المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


الصفحات : 1 [2] 3

ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:54 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(181)


- (باب القراءة في الصبح بالمعوذتين) إلى (باب سجود القرآن، السجود في ص)شرح حديث عقبة بن عامر في القراءة في الصبح بالمعوذتين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الصبح بالمعوذتين.أخبرنا موسى بن حزام الترمذي وهارون بن عبد الله واللفظ له، قالا: حدثنا أبو أسامة أخبرني سفيان عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عقبة بن عامر: (أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين؟ قال عقبة: فأمنا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر)].
يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: القراءة في الصبح بالمعوذتين، سبق أن مر في التراجم السابقة: القراءة في الفجر بقاف، وبالستين إلى المائة آية، وفي هذه الترجمة والحديث الذي جاء تحتها، أن الرسول عليه الصلاة والسلام أم الناس في الفجر وقرأ بالمعوذتين، وهما من أقصر سور القرآن، وهذا يدل على أن ذلك سائغاً، أي: أنه يقرأ أحياناً في السور القصار، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الذي جاء عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، وذلك يدل على أنه سائغ، ولكن الأصل، والغالب على صلاة الفجر، أنها تطول فيها القراءة، والغالب على هديه عليه الصلاة والسلام، أنه كان يطيل القراءة، وكان يقرأ بالستين إلى المائة، لكن فعله هنا يدل على الجواز، يدل على أن ذلك جائز، يعني: القراءة بقصار السور، مثل: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس في صلاة الصبح ،كما دل عليه هذا الحديث الذي جاء عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه.

تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في القراءة في الصبح بالمعوذتين

قوله: [أخبرنا موسى بن حزام الترمذي].موسى بن حزام الترمذي ثقة، خرج له البخاري، والترمذي، والنسائي.
[و هارون بن عبد الله].
وهو البغدادي الحمال، لقبه الحمال، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
قال: (واللفظ له)، يريد النسائي، أن المتن الموجود هنا لفظ هارون بن عبد الله، وليس لفظ موسى بن حزام الترمذي ؛ لأن قوله: (واللفظ له)، يعني: لـهارون بن عبد الله، يعني: لفظ الحديث وسياقه إنما هو من هارون بن عبد الله، وليس من موسى بن حزام الترمذي.
[حدثنا أبو أسامة].
وأبو أسامة، هو: حماد بن أسامة، مشهور بكنيته، وأيضاً كنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أباه أسامة وهو مشهور بكنيته، وكنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني سفيان].
سفيان، وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير الحمصي، وهو صدوق له أوهام، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير].
وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه جبير بن نفير].
وهو ثقة، جليل، خرج حديثه أيضاً البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، الذين خرجوا لـجبير بن نفير هم الذين خرجوا لابنه عبد الرحمن بن جبير.
[عن عقبة بن عامر].
هو عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث عقبة بن عامر في الفضل في قراءة المعوذتين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في قراءة المعوذتين.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران أسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: (اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني -يا رسول الله!- سورة هود وسورة يوسف، فقال: لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل المعوذتين: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وأورد حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه الذي يقول: (اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب، ووضعت يدي على قدمه، وقلت: يا رسول الله! أقرئني سورة هود وسورة يوسف، فقال: لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس).
وقيل: إن المراد من ذلك: أبلغ في الاستعاذة، أي: أنه ليس هناك أبلغ في الاستعاذة، مما اشتملت عليه هاتان السورتان من الاستعاذة بالله عز وجل، وهذا يدل على الفضل لهاتين السورتين، وهما من أقصر سور القرآن، ولكن ورد فيهما هذا الفضل وغيره.


تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في الفضل في قراءة المعوذتين


قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الليث].
هو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
وهو المصري، وهو ثقة، فقيه، يرسل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي عمران أسلم].
وهو أبو عمران أسلم بن يزيد التجيبي المصري، وقد خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن عقبة بن عامر].
هو عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

شرح حديث: (آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن بيان عن قيس عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس)].أورد الحديث عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس)، وهذا أيضاً يدل على عظم شأن هاتين السورتين العظيمتين، وبيان فضلهما، وقيل: إنه لم ير مثلهن في الاستعاذة.

تراجم رجال إسناد حديث: (آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط...)

قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وهو محمد بن قدامة المصيصي، ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن بيان].
هو بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قيس].
هو قيس بن أبي حازم البجلي الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي يقال عنه: إنه لم يتفق لأحد أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة إلا قيس، وقد سبق أن مر بنا قريباً، في أبيات السيوطي في التابعين أنه قال: (ليس له نظيرُ)، أي: في كونه اتفق له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه].
وقد مر ذكره.

شرح حديث أبي هريرة في القراءة في الصبح يوم الجمعة


قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الصبح يوم الجمعة.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان ح، وأخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان واللفظ له عن سعد بن إبراهيم عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الصبح يوم الجمعة، أي: أنه يقرأ فيهما، بألم السجدة، وهل أتى على الإنسان، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بألم تنزيل، وهل أتى على الإنسان، يقرأ بهما في فجر يوم الجمعة.
وقيل: إن الحكمة في ذلك: ما اشتملتا عليه من ذكر بدء خلق البشر، وخلق آدم، وكذلك أيضاً ذكر المعاد، وما يجري يوم القيامة، وذلك أن يوم الجمعة هو اليوم الذي خلق فيه آدم، وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، فبدء خلق البشر كان يوم الجمعة، ونهاية الدنيا تكون يوم الجمعة، تقوم الساعة يوم الجمعة، لا تقوم الساعة في يوم من الأيام الأخرى، وإنما قيامها في يوم الجمعة، ويكون قراءة هاتين السورتين، فيهما تذكير بالمبدأ والمعاد، مبدأ خلق الإنسان، وخلق آدم، وخلق ذريته، ونهايتهم، وأن البداية كانت يوم الجمعة، والنهاية تكون يوم الجمعة، ففي ذلك تذكير بالمبدأ والمعاد، ومبدأ خلق الإنسان، ونهاية هذه الحياة الدنيا، حيث تقوم الساعة يوم الجمعة، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا هو الحكمة في قراءة هاتين السورتين، في ذلك اليوم الذي هو يوم الجمعة.
وبعض العلماء يقول: إن المداومة عليهما دائماً لا تنبغي؛ لأنه قد يظن أن ذلك لازم وواجب إذا حصلت المداومة عليهما كثيراً، ولكن يحصل الترك في بعض الأحيان؛ حتى يعلم بأن ذلك ليس بلازم، وأنه ليس بمتحتم، فإن ذلك حسن كما قال ذلك بعض العلماء.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في القراءة في الصبح يوم الجمعة

قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، هو: الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
يحيى بن سعيد، هو: القطان، المحدث، الناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان، هو: الثوري، وقد مر ذكره قريباً.
[ح، وأخبرنا عمرو بن علي].
(ح) هذه تحويل، تحول من إسناد إلى إسناد، يؤتى بها، ثم يؤتى بإسناد جديد، وهي تشعر بالتحول من إسناد إلى إسناد.
وعمرو بن علي، هو: الفلاس، وهو محدث، ناقد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، كثيراً ما يأتي في التراجم يقال: وثقه الفلاس، أو ضعفه الفلاس، والمراد به عمرو بن علي هذا.
[حدثنا عبد الرحمن].
عبد الرحمن، هو: ابن مهدي البصري، المحدث، الناقد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان، وهو: الثوري، وهنا يحصل تلاقي الإسنادين عند سفيان، (واللفظ له) يعني: اللفظ لـعبد الرحمن ؛ لأن سفيان هو في الإسنادين، وهو ملتقاهما، لكن اللفظ لـعبد الرحمن بن مهدي.
[عن سعد بن إبراهيم].
هو: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
عبد الرحمن الأعرج، هو: عبد الرحمن بن هرمز، لقبه الأعرج، وهو مكثر من الرواية عن أبي هريرة، وهو مدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه.

شرح حديث ابن عباس في القراءة في الصبح يوم الجمعة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة ح، وأخبرنا علي بن حجر أخبرنا شريك واللفظ له عن المخول بن راشد عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان)].أورد النسائي حديث ابن عباس، وهو بمعنى حديث أبي هريرة، ومؤداهما واحد، وهما جميعاً يدلان على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بألم السجدة، وهل أتى على الإنسان.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:57 PM
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في القراءة في الصبح يوم الجمعة

قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا أبو عوانة].
أبو عوانة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ح، وأخبرنا علي بن حجر].
ح وأخبرنا علي بن حجر، فيه تحويل وانتقال إلى إسناد جديد، وعلي بن حجر، هو: ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[أخبرنا شريك].
هو: شريك بن عبد الله النخعي القاضي الكوفي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
واللفظ له، يعني: لـشريك.
[عن المخول بن راشد].
المخول بن راشد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم].
مسلم، هو: ابن عمران البطين، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس رضي الله عنه].
ابن عباس، هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

شرح حديث: (أن النبي سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سجود القرآن، السجود في ص.

أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً)].
أورد النسائي: باب سجود القرآن، أي: سجود التلاوة عند قراءة القرآن، ثم أورد التراجم المتعلقة ببعض السور، التي اشتملت على سجدة من السجدات، سجدات التلاوة، وسجود التلاوة في القرآن ورد خمس عشرة سجدة، أجمع العلماء على أنه ليس هناك أكثر من خمس عشرة سجدة، يعني: هي الحد الأقصى، وليس وراءها شيء من السجدات، وهذه الخمس عشرة سجدة، عشر متفق عليها -أُجمع على السجود فيها- وخمس مختلف فيها، والصحيح ثبوت السجود فيها كلها، فتكون خمس عشرة سجدة في القرآن.
وهذه السجدات التي اختلف فيها، هي: سجدات المفصل الثلاث، التي هي: النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ، والسجدة الثانية من الحج، وسجدة ص، هذه خمس مختلف فيها، والعشر الباقية متفق عليها، التي هي في الأعراف، ثم الرعد، ثم النحل، ثم الإسراء، ثم مريم، ثم الحج الأولى -التي هي السجدة الأولى-؛ لأن الثانية مختلف فيها، ثم النمل، وبعد ذلك ألم السجدة، والفرقان، ثم بعد ذلك حم السجدة فصلت، هذه عشر متفق عليها.
ثم أورد النسائي ترجمة وهي: السجود في http://majles.alukah.net/images/smilies/salah.gif، وأورد تحتها حديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً)، والحديث يدل على سجود الرسول عليه الصلاة والسلام بها، فيدل على أن السجود بها، ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن السنة أن يسجد عند تلاوة سورة ص، حين يمر بالسجدة؛ لأن ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي سجد في ص وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكراً)

قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن].هو إبراهيم بن الحسن المقسمي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا حجاج بن محمد].
هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن ذر].
هو عمر بن ذر بن عبد الله المرهبي، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه في التفسير، يعني: خرج له الخمسة، أما ابن ماجه فلم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في التفسير.
[عن أبيه].
وهو ذر بن عبد الله ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهما في إسناد قبل هذا.

علاقة المشالح بلباس الشهرة

السؤال: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس الشهرة، فما وجه لبس المشايخ لباساً وهو المشلح يتميزون به عن سائر الناس؟ وما دليل هذا العمل؟الجواب: أولاً: ليس هذا مما يختص به المشايخ، ما أكثر الناس الذين يلبسون المشالح، المشالح والبشوت ليست خاصة بالمشايخ، وليست ميزة لهم، بل ما أكثر من يلبسها، فهي ليست من خصائصهم، وليست لباس شهرة، وإنما هذا لباس معتاد عند كثير من الناس.

حكم جمع الحيوانات في الحديقة وأخذ مقابل نظر الناس إليها

السؤال: ما حكم جمع الحيوانات المختلفة في حديقة، ومجيء الناس للنظر إليها مقابل مبلغ من المال يدفع للقائمين على الحديقة؟الجواب: لا بأس بذلك.

حكم الأكل من النذر

السؤال: هل يجوز لمن نذر بعيراً لله أن يأكل منه هو وأهل منزله؟الجواب: النذر يكون للفقراء والمساكين، إذا نذر الإنسان شيء لله عز وجل فيطعمه الفقراء والمساكين.
أولوية الصلاة في المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس من غيره

السؤال: هناك رجل يسكن في بادية، ويؤدي هو وابنه الصلاة في مسجدهم الخاص، المنصوب من حجر ليس مبني ولا مسور، كما هو معروف من مساجد أهل البادية، ويوجد بجوارهم مسجدين، وهما في البعد سواء، حيث يسمعون الأذان بدون مكبر صوت، أحدهما تقام فيه جميع الصلوات، والمسجد الآخر تقام فيه بعض الصلوات دون البعض، السؤال: أيهما أفضل للصلاة في المسجد الذي تقام فيه جميع الصلوات أم في الآخر؟ وما حكم صلاة هذا الرجل وابنيه في مسجدهم المذكور؟الجواب: هو ما دام أنهم قريبين من المسجد الذي تقام فيه الصلوات، فعليهم أن يذهبوا إليه، ولا ينبغي لهم أن يتخلفوا والمكان قريب، ويسمعون الأذان بدون مكبر صوت، يعني عليهم أن يذهبوا إلى هذا المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس.

حقيقة نسبة التجيبي

السؤال: التجيبي نسبة إلى ماذا؟

الجواب: ما أدري هي نسبة إلى قبيلة، أو إلى بلد، لا أدري، هو في مصر، ولا أدري هل هي بلد وإلا قبيلة.


حد إطالة وقصر الثوب للرجال

السؤال: هناك من يقصر ثوبه حتى قريباً من ركبتيه، فهل هذا خلاف السنة أو هذا من السنة؟ وما الدليل على هذا الأمر؟الجواب: السنة أنه من نصف الساق وما دون، لكن لا يصل إلى الكعبين؛ لأن ما نزل من الكعبين حرام، وقد جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في التحذير منه.


مدى صحة القول بتفاضل بعض كلام الله على بعض

السؤال: ما حكم المفاضلة بين آيات القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن يقال: إن بعض كلام الله أفضل من بعض؟الجواب: نعم جاءت الأحاديث في هذا، أعظم سورة في القرآن، وأعظم آية في القرآن، أعظم سورة في القرآن قل هو الله أحد، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن.

توجيه القول بأن الواقدي يلقب بأمير المؤمنين في الحديث

السؤال: التلقيب بأمير المؤمنين في الحديث من أرفع ألفاظ التعديل، فكيف يقال في الواقدي: أمير المؤمنين في الحديث؟الجواب: من قال هذا؟! أقول: من قال إن الواقدي أمير المؤمنين في الحديث وهو متروك؟!



السؤال: هل يصح أن يقال لمن أتى محرماً: أصل الإيمان معه كما يقال: انخرم كمال إيمانه الواجب أم لا؟الجواب: الذي أتى محرماً يعتبر مؤمناً ناقص الإيمان، فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، لا يعطى الإيمان المطلق، ولا يسلب مطلق اسم الإيمان، وإنما هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة.


محل نظر المصلي في الركوع

السؤال: إلى أين يكون نظر المصلي أثناء الركوع؟الجواب: إلى مكان سجوده في حال الركوع، وفي حال القيام إلى موضع السجود، ولو كان بجانب الكعبة فإنه ينظر إلى موضع سجوده.

كيفية قضاء الفائت من صلاة الجنازة

السؤال: كيف يقضي المصلي ما فاته من صلاة الجنازة، وخاصة أن الجنائز في المسجد النبوي ترفع بعد الصلاة مباشرة؟الجواب: يقضي الإنسان ما فاته بالتكبيرات ولا يطيل؛ لأن الجنازة لا تبقى، وإذا كبر يدعو دعاءً قصيراً: الله أكبر، اللهم اغفر له وارحمه، الله أكبر، اللهم اغفر له وارحمه.

حكم قول: أنا مؤمن إن شاء الله

السؤال: ما حكم من يقول: أنا مؤمن، وكذلك أنا مؤمن إن شاء الله، وأيهما أفضل؟الجواب: قول: أنا مؤمن إن شاء الله، هذا هو المعروف عن السلف، والمقصود من ذلك: عدم التزكية، وليس الشك في الإيمان، وإنما هو البعد عن التزكية، ولهذا أحياناً يقول: مؤمن إن شاء الله، وأحياناً يقول: أرجو، معناه: أن يكون من أهل الكمال، يعني يرجو أن يكون من أهل الكمال، وأنا مؤمن إن شاء الله، يعني أنه من أهل الكمال، ومن أطلقها من السلف، فيريدون من ذلك ما يوافق مسلم الذي هو أصل الإسلام، وليس التزكية؛ لأنه جاء عن بعض السلف إطلاقها، لكنه محمول على معنى الإسلام، الذي هو أصل الإيمان، وهو أساسه، ومن المعلوم أن المسلم أنزل درجة من المؤمن، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء جماعة وأعطاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وفيهم رجل كان أعجب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ولم يعطه الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء وقال: (يا رسول الله! إنك أعطيت القوم وفيهم فلان وإنه مؤمن؟ فقال: أو مسلم، فأعاد عليه فقال: أو مسلم)، وكذلك في سورة الحجرات: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قولوا أسلمنا )[الحجرات:14]، الإسلام لا يحتاج إلى استثناء، فلا يقول: أنا مسلم إن شاء الله، هو مسلم أصلاً بدون استثناء؛ لأن هذه أقل درجة وليس فيها تزكية، ولكن كلمة (مؤمن) فيها زيادة عن مسلم، وفيها تزكية، فيقول عندها: إن شاء الله، أو يقول: أرجو، أو يقول: أنا مؤمن بالله وملائكته؛ لأن بعض السلف إذا سئل: أنت مؤمن؟ قال: مؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.


حكم الاحتجاج بالقدر على المعصية

السؤال: هل يصح الاحتجاج ممن يعصي الله بقضائه وقدره سبحانه وتعالى، بدليل قوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )[الصافات:96]، وقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )[الإنسان:30]؟الجواب: يعني إذا كان السؤال كون العاصي يحتج بالقضاء والقدر، أي: يفعل أمراً منكراً، فإذا عوتب عليه قال: قضاء وقدر؛ هذا لا يجوز، لا يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي والأمور المنكرة، ويقول: إن هذا قدر؛ لأن القدر لا يعلمه إلا الله عز وجل، والإنسان قيل له: هذا ينفعك وهذا ضرك، وهذا إن سلكته نفعك، وإن سلكت هذا ضرك، وعنده عقل، وعنده إدراك وإحساس فيما ينفع ويضر، فهذا الذي يحتج بالقدر، لو أن إنساناً ضربه ثم سأله وقال: قضاء وقدر، فإنه لا يرضى ولا يسكت ويقول: قضاء وقدر، وإنما يضربه، فإذا كان هو نفسه لا يوافق على أن هذا يحصل، وهذا الذي ضربه يقول: قضاء وقدر، ولا يكفيه، ولا يسلم له بهذا الكلام، وإنما يضربه، فالاحتجاج بالقدر لا يجوز على المعاصي.
ويستدل على ذلك بقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )[الصافات:96].

نعم، الله خالق العباد، وخالق أعمال العباد، لكن ليسوا مجبورين؛ لأنه فرق بين إنسان عنده عقل وتمييز، وقيل له: هذا الطريق يؤديك للخير، وهذا الطريق يؤديك للشر، وبين إنسان ليس عنده عقل ولا عنده تمييز، يعني: مثل حركة المرتعش وحركة الفعل المختار، الذي يدخل، ويخرج، ويبيع، ويشتري، ويأكل، ويشرب، باختياره ومشيئته وإرادته، فالمرتعش حركته هذه اضطرارية، ليست اختيارية، وليس له دخل فيها، وأما الإنسان الذي يضرب الناس، يضرب باختياره، والمرتعش ما أحد يضربه يقول: أوقف يدك؛ لأنه لا يملك هذا ولا يستطيع هذا، لكن من يؤذي الناس يضرب حتى يمتنع، ولأنه عنده مشيئة وعنده إرادة، فنعم، الله خالق كل شيء، وخالق العباد، وخالق أفعال العباد، لكن العباد ليسوا مجبورين، عندهم مشيئة وإرادة، ولكنها تابعة لمشيئة الله وإرادته، وإذا وجد شيء في الوجود، فهو بخلق الله وإيجاده، لا يوجد في ملك الله إلا ما قدره الله وقضاه.
وقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )[الإنسان:30].

هذا هو الدليل على أن مشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله، وأنه ليس بمجبور.

بيان المقصود بسور المفصل

السؤال: ما هي سور المفصل؟

الجواب: المفصل القول المشهور، بأنه يبدأ من (ق)، وقيل: يبدأ بالحجرات، والأصل في هذا الأثر الذي جاء عن الصحابة: (كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاثاً وخمساً وسبعاً وتسعاً وإحدى عشرة وثلاث عشرة)، وحزب المفصل واحد أوله (ق)، أو أوله الحجرات، هذا على الاختلاف في عد الفاتحة، هل تحسب في الثلاث أو أنه يبدأ الحساب من البقرة؟ فإذا بدأ الحساب من الفاتحة، صار أول المفصل: الحجرات، وإن كان أول الثلاث من البقرة يصير أول المفصل (ق)، والمشهور أنه (ق)، هي أن الثلاث إذا حسبت الفاتحة فلا يصير العدد مقدار متقارب، مع هذه السجدة التي هي سبعة أجزاء أو سبعة أحزاب، لكن البقرة، والنساء، وآل عمران تصير حزب، الذي هو -يعني- يعادل السبع؛ لأنها ثلاثاً، وخمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل واحد وهو السابع، وأوله (ق)، ثلاث سور: البقرة، والنساء، وآل عمران، هذه ثلاث، هذا حزب، الحزب الثاني كم؟ المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، هذه خمس، الحزب الثالث سبع تبدأ من يونس، وهكذا، وإذا عد الإنسان ثلاثاً، وخمساً، وسبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، يعني يكون السابع يبدأ من (ق) الذي هو حزب المفصل.

ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:59 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(182)


- (باب السجود في (والنجم) ) إلى (باب السجود في (اقرأ باسم ربك) )

شرح حديث: (قرأ رسول الله بمكة سورة النجم فسجد ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [السجود في: والنجم.أخبرنا عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران حدثنا ابن حنبل حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه أنه قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن يومئذ أسلم المطلب)].
سبق معنا البدء بسجود القرآن، وذكرت أن السجدات التي في القرآن، أجمع العلماء على أنه لا يوجد في القرآن أكثر من خمس عشرة سجدة، وأجمعوا على عشر منها، وخمس اختلف فيها، وهي سجدات المفصل الثلاث، والسجدة الأخيرة من سجدتي الحج وسجدة ص، والأحاديث التي أوردها النسائي تتعلق بسجدة ص، وسجدات المفصل، وقد مر بنا الحديث المتعلق بالسجود في ص، وهنا تأتي الأحاديث التي تتعلق بسجدات المفصل الثلاث؛ وهي: سجدة النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ. وقلت: إن الخمس المختلف فيها، الصحيح ثبوتها، وأنه يسجد بها كما يسجد بالعشر المتفق عليها، وعلى هذا: فالخمس عشرة كلها ثابتة، عشر بالاتفاق، وخمس منها على القول الراجح من أقوال أهل العلم فيها.
والنسائي أورد الأحاديث في هذه الأبواب التي تتعلق بسجدة ص، وسجدات المفصل، وقد مر ما يتعلق بسورة ص، وأن السجدة فيها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا بدأ بما يتعلق بالسجود في سجدة النجم، وأورد فيه حديث المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه، وأنه كان قبل أن يسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سجد، فسجد الناس معه، وكان المطلب بن أبي وداعة إذ ذاك لم يسلم فلم يسجد، وقد جاء في صحيح البخاري، أنه سجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس.
والحديث يدل على سجود الرسول صلى الله عليه وسلم بسجدة النجم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد بها، وإذاً: فهي من سجدات التلاوة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحديث يدل على أن الكافر إذا تحمل في حال كفره، ثم أدى في حال إسلامه، فإن ذلك معتبر؛ لأن المطلب بن أبي وداعة، أخبر عما حصل في زمن كفره، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سجد بالنجم، فتحمل في حال كفره، وأدى في حال إسلامه، وهذا سائغ؛ أي: كون الكافر يتحمل في حال كفره، ثم بعدما يسلم يؤدي في حال إسلامه، فالعبرة بحال أدائه. ومن أمثلة ذلك: حديث هرقل، وقصة أبي سفيان معه، فإن ذلك الذي أخبر به وتحدث به، وجرى بينه وبينه، وما أخبر به عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ذلك في حال كفره، ولكن التأدية والتحديث إنما كان في حال إسلامه رضي الله تعالى عنه.

تراجم رجال إسناد حديث (قرأ رسول الله بمكة سورة النجم فسجد ...)


قوله: [أخبرنا عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران].هو ثقة، لازم الإمام أحمد بن حنبل أكثر من عشرين سنة، وقد أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا ابن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر أصحاب المذاهب الأربعة؛ لأن أولهم أبو حنيفة، وكانت ولادته سنة ثمانين، ووفاته سنة خمسين، وبعده الإمام مالك، وكانت وفاته سنة مائة وتسع وسبعين، وبعده الشافعي، وكانت وفاته سنة مائتين وأربع، وآخرهم الإمام أحمد بن حنبل، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وأربعين.
والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ للإمام مالك، وكل منهم يكنى بأبي عبد الله، مالك كنيته: أبو عبد الله، والشافعي كنيته: أبو عبد الله، والإمام أحمد كنيته: أبو عبد الله، وقد سبق أن ذكرت أن في مسند الإمام أحمد حديثاً يرويه عن الشافعي، والشافعي يرويه عن مالك، وهو حديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، وقد ذكره ابن كثير عند تفسير قول الله عز وجل: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )[آل عمران:169]، فقال: إن هذا إسناد عزيز، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة.
وهو ثقة، حجة، فقيه، إمام، أحد الأئمة المشهورين رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إبراهيم بن خالد].
هو إبراهيم بن خالد الصنعاني المؤذن، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا رباح].
هو ابن رباح الصنعاني، وهو أيضاً ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، مثل تلميذه إبراهيم بن خالد، كل منهما خرج له أبو داود، والنسائي.
[عن معمر].
هو معمر بن راشد البصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن طاوس].
ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عكرمة بن خالد].
هو: عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة].
جعفر بن المطلب بن أبي وداعة مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن أبيه].
هو: المطلب بن أبي وداعة، وهو صحابي أسلم يوم الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
حديث: (أن رسول الله قرأ النجم فسجد فيها) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فسجد فيها)].هنا أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ النجم وسجد فيها)، فدل ذلك على الترجمة؛ وهي السجود في سجدة النجم، وهو دال على ما دل عليه حديث المطلب بن أبي وداعة ؛ لأن كلاً منهما يدل على سجود الرسول صلى الله عليه وسلم عند قراءته هذه السورة وعند نهايتها.
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
هو إسماعيل بن مسعود أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، الثقة، الثبت، أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق السبيعي، وهو: عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

ترك السجود في النجم


شرح حديث زيد بن ثابت: (أنه قرأ على رسول الله والنجم إذا هوى فلم يسجد)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك السجود في النجم.أخبرنا علي بن حجر أنبأنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن يزيد بن خصيفة عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار أنه أخبره: (أنه سأل زيد بن ثابت رضي الله عنه عن القراءة مع الإمام؟ فقال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وزعم أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم: والنجم إذا هوى فلم يسجد)].
هنا أورد النسائي ترك السجود في النجم، وأورد فيه حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: [أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم، فلم يسجد]. وهذا يدل على ترك السجود، لا على أنه غير سائغ، ولكن على أنه ليس بلازم، يعني: من سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، كما جاء ذلك عن عمر رضي الله عنه، أن سجود التلاوة ليس بلازم، وليس بواجب، فالإنسان لو مر ولم يسجد ليس عليه شيء، ولكنه إذا سجد فهو أحسن، وهو أفضل، لكنه ليس بلازم، فترك الرسول صلى الله عليه وسلم السجود يدل على أن الترك سائغ، وفعله يدل على مشروعيته، وعلى أنه مستحب، وأنه ليس بلازم، هذا هو الذي يدل عليه حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وهو أنه قرأ على الرسول صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فلم يسجد.
وقال فيه: (وزعم)، والمراد به: زيد بن ثابت، وكلمة (زعم)، تأتي أحياناً يراد بها الخبر المحقق، وهنا هذا هو المراد به، وأحياناً يأتي يراد به معان أخر، يعني يراد به معاني باطلة، ومعنىً باطل وهو الكذب، لكن هنا المراد به الخبر المحقق، (زعم) يعني: أخبر خبراً محققاً، أنه قرأ على الرسول صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد.

تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (أنه قرأ على رسول الله والنجم إذا هوى فلم يسجد)

قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[أنبأنا إسماعيل وهو ابن جعفر].
وهو: إسماعيل بن جعفر، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وكلمة: (هو ابن جعفر ) هذه قالها من دون علي بن حجر، إما النسائي؛ أو من دون النسائي، وأتي بها للإيضاح والبيان، وأتي بكلمة (هو) حتى يعلم أنها ليست من علي بن حجر الذي هو التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يريد، مثلما فعل النسائي في الحديث الذي قبل هذا، حيث نسب شيخه عبد الملك، قال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران، ينسبه كما يريد، لكن التلميذ إذا ما نسب شيخه، وأتى باسمه فقط، وأراد من دون التلميذ أن يوضح، فإنه يأتي بكلمة (هو)، أو يأتي بكلمة (يعني)، وهذا من هذا القبيل: إسماعيل (هو ابن جعفر)، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن خصيفة].
يزيد بن خصيفة هو: يزيد بن عبد الله بن خصيفة المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن عبد الله بن قسيط].
هو أيضاً ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يسار].
عطاء بن يسار ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنه أخبره أنه سأل زيد بن ثابت].
زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.



السجود في: (إذا السماء انشقت)



‏ شرح حديث أبي هريرة في سجود النبي عند القراءة بـ (إذا السماء انشقت)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السجود في: إذا السماء انشقت.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: (أن أبا هريرة رضي الله عنه قرأ بهم إذا السماء انشقت فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها)].
هنا أورد النسائي السجود في إذا السماء انشقت، يعني: في سجدتها، وأورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [أنه صلى بجماعة، وقرأ إذا السماء انشقت وسجد بها]، ولما انصرف من صلاته قال: [إن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد بها]، يعني: هو فعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على ثبوت السجود في سورة إذا السماء انشقت، فحديث أبي هريرة يدل على ذلك؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، وأبو هريرة اقتدى برسول الله عليه الصلاة والسلام فسجد كما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، من اتباع سنته، والاقتداء به، والاهتداء بهديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في سجود النبي عند القراءة بـ (إذا السماء انشقت)


قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن يزيد].
هو المخزومي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من ثقات التابعين، وعده بعض العلماء من الفقهاء السبعة في المدينة، فهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، الذي فيه ثلاثة أقوال؛ قيل: أبو سلمة هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي سيأتي بعد هذا، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة،.
[أن أبا هريرة رضي الله عنه].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

حديث أبي هريرة في السجود في (إذا السماء انشقت) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا ابن أبي فديك أخبرنا ابن أبي ذئب عن عبد العزيز بن عياش عن ابن قيس وهو محمد عن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في: إذا السماء انشقت)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أخرى، والذي هو بمعنى حديثه المتقدم، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد في إذا السماء انشقت؛ (سجد)، أي: سجدة التلاوة، في سورة إذا السماء انشقت، فهو بمعنى الحديث المتقدم عنه رضي الله عنه.
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
هو محمد بن رافع القشيري النيسابوري، أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، والإمام مسلم يروي صحيفة همام بن منبه من طريقه، صحيفة همام بن منبه في صحيح مسلم هي من طريق محمد بن رافع؛ محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فـمحمد بن رافع أكثر عنه الإمام مسلم، وهو مثله في النسب، ومثله في البلد؛ لأن مسلماً قشيري نسباً، وهو نيسابوري بلداً، وهذا مثله، فهو القشيري النيسابوري محمد بن رافع.
[حدثنا ابن أبي فديك].
ابن أبي فديك هو: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، وهو ثقة، فقيه، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز بن عياش].
عبد العزيز بن عياش مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن ابن قيس].
هو محمد بن قيس المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عمر بن عبد العزيز].
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين، وأحد الخلفاء الراشدين رحمة الله عليه، هو خليفة راشد، الخلفاء الراشدون الذين خلافتهم خلافة نبوة، الأربعة الذين خلافتهم ثلاثين سنة، لكن عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الراشدين، وهناك عبارة تأتي كثيراً على ألسنة بعض الناس يقولون: خامس الخلفاء الراشدين، وفي هذا تجاوز لـمعاوية رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل من عمر بن عبد العزيز، ومن غيره، ممن ليس من الصحابة، فكونه يقال: إنه خليفة راشد، وإنه من الخلفاء الراشدين، هذا صحيح، لكن كونه يقال: خامس الخلفاء الراشدين، هذا فيه نظر؛ من جهة أن معاوية رضي الله عنه قبله، وهو أفضل منه رضي الله تعالى عنه، وحديث عمر بن عبد العزيز أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:02 AM
شرح حديث أبي هريرة في السجود في (إذا السماء انشقت) من طريق ثالثة


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سجدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة، وفيه أنه قال: (سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك)، يعني: في سورتين من سور المفصل؛ وهما: سورة إذا السماء انشقت، وسورة اقرأ باسم ربك، فهو يدل على ثبوت السجود فيهما جميعاً؛ في سجدة إذا السماء انشقت، وسجدة اقرأ باسم ربك الذي خلق.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في السجود في (إذا السماء انشقت) من طريق ثالثة


قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].محمد بن منصور هو الجواز المكي، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة، وهو ثقة، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
يحيى بن سعيد هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم].
أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم اسمه كنيته، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن عبد العزيز].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام].
هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنه مر بنا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهذا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هؤلاء اختلف في عد الواحد منهم سابع الفقهاء السبعة، فمن العلماء من قال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم من قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن الذي مر ذكره قريباً، ومنهم من قال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وقد تقدم ذكره.

طريق رابعة لحديث أبي هريرة في السجود في (إذا السماء انشقت) وتراجم رجال إسنادها


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة مثله].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، ولم يسق المتن، بل قال: مثله، و(مثله) إذا جاءت يراد بها مطابقة المتن، أي: مطابقة المتن الذي لم يذكر، بالمتن المذكور الذي قبله، يعني: يكون نفس الثاني الذي لم يذكر: (صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجد بإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك الذي خلق)، يعني: أن المتن مثل المتن، إذا قيل: مثله، أما إذا قيل (نحوه)، فهو ليس مثله، ولكنه بمعناه، نحوه يعني بمعناه، وأما (مثله) معناه المطابقة.
قوله: [أخبرنا قتيبة].
مر ذكره.
[حدثنا سفيان].
سفيان هو ابن عيينة، وقد مر ذكره.
[عن يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وقد مر ذكره.
[عن أبي بكر بن محمد].
هو أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكذلك مر ذكره.
[عن عمر بن عبد العزيز].
عمر بن عبد العزيز كذلك مر ذكره.
[عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة].
مر ذكرهم جميعاً.

شرح حديث: (سجد أبو بكر وعمر (في إذا السماء انشقت) ومن هو خير منهما)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سجد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في إذا السماء انشقت، ومن هو خير منهما)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يقول فيه: (سجد أبو بكر وعمر في إذا السماء انشقت، ومن هو خير منهما)، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم سجد، وذلك يدل على ثبوت السجود، حيث فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفعله الخليفتان الراشدان من بعده: أبو بكر، وعمر، رضي الله تعالى عنهما.


تراجم رجال إسناد حديث: (سجد أبو بكر وعمر في (إذا السماء انشقت) ومن هو خير منهما)


قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي هو الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
يحيى هو يحيى بن سعيد القطان، وهو ثقة، ثبت، محدث، ناقد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قرة بن خالد].
قرة بن خالد ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، قال عنه الحافظ: ثقة، ضابط، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين].
محمد بن سيرين ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
قد تقدم ذكره.



السجود في اقرأ باسم ربك



‏ شرح حديث: (سجد أبو بكر وعمر ومن هو خير منهما في (إذا السماء انشقت))


قال المصنف رحمه الله تعالى: [السجود في اقرأ باسم ربك.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا المعتمر عن قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سجد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن هو خير منهما في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك)].
هنا أورد النسائي السجود باقرأ باسم ربك الذي خلق، وأورد فيه حديث أبي هريرة، وهو بمعنى الحديث المتقدم قبله قال: (سجد أبو بكر وعمر ومن هو خير منهما -يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم- في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك)؛ لأن الحديث يدل على الاثنتين، وقد أورده هناك، من طريق دال على الاثنتين، وأورده في هذه الترجمة دال على الاثنتين اللتين هما سورة: إذا السماء انشقت، وسورة اقرأ باسم ربك الذي خلق.

تراجم رجال إسناد حديث: (سجد أبو بكر وعمر ومن هو خير منهما في (إذا السماء انشقت)


قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا المعتمر].
هو المعتمر بن سليمان التيمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قرة].
هو قرة بن خالد، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن ابن سيرين عن أبي هريرة].
قد مر ذكرهما.


حديث أبي هريرة: (سجدت مع رسول الله في (إذا السماء انشقت) و(اقرأ باسم ربك)) وتراجم رجال إسناده


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخبرنا وكيع عن سفيان عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريقين أخريين، وهما دالتان على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، من سجود الرسول عليه الصلاة والسلام، وسجود أبي بكر، وعمر، بسورة اقرأ وبسورة إذا السماء انشقت.
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. وذكر بعده إسنادين، يعني من إسحاق بن إبراهيم إسنادان: أحدهما..
[أخبرنا سفيان].
سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب بن موسى].
أيوب بن موسى ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن ميناء].
عطاء بن ميناء صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
قد مر ذكره.
والإسناد الثاني: يقول فيه: أن إسحاق بن راهويه قال:
[أخبرنا وكيع].
يعني شيخه في الإسناد الذي قبل هذا هو سفيان، وهنا يقول: أخبرنا وكيع، الذي هو إسحاق بن راهويه، ووكيع هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وهو صاحب التفسير، وصاحب الزهد، وصاحب الكتب العديدة، وهو من المصنفين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان هو الثوري، وقد عرفنا فيما مضى أنه إذا جاء وكيع عن سفيان، فالمراد به الثوري؛ لأنه مكثر عنه، وليس ابن عيينة؛ لأنه مقل عنه، وهما من بلد واحد؛ سفيان الثوري كوفي، ووكيع بن الجراح كوفي.
و إسحاق بن إبراهيم متأخر، وأما وكيع متقدم؛ وكيع مات قبل المائتين، وإسحاق بن راهويه متأخر بعد ذلك، يعني إسحاق بن إبراهيم من شيوخ النسائي، والنسائي متأخر، وأما وكيع فإنه متقدم الوفاة، فلا يروي عنه النسائي إلا بواسطة.
يعني أن إسحاق يروي عن سفيان، ويروي عن وكيع عن سفيان؛ يعني الأولى عالية والثانية نازلة.
ووكيع وفاته قبل المائتين، وهو الذي يقول فيه الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
[عن أيوب بن موسى].
أيوب بن موسى قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة].
كذلك عطاء بن ميناء وأبو هريرة مر ذكرهما.



الأسئلة


بيان حد التقليد


السؤال: هل هناك مرتبة بين الاجتهاد والتقليد؟ وما هو حد التقليد؟الجواب: الاجتهاد -كما هو معلوم- هو الأخذ بالنصوص، والتعويل على ما تدل عليه النصوص، لمن تمكن من ذلك، وأما التقليد فهو الذي يقلد غيره، ويعول على قول غيره، ولا تمكن عنده في الاجتهاد، بل هو مقلد، والمقلد تابع، ولهذا يقولون: إن المقلد لا يعد من أهل العلم، يعني: هو تابع لغيره، وإنما أهل العلم هم الذين يعنون بمعرفة الحق بدليله، وأما المقلد فهو لا يعرف الحق بدليله، وإنما يعرف كلام الرجل الذي يقلده.

حكم قول: أقامها الله وأدامها عند إقامة الصلاة


السؤال: ما رأيكم في قول من يقول عند قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها، وخاصة والحديث ضعيف، وكأنه يقول: إن بعض العلماء جوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال؟الجواب: سامع المؤذن يقول مثل ما يقول في الأذان وفي الإقامة إلا في حي على الصلاة، حي على الفلاح، في الأذان، هذا هو المشروع، وأما أقامها الله وأدامها فرواه ابن ماجه، وهو حديث ضعيف لا يعول عليه، وإنما التعويل على: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، وهذا يشمل الأذان والإقامة.
رفع الصوت على الوالدين حال الغضب وبدون قصد


السؤال: الذي يصرخ أحياناً إذا غضب على وجه أمه، وهذا طبعه ويصدر منه من دون قصد، فهل يأثم في ذلك؟الجواب: الإنسان وإن كان هذا طبعه سيء، إلا أنه لا يحصل مع الوالدة هذا الطبع السيئ؛ الله يقول: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ )[الإسراء:23]، فكيف يعني وهو يصرخ؟

معنى الخذف الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام


السؤال: نريد شرح حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف)؟الجواب: الخذف هو الرمي بالحصا، يعني: الحصاة بين أصبعين ثم يطلقها، هذا هو الخذف، هذا هو الذي جاء في حديث ابن المغفل.

ما يلزم من فاتته الظهر حتى أذان العصر


السؤال: فقد فاتتني صلاة الظهر في يوم من الأيام، ولم أتمكن من أدائها لعمل طارئ، حتى أذن لصلاة العصر، فدخلت المسجد وصليت الظهر قبل قيام الصلاة لوحدي، ثم صليت العصر مع الإمام، فهل هذا صحيح؟الجواب: نعم العمل صحيح، يعني يصلي الظهر أولاً ثم يصلي العصر، لكن الواجب هو الحرص على المحافظة على الصلوات؛ بأن تؤدى في أوقاتها، ولا يؤخر الإنسان الصلاة عن وقتها، إلا إذا كان مسافر، أو له حق الجمع، ويؤخر بنية الجمع، أو يكون نائماً أو ناسياً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك).

مدى ثبوت قصة الغرانيق


السؤال: بمناسبة حديث سورة النجم، فما رأيكم في ثبوت قصة الغرانيق؟الجواب: قصة الغرانيق غير ثابتة، وسجود الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين والجن والإنس ثابت.

حكم طلاق الرجل في السفر


السؤال: ما حكم طلاق الرجل زوجته وهو في السفر؟الجواب: يطلقها في الحضر والسفر.

مدى لزوم من أراد الزواج على زوجته انقضاء العدة


السؤال: رجل طلق زوجته، وأراد أن يتزوج هل ينتظر حتى تكمل العدة؟الجواب: ما يحتاج، تخرج من العدة أو ما تخرج، وإنما الذي يحتاج إليها الرابعة، إذا كانت رابعة وطلقها وأراد أن يتزوج مكانها.

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:05 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(183)


- (باب السجود في الفريضة) إلى (باب القراءة في الظهر)

بينت الشريعة مشروعية سجود التلاوة في صلاة الفريضة، وكذلك مشروعية أن يُسمع الإمام الآية أحياناً في الصلاة السرية؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمعهم الآية في الظهر، وفيه دلالة على استحباب الجهر بما يسن الإسرار به للتعليم.

السجود في الفريضة



‏ شرح حديث أبي هريرة في سجود التلاوة في الفريضة


قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السجود في الفريضة.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سليم وهو ابن أخضر عن التيمي حدثني بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع (صليت خلف أبي هريرة صلاة العشاء -يعني العتمة- فقرأ سورة: ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ )[الانشقاق:1]، فسجد فيها، فلما فرغ قلت: يا أبا هريرة! هذه -يعني سجدة- ما كنا نسجدها، قال: سجد بها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وأنا خلفه، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)].

يقول النسائي رحمه الله السجود في الفريضة، يعني: سجود التلاوة، وأن سجود التلاوة يكون عند قراءة القرآن، سواءً كان في الفريضة، أو في غيرها، لكنه ليس بلازم، وإنما هو مستحب، ولو لم يفعل الإنسان لا بأس بذلك، لكن الأولى هو السجود عند تلاوة القرآن، سواءً كان في الفريضة، أو في النافلة، إلا أنه إذا كان في صلاة الفريضة وهي سرية فالأولى عدم السجود؛ لأنه يحصل به التشويش، بخلاف الجهرية، فإن القراءة ومعرفة الوصول إلى آية فيها سجدة، ثم السجود عندها، يكون ذلك واضحاً جلياً لا إشكال فيها، ولا تشويش فيه، بخلاف السرية، وهذه الترجمة هي آخر التراجم المتعلقة بسجود التلاوة، وقد سبق أن مر بنا عدة أبواب، فيها سجود التلاوة في بعض السور؛ وهي سورة ص، وسورة إذا السماء انشقت، وسورة النجم، وسورة اقرأ، وهذه من المواضع الأربعة التي اختلف في السجود فيها، وهناك موضع خامس اختلف فيه؛ وهو السجود في السجدة الأخيرة من سجدتي الحج.
وأما العشر الأخرى فمتفق على السجود بها، ولا خلاف بين العلماء فيها، وقد سبق أن ذكرت أن السجود في هذه السجدات الخمس المختلف فيها ثابت، وأن الأولى والراجح في ذلك هو ثبوت السجود فيها، وأن الخمس عشرة سجدة التي هي في القرآن -ولا زيادة على خمسة عشر- يسجد بها، منها عشر متفق عليها، وخمس مختلف فيها، والراجح: هو ثبوت السجود فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الترجمة تتعلق بالسجود في الفريضة، ومعنى هذا: أن سجود التلاوة يكون عند قراءة القرآن، سواءً كان ذلك في صلاة أو في غيرها، وسواءً كان ذلك في فريضة أو نافلة، إلا أن الأولى في السرية ألا يسجد بها الإمام؛ لأن ذلك يحصل به التشويش على المأمومين.
ثم أورد النسائي تحت هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (وهو أن أبا رافع صلى خلف أبي هريرة، صلاة العشاء يعني: العتمة، فسجد، ولما انصرف قال: هذه، أي: سجدة ما كنا نسجدها، فقال: سجد بها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وأنا خلفه، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم).
وهذا فعل أبو هريرة رضي الله عنه، حيث سجد لصلاة العشاء بهذه السجدة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد بها، فأنا أسجد اقتداءً به حتى ألقاه، أو لا أزال أسجد بها حتى ألقاه، فيدلنا على ثبوت السجود في الفرائض، وأن ذلك فعله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأيضاً يدلنا على ما كان عليه الصحابة الكرام، رضي الله عنهم وأرضاهم، من الإتساء والاقتداء بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم سجدها، وأنا لا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم).
وأبو القاسم هي كنية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرها أبو هريرة هنا مرتين، حيث قال: [سجدت بها خلف أبي القاسم، ولا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم]، حتى الموت، وذكر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بكنيته حسن، ولكن ذكره بوصف الرسالة أحسن، قال هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: إن ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بكنيته أنه حسن، ولكن ذكره بوصف الرسالة أحسن؛ بأن يقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند ذكره يذكر وصفه بالرسالة، قال: هذا أحسن، وذكره بالكنية حسن. ثم أيضاً في الحديث ذكر العشاء، وقال: العتمة، أي: فسر بها العشاء؛ لأن العشاء قد تطلق على صلاة المغرب، ويقال لها: عشاء، ويقال لصلاة العشاء: العشاء، إلا أن المغرب يقال لها: العشاء الأولى، والعشاء يقال لها: العشاء الآخرة، ويطلق على العشاء الآخرة العتمة.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في سجود التلاوة في الفريضة


قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].حميد بن مسعدة بصري صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سليم وهو ابن أخضر].
سليم بن أخضر ثقة، ضابط، قال عنه الحافظ ابن حجر: ثقة، ضابط، خرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له البخاري، ولا ابن ماجه، وكلمة: (وهو ابن أخضر)، هذه قالها من دون حميد بن مسعدة الذي هو تلميذه الراوي عنه، وقالها إيضاحاً، وبياناً لهذا الذي قال عنه حميد بن مسعدة سليم، ولن يزيد على ذلك؛ لأن حميد بن مسعدة ما زاد على قوله: حدثنا سليم، والذي دونه، إما النسائي، أو من دون النسائي، هم الذين أتوا بكلمة (هو: ابن أخضر)، ولكنه قال: هو ابن أخضر، أي: حتى يعرف بأن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وذلك أن التلميذ لا يحتاج إلى أن يذكر هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد فلان بن فلان بن فلان، ويطيل في نسبه كما يشاء؛ لأن الكلام كلامه، لكن من دون التلميذ، لا يزيد على ما ذكره التلميذ، وإذا أراد أن يوضح هذا الذي أهمله التلميذ، فإنه يأتي بلفظ يشعر بذلك، مثل ما هنا هو ابن فلان، أو مثل يعني: ابن فلان.
[عن التيمي].
هو سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني بكر بن عبد الله المزني].
هو بكر بن عبد الله المزني البصري، وهو ثقة، ثبت، جليل، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبكر بن عبد الله المزني هذا، ذكروا في ترجمته كلمة عظيمة ينسبونها إليه، وأنها من كلامه، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب؛ وهي قوله: (إياك من الكلام ما إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو إساءتك الظن بأخيك)؛ لأن هذا إن أصبت فيه، ما تحصل أجر، وإن أخطأت أثمت، وإذاً فابتعاد الإنسان عن هذا الأمر، وعن هذا الشيء، فيه سلامته ونجاته؛ لأنه إن أصاب في إساءته الظن لا يحصل أجراً على هذه الإصابة، وإن أخطأ في إساءته الظن، فإنه يأثم، فهي كلمة عظيمة، وكلمة بليغة، وكلمة معناها جليل وعظيم، وهي لها أهمية كبرى، وفيها بيان خطورة إساءة الظن بالمسلم، وعدم إحسان الظن به، وهذه الكلمة هي من جملة الكلمات التي أنا أودعتها الكتاب الذي صدر أخيراً؛ وهو الفوائد المنتقاه من فتح الباري ومن كتب أخرى، فإن من جملة مباحث هذا الكتاب كلمات ذات عبر وعظات، وهذه من هذه الكلمات، التي هي ذات عبر وعظات، قالها بكر بن عبد الله المزني، وهو ثقة، ثبت، جليل، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي رافع].
أبو رافع هو الصائغ المدني، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وإسناد هذا الحديث كلهم يوصفون بأنهم بصريون إلا أبا هريرة، فإن حميد بن مسعدة بصري، وسليم بن أخضر بصري، وسليمان بن طرخان التيمي بصري، وبكر بن عبد الله المزني بصري، وأبو رافع هذا نزل البصرة.
إذاً: خمسة من إسناده بصريون إلا الصحابي وهو أبو هريرة، فهو مدني رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبالمناسبة كان في الحديث الذي هو آخر ما مر بنا، وهو الذي جاء من طريقين عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه عن سفيان، وعن وكيع عن سفيان، سفيان الأول هو سفيان بن عيينة، وليس سفيان الثوري، وأما الثاني فهو سفيان الثوري الذي يروي عن وكيع، والذي يروي عنه إسحاق بن راهويه مباشرة، هذا هو ابن عيينة وليس الثوري، وابن عيينة، وإسحاق بن راهويه، توفي سنة ثماني وثلاثين، وعمره اثنان وسبعون سنة، فولادته سنة ست وستين ومائة، والثوري مات قبل ولادته بأربع سنوات، الثوري مات قبل ولادة إسحاق بن راهويه بأربع سنوات؛ لأنه توفي سنة واحد وستين ومائة؛ فعلى هذا هو ابن عيينة وليس الثوري ؛ لأن إسحاق بن راهويه لم يدرك الثوري، وعلى هذا فـسفيان الذي أُهمل في الإسناد الأول، وسفيان الذي أهمل في الإسناد الثاني، شخصان، وليس شخصاً واحداً، في الأول سفيان هو ابن عيينة، الذي يروي عنه إسحاق بن راهويه مباشرة، والثاني الذي يروي عنه بواسطة هو سفيان الثوري، الذي يروي عنه بواسطة وكيع بن الجراح.



قراءة النهار



‏ شرح حديث: (كل صلاة يقرأ فيها ..)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قراءة النهار.أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن رقبة عن عطاء قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: (كل صلاة يقرأ فيها فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفاها أخفينا منكم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب القراءة في النهار، في الصلوات السرية؛ لأن صلوات النهار سرية التي هي: الظهر والعصر، والصلوات الأخرى جهرية، التي هي: المغرب والعشاء والفجر، وأورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: (فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفاها أخفينا منكم).
أي: نجهر بما جهر به، ونسر بما أسر به، وصلاة النهار سرية لا يجهر فيها بالقراءة، والعمدة في ذلك هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يسر في صلوات النهار: الظهر، والعصر، ويجهر في الصلوات الأخرى، التي هي: المغرب، والعشاء، والفجر.
وقول أبي هريرة رضي الله عنه: (كل صلاة فيها قراءة)، أي: أن الصلوات الخمس كلها يقرأ فيها، إلا أن هناك قراءة سرية، وهناك قراءة جهرية؛ قراءة سرية بالنسبة للنهار، وقراءة جهرية بالنسبة لليل، وأن المعتمد عليه بذلك هو فعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقوله: (كل صلاة)، أي: كل صلاة من الصلوات الخمس، والمراد بذلك أنه في كل ركعة من الركعات فيها قراءة، وأقل شيء في ذلك قراءة سورة الفاتحة، وهذا مما يستدل به على القراءة في الصلاة السرية.
ومما يدل على ذلك ما جاء في الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا يعرفون قراءته في الصلاة السرية بتحرك لحيته، أي: عوارضه؛ لأنهم كانوا يصلون وراءه، فيرون العوارض تتحرك بسبب القراءة؛ لأن حركة فمه عليه الصلاة والسلام بالقراءة تجعلهم يرون عوارضه، أو شعر لحيته يتحرك بسبب القراءة، فكانوا يستدلون على قراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام بتحرك لحيته في الصلاة السرية؛ لأنهم وراءه يصلون، ويرون عوارضه من جهة اليمين والشمال؛ أي: شعر لحيته العوارض تتحرك بسبب القراءة، وهذا مما يستدلون به على قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاة السرية.

تراجم رجال إسناد حديث: (كل صلاة يقرأ فيها ...)


قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].هو محمد بن قدامة المصيصي وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
جرير هو: جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن رقبة].
هو رقبة بن مصقلة، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له في السنن، ولكنه خرج له في التفسير.
[عن عطاء].
هو عطاء بن أبي رباح المكي.
وهو ثقة، فقيه، فاضل، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو هريرة].
أبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.


شرح حديث: (في كل صلاة قراءة ...)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى أخبرنا خالد حدثنا ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنها أنه قال: (في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفاها أخفينا منكم)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بلفظ الحديث المتقدم ومعناه، ودال على ما دل عليه من حصول القراءة في الصلوات كلها، سريها أو جهريها، وأن المعتمد عليه في ذلك هو فعل الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:07 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (في كل صلاة قراءة ...)


قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[أخبرنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء، عن أبي هريرة].
قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.



القراءة في الظهر



‏ شرح حديث البراء: (كنا نصلي الظهر خلف النبي فنسمع منه الآية بعد الآيات من لقمان والذرايات)


قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الظهر.أخبرنا محمد بن إبراهيم بن صدران حدثنا سلم بن قتيبة حدثنا هاشم بن البريد عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنهما أنه قال: (كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فنسمع منه الآية بعد الآيات من سورة لقمان والذاريات)].
لما أورد النسائي الترجمة السابقة، وهي عامة، وهي القراءة في صلاة النهار، وأورد تحتها حديث أبي هريرة من طريقين: (كل صلاة فيها قراءة، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا منكم)، أورد بعد ذلك القراءة في الظهر، يعني: في صلاة الظهر، وأورد فيه حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم الآية بعد الآيات في صلاة الظهر من سورة لقمان والذاريات)، والمقصود من ذلك أنه يسر بالقراءة، ولكنه يسمعهم صوته أحياناً في بعض الآيات حتى يفهموا السورة التي يقرأ بها، يعني: إذا كان يقرأ في لقمان ثم رفع صوته قليلاً ببعض الآيات، فهم منه السورة التي يقرأ بها، فيعلمون من الآية الواحدة أنه يقرأ في هذه السورة التي هي سورة لقمان، وكذلك في الذاريات، والمقصود من ذلك: الاستدلال على القراءة في الظهر، وهي إحدى الصلوات السرية التي يسر فيها بالقراءة، والقراءة لا بد منها، ولكنه يسر بها، وفيه أيضاً: أنه كان يقرأ في صلاة الظهر بهاتين السورتين؛ وهي لقمان والذاريات.

تراجم رجال إسناد حديث البراء: (كنا نصلي الظهر خلف النبي فنسمع منه الآية بعد الآيات من لقمان والذاريات)


قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم].هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا سلم بن قتيبة].
سلم بن قتيبة صدوق، خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
وقد ذُكِرَ في ترجمته عبارة مستعلمة في هذا الزمان، يعني: عندما يتكلم عن الشخص في قوته وصلابته وتحمله، يقال: فلان جمل محامل، يعني: معناها إنه يحمل، أنه عمدة، وأنه يحمل الأشياء الثقيلة، فكما أن الجمل يحمل أشياء ثقيلة فهو مثله في قوته وصلابته، وهذا مشهور، ويستعمل في هذا الزمان، يقال: فلان جمل محامل، هذه الكلمة مستعملة من قديم الزمان، فقد ذكروا في ترجمة سلم بن قتيبة هذا، أن يحيى بن سعيد القطان قال: ليس من جمال المحامل، يعني: سلم بن قتيبة، يعني: غض من شأنه، أو يعني: أو قدح خفيف، يعني: فهذه الجملة ذكرت في ترجمة هذا الرجل، والذي قالها عنه هو يحيى بن سعيد القطان.
[حدثنا هاشم بن البريد].
هاشم بن البريد ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي إسحاق].
أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ينسب إلى همدان نسبة عامة، وإلى سبيع نسبة خاصة، وسبيع هم جزء من همدان، وهو كوفي ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء].
هو البراء بن عازب، صحابي ابن صحابي، رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث مما ذكره الألباني في الضعيفة من سنن النسائي، وأحال في ذلك إلى السلسلة الضعيفة، لكنه بعد الأربعة آلاف في الأجزاء التي لم تخرج، ولا أدري وجه التضعيف؛ لأن رجاله: ابن صدران، وسلم بن قتيبة، وهاشم بن البريد، وأبا إسحاق، بين صدوق وثقة، وما أدري ما هو وجه تضعيفه؟


شرح حديث أنس في القراءة في الظهر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا أبو عبيدة عن عبد الله بن عبيد سمعت أبا بكر بن النضر كنا بالطف عند أنس رضي الله عنه فصلى بهم الظهر، فلما فرغ قال: (إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين: بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ )[الغاشية:1])].هنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وأنه صلى بهم، يقول: أبو بكر بن النضر، أنه قال: صلى بهم، كانوا معه في الطف، يعني: مع أنس بن مالك، وصلى بهم الظهر، وقال: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر، فقرأ بهاتين السورتين: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ )[الغاشية:1])، وهو دال على ما ترجم له النسائي وهو القراءة في الظهر.


تراجم رجال إسناد حديث أنس في القراءة في الظهر


قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي].محمد بن شجاع المروذي ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي.
والمروذي سبق أن ذكرت، أنها نسبة إلى مرو الشاهجان، ويقال: المروذي، ويقال: المروزي، يعني: بالزاي، نسبة إلى مروا الروذ، يعني: هذه مروا الروذ المروذي، وتلك لمروا الشاهجان، اللي هي المروزي، أي: الزاي، يأتون بالزاي، ويأتون بالذال، فالذال لمروا الروذ، والزاي لمروا الشاهجان، وهي ما لها علاقة في اللفظ؛ لأن مرو، والشاهجان ما فيه فرق، وإنما أتوا بها للتمييز، مثل ما أتوا بواو عمرو مع عمر، أي: يتميز عمرو من عمر في الرسم، وكذلك المروزي والمروذي، المروذي نسبة إلى مر الروذ، والمروزي نسبة إلى مروا الشاهجان، وهما مدينتان، متقاربتان، وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي.
[حدثنا أبو عبيدة].
هو عبد الواحد بن واصل الحداد أبو عبيدة، وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن عبد الله بن عبيد].
هو عبد الله بن عبيد الحميري المؤذن والبصري، وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[سمعت أبا بكر بن النضر].
هو مستور، وخرج له النسائي وحده.
[عن أنس].
أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خادمه، وأحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته، حيث قال:
والمكثرون من رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبيِّ
وهذا الحديث قال عنه الألباني: إنه ضعيف الإسناد، وفي إسناده كما ترون أبو بكر بن النضر، وهو مستور، والمراد به: أنه مجهول الحال، يعني: هو الذي ضعف به الحديث، وأما بقية الرجال فهم بين صدوق وثقة.



الأسئلة



‏ مدى وجوب الإنصات إذا بدأت خطبة الجمعة والشخص خارج المسجد


السؤال: إذا كان الرجل في بيته أو في طريقه إلى المسجد وسمع من خلال مكبرات الصوت الخارجية أن خطبة الجمعة قد بدأت، فهل يلزم بالسكوت والإنصات أم لا؟الجواب: الإنسان الذي في الطريق وماشي وما دخل المسجد، ليس ملزماً بالسكوت والإنصات، بل يمكنه أن يتحدث، ويمكن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنما الكلام في الذي هو جالس في المسجد، أما الإنسان الذي يمشي في الطريق فلا يظهر أنه ملزم بالسكوت والإنصات وهو يمشي في الطريق.

حكم سجود التلاوة إذا كان الشخص يصلي منفرداً في الصلاة السرية


السؤال: إذا كان الرجل يصلي صلاة سرية، وهو منفرد، فهل يستحب له السجود عند سجدة التلاوة؟الجواب: نعم، إذا كان الشخص منفرداً وهو يقرأ في صلاة سرية يسجد، ما في بأس؛ لأن ما في محذور، ولا في تشويش على أحد، فهو مثل قراءته في غير الصلاة، كذلك إذا قرأ في الصلاة السرية، سواءً كانت نافلة أو فريضة فإنه يسجد.

حكم إهداء ثواب الصدقة للميت


السؤال: إذا تصدق الرجل بمال أو طعام ونوى أن يكون ثوابه ذلك لوالده المتوفى، أو لأخيه المتوفى أو نحوه، فهل فعله صحيح أم لا؟الجواب: نعم، فعله صحيح؛ لأن الصدقة على الأموات ثابتة وسائغة لا بأس بها، وهي من أحسن ما يفيد فيه الأحياء الأموات، وهي الصدقة عنهم، فالتصدق عن الميت ثابت، وسائغ، وينفع الميت.

حكم الجهر في السنن الرواتب


السؤال: هل يجوز للرجل أن يجهر في تحية المسجد إذا كان وحده ولا يؤذي أحداً؟ ويقول: وكذلك هل يجوز له أن يجهر في رواتب الظهر؟الجواب: لا، لا يجهر، فالرواتب الإنسان يسر بها، ولا يجهر بها.

الجمع بين (لا عدوى) وحديث (فر من المجذوم)


السؤال: كيف نجمع بين حديث: (لا عدوى ولا طيره)، وحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)؟الجواب: من المعلوم أن الله عز وجل، إذا شاء أن ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، فإنه ينتقل، ولكن ليس ذلك بمجرد الطبع، وعدم مشيئة الله عز وجل وإرادته، بل كل شيء بمشيئته وإرادته، قالوا: فالنفي في قوله: (لا عدوى)، يعني: بطبعها، وأنه بمجرد ما يخالط المريض الصحيح يحصل العدوى، فقد يوجد الاختلاط ولا توجد العدوى؛ لأن ذلك يرجع إلى مشيئة الله عز وجل وإرادته، فإذا شاء أن المرض ينتقل انتقل، وإذا شاء أن المرض لا ينتقل، فإنه لا يحصل عدوى، ولا يحصل انتقال المرض، ولهذا جاء في بعض الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ليوضح قال: (فمن أعدى الأول)، يعني: الذي أصابه المرض أول مرة، من الذي أعداه؟ الله تعالى هو الذي أنزل به المرض، وجاءه من غير عدوى، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا عدوى ولا طيرة)، وقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، يعني: معناه أن الإنسان يأخذ بالأسباب، التي جعل الله عز وجل أنها سبب في انتقال المرض، لكن لا يعتقد الإنسان أن مخالطة المريض للصحيح بمجرده ينتقل به العدوى، فقد يوجد الاختلاط ولا توجد العدوى، وإنما ذلك يرجع إلى الله عز وجل.
وقد يكون بعض الإبل أو الإبل التي ما خالطها، يعني: بعير أجرب، الله تعالى ينزل فيه المرض، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن أعدى الأول)، فالتوفيق بينها: أن الأمر بالفرار، يعني: أمر بأخذ الأسباب، وقوله: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: أنه لا عدوى في طبعها.

سبب تضعيف الألباني لحديث البراء


السؤال: الحديث الذي أورده الألباني الأول يقول: يعني: هل يمكن أن يقال: إن تضعيف الشيخ الألباني لحديث البراء إنما هو بالنظر لـأبي إسحاق السبيعي وهو مختلط؟الجواب: ما أدري، يمكن، إذا كان هذا الذي روى عنه روى عنه بعد الاختلاط، إذا كان ثابت أنه راو عنه بعد الاختلاط، فيمكن أن يكون هذا وجه التضعيف.

مدى دخول بيع سيارة بسيارتين في الربا


السؤال: إذا باع رجل ثلاث سيارات مستعملة بسيارة واحدة جديدة، أو اشترى سيارة بسيارة وزاد نقوداً، هل يعتبر هذا من الربا؟الجواب: أبداً، ليس هذا من الربا، ولا علاقة له بالربا، يمكن يبيع ثلاث سيارات بسيارة، ويمكن يبيع سيارة بسيارة والثانية فيها زيادة نقود، ليس هذا من الربا في شيء.
وكذلك بيع البعير بالبعير، والشاة بالشاة، لا بأس بذلك، وهو ليس من قبيل الربا.

معنى القاعدة التي ذكرها ابن تيمية في معرفة الخبر المفيد للعلم


السؤال: هناك قاعدة ذكرها ابن تيمية في رفع الملام: أن الخبر المفيد للعلم يفيده من كثرة المخبرين تارة، ومن صفات المخبرين أخرى، ومن نفس الإخبار به أخرى، ومن نفس إدراك المخبر له أخرى، ومن الأمر المخبر به أخرى، ما معنى ذلك؟الجواب: أي نعم، كثرة المخبرين يعني كونه جاء من طرق متعددة، فيفيد العلم بكثرة المخبرين. نعم.
(ومن صفاتهم)، يعني ثقة وعدالة وما إلى ذلك، نعم. (ومن نفس الإخبار به).
كذلك أيضاً من ناحية حكايتهم عند الكلام، يعني شيء يفيد الضبط، ويفيد الإتقان، ككونه يقول عند حديثه فيه إمارة أو فيه شيء يدل على ضبطه وإتقانه، مثل كونه حدثه وهو يعمل هذا العمل، أو أنه في ذلك المكان، أو في ذلك الزمان، وجود شيء زائد على مجرد الإخبار يدل على الضبط والإتقان.
ومن نفس إدراك المخبِر له؛ يعني: الإدراك طبعاً هو المعرفة والإحاطة والتمكن.
ومن الأمر المخبر به، يعني: الذي هو موضوع الخبر، كونه لا يخفى، وكونه من الأشياء التي تعلم، مثل أن يكون مثلاً على المنبر، أو خبر على المنبر، أو ما إلى ذلك.


مدى دخول الركبة في العورة


السؤال: الركبة هل هي عورة أو لا؟الجواب: الركبة كما هو معلوم هي حد العورة، وكما هو معلوم الاحتياط أن الغاية داخلة في المغي، فيكون حكمها حكم الفخذ.

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:10 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(184)


(باب تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر) إلى (باب القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر)

كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أن يطيل القيام في الركعة الأولى ليتمكن المأمومون من إدراك الصلاة من أولها، ويقصر في الركعة الثانية بالنسبة للأولى، كما كان أحياناً يسمعهم الآية في الظهر والعصر، فكان الصحابة يستدلون بذلك الإسماع على مشروعية القراءة، ويعرفون السورة التي قرأها.


تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر



‏ شرح حديث أبي سعيد في تطويل الركعة الأولى في صلاة الظهر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر.أخبرنا عمرو بن عثمان أخبرنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يجيء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى يطولها)].
يقول النسائي رحمه الله: تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر. هذه الترجمة المقصود منها: أن السنة تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، وكذلك أيضاً الصلوات الأخرى تطول الركعة الأولى على الركعة الثانية، وتطويل الركعة الأولى فيه فوائد، منها: إدراك الصلاة من أولها، فإن من جاء والإمام في الركعة الأولى قبل أن يركع فإنه يكون مدركاً للركعة ويكون مدركاً للصلاة من أولها، أي: بعدد ركعاتها، وإن كان قد فاته الدخول فيها عند بدايتها، وهي تكبيرة الإحرام، إلا أن إدراك الركعات يكون قد حصل له، وذلك بسبب تطويل الركعة الأولى، ثم أيضاً تطويل الركعة الأولى على غيرها؛ لأن المصلي في نشاط في أول صلاته، فتطويل الركعة الأولى يناسب نشاطه وقدرته، بالإضافة إلى الفائدة التي أشرت إليها، وهي إدراك المأمومين الصلاة، أي: الركعة الأولى من ركعات الصلاة، وذلك بسبب تطويل القراءة فيها، وقد أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أن الصلاة كانت تقام في زمنه عليه الصلاة والسلام، ويصلي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويذهب الذاهب إلى البقيع ويقضي حاجته ثم يتوضأ ويدرك الركعة الأولى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطولها؛ لأنه ذكر هذا العمل الذي يحصل، وهو الذهاب للبقيع وقضاء الحاجة ثم التوضؤ والإتيان وإدراك الركعة الأولى، ذكر في آخرها قال: يطولها، يعني هذا هو السبب الذي جعل الإنسان عندما تقام الصلاة يذهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى إلى البقيع ويقضي حاجته ويتوضأ ويدرك الركعة الأولى؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يطولها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الترجمة؛ لأن الركعة الأولى يحصل بها هذه الأعمال، وقد نص في آخر الحديث على أن السبب في ذلك هو تطويل تلك الركعة الأولى، وهذا يدلنا على أن هذه هي السنة، وهي تطويل الركعة الأولى من الصلاة أكثر من غيرها مع ما في ذلك من الفوائد التي أشرت إلى بعضها.

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في تطويل الركعة الأولى من صلاة الظهر


قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا الوليد].
الوليد، وهو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، التدليس الذي هو تدليس الإسناد، والتسوية التي هي تسوية الإسناد بأن يكون فيه ضعفاء وثقات، فيحذف الضعيف الذي بين الثقتين، وتكون صورة الإسناد كأنه عن ثقات، فيسويه حتى يظن برجاله أنهم ثقات، وقد حذف منهم واحد ضعيف، وهذا من أسوأ أنواع التدليس؛ لأن هذا التدليس إنما هو حذف في الإسناد، بخلاف كون الإنسان يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع أو يدلس أسماء شيوخه؛ لأن هذا يتعلق بشيوخه، لكن كونه يعمد إلى الإسناد ويحذف ضعيفاً بين ثقتين ويسوي الإسناد فهذا من أقبح أنواع التدليس، والوليد بن مسلم الدمشقي خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن عبد العزيز].
سعيد بن عبد العزيز، وهو شامي أيضاً.
وهو دمشقي أيضاً، وهو ثقة، إمام، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وكلهم يقال لهم: شاميون.
[عن عطية بن قيس].
وهو شامي أيضاً، وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وعلى هذا فهذا الإسناد والرجال الذين مضوا كلهم شاميون، فيهم الحمصي وفيهم الدمشقي.
[عن قزعة].
قزعة بن يحيى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
وهوسعد بن مالك بن سنان الخدري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته فكنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر فالخدري وجابر وزوجة النبي

شرح حديث أبي قتادة في تطويل الركعة الأولى من صلاة الظهر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني يحيى بن درست حدثنا أبو إسماعيل وهو القناد حدثنا خالد حدثنا يحيى بن أبي كثير: أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان يصلي بنا الظهر فيقرأ في الركعتين الأوليين يسمعنا الآية كذلك، وكان يطيل الركعة في صلاة الظهر، والركعة الأولى يعني: في صلاة الصبح)].أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بهم فيقرأ في الظهر، ويسمعهم الآية كذلك، يعني: أنه كما كان يقرأ فإنه أيضاً كان يسمعهم الآية أحياناً، يعني: فيه الإشارة إلى القراءة وإثباتها، وإثبات إسماع الآية أحياناً، يعني من القراءة مما يقرأه، فقوله: (كذلك)، المراد به: أنه كما كان يقرأ كان يسمعهم، ففيه إثبات القراءة وكذلك فيه إثبات إسماعه إياهم الآية التي يستدلون بها على السورة التي يقرأها ويفهمون منها ما كان يقرأ؛ لأنه إذا أسمعهم آيةً من سورة عرفوا أنه يقرأ هذه السورة في هذه الركعة؛ لأن الصلاة سرية، وكانوا يعلمون قراءته بكونه يسمعهم الآية أحياناً، وكذلك أيضاً كما ذكرت في الدرس الماضي كانوا يعلمون قراءته بتحرك لحيته، وهو أمامهم يصلي ينظرون إلى لحيته من يمينه وشماله، أي: ما نبت على العارضين، هذا التحرك الذي يحصل للحيته بسبب القراءة يستدلون به على قراءته في الصلاة السرية، فكان يقرأ في الظهر ويسمعهم الآية أحياناً كذلك، فيكون فيه إثبات القراءة وإثبات إسماعهم الآية التي يستدلون بها على السورة التي كان يقرأها عليه الصلاة والسلام.
[(وكان يطيل الركعة في صلاة الظهر)].
يعني: الأولى، وكذلك في صلاة الفجر، يعني: أنه يطيل الأولى في صلاة الفجر، وكذلك أيضاً الصلوات الأخرى، وقد ذكرت أن السبب في هذا هو التمكن من إدراك الصلاة من أولها، وأن الذي فاته الدخول في الصلاة عند تكبيرة الإحرام عندما تطول القراءة فإنه يتمكن من يتخلف عن بداية الصلاة بأن يدركها، ولا يفوته شيء من ركعاتها.
[(وكان يطيل الركعة في صلاة الظهر، والركعة الأولى يعني: في صلاة الصبح)].
يعني: أنه يطيل الأولى من صلاة الظهر، ويطيل أيضاً الأولى من صلاة الصبح، وهاتان الصلاتان وهما صلاة الظهر وصلاة الفجر هما أطول الصلوات من حيث القيام، فصلاة الفجر تطول فيها القراءة، وقد جاء النص في القرآن على ذلك: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا )[الإسراء:78]، أي: قراءة الفجر، وصلاة الظهر كما مر بنا أن الذاهب يذهب إلى البقيع بعدما يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فيقضي حاجته، ويتوضأ ويأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى؛ لأنه كان يطولها، فهاتان الصلاتان: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، يطال فيهما القيام.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في تطويل الركعة الأولى من صلاة الظهر


قوله: [أخبرني يحيى بن درست]. أخبرني يحيى بن درست، هذه الصيغة وهي صيغة الإفراد تستعمل فيما إذا كان الراوي أخذ عن شيخه وحده وليس معه أحد، فإذا كان معه غيره يعبر بأخبرنا، وهذا هو الفرق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا، فإن صيغة الإفراد يأتي بها الراوي فيما إذا سمع من شيخه وحده ليس معه أحد، أما إذا سمع ومعه غيره فإنه يعبر بأخبرنا التي تفيد روايته ورواية غيره عنه وأنهم أخذوا جميعاً سوياً في وقت واحد من الشيخ الذي أخبرهم، وعبر عنه الراوي أو أحد الرواة بقوله: أخبرنا، ويحيى بن درست هو البصري، وهو ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له أبو داود ولا الشيخان.
[عن أبي إسماعيل وهو القناد].
أبو إسماعيل هو إبراهيم بن عبد الملك البصري، مشهور بكنيته أبي إسماعيل، وكذلك نسبته القناد أو لقبه القناد.
[وهو]، هذه قالها من دون يحيى بن درست، إما النسائي، أو من دون النسائي، هم الذين قالوا: هو القناد، وأبو إسماعيل صدوق في حفظه شيء، وقد خرج له الترمذي، والنسائي.
[عن خالد].
و خالد هكذا جاء ذكره في الإسناد، وليس في تهذيب الكمال في شيوخ أبي إسماعيل القناد من اسمه خالد، ولا في تلاميذ يحيى بن أبي كثير من اسمه خالد، وفي نسخة تحفة الأشراف ذكر الحافظ ابن حجر في تعليقه عليها أنه في نسخة ابن السني: عن خالد، يعني الذي هو بين أبي إسماعيل القناد، وبين يحيى بن أبي كثير، وفي نسخة ابن الأحمر لا وجود له، يعني: لا ذكر لـخالد في الإسناد، وقد ذكر في تحفة الأشراف: أن أبا إسماعيل القناد يروي عن يحيى بن أبي كثير، وكذلك يحيى بن أبي كثير، في ترجمته يروي عن أبي إسماعيل القناد، فهذا يشعر بأن ذكر خالد هنا مقحم؛ لأنه لم يذكر المزي في شيوخ يحيى بن أبي كثير من اسمه خالد، ولا في شيوخ أبي إسماعيل القناد من اسمه خالد، وابن حجر في النكت الظراف، التي علق فيها على تحفة الأشراف قال: إنه في نسخة ابن السني: عن أبي إسماعيل عن خالد، وفي نسخة ابن الأحمر: عن أبي إسماعيل عن يحيى بن أبي كثير مباشرةً وبدون واسطة، ويحيى بن أبي كثير هو اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وهو قائل الكلمة المشهورة في عظم شأن طلب العلم والصبر عليه، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
والتي ذكرها مسلم في صحيحه بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير أنه قال هذه المقالة، وقد ذكرها عندما أورد الطرق المتعددة في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوقات الصلوات، ذكر بعد حديث عبد الله بن عمرو، من طرقه المختلفة لإسناده إلى يحيى بن أبي كثير فقال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، وهي كلمة عظيمة تدل على أن العلم السبيل إليه شاق وطويل، وأن الذي يوفقه الله عز وجل للصبر والاحتساب هو الذي يتمكن من تحصيل ما يمكنه تحصيله من العلم، وأما مع الرغبة في الإخلاد إلى الراحة فإن الإنسان لا يحصل طائلاً، ويقولون في الكلمة المشهورة: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، يعني: ملء الراحة التي هي راحة اليد، وهي كناية عن الشيء القليل التافه، لا يدرك بالراحة، يعني بعدم الجد والاجتهاد والسعي في التحصيل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه عن أبيه].
وهذا فيه التصريح بالسماع، وكذلك ورد من طرق متعددة، وفيها التصريح بالسماع، وعبد الله بن أبي قتادة هو المدني الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه أبي قتادة الأنصاري].
وهو الحارث بن ربعي الأنصاري، وهو صحابي مشهور، من الفرسان فهو فارس له بلاء عظيم في الجهاد في سبيل الله، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:12 AM
إسماع الإمام الآية في الظهر



‏ شرح حديث أبي قتادة في إسماع الإمام المأمومين الآية في الظهر أحياناً


قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إسماع الإمام الآية في الظهر.أخبرنا عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم يعرف بـابن أبي جميل الدمشقي حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عبد الله بن أبي قتادة حدثنا أبي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطيل في الركعة الأولى)].
أورد النسائي إسماع الآية في صلاة الظهر، أي: إسماع الإمام المأمومين الآية في صلاة الظهر، وأورد فيه حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى غير الطريق السابقة، وفيه الدلالة على ذلك، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في صلاة الظهر، ويسمعهم الآية أحياناً، يعني: في بعض الأحيان يسمعهم الآية، فكانوا يستدلون به على السورة التي كان يقرؤها، ويدل ذلك على شيئين: على حصول القراءة، وعلى تعيين السورة التي حصلت قراءتها، أي: على إثبات القراءة، وأنه كان يقرأ في صلاة الظهر، وأيضاً يدل إسماع الآية على تعيين السورة التي حصلت قراءتها في تلك الصلاة وهي صلاة الظهر، فهذه فائدة الإسماع.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في إسماع الإمام المأمومين الآية في الظهر أحياناً


قوله: [أخبرنا عمران بن يزيد بن خالد بن مسلم]. عمران بن يزيد بن خالد بن مسلم يعرف بـابن أبي جميل الدمشقي، وهذا كما ذكرت أن الراوي عندما يذكر شيخه ينسبه كما يريد، يطيل في نسبه أو يختصر، ولا يحتاج إلى أن يقال: (هو)، أو (يعني)؛ لأن هذا كلامه، فيستطيع أن يطيل كما يشاء، وأن يختصر كما يشاء، لكن من دونه إذا ذكره مختصراً، لا ينسبه دون أن يأتي بما يدل على أن الإضافة ليست من التلميذ، فيقول: هو، أو يعني ابن فلان، وهنا النسائي نسب شيخه وأطال في نسبه؛ لأن هذا كلامه، ينسبه كما يريد.
وعمران بن يزيد بن خالد بن مسلم، يعرف بـابن أبي جميل الدمشقي، وأيضاً يأتي ذكره عمران بن خالد بن يزيد، والحافظ ابن حجر في التقريب ذكره: عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم، وقال: وقد يقلب، فيصير فيه تقديم وتأخير، يعني كما هنا عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.
[حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة].
إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، وهو ثقة خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا الأوزاعي].
وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو مشهور بهذه النسبة، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو عمرو، وأبوه اسمه عمرو، وهو ثقة، فقيه، محدث الشام، وفقيهها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير] إلى آخره.
عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.



تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر



‏ شرح حديث أبي قتادة في تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه رضي الله عنه أخبره، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويسمعنا الآية أحياناً، ويطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يفعل ذلك في صلاة الصبح، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة العصر، يطول الأولى ويقصر الثانية)].
تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر، أي: بالنسبة للأولى، وإلا فإنها أطول من الثالثة والرابعة، يعني الركعتان الأوليان أطول من الركعتين الأخيرتين، ولكن الأولى تطول بالنسبة للثانية، فالتقصير هو نسبي بالنسبة للأولى، وإلا فإنها بالنسبة للثالثة والرابعة أطول، فالأولى تطول فيها القراءة ويطول فيها القيام؛ لأن في ذلك إدراك الصلاة من أولها وعدم فوات شيء منها، وأيضاً فإنها تكون في وقت النشاط؛ لأنها تكون في بدايتها، وأما الركعة الثانية فإنها تكون أقل منها، والحديث شاهد أو دال على ما ترجم له من تقصير القراءة في الركعة الثانية، أي: بالنسبة للأولى، وأيضاً كذلك صلاة الصبح وصلاة العصر، فالركعة الأولى تطول والركعة الثانية تخفف فتكون أقصر منها.


تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر


قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد]. عبيد الله بن سعيد، هو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، وقيل عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وقد خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا معاذ بن هشام].
هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق ربما وهم، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي].
وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير] إلى آخره.
عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، وقد مر ذكرهم؛ لأن الإسناد يدور على يحيى بن أبي كثير، هذه الطرق كلها تنتهي إلى يحيى بن أبي كثير.



القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر



‏ شرح حديث أبي قتادة في القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر


قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر. أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين، وفي الأخريين بأم القرآن، وكان يسمعنا الآية أحياناً، وكان يطيل أول ركعة من صلاة الظهر)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في صلاة الظهر، والمقصود من هذه الترجمة إثبات القراءة وحصولها، وقد أورد النسائي حديث أبي قتادة من طريق أخرى، وفيه أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بالفاتحة وسورتين، ويسمعهم الآية أحياناً، ويقرأ الفاتحة في الركعتين الأخيرتين.
(وفي الأخريين بأم القرآن، وكان يسمعنا الآية).
وهذا كان أحياناً، وإلا فإنه كان في بعض الأحيان يقرأ في الركعتين الأخيرتين شيئاً من القرآن، وقد سبق أن مر بنا الحديث الدال على ذلك، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، ومن المعلوم أنها لا تكون على النصف من ذلك إلا إذا كان فيها شيء غير الفاتحة، فما دام أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين مقدار ثلاثين آية أو أكثر من ذلك، وأن الركعتين الأخيرتين على النصف، فمعناه أن فيه قراءة غير الفاتحة، وهذا هو الدليل على أنه يقرأ أحياناً في الركعتين الأخيرتين من الصلوات الرباعية، مع الفاتحة شيئاً من القرآن، وهنا قال: يقرأ بأم القرآن وما ذكر الزيادة، ولكن الحديث الذي أشرت إليه وقد سبق أن مر بنا في سنن النسائي يدل على ذلك، ويدل على أنه يمكن الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين، ويمكن أن يضاف إليها شيء من القرآن، وكل منهما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[(وكان يطيل أول ركعة من صلاة الظهر)].
هذا دال على الترجمة السابقة الأولى التي أورد الحديث من طريق أخرى من أجلها، لكن المقصود هنا إثبات القراءة.

تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر


قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى، وهو العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، ومن صغار شيوخ البخاري ؛ لأنه مات قبله بأربع سنوات، إذ وفاة البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقد سبق أن ذكرت أن هناك شيخين من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ماتوا في تلك السنة وهي سنة اثنين وخمسين ومائتين، وهما: محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[عن عبد الرحمن بن مهدي].
عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، ناقد، عالم بالرجال والعلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مع يحيى بن سعيد القطان هما اللذان قال فيهما الذهبي في كتابه، وهو من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال: إذا اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: أنهما يصيبان في كلامهما وفي تجريحهما.
[حدثنا أبان بن يزيد].
أبان بن يزيد، وهو أبان بن يزيد العطار البصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
ثم بعد ذلك يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد مر ذكرهم، وهذه الطرق كلها تدور على يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.



الأسئلة



‏ ألفية السيوطي أوفى وأشمل من ألفية العراقي


السؤال: أيهما أفضل ألفية السيوطي أو ألفية العراقي؟ الجواب: ألفية السيوطي أوفى وأشمل من ألفية العراقي، والسيوطي قد أشار إلى هذا في المقدمة؛ لأنها في سياقها وفي اختصارها وفي شمولها تشتمل على ألفية العراقي وزيادة، فهي أوفى وأشمل؛ ولهذا فيها أشياء لا توجد في ألفية العراقي، والشيخ أحمد شاكر رحمه الله عندما علق على النسخة عمل أقواساً على الزيادات التي عند السيوطي، وهي ليست عند العراقي، وسيأتي في الأبواب في مباحث الألفية أن هناك عشرة أنواع من أنواع علوم الحديث ليست عند ابن الصلاح وليست في ألفية العراقي.

لا بأس بالسفر للتعزية وإن كان بعيداً


السؤال: هل يجوز للإنسان أن يسافر للعزاء مسافة مقدارها سبعين كيلو متر؟الجواب: نعم. لا بأس بذلك، فكون الإنسان يسافر من أجل أن يزور أخاه ويعزيه ويواسيه في مصابه لا بأس في ذلك ولا مانع منه، سواء كان سبعين كيلو متر أو أكثر، فله أن يسافر.

في أمور الدنيا من نسي شيئاً يقول نَسِيت ولا يقول نُسِّيت


السؤال: هل يقول من نسي شيئاً من أمور الدنيا: نُسِّيت أو نَسِيت؟ الجواب: لا يقول: نُسِّيت؛ لأن أمور الدنيا ليست مثل القرآن، الذي ينبغي أن لا يؤتى له بهذا اللفظ الذي قد يفهم منه عدم الاهتمام، أما أمور الدنيا فأمرها سهل نسيها أو ذكرها.

الكفارة لابد أن تكون طعاماً


السؤال: هل يجوز للإنسان دفع الكفارة نقوداً بدل الإطعام؟ الجواب: لا، ليس للإنسان أن يدفع الكفارة نقوداً؛ لأن الشيء الذي ورد مقيداً بكونه طعاماً فإنه يؤتى به كما جاء، والسبب في هذا: أن الطعام قد يقل وتشح النفوس به، وتتوفر النقود، والنقود إذا ما وجد الشيء الذي يشترى بها ليؤكل فما تفيد الإنسان شيئاً، لكن الشيء الذي وصف بأنه طعام وهو كفارة يصير هو الواجب، فلو قل الطعام بأيدي الناس والأمر واجب عليهم، فإنهم يخرجون ذلك الواجب، فيستفيد من يعطى إياه بخلاف إعطاء النقود، فقد توجد النقود ولكن ما يوجد الطعام، فما يستفيد الإنسان من النقود شيئاً.

قولهم: كل شيوخ فلان ثقات


السؤال: إذا قال حافظ من الحفاظ: كل شيوخ فلان ثقات، فهل يعتبر هذا نصاً في توثيق كل من يثبت أنه من شيوخ هذا الرجل؟ الجواب: إذا كان هذا في حصر للشيوخ وأنهم استوعبوا وهذا الذي استوعبهم حافظ وأحصاهم، وتبين أنهم كلهم ثقات، فيصير ذلك توثيقاً.
لكن هل حصل أن أحد الحفاظ قال هذا؟
ما أدري، وما أذكر مثالاً لهذا، لكن إذا نص أحد على أنهم كلهم ثقات، وحصروا وأحصوا وعرفت حالهم فإنهم يعتبرون ثقات.

الجمع بين حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) وحديث: (إذا مرض العبد أو سافر...)


السؤال: كيف نجمع بين حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة القاعد)، وحديث: (إذا مرض ابن آدم أو سافر كتب له عمله كاملاً كما كان صحيحاً مقيماً)؟الجواب: صلاة المضطجع هذه ما أعرف عنها شيئاً، أما كون صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فالحديث ثابت عن رسول عليه الصلاة والسلام، والمقصود من ذلك: أنه مع القدرة، يعني كون الإنسان قادراً على القيام، وهذا طبعاً في النافلة لا في الفريضة، أما الفريضة فلا يجوز للإنسان أن يصلي فيها جالساً مع القدرة على القيام، وإنما هذا بالنسبة للنوافل فيجوز للإنسان إذا كان قادراً على القيام أن يصلي وهو جالس، ويكون أجره على النصف من أجر القائم، أما إذا كان الإنسان مريضاً وصلى جالساً لكونه مريضاً فهذا هو الذي يشمله الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)، والحديث ذاك إنما هو في حق القادر على القيام، وهو يصلي جالساً مع قدرته على القيام.
إذاً ذاك في حق من هو قادر، وهذا في حق من هو مريض، فيكون حصل الأجر كاملاً.
أما قضية المضطجع هذه وأنه على النصف من القاعد فلا أعرف عنها شيئاً، هل هي واردة أو غير واردة؟ هل هي ثابتة أو غير ثابتة؟ لا أدري.

الجماعات المعاصرة وميزان المنهج الحق


السؤال: ما حكم الجماعات الإسلامية المعاصرة، مثل الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ؟ هل هم على منهج السنة والجماعة أو هم من أهل البدع؟الجواب: الجماعات تعرف بمناهجها وبطرقها، فقد يكون عندها حق وباطل، وما عندها من الباطل يحذر منه، والمقياس والمعيار والميزان هو: الالتزام بما جاء عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الحد الفاصل الذي توزن به أحوال الرجال والجماعات، ومن كان على هذا المنوال وعلى هذا المنهاج فهذا هو الذي يعتبر محسناً ويحمد ويرشد إلى الاستفادة منه، ومن كان بخلاف ذلك فمنهم من يكون قريباً ومنهم من يكون بعيداً، ومن المعلوم أن هذه الجماعات، التي هي جماعة الإخوان وجماعة التبليغ عندهم أمور طيبة وأمور سيئة، وكون الإنسان لا يسلك مسالكهم وإنما يسير على الطريقة المستقيمة التي لا محظور فيها وهي ما كان عليه سلف هذه الأمة، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان؛ لأن في ذلك السلامة، وفي ذلك الالتزام بمنهج الكتاب والسنة، أما هاتان الفرقتان وغيرهما من الفرق أو هاتان الجماعتان أو غيرها من الجماعات فعندهم ما عندهم من الحق والباطل.

حجز مكان في الصف الأول


السؤال: ما حكم حجز مكان في الصف الأول قبل الأذان؟ الجواب: الإنسان ليس له أن يحجز مكاناً في الصف الأول إلا إذا جاء مبكراً واضطر إلى أن يذهب ليعود، وهذا الاضطرار مثل كونه احتاج إلى أن يتوضأ، فيخرج إلى الوضوء ويرجع، ويجعل في مكانه شيئاً من أجل أن يرجع إليه لأنه مبكر ولكن اضطر للخروج.

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:15 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(185)

- باب القراءة في المغرب بـ(سبح اسم ربك الذي خلق) - باب القراءة في المغرب بالمراسلات

من سماحة الإسلام ويسره أن أمر الإمام بالتخفيف على المأمومين، ومن ذلك أمر النبي معاذاً رضي الله عنه بذلك، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب بقصار المفصّل، وأوساطه، وطواله.

