أضغاث، وآثار ضعاف». وقال ابن القيم[8]: «إن للقرآن عرفًا عامًا، ومعاني معهودة، لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه المعهود من معانيه، فتدبر هذه القاعدة، ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه». وقال أيضًا[9]: «وكذلك كثير من المفسرين يأتون بالعجائب التي تنفر عنها النفوس، ويأباها القرآن أشد الإباء..». وصدق والله، وهذا مما يُعظم المسؤولية على من يتولى تفسير كلام الله -عز وجل- سواء في تفسير يؤلفه، أو مشافهة للناس في المساجد، أو المدارس والجامعات والمنتديات وغير ذلك. وقد أسميت هذا التفسير: «عون الرحمن في تفسير القرآن، وبيان ما فيه من الهدايات والفوائد والأحكام»، فلولا عونه -عز وجل- وتوفيقه ما كتب لهذا العمل التمام. وقد اعتمدت -بعد الله تعالى- في هذا التفسير، على أمهات كتب التفسير وعلوم القرآن، وكتب السنة وعلومها، والفقه وأصوله، وكتب اللغة، والتاريخ والسير، وغير ذلك. وقد حرصت في بداية العمل على الإحالة في كل ما أكتب، ثم آثرت بعد ذلك الاكتفاء من ذلك بما لا بد منه، كتخريج الأحاديث، والآثار والأشعار، وتوثيق النصوص والأقوال المنسوبة، ونحو ذلك، تخفيفًا على الحواشي. وقد اعتمدت فيما لم أُحِل إلى مصدره من القراءات، على كتاب «النشر في القراءات العشر»، كما اعتمدت في الإحالة على «تفسير الطبري» على تحقيق شاكر، وعلى تحقيق التركي. هذا.. وقد بدأت هذه الرحلة مع كتاب الله -عز وجل- وتفسيره قبل ثلاثة عقود، وكانت باكورةَ هذا العمل ونواتَه دروسٌ في التفسير، كنت ألقيها في المساجد في محافظة الشماسية، ثم في بريدة. فقد ضمنت هذا التفسير كل ما ألفته ونشرته من الكتب والرسائل في التفسير؛ وهي: 1) «اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب». 2) «تفسير آيات الأحكام في سورة النساء». 3) «تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة». 4) «انشراح الصدور في تدبر سورة النور». 5) «منحة الكريم الوهاب في تفسير آيات الأحكام في سورة الأحزاب». 6) «تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن». 7) «تنوير العقول والأفهام في تفسير آيات الأحكام»، والذي نشر بعد ذلك باسم «التحقيق والبيان في أحكام القرآن». 8) «حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء». 9) «أحكام المواريث كما جاءت في سورة النساء». 10) «وجوب أداء حقوق النساء ومعاشرتهن بالمعروف». 11) «التوبة وشروطها». 12) «المحرمات من النساء». 13) «آية الحقوق العشرة». 14) «وجوب أداء الأمانات إلى أهلها». 15) «التحية في الإسلام». 16) «أنواع القتل وجزاؤها في الإسلام». 17) «وجوب الهجرة في سبيل الله». 18) «قصر الصلاة في السفر والخوف». 19) «ربح أيام العمر في تدبر سورة العصر». 20) «تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر». 21) «الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين». وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن يعم بنفعه، وأن يضاعف أجره ليَ ولوالديَّ ووالديهم، ولكل مَن استفدت منهم من علماء المسلمين في التفسير وغيره، وأن يبارك في ثوابه لأهلي وأولادي، ومشايخي، ومن أحبني في الله، ومن أحببته في الله، ولكل من قرأ فيه، واستفاد منه، فإن فضله عز وجل عظيم، وكرمه واسع، وجوده عميم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلــف الخميس 3 /3 /1441هـ [1] أخرج مسلم في «صفات المنافقين وأحكامهم» (2820) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «يا عائشة: أفلا أكون عبدًا شكورًا». وأخرج البخاري معلقًا- في «التهجد» قول عائشة فقط بلفظ: «كان يقوم حتى تفطر قدماه». وأخرجا نحوه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عند البخاري حديث (1130)، وعند مسلم حديث (2819). [2] أخرجه مسلم في «فضائل الصحابة»- فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (2408). [3] أخرج هذا الطبري في «جامع البيان» (1 /80) من حديث ابن مسعود، وأبي عبدالرحمن السلمي بإسنادين صحيحين، الأثرين (81، 82/ تحقيق شاكر). [4] في «جلاء الأفهام» ص(308) [5] في «أضواء البيان» (3 /124). [6] في «جامع البيان» (4 /153/ تحقيق شاكر). [7] في «أحكام القرآن» (1 /329). [8] في «بدائع الفوائد» (3 /27-28). [9] في «الصواعق المرسلة» (2 /694). اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