القراءة في المغرب بـ(سبح اسم ربك الأعلى)



‏ شرح حديث: (أفتان يا معاذ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن محارب بن دثار عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (مر رجل من الأنصار بناضحين على معاذ وهو يصلي المغرب، ففتح بسورة البقرة فصلى الرجل ثم ذهب، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهما)].
يقول النسائي رحمه الله: القراءة في المغرب بسبح اسم ربك الأعلى، هذه الترجمة فيها القراءة بسبح اسم ربك الأعلى، وهي من أوساط المفصل على ما قاله بعض أهل العلم؛ لأن الذي جاء في بعض الأحاديث والذي مرت: أنه كان يقرأ في المغرب من قصار المفصل، وقصار المفصل قيل: إنها تبدأ من الضحى، وما بعدها، وما قبل ذلك إلى عم هذه من أوساط المفصل، وهذه الترجمة هذا موضوعها، وأورد تحتها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: أن رجلاً جاء بناضحين وإذا معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي، فدخل وصلى معه، فبدأ بالبقرة أو النساء، فانصرف ذلك الرجل، وأكمل صلاته، وصلى وحده، ثم ذهب إلى ناضحيه، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاذ: (أفتان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها)، فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يقرأ بهذه السورة، وهي سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها.
والمقصود من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى أن يقرأ بهذه السورة، وكان ذلك في صلاة المغرب، أي: تلك الصلاة التي حضرها ذلك الرجل الذي معه ناضحان، وهما البعيران اللذان ينضح عليهما، أي: يستخرج الماء من البئر بواسطتهما، وجاء بهما ووجد معاذاً يصلي، فصلى معه فطول، فانفصل عنه ذلك الرجل وصلى وحده، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فأنكر على معاذ، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ صنيعه هذا، وهو التطويل، وقال له: (أفتان أنت يا معاذ)، ثم أرشده إلى أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، فدل هذا على أن الإمام يراعي المأمومين، وأنه لا يطيل بهم طولاً يلحق بهم مضرة، وإذا عرف منهم النشاط والقدرة أو التمكن، وليس فيهم أحدٌ يتضرر فإنه يطيل، وإذا كان فيهم من هو كبير أو نحو ذلك، فإنه يقرأ بالسور التي لا يترتب على القراءة بها مشقة، ومضرة على المصلين.

تراجم رجال إسناد حديث: (أفتان يا معاذ...)

قوله: [محمد بن بشار].محمد بن بشار، وهو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة بدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري الذين عاشوا مدة حياة البخاري، بل إنه توفي قبل البخاري بأربع سنوات، إذ كانت وفاة البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، ووفاة محمد بن بشار سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومحمد بن بشار هذا الذي هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، هناك شيخان لأصحاب الكتب الستة ماتوا في السنة التي مات فيها محمد بن بشار، وهما: محمد بن المثنى الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[عن عبد الرحمن].
وهو ابن مهدي، المحدث، الناقد، الخبير بالرجال والعلل، والبصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان هنا غير منسوب، وهو يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري؛ لأن في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي: أنه روى عن السفيانين، وفي ترجمة محارب بن دثار: روى عنه السفيانان، سفيان هنا مهمل، وهو يحتمل هذا وهذا، لكن سبق أن ذكرت: أن هناك طريقة يستدل بها على تمييز المهمل، وهي أن يكون بين الراوي وشيخه رابطة تربط بينهم، أو خصوصية بالتلميذ مع الشيخ، وذلك بأن يكون من بلد واحد، فإن هذا يرجح جانب أحد الاثنين، ومن المعلوم أن سفيان الثوري كوفي، ومحارب بن دثار كوفي، وعبد الرحمن بن مهدي بصري، وسفيان بن عيينة مكي، وعلى هذا فالأقرب أن يكون سفيان الثوري؛ لأنه من بلد محارب بن دثار، فإذاً له به ارتباط، واتصاله به دائماً، بخلاف سفيان بن عيينة، فإنه لا يلقاه إلا في رحلة في طلب العلم، أو لحج أو عمرة؛ لأنه في مكة، فلا يلقاه إلا عن طريق السفر.
وأما هذا الذي هو سفيان الثوري، فهو مع محارب بن دثار في بلده وفي موطنه، وبلدهما واحد وهي الكوفة، والراوي عنه وهو عبد الرحمن بن مهدي من البصرة، والبصرة قريبة من الكوفة.
وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، الحجة، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الأوصاف الرفيعة، والصفات العالية التي لم يظفر بها إلا النادر من المحدثين، ومنهم سفيان الثوري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محارب بن دثار الكوفي].
وهو ثقة، زاهد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وعلى هذا فرجال هذا الإسناد: محمد بن بشار، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان الثوري، ومحارب بن دثار، وجابر، هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والأول والثاني وهما: محمد بن بشار، وعبد الرحمن بن مهدي بصريان، وسفيان الثوري، ومحارب بن دثار كوفيان، وأما جابر بن عبد الله فهو مدني.



القراءة في المغرب بالمرسلات



‏ شرح حديث أم الفضل: (صلى بنا رسول الله في بيته المغرب فقرأ المرسلات)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا موسى بن داود حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حميد عن أنس رضي الله عنه عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أنها قالت: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته المغرب فقرأ المرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي القراءة في المغرب بالمرسلات: بسورة المرسلات، وأورد تحتها حديث أم الفضل بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في بيته المغرب فقرأ بالمرسلات، ثم قالت: [ما صلى بعدها صلاة حتى قبض]، أي: أنه ما صلى صلاة بجماعة، وإلا فإنه عليه الصلاة والسلام توفي ضحى يوم الاثنين، ومعلوم أن بعد المغرب العشاء، والفجر، وقد يكون ذلك أيضاً في يوم سابق، يعني: بأيام، لكن المقصود أنه ما صلى جماعة، وأنها ما سمعته يقرأ بعد أن سمعت قراءته بهذه السورة، وهي سورة المرسلات، حيث كان يصلى بهم المغرب عليه الصلاة والسلام.
والحديث دال على قراءة المرسلات في المغرب، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بقصار المفصل، ومن أوساطه ومن طواله، والمرسلات تعتبر من طواله على ما قاله بعض أهل العلم: أن أوساطه تبدأ من عم، وما فوقها يكون من طوال المفصل.

تراجم رجال إسناد حديث أم الفضل: (صلى بنا رسول الله في بيته المغرب فقرأ المرسلات...)

قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو النسائي، من بلد النسائي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا موسى بن داود].
موسى بن داود، وهو صدوق، فقيه، زاهد، له أوهام، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا عبد العزيز].
هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، فقيه، مصنف، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
[عن أم الفضل].
هي أم الفضل بنت الحارث الهلالية، وهي لبابة الكبرى بنت الحارث؛ لأن الحارث الهلالي له لبابة الكبرى، وهي أم الفضل، ولبابة الصغرى، وهي: أم خالد بن الوليد، فأما لبابة الكبرى فهي امرأة العباس، وأم أولاده، وأكبر أولاده الفضل، والعباس يقال له: أبو الفضل، وهي صحابية مشهورة، وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهي صاحبة الموقف الذي يدل على ذكائها وفطنتها، لما اختلف أو تمارى بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، هل كان مفطراً أو صائماً، فبعضهم يقول: صائم، وبعضهم يقول: مفطر، قالت: أنا أبين لكم، هل هو صائم أو مفطر؟ فأخذت قدحاً من لبن وناولته إياه، أو أعطت من يناوله وهو راكب، فأخذه، وشرب والناس يرون، فعلموا بأنه مفطر، فهي صاحبة هذا الموقف، حيث قالت: أنا أبين لكم، هل هو صائم أو مفطر؟ وذلك بإعطائه القدح من اللبن، فشرب منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعرفوا أنه مفطر، وأنه ليس بصائم بعرفة، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة، والحديث من رواية صحابي عن صحابية؛ لأنه من رواية أنس عن أم الفضل.
الملقي: قال: [أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-07-2026, 12:18 AM
الأسئلة



‏ حكم الأكل قائماً

السؤال: ما حكم الأكل قائماً، وما الدليل على ذلك؟الجواب: الأكل قائماً من جنس الشرب قائماً، يعني الأصل أنه يكون جالساً، ولكنه لو أكل شيئاً وهو يمشي أو هو قائم، يعني: في بعض الأحيان، لا بأس بذلك؛ لأنه مثل شرب الماء.

تأخير الأذكار إلى بعد الراتبة البعدية، والإتيان بها في الطريق

السؤال: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد كذلك، والتكبير، هل يكون بعد الفريضة أم بعد السنة، وهل لي أن آتي بالأذكار في الطريق؟الجواب: ليس للإنسان أن يؤخر الذكر الذي يكون بعد الصلاة إلى ما بعد السنة الراتبة، وإنما يأتي به بعد الصلاة، ويأتي بالراتبة بعدما يفرغ من الذكر الذي يكون بعد الصلاة، سواءً في ذلك التسبيح، والتحميد، والتكبير، أو الذي يسبق ذلك من الاستغفار والذكر الذي يكون بعده، كل ذلك يكون قبل الإتيان بالسنة، هذا موضعه، ولا يؤخر إلى ما بعد الإتيان بالسنة، التي هي الراتبة، وإنما يؤتى به قبل الراتبة.
مداخلة: هل له أن يأتي بها بعد السنة؟
الشيخ: نعم، لو حصل أمر يقتضيه، مثل حضور صلاة الجنازة بعد الفريضة، فيقوم يصلي على الجنازة، ثم يأتي به؛ لأن هذا شيء يفوت، والذكر لا يفوت، لكن لا يفوت على نفسه الصلاة على الجنازة بانشغاله بالذكر؛ لأن هذا ليس بيده.
وأما الإتيان بالأذكار في الطريق فإذا قام فله ذلك، لكن كونه يجلس في المسجد ويتمهل ويأتي به وهو جالس لا شك أن هذا هو الذي ينبغي، لكن إذا الإنسان مضطراً أو بحاجة فله أن يأتي بذلك وهو في الطريق.


فناء العرش الكرسي

السؤال: قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )[القصص:88]، هل العرش والكرسي داخل فيه أم لا؟الجواب: من المعلوم أن المراد بالهلاك ما يشاء الله تعالى أن يهلك، وأن يموت، ومن المعلوم أن هناك مخلوقات، مثل الجنة، الله تعالى خلقها وهي موجودة، يعني: عنده فناء الدنيا وعنده انتهاء الدنيا، ومع ذلك هي باقية؛ لأن الله تعالى خلقها للبقاء، فالمراد بالهلاك يعني: هلاك المخلوقات التي شاء الله تعالى أن تهلك. وأما الذي خلق للبقاء فإنه باق.


هل الإنسان مسير أم مخير؟ والفرق بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية

السؤال: هل الإنسان مسير أم مخير في جميع أموره؟الجواب: هذه الجملة التي هي مسير أو مخير، هي في الحقيقة لا يقال: إنه مسير، ولا يقال: إنه مخير، بل يقال: هو مسير مخير مع بعض، يعني: هذه المسألة من المسائل التي لا يكون الجواب واحد من الاثنين، وإنما الجواب هو الاثنين مع بعض، يعني: مسير مخير، فهو مسير بمعنى أنه لا يخرج منه شيء خارج عن مشيئة الله، وإرادته، فكل ما يقع منه هو بمشيئة الله، وإرادته، لكن لا يقال: إنه مجبور، وأنه لا يستطيع، بل إن الله أعطاه عقلاً، وأعطاه تمييزاً يميز بين النافع، والضار، وما يعود عليه بالخير، وما يعود عليه بالمضرة، فهو يقدم على ما يقدم عليه مما ينفع لمشيئته، وإرادته، وإقدامه بمشيئته، وإرادته، لا يخرج عن أن يكون ذلك بمشيئة الله، وإرادته؛ لأن العبد لا يشاء شيئاً إلا إذا قد كان شاءه الله، لكن ليس معنى ذلك أنه مجبور، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً بإرادته، ومشيئته، لا، هو يستطيع أن يعمل بمشيئته، وإرادته، لكن لا يقال: إنه مجبور على أفعاله، وعلى تصرفاته، بل تصرفاته بمشيئته، وإرادته، ولهذا يحمد ويذم عليها؛ لأنه لو كان ما له مشيئة، ولا إرادة لا يحمد، ولا يذم؛ لأن هذا خارج عن مشيئته وإرادته، فالإنسان الذي يعمل الأعمال الطيبة بمشيئته وإرادته، هذه المشيئة والإرادة تابعة لمشيئة الله، وإرادته؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ )[التكوير:29]، فمشيئة العبد هي باختياره، ويشاء ما شاء بمشيئته، واختياره، لكنه لا يشاء شيئاً خلاف ما شاءه الله، بل ما يحصل منه فهو بمشيئة الله؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى، وإذاً فالإنسان مخير ومسير، لا يقال: إنه مخير فقط، ولا مسير فقط؛ لأنه إذا قيل له: مسير بإطلاق، فمعناه أنه ليس له مشيئة وإرادة، وإذا قيل: إنه مخير، فمعناه أنه كما يقول المعتزلة: الإنسان يخلق فعله، والله تعالى ما قدر عليه شيئاً، وإنما أفعاله من إيجاده، وخلقه، وليست من خلق الله سبحانه وتعالى، فالإنسان يوصف بالاثنين، فهو مخير بمعنى أنه له مشيئة وإرادة، ويفعل باختياره، وبمشيئته، وإرادته، ما ينفعه، وما يضره، لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته، وهذا هو معنى كونه مسيراً، بمعنى الذي شاءه الله لا بد وأن يوجد، لكن ما يحصل من العبد من أفعال اختيارية، فهو بمشيئته، وإرادته، التابعة لمشيئة الله، وإرادته، وفرق بين الأفعال الاختيارية، والأفعال الاضطرارية، الأفعال الاختيارية تكون بمشيئة الإنسان، وإرادته، ويحمد عليها، ويذم، إذا كان الإنسان يحسن إلى الناس يحمد، وإذا كان يؤذي الناس يذم، وفعله لما يحمد عليه، وما يذم عليه بمشيئته وإرادته، هذه هي الأفعال الاختيارية.

أما الأفعال الاضطرارية: فهي ليست بمشيئة الإنسان، وإرادته، مثل حركة المرتعش، أي: ليس للإنسان فيها دخل، هذه بفعل الله عز وجل، وليس للإنسان فيها مشيئة، وإرادة، هو يريد أن يوقف الاضطراب هذا، والارتعاش، ولا يحب أن يكون متصفاً بذلك، ويود أن لو سلم من ذلك، لكن هذا ما يدخل في مشيئته، وإرادته؛ لأن حركة يده هذه اضطرارية، ليست من فعله، فهذه هي التي يكون الإنسان مجبوراً عليها، أما كون الإنسان يفعل أفعالاً، فيأكل، ويشرب، ويذهب، ويجيء، ويبيع، ويشتري، ويقرأ القرآن، ويصلي، ويتصدق، وما إلى ذلك، هذه أفعال اختيارية يحمد عليها، وكذلك ما يقابلها، كونه يؤذي، ويضرب الناس، ويزني، هذه أفعال اختيارية، لكن يذم عليها.
ففرق بين الأفعال الاضطرارية، والأفعال الاختيارية، ولهذا يقول النحاة في تعريف الفاعل: الفاعل اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به الحدث، يعني: حصل منه الحدث الذي هو الاختياري، مثل: قام، قعد، جلس، أكل، شرب، ذهب، فهذه أفعال اختيارية، يعني: ذهب فلان، هذا فاعل، أو قام به، مثل: مات فلان، مرض فلان؛ لأن المرض ليس من فعله، والموت ليس من فعله، فهذا يقال فيه: قام به الحدث؛ لأنه ما حصل منه الحدث، وإنما قام به الحدث، مرض فلان، مات فلان، هذا قام به الحدث، فإذاً: فرق بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية، الاختيارية طبعاً الإنسان يفعلها باختياره ومشيئته وإرادته، لكن لا يخرج عن مشيئة الله وإرادته.
وأما الاضطرارية: فهي لا مشيئة للعبد فيها، بل هي بمشيئة الله عز وجل، وخلق الله وإيجاده، والعبد ليس له دخل، وأفعال العباد هي بخلق الله وإيجاده، لكن العباد مكتسبون لها، وفاعلون لها بمشيئتهم، وإرادتهم، ويتبين الفرق بين ما يكون مجبوراً عليه، وما يكون غير مجبور بحركة المرتعش، وحركة الإنسان التي يفعلها بمشيئته وإرادته، وعلى هذا فكلمة: مخير ومسير، هذه من الأسئلة التي لا يكون الجواب عليها باختيار واحد من الاثنين، وإنما بالاثنين مع بعض، وهذه يشبهها عبارة أخرى، تقول: هل الكفارات زواجر أو جوابر للذنوب؟ لا يقال: هي زواجر فقط، ولا يقال: جوابر، هي زواجر جوابر، هي تجبر النفس، وهي أيضاً تزجر عن الوقوع فيها، فالذي يرى إقامته الحد على شخص لا يفعل مثله حتى لا يعاقب بمثل هذه العقوبة، فأهل السنة يقولون: هي زواجر جوابر، تجبر النقص بحق من حصلت منه، وقد جاء في الحديث أن من ارتكب من هذه الحدود فأقيم عليه الحد، كان كفارة له، ومن ستر الله عليه، فأمره إلى الله عز وجل، وإذا أقيم عليه الحد في الدنيا، لا يؤاخذ عليه في الآخرة، فإذا ارتكب الإنسان جريمة فيها حد وأقيم عليه الحد، فهذا هو نصيبه من العقوبة، لا تعاد عليه العقوبة في الآخرة، فهي كفارة لذلك الذنب الذي ارتكبه، فهي جوابر، تجبر النقص والخلل الذي حصل بمعصية فيجبر بإقامة الحد عليه، وهي زاجر له حتى لا يعود مرة أخرى، وزواجر لغيره حتى لا يقدم على ما أقدم عليه، فيعاقب بما عوقب به.

صلاة النافلة في السيارة في غير سفر

السؤال: هل تجوز صلاة النافلة أو الراتبة في السيارة في غير السفر؟الجواب: يصلى على الدابة ومثلها السيارة إذا ما حصل انشغال عن السيارة، وذلك أن السفر لو حصل النزول من أجل الصلاة يفوت على الإنسان الوقت دون أن يقطع مسافة، فهو بحاجة إلى أن يجمع بين الأمرين، يصلي وهو راكب حتى يقطع المسافة وفي نفس الوقت يصلي، أما في الحضر فليس للإنسان أن يتنفل وهو راكب، بل ينزل ويصلي.

حكم سماع الموتى، والجمع بين ما يثبته من الأدلة وما ينفيه

السؤال: هل يسمع الموتى؟ وكيف يكون التوفيق بين الحديث: (فإنه يسمع قرع نعالهم)، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لمشركي بدر، وبين قوله تعالى: ( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى )[النمل:80]؟الجواب: الموتى ما ورد بشأن سماعهم فإنه يثبت، وما لم يرد فإنه يسكت عنه، والذي ورد مثل ما ذكر في السؤال، يعني: في ما حصل لأهل قليب بدر، الكفار، فالله تعالى أسمعهم كلام نبيه عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك تقريع وتوبيخ لهم، وزيادة حسرة وندامة، وكذلك أيضاً يسمع قرع نعالهم كما جاء في الحديث، لكن كونهم يسمعون كل شيء، وأنهم يعلمون كل شيء يجري، لا يقال هذا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قيل له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).

بيان شروط الحديث الصحيح

السؤال: من شروط الحديث الصحيح أن يكون المتن غير شاذ ولا معلول، فما معنى هذه الشروط؟الجواب: الحديث الصحيح يقال في تعريفه: ما روي بنقل عدل، تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ، فهذه صفات الحديث الصحيح، ما روي بنقل عدل، يعني: ما يكون فاسقاً، تام الضبط: ما يكون عنده سوء حفظ؛ لأن العدالة تتعلق بالديانة، والضبط يتعلق بالحفظ والإتقان للرواية التي يتحملها، عدل تام الضبط، متصل السند: ما فيه انقطاع بين الراوي والراوي عنه، فإذا كان فيه انقطاع، فإنه يؤثر؛ لأنه قد يكون ذلك المحذوف ضعيفاً، ومن شروطه ألا يكون معه شذوذ، فلا يكون فيه راوٍ مخالفاً لمن هو أوثق منه، مثل صلاة الكسوف، جاءت صفتها عن رسول صلى الله عليه وسلم: أنه صلى الكسوف كل ركعة بركوعين، عن جماعة من الثقات، وبعض الثقات رووها كل ركعة بثلاثة ركوعات، وهم يحكون صلاة واحدة، فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم، والثقات أو عدد من الثقات رووا أن كل ركعة بها ركوعان، وبعض الثقات رووا أن كل ركعة بها ثلاثة ركوعات، طبعاً هي حكاية لصورة واحدة، إذاً: المحفوظ الركوعان؛ لأنها رواية الكثير من الثقات، ورواية ثلاثة ركوعات هذه شاذة؛ لأنها رواها ثقة مخالف لمن هو أوثق منه، ومنه رواية: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، جاء في بعض الروايات لا يرقون بدل لا يسترقون، وطبعاً هذه شاذة.

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:29 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(186)


كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالقراءة في صلاة المغرب أن يطيل أحياناً، فقد قرأ فيها بسورة الأعراف، وهذا يدل على أن السنة أحياناً التطويل في صلاة المغرب، كما دلت الأحاديث على فضل سورة الإخلاص، وأنها تعدل ثلث القرآن، وكان النبي يقرأ بها في راتبة المغرب والفجر.

القراءة في المغرب بـ (المص)



‏ شرح حديث زيد بن ثابت: (لقد رأيت رسول الله يقرأ فيها بأطول الطوليين المص) يعني المغرب

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في المغرب بـ(المص).أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود: أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنه قال لـمروان: (يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بقل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر؟ قال: نعم، قال: فمحلوفه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأطول الطوليين: المص)].
يقول النسائي رحمه الله: القراءة في المغرب بـ(المص)، هذه الترجمة بعد التراجم السابقة التي اشتملت على أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في المغرب بقصار المفصل، وبأوساطه، وبالمرسلات التي تعتبر من طواله على قول بعض أهل العلم الذين يجعلون أوله من عم وما بعدها.
وهنا قال: القراءة بالمص، ولم يضف إليها شيئاً آخر، مثلما أضاف إلى حم الدخان من قبل؛ لأن عدة سور تبدأ بـ(حم)، وأتى بالدخان لتميزها عن الزخرف، والجاثية، والأحقاف، وفصلت، وغافر؛ لأن كلها تبدأ بحم، أما المص فليس هناك سورة تبدأ بهذه الحروف إلا الأعراف، فلهذا لم يحتج إلى أن يضيف إليها شيئاً آخر، بأن يقول: المص الأعراف؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكر الأعراف؛ لأن المص لا يوجد في القرآن، إلا في سورة واحدة مكونة من أربعة حروف وآخرها ص: المص.
فالحروف المقطعة في أوائل السور هي خمسة أنواع: آحادية، مثل: نون، ص، وقاف، وثنائية، مثل: حم، يس، طه، وثلاثية، مثل: الم، والر، ورباعية: مثل: المص، والمر، وخماسية، مثل: كهيعص، وحم عسق التي في الشورى، فهي: خمسة حروف، وهذه أعلى ما جاء في الحروف المقطعة في أوائل السور، والحروف المقطعة وردت في تسع وعشرين سورة، والحروف المقطعة تتكون من أربعة عشر حرفاً، مجموعة في قوله: (صله سحيراً من قطعك)، فهذه الحروف هي التي تأتي منها الحروف المقطعة في أوائل السور، وليس كل حروف الهجاء جاءت في أوائل السور، وإنما جاء نصفها.
أورد النسائي تحت هذه الترجمة وهي: القراءة بـ(المص)، حديث زيد بن ثابت أنه قال لـمروان بن الحكم: (أتقرأ بـ(قل هو الله أحد) و( إنا أعطيناك الكوثر)؟ قال: نعم). أي: أنه يلازم هذه القراءة، قال: (فمحلوفه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في هذه بأطول الطوليين: المص)، يعني: أطول السورتين الطويلتين، وهي: الأعراف والأنعام، فإنه يقرأ بالطولى منهما التي هي أطول السورتين، وليس المقصود من هذا أنه يقرأ سورة الأعراف بالمغرب دائماً، وإنما معناه أنه لا يداوم على القراءة بالسور القصار جداً، مثل قل هو الله أحد، وإنا أعطيناك الكوثر، وإنما يقرأ فيها بالقصار، ويقرأ فيها بالأوساط، أي: أوساط المفصل، وبطوال المفصل، وأحياناً يقرأ فيها بالمص، كما فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث قسمها في ركعتين.
والمقصود من ذلك: أنه أنكر على مروان مداومته، وملازمته، للقراءة بالسور القصار، وحلف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيها بأطول الطوليين، وهي: الأعراف.
ومحلوفه، يعني: من لا يحلف إلا به وهو الله، أي: فهو المحلوف به الذي لا يصلح الحلف إلا به سبحانه وتعالى، فهو إشارة إلى الحلف، وإشارة إلى القسم، وأن من يحلف به هو الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث زيد ابن ثابت: (لقد رأيت رسول الله يقرأ فيها بأطول الطوليين المص) يعني المغرب

قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد ذكرت أن النسائي يروي عن شخصين يقال لهما: محمد بن سلمة، أحدهما: شيخ له، وهو: المرادي المصري، والثاني: محمد بن سلمة الباهلي، وهذا من طبقة شيوخ شيوخه، فإذا جاء يروي عنه بواسطة فالمراد به: الباهلي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه مباشرة، فالمراد به المصري المرادي الجملي.
[حدثنا ابن وهب].
ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن الحارث].
عمرو بن الحارث، وهو المصري أيضاً، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الأسود].
أبو الأسود، وهو محمد بن عبد الرحمن النوفلي، يقال له: يتيم عروة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة بن الزبير بن العوام]، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، والذين يأتي ذكرهم مراراً في هذه الأسانيد، وهم: عروة بن الزبير بن العوام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهؤلاء أطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، وكانوا في عصر التابعين في هذه المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعروة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن ثابت].
زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد كتبة الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث زيد بن ثابت: (رأيت رسول الله يقرأ فيها بأطول الطوليين... الأعراف) يعني المغرب

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة أخبرني عروة بن الزبير: أن مروان بن الحكم أخبره: أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (ما لي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بأطول الطوليين؟ قلت: يا أبا عبد الله، ما أطول الطوليين؟ قال: الأعراف)].أورد النسائي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، من إنكار زيد بن ثابت على مروان بن الحكم مداومته القراءة بالسور القصار، مثل: قل هو الله أحد، وإنا أعطيناك الكوثر، وقال: (إن الرسول عليه الصلاة والسلام قرأ فيها بأطول الطوليين: الأعراف)، فهو مثل الذي قبله.
والحديث هو حديث زيد بن ثابت، وكل من الطريقين وموضوعهما واحد، وهو إنكار زيد على مروان بن الحكم قراءته بالسور القصار من المفصل دائماً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في بعض الأحيان بهذه السورة الطويلة التي هي أطول الطوليين، وهما: الأعراف، والأنعام.


تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (رأيت رسول الله يقرأ فيها بأطول الطوليين... الأعراف) يعني المغرب

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى، وهو الصنعاني البصري، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد].
خالد، وهو ابن الحارث البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي مليكة].
ابن أبي مليكة، وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عروة بن الزبير].
عروة بن الزبير، قد تقدم ذكره.
[أن مروان بن الحكم].
في هذا الإسناد مروان بن الحكم، وأما في الأول فإن الرواية عن عروة عن زيد بن ثابت، وأن زيداً أنكر على مروان بن الحكم وهنا مروان بن الحكم، هو الذي يحدث عروة بن الزبير: أن زيد بن ثابت أنكر عليه وقال: مالك تقرأ بهذه السور؟
ومروان بن الحكم هو: الأموي الخليفة، أحد خلفاء بني أمية أبو عبد الملك، تولى الخلافة، ثم وليها أربعة من أولاده بعده بينهم عمر بن عبد العزيز وهم: الوليد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، فهم أربعة أولاد تخللهم عمر بن عبد العزيز، قبل الأخير من أولاده، وحديث مروان أخرجه البخاري والأربعة.
[عن زيد بن ثابت].
قد تقدم ذكره.

شرح حديث: (أن رسول الله قرأ في المغرب بسورة الأعراف...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية وأبو حيوة عن ابن أبي حمزة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين)].أورد النسائي حديث عائشة، وهو دال على ما دل عليه حديث زيد بن ثابت من قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام في صلاة المغرب بالأعراف، وفيه أنه فرقها في ركعتين، أي: قسم السورة على الركعتين اللتين جهر بهما في القراءة.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قرأ في المغرب بسورة الأعراف...)

قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].عمرو بن عثمان، وهو ابن سعيد بن كثير بن دينار، صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا بقية وأبو حيوة].
بقية هو ابن الوليد، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وأبو حيوة هو شريح بن يزيد الحمصي، وفي نسخة التقريب المصرية: لم يذكر ابن حجر شيئاً عن درجته، لكن في تهذيب التهذيب ذكر أن ابن حبان ذكره في الثقات.
ثم إن الحديث الذي هو قراءة الرسول لسورة الأعراف قد جاء من طريق أخرى، يعني: من طريق زيد بن ثابت، ليس خاصاً بطريق عائشة رضي الله تعالى عنها، ثم أيضاً رواه اثنان: بقية وأبو حيوة هو شريح بن يزيد أبو حيوة الحمصي.
وبقية أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وشريح أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن ابن أبي حمزة].
ابن أبي حمزة، وهو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، كثيراً ما يأتي بلفظ شعيب بن أبي حمزة، وهنا قال: ابن أبي حمزة.
[عن هشام بن عروة].
وهو هشام بن عروة بن الزبير، ثقة، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
عروة بن الزبير، وقد مر ذكره.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها.

شرح حديث ابن عمر في القراءة في الركعتين بعد المغرب

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الركعتين بعد المغرب.أخبرنا الفضل بن سهل حدثني أبو الجواب حدثنا عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رمقت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل الفجر: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الركعتين بعد المغرب، أي: في الراتبة، لأنه يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد.
وقد أورد النسائي فيه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه رمق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب بـ(قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد]، وكذلك في الركعتين قبل الفجر، يعني: في السنة الراتبة للفجر التي هي قبلها، والسنة الراتبة للمغرب التي هي بعدها، كان يقرأ بهاتين السورتين وهما: سورتا (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد).
ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم من عادته أنه يصلي النوافل في بيته ثم يخرج، ثم يصلي الفريضة ويدخل إلى منزله فيصلي، فلا أدري وجه كون عبد الله بن عمر رمقه إلا أن يكون عنده في منزله، يعني: في عدد من الأوقات قبل الصلاة أو بعد الصلاة ورآه يقرأ بهاتين الركعتين، أي: بقل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون؛ لأن النبي كان يصلي في بيته، ولا يقال: إنه رآه في السفر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي الرواتب في السفر إلا ركعتي الفجر فإنه لم يكن يتركها لا حضراً ولا سفراً، وأما بالنسبة لصلاة ركعتي المغرب فهي مثل الرواتب الأخرى لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها في السفر.
إذاً: فحكاية ابن عمر أنه أدرك ذلك عشرين مرة، معنى هذا: أنه كان عنده في بيته قبل الصلاة وبعد الصلاة، فأدرك منه قراءته لهاتين السورتين.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في القراءة في الركعتين بعد المغرب

قوله: [أخبرنا الفضل بن سهل].وهو الفضل بن سهل البغدادي، صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.
[حدثني أبو الجواب].
أبو الجواب، وهو أحوص بن جواب أبو جواب، وكنيته توافق اسم أبيه، وهو صدوق ربما وهم، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا عمار بن رزيق].
عمار بن رزيق، وهو لا بأس به، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق الهمداني السبيعي عمرو بن عبد الله، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن مهاجر].
إبراهيم بن مهاجر، صدوق لين الحفظ، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن مجاهد].
مجاهد هو مجاهد بن جبر، المحدث، المفسر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ابن عمر].
وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وأحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:42 PM
الفضل في قراءة (قل هو الله أحد)



‏ شرح حديث عائشة في فضل قراءة سورة الإخلاص

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الفضل في قراءة قل هو الله أحد.أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال: أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه عن أمه عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء فعل ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن عز وجل، فأنا أحب أن أقرأ بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله عز وجل يحبه)].
أورد النسائي: الفضل في قراءة قل هو الله أحد التي هي سورة الإخلاص، وأورد في ذلك عدة أحاديث، أولها: حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الرجل الذي أمره الرسول عليه الصلاة والسلام على سرية فكان يصلي بأصحابه ويختم صلاته بقل هو الله أحد، يعني: يقرأ الفاتحة ويقرأ سورة ثم يأتي بعدها في نهاية القراءة بقل هو الله أحد، فاستغرب ذلك أصحابه، فلما جاءوا أخبروا الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال: (سلوه لماذا كان يفعل؟ فقال: لأنها صفة الرحمن ويحب أن يقرأ بها، فقال: أخبروه أن الله تعالى يحبه)؛ لأنه أحب القراءة بها لأنها صفة الرحمن، أي: مشتملة على صفة الرحمن، وذلك أن فيها إثبات الأحدية والصمدية، ونفي الأصول، والفروع، والنظراء، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )[الإخلاص:1-4].
لم يلد: نفي للفروع، ولم يولد: نفي للأصول، ولم يكن له كفواً أحد: نفي للأشباه والنظراء، فالله تعالى ليس كمثله شيء، وهو الغني عن كل أحد، والصمد قيل في تفسيره: هو الغني عن كل من سواه، والمفتقر إليه كل من عداه، الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها، وبعد ذكره للإثبات، ذكر النفي المتضمن إثبات كمال الضد لله عز وجل، وذلك أنه الصمد المستغني عن كل أحد، والذي لا يستغني عنه أحد لكماله ولعظمته ولكمال غناه ليس له أصول ولا فروع ولا نظراء، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )[الإخلاص:3-4]، فهي مشتملة على صفة الرحمن.

وفي هذا إطلاق الصفة على الله عز وجل، وأنه يقال لصفاته: صفات، وهذا الصحابي قال: صفة الرحمن، يعني: هذه التي اشتملت عليها السورة، ففيه إطلاق الصفة على الله عز وجل، وأنه يقال لها: صفات، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أخبروه بأن الله تعالى يحبه).
فهو دال على فضل هذه السورة، ودال أيضاً على أنه يمكن أن يجمع في ركعة واحدة بأكثر من سورة؛ لأن كونه يقرأ بقل هو الله أحد، ويقرأ قبلها سورة أو شيئاً من القرآن، معناه أنه يجوز قراءة أكثر من سورة في ركعة واحدة، والحديث يدل على هذا.
ويدل أيضاً: على أنه يمكن للإنسان أن يقرأ سورة متأخرة في المصحف قبل سورة متقدمة عليها في المصحف؛ لأن هذا الرجل يختم بقل هو الله أحد في كل ركعة من الركعات، ومن المعلوم أنه ليس بعد سورة قل هو الله أحد في المصحف إلا سورتان، وهي سورة قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وباقي سور القرآن كلها قبلها.
وهذا جائز لكنه خلاف الأولى، والأولى هو أن تكون القراءة على حسب ترتيب المصحف؛ لأن هناك خلاف بين العلماء في مسألة ترتيب السور، هل هي بالنص أو بالاجتهاد؟ فجمهور العلماء على أنها بالاجتهاد لا بالنص، وفعل هذا الصحابي يدل على هذه المسألة، وهي: أنه يجوز أن يقرأ سورة متأخرة في المصحف ثم يقرأ بعدها سورة متقدمة عليها في المصحف.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في فضل قراءة سورة الإخلاص

قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].سليمان بن داود، وهو أبو الربيع المصري، ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن ابن وهب].
ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
[عن عمرو بن الحارث].
عمرو بن الحارث، وهو المصري، ثقة، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً قريباً.
[عن سعيد بن أبي هلال].
سعيد بن أبي هلال المصري، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن].
أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن المدني، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية]؛ لأن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن ابن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، مكثرة من الرواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديث عمرة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وقد مر ذكرها قريباً.

شرح حديث أبي هريرة في فضل قراءة سورة الإخلاص

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطاب قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلاً يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )[الإخلاص:1-4]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت، فسألته: ماذا يا رسول الله، قال: الجنة)]. أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام فسمع رجلاً يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )[الإخلاص:1-4]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، قال أبو هريرة: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: الجنة)، أي: لهذا الذي كان يقرأ هذه السورة العظيمة، وهذا يدل على فضلها كما ترجم له المصنف، وهو دال على أن هذا الثواب العظيم لمن يقرأ هذه السورة، لكن القراءة التي تكون فيها تدبر، وفيها استشعار ما اشتملت عليه من الإخلاص لله عز وجل، ومن اعتقاد أنه الغني عن كل من سواه، والمفتقر إليه كل من عداه، وأنه المنزه عن كل نقص، والذي هو في غاية الكمال والجلال سبحانه وتعالى، وهو دال على عظم شأن هذه السورة، وعظم أجرها وثوابها عند الله عز وجل.


تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل قراءة سورة الإخلاص

قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الرحمن].
ويقال: عبد الله بن عبد الرحمن، وهو ابن أبي ذباب، ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن عبيد بن حنين].
هو عبيد بن حنين، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره.


شرح حديث أبي سعيد الخدري في فضل قراءة سورة الإخلاص

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (إن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)].أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فجاء وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن)، وهذا يدل على فضلها وعلى عظيم شأنها، وأن في قراءتها الأجر العظيم، والثواب الجزيل، لكن ليس معنى كونها تعدل ثلث القرآن أن الإنسان يقرأها ثلاث مرات ثم يقول: أنا قرأت القرآن، بل عليه أن يقرأ القرآن، وأن يحرص على قراءته، وأن يتلوه حق تلاوته، ولا يقتصر على قراءتها ثلاث مرات ويقول: أنا قرأت القرآن، لكن هذا يدل على عظم شأن هذه السورة، وعلى عظم أجرها، ومن العلماء من قال: إنها تعدل ثلث القرآن في الأجر، وأن الإنسان يؤجر أجراً عظيماً على قراءتها.
و ابن تيمية رحمه الله له مؤلف خاص بهذه السورة اسمه: جواب أهل العلم والإيمان فيما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن.


تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في فضل قراءة سورة الإخلاص

قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المدني].
وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة].
وهو ثقة، أخرج حديثه كذلك البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي سعيد].
أبو سعيد الخدري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه: سعد بن مالك بن سنان، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون من رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي




الأسئلة



‏ أولو العزم من الرسل

السؤال: من هم أولو العزم من الرسل؟

الجواب: أولو العزم من الرسل خمسة، وهم: نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ثم إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، هؤلاء هم الخمسة أولو العزم من الرسل الذين جاء ذكرهم في سورة الشورى، وكذلك في سورة الأحزاب، جاء ذكر هؤلاء الخمسة مع بعض في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا )[الشورى:13]، وفي سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ )[الأحزاب:7].

مداخلة: ما الدليل على أن عورة الأمة من السرة إلى الركبة؟
الشيخ: لا أدري.
مداخلة: ما هي درجة هذا الحديث: (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) ؟
الشيخ: لا أدري.

درجة مروان بن الحكم

السؤال: ما هي درجة مروان بن الحكم؟

الجواب: مروان بن الحكم قيل: له صحبة، ولكنه لا يثبت، ولكنه من كبار التابعين، والبخاري خرج له في صحيحه.

الإخلاص في طلب العلم

السؤال: ما هو الإخلاص في طلب العلم؟

الجواب: الإخلاص في طلب العلم هو: أن يتعلم العلم وهو يريد من وراء طلبه للعلم أن يعرف الحق ليتبعه ويدعو إليه، هذا هو المراد بالإخلاص في طلب العلم، أي: أن يكون الباعث له على طلب العلم أن يكون عالماً بالحق والهدى الذي جاء به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام؛ ليسير إلى الله على بصيرة، وليدعو غيره إلى أن يعبد الله على بصيرة، هذا هو الإخلاص.

قول الشخص لغيره من الناس: (منكم من يريد الدنيا..)


السؤال: هل يجوز أن يقول شخص في مجموعة من الناس؛ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة قياساً على قول الله تعالى للصحابة؟

الجواب: كونه يخاطب ناس يقول: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ليس بوجيه؛ لأن ما في إراداتهم وما في قلوبهم الله تعالى هو المطلع عليه، لكن كما هو معلوم الناس شأنهم هكذا منهم كذا ومنهم كذا، لكن جماعة معينين يقال: منكم من يريد كذا ومنكم من يريد كذا، لا؛ لأن هذا يتعلق بالنيات، نعم الناس ينقسمون إلى هذين القسمين، لكن هذه المجموعة التي هي خمسة أو ستة يقال لهم هذا الكلام! ليس مستقيم.


قراءة الإخلاص عشر مرات

السؤال: هل ورد حديث يدل على قراءة قل هو الله أحد عشر مرات؟

الجواب: لا أعلم في هذا شيء يدل على القراءة عشر مرات.


الذبح على البئر عند وجود الماء

السؤال: ما حكم ما يعمله بعض الناس إذا انقطع الماء أو جف ماء البئر ثم حفرها، ووجد الماء ذبح عنده شاة صدقة، ويتعمد أن يذبحها عندها، أي: عند البئر، ولو قيل له: اذبحها في البيت لم يرض بذلك؟

الجواب: إذا كان يعتقد بأن الذبح عند البئر له خاصية وله ميزة، فهذا ليس بصحيح، وأما إذا كان عمل ذبيحة شكراً لله عز وجل؛ لكون العمل الذي عمله أنتج وأثمر وحصل الماء الذي يريد وأطعم ذلك الفقراء والمساكين شكراً لله عز وجل لا بأس بذلك، لكن كونه يقول: إنه لا تذبح إلا في هذا المكان، لا وجه لهذا أصلاً.

هل مروان بن الحكم من الخلفاء؟


السؤال: هل مروان بن الحكم يعد من الخلفاء مع العلم أنه هو الذي نازع الخليفة عبد الله بن الزبير بعد أن اجتمع الناس عليه؟

الجواب: مروان بن الحكم هو من الخلفاء لا شك، هو من خلفاء بني أمية، وهو معدود منهم، ومن المعلوم أن الأمر كان لبني أمية من معاوية، ثم ابنه يزيد ثم بعد ذلك جاء مروان، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه بايعه أهل الحجاز، وقبل ذلك كان الأمر لبني أمية في الحجاز وغيرها، فهو خليفة.

وبعض العلماء الذين يعدون الأئمة الاثنا عشر الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، يعدون منهم مروان بن الحكم، الخلفاء الراشدون وثمانية من بني أمية منهم مروان، فهذا هو الذي ذكره العلماء ومنهم شارح الطحاوية وغيره، عندما جاءوا لشرح هذا الحديث، والكلام عليه.

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(187)


لقد جاءت الأحاديث مبينة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته في صلاة العشاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بقصار المفصل، فكان يقرأ بالشمس وضحاها، والتين، أو سبح اسم ربك الأعلى، وهذا يدل على أن الإمام يراعي أحوال المأمومين.

تابع الفضل في قراءة (قل هو الله أحد)



‏ شرح حديث: (قل هو الله أحد ثلث القرآن)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الفضل في قراءة قل هو الله أحد.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا زائدة عن منصور عن هلال بن يساف عن ربيع بن خثيم عن عمرو بن ميمون عن ابن أبي ليلى عن امرأة، عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قل هو الله أحد ثلث القرآن) . قال أبو عبد الرحمن: ما أعرف إسناداً أطول من هذا].
فقد سبق البدء بترجمة: فضل (قل هو الله أحد)، ومر بعض الأحاديث الدالة على فضلها، وهذا الحديث الذي أورده النسائي، وهو حديث أبي أيوب، هو واحد من تلك الأحاديث الدالة على فضل قل هو الله أحد، وأنها تعدل ثلث القرآن.
وقد مر هذا الحديث الذي هو كون (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن، في بعض الأحاديث الماضية في الدرس الفائت، وهو دال على فضلها، وأنها تعدل ثلث القرآن.
وهذا الحديث رواه النسائي بإسناد عشرة أشخاص، وقال عنه: إنه لا يعلم أو لا يعرف إسناداً أطول من هذا، وإذاً: فهو أنزل الأسانيد عند النسائي، أو من أنزل الأسانيد عند النسائي، وهو الإسناد العشاري الذي يكون فيه بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر أنفس، وهذا أنزل ما يكون عند النسائي، وأعلى ما عنده الرباعيات كما سبق أن عرفنا ذلك مراراً وتكراراً.
والبخاري أنزل ما يكون عنده التساعي، الذي تسعة أشخاص بين البخاري، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلى ما يكون عنده الثلاثيات، والنسائي أعلى ما عنده الرباعي، وأنزل ما عنده العشاري، الذي هو هذا الإسناد الذي معنا، وقد قال فيه النسائي: لا أعلم إسناداً أطول من هذا.

تراجم رجال إسناد حديث: (قل هو الله أحد ثلث القرآن)

قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار هو: الملقب بندار البصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري وليس بينه وبين وفاة البخاري إلا أربع سنوات، إذ كانت وفاة البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، ووفاة محمد بن بشار سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
وذكرت فيما مضى: أن محمد بن بشار شاركه اثنان هما: محمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، أي: شاركا محمد بن بشار في أن كلاً منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهم جميعاً ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[عن عبد الرحمن].
و عبد الرحمن هو ابن مهدي البصري، المحدث، الناقد، العالم بالرجال، والعلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
وهو ابن قدامة البصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور بن المعتمر الكوفي].
وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن يساف]، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الربيع بن خثيم].
وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فأخرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود. فلم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.
[عن عمرو بن ميمون الأودي]، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مخضرم، والربيع بن خثيم أيضاً مخضرم.
[عن ابن أبي ليلى]، وهو: عبد الرحمن بن أبي ليلى، المحدث، المشهور، وهو: والد محمد بن عبد الرحمن الفقيه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن امرأة].
وهي مبهمة، يعني غير مسماة، وهذا النوع يسمى المبهم، وهو الذي يذكر مثل الرجل، أو امرأة، وما إلى ذلك، يعني لم يذكر اسمه، فيقال له: المبهم، وهذه المرأة قيل: إنها امرأة أبي أيوب الأنصاري، ويحتمل أن تكون صحابية، وعلى هذا فلا إشكال، ويحتمل أن تكون تابعية.
وقد ذكر السيوطي، أن خمسة من إسناده من التابعين أولهم: منصور بن المعتمر، وعلى هذا تكون المرأة هي تابعية، ولا أعرف اسمها، والمزي في تحفة الأشراف قال: إنها امرأة من الأنصار، ولم يزد على ذلك، والسيوطي قال: إنها امرأة أبي أيوب، فإن كانت صحابية فلا إشكال، وإن كانت تابعية ولم يعرف شخصها وحالها فتكون مجهولة، ومن المعلوم أن الحديث ثبت من طرق أخرى، وهو كون قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، فيكون معناه: أن هذه الجهالة، قد جاء ما يدل على ثبوت الحديث من طرق أخرى، أو من أحاديث أخرى غير هذا الحديث، وهي شواهد له.
والشيخ الألباني اعتبره من جملة الصحيحة، اعتبره من جملة صحيح سنن النسائي، فلا أدري هل عرفها، أو أنه اعتبر ذلك بالأحاديث التي هي بمعنى حديث أبي أيوب الأنصاري، وهي شاهدة لحديث أبي أيوب الأنصاري، التي فيها التنصيص على أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، كما جاء ذلك في الأحاديث الماضية في الدرس الفائت.
[عن أبي أيوب الأنصاري].
وأبو أيوب هو: خالد بن زيد الأنصاري، وهو الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره عندما قدم المدينة، فأول ما قدم إليها نزل في ضيافته، ونزل في داره حتى بنى مسجده، وبنى الحجرات بجوار المسجد، وكان في تلك الفترة عند أبي أيوب الأنصاري، هذا الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحديث أبي أيوب أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد عشاري كما عرفنا: محمد بن بشار يروي عن عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرحمن بن مهدي يروي عن زائدة بن قدامة، وزائدة يروي عن منصور بن المعتمر، ومنصور يروي عن هلال بن يساف، وهو يروي عن الربيع بن خثيم، وهو يروي عن عمرو بن ميمون، وعمرو بن ميمون يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى يروي عن امرأة، والمرأة تروي عن أبي أيوب الأنصاري، وهم عشرة أشخاص في إسناد هذا الحديث، وقال عقبه النسائي: لا أعلم إسناداً أطول من هذا.




القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى



‏ شرح حديث جابر في القراءة بسبح اسم ربك الأعلى في العشاء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى.أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى والضحى وإذا السماء انفطرت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وصفت العشاء بأنها الآخرة، تمييزاً لها عن العشاء الأولى التي هي المغرب؛ لأن المغرب يقال لها: عشاء، فالمغرب والعشاء يقال لهما: العشاءين، ويطلق على المغرب أنها عشاء، ولهذا يأتي ذكر العشاء مقيدة بالآخرة، ليتميز عن العشاء الأولى، وقد سبق أن مر بنا في حديث مضى قريباً ذكر العشاء، وقال: العتمة، وقال العتمة ليميزها عن المغرب، لأنها يقال لها: عشاء، وهنا كلمة (الآخرة) لتمييزها عن المغرب، وأنه يقال لها: عشاء.
وهذا الإطلاق موجود في هذا الزمان، يقال في بعض البلاد عن المغرب: إنها العشاء، والعشاء الآخرة يقال لها: العشاء، إلا أنها توصف بالآخرة، وغالب الإطلاق إذا قيل: العشاء، فيراد بها العشاء الآخرة، وهي التي جاء ذكرها في القرآن: (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ )[النور:58]، المراد بها العشاء الآخرة، فعند الإطلاق يراد بها الآخرة، لكن يطلق على المغرب: أنها عشاء، ويقال لهما جميعاً: العشاءين، المغرب والعشاء.

وأورد النسائي حديث جابر بن عبد الله في قصة معاذ وصلاته وتطويله، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما بلغه ذلك قال: (أفتان أنت يا معاذ، أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والضحى، وإذا السماء انفطرت)، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض السور التي هي من المفصل، والتي في قراءتها تخفيف على الناس وعدم مشقة عليهم.
فالترجمة هي: القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، والحديث مشتمل على سبح اسم ربك الأعلى وعلى سور أخرى تشابهها وتماثلها في الطول.

تراجم رجال إسناد حديث جابر في القراءة بسبح اسم ربك الأعلى في العشاء

قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].محمد بن قدامة، وهو المصيصي، ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
وهو جرير بن عبد الحميد الضبي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش، وهو لقب لـسليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، لقبه الأعمش، وهو مشهور بهذا اللقب، ويأتي ذكره أحياناً باللقب كما هنا، وأحياناً يأتي ذكره باسمه سليمان، أو سليمان بن مهران، ومعرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفتها: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف أن الأعمش، لقب لـسليمان بن مهران، يظن أن الأعمش شخص، غير سليمان بن مهران، لكن من عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران، لا يلتبس عليه الأمر، سواءً جاء في الإسناد الأعمش، أو جاء سليمان بن مهران، وهذه نوع من أنواع علوم الحديث.
و سليمان بن مهران الكوفي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محارب بن دثار].
محارب بن دثار، وهو ثقة، إمام، زاهد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
وهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي




القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها



‏ شرح حديث جابر في القراءة بالشمس وضحاها في العشاء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: (صلى معاذ بن جبل رضي الله عنه بأصحابه العشاء فطول عليهم، فانصرف رجل منا فأخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وأورد فيها حديث جابر بن عبد الله من طريق أخرى، وفيه أنه لما صلى بالناس أطال، وكان يصلي معه رجل من الصحابة فلما أطال، انفصل عنه وصلى وحده، ثم بعد ذلك بلغ ذلك معاذاً أنه انفصل عنه، فقال عنه: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، اقرأ باسم ربك) وأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى سور قصار لا يحصل بقراءتها مشقة على المأمومين.

تراجم رجال إسناد حديث جابر في القراءة بالشمس وضحاها في العشاء

قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الليث].
الليث وهو ابن سعد المحدث، الفقيه، المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[عن أبي الزبير].
أبو الزبير، وهو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله]، وقد مر ذكره قريباً.

حديث بريدة في القراءة بالشمس وضحاها في العشاء وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبي حدثنا الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وأشباهها من السور)].أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وأشباهها من السور) وهو دال على ما ترجم له المصنف.
قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق المروزي].
وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن أبيه]
وهو علي بن الحسن بن شقيق المروزي أيضاً، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسين بن واقد].
الحسين بن واقد، وهو ثقة، له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مروزي أيضاً.
[عن عبد الله بن بريدة].
عبد الله بن بريدة، وهو ابن الحصيب الأسلمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً مروزي، وهو قاضي أيضاً في مرو، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن بريدة بن الحصيب الأسلمي].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأكثر رجال الإسناد مروزيون، إلا بريدة، فـمحمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وأبوه علي بن الحسن بن شقيق، وحسين بن واقد، وعبد الله بن بريدة، كل هؤلاء مروزيون.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:46 PM
القراءة في العشاء الآخرة



‏ حديث البراء: (صليت مع رسول الله العتمة فقرأ فيها بالتين والزيتون) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة فيها بالتين والزيتون.أخبرنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة فقرأ فيها بالتين والزيتون)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة فيها -أي: في العشاء الآخرة- بالتين والزيتون، وأورد فيه حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العتمة وقرأ فيها بالتين والزيتون.
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].
قتيبة قد مر ذكره، ومالك، هو: ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
يحيى بن سعيد، وهو: الأنصاري المدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عدي بن ثابت].
وهو: عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء].
البراء بن عازب، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.




القراءة في الركعة الأولى من العشاء الآخرة



‏ شرح حديث: (كان رسول الله في سفر فقرأ في العشاء في الركعة الأولى بالتين والزيتون)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الركعة الأولى من صلاة العشاء الآخرة.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقرأ في العشاء في الركعة الأولى بالتين والزيتون)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الركعة الأولى من صلاة العشاء الآخرة، وأورد تحتها حديث البراء بن عازب، أورده من طريق أخرى، وأنه قرأ بالتين والزيتون في الركعة الأولى، والحديث الأول مطلق، فلم يعين الركعة الأولى ولا الثانية، وهذا الحديث مقيد، قيد فيه أن القراءة كانت بالتين والزيتون، وأن ذلك كان في سفر، وقرأ في الركعة الأولى من ركعتي العشاء بالتين والزيتون، وهي من قصار السور.
وعلى هذا فإن الصلوات الخمس التي تطول فيها القراءة: الفجر، والظهر، وتليها العصر، ثم العشاء، والمغرب هي أقلها غالباً، وأحياناً يقرأ النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فيها بسور طوال، وقد مر بنا أحاديث تدل على قراءته فيها بسورة الأعراف -أي: المغرب- وهي تعادل جزء ونصف جزء.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله في سفر فقرأ في العشاء في الركعة الأولى بالتين والزيتون)

قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود، وهو أبو مسعود البصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يزيد بن زريع].
يزيد بن زريع، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو: شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عدي بن ثابت عن البراء].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.




الأسئلة



‏ حالة حكم الرفع

السؤال: لقد سمعت من بعض المشايخ أن الجمهور يقول في قول الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن له حكم الرفع، فهل هذا صحيح؟

الجواب: هذا في غاية الوضوح، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا يكون له حكم الرفع؟! وهل يقول بهذا الجمهور فقط؟! يعني هل أحد يقول بخلاف هذا، وقد قال الصحابي: نهى رسول الله، لكن لعل القضية أنها غير هذا اللفظ.
لعلها نهينا أو أمرنا؛ لأن لم يعين، ولكن ينصرف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بلا شك، لكن نهى رسول الله هذه واضحة الرفع؛ لأن هذا هو إضافة الكلام للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الرفع، ولا يقول بخلاف هذا أحد.

(نهينا عن كذا) هل يفيد التحريم؟

السؤال: هل قول الصحابي: (نهينا) يستفاد منه التحريم؟

الجواب: نعم. الأصل هو الدلالة على التحريم، لكن قد يكون هذا النهي للتنزيه، أي: يكون من قبيل المكروه الذي هو أقل من التحريم.

كيفية غسل الجنابة

السؤال: نرجو منكم بيان كيفية غسل الجنابة بالتفصيل.؟

الجواب: أكمل الهيئات هو: كون الإنسان يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويغسل رجليه في الآخر، هذه أكمل هيئاته، وإذا أفاض الماء على سائر جسده وإن لم يحصل منه الوضوء أولاً فإن هذا غسل مجزئ، لكن الأكمل هو الذي يسبقه الوضوء.

الاشتراط في الصدقة

السؤال: ما حكم من يشترط في صدقة ماله فيقول: لا أعطي هذا المال إلا من كان سلفياً، أو يشترط في وليمته فيقول: لا أدعو إليها إلا من كان سلفياً.. إلى آخره؟

الجواب: كونه يعطي صدقته، ويعطي عطيته لمن يكون سليماً في معتقده، ولمن يكون بعيداً عن البدع، هذا شيء طيب، لكن لكونه من يكون عنده شيء من الانحراف إذا كان دعوته أو إعطائه فيها استمالته وفيها تقريبه وفيها إعانة له على التخلص من ما هو فيه فإن هذا يكون مستحباً، ويكون مناسباً، لما يترتب عليه من المصلحة، وإلا كون الإنسان يكون إحسانه، أو يكون أولى الناس ببره وإحسانه، من يكون مستقيماً لا شك أن هذا هو الأولى، وهذا هو الذي ينبغي، لكن كون الإنسان يراعي بعض المصالح في قضية الاستمالة، وجلب الناس، إذا كان سيترتب على ذلك الإحسان ميله وتقريبه وإخراجه من ما هو واقع فيه فهذا مقصد حسن، وأمر طيب.

مسح الأذن في الوضوء


السؤال: هل يجب مسح جميع ما بداخل الأذن عند الوضوء، وكذلك ظاهرها؟

الجواب: الأذنان من الرأس، أي: أن حكمهما حكم الرأس، يعني فيمسحان، وليسا من الوجه فيغسلان، فهذا هو معنى: (الأذنان من الرأس) كما جاء في الحديث.
وكيفية مسحهما: أن يدخل سبابته في الأذن ويدير الإبهام على خارج الأذن، هذه هي صفة مسح الأذنين.

مس المصحف على غير طهارة


السؤال: هل جاء في السنة ما يدل على عدم جواز مس المصحف على غير طهارة؟

الجواب: نعم، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) المقصود به الطهارة الشرعية، يعني: إلا متوضئ، هذا هو معنى الحديث.

لو أن شخصاً خصص مالاً لإعانة من أراد الزواج فالذهاب إليه وطلب الإعانة منه لا بأس به


السؤال: يوجد عند شخص مبلغ مالي خصصه لمساعدة من أراد الزواج، فهل الذهاب إليه لأخذ نصيب من هذا المال يعتبر من باب السؤال المنهي عنه؟

الجواب: إذا كان الإنسان محتاجاً والمبلغ خصص لأمثال هؤلاء فلا بأس بذلك، أما إذا كان غير محتاج فلا ينبغي له، بل لا يجوز له؛ لأن هذا فيه قطع الطريق أمام من هو محتاج، وهو غير محتاج، فالمحتاج إذا كان شيء مخصص لأمثال هؤلاء، لا بأس بذلك، ولا يعتبر من قبيل السؤال؛ لأن السؤال هو الذي يأتي للناس ويقول: أعطوني، وأما شيء مخصص لمن يكون بهذا الوصف، والوصف ينطبق عليه فله أن يأتي ويطلب من هذا المخصص.
إذا كان مخصص للزواج، فلا يذهب أحد وهو لا علاقة له بالزواج ويقول: إنه سيتزوج وهو يكذب، ما دام أنه مخصص لمن يتزوج فالمحتاج ممن يريد الزواج هو الذي له أن يذهب.

مدة القصر


السؤال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أنه كان يقصر الصلاة عشرين يوماً، فهل يؤخذ من هذا أن الإنسان إذا نزل ببلد فله أن يقصر هذه المدة؟

الجواب: إذا كان عنده عزم عند الدخول على أنه سيبقى هذه المدة، أو مدة أقل منها، وهي ما يزيد على أربعة أيام فإن عليه أن يتم، إذا كان عالماً عند الدخول بأنه سيبقى في هذا البلد أكثر من ثلاثة أيام، والحديث الذي في غزوة تبوك، ليس فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل تبوك عقد العزم على أن يبقى فيها عشرين يوماً، وإنما كان ذهب إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل، وليس فيه شيء يدل على عزمه على هذه المدة، لو علم أو لو ثبت. أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل ذلك البلد، عزم على أن يبقى هذه المدة وهو يقصر، علم بأنه يقصر الإنسان هذه المدة، لكن المدة التي عُلم إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم إياها وهو في بلد، وهو عازم على الإقامة أربعة أيام كان ذلك في حجة الوداع، حيث دخل يوم رابع، وهو سيخرج منها يوم ثامن إلى منى، ثم إلى عرفة، فتلك المدة معلوم أنه عند الدخول يريد أن يجلسها؛ لأنه باق إلى يوم التروية، ثم ينتقل إلى منى ثم عرفة.
فهذه المدة التي علم عزْم الرسول صلى الله عليه وسلم على بقائها، عند دخوله مكة، وأما ما كان في تبوك، أو كان في عام الفتح فليس هناك دليل يدل على عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على بقائه تلك المدة حتى يقال: إنه يقصر هذه المدة.

الاغتسال بالدم

السؤال: ما حكم الاغتسال بالدم من أجل العلاج؟

الجواب: قضية الدم، لا أدري ما وجه كونه يصير فيه علاج، لكن تحريمه كما جاء فيما يتعلق بشربه، وأكله، الذي هو الدم السائل، بخلاف الدم الذي يكون مع اللحم. فإن هذا لا إشكال في حله، وأما كونه يتعالج به، أو كونه يصير مثلاً مكاناً يوضع عليه دم فيه شفاء له، لا بأس بذلك، يعني: كونه إذا وضع على مكان معين، أو جرح، أو شيء إذا علم بأن فيه شفاء لا بأس بذلك.

وضع الجوائز على شراء السلع


السؤال: ما حكم الأموال التي تكون عبارة عن جائزة مسابقة تجعلها شركة من الشركات التجارية في سلعة معينة، فيشتري المشترك في المسابقة تلك السلعة، ويحل المسابقة، ويحصل على الجائزة؟

الجواب: والله هذه ما هي سليمة، إذا كان أنها مبنية على شراء، أما إذا كانت لا علاقة لها بدفع شيء من المال لا بأس بها، إذا كان ليس له علاقة، أي: الإنسان لا يخسر شيء باشتراكه في المسابقة، يعني كونه يشتري سلعة، أو كونه يدفع مقدار من المال، من أجل أن يحصل الاشتراك في هذه المسابقة، فإذا كان فيه خسارة فلا يصلح، وأما إذا كان ليس فيه خسارة على الإنسان في شيء، لا في سلعة، ولا في مال يبذله من أجل أن يشترك في المسابقة، إذا كان لا يحصل شيء من هذا، لا بأس بذلك.


قول الشخص أنا سلفي


السؤال: ما رأي الشيخ فيمن يقول أنا سلفي؟ وهل يجوز التسمية بالسلفية؟ وإذا كان هذا يجوز فما الدليل على ذلك؟

الجواب: الدليل على هذا: هو استعمال السلف قديماً وحديثاً موجود، يقولون: فلان على طريقة السلف، فلان على منهج السلف، فلان صاحب عقيدة سلفية، ينصون على ذلك في كتبهم عندما يذكرون عقيدته يقولون: إنه على طريقة السلف، ومن المعلوم أن هذا ليس أمراً محدثاً، وليس أمراً ناشئاً، بل هذا يرجع إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليس ببدعة، ولا بأمر محدث، وإنما المحدث الطرق والمناهج الأخرى الجديدة التي ليس لها أساس، فكون الإنسان يقول: أنا سلفي، أو على طريقة السف، ويقال عن فلان إنه سلفي، أو إنه على طريقة السلف، لا بأس في الصفة، أقول: هم على طريقة السلف، لكن سموا بهذا الاسم أو اشتهروا بهذا الاسم وهم سلفيو العقيدة.

لأن هذا من الأسماء الجديدة، إلا أنه يعني أنه على منهج السلف وعلى طريقة السلف.


الصلاة في توسعة الحرم


السؤال: ما حكم الصلاة في الصفوف الثلاثة الأولى من التوسعة، علماً بأنها ليست متصلة بالصفوف بداخل المسجد، ويقول السائل: علماً أنه يفتي بعض المشايخ بأنها ليست من المسجد؛ لأنهم لا يرون الإمام، ولا يرون من يرى الإمام؟الجواب: التوسعة هذه متصلة الصفوف فيه، وحتى لو لم تتصل الصفوف، لو حصل مثلاً فاصل، يعني جدار، ما في مانع، أقول: لو حصل فاصل يفصل بين الصفوف، مثل فاصل المنبر يعني يمينه وشماله، لو وجد شيء من هذا فيبقى في الجوانب كله متصلة بالصف، أي: متصل من في الزيادة مع ما يحاذيه من المسجد الأول، فالصلاة فيها ليست من الصفوف الأول، ولكنها صفوف بعددها إذا وصل إليها العدد، يمكن الصف العشرين أو الثلاثين، الصفوف الأول هي الآن متصلة بالمسجد، الأول الذي هو ليس فيه زيادة، ثم بعد ذلك يأتي صف يتصل الأول وزيادة، فهذا الصف صف واحد، يعني بالزيادة والصف الأول والمسجد الأول، لكن الصفوف الأولى التي قبل الزيادة هذه هي الصفوف الأولى، وكل واحد أفضل من الذي يليه.

أقول: هم وإن لم يرو الإمام، ولو حصل أنهم كانوا في السطح، الصلاة صحيحة ليس فيها شيء، وعلو المسجد مسجد، وسطح المسجد مسجد، وهواء المسجد تابع للمسجد، فإذا صلى الإنسان في السطح فهو مصل في المسجد، ولو صلى في البدروم تحت هو مصل في المسجد؛ لأن أرضه السفلى وعلوه كله تابع له، ولو لم ير الإمام، ولو لم تُرى الصفوف، وإذا حصل أن المنبه توقف، ينفصلون عن الإمام، ويصلون إما جماعات، وإما فرادى، إذا حصل، وهذا حصوله نادر إذا وجد.
أما التي أمام الزيادة، هذه ليست مسجداً الآن، إلا لو وضع جدار أو سور مثل السور الأول الذي كان موجود تصير مسجداً، أما الآن هي شارع، لا يقال لها: مسجد.
هي ساحات، لكنها ليست محاطة، الذي لا يحوط به جدران ولا أبواب لا يقال له: مسجد، المسجد هو ما تحيط به الجدران والأبواب، ما كان داخل الجدران والأبواب مسجد، وما كان خارجها شارع، الإنسان إذا دخل من الباب يقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وإذا خرج يقول كذلك، والبيع والشراء يكون في الساحات، ولا يكون من داخل الأبواب، فلا يأخذ حكم المسجد إلا إذا بني فيه جدار سواء من حديد أو غيره، فإنه يكون حكمه حكم المسجد، أما ما دام أنه خارج الأبواب، ومتصل في الخلاء الذي هو خارج المسجد، فهو لا يعتبر مسجداً، لكن من صلى فيه مع اتصال الصفوف له أجر الجماعة، وله فضل الجماعة، لكن ليس له التضعيف بألف صلاة؛ لأن التضعيف بألف صلاة جاء في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقصد بالجدران والأبواب الزيادة والمزيد، كل ما كان داخل الجدران والأبواب سواء كان أصلاً أو زيادة، فإنه يعتبر من المسجد، والصلاة في الجميع بألف صلاة، وما كان خارج الجدران والأبواب -في الساحات أو الشوارع- فهذا ليس من المسجد، ولا يكون للذي صلى فيه ألف صلاة.

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(188)

يُسن للإمام في الصلاة الرباعية أن يطيل الركعتين الأوليين من الصلاة ويخفف الركعتين الأخيرتين؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما دلت السنة على جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم.
الركود في الركعتين الأوليين


شرح حديث سعد في تطويل الركعتين الأوليين وتخفيف الأخريين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الركود في الركعتين الأوليين.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا شعبة حدثني أبو عون سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنهما يقول: قال عمر لـسعد: (قد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة، فقال سعد رضي الله عنه: أتئد في الأوليين وأحذف في الأخريين، وما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ذاك الظن بك)].
يقول النسائي رحمه الله: الركود في الركعتين الأوليين، هذه الترجمة يراد بها: أن الركعتين الأوليين يطول فيهما بالنسبة للركعتين الأخيرتين، وقد سبق أن مر بنا بعض الأحاديث الدالة على هذا، أي: تطويل الركعتين الأوليين، وكذلك تطويل الركعة الأولى على الثانية، كل هذا مر فيه بعض الأحاديث، لكنه هنا أورد هذه الترجمة وهي: الركود في الركعتين الأوليين، وهي مماثلة لما سبق أن تقدم بالنسبة لتطويل الركعتين الأوليين، وأنها أطول من الركعتين الأخيرتين، أي: بالنسبة للصلاة الرباعية.
وقد أورد النسائي فيه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أنه كان يتئد في الركعتين الأوليين، ويحذف في الركعتين الأخيرتين، أي: يخفف ويقصرهما، ويقول: (إنني لا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومعنى ذلك: أن هذا العمل يسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه يفعل هذا اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو المناسب من حيث الرواية؛ لأنه مضاف إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن سعداً رضي الله عنه، أخبر عمر بأنه يقتدي بصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن هذا الفعل الذي فعله، والذي أنكره عليه أهل الكوفة، ليس من فعله، وليس من صنيعه، وليس من اجتهاده، وإنما هو اقتداء بفعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، حيث كان يركد في الركعتين الأوليين، ويخفف في الركعتين الأخيرتين.
و سعد رضي الله عنه قال هذه المقالة لمناسبة: وهي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه الكوفة، وجعله أميراً عليها، وحصل بينه وبين أهل الكوفة شيء تكلم فيه بعضهم، وقدح فيه حتى في صلاته، وهو يقتدي بصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن الذي يدفعهم إلى ذلك هو ما يقع في النفوس، وما حصل في النفوس عليه، رضي الله عنه وأرضاه، هذا وسعد: أحد المبشرين بالجنة، يمشي على الأرض، والناس يعرفون أنه من أهل الجنة، وأنه ينتهي إلى خير، ويئول أمره إلى خير، وأنه من أهل الجنة، يعرفون ذلك، ويعلمون ذلك، وهو يمشي على الأرض بين أظهرهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام شهد لعشرة بالجنة في مجلس واحد، سماهم وكان فيهم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه.
فهذا يدلنا على أنه ليس كل من يتكلم فيه، معناه أن الكلام فيه مقبول، فهذا سعد -وهو من أهل الجنة- ما سلم من أهل الكوفة الذين ولاه عمر عليهم، حتى صلاته قدحوا فيها، وتكلموا فيها، وقد جاء هذا الحديث في البخاري، وفي مسلم، وفي غيرهما، وجاء في صحيح البخاري مطولاً وفيه: أن واحداً منهم تكلم فيه بكلام، هو بريء منه، ودعا عليه سعد، فأجيبت دعوة سعد، وحصل له ذلك الذي دعا عليه به؛ لأنه ظالم، ولأن كلامه فيه كلام باطل، والله تعالى عاقبه في الدنيا قبل الآخرة، بكلامه السيئ في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ولما شكوه طلبه عمر، فقدم إليه في المدينة، وأخبره بالذي حصل منهم، فأخبره بصلاته، وأنه يفعل كذا وكذا، وأن فعله هذا يقتدي فيه برسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان جواب عمر رضي الله عنه له: هذا هو الظن بك يا أبا إسحاق، هنا جاء في بعض الروايات: الظن بك، وفي الروايات الأخرى أنه خاطبه بكنيته وقال: هذا هو الظن بك يا أبا إسحاق، يعني: كونك تصلي بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنك تقتدي بصلاة الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن عمر رضي الله عنه وأرضاه عزله لما يخشى من الفتنة التي قد تحصل بينهم وبينه، لما حصل لهم من النفرة، فخشي أن يحصل بسبب إبقائه بين أظهرهم، مع قولهم فيه ما قالوا، ومع كونهم تكلموا فيه بما تكلموا فيه، فعزله عن إمرة الكوفة؛ درءاً للفتنة، ودرءاً للمفسدة، التي قد تحصل بسبب بقائه بينهم مع نفرة بعضهم منه، لكن عمر رضي الله عنه وأرضاه ما نسي أن ينوه بفضل سعد، وأن عزله إياه ما كان لأمر هو حاصل فيه يقتضي عزله، ولكنه إنما عزله خوفاً من أن يقع بينه وبينهم ما لا يحمد عقباه، بأن يعتدوا عليه، أو يحصل اعتداء من أحد عليه، فعزله.
ولما طعن عمر رضي الله تعالى عنه، وعهد إلى ستة من أصحاب الشورى، تكون الإمارة فيهم، وتكون الخلافة في واحد منهم، خشي أن يرجع إلى هذه القصة أو يأتي ذكرها، يعني قصة كونه عزله عن الكوفة، فقال رضي الله عنه: إن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستعن به من أمر منكم، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، يعني: أشار إلى أن عزله ما كان لعجز فيه، ولا خيانة منه، وإنما كان درءاً للفتنة التي قد تحصل بسبب ما جرى بين أهل الكوفة وبينه من الوحشة، فنوه بشأنه، وأبرأ ساحته، مما قد يظن أن هذا يقدح في كونه يستحق الولاية، وقد جعله عمر واحداً من الستة الذين تكون الخلافة فيهم، ويكون الأمر بينهم، ويختارون واحداً منهم لإمرة المسلمين، فقال هذه المقالة العظيمة التي نوه فيها بشأنه، وبين أنه لم يعزله عن عجز ولا خيانة.
ومن المعلوم: أن العجز والخيانة هما الأسباب التي تقتضي عزل الإنسان الذي يولى، فالعاجز لا يستطيع أن يصرف الأمور، والخائن ما عنده أمانة، وقد جاء في القرآن: أن الأحق بالولاية، أو الأحق بمن يولى، وتسند إليه الأمور: من يكون قوياً أميناً، قد جاء عن إحدى ابنتي الرجل الصالح الذي صاهره موسى، قالت إحداهما: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ )[القصص:26]، فضد القوة والأمانة: العجز والخيانة، القوي ضده العاجز، والأمين ضده الخائن، وكذلك العفريت الذي قال لسليمان إنه يأتي بعرش بلقيس، وقال: إني عليه لقوي أمين، القوة ضدها العجز، والأمانة ضدها الخيانة، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه، بين أن السبب في العزل، ليس عجزاً ولا خيانة، والتي لا يستحق أن يجعل أميراً؛ لأن العجز يترتب عليه انفلات الأمور، وضياعها، والفوضى، والخيانة يترتب عليها عدم الأمانة، وعدم إيقاع الأمور في مواقعها، ووضعها في مواضعها.

فهذا هو ما جرى، أو هذا هو ما حصل من عمر رضي الله عنه في عزله، وأنه كان لسبب خوف الفتنة، مع كون سعد هو أهل، وقوي أمين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وليس بعاجز ولا خائن، وهو من أهل الجنة، يمشي على الأرض والناس يعلمون أنه في الجنة، لكن كما يقول الشافعي: رضا الناس غاية لا تدرك، ولا يسلم أحد من الناس، حتى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قالوا فيه ما قالوا، ووصفوه بما وصفوه به، من كونه لا يحسن أن يصلي، مع أنه محسن في صلاته؛ لأنه متبع مقتد برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وإذاً: فـسعد رضي الله عنه، بين لـعمر بأنه كان يطيل في الأوليين، ويخفف في الأخيرتين، وأنه يقتدي في ذلك برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث سعد في تطويل الركعتين الأوليين وتخفيف الأخريين

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وعمرو بن علي، هو: الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
يحيى بن سعيد، وهو: القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أرفع صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو عون].
أبو عون، وهو: محمد بن عبيد الله بن سعيد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه، والفلاس الذي مضى، أخرج له أصحاب الكتب الستة، لكن إسحاق بن راهويه، سبق أن مر بنا كثيراً أنه أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، وهذا أيضاً كذلك أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه.
[سمعت جابر بن سمرة].
وجابر بن سمرة بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[سعد بن أبي وقاص].
عمر رضي الله عنه ليس من رواة الحديث، وإنما الحديث أسنده سعد بن أبي وقاص إلى رسول الله، ولكن سعداً رضي الله عنه ذكر هذا بمناسبة كلامه لـعمر، عندما اشتكاه أهل الكوفة إلى عمر، فقال هذه المقالة، وجابر بن سمرة ليس راوياً عن عمر، وإنما هو راو عن سعد بن أبي وقاص، فـسعد بن أبي وقاص، هو: الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذين بشرهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد سماهم، فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)، سرد هؤلاء العشرة في حديث واحد، وفي مجلس واحد، فاشتهروا بهذا الوصف، وليس معنى اشتهارهم بالعشرة أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما شهد بالجنة لأحد سواهم، بل شهد بالجنة لغيرهم، وجاء ذلك في أحاديث متعددة، مثل شهادته لـفاطمة بالجنة، وكذلك للحسن، والحسين، وشهادته لـثابت بن قيس بن شماس، وشهادته لـعكاشة بن محصن، وشهادته لـبلال، وغيرهم من الصحابة الذين جاء ذكرهم في أحاديث متعددة، كل واحد على حدة، وفي كل منها الشهادة لواحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام بالجنة، وذكر العشرة؛ لأنهم ذكروا في حديث واحد، لا لأن الشهادة بالجنة مقصورة عليهم، وأنه لا يشهد لأحد سواهم بالجنة، بل شهد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لغيرهم بالجنة، وجاء ذلك في أحاديث كثيرة ثابتة عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وليس لأحد أن يشهد بالجنة لأحد لم يشهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه يرجى للمحسن، ويخاف على المسيء، مذهب أهل السنة والجماعة: أنه يشهد بالجنة لمن شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشهد بالنار لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالنار، وأما من لم يشهد له بجنة ولا نار، فإنه يسكت عنه، ويرجى لكل محسن أن يكون من أهل الجنة، ويخشى على كل مسيء أن يكون من أهل النار؛ لأن هذا غيب، ولا يعلم الغيب إلا عن طريق صاحب الغيب، عن طريق الوحي، والوحي إنما يأتي من الله، وحياً إلى رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حديث سعد في تطويل الركعتين الأوليين وتخفيف الأخريين من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حماد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية أبو الحسن حدثنا أبي عن داود الطائي عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: (وقع ناس من أهل الكوفة في سعد رضي الله عنه عند عمر رضي الله عنه، فقالوا: والله ما يحسن الصلاة، فقال: أما أنا فأصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها، أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك)].أورد النسائي حديث جابر بن سمرة عن سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، ودال على ما دل عليه من الركود في الركعتين الأوليين، والحذف، أي: التخفيف في الركعتين الأخيرتين، وأنه يقتدي في ذلك بصلاة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [أخبرنا حماد بن إسماعيل].
هو حماد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وحماد سبق أن مر بنا ذكر أخ له وهو: محمد بن إسماعيل، هذا روى عنه النسائي عدة أحاديث فيما مضى، وأما حماد، فإنه لم يأت ذكره فيما مضى، وإنما جاء ذكر أخيه محمد بن إسماعيل في مواضع عديدة، يروي عنه النسائي وحده، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي، وسبق أن ذكرت أن لهم أخاً اسمه إبراهيم، وذاك ضال من أهل الضلال، قال عنه الذهبي في الميزان: إنه جهمي هالك، أي: خارج عن مذهب أهل السنة، بخلاف إسماعيل وابنيه: حماد، ومحمد، فإنهما من أهل السنة، وأما إبراهيم بن إسماعيل، فهو من الجهمية، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل الفقه الشاذة، يقال: قال بها ابن علية، يراد به: إبراهيم بن علية الذي هو وصف بأنه جهمي هالك.
[حدثنا أبي].
حماد بن إسماعيل يروي عن أبيه إسماعيل، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن داود الطائي].
داود الطائي، وهو داود بن نصير الطائي، وهو ثقة، فقيه، زاهد، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن عبد الملك بن عمير].
عبد الملك بن عمير، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن سمرة].
جابر بن سمرة عن سعد بن أبي وقاص، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

قراءة سورتين في ركعة



‏ شرح حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [قراءة سورتين في ركعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشرين سورة في عشر ركعات، ثم أخذ بيد علقمة فدخل، ثم خرج إلينا علقمة فسألناه فأخبرنا بهن)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قراءة سورتين في ركعة واحدة، يعني: يجمع في ركعة واحدة سورتين، هذه الترجمة، سبق أن مر بنا في فضل سورة قل هو الله أحد حديث يدل على هذا، وهو قصة الرجل الذي كان يقرأ، ثم يختم بقل هو الله أحد، يعني: أنه يقرأ مع الفاتحة غيرها، ثم يختم ذلك بقل هو الله أحد، ففيه دلالة على الجمع بين سورتين في ركعة؛ لأنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمرهم بأن يسألوه عن سبب فعله، وقال: (إنها مشتملة على صفة الرحمن، ويحب أن يقرأ بها، فقال: أخبروه بأن الله تعالى يحبه).
فالحديث يدل على هذه الترجمة، وهي: كونه يقرأ في الركعة الواحدة سورتين، وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنت أعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي عشرون سورة في عشر ركعات)، يعني: أن كل ركعة فيها سورتان، يعني ما دام أنها عشرون سورة، وهي في عشر ركعات، فمعناه أنه يقرأ في كل ركعة واحدة سورتين، ففيه دلالة على قراءة سورتين في ركعة.
والنظائر المقصود بها: التماثل، يعني في ما تشتمل عليه من الحكم، والقصص، والعبر، والعظات، وما إلى ذلك، وليس المقصود التساوي بالآيات، والتماثل بينها في الآيات، وإنما التماثل في المعنى، وفيما اشتملت عليه من القصص، والأحكام، وغير ذلك.
ثم قال الراوي، وهو أبو وائل: إنه أخذ بيد علقمة، وخرج علقمة فذكرها لهم، يعني: تلك النظائر؛ لأنه ذكرها أولاً إجمالاً، ولم يذكرها لهم تفصيلاً، يعني تلك العشرين سورة في عشر ركعات، فأخبر بها علقمة بن قيس النخعي، وقد جاءت في بعض الروايات عند أبي داود، أي: ذكر هذه النظائر المتشابهات، فكل سورتين في ركعة واحدة.
الحاصل: حديث عبد الله بن مسعود يدل على الترجمة، وهو أنها عشرون سورة في عشر ركعات، أي: في كل ركعة سورتان.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:52 PM
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم، وهو: ابن مخلد، المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا عيسى بن يونس].
عيسى بن يونس، وهو ابن أبي إسحاق، يعني جده أبو إسحاق السبيعي، وهو: أخو إسرائيل بن يونس، وهو ثقة، مأمون، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش، وهو: سليمان بن مهران الكاهلي، لقبه الأعمش، يأتي ذكره باللقب، ويأتي ذكره بالاسم، وكما ذكرت مراراً: هذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهو: معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة معرفتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين: إذا ذكر باسمه في موضع، وبلقبه في موضع آخر، فإن من لا يعرف، يظن أنهما شخصان، مع أنهما شخص واحد، وسليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شقيق].
وهو شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
وهو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم،رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت أبا وائل يقول: (قال رجل عند عبد الله رضي الله عنه: قرأت المفصل في ركعة، قال: هذاً كهذِّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين سورتين في ركعة)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، وذكر سبب هذا الكلام الذي قاله، وهو: أن رجلاً جاء إليه وقال: إنه قرأ المفصل في ركعة، قرأ المفصل، وهو أربعة أجزاء من القرآن في ركعة واحدة، فــعبد الله قال: أهذاً كهذ الشعر، يعني: سرعة، يسرع في قراءته، كما كان معروفاً عندهم الإسراع في قراءة الشعر، وهذه، والإسراع به، قال: أهذاً كهذ الشعر؟
ثم أرشد إلى النظائر التي كان يعلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يقرن بينهما في ركعة، يعني: يأتي بسورتين في ركعة، ما كان يأتي بحزب المفصل كله من أول ق إلى آخر القرآن، هذا هو المفصل، من أول ق أو من أول الحجرات؛ لأن المفصل يبدأ إما بـ (ق)، وإما بالحجرات، كما سبق أن ذكرت ذلك في درس سابق، وأنهم يجعلون القرآن سبعة أحزاب، ويقرءون في كل ليلة أو يوم حزباً، الذي هو سبع القرآن، فالسبع الآخر أو الحزب الآخر الذي هو السابع، والذي يتضمن بعض الذارايات.
فقال: لقد عرفت النظائر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الواحدة سورتين، يعني شبيه بعضهما إلى بعض، وما كان يفعل مثل هذا الفعل الذي ذكره، يعني كونه قرأ المفصل في ركعة، ومن المعلوم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطيل، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، وهي تزيد على أربعة أجزاء، وإذا استكمل آل عمران، فمعناه أنها خمسة أجزاء وزيادة، لكن هنا لما قال: إني أقرأ المفصل في ركعة، قال: هذاً كهذ الشعر، ثم أرشده إلى النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينها في ركعة.
والحاصل: أن الحديث دال على ما دل عليه الذي قبله من قراءة سورتين في ركعة.
وهذا الذي أنكره عبد الله بن مسعود، هو السرعة، يعني أنكر السرعة الشديدة التي فيها الهذ، وأما القراءة بترتيل، وبتأمل، وبتدبر، فهذا هو الذي ينبغي، وهذا هو المطلوب، وهذا هو الأفضل، لكن لو قرأ الإنسان بغير ترتيل، وبغير تمهل، ولكنه لم يسرع سرعة مفرطة، فإن ذلك سائغ؛ لأن الحافظ ابن حجر ذكر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث في صحيح البخاري: أنه لا خلاف بين العلماء بأنه يجوز قراءة القرآن من غير تدبر، ومن غير تمهل، وإن كان التدبر، والقراءة بالتدبر أفضل وأولى، هكذا قال الحافظ ابن حجر.

تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود]. إسماعيل بن مسعود، وهو أبو مسعود البصري، ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وقد مر ذكره آنفاً.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة المرادي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا وائل].
أبو وائل هو شقيق بن سلمة، الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وهذا من أنواع علوم الحديث: معرفة كنى المحدثين، وفائدة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن الحديث واحد، جاء فيه بإسناد ذكر شقيق باسمه، وجاء بإسناد آخر بكنيته، والذي ما يعرف أن شقيق بن سلمة، كنيته أبو وائل، يظن أن شقيقاً شخص، وأبو وائل شخص آخر، والحديث واحد، وهو ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عبد الله بن مسعود].
وعبد الله بن مسعود مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن رجاء أخبرنا إسرائيل عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه وأتاه رجل فقال: (إني قرأت الليلة المفصل في ركعة، فقال: هذاً كهذ الشعر، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر عشرين سورة من المفصل من آل حم)].أورد النسائي هذا الحديث، وهو: حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله من الإنكار على السرعة المفرطة التي قال عنها: هذاً كهذ الشعر، وقال: إنه عرف النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينها، فذكر عشرين سورة في عشر ركعات، قال: من المفصل من آل حم، وفي بعض النسخ: من المفصل ومن آل حم، وهذا هو المناسب؛ لأن (آل حم) ليست من المفصل؛ لأن المفصل يبدأ بـ (ق)، والسور المبدوءة (بحم) ليست من المفصل، بل المفصل إما يبدأ بـ(ق) أو بالحجرات، إما الحجرات يبدأ بها، أو يبدأ بـ(ق).
وإذاً: فالرواية التي فيها: (ومن آل حم) المناسب أنها عطف على المفصل، فليس (آل حم) من المفصل، وإنما كان يقرن بين السور من المفصل، ومن (آل حم)، يعني ومن السور التي تبدأ بحم.
والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله من الجمع بين سورتين في ركعة واحدة.

تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في النظائر التي كان يقرأ بهن النبي من طريق ثالثة

قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور، هو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبد الله بن رجاء].
عبد الله بن رجاء، وهو الغداني البصري، وهو صدوق يهم قليلاً، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا إسرائيل].
إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق، هو أخو عيسى بن يونس، الذي مر ذكره قريباً، يعني إسرائيل بن يونس، وعيسى بن يونس الذي مر ذكره آنفاً، هؤلاء أخوان، وجدهما أبو إسحاق السبيعي، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حصين].
أبو حصين، وهي كنية صاحبها: عثمان بن عاصم، وهو ثقة، ثبت، سني، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن وثاب].
يحيى بن وثاب، وهو ثقة، أخرج له الجماعة إلا أبو داود.
[عن مسروق].
وهو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
عبد الله بن مسعود، وقد مر ذكره.

الأسئلة



‏ القصر لمن يأتي المدينة زائراً ويمكث فيها

السؤال: عن العمار أو المعتمرون عندما يأتون المدينة ويمكثون فيها هل يقصرون؟
الجواب: إذا كانوا عند دخولهم المدينة، عندهم نية في البقاء أكثر من أربعة أيام، فإنهم يتمون ولا يقصرون؛ لأن حكمهم حكم المقيمين.

الجماعة في النافلة والخروج لأدائها في الصحراء


السؤال: هناك شباب يخرجون خارج المدينة لقصد صلاة النافلة جماعة، يقول السائل: ولما سألتهم عن ذلك قالوا: هناك حديث يدل على فعلنا هذا، ويزعمون أن الصلاة -أي: النافلة- بخمسين صلاة، فما حكم فعلهم هذا؟ وهل هناك حديث ورد في الخروج لصلاة النافلة في الصحراء؟

الجواب: أولاً: الخروج من أجل أن الناس يصلون جماعة نافلة ماله وجه أصلاً؛ لأن النوافل كما هو معلوم، كل يصلي وحده، ويصلي ما أمكنه، وتجوز صلاة النافلة جماعة، كما جاءت بذلك السنة، لكن الخروج للصحراء، من أجل أن الناس يصلون نافلة، ما أعلم لهذا دليلاً، وقد جاء في بعض الأحاديث: أن الصلاة في الفلاة أو كذا لها أجر، لكن لو ثبت ما يدل على أن الناس يخرجون، فيحمل على ما إذا كانوا في سفر، أو مثلاً سنحت الفرصة، أما أن يخرجوا لهذا الغرض، وأن يكون خروجهم لهذه المهمة، فلا يظهر أن هذا عمل صحيح، والحديث الذي ورد، إن كان صحيحاً -لا أدري عن صحته- لا يعني أن الناس يخرجون ليصلوا، وإنما من عرض له ذلك، أو حصل له ذلك، أما كون الجماعة يذهبون من أجل أن يصلوا فلا.
الشهادة بالجنة لغير من شهد له رسول الله
السؤال: إذا كان لا يُشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم كما علمنا، فكيف نوجه هذا الحديث يقول: (من رأيتم يعتاد في المسجد فاشهدوا له بالإيمان)؟

الجواب: الحديث هذا فيه كلام، لكن لا شك أنه دلالة على الإيمان، وأن الإنسان متصف بهذه الصفات، لكن كما هو معلوم، كونه يقال عن فلان: إنه مؤمن، أو يقال عنه: إنه مسلم، ليس فيه شهادة بالجنة، هذا شيء، وهذا شيء، الشهادة بالجنة معناه: معرفة أن الخاتمة تكون حسنة، وأنه يختم له بأن يكون من أهل الجنة، هذا معنى كونه من أهل الجنة، لكن كونه مسلماً، أو كونه مؤمناً، يمكن والعياذ بالله أن يرتد ويموت على حالة سيئة، والذي يعرف بأنه كافر، أو فاسق، يمكن أن يهتدي، ويوفق في نهاية أمره، ويختم له بخاتمة حسنة، لكن إذا قيل: فلان في الجنة، فمعناه أنه نهايته معروفة، وهذه النهاية ما تعرف طبعاً إلا عن طريق الوحي، وذلك بالثبوت عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالحديث أولاً: ليس ثابتاً: (فاشهدوا له بالإيمان)، وإن كان وصف الإيمان يوصف به فئات من المسلمين، لأعمال يقومون بها، لكن ليست الشهادة بالإيمان، أو الشهادة بالإسلام، شهادة بالجنة، وإنما شهادة بما رأوه وشاهدوه وعاينوه، لكن النهاية علمها عند الله عز وجل، قد يدرك الإنسان خذلان والعياذ بالله، فيرتد في آخر أمره، ويموت على الردة، وقد يكون الإنسان من أخبث الناس، ومن أسوأ الناس، ولكن الله عز وجل يمن عليه، ويهديه في آخر عمره، وينتهي على خير.
فالحديث هذا أولاً غير صحيح، والأمر الثاني: هذا غير ما أشرنا إليه، من أنه لا يشهد لأحد بالجنة، إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بها.

مراعاة الإمام أحوال المأمومين
السؤال: هل على الإمام أن يراعي أحوال المأمومين، بحيث يخفف الصلاة، أم عليه أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم فيطيل الصلاة؟

الجواب: عليه أن يراعي أحوال المأمومين، وإذا كان فيهم أحد يعلم بالمشقة عليه، فإنه يراعي حاله، ولكن الإطالة تكون فيما إذا أمن الإضرار بأحد، وكان يعلم من حالة الناس رغبتهم في التطويل، وكونه لا يترتب على ذلك مشقة على أحد منهم، أما إذا كان يشق على أحد منهم، ويعلم أن فيهم وراءه من يشق عليه الطول الكثير، فإنه كما هو معلوم يراعي الإنسان حال المأمومين.


الفرق بين الطهر والتطهر في آية الحيض

السؤال: ما معنى قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ )[البقرة:222]، وقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ )[البقرة:222]، هل المعنى هو الطهر من الحيض، أم الاغتسال منه؟

الجواب: الطهر والتطهر، الطهر هو الطهر من الحيض، انقطاع الحيض، والتطهر هو الاغتسال، (حَتَّى يَطْهُرْنَ )[البقرة:222]، يعني: يطهرن من الحيض، يعني: يوقف الحيض وينتهي، والتطهر هو الاغتسال.


توضؤ المستحاضة لكل صلاة

السؤال: هل على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة وجوباً أم ندباً؟

الجواب: لا، يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ لأن الحدث دائم معها، فعليها أن تتوضأ لكل صلاة.

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 02:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(189)

دلّت السُنة على جواز قراءة بعض السورة في الركعة، كما دلّت على جواز أن يتعوذ المصلي بالله إذا مر بآية عذاب، وسؤاله من فضله إذا مر بآية رحمة، وإن كان البعض قد خص ذلك بصلاة الليل، كما دلّت كذلك على جواز ترديد الآية في الركعة الواحدة.
قراءة بعض السورة





‏ شرح حديث عبد الله بن السائب في قراءة النبي بعض السورة ثم ركوعه حين أخذته سعلة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [قراءة بعض السورة.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج أخبرني محمد بن عباد حديثاً رفعه إلى ابن سفيان عن عبد الله بن السائب قال: (حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فصلى في قبل الكعبة، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره، فافتتح بسورة المؤمنون، فلما جاء ذكر موسى أو عيسى عليهما السلام أخذته سعلة فركع)].
يقول النسائي رحمه الله: باب قراءة بعض السورة في ركعة، هذه الترجمة المراد بها واضح، وهو: أنه ما تقدم من قراءة سور، أو من قراءة سورة في ركعة، أو سورتين في ركعة، فإنه كذلك لا بأس بقراءة بعض السورة في ركعة، وسبق أن مر بنا الحديث الذي فيه قراءة (المص)، وكون النبي صلى الله عليه وسلم قرأها في المغرب في ركعتين، فرقها بين الركعتين، ففيه قراءة بعض السورة في ركعة؛ لأن هذه سورة الطويلة، قسمها النبي عليه الصلاة والسلام بين ركعتي صلاة المغرب، فهو دال على الترجمة من جهة أن الركعة الواحدة قرأ فيها بعض السورة، والركعة الثانية قرأ فيها بقيتها، فالترجمة وهي: قراءة بعض السورة في ركعة، يدل عليه ذلك الحديث، وهو قراءة النبي صلى الله عليه وسلم الأعراف في ركعتين، قسمها في ركعتين.
وأورد النسائي، حديث عبد الله بن السائب رضي الله تعالى عنه: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حضر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقرأ سورة (المؤمنون)، فلما وصل إلى قصة موسى أو عيسى، أخذته سعلة فركع، يعني: كحة، فأصابه سعال فركع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقرأ في ركعة بعض السورة، لكن قد يقال: إن هذا له سبب، وهو: أنه إنما وقف عند بعضها، أو: إنما قرأ بعضها لما حصل له ذلك العارض، وهو السعال الذي حصل له، فركع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن الحديث يدل عليه في الجملة، ويدل عليه أيضاً بوضوح الحديث الذي أشرت إليه، وهو حديث قراءة النبي عليه الصلاة والسلام سورة الأعراف، قسمها في ركعتين في صلاة المغرب.

تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن السائب في قراءة النبي بعض السورة ثم ركوعه حين أخذته سعلة

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وجاء في بعض النسخ: محمد بن علي، وفي بعضها: محمد بن عبد الأعلى، وهذا هو الذي ذكره المزي في تحفة الأشراف، والغالب أيضاً على هذا الإسناد أنه يتكرر عند النسائي، وهو: محمد بن عبد الأعلى عن خالد عن شعبة، هذا الإسناد يتكرر في سنن النسائي كثيراً.
وهنا عن ابن جريج، لكن الرواية عن خالد كثيرة، ولا أدري هل مر بنا أو لم يمر بنا، كون محمد بن عبد الأعلى يروي عن غير خالد، كل الذي أذكره من كل ما مر بنا، أن محمد بن عبد الأعلى إذا جاء، فهو يروي عن خالد بن الحارث، لا أتذكر الآن أنه مر بنا أن محمد بن عبد الأعلى، يروي عن غير خالد بن الحارث البصري.
و محمد بن عبد الأعلى ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عباد].
هو محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سفيان].
وهو عبد الله بن سفيان أبو سلمة المخزومي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري ولا الترمذي.
[عن عبد الله بن السائب].
وهو صحابي، أخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
وهو مخزومي، عبد الله بن السائب المخزومي؛ أي ثلاثة مخزوميون، يروي بعضهم عن بعض، محمد بن عباد، وعبد الله بن سفيان، وعبد الله بن السا



تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب


‏ شرح حديث حذيفة في تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب

قال المصنف رحمه الله تعالى: [تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وعبد الرحمن وابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه: (أنه صلى إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ، فكان إذا مر بآية عذاب، وقف وتعوذ، وإذا مر بآية رحمة، وقف فدعا، وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التعوذ إذا مر بآية عذاب، أي: التعوذ بالله من النار، أي: سأل الله عز وجل أن يعيذه من النار.
وأورد النسائي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، أنه صلى إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فكان إذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ، وإذا مر بآية رحمة وقف فدعا.
ومحل الشاهد منه للترجمة هو الفقرة الأولى: أنه إذا مر بآية عذاب وقف وتعوذ، يعني وقف في القراءة، وتعوذ بالله من النار، وإذا مر بآية رحمة وقف ودعا، يعني: سأل الله عز وجل من رحمته وفضله.
وأيضاً الحديث فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، وهذا الذكر يذكر في هذين الموضعين من مواضع الصلاة، يعني في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، وجاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم).
قوله: (فعظموا فيه الرب) أي: سبحان ربي العظيم، فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، لكن يمكن أن يدعو في ركوعه، كما جاء في الحديث أنه كان يقول في ركوعه: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) فإن (اللهم اغفر لي) دعاء، وكان يقول في سجوده أيضاً: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، والسجود هو موطن الدعاء، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) لكن أيضاً يمكن أن يسبح الله فيه، وأن يعظم الله فيه؛ لأن قوله: (سبحان ربي الأعلى) هو تعظيم لله عز وجل، وتسبيح وثناء، لكن الركوع يعظم فيه الرب، ويكون موطن التعظيم غالباً، ولا مانع من الدعاء، والسجود موطن الدعاء، ولا مانع من التعظيم، والثناء على الله عز وجل، فإن قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) في الركوع وفي السجود يدل على هذا؛ لأن (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) فيها دعاء، وهو: (اللهم اغفر لي)، وإذا أتى بها في السجود، ففيها ثناء على الله عز وجل، وهو قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك).

تراجم رجال إسناد حديث حذيفة في تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب

قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، وهو: الملقب بندار البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى وعبد الرحمن وابن أبي عدي].
يحيى، وهو: ابن سعيد القطان، محدث، ناقد، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وعبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي وهو ثقة، ناقد، عارف بالرجال والعلل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[و ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الثلاثة، في طبقة واحدة، كلهم شيوخ لـمحمد بن بشار، يروي عنهم هذا الحديث.
[عن شعبة].
هؤلاء الثلاثة يروون عن شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي: من أعلى صيغ التعديل، والتوثيق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان].
سليمان وهو: الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي، يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره كثيراً بلقبه الأعمش، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن عبيدة].
وهو سعد بن عبيدة الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المستورد بن الأحنف].
المستورد بن الأحنف، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن صلة بن زفر].
صلة بن زفر، وهو ثقة، جليل، تابعي كبير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة].
وهو حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.




مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة



‏ شرح حديث حذيفة في مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة.أخبرنا محمد بن آدم عن حفص بن غياث عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد عن حذيفة والأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة؛ لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استجار)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة، يعني: كون القارئ يسأل الله عز وجل من رحمته وفضله، وهي مثل الترجمة السابقة، إلا أن الترجمة السابقة تعوذ، وهذه سؤال ودعاء.
والحديث الذي مر يدل على هذه الترجمة، لكن النسائي رحمه الله أورد الحديث من طريق أخرى؛ للاستدلال به على المسألة عند المرور بآية رحمة.
وأورد فيه حديث حذيفة من طريق أخرى: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة والنساء وآل عمران، لا يمر بآية رحمة إلا سأل ودعا، ولا بآية عذاب إلا استجار) يعني: طلب من الله أن يجيره، وأن يعيذه من النار، ومن العذاب.
ثم الحديث الذي مر، فيه أن ذلك كان في صلاة الليل، وأنه صلى إلى جنبه، يعني: أنه مأموم، ليس معه غيره، يفهم منه: أنه كان معه وحده؛ لأنه صلى إلى جنبه، وهذا موقف المأموم مع الإمام.

تراجم رجال إسناد حديث حذيفة في مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة

قوله: [أخبرنا محمد بن آدم].محمد بن آدم، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن حفص بن غياث].
وحفص بن غياث، وهو ثقة، فقيه، تغير قليلاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العلاء بن المسيب].
العلاء بن المسيب، وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة المرادي الكوفي، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طلحة بن يزيد].
وطلحة بن يزيد، قال عنه في التقريب: وثقه النسائي، وخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حذيفة].
هنا أسند الحديث عن طلحة عن حذيفة، لكن لكون طلحة لم يسمع من حذيفة، وحديثه مرسل، أعقبه بالإسناد الآخر الذي سبق أن مر من طريق أخرى عن طريق الأعمش، هنا قال: عن الأعمش، وهو نفس الإسناد الآخر، من سليمان إلى آخر الإسناد، فهو متصل، وهذه الطريق التي هي طلحة بن يزيد عن حذيفة مرسل، يعني فيه انقطاع، لكن ضم هذا الإسناد إليه؛ ليبين أنه متصل من غير هذه الطريق، فهذه الطريق فيها إرسال، والطريق الأخرى فيها اتصال، وهو نفس الحديث الذي مر قبل هذا، والنسائي أشار إليه في موضع آخر من السنن، وهو رقم: (ألف وستمائة وأربعة وستين)، وقال فيه: قال أبو عبد الرحمن: هو مرسل؛ لأن طلحة بن يزيدلم يسمع من حذيفة شيئاً، فلعلَّ هذا هو السبب الذي جعله هنا يأتي بالإسناد الثاني الذي فيه: أن صلة بن زفر يروي عن حذيفة.
والإسناد الآخر الأعمش ومن فوقه مر ذكرهم في الإسناد السابق.




ترديد الآية



‏ شرح حديث: (قام النبي حتى أصبح بآية: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) )

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترديد الآية.أخبرنا نوح بن حبيب حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا قدامة بن عبد الله حدثتني جسرة بنت دجاجة سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول: (قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصبح بآية، والآية: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )[المائدة:118])].

أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ترديد الآية، يعني ترديدها للتفكر، والاعتبار، والاتعاظ، وتأمل معانيها، هذا هو المقصود بالترديد؛ لأنه فيه تأمل، وفيه اعتبار، وفيه خشوع، وخضوع لله سبحانه وتعالى، عندما يردد الآية التي يكون فيها ثناء على الله عز وجل، وأن الأمر أمره، وكل شيء بفضله، وكل ما يحصل فهو بعدله، كل ثواب، وكل خير فهو بفضله وإحسانه، وكل ما يحصل بخلاف ذلك فهو بعدله سبحانه وتعالى.
وقد أورد النسائي حديث أبي ذر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قام بآية حتى الصباح، يعني حتى الصباح يرددها، وهي: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[المائدة:118].
والحديث واضح الدلالة على الترجمة، من جهة الترديد، وتكثير الترديد، والمقصود من ذلك -كما هو معلوم- هو الاعتبار، والاتعاظ، والتأمل، والتفكر في معاني كتاب الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث: (قام النبي حتى أصبح بآية: (إن تعذبهم فإنهم عبادك ...) )

قوله: [أخبرنا نوح بن حبيب].ونوح بن حبيب ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن سعيد القطان].
يحيى بن سعيد القطان، وقد مر ذكره قريباً، وهو المحدث، الناقد، البصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قدامة].
هو قدامة بن عبد الله، قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وأخرج له النسائي، وابن ماجه.
[حدثني جسرة].
وهي جسرة بنت دجاجة العامرية، وهي مقبولة، أخرج حديثها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، يعني نفس الذين خرجوا للراوي عنها، وهو قدامة بن عبد الله، وهو أيضاً عامري.
[سمعت أبا ذر].
أبو ذر رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: جندب بن جنادة، مشهور بكنيته، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه اثنان مقبولان: رجل وامرأة، عامريان، والألباني ذكره في صحيح النسائي وقال عنه: حسن، ومن المعلوم بأن الذي يوصف بأنه مقبول، يعني أنه يحتج بحديثه ويعتضد، فلعله اعتضد بشيء آخر، يعني جعله من قبيل الحسن.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 03:00 PM
الأسئلة



‏ حكم صلاة الضحى


السؤال: عن حكم صلاة الضحى؛ هل يلزم المداومة عليها؟ وهل هي سنة واجبة أم مستحبة؟

الجواب: من المعلوم أنها من آكد السنن، ومن الأشياء التي حث عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأوصى بها، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، وجاء في صحيح مسلم، من حديث أبي الدرداء قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد) وجاءت الوصية فيها عن هذين الصحابيين: أبو هريرة قال: (أوصاني خليلي) وأبو الدرداء قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم)، وكل منهما يقول بهذه الثلاث، فهي مما أوصى به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهي مستحبة.
بل إنه قد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه أنه لما قال: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، ثم قال: ويجزئ عن ذلك ركعتان من الضحى) معناه: أن هذه الصدقة التي هي على أعضاء الإنسان، وعلى مفاصل الإنسان، ركعتان من الضحى يحصل بها أداء هذه الصدقة التي هي على أعضاء الإنسان، قال في الحديث: (ويجزئ عن ذلك ركعتان من الضحى)، وجاء: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، وهي صلاة الضحى، جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضل صلاة الضحى والحث عليها.

الزيادة على المأثور في الدعاء بين السجدتين

السؤال: المصلي إذا قال بين السجدتين: رب اغفر لي ولوالدي وارحمنا ونحو ذلك، هل فعله صحيح أم لا؟

الجواب: المشروع أن الإنسان يأتي بالدعاء المشروع الوارد عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا دعا مع ذلك فلا بأس؛ لأن هذا الموطن يطول فيه الجلوس، كما جاء في بعض الأحاديث، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه كان صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه لما قام من الركوع، وقف حتى قلت في نفسي: قد نسي، ثم كذلك أيضاً لما قام من السجدة، بين السجدتين، جلس فأطال حتى قلت في نفسي: قد نسي، يعني: من طول جلوسه، لكن كونه يحرص على معرفة الوارد، ويأتي به، هذا هو الذي ينبغي، وإذا دعا لوالديه فلا بأس بذلك إن شاء الله.

معنى قوله قام حتى أصبح بآية

السؤال: ما المقصود من قوله: (قام حتى أصبح بآية)؟

الجواب: يعني: حتى قام الصباح، معناه أنه طول الليل وهو يرددها.

الترديد في الفريضة

السؤال: هل يجوز الترديد في الفريضة؟

الجواب: الترديد القليل يمكن؛ لأن الفريضة وكون الإنسان يصلي بالناس، مطلوب منه ألا يشق عليهم، فالترديد الخفيف الذي هو قليل لا بأس به، لكن الترديد الطويل الذي يترتب عليه مشقة، ما نعلم شيئاً يدل عليه، لكن إذا رددها مرة، أو مرتين، لا بأس بذلك إن شاء الله.

قول النسائي والأعمش عن سعد

السؤال: قول النسائي، والأعمش: عن سعد، هل هذا معلق أم ماذا حفظكم الله؟

الجواب: ليس معلقاً، لكن الإسناد الثاني بدأ منه وانتهى إلى حذيفة من أجل الإسناد الأول المرسل.

إطعام مسكين واحد كفارة إفطار شهر رمضان


السؤال: من أفطر في رمضان لكبر السن؛ هل الإطعام للستين مسكيناً تكون لعددهم ستين، أم أنه يجوز له أن يعطيها لواحد؟الجواب: يطعم كل يوم مسكيناً، فتكون ثلاثين، ما تصير ستين، يعني المقصود أنه ليس بلازم أن يبحث عن ثلاثين مسكيناً، ويوزعها عليهم، بل لو أعطاها مثلاً لأهل بيت مكونين من عشرة، يطعمهم ثلاثة أيام، حصل المقصود بهذا؛ لأنه لا يشترط أن توزع على ثلاثين مسكيناً، وأنه لو أعطيت لعشرة مساكين لمدة ثلاثة أيام، أن ذلك لا يصح، لا، المقصود إطعام، وإذا أطعم مسكيناً ثلاثة أيام فقد صدق عليه أنه أطعم ثلاثة مساكين؛ لأن المقصود إطعام يوم.

موضع سجود السهو لمن زاد سجدة في صلاته


السؤال: إذا سجد الإمام ثلاث سجدات، فكيف يفعل بتلك الركعة؟ وما الحكم إذا كانت هي آخر ركعة؟

الجواب: طبعاً هي زائدة، يعني إذا كان ما تنبه لها إلا بعد، فيسجد للسهو بعد السلام؛ لأنها زيادة في الصلاة، وسواء كانت في آخر ركعة، أو في أول ركعة، ما دام أنها زائدة، الزيادة هذه تلغى، والاثنتان هي التي حصل بها أداء الواجب، ولكنه لا بد من السجود للسهو، ويكون بعد السلام؛ لأنه زيادة.

الفرق بين زيادة الثقة والشاذ

السؤال: ما الفرق بين زيادة الثقة والشاذ، يقول: فهذا الأخير تفرد ثقة بما لم يروه الثقات؟

الجواب: لا، أبداً؛ لأن الثقة إذا خالف الثقات صار حديثه شاذاً، لكن كونه يأتي بحديث، أو يتفرد بزيادة، فهذه مثل الحديث المستقل، لو جاء بإسناد عنه، وأتى بهذه الزيادة المستقلة، هي مثل الحديث المستقل، فهذا غير الشاذ، الشاذ أن يروي خلاف ما روى غيره، ولا بد من تقديم رواية غيره عليه، ذاك محفوظ وهذا شاذ، وإن كان ظاهره الصحة، وإن كان مستقيم من حيث الإسناد، لكن زيادة الثقة: أتى بما لم يأت به غيره، ما خالف غيره، بكونه أتى بشيء يخالفه، يعني أتى بما حفظ، وذاك حفظ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فهي مثل الحديث المستقل تماماً.
مثال ذلك: الحديث الذي فيه: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الذكر والحر والعبد والصغير والكبير من المسلمين) كلمة (المسلمين) هذه زيادة ثقة؛ لأنها دلت على أن الكافر ما يزكى عنه: ما يخرج عنه زكاة فطر، فهي زيادة ثقة، فهي كما لو جاءت في حديث مستقل، لو جاء في إسناد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إنه لا يخرج زكاة عن كافر، يعني هي بمثابة حديث مستقل، فالشذوذ: كونه يخالف غيره في الرواية، غيره يرويه على نحو، وهذا يرويه على نحو لا يمكن أن يوفق بينهما.
وأنا سبق أن ذكرت مثال لهذا، أو أمثلة: حديث صلاة الكسوف، الرسول صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف مرة واحدة، وروى الثقات أن الركعة فيها ركوعان، بعض الثقات روى أن الركعة فيها ثلاثة ركوعات، وهي صلاة واحدة، كلهم يتحدثون عن صلاة واحدة، إذاً: هذا شاذ، وهذا محفوظ؛ لأن هذا روى خلاف ما رواه غيره، وإن كان الإسناد متصلاً، وإن كان الإسناد صحيحاً، ورجاله ثقات، وهذا في صحيح مسلم، يعني هذا الثلاثة ركوعات في ركعة واحدة، هذا في صحيح مسلم، لكنه من قبيل الشاذ؛ لأنه مخالف للثقات الذين رووا ركوعين.
ومثل أيضاً الذي في صحيح مسلم: الحديث الذي فيه قصة السبعين الألف، الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، بعض الرواة في صحيح مسلم رووا: (لا يرقون)، بدل (يسترقون)، يرقون، طبعاً هذه شاذة؛ لأن الثقات رووا: يسترقون، وكلمة (يرقون)، يعني الرسول رقى، وهو سيد المتوكلين عليه الصلاة والسلام، لكنه ما استرقى، رقى وما استرقى، فإذاً: القضية قضية حديث واحد ثقات رووه يسترقون وهم كثيرون، وبعض الثقات رواه: يرقون، فيرقون شاذة، ويسترقون هي المحفوظة.

الإسرار في الصلاة الجهرية

السؤال: ما حكم من أسر في صلاة جهرية في الصلاة؟

الجواب: تصح الصلاة، لكنه خلاف السنة، يعني لو جهر في سرية، أو أسر في جهرية، تصح الصلاة، لكن فيه مخالفة للسنة، وإذا حصل نسيان فإنه يسجد للسهو، إذا حصل منه ذلك نسياناً، فإنه يسجد للسهو.

الجهر في إتمام الفائتة

السؤال: عند إتمام الفائتة بالنسبة للفريضة، هل يجهر أو لا؟

الجواب: إذا فاتته الركعات أو بعضها، بأن فاته ركعة واحدة، فإنه يجهر فيما يجهر فيه، بحيث لا يؤذي أحداً بجهره، أما إذا كان يترتب على جهره إيذاء، أو تشويش على أحد، فإنه لا يجهر، بل يسر، وأما إذا أدرك ركعتين، وبقي عليه ركعتان، فالركعتان الأخيرتان هي آخر صلاته، فلا يجهر بها، مثل صلاة الإمام، الركعتان الأوليان يجهر بها، والأخيرة يسر بها، وما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، فإذا كان أدرك ركعتين، فالركعتان التي أدركهما هما أول صلاته، والركعتان التي يقضيهما آخر صلاته، لكنه لو أدرك ركعة واحدة، فهذه الركعة التي هي الأولى من الثلاث التي يقضيها، طبعاً هي يجهر بها، فإذا كان لا يترتب على الجهر أذى، وتشويش على أحد، يجهر، وإذا كان يترتب عليه، فإنه يسر كما يكون في الركعتين الأخيرتين.

تقليد مذهب أحد الأئمة الأربعة

السؤال: هل للرجل أن يقلد مذهب أحد الأئمة الأربعة، أم عليه اتباع الحديث؟

الجواب: الإنسان الذي يتمكن من معرفة الحق، عليه أن يأخذ بالدليل، وهذا هو مقتضى وصايا الأئمة الأربعة، وغيرهم من علماء أهل السنة الذين يرشدون إلى اتباع الدليل، وإلى اتباع السنة، متى ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن الإنسان الذي ما عنده أحد يبصره، ما عنده قدرة، ولا عنده أحد يبصره، يفتيه ويبين له كيف يعمل، فإنه يتعلم مذهباً من المذاهب، ويتعبد الله تعالى به، وهذا هو الذي يمكنه أن يفعله، والله تعالى يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[التغابن:16]، لكنه إذا تمكن من أن يجد أحداً يرجع إليه في بعض المسائل، أو يدله على أن الدليل هو كذا وكذا، وهو ممن يوثق بعلمه ودينه، فإنه يأخذ بما يفتيه به.


ترتيب أدلة الشرع

السؤال: ما هو ترتيب أدلة الشرع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس؟

الجواب: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، كلها من الأدلة التي تثبت بها الأحكام، والقياس قد جاء الكتاب والسنة بالإرشاد إليه، والأخذ به حيث لا يوجد الدليل، أما إذا وجد الدليل، فإنه لا قياس مع النص، النص مقدم على القياس، وإنما القياس يحتاج إليه حيث لا يوجد، ومن المعلوم أن الكتاب هو الأصل، ثم السنة، وكذلك الإجماع، والإجماع هو لا يكون إلا عن دليل من كتاب أو سنة، ومن العلماء من يقدم الإجماع، يعني ويقول: إن الإجماع لا يترتب عليه ما يحتمل النسخ؛ لأن الأمة إذا أجمعت على شيء، فهو لا يكون منسوخاً، لكن كما هو معلوم بعض الإجماعات لا تكون مسلَّمة، وقد يكون فيها خلاف، ومن العلماء من يدعي أنها مسألة إجماعية وفيها خلاف، ومن العلماء أيضاً من يكون له اصطلاح في الإجماع، فمخالفة الواحد للاثنين يحكيها إجماعاً مع أنه لا إجماع فيها، فأدلة الأحكام هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والقياس هو طبعاً: إلحاق فرع بأصل في حكم الأصل، وذلك إلحاق ما لم يرد في الكتاب والسنة بما ورد في الكتاب والسنة.

استناد الإجماع إلى غير دليل

السؤال: هل يمكن أن يكون هناك إجماع على أمر ما، وليس هناك دليل من كتاب ولا سنة؟

الجواب: المعروف نعم، من العلماء من يقول: إن الإجماع قد ينعقد على غير دليل، والأمة لا تجتمع على ضلالة، لكن بعض العلماء يقول: إن الإجماع إذا وجد فهو مستند إلى نص، ولا يكون إجماع خالياً من نص، وذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إن الإجماع لا يكون إلا مستنداً إلى نص، ثم بين -وذلك في رسالة له صغيرة اسمها: معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول- هذه المسألة في هذا الكتاب، وذكر الخلاف وقال: إن الصحيح أنه ما من مسألة أجمع عليها، إلا وفيها نص، ثم حكى عن ابن حزم في كتابه: مراتب الإجماع، قال: إنه ما من مسألة، أو لا أعلم مسألة أجمع عليها إلا ومستندها إلى نص، إلا القراض، قال: حاشا القراض، الذي هو المضاربة، ثم قال ابن تيمية: إن القراض أيضاً ثبت فيه النص، وهو أن هذه المعاملة كانت معلومة في الجاهلية.

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 03:03 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(190)


قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)

نبه الشرع الحكيم على التوسط في رفع الصوت بالقرآن الكريم وعدم الجهر به إلا إذا لم يكن هناك أذية للآخرين، ويستحب تزيين القرآن الكريم بالصوت الحسن، لأنه يزيده حسناً.

قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)
شرح حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )[الإسراء:110].أخبرنا أحمد بن منيع ويعقوب بن إبراهيم الدورقي قالا: حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر جعفر بن أبي وحشية وهو ابن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: ((وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )[الإسراء:110]، قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته. وقال ابن منيع: يجهر بالقرآن، وكان المشركون إذا سمعوا صوته سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، فقال الله عز وجل لنبيه: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ )[الإسراء:110]، أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، (وَلا تُخَافِتْ بِهَا )[الإسراء:110]، عن أصحابك فلا يسمعوا، (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا )[الإسراء:110])].

يقول النسائي رحمه الله: قول الله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )[الإسراء:110]، المراد من هذه الترجمة بيان سبب نزول هذه الآية، والمراد بها أو تفسيرها وبيان معناها، وأورد فيه النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا )[الإسراء:110]، قال: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مختف، فكان إذا رفع صوته بالقراءة وهو يصلي بأصحابه سب المشركون القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به، وإذا خافت به وأسر، فإن أصحابه لا يسمعون قراءته، فأمره الله عز وجل بالتوسط بين الرفع الذي يكون معه سماع الكفار، وما يترتب على ذلك من الأذى، وبين المخافتة والإخفاء الذي لا يسمعه أصحابه، وإنما يكون وسطاً بين هذا وهذا، فلا يحصل رفع الصوت بالقرآن؛ لئلا يسمعه الكفار، فيسبونه، ويسبون من أنزله، ومن جاء به، ولا تحصل المخافتة بحيث لا يسمعه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما تكون قراءة متوسطة، فالصوت يكون خافتاً بحيث يسمعه من وراءه، ولا يسمعه الكفار فيترتب على ذلك ما يترتب من الأذى.

ففي هذا الذي جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير هذه الآية، وبيان المراد منها، وبيان سبب نزولها، وفيه أن السنة تفسر القرآن، وتبينه، وتدل عليه؛ لأن سبب النزول، ومعرفة سبب النزول، يعين على فهم المعنى، وعلى معرفة المعنى.
وإذاً: فالنهي عن الرفع بالصوت له سبب وله حكمة، والقراءة المتوسطة التي لا يكون معها إخفاء، أيضاً من ورائها فائدة، ويترتب عليها مصلحة، فأُمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبتغي بين ذلك سبيلاً، وهي أن يتخذ طريقاً وسطاً يحصل من ورائه فائدة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام من قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يحصل الذي يُخشى من السب من المشركين للقرآن ومن أنزله ومن جاء به.
وقوله: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ )[الإسراء:110]، المراد به كما جاء في الحديث: القراءة، يعني: لا يجهر بالقراءة في الصلاة، وإنما يكون الجهر بحيث يسمعه أصحابه، ولا يكون الجهر الرفيع العالي الذي يمكن أن يسمعه الكفار، فيسبون الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرآن، وفي الآية الكريمة دلالة على درء المفاسد، وأن رفع الصوت وإن كان به فائدة وهي مصلحة، فإنه يخفض الصوت بحيث لا يترتب على ذلك المفسدة التي تخشى من ورائه، ولكن الرفع يكون نسبياً بحيث يستفيد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يفوتهم سماع قراءة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ...)

قوله: [أخبرنا أحمد بن منيع].أحمد بن منيع، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ويعقوب بن إبراهيم الدورقي].
وهو ثقة، حافظ، خرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشيم].
هشيم هو: ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع كعن أو قال، وأما الإرسال الخفي فهو: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه؛ لأن هذا سمي إرسالاً خفي؛ لأنه يوهم الاتصال؛ لأنه في زمانه، ويمكن أن يروي عنه، لكن لكونه لم يلقه، فإذا أسند إليه يكون مرسلاً، لكنه مرسل خفي.
والمرسل الجلي هو: أن يروي إنسان عمن لم يدرك عصره، فإن هذا يكون الأمر واضحاً بأن فيه سقط، وفيه تجاوز وحذف، فهناك إرسال واضح وإرسال خفي، إرسال واضح هو أن يروي الراوي عمن لم يدرك عصره بأن يقول: قال فلان أو عن فلان، هذا هو الإرسال الواضح الجلي، والإرسال الخفي أن يروي عمن أدرك عصره ولم يلقه؛ لأن كونه معاصر له، يحتمل معه أن يكون قد سمعه، فيتوهم من يتوهم بأن فيه اتصال، لكن الذي يعلم بأنه ما حصل لقاء أصلاً، وإن وجدت له المعاصرة، فإنه يكون من قبيل الإرسال الخفي.
[حدثنا أبو بشر جعفر بن أبي وحشية].
أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وهو: ابن إياس، جعفر بن إياس الذي يقال له، أي: لأبيه: ابن أبي وحشية، فلما قال جعفر بن أبي وحشية، قال: وهو: ابن إياس، يعني أبوه إياس، وجعفر بن إياس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ويقال عن جعفر هذا: إنه أثبت الناس في سعيد بن جبير.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
ابن عباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، والذين أطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهؤلاء الأربعة يقال لهم: العبادلة الأربعة في الصحابة، وفي الصحابة من يسمى عبد الله سواهم، مثل عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن قيس الأشعري أبو موسى الأشعري وغيرهم، لكن هؤلاء الأربعة هم الذين اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
قوله: [وهو ابن إياس].
هذه الذي ذكرها هو من دون هشيم بن بشير الذي روى عن جعفر بن أبي وحشية، يعني: من دون هشيم هو الذي زادها ليوضح أباه ويسمي أباه، فاحتاج إلى ذلك لما أراد أن يوضح من دون تلميذه وهو هشيم أتى بكلمة (هو) الدالة على أن هذه الزيادة، أو هذه الإضافة التي فيها توضيح ليست من تلميذ الراوي، ولكن ممن دون تلميذه الذي هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، أو أحمد بن منيع، أو النسائي، أو من دون النسائي.
وفي الحديث الذي تقدم يعني النسائي رواه عن شيخين، لكن أحدهما زاد: يجهر بالقرآن أو يجهر به، وهو أحمد بن منيع ؛ لأن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ما أتى بهذه الزيادة التي هي قوله: (يجهر بالقرآن أو يجهر به)، وإنما هذه من لفظ شيخه الأول، من الشيخين اللذين أسند عنهما وهو أحمد بن منيع، يعني ذكر القدر المشترك، لكنه ذكر لفظاً زاده أحد الشيخين وهو أحمد بن منيع وهو قوله: (يجهر به، أو يجهر بالقرآن).
شرح حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ...) من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بالقرآن، وكان المشركون إذا سمعوا صوته سبوا القرآن ومن جاء به، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخفض صوته بالقرآن ما كان يسمعه أصحابه، فأنزل الله عز وجل: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا )[الإسراء:110])].وهذه طريق أخرى لحديث ابن عباس فيها ما في التي قبلها، أنه لما كان يرفع صوته يسمعه المشركون فيسبون القرآن ومن جاء به، فكان يخفضه خفضاً لا يسمعه أصحابه، فأمر بأن يتخذ طريقاً وسطاً، وهي أن يرفع صوته قليلاً بحيث يسمعه أصحابه الذين وراءه، ولا يسمعه المشركون.
والحديث من أدلة سد الذرائع؛ لأنه لما كان رفع الصوت ذريعة ووسيلة إلى السب، جاء الأمر بخفضه خفضاً لا يسمع معه المشركون، ويسمع معه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو من أدلة سد الذرائع، وأدلة سد الذرائع كثيرة، قد جمع ابن القيم منها في كتابه إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً، أو مثالاً من الأمثلة التي تدل على سد الذرائع، وذكرها في ذلك الكتاب الذي هو كتاب إعلام الموقعين، وهو كتاب نفيس عظيم، عظيم القدر جليل الفائدة، الكتاب فيه الحِكم والأحكام، أحكام الشريعة وحكمها، وهو كتاب عظيم، مما اشتمل عليه أنه أورد تسعة وتسعين دليلاً على سد الذرائع.
والحديث الذي معنا هو من الأحاديث الدالة على سد الذرائع؛ لأنه نهي أن يرفع الصوت؛ لأنه ذريعة إلى سماع الكفار له، وسبهم للقرآن ومن أنزله ومن جاء به.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].محمد بن قدامة، وهو: المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش، وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره باللقب أحياناً كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم في بعض المواضع، وفائدة معرفة الألقاب ألا يظن الواحد شخصين بحيث يظن من لا يعرف أن سليمان شخص، وأن الأعمش شخص آخر، ومن عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لم يلتبس عليه الأمر، وعلم أنهما شخص واحد وليسا شخصين، وحديث الأعمش أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[جعفر بن إياس].
هو ابن أبي وحشية الذي تقدم، وكذلك جعفر بن إياس، وسعيد بن جبير، وابن عباس، مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
رفع الصوت بالقرآن
شرح حديث أم هانئ: (كنت أسمع قراءة النبي وأنا على عريشي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الصوت بالقرآن.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن وكيع حدثنا مسعر عن أبي العلاء عن يحيى بن جعدة عن أم هانئ رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا على عريشي)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع الصوت بالقرآن، ورفع الصوت بالقرآن إذا لم يكن هناك أحد يتأذى به، فإنه يرفع الصوت به حيث لا يحصل أذى، أما إذا كان سيتأذى، بأن يكون الإنسان يقرأ في الليل، ويرفع صوته، ويشوش على الناس الآخرين، ويمنعهم من النوم، فلا يرفع الصوت بالقرآن.
أورد النسائي هذه الترجمة التي فيها حصول رفع الصوت بالقرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأورد تحتها حديث أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت: (كنت أسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي) معناه: أنها كانت تسمع قراءته، وذلك لا يتأتى إلا برفع صوته عليه الصلاة والسلام.
والعريش قيل: هو ما يستظل به من ما يتخذ ليستظل به، ويقال: إن بيوت مكة كان فيها ما هو كذلك؛ لأنهم يتخذونها من الأعواد، فالمقصود أن النبي عليه الصلاة والسلام رفع صوته، وأم هانئ سمعته وهي على عريشها في بيتها.

تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ: (كنت أسمع قراءة النبي وأنا على عريشي)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي].
يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن وكيع].
وكيع، وهو: ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مسعر].
هو مسعر بن كدام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي العلاء].
هو أبو العلاء هلال بن خباب العبدي، وهو صدوق، تغير حفظه بآخره، وأخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن يحيى بن جعدة].
يحيى بن جعدة المخزومي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له في السنن، وإنما أخرج له في كتابه الشمائل، أخرج له أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أم هانئ].
أم هانئ وهي بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وهي صحابية، روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث، وقيل: اسمها فاختة، وقيل: اسمها هند، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
مد الصوت بالقراءة
شرح حديث أنس في قراءة النبي: (كان يمد صوته مداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مد الصوت بالقراءة.
أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا جرير بن حازم عن قتادة قال: (سألت أنساً رضي الله عنه كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يمد صوته مداً)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب مد الصوت بالقراءة. المقصود من ذلك هو مد الحروف والكلمات التي تحتاج إلى مد، وإطالة؛ لأن الأول يتعلق برفع الصوت، وكونه يسمع من مكان بعيد، وأما هذا فيتعلق بالمد والترتيل، يعني: مد ما يحتاج إلى مد، وترتيل القراءة.
وأورد النسائي فيه حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد صوته مداً، يعني: يمد صوته بالقراءة مداً، بأن يمد في المواضع التي يمد بها، أو يحتاج فيها إلى مد.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في قراءة النبي: (كان يمد صوته مداً)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكره في الكلام على الرجال بـالفلاس، قال الفلاس كذا، ضعفه الفلاس، وثقه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، يأتي ذكره كثيراً بلقب الفلاس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، عالم بالرجال والعلل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جرير بن حازم].
جرير بن حازم، وهو ثقة، وفي حديثه عن قتادة ضعف، وهو هنا يروي عن قتادة، لكن الحديث في صحيح البخاري وفي غيره بهذا الإسناد، ومن رواية جرير بن حازم عن قتادة عن أنس بن مالك الذي هو هذا اللفظ لفظ هذا الحديث، وجرير بن حازم أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنس بن مالك]. رضي الله عنه.
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-09-2026, 03:05 PM
تزيين القرآن بالصوت
شرح حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [تزيين القرآن بالصوت.أخبرنا علي بن حجر حدثنا جرير عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تزيين القرآن بالصوت، والمراد بذلك: تزيين القراءة بصوت القارئ، يعني بحيث يقرأ القرآن بصوت فيه تأثير على السامعين؛ لما يكون فيه من الاعتبار والاتعاظ، وإظهار الحروف، وكون القراءة يكون فيها حسن، وذلك بعناية القارئ، وإخراج الحروف، ومد ما يحتاج إلى مد، هذا هو المراد بالتزيين، يعني: التزيين هو التحسين، ومن المعلوم أن القارئ الذي حسن الصوت بالقرآن له تأثير على من يسمعه، والناس يتفاوتون في القراءة، فمن الناس من يقرأ القرآن ولا يكون لسامعه التأثر الذي يكون له مما لو سمعه من شخص آخر، يكون حسن الصوت بالقرآن.
فالمراد بالترجمة تزيين القراءة بالصوت، القارئ الذي يقرأ القرآن يحسن صوته بالقراءة، ومن العلماء من قال: إن القرآن يراد به القرآن، والمراد بذلك أن الكلام الحسن إذا قرئ بصوت حسن، يكون له وقع غير الوقع الذي لو تلي بقراءة أخرى وبصوت آخر لا يحصل، لكن الأظهر فيه أن المراد بذلك تزيين القراءة؛ لأن هذا هو عمل الإنسان، عمل الإنسان أنه يزين فعله وقراءته، هذا هو الذي يفعله الإنسان ويمكن للإنسان، ولهذا البخاري رحمه الله أورد هذا الحديث في خلق أفعال العباد للاستدلال به على أن القراءة هي فعل القارئ، وأن توصف بالحسن، وتوصف بغيرها بالنسبة للصوت، وأنه منهم من يكون حسن الصوت، ومنهم من لا يكون، وأنه يتعلق بفعل الإنسان وهو التزيين: تزيين القراءة بالصوت الحسن، والإجادة في القراءة، أورد هذا الحديث في كتابه خلق أفعال العباد؛ للاستدلال به على أن قراءة الإنسان من فعله، وأنها من كسبه، وأنها تكون حسنة، وتكون القراءة غير حسنة، في حالة عدم الإجادة به، يعني في القراءة.
فإذاً: قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) يعني: زينوا القراءة، والقرآن يأتي ويراد به القراءة في مواضع كثيرة، ومنها قول الله عز وجل: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ )[الإسراء:78]، يعني: قراءة الفجر، (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ )[القيامة:17]، أي: قراءته، (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ )[القيامة:18]، أي: اتبع قراءته، فإن المراد بالقرآن هنا القراءة، فالقرآن يأتي ويراد به كلام الله عز وجل، ويأتي ويراد به قراءة كلام الله عز وجل، وهنا: (زينوا القرآن) يعني: زينوا قراءة كلام الله عز وجل بأصواتكم.
تراجم رجال إسناد حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].علي بن حجر، وهو: ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو متأخر قليلاً عن جرير بن حازم؛ لأن جرير بن حازم مرة النسائي يروي عنه بواسطتين، وهنا يروي عنه بواسطة، وكثيراً ما يروي عنه بواسطة جرير بن عبد الحميد، وأما جرير بن حازم فهو يروي عنه بواسطتين.
[عن الأعمش].
الأعمش، مر ذكره.
[عن طلحة بن مصرف].
طلحة بن مصرف، وهو الكوفي، وهو ثقة، قارئ، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن عوسجة].
عبد الرحمن بن عوسجة، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن البراء].
البراء بن عازب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم). قال ابن عوسجة: كنت نسيت هذه (زينوا القرآن) حتى ذكرنيه الضحاك بن مزاحم].أورد النسائي هذا الحديث من طريق أخرى إلى البراء بن عازب رضي الله عنه: (زينوا القرآن بأصواتكم)، وفيه قول ابن عوسجة في هذا الإسناد عبد الرحمن بن عوسجة: كنت نسيت هذه اللفظة وهي: (زينوا القرآن) حتى ذكرنيها الضحاك بن مزاحم.

تراجم رجال إسناد حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي، هو: الفلاس، وقد مر ذكره قريباً.

[حدثنا يحيى].
يحيى بن سعيد القطان، وقد مر ذكره.
يحيى بن سعيد القطان، ثقة، ناقد، ممن كلامه في الرجال كثير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، أمير المؤمنين في الحديث كما وصفه بذلك بعض أهل العلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني طلحة عن عبد الرحمن عن البراء].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة

التعوذ وسؤال الرحمة في الآيات مستحب وليس بواجب
السؤال: هذا السائل يقول: هل التعوذ بآية العذاب، أو السؤال بآية الرحمة أمر واجب أم مستحب؟
الجواب: ليس بواجب، وإنما هو مستحب وسائغ، إذا فعله الإنسان لا بأس، وإذا ما فعله فما عليه شيء، وهذا إنما هو في النوافل.

معنى قول النسائي: (وقال ابن منيع)
السؤال: هذا السائل يقول: قول النسائي رحمه الله: وقال ابن منيع: يجهر بالقرآن، هل هو من زيادة الثقة أو الثقات؟
الجواب: هو بدل ما يأتي بإسناد أحمد بن منيع على حده، ويأتي بلفظه، ثم يأتي بإسناد يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثم يأتي بلفظه، جمعهما، لكن لما كان أحدهما زاد شيئاً، ذكر هذا الذي انفرد به يحيى، وذكر ما انفرد به ابن منيع؛ لأنه لو قال: يجهر به وسكت وما قال من الذي قالها لفهم أنه يعني للاثنين أحمد بن منيع والدورقي، وإن كان الذي قال ليس بلازم؛ لأنه أحياناً يسوقه عن شيخين ويكون عن أحدهما، يكون اللفظ عن أحدهما، والآخر بالمعنى، لكنه هنا فيه ضعف، وهو أن أحمد بن منيع انفرد بهذه اللفظة التي هي (يجهر به)، وكان يرفع صوته بالقرآن، أي: بمعنى يجهر به؛ لأن رفع الصوت هو: الجهر، أي: ما فيه معنى جديد، إلا أن فيه زيادة لفظ يوضح، أو أنها بدل يرفع صوته، فقوله: (يجهر به): يدل على أنها زائدة للتوضيح، وهي بمعنى يرفع صوته بالقرآن، لا فرق بينهما.

تفسير (ما) في الحديث: (ما كان يسمعه أصحابه)
حكم الجهر والإسرار في صلاة المنفرد أو المسبوق
السؤال: يقول: ما حكم الجهر والإسرار في صلاة المنفرد أو المسبوق في الصلاة الجهرية؟ هل يجهر أم يسر؟
الجواب: يجهر، ولكن إذا كان يتأذى بالجهر أحد لا يفعل، والمسبوق لا يجهر إلا إذا كان سبق بالركعات التي يكون فيها قراءة، مثل كونه مثلاً أدرك من العشاء ركعة واحدة وفاتته ثلاث ركعات، أي: أدرك ركعة واحدة وفاتته ثلاث ركعات، فيجهر إذا قام في ركعة واحدة: التي يجهر بها، والركعتين الأخيرتين لا جهر فيها، ولو أنه أدرك مثلاً ركعتين وبقي ركعتان، ففي الركعتين الأخيرتين لا يجهر؛ لأن صلاة المسبوق التي يقضيها هي آخرها وليس أولها، والمسألة خلافية كما ذكرت، فبعض العلماء يقول: إن ما يقضيه المسبوق أول صلاته، لكن الصحيح أن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، الأول أول، والآخر آخر.
إتمام المسافر المؤتم بعد إمام ظنه مقيما
السؤال: رجل كان مسافراً وأدرك الصلاة وراء إمام مسافر، وهو يظن أنه مقيم فأتم الصلاة بعده، فهل صلاته صحيحة؟
الجواب: صحيحة، لا بأس، صلاته صحيحة؛ لأن المسافر لو صلى أربعاً صحت صلاته، لكن السنة أن يصلي ركعتين، وهو الآن ما دام أنه يظن أنه مقيم، والمقيم تسن الصلاة وراءه، ولا تقصر وراءه، فعمله صحيح، وصلاته صحيحة.
معنى السلم في باب البيوع مع بيان شروطه
السؤال: ما معنى السلم في باب البيوع؟
الجواب: السلم ويقال له: السلف، لكنه ليس السلف المشهور عند الناس الذي هو القرض؛ لأن السلف.. والقرض يقال له سلف، لكن السلم والسلف معناهما: تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، عكس البيع المؤجل الذي هو تعجيل المثمن وتأجيل الثمن، يعني: البيع بالغائب هو: تعجيل المثمن وتأجيل الثمن، وأما السلم عكسه: تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، يعني يأتي إنسان إلى صاحب حائط، ويتفق معه على أنه يشتري منه شيئاً من ثمر النخل بمقدار كذا، ويعطيه النقود، وإذا جاء وقت الجذاذ يوفيه المثمن، هو سائغ، وهو تعجيل الثمن وتأجيل المثمن، عكس البيع المؤجل الذي هو تعجيل المثمن وتأجيل الثمن، عكسه السلف.
والسلم والسلف هما لغتان، إلا أن لغة أهل العراق: السلم، أو الذي يغلب عند أهل العراق: السلم، والذي يغلب عند أهل الحجاز: السلف، ويمكن للإنسان أن يعرف أن لغة أهل الحجاز السلف بأن يتذكر الحديث: قدم المدينة وهم يسلفون، يعني عبر عنهم بالإسلاف، قدم المدينة وهم يسلفون، يعني: هذه لغة أهل الحجاز، أنهم يعبرون عنه بالسلف، وأما لغة أهل العراق فإنهم يعبرون عنه بالسلم، ولهذا يأتي في كتب الفقهاء من أهل العراق مثل الحنابلة، والحنفية، يأتي ذكر السلم، ويأتي عند الفقهاء في الحجاز السلف، مثل القراض والمضاربة، القراض لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق، يعني كلمتان معناهما واحد، إلا أن واحدة يغلب استعمالها في بلد، والثانية يغلب استعمالها في بلد، وكلهما اسمان لمسمىً واحد، إلا أن هذا الاسم يغلب في بلد، وهذا الاسم يغلب في بلد آخر.
(من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم) يعني له شروط منها: أن يكون الأجل معلوماً، وأن يكون المقدار معلوماً، وأن يقبض الثمن، يعني لا يكون مؤجلاً؛ لأنه يكون غائباً بغائب، وإنما يعجل الثمن ويؤجل المثمن.

حكم تعلم التجويد
السؤال: ما حكم تعلم التجويد؟
الجواب: هذا من الأمور المستحبة وليست واجبة.
هو أورد قول ابن الجزري يقول:
والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم
أنا ذكرت قريباً عند حديث: (أهذاً كهذ الشعر) أن ابن حجر قال عند شرحه في صحيح البخاري: لا خلاف بين العلماء أن القراءة بدون تدبر وبدون ترتيل، يعني المراد به السرعة التي ليست مفرطة، أنه سائغ، وإن كانت القراءة مع الترتيل والتأمل والتدبر، أولى وأفضل، فيقول: لا خلاف بين العلماء في أن القراءة بدون ذلك تكون جائزة.
السلم جاء فيه أنه كيل معلوم ووزن معلوم
السؤال: هل يكون السلم هذا في سلعة العسل وما شابهها من السلع الأخرى؟
الجواب: هو جاء في كيل معلوم ووزن معلوم، يمكن أن يكون؛ لأنه يعني في وزن يصير معلوماً.
السؤال: ويقول: هل يجوز أن يقول الذي أخذ الدين لمن أعطاه: سأسدده لك خلال أسبوع أو شهر، ويكون هذا من الأجل المسمى؟
الجواب: هذا ليس من السلم، هذا معناه أنه إذا كان عنده شيء جاهز، وعنده شيء موجود، فيمكن أن يكون البيع بدون سلم، لكن السلم جاءت مشروعيته لما في ذلك من المصلحة، وهي كون مالك البستان ومالك الثمرة يحصل شيئاً من النقود يستعين بها على إصلاح زرعه، وإصلاح نخله، فعجل الثمن، وأجل المثمن، وأما إذا كان الشيء موجوداً، فهذا ما يحتاج إلى السلم، ما يقال له: سلم، وإنما السلم يحتاج إلى شيء يترتب عليه مصلحة، وهي أمد، مثلما لو أعطاه سلعة وقال: أنا آتي لك بالثمن بعد قليل، أو عجل له الثمن، يعني لا بأس به، لكن ما يقال: إن هذا من السلم؛ لأن السلم يحتاج إلى وقت؛ لأنه يكون عنده حصول الثمار، ويحتاج إليه صاحب الثمار من أجل أن يصلح مزرعته، ونخله وما إلى ذلك، فأبيح له أن يبيع هذا الذي لم يوجد الذي هو الثمرة، ويأخذ ثمنها، فهو مستثنى من بيع ما لم يكن موجوداً عند الإنسان؛ لأن هذا فيه بيع ما لم يوجد، لأنه يقول من هذا المثل، وإن شاء الله من هذه الثمرة عندما يحمل النخل، أعطيك، وأوفيك.
خلق الله الخلق بكلامه
نسبة الخلق ليد الله
السؤال: وهل يصح أن نقول: إن الله يخلق بيده؛ لقوله: ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )[ص:75]؟

الجواب: هو بالنسبة لآدم خلقه بيديه كما جاء ذلك مبيناً.

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 12:51 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(191)


حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على التغني بالقرآن وتزيين قراءتنا له؛ لأن ذلك يبعث على التدبر والاتعاظ فتكون الفائدة أعظم، ولذلك كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مفسرة حرفاً حرفاً، يمد ما يستحق المد، ويقف على رؤوس الآي.

تابع تزيين القرآن بالصوت
شرح حديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [تزيين القرآن بالصوت.أخبرنا محمد بن زنبور المكي حدثنا ابن أبي حازم عن يزيد بن عبد الله عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)].
سبق أن مر بنا ذكر الترجمة وهي: تزيين القرآن بالصوت، وعرفنا أن المراد بذلك القراءة، وأن الإنسان يزين قراءته بالصوت الحسن الذي يجعل السامع يعتبر ويتعظ، وكذلك أيضاً هو بتحسين قراءته يحصل تلك الفائدة، وهي من غير تمطيط ومجاوزة للحد واشتغال بتحسين الصوت عن التدبر ومعرفة المعنى والاعتبار به، وإنما يكون بهذا وبهذا، وقد سبق أن مر بنا بعض الأحاديث الواردة في ذلك، ومنها حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) وهنا أورد النسائي بقية الأحاديث المتعلقة بهذه الترجمة، ومنها هذا الحديث الذي هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به).
(ما أذن الله لشيء)، يعني: ما استمع لشيء أذنه لنبي، والمراد بالنبي هو الجنس، وليس المراد به نبياً معيناً، والقرآن المراد به القراءة أو المراد به كلام الله مطلقاً، يعني حتى يصلح أن يكون شاملاً للأنبياء، وليس المراد به رسول الله عليه الصلاة والسلام فقط، وإنما هو لفظ عام المراد به جنس النبي.
فالقرآن إما أن يراد به القراءة أو يراد به كلام الله عز وجل الذي منه القرآن وغير القرآن الذي هو التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السابقة التي هي من كلام الله عز وجل.
(ما أذن الله لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) يعني: يحسن صوته بالقرآن ويجهر به، أي: يرفع الصوت، فالمراد: رفع الصوت مع التحسين، وإذا كان الصوت مرتفعاً مع تحسينه فإن الفائدة فيه أعظم وأشمل.
وهنا جاء: (يجهر به) وهي مفسرة أيضاً للتغني، لكن ليس المراد بها مجرد الجهر، بل الجهر مع تحسين الصوت، ولهذا جاء قبلها: (حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به).
و(أذن) معناها استمع، وفيه بيان عظم شأن تحسين الصوت بالقراءة وأن شأنها عظيم وأن ذلك الاستماع يحصل من الله عز وجل.
(ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به).
وما أذن، يعني ما استمع الله لشيء استماعه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به، وقد جاء عن بعض السلف تفسير (يتغنى) بمعان أخر، منها: الاستغناء بالقرآن، والمراد به أنه يستغني به عن غيره ويقدم القرآن على غيره، لكن ما جاء من ذكر حسن الصوت وذكر الجهر به يبين أو يدل على أن المراد بذلك: تحسين الصوت بالقراءة، ومن المعلوم أن تحسين الصوت بالقراءة هو الذي يثمر ويحصل بسببه الاعتبار والاتعاظ.
وهذا هو المطابق للترجمة من حيث أن الترجمة هي تحسين الصوت بالقراءة وتزيين القراءة بالصوت، أنه يزين صوته ويحسن صوته في القراءة ويجهر بها حتى تكون الفائدة أكمل وأعظم.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)

قوله: [محمد بن زنبور].هو المكي، وزنبور لقب اسم صاحبه جعفر، وهو صدوق له أوهام، خرج حديثه النسائي وحده.
[عن ابن أبي حازم].
هو عبد العزيز بن أبي حازم، وأبو حازم هو سلمة بن دينار الذي جاء ذكره مراراً، فهذا ابنه عبد العزيز بن أبي حازم، وهو صدوق، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن عبد الله].
وهو ابن أسامة بن الهاد، وهو ثقة، مكثر من رواية الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم].
وهو التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع من السبعة؛ لأن ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قول أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقول أنه: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقول أنه: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأما الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، فهؤلاء السبعة أطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة في المدينة، وإذا جاء ذكر الفقهاء السبعة فالمراد بهم هؤلاء السبعة. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أذن الله عز وجل لشيء يعني إذنه لنبي يتغنى بالقرآن)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بلفظ قريب من الحديث المتقدم: (ما أذن الله لشيء يعني إذنه لنبي يتغنى بالقرآن) وهناك فيه حسن الصوت، وفيه يجهر به، وهنا ليس فيه هذان الوصفان، وهو بمعنى الحديث المتقدم، والمراد من ذلك: تحسين القراءة بالصوت الحسن وتزيينها به؛ لما فيه من الفائدة والمصلحة.
قوله: [أخبرنا قتيبة].
وقتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكما ذكرت فإن اسم قتيبة من الأسماء المفردة التي لم تتكرر التسمية بها، فهو الشخص الوحيد الذي يسمى قتيبة في رجال الكتب الستة.
[سفيان].
الذي يروي عنه قتيبة غير منسوب، وهذا يسمى المهمل الذي يذكر اسمه ولا يذكر نسبه، ويكون محتملاً بين أشخاص، وهنا محتمل سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، لكن المذكور هنا هو سفيان بن عيينة ؛ لأن قتيبة بن سعيد يروي عن سفيان بن عيينة، ولأن سفيان بن عيينة هو الذي يروي عن الزهري، ومعروف بالرواية عن الزهري، فإذا كان سفيان يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا في فتح الباري، وقال: إن سفيان الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، لكن ليس معنى كونه لا يروي عنه إلا بواسطة أن بينه وبينه مسافة وأنه ما أدركه، وابن عيينة متأخر عنه في الوفاة كثيراً؛ لأن الثوري توفي سنة مائة وإحدى وستين، وابن عيينة وفاته فوق المائة والتسعين، فبينهم مسافة طويلة، ولعل كون الرواية عنه بواسطة لكون هذا في بلد وهذا في بلد؛ لأن سفيان الثوري في الكوفة، والزهري في المدينة.
الحاصل: أن سفيان الذي هو غير منسوب إذا كان يروي عنه قتيبة، فالمراد به: ابن عيينة، وإذا كان سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة، فهو من جهتين: من جهة رواية قتيبة عن ومن جهة رواية سفيان عن الزهري ؛ لأن قتيبة يروي عن ابن عيينة، وابن عيينة يروي عن الزهري.
[عن الزهري].
الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب الذي هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب هو جد عبيد الله، فهو جد جده، ومن المعلوم أنه يجوز أن ينسب الإنسان إلى أي واحد من أجداده ويقال له: جده، وإن كان جد جده أو جداً بعيداً، كـزهرة بن كلاب حيث يقال له: الزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب الذي هو أخو قصي بن كلاب، يلتقي نسبه مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في كلاب الذي هو أبو قصي، وأبو زهرة بن كلاب.
ومحمد بن مسلم الزهري ثقة، مكثر من الرواية، محدث، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
ومما ذكر في ترجمته: أنه كان يكب على الكتب، ويشتغل بالعلم، فكان مما ذكر في ترجمته: أن زوجته جاءت إليه وهو مكب عليها، فقالت: إن هذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. تعني بذلك انشغاله بهذه الكتب عنها، وأنه منهمك في العلم ومشتغل بالعلم ومكب على القراءة والكتابة رحمة الله عليه.

[أبو سلمة عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن ابن شهاب أخبره أن أبا سلمة أخبره أن أبا هريرة رضي الله عنه حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع قراءة أبي موسى فقال: لقد أوتى مزماراً من مزامير آل داود عليه السلام)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع قراءة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان حسن الصوت بالقراءة، فقال: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود) يعني: لحسن صوته، والمقصود بـ(آل داود) داود الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان يذكر بحسن الصوت وبجمال الصوت وزينة الصوت، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وصف أبا موسى الأشعري رضي الله عنه بهذا الوصف، وأنه أوتي مما أوتيه آل داود.
وآل داود وآل كذا هذه اللفظة تطلق أحياناً عليه وعلى أهله، وأحياناً تطلق على نفس الشخص أنه يراد بهذا اللفظ، فكما تطلق على ذويه وأهله ومن له به علاقة؛ أيضاً يأتي إطلاقها عليه، قالوا: والمراد من ذلك داود عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يضرب به المثل في حسن القراءة وحسن الصوت صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى نبينا.
والمقصود أن هذا الثناء أو هذا التنويه بشأن أبي موسى لحسن صوته دال على ما ترجم له المصنف من تحسين الصوت بالقراءة أو تحسين القراءة بالصوت.
ومن المعلوم أن التحسين أو حسن الصوت منه ما يكون جبلة، ومنه ما يكون محاولة؛ لأن التحسين كما هو معلوم يكون بالفعل، لكن يكون بعض الناس صوته حسناً، وتحسين القراءة بالصوت الحسن مما يزيده حسناً وجمالاً، والحديث دال على الترجمة وشاهد لها.
تراجم رجال إسناد حديث: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)

قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].سليمان بن داود، وهو أبو الربيع المصري ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو المحدث، الفقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن الحارث].
وهو أيضاً المصري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
ابن شهاب، وقد مر ذكره وهو الزهري.
[عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما أيضاً قريباً.
شرح حديث: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سمع النبي صلى الله عليه وسلم قراءة أبي موسى رضي الله عنه، فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود عليه السلام)].الحديث دال على رفع الصوت بالقرآن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع صوته وهو لا يعلم به، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: (لو كنت أعلم لحبرته لك تحبيراً) يعني: فهذا دال على ما تقدم عن أم هانئ أنها قالت: (كنت أسمع قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنا على عريشي)، وهو ما ترجم له على رفع الصوت، وهذا أيضاً دال على تلك الترجمة التي هي رفع الصوت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سمع صوته وهو لا يعلم به، وهو ليس حاضراً عنده، وجلس أو وقف يستمع لقراءته وهو لا يعلم به، فهو دال على ما دل عليه حديث أم هانئ المتقدم الذي استدل به النسائي على رفع الصوت بالقرآن أو على رفع الصوت بالقراءة.
وحديث عائشة هذا هو بمعنى حديث أبي هريرة المتقدم، وهو دال على ما دل عليه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 12:53 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار].وهو لا بأس به، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[عن سفيان عن الزهري].
سفيان عن الزهري، هو ابن عيينة، وقد مر ذكرهما قريباً.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو معدود فيهم باتفاق، فهو واحد من الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، في المدينة في عصر التابعين، وعروة بن الزبير هو ابن أسماء أخت عائشة، فهو يروي عن خالته عائشة رضي الله تعالى عنها.
[عن عائشة أم المؤمنين].
عائشة هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق التي لها الفضائل الكثيرة، والمناقب الجمة، وهي التي أنزل الله براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى في سورة النور، وهذا فيه عظم شأنها وفضلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي المرأة الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام، والمعروفون بكثرة الحديث سبعة: ستة من الرجال وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ولهذا فهي من أوعية السنة التي حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام لاسيما السنة المتعلقة بالبيوت وبأحوال الزوجات مع أزواجهن، فإنها حفظت في ذلك وفي غيره الشيء الكثير رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
حديث: (لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة أبي موسى رضي الله عنه، فقال: لقد أوتى هذا مزماراً من مزامير آل داود عليه السلام)].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث المتقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، ودال على ما دل عليه؛ لأنه حديث واحد جاء من طريقين، وموضوعه واحد، بل لفظه تقريباً واحد.
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الصيغ الرفيعة، ومن أعلى وأرفع صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني اليمني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وهو صاحب المصنف، مصنف عبد الرزاق المليء بالأحاديث والآثار عن الصحابة ومن بعدهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معمر].

وهو ابن راشد، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن عروة عن عائشة].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث أم سلمة في نعتها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة عن يعلي بن مملك: (أنه سأل أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته؟ قالت: مالكم وصلاته، ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً)].أورد النسائي حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءته؟ فنعتت قراءته عليه الصلاة والسلام وقالت: إنها مفسرة حرفاً حرفاً، يعني أنه كان يعطي الحروف ما تستحق من المد ومن الوقوف على رءوس الآي، وما إلى ذلك مما يتعلق بتوضيح هذا المعنى، أو هذا اللفظ الذي هو (مفسرة حرفاً حرفاً).
وإدخال الحديث ضمن تزيين القرآن بالصوت دال على ما ترجم له من جهة أنها كونه مفسرة، وأنها حرفاً حرفاً، أنه فيه تأدية للقراءة على الوجه المطلوب، والذي فعل هذا هو رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، الذي هو القدوة والأسوة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في نعتها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم

قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، وقد مر ذكره.
[حدثنا الليث بن سعد].
الليث بن سعد، وهو المصري المحدث، الفقيه، محدث مصر، وفقيهها، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبيد الله].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يعلى بن مملك].
يعلى بن مملك، وهو مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[أم سلمة].
وهي هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث ذكره الشيخ الألباني في ضعيف سنن النسائي، وفيه إشارة إلى ما عند الترمذي وإلى ما عند أبي داود، والحديث ذكره في المشكاة وعلق عليه، وقال: إن إسناده صحيح، والحديث فيه يعلى بن مملك، وهو مقبول، لكن هذا اللفظ الذي اشتمل عليه الحديث، ليس بلفظ ليس له شواهد، بل ما جاء من بيان قراءته وأنها كانت مداً وما جاء في بعض الأحاديث أنه كان يمد الرحمن ويمد الرحيم فهو بمعنى هذا الحديث، فصاحب المشكاة قال عن الحديث في مشكاة المصابيح: إن إسناده صحيح، ولكن الألباني ذكره في ضعيف سنن النسائي، ولعل ذلك بسبب يعلى بن مملك، لكن كما ذكرت أن معناه له شواهد تدل عليه.

والله تعالى أعلم.

الفرق بين الرسول والنبي
السؤال: ما هو الراجح في الفرق بين الرسول والنبي؟
الجواب: هناك تفريق مشهور عند العلماء، يقولون النبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، لكن هذا الفرق قد جاء في القرآن ما يدل على عدم صحته مطلقاً، يعني الجملة، ما يدل على عدم صحته في الجملة، وذلك أنه جاء عن الأنبياء أنهم وصفوا بالإرسال، وجاء في سورة المائدة أن الأنبياء من بعد موسى من بني إسرائيل كانوا يحكمون بالتوراة: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا )[المائدة:44]، ففي هذه الآية بيان أن الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى كانوا يبلغون التوراة ويحكمون بالتوراة، فالقول بأن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه يدل على خلاف ما جاء في هذه الآية الكريمة.

وكذلك أيضاً ما جاء في القرآن من وصف بعض الرسل بأنهم رسل، وذلك مثل قوله: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ )[الزخرف:6]، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ )[الحج:52]، فهذا فيه دلالة أن النبي وصف بأنه مرسل، ثم أيضاً ما جاء في حديث عرض الأمم، قال: (فرأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) يعني معناه أنهم يدعون وأنهم يبلغون وأنهم لهم أتباع، وبعضهم ليس له أتباع، فهذا يدل على أن القول بأن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه غير صحيح في الجملة، فهذه النصوص من القرآن دلت على أن النبي مبلغ.

لكن بفرق ينطبق مع هذا الوصف الذي هو أن النبي مبلغ، قيل النبي: من أوحي إليه بأن يبلغ رسالة سابقة، والرسول: من أوحي إليه بشرع جديد وأُنزل عليه كتاب، وأما النبي فهو يبلغ، ولكن ليس له شريعة أنزلت عليه، ولكنه يبلغ شريعة أنزلت على من قبله، كقول الله عز وجل: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا )[المائدة:44]، لكن بعض الأنبياء وصف بأنه رسول ونبي، مثل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فإنه نبي ورسول، ومن المعلوم أنه يقال عنه: النبي، ويقال عنه: الرسول، ويخاطبه الله في القرآن بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول.

وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في الثلاثة الأصول التي هي رسالة مختصرة مفيدة جداً للخاصة والعامة، قال: نبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر، يعني: أنه لما أوحى الله إليه: اقرأ، صار بذلك نبياً، وذلك أن الله تعالى أوحى إليه، وأرسل بالمدثر لما نزلت إليه المدثر، وأمر بأن يبلغ الناس فصار بذلك رسولاً، وكذلك موسى وصف بأنه نبي ورسول، وإسماعيل وصف بأنه نبي ورسول؛ لقول الله عز وجل: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا )[مريم:51]، وأيضاً بعدها قال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا )[مريم:54].

فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل أن يؤمر بالتبليغ هو نبي، وبعدما أمر بالتبليغ هو نبي ورسول، وعلى هذا ما دام أنه ينبأ أو ينزل عليه وحي ولكنه لم يؤمر بتبليغه مؤقتاً، فيطلق عليه أنه نبي، لكن لا يقال: إن النبي يوحى إليه ثم لا يبلغ أحداً، فيموت وعلمه ما خرج منه وما استفاد منه أحد، أما كونه ينزل عليه وحي ولا يؤمر بالتبليغ ويكون ذلك مؤقتاً فهذا قد حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام.
وإذا قيل: إن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه في وقت ما، وكذلك أيضاً من أُمر بأن يبلغ رسالة سابقة، فهذا يكون صحيحاً في حق من كان نبياً رسولاً، يعني وصف بأنه نبي ووصف بأنه رسول، وكان في وقت من الأوقات نبياً وليس برسول، وذلك قبل أن يؤمر بالتبليغ، ثم لما أمر بالتبليغ أصبح رسولاً، لكن أن يقال: النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ ومات وعلمه ما خرج وما استفاد منه أحد، هذا ليس بواضح، وإن كان هذا هو التعريف المشهور أو التفريق المشهور.
فإذاً الفرق الصحيح بينهما أن يقال: الرسول من أوحي إليه بشرع ابتداءً وأنزل عليه الكتاب، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه في وقت ما أو أمر بأن يبلغ شريعة سابقة.

الفرق بين النكاح بنية الطلاق والمتعة المحرمة
السؤال: هل هناك فرق بين النكاح بنية الطلاق والمتعة المحرمة؟
الجواب: نعم بينهما فرق؛ لأن المتعة المحرمة هي اتفاق على التوقيت من الجانبين لمدة شهر، فهو نكاح لمدة شهر، فإذا مضى الشهر انتهى العقد، لكن النكاح بنية الطلاق أن يأتي إنسان ويخطب، وما يدرى عن نيته شيء وأعطوه، وكان في نيته أنه يطلق، فهذا شيء، وهذا شيء، وقد أجاز جمهور العلماء النكاح الذي هو بنية الطلاق، وأما المتعة فإنها حرام ولا تسوغ ولا تجوز، وهي الزنا وأخت الزنا.
الأفضل أن الإنسان يتزوج، ومن المعلوم أن المقصود الأعظم من الزواج هو التأبيد والاستمرار، لكن إذا تزوج الإنسان بنية الطلاق فما يقال: إنه فعل محرماً، ولا يقال: إنه ارتكب أمراً محظوراً، ولذلك ما نعلم شيئاً يدل على منعه، وجمهور العلماء على جوازه.
ما وصف الله به نفسه فإنه يقتضي الكمال
السؤال: قال السندي في الحاشية ما نصه: ولما كان الاستماع على الله تعالى محالاً؛ لأنه شأن من يختلف سماعه لكثرة التوجه وقلته؟
الجواب: هذا كما هو معلوم ليس بصحيح؛ لأن هذا المعنى إنما هو في حق المخلوقين، وأما الله عز وجل إذا أضيف إليه شيء فهو يناسبه ويليق به، ولا يكون مشابهاً لخلقه فيما يوصف به.
اتخاذ كلب الحراسة ينقص من الأجر قيراطاً
السؤال: ما حكم اتخاذ الكلب للحراسة، خاصة إذا كان هناك في البلد كثير من السراق؟
الجواب: الذي يتخذ كلباً إلا الكلاب التي أذن فيها وهي كلب الصيد وكلب الزرع وكلب الماشية ينقص من أجره في اليوم قيراط، يعني يخسر كل يوم الكلب عنده خسارة فادحة كبيرة.

معنى قولهم (حديث لا بأس به)

السؤال: ما هي درجة حديث قيل فيه: لا بأس به؟
الجواب: قولهم حديث لا بأس، معناه أنه يحتج وقد يصاغ سؤال لهذا الجواب وهو حكم وضع المصحف على الأرض.
القرآن ينبغي أن يعتنى به بتعظيمه وتوقيره وجعله على مكان مرتفع عن الأرض، ولو جعل على أرض طاهرة فلا بأس، لكن إذا كان وضعه على الأرض الطاهرة سيترتب عليه احتمال مرور الناس من حوله وأنهم قد يتجاوزونه فلا يجوز ذلك، وأما إذا أمن هذا الجانب بأن يكون مثلاً في حجرة ما يمر فيها أحد فيوضع المصحف في زاوية من زواياها، لا بأس بذلك؛ لأن وضعه على أرض طاهرة سائغ وجائز، لكن كونه يصير في أماكن مرتفعة حتى لا يكون عرضة لأن يمتهن فيما إذا كان هناك احتمال للمرور عليه أو التجاوز من عنده أو ما إلى ذلك فرفعه ووضعه على مكان مرتفع يتنبه له من يمر من حوله، هذا هو الذي ينبغي، ووضعه على مكان طاهر جائز، لكن بشرط أن لا يكون عرضة لأن يتعرض لشيء من الإهانة التي قد تحصل على سبيل الخطأ لا على سبيل العمد.
حكم الدخول على زوجات الأخوال والتحدث معهن
السؤال: ما حكم دخول الرجل على زوجات الأخوال والتحدث معهن؟
الجواب: زوجات الأخوال أجنبيات، فمن يدخل عليهن وليس عندهن أخواله فهذا من جنس الحمو الذي قال عنه الرسول: الحمو الموت، والحمو هو: أخو الزوج، والسبب في هذا أن البلاء يحصل بالاحتكاك والاختلاط وإغلاق الأبواب والتقارب الذي يكون بسبب القرابة، فمثل ذلك لا يسوغ، لكونه يدخل عليهن ويخلو بهن؛ لأن هذا هو الذي قال عنه الرسول: (أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت).
فالشيطان يدخل بينهما ثم يوقع بينهما الشر، فيكون شراً أخطر من كونه حصل من قريب، ويكون من جنس ما جاء في الحديث في قضية الزنا بحليلة الجار، فالزنا هو أمر خطير لكن إذا صار بحليلة الجار فيكون بلاء على بلاء وشراً على شر.
معنى: (زينوا القرآن بأصواتكم)
السؤال: حديث: (زينوا القرآن بأصواتكم) زعم بعض الناس أن هذا الحديث مقلوب، فهل هذا صحيح؟
الجواب: لا، ليس هذا بصحيح؛ لأن هذا هو اللفظ الذي ثبت وجاء، ولا محذور فيه؛ لأن المراد زينوا القراءة بأصواتكم؛ لأن بعض الناس الذين قالوا عنه: مقلوب، قالوا: إن القرآن أعظم وأجل من أن يزين وأن يحصل له تزيين، ومن المعلوم أن الكلام الحسن حتى على هذا الكلام يزيده الصوت الحسن حسناً، ومن المعلوم أن قراءة قارئ تختلف عن قراءة قارئ آخر، لكن الأظهر فيه أن المراد القراءة، فالإنسان يزين القراءة.
الفرق بين المقلد والمتبع
السؤال: يقول: ما الفرق بين المتبع والمقلد؟
الجواب: المتبع هو المتبع للدليل، والمقلد هو من يأخذ برأي من يقلده دون معرفة الدليل، فيقول قال فلان، ولا يسأل عن الدليل، لكن المتبع هو الذي يبحث عن الدليل.

__________________

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 12:56 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(192)
إن رفع اليدين في الركوع والرفع منه وعند القيام من التشهد الأوسط من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يرفع يديه إلى فروع أذنيه أحياناً، وأحياناً إلى حذو منكبيه وأحياناً يترك ذلك، ويجب إقامة الصلب في الركوع والسجود والاعتدال من الركوع.
التكبير للركوع

‏ شرح حديث أبي هريرة في التكبير للركوع

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير للركوع.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: (أن أبا هريرة رضي الله عنه حين استخلفه مروان على المدينة، كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ثم يكبر حين يركع، فإذا رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد، يفعل مثل ذلك حتى يقضي صلاته، فإذا قضى صلاته وسلم أقبل على أهل المسجد فقال: والذي نفسي بيده! إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم)].
يقول النسائي رحمه الله: التكبير للركوع، الترجمة معقودة لبيان ما يقال عند الركوع، أي: حين يهوي من قيامه إلى الركوع، فإنه يقول: الله أكبر، وهذا الذكر الذي هو التكبير يؤتى به في جميع الخفض والرفع إلا عند القيام من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، وما عدا ذلك فإنه عند كل خفض ورفع يقول: الله أكبر.
وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه: أن مروان لما استخلفه على المدينة كان يصلي بالناس، فكان يكبر عندما يدخل في الصلاة، ويكبر عند الركوع، وهذا هو محل الشاهد، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم عندما يرفع.
(ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد)، هنا لم يذكر كل الأفعال التي هي السجود، والقيام من السجدة الأولى، ثم التكبير للسجدة الثانية، ثم الرفع من السجود للتشهد، وإنما ذكر بعض المواضع أو أكثر المواضع التي يكون فيها التكبير، وكان يفعل ذلك في صلاته كلها، وإذا فرغ وسلم التفت إلى أهل المسجد فقال: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومقصوده من هذا: أن يعقل الناس عنه هذا الفعل؛ لأنه به مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك تنبيه لهم إلى أن هذا مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم من إبلاغ السنن بالقول والفعل، وتنبيههم على ما يفعلونه من ما هم فيه متبعون لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وإضافتهم ذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن الفعل الذي فعله هو مقتد فيه بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التكبير للركوع

قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن عبد الله بن المبارك].
هو: عبد الله بن المبارك المروزي، الثقة، الثبت، المجاهد، العابد، الزاهد، الذي وصفه الحافظ ابن حجر في التقريب بصفات عديدة، وقال: جمعت فيه خصال الخير. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يروي [عن يونس].
وهو ابن يزيد الأيلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـكلاب أبو قصي وزهرة. والزهري ثقة، إمام، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بتدوين السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، حيث قال السيوطي في ذلك في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمراً له عمر
يروي [عن أبي سلمة].
و أبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا في الإسناد، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
يروي [عن أبي هريرة].
رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي المكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، والمكثرون من رواية الحديث سبعة أكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين
‏ شرح حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل عن سعيد عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين للركوع حيال فروع الأذنين، لما أورد الترجمة السابقة التي فيها إثبات التكبير وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يركع كبر للركوع؛ وذكر الهيئة التي تكون لليدين عند التكبير للركوع، فقال: رفع اليدين للركوع إلى فروع الأذنين، وفروع الأذنين: أعاليهما؛ لأن فرع كل شيء أعلاه، والفرع يكون أعلى؛ لأن الأصول هي أسفل الشيء التي يبنى عليها غيرها، والفروع هو التي تبنى على غيرها، فما كان أعلى الشيء فهو فروعه، ولهذا أغصان الشجرة هي فروعها، وهي أعلى شيء فيها، وفروع الأذنين أعلى شيء في الأذنين؛ لأن أصولها هي أسافلها، وفرعها هي أعاليها.
وأورد حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أنه رآه كبر حين دخل في الصلاة، وكبر للركوع..
قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا كبر)، يعني: عند دخول الصلاة، (وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه)، يرفع يديه إلى فروع أذنيه وهي أعاليهما، وفي هذا إثبات رفع اليدين إلى فروع الأذنين للركوع، كما أنه يكون للدخول في الصلاة، ويكون للرفع من الركوع، لكن محل الشاهد هنا أنه أورد ذلك فيما يتعلق بالركوع، وأنه يكبر للركوع، ويرفع يديه عندما يريد أن يركع إذا كبر.
والحديث فيه رفع اليدين في ثلاثة مواطن: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وأن ذلك إلى فروع الأذنين، أي: رفع اليدين في الثلاثة المواطن إلى فروع الأذنين وهي أعاليها.
فالحديث دال على ما ترجم له من جهة إثبات الرفع لليدين عند التكبير للركوع، وأن ذلك يكون إلى فروع الأذنين.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للركوع حذاء فروع الأذنين

قوله: [علي بن حجر].وهو ابن إياس السعدي المروزي ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا إسماعيل].
وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بـابن علية، وهنا ذكره مهملاً أي: غير منسوب.
[عن سعيد].
عن سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، كثير التدليس، وهو من أثبت الناس في قتادة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وسعيد بن أبي عروبة ليس المقبري.
[عن قتادة].
وهو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم الليثي].
وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن مالك بن الحويرث].
وهو مالك بن الحويرث الليثي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين
‏ شرح حديث عبدالله بن عمر في رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: رفع اليدين للركوع إلى حيال المنكبين، وأورد فيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)، أي: أنه يرفع يديه إلى حيال المنكبين، وحديث عبد الله بن عمر دال على الرفع، ولكنه هنا ذكر أن الرفع إلى حيال المنكبين، وحديث مالك بن الحويرث دال على ما دل عليه من الرفع في المواطن الثلاثة إلا أنه إلى فروع الأذنين، وهو يدل على جواز هذا وهذا، وأن هذا سنة، وهذا سنة، الرفع إلى حيال المنكبين، والرفع إلى فروع الأذنين، كل هذا سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن عمر في رفع اليدين للركوع حذاء المنكبين

قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي [عن سفيان].
وهو ابن عيينة المكي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو هنا مهمل غير منسوب، ولكنه ابن عيينة وليس الثوري ؛ لأنه يروي عن الزهري، وابن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، بخلاف الثوري فإنه قيل: لا يروي عنه إلا بواسطة. وسفيان بن عيينة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي [عن الزهري].
وهو الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، وقد مر ذكره قريباً.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء السبعة الذين ذكرتهم آنفاً، وأن السابع منهم قيل فيه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[يروي عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء الأربعة هم العبادلة الذين يطلق عليهم هذا اللقب، مع أن اسم عبد الله سمي به كثير من الصحابة، لكن هذا اللقب الذي هو لقب العبادلة الأربعة إذا جاء فإنما يراد به هؤلاء الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم من صغار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عاشوا وأدركهم كثيرون من التابعين، وتلقوا عنهم الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعبد الله بن عمر أيضاً هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخـدري وجابر وزوجة النبي
إقامة الصلب في الركوع
‏ شرح حديث: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة الصلب في الركوع.أخبرنا قتيبة حدثنا الفضيل عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إقامة الصلب في الركوع، الصلب: هو الظهر، وإقامته هي تسويته واعتداله، بحيث يكون محاذياً لرأسه، ويكون رأسه محاذياً له، ولا يكون فيه ارتفاع ولا انخفاض، لا يكون رأسه منخفضاً ولا مرتفعاً، بل يكون صلبه معتدلاً، ورأسه محاذياً لظهره، ولا يكون فيه مجرد انحناء فقط وإنما انحناء تام بحيث يضع يديه على ركبتيه، ويجعله معتدلاً، ويكون رأسه محاذياً له، لا يكون رافع الرأس عن ظهره، ولا منخفض الرأس عن ظهره، بل هو مساو له، هذه هي الهيئة في الركوع.
وقد أورد النسائي حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)، حديث أبي مسعود رضي الله عنه مطابق للترجمة ودال عليها من جهة أنه لا بد من إقامة الصلب في الركوع، وهو الاعتدال وعدم الانحناء قليلاً، أو الانحناء الشديد الذي يهبط برأسه إلى الأرض ويميل ظهره إلى الأرض، وإنما يكون معتدلاً، رأسه محاذياً لظهره، وكذلك في السجود أيضاً، يعني: أنه لا ينحني مجرد انحناء بحيث أنه لا يصل إلى الأرض، وإنما يسجد على الأرض ويكون أيضاً معتدلاً في سجوده، كما أنه يكون معتدلاً في ركوعه.
وذكر الرجل في الحديث لا مفهوم له، وكذلك المرأة، فالمرأة حكمها حكم الرجل، وذكر الرجل ليس له مفهوم، بمعنى أن المرأة حكمها يخالف حكم الرجل، بل الأحكام للرجال والنساء سواء، ولا يتميز الرجال عن النساء، ولا النساء عن الرجال إلا فيما جاء مما يخص بعضهم عن بعض، ولا يشترك فيه أحد الصنفين مع الآخر.
إذاً: فذكر (الرجل) هنا لا مفهوم له، وإنما جاء ذكر الرجل؛ لأن الغالب في الخطاب يكون مع الرجال، وأن الكلام يكون مع الرجال، والنساء حكمهن حكم الرجال في الأحكام إلا إذا جاء شيء يميز بين النساء والرجال في الأحكام.
وهذا كثير، أي: إطلاق ذكر الرجل كثير في السنة، مع أن الأمر لا يختص بالرجال ومن ذلك قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، يعني: وكذلك المرأة، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به)، وكذلك أيضاً إذا كان باعه للمرأة وأفلست فهو أحق به من غيره، فذكر الرجل لا مفهوم له، وإنما يأتي ذكره لأن الغالب هو أن الخطاب يكون مع الرجال.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 12:58 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود ...)

قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا الفضيل].
وهو ابن عياض، ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والفضيل بن عياض رحمة الله عليه كان من العباد، ومن المحدثين، ذكروا في ترجمته قصة لأنه كان قبل ذلك على حالة سيئة، ولكن الله تعالى وفقه وهداه، والله عز جل يمن على من شاء من عبادة بالهداية والتوفيق، فقد ذكر في ترجمته أنه كان يقطع الطريق، وأنه كان يسرق، وأنه كان قد ابتلي بهذا البلاء، فكان يحب جارية، فكان يتسلق الجدران من أجل أن يصل إليها، وعندما كان يتسلق جداراً سمع قارئاً يقرأ: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )[الحديد:16]، فوقعت الآية في قلبه، وقال: بلى آن، ثم إنه ذهب ودخل خربة، وإذا فيها أناس، وإذا هم يتحدثون، وكان ذلك في الليل، فيقول بعضهم لبعض: لو مشينا، قالوا: كيف نمشي والفضيل في الطريق، وهو يسمعهم، فقال عنه: إنه أخاف عباد الله، وأنه بلغ به ما بلغ، فتاب إلى الله عز وجل، وقال: إن من توبتي أن أجاور في بيت الله الحرام، فتاب وحسنت توبته، وكان من العباد، وكان من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه القصة في ترجمته في تهذيب التهذيب.

[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب له اشتهر به، يأتي ذكره باللقب أحياناً كما هنا، ويأتي ذكره أحياناً بالاسم، ولمعرفة ألقاب المحدثين فائدتها وهي: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، فمن لا يعرف أن اللقب لصاحب الاسم يظن أنهما شخصان مع أنهما شخص واحد.
[عن عمارة بن عمير].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معمر].
وهو عبد الله بن سخبرة، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، كنيته أبو معمر.
[عن أبي مسعود].
وهو عقبة بن عمرو الأنصاري، وأبو مسعود كنيته، وهو صحابي مشهور، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الاعتدال في الركوع
‏ شرح حديث: (اعتدلوا في الركوع والسجود ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاعتدال في الركوع.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاعتدال في الركوع، والاعتدال في الركوع هو الذي تقدم في إقامة الصلب في الركوع بحيث يكون معتدلاً في ركوعه، فلا يكون منحنياً انحناءً خفيفاً ولا منحنياً انحناءً شديداً، وإنما يكون متوسطاً، ويكون رأسه محاذياً لظهره وهذا هو الاعتدال.
وقد أورد فيه حديث أنس بن مالك، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب)، أي: كما يصنع الكلب. والحديث دال على ما ترجم له من الاعتدال في الركوع، وكذلك أيضاً الاعتدال في السجود، وفيه أيضاً النهي عن أن يفترش الإنسان ذراعيه في حال سجوده، بأن يضعهما على الأرض، ولكن يضع يديه ويرفع مرفقيه؛ لأن هذه هي السنة في السجود، والذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو أن يفرش الإنسان ذراعيه في السجود كما يصنع الكلب، حيث يضع كفيه وذراعيه منبسطات على الأرض، كذلك المصلي إذا صلى بهذه الهيئة فإنه يكون مشابهاً للكلب بهذه الهيئة التي هي فرش ذراعيه ويديه وجعلهما على الأرض، فلا يجوز مثل هذا العمل، بل السنة في السجود أن يضع الإنسان كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه ويجافيهما عن جنبيه، ولا يجوز أن يلصقهما على الأرض كما يفعل الكلب.
تراجم رجال إسناد حديث: (اعتدلوا في الركوع والسجود ...)

قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما.
[عن سعيد بن أبي عروبة].
وقد تقدم ذكره.
[وحماد بن سلمة].
وهو حماد بن سلمة بن دينار، ثقة، عابد، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن قتادة].
وقد مر ذكره.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
‏ حكم من صلى ولم يعتدل في الركوع

السؤال: من صلى ولم يعتدل في الركوع، فهل عليه الإعادة؟الجواب: إذا كان انحناؤه خفيفاً جداً ولم يكن معذوراً لمرض أو لوجع فيه فإن عليه أن يعيد، وأما إذا كان قد حصل منه الانحناء، ولكنه لم يكن على هذا الوجه الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه ليس عليه الإعادة، لكن إذا كان مجرد خفض، يعني: ليس فيه انحناء، ولم يكن ذلك لعلة أو مرض، إذا كان كذلك فعليه أن يعيد.
وعلى الإنسان أن يتقي الله عز وجل بأن يعتدل في ركوعه، ويطمئن أيضاً في ركوعه وسجوده.
حكم الترتيب في الوضوء

السؤال: ما حكم الترتيب في الوضوء، هل هو واجب أم لا؟الجواب: الترتيب في الوضوء لازم، ولا يصح حصوله مع تقديم بعض الأعضاء على بعض إلا فيما يتعلق بالنسبة لليدين والرجلين، فإذا قدمت الرجل اليسرى على اليمنى، أو اليد اليسرى على اليد اليمنى صح، وهو خلاف السنة، ولكنه لا يبطل معه الوضوء، بل يصح، والأولى هو تقديم اليد اليمنى على اليد اليسرى، وتقديم الرجل اليمنى على الرجل اليسرى، أما تقديم بعض الأعضاء على بعض فإنه لا يصح مع الوضوء.
بيان آداب طالب العلم

السؤال: فضيلة الشيخ حفظكم الله! لي طلب وهو أن تجعل عشر دقائق يومياً من حصة الأسئلة في آداب طالب العلم، نفع الله بكم وبعلمكم وأطال في عمركم.الجواب: آداب طالب العلم تكلمنا عليها مراراً، وكذلك مرت علينا في المصطلح في آداب طالب الحديث، وسئلت أسئلة متكررة حول هذا الموضوع وأجبت، فالحديث كل يوم على آداب طالب العلم لا يلزم الأمر بأن يكون هذا باستمرار، لكن إذا حصل السؤال بين وقت وآخر وحصل الجواب على ذلك يحصل المقصود، أما أن نخصص أوقاتاً أو دقائقاً معينة من كل يوم نتحدث فيها على الآداب فالذي يبدو أن هذا غير مناسب، وإنما المناسب أن يكون بين حين وآخر يمكن إذا توجه سؤال، أو تأتي مناسبة في الحديث نتكلم بتلك المناسبة، ويحصل المطلوب بهذا إن شاء الله.
حكم الإكثار من النوافل بعد صلاة المغرب

السؤال: هل ثبت شيء في الإكثار من النوافل بعد صلاة المغرب؟الجواب: لا أعلم شيء يدل على ذلك من حيث الإكثار وتخصيصه في هذا الوقت، لا أعلم في ذلك شيئاً، وإنما جاءت السنة التي فيها السنن المؤكدة، والسنن الرواتب، وأن من الرواتب ركعتين بعد المغرب.
كيف الجمع بين سنة رفع اليدين في الصلاة وقول النبي: (صلوا كما رأيتموني أصلي)

السؤال: كيف الجمع بين القول بأن رفع اليدين في الصلاة سنة مع قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهي للوجوب؟الجواب: من المعلوم أن الصلاة تشتمل على أمور لازمة، وأمور إذا لم تفعل، فإنها لا تخل بالصلاة، وكونه جاء في حديث عبد الله بن مسعود مما يدل على الترك، كما نقله ابن مسعود فيما يتعلق عند الركوع، وعند الرفع منه، يدل على أن هذا الفعل الذي هو رفع اليدين ليس بواجب، وإنما هو سنة، وينبغي للإنسان أن يحرص على الإتيان بالسنة، لكنه لو تركه لم يترك أمراً يخل بصلاته، فصلاته صحيحة، ولكنه فاته فعل أمر مستحب فلا يحصل ثواب فعل ذلك الأمر المستحب، وإلا فإن صلاته تكون صحيحة، ولا نقص في صلاته، ولا يحتاج الأمر إلى جبر تجبر به، بل هي سنة، فعلها مطلوب ويثاب صاحبه، ومن لم يفعلها فإنه لا يكون آثماً إلا إذا رغب عن السنة، فإذا علم السنة ورغب عنها، فالراغب عنها لا شك أنه يأثم ولو كانت مستحبة، إذا رغب الإنسان عن السنة وزهد فيها ولو كان ذلك مستحباً فإن صاحبه يأثم.
حكم التورك في التشهد

السؤال: المسبوق الذي عليه أكثر من تشهدين، هل يتورك في التشهد الثاني وما بعده؟الجواب: المسبوق إذا دخل مع الإمام فإنه يفعل كما يفعل الإمام، ولو كان هو في أول صلاته والإمام في آخر صلاته، فإنه يجلس كهيئة الإمام، معناه أنه يتورك إذا أدرك الإمام في التشهد الأخير أو أدرك ركعة وجلس معه في التشهد الأخير فإنه يتورك؛ لأنه يكون مثل الإمام وعلى هيئة الإمام في تلك الحال، ولا يفعل شيئاً يخالف فيه الإمام، لكنه إذا قام يقضي صلاته التي سبق بها إن كان بقي عليه تشهدان فإنه في التشهد الأول الذي يكون بعد أن يقوم ويقضي، إذا جلس للتشهد الأول، بمعنى أنه أدرك ركعة واحدة مع الإمام وجلس للتشهد مع الإمام، وتورك وهو جالس وراء الإمام في التشهد الذي أدرك فيه صلاة الإمام ثم قام وجلس للتشهد الأول فإنه يفترش كهيئته لو صلى وحده، يكون مفترشاً في تشهده الأول، وإذا جاء للتشهد الأخير فإنه يتورك كما فعل بالتورك الذي كان مع التشهد الأخير بالنسبة للإمام.
حكم النداء لصلاة الجماعة إذا كانت نافلة

السؤال: هل يجوز النداء لصلاة الجماعة يعني: صلاة نافلة؟ وهل هذا من السنة؟الجواب: لا، لا ينادى للنوافل، بل النوافل كما هو معلوم الأصل فيها أنها تصلى في البيوت، وإنما تشرع له الجماعة مثل صلاة التراويح، وصلاة التراويح تأتي بعد صلاة العشاء، ولا ينادى لشيء من النوافل، وإنما النداء والأذان هو للصلوات المكتوبة، الأذان إنما هو للصلوات المكتوبة، ولا ينادى للنوافل، والأصل في النوافل أن يصلي كل واحد على حدة، وإذا حصل في بعض الأحيان أنها صليت جماعة مثلما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه صلى النوافل جماعة، لكن لا يكون لها نداء، ولا ينادى لها.
الأذان الأول والأذان الأخير لصلاة الصبح في رمضان وغيره

السؤال: هل الأذان في صلاة الصبح مرتين، سواء كان في رمضان أو غيره؟الجواب: أذان الصبح، أذان أول وأذان أخير، وهو لا فرق في رمضان وغير رمضان، السنة أن يكون موجوداً، لكن لا يلزم أن يكون في كل مسجد؛ لأن الأذان الثاني لا بد منه في كل مسجد، وأما الأذان الأول فإذا وجد في بعض المساجد فإنه يكفي؛ لأن المقصود منه التنبيه إلى قرب دخول الوقت، حتى يستريح من كان يصلي، ويتسحر من كان يريد أن يصوم.
قول: الصلاة خير من النوم في أذاني الفجر
السؤال: هل يقال: الصلاة خير من النوم في كليهما؟الجواب: لا تقال فيهما جميعاً، وإنما تقال في واحد منهما، إما في الأول وإما في الثاني، لكن إذا كان المعتاد عند الناس أن الصلاة خير من النوم تقال في أحدهما، فلا يشوش عليهم بأن يحصل شيء خلاف الذي عرفوه؛ لأنه يترتب على ذلك إما أن يقدموا الصلاة قبل الوقت، أو يحصل الإمساك، وحصول الإمساك سهل؛ لأنه امتناع عن الأكل فترة من الوقت، لكن الشيء الذي هو خطير تقديم الصلاة عن وقتها.