أركــــان الاســــتعاذة فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم تتكون الاستعاذة- كما يقول بعض أهل العلم[1]- من خمسة أركان هي: أ- صيغة الاستعاذة ولفظها، وقد تقدم. ب- المستعيذ، وهو المؤمن الذي رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، ونطق بالاستعاذة، وواطأ عنده القلب اللسان، فأيقن أن هذه الاستعاذة تحميه، بإذن الله من الشيطان الرجيم. ج- المستعاذ به وهو الله- جل وعلا- الذي مَن استعاذ به أعاذه، وأجاره وعصمه، وحفظه وحماه، كما أعاذ مريم ابنة عمران وذريتها وعصمها بسبب دعاء والدتها امرأة عمران وإعاذتها إياها بالله من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: ï´؟ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ï´¾ [آل عمران: 36، 37]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا إلا ابن مريم وأمه»[2]. فالاستعاذة إنما تكون بالله -جل وعلا- وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكلماته التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. وأكثر ما ورد في القرآن الاستعاذة باسمه تعالى «الله». قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 200]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾ [فصلت: 36]، وقال تعالى: ï´؟ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ï´¾ [غافر: 56]. وقال موسى عليه السلام فيما ذكر الله عنه: ï´؟ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ï´¾ [البقرة: 67]، وقال يوسف عليه السلام: ï´؟ مَعَاذَ اللَّهِ ï´¾ [يوسف:23، 79]. أي: عياذًا بالله. كما وردت الاستعاذة كثيرًا باسمه تعالى: «الرب». قال الله تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ï´¾ [الفلق: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ï´¾ [الناس: 1]. وقال موسى عليه السلام: ï´؟ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ï´¾ [غافر: 27]، وقال عليه السلام: ï´؟ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ï´¾ [الدخان: 20]. أو بمضمر يعود على الرب، قال تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. وقال نوح -عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ï´¾ [هود: 47]. وقالت امرأة عمران: ï´؟ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [آل عمران: 36]. ووردت الاستعاذة باسمه «الرحمن» مرة واحدة. قال الله تعالى عن مريم -عليها السلام: ï´؟ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ï´¾ [مريم: 18]. وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»[3]. «أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ» الحديث[4]. ولا تصح الاستعاذة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله لا تدفع شرًّا، ولا تجلب خيرًا، بل مما يزيد المستعيذ خوفًا ورهقًا، كما قال تعالى في سورة الجن: ï´؟ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ï´¾ [الجن: 6] [5]. د- الركن الرابع من أركان الاستعاذة: المستعاذ منه، وهو الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه. هـ- الركن الخامس من أركانها: المطلب الذي من أجله يستعيذ المسلم، وهو السلامة في دينه ودنياه، من الشيطان ووسوسته ومكايده وجميع شروره. قال الله تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ï´¾ [الناس: 1 - 4]. وقال تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم»[6]. قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان»[7] بعد أن ذكر هذا الحديث: «فتضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه، وغايته، فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس، أو من الشيطان، وغايته: إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم...». وقال الطبري[8] في كلامه على معنى الاستعاذة: «أستجير بالله- دون غيره من سائر خلقه- من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي». وقال ابن كثير[9]: «أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه». المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] انظر: «التفسير الكبير» (1 /71)، «غرائب القرآن» (1 /16). [2] أخرجه مسلم في الفضائل- باب فضائل عيسى- عليه السلام (2366)، وأحمد (2 /233). [3] سيأتي تخريجه. [4] أخرجه الإمام أحمد (3 /419)، من حديث عبد الرحمن بن حبش رضي الله عنه. [5] انظر: «التفسير القيم» ص(542). [6] سيأتي تخريجه بتمامه. [7] (1 /146). [8] في «جامع البيان» (1 /111) تحقيق شاكر. [9] في «تفسيره» (1 /33). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