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:00 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(193)


- باب التطبيق

كان التطبيق في الركوع وهو جمع اليدين وجعلهما بين الفخذين مشروعاً ثم نسخ بوضعهما على الركبتين، وقد نقل لنا الصحابة الأمرين معاً، وأوضحوا المتقدم من المتأخر منهما، وذلك من حرصهم على تبليغ السنن.

كتاب التطبيق، باب التطبيق
شرح حديث ابن مسعود: (... وليفرش كفيه على فخذيه فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله) في التطبيق في الصلاة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب التطبيق، باب التطبيق.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن سليمان سمعت إبراهيم يحدث عن علقمة والأسود: (أنهما كانا مع عبد الله رضي الله عنه في بيته، فقال: أصلى هؤلاء؟ قلنا: نعم، فأمهما وقام بينهما بغير أذان ولا إقامة، قال: إذا كنتم ثلاثة فاصنعوا هكذا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وليفرش كفيه على فخذيه، فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم)].
يقول النسائي رحمه الله: باب التطبيق، ذكر في هذه النسخة: كتاب التطبيق قبل باب التطبيق، والسبب في هذا كما ذكروا - أي: الذين أخرجوا هذه النسخة - أن الطبعة التي حصلت للنسائي في أوائل القرن الرابع عشر الماضي في مصر ،كان بها كتاب التطبيق قبل باب التطبيق، وعلى هذه النسخة وما تعلق بها من الكتب والأبواب، عمل الذين وضعوا الفهارس للكتب الستة، مثل المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي وغيره.
ومن المعلوم أن التطبيق هو: كون الإنسان عندما يركع يجمع بين يديه ويشبك بينهما، ويجعلهما بين فخذيه، وكان هذا قبل أن يشرع وضع الأيدي على الركب في الركوع، هو عمل قد نسخ.
والنسائي رحمه الله ذكر باب التطبيق، ثم ذكر النسخ الذي حصل، وهو وضع الأيدي على الركب، وما وراء هذه الأبواب كلها من أبواب صفة الصلاة؛ لأنه أتى بكتاب الافتتاح، مع أنه في الحقيقة هو كتاب الصلاة، لكن الترجمة التي ترجمت في الكتاب السابق تتعلق بأوائل الصلاة، وما وراء ذلك تبع، والكثير من العلماء يعملون الترجمة للكتاب في مثل هذا؛ لأن فيه صفة الصلاة من أولها إلى آخرها، لكن الذي عمله النسائي هو كتاب الافتتاح، وأتى بما يتعلق بافتتاح الصلاة، ثم أتى بصفة الصلاة إلى آخرها تبعاً لهذه الترجمة التي تشير إلى أوائلها.
والمحصل أن هذه الطبعة المصرية التي حصلت في أوائل القرن الماضي الرابع عشر، ذكرت قبل باب التطبيق كتاب التطبيق، وفي الحقيقة هو ليس كتاب، وإنما هو باب يتعلق بهيئة معينة خاصة بالركوع أو في التشهد معه، وقد نسخت هذه الهيئة كما ذكرنا، والسنة التي ثبتت واستقرت هي أن توضع اليدان على الركبتين.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي جاء عنه التطبيق.
قوله: [عن علقمة والأسود: (أنهما كانا مع عبد الله في بيته، فقال: أصلى هؤلاء؟ قلنا: نعم، فأمهما وقام بينهما بغير أذان ولا إقامة)].
علقمة، والأسود لما دخلا عليه وصلى بهما، أمهما ووقف بينهما، يعني واحد عن يمينه وواحد عن شماله، وصلى بهما بدون أذان ولا إقامة، ولما صلى بهما قال: [(إذا كنتم ثلاثة فاصنعوا هكذا)]، معناه: الإمام يكون في الوسط، لكن السنة ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن الاثنين جماعة، وأنهم يكونون وراء الإمام، ولا يكونوا عن يمينه وشماله، وإنما الذي يكون عن يمينه المأموم الواحد، ولا يكون صفاً وحده، أما إذا كان امرأة، فإنها تكون وراءه ولا تصف بجواره، لا عن يمينه ولا عن يساره؛ لأنها لا تصاف الرجل، ولا تقف بجواره.
إذاً: فهذا الذي جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ثبتت السنة بخلافه، وقد جاءت الأحاديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بإمامة الاثنين، وأنهما يكونان وراءه، لا عن يمينه وشماله، ولا عن يمينه فقط، ولا فرق بين الاثنين والثلاثة، وأكثر من ذلك.
قوله: [(وإذا كنتم أكثر من ذلك)]، يعني: أكثر من ثلاثة، [(فليؤمكم أحدكم)]، معناه: يتقدم ويكون المأمومون صفاً أو صفوفاً وراءه.
قوله: [(وليفرش كفيه على فخذيه)]، هذا محتمل عدة احتمالات، منهم من قال: إن هذا يراد به فرشهما في حال التشهد، وقيل: تشبيك الأصابع ووضعها بين الفخذين وهو محل الشاهد أي: التطبيق، ولهذا أورده النسائي في هذه الترجمة - باب التطبيق-، وقد جاءت روايات صلاة عبد الله بن مسعود بـعلقمة، والأسود، وفيها التنصيص على أن المراد بذلك التطبيق، وكما جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - والذي سيذكره المصنف بعد هذا - وهو أنه لما بلغه صنيع عبد الله، قال: صدق أخي، ولكن هذا انتهى، وأمرنا بأن نضع الأيدي على الركب، فصدقه فيما قال، وأن هذا كان في أول الأمر.
قوله: [(فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم)] أي: بالتشبيك، كون أطرافهما باين اختلافهما؛ لأنه في حال التطبيق المساواة تكون متماثلة، لكن هنا فيه اختلاف الأصابع، وهذا إنما يكون عن طريق التشبيك، وقد سبق أن أورد النسائي التشبيك في الصلاة، وأورد فيه هذا الحديث الذي فيه التطبيق.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (... وليفرش كفيه على فخذيه فكأنما أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله) في التطبيق في الصلاة
قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].أبو مسعود، بصري ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، مثل هناد بن السري أبو السري، ومثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، وعدد كبير من المحدثين توافق كنيته اسم أبيه، وقالوا: إن معرفة هذا النوع فائدتها: أن لا يظن التصحيف فيما إذا كان الشخص معروفاً بنسبه، ثم جاء غير منسوب، ولكنه مكنىً بعد اسمه كما هنا، بأن يكون معروفاً بإسماعيل بن مسعود، فلو جاء في بعض الأسانيد إسماعيل أبو مسعود، يكون كلاماً صحيحاً؛ لأنه أبو مسعود، وهو ابن مسعود، بخلاف من لا يعرف الكنية ويعرف النسب، فقد يظن أن ابن صحفت وجاء مكانها أبو .
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو كوفي. ولقبه الأعمش، ويأتي ذكره باللقب كثيراً، ويأتي ذكره بالاسم أحياناً كما هنا، وفائدة معرفة ألقاب المحدثين: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بلقبه أخرى، والذي يعلم بأن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر.
[سمعت إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث فقيه، وغالباً إذا أطلق إبراهيم في أهل الكوفة أو في مثل هذه الطبقة - وهو يروي عن الكوفيين - فالمراد به إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي . ومما أضيف إليه ونسب إليه: كما ذكر - ذلك ابن القيم في كتابه ( زاد المعاد في هدي خير العباد) -أنه أول من عبر -عن مثل الذباب والجراد- بقوله: ( ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.
والمراد بالنفس: الدم؛ لأن النفس تطلق على الدم، كما يطلق على النفس التي بها حياة الإنسان التي هي الروح، إذا خرجت نفسه أي: خرجت روحه، مات .
[عن علقمة والأسود].
علقمة هو ابن قيس النخعي، وهو ثقة، ثبت، عابد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
وهو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأن العبادلة هم من صغار الصحابة، وقد عاشوا في زمن واحد، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وفي الصحابة غيرهم ممن يسمى عبد الله، مثل عبد الله بن مسعود، ومثل عبد الله بن قيس أبي موسى الأشعري، وغيرهم كثير.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:02 AM
شرح حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني أحمد بن سعيد الرباطي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله حدثنا عمرو وهو ابن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود وعلقمة قالا: (صلينا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في بيته فقام بيننا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فنزعها فخالف بين أصابعنا، وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود، من طريق أخرى، وهو يتعلق بصلاة علقمة والأسود معه، وأنهم وضعوا أيديهم على الركب، وأنه نزعها وخالف بينها، ويجعلونها بين أفخاذهم الذي هو التطبيق؛ لأن هذا هو محل الشاهد من إيراده تحت باب التطبيق، وابن مسعود رضي الله عنه كان يفعل هذا، ولعله لم يبلغه الناسخ ،وهو وضع الأيدي على الركب.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثانية
قوله: [أخبرني أحمد بن سعيد الرباطي].ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله].
هو عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، والأربعة.
[حدثنا عمرو].
وهو ابن أبي قيس الرازي، والأول أيضاً رازي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، والأربعة.
وقوله: [وهو ابن أبي قيس] هذه أتى بها من دون تلميذ عمرو هذا، يعني: من دون عبد الرحمن بن عبد الله، وهو إما أحمد بن سعيد الرباطي أو من دونه، أو النسائي أو من دونه، وإنما أتي بكلمة (هو) حتى يتبين أنها ليست من التلميذ، وأنها ممن دون التلميذ، أراد أن يوضح أن هذه الزيادة زيدت من بعد التلميذ، وهذه الصيغة دالة على ذلك؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يريد، بدون أن يأتي بكلمة (هو)، أو بدون كلمة (يعني).
[عن الزبير بن عدي].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة قالا: صلينا مع عبد الله ].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نوح بن حبيب أنبأنا ابن إدريس عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه وركع، فبلغ ذلك سعداً رضي الله عنه، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا ثم أمرنا بهذا، يعني: الإمساك بالركب)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى: أن النبي عليه الصلاة والسلام علمهم الصلاة، وأنه صلى ووضع يديه بين فخذيه، ولما بلغ ذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: صدق أخي، يعني: أن هذا كان موجوداً أولاً، ولكننا أُمرنا أن نضع الأيدي على الركب، بدل أن يضعوها بين الفخذين، والمراد بذلك حصول النسخ .
فالحديث دال على ما دل عليه الذي قبله من جهة حصول التطبيق، ولكن فيه الدلالة على النسخ، فالذي جاء ذكره في آخر الحديث، فإن هذا هو الناسخ، وعلى هذا فالحديث يدل على التطبيق، ويدل على نسخ ذلك .
وقوله: [(صدق أخي)]، يقصد عبد الله بن مسعود، وهذا من أدب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنه لما حصل من ابن مسعود ما حصل، وأرشد إلى ما أرشد إليه، وأراد سعد أن يبين الحكم الذي استقر الأمر فيه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال:[(ولكننا أمرنا بعد ذلك بأن نضع الأيدي على الركب)]، أي: أن هذا حصل، ولكنه نسخ.
ومثله الحديث الذي في صحيح مسلم في قصة السبعين الألف، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب؛ فإن سبب الحديث يقول: أنه انقض شهاب فقال: (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، قال: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة). خشي أن يظن أنه مستيقظ أنه يصلي، وأنه لما رأى الكوكب الذي انقض، ظن أنه يصلي، فبادر إلى أن يذكر عن حاله، وأنه لم يكن يصلي، قال: (أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فماذا صنعت، قال: ارتقيت). يعني: عملت رقية، قال: (فما حملك على هذا؟ قلت: حديث حدثناه فلان أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، ثم قال: قد أحسن من انتهى إلى ما قدم، ولكن حدثنا ابن عباس أنه قال: عرضت علَيَّ الأمم فرأيت كذا وكذا)، ومحل الشاهد قوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما قدم)، قد أحسن الإنسان إذا وقف وعمل بما وصل إليه من النصوص، قد أحسن، ولكنه أرشده إلى ما هو الأكمل والأفضل، وهو عدم الاسترقاء، وهو ما جاء في حديث السبعين الألف، (أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في التطبيق من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا نوح بن حبيب].ثقة سني، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[أنبأنا ابن إدريس].
وهو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم بن كليب].
صدوق، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
يروي [عن علقمة]، وقد مر ذكره وذكر عبد الله بن مسعود الذي يروي عنه علقمة.
وأما سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. والحديث هو من مسند عبد الله فيما يتعلق بالتطبيق، ومن مسند سعد بن أبي وقاص فيما يتعلق بالتطبيق ونسخه بوضع الأيدي على الركب.
نسخ التطبيق
شرح حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نسخ ذلك.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن أبي يعفور عن مصعب بن سعد، قال: (صليت إلى جنب أبي وجعلت يدي بين ركبتي، فقال لي: اضرب بكفيك على ركبتيك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا قد نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نسخ ذلك، يعني: نسخ التطبيق، وأن الحكم الناسخ هو وضع الأيدي على الركب في الركوع، وقد أورد فيه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن ابنه مصعب صلى إلى جنبه فعمل التطبيق، فأرشده إلى أن يضرب بيديه على الركبتين. ثم إنه فعل ذلك مرة أخرى، فضرب على يده يريد أنه يترك هذا الشيء، في الصلاة، وهذا فيه دليل على أنه إذا حصل تنبيه في الصلاة على أمر مشروع ثابت، أن ذلك لا بأس به؛ لأن سعداً ضرب على يد ابنه، وقد أخبره من قبل بأننا أمرنا بأن نضع الأيدي على الركب، وهذا هو الحكم الناسخ الذي استقر عليه الأمر.
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق
قوله: [أخبرنا قتيبة]. هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عوانة].
وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، مشهور بكنيته أبو عوانة ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وممن اشتهر بكنيته أبو عوانة شخص آخر متأخر عن هذا وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال له: الصحيح، ويقال له: المستخرج، ويقال له: المسند، وهو صحيح، وهو مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، أما هذا فهو متقدم؛ لأنه من طبقة شيوخ البخاري، ومسلم، وكذلك أيضاً هو شيخ شيخ النسائي.
[ عن أبي يعفور].
هو واقد أو وقدان العبدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو يعفور كنية تطلق على شخصين: أبو يعفور الأكبر وأبو يعفور الأصغر، والذي معنا في الإسناد هو أبو يعفور الأكبر، واقد أو وقدان، اختلف في اسمه.
[عن مصعب بن سعد].
هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه سعد بن أبي وقاص].
وقد سبق ذكره.
شرح حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الزبير بن عدي عن مصعب بن سعد قال: (ركعت فطبقت، فقال أبي: إن هذا شيء كنا نفعله، ثم ارتفعنا إلى الركب)].أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، وأن ابنه مصعب كان يطبق، يضع يديه بين فخذيه، فقال: (إن هذا شيء كنا نفعله فنهينا عنه، وارتفعنا إلى الركب)، يعني: بدلاً من أن ندخلها بين الفخذين، نظهرها ونجعلها على ركبنا، فالحديث دال على النسخ.

تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في نسخ التطبيق من طريق أخرى قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].حدثنا الفلاس، ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل بن أبي خالد].
هو إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبير بن عدي].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مصعب عن أبيه].
وقد مر ذكرهما.
الأسئلة

حكم الغناء
السؤال: قرأت في بعض كتب المعاصرين يقول صاحب الكتاب: إن الغناء ليس محرماً إذا لم يضل عن سبيل الله، وعلل بذلك بأن الله قال: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ )[لقمان:6]، وقال: إن اللام في (ليضل) للتعليل.. إلى آخره.الجواب: ليس الدليل على ذلك الآية فقط، وإنما الآية والأحاديث التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم أيضاً لا يكون الشيء أنه يكون للتعليل، وإنما بيان أن هذا من شأنه، وأنه يكون من شأنه كذلك، والأحاديث جاءت في تحريم ذلك، وهي كافية في قيام تحريمه، كما جاء في البخاري وغيره من الأحاديث الدالة على تحريم الغناء، سواءً كان أريد به الإضلال، أو أريد به الطرب والاستلذاذ والتمتع بالصوت الذي فيه طرب، كل ذلك لا يجوز، لا إن أريد به الإفساد، ولا إن أريد به الطرب.
مدى تعلق عمل الجوارح بالإيمان
السؤال: الإيمان هو قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، فهل هناك مؤلفات كتبت في عمل الجوارح؟الجواب: كل الأعمال هي أعمال الجوارح، كل ما هو عمل يعمله الإنسان بجوارحه.. وهذا هو الكثير؛ لأن الصلاة من عمل الجوارح، والزكاة من عمل الجوارح، والحج من عمل الجوارح، وكل هذه يقال لها: أعمال جوارح، ولهذا يأتي كثيراً ذكر الإيمان معطوف عليه العمل الصالح، وليس عطفه عليه لأنه مغاير، ولكن نص عليه مع الإيمان، ونص عليه على حدة؛ لأن هذا هو الميدان، وهذا هو النجاة الذي يكون فيه التفاوت بين الناس.

حكم الوقوف إلى جهة قبر النبي عليه الصلاة والسلام
السؤال: فضيلة الشيخ حفظه الله: في هذه الأيام رأينا ظاهرة غريبة وهي لقد كثر الواقفون إلى جهة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كوقوفهم في الصلاة، يزعمون أنهم يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم، فهل هذه الظاهرة يجوز العمل بها؟الجواب: كون الإنسان يكون في المسجد في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقف متجهاً إلى القبر عند باب المسجد، أو في مكان آخر غير المكان الذي هو مقابل، يعني أمام القبر الشريف؛ لأن سلام الزيارة يكون أمام القبر الشريف، أما السلام من بعد، سواءً عند الباب أو في أي مكان من المسجد، بحيث يقف ويتجه إلى القبر، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم من مكان، ليس المكان المقابل للقبر الذي هو أمامه، وبينه وبين القبلة، يعني في جهة المواجهة للقبر الشريف، هذا عمل غير صحيح، وعمل محدث، والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي الإنسان ويسلم عليه عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، وفي المسجد وفي أي مكان، يقول: صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام، والملائكة تبلغه كما جاء ذلك في الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، يعني: بواسطة الملائكة، كما جاء في الحديث الآخر: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام).
وعلي بن حسين رحمة الله عليه لما رأى رجلاً يتردد إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ويأتي إلى فرجة ويقف عندها، فقال له: ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي؟ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، ثم قال: ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء)، يعني: أن الملائكة تبلغ السلام إلى الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ومما يوضح أن هذا عمل محدث الذي هو كون الناس، أو بعض الناس يقف عند باب المسجد، ويستقبل القبر، وقد يضع يديه على صدره كهيئة الصلاة.. مما يوضح أنه عمل محدث: أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام لما كان موجوداً بين أظهرهم، يكون في حجرته ويكون أيضاً في مصلاه، ما كان الواحد منهم إذا أراد أن يخرج اتجه إلى الحجرة، والرسول صلى الله عليه وسلم فيها، أو اتجه إلى جهة مصلاه، والرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وسلم عليه، وعمل هذه الهيئة، ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان شأنهم أنه لما كان بين أظهرهم الواحد منهم إذا وصل عنده قال: السلام عليك يا رسول الله، أما كونه يقف عند باب المسجد، أو يقف في مكان بعيد، فإن هذا ما كانوا يفعلونه.

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:05 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(194)


- (باب الإمساك بالركب في الركوع) إلى (باب الاعتدال في الركوع)
السنة في الركوع أن يضع راحتيه على ركبتيه وأصابعه أسفل من ركبتيه، ويطمئن في ركوعه، ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا يقنع، وإنما يسويه مع ظهره كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
الإمساك بالركب في الركوع
شرح حديث: (سنت لكم الركب، فأمسكوا بالركب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإمساك بالركب في الركوع.أخبرنا محمد بن بشار حدثني أبو داود حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي عبد الرحمن عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (سنت لكم الركب، فأمسكوا بالركب)].
يقول النسائي رحمه الله: إمساك الركب في الركوع، المقصود من هذه الترجمة: إثبات وضع الأيدي على الركب في الركوع، وأن المصلي يمسك ركبتيه بيديه، هذا هو المقصود من هذه الترجمة، وأما كيفية الوضع وطريقته فتبينها الأحاديث القادمة في التراجم الآتية، ولكن هنا المقصود إثبات إمساك الركب بالأيدي في حال الركوع.
وقد أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: [(سنت لكم الركب، فأمسكوا بالركب)].
قوله: (سنت لكم الركب)، يعني: بأن توضع الأيدي عليها، (فأمسكوا بالركب)، أي: بأيديكم، وقول الصحابي: سن لكم كذا، أو من السنة كذا، المراد بذلك: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه له حكم الرفع، وهو بمعنى المرفوع، ودال على الرفع؛ لأن الصحابي إذا قال السنة كذا، أو من السنة كذا، أو تلك السنة؛ فإنما يريد بذلك: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولما أرشد رضي الله تعالى عنه إلى السنة في قوله: (سنت لكم الركب)، أمر بالإمساك للركب، وأن هذا هو مقتضى السنة، وهذا هو تطبيق السنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (سنت لكم الركب، فأمسكوا الركب)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو الملقب بندار البصري، ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة مباشرة، وبدون واسطة، إذ هو شيخ لهم جميعاً، كلٌ منهم روى عنه مباشرة، وبدون واسطة، وهو من شيوخ البخاري الصغار، الذين زمنهم مماثل لزمنه تقريباً؛ لأنه ليس بين وفاة البخاري وبين وفاة محمد بن بشار إلا أربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن بشار توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثل محمد بن بشار في كونه من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وكونه من صغار شيوخ البخاري، الذين توفوا قبل وفاته بأربع سنوات: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، الملقب: الزمن، فإن هؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا جميعاً في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثني أبو داود].
هو سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند، وهو ثقة حافظ، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا شعبة].
وهو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب لـسليمان، ويأتي ذكره بالاسم، وذكره باللقب، وقد ذكرت مراراً أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين: أن لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى.
[عن إبراهيم النخعي].
هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، المحدث، الفقيه، الثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبد الرحمن].
أبو عبد الرحمن السلمي، هو عبد الله بن حبيب، ثقة، ثبت، مقرئ، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر].
وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
و عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، هو الخليفة الراشد، ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وثاني العشرة المبشرين بالجنة، الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكان أسلم قبله عدد من الصحابة ما يقرب من أربعين، وكان عنده قوة وصلابة، ولما أكرمه الله عز وجل بالإسلام، صارت قوته وشدته ضد أعداء الإسلام والمسلمين، فكان قوياً، ومعروفاً بالقوة وبالشدة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر العظيم، فإنه لا يجتمع عمر والشيطان في طريق واحد، فإذا سلك عمر طريقاً، هرب الشيطان من تلك الطريق التي فيها عمر رضي الله تعالى عنه.
وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام قصراً في الجنة، وسأل: لمن هذا؟ فقيل له: لـعمر بن الخطاب، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة، وهو الذي جاء عنه في رؤيا رسول الله عليه الصلاة والسلام، (أنه على قليب ينزع منها، ثم إنه أخذها بعده أبو بكر، فنزح ذنوباً أو ذنوبين، ثم أخذها ابن الخطاب، فاستحالت غرباً، فجعل ينزع منها، فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن). أي: وهذه الرؤيا تأويلها: ولايتهم، ولاية أبي بكر وعمر من بعده، وأن مدة أبي بكر كانت وجيزة، وأنه كان على طريقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ينزح من البئر، ولكن نزحه قليل؛ وذلك إشارة إلى مدة خلافته وقصرها وقلتها، وأنها بلغت سنتين وأشهراً، (ثم أخذها عمر فاستحالت غرباً فجعل ينزع منها، فلم فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن)، وهذا فيه إشارة إلى مدة خلافته وطولها، وما حصل فيها من الخير العظيم، وما حصل فيها من الفتوحات، وما حصل فيها من انتصار المسلمين، وغلبتهم على أعدائهم، فإنه في زمن عمر رضي الله عنه قضي على الدولتين العظيمتين في ذلك الزمان، وهما: دولة فارس والروم، وأتي إليه بالكنوز إلى المدينة، وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث: (إنما السنة الأخذ بالركب) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن سفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر رضي الله عنه: (إنما السنة الأخذ بالركب)].أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب من طريق أخرى، وهو قوله: (إنما السنة الأخذ بالركب)، يعني: الإمساك بها عند الركوع.
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].
هو المروزي، ثقة، حافظ، أخرج له الترمذي، والنسائي.
[أنبأنا عبد الله].
وهو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، حجة، جواد، مجاهد، عابد، وصفه الحافظ ابن حجر في التقريب بصفات عديدة وقال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حصين].
وهو عثمان بن عاصم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبد الرحمن عن عمر].
أبو عبد الرحمن السلمي عن عمر، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا. مواضع الراحتين في الركوع
شرح حديث أبي مسعود: (... فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مواضع الراحتين في الركوع.أخبرنا هناد بن السري في حديثه عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن سالم قال: (أتينا أبا مسعود رضي الله عنه فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين أيدينا وكبر، فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بمرفقيه حتى استوى كل شيء منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استوى كل شيء منه)].
هذا الذي قاله سالم البراد ومن معه، لما جاءوا إلى أبي مسعود الأنصاري البدري، وقولهم له: حدثنا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة، من الحرص على تلقي السنن وأخذها، ومعرفتها، وتلقيها عن الذين تلقوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: الصحابة، فالصحابة عندهم الحرص التام على تلقي السنن من رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتابعون لديهم الحرص التام على تلقي ذلك عن الصحابة، ولهذا جاء سالم البراد، ومن معه، إلى أبي مسعود الأنصاري، وطلبوا منه أن يحدثهم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهو دال على حرصهم وعلى تلقيهم السنن، ومعرفتها، ومعرفة الأحكام الشرعية، وذلك ليعبدوا الله عز وجل طبقاً لما يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقام بين أيدينا وكبر، فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك)].
الترجمة هي: باب مواضع الراحتين في الركوع؛ لأنه لما ذكر الترجمة السابقة وهي: الإمساك بالركب؛ هنا ذكر الراحتين، وأين موضعهما -يعني- عند الإمساك بالركب؟ كيف يكون وضعهما؟ وما هي مواضعهما؟ فأتى بحديث أبي مسعود هذا، وفيه الدلالة على ما ترجم له، وأنه أمسك براحتيه ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، يعني: تجاوزت الركبتين إلى جهة الساقين، يعني: الراحة على الركبة، وتكون الأصابع نزلت وراء الركبة.
قوله: [(فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك)]، يعني: نزلت عن الركبتين إلى ما وراء الركبة، إلى شيء من الساق.
قوله: [(وجافى بمرفقيه حتى استوى كل شيء منه)].
أي: عند الركوع، معناه: أنه لم يلصق مرفقيه ببطنه، وإنما جافى بينهما، حتى استوى كل شيء منه، فاستقر راكعاً، وهذا فيه: الإشارة إلى الاطمئنان في الركوع؛ لأن الاستواء لا يكون إلا بعد أن يحصل استقرار، هذه الهيئة، واستوى، واستقر فصار راكعاً، استوى كل شيء منه، أي: ركد واستقر على هيئة الركوع، أي: ليس هو انحناء ثم رفع، وإنما هو استقرار، الذي هو الاطمئنان في الركوع والسجود، لا بد منه، وهو أن الإنسان إذا ركع يستقر ويطمئن بحيث يثبت راكعاً، لا يهوي ثم يرفع بدون استقرار، وبدون ثبوت، بل يثبت راكعاً ويستقر، ويستوي كل شيء منه، بمعنى: أنه وضع اليدين على الركبتين، وحنى ظهره حتى صار على الهيئة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي كون الرأس مساوياً للظهر.
قوله: [(ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استوى كل شيء منه)].
معناه أنه استقر قائماً، ليس مجرد ارتفاع ثم هبوط، وإنما استقرار، واستوى قائماً، مستقراً في حال قيامه، فالحديث دال على ما ترجم له من وضع الراحتين على الركبتين، والأصابع تنزل عن هذا الموضع.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: (... فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه
قوله: [أخبرنا هناد بن السري].هو هناد بن السري أبو السري الكوفي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، مر بنا ذكره في مواضع، مثل: إسماعيل بن مسعود أبو مسعود، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وعدد من المحدثين، توافق كناهم أسماء آبائهم، وذكرت أن معرفة هذا النوع فائدته: أن لا يظن التصحيف، فيما إذا كان معروفاً عند بعض الناس بالاسم، ولكن لا يعرف الكنية، فلو جاء بدل هناد بن السري: هناد أبو السري من لا يعلم أن الكنية أبو السري يظن أن (ابن) صحفت وتحولت إلى (أبو)، ومن يعلم يعرف أنها إن جاءت ابن السري فهو صحيح؛ لأنه ابن السري، وإن جاءت أبو السري فهو صحيح؛ لأن كنيته أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الأحوص].
هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأبو الأحوص توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وهناد بن السري توفي فوق الأربعين، مائتين وفوق الأربعين، فكان عمره إحدى وسبعون سنة، ولادته كانت فوق الخمسين أو سنة ستين، ومعناه أنه أدرك مدة من حياة أبي الأحوص الذي هو هناد بن السري.
[عن عطاء بن السائب].
هو عطاء بن السائب الكوفي، وهو صدوق اختلط، والمختلط: الطريقة في حديثه: أن ما سمع منه قبل الاختلاط، فهذا صحيح ومعتبر، وما سمع منه بعد الاختلاط، هذا لا يعول عليه إذا انفرد، لكن لو وافق غيره ممن روى قبل الاختلاط، وكان مطابقاً أو روايته مطابقة لرواية غيره قبل الاختلاط، فإن ذلك يكون معتبراً، وإنما التأثير فيما إذا لم يأت إلا من طريقه، ولم يؤخذ عنه إلا بعد الاختلاط، فإن هذا لا يثبت به الحديث.
وعطاء بن السائب ذكر في ترجمته أن ممن سمع منه قبل الاختلاط: زائدة الذي سيأتي في طرق الحديث، زائدة بن قدامة الثقفي، في بعض الطرق التي سيأتي فيها زائدة، وعلى هذا فهذا الحديث، قد سمع منه قبل الاختلاط، وممن سمعه منه زائدة، والذين لم يسمعوا منه قبل الاختلاط، وكان سماعهم بعد الاختلاط، أو كان مشكوكاً فيه: هل كان قبل الاختلاط أو بعده؟ لا يؤثر ما دام أن الحديث ثبت من طريق من سمع قبل الاختلاط، إذاً: هؤلاء حديثهم ليس مخالفاً وليس منفرداً به، وليس مما انفرد به حتى يقال: إنه لم يثبت إلا من هذه الطريق التي لم يثبت السماع فيها، فـزائدة قالوا: إنه سمع منه قبل الاختلاط، وكذلك ذكر غيره ممن سمع قبل الاختلاط، وأناس سمعوا بعد الاختلاط، لكن من سمع بعد الاختلاط، وقد كان موافقاً لرواية غيره عنه ممن سمع عنه قبل الاختلاط لا تضر روايته؛ لأنها مطابقة، لأن المحذور هو أنه لم يضبط، لكن ما دام ضبط، أو ضبط عنه وحفظ عنه قبل أن يختلط، فالحديث الذي يأتي من طريقه معتبر.
وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سالم].
هو سالم البراد الكوفي أبو عبد الله، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن أبي مسعود].
وهو عقبة بن عمرو الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره قريباً في أحاديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:07 AM
مواضع أصابع اليدين في الركوع

شرح حديث أبي مسعود: (... فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه من وراء ركبتيه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مواضع أصابع اليدين في الركوع.أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي حدثنا حسين عن زائدة عن عطاء عن سالم أبي عبد الله عن عقبة بن عمرو رضي الله عنه قال: (ألا أصلي لكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؟ فقلنا: بلى، فقام فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه من وراء ركبتيه، وجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه فقام حتى استوى كل شيء منه، ثم سجد فجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قعد حتى استقر كل شيء منه، ثم سجد حتى استقر كل شيء منه، ثم صنع كذلك أربع ركعات، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهكذا كان يصلي بنا)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مواضع أصابع اليدين في الركوع، وأورد فيها حديث أبي مسعود من طريق أخرى، والرواية السابقة دالة على هذا، لكن تلك أوردها من أجل الاستدلال على الراحتين وموضعهما، وهنا الترجمة تتعلق بالاستدلال على مواضع الأصابع -أصابع اليدين عند الركوع- عندما يقعد الإنسان على ركبتيه.
وفي هذه الطريق: أن أبا مسعود عقبة بن عمرو قال: [ألا أصلي لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؟] ألا أصلي لكم، يعني: معناه أنه يريهم كيفية صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
الإسناد الذي تقدم: [ قالوا: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ]، يعني: هم طلبوا منه الحديث، ولكنه أراد أن يبين لهم بالفعل، فعرض عليهم وقال: ألا أصلي لكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؟ يعني: أراد أن يبين بالفعل؛ حتى يشاهدوه ويعاينوه ويعاينوا فعله.
وهذا أيضاً فيه: كما ذكرت في الذي قبله، حرص الصحابة على بيان السنن بالقول والفعل، وقدوتهم في ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، يعني: بين بقوله وفعله، وأرشدهم إلى أنه يفعل، وأنهم عليهم أن ينظروا إلى أفعاله، وهم لا شك أنهم يتابعونه، أي: لو لم يقل: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإنهم سيصلون كما يصلي؛ لأنهم يأخذون أفعاله، لكن هذا من البيان بالقول، ومن أيضاً حثهم على أن يتعرفوا على الهيئة التي يفعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا من البيان بالقول والفعل.
وهنا قوله: [(ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)]، هو بالقول والفعل؛ لأنه أولاً عرض عليهم، وهذا قول، ثم فعل وصلى بهم وهم يرون.
قوله: [(فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه من وراء ركبتيه)]، أي: أنها نزلت إلى الساقين؛ لأن الراحة -راحة اليدين- وضعت على الركبتين، فتنزل الأصابع إلى الساقين، أو إلى أوائل الساقين، أو أعالي الساقين.
وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، وهي مواضع أصابع اليدين في الركوع.
قوله: [(وجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه)]. ثم جافى إبطيه عن جنبيه، فلم يلصقهما، وإنما حصل مجافاة.
قوله: [(حتى استقر كل شيء منه)]. يعني: استقر راكعاً، وثبت راكعاً، هي مثل استوى، التي مضت في الرواية السابقة، يعني: استقر راكعاً على هذه الهيئة، وهو يدل على الطمأنينة والاستقرار في الركوع.
قوله: [(ثم رفع رأسه فقام حتى استوى كل شيء منه)]. يعني: استقر قائماً، واستوى كل شيء منه على هيئته في حال القيام.
قوله: [(ثم سجد فجافى إبطيه حتى استقر كل شيء منه)]. يعني: المجافاة في السجود، مجافاة الإبطين عن الجنبين، حتى استقر كل شيء منه، أي في السجود، بحيث استقر ساجداً واطمأن ساجداً.
قوله: [(ثم قعد حتى استقر كل شيء منه)]. أي: حتى استقر جالساً، واستقر كل شيء منه في حال جلوسه، وهو يفيد الاطمئنان بين السجدتين.
قوله: [(ثم سجد حتى استقر كل شيء منه)]. ثم سجد السجدة الثانية حتى استقر كل شيء منه، أي: مطمئناً في سجوده.
قوله: [(ثم صنع كذلك أربع ركعات)]. ثم صنع هكذا أربعاً أي: فعل هذا الذي فعله في هذه الركعات التي وصفها في الأربع الركعات، أو في الثلاث الركعات الباقية، يعني: في جميع الركعات التي هذه أولها، وصنع مثل ما صنع لهذه الركعة.
قوله: [(ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهكذا كان يصلي بنا)]. يعني: أنه يصلي في حال صلاته وحده، يعني: في صلاته النوافل: [وهكذا كان يصلي بنا]، يعني: في حال النوافل والفرائض، هكذا رأوه يصلي، وهكذا كان يصلي بهم، عندما يؤمهم ويتقدمهم في الصلاة، فإنهم عرفوا هذه الهيئة في صلاته، فيما إذا كان يتنفل وهم يرون، وفي صلاته إذا كان صلى بهم وأمهم في الصلاة.
وكلام أبي مسعود رضي الله عنه، في آخر الحديث، مثل كلامه في أول الحديث، وهو قول دال على عناية الصحابة ببيان السنن؛ لأنه في الأول قال: [ألا أصلي لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟] وفي آخره قال: [هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي]، في البداية عرض عليهم، وفي الآخر قال: هكذا، فهو من باب بيان السنن بالقول والفعل.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: (... فلما ركع وضع راحتيه على ركبتيه وجعل أصابعه من وراء ركبتيه ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا الحسين].
وهو حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب عن سالم عن أبي مسعود].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
التجافي في الركوع
شرح حديث أبي مسعود: (... فلما ركع جافى بين إبطيه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التجافي في الركوع.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية عن عطاء بن السائب عن سالم البراد قال أبو مسعود رضي الله عنه: (ألا أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؟ قلنا: بلى، فقام فكبر، فلما ركع جافى بين إبطيه، حتى لما استقر كل شيء منه رفع رأسه، فصلى أربع ركعات هكذا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التجافي في الركوع، يعني: مجافاة الإبط، الجنب أو الإبطين عن الجنبين، أي: عدم إلصاقهما بالجنبين، وإنما يجافي بينهما، بحيث لا يلصق عضده في جنبه، وإنما يجافي بينهما، فـالنسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة، والأحاديث التي مضت تدل عليها، ولكن هذه طريقته، أي: يأتي بالحديث من طرق، ويأتي لكل ترجمة بطريق غير الطريق الأولى، وهو دال على ما ترجم له، وإن كانت الطرق الماضية في التراجم السابقة، لتراجم أخرى تدل على هذا، إلا أن هذه طريقته، يعني: يأتي بالحديث من طرق، وكل طريق يأتي بها في ترجمة؛ ليستدل بها على الترجمة، وإن كانت تلك الطريق تدل على تراجم أخرى.
وأبو مسعود رضي الله عنه قال: [(ألا أريكم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي؟ قلنا: بلى، فقام فكبر، فلما ركع جافى بين إبطيه حتى لما استقر كل شيء منه رفع...)].
يعني: بعدما استقر وثبت راكعاً واطمأن راكعاً، رفع رأسه من الركوع، ومحل الشاهد منه ذكر المجافاة هنا.
قوله: [(فصلى أربع ركعات هكذا، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي)].
وهو مثل الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: (... فلما ركع جافى بين إبطيه ...)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كما ذكرت ذلك آنفاً عند ذكر محمد بن بشار.
[عن ابن علية].
وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب عن سالم عن أبي مسعود].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الاعتدال في الركوع
شرح حديث: (كان رسول الله إذا ركع اعتدل...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتدال في الركوع.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع اعتدل، فلم ينصب رأسه ولم يقنعه، ووضع يديه على ركبتيه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاعتدال في الركوع، يعني: الاستواء فيه، بحيث يكون رأسه محاذياً لظهره، ويكون مستقراً في ركوعه، ويداه على ركبتيه، لا يكون رأسه مرتفعاً وظهره غير منحنٍ، ولا يكون أيضاً بأن يخفض رأسه، ويعصر ظهره بحيث ينزل، أي: يكون مستوياً، وإنما يكون رأسه محاذياً لظهره؛ ولهذا أورد حديث أبي حميد.
وقد أورد حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع اعتدل فلم ينصب رأسه ولم يقنعه)]، يعني: ما رفعه ولا خفضه، وإنما جعله مساوياً لظهره، وهذا هو المقصود، وهذا تفسير للاعتدال.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا ركع اعتدال...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وقد مر ذكره.
[حدثنا يحيى].
وهو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الحميد بن جعفر].
عبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني محمد بن عمرو بن عطاء].
محمد بن عمرو بن عطاء، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حميد].
أبو حميد الساعدي، هو المنذر بن سعد بن منذر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

التطبيق العملي لوضع الراحتين على الركبتين
السؤال: أرجو أن تبين لنا موضع الراحتين في اليدين، وموضع أصابع اليدين على الركبتين بالتطبيق العملي؟الجواب: هذا هو، الركبتين والأصابع نزلت، لكن كون الأصابع، تجمع أو تفرق، لا أدري؟

حكم تصوير المجسمات لغير ذوات الأرواح
السؤال: ما حكم مجسمات غير ذوات الأرواح، يقول على سبيل المثال: الكفين حال الدعاء، بعض المجسمات هكذا؟الجواب: أقول: صورة الكفين لا بأس بها، المحذور هو الوجه وما يتبع الوجه، يعني لو صورة رجل أو صورة كف، اللهم إلا إذا كانت الكف فيها فتنة، أو فيها شيء يغري أو يؤثر، فيكون المنع لسبب الحسن والجمال الذي يؤثر.
حكم الصلاة بين السواري
السؤال: هل تجوز الصلاة بين السواري إذا كانت نافلة، أو لا، وذلك على الجنازة؟الجواب: الصلاة بين السواري في حال الجماعة لا يجوز، أن يصف بينها إلا إذا لم يوجد، إلا ما بين السواري لامتلاء المسجد، وحاجة الناس إلى أن يصفوا بين السواري، لكن إذا صف جماعة، وواحد لم يجد إلا هذا المكان، وقد امتلأت الصفوف، فله أن يصف، كما أن له أن يصف وحده، يعني: للضرورة، أما بالنسبة للنافلة فالصلاة جائزة، لكن الأولى أن الإنسان يصلي إلى سترة، يعني: ما دام أنه ليس هناك ضيق، فكونه يأتي ويختار المكان الذي فيه سترة، أولى من كونه يذهب.

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:09 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(195)- باب النهي عن القراءة في الركوع - باب تعظيم الرب في الركوع
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في الركوع والسجود؛ وذلك لأن الركوع موضع لتعظيم الرب سبحانه وتعالى، ولا بأس فيه بشيء من الدعاء. وأما السجود فيكثر الإنسان فيه من الدعاء؛ لأنه مظنة الاستجابة، ولا بأس فيه بتعظيم الله تعالى.
النهي عن القراءة في الركوع
شرح حديث علي: (نهاني النبي عن القسي والحرير وخاتم الذهب وأن أقرأ وأنا راكع...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن القراءة في الركوع.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا حماد بن مسعدة عن أشعث عن محمد عن عبيدة عن علي رضي الله عنه أنه قال: (نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن القسي والحرير وخاتم الذهب، وأن أقرأ وأنا راكع، وقال مرة أخرى: وأن أقرأ راكعاً)].
يقول النسائي رحمه الله: النهي عن القراءة في الركوع، هذه الترجمة كما هو واضح مفادها: أن المصلي في حال ركوعه -وكذلك في حال سجوده- لا يقرأ القرآن، وإنما قراءة القرآن تكون في حال القيام؛ في حال قيامه الأول الذي هو قبل الركوع، هذا هو محل القراءة، يقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن، وأما الركوع والسجود فإنه لا يقرأ فيه القرآن، وإنما يكون فيه الذكر والدعاء، فيعظم الله عز وجل في الركوع، ويكثر من الدعاء في السجود، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: [(نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي)]، والمراد بها: ثياب تنسب إلى بلد بهذا الاسم، وهي مخلوطة بالحرير، فنهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عن لبس الحرير الذي هو الخالص، وعن التختم بالذهب، ومن المعلوم أن الرجال لا يجوز لهم استعمال الذهب مطلقاً؛ لا التختم، ولا غير التختم، وأما بالنسبة للفضة فللرجل أن يتخذ الخاتم من الفضة، وأما الذهب فلا يجوز في حق الرجال، وإنما هو جائز في حق النساء، وقد أخذ النبي عليه الصلاة والسلام ذهباً وحريراً وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها)، فهنا قال: [(وعن خاتم الذهب)].
قوله: [(وأن أقرأ وأنا راكع)]، هذا هو محل الشاهد، وقال مرة: [(وأن أقرأ راكعاً)]، يعني: في حال الركوع، هي حال إلا أنها في قوله: [(وأن أقرأ وأنا راكع)]، الجملة حال، والرواية الثانية التي قال مرة أخرى: [(وأن أقرأ راكعاً)]، راكعاً أيضاً حال، وأنا راكع أو راكعاً، كل منهما حال، إلا أن هذا مفرد والأول جملة.
ومحل الشاهد منه هذه الجملة الأخيرة؛ وهي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن القراءة في حال الركوع.
تراجم رجال إسناد حديث علي: (نهاني النبي عن القسي والحرير وخاتم الذهب وأن أقرأ وأنا راكع ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا حماد بن مسعدة].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو ابن عبد الملك الحمراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد].
هو: ابن سيرين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة].
هو عبيدة بن عمرو السلماني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو تابعي كبير مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي رضي الله عنه].
هو علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبو الحسنين رضي الله تعالى عنه وعنهما وعن الصحابة أجمعين، وهو رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وهو صاحب المناقب الكثيرة والخصال العظيمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وعبيدة بالفتح وكسر الباء، وهو موجود في الكتاب: عبيدة بالضم وهو خطأ، وإنما هو عبيدة بفتح العين وكسر الباء؛ عبيدة بن عمرو السلماني.
شرح حديث علي: (نهاني رسول الله عن خاتم الذهب وعن القراءة راكعاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه قال: (نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب، وعن القراءة راكعاً، وعن القسي والمعصفر)].هنا أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث علي من طريق ابن عباس، ففيه رواية صحابي عن صحابي، وهو مشتمل على ما تقدم من ذكر النهي عن لبس القسي، وعن خاتم الذهب، وعن القراءة في حال الركوع، وعن المعصفر.
والمعصفر هي: ثياب مصبوغة يقال لها؛ يعني: توصف بهذا الوصف الذي هو المعصفر، وقد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث علي: (نهاني رسول الله عن خاتم الذهب وعن القراءة راكعاً ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن يحيى بن سعيد].
هو القطان، المحدث، الناقد، المشهور، ثقة، ثبت معروف كلامه في الرجال والعلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عجلان].
هو: محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه عبد الله بن حنين، وهو كذلك ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث علي: (نهاني رسول الله ولا أقول ينهاكم عن تختم الذهب ... وعن القراءة في الركوع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن داود المنكدري حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن إبراهيم بن حنين عن أبيه عن عبد الله بن عباس عن علي رضي الله عنهما أنه قال: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول: نهاكم، عن تختم الذهب، وعن لبس القسي، وعن لبس المفدم والمعصفر، وعن القراءة في الركوع)].هنا أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه يقول: [(نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول: نهاكم)]، وليس المقصود من هذه العبارة أن هذا الحكم يخصه، وأنه من خصائصه، وأن الأمة ليست كذلك؛ لأن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لواحد خطاب للجميع، إلا إذا جاء دليل يدل على اختصاصه بهذا الذي خوطب به، مثل ما جاء في حديث الرجل الذي ذبح أضحيته قبل الصلاة، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (شاتك شاة لحم، ثم قال: إن عندنا عناقاً داجن)، يعني: أنها ما بلغت السن الذي هو السنة؛ لأن الأضحية والهدي لا يقل عمر المعز عن سنة، وأما الضأن يكون ستة أشهر، فهو أخبر بأن عنده عناقاً داجناً، يعني: سمين، وهي لم تبلغ السن الذي يحل في الأضحية، فهل تجزئ عني؟ قال: (نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك)، عرف بأن هذا حكم يخصه؛ لأنه سأل: هل يجزئ عنه؟ قال: نعم، وأضاف إلى ذلك: (ولن تجزئ عن أحد بعدك)، يعني: ما تقضي ولا تجزئ عن أحد بعدك، فدل هذا على أن هذا حكم خاص بهذا الرجل، وأما إذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لشخص: لا تفعل كذا ولا تفعل كذا؛ كقوله لـعلي: [(لا تلبس القسي، ولا تقرأ وأنت راكع)]، ولا تفعل كذا بصيغة الإفراد؛ فإن هذا الحكم لا يختص به؛ لأن الأحاديث التي فيها خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد هو خطاب للجميع، وخطابه لواحد خطاب للأمة، والرجل الذي قبل الأجنبية، وجاء يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره أن يصلي معه، فأنزل الله عز وجل: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )[هود:114]، قال: (هل هذا لوحدي يا رسول الله؟) -لأنه كان سبب النزول- قال: (بل لأمتي كلهم)؛ لأن الخطاب لواحد خطاب للجميع، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما يقولون.
ومعنى قول علي رضي الله عنه: [نهاني ولا أقول: نهاكم]، أنه قال له: لا تفعل كذا، ما قال: لا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، وإنما قال: لا تفعل كذا يخاطبه، وهذا معناه أنه تقيد باللفظ الذي صدر إليه، وأنه قال: لا تفعل، ولم يقل: لا تفعلوا، وهذا منه رضي الله عنه محافظة على اللفظ، وأنه يبلغ مثلما تحمل، وقد تحمل أنه قيل له: لا تفعل، فعندما راح يخبر قال: نهاني ولا أقول: نهاكم؛ لأنه لم يقل لا تفعلوا كذا، وإنما قال: لا تفعل، خطاب لواحد، فهذا المراد به الحكاية عند الأداء مثل ما تحمل، وقد تحمل في حال الإفراد، وعندما أراد أن يبلغ بين أن ذلك في حال الإفراد، وأنه قال: [(نهاني ولا أقول: نهاكم)]، ولا أقول: أنه قال: لا تفعلوا، وإنما قال: لا تفعل، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن هذا دليل على عدم الرواية بالمعنى، وأن الإنسان إذا أخذ شيئاً يؤديه كما جاء وكما تحمله، لكن كما هو معلوم الرواية بالمعنى سائغة وجائزة؛ لأن الراوي إذا لم يتمكن من حفظ اللفظ، ولكنه حفظ المعنى وضبطه، فإنه يؤديه بالألفاظ التي يؤدى بها، والله تعالى يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )[التغابن:16]، فإذا لم يكن الإتيان به بلفظه وأمكن الإتيان به بمعناه فإنه لا يسكت عنه، بل يبلغ ولو كان رواية بالمعنى؛ لأن هذا هو الذي يستطاع، ولو كان ممكن الإتيان باللفظ فهو الأولى والأكمل؛ لأن لفظ رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا جاء فإنه لا ينبغي أن يعدل عنه، بل الذي ينبغي أن يؤتى به كما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أولى من الرواية بالمعنى، والرواية بالمعنى جائزة، وليست ممنوعة، لكن من تمكن من اللفظ، فالذي ينبغي له أن لا يعدل عنه.
إذاً: فكلام علي رضي الله عنه هو محافظة على اللفظ الذي وجه إليه، قال: لا تفعل كذا، ما قال: لا تفعلوا، لكن الأمر كما ذكرت وأكرر أن خطاب الرسول عليه الصلاة والسلام لواحد خطاب للجميع، إلا إذا جاء نص يدل على الاختصاص به.
فهذا هو معنى قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [(نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول: نهاكم، عن لبس القسي، وعن لبس المفدم)]، والمفدم قيل: إن معناه هو: الأحمر الشديد الحمرة المتناهي في الحمرة، وقد جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لبس الأحمر، ويجمع بين هذا وذاك، بأن هذا المنهي عنه هو: المتناهي في الحمرة، والشديد الحمرة، وأما إذا كان دون ذلك، أو ليس متناهياً، فهذا هو الذي جاء عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لبسه، فيجمع بين ما جاء عنه من الفعل، وما جاء عنه من النهي.
قوله: [والمعصفر]، قد مر ذكره قبل هذا.
قوله: [وعن القراءة في الركوع].
هذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث علي: (نهاني رسول الله ولا أقول: نهاكم عن تختم الذهب... وعن القراءة في الركوع)
قوله: [أخبرنا الحسن بن داود المنكدري].لا بأس به، وقد أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه .
[حدثنا ابن أبي فديك].
هو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الضحاك بن عثمان].
صدوق يهم، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إبراهيم بن حنين عن أبيه عن عبد الله عن علي ].
قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث علي: (نهاني رسول الله عن خاتم الذهب ... وقراءة القرآن وأنا راكع) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد زغبة عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين حدثه: أن أباه حدثه: أنه سمع علياً رضي الله عنه يقول: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب، وعن لبوس القسي والمعصفر، وقراءة القرآن وأنا راكع)].وفيه ما في الذي قبله ما تقدم من النهي عن لبس القسي، وعن خاتم الذهب، وعن المعصفر، وأن يقرأ القرآن وهو راكع، ومحل الشاهد منه: النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع.
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد زغبة].
هو عيسى بن حماد، ولقبه زغبة، فجمع بين النسب واللقب، وهذا يأتي أحياناً، فيجمع بين الاسم واللقب، وأحياناً يذكر الاسم بدون اللقب، وقد يذكر اللقب بدون الاسم، مثل: محمد بن جعفر غندر، يأتي أحياناً باسمه فقط، وأحياناً بلقبه، وأحياناً باسمه ولقبه مع بعض؛ محمد بن جعفر غندر، وهنا فيه الجمع بين الاسم والنسب واللقب، الذي هو زغبة، وهو التجيبي المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن الليث].
هو الليث بن سعد، وقيل في ترجمة عيسى بن حماد هذا: إنه آخر من روى عن الليث من الثقات، والليث بن سعد هو المحدث، الفقيه، ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين حدثه: أن أباه حدثه: أنه سمع علياً].
قد مر ذكرهم قبل هذا.
قد يأتي في بعض الأسانيد ذكر ابن عباس بين عبد الله بن حنين وبين علي، وفي بعضها يأتي دون ذكر ابن عباس، وهذا يحصل بأن يكون الراوي حصله نازلاً، ثم إنه يظفر به عالياً، فيرويه على الوجهين، فيكون رواه عن ابن عباس عن علي، ويكون أدرك أو لقي علياً، فأخذه منه مباشرة، فتكون الرواية على الوجهين، ولهذا قال: سمعت علياً، هنا يقول في هذا الإسناد: عن عبد الله بن حنين، قال: سمعت علياً، فهو يروي هذا الحديث عن علي بواسطة ابن عباس وبدون واسطة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-12-2026, 01:12 AM
حديث علي: (نهاني رسول الله عن لبس القسي ... وعن القراءة في الركوع) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن القراءة في الركوع)].هنا أورد النسائي حديث علي من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما تقدم من النهي عن لبس القسي، وعن المعصفر، وعن التختم بخاتم الذهب، وعن القراءة في حال الركوع، ومحل الشاهد منه في الجملة الأخيرة؛ وهي القراءة في حال الركوع.
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن عبد الله عن أبيه عن علي].
قد مر ذكرهم.
تعظيم الرب في الركوع
شرح حديث: (... فأما الركوع فعظموا فيه الرب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تعظيم الرب في الركوع.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن سليمان بن سحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه، فقال: أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ثم قال: ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء قمن أن يستجاب لكم)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تعظيم الرب في الركوع، يعني بذلك: أن الركوع هو موضع يعظم فيه الرب ويثنى عليه سبحانه وتعالى بما يليق به، وذلك بما ورد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسيأتي جملة من الأحاديث التي فيها الذكر الذي يكون في الركوع، وهو مشتمل على تعظيم الرب سبحانه وتعالى، لكن هذا لا يعني أنه لا يدعى فيه أصلاً، بل يجوز أن يدعى فيه، ولكن الأولى أن يكون الغالب عليه التعظيم لله عز وجل، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)، وهو مشتمل على تعظيم ودعاء؛ لأن قوله: (سبحانك اللهم)، تعظيم وثناء، و(اللهم اغفر لي) دعاء، وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها: (أنه بعدما أنزل الله عليه: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )[النصر:1]، ما صلى صلاة إلا يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، أي: يطبق القرآن وينفذ ما جاء في القرآن؛ لأن القرآن يقول: ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ )[النصر:3]، أمر بالتسبيح وأمر بالاستغفار، فكان يسبح ويستغفر في الركوع والسجود، يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)، وفيه تنفيذ وتطبيق لما أمر به من التسبيح والدعاء في الركوع والسجود.
الحاصل: أن الغالب على الركوع أن يكون ذكر وثناء، وتعظيم للمولى سبحانه وتعالى، وأنه يجوز فيه الدعاء، وكذلك السجود الغالب عليه أن يكون فيه الدعاء، وإذا عظم الله عز وجل، وأثني عليه في حال السجود، فإن ذلك سائغ، ولكن يغلب على الركوع أن يعظم فيه الرب، وعلى السجود أن يكثر فيه من الدعاء، ويجوز أن يعظم الله في السجود، ويجوز أيضاً أن يدعى في حال الركوع.
وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته، كشف الستارة والناس صفوفاً خلف أبي بكر يصلون وراءه، فسر عليه الصلاة والسلام وقال: [(أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)].
قوله: [(إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة)]؛ من المعلوم: أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي، ويخبر بالمغيبات، وطريق ذلك الوحي، لكن معرفة أو إمكان معرفة شيء مستقبلاً ما بقي إلا الرؤيا الصالحة، يراها الرجل أو ترى له، إذا كانت حسنة وطيبة، فإنها يكون تأويلها فيما بعد، ولكنها فيها بشارة، وهي عن أمر يحصل في المستقبل يقع له، فبوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس هناك السبيل إلى معرفة شيء مغيب، ولكن الرؤيا الصالحة يمكن أن يحصل بها بشارة عن خير يأتي عن طريق الرؤيا وتأويلها؛ لأن الرؤيا يرى شيئاً يحصل ثم يقع ذلك الذي رآه في المنام، يعني إما أن يكون على هيئته التي رآه عليها، أو يراه على صورة المثال، ويكون له تأويل يعرف عن طريق القياس، وإلحاق الشبيه بالشبيه؛ لأن تعبير الرؤى يكون تأويلها ووقوع المرئي الذي رئي، إما أن يكون على هيئته التي رآه فيها، أو يكون الرؤيا ضرب مثال.
وقصة الفتيين اللذين مع يوسف في السجن وكل منهما رأى رؤيا؛ أحدهما: رأى أنه يعصر خمراً، والثاني: رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً وتأكل الطير منه، وتأويل هذه الرؤيا أنهم رأوا الرؤيا فيما بعد: أحدهما لما خرج من السجن صار يعصر خمراً كما رأى في النوم، فكان تأويلها مطابقاً للرؤيا، وأما الثاني فليس على المطابقة، وإنما هو بالمثال، الذي يحمل فوق رأسه خبز، ليس أن يحمل فوق رأسه خبزاً، وإنما يقطع رأسه، ويصلب فتأتي الطير وتنزل عليه وتأكل من هذا المكان الذي قطع، فصار هذا هو تأويلها، هذا يعني في المستقبل يقتل، فتأويله أنه يقتل، وهذا تأويله أنه يعصر خمراً.
فقوله: [(لم يبق من مبشرات النبوة)]، يعني: ما يعلم عن الأمور المستقبلة عن طريق النبوة، ما بقي بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يوصل إلى ذلك، لكن بقي شيء واحد؛ وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له، فإن هذا فيه الوصول، أو معرفة شيء يحصل في المستقبل عن طريق هذه الرؤيا الصالحة، التي يراها المؤمن أو يراها المسلم أو ترى له، فهذا هو معنى الحديث: [(لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)].
قوله: [(ثم قال: ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً)].
هذا فيه بالإضافة إلى النهي عن القراءة في الركوع، والنهي عن القراءة في السجود، لا يقرأ في حال الركوع ولا في حال السجود، وإنما القراءة في حال القيام، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث.
وفي هذا الحديث دليل على أن هذا الحكم من آخر ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا الذي حصل إنما كان في مرض موته، بل في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، أنه كشف الستارة وقال ما قال، وقال: [(ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب)].
ولما بين عليه الصلاة والسلام أن الركوع والسجود لا يقرأ فيهما القرآن؛ بين أو أرشد إلى ما الذي يفعل فيهما؟ قال: [(أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء قمن أن يستجاب لكم)].
يعني: حري وجدير أن يستجاب لكم، فلما بين عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن القراءة في الركوع والسجود، أرشد عليه الصلاة والسلام إلى ما الذي ينبغي أن يفعل في حال الركوع والسجود، وأن حال الركوع يعظم فيه الرب، وذكرت أنه لا بأس من الدعاء في حال الركوع، ولكن الغالب على الركوع التعظيم، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء، ويكثر فيه من الدعاء؛ لأنه من مواطن الإجابة، وحري بالإجابة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: [(قمن أن يستجاب لكم)].
تراجم رجال إسناد حديث: (... فأما الركوع فعظموا فيه الرب ..)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قد مر ذكره.
[حدثنا سفيان].
سفيان هو: سفيان بن عيينة، إذا جاء قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة؛ لأنه ما روى عن سفيان الثوري، ولم يذكر المزي في ترجمته في تهذيب الكمال أنه روى عن سفيان الثوري، وإنما روى عن سفيان بن عيينة، فأهمل ولم يذكر قتيبة نسب سفيان بن عيينة؛ لأنه ما روى عن الثوري، روايته عن سفيان بن عيينة، فهو مهمل، وعرف أنه ابن عيينة بمعرفة أن قتيبة لم يرو عن سفيان الثوري.
فإذاً: الاحتمال الثاني وهو أن يكون سفيان الثوري ذهب؛ لأنه لم يكن لـقتيبة رواية عن سفيان الثوري في الكتب الستة، وسفيان بن عيينة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان بن سحيم].
صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد].
هو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب، وهو صدوق أيضاً، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، مثل الذي قبله.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن معبد بن عباس، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه, مثل الذين قبله، روى عنهم مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
ما خرج البخاري، ولا الترمذي لهؤلاء الثلاثة المتوالون؛ الذين هم: سليمان بن سحيم، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، وعبد الله بن معبد بن عباس.
[عن ابن عباس].
يعني: يروي عن عمه؛ لأنه عبد الله بن معبد بن عباس، يروي عن عمه عبد الله بن عباس، وقد مر ذكره قريباً.
سبق أن قلنا: إن الحديث الذي فيه: [ألا أصلي لكم]، حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفيه: (أنه إذا ركع وضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك)، وكان الشيخ الألباني رحمه الله ذكر في صحيح سنن النسائي: أن الحديث صحيح باستثناء جملة الأصابع -يعني ذكر الأصابع وما يتعلق- هذا جاء من هذه الطريق، ما جاء من غيرها، وأما ما عدا ذلك فقد جاء من طرق أخرى، فصححه واستثنى جملة الأصابع، وأحال إلى إرواء الغليل، وفي إرواء الغليل ذكر أن عطاء بن السائب اختلط، وأن الذين رووا عنه هذا الحديث ما سمعوا منه قبل الاختلاط، وإنما سماعهم له بعد الاختلاط ومن المعلوم أن المختلط إذا كان الذين أخذوا عنه بعد الاختلاط هذا لا يعول عليه، وما أخذ عنه قبل الاختلاط، فهذا يعول عليه، وعلى هذا الأساس بنى الشيخ ناصر الألباني تضعيف هذه الجملة التي ما جاءت إلا في هذا الحديث، وإن كان الباقي جاء من طرق أخرى فيكون صحيحاً، يعني من أجل الطرق الأخرى التي هي غير عن عطاء بن السائب، فـعطاء بن السائب هو الذي وصف بأنه اختلط، لكن ذكرت أنا سابقاً أن زائدة بن قدامة سمع منه قبل الاختلاط، فهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، وعلى هذا فتكون الجملة أيضاً ثابتة، وهذا الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب عندما ذكر كلام الناس الذين قالوا في اختلاطه، ومن سمع قبل الاختلاط، ومن سمع بعد الاختلاط، ثم قال: الحاصل أن فلاناً وفلاناً وفلاناً ومنهم زائدة سمعوا قبل الاختلاط، فسماعهم صحيح وحديثهم صحيح، وغيرهم سمعوا بعد الاختلاط.
فعرفنا من هذا أن زائدة، وهو ممن روى الحديث بأحد الطرق التي مرت بنا، وفيها ذكر الأصابع، فيه زائدة بن قدامة، وهو ثقة سمع منه قبل الاختلاط، فيكون الحديث ثابتاً، ولعل الشيخ ناصر لم يطلع على رواية زائدة عن عطاء بن السائب.
وعلى هذا فالتضعيف الذي بنى عليه الشيخ ناصر تبين أن عطاء بن السائب قد سمع منه زائدة بن قدامة هذا الحديث، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، فتكون هذه الجملة التي استثناها الشيخ ناصر ثابتة أيضاً كما ثبت غيرها.
الأسئلة

عقيدة أهل السنة في عصمة الأنبياء
السؤال: ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة في عصمة الأنبياء، هل هم معصومون عن الصغائر أو الكبائر قبل النبوة أو بعدها؟الجواب: الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون باتفاق فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يمكن أن يبلغوا شيئاً يخطئون فيه، بل هم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله عز وجل، فكل ما جاء عن الرسل عليهم الصلاة والسلام مما بلغوه عن الله فإنهم معصومون فيه، وكذلك العصمة من الكبائر؛ يعني: كبائر الذنوب هم معصومون منها؛ يعني: الذي يشينهم ويزري بهم هم معصومون منه، وأما الصغائر فقد اختلف فيها العلماء؛ منهم من قال بعصمتهم منها، ومنهم من قال بعدم العصمة، ولكنها إذا حصلت منهم يرجعون إلى الله عز وجل، ويتوبون إليه، ويستغفرونه، ويكون في ذلك زيادة كمال.
فالمسألة خلافية فيما يتعلق بالصغائر، وأما فيما يتعلق بالكبائر وما يتعلق بالتبليغ فإنهم معصومون باتفاق.
الكتب التي تكلمت على عصمة الأنبياء
السؤال: ما هو أفضل كتاب يبين بإيضاح فيما يتعلق بعصمة الأنبياء؟الجواب: أنا ما أعرف كتاباً معيناً، لكن أنا ذكرت في الفوائد المنتقاة من فتح الباري بعض المواضع التي فيها هذا المبحث في فتح الباري، وفي مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية.
الفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة
السؤال: ما الفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة؟الجواب: أمة الدعوة هم كل إنسي وجني من حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، هؤلاء هم أمة الدعوة، ومعناه: أنهم مدعوون ومأمورون بأن يؤمنوا بالله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يدخلوا في هذا الدين الحنيف الذي جاء به المصطفى محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وأما أمة الإجابة فهم الذين استجابوا ودخلوا في الإسلام، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخلوا في هذا الدين الحنيف، أمة إجابة أجابوا الدعوة، يعني الكل مدعو، والبعض وفقه الله عز وجل لإجابة الدعوة، ولهذا جاء في القرآن: (وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )[يونس:25]، فحدث المفعول بالدعوة لإفادة العموم، (وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ )[يونس:25]، يعني كل أحد مدعو إلى دار السلام، ما أحد يدعى وواحد ما يدعى، ما أحد يقال له: اسلك طريق الجنة وامتثل الأوامر واجتنب النواهي، وواحد ما يقال له، كل يقال له ذلك، كل يطلب منه أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن يلتزم بما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:04 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(196)


- (باب الذكر في الركوع) إلى (باب نوع آخر من الذكر في الركوع)
بيّن لنا رسولنا الكريم أن الركوع يعظم فيه الرب، فلا يصح فيه قراءة القرآن، فهو تذلل للجبار، وفيه رفعة للعبد؛ ولهذا شُرع لنا أن نقول فيه: (سبحان ربي العظيم) وكذلك: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ...).
الذكر في الركوع
شرح حديث حذيفة: (صليت مع رسول الله فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الذكر في الركوع.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الذكر في الركوع، الركوع سبق أن مر في الحديث الذي قبل هذا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [(أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)]، وهذا الحديث، أو هذه الترجمة تتعلق ببيان الذكر في الركوع، وما هو اللفظ الذي يأتي به الإنسان في ركوعه معظماً ربه، آخذاً بقوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)]، فأورد حديث حذيفة رضي الله عنه: (أنه صلى مع رسول الله عليه الصلاة والسلام فسمعه يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى)]، وعلى هذا فإن قوله: سبحان ربي العظيم، هو من الذكر الذي يعظم الله عز وجل به؛ لأنه تنزيه لله عز وجل، وتعظيم له، ووصفه بأنه العظيم، والحديث الماضي يقول: [(فعظموا فيه الرب)].
ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، وهو من تعظيم الله عز وجل وذكره، وفيه دليل على: أن السجود الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: [(وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء)]، أنه لا بأس، وأنه يشرع، بل يجب عند بعض العلماء أن يقول: سبحان ربي الأعلى في السجود، وهو دليل على أن السجود، الغالب عليه الدعاء، كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الماضي: [(وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)]، كذلك أيضاً يعظم الله عز وجل، ويثنى عليه فيه؛ لأن (سبحان ربي الأعلى) هذا تعظيم لله عز وجل، وليس فيه دعاء، وإنما هو ثناء على الله عز وجل.
والركوع الذي يعظم فيه الرب، جاء الدعاء فيه، والسجود الذي يجتهد فيه في الدعاء، جاء التعظيم فيه، والذكر لله عز وجل فيه، وهذا الحديث يدل على هذا؛ لأن هذا ذكر وليس بدعاء، وهو سبحان ربي الأعلى.
فالحديث يدل على: أن المصلي في ركوعه يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده يقول: سبحان ربي الأعلى، ويكثر في ركوعه من تعظيم الله عز وجل، ويكثر في سجوده من الدعاء، والاجتهاد به؛ فإنه قمن، أي: حري وجدير أن يستجاب لمن حصل منه ذلك.
والحديث الذي سيأتي، يدل على هذا؛ لأن (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)، كان عليه الصلاة والسلام يأتي بها في ركوعه، وفي سجوده، وبعضها دعاء، وبعضها ثناء، فسبحانك اللهم وبحمدك ثناء، واللهم اغفر لي دعاء.
فإذاً: إتيان الرسول عليه الصلاة والسلام في سجوده وركوعه، بسبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، يدل على أن السجود يعظم فيه الرب، وأن الركوع يعظم فيه الرب، وأن الركوع يدعى فيه، وأن السجود يدعى فيه، إلا أن الغالب على الركوع التعظيم، والغالب على السجود الاجتهاد في الدعاء، كما دل على ذلك الحديث الماضي.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (صليت مع رسول الله فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة، فقيه، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وابن راهويه له إطلاقان: إطلاق عند المحدثين، وإطلاق عند اللغويين، فالإطلاق عند المحدثين أن تكون الواو ساكنة وما قبلها مضموم والياء مفتوحة، أما عند اللغويين فإن الواو تكون مفتوحة، والياء بعدها تكون ساكنة، فعند المحدثين، يقولون: ابن راهويَه، وعند اللغويين يقولون: ابن راهويْه، يعني: مختوماً بويه.
وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا أبو معاوية].
هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحفظ الناس في حديث الأعمش، وهو يروي عن الأعمش.
[عن الأعمش].
وهو لقبٌ، صاحب هذا اللقب هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، هذا اسمه ونسبه، ولقبه الأعمش، وهو قد اشتهر به، ويأتي ذكره أحياناً باللقب وأحياناً بالاسم، وهنا جاء ذكره باللقب وهو مشهور به، وقد ذكرت مراراً وتكراراً، أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه في موضع، ثم ذكر بلقبه في موضع آخر؛ فإن من لا يعرف أن هذا لقب لـسليمان بن مهران، يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر، لكن من عرف هذا، لا يلتبس عليه هذا، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، وهو من اشتهر بلقبه من المحدثين، وذكر بلقبه مرة وباسمه أخرى.
والأعمش أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن عبيدة].
هو سعد بن عبيدة الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن المستورد].
هو المستورد بن الأحنف، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن صلة].
هو صلة بن زفر، وهو ثقة، جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة].
وهو: ابن اليمان، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الذكر في الركوع
شرح حديث: (كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر في الركوع.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد ويزيد قالا: حدثنا شعبة عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر في الركوع؛ لأنه عقد الترجمة الأولى وهي: باب الذكر في الركوع، ثم يأتي لكل لفظ بترجمة، وهي: نوع آخر من الذكر في الركوع، وكلمة: (الذكر) كما أشرت، تعني: الثناء على الله عز وجل، بخلاف الدعاء؛ فإن الدعاء ينص عليه يقال: الدعاء، وأما الثناء والذكر والتعظيم يقال له: ذكرٌ لله عز وجل.
وقد أورد النسائي فيه، حديث عائشة رضي الله عنها: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)]، وجاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أنزل الله عز وجل عليه: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )[النصر:1]، ما صلى صلاة إلا يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، تعني بذلك: أنه يطبق القرآن، وينفذ ما أمر به في القرآن؛ ولهذا جاء عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن)، وكون القرآن خلقه، معناه: أنه يتخلق بأخلاقه، ويتأدب بآدابه، ويمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويعبد الله عز وجل، وفقاً لما جاء في القرآن الكريم، وبما أوحاه الله عز وجل إليه، من ما ليس بقرآن، وإنما هو سنة ثابتة عنه عليه الصلاة والسلام.
إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتخلق بأخلاق القرآن، ويتأدب بآداب القرآن، ويمتثل أوامر القرآن، وكذلك ما يوحيه الله عز وجل إليه، من ما ليس بقرآن، فإن الحق والهدى هو الكتاب والسنة، الكتاب الذي هو وحي يتلى، والسنة التي هي وحي لا يتلى، ولا يقرأ به في الصلاة، ولكن السنة هي مثل القرآن في التعبد بها، والعمل بها، والاستسلام والانقياد لما جاء فيها، فيصدق أخبارها، كما يصدق أخبار القرآن، ويمتثل الأوامر التي جاءت بها السنة، كما يمتثل أوامر القرآن، وينتهي عن النواهي التي جاءت في السنة، كما ينتهي عن ما جاء في القرآن، ويعبد الله طبقاً لما جاء في السنة، كما يعبده طبقاً لما جاء في القرآن، وذلك أن الهداية والاستقامة، إنما تكون باتباع الكتاب والسنة، ولا يفرق بين الكتاب والسنة فيعمل بالقرآن ولا يعمل بالسنة، ومن لم يعمل بالسنة، فإنه ليس بعامل بالقرآن؛ لأن القرآن يقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ )[الحشر:7]، يقول الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7]، فلا بد من الأخذ بالسنة، كما أنه لا بد من الأخذ بالقرآن، ولا يقتصر على ما جاء في القرآن، دون ما جاء في السنة؛ لأن السنة هي مثل القرآن، في لزوم وتعين الأخذ بما جاء فيها، ولهذا جاء عن بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو عبد الله بن مسعود أنه لما روى حديث النامصة والمتنمصة وقال: (مالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجود في كتاب الله)، وهو يقصد قوله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7]، وكان هناك امرأة من الصحابيات قالت: (يا أبا عبد الرحمن، إنك تقول هذه المقولة، وإنني قرأت المصحف من أوله إلى آخره، فما وجدت فيه هذا الذي تقول، وهو لعن الله النامصة والمتنمصة، فقال رضي الله تعالى عنه: إن كنتِ قد قرأتيه فقد وجدتيه، قال الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7])، فكل أمرٍ أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، داخل تحت قوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ )[الحشر:7]، وكل نهي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو داخل في قوله سبحانه وتعالى: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7].
فكان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن، وهذا هو معنى كون القرآن خلقه، أن ما جاء فيه من الأخلاق والآداب، يتخلق بها، وما جاء فيه من الأخبار يصدقها، وما جاء من الأوامر يمتثلها، وما جاء من النواهي يجتنبها، وهذا الذي في الحديث، هو من امتثال الأوامر التي جاءت في القرآن؛ لأن الله عز وجل يقول: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ )[النصر:1-3]، فكان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تنفيذاً لقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ )[النصر:3]، وكان يقول: (اللهم اغفر لي) تنفيذاً لقوله سبحانه وتعالى: (وَاسْتَغْفِرْهُ )[النصر:3]، ولهذا جاء عن عائشة أنه ما صلى صلاة بعدما أنزل الله عز وجل عليه هذه السورة، إلا يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي.
وهنا هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها تقول: (إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي).
ثم من الأمور التي هي من أسباب قبول الدعاء: كونه يكون مشتملاً على الثناء على الله عز وجل، فيكون الدعاء مشتملاً على الثناء عليه سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في بعض الأحاديث، الرجل الذي دعا ولم يحمد الله، ولم يصل على رسول الله، قال: (عجل هذا)، ولهذا جاء في صلاة الجنازة، قبل الدعاء أنه يحمد الله، ويصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم يدعو؛ لأن كون الدعاء يسبقه حمد وثناء، هذا يكون من أسباب قبول الدعاء؛ لأنه يمهد له، ويقدم بين يديه حمد الله تعالى، والثناء عليه وتعظيمه، ثم بعد ذلك سؤاله، ولهذا جاء في حديث الاستخارة أن الإنسان عندما يستخير، يمهد لاستخارته بتعظيم الله عز وجل والثناء عليه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرتك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر، ويسميه خيراً لي في ديني ودنياي، وعاقبة أمري، فيسره لي، وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي..)، إلى آخره.
فالحاصل: أنه يثني على الله عز وجل، بين يدي دعائه، وكذلك ما جاء في الحديث: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، فمهد أو قدم لذلك، بالثناء على الله عز وجل، والتوسل إليه بربوبيته لجبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
فهذا الدعاء الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، فيه تعظيم لله عز وجل، يعقبه دعاء، وطلب المغفرة منه سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو أبو مسعود البصري، ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[و يزيد].
وهو ابن زريع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[قالا: حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
وهو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الضحى].
وهو مسلم بن صبيح، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها من ما رميت به من الإفك، في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي من أوعية العلم، ومن حفاظه، وهي التي حفظت الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ونقلتها، وتلقاها عنها الصحابة والتابعون، ولا سيما في الأمور التي تقع بين الزوج وأهله، والتي يحتاج الناس إلى معرفتها، ومعرفة أحكامها، مما يتعلق بالبيوت وأحكام البيوت، وما يتعلق بالعشرة بين الرجل وأهله، وأحكام ذلك، فقد روت عائشة رضي الله عنها وأرضاها الشيء الكثير في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تلقى الصحابة والتابعون عنها هذا العلم الواسع المتعلق بأمور البيت، وما يجري بين الرجل وأهله، مما يكون الناس بحاجة إلى معرفته؛ للاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك.
وهي من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث، وهم سبعة من الصحابة، ستة رجال وامرأة واحدة هي عائشة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فزوجة النبي المراد بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
ولهذا لما تكلم العلماء في المفاضلة بين خديجة وبين عائشة، وكان مما قيل: أن خديجة قامت بأعمال ما قامت بها عائشة، وذلك بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيته في حال شدته لما بعثه الله عز وجل، فكانت له المعين والمساعد والمطمئن، وكلامها معروف لما نزل عليه الوحي، لما نزل لأول مرة، وأنها قالت: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وغير ذلك من الصفات، التي وصفت الرسول صلى الله عليه وسلم بها، رضي الله عنها وأرضاها.
فقالوا عن عائشة: إنها تميزت بأمور ليست عند خديجة، وهي ما تلقته من العلم، وحفظته من العلم، ونقلته عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن من تلقى سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه وحفظها وتلقاها الناس عنه، وأخذوها عن طريقه، فإنه يكتب لكل من استفاد من هذه السنن التي جاءت عن طريقها، فيكتب لها مثل ما يكتب للعاملين؛ لأن من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، ومن دل على خير، فله مثل أجر فاعله، فلها من الأجور مثل أجور من استفادوا من علمها، والسنن التي تلقتها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك الصحابة الآخرون الذين تلقوا السنن، لهم مثل أجور من استفاد منها إلى قيام الساعة؛ لأن هذا علم متسلسل، وعلم باق عندهم، وداخل تحت قوله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فهذا العلم الذي تلقاه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام عنه، وأدوه إلى من بعدهم، وتسلسل وهكذا، والناس يعملون به إلى قيام الساعة؛ للذي تلقى الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام، مثل أجور الذين عملوا بهذه السنن، وتلقوا هذه السنن وأخذوا بها وعملوا بها؛ لأن الاستفادة منها والأخذ بها، إنما كان عن طريق هؤلاء الصحابة الكرام، وعائشة كما رأينا، وكما علمنا من كثرة حديثها، وتلقي العلم عنها، واستفادة الناس من هذا العلم، منذ عصر النبوة وإلى نهاية الدنيا، كل ذلك أجوره تصل إلى عائشة، التي جاءت عنها الأحاديث، وكذلك عن الصحابة الآخرين، الذين جاء عنهم أحاديث يعمل بها الناس، ويعول الناس على ما جاء فيها، وقد جاءت عن طريقهم.
وقبل ذلك رسول الله -قبل الصحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام- فإنه ما من عامل يعمل عملاً صالحاً في نفسه، إلا وللرسول صلى الله عليه وسلم مثل أجره، من حين بعثه الله إلى قيام الساعة؛ لأن الخير والحق والهدى الذي عند الناس، إنما وصل إلى الناس من طريقه وعلى يديه، فله أجور أعماله، وله مثل أجور أمته كلها من أولها إلى آخرها؛ لأنه هو الذي دلها على هذا الخير، ودلها على هذا الهدى.
وإذا أراد الإنسان أن يصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام بسببه ثواب وأجر، فما عليه إلا أن يعمل لنفسه صالحاً، ثم الله تعالى يعطي نبيه مثل ما أعطاه، ولهذا كانت محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبته لأبيه وأمه، وابنه وبنته، وقريبه وصديقه، وكل مخلوق، يجب أن تفوق محبته محبة أي مخلوق، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، والسبب في هذا: أن المنفعة والفائدة التي حصلت للإنسان على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، أجل نعمة وأجل فائدة، لا يساويها نعمة، ولا يساويها فائدة؛ لأن هذه أجل النعم وأعظمها، وهي نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، نعمة الإسلام، نعمة الهداية، نعمة السلامة من الدخول في النار، والبقاء فيها أبد الآباد، ولا يكون هذا إلا بالإسلام، وبالدخول في هذا الدين الحنيف، الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:08 PM
نوع آخر منه
شرح حديث: (كان رسول الله يقول في ركوعه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر منه.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أنبأني قتادة عن مطرف عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)].
أورد النسائي هذا الحديث، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوعه: [(سبوح قدوس رب الملائكة والروح)]، سبوح قدوس، هذا من الثناء على الله عز وجل، والتعظيم له، وهو داخل تحت قوله: [(أما الركوع فعظموا فيه الرب)]، وهذا من تعظيم الله عز وجل في الركوع، وهذا أيضاً فيه ثناء على الله عز وجل وتعظيم له، وأنه رب الملائكة والروح، والروح فسر بأنه جبريل، وهذا هو أشهر التفاسير أنه جبريل، ويطلق عليه الروح، وقد جاء في القرآن في قصة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا )[مريم:16-17]، الذي هو جبريل، فهو الروح، و(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ )[القدر:4]، أي هو جبريل، عطفه على الملائكة من باب عطف الخاص على العام، وذلك لبيان العناية بذلك الخاص؛ لأنه ذكر مرتين، مرة مندرج تحت اللفظ العام؛ لأنه من جملة الملائكة، ولو لم يذكر الروح لكان جبريل دخل من جملة الملائكة، لكن لبيان عظم شأنه، جاء ذكره معطوفاً على الملائكة.
وفسر الروح بأنه جماعة من الملائكة، أو خلق عظيم من الملائكة، لكن المشهور أن الروح هو جبريل، (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فذلك كله فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، وهو داخل في قوله: (وأما الركوع فعظموا فيه الرب)، هذا من تعظيم الرب سبحانه وتعالى في الركوع.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقول في ركوعه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[عن خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر قريباً.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج، وقد مر ذكره قريباً.
[أنبأني قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف].
هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
رضي الله عنها، قد مر ذكرها.
وأنبأني، وحدثني، وأخبرني، كثيراً ما يأتي استعمالها عند المحدثين بمعنىً واحد، إلا أنه غلب على استعمال (حدثني) فيما سمع من لفظ الشيخ، و(أخبرني) و(أنبأني) فيما إذا كان قرئ على الشيخ عرضاً، سواءً كان هو الذي يقرأ، أو غيره يقرأ على الشيخ وهو يسمع، فإنهم يعبرون عن ذلك بهذه العبارة، وقد يعبرون عن الجميع بحدثني، وأخبرني، وأنبأني.
نوع آخر من الذكر في الركوع
شرح حديث عوف بن مالك في قول النبي في ركوعه: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر في الركوع.أخبرنا عمرو بن منصور يعني: النسائي حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا الليث عن معاوية يعني: ابن صالح عن أبي قيس الكندي وهو عمرو بن قيس سمعت عاصم بن حميد سمعت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر في الركوع، وأورد فيه حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه قال: [(قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فلما ركع مكث قدر سورة البقرة)]، يعني: أطال الركوع؛ لأنه كما جاء في حديث آخر، أنه قرأ البقرة، والنساء، وآل عمران، في ركعة، وهنا يفيد أن الركوع كان مقدار سورة البقرة، فالركوع طويل، والقيام طويل، وكان من ما سمعه يقول في ركوعه: [(سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)]، وكل هذا فيه تعظيم لله عز وجل؛ لأن الجبروت، يعني: من الجبر وهو القهر والغلبة، وهو القاهر الذي لا يغلبه غالب، وكذلك الملكوت يعني: صاحب الملك، الذي لا يخرج عن ملكه شيء، ولا يستعصي عليه شيء، بل الكل خاضع له، والكل داخل في ملكه، فهو ملك الأملاك سبحانه وتعالى، وهو الذي على كل شيء قدير، وهو ذو الكبرياء وذو العظمة، وإذا وجد التكبر من غيره سبحانه وتعالى، فإن ذلك تعد وتطاول على حق الله عز وجل، وعلى ما يليق بالله عز وجل، ولهذا كان المتكبرون الذين يتكبرون في الدنيا، يعاقبهم الله عز وجل بالذلة، ويكون شأنهم يوم القيامة أنهم يحشرون كأمثال الذر لحقارتهم؛ لأنهم كانوا يتعاظمون، ويحصل منهم التعاظم، فيكون حشرهم يوم القيامة، أنهم كأمثال الذر لحقارتهم، ولكونهم ليسوا بشيء، يعني: جوزوا بنقيض قصدهم وما أرادوه، فصار بدل هذا التعاظم، يكونون في غاية الحقارة، وغاية الذلة والمهانة يوم القيامة.
تراجم رجال إسناد حديث عوف بن مالك في قول النبي في ركوعه: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور، يعني: النسائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده، وهنا قال: يعني: النسائي، وقائل: [يعني: النسائي] هذا من دون النسائي ؛ لأن هذا شيخ النسائي، فـالنسائي لا يحتاج إلى أن يقول: يعني النسائي، وإنما ينسب شيخه كما يريد؛ لأنه كما جاء في بعض الأحاديث، أحياناً يذكر في بعض شيوخه خمسة أسماء؛ لأنه شيخه يقول فيه كما يريد، ويبينه كما يريد، لكن هنا القائل لها من دون النسائي ؛ لأن النسائي تلميذ عمرو بن منصور النسائي، إذاً: قائل [يعني: هو] من دون النسائي، إما ابن السني الذي روى عنه الكتاب، أو من دون ابن السني، ممن أخذوا عن ابن السني.
وكلمة: [يعني] هذه لها فاعل ولها قائل، فقائلها من دون النسائي، وفاعلها النسائي ؛ لأن (يعني) الفاعل فيها ضمير مستتر يعود للنسائي، قال ذلك من دون النسائي.
[حدثنا آدم بن أبي إياس].
وهو العسقلاني، آدم بن عبد الرحمن، لكنه مشهور بنسبته إلى أبيه مكنى، فيقال له: آدم بن أبي إياس، وأبوه، اسمه عبد الرحمن، لكنه مشهور بنسبته إلى أبيه مكنى، وهو ثقة، عابد، أخرج له البخاري، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه .
[حدثنا الليث].
الليث، وهو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهنا أنبه على شيء وهو أن في نسخة التقريب المصرية، ما أدري عن هذه النسخة، ولعلها كلها واحدة من ناحية الترتيب، أي: لما جاء عند آدم بن أبي إياس، من يسمى آدم، أتى به بأول حرف الهمزة، يعني بعد أحمد؛ لأنه طبعاً بدأ بمن يسمى أحمد؛ لأنه اسم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك بدأ ترتيب الحروف على حسب ترتيبها، فأول ما جاء بعد أحمد: آدم، لأنها همزة وألف بعدها، وهذا أول شيء في حرف الهمزة، أول شيء في حرف الهمزة، الهمزة وبعدها ألف آدم، فبعدها الألف والباء، الهمزة والباء: أبان، لكن لما جاء عند محمد؛ لأنه لما جاء إلى من يسمى محمد، بدأ في محمد بن أبان، يعني في ترتيب أسماء الآباء، ومحمد بن آدم جاء بعد ذلك، وكان حقه أن يأتي آدم بدل أبان، مثلما جاء في أول التقريب، عندما فرغ من أحمد بدأ بآدم، ولولا أنه أراد أن يبدأ باسم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكان في البداية قبل ذلك آدم، يكون قبل، وفي أول شيء، أول شيء يكون آدم، يعني همزة ثم ألف.
[عن معاوية].
يعني: ابن صالح، وهو الحمصي، صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي قيس الكندي وهو عمرو بن قيس].
وهو الحمصي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[سمعت عاصم بن حميد].
وعاصم بن حميد الحمصي، صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .
[عن عوف بن مالك].
هو: عوف بن مالك الأشجعي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر منه
شرح حديث علي: (أن رسول الله كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر منه.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة حدثنا عمي الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، خشع لك سمعي وبصري وعظامي ومخي وعصبي)].
أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والترجمة: نوع آخر منه، أي: نوع آخر من الذكر في الركوع، وأورد فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوعه: [(اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت، خشع لك سمعي وبصري وعظامي ومخي وعصبي)]، أي: هذه الأشياء، وهذه الأمور المتعددة ذكرها فيه، أن كل شيء خاضع لله عز وجل، وأن كل شيء خاشع له، وأن هذه الأشياء كلها خشعت له، والتنصيص عليها، فيه تعظيم لله عز جل، وإن كان يمكن أن يقول: سجد لك كلي، بدون أن يأتي بهذه الأشياء، ولكن ذلك فيه تعظيم لله عز وجل، وأن كل شيء خاضع له سبحانه وتعالى، وأن جميع أجزاء الإنسان مستكينة لله، وخاضعة لله، فنص على السمع، والبصر، والعظام، والمخ، والعصب، التي هي من أجزاء الإنسان.
تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن رسول الله كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت ولك أسلمت وبك آمنت...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس المحدث، الناقد، الثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال، وفي العلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].
وهو عبد العزيز بن عبد الله منسوب إلى جده، عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ؛ لأن أبا سلمة، كنية لجده وليست كنية لأبيه، ولكنه منسوب إلى جده هنا، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمي الماجشون].
وهو الماجشون بن أبي سلمة، وأبو سلمة هنا، يعني هو أبو الماجشون، الذي هو عم عبد العزيز، يعني الماجشون أخو عبد الله، والماجشون هذا لقب، وصاحب اللقب يعقوب بن أبي سلمة، ذكر بلقبه واسمه يعقوب بن أبي سلمة، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه .
[عن عبد الرحمن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، لقبه الأعرج، وهو ثقة، أكثر من الرواية عن أبي هريرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن أبي رافع المدني].
مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أبو رافع مولى رسول الله، فهو مولى، وابنه أيضاً يكون مولى؛ لأنه كما هو معلوم، الإحسان إلى الأب، ينقل إلى الأبناء فكلهم يقال له: موالي وإن كان الإحسان حصل للجد، أو حصل للأب؛ فإنه يقال لأولاده ونسله أنهم مولى فلان، أو مولى آل فلان، كثيراً ما يأتي ذكر هذا، فـعبيد الله بن أبي رافع المدني، مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان كاتب علي، وهو الآن يروي عن علي، فهناك ارتباط بينه وبين علي، وهناك صلة وثيقة بأنه كان كاتبه؛ وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن أبي طالب].
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبو الحسنين، ورابع الخلفاء الراشدين، الهادين المهديين، وذو المناقب الجمة، والخصال الحميدة، رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الذكر في الركوع

شرح حديث جابر: (عن النبي أنه كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي حدثنا أبو حيوة حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين)].
أورد النسائي نوع آخر منه، يعني الذكر في الركوع، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه قال: [(إن النبي عليه الصلاة والسلام إذا ركع قال في ركوعه: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين)]، فهذا كله فيه ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له، وأن كل شيء له خاشع وله خاضع.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (عن النبي أنه كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت...)
قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي].هو يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق عابد، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا أبو حيوة].
هو شريح بن يزيد الحمصي، وفي نسخة التقريب المصرية لم يذكر شيء عن بيان حاله، وفي خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي: وثقه ابن حبان، وفي تهذيب التهذيب لم يزد على أن يقول: وثقه ابن حبان.
وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا شعيب].
وهو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن المنكدر].
هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، وأبوه عبد الله بن حرام، الذي استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله أحد الصحابة السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وقد أشرت إليهم آنفاً.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:10 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(197)


- (تابع باب نوع آخر) إلى (باب الأمر بإتمام الركوع)

ذكر العلماء أن الأصل في الركوع هو التعظيم والثناء، وفي السجود هو الدعاء، ومع ذلك فإنه يجوز الدعاء في الركوع، والتعظيم والثناء في السجود، كما دلت عليه الأحاديث الواردة في ذلك، وقد جاءت الرخصة بترك الذكر في الركوع.
تابع نوع آخر من الذكر في الركوع
شرح حديث جابر في قول النبي في ركوعه: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي حدثنا أبو حيوة حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله رب العالمين)].
فالكلام يتعلق بالذكر في الركوع، وقد مرت عدة أحاديث، تشتمل على ألفاظ من الذكر في الركوع، وغالبها ترجع إلى أنها تعظيم لله عز وجل، وثناء عليه، وحمد له، وتسبيح، وقد جاء في الحديث الذي تقدم قبلها: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، قمن أن يستجاب لكم)، وتلك الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي من الثناء على الله عز وجل، وهي من التعظيم له سبحانه وتعالى، وقد جاء في بعضها كما ذكرت سابقاً، أن الغالب على الركوع التعظيم، ويجوز الدعاء فيه، والغالب على السجود الدعاء، ويجوز أو يشرع الثناء على الله عز وجل فيه.
وذكرت مما ما دل على ذلك ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام، بعدما أنزل الله عز وجل عليه: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )[النصر:1-3]، أنها قالت: [(ما صلى بعدما أنزلت عليه هذه السورة صلى الله عليه وسلم صلاة إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)]، فإن الإتيان بـ(سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) في الركوع، هو فيه دعاء، وإتيان (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) في السجود هو فيه ثناء، بل من الثناء كونه يقال فيه: سبحان ربي الأعلى، يقال في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى.
إذاً: التعظيم في الركوع، هذا هو الأصل والغالب، ويجوز الدعاء، والدعاء في السجود، هو الأصل والغالب، ويجوز أو يشرع الثناء والتعظيم لله سبحانه وتعالى.
وقد مر في الأحاديث التي في الذكر في الركوع: سبحان ربي العظيم، ومر: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، ومر: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ومر: سبحان ذي الجبروت، والملكوت، رب الملائكة والروح، ومر أحاديث متقاربة في اللفظ وهي: [(اللهم لك ركعت، ولك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي وعظامي وعصبي لله رب العالمين)]، في بعضها ذكر المخ دون العظام، وفي بعضها، ذكر ستة ألفاظ، وفي بعضها خمسة ألفاظ، وكلها من الثناء على الله سبحانه وتعالى.
وقد مر في الدرس الفائت هذا الحديث، الذي هو حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وتكلمت على إسناده، وذكرت أن أبا حيوة، وهو: شريح بن يزيد الحمصي، أن ابن حبان وثقه، وأن الحافظ ابن حجر في نسخة التقريب المصرية، ليس فيها شيء مما يتعلق ببيان حاله، وذكرت أنه روى له أبو داود في المراسيل، والنسائي، وهذا خطأ، إنما هذا الكلام لـابن حمير الذي في الإسناد الذي بعده، محمد بن حمير، وأما أبو حيوة، وهو: شريح بن يزيد الحمصي، فقد خرج له أبو داود، والنسائي، وفي خلاصة تذهيب الكمال وفي تهذيب التهذيب ما ذكر إلا أنه وثقه ابن حبان، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية ليس فيها شيء يدل على بيان حاله.
ومن المعلوم أن الحديث ورد من طرق متعددة الذي بعده والذي قبله، وكلها شاهدة له، هذا من طريق جابر بن عبد الله، والذي بعده من طريق محمد بن مسلمة، والذي قبله من طريق علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فهذه شواهد لهذا الحديث الذي جاء من طريق أبي حيوة، ولم يذكر إلا أنه وثقه ابن حبان.
ورجاله الباقون تقدم ذكرهم: يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو حيوة أخرج له أبو داود، والنسائي، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ومحمد بن المنكدر ثقة، فاضل، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وجابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي الجليل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، فرجاله خمسة، ثلاثة حمصيون واثنان مدنيان، الحمصيون هم: يحيى بن عثمان، وأبو حيوة شريح بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، هؤلاء حمصيون، ومحمد بن المنكدر، وجابر بن عبد الله، هذان مدنيان.
شرح حديث محمد بن مسلمة في قول النبي في ركوع: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن عثمان حدثنا ابن حمير حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، عن عبد الرحمن الأعرج عن محمد بن مسلمة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعاً يقول إذا ركع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي ومخي وعصبي لله رب العالمين)].وهذا الحديث حديث محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه، هو مثل الذي قبله، إلا أنه ذكر أنه إذا قام تطوعاً كان يقول هذا، والذي قبله مطلق، ويؤتى بهذا في التطوع وفي الفرائض؛ لأنه كله تعظيم لله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أما الركوع فعظموا فيه الرب).
أما متنه فهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه ذكر المخ بدل العظام، [(أنت ربي، خشع سمعي وبصري ولحمي ودمي ومخي وعصبي لله رب العالمين)]، فيه ذكر المخ هنا، وفي الذي قبله ذكر العظام.
تراجم رجال إسناد حديث محمد بن مسلمة في قول النبي في ركوعه: (اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت ...)
قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان].هو الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
[وابن حمير].
هو محمد بن حمير الحمصي، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .
[عن شعيب بن أبي حمزة].
وهو قد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن محمد بن المنكدر].
وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن مسلمة الأنصاري].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل: إنه أكبر من يسمى محمداً من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد هو مثل الذي قبله، إلا أن فيه محمد بن حمير، بدل أبو حيوة، وفيه أيضاً زيادة عبد الرحمن الأعرج، وفيه الصحابي محمد بن مسلمة، وفي الذي قبله جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين.
قوله: [وذكر آخر قبله].
يعني شعيب بن أبي حمزة، الذي ذكر آخر قبله شعيب بن أبي حمزة، يعني: روى عن محمد بن المنكدر، وروى عن شخص آخر ذكره قبله، ولكنه في هذا الإسناد لم يذكر ذلك الشخص، وإنما أبهم ذلك الشخص، وكان ذكره -أي: ذكر شعيب له- قبل محمد بن المنكدر، يعني تعيين موضعه في الذكر وأنه قبله، ومن بعده أبهمه فلم يذكره ولم يسمه، ومن المعلوم أن عدم تسميته لا تؤثر؛ لأن العمدة على المذكور، وهو محمد بن المنكدر وحده، يعني كاف للتعويل على حديثه، فعدم ذكر ذلك الشخص أو إبهامه، لا يؤثر شيئاً على صحة الإسناد، وعلى سلامته.
الرخصة في ترك الذكر في الركوع

شرح حديث رفاعة بن رافع في المسيء صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع.أخبرنا قتيبة حدثنا بكر بن مضر عن ابن عجلان عن علي بن يحيى الزرقي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع رضي الله عنه وكان بدرياً، قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دخل رجل المسجد فصلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه، ولا يشعر ثم انصرف، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، قال: لا أدري في الثانية، أو في الثالثة، قال: والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جهدت فعلمني وأرني، قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعداً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصتَ من ذلك فإنما تنقصه من صلاتك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الرخصة في ترك الذكر في الركوع، لما ذكر في التراجم السابقة الذكر الذي يكون في الركوع، وأنه يشرع فيه الذكر، وأتى بهذه الترجمة: الرخصة في ترك الذكر في الركوع، يعني الإشارة إلى أنه ليس بلازم، ومن المعلوم أنه ليس من أركان الصلاة، وإنما الخلاف: هل هو من واجباتها أو من مستحباتها؟ هل هو من الواجبات، التي يتعين على الإنسان أن يأتي بها، وإذا نسيها يجبره سجود السهو؟ مع اتفاق الجميع، على أنه ليس من الأركان التي لا تجبر بسجود السهو، وإنما يتعين الإتيان بها، وإنما الكلام هل هي من الواجب الذي يجبره سجود السهو، لو ترك نسياناً، أو من المستحب الذي لو ترك عمداً لا يؤثر لأنه مستحب؟

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:14 PM
هنا قال: الرخصة في ترك ذلك، وهذا فيه إشارة إلى أنه من قبيل المستحب، وليس من قبيل الواجب، كثير من العلماء ذهبوا إلى أنه مستحب، وبعضهم ذهبوا إلى أنه واجب، أي: قول سبحان ربي العظيم فقط، فكونه يأتي بسبحان ربي العظيم، الذي هو أقل الذكر، وإن أتى بما وراءه وبما زاد عليه من ما ثبت، فهذا كمال وأحسن وزيادة فعل أمر مشروع ومستحب، ومن العلماء من قال: إنه لو لم يذكر أصلاً، أو تركه أصلاً، فإنما ترك أمراً مستحباً، لم يترك أمراً واجباً، وفي هذه الترجمة، الإفادة إلى أنه ليس بواجب، وأن الإنسان لو تركه، فإنه لا يترتب عليه شيء، ولا يضره تركه، لكن كما هو معلوم، الإنسان يحرص على فعل السنن، لا سيما الذي فيها احتمال أن يكون واجباً كما قاله بعض أهل العلم.
وأورد النسائي تحت هذا: حديث المسيء صلاته، قصة الرجل الذي دخل المسجد، وصلى والنبي صلى الله عليه وسلم يرمقه، يعني: ينظر إليه وهو لا يشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فلما فرغ من صلاته وانصرف منها، جاء وسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في المسجد، فقال له: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)]؛ لأنه قد صلى، لكن صلاته غير معتبرة؛ لأنه لم يأت بما هو مطلوب فيها، من الأمور اللازمة التي هي أركان، فعاد وكرر يعني مرتين أو ثلاثاً، ثم بعد ذلك قال: [(والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جهدت)]، يعني: معناه بذلت جهدي في أن آتي بالصلاة على الوجه المطلوب، ولكنه لا يعلم غير هذا، ثم طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه، وأن يريه كيف يصلي، ما هي الطريقة والكيفية التي يصلي بها، ويؤدي صلاته بها؟ أي: بهذه الكيفية.
فالنبي عليه الصلاة والسلام علمه وبين له، فقال: [(إذا أردت الصلاة فتوضأ وأحسن الوضوء)]، وهذا فيه أن الوضوء لا بد منه، وهو شرط من شروط الصلاة التي تسبقها، وكذلك استقبال القبلة، شرط من شروط الصلاة، [(ثم استقبل القبلة)]، أرشده إلى الوضوء وإحسانه، وإلى استقبال القبلة، فهذان شرطان من شروط الصلاة، فالصلاة التي لا يكون معها وضوء غير صحيحة، [(لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)]، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وكذلك أيضاً استقبال القبلة، وذلك في حال الفرض، وكذلك في النوافل، إلا في حال السفر، فإن للإنسان أن يصلي على راحلته أينما توجهت، لكن يبدأ بالدخول في النافلة باستقبال القبلة، ثم يتجه أو يصلي على راحلته، أينما توجهت به، فذلك مستثنى كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [(فكبر)]، والمراد من ذلك تكبيرة الإحرام، التي هي المفتاح، التي هي المدخل، والتي هي البداية، والتي هي التحريم، وقد جاء في الحديث: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، يعني معناه لها بداية ولها نهاية، بدايتها التكبير ونهايتها التسليم، (تحريمها التكبير)، إذا قال الإنسان: الله أكبر، حرم عليه بعدها ما كان مباحاً له قبلها، من الكلام والأكل، والشرب، والحركة والتصرفات، بمجرد أن يقول: الله أكبر داخلاً في الصلاة بتكبيرة الإحرام.
(وتحليلها التسليم)، إذا سلم، أمكنه أن يتكلم، وأن يتحدث، وأن ينصرف، وأن يعمل الأعمال التي كان ممنوعاً منها بالتحريم، الذي هو دخول الصلاة بدخوله، ما كان مباحاً له قبل التحريم، حل له بعد التسليم، ولهذا جاء: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فالصلاة التي لا يدخل الإنسان فيها بالتكبير التكبيرة الأولى، ولم تحصل منه النية، فإن الصلاة لا تعتبر؛ لأنه لا بد فيها من هذا اللفظ، ولا بد من النية التي محلها القلب، أن يكون ينوي أن هذا فرض، وهذا نفل، وتكون النية في قلبه لا بلسانه، وليس له أن يتلفظ بما نواه، وإنما النية محلها القلب، ولا يجوز التلفظ بها؛ لأنه لم يذكر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وإنما جاء في الحج التلفظ بما نواه، كونه ينوي حجاً، أو عمرة، أو حجاً وعمرة، ينوي تمتعاً، إفراداً، قراناً، يقول: لبيك عمرة، لبيك حجاً، لبيك عمرة وحجاً، هذا جاءت به السنة عن رسول الله، فإنه يتلفظ بما نواه، وأما غير ذلك فإنه لم يأت في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك شيء.
ثم أمره بالقراءة، ما تيسر معك من القرآن، وقد جاء في الأحاديث الماضية أن المتعين قراءة الفاتحة، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهذا هو الأمر اللازم، وما عدا ذلك فهو مستحب، يعني ما زاد على الفاتحة.
قوله: [(ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)]، يعني: معناه أن الإنسان إذا ركع، يطمئن في ركوعه، ما هو مجرد انحناء ورفع بسرعة، وإنما يطمئن، ويستقر، ويستوي في ركوعه، كما سبق أن مرت بنا الأحاديث في ذلك، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة؛ لأنه ما قال له: سبح، أو قل: سبحان ربي العظيم، أو قل كذا وكذا، وإنما قال: اركع حتى تطمئن راكعاً، فأمره أو دله على الأمر المتعين الذي لا بد منه، وهو الركوع، هذا الفعل الذي هو على هذا الوصف، وعلى هذه الهيئة، وهو الاطمئنان والاستقرار، والسكون في الركوع، بحيث يستقر راكعاً، ومحل الشاهد منه، أنه ما أرشده إلى الدعاء، ما أرشده إلى الذكر، فهذا هو محل الشاهد من الترجمة: الرخصة في ترك الذكر في الركوع، قالوا: فلم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان أمراً لازماً لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال له: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)].
ومن المعلوم أن الحديث إنما جاء في وصف الركعة، والأفعال التي تكون فيها، وأنه لا بد من الاطمئنان في هذه الأفعال، في الركوع، وفي الرفع من الركوع، وفي السجود، وفي الرفع من السجود، وهذه إنما هي صفة الركعة الواحدة، لكن من الأمور اللازمة فعل التشهد، مثل التشهد الأخير، وكذلك التسليم؛ فإن هذه كلها أمور لا بد منها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبينها له؛ لأنه لم يحصل منه تقصير، وإنما الذي رآه في ركوعه، وفي صفة الركعة، هو الذي حصل منه خلل، فبين له النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ذلك الذي أخل فيه، ووصفه بأنه لم يصل.
إذاً: هذا هو محل الشاهد، أنه ما ذكر له الذكر في الركوع، وإنما قال: اركع حتى تطمئن راكعاً.
ثم قوله: [(ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)]، يعني القيام بعد الركوع، الإنسان يطمئن فيه ويعتدل، وقد جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم بعد ركوعه كما جاء في حديث أنس حتى أقول في نفسي: قد نسي، يظن أنه من طول قيامه بعد الركوع قد نسي، وهذا إشارة إلى طول قيامه، وأنه يطمئن ويستوي ويعتدل قائماً، وليس بمجرد ما يقف يرجع ينزل للسجود، وإنما يعتدل ويستقر في قيامه.
قوله: [(ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)]، يعني: يطمئن في سجوده، مثلما اطمأن في ركوعه يطمئن في سجوده، [(ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً)]، يعني بين السجدتين، [(ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)]، يعني السجدة الثانية.
ثم قوله: [(فإذا فعلت فقد أتممت صلاتك)]، يعني بالنسبة للركعة الواحدة، ولصفة الركعة الواحدة، [(وما انتقصت فإنما تنقصه من صلاتك)]، قوله: [(وما انتقصت فإنما تنقصه من صلاتك)]، من المعلوم أن هذه الأفعال هي أمور متعينة ولازمة، ونقص واحد منها، أو ترك واحد منها، تبطل به الصلاة، لكن هذا النقص الذي يكون فيما إذا حصل تقصير في صفة الركوع، يعني عدم التمكن في الاطمئنان، يعني: يوجد الركوع ويوجد الاستواء، ولكن ما يحصل معه الاطمئنان، هذا هو الذي يكون فيه استقرار، ولكنه لو ترك الركوع أو لو ترك السجود أو لو ترك الجلسة بين السجدتين، فإن صلاته لا تصح، الركعة لا تصح التي وجد فيها ذلك النقص.
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة بن رافع في المسيء صلاته
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا بكر بن مضر].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[عن ابن عجلان].
وهو محمد بن عجلان المدني، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو الذي ذكروا في ترجمته أن أمه حملت به ثلاث سنين.
[عن علي بن يحيى الزرقي].
هو علي بن يحيى بن خلاد الزرقي الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن أبيه].
وهو يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
وقال الحافظ: له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وحديثه أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمه].
عمه رفاعة بن رافع، يعني أخو خلاد؛ لأن الذي في الإسناد: علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، فـعلي بن يحيى يروي عن أبيه يحيى، ويحيى يروي عن عمه رفاعة بن رافع، الذي هو أخو خلاد بن رافع، وهذا هو الذي له رؤية.
يروي عن عمه رفاعة بن رافع هذا الذي هو بدري، وكان بدرياً، يعني: من أهل بدر، أي: رفاعة بن رافع، الذي هو عم يحيى بن خلاد بن رافع، وكان بدرياً، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
الأمر بإتمام الركوع

شرح حديث: (أتموا الركوع والسجود إذا ركعتم وسجدتم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإتمام الركوع.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أنساً رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتموا الركوع والسجود إذا ركعتم وسجدتم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الأمر بإتمام الركوع، أورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي عليه السلام قال: (أتموا الركوع والسجود إذا ركعتم وسجدتم)، فإن قوله: (أتموا) أمر، ولهذا النسائي أتى بالترجمة مطابقة لما في الحديث: الأمر بإتمام الركوع، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: [(أتموا الركوع والسجود إذا ركعتم وسجدتم)]، وإتمام الركوع والسجود هو: أن يطمئن فيهما، وأن يسجد على الهيئة التي فيها الاعتدال، والاستواء، والاطمئنان، وكونه يأتي بالذكر والدعاء في الركوع والسجود، هذا هو إتمام الركوع والسجود، لكن المتعين والأمر اللازم الذي لا بد منه هو السجود والاطمئنان فيه، والركوع والاطمئنان فيه.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:16 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(198)

- (باب قوله: ربنا ولك الحمد) إلى (باب ما يقول في قيامه ذلك)
جاءت السنة بجملة من الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد الرفع من الركوع، وهي تدل على الثناء والحمد لله تبارك وتعالى، فهو أهل لكل ثناء، وأهل لكل حمد، فما من نعمة إلا وهي من الله، ولذا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا أن نحمد الله ملء السموات وملء الأرض.
قوله: ربنا ولك الحمد
شرح حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قوله: ربنا ولك الحمد. أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد؛ فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].
يقول النسائي رحمه الله: باب قوله: ربنا ولك الحمد، أي: قول المأموم: ربنا ولك الحمد، وقد عرفنا في الدرس الماضي، أن المأموم يأتي بالتحميد دون التسميع؛ لأن الإمام والمنفرد يجمع بين التسميع والتحميد فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد؛ فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه).
ومحل الشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام: (فقولوا: ربنا ولك الحمد). فهو يدل على أن المأموم يأتي بالتحميد دون التسميع كما دلت على ذلك الأحاديث الماضية، وكذلك الأحاديث الآتية.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة في مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمي].
وهو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
وهو ذكوان السمان، مشهور بكنيته أبي صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان، ويقال له أيضاً: الزيات، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مكثر من الرواية عن أبي هريرة.
[عن أبي هريرة].
وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، عبد الرحمن بن صخر، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا سعيد عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله: أنه حدثه أنه سمع أبا موسى رضي الله عنه قال: (إن نبي الله صلى الله عليه وسلم خطبنا وبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا، فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين؛ يجبكم الله، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك. وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم؛ فإن الله قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم، ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سبع كلمات وهي تحية الصلاة)].وهنا أورد النسائي هذا الحديث وهو حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو دال على ما ترجم له النسائي من كون المأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، وأنه جاء فيه: [(فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)]، أي: يستجب لكم؛ لأن معنى (سمع الله لمن حمده): استجاب الله لمن حمده.
وهذا الحديث دال على عدة أمور: منها: ما ترجم له النسائي وهو قول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، وذلك عندما يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، وقد قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: [(إن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا)].
فقول أبي موسى: [(إن النبي عليه الصلاة والسلام بين لنا سنتنا)]، يعني: السنة هي: الطريقة والمنهج، والمراد بذلك ما يتعبد به الناس ربهم، وما يتعاملون به فيما بينهم، على محجة وعلى هدى وعلى صراط مستقيم، فإن السنة يراد بها الطريقة والمنهج، يعني الطريقة التي يسلكونها في عبادة الله عز وجل، وفي التقرب إلى الله عز وجل، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه، وترك الناس على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
والسنة تطلق ويراد بها ما يعم التكاليف كلها، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه هي السنة، ويراد بها أيضاً الوحي الذي هو غير القرآن، فيقال: الدليل: الكتاب والسنة، فالمراد بالسنة الدليل من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويراد بالسنة أيضاً ما يقابل البدعة، ولكن قوله هنا: (سنتنا)، يعني معناها عام شامل، يعني: طريقتنا ومنهجنا الذي نسلكه في تعبدنا، وفي تقربنا إلى الله عز وجل، ولهذا جاء عن بعض الكفار أنهم قالوا لـأبي هريرة: [ (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة)]، قال: نعم، بين لنا حتى آداب قضاء الحاجة، يعني: بين لهم كيف يقضون حاجتهم إذا ذهبوا إلى الخلاء، كيف يصنعون، وأنهم لا يستنجون باليمين، ويكون بثلاثة أحجار، ولا يستنجون بروث، ولا عظم، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم للناس حتى آداب قضاء الحاجة، معنى هذا: أن الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهي شريعة كاملة شاملة لا نقص فيها، فبين للناس ما يحتاجون إليه، وليس لأحد أن يأتي بأمور ما أنزل الله بها من سلطان؛ ليتعبد الله تعالى بها، ويقول: أنا ما أردت إلا الخير، فإنه إذا أراد أن يكون العمل مقبولاً عند الله فلا بد أن يكون خالصاً لوجه الله، وأن يكون مطابقاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جاء به من الكتاب والسنة، التي هي الوحي المتلو، والوحي الغير متلو، فكله يقال له: سنة، بهذا المعنى العام.
فقوله: [(من رغب عن سنتي فليس مني)]، أي: ما جاء في الكتاب والسنة، فهذه طريقة الرسول، وهذا منهج الرسول عليه الصلاة والسلام.
قوله: [(وعلمنا صلاتنا)]، أي: علمهم كيف يصلون، ثم بين أن الرسول خطبهم، وفي هذا بيان الشرائع في الخطب، وبيان الأحكام والتعليم وأنه يكون على المنبر وفي الخطب، هكذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه، فكان يخطبهم ويبين لهم أمور دينهم، ويبين لهم كيف يعبدون ربهم، وكيف يسلكون إلى الله عز وجل الطريق الذي يفضي بهم إلى السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.
وكان مما علمهم إياه في الصلاة أن قال: [(إذا صليتم فأقيموا صفوفكم)].
أي: إذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا الصفوف؛ سووها؛ بحيث تكون الصفوف متقاربة، والصف الأول يملأ، ثم إذا امتلأ الصف الأول يبدأ بالصف الثاني، وإذا امتلأ الصف الثاني يبدأ بالصف الثالث، وإذا امتلأ الثالث يبدأ بالرابع، وهكذا، ولا يُنشأ صف إلا إذا امتلأ الذي قبله، فهذا هو إقامة الصفوف، وهذا هو تسوية الصفوف الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: [(فأقيموا صفوفكم)].
قوله: [(ثم ليؤمكم أحدكم)].
أي معناه: أن الجماعة عندما يصلون لا بد لهم من إمام يؤمهم، فإن كانوا اثنين فأكثر فيكون أمامهم، وإن كان المأموم واحداً فإنه يصف عن يمينه، إذا كان رجلاً، وإن كان امرأة فإنها تصف وراءه، وإن كان رجلاً وامرأة؛ الرجل عن يمينه والمرأة وراءه.
قوله: [(فإذا كبر الإمام فكبروا)].
لأن مهمة الإمام أنه يؤتم به، وإنما جعل ليؤتم به، [(فإذا كبر فكبروا)]، معناه: أن تكبيركم يكون بعد تكبيره، فتدخلون في الصلاة بعد دخوله، ولا تسبقونه في الدخول، ولا توافقونه في الأفعال، بل تتأخرون عنه قليلاً، وليس تأخراً طويلاً، وإنما متابعة، لا مسابقة، ولا موافقة. بمعنى أن تكون حركتكم تابعة لحركته، وكلامكم تابعاً لكلامه.
قوله: [(وإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين..)].
أي: وإذا قرأ الفاتحة ووصل إلى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين.
قوله: [(يجبكم الله)].
لأن معنى آمين: اللهم استحب، ولهذا قال: (فقولوا: آمين يجبكم الله)، أي: على تأمينكم ودعائكم؛ لأن المؤمن داعٍ، والداعي والمؤمن وراءه مثل الداعي، فيجيب الله عز وجل على هذا التأمين الذي هو الدعاء، قال: [(فقولوا: آمين يجبكم الله)]، يعني: يجب دعاءكم في طلب الهداية للصراط المستقيم، والهداية للصراط المستقيم المراد بها أن يثبته على الهداية الموجودة، ويزيده هداية على هدايته، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ )[محمد:17]، و(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )[الفاتحة:6]، أي: ثبتنا وزدنا، ثبتنا على ما كنا عليه من الهدى، وزدنا توفيقاً وهدى، ولهذا قال: (يجبكم)، يعني: بأن يثبتكم على ما أنتم عليه من الهدى، وأن يزيدكم من الهدى والتوفيق.
قوله: [(وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا)].
يكون تكبيركم بعد تكبيره، وركوعكم بعد ركوعه.
قوله: [(فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)].
يعني: يسبقكم بالركوع، ويسبقكم في الرفع من الركوع، وأنتم تلحقونه، وإذا قام من الركوع تتأخرون في القيام عنه، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: [(فتلك بتلك)]، أي: اللحظة التي سبقكم فيها وأنتم جئتم وراءه، ثم سبقكم في الرفع، وأنتم تتأخرون عنه، فتكونون مماثلين له في مقدار الركوع؛ لأنه يركع قبلكم ويرفع قبلكم، وأنتم تركعون بعده وترفعون بعده، إذاً: ركوعكم مساو لركوعه، لا يزيد عليكم في الركوع؛ ولهذا قال: [(فتلك بتلك)]، أي: اللحظة التي سبقكم فيها عوضكم عنها اللحظة التي تأخرتم عنه في حال رفعه من الركوع، (فتلك بتلك)، والنتيجة أنكم مساوون له في مقدار الركوع، وإن كان يسبقكم في الركوع ويسبقكم في الرفع، وأنتم تتأخرون عنه في الركوع، وتتأخرون عنه في الرفع، إذاً ساويتموه في مقدار الركوع.
قوله: [(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)].
ثم قال في الحديث: [(فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده)]، يعني: أن هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم هو عن الله عز وجل، يعني: أوحاه الله إلى نبيه وبلغه للناس، ولهذا فإن السنة -كما هو معلوم- وحي يوحى، كما قال الله عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )[النجم:3-4]، يعني: أنه من الله عز وجل، فهو من الله سبحانه وتعالى أوحاه الله إلى رسوله.
ومن المعلوم أن الوحي وحيان: وحي تعبد بتلاوته وقراءته في الصلاة، وتعبد بالعمل به، وهو: القرآن، ووحي تعبد بالعمل به الذي هو: السنة، فإن الكتاب والسنة كل منهما يعمل به، وليس العمل بالكتاب دون السنة، بل بالسنة والكتاب، ومن لم يؤمن بالسنة وقال: إنه مؤمن بالكتاب فهو ليس بمؤمن بالكتاب، بل لا بد أن يجمع بين الكتاب والسنة، والسنة هي داخلة في كتاب الله عز وجل؛ لقول الله عز وجل: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7]، فإن هذا أمر ونهي، يدخل فيه كل ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من الأوامر والنواهي.
قوله: [(وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)].
[(يسمع الله لكم)]، أي: يستجب لكم، فإذا قالوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وقد قال الإمام: سمع الله لمن حمده، يعني: يجبكم الله ويستجب لكم، ويسمع لكم، يعني: يجبكم؛ لأن كل كلام مهما خفي ومهما دق فإن الله تعالى يسمعه، وقد قالت عائشة: (سبحان من وسع سمعه الأصوات)، وقد قالت: إن المرأة التي كانت تجادل الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى يسمع تحاورهما، وكانت قريباً منها، وكانت لا تسمع بعض كلامها، والله تعالى يسمع كل شيء مهما خفي ومهما دق، لا يخفى عليه شيء، فإن المراد بالسمع هنا؛ يسمع الله لكم، يعني: يستجب لكم، هذا هو المراد بالسمع، وأما السمع الذي هو سماع الكلام، فكل كلام يسمعه سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه ما دق وما جل، كل ذلك مسموع معلوم لله سبحانه وتعالى.
ومحل الشاهد للترجمة قوله: اللهم ربنا ولك الحمد، يعني هذا ما يقوله المأموم عندما يرفع من الركوع، يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، بل يأتي بالتحميد دون التسميع.
إذاً: هذا محل الشاهد من الحديث الطويل الذي أورده النسائي في هذه الترجمة، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
قوله: [(فإن الله قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم)].
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [(هذه بتلك)]، أي مثلما قال بالنسبة للركوع، أي: اللحظة التي سبقكم إياها في السجود، ثم سبقكم في القيام، أنتم تأخرتم عنه مقدار تلك اللحظة في الآخر، فتلك بتلك، اللحظة التي سبقكم إياها عند النزول للسجود، عوض عنها باللحظة التي تأخرتم عنه فيها عند القيام من السجود، فالذي قيل هنا مثل الذي قيل هناك بالنسبة للركوع، معناه أن مقدار سجودكم مساو لمقدار سجوده، كما أن مقدار ركوعكم في الكلام المتقدم مساو لمقدار ركوعه.
قوله: [(فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات، الصلوات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، سبع كلمات وهي تحية الصلاة)].
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [(فإذا كان عند القعدة)]، يعني: في التشهد، [(فليكن من أول قول أحدكم: التحيات والصلوات والطيبات، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)]، الذي هو التشهد.
فقوله: [(من أول قول أحدكم)]، يدل على أنه يقال وراءه ومن المعلوم أنه يصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك في التشهد الأخير يدعو الإنسان ويكثر من الدعاء؛ لأنه جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أنه يكثر فيه من الدعاء، وأنه يتخير من الدعاء ما شاء، أو يتخير من الدعاء أعجبه إليه، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن قوله: (من أول قول أحدكم )، يعني: أن هذا هو أول ما يقال عندما يكون الإنسان جالساً للتشهد، وهذا هو التشهد الذي هو: التحيات لله.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود، هو أبو مسعود البصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
وهو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس بن جبير].
هو يونس بن جبير البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن حطان بن عبد الله].
هو حطان بن عبد الله الرقاشي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع أبا موسى].
وأبو موسى الأشعري هو عبد الله بن قيس، رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود
شرح حديث: (أن رسول الله كان ركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده ... قريباً من السواء)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [قدر القيام بين الرفع من الركوع والسجود.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين قريباً من السواء)].
هنا أورد النسائي قدر ما بين أن يرفع رأسه من الركوع والسجود، أي: مقدار ما بين الرفع من الركوع إلى السجود، أي: مقدار القيام الذي يكون بعد الرفع من الركوع وقبل السجود؛ لأنه سبق أن مر في الحديث المتقدم الذي قال: [(اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)]، هذا القيام الذي يعتدل به بعد قيامه من ركوعه ما مقداره؟ أورد النسائي هذه الترجمة لبيان المقدار، ومدة الزمن الذي يقفه الإنسان بعد ما يرفع رأسه من الركوع، وأنه مثل الركوع والسجود، أي: مقداره مقدار الركوع والسجود.
وقوله: [(وما بين السجدتين قريب من السواء)]، يعني: أنه متقارب، فهذا هو محل الشاهد في الحديث أن قيامه من الركوع، وركوعه وسجوده وجلوسه بين السجدتين قريب من السواء، يعني: قريب من التساوي في الزمن، ومدة المكث في حال القيام بعد الركوع، وفي حال الركوع، وفي حال السجود، وفي حال الجلوس بين السجدتين كلها متقاربة.
قوله: [(كان ركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع)]، يعني: القيام الذي يكون بعد الرفع، و(إذا)، ليست شرطية، يعني: لها جواب شرط، وإنما المراد بها الزمن والوقت، أي: ركوعه وقيامه من الركوع وسجوده وجلوسه، هذا هو المقصود بها.
[(وإذا رفع رأسه من الركوع)]، يعني: المدة التي يمكثها بعد رفعه من الركوع، وسجوده وجلوسه بين السجدتين متقاربة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان ركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده ... قريباً من السواء)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو الدورقي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا ابن علية].
وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المشهور بـابن علية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحكم].
وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
هو الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
صحابي ابن صحابي، صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد رجاله كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن علية، وشعبة، والحكم بن عتيبة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والبراء بن عازب ستة كلهم أخرج حديثهم أصحاب الكتب الستة.
ما يقوله في قيامه ذلك

شرح حديث: (أن النبي كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقوله في قيامه ذلك.أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف الحراني حدثنا سعيد بن عامر حدثنا هشام بن حسان عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ما يقوله في قيامه ذلك، يعني: أن القيام بعد الركوع، يعني: أن هذا القيام الذي مقداره مقدار السجود، والركوع، وما بين السجدتين، قريب من السواء معها، فماذا يقول في حال هذا القيام الذي يكون بعد الركوع؟ فهو عند الرفع من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ولكن ماذا يقول مع ذلك؟ أورد النسائي هذه الترجمة، وأورد حديث ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:19 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا لك الحمد...)
قوله: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف الحراني].وهو ثقة، حافظ، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا سعيد بن عامر].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن حسان].
وهو أيضاً ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قيس بن سعد].
ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني لم يخرج له الترمذي، ولم يخرج له البخاري في الصحيح، يعني: في أصل الكتاب، وإن خرج له في الصحيح تعليقاً، وهو مكي.
[عن عطاء].
وهو عطاء بن أبي رباح، وهو مكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (أن النبي كان إذا أراد السجود بعد الركعة يقول: اللهم ربنا ولك الحمد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إبراهيم بن نافع عن وهب بن ميناس العدني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد السجود بعد الركعة يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، [(كان إذا أراد السجود بعد الرفع يقول: اللهم ربنا ولك الحمد)].
قوله: [(كان إذا أراد السجود)]، يعني: بعد الركوع، يعني: معناه قبل أن يسجد يقول: وهو قائم هذه المقالة، وهي: ربنا ولك الحمد، ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا أراد السجود بعد الركعة يقول: اللهم ربنا ولك الحمد...)
قوله: [أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].هو: ابن علية، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يحيى بن أبي بكير].
هو الكرماني، يحيى بن أبي بكير الكرماني ،وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إبراهيم بن نافع].
ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن وهب بن ميناس العدني].
وهب بن مانوس أو ميناس، جاء في بعض النسخ مانوس، وفي بعضها ميناس، وهو مستور، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن سعيد بن جبير].
ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (إن رسول الله كان يقول حين يقول: سمع الله لمن حمده: ربنا لك الحمد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني عمرو بن هشام أبو أمية الحراني حدثنا مخلد عن سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قزعة بن يحيى عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول حين يقول: سمع الله لمن حمده: ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، خير ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)].هنا أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان [(حين يقول: سمع الله لمن حمده يقول: ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)]، هذا ثناء وذكر يؤتى به في هذا الموطن، الذي هو بعد القيام من الركوع وقبل السجود، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، يعني: أنه كثير، وتكبير وتعظيم لهذا الحمد والثناء، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، يعني: أنت أهل الثناء والمجد، أي: يا أهل الثناء والمجد، أنت المستحق لأن يثنى عليك، وأن تعظم وتمجد، [(أحق ما قال العبد)]، يعني: أنت المستحق له، وأنت المستحق للثناء، [(وكلنا لك عبد)]، (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا )[مريم:93]، الكل عبيد الله عز وجل، فهو المستحق لأن يثنى عليه، وأن يعظم، وأن يمجد سبحانه وتعالى، فهو المستحق لذلك، وهو أهل ذلك سبحانه وتعالى.
ثم قال: [(لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)].
لا مانع لما أعطيت، هذا فيه إثبات القدر، وإثبات قدرة الله عز وجل، وأن ما أعطاه الله عز وجل فلا مانع له، وما قدره الله تعالى فإنه يكون، وإذا أراد الله نفع أحد فلا أحد يمنع ذلك النفع والعطاء، وقد جاء مثل ذلك موضحاً في حديث ابن عباس، في وصيته لـابن عباس حيث قال: [(واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)]، فمن أعطاه الله لا مانع له، وما منعه الله لا يعطيه أحد، بل الله تعالى هو المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وفي ذلك إثبات القضاء والقدر، وإثبات أن ما قدره الله تعالى لا بد أن يكون، فإذا قدر عطاءً فلا يمنعه مانع، وإذا قدر منعاً فلا يعطيه معطي، بل الأمر بيده سبحانه وتعالى، [(واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)]، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا )[فاطر:2]، فالعطاء والمنع هو من الله سبحانه وتعالى، هو المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وهذا ثناء من العبد على ربه في هذا الموطن في هذه الصلاة.
ثم قال: [(ولا ينفع ذا الجد منك الجد)]، الجد بفتح الجيم المراد به الحظ والنصيب، فمن أعطي حظاً في الدنيا من مال، أو جاه، أو رئاسة، أو ما إلى ذلك من الحظوظ الدنيوية فتلك ليست هي التي تقدم وتؤخر عند الله، وإنما الذي يقدم ويؤخر عند الله هو العمل الذي يعمله الإنسان.
والجد بالفتح يأتي بمعنى الحظ والنصيب، ويأتي بمعنى العظمة، كما قال الله عز وجل: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا )[الجن:3]، وجاء في دعاء الاستفتاح: [(وتعالى جدك)]، يعني: عظمتك وجلالك، فالجد يأتي ويراد به العظمة، ويأتي ويراد به الحظ والنصيب، ويأتي مراداً به أبو الأب الذي هو الجد، وبالكسر الجِد هو الاجتهاد، وبذل الوسع، يقول الشاعر:
الجَد بالجِد والحرمان بالكسل هل قد تصب عن قريب غاية الأمل
الجَد بالجِد، من جد وجد، والحرمان بالكسل، فالحرمان يقابل الجَد الذي هو الحظ والنصيب، والكسل يقابل الجِد؛ لأنه عكسه وضده.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يقول حين يقول: سمع الله لمن حمده: ربنا لك الحمد ...)
قوله: [أخبرني عمرو بن هشام أبو أمية].عمرو بن هشام أبو أمية الحراني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا مخلد].
وهو مخلد بن يزيد الحراني، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.
[عن سعيد بن عبد العزيز].
سعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وهو ثقة، قرنه الإمام أحمد بـالأوزاعي، وأخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عطية بن قيس].
ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن قزعة بن يحيى].
وهو قزعة بن يحيى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد، هو سعد بن مالك بن سنان الخدري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بكنيته وبنسبته؛ بكنيته أبي سعيد، وبنسبته الخدري، والسبعة هم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
ما يقوله في قيامه ذلك
شرح حديث حذيفة: (أنه صلى مع رسول الله... فسمعه حين كبر قال: الله أكبر ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن رجل من بني عبس عن حذيفة: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فسمعه حين كبر قال: الله أكبر ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: لربي الحمد لربي الحمد، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي، وكان قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)].يقول النسائي رحمه الله: باب ما يقول في قيامه ذلك، يعني: القيام الذي بعد الركوع وقبل السجود، عندما يرفع من الركوع، القول الذي يقوله، يعني: في ذلك القيام، هذه هي الترجمة، وقد مر بعض الأحاديث الدالة على الترجمة.
ثم أورد النسائي حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أنه صلى ذات ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعه يقول حين أراد أن يكبر: [(الله أكبر ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)]، ثم بعد ذلك ركع، وكان يقول في ركوعه: [(سبحان ربي العظيم وإذا رفع رأسه من الركوع قال: لربي الحمد لربي الحمد)].
وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، وهي: ما يقوله في قيامه ذلك، يعني: بعد الركوع، أنه يقول: لربي الحمد، والمقصود من ذلك أنه بالإضافة إلى كونه يأتي بالتسميع يأتي كذلك بالتحميد، والتحميد جاء بألفاظ منها: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ومنها: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً، ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لا منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ومنها هذا اللفظ الذي جاء في حديث حذيفة: [(لربي الحمد لربي الحمد)].
فالحاصل: أن مما يقوله المصلي فيما بعد الركوع وقبل السجود هو التحميد، يحمد الله عز وجل، ويثني عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى، ثم يسجد ويقول: سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي.
قوله: [(وكان قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)]، يعني: أنه قريب.
وفي هذا الحديث ذكر القيام، وأنه قريب من الركوع والسجود وما بينهما، ولكن جاء في بعض الأحاديث أنه كان يطيل القيام أكثر من الركوع، ومن السجود، ولكن يمكن أن يكون في بعض الأحيان بينهما شيء من التقارب، وإلا فإن الأصل أن القيام والتشهد الذي هو قبل السلام إطالتهما أكثر مما بين السجدتين، ومن الركوع والسجود، ومما بين الركوع والسجود.
والمقصود من إيراد الحديث هو بيان ما يقوله عندما يرفع من الركوع، وأنه يقول هنا: لربي الحمد لربي الحمد، والمقصود منه الإتيان بالتحميد بالإضافة إلى التسميع، والتسميع هو: سمع الله لمن حمده، ومعنى ذلك: استجاب الله لمن حمده.
فإذاً: يكون بعد التسميع التحميد بأن يقول: ربنا ولك الحمد، أو لربي الحمد، أو اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض.. إلى آخر ما ورد في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (أنه صلى مع رسول الله... فسمعه حين كبر قال: الله أكبر ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة...)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].وحميد بن مسعدة، صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا يزيد بن زريع].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أرفع صيغ التعديل، وأعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
وهو الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حمزة].
هو طلحة بن يزيد الأيلي مولى الأنصار، وقد وثقه النسائي، وأخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن رجل من بني عبس].
وهذا رجل مبهم، وهذا يسمى المبهم؛ إذا قيل: عن رجل فهو المبهم، وإذا قيل: عن فلان وسمي ولكن لم ينسب يقال له: المهمل، فهذا مبهم، ولكن جاء في بعض الروايات، أو جاء عن بعض العلماء أنه صلة بن زفر العبسي، وهو ثقة، جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد جاء عن شعبة أنه قال: يشبه أن يكون صلة بن زفر، وكذلك أيضاً جاء في بعض أسانيد هذا الحديث عند ابن ماجه، ذكره في إسنادين وفي أحدهما ذكر رواية المستورد بن شداد عن صلة بن زفر عن حذيفة.
فالأظهر أنه صلة بن زفر، وذلك أن صلة بن زفر عبسي، وقد جاء في بعض أسانيد الحديث عند ابن ماجه، بإسناد آخر ينتهي إلى صلة بن زفر، وصلة بن زفر يرويه عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه.
[عن حذيفة بن اليمان].
حذيفة صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:21 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(199)

- باب القنوت بعد الركوع - باب القنوت في صلاة الصبح
دلت السنة على مشروعية قنوت النازلة في الفريضة، ويكون القنوت بعد الركوع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وذلك بعد الركوع، وقد ثبت أيضاً أنه قنت في صلاة الفجر بعد الركوع.
القنوت بعد الركوع

شرح حديث: (قنت رسول الله شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القنوت بعد الركوع.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس بن مالك قال: (قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القنوت بعد الركوع؛ يعني: قنوت النوازل، وهو الذي أورده النسائي هنا؛ لأنه يتعلق بصفة الصلاة، والصلاة المفروضة يشرع القنوت فيها في بعض الأحيان؛ عندما تنزل نازلة يلجأ المسلمون فيها إلى الله عز وجل أن يكشفها وأن يزيلها، فشرع ذلك في الصلوات المكتوبة، والترجمة هي: القنوت بعد الركوع.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله)، وهي: قبائل من العرب اشتد أذاهم للمسلمين، فدعا عليهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في صلاته في القنوت، وكان ذلك بعد الركوع؛ يعني: بعد الرفع من الركوع، وكونه بعد أن يحمد الله عز وجل يأتي بهذا الدعاء الذي كان يدعو على أناس، ويدعو لأناس؛ يعني: في بعض الأحاديث يدعو لأناس من المسلمين المستضعفين، ويدعو على أناس من المستكبرين المعاندين المعارضين لدعوته، المؤذين لأتباعه صلى الله عليه وسلم، فرعل وذكوان من قبائل العرب، وعصية أيضاً كذلك.
وقوله: [(عصت الله ورسوله)]، المراد به: أن هؤلاء الذين دعا عليهم، عصوا الله ورسوله، وقد جاء ذكر هذا الوصف بعد عصية؛ لأن هناك جناس وتناسب؛ لأنهم عصية، وكذلك وصفوا بأنهم عصوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والحاصل: أن فيه مشروعية القنوت في النوازل، وفيما إذا حصل على المسلمين ضرر عظيم؛ فإنه يشرع الدعاء في الصلاة بعد الركوع الذي يسمى القنوت.
تراجم رجال إسناد حديث: (قنت رسول الله شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، فهو محدث، فقيه، وإمام مجتهد، وصف بهذا الوصف، ولقب بهذا اللقب الرفيع، الذي هو أمير المؤمنين في الحديث، والذين ظفروا بهذا اللقب من المحدثين قلة قليلة، وإسحاق بن راهويه من هؤلاء، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا جرير].
هو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان التيمي].
هو سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي مجلز].
هو لاحق بن حميد الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو مجلز.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، منذ قدم رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة حتى توفاه الله وهو يخدمه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القنوت في صلاة الصبح
شرح حديث أنس في القنوت في صلاة الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القنوت في صلاة الصبح.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن أيوب عن ابن سيرين: (أن أنس بن مالك سئل: هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ قال: نعم، فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القنوت في صلاة الصبح، وهي شاهدة للترجمة التي قبلها أيضاً؛ من حيث أن فيه إثبات القنوت بعد الركوع، والترجمة السابقة: القنوت بعد الركوع، وهنا في صلاة الصبح، وأيضاً بعد الركوع، لكن عقد النسائي الترجمة لإثبات القنوت بعد الركوع، وعقد هذه لإثبات القنوت في صلاة الصبح.
وأورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: [(أن أنساً سئل: هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ قال: نعم، قيل: أبعد الركوع أم قبله؟ قال: بعد الركوع)]، ففيه الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو: القنوت في صلاة الصبح، وإثباته في صلاة الصبح، وفيه أيضاً الدلالة على الترجمة السابقة لهذه الترجمة، وهي: أن القنوت يكون بعد الركوع.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في القنوت في صلاة الصبح
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هنا حماد مهمل غير منسوب، والذي يتبادر إلى الذهن شخصان هما: ابن سلمة، وابن زيد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة هذان هما الحمادان اللذان في بلد واحد، وفي وقت واحد، واشتركا في الشيوخ والتلاميذ، ويأتي إهمالهما كثيراً، وعدم نسبة الراوي منهما، بل يكتفى بذكر حماد، ومن المعلوم: أن الطريقة التي يتوصل بها إلى معرفة المهمل: أن يعرف الشيوخ والتلاميذ، هل هذا التلميذ الذي روى عن حماد الذي هو غير منسوب، هل روى عن حماد بن زيد، وعن حماد بن سلمة جميعاً، أو روى عن واحد منهما؟ إذا كان لم يرو إلا عن واحد منهما، فإنه يكون الذي ما روى عنه ليس هو المقصود؛ لأنه ما روى عن أحدهما، وإنما روى عن واحد، وإن كان قد روى عنهما جميعاً، فينظر أيهما أكثر اتصالاً به، وأيهما أكثر أخذاً عنه، وأيهما يكون في بلده ليكون أكثر اتصالاً به، وكذلك أيضاً ينظر في طرق الأحاديث الأخرى، طرق الحديث نفسه التي جاءت في كتب أخرى؛ فإنه يتبين من بعض الطرق أنه ينسب في بعضها، وعلى هذا يتعين المهمل، ويتميز المهمل الذي لم ينسب؛ إما بكون الذي روى عنه لم يرو عن الآخر، أو بكون له خصيصة وميزة واتصال به؛ لكونه مكثر عنه، ولكونه من أهل بلده، أو كذلك في معرفة الطرق لهذا الحديث في الكتب المختلفة، فإنه يكون في بعضها التسمية للشخص المهمل.
وهذا الذي معنا الآن هو حماد بن زيد وليس حماد بن سلمة؛ لأن قتيبة ما روى عن حماد بن سلمة، وإنما روى عن حماد بن زيد فقط، فإذا جاء حماد مهمل غير منسوب، والراوي عنه قتيبة فالمراد به حماد بن زيد. والمزي -في ترجمة قتيبة- ذكر أنه روى عن حماد بن زيد، فتعين هنا المهمل، وتميز المهمل بكونه حماد بن زيد.
وكذلك أيضاً -كما سبق أن عرفنا- إذا جاء قتيبة يروي عن سفيان، فالمراد به ابن عيينة، وليس الثوري؛ لأنه لم يرو عنه الثوري، فهذه من الطرق التي يعرف بها تعيين المهمل الذي لم ينسب.
وحماد بن زيد بصري ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب]
هو أيوب بن أبي تميمة السختياني وهو ثقة، ثبت، حجة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سئل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن سيرين في القنوت في صلاة الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر بن المفضل عن يونس عن ابن سيرين قال: (حدثني بعض من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الثانية قام هنيهة)].هنا أورد النسائي حديث ابن سيرين عمَّن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني: الصحابي مهمل لم ينسب، ومن المعلوم: أن جهالة الصحابة لا تؤثر، فيكفي أن يوصف الشخص بأنه صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو لم يسم، فهو وإن كان مهملاً فإنه يعول على ما جاء عنه ما دام أنه أضيف إلى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى وراءه صلاة الصبح، أنه بعدما رفع رأسه من الركوع وقف هنيهة، يعني: زمناً يسيراً. ومن المعلوم أن المصلي بعدما يرفع من الركوع يقف، ولكن لعل المراد به الزيادة على الوقوف المعتاد، يعني فيما يتعلق بالرفع من الركوع في الركعات المختلفة، وذلك إنما يكون للدعاء، وإنما يكون للقنوت؛ يعني: فوقوفه هنيهة؛ يعني بذلك: أنه للقنوت.
تراجم رجال إسناد حديث ابن سيرين في القنوت في صلاة الصبح
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو إسماعيل بن مسعود البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا بشر بن المفضل].
هو البصري، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو يونس بن عبيد البصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
قد تقدم ذكره.
[عمن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم].
وقد عرفنا أن المجهول من الصحابة في حكم المعلوم؛ لأن الجهالة فيهم لا تؤثر؛ لأنه يكفيهم شرفاً وفضلاً أن يضافوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يكونوا من صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:25 PM
شرح حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الصبح يدعو لبعض أصحابه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حفظناه من الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركعة الثانية من صلاة الصبح قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الصبح، وبعد أن رفع رأسه من الركوع دعا للمستضعفين المسلمين، وعلى الكفار الذين آذوا المسلمين، فسمى من سمى من المسلمين، الذي سأل الله عز وجل أن ينجيهم، وأن يخلصهم من الكفار الذين آذوهم، فخص وعم، فإنه ذكر ثلاثة أشخاص: الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، ثم عطف على ذلك فقال: [(والمستضعفين من المسلمين بمكة)]، فهو عطف عام على خاص، أي: خص وعم.
ثم دعا على كفار مضر وقال: [(اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)]، بمعنى أنه دعا عليهم لأنهم آذوا المسلمين، واشتدت عداوتهم لهم، وآذوا أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وعذبوهم، فدعا رسول الله عليه الصلاة والسلام في قنوته للمستضعفين من المسلمين، وعلى المستكبرين من الكفار الذين آذوا المسلمين، ودعا عليهم بأن يحصل لهم سنين كسني يوسف، يعني: من القحط، والجدب، الذي يشغلهم بالبحث عن القوت وعن الطعام، ويشغلهم عن إيذاء المسلمين من المستضعفين الذين لم يتمكنوا من الهجرة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في المدينة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الصبح يدعو لبعض أصحابه
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو الجواز المكي، وقد عرفنا -سابقاً- أن ممن يسمى محمد بن منصور من شيوخ النسائي شخصان هما: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور المكي الجواز، وكل من محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور الجواز رويا عن سفيان، لكن كونه يحمل على أنه الجواز، وعلى أن سفيان هو ابن عيينة، هو الأظهر وهو الأقرب، وذلك أن محمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، وإذا كان الشخص من أهل البلد، يكون هو المعني عند الإهمال، وعند عدم التمييز، فيحمل على من يكون له ملازمة للشخص الذي روى عنه.
ثم أيضاً: ابن عيينة هو الذي يروي عن الزهري، وهو هنا يروي عن الزهري، فالمراد به ابن عيينة وليس الثوري؛ لأن سفيان بن عيينة هو الذي روى عن الزهري، وأما سفيان الثوري فلم يكن معروفاً بالرواية عنه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن روايته عن الزهري إنما هي بواسطة، وأنه لم يرو عنه مباشرة، وإنما روايته عنه بالواسطة.
فإذاً: يحمل سفيان على أنه: ابن عيينة؛ لأنه هو المعروف بالرواية عن الزهري، ومحمد بن منصور يحمل على أنه الجواز المكي؛ لأنه هو الذي له اتصال وله خصوصية في سفيان بن عيينة، من حيث أنه ملازم له، ومن أهل بلده؛ لأن كلاً منهما مكي.
وسفيان بن عيينة ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حفظناه من الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، فقيه، محدث، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين رووا عن صغار الصحابة.
[عن سعيد].
هو ابن المسيب، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، الذين سبق أن مر ذكرهم مراراً وتكراراً، وسعيد منهم باتفاق؛ لأن الذين اختلف في عدهم من الفقهاء السبعة ليس منهم سعيد، وهم ثلاثة، والخلاف إنما هو في السابع، وستة متفق على عدهم، والسابع منهم فيه خلاف.
[عن أبي هريرة].
رضي الله تعالى عنه هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله عنه وأرضاه.
شرح حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الصبح يدعو لبعض أصحابه من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن ابن أبي حمزة حدثني محمد حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن: (أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة حين يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم قبل أن يسجد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، ثم يقول: الله أكبر، فيسجد، وضاحية مضر يومئذ مخالفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بلفظ الحديث المتقدم، يعني دعاء لأناس من المسلمين المستضعفين، منهم من سمي ومنهم من لم يسم، ودعاء على كفار غير مسمين، وهم كفار مضر، ثم قال في آخر: [(وضاحية مضر يومئذ مخالفون لرسول الله)]، والمراد بضاحية مضر؛ سكان البوادي، فالبادية يقال لها: الضاحية، والضاحية يقال لها: البادية، فهذا تفسير وبيان لوجه اختصاص مضر.
ومن المعلوم: أن كفار مضر ممن عرفوا بكثرة محاربتهم للمسلمين؛ الذين دخلوا في الإسلام أولاً، ومن المعلوم: حديث وفد عبد القيس الذين جاءوا في أول الإسلام إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما جاءوا إليه في المدينة، وطلبوا منه أن يوصيهم، وأن يبين لهم أمور دينهم ويعلمهم، وكان من جملة ما قالوه في تعليل طلبهم لأن يفقههم في الدين ويعلمهم؛ قالوا: (إنا لا نستطيع أن نصل إليك إلا في شهر حرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر)، يعني: أن شدة عداوتهم ومخالفتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وإيذائهم لأصحابه الذين دخلوا في دينه، فهذا تفسير وبيان لوجه الدعوة على مضر وعلى كفار مضر.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الصبح يدعو لبعض أصحابه من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا بقية].
هو ابن الوليد، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن أبي حمزة].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني محمد].
هو ابن سيرين، وقد تقدم ذكره.
[حدثني سعيد بن المسيب].
قد تقدم ذكره.
[وأبو سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأنه ليس متفقاً على عده في الفقهاء؛ الذي هو أبو سلمة، ولكن سعيد بن المسيب اتفق على عده في الفقهاء السبعة؛ الذين هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال؛ قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن أبي هريرة].
قد تقدم ذكره.
الأسئلة

نبذة عن الزيدية
السؤال: يا شيخ! أكرمك الله، نريد أن نأخذ فكرة عن عقيدة الزيدية، وجزاك الله خيراً؟الجواب: عقيدة الزيدية -كما هو معلوم- هم من الشيعة، وهم من أخف الشيعة ضرراً وشراً، وأصل نسبتهم، هم والروافض، هم الذين لما قالوا لزيد: إن تبرأت من أبي بكر، وعمر توليناك، فقال: بل أتولاهما، وأبرأ ممن يبرأ منهما، فرفضته الروافض وكانت معه الزيدية، يعني: هم ينسبون إليه، وهم كما هو معلوم: ليسوا كالرافضة الذين يسبون الشيخين وغيرهم من الصحابة، وإنما يسبون بعض الصحابة مثل معاوية، وكلامهم في معاوية كثير، والكلام في معاوية من الشيعة على صفة العموم سهل ميسور عليهم، يعني: يتكلمون فيه ويقعون فيه، لكنهم كما ذكرت أنهم كانوا يتولون أبا بكر، وعمر، مثل ما كان عليه زيد ولهذا اتبعوه، ولكنهم يرون أولوية علي بالخلافة، ولا شك أن هذا ضلال مبين، لكن هذا شر، وبعض الشر أهون من بعض.
حكم العزل
السؤال: ما هو الراجح في العزل؟الجواب: العزل -كما هو معلوم- جاء في حديث أبي سعيد: (كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)، وكانوا يعزلون مع الإماء؛ لأنهم يخشون من حملهن، ويكن بذلك أمهات أولاد لا يتمكنون من بيعهن، فكانوا يعزلون عنهن لئلا يحملن، لكن العزل إذا حصل لا يمنع الحمل، فإنه قد جاء في الحديث في صحيح مسلم: (ليس من كل المني يكون الولد)، فلو حصل عزل، يمكن أن تخرج قطرة وتذهب، يعني: فوات الحرص من غير إحساس الإنسان وشعوره، ومن غير إرادته، فيتكون منها الولد.
والفقهاء يقولون: إنه لا يعزل عن الحرة إلا برضاها، وأما الأمة فله أن يعزل عنها؛ لأن المقصود من العزل هو عدم حصول الحمل؛ لأنها لو حملت وولدت صارت أم ولد، وعند ذلك الكلام في بيع أمهات الأولاد -هل تباع أو لا تباع؟- معروف ومشهور.
الكتب التي تهتم بتراجم الرجال
السؤال: ما هي الكتب التي تهتم في ذكر من يروى عنه ومن روى عنه، أي: حتى نعرف إن كان السند متصلاً أو لا؟الجواب: فيما يتعلق بالنسبة للكتب الستة، كتاب تهذيب الكمال هو أحسن كتاب، وخير كتاب يرجع إليه في معرفة الشيوخ والتلاميذ، بالنسبة لمن هم من رجال أصحاب الكتب الستة، فقد اعتنى بذلك عناية فائقة، وحصرهم ورتبهم ونظمهم على الحروف، على كثرة التراجم، في كل ترجمة يجمع الشيوخ والتلاميذ، ويرتبهم على حروف المعجم، فأنت إذا أردت أن تعرف شخصاً معين لا تحتاج إلى أن تقرأ الشيوخ كلهم، ولا أن تقرأ التلاميذ كلهم، إذا كنت تريد أن تعرف تلميذاً من تلاميذه، أو شيخاً من شيوخه، بل تعرف أول اسمه، ثم تبحث عنه في مكانه من الحروف، وهذا جهد مضني ليس بالهين، يعني معناه أن كل راو من الرواة يحصر شيوخه وتلاميذه، ويرتب الشيوخ على حروف المعجم، والتلاميذ على حروف المعجم في كل ترجمة، فخير ما يرجع إليه فيما يتعلق برجال أصحاب الكتب الستة هو هذا الكتاب النفيس، العظيم، الواسع، الوافي، الذي هو تهذيب الكمال للمزي، وهو مخطوط ومطبوع؛ مخطوط في ثلاثة مجلدات كبار، ومطبوع في مجلدات كثيرة.
معنى: لا شخص أغير من الله
السؤال: هل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا شخص أغير من الله)؟الجواب: نعم، هذا في الصحيح، هذا في صحيح البخاري ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كلمة (شخص) هذه -كما هو معلوم- ليست مطلقة على الله عز وجل؛ لأنه مثل: لا أحد أغير من الله، ليس هناك أحد من الخلق أغير من الله عز وجل، (لا شخص أغير من الله)، يعني: هذا هو المقصود، ليس أن الله يوصف بهذا الوصف؛ لأن هذا ما أضيف إلى الله عز وجل، فهو بمعنى أحد، يعني: ليس هناك أحد أغير من الله.
مدى اعتبار كلمة الشخص اسماً من أسماء الله
السؤال: هل الشخص اسم من أسماء الله؟الجواب: لا، أنا أجبت على هذا، أنا قلت: المعنى كونه ذات قائمة بذاتها، يعني المعنى صحيح، لكن الشخص هنا أطلق على غير الله عز وجل، مثل كلمة: لا أحد أغير من الله، ليس هناك أحد أغير من الله، ليس هناك أحد من الخلق أغير من الله، لا شخص من الناس أغير من الله عز وجل، يعني يراد بها: أي واحد من الناس لا يكون أغير من الله عز وجل.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:27 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(200)


- (باب القنوت في صلاة الظهر) إلى (باب ترك القنوت)
جاءت السنة ببيان جواز القنوت في الصلاة السرية والجهرية، فالنبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الظهر والمغرب، وكان يلعن المنافقين في دعائه، وقنت شهراً يدعو على أحياء من العرب ثم تركه.
القنوت في صلاة الظهر

‏ شرح حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الظهر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القنوت في صلاة الظهرأخبرنا سليمان بن سلم البلخي حدثنا النضر حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لأقربنّ لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء الآخرة، وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفرة)].
يقول النسائي رحمه الله: باب القنوت في صلاة الظهر، وهو قنوت النوازل، وقنوت النوازل يكون في الصلوات كلها، وهذه الترجمة تتعلق بالقنوت في صلاة الظهر، وأن الإمام عندما يقنت في النوازل فله أن يقنت في هذه الصلاة وهي سرية، ويقنت فيها يدعو للمسلمين، ويدعو على الكافرين، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: [(لأقربن لكم صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام)]، يعني: يبينها لهم، ويجعلهم كأنهم يرونها ويشاهدونها.
قوله: [(فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر، ومن صلاة المغرب، ومن صلاة العشاء الآخرة، ومن صلاة الصبح)]، هذه الصلوات كان يقنت فيها، في الظهر وفي العشاء الآخرة، وفي صلاة الصبح، ومحل الشاهد منه: أنه كان يقنت في صلاة الظهر، والترجمة: باب القنوت في صلاة الظهر. يعني: أنه يقنت في السرية وفي الجهرية، والقنوت في صلاة الظهر دليل على القنوت في السرية، والقنوت في العشاء والصبح دليل على القنوت في الصلاة الجهرية، وكان في قنوته يدعو للمسلمين ويلعن الكفرة.
قوله: [(بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، وأيضاً: وربك ولك الحمد)]؛ لأنه جاء في الأحاديث أنه يؤتى بسمع الله لمن حمده، وبعدها: ربنا ولك الحمد، كما سبق أن مر في الحديث الذي قبل هذا، يعني: يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يأتي بعد ذلك بالقنوت الذي هو الدعاء على الكافرين، والدعاء للمسلمين؛ لأن هذا هو القنوت في النوازل، يكون في الصلوات، ويكون في الركعة الأخيرة، وبعد الركوع في السرية وفي الجهرية، وموضوعه الدعاء للمسلمين، والدعاء على أعدائهم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في قنوت النبي في صلاة الظهر
قوله: [أخبرنا سليمان بن سلم البلخي].وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا النضر].
وهو ابن شميل، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام].
وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
وهو ابن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، من فقهاء التابعين، ومن الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع ، والأقوال في السابع منهم ثلاثة: أحدها هذا، والثاني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وحديثه -أي: حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف- أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القنوت في صلاة المغرب


شرح حديث: (أن النبي كان يقنت في الصبح والمغرب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القنوت في صلاة المغربأخبرنا عبيد الله بن سعيد عن عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن عمرو بن مرة (ح) وأخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان قالا: حدثنا عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب. وقال عبيد الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القنوت في صلاة المغرب، وأورد تحتها حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت في صلاة المغرب، وفي صلاة الصبح)]، وفيه الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو إثبات القنوت في صلاة المغرب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث البراء بن عازب قنت في صلاة المغرب وفي صلاة الصبح، وقال: إن عبيد الله بن سعيد قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني: هذا إشارة إلى اختلاف اللفظ، لفظ عبيد الله بن سعيد الذي هو شيخه الأول، والثاني هو عمرو بن علي الفلاس، وهو شيخه في الإسناد الثاني، يعني: أن النسائي ساقه على لفظ عمرو بن علي الفلاس شيخه في الإسناد الثاني، ثم بين لفظ عبيد الله بن سعيد، وأنه عبر بالرسول عن النبي؛ لأن الأول قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم، أو إن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما عبيد الله بن سعيد فتعبيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: الفرق بين النبي والرسول، ومن المعلوم أن كل منهما مؤداه واحد؛ لأن النبي والرسول من أوصاف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فيقال له: النبي، ويقال له: الرسول، وعند بعض العلماء أنه يجوز ذكر النبي بالرسول، وذكر الرسول بالنبي، وأنه إذا جاء لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجوز للذي يحدث أنه يؤتي بدله بالنبي عليه الصلاة والسلام، وبالعكس، والنسائي هنا أتى بتعبير كل منهما؛ لأن عمرو بن علي الفلاس عبر بالنبي صلى الله عليه وسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأما عبيد الله بن سعيد فكان تعبيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفرق بين التعبيرين هو ذكر الرسول والنبي، فوصف محمد عليه الصلاة والسلام بأنه نبي ووصفه بأنه رسول؛ فهذا أتى بهذه العبارة في حديثه، وهذا أتى بهذه العبارة في حديثه.
ويحصل من النسائي أحياناً أنه يأتي بمثل هذا الفرق، وهو إن لم يكن الفرق بينهما ليس هناك تباين، إلا أن هذا من العناية بإيراد ألفاظ الرواة كما جاءت عنهم، حيث عبر هذا بالرسول، وعبر هذا بالنبي، وكل منهما مؤداه واحد، ونتيجته واحدة، إلا أن في الإتيان بلفظ هذا، والإتيان بلفظ هذا، دلالة على المحافظة على الألفاظ التي تأتي عن الرواة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يقنت في الصبح والمغرب)
قوله: [عبيد الله بن سعيد].هو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي.
[عن عبد الرحمن].
وهو ابن مهدي البصري، وهو ثقة، ثبت، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.
[وشعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهذان الشخصان اللذان جاءا بإسناد واحد يروي عنهما عبد الرحمن بن مهدي، كل منهما ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.
[عن عمرو بن مرة].
هو عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[(ح) وأخبرنا عمرو بن علي].
(ح) هي للتحويل والتحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن ما بعدها ليس يلي ما قبلها؛ لأن الذي قبلها متقدم، وهو بعد ذكر عدد من الرواة من المصنف، ثم يأتي بـ (ح) ويأتي بإسناد جديد، ثم يأتي ذكر الرواة بعضهم حتى يحصل التلاقي عند شعبة وسفيان؛ لأن الإسنادين تلاقيا عندهما؛ لأن كلاً من الإسنادين فيه شعبة وسفيان، والإسناد الأول: رواية عن عبيد الله بن سعيد عن عبد الرحمن عن شعبة وسفيان، وهنا عن عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان.
وعمرو بن علي الفلاس المحدث الناقد، المتكلم في الرجال كثيرا، وكثيراً ما يأتي ذكره عندما يأتي الكلام في الرجال بلقب الفلاس، قال الفلاس كذا، ضعفه الفلاس، وثقه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، فهذه الكلمة هي التي تتكرر كثيراً في كتب الرجال عند ذكر الكلام في الرجال، فيأتي ذكره كثيراً بـالفلاس، ويأتي عمرو بن علي، إلا أن إطلاق الفلاس عليه أكثر عند الكلام على الرجال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد القطان].
وهو ثقة، ثبت، محدث، ناقد، أخرج حديثه أيضاً أصحاب الكتب الستة .
[عن شعبة وسفيان].
وقد حصل تلاقي الإسنادين عندهما، وهما في طبقة واحدة الآن؛ لأن رواية كل من عبد الرحمن بن مهدي البصري ويحيى بن سعيد القطان البصري، كل منهما روى هذا الحديث عن هذين الشخصين وهما: سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج.
[حدثنا عمرو بن مرة].
عن سفيان وشعبة عن عمرو، وهنا قال: حدثنا عمرو، إذاً: هناك التعبير بعن، وهنا التعبير بحدثنا.
[عن ابن أبي ليلى].
وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
اللعن في القنوت

شرح حديث أنس في لعن رعل وذكوان ولحيان في القنوت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اللعن في القنوتأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس، وهشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً. قال شعبة: لعن رجالاً. وقال هشام: يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع، هذا قول هشام. وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يلعن رعلاً وذكوان ولحيان)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي اللعن في القنوت، أي لعن الكفرة في القنوت، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهراً يلعن...) الحديث .
قوله: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً)]، ثم اختلف لفظ شعبة، ولفظ هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، فقال شعبة: [(لعن رجالاً)]، وهذا هو محل الشاهد، يعني: تعبير شعبة ولفظ شعبة هو الذي مشتمل على محل الشاهد في الترجمة؛ لأن الترجمة هي اللعن في القنوت، واللعن في القنوت جاء بلفظ شعبة، وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً لعن رجالاً)، وقال هشام الذي روى مع شعبة: [(يدعو على أحياء من أحياء العرب)].
قوله: [(ثم تركه)]، أي: ترك القنوت، [(بعد الركوع)]، كان قنت شهراً بعد الركوع ثم تركه؛ لأن (تركه) ترجع إلى القنوت، فتكون: قنت شهراً ثم ترك القنوت، وبعد الركوع ترجع إلى القنوت، أي أن قنوته كان بعد الركوع، وليس الترك له بعد الركوع، وإنما بعد الركوع لا يرجع للترك، وإنما يرجع إلى القنوت، قنت شهراً بعد الركوع يدعو على أناس أو يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه، أي: ترك القنوت، معناه: أن القنوت هذا ليس بدائم، وإنما يكون في النوازل، ويكون لمدة معينة، ولا يستمر عليه دائماً، وإنما القنوت في النوازل ويكون لمدة معينة، مثل: عندما قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب من قبائل العرب.
فهناك: يلعن رجالاً، وهنا: (أنه لعن قبائل من العرب)؛ لأنه في رواية هشام يدعو على قبائل من قبائل العرب، وهنا بين أنه يلعن، وسمى بعض هذه القبائل التي هي رعل وذكوان ولحيان، ففيه تسمية بعض هذه القبائل.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:31 PM
تراجم رجال إسناد حديث أنس في لعن رعل وذكوان ولحيان في القنوت
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى]. وهو أبو موسى الملقب الزمن، وهو بصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة؛ بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو مثل: محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي؛ فهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، روى عنهم أصحاب الكتب الستة مباشرة وبدون واسطة، وقد ماتوا جميعاً في سنة واحدة، أي: هؤلاء الثلاثة، وهم: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكانت وفاتهم قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وهؤلاء الثلاثة -وهم من صغار شيوخه- ماتوا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثنا أبو داود].
هو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، توفي سنة مائتين وأربع، وهي السنة التي مات فيها الشافعي.
[حدثنا شعبة].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن قتادة].
وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين، وأنس خادمه، خدمه عشر سنوات، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ممن طال عمره، ولقيه الكثير من الصحابة والتابعين صغارهم وكبارهم ومتوسطوهم؛ لأن صغار التابعين أدركوه ورووا عنه، ومنهم: الزهري فإنه من صغار التابعين، وممن روى عن أنس بن مالك، فقد عمر وطالت حياته، ولقيه الكثير من التابعين، وتلقوا عنه كبارهم وصغارهم ومتوسطيهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
إذاً: أبو داود الطيالسي روى عن شعبة وروى عن هشام، وكل من شعبة وهشام يروي عن قتادة، معنى ذلك أن أبا داود له شيخان هما: هشام وشعبة، وكل منهما يروي عن قتادة، وهشام هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وقد مر ذكره قريباً.
لعن المنافقين في القنوت

شرح حديث عبد الله بن عمر في لعن المنافقين في القنوت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب لعن المنافقين في القنوتأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه: (سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة، قال: اللهم العن فلاناً وفلاناً، يدعو على أناس من المنافقين، فأنزل الله عز وجل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)[آل عمران:128])].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب لعن المنافقين في القنوت.
لأن هناك اللعن في القنوت، وهو لعن مطلق، وهو لعن الكفرة، وهنا اللعن للمنافقين، والمراد بالمنافقين هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر؛ لأن الإسلام لما أظهره الله عز وجل، وظهر أهله وظهرت قوتهم، وعلت كلمتهم، صار الذي في نفسه شيء يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وقبل ذلك في مكة ما كان هناك حاجة إلى إظهار النفاق؛ لأن الكافر كافر والمسلم مسلم، والذي يريد يظهر كفره أظهره؛ لأن المسلمين ما لهم قوة وهم في مكة؛ ولهذا النفاق حصل في المدينة، الذين قدم إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذين وفقهم الله للدخول في هذا الدين دخلوا في هذا الدين ونصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، والذين في نفوسهم شيء ولم شرح الله صدورهم للإسلام بقوا على كفرهم، إلا أنهم أظهروا الإسلام ظاهراً وهم يبطنون الكفر.
والنفاق نوعان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي، والنفاق الاعتقادي هو: المخرج من الملة، وهو الذي صاحبه يكون في الدرك الأسفل من النار، ويكون كافراً، وهو كافر من الكفار إلا أنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر، في قرارة نفسه هو كافر، ولا يظهر الإيمان إلا خوفاً من المسلمين ومن قوة الإسلام وغلبة أهله، وإلا فإنه يبطن الكفر، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ )[البقرة:14]، فهذا هو شأن المنافقين.
والنفاق العملي هو: النفاق الذي جاء في الحديث: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف)، وهذا لا يخرج من الملة، ولكنه نفاق، فكون الإنسان يكذب ويفجر ويخون فإن هذه من صفات المنافقين، ومن حصلت له مع الإيمان ظاهراً وباطناً، وكونه مؤمن في قلبه وفي عمله، فذلك من نفاق العمل الذي لا يخرج من الملة، وهو من كبائر الذنوب ولكنه ليس مثل النفاق الاعتقادي.
فأنزل الله عز وجل عليه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )[آل عمران:128]، وقد كان عليه الصلاة والسلام يسمي أناساً بأسمائهم من الكفار ومن المنافقين، وبعد ذلك لما نزل عليه: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )[آل عمران:128]، فترك ذلك.
ومن المعلوم أن المعين حكم الإسلام فيه أنه لا يلعن، أي: لا يلعن المعين؛ لأن من لا تعرف نهايته قد ينتهي أمره إلى خير، وإن كان في حياته متمكناً في الشر، ولم يصدر منه إلا الشر؛ كما جاء في الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، والعكس (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل الجنة فيدخلها)، فمن الناس من يكون موفقاً للدخول في الإسلام فيمكث فيه ما شاء الله أن يمكث، وتطول مدته وهو من المسلمين، ثم يدركه الخذلان والعياذ بالله في آخر حياته فيرتد عن الإسلام، ويموت على الردة والعياذ بالله، وهذا مثل ما حصل من بعض الذين دخلوا في هذا الدين وأسلموا، ولما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام ارتدوا عن الإسلام، وقتل من قتل منهم على الردة، فكانوا مسلمين ثم ارتدوا والعياذ بالله، والذين حصل لهم ذلك عدد ممن كان مسلماً وارتد عن الإسلام ومات على الردة، وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم الذين ثبتهم الله على هذا الدين الحنيف هم الكثير، والذين حصل منهم الردة هم القليل، وقد تولى قتالهم الصديق رضي الله عنه وأرضاه، كان معروفاً برفقه ولينه، ولكن شدته في الله عز وجل غلبت عمر في هذا الجانب، مع أن عمر معروف بالشدة، وعمر كان يحاجه في قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وهو وقف تلك الوقفة، وبعد ذلك شرح الله صدر عمر لما شرح له صدر أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقتل على الردة من قتل، وهؤلاء هم المعنيون في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم لما يكون عند حوضه: (يذاد عنه أناس فأقول: أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، المراد به هؤلاء الذين ارتدوا عن الإسلام وقاتلهم الصديق وماتوا على ردتهم ممن دخل في الإسلام .
وبعض الفرق الضالة المخذولة تقول: إن الصحابة ارتدوا عن الإسلام، ويستدلون على ذلك بهذا الحديث الذي فيه: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فإنه يراد بهؤلاء الصحابة القليلون الذين ارتدوا عن الإسلام وقاتلهم الصديق رضي الله عنه حتى يرجعوا إلى الإسلام، ورجع من رجع منهم، ومات من مات منهم على الردة، فالرسول عليه الصلاة والسلام جاء في الحديث قال: (أصحابي! أصحابي! إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فالمراد بهم الذين ارتدوا وماتوا على الردة وقاتلهم الصديق، وقتلوا في حروب المسلمين التي حاربوا فيها المرتدين عن الإسلام، وأما المسلمون الذين قاتلوهم وجاهدوا في سبيل الله، فهؤلاء هم أهل الإسلام، وهم أهل الحق، وهم خير هذه الأمة، وهم الصفوة المختارة، وهم الذين ما كان مثلهم في الأمم الماضية، ولا يكون مثلهم في القرون اللاحقة التي جاءت؛ فهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، هؤلاء الصحابة الكرام هم خير الخليقة، هم خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم؛ فهم الذين يلون الأنبياء والمرسلين، والذين ارتدوا هم الذين قاتلهم الصحابة.
وقد ارتدت بعض القبائل أو أعداد ممن دخل في الإسلام، وكان أهل مكة قد فكر من فكر منهم في الردة، ولكن سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه قام وخطبهم وثبتهم على الإسلام، وكان كلامه معهم فيه تثبيت لهم، قال: يا أهل مكة! لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله ليظهرن الله هذا الدين، وتكلم بالكلام البليغ الذي ثبت الله تعالى به من فكر بالخذلان وفكر في الردة، فصار في كلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه تثبيتاً لهم على الحق والهدى.
عن سالم، عن أبيه رضي الله عنهما: [(أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة، قال: اللهم العن فلاناً وفلاناً، يدعو على أناس من المنافقين، فأنزل الله عز وجل: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )[آل عمران:128])].
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر في لعن المنافقين في القنوت
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب العالية الرفيعة التي لم يظفر بها إلا القليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[أخبرنا عبد الرزاق].
وهو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ثقة، فقيه، محدث، مصنف، وهو صاحب كتاب المصنف المليء بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار عن الصحابة ومن بعدهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معمر].
وهو ابن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، المحدث، الفقيه، المكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم كما أشرت إلى ذلك آنفاً عند ذكر أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
ترك القنوت

شرح حديث: (أن رسول الله قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك القنوتأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ترك القنوت، يعني: ليس معنى ذلك النسخ وأنه نسخ، وأن الحكم انتهى، وأنه كان موجوداً في زمنه عليه الصلاة والسلام ثم ترك، وإنما المقصود من ذلك تركه، يعني: عدم الاستمرار به، أي أنه يفعل ويترك؛ يفعل عند الحاجة ويترك عندما يحصل الدعاء وعندما يحصل الالتجاء إلى الله عز وجل، ولا يداوم عليه، وهذا معناه أن القنوت لا يلازم، ولا يداوم عليه، ولا يستمر عليه، وإنما يفعل عند النوازل ثم يترك، وقد أورد تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه)]، ومحل الشاهد قوله: [(ثم تركه)]، يعني بعد الشهر، يعني: فعل ذلك شهراً، ثم بعد أن انتهى الشهر ترك.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[أخبرنا معاذ بن هشام].
وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق ربما وهم، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وقد مر ذكره في بعض الأسانيد الماضية.
[عن قتادة].
وكذلك مر ذكره أيضاً.
[عن أنس].
أنس بن مالك، وقد مر ذكره.
شرح حديث أبي مالك الأشجعي: (صليت خلف النبي فلم يقنت ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن خلف وهو ابن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه رضي الله عنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني، إنها بدعة)].أورد النسائي حديث طارق بن أشيم الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه صلى خلف رسول الله، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، يعني صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف خلفائه الراشدين، فلم يحصل منهم القنوت، وقال: إنه بدعة، ومعنى هذا: أنه يحمل على أنه إما أن يراد أنه ما أدرك، أو أنه ما حضر معهم صلاة فيها قنوت، أو أنه يشير إلى أن البدعة هو المداومة والاستمرار على ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستمر، فهو يحتمل أن يكون أنه ما وافق أن صلى صلاة فيها قنوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مع خلفائه الراشدين، أو أنه يريد بذلك التبديع إنما هو في الاستمرار والمداومة على القنوت في الصلوات، وأنه يكون بصفة دائمة، فهذا هو الذي هو خلاف السنة؛ لأنه لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه داوم على القنوت، وإنما كان يفعله في بعض الأحيان عندما يحصل أمر يقتضيه ويتركه، كما ذكرنا أنه قنت شهراً يدعو على حي من أحياء العرب، أو أحياء من أحياء العرب، ثم ترك ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مالك الأشجعي: (صليت خلف النبي فلم يقنت ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن خلف وهو: ابن خليفة].
خلف وهو ابن خليفة، وهو صدوق اختلط في الآخر، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي مالك الأشجعي].
وهو سعد بن طارق بن أشيم الأشجعي، وهو ثقة، وأخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
وهو طارق بن أشيم الأشجعي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:33 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(201)


- (باب تبريد الحصى للسجود عليه) إلى (باب كيف يخر للسجود)
لقد دلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكبر المصلي مع كل خفض ورفع، ومن ذلك التكبير للسجود، كما بينت كيفية الهوي للسجود وأنه يكون عن قيام.
تبريد الحصى للسجود عليه

‏ شرح حديث جابر: (كنا نصلي مع رسول الله الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده... فإذا سجدت وضعته لجبهتي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تبريد الحصى للسجود عليه.أخبرنا قتيبة حدثنا عباد عن محمد بن عمرو عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي)].
يقول النسائي رحمه الله: باب تبريد الحصى للسجود عليه، المقصود من هذه الترجمة واضح من اللفظ، أخذ الحصى من الأرض ثم وضعه في الكف، من كف إلى كف، ثم وضعه مكان السجود تحت مكان الجبهة؛ ليسجد عليه؛ وذلك في شدة الحر، وصلاتهم في الشمس، ومن المعلوم أن هذا عند عدم وجود ما يحول بين الإنسان وبين الأرض من فراش، أو مثله مما يحول بين وجه الإنسان وبين حرارة الرمضاء التي تحصل نتيجة لحرارة الشمس، فإذا كان هناك ما يفترش، ويوضع تحت الإنسان وهو يصلي عليه في الشمس، فإن هذا هو الأولى؛ لأنه لا يكون معه عمل في الصلاة، أو لا يحتاج إلى عمل في الصلاة، وهذه الحالة التي ترجم لها المصنف هي لا شك أنه عند عدم وجود ما يغني عنه من فراش، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
[(كنا نصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فآخذ قبضةً من حصى في كفي فأحوله إلى الكف الآخر -أبرده- فإذا سجدت وضعته لجبهتي..)].
قوله: [(فإذا سجدت)]، يعني: أردت السجود، [(وضعته لجبهتي)]، حتى يسجد الإنسان ويطمئن في السجود، ولا يتشاغل بالحرارة التي تكون على وجهه من شدة حرارة الرمضاء، فإذا كان المصلى بارداً، ولم يكن شديد الحرارة، فإنه يتمكن الإنسان من السجود، بخلاف ما إذا كان حاراً، فإن شدة الحرارة تلجئه لئلا يطيل السجود، وألا يتمكن كثيرا في السجود، وإن كان سيؤدي ما هو واجب عليه، إلا أن الاطمئنان وإطالة السجود لا تتأتى مع وجود الحرارة، وفي هذا الحديث دليل على أن مثل هذا العمل يعتبر من العمل اليسير الذي يحتاج إليه في الصلاة، أي: أن ذلك سائغ وجائز، وهو أخذ الكف من الحصى، ثم تحويله إلى الكف الأخرى ليبرد، ولتذهب حرارته، أو تخف حرارته ليسجد عليه الإنسان، ويضع جبهته عليه، فلا يكون هناك ما يشغله عن الاطمئنان في السجود وإطالته.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كنا نصلي مع رسول الله الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده... فإذا سجدت وضعته لجبهتي)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، وبغلان: قرية من قرى بلخ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عباد].
وهو عباد بن عباد المهلبي، نسبة إلى جده المهلب بن أبي صفرة، وهو ثقة، ربما وهم، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عمرو].
هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق، له أوهام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن الحارث].
هو سعيد بن الحارث المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد، فهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أحد السبعة المعروفين بكثرة رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
التكبير للسجود


شرح حديث مطرف بن عبد الله: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير للسجود.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن غيلان بن جرير عن مطرف قال: (صليت أنا وعمران بن حصين رضي الله عنه خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى صلاته أخذ عمران بيدي فقال: لقد ذكرني هذا، قال كلمة يعني: صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التكبير للسجود، أي: أن الكلمة أو الذكر الذي يقال عند الانتقال إلى السجود من القيام بعد الركوع إنما هو التكبير، فيقول: الله أكبر، عندما يخر الإنسان للسجود من قيامه بعد الركوع، أن يقول: الله أكبر، فالترجمة معقودة للتكبير عند السجود أو التكبير للسجود، يعني: إذا خر ساجداً يكبر، وقد أورد حديث عمران بن حصين أنه صلى خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكبر حين سجد، وكبر حين قام من سجوده، وكبر حين قام من الاثنتين، وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير صلى هو وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولما فرغ أخذ عمران بيد مطرف وقال: [(لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)].
محل الشاهد من الحديث: أن عمران بن حصين لما صلى خلف علي رضي الله عنه، وكان يكبر عند الخفض والرفع قال: [(لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)]، فالحديث مرفوع، الذي رفعه هو عمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب يصلي هذه الصلاة التي تشبه صلاة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فكونه مرفوعاً هو من كلام عمران بن حصين، أو الذي رفعه هو عمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه صلاته موافقة ومشابهة لصلاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فالذي رفع الحديث هو عمران بن حصين، والذي رفعه تلك الصلاة التي صلاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فـمطرف يروي عن عمران بن حصين، أن الصلاة التي صلاها علي بن أبي طالب هذه تذكر بصلاة الرسول عليه الصلاة والسلام، والذي أخبر بأن صلاته تشبه صلاة الرسول، أو تذكر بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم هو عمران بن حصين.
إذاً: الحديث من رواية مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين يقول عن صلاة علي رضي الله عنه التي صفتها كذا وكذا: أنها تذكره بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو لم يأت ذكر ذلك من عمران لم يكن في الحديث شيء يضيف ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هو فعل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن المعلوم أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، يقتدون في صلواتهم وفي أفعالهم بالرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن رفع هذا الفعل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام جاء بقول عمران بن حصين الذي يقول: إن هذا الفعل الذي فعله علي يذكر بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمقصود من ذلك: أن الانتقالات يكون فيها التكبير، ما عدا القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده عند القيام من الركوع، وما عدا ذلك ففي كل انتقال من ركن إلى ركن، ومن هيئة إلى هيئة، ومن عمل إلى عمل في الصلاة، إنما يكون بلفظ التكبير عند كل خفض ورفع، ففي هذا إثبات التكبير في الانتقال من فعل إلى فعل في الصلاة، ولا يستثنى من ذلك إلا عند القيام من الركوع فيقال: سمع الله لمن حمده، ولا يقال: الله أكبر.
تراجم رجال إسناد حديث مطرف بن عبد الله: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر...)
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا حماد].
وهو ابن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
و حماد هنا غير منسوب، لكنه جاء مبيناً في تحفة الأشراف عند المزي وقال: إنه حماد بن زيد، وحديثه كما ذكرت أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن غيلان بن جرير].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف].
هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، عابد، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران].
هو عمران بن حصين الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
أما علي بن أبي طالب الذي صلى الصلاة التي تشبه صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي قال عنها عمران بن حصين: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفضائله جمة، ومناقبه كثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
هذا الحديث من مسند عمران، هو الذي قال: إن هذه الصلاة تشبه صلاة محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم ما فعله عمران مع مطرف حيث قال: (أخذ بيدي) هذا فيه الضبط، أو يدل على الضبط والإتقان لما يتحمله الراوي؛ لأن كون الراوي يتحمل الحديث من المحدث، ويتذكر الهيئة التي كان فعلها معه المحدث عند تحديثه بالحديث، هذه تدل على ضبطه وإتقانه، ثم أيضاً هذا الفعل من عمران بن حصين مع أخذه بيده، يريد من ذلك أن يتنبه، وأن يتقن ذلك الشيء الذي يحدثه به، فهو دال على ضبط الراوي الذي هو مطرف، وعلى فعل المروي عنه ما فيه تمكن الراوي من الأخذ عنه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:36 PM
شرح حديث: (كان رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا معاذ ويحيى حدثنا زهير حدثني أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن يساره، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يفعلانه)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع)]، وذلك في غالب الأفعال وليس كلها؛ لأن الرفع من الركوع مستثنى بلا شك؛ لأنه يقال عنده: سمع الله لمن حمده، وهو رفع، ومع ذلك لا يقول عنده: الله أكبر، وإنما يقول: سمع الله لمن حمده، فهذا مما استثني، إذاً: فقوله: [(كل خفض ورفع)]، المراد به الغالب، وهذا من جنس الحديث الذي يقول: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، فإن هذا إنما هذا في الغالب، بدليل أنه جاء في التفصيل أن (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) يقال عندهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يقال عندهما: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، المراد من ذلك فيما عدا الحيعلتين: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقال عندهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك هنا عند كل خفض ورفع يكبر، ويستثنى من ذلك القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده، إذاً: فقوله: [(كل خفض ورفع)]، المراد به الغالب، وليس المراد به الإطلاق.
وقال: [(وكان يسلم عن يمينه وعن شماله)]، يسلم تسليمتين للخروج من الصلاة عن يمينه وعن شماله، [وكان أبو بكر وعمر يفعلانه] أي: يفعلان مثل هذا الفعل الذي يحكيه عبد الله بن مسعود عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يفعلان هذا الفعل الذي هو التكبير عند كل خفض ورفع، وأنهما يسلمان عن اليمين تسليمة، وعن الشمال تسليمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، وكما ذكرت كثيراً عندما يأتي ذكره في كتب الرجال في بيان الجرح والتعديل يقال: قال الفلاس كذا، وثقه الفلاس، وعابه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، المراد به عمرو بن علي هذا، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معاذ ويحيى].
هو معاذ بن معاذ العنبري البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[و يحيى].
هو ابن سعيد القطان، الذي يروي عن زهير، الذي جاء هنا هو يحيى وغير منسوب، وقد روى عن زهير: يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن آدم، وقد جاء عند النسائي في بعض المواضع من هذا الحديث تسميته وأنه يحيى بن آدم، لكن المزي في تحفة الأشراف في هذا الموضع ذكر أنه من رواية معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد، وفي الموضع الذي سيأتي فيما بعد ذكر أنه من رواية يحيى بن آدم، فكل من يحيى بن آدم ويحيى بن سعيد القطان قد روى عن زهير بن معاوية، وهنا جاء مهملاً غير منسوب، ويحتمل أنه يحيى بن آدم، ويحتمل أنه يحيى بن سعيد القطان، وقد قال المزي في تحفة الأشراف: إنه في هذا الموضع عن معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد عن زهير، وذكر هناك أن الذي رواه يحيى بن آدم، وهنا يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الرجال، والذي كلامه في الرجال كثير، والذي وصفه الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل هو وعبد الرحمن بن مهدي، وهما بصريان: إذا اتفقا على جرح شخص، قال: فإنه لا يكاد يندمل جرحه، يعني بذلك أنهما أصابا الهدف، وأنهما أصابا في قولهما في وصفهما الرجل فيما وصفاه به من الجرح، وحديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي بآخره، يعني: أنه بعدما اختلط، أبو إسحاق ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي هنا عن أبي إسحاق، الذي في روايته عنه شيء؛ لكونه روى عنه بعد الاختلاط، لكن كما هو معلوم الحديث له شواهد من جهة أن الرسول صلى الله عليه وسلم المعروف عنه في ركوعه وسجوده أنه يكبر عند كل خفض ورفع، إلا ما كان من القيام من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وأما كونه سمع منه بأخره الذي هو زهير بن معاوية لا يؤثر ذلك؛ لأن إثبات الإتيان بالتكبير عند الخفض والرفع ما جاء من طريقة فقط، بل جاء من طرق أخرى ومن وجوه مختلفة، فلا يؤثر سماعه عنه في الآخر.
[حدثني أبو إسحاق السبيعي].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، سبيع نسبة، وهي جزء من همدان، أو هم بعض من همدان، فهمدان نسب عامة، وسبيع نسبة خاصة، وكلها نسبة نسب، والكوفي هو من أهل الكوفة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة والأسود].
يروي عن أبيه الأسود، وعن علقمة بن قيس النخعي، وكل منهما ثقة، وكل منهما مخضرم، وهما صاحبا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وحديثهما عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مسعود].
رضي الله تعالى عنه، الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد علماء الصحابة وفقهائهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ليس من العبادلة الأربعة المشهورين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين هم من صغار الصحابة، فهو ليس من صغارهم بل هو من كبارهم، وكانت وفاته قبلهم بمدة طويلة، حيث توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وفي الصحابة غيرهم ممن يسمى عبد الله كثير، منهم: عبد الله بن مسعود هذا، ومنهم: عبد الله بن أبي بكر، ومنهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعدد كبير من الصحابة يسمون عبد الله، لكن اشتهر منهم أربعة بلقب العبادلة الأربعة، وهم من صغار الصحابة، وهم صحابة أبناء صحابة.
كيف يخر للسجود

شرح حديث حكيم بن حزام: (بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف يخر للسجود.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة عن أبي بشر: سمعت يوسف وهو ابن ماهك يحدث عن حكيم رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخر إلا قائماً)].
أورد النسائي هنا: كيف يخر للسجود، والمراد: من هذه الترجمة الهيئة التي يكون عليها عندما يسجد فأورد تحتها حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخر إلا قائماً)]، وليس فيه التنصيص على السجود، لكن اختلف العلماء في بيان المراد به، فمنهم من فهمه على أنه الخرور للسجود، يخر: يعني يهوي للسجود من قيام، والمراد من ذلك أنه عندما يرفع رأسه من الركوع ويطمئن في قيامه، ثم يخر من ذلك القيام، لا يخر من الركوع، أي: لا يخر بكونه لا يعتدل قائماً، بمعنى أن يرفع رأسه ثم يهوي، وإنما يستقيم ويعتدل ويستقر ويتمكن في قيامه، ثم بعد ذلك يخر للسجود، فهذا اللفظ دليل يدل على القيام بعد الركوع، وعلى أن المصلي يستوي قائماً ليخر من تلك الهيئة إلى السجود، لا يخر من الركوع، ولا يرفع رأسه ثم يرجع إلى السجود دون أن يستقيم قائماً، ودون أن يعتدل قائماً.
ففسر بعض العلماء هذا الحديث الذي لم يذكر فيه لفظ السجود بأن المراد منه السجود، [(ألا أخر إلا قائماً)]، أي: ألا يخر إلى السجود إلا قائماً، من حال القيام، لا من حال ركوع ولا من حال هيئة تكون بعد الركوع لا يستقر فيها للقيام، مثل ما يفعله بعض المستعجلين في الصلاة الذين ينقرونها نقرا، بحيث يرفع رأسه من الركوع ثم يهوي قبل أن يعتدل قائماً، فإن هذا الحديث يدل على خلاف هذا الفعل، والأحاديث كثيرة تدل على لزوم الاعتدال في القيام، ومنها حديث المسيء في صلاته الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: (اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)، وكذلك ما جاء عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع من الركوع فيطيل القيام حتى أقول في نفسي: قد نسي)، معناه: أنه يطيل القيام بعد الركوع، تلك الأحاديث صريحة وواضحة في الاعتدال، وهذا الحديث يدل أيضاً على الاعتدال؛ لأن قوله: [(ألا أخر إلا قائماً)]، يدل على أن المراد به السجود، معناه: أنه يكون قائماً منتصباً بعد الركوع، وهذا هو الذي فهمه المصنف، ولهذا أورده تحت هذه الترجمة: كيف يخر للسجود، أنه يخر من حالة القيام، لا يخر من حالة الركوع، ولا من هيئة بعد الركوع لا يكون فيها استقرار في القيام، كما يحصل من الذين ينقرون الصلاة، فإنه لا بد من الاعتدال، ولا بد للإنسان أن يستقر قائماً بعد الركوع.
ومن العلماء من قال: إن المراد به ألا يموت إلا على الإسلام، [(ألا أخر إلا قائماً)]، يعني: أنه لا يموت إلا مسلماً، ويقول: إن هذا مثل قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، أن المراد بذلك أن الإنسان يداوم على الإسلام، ويثبت على الإسلام، حتى إذا وافاه الأجل يوافيه وهو على حالة طيبة، أي: يوافيه وهو مسلم، فيقول بعض العلماء: أن المراد منه ألا يموت إلا مسلماً، معناه: أنه يلتزم بالإسلام، ويثبت ويبقى عليه حتى يموت على الإسلام.
وأيضاً: مثل قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم ضمن حديث طويل: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، يعني: فقوله: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)، معناه: أنه يثبت على الإيمان حتى يموت عليه، الإنسان لا يعلم متى يموت، لا يعلم نهاية حياته حتى يكون فيها على حالة طيبة، وأن يصلح وأن يغير ما كان عليه من حالة سيئة إلى حالة حسنة، الآجال أخفاها الله عز وجل، فلا يعلم الإنسان متى يموت، قد يموت الإنسان بعد لحظة، وقد يموت بعد ساعة، وقد يموت بعد يوم، وقد يموت بعد سنة، وقد يموت بعد عشر سنين، وقد يموت بعد أربعين سنة أو أكثر، الآجال الله تعالى أخفاها على الناس، ولكن من لازم التقوى، ولازم طاعة الله وطاعة رسوله، وداوم على ذلك، فإنه إذا مات يموت وهو على حالة حسنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، ويقولون: قليل تداوم عليه خير من كثير تنقطع عنه؛ لأن المداومة على الشيء ولو كان قليلاً يكون كثيراً، ثم أيضاً فيه ملازمة الطاعة، بخلاف الإنسان الذي ينشط ويكسل، ينشط في بعض الأيام ويكسل في بعض الأيام، فإنه قد يوافيه الأجل وهو في حالة كسل وفي حالة خمول، لا يختم له بخاتمة طيبة على حالة حسنة، لكن الإنسان إذا داوم على الطاعة ولازمها، فإنه إذا جاءه الموت يأتيه وهو على حالة طيبة.
إذاً: بعض العلماء قال: إن معنى قوله: [(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخر إلا قائماً)]، أنه لا يموت إلا مسلماً، وألا يموت إلا على الإيمان، ومعنى ذلك أنه يلازم التقوى حتى يموت عليها، فيكون مثل قوله: (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، يداوم على الطاعة حتى يموت عليها، ويخالق الناس بخلق حسن، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه هم به، فلا يكون شأنه أن يريد أن يعامل معاملة طيبة وهو لا يعامل الناس معاملة طيبة، فيكون مثل من قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن الله ينهاكم عن ثلاثة: عن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات)، فمنع وهات، معناه أنه يريد لنفسه ولا يريد أن يعطي الغير حقه، ولا يحب أن يفوت عليه حقه، فيكون من جنس المطففين الذي قال الله عنهم: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ )[المطففين:1-3]. فهم يريدون الحقوق التي لهم، ولا يؤدون الحقوق التي عليهم، لا يعاملون الناس بمثل ما يحبون أن يعاملوا به هم، بل الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).
تراجم رجال إسناد حديث حكيم بن حزام: (بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائماً)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود]. هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فائدة معرفته: ألا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالكنية بدل النسبة؛ لأن النسبة مطابقة للكنية، والكنية مطابقة للنسبة، فإذا قيل: إسماعيل بن مسعود أو إسماعيل أبو مسعود كله صواب؛ لأنه هو إسماعيل بن مسعود، وهو إسماعيل أبو مسعود، إن جاء إسماعيل بن مسعود فهذا نسبه، وإن جاء إسماعيل أبو مسعود فهذه كنيته، لكن من لا يعرف أن أبا مسعود كنية لـإسماعيل بن مسعود، يظن أن (ابن) تصحفت إلى (أبو)، لكن من يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يعلم أنه لا تصحيف، وأن الكل صواب.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة التي لم يظفر بها إلا النادر القليل من المحدثين، مثل شعبة هذا، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وعدد من المحدثين وصفوا بهذا الوصف. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بشر].
وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت يوسف وهو ابن ماهك يحدث].
هو يوسف بن ماهك المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حكيم].
وهو حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين؛ لأنها خديجة بنت خويلد، وهذا حكيم بن حزام بن خويلد، وهو صحابي مشهور من مسلمة الفتح، وقيل: إن عمره مائة وعشرون سنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(202)

- باب رفع اليدين للسجود - باب ترك رفع اليدين عند السجود
جاءت السنة برفع اليدين في الصلاة، وأنها ترفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، والاعتدال منه، وأحياناً عند السجود والرفع منه، وأنه يترك أحياناً عند السجود والرفع منه.
رفع اليدين للسجود

‏ شرح حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للسجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين للسجود. أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)].
يقول النسائي رحمه الله: باب رفع اليدين للسجود، ومراده بهذه الترجمة: أن الإنسان عندما يسجد فإنه يرفع يديه عند إرادة السجود، وعلى هذا فيكون عندما يكبر الإنسان للسجود يرفع يديه، فمثلما كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه وعند تكبيرة الإحرام، كذلك أيضاً عند السجود، وهذه الترجمة معقودة لهذا، وقد أورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: [أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه رفع يديه حين دخل في صلاته؛ أي: عند تكبيرة الإحرام- وفي بعض الروايات: (حين دخل في صلاته)- وعند الركوع، وعند الرفع منه، وكذلك عند السجود، وعند القيام من السجود].
وأورد النسائي هذا الحديث عن قتادة عن نصر بن عاصم يرويه عن مالك بن الحويرث فثلاثة ذكر النسائي الأسانيد إليهم: عن شعبة، وعن سعيد بن أبي عروبة، وعن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وتلتقي أسانيدهم عند قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في هذه المواطن، ومنها ما ترجم له المصنف؛ وهو عند السجود فإنه يرفع يديه.
وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وقالوا: أنه يرفع يديه أحياناً؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يفعل ذلك في السجود، بل كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام والركوع والرفع منه فقط، وكان لا يفعل ذلك في سجوده، قالوا: فيكون ما جاء عن مالك بن الحويرث محمولاً على بعض الأحوال، وعلى بعض الأحيان، وما جاء عن عبد الله بن عمر محمولاً على بعضها، وأنه لم يره يفعل ذلك الفعل الذي هو رفع اليدين عند التكبير للسجود، فمن العلماء من أخذ بما جاء في حديث مالك بن الحويرث، واعتبر ذلك حديثاً دالاً على صحة الرفع في هذا الموطن، ومن العلماء من قال: إن ما جاء في حديث مالك بن الحويرث من ذكر رفع اليدين عند السجود، وعند الرفع منه، قال: إن هذا -وإن جاء بطريق صحيح- إلا أنه يعتبر شاذاً؛ لأنه جاء من طرق عمن روى عن قتادة، أنهم يروون ذلك من طريق قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث، وليس فيه ذكر رفع اليدين عند السجود، وعند الرفع منه، وإنما اقتصروا على المواطن الثلاثة؛ التي هي: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
ومن العلماء من زاد على ذلك عند القيام من التشهد الأول؛ لأن هذا ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر، وكذلك جاء من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنهما، أي: عند القيام من التشهد الأول، فتكون المواضع على هذا أربعة؛ عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول، والمواطن الثلاثة الأول ثابتة في الصحيحين، والقيام من التشهد الأول ثابت في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر، وأيضاً ثابت في غير الصحيح من حديث أبي حميد الساعدي، أنه كان يرفع يديه عند القيام من التشهد الأول، بالإضافة إلى المواطن الثلاثة التي في تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، ويقولون: إن الذين رووا هذا الحديث -مقتصرين على المواطن الثلاثة- أكثر من هؤلاء الذين رووا ذكر السجود والرفع منه، وأنهم أكثر وأحفظ، فيكون رواية ما جاء في سنن النسائي وفي غيره من هذا الحديث من رواية قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث، يكون من قبيل الشاذ.
والذين يقولون بالأخذ بما جاء في الحديث، قالوا: إنها زيادة ثقة، وزيادة الثقة هي بمثابة الحديث المستقل، وروى حديثاً مستقلاً من هذه الطريق، فإنه يعتمد عليها، فكذلك ما جاء عنهم من الزيادة، أو عن الثقة من الزيادة على ما رواه غيره، فيكون من حفظ حجة على من لم يحفظ، ولو كان ذلك الحافظ وجد من هو أحفظ منه، أو من هو أكثر منه عدداً، فتعتبر تلك من زيادة الثقة، والأظهر أنه بناء على ما جاء في هذا الحديث، أنه ترفع الأيدي في بعض الأحيان وليس دائماً؛ لأن الإسناد صحيح، وفيه زيادة ثقة، فتعتبر ويعول عليها، لكن كما ذكرت: المواطن الثلاثة الأولى الموجودة في الصحيحين، والموطن الرابع الذي هو عند القيام من التشهد الأول ثابت في صحيح البخاري، وأما عند السجود وعند الرفع منه فهذا عند النسائي وعند أبي داود وعند غيرهما.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للسجود
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو الملقب بـالزمن البصري، وكنيته أبو موسى، مشهور بكنيته، ومشهور بلقبه، ومشهور بنسبته، فيأتي ذكره في الرجال فيقال: محمد بن المثنى، ويقال: أبو موسى، ويقال: الزمن، يعني: روى عنه الزمن، أو روى عنه أبو موسى، أو روى عنه محمد بن المثنى، فهو مشتهر بنسبته وكنيته ولقبه، ومحمد بن المثنى البصري أخرج له أصحاب الكتب الستة مباشرة وبدون واسطة، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ويعتبر هو من صغار شيوخ البخاري، وقد كانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، ويشاركه في كونه شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكونه من صغار شيوخ البخاري: محمد بن بشار بندار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي؛ لأن هؤلاء الثلاثة ماتوا قبل البخاري بأربع سنوات، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عن هؤلاء الثلاثة مباشرة وبدون واسطة.
ومحمد بن المثنى العنزي هذا الملقب بالزمن، والمكنى بـأبي موسى، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو شيخ لهم جميعاً.
يتفق مع محمد بن بشار في أمور كثيرة، كما اتفق معه في سنة الوفاة، اتفق معه في سنة الولادة، واتفق معه أيضاً بكونهما من أهل البصرة، واتفقا أيضاً في الشيوخ والتلاميذ؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر عنهما: إنهما كانا كفرسي رهان، ما واحد يسبق الثاني من شدة تساويهما وتماثلهما.
[حدثنا ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم الليثي].
ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن مالك].
هو مالك بن الحويرث الليثي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للسجود من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه فذكر مثله)].ذكر النسائي هنا حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى إلى قتادة، وهي من رواية شيخه أيضاً محمد بن المثنى، إلا أنها من طريق أخرى؛ عن محمد بن المثنى رواها من طريق آخر غير الطريق الأولى؛ لأنه هناك روى عن محمد بن أبي عدي، وهنا روى عن عبد الأعلى البصري، فشيخ النسائي في الطريقين واحد، إلا أن شيوخ شيخه اشترطوا، فلم يكن روايته عن شيخ واحد، وإنما هي عن أكثر من شيخ؛ لأن شيخه محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي في الطريق الأولى، وهنا شيخه عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، فـمحمد بن المثنى هو شيخه في الطريقين.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للسجود من طريق ثانية
قوله: [حدثنا عبد الأعلى].هو ابن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو سعيد بن أبي عروبة ثقة، حافظ، كثير التدليس، وهو من أثبت الناس في قتادة، وهو هنا يروي عن قتادة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة] إلى نهاية الإسناد.
قتادة ونصر بن عاصم ومالك، هم الذين مر ذكرهم في الإسناد السابق.
فذكر مثله، يعني: ذكر أوله ثم قال: فذكر مثله؛ يعني: لم يكرر المتن، ولم يأت بالمتن كاملاً، وإنما ذكر أوله ثم قال: فذكر مثله، يعني: أن المتن مثل المتن السابق تماماً؛ لأن قوله: (مثله) تعني المماثلة في اللفظ والمعنى، اللفظ والمعنى واحد، فهو بدل أن يأتي باللفظ مكرراً اقتصر على قوله: (فذكر مثله) يعني: معناه أن هذا المتن الذي لم يسقه مطابق ومماثل للمتن الذي ساقه قبله، إذاً: المتنان لفظهما واحد، والإسناد مختلف، ولكن الشيخ أيضاً واحد، وملتقى عند قتادة، وقتادة ومن فوقه أيضاً متفق، لكن الاختلاف في من دون قتادة، ويتحدان في النهاية عند محمد بن المثنى الذي هو شيخ النسائي في هذا الحديث من طريقيه.
حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين للسجود من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة، فذكر نحوه، وزاد فيه: وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك)].هنا أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى، وهي أيضاً تلتقي عند قتادة، ولما ذكر أوله أن نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة، فذكر نحوه، وهنا عبر إذا دخل في الصلاة، وهناك قال: إذا رفع يديه في صلاته، وهنا يقول: إذا دخل في الصلاة رفع يديه، قال: فذكر نحوه، وكلمة (نحوه) تختلف عن مثله؛ لأن (نحوه) تعني أن هناك فرق في الألفاظ، وإن كان المعنى متقارب وقريب منه، إلا أن اللفظ يختلف، فالفرق بين (مثله) و(نحوه): أن (مثله) يكون المتن الذي لم يذكر مماثلاً للمتن المذكور، وأما كلمة (نحوه) إذا جاءت فإن المتن يكون قريباً منه وليس مطابقاً له، وهذا هو الفرق بين مثل ونحو، مثل تعني المماثلة، ونحو تعني المقاربة والمشابهة، وليست المطابقة والمماثلة.
وزاد فيه: [أنه إذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك]، فهذا فيه إثبات رفع اليدين عند الرفع من السجود، والذي تقدم أنه إذا سجد، فالرواية السابقة فيها ذكر الرفع عند السجود، وهذه فيها زيادة، وهي رفع اليدين عند الرفع من السجود.
إذاً هو كما قال: [ذكر نحوه]، لكن فيه اختلاف في اللفظ؛ لأنه قال: [وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك]، ففيه اختلاف في الألفاظ، وإن كان المعنى يتفق.
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].
هو شيخه في الطريقين السابقين، وهو شيخه في هذه الطريق الثالثة، يعني كل الطرق الثلاث من طريق شيخه محمد بن المثنى الملقب بـالزمن المكنى بـأبي موسى، وقد مر ذكره.
[حدثنا معاذ بن هشام].
هو معاذ بن هشام الدستوائي، وهو صدوق، ربما وهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبي].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعلى هذا النسائي يروي الحديث بطرقه الثلاث عن شيخه محمد بن المثنى، ثم يكون الاختلاف في الشيوخ، ثم تلتقي الطرق عند قتادة بن دعامة، وبين النسائي وبين قتادة في كل منهما اثنين، فالطريق الأولى ابن أبي عدي وشعبة، والطريق الثانية عبد الأعلى وسعيد بن أبي عروبة، والطريق الثالثة معاذ وأبيه، إذاً: الثلاث الطرق كلها متساوية من حيث العلو بين شيخ النسائي محمد بن المثنى وبين قتادة ففي كل من الطرق الثلاث شخصان.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:42 PM
ترك رفع اليدين عند السجود


شرح حديث: (كان رسول الله يرفع يديه ... وكان لا يفعل ذلك في السجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك رفع اليدين عند السجود. أخبرنا محمد بن عبيد الكوفي المحاربي حدثنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: ترك رفع اليدين في السجود، فبعدما أتى بالترجمة الدالة على الرفع أتى بعدها بالترجمة الدالة على الترك، وأن المقصود من ذلك: أنه أحياناً يترك ذلك، أو جاء الترك. ويحمل على ما جاء من الإثبات، وعلى ما جاء من الترك، على أن الفعل يكون أحياناً، والترك يكون أحياناً، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر افتتح الصلاة، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود].
فقوله: [وكان لا يفعل ذلك في السجود] هذا هو الدال على الترك، أو هذا هو الدال على الترجمة، فيكون التوفيق بين ما جاء من الإثبات وما جاء من النفي: بأنه يفعل في بعض الأحيان.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يرفع يديه ... وكان لا يفعل ذلك في السجود)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد المحاربي الكوفي]. صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وما خرج له الشيخان، ولا ابن ماجه .
[حدثنا ابن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، ثبت، فقيه، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، قال فيه ست كلمات؛ قال: ثقة، ثبت، فقيه، عالم، جواد، مجاهد، ثم قال عقب هذا: جمعت فيه خصال الخير. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته سنة مائة وإحدى وثمانين.
[عن معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الذي يروي عنه كثيراً، وروى من طريقه صحيفة همام بن المنبه المشتملة على مائة وأربعين حديثاً تقريباً، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فهو من أهل البصرة، ونزل اليمن، وأخذ عنه عبد الرزاق بن همام، وأكثر من الرواية عنه.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي، وزهرة ابنا كلاب، فالتقاء نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن زهرة أخو قصي، وهما ابنا كلاب، والزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جد جده الذي هو شهاب؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، فينسب إلى جده شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وهو إمام ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وقد لقي صغار الصحابة مثل أنس بن مالك، وروى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسالم ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الفقهاء في المدينة في عصر التابعين المذكورين بهذا اللقب سبعة، ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع مختلف فيه على ثلاثة أقوال، فالستة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله الذي معنا في الإسناد، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وسالم يروي عن أبيه [عبد الله بن عمر بن الخطاب] رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، أُطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة؛ لأنهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يدركوا من تقدمت وفاته من العبادلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس منهم عبد الله بن مسعود الذي تقدم وفاته؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما الأربعة الذين اشتهروا بهذا اللقب فهم من صغار الصحابة، وعبد الله بن مسعود من كبار الصحابة، وأيضاً عبد الله بن عمر أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الأسئلة

مدى دخول الجلوس بعد الفجر في النهي عن التحلق يوم الجمعة
السؤال: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التحلق قبل الجمعة، هل يدخل في النهي من يجعل له درساً بعد الفجر من يوم الجمعة؟ الجواب: ما أدري عن ثبوت الحديث، ولا علم لي به، لكن الذي يبدو أن درس يوم الجمعة بعد الفجر لو ثبت الحديث لا يدخل؛ لأن النهي في الوقت الذي يكون الناس فيه في انتظار الصلاة، وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا جاءوا يوم الجمعة صلوا ما أمكنهم أن يصلوا، ثم جلسوا ولا يقومون إلا للصلاة، وما جاء أنهم يتحلقون، فيكون التحلق يوم الجمعة -إذا ثبت- ليس في هذا الوقت الذي هو بعيد عن وقت صلاة الجمعة.
مدى حجية قول الصحابي في المسائل الاعتقادية
السؤال: هل قول الصحابي في المسائل الاعتقادية حجة؟ وهل هناك دليل على اتباعهم في فهم الكتاب والسنة؟ الجواب: من المعلوم أن الصحابي إذا كان ليس معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، وأتى بأمر لا مجال للرأي فيه، ولا مجال للاجتهاد فيه، فإنه يعتبر مرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويكون له حكم الرفع؛ لأن المرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام نوعان: مرفوع تصريحاً، ومرفوع حكماً؛ فالمرفوع تصريحاً أن يقول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا، أو نهى رسول الله عن كذا، أو أمر رسول الله بكذا، فإن هذا مرفوعاً تصريحاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
أما المرفوع حكماً فهو أن يفعل الصحابي أو يقول قولاً لا مجال للرأي فيه، وليس معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإنه يكون على هذا له حكم الرفع، فإذا ثبت عن الصحابي شيء لم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يعتبر حجة، ويكون مرفوعاً حكماً، فليس من قول الصحابي يعتبر بل يعتبر مضافاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
الدليل على اتباع فهم الصحابة للكتاب والسنة
السؤال: هل هناك دليل على اتباع الصحابة في فهم الكتاب والسنة؟الجواب: لا شك؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هم أفهم من غيرهم فيما يتعلق بالتفسير، ولهذا أحسن التفسير وأفضل التفسير تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، ثم تفسيره بأقوال الصحابة؛ لأنهم هم الذين حضروا التنزيل، وشاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم أعرف من غيرهم وأعلم من غيرهم.
كتاب التسهيل في علوم التنزيل للكلبي
السؤال: فضيلة الشيخ! حفظك الله، ما رأيكم في كتاب التسهيل في علوم التنزيل هذا التفسير لـأحمد بن عبد الله الكلبي، حيث أنه يرد على الجبرية، والقدرية، والمعتزلة، والأشاعرة، ولكن يقول: إن الإيمان ينافي العمل؟الجواب: لا أعرف شيئاً عن الكتاب.
كيفية التسبيح بعد الفريضة
السؤال: ما هي كيفية التسبيح بعد صلاة الفرض، هل يقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى تبلغ كل واحدة ثلاثة وثلاثين، أو يقول: سبحان الله وحدها حتى تصل إلى ثلاثة وثلاثين؟ الجواب: الأمر في ذلك واسع، إن قال: سبحان الله حتى أكمل ثلاثاً وثلاثين، وقال: والحمد لله حتى أكمل ثلاثاً وثلاثين، وقال: الله أكبر حتى أكمل ثلاثاً وثلاثين، أو جمعها بأن قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فعد ثلاثاً وثلاثين، كل ذلك صحيح، وكله يدل عليه اللفظ، وكما قلت: الأمر في ذلك واسع، إن قال هذا أو قال هذا، كل ذلك صحيح، وكل ذلك تسبيح وتحميد وتكبير لهذا المقدار الذي هو ثلاث وثلاثون، أتى بها مجتمعة، أو أتى بها متفرقة لا بأس بذلك.
حكم إسبال الثياب والسدل في الصلاة
السؤال: ما هو حكم الإسبال للثوب وغيره؟ الجواب: الإسبال كما هو معلوم سواءً كان للثوب، أو للسراويل، أو للإزار، أو للمشلح، أو لأي شيء يلبسه الإنسان، فإنه لا يجوز له أن ينزل عن الكعبين، بل الحد هو الكعبان، يكون فوقهما بقليل، ولا ينزل عنهما؛ لأن نزول الثوب الذي يلبسه الإنسان عن الكعبين إسبال، (ما أسفل من الكعبين فهو في النار)، كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثم أيضاً بالإضافة إلى الوقوع في المحظور، فيه أيضاً تعريض للثياب للوسخ، وهذا هو الذي أرشد إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما كان في مرض موته، وكان الناس يزورونه بعدما طعنه المجوسي الطعنة التي نال الشهادة بها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه شهيد، وسأل الله عز وجل أن يرزقه شهادةً في سبيله، وأن يجعل وفاته في بلاد رسوله صلى الله عليه وسلم، فتحقق له ذلك، فإنه لما حصل له هذا الذي حصل، كان الناس يعودونه، وكان ممن عاده شاب أثنى عليه وقال: هنيئاً لك يا أمير المؤمنين! صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم ذكر مؤازرته لـأبي بكر، ثم توليه الخلافة، وأنه قام فيها خير قيام، ثم أثنى عليه، ثم إنه قال له لما أدبر، قال: وددت أن يكون ذلك لا علي ولا لي، ولما أدبر وإذا ثوبه يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، فرجع، فقال له: يا ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك، وأبقى لثوبك، فأرشده إلى فائدة يعني دنيوية، وهي كون ثوبه يبقى ولا يتعرض للتلف والوسخ، وأرشده إلى فائدة يحصل أجرها وثوابها في الدنيا والآخرة، وهي تقوى الله عز وجل، قال: إنه أتقى لربك، وأبقى لثوبك.
ثم بعض الناس قد يقول بل من الناس من يقول عندما يكون ثوبه نازلاً عن الكعبين، يقول: أنا ما أجره خيلاء، يعتذر لإبقاء هذا الأمر المنكر على ما هو عليه، بأنه لا يفعله خيلاء، لا شك أن من يفعله خيلاء وقصده الخيلاء، هذا جمع بين خصلتين ذميمتين، جمع أمرين منكرين، لكن من أسبل إزاره، وهو لا يفعله خيلاء، لكنه في فعله مخالفة للسنة، فإنه ارتكب محظوراً، وعرض نفسه للعقوبة، ولا شك أن بعض الشر أهون من بعض، ولكن كلها شر، كل فيه شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض، من جر خيلاء أسوأ ممن جره ولكن لم يقع في قلبه الكبر والخيلاء، فكل منهما شر، وكل منهما فيه مخالفة للسنة، وكل منهما فيه تعرض للعقوبة، ولكن بعض الشر أهون من بعض.
وأما الإسبال بالنسبة لليدين، فالرسول صلى الله عليه وسلم المعروف عنه أنه كمه إلى الرسغ، وهو الحد الفاصل بين الكف والذراع؛ المفصل الذي بين الكف والذراع، هذا هو الرسغ، وكان كم رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، أنا لا أذكر شيئاً فيما يتعلق بالإسبال به، لكن الذي أعرفه هو ما يتعلق بالنسبة للثوب، وأما هذا ما أعرف فيه، لكن أعرف فيه أن كم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ.
لعل السائل يقصد السدل في الصلاة، سدل اليدين في الصلاة؟ وليس الإسبال.
هذا خلاف السنة، السنة التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، هذه السنة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والسدل الذي هو إرسال اليدين، وعدم قبض اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، الذي هو قبل الركوع، هذا هو المعروف، وأما بعد الركوع ففيه خلاف بين أهل العلم، وكذلك أيضاً قبل الركوع، لكن السنة ثابتة في القبض وليس في الإرسال؛ لأن الإرسال ما نعلم شيئاً ثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل الثابت هو القبض وليس الإرسال بالنسبة لليدين.
اليد اليمنى على اليسرى توضع على الصدر، وتكون اليد اليمنى جمعت بين الكف والرسغ والساعد.
وثبت عن عدد من الصحابة وضع اليد اليمنى على اليسرى.
حكم شراء السلعة من الشخص الذي باعها إليه
السؤال: هل يجوز شراء السلعة من الشخص الذي باعها إليه؟ الجواب: إذا كانت نقداً ما فيه بأس يشتريها، إذا كان باعها نقداً بأي ثمن ثم اشتراها ممن باعها عليه لا بأس، وأما إذا كان باعها نسيئة إلى أجل بثمن مؤجل، فإنه لا يشتريها بائعها بأقل من ثمنها؛ لأن هذه هي العينة؛ لأن السلعة عادت إلى صاحبها وبقيت ذمة المدين مشغولة، ولكن لو باعها بأكثر من ثمنها حاضراً، أو تغيرت، حصل فيها تغير يجعل قيمتها تنخفض، فإنه لا بأس بذلك، أو باعها على غيره، لا بأس بذلك، على غير من اشتراه منه، ولو بأقل قبل أن يمضي عليها، هذه يسمونها مسألة العينة.
حكم أخذ العربون
السؤال: ما حكم أخذ العربون على السلعة؟ وهل يرد العربون لصاحب السلعة إذا صرف الراغب فيها النظر عنها؟ الجواب: ما أدري، لا أدري، طبعاً هو وضع شيء يتوثق لا بأس، يمكن في التوثق، لكن ما مصير الذي يقال له: العربون، هل يملكه الإنسان أو ما يملكه؟ لا أدري.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(203)


- باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده - باب وضع اليدين مع الوجه في السجود
جاءت السنة المطهرة بالنهي عن التشبه بالحيوانات لا سيما في أفعال الصلاة، ومن ذلك كيفية الهوي إلى السجود، حيث ندبت إلى تقديم اليدين على الرجلين حتى يخالف المصلي في نزوله بروك البعير، كما أمرت المسلم أن يضع يديه مع وجهه في السجود على الأرض.
أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده

‏ شرح حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده.أخبرنا الحسين بن عيسى القومسي البسطامي حدثنا يزيد وهو ابن هارون أخبرنا شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)].
قال النسائي: باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده؛ أي: عندما يهوي إلى السجود من القيام بعد الركوع، فما الذي يصل إلى الأرض أولاً، هل تصل يداه قبل ركبتيه، أو ركبتاه قبل يديه؟ هذا هو المقصود من هذه الترجمة، وقد أطلق الترجمة، وهي محتملة وشاملة لتقدم اليدين على الرجلين، ولتقدم الرجلين على اليدين؛ لأنها مطلقة، لم يبوب لتقديم الرجلين على اليدين، ولا العكس الذي هو تقديم اليدين على الرجلين، وإنما أتى بترجمة واسعة تشمل ما ورد في ذلك من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأحاديث التي وردت في هذا هي حديث وائل بن حجر، وفيه: أنه يقدم ركبتيه قبل يديه، وحديث أبي هريرة، وفيه: أنه يقدم يديه قبل ركبتيه.
أما حديث وائل بن حجر فإنه قال: [رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه]. أي: أنه إذا كان قائماً فأول ما يصل إلى الأرض الأسفل الذي يليه، فتصل إلى الأرض الركبتان أولاً، ثم اليدان ثانياً، ثم الوجه ثالثاً، وإذا رفع يرفع وجهه ثم يديه ثم ركبتيه، فعند السجود تكون الأسافل تسبق الأعالي، وعند القيام تسبق الأعالي الأسافل، هذا هو الذي يقتضيه حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، وقد تكلم فيه العلماء، فمنهم من أثبت حديثه، ومنهم من تكلم فيه، وسبب الكلام هو أحد الرواة الذي هو شريك بن عبد الله القاضي النخعي، الذي هو صدوق يخطئ، وقد اختلط لما ولي القضاء، فمن العلماء من حسن هذا الحديث، واعتبره ثابتاً، وعليه أكثر أهل العلم كما قال ذلك الترمذي: العمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ يعني: أنهم يقدمون الركبتين ثم اليدين.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ...)
قوله: [أخبرنا الحسين بن عيسى القومسي البسطامي]. صدوق، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا يزيد وهو ابن هارون].
هو ابن هارون الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وقوله: [وهو ابن هارون]، هذه إضافة ممن دون تلميذه الحسين بن عيسى؛ أي: من النسائي أو ممن دونه، فهم الذين أتوا بهذه الإضافة، وأتوا بكلمة (هو) أو (وهو) للإشارة إلى أنها ليست من التلميذ، وأن التلميذ اقتصر على كلمة يزيد، ولم يضف إليها شيئاً، وقد عرفنا فيما مضى أن من دون النسائي يكون له إضافات من هذا القبيل، ويتضح ذلك بذكر الإضافة إلى شيوخ النسائي، مثل ما مر بنا قريباً: أخبرنا عمرو بن منصور، يعني: النسائي؛ لأن الذي قال: يعني النسائي هو من دون النسائي، ويزيد بن هارون حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا شريك].
هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، واختلط لما ولي القضاء.
تغير حفظه لما ولي القضاء، وكان شديداً على أهل البدع، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عاصم بن كليب].
هو عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، يعني مثل شريك بن عبد الله القاضي.
[عن أبيه].
كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وائل بن حجر].
هو وائل بن حجر الحضرمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يعمد]، والمراد به: أنه استفهام إنكار، ليس فيه الهمزة، وقد يأتي الاستفهام بدون الهمزة؛ لأنها تأتي وتحذف، فالمقصود هنا الإنكار.
قوله: [(يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)] هذا لفظ مطلق، أي: لم يبين فيه بروك الجمل؛ ما قال: إنه يقدم يديه، ولا قال: إنه يقدم ركبتيه، والذين قالوا: بأنه يقدم ركبتيه -كما جاء في حديث وائل بن حجر- يقولون: إن هذا شأن الجمل أنه يقدم يديه ثم رجليه، وكونه يقدم ركبتيه ثم يديه هذا يخالف هيئة الجمل أو هيئة بروك الجمل؛ لأن كلامهم في بروك الجمل منهم من قال: إن بروك الجمل أنه يقدم اليدين قبل الرجلين؛ لأن البعير له يدان وله رجلان، فيقدم يديه أولاً، ثم بعد ذلك ينزل على رجليه، فقالوا: إن الحديث لا يدل على ما جاء في الحديث الآخر الذي هو حديث أبي هريرة الذي فيه: (وليضع يديه قبل ركبتيه)، وإنما هو مطلق، واستدلوا من كلام أهل اللغة على أن البعير أنه يقدم يديه قبل ركبتيه، ومخالفة البعير إنما هي بما جاء في حديث وائل بن حجر: أنه يقدم الركبتين قبل اليدين؛ أي: أنه يخالف هيئة البعير في النزول وفي القيام؛ لأن البعير عندما ينزل يقدم يديه ثم رجليه، وعندما يقوم يرفع رجليه ثم يديه، والذي جاء في حديث وائل بن حجر يخالف هذه الهيئة عند النزول وعند القيام، وهو عند النزول يقدم الركبتين ولا يقدم اليدين، بخلاف الجمل، وعند القيام يرفع المصلي اليدين ثم يرفع الركبتين، والجمل يرفع الرجلين أولاً ثم يرفع اليدين، وجاء حديث وائل بن حجر على خلاف هذه الهيئات، قالوا: فالحديث لا يدل على تقديم اليدين على الركبتين، وإنما هو مطلق وغير معين، وفيه التقديم والتأخير.
وحديث أبي هريرة من الطريقة الثانية التي بها الدراوردي، فيها أنه أضاف إلى كونه (لا يبرك كما يبرك البعير، قال: وليضع يديه قبل ركبتيه)، وبعض العلماء صححوا هذا الحديث وقالوا: إن الإنسان أول ما يبدأ يقدم اليدين، ولا يقدم الركبتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)، معناه أنه يكون بذلك مخالفاً هيئة البعير إذا قدم يديه قبل ركبتيه، ويقولون: إن بعض أهل اللغة، يقولون: إن ركبة البعير في يديه، ومن المعلوم أن البعير يداه فيها ركبتان، ورجلاه كذلك فيها ركبتان، كل من يديه ورجليه فيها ركبتان، ومن المعلوم أن يدي البعير يقال أن فيها ركبتين، وقد جاء في الحديث: (ساخت يد فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين)، قصة سراقة بن جعشم في قصة الهجرة، وأنه لما قالت قريش: من يأتي بمحمد أو من يذهب إليه ويحضره لهم، أن له كذا وكذا، فتفرقوا يبحثون عنه ليحصلوا الجائزة، وكان سراقة بن جعشم هو الذي اتجه إلى جهة المدينة فأدركه، فلما أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قريباً منه، غاصت يدا فرسه بالأرض حتى بلغت الركبتين، فعلم بأن هذا من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال له: ادع الله أن يخلصني ولك علي ألا أخبر أحداً، فدعا له وخرجت يدا فرسه ورجع، فكان إذا لقيه أحد قال: هذه الطريق كفيتكم إياها، وما قال: ليس فيها أحد، قوله: أنا كفيتكم إياها، هو كلام مطلق فيه إجمال، لكن هم يفهمون منه أن ليس فيها أحد، وهو ما قال: أن ما فيها أحد، ولكن قال: أنا كفيتكم هذه الجهة.
الحاصل أن الحديث فيه ذكر اليدين في الركبتين، لكن كما هو معلوم اليدان والرجلان، قالوا: إن اليدين والرجلين جاء في هذا الحديث أنه: (لا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)،والذين قالوا: بتقديم الركبتين على اليدين، قالوا: إن هذا غير مطابق لهيئة البعير التي جاءت عن أهل اللغة، والهيئة المعروفة المشاهدة المعاينة أن البعير يقدم يديه قبل رجليه، والمصلي يقدم رجليه قبل يديه، إذاً هذا فيه مخالفة لهيئة البعير، قالوا: فالحديث فيه قلب؛ لأن آخره يخالف أوله، وهو أن طريقة تقديم اليدين على الركبتين تخالف هيئة البعير التي يقدم فيها اليدين على الركبتين، وممن قال بهذا ابن القيم قال: إن هذا مما انقلب على بعض الرواة، وحصل فيه انقلاب، وفيه تقديم وتأخير، لكن من حيث اليدين والركبتين، لا شك أن البعير في يديه ركبتان، وفي رجليه ركبتان، لكن بالنسبة لتقديم اليدين على الرجلين، والرجلين على اليدين؛ لأنه فيه مقدم وفيه مؤخر، فالبعير فيه مقدم وهو اليدان، ومؤخر وهو الرجلان، والمصلي كما جاء في حديث وائل بن حجر، وكما يقول أصحاب هذا القول: من أنه لا يبرك كما يبرك البعير، أنه خلاف هذه التي جاءت في حديث وائل بن حجر، قالوا: فآخر حديث أبي هريرة يخالف أوله من حيث الهيئة، لكن الذين صححوه وقالوا: إن آخره لا يخالف أوله، قالوا: إن البعير يداه على الأرض، فهو عندما يبرك يقدم ركبتيه، لكن الركبتين اللذين في الرجلين أو الركبتين اللذين في اليدين هؤلاء يقولون: الركبتين اللذين في اليدين هي هيئة البعير، فتقديم المصلي ركبتيه على يديه معناه: أنه يوافق هيئة البعير الذي يقدم ركبتيه التي في يديه، فالخلاف بينهم فيما يقدمه المصلي وما يؤخره، والمطلوب مخالفة ما يفعله البعير في نزوله وقيامه، والحديث الذي ليس فيه تقديم اليدين على الركبتين مطلق، وهو محتمل لأن يكون كما جاء في حديث وائل بن حجر على أن حديث أبي هريرة الثاني فيه قلب، ومحتمل أن يكون موافقاً لما جاء في حديث أبي هريرة من أن البعير يقدم ركبتيه التي في يديه، لكن قوله: يقدم ركبتيه قبل يديه، يعني: إذا نظر إلى المعاكسة بين اليدين والركبتين ما يستقيم إلا إذا قيل: إن تقديم اليدين على الرجلين، أو تقديم الرجلين على اليدين، هذا هو الذي فيه تقديم وتأخير، أما على حديث أبي هريرة -الذي قيل: إن فيه قلب- فإنه لا يتضح فيه المقدم والمؤخر؛ يضع يديه قبل ركبتيه، البعير هيئته أنه يقدم ركبتيه التي في يديه، لكن ما فيه شيء مقدم ومؤخر على هذا المعنى؛ لأنه معناه فيه شيء مقدم وهو تقديم الركبتين التي في اليدين، فصار فيه إشكال من حيث فهم المعنى.
وهل حديث أبي هريرة فيه قلب أو ليس فيه قلب؟ والذين صححوه قالوا: ليس فيه قلب، وأن هذه الهيئة هي الهيئة الصحيحة، وأن البعير يقدم ركبتيه التي في يديه، والحديث جاء فيه الأمر بتقديم اليدين على الركبتين، فيكون حديث أبي هريرة يقتضي أن المصلي يقدم يديه قبل ركبتيه. والذين تكلموا في حديث أبي هريرة أعلوه من حيث المتن بالاضطراب بالقلب أو احتمال القلب، ومن جهة السند بـعبد العزيز بن محمد الدراوردي؛ خرج له أصحاب الكتب الستة، وفيه كلام من جهة روايته إذا روى من كتابه، وإذا روى من حفظه أو من كتب غيره، فقالوا: إن فيه تفصيل، ومنهم من ضعفه مطلقاً، ومنهم من وثقه مطلقاً، ومنهم من فصل، والقول بالتفصيل يتوقف على معرفة هل الحديث مما حدث فيه من كتابه، أو أنه من غير كتابه؟ فيكون الأمر محتملاً، وعلى هذا فيكون حديث أبي هريرة من حيث الإسناد فيه احتمال، وحديث وائل بن حجر أيضاً فيه احتمال، فمنهم من قدم حديث شريك، ومنهم من قدم حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وحصل الخلاف بين العلماء على هذين القولين، وأكثر أهل العلم على القول الأول.
وهناك قول ثالث: أنه يقدم اليدين أو يقدم الركبتين؛ إن قدم هذا أو قدم هذا، وممن قال بهذا السندي المعلق صاحب الحاشية، فقال: إن النهي محمول على التنزيه، وأن الفعل الذي هو تقديم الركبتين على اليدين يدل على أن ذلك سائغ، وما جاء من النهي فإنه يكون محمولاً على التنزيه.
فإذاً: للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: منهم من يقول: تقدم عند النزول الركبتان ثم اليدان كما جاء في حديث وائل بن حجر، ومنهم يقول: تقدم اليدان ثم الركبتان كما جاء في حديث أبي هريرة، ومنهم من يقول: إنه يقدم هذا أو هذا، ويكون ما جاء في تقديم الركبتين على اليدين يدل على الجواز، وما جاء في النهي في أنه لا يبرك كما يبرك البعير يدل على أن النهي للتنزيه.
وعلى كل فإن الأمر فيه عدم وضوح؛ لأن الأقوال تضاربت في تصحيح هذا، وفي تضعيف هذا، وفي الكلام في هذا، وفي الكلام في هذا، والكلام في حديث أبي وائل هو من جهة رواية شريك، وذاك من جهة رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وما يحتمله المتن من القلب، وأيضاً ما فيه المخالفة من حيث الرجلين واليدين، وأن البعير يقدم يديه قبل رجليه، والمصلي يقدم رجليه قبل يديه وهكذا، فالأمر في ذلك مشكل، ومن اتضح له ثبوت حديث أبي هريرة فعليه أن يعمل به، ومن اتضح له ثبوت حديث وائل بن حجر فعليه أن يعمل به، ومن توقف أو قال: إن النهي مبني على التنزيه فإنه يسوغ هذا، ويسوغ هذا، لكن الذي ينبغي أن يلاحظ أنه عندما ينزل الإنسان في صلاته، إذا قدم ركبتيه فإنه لا يماثل البعير في الهيئة التي هي كونه يصير لركبتيه صوت، بحيث ينزل إليها بقوة مثل ما يفعل البعير، والبعير إذا برك على ركبتيه يخرج له صوت من نزوله؛ لأنه يثني ركبته ثم ينزل عليها ويكون جسمه كله معتمد على الركبتين، ويخرج لها صوت، فتكون هذه الهيئة كون الإنسان ينزل على يديه أو ينزل على ركبتيه، ويكون له صوت، هذه الهيئة لا ينبغي أن تفعل، وإنما ينزل الإنسان شيئاً فشيئاً حتى إذا قرب من الأرض، إما أن يقدم ركبتيه، أو يقدم يديه، ولا يطلع لما يصل إلى الأرض منه صوت كما يحصل بالنسبة للبعير، وأنا في الحقيقة رأيت كلام أهل العلم المصححين والمضعفين والمجيبين عن هذا، والمجيبين عن هذا، وقد أُلف في ذلك بعض الرسائل الخاصة في تقديم اليدين أو تقديم الركبتين، وكلها ترجع إلى قضية عبد العزيز بن محمد الدراوردي وشريك بن عبد الله القاضي.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:48 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (يعمد أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الله بن نافع].
هو الصائغ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد بن عبد الله بن الحسن].
هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الملقب النفس الزكية، وقال عنه الحافظ: إنه ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
ومن العلماء من تكلم في محمد بن عبد الله بن الحسن، تكلم في روايته عن أبي الزناد. وتردد في سماعه منه، وقد ذكر هذا عن البخاري رحمة الله عليه، هل سمع منه أو لم يسمع؟
[عن أبي الزناد].
هو عبد الله بن ذكوان، كنيته أبو عبد الرحمن، واشتهر بلقب أبي الزناد، وهي لقب على لفظ الكنية، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، لقبه الأعرج، وهو ثقة، ثبت، عالم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وهو مدني مثل أبي الزناد، ومشهور بلقبه، يأتي ذكره باللقب كثيراً، ويأتي ذكره بالاسم والنسبة أيضاً كثيراً.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله عنه وأرضاه.
حديث: (إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه ...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال من كتابه حدثنا مروان بن محمد حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك بروك البعير)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة: [(إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك كما يبرك البعير)]، وتقدم الكلام عليه في حديث أبي هريرة المتقدم، ومع حديث وائل بن حجر.
قوله: [أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال من كتابه].
صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وقوله: [من كتابه]، يعني أنه حدثهم من كتابه، وليس من حفظه.
[حدثنا مروان بن محمد].
هو الطاطري الدمشقي، وهو ثقة، روى له الجماعة سوى البخاري.
و هارون بن محمد شيخ النسائي دمشقي، وهذا أيضاً دمشقي.
ومروان بن محمد الدمشقي روى له مسلم في الصحيح، ولم يرو له في المقدمة، والرمز بميم قاف هو للمقدمة، يعني: مقدمة الصحيح، ومن المعلوم أنه لا يعني أن الشخص إذا كان مسلم روى له في المقدمة أنه يكون فيه كلام، فقد يكون فيه كلام، وقد يكون من الثقات الأثبات، فإن الحميدي شيخ البخاري الذي روى عنه البخاري في أول صحيحه، فإن مسلماً روى له في المقدمة، ما روى له في الصحيح، فلا يؤثر ذلك، وكما أن بعض الثقات ما روى لهم أصحاب الكتب الستة؛ مثل أبي عبيد القاسم بن سلام، وذلك لا يؤثر فيهم، ومثل إسحاق بن راهويه ما روى له ابن ماجه ، روى له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، ليس معنى ذلك أن ما يراد في المقدمة يكون أنزل، لكن جرى الذين ألفوا في رجال الكتب الستة على أن يميزوا من ذكر في المقدمة، ومن ذكر في الصحيح، بأن يرمزوا لما جاء في الصحيح بميم، وما جاء في المقدمة بميم وقاف.
[حدثنا عبد العزيز بن محمد].
هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي تكلم فيه العلماء من حيث توثيقه وتجريحه والتوسط في ذلك، فمن العلماء من جرحه مطلقاً، ومنهم من وثقه مطلقاً، ومنهم فصل بأنه إذا حدث من كتابه فيعتبر، وإذا لم يحدث من كتابه فإنه يتوقف فيه، وهذا الراوي في هذا الإسناد هو الذي تكلم في حديث أبي هريرة من أجله، وكذلك أيضاً تكلم في محمد بن عبد الله بن الحسن البخاري، فالكلام فيه إنما هو من أجل هذا، ومن أجل عبد العزيز بن محمد، ولكن عبد العزيز بن محمد هو الذي في الحقيقة محل الكلام في هذا الحديث، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة.
يقول عنه ابن حجر: صدوق، وفي تهذيب الكمال يقول المزي : روى له البخاري مقروناً بغيره، أي: أنه ما روى له استقلالاً.
وكما هو معلوم جرت العادة أن الراوي إذا روي له في الصحيح ولو كان مقروناً، فإنه غالباً لا يذكرون كونه مقروناً، وإنما يكتفون بذكر أنه روى له في الأصول، وإن كان روى له مقروناً، لكن كما هو معلوم الذي فيه كلام إما يتجنب ما تكلم فيه، أو يكون مقروناً بغيره، والعمدة قد يكون على ذلك الغير، لكن في التقريب قال: صدوق، أخرج له الجماعة، صحيح الكتاب إذا حدث من كتابه.
وعبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاه المدني صدوق، محدث لغيره، فيتقن، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله أنه يخطئ إذا حدث من كتب غيره، لكن إذا حدث من كتبه يعتمد، فالكلام فيه من هذه الناحية.
[حدثنا محمد بن عبد الله] إلى آخر الإسناد.
هو: محمد بن عبد الله بن حسن النفس الزكية، وأبو الزناد والأعرج، وأبو هريرة تقدم ذكرهم.
وضع اليدين مع الوجه في السجود


شرح حديث: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضع اليدين مع الوجه في السجود.أخبرنا زياد بن أيوب دلويه حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر رفعه، قال: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما)].
هنا أورد النسائي: وضع اليدين مع الوجه في السجود، ويريد من هذه الترجمة: أن السجود يكون على الوجه وعلى اليدين، وأنه عند السجود تقدم اليدان.
قوله: [فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه].
يعني بذلك: أن السجود لا يكون على الوجه فقط، وأن تعفير الوجه بالتراب هو السجود، بل أيضاً اليدان كذلك، فلا يرفع يديه، وإنما عليه أن يبسطهما ويضعهما على الأرض، والسجود يكون على سبعة أعضاء؛ وهي: الوجه، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، فليست مهمة الساجد عندما يسجد أن يسجد بوجهه فقط، بل يسجد بيديه مع وجهه.
والذين قالوا في حديث وائل بن حجر -كما ذكرت سابقاً-: إن الأسافل أولاً، ثم تنتهي بالأعالي، وعند الرفع يرتفع الأعالي وينتهى بالأسافل، فعلى هذا تقدم الركبتان، ثم اليدان، ثم الوجه، وعلى الرفع، يرفع الوجه ثم اليدان، ثم الركبتان، فإذا وضع وجهه فليضع يديه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه ...)
قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب]. هو زياد بن أيوب دلويه، هذا لقب لقب به، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له مسلم، ولا ابن ماجه ، وكان أحمد يلقبه شعبة الصغير؛ لحفظه؛ لأن شعبة معروف بالحفظ.
[حدثنا ابن علية].
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أيوب].
هو ابن أبي تميمة السختياني وهو ثقة، ثبت، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهم الذين جمعهم السيوطي بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
الأسئلة

فضل الصلاة في روضة النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: هل ورد في فضل الصلاة في الروضة شيء من الأحاديث؟الجواب: ورد في فضل الروضة في هذا المسجد المبارك ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، فهذا يدل على فضلها، وعلى تميزها على غيرها، لكن هذا التميز لا يكون في الفرائض؛ لأنها تكون في الصفوف الأول التي أمامها، وكذلك في الصفوف التي في ميامن الصفوف بحذائها، فإن ذلك أفضل منها، وأما بالنسبة للنوافل، فإن لها ميزة وفضل؛ لهذا الحديث: (ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة).
وقت صلاة الضحى
السؤال: ما هو وقت صلاة الضحى؟ الجواب: صلاة الضحى من انتهاء وقت الكراهة -الذي هو ارتفاع الشمس قيد رمح- إلى الزوال، هذا كله وقت لصلاة الضحى.
من سبق السندي بالقول بالتخيير في تقديم اليدين على الركبتين أو العكس عند الهوي للسجود السؤال: هل سبق السندي أحد من السلف في قوله: إن المصلي مخير في تقديم اليدين على الركبتين أو العكس؟ الجواب: أي نعم. السندي قال: بأن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأن حديث وائل بن حجر بتقديم الركبتين يدل على الجواز، والمسألة فيها خلاف، ما أتذكر الذي قال، لكنه قبل السندي أظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر الأقوال الثلاثة، ومعلوم أن السندي من القرن الثاني عشر، والخلاف قديم.
درجة الأحاديث والآثار الواردة في مقدمة صحيح مسلم
السؤال: ما هي درجة الأحاديث والآثار التي ذكرها مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه؟ وهل هي بمنزلة ما أخرجه في صحيحه؟الجواب: لا، ليس كل ما في المقدمة هو مثل ما في الصحيح، المقدمة فيها آثار عن العلماء في التصحيح والتضعيف، والتجريح والكلام في الرجال وما إلى ذلك؛ لأن المشهور عن العلماء أنهم يقولون: إن أول من ألف في نصائح الحديث هو ابن خلاد الرامهرمزي صاحب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الذي توفي سنة ثلاثمائة وستين من الهجرة، ومن العلماء من يقول: إنه مسبوق على الكتابة في المصطلح، وممن سبقه إلى ذلك مسلم في المقدمة، وكذلك الترمذي في آخر السنن، وجماعة من العلماء كتبوا، لكن كونه على سبيل الاستقلال، وتأليف كتاب مستقل خاص بالمصطلح، المشهور أنه ابن خلاد، لكن التأليف ضمناً ليس استقلالاً، سبق إليه ابن خلاد، وهي مشتملة على كلام كثير في علم المصطلح، وفي التجريح والتضعيف، وفي بعض الكلام في بعض المسائل في المصطلح؛ مثل الإرسال والمرسل والاحتجاج في المرسل وما إلى ذلك، وليست هي أحاديث، لكن فيها أحاديث صحيحة، لكن لا أدري هل كل الأحاديث التي فيها كذلك أو لا؟ لا أقول: أن كل ما يكون فيها صحيحة، لا أدري.
حكم من نسي البسملة عند الذبح
السؤال: كنت مع أحد الإخوة في البرية، وصاد لنا صيداً، ولكنه لم يذكر التسمية عند الذبح، هل تسقط التسمية سهواً؟ الجواب: نعم، إذا سها عن الإتيان بالتسمية فإن الذبيحة تحل ولا تحرم.
حكم لعب الورق
السؤال: ما هو حكم لعب الورق الذي يسمى بالباصرة؟الجواب: لعب الورق هو من اللهو، ومن شغل الوقت في غير طائل، واشتغالاً عما لا ينفع، ومن المعلوم أن الإنسان عليه أن يشغل وقته فيما يعود عليه بالخير، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، فهل هذا الذي يشتغل في الورق، هو مغبون في وقته أو أنه رابح في وقته؟ أبداً ليس برابح، هو مغبون بلا شك.

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:51 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(204)


- (باب على كم السجود) إلى (باب السجود على الركبتين)
أوضحت الشريعة أن السجود لا بد أن يكون على سبعة أعضاء وهي: الوجه مع الأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان، وأن هذا القدر هو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم في سجوده، كما نهي عن كف الثوب والشعر في الصلاة.
على كم يسجد

‏ شرح حديث: (أمر النبي أن يسجد على سبعة أعضاء...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب على كم السجود.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعره ولا ثيابه)].
يقول النسائي رحمه الله: باب على كم السجود، يعني: على كم عضو من الأعضاء، هذا هو المقصود بهذه الترجمة، يعني: بيان الأعضاء التي يكون عليها السجود، عندما يسجد المصلي، والمراد من ذلك: أنه يسجد على سبعة أعضاء، هي الوجه، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين.
والمقصود من الترجمة: بيان أعضاء السجود كم عددها، والجواب: أنها سبعة كما جاء في الأحاديث التي أوردها المصنف.
وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: [(أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعراً ولا ثوباً)].
قوله: [(ولا يكف شعره ولا ثيابه)]. يعني: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد على سبعة أعضاء، وإذا جاء: أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الآمر له هو الله عز وجل، إذا قيل عن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر بكذا، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرنا بكذا، أو أمرت بكذا، فإن المراد بذلك أن الآمر له هو الله عز وجل، وأما الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فالذي أمر ونهى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم، مبلغ عن الله، كما قال عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) [النجم:3-4]، فالسنة هي وحي أوحاه الله عز وجل على رسوله، ولكن ذلك الوحي يختلف عن الوحي المقروء الذي هو القرآن المتعبد بتلاوته، والذي يقرأ به في الصلاة، فالكل من الله عز وجل، إلا أن الوحي وحيان: وحي متلو متعبد بتلاوته وقراءته في الصلاة، ومتعبد بالعمل به، ووحي متعبد بالعمل به، والقيام بما جاء فيه، وما اشتمل عليه من الأمر والنهي، وفي امتثال الأوامر، وفي اجتناب النواهي، وتصدق الأخبار، وتكون عبادة الله عز وجل طبقاً لما في القرآن، وما في السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: [(أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعراً ولا ثوباً)]، ولا يكف شعره ولا ثيابه، يعني: أنه لا يكف شعر رأسه، بأن يرفعه، وإنما يتركه ويرسله حتى يحصل نصيبه من السجود؛ لأن الشعر إذا بقي غير مدفوع إلى الآخر، فإنه يسجد منه ما كان في المقدمة، ويكون له نصيب من السجود، بخلاف ما إذا كان مدفوعاً، وقد أخر عن وضعه الطبيعي، فإنه لا يحصل له ذلك السجود.
وأما كف الثياب، فالمقصود منها: أنه لا يرفع ثيابه عندما يريد أن يسجد، يعني لا يرفع ثوبه في الصلاة، وإنما يتركها كما هي، وينزل ويصلي على ثيابه دون أن يرفعها، فتكون ركبتاه إما على الأرض، أو رفعها حتى لو لم تصل إلى حد الركبة، وإنما يترك ثيابه كما هي، فلا يرفعها في صلاته ويكفها، وإنما يتركها.
ومن المعلوم أنه قد قيل: أن من حكمة ذلك: أنه قد يكون المقصود بكفها ألا تباشر الأرض فيحصل لها توسخ، إذا كانت الأرض فيها شيء مما قد يؤثر في الثياب، فجاء الأمر بإبقائها وعدم كفها، فالشعر لا يكف، وإنما يترك كما هو، والثياب أيضاً لا تكف، لا يرفعها الإنسان في صلاته، وعند سجوده أو ركوعه، وإنما يتركها كما هي.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمر النبي أن يسجد على سبعة أعضاء...)
قوله: [قتيبة]. وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
وهو ابن زيد، فإنه قد سبق أنه إذا جاء مهملاً غير منسوب حماد، فإنه يحمل على أنه ابن زيد وليس ابن سلمة؛ لأن حماد بن زيد هو الذي روى عنه قتيبة، ولم يرو قتيبة عن حماد بن سلمة كما جاء ذلك في تهذيب الكمال للمزي، فإنه ما ذكر من شيوخ قتيبة: حماد بن سلمة، وإنما ذكر حماد بن زيد فقط، فالمراد به حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو].
هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس].
وهو طاوس بن كيسان اليماني، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تفسير ذلك


شرح حديث: (إذا سجد العبد سجد منه سبعة آراب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تفسير ذلك.أخبرنا قتيبة حدثنا بكر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سجد العبد سجد منه سبعة آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه)].
أورد النسائي تفسير ذلك، أي: الأعضاء؛ لأن الباب الذي مضى باب على كم السجود، يعني: على كم عضو. وذكر أنه على سبعة أعضاء، قوله: [(أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء)]، لكن ما ذكر هذه السبعة الأعضاء في ذلك الحديث، فأورد بعدها هذا الباب تفسير ذلك، أي: تفسير الأعضاء السبعة، ما هي الأعضاء السبعة التي يكون عليها السجود. تفسير ذلك، يعني: توضيح هذه الأعضاء التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد عليها، فأتى بحديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد العبد سجد منه سبعة آراب).
قوله: [(وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه)].
هذا بيان للسبعة الآراب التي هي الأعضاء: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه، أي: الأعضاء السبعة المجملة في الحديث المتقدم، والمفسرة في هذا الحديث، والمراد بالوجه الجبهة والأنف، ليس الأنف فقط، ولا الجبهة فقط، وإنما مجموع الاثنين الذي هو الجبهة والأنف.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سجد العبد سجد منه سبعة آراب ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره.
[حدثنا بكر].
وهو ابن مضر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[عن ابن الهاد].
وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وهو ثقة، مكثر من رواية الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر بن سعد].
هو عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن العباس بن عبد المطلب].
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أعمامه الأربعة الذين أدركوا الإسلام، واثنان منهم وفقا للدخول في الإسلام، واثنان خذلا فلم يدخلا في الإسلام، والموفقان هما العباس، وحمزة، والمخذولان هما أبو لهب، وأبو طالب، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح، قال: ومن عجيب الاتفاق أن أسماء، الذين وفقوا للإسلام تناسب أسماء المسلمين، والذين خذلوا أسماؤهم ليست من أسماء المسلمين؛ لأن فيهم واحد اسمه عبد العزى، والثاني أظنه عبد مناف، كل منهما عبد لغير الله، وهما مشهوران بكنيتيهما.
فـحمزة استشهد يوم أحد، وأما العباس فقد عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أظهر فضله ومنزلته الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه لما حصل في الناس جدب، وكان الناس من عادتهم إذا حصل جدب جاءوا للرسول صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه أن يدعو لهم بأن ينزل الله عليهم الغيث، فيتوسلون بدعاء رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما حصل في زمن عمر الجدب، جمعهم وأمر بهم للاستسقاء، وطلب من العباس أن يدعو، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقنا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس فادع الله، اختار عمر رضي الله عنه العباس؛ لإظهار فضله لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: نتوسل إليك بعم نبينا، يعني: بدعائه، ما قال: نتوسل إليك بـالعباس، وإنما قال: قم يا عباس فادع الله، وليس ذلك لأنه أفضل من غيره، بل إن من أقارب الرسول صلى الله عليه وسلم، من هو أفضل منه، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أفضل من العباس؛ لأن الخلفاء الراشدين أفضل من سائر الصحابة ومنهم العباس، وإنما قدمه وطلب منه أن يقوم ويدعو، ولكنه توسل بدعائه، لكبر سنه، لكونه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعباس حديثه عند أصحاب الكتب الستة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
السجود على الجبين

شرح حديث أبي سعيد الخدري: (بصرت عيناي رسول الله على جبينه وأنفه أثر الماء والطين ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [السجود على الجبين.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (بصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم، على جبينه وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين. ) مختصر].
أورد النسائي السجود على الجبين، والمراد به الجبهة، يعني: ما قرب من العينين، يقال له: الجبين، وأورد حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومن المعلوم أن سجود الوجه يكون على شيئين: على الجبهة، وعلى الأنف معاً، لا يقتصر على واحد منهما، بل يجمع بينهما الإنسان في سجوده، جبهته وأنفه.
قوله[(من صبيحة ليلة إحدى وعشرين ) مختصر].
يعني: من رمضان، ثم قال: مختصر، يعني: الحديث مختصر، الحديث هو طويل، وهو من أحاديث ليلة القدر، والرسول صلى الله عليه وسلم، أري ليلة القدر، وأنه يسجد في صبيحتها بماء وطين، فلما أصبحوا ليلة إحدى وعشرين، وهي أول ليلة من العشر، نزل المطر من السماء، وخر السقف حتى صار الماء في مصلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما صلى وإذا أصحابه يرون على وجهه، وعلى جبينه وأنفه أثر الماء والطين، فعلموا أنها ليلة القدر، يعني: ليلة إحدى وعشرين، وقد جاء أحاديث ليلة القدر وأنها أخفيت، فلم يعلم تعيينها، وهي في داخل العشر لا تخرج عنها، وإنما أخفيت ليجتهد الناس في العبادة في هذه الأيام كلها؛ ليحصلوا وليوافوا ليلة القدر، وقد جاءت أحاديث: (التمسوا ليلة القدر لسابعة تبقى أو خامسة تبقى)، ومن المعلوم أن ليلة واحد وعشرين ليست من السبع الباقيات، ولا من الخمس الباقيات، وقد جاء في هذا الحديث أنها وقعت في تلك السنة في ليلة إحدى وعشرين، وهذا يفهم منه أنها متنقلة، وأنها لا تكون مستقرة في ليلة واحدة دائماً من العشر، بل تتنقل؛ لأن الأحاديث جاءت في التماسها في السبع الأواخر، في الخمس الأواخر، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، وإن كان لا يقطع بها في ليلة معينة.
والمقصود من الحديث: كونه رؤي على جبينه وأنفه أثر الماء والطين، معناه أنه سجد على ذلك، فعلق الماء والطين في وجهه، أو في جبينه وأنفه؛ لأن ذلك حصل في حال سجوده.
إذاً: السجود يكون على الجبين والأنف جميعاً، وليس على واحد منهما دون الآخر، والحديث مختصر، وقد أشار إليه في الآخر أنه قال: مختصر؛ لأن المقصود منه ذكر كون على جبينه وأنفه أثر الماء والطين.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-13-2026, 11:55 PM
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري: (بصرت عيناي رسول الله على جبينه وأنفه أثر الماء والطين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[والحارث بن مسكين].
المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، وهذه طريقة النسائي أنه إذا كان في شيوخه الحارث بن مسكين، يذكره في الآخر ويقول: قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، يعني: أن اللفظ لفظ شيخه الثاني الذي هو الحارث بن مسكين الذي يجعله في الآخر، ثم يرجع الضمير إليه فيقول: واللفظ له، يعني: اللفظ ليس لـمحمد بن سلمة المرادي، وإنما هو للحارث بن مسكين، وقد ذكرت أن من رجال النسائي محمد بن سلمة اثنان: واحد في طبقة شيوخ النسائي، وواحد في طبقة شيوخ شيوخه، فإذا جاء النسائي يروي عنه بواسطة، فالمراد به محمد بن سلمة الباهلي البصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة، فالمراد به المرادي المصري، وهو شيخه الأول هنا، والشيخ الثاني الحارث بن مسكين.
[عن ابن القاسم].
وهو عبد الرحمن بن القاسم المصري، صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن عبد الله].
وهو ابن الهاد، وقد مر ذكره قريباً.
[عن محمد بن إبراهيم].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث، أيضاً وقد مر ذكره.
[عن أبي سلمة].
وهو ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن السابع من الفقهاء السبعة اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري، مشهور بنسبته وكنيته، كنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري، وهو أنصاري من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
السجود


شرح حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة ...) وذكر الأنف منها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السجود على الأنف.أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ويونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب عن ابن جريج عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة، لا أكف الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين)].
أورد النسائي السجود على الأنف، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتقدم من طريق أخرى، عن طاوس، عن ابن عباس، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعراً ولا ثوباً)].
الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين، والمقصود بالجبهة والأنف، إنهما شيء واحد؛ لأنه يراد بهما الوجه، لكن هنا المقصود من الحديث: ذكر الأنف، وأن الأنف يسجد عليه، لكن ليس هو عضواً مستقلاً؛ لأنه لو كان مستقلاً، كانت ثمانية وهي سبعة، إذاً: المعتبر في ذلك أن الذي يسجد عليه من الوجه شيئان، وهما: الجبهة والأنف، وهما شيء واحد، إلا أن السجود يكون عليهما جميعاً، لا يكون على واحد منهما.
أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ثم جاء بين المجمل والتفسير بهذه الجملة الاعتراضية التي هي: لا أكف شعراً ولا ثوباً، ثم قال: الجبهة والأنف، يعني: ترجع إلى سبعة، لكن توسط بين التفسير والمفسر هذه الجملة التي هي: لا يكف شعراً ولا ثوباً.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة ...) وذكر الأنف منها
قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].هو أحمد بن عمرو بن السرح أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
والشيخ الثاني [يونس بن عبد الأعلى].
المصري أيضاً، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه .
و[الحارث بن مسكين].
وقد مر ذكره، قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له، يعني ذكر ثلاثة من شيوخه، وأخر الحارث بن مسكين وقال: قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له.
[عن ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن طاوس].
هو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهما.
السجود على اليدين

شرح حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ...) وذكر اليدين منها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السجود على اليدين. أخبرنا عمرو بن منصور النسائي حدثنا المعلى بن أسد حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده على الأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي السجود على اليدين، وهما من أعضاء السجود السبعة، وأورد فيه حديث ابن عباس من طريق أخرى، من طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)].
قوله: [(على الجبهة وأشار بيده على الأنف)]. أي: أن الجبهة والأنف شيء واحد؛ لأنه سجود على الوجه.
قوله: [(واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)]. والمقصود منه ذكر اليدين؛ لأن الترجمة لليدين. وأطراف القدمين تكون أصابعها متوجهة إلى القبلة كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ...) وذكر اليدين منها قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور النسائي].ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا المعلى بن أسد].
المعلى بن أسد العمي، وهو أخو بهز بن أسد، وهو ثقة، أخرج حديثه الجماعة إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.
[حدثنا وهيب].
هو وهيب بن خالد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم.
السجود على الركبتين

شرح حديث: (أمر النبي أن يسجد على سبع ...) وذكر الركبتين منها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السجود على الركبتين. أخبرنا محمد بن منصور المكي وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري قالا: حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسجد على سبع، ونهي أن يكفت الشعر والثياب، على يديه وركبتيه وأطراف أصابعه، قال سفيان: قال لنا ابن طاوس: ووضع يديه على جبهته وأمرها على أنفه)، قال: هذا واحد واللفظ لـمحمد].
ترجم النسائي السجود على الركبتين، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر أن يسجد على سبع، ونهي أن يكفت شعراً وثوباً، والمراد به الكف، يعني: كونه يكفه، ثم قال: على الجبهة، أي: فسر السبعة، فقال فيها: أمر أن يسجد على سبع على كذا وكذا، يعني: تفسير قوله: [(على يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه)].
قوله: [(قال سفيان: قال لنا ابن طاوس: ووضع يديه على جبهته وأمرها على أنفه وقال: هذه واحد)]، يعني: أنها عضو واحد الجبهة والأنف، ليس اثنين؛ لأن الحديث سبعة، وذكر الجبهة والأنف، لكنه أشار إلى أنها شيء واحد؛ لأنها كلها تتعلق بالوجه؛ ولهذا وضع يده على جبهته وأمرها على أنفه، وقال: هذه واحد، إذاً: العدد سبعة، وليس ثمانية، فلا ينافي المعدود العدد؛ لأن الجبهة والأنف هما شيء واحد وليس شيئين؛ ولهذا قال: هما واحد، ثم قال: وهذا لفظ محمد، يعني: شيخه الأول؛ لأنه ذكر الحديث عن شيخيه وهما:
محمد بن منصور المكي، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، قال: واللفظ لـمحمد، يعني: لشيخه الأول منهما.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمر النبي أن يسجد على سبع ...) وذكر الركبتين منها
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي]. هو الجواز الذي يأتي ذكره كثيراً، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده. وهو يروي عن سفيان، وهو ابن عيينة،
[وعبد الله بن محمد].
هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم في الأسانيد الماضية.
الأسئلة

أرجى الليالي في حصول ليلة القدر
السؤال: ذكرتم أنه وردت أحاديث كثيرة في ليلة القدر، وذكرتم أن أرجحها ليلة سبع وعشرين، فما وجه هذا الترجيح؟الشيخ: أنا ما قلت: أرجحها، أقول: أرجاها قالوا: أرجاها، يعني: أرجى ما تطلب في تلك الليلة، لكن ما يجزم بأنها في تلك الليلة؛ لأن الليالي عشر كلها يبحث عن ليلة القدر فيها، لكن ليلة سبع وعشرين هي الأرجى، وليس الأرجح.
حكم كم الثوب وتشميره في الصلاة
السؤال: هل كم الثوب أو تشميره، وكذلك السروال يعتبر من كف الثوب؟الجواب: هو الذي يبدو؛ لأنه كون الإنسان يرفعه عن أن يمس الأرض، سواءً كان سراويل أو غيره، المهم أن الإنسان لا يشتغل برفع شيء عندما يريد أن يركع أو يسجد، وإنما يترك ثيابه كما هي.
هل الغترة في السدل مثل الشعر؟
السؤال: هل تقاس الغترة على الشعر في عدم جعلها على الرأس أو الظهر حتى تسجد مع المصلين؟ الجواب: أما مسألة الغترة فليست مثل الشعر، لأن الشعر من أجزاء الإنسان، وأما الغترة والعمامة وكونها تصير مثلاً مطوية على الرأس، أو متروكة على وضعها، الأمر فيها واسع.
الفرق بين ما رواه مسلم في صحيحه وبين ما رواه في مقدمة الصحيح
السؤال: ما هي الثمرة العلمية المقتطفة من خلال تفريق أئمة الجرح والتعديل لما رواه مسلم في صحيحه، ولما رواه في مقدمة الصحيح؟ الجواب: ما أعرف شيئاً في هذا، إلا أن مقدمة الصحيح لم يعتبرها العلماء مثل الصحيح، ولهذا رمزوا لرجالها برموز تخصهم، وهي أيضاً تتعلق بعلم مصطلح الحديث، ويتعلق بالرجال ومناقشة ما يتعلق بشرط اللقاء وعدم اللقاء، فلا يقال: إنها كلها مثل الصحيح، وأما الصحيح فهو أحاديث متصلة، يعني: على شرطه.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:01 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(205)

- (باب السجود على القدمين) إلى (باب النهي عن بسط الذراعين في السجود)
جاء الشرع الحكيم ببيان صفة السجود في الصلاة، وأنه يكون على سبعة أعضاء، وتكون اليدان في وضعهما على سمت الأذنين عند الوجه، كما أن الرجلين تكونان متجهتين للقبلة مفتوحة الأصابع، وأن السنة في السجود المجافاة بين الذراعين حتى لا يتشبه المصلي بالكلب في بسط ذراعيه.
السجود على القدمين

‏ حديث: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السجود على القدمين. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث أخبرنا ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه)].
يقول النسائي رحمه الله: باب السجود على القدمين، وقد مر في الأحاديث الماضية الأبواب المتعددة المتعلقة بالسجود على الأنف، والجبهة، وعلى الركبتين، وعلى اليدين، وهذه الترجمة تتعلق بالسجود على القدمين، فقد أورد فيه حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد، سجد منه وجهه ويداه وركبتاه وقدماه)، ومحل الشاهد من ذلك الكلمة الأخيرة وهي قوله: (وقدماه)؛ لأنها هي الدالة على ما ترجم له المصنف من السجود على القدمين.
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].
ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[عن شعيب].
وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن الهاد].
وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وهو ثقة، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم بن الحارث].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر بن سعد بن أبي وقاص].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العباس بن عبد المطلب].
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نصب القدمين في السجود

شرح حديث عائشة: (فانتهيت إليه وهو ساجد وقدماه منصوبتان ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نصب القدمين في السجود.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبيدة حدثنا عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فانتهيت إليه وهو ساجد، وقدماه منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)].
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: نصب القدمين في السجود، يعني عندما يسجد الإنسان ينصب قدميه، وطريقة ذلك أنه يجعل أصابعها متجهة إلى القبلة، ويسجد عليها، فهو ينصبها، لا يضعها وضعاً، ولا يجعلها على ظهورها، وإنما يجعلها منتصبة قائمة، ويجعل بطون أصابعها متجهة إلى القبلة كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي، لكن هذه الترجمة معقودة لنصب القدمين في السجود، وأنه ينصبهما بحيث تكونان قائمتين، ولا يضعهما معترضتين، ولا على ظهورهما، وإنما ينصبهما نصباً.
وقد أورد النسائي فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [(فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيت إليه، وإذا هو ساجد، وقدماه منصوبتان -وهذا هو محل الشاهد هو قولها قدماه منصوبتان، وهو يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)]، وهذا حديث عظيم، دعاء من جوامع الأدعية، وقد مر الحديث فيما مضى، ومن أحسن من شرح هذا الحديث ابن القيم في كتابه شفاء العليل، فإنه عقد فيه ثلاثين باباً تتعلق بالقضاء والقدر، وهو الباب السادس والعشرون ، وهذا الحديث من أدلة القضاء والقدر؛ لأن كل شيء بقضاء الله وقدره، الذي يطلبه وهو المعافاة، والذي يخشاه وهو العقوبة، فكل شيء مقدر، كل شيء بقضاء الله وقدره. شرحه وبين ما اشتمل عليه من إثبات القدر، والحكم والأسرار التي اشتمل عليها هذا الحديث، وأنه يستعاذ بصفات الله من صفات الله، وبأفعاله من أفعاله، وقد مر ذكر الحديث فيما مضى في أبواب سابقة من هذا الكتاب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فانتهيت إليه وهو ساجد وقدماه منصوبتان ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد، المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
قوله: [أخبرنا عبيدة].
في بعض النسخ عندنا عبيدة بدل عبدة، وهو خطأ ، والصواب هو: عبدة بن سليمان الكوفي، وهذا هو الموجود في تحفة الأشراف وهو عبدة بن سليمان الكوفي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله بن عمر].
وهو ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المصغر، أي: الذي يقال له: عبيد الله، ويقال: المصغر تمييزاً له عن أخيه المكبر الذي هو عبد الله؛ لأن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر المصغر ثقة ثبت، والمكبر ضعيف، وعبيد الله بن عمر هو أخو هذا الذي يقال له: المكبر، وأما المصغر الذي معنا وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، فهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن يحيى بن حبان].
هو المدني، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج لقبه، وهو مشهور بلقبه، ومشهور باسمه، يأتي ذكره كثيراً باللقب، ويأتي ذكره كثيراً بالاسم والنسب، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عنه عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أبي هريرة وعن الصحابة أجمعين.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى من سورة النور، وهي التي حفظت الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من أوعية العلم وأوعية السنة، ولا سيما الأحاديث التي تتعلق بأعمال الرجل مع أهل بيته، فإنها حفظت السنن الكثيرة في ذلك وفي غيره، وهي الصحابية الوحيدة التي كثر حديثها كثرة لا يدانيها امرأة من النساء الصحابيات، ولا يقاربها، بل هي مكثرة جداً، وهي واحدة من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن المعروفين بالكثرة في الحديث سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة، والمرأة الواحدة هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.
فتح أصابع الرجلين في السجود

شرح حديث: (كان النبي إذا هوى إلى الأرض ساجداً ... وفتح أصابع رجليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فتح أصابع الرجلين في السجود.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني محمد بن عطاء عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أهوى إلى الأرض ساجداً جافى عضديه عن إبطيه، وفتح أصابع رجليه) مختصر].
أورد النسائي فتح أصابع القدمين في السجود، يعني: تليينها لتنتمي وتتجه أطراف أصابعها إلى القبلة، وقد جاء مبيناً ذلك في حديث أبي حميد عند البخاري: (أنه إذا سجد استقبل بأصابع رجليه القبلة)، فالترجمة معقودة لبيان الهيئة التي تكون عليها الأصابع، وهي أنها تلين وتثنى حتى تتجه أطراف الأصابع إلى القبلة في السجود، وإذاً فالسنة هي هذه الهيئة، ليست الهيئة أن توضع الأصابع على الأرض، ووجوهها متجهة إلى الخلف، ولا أن توضع ظهور القدمين على الأرض، ولا أن توضع القدمان معترضتين، سواء كان يميناً أو شمالاً، وإنما تكون منصوبتين كما جاء في الحديث المتقدم، وأصابعها على هذه الهيئة، التي هي كون الأصابع مستقبلاً بها القبلة، وهذا الحديث حديث أبي حميد مختصر، يعني: جاء به مختصراً، وإلا فإنه مطول عند البخاري وعند غيره في مواضع، يعني أنه مطول يشتمل على عدة أعمال من أعمال الصلاة، فيما يتعلق بالركوع، وبالسجود، وبأعمال أخرى في الصلاة، لكنه أتى ببعضه، أو بطرف منه في هذا الموضع؛ للاستدلال به على ما ترجم له.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا هوى إلى الأرض ساجداً... وفتح أصابع رجليه)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وقد شاركه في الوفاة بهذه السنة، وكونهم من صغار شيوخ البخاري : محمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري ، المحدث، الناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الحميد بن جعفر].
صدوق، ربما وهم، وأخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني محمد بن عطاء].
وهو محمد بن عمرو بن عطاء، منسوب إلى جده، واسم أبيه عمرو، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حميد الساعدي].
هو أبو حميد الساعدي، وهو صحابي مشهور، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
مكان اليدين من السجود
شرح حديث: (... فكانت يداه من أذنيه على الموضع الذي استقبل بهما الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مكان اليدين من السجود.أخبرنا أحمد بن ناصح حدثنا ابن إدريس سمعت عاصم بن كليب يذكر عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (قدمت المدينة فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريباً من أذنيه، فلما أراد أن يركع كبر ورفع يديه، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وسجد، فكانت يداه من أذنيه على الموضع الذي استقبل بهما الصلاة)].
أورد النسائي رحمه الله: موضع اليدين في السجود، يعني موضع وضع اليدين في الأرض في حال السجود، أين توضع، يعني على الهيئة التي تكون فيها عند التكبير، أنها عند المناكب والأذنين، فتكون مماثلة للهيئة التي تكون عند رفع اليدين عند التكبير.
وقد أورد النسائي في هذا حديث وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه رفع يديه حين دخل في الصلاة حتى قربت إبهاماه من أذنيه، ثم إنه كبر وركع، ورفع وقال: سمع الله لمن حمده، ولما سجد وضع يديه مثل هيئتهما عند الرفع في الصلاة، يعني: عندما يدخل في الصلاة ويقول: الله أكبر، موضعهما من الأرض في السجود، مثل هذه الهيئة التي تكون عند رفع اليدين في التكبير، فهذا هو موضعها، عند منكبيه قريبة من أذنيه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فكانت يداه من أذنيه على الموضع الذي استقبل بهما الصلاة)
قوله: [أخبرنا أحمد بن ناصح ]. صدوق، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا ابن إدريس].
وهو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عاصم بن كليب].
هو عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
وهو كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وائل بن حجر].
وهو وائل بن حجر الحضرمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
على كل فقضية الرفع لأنه ليس بلازم أنه يذكر في الكتب الأخرى غير الكتب الستة التي هي الصحيحين والسنن الأربعة، وإنما إذا كان له غيرها يمكن أن يكتفى بواحد، يمكن أن يكتفى هنا مرموزاً بالقراءة.
فالمهم أنه ما خرج له في الصحيح، وإنما خرج له في غيره، فلا يذكر غالباً الكتب الأخرى، وإنما غالباً الرموز تأتي لواحد من الكتب، لا تستوعب الكتب الأخرى، ولكن المهم أن يعرف أنه ما خرج له في الصحيح، ولكن خرج له في غيره.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:03 AM
النهي عن بسط الذراعين في السجود
شرح حديث: (لا يفترش أحدكم ذراعيه في السجود افتراش الكلاب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن بسط الذراعين في السجودأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد وهو ابن هارون، حدثنا أبو العلاء واسمه أيوب بن أبي مسكين، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يفترش أحدكم ذراعيه في السجود افتراش الكلب)].
أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة وهي: باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، والمقصود من هذه الترجمة أن الإنسان عندما يسجد يضع يديه على الأرض، ويعتمد عليهما، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يفرشهما في الأرض، أي: الذراعين، فإن هذه الهيئة تشبه هيئة الكلب، عندما يفرش ذراعيه على الأرض، فكون الإنسان يضع ذراعيه على الأرض ويفرشهما، هذا جاء النهي عنه؛ لأن هذه تدل على الكسل، وعلى الخمول، وعلى كون الإنسان لا يمكن أعضاءه من السجود، والأعضاء هي سبعة، كل منهما يمكن من السجود، فإذا كان بسطهما يكون بذلك اعتمد على ساعديه، ولم يعتمد على يديه اللتين هما عضوان من أعضاء السجود، فيكن الاعتماد عليهما وليس على الذراعين عندما يحصل الافتراش، ذلك الافتراش الذي يشبه افتراش الكلب، فقد نهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي أرشد إليه وفعله أنه يضع يديه على الأرض، ويجافي بين عضديه عن جنبيه.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يفترش أحدكم ذراعيه في السجود افتراش الكلاب)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وقد مر ذكره قريباً.
[حدثنا يزيد وهو ابن هارون].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة [هو ابن هارون]، هذه ليست من إسحاق بن راهويه، وإنما هي من النسائي أو من دون النسائي.
[حدثنا أبو العلاء واسمه أيوب بن أبي مسكين].
صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس رضي الله عنه].
وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
عندما كنا في حديث وائل بن حجر، وحديث أبي هريرة في قضية تقديم اليدين على الركبتين، أو الركبتين على اليدين عند السجود، وذكر السندي أن كلاً منهما جائز، وأن النهي يكون محمولاً على التنزيه، والفعل يدل على الجواز، وسأل أحد الطلبة: هل قبل السندي أحد قال بهذا القول؟ وقلت: أنه ذكره بعض العلماء وأظن أن شيخ الإسلام ابن تيمية قاله، وقد اتضح بأن شيخ الإسلام ابن تيمية قال ذلك في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين صفحة أربعمائة وتسع وأربعين قال: لا خلاف بين العلماء في جواز الفعلين، وإنما الخلاف بينهما في أيهما أفضل، فمن العلماء من قال: بتقديم اليدين، ومنهم من قال: بتقديم الركبتين؛ لأنه قال: إنه باتفاق العلماء أن ذلك جائز.
الأسئلة