مكان الاستعاذة من القراءة فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]. ظاهر الآية أن الاستعاذة محلها بعد القراءة. وقد تمسك بهذا الظاهر بعض القراء، فنقل ذلك عن حمزة[1]، وأبي حاتم السجستاني[2]، ورُويَ ذلك- أيضًا- عن أبي هريرة[3]- رضي الله عنه، ومحمد بن سيرين[4]، وإبراهيم النخعي[5]، وداود الظاهري[6]، وحكاه القرطبي[7] وغيره عن مالك واستغرب ذلك ابن العربي[8]. واحتج بعضهم لهذا القول بأن الاستعاذة بعد القراءة تدفع الإعجاب بعد فراغ القراءة[9]، وتكون سببًا للاستفادة من التلاوة، وحفظها وثباتها[10]. وجمهور أهل العلم والتحقيق على أن الاستعاذة مشروعة قبل القراءة، وأن معنى قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]، أي: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، كقوله تعالى: ï´؟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ï´¾ [المائدة: 6]. أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وكقوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ï´¾ [الأنعام: 152] أي: إذا أردتم القول، وكقوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ï´¾ [الأحزاب: 53] أي: إذا أردتم سؤالهن، فاسألوهن من وراء حجاب، وكقوله تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ï´¾ [المجادلة: 12]أي إذا أردتم مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم[11]. قال القرطبي[12]: «فأوقع الماضي، مكان المستقبل، كقول الشاعر: وإنـــي لآتيكــم لذكــر الــذي مضــى *** من الود واسـتئناف ما كـان في غد[13] أي ما يكون في غد». وعلى هذا المعنى دلت السنة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبَّر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»[14]. وهذا القول هو الصحيح. قال الجصاص[15]: «وقول من قال: إن الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة، لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ï´¾ [الحج: 52]، فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة». بل حُكي الإجماع عليه. قال مكي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع»[16]: «فإن قيل: فإن ظاهر النص أن يتعوذ القارئ بعد القراءة؛ لأنه قال: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ ï´¾ [النحل: 98] والفاء بعدما قبلها تتبعه هو أصلها، فالجواب: أن المعنى على خلاف الظاهر، معناه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، ودل على ذلك الإجماع أن الاستعاذة قبل القراءة، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ï´؟ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا ï´¾ [الأعراف: 4]، فوقع في ظاهر التلاوة أن مجيء البأس بعد الهلاك، وليس المعنى على ذلك، إنما معناه: وكم من قرية أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا، فمجيء البأس بعد إرادة الهلاك وقبل الهلاك، وكذلك التعوذ المأمور به يكون بعد إرادة القراءة وقبل القراءة، على أصل الفاء». وقد ضعف ابن الجزري[17] صحة المروي في هذا، عن حمزة وأبي حاتم، وأبي هريرة وابن سيرين والنخعي، في أنها بعد القراءة، وقال: «محلها قبل القراءة إجماعًا، ولا يصح قول بخلافه، عن أحد ممن يعتبر قوله». واتفق القراء على مشروعية التعوذ قبل البسملة في ابتداء السور، واختلفوا فيما إذا ابتدأ القارئ بوسط السورة، هل يتعوذ، أو يبسمل، أو يجمع بينهما. والصحيح أنه يتعوذ فقط، ويقف بعد الاستعاذة ثم يقرأ، ويجوز أن يصل الاستعاذة بالقراءة[18]. واستثنى بعض أهل العلم مثل قوله تعالى: ï´؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ï´¾ [البقرة: 255]، وقوله تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ ï´¾ [الأنعام: 141]، وقوله تعالى: ï´؟ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ï´¾ [الروم: 54]، وقوله تعالى: ï´؟ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ï´¾ [فصلت: 47]، ونحوها من الآيات، نظرًا لما في الاستعاذة قبلها من قبح اللفظ، قالوا: ففي مثل هذه المواضع يستعيذ ثم يبسمل[19]. وهذا الاستثناء لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه؛ لأن الأمر بالاستعاذة عام لكل قراءة للقرآن، من أي موضع منه كانت القراءة، والبسملة- على الصحيح- لا تشرع إلا في أول السورة. والتعليل بقبح اللفظ لا يكفي مسوغًا للبسملة وسط السورة بلا دليل، لكن كما يشرع الوقف على كثير من آي القرآن لمراعاة اللفظ والمعنى، فكذلك ينبغي أن يقف القارئ بعد الاستعاذة، ويسكت قليلاً في مثل هذه المواضع المذكورة، وبهذا يزول القبح. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] انظر: «غرائب القرآن» للنيسابوري (1/ 16). [2] انظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 29). [3] انظر: «التفسير الكبير» (20/ 114)، «المجموع» (3/ 325)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [4] أخرج عبدالرزاق- في الصلاة- باب متى يستعيذ (2590)، وابن أبي شيبة- في الصلوات- في التعوذ كيف هو (1/ 238) عن ابن سيرين أنه كان يتعوذ قبل أن يقرأ أم القرآن وبعد قراءتها. [5] أخرجه عن النخعي عبدالرزاق- في الصلاة- متى يستعيذ (2593). [6] انظر: «التفسير الكبير» (1/ 59)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [7] في «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [8] انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (3/ 1175-1176). [9] انظر: «التفسير الكبير» (1/ 59)، «تفسير ابن كثير» (1/ 29). [10] انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 148). [11] انظر: «المصنف» لعبدالرزاق- الصلاة- باب متى يستعيذ- الآثار (2588-2593)، «جامع البيان» (14/ 173)، «أحكام القرآن» للجصاص (3/ 191). [12] في «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 86). [13] البيت للطرماح. انظر: «ذيل ديوانه» ص(572). [14] سبق تخريجه. [15] في «أحكام القرآن» (3/ 191). [16] (1/ 9). [17] في «النشر» (1/ 254). [18] انظر: «التبصرة» ص(246-250)، «الإقناع» (1/ 154)، «البرهان» (1/ 460)، «النشر» (1/ 157/ 265). [19] انظر: «البرهان» (1/ 460)، «النشر» (1/ 266). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
إعراب الاستعاذة، ومعناها الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم أ- إعرابهــا: لعل من المناسب إعراب الآية التي هي الأصل في مشروعية الاستعاذة عند القراءة. وهي قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]؛ لأنها مشتملة -كما أشرت سابقًا- على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة المختارة وهي: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقوله: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ï´¾ ï´؟ فَإِذَا ï´¾ الفاء للاستئناف، و«إذا»: ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشرط، في محل نصب متعلق بمضمون الجواب. ï´؟ قَرَأْتَ ï´¾ قرأ فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالضمير، والتاء ضمير للمخاطب مبني على الفتح في محل رفع فاعل.ï´؟ الْقُرْآنَï´¾: مفعول به منصوب. ï´؟ فَاسْتَعِذْ ï´¾ الفاء رابطة لجواب الشرط. استعذ: فعل أمر مبني على السكون الظاهر والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت. ï´؟ بِاللَّهِ ï´¾ الباء حرف جر، ولفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ(استعذ). ï´؟ مِنَ الشَّيْطَانِ ï´¾ ï´؟ مِنَ ï´¾: حرف جر، وï´؟ الشَّيْطَانِ ï´¾ اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ(استعذ). ï´؟ الرَّجِيمِ ï´¾ صفة للشيطان مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها. ب- معناهــا: [ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ] (أَعُوذُ) فعل مضارع، يقال: عذت أعوذ، كما يقال: عاذ يعوذ عوذًا وعياذًا، ومعاذًا. قال يوسف- عليه السلام: ï´؟ مَعَاذَ اللَّهِ ï´¾ [يوسف:23، 79] أي: عياذًا بالله. (أَعُوذُ بِاللهِ) بمعنى أعتصم بالله[1]، كما جاء في حديث أبي هريرة في الدعاء عند دخول المسجد: «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم»[2]. قال الحصين بن الحمام يخاطب قبيلته[3]: وعــوذي بأفنــاء العشــيرة إنمــا *** يعــوذ الذليــل بالعزيـز ليعصمـا وقـال الراجــز[4]: قالـــت وفيهـــا حيــــدة وذعــــر *** عَـــوذي بربــي منكـــم وحـجــر أي: اعتصامي بربي. وبمعنى: ألتجئ إلى الله. قال ابن فارس[5]: «العين والواو والذال أصل صحيح، يدل على معنى واحد، وهو الالتجاء إلى الشيء». وبمعنى: أستجير بالله[6]، وأتحرَّز به[7]، واستعين به[8]. وأمتنع به من المكروه[9]، وأتعلق به[10]، وأتحيز إليه[11]، وألوذ به[12]. ويقال: إن العياذة لدفع الشر، واللياذة لطلب الخير. قال ابن كثير[13]: «والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال المتنبي[14]: يا من ألوذ به فيما أؤمله ![]() ومن أعوذ به ممّا أحاذره ![]() لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ![]() ولا يهيضون عظمًا أنت جابره ![]() لكن بعض أهل اللغة- كما تقدم- على أنهما بمعنى واحد. قال ابن منظور[15]: «الملاذ مثل المعاذ». (بِاللهِ) الباء للاستعانة[16]، وقيل: للإلصاق[17]. الله: علم على ذات الرب- جل وعلا- وأصل أسمائه سبحانه وتعالى، ومعناه: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في البسملة- إن شاء الله. وجملة أعوذ بالله خبرية تتضمن طلب الإعاذة[18]. (مِنَ الشَّيْطَانِ) من لابتداء الغاية. (الشَّيْطَانِ): مأخوذ عند جمهور أهل اللغة ومحققيهم من شطن بمعنى: بَعُد، يقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر والمدى[19]. قال النابغة الذبياني[20]: نأت بسعاد عنك نوى شطون *** فبانت والفؤاد بها رهين والشَطَن الحبل، أو الحبل الطويل[21]. قال عنترة[22]: يدعون عنتر والرماح كأنها *** أشطانُ بئرٍ في لَبَان الأدهم فأشطان جمع «شَطَن» وهو الحبل الطويل. فالنون فيه أصلية. قال ابن فارس[23]: «الشين والطاء والنون أصل مطرد ويدل على البعد». والشيطان على وزن «فيعال»، للدلالة على أنه بلغ الغاية في البعد[24]. وقيل: إنه مأخوذ من «شاط يشيط»، إذا هاج واشتد غضبًا، وهلك واحترق وبطل، وعلى هذا فالنون فيه زائدة[25]. والصحيح القول الأول. قال سيبويه[26]: «العرب تقول تشيطن». وقال الطبري[27] بعدما ذكر القول بأنه مشتق من «شطن»: «ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت[28]: أيما شاطنٍ عَصاه عَكاه *** ثم يلقى في السجن والأكبال قال الطبري: ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال: أيما شائطٍ، ولكنه قال: أيما شاطن؛ لأنه من شَطَن يَشْطُن فهو شاطن». و«ال» في «الشيطان» للجنس[29]، فهو كل متمرد، عات، خارج عن طاعة الله تعالى، من الجن، والإنس، والدواب، وكل شيء؛ قال تعالى: ï´؟ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ï´¾ [الصافات: 7]. ولهذا جمع في قوله تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ï´¾ [المؤمنون: 97]. وهو يكون من الإنس والجن، كما قال الله تعالى: ï´؟ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ï´¾ [الأنعام: 112]، وقال تعالى: ï´؟ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ï´¾ [الجن: 6]، أي: شياطين إنس يعوذون بشياطين جن. وقال تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ï´¾ [الناس: 1 - 6]. أي شياطين جن وإنس يوسوسون في صدور الناس. وقال تعالى: ï´؟ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ï´¾ [البقرة: 14] أي شياطين إنس بإنس. قال جرير[30]: أيامَ يَدْعُونني الشيطانَ من غَزَلٍ *** وهن يَهْوَيْنَني إذْ كنتُ شَيْطانَا ويكون من الحيوانات كما جاء في حديث أبي ذر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان»[31]. وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي»[32]. وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانًا لمفارقته لبني جنسه في أخلاقه، وأفعاله، وصفاته، وطباعه، ومباعدته لهم، وبسبب فسقه، وبعده عن الحق والهدى والخير، وعن رحمة الله تعالى[33]. «ï*»» «فعيل» بمعنى «مفعول» أي: مرجوم[34] كسعير بمعنى: مسعور، مأخوذ من الرجم: وهو الرمي بفعل أو قول. فمن الرجم بالفعل: الرجم والرمي بالحجارة. قال ابن فارس[35]: «الراء والجيم والميم، أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، وهو الرمي بالحجارة». ومن الرجم بالقول: قوله تعالى: ï´؟ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ï´¾ [الكهف: 22]، أي: قولاً بالظن. وقوله تعالى عن آزر أنه قال لإبراهيم- عليه السلام: ï´؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ï´¾ [مريم: 46] أي: لأرمينك بسيئ القول. قال المرقش الأصغر[36]: وإني وإن كلَّت قَلوصي لراجمٌ *** بها وبنفسـي يا فُطيْمُ المراجما ومنه القذف بالزنى، فإنه رجم ورمي بالقول. والشيطان مرجوم بالفعل والقول: أي فعلاً وقولاً، حسًّا ومعنى. فهو مرجوم فعلاً وحسًّا بإخراجه من الجنة وطرده عنها، وعن الملأ الأعلى وبإهباطه من السموا ت إلى الأرض[37]. قال الله تعالى: ï´؟ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 13]، وقال تعالى: ï´؟ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ï´¾ [الأعراف: 18]، وقال تعالى: ï´؟ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الحجر: 34، 35]، وقال تعالى: ï´؟ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [ص: 77، 78]. وهو مرجوم فعلاً وحسًّا بالشهب، قال الله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ï´¾ [الملك: 5]. وقال تعالى: ï´؟ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ï´¾ [الصافات: 6 - 10]. وقال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ï´¾ [الحجر: 16 - 18]. وقال تعالى: ï´؟ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ï´¾ [الجن: 8، 9]. وهو مرجوم قولاً ومعنى؛ لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى، وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير[38]. قال الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الحجر: 35]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [ص: 78]، وقال تعالى: ï´؟ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ ï´¾ [النساء: 117، 118]. وقيل: (الرَّجِيمِ) «فعيل» بمعنى «فاعل»؛ لأنه يوسوس للناس، ويُزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويُبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله أنواع المكايد[39]. قال ابن كثير[40]: «والأول أشهر وأصح». هذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
ففي الصيغة الثانية زيادة: «السميع العليم». وهما اسمان من أسماء الله تعالى فـ«السميع» مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه- جل وعلا- ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات. قال تعالى: ï´؟ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ï´¾ [آل عمران: 181]، وقال تعالى: ï´؟ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ï´¾ [المجادلة: 1]. قالت عائشة- رضي الله عنها: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما أسمع ما تقول. فأنزل الله: ï´؟ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ï´¾ [المجادلة: 1] »[41]. و«العليم»: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه[42] إدراكًا جازمًا. و«العليم» على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملةً وتفصيلاً، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى- عليه السلام- حينما سئل عن القرون الأولى ï´؟ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ï´¾ [طه: 52]. فلا يعتري علمه- جل وعلا- جهل سابق، ولا نسيان لاحق, قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ï´¾ [طه: 98]. وجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: «من همزه ونفخه ونفثه». فهمز الشيطان: المُوتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع[43]. وقد أنكر كثير من العقلانيين صرع الجن للإنس، وملابسة الجني للإنسي، ودخوله في بدنه، وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على ذلك. قال الله تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ï´¾ [البقرة: 275]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه. وقد ثبت عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه كان يقرأ على المصروع، فيتكلم الجني، ويعاهد، ويخرج، فيقوم المصروع ما به أذى. وقد حصل ذلك أيضًا لغيره من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، ووقائع ذلك وشواهده أكثر من أن تحصر[44]. ولقد وصل الأمر ببعض المسلمين من الكُتَّاب وغيرهم، إلى إنكار وجودهم- شأن بعض أهل الكتاب، مع أن الله ذكرهم في كتابه في مواضع كثيرة، وأفرد لهم سورة كاملة تسمى سورة «الجن» وجاء ذكرهم في السُّنَّة في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الاستعاذة وغير ذلك، كحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان»[45]. فالواجب الإيمان بوجودهم، وبكل ما ذكر الله عنهم في كتابه وفي سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل كونهم يتناسلون، قال الله تعالى عن الشيطان: ï´؟ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ï´¾ [الكهف: 50]. ومثل كونهم يَرون الإنس، قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ï´¾ [الأعراف: 27]. وأن الرسل من الإنس أرسلوا إليهم وإلى الإنس, كما قال تعالى: ï´؟ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ï´¾ [الأنعام: 130]. وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول لهم وللإنس، قال تعالى: ï´؟ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ï´¾ [الجن: 1، 2]. (ونفخه) الكبر[46]. (ونفثه): الشعر؛ لأنه ينفث من الفم[47]. وقيل: السحر[48] ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك. أما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان. قال تعالى: ï´؟ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ï´¾ [الشعراء: 224 - 227] أي انتصروا للحق وأهله. ولقد كان الشعر في صدر الإسلام من أقوى أسلحة الدعوة وأعظمها. فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل»، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «اهجهم»، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذَنَبه، ثم أَدلعَ لسانهَ، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم بلساني، فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي» فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأَسُلنَّك منهم، كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله» وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى». قال حسان: هجوت محمدًا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء هجــوت محمــدًا بــرًّا تقيًّــا...*** إلخ»[49]. وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك» [50]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنتُ أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم»[51]. وقد كان صلى الله عليه وسلم يردد مع أصحابه -رضوان الله عليهم- يوم الخندق: والله لولا أنت ما اهتدينا ![]() ولا تصدقنا ولا صلينا ![]() فأنزلن سكينة علينا ![]() وثبت الأقدام إن لاقينا ![]() إن الألى قد بغوا علينا ![]() وإن أرادوا فتنة أبينا[52] ![]() وكان يقول -أيضًا- يوم الخندق: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة». فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا *** على الجهاد ما بقينا أبدا[53] وكان عليه الصلاة والسلام يقول يوم حنين: أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبدالمطلب[54] ومما يدل على أهمية الشعر في صدر الإسلام، وأنه كان من أقوى أسلحة الدعوة، ما جاء في قصة الأعشى، عندما جاء ليسلم، حاملاً قصيدته المأثورة المشهورة: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا *** وبت كما بات السليم مسهدا والتي جاء فيها: فآليت لا أرثي لها من كلالة ![]() ولا من حفى حتى تلاقي محمدا ![]() متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ![]() تراحي وتلقي من فواضله ندا ![]() نبيًا يرى ما لا يرون وذكره ![]() أغار لعمري في البلاد وأنجدا ![]() له صدقات ما تغب ونائل ![]() وليس عطاء اليوم مانعه غدا ![]() أجدك لم تسمع وصاة محمد ![]() نبي الإله حيث أوصى وأشهدا ![]() إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ![]() ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ![]() ندمت على ألا تكون كمثله ![]() وأنك لم ترصد لما كان أرصدا ![]() ... إلخ. فقد قابله المشركون، فعرضوا عليه أن يرجع تلك السنة وأعطوه مائة ناقة، وذلك اتقاء لسانه، وخوفًا أن يكون في جانب الدعوة إلى الله، فقبل ذلك، على أن يعود من العام القابل فيسلم، وفي رجوعه، سقط من دابته على رقبته، فمات[55]. المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] انظر: مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب»، وانظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 147). [2] سيأتي تخريجه. [3] انظر: «المفضليات» ص(68)، المفضلية(12). [4] انظر: «إصلاح المنطق» ص(81)، «مجالس ثعلب» ص(181)، «المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة» ص(82)، «اللسان» مادة «عوذ». [5] في «مقاييس اللغة»: مادة «عوذ». [6] انظر: «جامع البيان» (1/ 111). [7] انظر: «التفسير القيم» ص(538). [8] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [9] انظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 7). [10] انظر: «المفردات في غريب القرآن»، مادة «عوذ». [11] انظر: «المحرر الوجيز» (1/ 48). [12] انظر: مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب». [13] في «تفسيره» (1/ 33). [14] انظر: «ديوانه» (1/ 160-161). [15] في «اللسان» مادة «عوذ». [16] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [17] قال ابن كثير (1/ 33): «الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر». وانظر: «غرائب القرآن» للنيسابوري (1/ 