الفرق بين الحديث المستفيض والمشهور
السؤال: ما هي صيغة الحديث المستفيض؟ وما الفرق بينه وبين المشهور؟الجواب: المستفيض قيل: إنه مرادف للمشهور، وقيل: بينهما فرق، لكن لا أذكر ذلك الفرق، لكن الأحاديث هي أربعة: غريب، وعزيز، ومشهور، ومتواتر، فما لم يتواتر وزاد عن الاثنين يقال له: مشهور.
الفرق بين قول: (أخرج له البخاري ومسلم والأربعة)، وقول: (أخرج له الستة)
السؤال: ما الفرق بين قولك: أخرج له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وبين قولك: أخرج له أصحاب الكتب الستة؟الجواب: لا فرق، فقول: أخرج له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، سواء. لا فرق بين الكلامين، مؤداهما واحد.
توضيح معنى قول: (أخرج له البخاري تعليقاً)
السؤال: ما معنى قولك: أخرج له البخاري تعليقاً؟الجواب: يعني أخرج له تعليقاً، يعني في الصحيح؛ لأن البخاري في صحيحه يذكر فيه أحاديث مسندة، وأحاديث يذكرها معلقة، والمعلق: هو الذي ما كان الحذف فيه من أوله ولو إلى آخر الإسناد، وقد يكون المحذوف شيخه، وقد يكون المحذوف شيخه وشيخ شيخه، وقد يكون المحذوف ثلاثة، وقد يكون الإسناد كله محذوف، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو المعلق، وقيل له: معلق؛ لأنه نازل من فوق وأسفله قد فقد أو نزع، فصار كالمعلق لم يصل إلى الأرض، يعني متدلياً، ولهذا ألف الحافظ ابن حجر كتاباً سماه (تغليق التعليق)، يعني هذا الفضاء الذي هو موجود من تحت، أغلقه بذكر الأسانيد التي تصل إلى هذا التعليق، أو التي تتصل بالإسناد الموجود الذي ذكره البخاري معلقاً، أتى بالأسانيد التي يكون بها موصولاً، ويغلق بها ذلك الفراغ الذي كان موجوداً من الأسفل في الإسناد، وذلك بالأسانيد التي يريدها.
أسماء الله الحسنى وحصرها في عدد معين
السؤال: هل أسماء الله محصورة في عدد معين؟ الجواب: ليست أسماء الله محصورة في عدد معين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديثhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=ال لهم إني أسألك بكل اسمٍ هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فإن قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، هذا يدل على أن من الأسماء ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وهذا يدل على أنها غير محصورة، وأن ما وصل إلينا، أو ما جاءنا، أو دل عليه النصوص من الكتاب والسنة، لا نستطيع أن نقول: أنها هي كل أسماء الله؛ لأن هذا الحديث يدل أن من الأسماء ما استأثر الله تعالى به عنده، وأما ما جاء في حديث: (إن لله تسعة وتسعون اسماً، مائةً إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، فليس دليلاً على الحصر، وإنما يدل على أن من أسماء الله عز وجل هذه الأسماء، من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وليس دليلاً على الحصر؛ لأنه لو جاء اللفظ: إن أسماء الله تسعة وتسعون، كان ذلك حصراً، لكن هنا قال عليه السلام: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، يعني: لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة، يعني: وله غيرها، فهو مثل لو قال إنسان: عندي مبلغ ألف ريال، أعددته لهذا العمل، فلا يقتضي ألا يكون عنده ريالات أخرى يعني غير هذه الأشياء التي ذكرها، فهذا الحديث هو من هذا القبيل.
الحكمة من تهديد الله لبني إسرائيل بالجبل مع قدرته على هدايتهم
السؤال: قال الله تعالى: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ )[الأعراف:171]، لماذا هدد الله بني إسرائيل بالجبل مع أنه قادر على هدايتهم بدون تهديدهم بالجبل؟الجواب: كما هو معلوم أن الله تعالى قادر على كل شيء، حتى الكفار الذين شرع الجهاد لجهادهم، ودعوتهم، والعمل على إخراجهم من الظلمات إلى النور، الله قادر على أن يهديهم، والله عز وجل لو شاء هداية الخلق كلهم لهداهم، لكنه شاء أن يكون الناس فريقين، فهذا هو الذي شاء الله تعالى أن يكون وكان، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن والله تعالى قادر على غير الذي كان لو أراده، فكونه يحصل أمور يحصل بها تهديد، أو يحصل كذا، فهذه أمور قدرها الله تعالى وشاءها وحصلت، والله تعالى إذا قدر شيئاً وشاءه كان، وكما ذكرت: الله تعالى سبق قضاؤه وقدره أن يكون الناس فريقين، ولو شاء الله أن يكون الناس كلهم مهتدين لفعل، كما قال: ( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )[السجدة:13]،
هذا هو الذي قدر، ولو شاء الله تعالى خلاف ذلك لوقع ذلك الذي شاءه خلافه، لكن الأمر كما هو موجود في عقيدة المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
كيفية الجمع بين طلب العلم والدعوة إلى الله تعالى
السؤال: كيف نجمع بين طلب العلم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هناك من يرى أن طلب العلم بهذا الشكل تعطيل للدعوة إلى الله؟الجواب: أبداً، يمكن للإنسان أن يجمع بين العلم والدعوة. وطلب العلم لا يعطل الدعوة، بل الدعوة تحتاج إلى علم؛ لأن الدعوة إذا لم تكن مبنية على علم، غالباً يترتب عليها مضرة؛ لأنه قد يدعو إلى ما ينهى عنه، فإذا كان جاهلاً لا يعرف قد يدعو إلى ما لا يدعى له، إلى ما يحذر منه، يعني هذا شأن الجاهل، فالدعوة تحتاج إلى علم، والإنسان يتعلم ثم يدعو، ويمكن أن يجمع بين الدعوة والعلم، بمعنى أنه في المكان الذي يتعلم فيه، أيضاً يدعو فيه، يعني يحرص على الدعوة والتوجيه والإرشاد، وإن لم يترك طلب العلم ويذهب للدعوة، وإنما يجمع بينهما.
حكم كفت الثياب وتشميرها قبل الصلاة
السؤال: هل يجوز أن يثني الرجل أو يشمر كم ثوبه، أو سراويله قبل الدخول في الصلاة، ثم يدخل بهيئته هذه في الصلاة؟ الجواب: لا، المطلوب أنه في الصلاة تكون ثيابه مرسلة على هيئة كاملة، هذه هي الهيئة المطلوبة؛ لأن المقصود من ذلك أن يسجد شعره وتسجد ثيابه، ولا يرفعها ويكفها حتى لا تنال الأرض، فيصير لها شيء من التوسخ، ولا يكون ذلك قبل الصلاة، ولا في أثناء الصلاة.
حكم الصلاة على النبي عليه السلام في صلاة الجنازة وكيفيتها
السؤال: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة، هل يقول: اللهم صل على سيدنا؟الجواب: الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، التي علمها أصحابه وهي: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، وغيرها من الألفاظ التي علم أصحابه إياها، يأتي بها الناس كما علمهم رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو كان يريد منهم أن يأتوا بهذه الهيئة، وبهذه الصفة، على لفظ أزيد من هذا لبينه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو قد قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر)، فإذاً: الألفاظ التي علم الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إياها يتقيدون بها.
كيفية قضاء تكبيرات الجنازة لمن فاته بعضها
السؤال: من فاتته تكبيرات صلاة الجنازة كيف يقضيها؟ الجواب: يقضيها كما يقضي الصلاة، (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، وفي صلاة الجنازة كذلك، يعني هذا الحديث يدل على صلاة الجنازة، لكن إذا سلم الإمام، فإنه يأتي بالتكبيرات، ويدعو بينها دعاء قصيراً، كأن يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ويسلم؛ لأن الجنازة ترفع ولا يبقى أمامه أحد يصلي عليه حتى يطيل، وإنما يأتي بأعداد التكبيرات التي فاتته، ويدعو دعاءً قصيراً بينها، كـ(اللهم اغفر له، اللهم ارحمه).
وجه الإنكار على ملقي السلام على رسول الله من خارج المسجد النبوي
السؤال: ما وجه الإنكار على من يسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم عند قبره، ولكن من خارج المسجد؟الجواب: من المعلوم أن سلام الزيارة إنما يكون عند أقرب مكان يمكن أن يحصل من الإنسان وهو زائر للقبر، وذلك في مكان المواجهة، سلام الزيارة يكون عند المواجهة، وأما الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي في كل مكان، والملائكة تبلغ ذلك، وهذه الهيئة ما كانت معروفة، لا في حياته ولا بعد وفاته، يعني كون الواحد يسلم على الرسول ولو من مكان واحد، لما كان صلى الله عليه وسلم حياً بين أصحابه، لما كان موجوداً بين أصحابه قبل أن يتوفاه الله، كأن يكون في حجرته أو يكون في المسجد، ما كان أحد يقف من خارج المسجد ويستقبل المسجد، أو يستقبل حجرة الرسول التي هو فيها، ويسلم عليه، ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان الواحد يمشي حتى يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: السلام عليك يا رسول الله، يسلم على الرسول إذا وصل إليه، أما بعد وفاته فكذلك، سلام الزيارة يكون عند قبره، وفي مكان المواجهة يعني يستقبل القبر ويستدبر القبلة، وأما الصلاة والسلام عليه، فيكون في حياته وبعد وفاته، والإنسان يصلي ويسلم عليه في كل مكان، والملائكة تبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حكم دعاء الله بلغة العجم
السؤال: هل يجوز للأعجمي أن يدعو الله بأسمائه بالأعجمية؟ الجواب: الأعجمي يدعو الله عز وجل بلسانه أو بلغته، لكن إذا عرف أسماء الله عز وجل باللغة العربية، وعرف معانيها، فإنه يدعو بها، ولكن إذا لم يستطع، فإنه يدعو بلغته الدعاء الذي لا يكون فيه محظور.
الفرق بين صفتي المجيء والإتيان
السؤال: ما الفرق بين صفتي المجيء والإتيان؟ الجواب: لا أعلم بينهما فرقاً، يعني: يأتي الله، يجيء الله، ما بينهما فرق، أتى الله يعني الإتيان الذي هو المجيء، لكن الإتيان الذي يأتي أحياناً، مثل قوله تعالى: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ )[النحل:26]، يعني: الله تعالى قضى عليها، وليس معنى ذلك أنه جاء مثل كونه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وينزل إلى السماء الدنيا، والإتيان غير الإتيان، فالمجيء والإتيان يعني يأتي الله لفصل القضاء، يجيء الله لفصل القضاء، ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا )[الفجر:22]، يعني: كلها بمعنى واحد.
الفرق بين صفتي القعود والجلوس
السؤال: ما الفرق بين صفتي القعود والجلوس؟ الجواب: الجلوس والقعود في فعل الناس، فإنهما مترادفتان، الجالس والقاعد بمعنى واحد، جلس وقعد مثل قام ووقف، فهما مترادفتان، وأما في حق الله عز وجل فلم يثبت وصفه بالقعود ولا بالجلوس، أي: أنه ما يقال: أن من صفاته كذا؛ لأنها ما وردت، ولا يقال: أنه ليس من صفاته كذا؛ لأنها ما جاء نفيها، فالذي جاء إثباته يثبت، والذي جاء نفيه ينفى، والذي لم يذكر يسكت عنه، مع الإقرار بأن الله متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص.
موقف الإمام عند صلاته على الجنازة
السؤال: أين يقف الإمام في صلاة الجنازة عند صلاته على الرجل والمرأة؟الجواب: إذا كانت الجنازة رجلاً مفرداً ليس معه امرأة، فإن الإمام يقف عند رأسه، وإذا كانت امرأة وحدها يقف عند صدرها، وإذا كان رجل وامرأة مع بعض، فإنه يجعل رأس الرجل محاذياً لوسط المرأة، ويقف الإمام محاذياً لرأس الرجل ووسط المرأة، يعني لا يكونا متساويين في الصف في وضعهما أمام الإمام، وإنما يكون الإمام محاذياً ومسامتاً لرأس الرجل ووسط المرأة، بحيث تكون المرأة متقدمة على الرجل، فيكون رأس الرجل محاذياً لوسطها، والرجل يكون أقرب إلى الإمام، والمرأة تكون وراءه، ويكون كهيئته لو كان كل واحد منهما على حدة، عند وسط المرأة ورأس الرجل.
حكم الدعاء بعد صلاة الفريضة
السؤال: ما حكم الدعاء بعد صلاة الفريضة؟ الجواب: بعد صلاة الفريضة الذي ورد هو الذكر، ولكنه ورد الدعاء أيضاً، ومن الدعاء: أستغفر الله، أستغفر الله، التي أول ما يحصل بعد السلام؛ لأن (أستغفر الله) دعاء، يعني: أطلب من الله المغفرة، وأما الذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وغير ذلك مما ورد فهذا ذكر، وكذلك جاء في حديث: (أن يقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وهذه تقال قبل السلام وبعده؛ لأن دبر الصلاة يكون قبل السلام، ويكون بعد السلام، ودبر الشيء آخره، أو ما يلي آخره، أي: يطلق على الاثنين، يطلق الدبر على آخر الشيء، وعلى ما يلي آخر الشيء، وآخر الشيء في الصلاة هو التشهد الذي قبل السلام، وما يلي السلام الذي هو آخر الصلاة ما يكون بعده، وقد جاء في بعض الأحاديث لفظ (الدبر) يراد به ما بعد الصلاة، وحديث: (تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتقولون تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، فإن هذا بعد السلام ليس قبل السلام، وقد أطلق عليه أنه دبر الصلاة.
الحوالة عن طريق البنوك الربوية
السؤال: أريد تحويل مبلغ ما إضافة إلى رصيدي في مصرف إسلامي بمصر عن طريق بنك ربوي، حيث التحويل إلى هذا المصرف مباشرة من هنا عن طريق ذلك البنك، فما هو الحكم؟الجواب: إذا كان ما وجد بنك لا يتعامل بالربا، فيتعامل مع البنك الذي يتعامل بالربا بأن يرسل عن طريقه الشيء، ما في بأس، التعامل معه إذا لم يوجد غيره، لكن لا يتعامل بالربا، يعني هو يتعامل بغير الربا، والتحويل مثل ما يحول مع غيره يحول عنده، إذا لم يجد غيره، أما إذا وجد غيره مما لا يتعامل بالربا، فالتعامل معه أولى، وإذا لم يوجد السليم من الربا يمكن أن يتعامل مع البنك الربوي، لكن على وجه لا ربا فيه.
التساوي في الأحكام في الفريضة والنافلة
السؤال: هل كل ما جاز في الفريضة جاز في النافلة في الصلاة من التسبيح بالآيات إلى آخره؟الجواب: الأصل أن الفرائض والنوافل سواء، إلا إذا جاء شيء يميز بعضهما عن الآخر، وفيما يتعلق بالتسبيح والتعوذ هو جاء بالنسبة للنوافل، ما جاء بالنسبة للفرائض؛ لأنه مع كثرة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه الفرائض، ما نقلوا عنه ذلك، وإنما نقلوا عنه هذا في النافلة.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:07 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(206)


- باب صفة السجود - باب التجافي في السجود
ورد في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان صفة سجوده أنه كان يعتمد فيه على اليدين ويفرج بينهما تفريجاً حتى يرى بياض إبطيه، حتى أن البهمة بإمكانها أن تمر بينهما من شدة المجافاة، وهذا إذا كان المصلي إماماً أو منفرداً، أما إذا كان مأموماً فلا؛ لئلا يؤذي من بجواره، وإنما يجافي ما استطاع.
صفة السجود

‏ شرح حديث: (... فوضع يديه بالأرض ورفع عجيزته ...) في صفة السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر المروزي حدثنا شريك عن أبي إسحاق قال: (وصف لنا البراء رضي الله عنه السجود، فوضع يديه بالأرض، ورفع عجيزته وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)].يقول النسائي رحمه الله: باب صفة السجود، هذه الترجمة يراد بها بيان كيفية السجود، وقد سبق أن مر في الأبواب الماضية ذكر شيء مما يدل على ذلك، وذلك في السجود على الأعضاء السبعة التي هي الوجه، الذي هو الجبهة والأنف، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، هذه من صفة السجود، وكذلك مما يتعلق بصفة السجود المجافاة بين العضدين عن الجنبين، والجنبين عن الفخذين، والفخذين عن الرجلين، بحيث لا يكون الإنسان تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض، وإنما تسجد الأعضاء، ويكون الاعتماد عليها.
وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا سجد وضع يديه على الأرض، ورفع عجيزته، أي: مؤخره، يريد بذلك أنه يعتمد على يديه، وأنه يرفع عجزه، وأنه لا تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض، بأن يكون الجنب يعتمد على الفخذ، والفخذ يعتمد على الرجل، والرجل تعتمد على الأرض، بمعنى أنه يمد رجليه ويبسطهما، وإنما ينصب القدمين، ويرفع البطن عن الفخذين، لا يعتمد عليها، وكذلك الفخذان يرفعان عن الرجلين، ويكون الاعتماد على اليدين، وعلى الوجه، والركبتين، وأطراف القدمين، فهذا هو الذي أورده المصنفون مما اشتمل عليه الحديث.
ثم إن الكيفية هي وسط بين طرفين: طرف هو الذي يدل على الكسل والخمول، وهو كون الإنسان تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض، بأن يضم العضدين، والبطن يعتمد على الفخذ، والفخذ يعتمد على الرجلين.. وهكذا، ويدخل في هذا كونه يبسط ذراعيه مثل بسط الكلب ذراعيه، كل هذه هيئة تدل على الكسل، والخمول ، ويقابل ذلك هيئة، وهي كون الإنسان يبالغ، فيمتد ويمد نفسه، فيكون فيه زيادة، وفيه تكلف، وهذا لا يصلح، ، والحق وسط بين الإفراط والتفريط.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فوضع يديه بالأرض ورفع عجيزته) في صفة السجود
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا شريك].
وهو ابن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي إسحاق].
وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وسبيع هم جزء من همدان، فينسبوا إلى همدان نسبة عامة، وينسبوا إلى سبيع نسبة خاصة، وكل منهما الهمداني، والسبيعي نسبة نسب، وأما بلده فهي الكوفة، أبو إسحاق مشهور بكنيته، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وصف لنا البراء بن عازب].
صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والحديث هذا من رباعيات النسائي؛ لأن فيه علي بن حجر المروزي، وشريك بن عبد الله القاضي، وأبو إسحاق السبيعي، والبراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما.
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذ صلى جخى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي حدثنا ابن شميل هو النضر أخبرنا يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى جخى)].ثم أورد النسائي حديث البراء بن عازب: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى جخى)]، والمراد بالتجخية هي كونه يفتح يديه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن الأرض، بمعنى أنه لا تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض، ويكون بطنه على الأرض، وإنما يعتمد على يديه، وعلى ركبتيه، وعلى أطراف قدميه، لكن دون أن يبالغ في ذلك، فهذه هي التجخية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها في سجوده، وهي تشبه ما جاء في الرواية السابقة عن البراء بن عازب، كونه يعني وضع يديه على الأرض ورفع عجزه، بمعنى أنه لم يكن معتمداً على الأرض، ولم يكن تعتمد الأعضاء بعضها على بعض، وإنما هو توسط بين الإفراط، والتفريط.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول لله كان إذا صلى جخى)
قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم المروزي].صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي.
[حدثنا النضر بن شميل].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وإنما قال: (هو النضر) ؛ لأن عبدة بن عبد الرحيم المروزي قال في الإسناد: أخبرنا ابن شميل، ما قال: النضر، وهو النضر بن شميل، لكن من دونه وهو النسائي، أو من دون النسائي هو الذي أتى بكلمة (هو النضر)؛ ليوضح أن هذا المنسوب الذي لم يذكر اسمه، ذكر اسمه بقوله: هو، وكلمة (هو) كما عرفنا مراراً وتكراراً تشعر بأن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، أي: أن الذي قالها من دون عبدة بن عبد الرحيم المروزي الذي هو تلميذ النضر بن شميل، وهو إما النسائي أو ممن دون النسائي.
[أخبرنا يونس بن أبي إسحاق].
يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو: أبو إسرائيل، وهو صدوق يهم قليلاً، وقد أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي إسحاق عن البراء].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى فرج بين يديه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا بكر عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه، الذي يصف به صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال سجوده، وأنه قال: [(فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه)]، يعني: من تفريجه بينهما، أي: لا يلصق اليدين الذي هما العضدين بالإبط أو بالجنب، وإنما يفرج بينهما حتى يتباعد، يعني ما بين العضد، والجنب، لكن هذا يكون حيث لا يضر على أحد من جيرانه إذا كان مأموماً، يفرج ويجافي ما استطاع، لكن لا يلحق الضرر بجيرانه، أو يؤذيهم، أما إذا كان إماماً أو كان وحده، فإنه يفعل المشروع الذي يمكنه فعله، وهو مجافاة العضدين عن الجنبين، والنبي صلى الله عليه وسلم كما وصف عبد الله بن مالك بن بحينة سجوده: أنه كان يجافي عضديه حتى يرى بياض إبطيه، يعني: من شدة المجافاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى فرج بين يديه ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا بكر].
وهو ابن مضر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن جعفر بن ربيعة].
هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، لقبه الأعرج، وقد اشتهر بهذا اللقب، ويأتي ذكره في الأسانيد كثيراً يقال: عن الأعرج أو حدثنا الأعرج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مالك بن بحينة].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أبي هريرة: (لو كنت بين يدي رسول الله لأبصرت إبطيه) يعني في سجوده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا معتمر بن سليمان عن عمران عن أبي مجلز عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لو كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبصرت إبطيه، قال أبو مجلز: كأنه قال ذلك لأنه في صلاة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: [(لو كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأبصرت إبطيه، قال أبو مجلز وهو أحد الرواة: كأنه قال ذلك لأنه في الصلاة)]، ولو كان بين يديه لأبصر إبطيه، يعني وهذا إشارة إلى مجافاته العضدين عن الجنبين، يمكن إظهار الإبطين، يعني لو كان تمكن من ذلك، لو كان بين يديه، لكنه قال ذلك لأنه كان في صلاة، فلم يتمكن من أن ينظر إلى ذلك، ولو كان في غير الصلاة، وهو ينظر، لأبصر ذلك، أي: إبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمقصود من ذلك المجافاة، أي: مجافاة العضدين عن الجنبين بحيث يرى الإبطان.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (لو كنت بين يدي رسول الله لأبصرت إبطيه) يعني في سجوده
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا معتمر بن سليمان].
هو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران].
وهو ابن الحدير، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبي مجلز].
وهو لاحق بن حميد البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو مجلز.
[عن بشير بن نهيك].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:09 AM
شرح حديث عبيد الله بن عبد الله بن أقرم: (صليت مع رسول الله فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل حدثنا داود بن قيس عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد)].أورد النسائي حديث عبد الله بن أقرم رضي الله تعالى عنه: أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يرى عفرة إبطيه إذا سجد، والمراد بالعفرة يعني صفة لونها، أي: الإبط؛ لأنه لون الجسد لون الوجه، إلا أن فيه منابت الشعر الذي يجعل لونه يختلف قليلاً عن هيئة البشرة، فهي تشبه يعني العفرة الذي هو لون الأرض أو التراب؛ لأنه بياض خالطه سواد منابت الشعر، هذا هو المجافاة، والمراد به أنه كان يجافي عضديه عن جنبيه حتى يرى إبطاه صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عبيد الله بن عبد الله بن أقرم: (صليت مع رسول الله فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر]. وقد مر ذكره قريباً.
[أخبرنا إسماعيل].
هو ابن جعفر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا داود بن قيس].
ثقة، فاضل، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم].
ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبيه].
وهو عبد الله بن أقرم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: صحابي مقل، وقد أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، أي:كابنه.
التجافي في السجود


شرح حديث: (أن النبي كان إذا سجد جافى يديه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التجافي في السجود.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عبيد الله وهو ابن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد وهو ابن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد جافى يديه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه مرت)].
أورد النسائي: التجافي في السجود، والمراد به ما تقدمت الإشارة إليه في الباب السابق في صفة السجود، وهو مجافاة العضدين عن الجنبين، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها: أن النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا سجد جافى يديه، حتى لو أرادت بهمة، وهي: الصغيرة من أولاد الغنم أن تمر من تحت يده لمرت، وذلك لكونه يباعد عضديه عن جنبيه،، وهذا فيه إشارة إلى المجافاة، وتحققها.
وكما قلت: هذا فيما إذا لم يكن هناك إلحاق مضرة بالجيران في السجود، من يكون على يمينه وشماله، إذا كان كذلك، أي: كون الصفوف متلاصقة، فلا يعمل هذا العمل بحيث يؤذي الناس، وإنما يجافي ما استطاع، أما إذا كان إماماً أو منفرداً فإنه يجافي.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا سجد جافى يديه ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة، وقد عرفنا أن قتيبة إنما يروي عن سفيان بن عيينة، فليس له رواية عن الثوري، فإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان، فالمراد به ابن عيينة، كما أنه إذا جاء قتيبة يروي عن حماد، فالمراد به ابن زيد، وليس ابن سلمة، وسفيان بن عيينة ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله وهو ابن عبد الله بن الأصم]،
مقبول، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عمه يزيد وهو ابن الأصم].
وهو عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي أبو عوف، كوفي نزل الرق، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، فهو ثقة، يقال: له رؤية، ولا يثبت. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ميمونة].
هي ميمونة بنت الحارث الهلالية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

الخروج من الصلاة بتسليمة واحدة
السؤال: هل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة؟ الجواب: نعم جاء في بعض الأحاديث، ومن العلماء من صححها، ومنهم من تكلم فيها، وممن تكلم فيها ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين، فإنه أطال الكلام في هذه المسألة، وقال: إن الثابت عنه أنه كان يسلم تسليمتين.
درجة حديث صاحب الشجة
السؤال: ما درجة هذا الحديث: (قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا..)؟الجواب: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال)، فالحديث ثابت، وهو في قصة الشجة، يعني الحديث ثابت، بس ما أذكر أين تخريجه.
اشتراط النية في الصلاة
السؤال: شخص دخل في الصلاة، وفي الركعة الثانية ذكر أنه لم ينو الصلاة، فما حكم الصلاة، هل باطلة أم يكملها؟الجواب: إذا كان لم ينو الصلاة والمقصود بالنية التلفظ، فذلك لا يجوز، وإن كان يعني أنه ما دخل في الصلاة، يعني ناوياً الدخول فيها، وناوياً أداء ذلك الفرض، فإنما الأعمال بالنيات، ولا عمل إلا بنية، وتكبيرة الإحرام هي التي يكون بها الدخول في الصلاة، فإذا كان ما كبر تكبيرة الإحرام، ولا حصل منه نية، فإنه لا عمل إلا بنية، يعني لا بد أن يكون العمل منوياً، بمعنى أنه نواه بقلبه، وكبر تكبيرة الإحرام التي بها يدخل في الصلاة، وإذا كان ما حصل منه هذا الشيء، وإنما دخل في الصلاة بدون تكبير، فإن صلاته لا تصح؛ لأن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، والنية أيضاً شرط يعني: النية التي محلها القلب، وليست النية الذي يتلفظ بها، فإن تلك بدعة، لا يجوز التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة، ما يقول: نويت أن أصلي كذا.
التكبير والتسليم في سجود التلاوة
السؤال: ما هو القول الراجح في صفة سجود التلاوة، هل فيه تكبير وتسليم أم لا؟ الجواب: هو لا تسليم فيه، وإذا كان في داخل الصلاة ففيه التكبير، يعني عند الخفض، والرفع؛ لأنه يدخل تحت عموم: كان يكبر في كل خفض ورفع، إذا كان في الصلاة، وإذا كان خارج الصلاة فإنه ليس فيه تسليم؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه يصح من غير المتوضئ؛ لأنه ليس صلاة، يعني سجود التلاوة، وكذا سجود الشكر لا يشترط له ما يشترط في الصلاة، وقضية التكبير فيه تكبير فقط.
معنى قول المحدثين: فلان مقبول، صدوق يهم، رواته ثقات
السؤال: ما معنى قولكم: (فلان مقبول)، هل تعني أن حديثه من قبيل الحسن وكذا قولهم: (صدوق يهم) و(ورجاله ثقات)؟الجواب: المقبول: هو الذي إذا اعتضد بغيره، ووجد ما يساعده، احتج به، أي: أنه يتوقف فيه حتى يأتي ما يساعده ويؤيده من متابعات أو شواهد.
وأما قولهم: صدوق، معناه: هو الذي خف ضبطه، وحديثه من قبيل الحسن، و(يهم)، يعني: يحصل منه شيء من الأوهام.
وأما قولهم رواته ثقات، يعني: الرجال الذين بني عليهم الإسناد هم ثقات، لكن هذا لا يعني أن يكون الحديث صحيحاً، فقد يكونوا ثقات، ولكن في انقطاع، ومن المعلوم أن الانقطاع يؤثر؛ لأنه لا بد أن يكونوا ثقات، وأن يكون كل واحد روى عن الذي قبله.
تخطي رقاب الناس في الجمعة وغيرها
السؤال: هل النهي عن تخطي الرقاب قاصر في صلاة الجمعة أو يثبت في كل الصلوات؟ الجواب: تخطي الرقاب فيه إيذاء للناس، ولا يجوز لا في الجمعة، ولا في غيرها، إلا إذا كان هناك فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، فإن له ذلك؛ لأن الذين تأخروا عن وصل الصفوف هم الذين قصروا، وهم الذين عرضوا أنفسهم لأن تتخطى رقابهم من أجل أن يوصل الصف، ومن أجل أن تسد الفرجة، وإن وصل إليها بغير التخطي، فهو أولى من التخطي؛ لأن التخطي فيه إيذاء للناس.
درجة حديث: (لا تنسنا من دعائك يا أخي)
السؤال: ما درجة حديث: (لا تنسانا من دعائك يا أخي)؟الجواب: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا لـعمر، والحديث فيه كلام لأهل العلم، ولا أذكره الآن.
حكم مقولة (فلان شؤم علينا بقدر الله)
السؤال: هل يجوز أن يقال: فلان شؤم علينا بقدر الله؟الجواب: ما يصلح أن يقال مثل هذا الكلام، ومن المعلوم أن التشاؤم والتطير جاءت الشريعة بخلافه، فالإنسان لا يتطير، ولا يتشاءم بأمور وأحوال، وإنما يرضى بقضاء الله وقدره، ويحرص على ما ينفعه، ويبتعد عما يضره، والابتعاد عن التعبيرات التي لا تنبغي، فهذا هو الذي ينبغي للإنسان الحريص على سلامته وسعادته.
الفرق بين الطيرة والخوف من ركوب الطائرات والسيارات
السؤال: هل من الطيرة الخوف من الركوب في الطائرة خوف السقوط أو السيارة خوف الحوادث؟الجواب: هذا ما يعتبر من التطير، لكنه يعتبر من الخوف الشديد، وإلا فإن الشيء إذا غلب عليه السلامة، مثل ركوب الطائرات، والسيارات؛ لأن السلامة هي الغالب، والهلاك نادر جداً، فحوادث السيارات، وحوادث الطائرات، هي نادرة، ما دام أن الغالب هو السلامة، ليس للإنسان أن يكون حريصاً على حياته هذا الحرص الشديد الذي يخالف غيره من الناس، وإنما يرضى بقضاء الله وقدره، وسيصل إليه الأجل ولو ما ركب في الطائرة، أو السيارة، يمكن أن يأتيه القدر في أي لحظة من اللحظات، وركوب الطائرة، وركوب السيارة ما هو سبب الهلاك في الغالب؛ لأن الغالب السلامة في ركوبها، والهلاك هو القليل النادر بالنسبة لسعة السلامة، وكثرة السلامة، لكن هذا فيه حرص زائد على الحياة، وفيه خوف شديد من الإنسان، حتى لو ركب السيارة يمكن أن يحصل له شيئاً يعني من شدة خوفه. وكذا أنه يبتلى بأن يحصل له هذا الشيء، مثل ما يذكرون أن أحداً من الناس ما كان يركب الطائرة، وحتى السيارات الصغيرة ما كان يركبها، يركب السيارات الكبار التي تحمل الأثقال؛ لأنها تضر غيرها، ولا يضرها غيرها، فكان مرة من المرات ركب طائرة، والله سبحانه وتعالى قدر لتلك الطائرة الذي ركبها يصير فيه عجاج في المكان هذا، وتروح إلى مكان آخر، وتنتقل من بلد إلى بلد، فقد ابتلي بهذا الشيء.
الفرق بين من أخرج لهم البخاري تعليقاً، ومن أخرج لهم في الأصول
السؤال: خرج البخاري لبعض الرجال تعليقاً، فهل هم كالرجال الذين خرج لهم في الأصول من حيث العدالة والضبط؟الجواب: ما يقال: إنهم عنده كالذين خرج لهم، لكن قد يكون فيمن خرج له البخاري تعليقاً من هو يعني في غاية الثقة؛ لأنه لا يدل على أن من خرج له تعليقاً أن يقال: أنه خرج له في الأصول؛ لأنه فيه تمييز بين من يورد له تعليقاً، ومن يورد له أصولاً، لكن لا يعني أن من يورد له تعليقاً، أنه يكون فيه ضعف أو كذا.
كيفية قضاء الركعة الفائتة من صلاة الاستسقاء
السؤال: إذا فاتتني ركعة من صلاة الاستسقاء فكيف أقضيها؟ الجواب: تقضى كما تقضى صلاة الاستسقاء، كما تؤدى صلاة الاستسقاء، يعني: عندما يفوته ركعة يأتي بها، مثل ما يأتي بها لو أدركها من أولها، يعني يكبر تكبيرات، ويأتي بالقضاء كهيئة الأداء.
تقبيل رأس الوالدين وأيديهم
السؤال: ما حكم تقبيل يد الوالد أو رأسه؟ الجواب: تقبيل اليد جاء ما يدل عليه، لكن ما ينبغي امتهانه وابتذاله؛ لأنه أصبح ديدناً للصوفية، وللذين يغلون في الأشخاص ويقدسون الأشخاص، ويعملون مع بعض الأشخاص أموراً منكرة، وإلا فإنه في الأصل جائز، يعني حصول تقبيل اليد جائز، جاء ما يدل عليه.
وأما فعل بعضهم: من حط الجبين على اليد، هذا والله أسوأ، وهو يشبه السجود.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(207)


- (باب الاعتدال في السجود) إلى (باب النهي عن كف الثياب في السجود)
السجود عبادة عظيمة أمرنا أن نقيمها على أتم وجه، فينبغي للساجد أن يعتمد على السبعة الأعضاء: الأنف مع الجبهة واليدين والركبتين والقدمين، وقد نهينا أن نتمثل في سجودنا بالكلب في انبساطه، والسبع في افتراشه، والغراب في نقره.
الاعتدال في السجود

‏ شرح حديث: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتدال في السجود. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس، (ح) وأخبرنا إسماعيل بن مسعود عن خالد عن شعبة عن قتادة سمعت أنساً رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)، اللفظ لـإسحاق].
يقول النسائي رحمه الله: الاعتدال في السجود. المراد بالاعتدال في السجود: كون الإنسان يأتي بالسجود كما هو مطلوب منه من غير تكاسل، ومن غير تجاوز، والتكاسل بأن تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض، فتعتمد بطنه على فخذيه، وفخذيه على ساقيه، ويكون عجزه قريباً من الأرض، صفة الكسول الخامل الذي لا يعتمد على أعضائه التي هي يداه، وكفاه، وقدماه، فالاعتدال في السجود هو تمكين اليدين، والركبتين، والجبهة، والأنف، وأطراف القدمين من الأرض، والمجافاة للعضدين عن الجنبين، بحيث لا يكون الاعتماد على فخذه، أو الفخذ على الساق، وإنما يكون الاعتماد على هذه الأعضاء السبعة، كلها تأخذ نصيبها من السجود، وذلك بالاعتماد عليها، وعدم اعتماد أعضاء الإنسان بعضها على بعض، هذا هو الاعتدال في السجود.
وقد أورد النسائي فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه بساط الكلب)]، وقد أشار في الجملة الأخيرة إلى أن مما يخالف الاعتدال في السجود هذه الهيئة التي تدل على الكسل، والخمول، بحيث تكون ذراعيه مبسوطة وموضوعة على الأرض، واعتماده على ذراعه وليس على كفيه، وهذه هيئة الكسول الخامل، فالاعتماد لا يكون على اليدين، وإنما على الذراعين، وهذا في مقدم الجسد، وأما المؤخر فيكون البطن أو الجنبين قد اعتمدا على الفخذين، وكذلك الفخذين على الساقين، فيكون خاملاً كسولاً، لا يعطي مواضع السجود أو أعضاء السجود ما تستحقه من الاعتماد عليها.
تراجم رجال إسناد حديث: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. وهو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا عبدة].
وهو عبدة بن سليمان البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو سعيد بن أبي عروبة البصري، وهو ثقة، فقيه، كثير التدليس، وهو من أثبت الناس في قتادة، وهو هنا يروي عن قتادة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس بن مالك، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[(ح) وأخبرنا إسماعيل بن مسعود].
(ح) هذه يؤتى بها علامة للتحول من إسناد إلى إسناد، والانتقال من إسناد إلى إسناد؛ لأنه ذكر إسناد شيخه إسحاق بن راهويه، ومضى فيه إلى آخره الذي هو أنس بن مالك راوي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (ح)، أي: إشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد.
ثم قال: [وأخبرنا]، الواو عاطفة، يعني: تعطف الإسناد الذي بعد (ح) على الإسناد الذي قبلها؛ لأن النسائي قال: [أخبرنا إسحاق]، ثم قال: [وأخبرنا إسماعيل بن مسعود]، فالواو في (وأخبرنا) معطوفة على (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم)، وشيخه الثاني إسماعيل بن مسعود هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
وهو: ابن الحجاج الواسطي الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو واسطي ثم بصري، يعني كان في واسط ثم انتقل منها إلى البصرة، فيؤتى مع الذي تعددت بلدانه -بأن كان أولاً في بلد، ثم تحول إلى بلد-: تذكر بـ (ثم)، يعني لبيان أنه كان أولاً كذا، ثم كان آخراً كذا.
[عن قتادة].
قتادة مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[سمعت أنس بن مالك].
مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، ولم يوحد الإسنادين عند قتادة ؛ لأن قتادة هو ملتقى الإسنادين؛ لأن الإسناد الأول ينتهي إلى سعيد بن أبي عروبة يروي عن قتادة، والإسناد الثاني يروي عن شعبة عن قتادة، فكان ملتقى الإسنادين هو قتادة، لكنه مضى به إلى آخره، والسبب في هذا: أن الإسناد الثاني فيه تصريح قتادة بالسماع من أنس، حيث قال: سمعت أنساً يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الأول ففيه الرواية بالعنعنة، يعني فمضى في الإسناد إلى آخره؛ لأنه مشتمل على فائدة، وهي التصريح بالسماع من قتادة؛ لأن قتادة مدلس.
ثم قال في الآخر: [واللفظ لـإسحاق].
يعني: أن اللفظ الذي ساقه -وهو المتن- لشيخه الأول، وهو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهذا يبين لنا ما سبق أن أشرت إليه فيما مضى: أن طريقة النسائي ليست الالتزام بطريقة معينة، وهي أن المتن يكون للثاني كما هو صنيع البخاري، بل إنه أحياناً يكون للثاني، وأحياناً يكون للأول، وهذا مما فيه بيان أن المتن للشيخ الأول، والبخاري من طريقته أنه إذا روى الحديث من شيخين بإسناد واحد، فإنه يكون للشيخ الثاني لا للأول، هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع البخاري في صحيحه، وأما النسائي فإنه ليس له طريقة ثابتة، بل أحياناً يكون المتن للشيخ للثاني، وأحياناً يكون للشيخ الأول، وهذا مما فيه إضافة المتن إلى الشيخ الأول الذي هو إسحاق.
إقامة الصلب في السجود


شرح حديث: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إقامة الصلب في السجود.أخبرنا علي بن خشرم المروزي أخبرنا عيسى وهو ابن يونس عن الأعمش عن عمارة عن أبي معمر عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي إقامة الصلب في السجود، وقد سبق أن مر مثل هذه الترجمة، وهي إقامة الصلب في الركوع، وهنا إقامة الصلب في السجود؛ لأن الحديث مشتمل على ذكر الركوع والسجود، يقيم صلبه في ركوعه، وسجوده، يعني بصلبه: ظهره، أي: بأن يسجد متمكناً، فلا يكون عنده إخلال بذلك على هيئة الكسول، ولا هيئة المتجاوز للحد الذي يمتد ويتقدم، وتطول حالة سجوده، فهذا فيه مجاوزة، وهو ضد الكسل والخمول الذي تكون أعضاؤه في حالة يركب بعضها على بعض، أما هذا الثاني لا شيء من ذلك، فيكاد أن يكون متقوساً ما بين ركبته وما بين مقدمه، بحيث تكون الركبتان ذاهبةً إلى الوراء؛ لشدة تقدمه وامتداده في السجود، وإنما يكون في التوسط بأن، يعتمد على أعضائه السبعة التي جاء ذكرها في الحديث، فهذا هو إقامة الصلب في السجود، والاعتدال في السجود، ولا يكون كسولاً، ولا يكون أيضاً متجاوزاً.
ثم أورد حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: [(لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود)].
وكلمة (الرجل) هنا لا مفهوم لها وإنما ذكر الرجال؛ لأن الغالب أن الحديث معهم ، وإلا فالمرأة مثل الرجل، وهي تماثل الرجل في الأحكام إلا إذا جاء شيء دليل يدل على اختصاصها بهيئة معينة تخالف الرجال، وهذا الحديث مثل ما جاء في الحديث: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصم)، فكلمة (رجل) تشمل المرأة، وكذلك: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء)، وكذلك لو وجد متاعه عند امرأة إذا كان قد باع لامرأة وأفلست، فذكر الرجال لا لأن الأحكام تخصهم، ولكن لأن الغالب أن الكلام والحديث معهم.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود) قوله: [أخبرنا علي بن خشرم]. هو علي بن خشرم المروزي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وهو معمر؛ لأنه عاش قريباً من مائة سنة، وهو الذي جاء عنه أنه قال: صمت رمضان ثمان وثمانين سنة، أو ست وثمانين سنة، أو ست وسبعين، فمعناه أنه بلغ، وصام هذه الرمضانات الكثيرة بعد بلوغه، فهو من المعمرين.
[أخبرنا عيسى وهو ابن يونس].
وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مأمون، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة هو ابن يونس، هذه ليست من التلميذ الذي هو علي بن خشرم، وإنما هي من النسائي أو من دون النسائي؛ لأن التلميذ كما ذكرت مراراً وتكراراً لا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، بل ينسب شيخه كما يريد، يمكن أن يأتي بسطر كامل لشيخه، مثل ما فعل النسائي في إسناد سيأتي، بمقدار سطر كامل وزيادة، كله يتعلق بشيخه؛ لأن التلميذ يذكر الشيخ كما يريد، ولكن من دون التلميذ لا يزيد على ما ذكر التلميذ، بل يأتي به كما أتى به التلميذ، وإذا أراد أن يوضح فإنه يأتي بكلمة (هو) أو (يعني)، ويأتي بعدها بما يوضح.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة].
هو عمارة بن عمير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معمر].
وهو عبد الله بن سخبرة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مسعود].
هو عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
النهي عن نقرة الغراب


شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن نقرة الغراب. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن جعفر بن عبد الله: أن تميم بن محمود أخبره: أن عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير)].
يقول النسائي النهي عن نقرة الغراب. والمقصود بذلك أنه أوردها في باب السجود، وإن كان نقر الغراب يكون في جميع الصلاة، فهو ينقر الصلاة، يعني: كما ينقر الغراب، معناه: أنه يسرع، ويبادر بها بإسراع شديد، ولكنه ذكره في السجود؛ لأن هذا هو الذي يناسبه أكثر، من جهة أن الغراب إذا أراد أن يأخذ شيئاً من الأرض، فإنه ينزل رأسه ومنقاره عليه بسرعة ثم يرفعه، فكذلك الذي يسجد فإنه يضع رأسه على الأرض بسرعة ثم يرفعه، فهذا مثل نقر الغراب، فذكره في حال السجود مناسب؛ لأنه يشبهه، وإلا فإن الاستعجال في الصلاة، يقال عنه: إنه ينقر الصلاة كما ينقر الغراب، ولكن الشبه أكثر فيما يتعلق بالأرض؛ لأنه عندما يريد أن يأخذ شيئاً ليأكله فإنه ينزل رأسه ثم يرفعه بسرعة بدون تمهل وبدون تؤدة، بل بسرعة شديدة، فشبه به من ينقر الصلاة، ومن إذا وصل وجهه إلى الأرض يرفعه دون أن يستقر، ودون أن يطمئن في سجوده.
وأورد تحت الترجمة حديث عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ثلاث: نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن..)، المشتمل على هذه الأمور الثلاثة، ومحل الشاهد منها الأول، وهو قوله: [(نهى عن نقرة الغراب)]؛ لأن هذا هو محل الشاهد، لكونه مثل الذي عندما يلقط الأكل بسرعة.
(وافتراش السبع)، قد مر؛ الذي هو افتراش الكلب، وانبساطه، فإنه يبسط يديه في الأرض، ويعتمد على ذراعيه، ولا يعتمد على كفيه، وهي هيئة تدل على الكسل والخمول.
فافتراش السبع والكلب كلها بمعنى واحد.
قوله: [(أن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير)]، يعني: معناه: أنه يتخذ مكاناً في المسجد لا يصلي إلا فيه، كما يوطن البعير الذي ألف، واعتاد أنه ما يتمرغ إلا في المكان الدمث الذي يكون عند العطن، عندما يشرب، وتبرك الإبل في معاطنها، يختار البعير ذلك المكان الدمث الذي يتمرغ فيه، ويبقى فيه، فيكون الرجل هيئته تلك، ولعل السبب في هذا لأجل الإكثار من المواضع، ومن المعلوم أن الأرض تشهد لصاحبها يوم القيامة، والمواضع المتعددة تشهد لصاحبها، وأنه حصل عليها كذا من فعل الخير، يعني بخلاف المكان المعين الواحد فإنه لا يكون فيه تعدد البقع التي تشهد لصاحبها، أو للذي صلى عليها يعني يوم القيامة، كما جاء في القرآن الكريم: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا )[الزلزلة:4]، وتشهد على ما فعل على ظهرها من خير وشر، ويخرج بذلك الإمام، وذلك لأن مكانه واحد وهو المكان المعين أمام المصلين.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:15 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن ثلاث: عن نقرة الغراب ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم]. محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له النسائي وحده.
[عن شعيب].
هو شعيب بن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن الليث].
هو الليث بن سعد، وهو ثقة، فقيه، محدث، فقيه مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد].
وهو خالد بن يزيد المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي هلال].
وهو سعيد بن أبي هلال المصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر بن عبد الله].
هو جعفر بن عبد الله بن الحكم، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن تميم بن محمود].
قال فيه الحافظ في التقريب: فيه لين، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[أن عبد الرحمن بن شبل أخبره].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
والحديث في سنده تميم بن محمود، والذي قد قال فيه الحافظ: فيه لين، وقد وثقه ابن حبان، وتكلم فيه بعض العلماء، والشيخ الألباني حسن إسناد هذا الحديث، وأنا ما أدري وجه تحسينه له، هل بمتابع أو وجود شيء يعضده في هذا.
النهي عن كف الشعر في السجود


شرح حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكف شعراً ولا ثوباً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن كف الشعر في السجود.أخبرنا حميد بن مسعدة البصري عن يزيد وهو ابن زريع حدثنا شعبة وروح يعني ابن القاسم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أسجد على سبعة، ولا أكف شعراً ولا ثوباً)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي النهي عن كف الشعر في السجود، أي: كون الإنسان عندما يسجد يكون شعره مكفوفاً، بمعنى أنه يرد شعره بأن يجمعه وراء ظهره ويشده، أو يرفعه بطاقية أو بغيرها، بحيث يأخذ الشعر ويجعله تحتها ويرده إلى الخلف؛ وذلك لأنه لا يمكن للشعر أن يسجد كما يسجد الوجه، وإرساله أو تركه دون أن يدفعه، ودون أن يرده إلى الآخر، فإنه يحصل مشاركته في السجود، أي: يكون له نصيب في السجود، هذا هو وجه النهي عن ذلك.
والنسائي أورد حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(أمرت أن أسجد على سبعة)]، والسبعة جاءت مفسرة في بعض الروايات، وقد مر ذكرها، وهي: الأنف، والجبهة، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، فهذه هي الأعضاء السبعة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد عليها.
وقوله: [(أمرت)]، الآمر للنبي صلى الله عليه وسلم هو الله عز وجل؛ وأما الصحابي إذا قال: أمرت أو أمرنا، فإنه يقصد بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله، والآمر في الحقيقة هو الله عز وجل، ولكن يمكن أن يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل ما جاء في حديث علي المتقدم: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولا أقول: نهاكم، ومن المعلوم أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هو تبليغ عن الله عز وجل، ويضاف إليه النهي والأمر؛ لأنه هو الذي بلغ عن الله عز وجل، وإلا فإن الآمر الناهي في الحقيقة هو الله عز وجل، والله عز وجل يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النجم:3-4]، يعني: السنة هي وحي من الله عز وجل، إلا أنه وحي غير متعبد بتلاوته كالقرآن، وإلا فإن القرآن، والسنة متعبد بالعمل بهما، بتصديق أخبارهما، وامتثال أوامرهما، واجتناب نواهيهما.
قوله: [(ولا أكف شعراً )].
يكفه يعني في مقدمة رأسه بحيث يرجعه إلى الوراء، سواء كان بشده أو بوضع شيء عليه يرده إلى الآخر مثل الطاقية.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أسجد على سبعة ولا أكف شعراً ولا ثوباً)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة البصري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يزيد وهو ابن زريع].
ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وكلمة [هو ابن زريع]، هذه أضافها من دون حميد بن مسعدة الذي هو النسائي أو من دون النسائي.
[حدثنا شعبة وروح يعني ابن القاسم].
شعبة هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.
وروح هو ابن القاسم، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.
وكلمة: [يعني ابن القاسم]، قالها من دون يزيد بن زريع، إما حميد بن مسعدة أو النسائي أو من دون النسائي، وكلمة (يعني) هي مثل كلمة (هو)، فمؤداهما واحد؛ ويؤتى بهما للتوضيح، والمقصود بها أن الذي قالها غير التلميذ؛ وفاعل (يعني) ضمير مستتر يرجع للتلميذ، وهو ابن زريع، قال: من دون يزيد بن زريع يعني به يزيد بن زريع.
روح بن القاسم، فكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، قائلها من دون يزيد بن زريع، وفاعلها ضمير مستتر يعود إلى يزيد بن زريع؛ لأنه فعل مضارع له فاعل، والفاعل ضمير مستتر يرجع إلى يزيد بن زريع، أي: قال من دون يزيد بن زريع: ابن القاسم.
وهذا الإسناد جمع فيه بين اللفظين اللذين يوضح بهما وهما كلمة (هو) عند ابن زريع، وكلمة (يعني) عند روح بن القاسم.
[عن عمرو بن دينار]
هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس].
هو طاوس بن كيسان اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم جميعاً من صغار الصحابة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، إذا قيل: العبادلة الأربعة فهم هؤلاء الأربعة، وأيضاً ابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مثل الذي يصلي ورأسه معقوص


شرح حديث ابن عباس في مثل من يصلي ورأسه معقوص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مثل الذي يصلي ورأسه معقوص.أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو السرحي من ولد عبد الله بن سعد بن أبي السرح أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث: أن بكيراً حدثه: أن كريباً مولى ابن عباس حدثه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: ما لك ورأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف)].
يقول النسائي: باب مثل الذي يصلي ورأسه معقوص، يعني: أنه مثل المكتوف الذي يسجد وهو مكتوف اليدين، يديه قد شدت وراء ظهره، فلا يتمكن أن يستجديهما؛ لأن يديه قد شدت وراءه، فالذي يسجد أو يصلي ورأسه معقوص، يعني: معناه أن شعره قد ذهب به إلى الوراء، مثل الذي يصلي وهو مكتوف، يعني: يداه مكتوفتان، لا تصل إلى الأرض، ولا يتمكن من السجود عليهما، والنسائي عقد الترجمة ببعض الحديث؛ لأن الحديث فيه ضرب المثل، ولكنه قال: باب مثل الذي يصلي ورأسه معقوص.
ثم أورد حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص، فجاء وجعل يحله وهو في الصلاة، يعني: ذاك يصلي كأنه في نافلة، فجاء وجعل يحله، ولما فرغ من صلاته قال: [(ما لك ولرأسي؟)]، يقولها عبد الله بن الحارث، فقال ابن عباس: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مثل هذا -أي الذي يصلي ورأسه معقوص- مثل الذي يصلي وهو مكتوف)، الحديث أورده ابن عباس رضي الله تعالى عنه، واستدل به على الفعل الذي فعله مع عبد الله بن الحارث، وهو: كونه جعل يحل رأسه المشدود، أو المعقوص إلى ورائه، جعل يحله وذاك في الصلاة، والمحصل، أنه لم يمكن شعره من السجود على الأرض كهيئة الذي يصلي وهو مكتوف.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في مثل من يصلي ورأسه معقوص
قوله: [عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو السرحي].من ولد عبد الله بن سعد بن أبي السرح، هذا الكلام كله من النسائي ينسب شيخه، وكما قلت: التلميذ لا يحتاج إلى أنه يقول: هو، بل يأتي بالكلام الذي يريد ولو كان طويلاً، مثل ما فعله هنا، سطر كامل كله يتعلق بشيخ النسائي، عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو السرحي، من ولد عبد الله بن سعد بن أبي السرح.
أي: كل هذا الكلام من النسائي يعرف ويوضح به شيخه، فالتلميذ لا يحتاج إلى أن يقال: (هو)، وإنما يأتي بالكلام مباشرة؛ لأن الكلام كلامه، وإنما الذي يحتاج إلى كلمة (هو) أو كلمة (يعني) من دون التلميذ.
فعمرو بن سواد ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه .
[أخبرنا ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عمرو بن الحارث].
وهو المصري، وهو: ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن بكيراً].
هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن كريباً مولى ابن عباس].
هو كريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
رضي الله تعالى عنهما قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
وأما عبد الله بن الحارث فهو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وقد ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وحنكه الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى عن كبار الصحابة، وممن روى عنه ابن عباس، لكنه هنا ليس من رواة الحديث.
النهي عن كف الثياب في السجود

شرح حديث ابن عباس في النهي عن كف الثياب في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن كف الثياب في السجود. أخبرنا محمد بن منصور المكي عن سفيان عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف الشعر والثياب)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن كف الثياب في السجود، وأورد فيها حديث ابن عباس الذي مر ذكره قريباً عند النهي عن كف الشعر في السجود من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله من الدلالة على النهي عن كف الشعر، والثياب في السجود، وقد مر بنا الحديث من طرق متعددة الذي هو حديث ابن عباس، وفيه النهي عن كف الشعر، والثياب، والنهي عن كف الثياب، يعني كونه يرفعها عند السجود، ويكفها ويجمعها، يعني: ينحيها عن الأرض، وإنما يجعلها على هيئتها وتصل إلى الأرض، ويسجد عليها، أي: على ثيابه تحت ركبتيه وتحت ساقه، ولا يكفها، وإنما يتركها، فلا يكف الشعر ولا الثياب.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في النهي عن كف الثياب في السجود
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي]. نسبه المكي، والنسائي في مواضع نسبه بالمكي، وقد سبق أن عرفنا أنه يراد به الجواز الذي هو المكي؛ لأن من شيوخ النسائي من يسمى محمد بن منصور الطوسي والمكي، والذي يروي عن سفيان بن عيينة كثيراً هو المكي؛ لأنه من بلده، وإن كان الطوسي روى عنه، إلا أنه يحمل عند الإهمال إذا لم ينسب على من يكون أكثر اتصالاً، وهو من أهل بلده، وهنا نص على أنه المكي، فهذا يرشد ويشعر بأنه إذا حصل الإهمال فإن المقصود به المكي؛ يحمل على من له به اتصال، ومن له به علاقة أكثر، وكل منهما من مكة، سفيان بن عيينة من مكة، ومحمد بن منصور المكي من مكة، فالارتباط بينها، والاتصال وثيق دائماً وأبداً، بخلاف الذي لا يكون من بلده.
وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان].
هو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم.
الأسئلة

إعطاء الزكاة لمن تجب على المزكي نفقته
السؤال: هل يجوز إيتاء الزكاة إلى من يجب على المزكي نفقته، كإيتاء الوالد زكاته إلى ولده؟ وكيف يكون العكس؟ وكالزوج إلى زوجته، وكيف يكون العكس؟ الجواب: لا يجوز لأحد أن يعطي الزكاة لمن تجب نفقته عليه؛ لأن هذا يعتبر حماية ووقاية للمال؛ لأنه يقي ماله بأن يترك أداء الشيء الواجب عليه، ويتخلص منه بالزكاة، فلا يجوز أن يعطي زكاته من تجب نفقته عليه، بل يعطيه من ماله، فالشيء الواجب عليه يخرجه من ماله، والزكاة يعطيها للفقراء، والمساكين، فلا يدفع الوالد الزكاة لولده، ولا الولد زكاته لوالده، فالزكاة لا تعطى للأصول ولا للفروع، وكذلك الزوجة، لا يجوز أن يعطيها زكاته.
مجافاة المرأة في الصلاة
السؤال: هل المجافاة في الصلاة حكمها تشمل المرأة؟ الجواب: الأصل في الأحكام أن النساء والرجال سواء، ولا أعلم دليلاً يدل على تميز المرأة بعدم المجافاة.
المقصود بالكفاءة في الزواج
السؤال: ما المراد بالكفء في الزواج؟ نرجو توضيح هذا الحكم. الجواب: الكفء في الزواج هو الذي يرضى دينه، ويكون مكافئاً للزوجة، بحيث يكون من جنسها، ولا يترتب مفاسد على الزواج، ولا يكون هناك حساسيات.

(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:18 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(208)


- (باب السجود على الثياب) إلى (باب النهي عن القراءة في السجود)
لقد دلت السنة النبوية على جواز السجود على الثياب في شدة الحر، ما يدل على سماحة ويسر هذا الدين العظيم، إن السجود معناه أن تضع أشرف عضو فيك -وهو الوجه- على الأرض خضوعاً لله تبارك وتعالى، ولذا كان العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد فعليه أن يكثر من الدعاء والتضرع لله رب العالمين.
السجود على الثياب

‏ شرح حديث أنس: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله بالظهائر سجدنا على ثيابنا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن خالد بن عبد الرحمن هو السلمي حدثني غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر)].يقول النسائي رحمه الله: باب السجود على الثياب. ومقصود النسائي من هذه هو: أنه في شدة الحر يسجد على الثياب؛ أي: على أطرافها وأجزائها؛ حتى يتقي بها الإنسان شدة الحرارة عن وجهه ويديه عند السجود، وقد سبق أن مر بنا باب في تبريد الحصى عند السجود، وهذه الترجمة تتعلق بالسجود على الثياب، والمراد بها الثياب التي تكون على الإنسان؛ بمعنى: أنه يكون عليه إزار ورداء، فيرخي طرف ردائه ويجعله أمامه، فيضع يديه ووجهه عليه اتقاء الحرارة.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم كانوا إذا صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهائر -يعني: في شدة حرارة الشمس- يسجدون على ثيابهم اتقاء الحر والرمضاء، وحرارة الشمس التي تكون على الأرض، فيتقونها بتلك الثياب، وهذا فيه دليل على جواز مثل هذا العمل، ويمكن أن يكون المراد به: أنه شيء يضعونه من الثياب، لكنه شيء متصل بهم، وعليهم من ملبوساتهم، كالرداء الذي يكون على الإنسان، ويكون له طرفان، فيبسط أحد طرفيه، ويسجد عليه، والرداء على كتفيه، هذا هو الأظهر والأقرب، وفيه دليل أيضاً على جواز السجود على الفرش، وعلى شيء يقي الأرض، وقد جاءت السنة بالسجود على الحصير، وهذا يدل على ما دل عليه ذلك، من جهة أنه يسجد على شيء، ويكون الإنسان بينه وبين الأرض شيء؛ يتقي به الأرض إذا كانت حارة، فالحديث دال على هذا.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله بالظهائر سجدنا على ثيابنا...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[أخبرنا عبد الله بن المبارك].
هو المروزي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، عالم، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعدما ذكر جملة من صفاته في التقريب: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد بن عبد الرحمن هو السلمي].
صدوق يخطئ، وقد أخرج حديثه البخاري، والترمذي، والنسائي.
وقوله: [هو السلمي]، هذه زيادة زادها من دون تلميذ خالد بن عبد الرحمن، وهو سويد بن نصر، أو من دون سويد بن نصر؛ الذي هو النسائي، أو من دونه زادها؛ لأنها ليست من لفظ عبد الله بن المبارك، ولكن أراد من دون عبد الله بن المبارك أن يبين هذا الرجل، فقال: [هو السلمي]، ولم يقل: السلمي بدون (هو)؛ لأنها لو قيلت بدون (هو) لفهم أنها من كلام ابن المبارك، وابن المبارك ما قال في الإسناد: أخبرنا خالد بن عبد الرحمن السلمي، وإنما قال: خالد بن عبد الرحمن فقط، فالذي دون سويد بن نصر هو الذي أضاف هذه الزيادة الموضحة المبينة، وأتى بكلمة (هو)، حتى يتبين أنها ليست من التلميذ؛ الذي هو عبد الله بن المبارك، وإنما هي ممن دون التلميذ.
[حدثني غالب القطان].
هو غالب بن خطاف القطان، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن بكر بن عبد الله].
هو بكر بن عبد الله المزني، وهو ثقة، ثبت، جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، قد خدمه عشر سنوات؛ منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل، وهو متشرف بخدمته رضي الله تعالى عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الأمر بإتمام السجود


شرح حديث: (أتموا الركوع والسجود ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإتمام السجود.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة عن سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من خلف ظهري في ركوعكم وسجودكم)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إتمام السجود، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من خلف ظهري في ركوعكم وسجودكم)].
قوله: [(أتموا الركوع والسجود)].
يعني: كون المصلي يأتي بهما على الهيئة المشروعة، ويطمئن فيهما، ويأتي بالركوع على الهيئة المشروعة، وبالسجود على الهيئة المشروعة، مع الاطمئنان في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(إني لأراكم من خلف ظهري في ركوعكم وسجودكم)]، ومعنى هذا: أن فيه تنبيه إلى الهيئة التي ينبغي أن يكونوا عليها، وأن الله تعالى يري نبيه إياهم، وإن كانوا من ورائه، فإن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والحديث سبق أن مر فيما مضى.
تراجم رجال إسناد حديث: (أتموا الركوع والسجود ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الصفات العالية، والألقاب الرفيعة، التي لم يظفر بها إلا النادر القليل من المحدثين، وحديث إسحاق بن راهويه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وسبق أن ذكرت: أن لفظ ابن راهويه للمحدثين، وللغويين لهم إطلاقان، فالمحدثون يقولون: ابن راهويه بسكون الواو وضم ما قبلها، وفتح الياء بعدها، وأما اللغويون فيقولون: راهويه، يعني بفتح الواو وسكون الياء، يعني يكون مختوماً بويه، يكون عند اللغويين مختوماً بويه، عند اللغويين مختوم بالواو والساكنة التي بعدها ياء مفتوحة وهاء، وما قبل الواو يكون مضموماً؛ راهويه، وكما قلت: أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[أخبرنا عبدة].
هو عبدة بن سليمان البصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، كثير التدليس، وهو من أثبت الناس في قتادة، وهو يروي عن قتادة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:21 AM
النهي عن القراءة في السجود

شرح حديث علي: (نهاني حبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث ... ولا أقرأ ساجداً ولا راكعاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن القراءة في السجود.أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف حدثنا أبو علي الحنفي وعثمان بن عمر قال أبو علي: حدثنا، وقال عثمان: أخبرنا داود بن قيس عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (نهاني حبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: لا أقول: نهى الناس، نهاني عن تختم الذهب، وعن لبس القسي، وعن المعصفر المفدمة، ولا أقرأ ساجداً ولا راكعاً)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: النهي عن القراءة في السجود، وقد سبق أن مر في الترجمة: النهي عن القراءة في الركوع، وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(نهاني حبي صلى الله عليه وسلم)]، و(حبي) بمعنى حبيبي؛ لأن الحب هو بمعنى الحبيب؛ ولهذا يقال عن أسامة بن زيد: الحب ابن الحب؛ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، يعني: حبيبه أو محبوبه وابن محبوبه، فالحب بمعنى الحبيب، وكما أنه يأتي ذكر الحبيب أيضاً في كلام بعض الصحابة في كلام أبي الدرداء رضي الله عنه في صحيح مسلم أنه قال: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد)، وقال أبو هريرة: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، وهنا يقول علي رضي الله عنه: [نهاني حبي صلى الله عليه وسلم، ولا أقول: نهى الناس]، يقصد بذلك: أن تحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إياه بهذا كان وحده ليس معه أحد، ولهذا قال: [نهاني]؛ لأنه كان وحده عندما حدثه صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، ولم يكن معه أحد، وليس معنى ذلك أن الحكم يخصه، وأن الناس لا يشاركونه في هذا الحكم، فإن خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم لواحد خطاب للجميع، وخطابه للواحد خطابه للأمة، لكن هذا هو معنى كلام علي رضي الله عنه: [نهاني ولا أقول: نهى الناس]؛ لأنه ما قال: لا تفعلوا كذا، أو افعلوا كذا، بخطاب الجمع للناس، وإنما كان يخاطبه وحده ليس معه أحد؛ فمن أجل ذلك أتى بالصيغة على الهيئة التي حصل بها التحمل، هذا هو معنى كلام علي رضي الله عنه، وليس معنى ذلك أن هذا حكم يخصه، فإن الأحكام عامة، ولا تكون خاصة إلا إذا جاء نص يدل على الخصوص؛ مثل قصة الرجل الذي ضحى قبل الصلاة، ثم قال: إن لنا عناقاً داجناً، والعناق: هي التي لم تبلغ، السنة التي تجزئ فيها الأضحية، فقال: فهل تجزئ عني؟ قال: (تجزئ عنك ولن تجزئ عن أحد بعدك)، فقوله: [(لن تجزئ عن أحد بعدك)]، يعني: أن هذا حكم يخصه؛ لأنه جاء نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخصوص. ومثل ما جاء في قصة خزيمة بن ثابت الذي اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم شهادته عن اثنين، فهذا يخصه، فلا يقال: إن هذا حكم عام.
وكلام علي رضي الله عنه الذي قاله ليس المراد منه أن هذا من خصائصه، وأن هذا حكم يخصه، وأن النهي يتعلق به، ولا يتعلق بغيره، وإنما مراده أنه حين التحمل كان وحده، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: لا تلبس كذا، أو أنهاك عن لبس كذا وكذا، فعندما ذهب يحدث عن تحديث الرسول إياه، قال: [نهاني]؛ لأنه قال: لا تفعل كذا، لا تلبس كذا، فالخطاب موجه إليه، فصار عند الأداء يماثل التحمل؛ لأنه كان عند التحمل بالإفراد، وعند الأداء أتى به على صيغة الإفراد، قال: [نهاني الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أقول: نهى الناس عن تختم الذهب].
يعني: كون الرجل لا يتختم بالذهب، ولا يجوز للمسلم أن يتختم بخاتم الذهب، إنما استعمال الذهب للنساء، والرجال لا يستعملون الذهب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ ذهباً وحريراً وأشار بهما والناس يرون، قال: (هذان -أي: الذهب والحرير- حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها)، والنساء لهن أن يتختمن، ولهن أن يلبسن الذهب والفضة كما شئن، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء النساء وخطبهن يوم العيد، بعدما خطب الناس وجاء وتكلم معهن، وقال: (تصدقن يا معشر النساء! فإني رأيتكن أكثر حطب جهنم)، فجعلن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن، يعني: تنزع الخواتم؛ لأنها تبادر إلى الصدقة، يعني: ما كان معها إلا الخواتم، أو ما معها إلا الحلي، فجعلن يلقين من خواتمهن وأقراطهن؛ يعني: ينزعن مما على الأذنين، ومما في أصابع اليدين من الخواتم، يلقين بأقراطهن وخواتيمهن، فالتختم بالذهب والفضة للنساء سائغ وجائز، والرجال لا يجوز لهم استعمال الذهب.
قوله: [(وعن لبس القسي)].
هي ثياب مضلعة بالحرير، وتنسب إلى بلد تصنع فيه، فنهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأنها من الحرير أو مخلوطة بالحرير، والرجال منهيون عن استعمال الحرير وعن لبس الحرير.
قوله: [(وعن المعصفر المفدمة)].
قد سبق أن مر الحديث عن لبس المعصفر والمفدم، والمعصفر غير المفدم، المفدم هو: المصبوغ أو الذي لونه لون أحمر قان شديد الحمرة متناهي في الحمرة، يعني نهى عن المعصفر، وهو: الذي صبغ بذلك النبات الذي يصبغ به ويقال له: المعصفر، وهو لونه أصفر، وعن المفدم، وهو الذي صبغ باللون الأحمر، والمراد به المتناهي في الحمرة الذي لا يقبل الزيادة، لا يقبل أن يزاد عليه في هذا اللون؛ لأنه بلغ نهايته وغايته في الحمرة.
قوله: [(ولا أقرأ ساجداً ولا راكعاً)].
هذا هو محل الشاهد، يعني: لا أقرأ في الركوع والسجود؛ لأن القراءة إنما هي في حال القيام قبل الركوع، هذه محل القراءة، وهي التي يطول فيها القيام، وتكون فيها القراءة، وأما الركوع والسجود فليس محلاً للقراءة، فالركوع محل تعظيم الرب، وكثرة الثناء عليه وتعظيمه، والسجود محل كثرة الدعاء. ويجوز تعظيم الرب في السجود مثل: سبحان ربي الأعلى، وسبوح قدوس، ويجوز أيضاً الدعاء في الركوع كما دل عليه قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)؛ لأن اللهم اغفر لي يؤتى بها في الركوع وهي دعاء، وهي لفظ مشتمل على ثناء ودعاء، (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)، فيؤتى بها في الركوع والسجود، وهي مشتملة على: ثناء ودعاء، والثناء الغالب عليه أن محله الركوع، والدعاء الغالب عليه أن محله السجود، لكن يجوز الدعاء في حال الركوع، والثناء في حال السجود.
تراجم رجال إسناد حديث علي: (نهاني حبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث .. ولا أقرأ ساجداً ولا راكعاً) قوله: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف]. هو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا أبو علي الحنفي وعثمان بن عمر].
أبو علي الحنفي هو عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأما عثمان بن عمر فهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو علي: حدثنا، وقال عثمان: أخبرنا].
يعني: معنى أن الصيغة التي حصلت من كل منهما تختلف، فأشار النسائي إلى صيغة كل منهما، وهذه الطريقة قليلة عند النسائي، وأما عند مسلم فهي كثيرة جداً، فما أكثرها في صحيح مسلم، يقول: إذا ذكر شيوخه ذكر من قال: حدثنا، ومن قال: أخبرنا؛ قال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، هذه موجودة بكثرة في صحيح مسلم، وأما النسائي، فهي عنده قليلة، والسبب في هذا أن ذكر عدد من الشيوخ في إسناد واحد قليل، الكثير هو أنه يروي عن شيخ واحد، لا يذكر شيخين، وذكر الشيخين معاً هذا قليل جداً بالنسبة لكثرة الرواة عن شيخ واحد، وبإسناد واحد، بخلاف مسلم، فإنه يجمع الأسانيد، ويجمع الأحاديث في مكان واحد، فيحتاج إلى أن يجمعهم في إسناد واحد، ويذكر عدد من شيوخه، ويبين من قال كذا ومن قال كذا، وكذلك من له اللفظ منهم.
[داود بن قيس].
ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه عبد الله بن حنين، وهو كذلك ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[عن علي بن أبي طالب].
هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، أبو الحسنين، وصهر رسول الله عليه الصلاة والسلام على ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنهما، وهو ذو المناقب الجمة، والخصال الحسنة، والمناقب العظيمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث علي: (نهاني رسول الله أن أقرأ راكعاً أو ساجداً) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب عن يونس (ح) والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب حدثني إبراهيم بن عبد الله: أن أباه حدثه أنه سمع علياً رضي الله عنه قال: (نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعاً أو ساجداً)].هنا أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه أنه قال: [(نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ راكعاً وساجداً)]، وهو طريق آخر، ولكنه مختصر من الحديث الأول، وهي طريق أخرى من حديث علي مختصرة، اقتصر فيها على ذكر النهي عن القراءة في الركوع والسجود، الذي هو محل الشاهد للترجمة.
قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو].
هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[(ح) والحارث بن مسكين].
(ح) التحول من إسناد إلى إسناد، والحارث بن مسكين معطوف على أحمد بن عمرو بن السرح، الذي هو شيخه؛ لأن هذا شيخ آخر له؛ وهو الحارث بن مسكين المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن ابن وهب].
هو الذي مر ذكره.
[عن يونس].
يونس بن يزيد هو الذي تقدم ذكره في الطريق الأولى.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو ينسب إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، فيقال: الزهري، ويقال: ابن شهاب، وهو ثقة، فقيه، محدث، إمام جليل، معروف بكثرة الرواية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة، وهو ممن يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وأنس من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين.
[حدثني إبراهيم بن عبد الله].
هو إبراهيم بن عبد الله بن حنين.
[عن أبيه عن علي].
قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا، وأبوه يروي عن علي مباشرة وبدون واسطة، يعني يروي بواسطة ابن عباس، ويروي عن علي مباشرة وبدون واسطة.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:24 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(209)


- (باب الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود) إلى (باب نوع آخر من الدعاء في السجود)
أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لذا يستحب أن يكثر المصلي من الدعاء، ويلح على الله عز وجل فيه وهو ساجد؛ لأن السجود من المواطن التي هي مظنة الإجابة.
الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود

‏ شرح حديث: (... وإذا سجدتهم فاجتهدوا في الدعاء ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود.أخبرنا علي بن حجر المروزي أخبرنا إسماعيل هو ابن جعفر حدثنا سليمان بن سحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم قد بلغت، ثلاث مرات، أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا ربكم، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاجتهاد في الدعاء في السجود، يعني: كون الإنسان يجتهد في الدعاء، ويكثر منه، ويلح على الله عز وجل في الدعاء وهو ساجد؛ لأن هيئة السجود وحالة السجود، من المواطن التي هي حرية بالإجابة، وقريب أن يستجاب للداعي فيها، وقد جاء في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وهو حديث سيأتي.
وأورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر)، يعني الذي كان على حجرته، أو على باب حجرته، [(ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه)]، يعني: في أواخر أيامه عليه الصلاة والسلام، [(ورأسه معصوب)]، يعني: من شدة المرض، وهذا فيه دليل: على أنه إذا مرض الرأس وصار فيه وجع أنه يجوز شده، وكونه يعصب بعصابة تشده حتى يهون المرض، وهذا من الأسباب السائغة، والجائزة؛ لأن شد الرأس مع وجود المرض والصداع فيه، ينفع ويفيد بإذن الله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا، وهو القدوة، والأسوة عليه الصلاة والسلام، فقال: [(اللهم قد بلغت، ثلاث مرات، ثم قال: إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة، يراها الرجل أو ترى له)]، والحديث سبق أن مر، وقد عرفنا معناه، وأن الوحي ومعرفة الأمور المغيبة والطرق المشروعة، إنما كان يعرف عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي ينزل عليه الوحي ويخبر بالأمر المغيب المستقبل، والأمر الذي هو غائب يخبر عنه عليه الصلاة والسلام بإيحاء الله عز وجل إليه، وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هناك وحي، وليس هناك طريق مشروع لمعرفة أمر مغيب، أو أمر مستقبل، لكن الرؤيا الصالحة هي من هذا القبيل؛ لأنها تكون إشارة إلى شيء يحصل في المستقبل، فتكون بشارةً يراها مؤمن أو ترى له، يعني بأن يكون مؤمن هو يراها في منامه، أو يراها لغيره، أقول: أو هو يراها لغيره، يراها لنفسه، أو يراها لغيره، [(يراها المؤمن أو ترى له)].
ومن المعلوم، أن المنام يأتي الإنسان فيه رؤى، ويأتي فيه أحلام، أحلام تأتي على هواجس، وعلى أمور يعني قد تكون نتيجةً عن تفكيرات، وعن انشغال بال بشيء، فيأتيه في المنام كما جاءه في اليقظة، وكما كان مشغولاً به في اليقظة يأتيه في المنام، لكن الرؤيا الصالحة هي التي تأتي للإنسان، وتكون بشارةً له، إما لرائيها، أو لشخص آخر مؤمن يراها له مؤمن، فهذه من المبشرات. معناه: أنه إذا رآها فيكون فيها بشارة له إذا كانت حسنة وكانت طيبة، ولهذا جاء في الحديث أن الإنسان لا يخبر بها إلا من يحب، يعني: إذا كان رأى أمراً حسناً، فإنه يحدث به من يحب، لا يحدث به كل أحد، وإذا كانت سيئة، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وليتحول عن جنبه الذي رأى فيه، ويستعيذ بالله، ولا تضره بإذن الله.
قوله: [(ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود)]، وهذا يدل على ما دل عليه الذي تقدم عن علي رضي الله تعالى عنه.
قوله: [(فإذا ركعتم فعظموا ربكم، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء؛ فإنه قمن أن يستجاب لكم)].
وهذا هو المقصود من الترجمة، أما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم.
معناه: أنه يجتهد في الدعاء، ويحرص على الدعاء، ويكثر من الدعاء في ذلك الموطن، وذلك الموضع من مواضع الصلاة؛ لأنه قمن، أي: حري، وجدير بأن يحصل لصاحبه الإجابة، وهذا هو محل الشاهد؛ لأن فيه الاجتهاد في الدعاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر المروزي]. وهوعلي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[أخبرنا إسماعيل هو ابن جعفر]، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: [هو: ابن جعفر]، هذه الزيادة ممن دون علي بن حجر، إما النسائي، أو من دون النسائي.
[حدثنا سليمان بن سحيم].
صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد].
وهو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، وهو صدوق، أخرج له مثل الذين أخرجوا لـسليمان بن سحيم، مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن أبيه].
وهو ثقة، أخرج له نفس الذين أخرجوا لابنه ولـسليمان بن سحيم، وهم: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ثلاثة متوالون الإخراج لهم واحد.
[عن عبد الله بن عباس].
وقد مر ذكره.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:26 AM
الدعاء في السجود

شرح حديث ابن عباس في الدعاء في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء في السجود.أخبرنا هناد بن السري عن أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق عن سلمة بن كهيل عن أبي رشدين وهو كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (بت عند خالتي ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها، فرأيته قام لحاجته، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءًا بين الوضوءين، ثم أتى فراشه فنام، ثم قام قومةً أخرى، فأتى القربة فحل شناقها، ثم توضأ وضوءًا هو الوضوء، ثم قام يصلي، وكان يقول في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، وأعظم لي نورًا، ثم نام حتى نفخ، فأتاه بلال، فأيقظه للصلاة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الدعاء في السجود، وهنا قال: الدعاء، ولم يقل: الذكر، وسبق في الركوع، أن الأبواب ذكرها بلفظ الذكر، الذكر في الركوع، ما قال: الدعاء في الركوع، وإنما قال: الذكر في الركوع، وهنا قال: الدعاء في الركوع؛ وذلك أن الركوع هو موطن يكثر فيه تعظيم الرب كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)، وأما السجود فإنه يكثر فيه الدعاء؛ ولهذا قال الرسول: (فاجتهدوا فيه من الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم)، فهناك عبر بالذكر؛ لأن الغالب عليه الذكر، الذي هو الركوع، والتعظيم لله عز وجل، وهنا عبر بالدعاء؛ لأن الغالب على السجود الدعاء، وإن كان كما قلت: أنه يجوز أن يدعى في الركوع، ويجوز أن يعظم الله في السجود، وحديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوع وسجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، يدل على هذا وهذا، فالإتيان به في الركوع يدل على الدعاء في الركوع، والإتيان به في السجود يدل على الثناء في السجود، ثم سبحان ربي الأعلى هو ثناء، وهو يؤتى به في السجود، وكذلك يؤتى بغيره من الثناء على الله عز وجل.
ثم أورد النسائي حديث ابن عباس، وأنه بات عند خالته ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام نام وقام وحل شناق القربة، وهو الوكاء، فأفرغ ماءً وتوضأ وضوءاً بين وضوئين، يعني: خفيف، توضأ وضوءاً خفيفاً، ثم إنه رجع فنام، ثم إنه قام وحل شناق القربة وتوضأ الوضوء، أي: الوضوء المعروف، الوضوء الذي يسبغه، ولهذا قال: (الوضوء)، يعني: الوضوء المعروف ما قال مثل ما قال في الأول: وضوءاً بين وضوءين، يعني: خفيف، ليس فيه تقليل الماء جداً، وليس فيه إكثاره جداً، وإنما هو بين هذا وهذا؛ ولهذا قال: (هو الوضوء)، أي: المعتاد الذي كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الوضوء لا يزاد فيه على ثلاث مرات، غسل الأعضاء لا يزاد فيها على ثلاث مرات، يعني لا بد من مرة مستوعبة، وهذا هو المجزئ والواجب الذي لا بد منه، مرة واحدة مستوعبة، وبعد ذلك الغسلة الثانية والثالثة، ولا يزاد على الثالثة في الوضوء.
قوله: [(ثم قام يصلي، فكان يقول في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل تحتي نوراً، ومن فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً، ثم نام حتى نفخ)]، يعني معنى أنه نفخ من تمكنه في النوم عليه الصلاة والسلام، حتى جاءه بلال يؤاذنه في الصلاة، يخبره بالخروج إلى الصلاة.
والمقصود من ذلك: أن هذا الدعاء، كان يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم في سجوده، وهو دعاء عظيم، يعني كون الإنسان يسأل ربه أن يعطيه النور في جميع أحواله، وفي جميع جهاته، وفي أعضائه، في سمعه، وبصره، وقلبه، ومن جهاته الست، يعني عن يمينه، وشماله، وأمامه، وخلفه، وفوقه، وتحته، وأن يعظم له النور.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الدعاء في السجود
قوله: [أخبرنا هناد بن السري]. وهو هناد بن السري أبو السري الكوفي، أبو السري، والسري هذا اسم أي: يسمى به، وهو بمعنى السيد، ويقول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، يعني: ليس لهم رؤساء، يعني يسوسونهم ويصيرون متبوعين لهم، ولا سراة، يعني: ولا ولاية ولا تقدم على الغير، إذا كان الجهال هم الذين يسودون، فالسري هذا هو المراد به، يعني في الأصل هذا معناه، ويسمى به، ولهذا هناد بن السري هو أبو السري، وهو ابن السري، وقد ذكرت مراراً وتكراراً، أن فائدة معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه: ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية بدل النسبة، لو قيل: هناد أبو السري، الذي ما يعرف أن هناد بن السري هو أبو السري، يظن أن (أب) صحفت من (ابن)، وأبدلت وجاءت مكانها (أبو)، لكن من عرف أن هناد كنيته وافقت اسم أبيه، فسواءً قيل: هناد بن السري أو قيل: هناد أبو السري، كلها صحيحة، ولا تصحيف ولا تعرية.
[عن أبي الأحوص].
وهو سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن مسروق].
الكوفي، وهو والد سفيان الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، سعيد بن مسروق هذا هو والد سفيان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سلمة بن كهيل]، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي رشدين وهو كريب].
هذه إضافة ممن دون تلميذ كريب أبو رشدين؛ لأنه ذكره تلميذه بالكنية فقط، لكن أتى به من دونه فقال: [وهو كريب]، يعني: مولى ابن عباس؛ لأن كريب مولى ابن عباس، كنيته أبو رشدين، وهنا ذكر بالكنية لكن من دون سلمة بن كهيل قال: [هو كريب]، يعني: يبين من هو أبو رشدين، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.
نوع آخر من الدعاء


شرح حديث عائشة في الدعاء في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن سفيان عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الدعاء. أورد فيه عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، فقوله: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، فيه دعاء وثناء، دعاء في قوله: (اللهم اغفر لي)، وثناء في قوله: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)، فهو جمع بين الثناء والدعاء، وهنا أورده من أجل اشتماله على الدعاء وهو (اللهم اغفر لي)، فإن هذا هو المقصود به نوع آخر من الدعاء، يعني: كون (اللهم اغفر لي)، موجودة فيه وهو دعاء، وأتى به هناك في الركوع، نوع آخر من الذكر؛ لأن اعتبار أوله وهو (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)؛ لأن هذا ثناء وذكر لله عز وجل، فهو هناك عبر له بالذكر، وعبر له هنا بالدعاء، وهو مشتمل على ذكر ودعاء، ذكر في أوله، ودعاء في آخره، وقولها: (يتأول القرآن)، تعني: أنه يمتثل القرآن، ويطبق ما أمر به في القرآن، وذلك في قول الله سبحانه وتعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ )[النصر:1-3]، فكان يقول في ركوعه )وسجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، يعني: ينفذ ما أمر به في القرآن؛ لأنه أمر بالتسبيح، وأمر بالاستغفار، فكان يقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك)، وهذا فيه امتثال لقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، ويقول: (اللهم اغفر لي)، وهذا امتثال لقوله: (وَاسْتَغْفِرْهُ)، فمعنى: (يتأول القرآن)، يعني: يمتثل القرآن، ويطبق ما جاء في القرآن.
والتأويل يأتي ويراد به التفسير، وهذا هو الذي يستعمله ابن جرير بكثرة، يقول: تأويل قول الله عز وجل كذا، ويفسر القرآن، ويأتي بمعنى التنفيذ والتطبيق، وما يئول إليه الأمر من الحقيقة، وهذا منه، (يتأول القرآن)، يعني: يطبق ما أمر به في القرآن، ويمتثل ما أمر به في القرآن، وهذا هو معنى ما جاء في الحديث الآخر عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن)، يعني: معناه أنه يتخلق بأخلاق القرآن، الأخلاق التي جاءت في القرآن، ويتأدب بالآداب التي جاءت في القرآن، ويمتثل ما جاء في القرآن، وينتهي عما نهي عنه في القرآن، وهنا (يتأول القرآن)، يعني: ينفذ ويمتثل الشيء الذي أمر به في القرآن في قوله: )فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )[النصر:3].
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الدعاء في السجود
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما.
[عن سفيان].
وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، إمام مشهور، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
وهو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الضحى].
وهو مسلم بن صبيح الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
وهو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية المكثرة من رواية حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنها وعن أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين، وهي من السبعة المعروفين بكثرة الحديث، ستة رجال وامرأة واحدة، وتلك المرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
نوع آخر من الدعاء

شرح حديث عائشة في الدعاء في السجود من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر، وهي في الحقيقة ليس نوع آخر، وإنما هي نفس النوع الأول؛ لأن الحديث الذي قبله وهذا الحديث بلفظ واحد، وهي بإسناد واحد، إلا أن شيخ النسائي ومن فوقه، يختلف عن الإسناد الذي قبله، وإلا فإن بقية الإسناد واحد والمتن واحد، فليس نوعاً جديداً من أنواع الدعاء، بل هو نفس النوع الأول الذي قبله، ولهذا فالتعبير بالنوع بعده، يعني ليس بواضح، وإنما هما تحت موضوع واحد، وهما نوع واحد وليس نوعين، فذكر نوع آخر بينهما، يعني: بين حديثي عائشة، وهما بلفظ واحد ومؤداهما واحد، ليس بواضح، يعني ذكر العنوان وهو نوع آخر؛ لأنه نفس النوع الذي قبله؛ لأن اللفظ واحد، (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، فهو إما من النسائي، أو من دون النسائي، يعني ذكر هذه الترجمة التي هي: نوع آخر، وهو في الحقيقة ليس بنوع آخر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الدعاء في السجود من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].وهو المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن وكيع].
وهو ابن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:30 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(210)

- (تابع باب نوع آخر من الدعاء في السجود)
أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لذا يستحب أن يكثر المصلي من الدعاء، ويلح على الله عز وجل، تأسياً بالنبي عليه الصلاة والسلام.
تابع نوع آخر من الدعاء في السجود

‏ شرح حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء في السجود، وقال: نوع آخر.أخبرنا محمد بن قدامة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف قالت عائشة رضي الله عنها: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فجعلت ألتمسه، وظننت أنه أتى بعض جواريه، فوقعت يدي عليه وهو ساجد، وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].
فالتراجم هذه تتعلق بالدعاء في السجود، وقد مر بعض الأحاديث المشتملة على الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء في السجود، وقد عرفنا من قبل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن السجود يكثر فيه من الدعاء، وأن الركوع يعظم فيه الرب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم).
وقد وردت أدعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، وقد عقد النسائي عدة تراجم بهذه الأنواع من الأدعية، وقد مر بعضها وهو الدعاء الذي فيه: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً..)، إلى آخره، والدعاء الذي فيه -أيضاً- التعظيم لله عز وجل وهو حديث عائشة، أنه ( كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي )، وهو مشتمل على دعاء، وعلى ثناء على الله عز وجل، ثم بعد ذلك جملة من التراجم المشتملة على أنواع من الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود، ومن هذه الأنواع هذا الحديث، أو ما اشتمل عليه هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها: أنها سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء، وكان ذلك في مناسبة حصلت لها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندها، وكان في مضجعه، فتنبهت وإذا هو ليس في مضجعه، فظنت أنه ذهب إلى بعض جواريه، وهذا فيه بيان ما كانت عليه النساء من الغيرة على الأزواج، فبحثت عنه عليه الصلاة والسلام، فوجدته ساجداً، وهو يدعو في سجوده ويقول هذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، يعني أنه قام من مضجعه يصلي عليه الصلاة والسلام، وكان يدعو في سجوده بهذا الدعاء: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) وهذا من الجوامع، أن العبد يسأل الله عز وجل أن يغفر له سره وعلانيته، ما حصل له في السر، وما حصل له في العلانية، ومن المعلوم أن أحواله تنقسم إلى قسمين: سر وعلانية، فالمصلي عندما يدعو ربه بهذا الدعاء المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسأل الله عز وجل أن يغفر له ما أسره وما أعلنه، وهذا من جوامع الأدعية التي كان يدعو بها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في دعاء النبي في السجود: (اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت...)
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وهو محمد بن قدامة المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
وهو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن يساف].
ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قالت عائشة...].
وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها في آيات من سورة النور، وهي من أوعية السنة، وممن حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها روت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما الأحاديث المتعلقة بأحوال البيوت، والتي تجري بين الرجل وبين أهله، فإنها حفظت الشيء الكثير في ذلك وفي غيره، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين حفظوا السنن وتلقوها وأدوها إلى من بعدهم، فمن أخذ وعمل بتلك السنن التي جاءت عن طريق الصحابي، أو عن طريق الصحابية، كالذي جاء عن طريق عائشة رضي الله عنها وأرضاها من السنن، فإن أي عامل يعمل بتلك السنن، فإنه مأجور على عمله الذي جاء عن طريقه ذلك، والذي استفاد عن طريقه ذلك، يكون مأجوراً مثل أجور ذلك العامل، ولهذا فإن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم مأجورون على أعمالهم، ومأجورون على ما يعمله العاملون من السنن التي جاءت عن طريقهم، فإن الأحاديث التي يروونها هم الواسطة وهم السبب فيها، فكل من عمل بتلك السنة، فإنه يكون مأجوراً على عمله بها، ويكتب الله عز وجل لمن كان هو الدليل، ولمن كان واسطةً في ذلك، وهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل أجور العاملين، وكذلك يكتب لمن بعدهم والذين كانوا سبباً في حفظها، أي: حفظ السنن، مثل أجور من عمل بها؛ لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وكذلك: (من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله)، ومعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، هم الذين دلوا على هذا الخير، الذي تلقوه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا صاروا أفضل الناس، وصاروا خير الناس، ولهم مثل أجور من جاء بعدهم ممن أخذوا عنهم السنن، وممن عملوا بتلك السنن التي جاءت عن طريقهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولهذا فإن محبتهم علامة الإيمان، وبغضهم أو بغض أحد منهم علامة النفاق، وعلامة الخذلان، وليس هناك أعظم خذلاناً ممن يبتلى بأن يكون في قلبه غل على أصحاب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، والله عز وجل أخبر في سورة الحشر أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فهذه هي علامة الإيمان، وعلامة الهداية، والناس ثلاثة أصناف لا رابع لها، الناجون، والذين هم على الحق والهدى، هم هؤلاء الأصناف الثلاثة: المهاجرون، والأنصار، والذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار مستغفرين لهم، سائلين الله عز وجل ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وحقداً عليهم، ومن كان في قلبه حقد وغل على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن هذه هي العلامة الواضحة على أنه مخذول، وعلى أنه جنى على نفسه، وعلى أنه جر البلاء إلى نفسه؛ لأن هؤلاء الأخيار، وهؤلاء الصفوة المختارة، لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، وقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في حق الأنصار: (أن آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار)؛ وذلك لأنهم نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أظهر الله على أيديهم دينه، وكذلك المهاجرون مثلهم؛ لأنهم تركوا بلادهم، وجاءوا لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وللجهاد معه، فمن يحب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سعى إلى جلب الخير إلى نفسه، ومن كان في قلبه بغض لهم، أو لأحد منهم، فإنه جنى على نفسه، وجلب المصائب على نفسه، ونادى على نفسه بأنه مخذول ممن خذله الله.
فـعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ممن حفظ الله تعالى بها سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك غيرها من الصحابة، الذين حفظ الله تعالى بهم السنة، وكانوا هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمسلمون لا يربطهم بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا الصحابة، ولا يعرفون شيئاً جاء عن رسول الله، إلا عن طريق الصحابة، فإذا قطعت الصلة بالرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك بالقدح في الصحابة، وبالنيل من الصحابة، فإن هذا علامة الخذلان، وأن الإنسان لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً، ولا علاقة له بالرسول، ولا تربطه به أي علاقة؛ لأن فيه رد للشريعة، ورد للكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، وقد قال أبو زرعة الرازي رحمة الله عليه، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، ومن أئمة الجرح والتعديل، ومعروف بكلامه في ذلك، كان يقول كلمة رواها عنه الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بإسناده إليه، أنه قال: إذا رأيتم أحداً ينتقص أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق، ثم بين ذلك فقال: وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة، أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء -يعني يشير إلى الذين يقدحون فيهم- يجرحون شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، وذلك أن القدح في الناقل قدح في المنقول، القدح في الصحابة قدح للكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة ما جاء إلا عن طريق الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، ثم قال: والجرح بهم أولى وهم زنادقة، وإذا كان من خذله الله عز وجل لا يقدر الصحابة، ولا يعرف فضل الصحابة، بل يذمهم، ويعيبهم، ولا يقبل ما جاء عن طريقهم، فما هو الحق الذي في يده؟! إنه ليس في يده إلا الخذلان، وليس في يده إلا الحرمان، وليس في يده إلا الوقوع في حبائل الشيطان.
شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد ، حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظننت أنه أتى بعض جواريه، فطلبته، فإذا هو ساجد يقول: رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)].ثم ذكر الحديث من طريق آخر، وهو مثل الذي قبله إلا أنه بلفظ: (رب! اغفر لي ما أسررت وما أعلنت)، بدل: (اللهم اغفر لي) فهو رب، يعني: يا رب، و(اللهم)، يعني: يا ألله؛ لأن (اللهم) معناها يا ألله، يعني حذفت ياء النداء وعوض عنها ميم في الآخر، والروايتان جاءتا بلفظ واحد إلا في هذا اللفظ، ولا فرق بين اللفظين؛ لأن (اللهم) هي بمعنى يا رب، أو بمعنى رب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو العنزي الملقب بـالزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، إذ كانت وفاته قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقد ذكرت فيما مضى أن هناك شيخين للبخاري، هما مثل محمد بن المثنى في كونهم من صغار الشيوخ، وكونهم ماتوا في سنة واحدة، وهما: محمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة: محمد بن المثنى الذي معنا، ومحمد بن بشار بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة روى لهم أصحاب الكتب الستة مباشرةً وبدون واسطة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثنا محمد].
غير منسوب، والمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، إذا جاء محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى يرويان عن محمد غير منسوب، فالمراد به ابن جعفر الذي هو: غندر، وكذلك إذا جاء محمد يروي عن شعبة غير منسوب، فالمراد به محمد بن جعفر غندر، فمحمد هذا غير منسوب وهو ابن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وما بعد شعبة قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا منصور بن المعتمر، وهلال بن يساف، وعائشة.
نوع آخر من الدعاء