17). [18] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «التفسير الكبير» (1/ 96). [19] انظر: «الكتاب» لسيبويه ص(260، 286، 321)، «تفسير الطبري» (1/ 112). وانظر مادة «شطن» في «تهذيب اللغة». [20] انظر: «ديوانه» ص(362). [21] انظر: «النهاية»، «لسان العرب» مادة «شطن». [22] انظر: «ديوانه» ص(216)، «شرح القصائد» لابن الأنباري ص(359)- معلقة عنترة البيت الثامن والستون. [23] في «مقاييس اللغة» مادة «شطن». [24] انظر: «تفسير الطبري» (1/ 112)، «المحرر الوجيز» (1/ 49). [25] انظر: «مقاييس اللغة»، «المفردات في غريب القرآن» مادة «شطن». [26] في «الكتاب» (4/ 286، 321). [27] في «جامع البيان» (1/ 112). [28] انظر: «ديوانه» ص(445). ومعنى عكاه: شده، وأوثقه، والأكبال: القيود. [29] انظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 7)، «التفسير الكبير» (1/ 95، 20/ 115). [30] انظر: «ديوانه» ص(165) «لسان العرب» مادة «شطن». [31] أخرجه مسلم في الصلاة- باب قدر ما يستر المصلي (510)، وأبوداود في الصلاة- باب ما يقطع الصلاة (702). وأخرجه أيضًا مسلم في الموضع السابق (511) من حديث أبي هريرة بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». ومعنى الكلب الأسود شيطان: أي أنه خبيث يتلون. [32] أخرجه الطبري الأثر (36)، وذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 34)، وقال: «إسناده صحيح». [33] انظر: «جامع البيان» (1/ 111)، «المحرر الوجيز» (1/ 49)، «تفسير ابن كثير» (1/ 33). [34] انظر: «تهذيب اللغة»، «لسان العرب» مادة «رجم». [35] في «مقاييس اللغة» مادة «رجم». [36] انظر: «المفضليات» ص(246)، المفضلية (56). [37] انظر: «جامع البيان» (1/ 112)، ومادة «رجم» في «المفردات في غريب القرآن»، «لسان العرب». [38] انظر: «جامع البيان» (1/ 112)، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 10)، «تفسير ابن كثير» (1/ 34). [39] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (1/ 10). [40] في «تفسيره» (1/ 34). [41] أخرجه ابن ماجه في المقدمة (188). وصححه الألباني حديث (155). وأخرجه أحمد (6/ 46). [42] انظر: «شرح صحيح مسلم» (16/ 213). [43] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «النهاية» مادة: «همز»، «إغاثة اللهفان» (1/ 154-155). [44] انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 9-65)، «زاد المعاد» (4/ 66)، «رسالة إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي» لابن باز، «الصحيح البرهان فيما يطرد الشيطان» ص(51). [45] أخرجه مسلم في السلام (2236)- من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [46] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «النهاية» مادة «نفخ». [47] انظر: «النهاية» مادة «نفث». [48] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [49] أخرجه مسلم- في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت- رضي الله عنه (2490)، والبخاري في المغازي مختصرًا جدًا وليس فيه ذكر الشعر (4145). [50] أخرجه البخاري- في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة (3213)، ومسلم في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت (2486). [51] أخرجه البخاري- في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة (3212)، ومسلم في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت (2485). [52] أخرجه من حديث البراء- البخاري في الجهاد- باب حفر الخندق (2837)، ومسلم- في الجهاد والسير- باب غزوة الأحزاب (1803)، وهذه الأبيات لعامر ابن الأكوع. انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 328)، «شرح أبيات مغني اللبيب» (6/ 37-39) . [53] أخرجه من حديث أنس بن مالك- رضي الله عنه- البخاري- في الجهاد- باب الصبر عند القتال (2834)، ومسلم- في الجهاد والسير (1805). [54] أخرجه من حديث البراء- البخاري- باب من قاد دابة غيره في الحرب (2864)، ومسلم في الجهاد والسير- باب غزوة حنين (1776). [55] انظر: «ديوان الأعشى» ص(185-187)، «السيرة النبوية» (2/ 26-28)، «الشعر والشعراء» ص(275). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 289 | يوم أمس 05:24 AM |
| شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | ملتقى الكتب الإسلامية | 269 | 02-09-2026 03:05 PM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 20 | 01-30-2026 04:05 PM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|