شرح حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن هو: ابن مهدي ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].
أورد النسائي نوعاً آخر من الدعاء في السجود، وهو عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: [(أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سجوده يقول: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].
فهذا دعاء من الأدعية الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في السجود، وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه، بهذا اللفظ وبألفاظ أخرى، وفيه ثناء على الله عز وجل وتعظيم له، وأن وجهه سجد له، ثم يثني على ربه الذي خلقه فأحسن خلقه، وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، فجعل في وجهه السمع والبصر، ويسمع بسمعه الأصوات، ويبصر ببصره المرئيات، وهي من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، فالعبد يثني على ربه، ويعظمه، ويذكر آلاءه عليه، ونعمه عليه، وأنه ما من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، ثم بعدما ذكر هذه الهيئة التي خلقه الله تعالى عليها، وهي أنه خلقه وصوره فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، قال: (فتبارك الله أحسن الخالقين)، والمراد بالخالق هنا بمعنى المقدر، الخالقين بمعنى: المقدرين؛ لأن الخالق يأتي بمعنى الموجد من العدم، وهذا لا يوصف به إلا الله عز وجل، فهو الذي يوجد الشيء من العدم، ويأتي بمعنى التقدير، وهذا يضاف إلى الله عز وجل، ويضاف إلى غيره، ولكن إنما يضاف إلى الله عز وجل من التقدير ما يناسبه ويليق بكماله وجلاله، وما يضاف إلى العباد يليق بنقصهم وافتقارهم؛ ولهذا جاء: (فتبارك الله أحسن الخالقين) والمراد بذلك: المقدرين؛ لأن الله تعالى يقدر، وغيره يقدر، ولكن تقدير الله عز وجل يليق بكماله وجلاله، وتقدير المخلوقين يليق بضعفهم وافتقارهم، وكل تقديره يناسبه، ولكن ليس أحد يقدر كتقدير الله، بل الله عز وجل يعلم الشيء كيف يكون، ثم يوجده على الوجه الذي كان عليه، وأما الناس فقد يقدر الإنسان، ولكنه لا يقدر على أن ينفذ الشيء الذي قدره، وعلى هذا فإن الخلق يفسر بمعنى الإيجاد من العدم، وهذا لا يضاف إلا إلى الله عز وجل، ويفسر بمعنى التقدير، وهذا هو الذي يضاف إلى الله عز وجل ويضاف إلى غيره، مع الفرق بين ما يضاف إلى الله عز وجل وما يضاف إلى المخلوقين.
وقوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) هو من هذا القبيل، الذي هو من قبيل التقدير، وأن الله تعالى يقدر وغيره يقدر، ولكن ليس تقدير غيره يشبه تقديره، بل تقديره وفعله هو الذي في غاية الكمال، وأما غيره فهو يليق بضعفه وافتقاره، وقد ذكر هذا ابن القيم رحمه الله، في كتابه شفاء العليل، بين أن هذا المعنى، أو أن هذه الآية الذي يناسب في تفسيرها، ما دام أنه ذكر فيها من هو خالق مع الله، أنه بمعنى التقدير، (تبارك الله أحسن الخالقين)، الله تعالى يخلق وغيره يخلق، بمعنى يقدر، لكن لا أحد يوجد من العدم، بل هو وحده الذي يوجد من العدم، ولهذا يأتي في كلام العرب ذكر الخلق مضافاً إلى العباد ويراد به التقدير، ومن ذلك قول الشاعر يمدح ممدوحه:
ولا أنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
يعني: أنت تقدر وترسم لنفسك خطة ثم تنفذ، يعني: تقول وتفعل، لست ممن يقول ثم لا يتمكن من الفعل، بل أنت ترسم الخطة وترسم الشيء الذي تريده، وتنفذ ما أردت وما قدرت، ولا أنت تفري ما خلقت، وأصل الفري هو أن الحذاء عندما يريد أن يعمل النعال، يكون عنده الجلد، فيعمل بالقلم، يعني رسمة لمقدار الرجل، يعني على هيئة الرجل في الجلد، ثم يأتي بالمقص ويقص على مكان التقدير، فإذا كان حاذقاً في القص، يأتي به بسرعة على نفس الرسم، وإذا كان ليس بحاذق، فإنه يميل شمالاً ويكون معروجاً ولا يكون مستقيماً، فهذا هو معنى قوله: ولا أنت تفري ما خلقت، يعني: تقدر ثم تشك طبقاً لتقديرك، وطبقاً لما رسمته لنفسك.
ومنه قول الحجاج في خطبته في العراق:
إنني لا أقول إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت
ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وأنفذ، معناه: لست من الناس الذين يتكلمون، ثم تخالف أفعالهم، أقوالهم، أقول القول ثم لا أنفذه، بل أنا أقول القول وأنفذه، وأنا لا أقول إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، يعني: ما أقدر إلا وفريت وفقاً لتقديري، فهذا هو معنى الخلق في هذه الآية الذي يناسبه ذكر الخالقين، وأما الخلق بمعنى الإيجاد من العدم، فهذا مما اختص به الله سبحانه وتعالى، ولهذا من الأسماء التي لا يصلح أن يسمى بها غير الله: الرحمن، والخالق، والصمد. هذه من الأسماء التي لا تضاف إلا إليه سبحانه وتعالى، ولا تطلق إلا عليه، ولا تطلق على غيره، يعني هذا الإطلاق، الصمد أو الخالق أو الرحمن، وإنما هذه من الأسماء التي يختص بها، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله في أول تفسيره لسورة الفاتحة، في تفسير القرآن العظيم عند تفسير سورة الفاتحة، وذكر الرحمن الرحيم، إما في البسملة وإما في الرحمن الرحيم، ذكر أن الرحمن من الأسماء التي لا تضاف إلا إلى الله عز وجل، بخلاف الرحيم، فإنه يطلق على غير الله، وقد جاء في القرآن وصف الرسول أنه رحيم، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )[التوبة:128]، فهذا وصف الله تعالى به رسوله عليه الصلاة والسلام بأنه رءوف رحيم، لكن (رحمن) ما تطلق إلا على الله، و(خالق) ما يطلق إلا على الله، و(الصمد) ما يطلق إلا على الله، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله كما قلت في أول تفسيره للقرآن الكريم عند تفسير سورة الفاتحة؛ ولهذا لما تطاول مسيلمة الكذاب وقال عن نفسه: إنه رحمان اليمامة، وأطلق عليه ذلك، ظفر بهذا اللقب الذي يلازم اسمه فصار يقال له: الكذاب، بحيث لا يذكر اسمه إلا ويقرن به كلمة: (الكذاب).
تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن رسول الله كان إذا سجد يقول: اللهم لك سجدت ولك أسلمت وبك آمنت...) قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من النقاد، وكثيراً ما يأتي ذكره عند تراجم الرجال يقال: قال فيه الفلاس كذا، ويقال: عمرو بن علي، وهو الفلاس، والنسائي كثيراً ما يذكره بهذا اللفظ عمرو بن علي.
[أخبرنا عبد الرحمن هو ابن مهدي].
وهو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة ثبت، ممن كلامه في الرجال كثير، وهو محدث، ناقد، وعمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن، ولم يقل: ابن مهدي، لكن من دون عمرو بن علي، أي: النسائي أو من دون النسائي، هو الذي قال: هو ابن مهدي، أراد أن يوضح من هو عبد الرحمن؛ لأن عمرو بن علي لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما يقول: عبد الرحمن بن مهدي رأساً، ينسبه كما يريد؛ لأن التلميذ ينسب شيخه كما يريد، لكن من دون التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن يضيف هذه الإضافة، حتى يعلم أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وعبد الرحمن بن مهدي حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].
وهو عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة].
وهو يعقوب، ولقبه الماجشون، واسمه يعقوب بن أبي سلمة، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الملقب بـالأعرج، ذكر باسمه ولقبه، وهو مشهور باللقب، ومشهور أيضاً بالاسم، يأتي ذكره عبد الرحمن بن هرمز، ويأتي ذكره الأعرج، ويجمع بين الاسم واللقب فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو: المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن أبي رافع].
أبوه هو أبو رافع مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبيد الله بن أبي رافع هذا ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو كاتب علي رضي الله عنه، كان كاتباً لـعلي رضي الله عنه، وهو هنا يروي عن علي، وكان كاتب علي، ومعناه الارتباط بينه وبينه حاصل وموجود، من جهة أنه ملازم له؛ لأنه كان كاتباً له.
[عن علي].
وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وصهره على ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، وهو أبو الحسنين: الحسن، والحسين رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، وهو رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله تعالى عن الجميع، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 12:33 AM
نوع آخر من الدعاء


حديث جابر: (أن النبي كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا يحيى بن عثمان ، أخبرنا أبو حيوة ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان يقول في سجوده: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].
أورد النسائي: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو قريب من لفظ حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه المتقدم.
قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان].
وهو يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[أخبرنا أبو حيوة].
وهو شريح بن يزيد الحمصي، وقد وثقه ابن حبان، وأخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا شعيب بن أبي حمزة].
وهو شعيب بن أبي حمزة الحمصي أيضاً، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن المنكدر].
وهو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد، وهو عبد الله بن حرام، وهو الذي جاء عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـجابر: (إن الله لم يكلم أحداً إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً)، وجابر بن عبد الله أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وجابر، وعائشة أم المؤمنين، وقد قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
نوع آخر من الدعاء

حديث محمد بن سلمة: (أن النبي كان إذا قام من الليل يصلي تطوعاً قال إذا سجد: اللهم لك سجدت...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا يحيى بن عثمان ، أخبرنا ابن حمير ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي تطوعاً قال إذا سجد: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، اللهم أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)].
أورد النسائي حديث محمد بن مسلمة، وهو مثل أو قريب من حديث علي وجابر المتقدمين.
قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان].
وهو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[أخبرنا ابن حمير].
وهو محمد بن حمير الحمصي، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا شعيب بن أبي حمزة].
وقد مر ذكره.
[عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله].
يعني شعيب بن أبي حمزة روى عن شخصين، لكن لم يصرح من هو دون شعيب بهذا الثاني، ومن المعلوم أن عدم التصريح به لا يؤثر على الإسناد؛ لأن الإسناد عن محمد بن المنكدر، ومحمد بن المنكدر ثقة فاضل، ما يتفرد به يعول عليه، فسواءً عرف أن أحداً شاركه أو لم يعرف، فالرجل ثقة، ويعول على ما يأتي من طريقه، ولم يسم ذلك الشخص الذي ذكره شعيب، لم يسمه من دون شعيب، وإنما اكتفى بذكر محمد بن المنكدر وقال: إنه ذكر، أي شعيب آخر قبله، يعني: قبله في الذكر.
[عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج].
وقد مر ذكره.
[عن محمد بن مسلمة]
ومحمد بن مسلمة هو الأنصاري، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويقال: هو أكبر من يسمى محمداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم.
والحديث سبق أن مر بنا في ذكر الركوع، وفيه الثناء في الركوع، وفيه ذكر محمد بن المنكدر، ورجل آخر قبله.
نوع آخر من الدعاء في السجود


شرح حديث عائشة: (أن النبي كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا سوار بن عبد الله بن سوار القاضي ومحمد بن بشار، عن عبد الوهاب، حدثنا خالد، عن أبي العالية، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته)].
أورد النسائي حديث آخر، يتعلق بدعاء من أدعية السجود، وهو قول عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن)، وسجود القرآن يحتمل أن يكون سجود تلاوة، أو يكون سجود صلاة الليل التي يقرأ فيها القرآن، وتطول فيها القراءة، ويمر المصلي بالسور التي فيها السجدة فيسجد، فيمكن أن يكون المراد بسجود القرآن سجود التلاوة، ويمكن أن يراد به غيره، ومن المعلوم أنه في سجود التلاوة يقال ما يقال في سجود الصلاة، وهذا اللفظ ثبت في الصلاة من طرق أخرى عن غير عائشة رضي الله تعالى عنها، فيصلح أن يؤتى به في سجود التلاوة، وأن يؤتى به في سجود الصلاة، أنه كان يقول: (سجد وجهي لله الذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته) يعني هذا الفعل الذي فعله الله عز وجل هو بحوله وقوته؛ لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فهو الذي أوجد الإنسان على هذه الهيئة، وهو الذي شاء ذلك وفعل، وهو سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أن النبي كان يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه...)
قوله: [أخبرنا سوار بن عبد الله بن سوار القاضي].وهو سوار بن عبد الله بن سوار القاضي البصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[ومحمد بن بشار].
ومحمد بن بشار -أيضاً- شيخ ثان له، وهو بندار الذي سبق الإشارة إليه قريباً مع محمد بن المثنى، وهو رفيق محمد بن المثنى، وزميله الذي شاركه في الشيوخ والتلاميذ، وشاركه في سنة الولادة وسنة الوفاة، وقد قال عنهما الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما ولدا في سنة واحدة، وماتا في سنة واحدة، وهما من أهل البصرة، واتفقا في الشيوخ، واتفقا في التلاميذ، فهما كفرسي رهان، ما كل واحد يسابق الثاني؛ لتباريهما وتقاربهما، فهما متماثلان في هذه الأمور، فأطلق عليهما أنهما كفرسي رهان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.
[عن عبد الوهاب].
وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد].
وهو خالد بن مهران البصري الحذاء، وهو مشتهر بلقب الحذاء، وقيل: السبب في ذلك أنه كان يجالس الحذائين فنسب إليهم، وهي من النسب التي إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن الذي يسبق إلى الذهن إذا قيل: الحذاء، أنه يصنع الأحذية أو يبيعها، فيقال: الحذاء، لكن كونه يقال له: الحذاء؛ فقط لكونه يجلس عند الحذائين، فهذا لا يسبق إلى الذهن، ولا يتبادر للذهن أنه ينسب حذاء بسبب جلوسه عند الحذائين، وإنما الذي يتبادر للذهن أنه يبيع الأحذية، أو يصنعها، إما يعملها ويصنعها، أو أنه يبيعها فيقال له: حذاء.
نوع آخر من الدعاء في السجود


شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عائشة قالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فوجدته وهو ساجد وصدور قدميه نحو القبلة، فسمعته يقول: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك).
أورد النسائي رحمه الله نوعاً آخر، وهو حديث عائشة رضي الله عنها: أنها فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبحثت عنه ووجدته ساجداً ناصباً قدميه، وصدور قدميه نحو القبلة، بمعنى أنه يجعل أصابعه متجهةً إلى القبلة، وهذا مثل ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي: أنه يستقبل بأصابعه القبلة، أصابع قدميه، بحيث ينصب القدمين وتكون الأصابع متجهةً إلى القبلة، فهو في حديث أبي حميد الساعدي، وفي حديث عائشة هذا؛ لأن كونها صدورها إلى القبلة، معناه: أن الأصابع متجهةً إلى القبلة، وقد نصبها، فلم يضعها وضعاً، ولم يعرضها على يمينها وشمالها، وإنما جعلها منصوبة، وصدورها إلى القبلة، أطراف الأصابع متجهةً إلى القبلة، (وكان يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، وهذا الحديث سبق أن مر بنا في مواضع من سنن النسائي، وذكرت أن من أحسن من تكلم عليه وشرحه ابن القيم في كتابه شفاء العليل، فإنه عقد له باباً خاصاً من أبواب شفاء العليل، تكلم فيه على هذا الحديث وما اشتمل عليه من الحكم والأسرار، وما اشتمل عليه من الإيمان بالقضاء والقدر، وما اشتمل عليه من صفات الله عز وجل، والاستعاذة بصفاته وبأفعاله، والباب الذي عقده ابن القيم له من كتابه شفاء العليل، هو الباب السادس والعشرون من أبواب شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل مشتمل على ثلاثين باباً تتعلق بالقضاء والقدر، والباب السادس والعشرون من هذا الكتاب هو شرح لهذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة ثبت، إمام مجتهد، محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أنبأنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد، وقد مر ذكره قريباً.
[عن يحيى بن سعيد].
هو الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم].
هو التيمي، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.
ويحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إبراهيم جاءا في إسناد أول حديث في صحيح البخاري، وهو حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، يعني: يرويه من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن شيخه محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي يروي عن علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص الليثي يروي عن عمر بن الخطاب.
محمد بن إبراهيم التيمي هنا يروي عن عائشة، وهو من أوساط التابعين؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري من صغارهم، ومحمد بن إبراهيم التيمي من أوساطهم.
ويحيى بن سعيد يطلق على أربعة أشخاص: اثنان في طبقة، واثنان في طبقة.
يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموي، هذان في طبقة واحدة، من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، يحيى بن سعيد القطان الذي يمر ذكره كثيراً في شيوخ شيوخ النسائي، ويحيى بن سعيد الأموي، أما الآخران فهما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد، ولعله التيمي أبو حيان، وهما في طبقة واحدة من طبقة صغار التابعين، والأربعة من رجال أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الدعاء في السجود

شرح حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي المقسمي، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، أخبرنا ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. فقالت: بأبي أنت وأمي إني لفي شأنٍ، وإنك لفي آخر)].
أورد النسائي حديث عائشة: وهو أنها فقدت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وظنته ذهب إلى بعض نسائه، فبحثت عنه فوجدته راكعاً أو ساجداً، ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فقالت: بأبي أنت وأمي إنك لفي شأن، وأنا في شأن آخر). قولها: (بأبي أنت وأمي) يعني: ليس قسم وليس حلف، وإنما هو تفدية، أي: أنت مفدي بأبي وأمي، هذا هو المقصود بهذا الكلام، قولها: (أنت في شأن وأنا في شأن آخر) يعني: هي تظن أنه ذهب إلى بعض نسائه، وهو في شأن آخر وهو الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قول النبي في سجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت...)
قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي المقسمي].ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا حجاج].
وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، مشهور بـابن جريج، وهو ثقة، فقيه يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن أبي مليكة].
وهو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وقد مر ذكرها.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:40 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(211)


- (تابع باب نوع آخر من الدعاء في السجود) إلى (باب الرخصة في ترك الذكر في السجود)
لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً من الدعاء في السجود، وفيها ما هو ثناء، وفيها ما هو دعاء، والغالب على السجود أن يكون فيه الدعاء، والغالب على الركوع أن يكون فيه التعظيم والثناء.
تابع نوع آخر من الدعاء في السجود

‏ شرح حديث عوف بن مالك في قول النبي في سجوده: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء في السجود، نوع آخر.أخبرني هارون بن عبد الله حدثنا الحسن بن سوار حدثنا الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس الكندي: أنه سمع عاصم بن حميد يقول: سمعت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (قمت مع النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ فاستاك وتوضأ، ثم قام فصلى، فبدأ فاستفتح من البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف يتعوذ، ثم ركع فمكث راكعاً بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران، ثم سورةً ثم سورةً فعل مثل ذلك)].
الترجمة المتقدمة قريباً، وكذلك في بعض التراجم اللاحقة تتعلق بالدعاء في السجود، وقد ذكر النسائي أنواعاً من الدعاء، وفيها ما هو ثناء، وفيها ما هو دعاء، وقد عرفنا فيما مضى: أن الغالب على السجود أن يكون فيه الدعاء، والغالب على الركوع أن يكون فيه التعظيم، وأنه أيضاً يكون في السجود التعظيم، ويكون في الركوع الدعاء، وعرفنا أن حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوع وسجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي)، يدل على الاثنين؛ لأن (سبحانك اللهم وبحمدك)، ثناء، و(اللهم اغفر لي)، دعاء، فهي تأتي في الركوع، وهي مشتملة على دعاء، وتأتي في السجود، وهي مشتملة على ثناء، إذاً الغالب على السجود أن يكون فيه دعاء، وأيضاً يثنى على الله عز وجل فيه، والغالب على الركوع أن يكون فيه ذكر وثناء، وأنه يجوز أن يدعى الله عز وجل فيه.
وقد أورد النسائي في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقام واستاك وتوضأ، ثم صلى فقرأ البقرة، فكان لا يمر بآية فيها رحمة إلا وقف يسأل، ولا يمر بآية فيها وعيد إلا وقف يتعوذ، ثم ركع فأطال الركوع، ويقول في ركوعه: [(سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة)]، وكذلك في سجوده كان يقول ذلك، ومحل الشاهد منه كان يقول في سجوده: [(سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة)]، فهو ثناء على الله عز وجل، وهو ذكر لله سبحانه وتعالى، وهو مما يدل على أن السجود يذكر الله عز وجل فيه، وإن كان الغالب فيه الدعاء، ثم قرأ آل عمران، ثم سورة، يعني أنه يقرأ في كل ركعة سورة، وهذا في صلاة الليل؛ لأنه كان يطيل القراءة، ويطيل الركوع، ويطيل السجود، ويطيل ما بعد الركوع، ويطيل ما بين السجدتين، فكان يطيل صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل، ويقرأ بالسور الطوال.
تراجم رجال إسناد حديث عوف بن مالك في قول النبي في سجوده: (سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة...)
قوله: [أخبرني هارون بن عبد الله].وكلمة أخبرني وأخبرنا، يأتي أحياناً ذكر أخبرني، وأحياناً ذكر أخبرنا، والغالب أن أخبرني تأتي إذا أخذ عن الشيخ وحده وليس معه أحد، وأما أخبرنا فإنه إذا أخذ ومعه غيره، وقد يأتي ذكر أخبرنا إذا كان أخذ وحده؛ لأن المفرد يحصل منه أن يأتي بصيغة الجمع وإن كان شخصاً واحداً مثل نحن ، لكن الغالب أنهم يفرقون بين ما إذا كان أخذ وحده، وإذا كان أخذ ومعه غيره، إذا كان أخذ وحده يقول: أخبرني، وإذا كان أخذ ومعه غيره يقول: أخبرنا.
وهارون بن عبد الله، هو الحمال البغدادي، لقبه الحمال، وهو بغدادي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحسن بن سوار].
صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن الليث بن سعد].
هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، ثقة، ثبت، إمام، مشهور، هو فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والحافظ ابن حجر له ترجمة خاصة بـالليث في مؤلف اسمه: الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية، وهي مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وذكر فيها جملة من أخباره، وكذلك اصطلاحاته، يعني أنه كان إذا روى عن مدلس لا يروي إلا ما أمن تدليسه فيه، وقال: إنه لا يعلم مسألة خالف فيها، وكان يعني خلافه في تلك المسألة وهي أكل الجراد الميت، قال: الجراد إذا كان ميتاً فإنه لا يؤكل، ومن المعلوم أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الكبد والطحال، والجراد والحوت)، الميتتان: الجراد والحوت، الميتة الجراد، ككونه حياً، لا فرق بين كونه حياً وكونه ميتاً في الحل، كله حلال، ما كان ميتاً وما كان حياً، إذا أدركه وهو ميت فهو حلال، قال: إن هذه مسألة خالف فيها الليث بن سعد، وهي التي في الخلاف فيها نظر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير الحمصي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمرو بن قيس الكندي].
ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن عاصم بن حميد].
صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .
[سمعت عوف بن مالك الأشجعي].
صحابي معروف، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الدعاء في السجود


شرح حديث حذيفة بن اليمان في قول النبي في سجوده: (سبحان ربي الأعلى...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فاستفتح بسورة البقرة، فقرأ بمائة آية لم يركع فمضى، قلت: يختمها في الركعتين فمضى، قلت: يختمها ثم يركع فمضى، حتى قرأ سورة النساء، ثم قرأ سورة آل عمران، ثم ركع نحواً من قيامه يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وأطال القيام، ثم سجد فأطال السجود، يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله عز وجل إلا ذكره)].
أورد النسائي نوعاً آخر من الذكر في السجود، وقد أورد فيه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، فهو صحابي ابن صحابي، وذكر فيه حذيفة: أنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقال: يقف عند المائة، ثم تجاوز المائة، ثم قال: إنه يختمها في ركعتين، معناه أنه يقسم السورة إلى ركعتين، ثم تجاوز ، ثم قال: يختمها في ركعة، فلما فرغ منها بدأ بسورة النساء، ثم بدأ بسورة آل عمران، يعني أنه قرأ ثلاث سور في ركعة واحدة، بدأ بالبقرة ثم بالنساء ثم بآل عمران، وهذا يدل على إطالته الصلاة في قيام الليل، وأنه يقرأ هذا المقدار الكبير في ركعة واحدة، الذي هو مقدار خمسة أجزاء وزيادة، يعني سدس القرآن وزيادة؛ لأنه يبقى بعد الزيادة على الخمسة الأجزاء يعني ربع جزء، وهذا يدل على إطالته القراءة في صلاة الليل، ثم أيضاً يدل على قراءة سورة قبل سورة، وذلك أن آل عمران مقدمة -كما هو موجود في المصحف- على النساء، ومع ذلك قرأ النساء قبل آل عمران، وبعض العلماء يقول: إن ترتيب السور بالاجتهاد، وبعضهم يقول: إنه بالنص، بعض العلماء يقول: إنه بالنص، معناه كون كل سورة بعد التي قبلها، هذا بالنص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجمهور العلماء يقولون: على أنه بالاجتهاد لا بالنص، قالوا: ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابة السور، فتجد هذه السورة قبل هذه السورة، وأما ترتيب الآيات، فبالاتفاق أنه بالنص، لا خلاف فيه، وأما ترتيب السور فهو بالاجتهاد في قول جمهور العلماء، وفي قول بعضهم: أنه بالنص، وهذا الحديث يدل على قراءة سورة قبل سورة، ويدل عليه الحديث الذي سبق أن مر بنا، وهو حديث الرجل الذي يختم بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، يؤم أصحابه، ثم يختم قراءته بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، فإنه إذا كان يختم قراءته بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، ومن المعلوم أنه ليس بعد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، في المصحف إلا سورتان، وهما سورة الفلق والناس، وباقي سور القرآن كلها قبل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]؛ لأن سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة، ليس بعد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، من سور القرآن إلا سورتان، وهذا لا يتأتى إلا إذا قرأ يعني سورة متقدمة بعد سورة متأخرة.
وكان لا يمر بآية فيها تخويف أو تعظيم إلا ذكره، يعني يعظم الله عز وجل، إذا كان شيئاً فيه تعظيم، وإذا كان فيه تخويف يتعوذ، ثم ركع فأطال الركوع، وكان يقول في ركوعه: (سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم)، ثلاث مرات، ثم رفع وأطال القيام، بعد الركوع، ثم سجد وأطال السجود، وكان يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى)، ثلاث مرات، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في السجود، والذكر في السجود، أو الدعاء في السجود؛ لأنه كان يقول: (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى)، ثلاث مرات.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان في قول النبي في سجوده: (سبحان ربي الأعلى...) قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعمش، ويأتي ذكره باللقب وذكره بالاسم، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث التي معرفتها لها أهمية، وذلك لكي لا يظن الشخص الواحد شخصين، لكي لا يظن التعدد فيما إذا جاء ذكره باسمه وذكره بلقبه، فإن من لا يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران، يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر، لكن من يعلم أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش لا يلتبس عليه الأمر، ويندفع عنه توهم هذا الخطأ.
وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن عبيدة].
هو سعد بن عبيدة الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المستورد].
هو المستورد بن الأحنف، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن صلة بن زفر العبسي].
ثقة، جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة بن اليمان].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وابن صاحبه، فهو صحابي ابن صحابي، ووالده استشهد يوم أحد، وحديثه -حديث حذيفة - عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الدعاء في السجود


شرح حديث: (كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.
أخبرنا بندار محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي قالا: عن شعبة عن قتادة عن مطرف عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)].
أورد النسائي نوعاً آخر من الذكر والدعاء في السجود، وأتى بحديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)، وهذا قد مر فيما يتعلق بالركوع، وأن هذا من الذكر الذي يؤتى به في الركوع، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعله في الركوع والسجود، ولهذا أورده هنا في أبواب السجود، وقد أورده من قبل في أبواب الركوع، [(سبوح قدوس رب الملائكة والروح)]، وكل هذا ثناء على الله عز وجل وتعظيم، وهو يدل على ما ذكرت من قبل أن السجود الغالب أنه يكون فيه الدعاء، وأنه يثنى فيه على الله عز وجل، وهذا من الثناء على الله عز وجل، والدليل على أن الركوع يعظم فيه الرب والسجود يكثر فيه من الدعاء، الحديث الذي سبق أن مر، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وهذا مما فيه الذكر في السجود، [(سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)]، والحديث سبق أن مر.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح)
قوله: [أخبرنا بندار محمد بن بشار]. ذكره بلقبه واسمه، وذكر اللقب أولاً، قال: حدثنا بندار وهو لقب محمد بن بشار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى بن سعيد القطان].
المحدث، الناقد، المعروف بالكلام في الجرح والتعديل، البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وابن أبي عدي].
ابن أبي عدي، يروي أيضاً معه، أي: مع يحيى بن سعيد القطان ابن أبي عدي، وهو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قالا: عن شعبة].
يعني: الاثنان يرويان عن شعبة، وهما: يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن إبراهيم بن أبي عدي، يرويان عن شعبة، وهو: ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها.
وذكر في نسخة بين قوسين [قالا: عن سعيد]، وسعيد هو: ابن أبي عروبة، ممن روى الحديث عن قتادة، لكن الذي ورد عند النسائي هو عن شعبة، وليس عن سعيد، وكذلك هو موجود في تحفة الأشراف، وتحفة الأشراف ذكر رواية يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي وقال: كلاهما عن شعبة، وشعبة وسعيد بن أبي عروبة يرويان عن قتادة، وقد روى هذا الحديث عن قتادة لكن عند غير النسائي، يعني ليس في هذا الإسناد ذكر سعيد، ولكن فيه ذكر شعبة، وهذا هو الذي موجود في تحفة الأشراف، وعلى هذا فيكون قوله: قالا، هذا زائد يعني ليس من الإسناد، الإسناد هو بدون قالا: حدثنا سعيد؛ لأنهم روايتهم أي: يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي إنما هي عن شعبة، وشعبة يروي عن قتادة، وعلى هذا فالإسناد يكون بدون ما بين القوسين، وهذا هو الموجود في تحفة الأشراف، وأما سعيد بن أبي عروبة فهو قد روى هذا الحديث عن قتادة، لكن ليس عند النسائي في هذا الإسناد.
[عن قتادة].
وهو ابن دعامة السدوسي البصري. وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف].
هو مطرف بن عبد الله بن الشخير البصري، وهو ثقة، عابد، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، هي المرأة الوحيدة من النساء الصحابيات التي حفظت الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة هي عائشة، وهؤلاء السبعة المكثرون من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، والسابع أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وفيهم يقول السيوطي في ألفيته:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وزوجة النبي المراد بها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد أنزل الله تعالى براءتها فيما رميت فيه من الإفك في آيات تتلى من سورة النور، وهذا من فضلها ومن مناقبها كونه نزل فيها قرآن، ومع هذا الفضل وهذه المنقبة العظيمة، كانت تهضم نفسها، وتتواضع لله عز وجل، وكانت تقول كما جاء في الصحيح: وكنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله تعالى بها، ورؤيا الأنبياء وحي، فهي تريد أن يأتيه وحي لكن يكون في المنام، لكن كونه ينزل فيها قرآن يتلى، كانت تستكثر هذا على نفسها وهذا من تواضعها، ولهذا قالت: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى، ولشأني في نفسي أهون، يعني: أنا ما أستحق أن ينزل في قرآن، وهذا هو كلام المتواضعين لله عز وجل، أهل الكمال، ومع ذلك يتواضعون لله عز وجل كما قال الله عنهم: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[المؤمنون:60]، فرضي الله عنها وأرضاها، هذا كلامها عن نفسها، وهذا من تواضعها لله عز وجل، وكما قلت: هي من أوعية السنة، وحفظت الشيء الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا سيما الأمور التي تتعلق في البيوت، والتي هي تحصل بين الرجل وأهله، فإنها حفظت الشيء الكثير في ذلك رضي الله عنها وأرضاها.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:42 PM
بيان مناقب الصحابة وفضلهم في إيصال هذا الدين
وسبق أن ذكرت: أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام معلوم باتفاق العلماء أنهم خير الناس، وأنهم أفضل الناس، وخير الأمم أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخير هذه الأمة هم أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذا الفضل الذي حصلوه أولاً كونهم تشرفوا بصحبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فرأوه بأبصارهم، وسمعوا كلامه بأسماعهم، فهذا شرف حصل لهم ما حصل لأحد سواهم، ما أكرم برؤية النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحياة إلا أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هم الذي رأوه، وهم الذين شاهدوه وعاينوه، وجاهدوا معه ونصروه، ثم أيضاً تلقوا الكتاب والسنة عنه، فصاروا الواسطة بينه وبين الناس، ولا صلة للناس بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الصحابة، وإذا لم يوصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام عن طريق الصحابة، فإنه لا صلة بالرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقاً، لا صلة لأحد بالرسول إلا عن طريق الصحابة؛ لأن الكتاب والسنة جاء عن طريق الصحابة، فإذا لم يؤخذ الحق والهدى منهم، فليس بأيدي من نفض أيديه منهم، ليس بيده حق، وإنما بيده الضياع، وبيده الخسارة، وبيده الخذلان، وليس له نصيب من الحق والهدى. ثم من فضلهم ومناقبهم: أن هذه السنن التي تلقوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحفظوها وأدوها إلى من بعدهم، كل من عمل بها من زمانهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا هذه السنن وحفظوها وأدوها، مثل أجور كل من عمل بها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)، وعلى العكس من ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين تلقوا هذه السنن وأحيوها، وحفظوها، وأدوها إلى الناس، لهم مثل أجور الناس إلى يوم القيامة، وهذا فضل وشرف لهم رضي الله عنهم، وعلى العكس من ذلك، الذين ابتدعوا بدع، وأحدثوا مذاهب منحرفة عن دين الحق والهدى، لأولئك الذين أحدثوها آثام إحداثهم، مثل أعمال الذين ضلوا وتبعوهم في الضلال، ولهذا جاء في الحديث: (ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم سلف أهل الهداية، وهم سلف أهل السنة والجماعة، وهم سلف الذين هم على الحق والهدى، وأما من انحرف عن طريق الصحابة، وحاد عن طريق الصحابة، فهذا ليس بيده إلا الخذلان، وليس بيده إلا الوقوع في حبائل الشيطان والعياذ بالله.



عدد التسبيح في السجود

شرح حديث أنس في عدد التسبيح في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عدد التسبيح في السجود.
أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن جبير سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (ما رأيت أحداً أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى -يعني عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات)].
أورد النسائي عدد تسبيح في الركوع والسجود، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى)، يريد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وعمر بن عبد العزيز هو خليفة راشد، وهو من خيار خلفاء بني أمية بعد معاوية بن أبي سفيان؛ لأن معاوية بن أبي سفيان أفضل من عمر بن عبد العزيز ومن غيره؛ لأنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكاتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام، فـمعاوية خير ملوك المسلمين، وهو أفضل ملوك المسلمين، هو أول ملوكهم وخير ملوكهم؛ لأنه صحابي، لأنه من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين حصل لهم شرف الصحبة، وعمر بن عبد العزيز خليفة راشد، لكنه لا يكون أفضل من معاوية؛ لأن معاوية صحابي وهو تابعي، والصحابة خير من التابعين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فهناك عبارة مشهورة عند كثير من الناس يقولون عن عمر: خامس الخلفاء الراشدين، وهذا ليس بمستقيم؛ لأن معاوية أفضل منه، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه خليفة راشد، وأنه ممن قام بالخلافة خير قيام، وسيرته مرضية، وأخباره حميدة، وثناء الناس عليه معروف ومشهور، وهو من أكثر الخلفاء ثناء وذكراً، إذا ذكر لا يذكر إلا بالخير رحمة الله عليه، وقد توفي وعمره أربعون سنة، رحمة الله عليه، وكان قبل أميراً على المدينة، ثم تولى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك سنتين، سنة تسع وتسعين، ومات في سنة مائة وواحد، ومدة خلافته سنتان رحمة الله عليه.
وقال أنس يعني يشير إلى عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحداً أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، قال الراوي: فحزرنا يعني ركوعه وسجوده عشر تسبيحات، في الركوع وفي السجود، حزرنا، يعني: قدرنا، كونه يقول: سبحان ربي الأعلى عشر مرات، أو سبحان ربي العظيم عشر مرات، والحديث الذي مر حديث حذيفة: (أنه كان يقول في الركوع: سبحان رب العظيم ثلاث مرات، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات)، وهنا يقول: إننا حزرنا صلاته، ولهذا يقول بعض الفقهاء: أن سبحان ربي الأعلى وسبحان ربي العظيم الحد الأدنى من حيث الذكر مرة واحدة، هذا هو الذي يحصل به الوجوب على القول: بأنه واجب، أو القول بالسنة على أنه سنة، وأدنى الكمال ثلاث، قالوا: وأعلاه في حق الإمام عشر، ولا يطيل أكثر من ذلك؛ لأنه يشق على المأمومين إذا طول في سجوده وفي ركوعه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في عدد التسبيح في السجود
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].هو القشيري النيسابوري، هو مثل مسلم قبيلة وبلدا؛ لأن مسلماً قشيري وهذا قشيري، ومسلم نيسابوري وهذا نيسابوري، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر عنهم الرواية، لأنه روى عن عدة مشايخ أكثر عنهم، وممن أكثر عنهم محمد بن رافع هذا، وهو من بلده ومن قبيلته، ولهذا إذا ذكروا البخاري ومسلم يقولون: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي مولاهم، ويقولون عن مسلم: مسلم بن الحجاج القشيري من أنفسهم، حتى يميز عن المولى، من أنفسهم يعني أنه ينتسب إليهم أصلاً ونسباً، ولا ينتسب إليهم ولاءً، فـالبخاري ينتسب إلى الجعفيين ولاءً، ومسلم ينتسب إلى القشيرين نسباً، ولهذا يقولون عند مسلم: القشيري من أنفسهم، ويقولون عن البخاري: الجعفي مولاهم.
ومحمد بن رافع، ثقة، عابد، خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه ، هذا مثل إسحاق بن راهويه، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
و محمد بن رافع هذا هو الذي روى عنه مسلم صحيفة همام بن منبه الطويلة، يعني الأحاديث التي انتقاها من صحيفة همام بن منبه هي من طريق، محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فالأحاديث التي ينتقيها من صحيفة همام بن منبه هي من طريق شيخه محمد بن رافع هذا.
[حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان].
صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا أبي].
وهو إبراهيم بن عمر بن كيسان، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي أيضاً.
[عن وهب بن مانوس].
وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه مشهور، وروى عنه أبو داود، والنسائي أيضاً.
[سمعت سعيد بن جبير].
ثقة، فقيه، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه خدمه عشر سنوات منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن توفاه الله، وأنس بن مالك يخدمه رضي الله عنه وأرضاه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين أشرت إليهم قريباً، وهذا الحديث الشيخ الألباني ذكر أنه ضعيف، ولعل السبب في ذلك هو وهب بن مانوس، وفي بعض كتاباته قال عنه: إنه حسن إن شاء الله.
الرخصة في ترك الذكر في السجود

شرح حديث رفاعة بن رافع في الرخصة في ترك الذكر في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ترك الذكر في السجود.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ أبو يحيى بمكة وهو بصري حدثنا أبي حدثنا همام حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك حدثه عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ونحن حوله، إذ دخل رجل فأتى القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل، فذهب فصلى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمق صلاته ولا يدري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل، فأعادها مرتين أو ثلاثاً، فقال الرجل: يا رسول الله ما عبت من صلاتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله عز وجل ويحمده ويمجده. قال همام: وسمعته يقول: ويحمد الله ويمجده ويكبره، قال: فكلاهما قد سمعته يقول، قال: ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائماً حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه، وقد سمعته يقول: جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته)].
أورد النسائي: باب الرخصة في ترك الذكر في السجود، لما ذكر الأبواب المتعلقة بالسجود والذكر فيه، وأنها متنوعة وكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بين أن ذلك ليس بلازم، وأنه إنما يكون سنة، وفي ذلك خلاف بين العلماء، منهم من قال: إن سبحان ربي الأعلى واجبة، يعني مرة واحدة، ومنهم من قال: إن كل الذكر في السجود هو سنة وليس بواجب، وقد أورد النسائي حديث رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله عنه، وذلك في قصة الرجل المسيء في صلاته، حيث جاء ودخل وأتى القبلة يعني لعله يريد بذلك مقدم المسجد، وأنه صلى والرسول صلى الله عليه وسلم يرمقه، فلما جاء وسلم عليه وعلى الحاضرين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رد عليه السلام، وقال: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)]، فكرر ذلك مرتين أو ثلاثاً، ثم إنه جاء وقال: [(ما الذي عبته علي في صلاتي؟)]، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام الكيفية التي يفعلها في الصلاة، وهي غالبها تتعلق بالأفعال، وفيها ذكر شيء من الأقوال، وهو الدخول في الصلاة، وذكر بقراءة ما تيسر من القرآن، والحديث سبق أن مر بنا، ولكنه أورده هنا من أجل أنه قال: أنه يسجد حتى تسترخي مفاصله، وما قال: إنه يقول في سجوده كذا وكذا، يعني سكت عنه، قالوا: فدل هذا على أنه ليس بواجب، وأنه ليس بلازم، وأن الإنسان إذا تركه لا يكون عليه شيء، وكما قلت: بعض العلماء قال: بوجوب سبحان ربي الأعلى في السجود، وسبحان ربي العظيم في الركوع، وبعضهم قال: إن ذلك مستحب، وأنه لو لم يحصل منه شيء من ذلك أصلاً، فإنه لا يلزمه شيء، وصلاته تامة وصحيحة.
والمقصود من إيراد هذا الحديث الطويل في قصة المسيء صلاته: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يسجد حتى يطمئن في سجوده، وتسترخي مفاصله، ولم يذكر أنه يقول في سجوده كذا، فهذا هو وجه الاستدلال بالحديث على الترجمة التي هي الرخصة في ترك الذكر في السجود، وقد سبق أيضاً أن مر أنه استدل بحديث المسيء في صلاته على ترك الذكر أو الرخصة في ترك الذكر في الركوع، والحديث واحد وليس فيه التعرض لذكر الدعاء، قالوا: فهو دال على أنه ليس بواجب، وأنه يرخص للإنسان أن يتركه.
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة بن رافع في الرخصة في ترك الذكر في السجود
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ]. أبو يحيى بمكة وهو بصري، يعني أخبر المكان الذي أخذ منه هذا الحديث، وأخبر أنه بصري؛ لأنه لو قال: بمكة قد يفهم أنه بمكة وإن كان قالوا عنه: أنه من مكة، ووصفوه بأنه مكي، لكن أصله بصري، قال: وهو بصري، وهو ثقة، أخرج له النسائي، وابن ماجه ، يروي عن أبيه عبد الله بن يزيد.
[عبد الله بن يزيد].
هو عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة، فاضل، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان أقرأ القرآن مدة طويلة تزيد على سبعين سنة.
[حدثنا همام].
وهو همام بن يحيى، وهو ثقة، ربما وهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].
ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو حفيد أبي طلحة، وعبد الله بن أبي طلحة هذا أخو أنس بن مالك لأمه، عبد الله بن أبي طلحة، وأبو طلحة هو زوج أم أنس بن مالك، وهذا يعني الذي هو يحيى عمه لأمه أنس بن مالك؛ لأنه أخو عبد الله بن أبي طلحة.
[أن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع].
الزرقي الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن أبيه].
هو يحيى بن خلاد بن رافع، وهو ثقة، وقد قيل: له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمه رفاعة بن رافع].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، كابن أخيه.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(212)

- باب أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل - باب فضل السجود
إن أشرف المواطن في الصلاة هي السجود؛ لأن العبد في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى؛ لذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإكثار فيه من الدعاء.
أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل

‏ شرح حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أقرب ما يكون العبد من الله عز وجل.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو يعني ابن الحارث عن عمارة بن غزية عن سمي: أنه سمع أبا صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)].
يقول النسائي: أقرب ما يكون العبد من ربه؛ أي: الحالة التي يكون عليها الإنسان أقرب ما يكون إلى ربه سبحانه وتعالى، والمراد من ذلك حالة السجود؛ لأنه في حال سجوده يكون خاضعاً لله عز وجل مخبتاً إليه، قد وضع أشرف شيء فيه -وهو وجهه- على التراب وعلى الأرض خضوعاً لله عز وجل، واستكانة إليه سبحانه وتعالى، وفي هذه الحالة شرع الإكثار من الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: (فإنه قمن أن يستجاب لكم)، فهو من مواطن الدعاء، ومن مواضع قبول الدعاء، والمواضع التي حري أن يجاب بها الدعاء، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [فأكثروا الدعاء]، يعني: فأكثروا الدعاء في هذا السجود؛ لأن هذه الحالة هي هيئة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى، أي: في حال السجود يكثر الإنسان فيها من الدعاء، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث، وأمر به في حديث آخر، وبين أن هذا من أسباب قبول الدعاء، حيث قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، فقوله: (فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: أنه حري أن يستجاب لكم، فهي من الأحوال التي يكون فيها قبول الدعاء، ولهذا شرع للإنسان أن يكثر من الدعاء في هذه الحال التي هي حالة خضوع وذل لله سبحانه وتعالى.
ومن المعلوم أن الإنسان تتفاوت أحواله في القرب من الله عز وجل، واتجاهه إليه سبحانه وتعالى، فإن الإنسان يكون في بعض الأحوال في حال غفلة وسهو ولهو، فلا يكون له ذلك الذي يربطه بالله عز وجل، ويجعله متعلقاً به سبحانه وتعالى، وفي بعض الحالات -مثل حالة السجود- يكون الإنسان مقبلاً على ربه، خاضعاً له في سجوده، يكثر من دعائه، ويبتهل إليه، ويعفر أشرف شيء فيه -وهو وجهه- بالأرض والتراب خضوعاً لله عز وجل واستكانة إليه، ولهذا شرع الإكثار من الدعاء.
ثم إن هذا القرب هو بالنسبة للعبد، ومن المعلوم أن هذا يختلف عن إضافة قرب الله عز وجل؛ لأن قرب الله صفة من صفاته، وصفاته مثل ذاته لا يعرف كنهها، وأما بالنسبة للإنسان فهو معلوم، يعني هيئته وصفته، وإذاً: فالمراد منها هو كون هذه الحالة -التي هي حالة سجوده- حالة إقبال على الله عز وجل وخضوع، وذل، واستكانة، وهي من مواطن قبول الدعاء، والإنسان يكثر من الدعاء فيها.
وبعض المتكلمين تكلم عند شرح هذا الحديث: بأن هذا فيه ذكر الجهة، وأن الجهة لا تضاف إلى الله عز وجل، وليس الكلام في الجهة عند هذا الحديث له وجه، ثم أيضاً الكلام في الجهة ليست من الألفاظ التي وردت في الكتاب والسنة، وهي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فالحق أن الجهة هل تضاف إلى الله عز وجل أو لا تضاف إلى الله عز وجل؟ فيها تفصيل، إذا أريد بالجهة الجهة الوجودية؛ أن يراد بها داخل المخلوقات، فالله عز وجل ليس في جهة بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى أعظم وأجل من أن يحويه شيء مخلوق، وأن يكون حواه شيء مخلوق، فالسموات والأرض وما فيهما هي كالخردلة في كف أحد منا كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: (السموات والأرضين وما فيهن كالخردلة بيد أحدنا هي في كف الرحمن كالخردلة في يد واحد منا)؛ معناه: أنها حقيرة أمام عظمة الله عز وجل، وأمام جلاله سبحانه وتعالى، فإذا أريد بالجهة أمر وجودي وهو داخل السموات، فالله تعالى لا يحويه شيء مخلوق، وإن أريد بالجهة ما وراء العالم وما وراء العرش، وما فوق العرش، فإن ذلك عدم، وليس شيئاً موجوداً، والله عز وجل موجود فوق العرش، وهو بجهة في هذا الاعتبار، لكن إطلاق الجهة لكونه يحتمل حقاً وباطلاً لا ينبغي إضافته إلى الله عز وجل، ولكن إذا فسر فإنه يثبت المعنى، وهو أن الله عز وجل فوق العرش، وأنه فوق عباده، وأنه فوق المخلوقات سبحانه وتعالى، وهو مستو على عرشه سبحانه وتعالى، فإطلاق الجهة عليه بهذا الاعتبار حق، وإطلاق الجهة باعتبار أن الجهة يراد بها الموجودات، وما هو داخل الموجودات، فإن هذا لا يجوز إطلاقه على الله عز وجل؛ لأن الله أكبر وأعظم من أن يحويه شيء مخلوق حقير أمام عظمة الباري سبحانه وتعالى.
إذاً: فالحديث فيه إضافة القرب إلى العبد، وأنه يكون قريباً من الله عز وجل، ومن المعلوم أن الإنسان معروف ذاته وصفاته، وأما الله عز وجل لا تعلم ذاته ولا صفاته، فالقرب الذي يضاف إليه يليق به، والقرب المضاف للمخلوقين -كما هو معلوم- معروف هيئاتهم وصفاتهم، وإذاً: فمعنى هذا أن هذا فيه قرب العبد من ربه في خضوعه، واستكانته، والاتجاه إليه والالتجاء إليه، وهو من مواطن قبول الدعاء، ولهذا قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: [(فأكثروا الدعاء)]، وأما القرب المضاف إلى الله عز وجل، فالله تعالى هو فوق عرشه، وهو قريب من عباده، والقرب يكون عاماً، ويكون خاصاً، فهو قريب من المخلوقات كلها؛ بمعنى أنه سبحانه وتعالى كما جاء في القرآن الكريم: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ )[المجادلة:7]، فهو عال في دنوه، وقريب في علوه، هو عال في دنوه إذا دنى ونزل النزول الذي يليق به، الذي لا يعرف كنهه، فهو عالٍ، ما يقال: إنه لا يكون عالياً في حالة دنوه، ولا يقال: إنه لا يكون قريباً في حالة علوه، فهو في حالة علوه قريب، وفي حالة دنوه عالٍ، ولهذا من العبارات المشهورة عن السلف: أنه عال في دنوه قريب في علوه، لا يقال: إنه إذا نزل إلى السماء الدنيا كما يليق به، تحويه المخلوقات، وأنه لا يكون عالياً، بل هو عال، والعلو وصف من أوصافه سبحانه وتعالى، وهو عال مطلقاً، لا يكون له خلاف ذلك الوصف، ولكنه كما جاء عن بعض السلف: عال في دنوه قريب في علوه، هذا هو القرب العام؛ الذي يعني (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ )[المجادلة:7]، وقرب خاص، وهو ما يكون لأوليائه سبحانه وتعالى، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )[الأعراف:56]، فهناك قرب عام وقرب خاص، والقرب كما يليق بالله عز وجل، وأما قرب المخلوق كما هو معلوم، فإنه يكون بخضوعه والتجائه إليه سبحانه وتعالى في تلك الحال التي يكون فيها مخبتاً مستكيناً إلى الله عز وجل، يعفر أشرف شيء فيه على الأرض؛ خضوعاً لله عز وجل واستكانةً له. هذا هو معنى الحديث، ولهذا جاء: [(فأكثروا الدعاء)]، والمراد من إكثار الدعاء أنه موطن من مواطن الإجابة كما جاء في الحديث الآخر: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، يعني: حري أن يستجاب لكم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد سبق أن ذكرت: أن ممن خرج لهم النسائي غير محمد بن سلمة هذا شخص آخر، ولكنه أعلى منه بطبقة، فهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهو محمد بن سلمة الباهلي، وأما محمد بن سلمة المرادي المصري فهذا من طبقة شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الباهلي، والذي معنا هو محمد بن سلمة المرادي .
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو يعني: ابن الحارث].
هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (يعني ابن الحارث)، المراد أن عبد الله بن وهب الذي هو الراوي عن عمرو بن الحارث ما زاد في ذكر شيخه على قوله: عمرو، قال: عن عمرو، والمراد به عمرو بن الحارث المصري، فمن دون عبد الله بن وهب وهو محمد بن سلمة أو النسائي أو من دون النسائي، أضافوا كلمة: ابن الحارث للتعريف والتمييز، وبيان أن هذا هو المقصود، وأتى بكلمة (يعني) -وأحياناً يؤتى بكلمة (هو)- التي تبين بأن هذا اللفظ ليس من التلميذ، بل هو ممن دون التلميذ، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها عبد الله بن وهب؛ لأن (يعني) فعل مضارع فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب، (يعني) قال من دون عبد الله بن وهب، لما ذكر عمرو بدون نسبة قال: (يعني)، أي: يعني ابن وهب ، فلها قائل ولها فاعل، قائلها من دون عبد الله بن وهب، وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبد الله بن وهب.
[عن عمارة بن غزية].
لا بأس به، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سمي].
هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمع أبا صالح].
هو ذكوان السمان، مشهور بكنيته أبي صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان أو الزيات، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على أشهر الأقوال في اسمه واسم أبيه، الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق عنه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لكثرة ملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكونه بقي في المدينة والناس يفدون فيها حتى توفي، وكان الناس عندما يفدون إلى المدينة ويصدرون عنها يلقونه ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، وأيضاً دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، وكانت هذه من الأسباب التي صار بها أبو هريرة أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وإن كان إسلامه إنما حصل في السنة السابعة من الهجرة، ولكن ملازمته للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له، وكذلك أيضاً سكناه في المدينة وبقاؤه بها، وهي المكان الذي يرد إليه الناس ويصدرون، فيلتقون به ويحدثونه بما عندهم ويحدثهم بما عنده، فكثر حديثه رضي الله عنه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:47 PM
فضل السجود

شرح حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل السجود.
أخبرنا هشام بن عمار عن هقل بن زياد الدمشقي حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: (كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي فضل السجود. والمقصود من ذلك: أنه يؤدي إلى الجنة، وأن ثوابه الجنة، والحديث الذي مر أيضاً يدل على فضل السجود؛ وهو قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، أيضاً هو دال على فضل السجود؛ لأنه موطن من مواطن الإجابة، وهو دال على فضله، وفضل هذه الهيئة التي يكون عليها الإنسان في إخباته إلى الله سبحانه وتعالى، والنسائي عقد الترجمة لهذا الحديث الذي أورده عن ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: [كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وحاجته].
قوله: [فقال: سلني، قال: أسألك مرافقتك في الجنة]، يعني أن يكون معه في الجنة، [قال: أو غير ذلك؟]؛ أو تريد شيئاً آخر غير هذا، [قال: هو ذاك]؛ يعني: هذا الذي أريد، يعني أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، [قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود]، يعني أرشده عليه الصلاة والسلام إلى سبب من الأسباب العظيمة التي توصل الإنسان إلى الجنة.
والمراد من ذلك كثرة الصلاة؛ لأن السجود وحده لا يفعل وحده، ولا يتقرب إلى الله عز وجل بالسجدة الواحدة، وإنما السجود المراد به الصلاة، ويطلق على مواضع الصلاة أنها مساجد؛ لأن الأرض يلامسها في حالات المصلي هذه الأعضاء السبعة: وهي الوجه، والأنف، والجبهة، واليدان، والركبتان، وأطراف القدمين، فأطلق على مواضع الصلاة مساجد، مع أن أحوال المصلي جلوس وقيام وركوع، ما قيل: لها مجالس، ولا مراكع، ولا مواقف، وإنما قيل لها: مساجد، أخذاً من السجود، ومن مواضع السجود، وذلك أن حالة السجود يكون فيها هذه الهيئة التي هي تعفير الوجه الذي هو أشرف شيء في الإنسان على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، ووضعه على الأرض خضوعاً لله سبحانه وتعالى، فالمراد بالسجود هنا الصلاة، وليس المقصود من ذلك أن الإنسان يسجد فقط ولا يصلي، وإنما يكون ساجداً يصلي، هذا هو المقصود بالسجود؛ كثرة السجود من كثرة الصلاة، الصلاة فيها قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، لكن أطلق على السجود؛ لأنها هي الهيئة التي فيها الخضوع لله عز وجل، وفيها قرب العبد من ربه، وهي من مواطن الإجابة، هذا هو المقصود بقوله: [أعني على نفسك بكثرة السجود].
ومعنى هذا: أن الإنسان ما يكون مهمته أن يكون سائلاً لغيره دون أن يعمل، بل الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى العمل الذي يؤدي إلى هذه الغاية، والذي يكون معه في الجنة، ويكون رفيقاً له في الجنة؛ أن يكثر من الصلاة، يأتي بالصلاة المفروضة على أكمل هيئة، ويأتي بالنوافل التي يتقرب إلى الله عز وجل بها، وذلك في الصلاة التي هي فيها تعفير الوجه الله عز وجل بالتراب، فتكون الصلاة والإقبال على الله عز وجل في الصلاة من أسباب دخول الجنة، وقد جاء في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإذا كان التقرب إلى الله تعالى بالصلاة التي هي شأنها عظيم، وصلة العبد بربه وثيقة بها دائماً وأبداً في الصلوات الخمس، وفي النوافل يكون على صلة بالله سبحانه وتعالى، هذا يدل على عظم شأن الصلاة، وأنها من أسباب الوصول إلى الجنة؛ لأن كثرة النوافل، والمحافظة عليها، والمداومة عليها من أسباب دخول الجنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى فعل يحصل منه ما يكون مهمته أن يكون سائلاً دون أن يكون فاعلاً، بل أرشده إلى العمل وإلى الفعل الذي يؤدي به إلى تلك الغاية، ويوصله إلى ذلك الثواب؛ الذي هو كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
قوله: (آتي بوضوئه)، المراد بالوضوء -بفتح الواو- هو الماء الذي يتوضأ به؛ لأنه بالفتح اسم للماء المستعمل، وأما الوضوء بالضم فهو اسم للفعل؛ فالهيئة التي بها فعل الوضوء يقال لها: وضوء، وأما الماء الذي يتوضأ به فيقال له: وضوء، يعني فهذا اللفظ واحد، ولكنه بفتح الواو يكون للشيء المستعمل، وبضمها للفعل، ولهذا ألفاظ كثيرة تشابه هذا اللفظ، مثل: سحور وسحور، السحور -بالفتح- الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسحور -بالضم- هي عملية الأكل؛ كون الإنسان يأكل، هذا يقال له: سحور، وأما السحور فهو الطعام، وكذلك السعوط -بفتح السين- الشيء الذي يستطعم، والسعوط بالضم هو الجذب، يعني كون الإنسان يجذب بأنفه ذلك الشيء الذي يستطعم، وكذلك الوجور والوجور، الوجور هو ما يوضع في الفم، والوجور هو وضع الشيء في الحلق، ومثله الطهور والطهور؛ لأن كلمة (الوضوء) هذا هو معناها، والمراد بها الماء، وسبق أن مر بنا حديث عثمان بن عفان أنه دعا بوضوء ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا)، يعني الأولى وضوء والثانية وضوء، (نحو وضوئه)، يعني: العمل الذي فعله، فهو بالفتح اسم للماء، وبالضم اسم للفعل الذي هو التوضؤ والتطهر.
قال ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه: [(كنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، قلت: مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)].
ربيعة بن كعب رضي الله تعالى عنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المسألة، وهذا يدل على حرص الصحابة على الخير، وتسابقهم إلى الخيرات، فهنا حرص ربيعة بن كعب، كما أنه ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا يخدمه، ويقرب له وضوءه، وحاجته، أراد أن يكون ملازماً له بالجنة، مثل ما كان ملازماً له في الدنيا، يريد أن يكون معه في الجنة؛ لأنه كان معه في الدنيا ملازماً له يقرب له حاجاته ووضوءه، وأراد أن تمتد هذه المرافقة، وأن تكون في الآخرة كما كانت في الدنيا؛ بأن يكون معه يخدمه ويقرب له وضوءه وحاجته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على الخير، وعلى تعلقهم بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وملازمته وخدمته، وفدائه بالنفس والنفيس، وأحب ما يكون عندهم أن يكونوا معه في الجنة كما كانوا معه في الدنيا.
والله عز وجل وعد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الحسنى، فقال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )[الحديد:10]، يعني: الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا من قبله وقاتلوا، الكل وعدهم الله الحسنى، فهم خير الناس، وهم أفضل الناس، وكانوا أحرص الناس على الخير، وأسبق الناس إلى كل خير، وهم القدوة في الخيرات بعد رسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم هم المقتدون به، والمؤتسون به، فالذي يسير على منوالهم ويسير على نهجهم سائر على درب الخير وعلى طريق الخير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ثم أيضاً يدلنا -كما ذكرت- على أن الإنسان لا يكون مهمته أن يعتمد على غيره، وأن يعول على غيره، وعلى دعاء غيره، وإنما مهمته أن يعمل، ومن المعلوم أن الشفاعة تكون بأمرين: الشافع والمشفوع، أو تكون عند توفر أمرين: الرضا عن المشفوع، والإذن للشافع أن يشفع، وإذاً فالإنسان عليه أن يعول على المبادرة إلى الخيرات وفعلها، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )[الشعراء:214]، دعا أقرباءه وقال: (يا فلان، يا فلان، لا أغني عنكم من الله شيء)، معناه: اعملوا، ما تقولون: نحن أقرباء الرسول صلى الله عليه وسلم يكفينا أننا أقرباءه، ولا نعمل، لا، اعملوا؛ لأنه جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، أي: من أخره عمله عن دخول الجنة ليس نسبه هو الذي يقربه إليها، وإنما الإنسان يحرص على الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
قال: [(فأعني على نفسك بكثرة السجود)]، يعني: بكثرة الصلاة، ولهذا يقال للصلاة: سجود، ويقال: لها ركوع، ويقال: لها قيام، يطلق عليها هذا وهذا، إطلاق الجزء من الشيء على كله، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ )[ق:40]، (وأدبار السجود)، يعني: أدبار الصلوات، فالسجود يطلق على الصلاة أنها سجود، [(أعني على نفسك بكثرة السجود)]، بكثرة الصلاة، وليس معنى ذلك أن الإنسان يروح يسجد وهو ما يركع ولا يقوم ولا يقرأ القرآن، المقصود أن يصلي، وإذا صلى الإنسان فهذا هو السجود، وإنما نص على السجود؛ لأنه الهيئة التي يكون الإنسان فيها في الصلاة، وهو أقرب ما يكون إلى الله عز وجل، وهو من مواطن الإجابة.
تراجم رجال إسناد حديث ربيعة بن كعب الأسلمي: (... فأعني على نفسك بكثرة السجود)
قوله: [أخبرنا هشام بن عمار].هشام بن عمار صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن هقل بن زياد].
هو هقل بن زياد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الدمشقي، وهو فقيه، محدث، فقيه مشهور، ومحدث الشام وفقيهها، هو في الشام مثل الليث بن سعد في مصر، مشهور بالفقه والحديث، وهذا مشهور بالفقه والحديث، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أبوه عمرو وكنيته أبو عمرو، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من أنواع علوم الحديث؛ وفائدتها ألا يظن التصحيف لما لو ذكر بالكنية ولم يذكر بالنسب، فإن من لا يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يظن أن فيه تصحيف، وأن (ابن) صحفت وجاء مكانها (أبو). لكن من يعرف الأمر لا يلتبس عليه الأمر فيكون الكل صواب، إن جاء أبو عمرو وإن جاء ابن عمرو، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وهو مدني، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني ربيعة بن كعب].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(213)- (باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة) إلى (باب التكبير عند الرفع من السجود)
ورد في السنة ما يدل على فضل السجود، وأنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، كما ورد بيان كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وبيان أن التكبير يكون في القيام والركوع والسجود إلا في الرفع من الركوع.
ثواب من سجد لله عز وجل سجدة
شرح حديث: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من سجد لله عز وجل سجدة.أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث أخبرنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي حدثنا الوليد بن هشام المعيطي حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: (لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: دلني على عمل ينفعني أو يدخلني الجنة، فسكت عني ملياً، ثم التفت إلي فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله عز وجل بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء رضي الله عنه فسألته عما سألت عنه ثوبان، فقال لي: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)].
أورد النسائي حديث ثوبان، وحديث أبي الدرداء الذي هو دال على فضل السجود، وأنه ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنها بها خطيئة، وهو دال على ما كان عليه التابعون من الحرص على معرفة طرق الخير، وأنهم يسألون الصحابة عن طرق الخير وتفاضلها؛ حتى يعملوا تلك الأعمال التي تقربهم إلى الله عز وجل، فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يحرصون على معرفة ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والتابعون يحرصون على معرفة ذلك عن طريق الصحابة، ولهذا جاء معدان بن أبي طلحة إلى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: [دلني على عمل ينفعني أو يدخلني الجنة؟] فسكت ملياً، ولعله كان يفكر، ويتذكر الشيء الذي يجيبه به عن هذا السؤال؛ لأن وجوه الخير كثيرة، وطرق الخير كثيرة، فهو لعله سكت ملياً، أي: زمناً يسيراً، يفكر ما يدله عليه، ثم إنه قال: [عليك بالسجود]، أي: الصلاة، [فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)]، ثم ذهب إلى أبي الدرداء وقال له مثل ما قال لـثوبان، وأجابه بما أجابه به ثوبان، وعلى هذا فالحديث جاء عن طريق صحابيين يرويه عنهما معدان بن أبي طلحة التابعي، وهما، أي: الحديثان، عن أبي الدرداء وثوبان يدلان على فضل الصلاة، وعلى فضل التقرب إلى الله عز وجل بالصلاة، وعلى فضل السجود الذي هو من أجزاء الصلاة.
أورد النسائي حديث ثوبان وحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)]، والمقصود من ذلك كما عرفنا الصلاة، وليس المقصود مجرد السجدة، وسبق أن مر بنا في أبواب النسائي أن الركعة يطلق عليها سجدة، ليس المقصود أن وضع الجبهة والأنف على الأرض هو المراد، بل المراد الركعة، والركعة يطلق عليها سجدة، والتقرب إلى الله عز وجل لا يكون بالركعة الواحدة، إلا في حال الوتر، الوتر يكون ركعة، لكن الإنسان لا يصلي بأقل من ركعة أو ركعتين، (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ما يصلي ركعة واحدة، يعني أقل ما يصلى ركعتين إلا في حال الوتر، وفي حالة صلاة الخوف، جاء صلاة الخوف ركعة، أما أن يتقرب إلى الله عز وجل بركعات تقل عن اثنتين، فهذا ما جاء في السنة إلا في حال الوتر فإنه يؤتى بركعة بعد الركعات التي يصليها الإنسان، وكذلك في الخوف جاء في بعض الأحاديث أن (صلاة الخوف ركعة)، وأيضاً فالمراد بالسجدة هنا الصلاة، وليس المراد بها كون الإنسان جالس يسجد، وإنما المقصود بذلك يصلي، وكما ذكرت لكم أنه يطلق على الصلاة أنها سجود، ويطلق على أنها ركوع، (ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ )[آل عمران:43]، (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ )[الحجر:98]، يعني: المصلين.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)
قوله: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث].أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وهو مثل إسحاق بن راهويه الذي يمر ذكره علينا كثيراً، وكذلك مثل محمد بن رافع أيضاً؛ لأن هؤلاء الثلاثة من شيوخ النسائي، يروي عنهم النسائي ويأتي ذكرهم، وكلهم أخرج لهم أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[أخبرنا الوليد بن مسلم].
الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس، والتسوية، والتدليس عرفنا فيما مضى أنه: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع، وأما التسوية فهو أسوأ أنواع التدليس، وذلك أنه: يأتي الإسناد فيكون فيه ضعيف بين ثقتين فيحذف الضعيف، ويكون الحديث متصل ثقة عن ثقة، وهذا هو أعظم أنواع التدليس؛ لأنه ليس الأمر يتعلق به، بل أساء إلى غيره ممن هو فوقه، حيث حذف شيخه، وجعل الإسناد مسوىً بثقات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، الذي هو الوليد بن مسلم الدمشقي.
[حدثني الأوزاعي].
أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الوليد بن هشام المعيطي حدثني معدان بن أبي طلحة].
ثقة أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ثوبان].
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، الصحابيان ثوبان، وربيعة بن كعب، كل منهما حديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[وأبو الدرداء].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره.
موضع السجود


شرح حديث: (إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع السجود.أخبرنا محمد بن سليمان لوين بالمصيصة عن حماد بن زيد عن معمر والنعمان بن راشد عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال: كنت جالساً إلى أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما، فحدث أحدهما حديث الشفاعة والآخر منصت، قال: فتأتي الملائكة فتشفع وتشفع الرسل، وذكر الصراط، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأكون أول من يجيز، فإذا فرغ الله عز وجل من القضاء بين خلقه، وأخرج من النار من يريد أن يخرج، أمر الله الملائكة والرسل أن تشفع، فيعرفون بعلاماتهم، إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود، فيصب عليهم من ماء الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)].
أورد النسائي: موضع السجود من الإنسان؛ لأن الحديث الذي أورده يتعلق بموضع السجود في جسم الإنسان ومن الإنسان، وأن النار لا تأكل مواضع السجود، وهو دال على فضل أو على عظم شأن الصلاة، وعلى المواضع التي لامست الأرض سجوداً لله عز وجل، وخضوعاً لله سبحانه وتعالى، هذا هو المقصود من الترجمة، وهي مواضع السجود، أي من جسم الإنسان، وليست مواضع السجود في الأرض، وإنما مواضعها من جسم الإنسان، وأنها لا تأكلها النار، والمراد من ذلك العصاة الذين يدخلون النار، ويؤاخذون، ويحاسبون، أو يعاقبون على ما اقترفوه من معاصي، فإن النار لا تأكل مواضع السجود، ومن عفا الله عنه وتجاوز وأدخله الجنة من أول وهلة، هذا لا يصل النار، ومن دخل النار وهو من الموحدين، لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهل النار، والذين لا يخرجون منها أبد الآباد، والحديث دال على عظم شأن هذه الأعضاء التي تباشر الأرض في السجود لله سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلا موضع السجود)
قوله: [أخبرنا محمد بن سليمان].هو: محمد بن سليمان لوين، ولوين لقب بالمصيصة، المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر والنعمان بن راشد].
هو معمر بن راشد الأسدي البصري نزيل، اليمن، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والنعمان بن راشد وهو صدوق، سيئ الحفظ، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ومن المعلوم أن الرواية، رواية حماد بن زيد يروي عن اثنين، يروي عن معمر بن راشد الذي خرج له أصحاب الكتب الستة، ويروي عن النعمان بن راشد هذا الذي هو صدوق سيئ الحفظ، ما وصف به من سوء الحفظ لا يؤثر؛ لأنه ليس مستقلاً بالرواية، بل معه من هو أرفع منه الذي هو معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق بن همام الذي يروي عبد الرزاق من طريقه صحيفة همام بن منبه، وهي في الصحيحين، وفي غيرهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، وإمام، مشهور، وتابعي من صغار التابعين، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يزيد].
هو عطاء بن يزيد الليثي، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة وأبي سعيد].
أبو هريرة مر ذكره، وأبو سعيد هو سعد بن مالك بن سنان الخدري، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أن الصحابيين اللذين في هذا الإسناد هما من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:51 PM
مشروعية أن تكون سجدة أطول من سجدة
شرح حديث شداد بن الهاد: (... فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدةأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام حدثنا يزيد بن هارون حدثنا جرير بن حازم حدثنا محمد بن أبي يعقوب البصري حامل عن عبد الله بن شداد عن أبيه رضي الله عنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)].
أورد النسائي: هل تكون سجدة أطول من سجدة؟ ومن المعلوم أن السجود أو أن السجدات ليس هناك ما يدل على أن هذه السجدة تطول، أو أن هذه تقصر، مثل ما يفعل بعض الناس، تكون آخر سجدة من الصلاة يطولها، وليس هناك أساس يعتمد عليه بتطويل بعض السجدات، وهذه السجدة التي سجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك لأمر عارض، ولم تميز تلك السجدة بتطويلها، يعني: لأن سجدة من سجدات الصلاة تميز على غيرها، وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم سجد وأحد أولاده الحسن، أو الحسين أولاد ابنته فاطمة (ارتحله)، أي: ركب على ظهره، فالرسول صلى الله عليه وسلم استمر يعني: حتى ينزل، بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضهم، أو الصحابة كلهم لاحظوا هذا الشيء، وفيهم هذا الرجل الذي هو راوي الحديث وهو شداد بن الهاد رفع رأسه، ينظر ماذا حصل؟ وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم ساجد وعلى ظهره الغلام، فرجع إلى مكان سجوده، أي: رجع على حالته، والصحابة سألوه بعد ذلك قالوا: إن سجدة من السجدات طولت فيها، قوله: [(ولكن ابني ارتحلني فأردت ألا أعجله)]، وهذا دال على شفقته عليه الصلاة والسلام ورحمته بالصغار، وعلى أن هذا التطويل هو من جنس ما جاء في بعض الأحاديث التي سبقت أن مرت والرسول صلى الله عليه وسلم يدخل في الصلاة يريد التطويل فيسمع بكاء الصبي، فيقصر في صلاته شفقة على أمه، أي: تقصير عارض، وهذا تطويل عارض، هذا تطويل للسجدة عارض، وذاك تقصير عارض، فلا يعني أن سجدة تطول على غيرها، وتميز على غيرها، أو بعض السجدات تطول على غيرها، وإنما السجدات تكون متقاربة، ومعلوم أن الركعات الأولى تكون أطول من الركعات الأخيرة.
تراجم رجال إسناد حديث شداد بن الهاد: (... فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها ...)
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام]. أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جرير بن حازم].
ثقة له أوهام فيما حدث به من حفظه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن أبي يعقوب البصري].
هو محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حامل عن عبد الله بن شداد].
هو عبد الله بن شداد بن الهاد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه شداد بن الهاد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند النسائي وحده.
على كل، هو إن وجد في كتب الألقاب أنه يلقب (بحامل) فجعل هذا لقب له فالأمر واضح، وإلا فإنه ما يبعد أن تكون تصحيف أي فيه نظر؛ لأنه وهو حامل وراءها، في السطر الذي وراءها، وهو حامل يعني: في قصة الغلام جاء وهو حامل، يعني قد يكون يعني مثلاً عند الطباعة يعني: حصل فيها تصحيف أن تقال: نظر كما يقولون، انتقال ذهن وانتقال نظر، لكن إن وجد بأن هذا الشخص يلقب بحامل، الأمر واضح، وإلا فإن المسألة كما قلت فيها: انتقال نظر؛ لأنه قد يكون عند الطباعة وإلا كذا تأتي كلمة من الكلام الذي وراءها، وفي الحديث نفسه: [(وهو حامل حسناً أو حسيناً)]، وهو حامل يعني بالسطر الذي بعدها مباشرة.
أنا ما رأيت لا في تحفة الأشراف ولا في غيرها ذكر كلمة حامل، ولا في ترجمته أنه يقال له: حامل، أو أنه يلقب بحامل، إن لم يوجد شيء من هذا، أي: أنه يطلق لقب عليه، فما يبعد أن يكون انتقال نظر.
التكبير عند الرفع من السجود


شرح حديث ابن مسعود: (رأيت رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التكبير عند الرفع من السجود. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الفضل بن دكين ويحيى بن آدم، قالا: حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه وعلقمة عن عبد الله قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه، وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده، قال: ورأيت أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما يفعلان ذلك)].
باب: التكبير عند الرفع من السجود، أي: أنه عند الرفع من السجود يكبر المصلي، وقد سبق أن مر أن التكبير عند الركوع يكبر، وعند السجود يكبر، والانتقالات كلها يكبر عندها إلا عند القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده، ولا يقال: الله أكبر، وعند الخروج من الصلاة يقال: السلام عليكم ورحمة الله، ما يقال: الله أكبر، وإلا فجميع أحوال الصلاة عند الانتقال قياماً أو قعوداً رفعاً أو خفضاً، كل ذلك يقال: الله أكبر، وإذاً فقوله: [(يكبر عند كل خفض ورفع)]، ما عدا الرفع من الركوع، فإنه مستثنى ويقال فيه: سمع الله لمن حمده، ولا يقال فيه: الله أكبر، وإنما هذا إشارة إلى غالب أفعال الصلاة؛ لأنها كلها كذلك عند الخفض والرفع.
ولهذا استدل بعض العلماء على أن السجود تلاوة في الصلاة إذا كان الإنسان في صلاة ثم سجد، فإنه يكبر عند السجود وعند الرفع من السجود؛ لأنه داخل تحت كل خفض ورفع، يكبر تكبيراً عند كل خفض ورفع، هذا خفض ورفع في الصلاة، فيكبر عنده، وقد أورد النسائي في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع.
وقيامٍ وقعودٍ، ويسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك).
قوله: [(حتى يرى بياض خده)].
معناه: أنه يلتفت يعني حتى يرى بياض خده، وكان أبو بكر، وعمر يفعلان ذلك، يعني يفعلان مثل هذا الذي رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (رأيت رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[أخبرنا الفضل بن دكين].
وهو أبو نعيم الفضل بن دكين، وهو حد شيوخ البخاري، من كبار شيوخ البخاري، النسائي ما أدركه يروي عنه بواسطة، وأما البخاري فإنه يروي عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من كبار شيوخه الذين لقيهم في أواخر حياتهم، وهو في أول حياته، وكانت وفاته سنة مائتين وثمانية عشر، والنسائي قيل: إنه ولد مائتين وخمسة عشر، معناه عمر النسائي لما مات الفضل بن دكين ثلاث سنوات، وهو يروي عنه بواسطة، وأما البخاري فإنه يروي عنه مباشرة، وهو من كبار شيوخه، الذي هو البخاري؛ لأنه أدرك ما لم يدركه النسائي.
وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي سبق أن ذكرت أنه يقال عنه: إن فيه تشيعاً، ولكن كان يقول كلمة وهي: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان وهذا يدل على أن التشيع الذي فيه لا يؤثر.
[و يحيى بن آدم].
يحيى بن آدم، وهو ثقة، حافظ، فاضل أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج المطبوع لـيحيى بن آدم هذا.
[حدثنا زهير].
هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهنا يروي عن أبي إسحاق، وقيل: إنه روايته عن أبي إسحاق بآخره، معناه أنه بعد التغير، وعلى هذا يكون في روايته عنه شيء، لكن كما هو معلوم الذي جاء في حديث ابن مسعود من كونه يكبر عند كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن شماله، هذا جاء في الأحاديث الكثيرة، وهذه هيئة الصلاة المعروفة عنها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو الأسود بن يزيد بن قيس، وهو تابعي، مخضرم، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وعلقمة].
هو ابن قيس النخعي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

اعتكاف النساء في المسجد وتعلق ذلك بالفتنة أو المضرة
السؤال: هل المرأة تعتكف في المساجد؟ الجواب: نعم لها أن تعتكف في المساجد إذا أمنت الفتنة، ولم يترتب على ذلك مضرة، ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم كن يعتكفن في المسجد كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
علاقة طلب الدعاء من الغير بالسؤال المذموم من الناس
السؤال: بعض الناس اعتاد أن يقول: لا تنساني بصالح الدعاء ونحو ذلك، هل ثبت شيء؟ الجواب: جاء في حديث عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه لما أراد أن يعتمر قال له الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، لكن الحديث فيه كلام، ولكن كما ذكرت الإنسان يحرص على أن يكون سائلاً، وأن يكون متوجهاً إلى الله عز وجل ملتجئاً إليه، ويسأل الله عز وجل مباشرة، ولا يعول على أن يسأل الناس الدعاء، بل هو يدعو الله عز وجل، والله تعالى قريب ممن دعاه، ويتجه إليه سبحانه وتعالى، وما نقول: إن ذلك غير سائغ، يمكن الإنسان يسأل من غيره الدعاء، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعول على أن يكون سائلاً، وأن يكون غافلاً عن أن يكون داعياً، بل يكون داعياً.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:53 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(214)- (باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى) إلى (باب كيف الجلوس بين السجدتين)
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى، كما ثبت عنه ترك ذلك ، مما يدل على جواز الأمرين.
رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
شرح حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من السجود فعل مثل ذلك كله)].
يقول النسائي رحمه الله: باب رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى. ومقصوده من هذه الترجمة أنه عند الرفع من السجدة الأولى من السجدتين يرفع يديه عندما يكبر، وقد أورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: [أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حين يدخل في الصلاة، وحين يركع، وحين يرفع، وعند الرفع من السجود، في ذلك كله رفع اليدين]، فمحل الشاهد منه قوله: [عند الرفع من السجود]، أي: أنه يرفع يديه، وهذا إنما يحصل في بعض الأحيان؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ترك ذلك كما سيأتي.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الرفع من السجدة الأولى
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي، كنيته أبو موسى، ولقبه الزمن، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ إذ توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، قبل البخاري بأربع سنوات، وهو من صغار شيوخ البخاري الذين أدركهم من بعد البخاري، وأما كبار شيوخ البخاري فهؤلاء لم يدركهم بعض أصحاب الكتب الستة، ومنهم من مر بنا بالأمس الفضل بن دكين أبو نعيم، فإنه من كبار شيوخ البخاري الذين روى عنهم، ولم يرو عنهم مثل النسائي؛ لأن النسائي لم يدرك من حياة أبي نعيم إلا ثلاث سنوات؛ لأن أبا نعيم توفي وعمر النسائي ثلاث سنوات، وأما البخاري فقد أدركه في حال صغره وعمره قريب من العشرين، وروى عنه، وأما محمد بن المثنى فهو من صغار شيوخه الذين عاشوا في حياة البخاري زمناً طويلاً، ولم يكن بينه وبين البخاري في الوفاة إلا أربع سنوات، وسبق أن ذكرت أن محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وكذلك يعقوب بن إبراهيم الدورقي ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهم جميعاً شيوخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معاذ بن هشام].
هو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو صدوق، ربما وهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبي].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم].
هو نصر بن عاصم الليثي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن مالك بن الحويرث].
هو مالك بن الحويرث الليثي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ترك ذلك بين السجدتين
شرح حديث عبد الله بن عمر: (كان النبي إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ... ولا يرفع بين السجدتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك ذلك بين السجدتين.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع، وبعد الركوع، ولا يرفع بين السجدتين)].
هنا أورد النسائي: ترك ذلك بين السجدتين؛ أي: رفع اليدين، والذي ورد في الحديث الذي قبله، وهو أنه كان يرفع، ورد في هذا الحديث أنه ما كان يرفع، ومعنى هذا أنه كان يرفع في بعض الأحيان ويترك، يفعل ويترك، ولم يكن مداوماً عليه، وإنما كان يحصل منه الفعل، ويحصل منه الترك، يحصل منه الفعل كما في حديث مالك بن الحويرث، ويحصل منه الترك كما حصل في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر الذي فيه أنه كان لا يفعل ذلك بين السجدتين، وهو الرفع، وهذا هو محل الشاهد من الحديث للترجمة، وهي ترك رفع اليدين بين السجدتين.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر: (كان النبي إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ... ولا يرفع بين السجدتين)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد بن راهويه المروزي الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، محدث، فقيه، ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا القليل من المحدثين مثل: البخاري، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: شعبة، وغيرهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن سفيان].
هو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو غير منسوب، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري فإنه يحمل على ابن عيينة، ولا يحمل على الثوري؛ لأن سفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وإن كان الزهري أقدم منه، وهو متقدم عليه، وكان الثوري توفي قبل وفاة الزهري بأكثر من ثلاثين سنة، إلا أن سفيان بن عيينة هو الذي كان يروي عن الزهري، وهو معروف بالرواية عنه، وأما الثوري فإنه لا يعرف بالرواية عنه مباشرة، بل ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أنه إنما يروي عنه بواسطة، وعلى هذا فإذا جاء سفيان غير منسوب، وهو يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، ولا يحمل على سفيان الثوري.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، وإمام مشهور، وهو من صغار التابعين، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بأن يجمع السنة ويدونها، وكانت قبل ذلك يجمعها العلماء من الصحابة ومن بعدهم يكتبون لأنفسهم، لكن كونها تكتب بتبني من الدولة، وبتكليف من الخليفة، هذا حصل في زمن عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وكان الزهري هو الذي أسند إليه ذلك، ولهذا يقول السيوطي في الألفية:
أول جامع للحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أنه قام بجمعه بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو محدث، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في زمن التابعين على أحد الأقوال في الثالث؛ لأن الفقهاء السبعة ستة اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة؛ وهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر هذا الذي معنا في الإسناد، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن أبيه].
أبوه هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي ابن الصحابي، صحابي جليل، وهو من صغار الصحابة، وقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مجاهداً مع المجاهدين في سبيل الله عز وجل وذلك يوم أحد فاستصغر، ولم يأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذن له بعد ذلك، أي: أنه من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في -الصحابة إذا قيل: العبادلة الأربعة- وهم: عبد الله بن عمر هذا، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام؛ وهم أبو هريرة، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فهؤلاء قد عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم: عبد الله بن عمر، وهم الذين يقول فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:55 PM
الدعاء بين السجدتين

شرح حديث: (... وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بين السجدتين. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة سمعه يحدث عن رجل من عبس، عن حذيفة رضي الله عنهما: (أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام إلى جنبه، فقال: الله أكبر ذو الملكوت، والجبروت، والكبرياء، والعظمة، ثم قرأ بالبقرة، ثم ركع، فكان ركوعه نحواً من قيامه، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، وقال حين رفع رأسه: لربي الحمد، لربي الحمد، وكان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: الدعاء بين السجدتين، وأورد فيه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره فيما مضى، وفيه ذكر جملة من ذكره ودعائه في صلاته صلى الله عليه وسلم، وقد ختم الحديث بمحل الشاهد من الترجمة، وهو أنه يقول بين السجدتين: [(رب اغفر لي، رب اغفر لي)]، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا، وقد سبق ورد الحديث فيما مضى، ولكنه أورده هنا من أجل اشتماله على ما ترجم له، وهو الدعاء بين السجدتين، وكون المصلي يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي.
تراجم رجال إسناد حديث: (وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي رب اغفر لي)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى] هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة الكوفي ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حمزة].
هو طلحة بن يزيد الأيلي، وقد وثقه النسائي، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن رجل من بني عبس].
سبق أن مر الحديث فيما مضى، وذكرت أن الأظهر فيه أنه صلة بن زفر العبسي، وذلك أن صلة بن زفر عبسي، وقد جاء الحديث عن حذيفة عند ابن ماجه ، وفي طرقه أو في بعض طرقه ذكر صلة بن زفر يروي عن حذيفة بن اليمان، فيكون هو هذا المبهم، أي: كونه صلة بن زفر؛ من جهة أن هذا الذي هو صلة عبسي، ومن جهة أن الحديث جاء في سنن ابن ماجه في بعض طرقه: صلة يرويه عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، والحديث سبق أن مر، ولعله برقم ألف وثمانية وستين، وصلة بن زفر ثقة، جليل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة بن اليمان].
صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه

حديث ابن عباس في رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.أخبرنا موسى بن عبد الله بن موسى البصري حدثنا النضر بن كثير أبو سهل الأزدي (صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس بمنى في مسجد الخيف، فكان إذا سجد السجدة الأولى فرفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرت أنا ذلك، فقلت لـوهيب بن خالد: إن هذا يصنع شيئاً لم أر أحداً يصنعه، فقال له وهيب: تصنع شيئاً لم نر أحداً يصنعه، فقال عبد الله بن طاوس: رأيت أبي يصنعه. وقال أبي: رأيت ابن عباس رضي الله عنهما يصنعه، وقال عبد الله بن عباس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: رفع اليدين تلقاء الوجه بين السجدتين، وأورد فيه حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإضافته ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعله.
قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الله بن موسى البصري].
موسى بن عبد الله بن موسى البصري مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا النضر بن كثير أبو سهل الأزدي].
قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ضعيف، عابد، وفي ترجمته في تهذيب التهذيب لم يذكر توثيقه عن أحد، ولهذا اكتفى الحافظ بالتقريب بأن قال: ضعيف، ووصفه بأنه عابد مع ضعفه، ومن المعلوم أنه تكون العبادة مع الضعف؛ لأن الضعف يرجع إلى الحفظ، ويرجع إلى أمور أخرى، وأما العبادة قد لا تكون من الشخص الضعيف، ولا تنافي، بين هذا وهذا، فيكون ضعيفاً يعني في روايته، وفي حفظه، وفي تحمله، ويكون عابداً، مكثراً من العبادة لله عز وجل، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي.
[عبد الله بن طاوس].
ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة،
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم قريباً.
والشيخ الألباني صحح الحديث، ولعل ذلك لكونه جاء من طرق أخرى، وإلا فإن النضر بن كثير لم يوثقه أحد، بل كل الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب مما كان عند المزي، وما كان أضافه على المزي، كلهم ضعفوه، وتكلموا فيه بالضعف، ولم يوثقه أحد، وإنما الذي أشار إليه الفلاس، أشار إلى عبادته فقط، قال: حدثنا النضر بن كثير وكان يعد من الأبدال، يقصد بذلك أنه عابد، ولهذا الحافظ ابن حجر جمع بين اللفظين فقال: ضعيف، عابد.
كيف الجلوس بين السجدتين

شرح حديث: (كان رسول الله إذا سجد خوى بيديه ... وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الجلوس بين السجدتين. أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم حدثني يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه من ورائه، وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة: كيف الجلوس بين السجدتين، والمراد من ذلك أنه يجلس مفترشاً رجله اليسرى كما جاء في هذا الحديث، [وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى]، ومعناه: أنه يجلس على رجله اليسرى، لا يتورك كما يحصل في التشهد الأخير، وإنما يفترش، وأورد النسائي فيه حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها وأرضاها أم المؤمنين: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد خوى بيديه حتى يرى وضح إبطيه)]، ومعنى (خوى): أنه يرفع بطنه عن الأرض، ويجافي عضديه عن جنبيه حتى يكون ما بينهما خاوياً؛ أي: خالياً؛ حتى يكون هناك خلو وفراغ بين الجنبين والعضدين، وبين البطن والأرض، وذلك بأن يسجد على أعضائه التي هي الركبتان، واليدان، وأطراف القدمين، ولا يعتمد بيديه على فخذيه أو على جنبه، وإنما يضعهما على الأرض، ويجافي عضديه عن جنبيه، فيكون الاعتماد على أعضاء السجود، ولا يكون السجود كهيئة الكسلان الذي تسجد أعضاؤه بعضها على بعض، فتكون يديه على فخذيه وعلى جنبه، وبطنه على فخذيه والأرض، وفخذيه على ساقيه، فيكون راكباً بعضه فوق بعض، لم يكن معتمداً على أعضاء سجوده، [(وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)].
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا سجد خوى بيديه ... وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى)
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم].لقبه دحيم، جمع فيه بين الاسم والنسب واللقب، وكلمة دحيم مأخوذة من عبد الرحمن، وأحياناً تؤخذ الألقاب من الأسماء، وكثيراً ما تكون الألقاب مأخوذة من الأسماء، ويأتي ذكر ألقاب لا علاقة لها بالأسماء، لكن هذا مما كان اللقب مأخوذاً من الاسم، يعني دحيم مأخوذ من عبد الرحمن، ومثل عبدان مأخوذة من عبد الله بن عثمان المروزي لقبه عبدان، وهو من شيوخ البخاري، ويأتي ذكره كثيراً باللقب عبدان، وهكذا تأتي الألقاب أحياناً مأخوذة من الأسماء، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقي ثقة، حافظ، متقن، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا مروان بن معاوية].
هو مروان بن معاوية الفزاري، وهو ثقة، حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، أي: أنه يذكر شيوخه عندما يروي عنهم بغير ما يشتهرون به، فيكون في ذلك تعمية وتوعير للطريق التي توصل إلى معرفة الشخص، وقد يبحث عن الترجمة بهذا الاسم الذي دلس فيقال: إنه لم يعثر له على ترجمة، مع أنه معروف، ولكنه ذكر بغير ما اشتهر به، ومروان بن معاوية الفزاري كان يدلس أسماء الشيوخ.
والتدليس ينقسم إلى تدليس إسناد، وتدليس شيوخ؛ وتدليس الإسناد أن يروي الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، وأما تدليس الشيوخ فهو أن يذكر شيوخه أو بعض شيوخه بغير ما اشتهر به، فيعمي ذلك على الناس عندما يبحثون في أسماء الشيوخ لا يجدون، كأن يذكر كنيته مع نسبته إلى جده، أو يذكر كنيته مع نسبته إلى بلده، ويذكره بغير ما اشتهر به، فإن هذا هو تدليس الشيوخ، ومروان بن معاوية هذا معروف بهذا، وقد سبق أن مر بنا في المصطلح أنه كان يدلس في روايته محمد بن سعيد المصلوب، وكان يذكره بصيغ مختلفة، وذكرت أن منهم الخطيب البغدادي، وكان يفعل ذلك في ذكر شيوخه، يأتي بهم على صيغ مختلفة منها ما يشتهرون به، ومنها ما لا يشتهرون به، وحديث مروان بن معاوية الفزاري خرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم].
مقبول، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني يزيد بن الأصم].
يقال: له رؤية ولا يثبت، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
قالوا: هو ابن أخت ميمونة، أي: فيه صلة بينه وبين ميمونة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

[عن ميمونة].
أم المؤمنين هي بنت الحارث الهلالية، حديثها عند أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-14-2026, 11:58 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(215)

- باب قدر الجلوس بين السجدتين - باب التكبير للسجود
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسوي بين فترة ركوعه وسجوده وقيامه من الركوع وجلوسه بين السجدتين، كما أنه كان يكبر في كل خفض ورفع إلا في موضع واحد، وهو عند رفعه من الركوع؛ فإنه كان يقول: سمع الله لمن حمده.
قدر الجلوس بين السجدتين
شرح حديث: (كانت صلاة رسول الله ركوعه وسجوده ... وبين السجدتين قريباً من السواء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قدر الجلوس بين السجدتين. أخبرنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة حدثنا يحيى عن شعبة حدثني الحكم عن ابن أبي ليلى عن البراء أنه قال: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوعه، وسجوده، وقيامه بعد ما يرفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريباً من السواء)].
وهنا أورد النسائي قدر الجلوس بين السجدتين، وأنه يماثل الركوع، ويماثل السجود، ويماثل القيام بعد الركوع، أي: أن الذي يختلف في الطول هو القيام في القراءة التي هي قبل الركوع، وكذلك في التشهد، فهذا الذي يتميز، وأما الباقي فإنه على السواء، الركوع والسجود والرفع بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين قريب من السواء، فهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا؛ لبيان أن الجلوس بين السجدتين يماثل الركوع والسجود، ويماثل ما بعد الركوع، وفيه دليل على الاطمئنان بين السجدتين، كذلك الاطمئنان بعد الركوع، وأنه يطمئن قاعداً بين السجدتين، ويعتدل قائماً بعد الركوع، وهذه الأفعال الأربعة من أفعال الصلاة؛ التي هي الركوع والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين متقاربة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كانت صلاة رسول الله ركوعه وسجوده .... وبين السجدتين قريباً من السواء)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة].وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
وهو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وقد مر ذكره قريباً.
[حدثني الحكم].
هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي ليلى].
وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
قيل له: سني -الذي هو عبيد الله بن سعيد- لأنه أظهر السنة في بلده سرخس.
التكبير للسجود

شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع ووضع ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير للسجود.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود وعلقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع ووضع وقيام وقعود، وأبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم)].
يقول النسائي: باب التكبير للسجود، المقصود من الترجمة أن اللفظ الذي يقوله عند السجود هو اللفظ الذي يقوله عند كل خفض، ورفع ما عدا القيام من الركوع، فإنه يقال: سمع الله لمن حمده، وقد أورد فيه النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل رفع ووضع، وقيام وقعود).
وكان أبو بكر، وعمر، وعثمان يفعلون هذا الفعل الذي يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو التكبير عند كل رفع ووضع، وقيام وقعود.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يكبر في كل رفع ووضع ..)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو الأحوص].
وهو سلام بن سليم الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
ثقة، وهو كوفي أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ثقة، مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وعلقمة بن قيس النخعي].
ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد علماء الصحابة وفقهائهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأن العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وعبد الله بن مسعود متقدم عليهم، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وأما العبادلة الأربعة الذين هم من صغار الصحابة فقد تأخرت وفاتهم، وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يدركوا عصر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وبعض العلماء عد عبد الله بن مسعود منهم، ولكن الصحيح خلافه، وأن الأربعة متقاربون في السن، وهم من صغار الصحابة.
شرح حديث: (كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يكبر... ثم يكبر حين يهوي ساجداً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا حجين وهو ابن المثنى حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو فيه التفصيل في التكبيرات عند الرفع، والخفض، والقيام، والقعود؛ لأن حديث عبد الله بن مسعود كان مجملاً، وهذا فيه التفصيل، كان يكبر عند الركوع، وعند السجود، وعند القيام من السجود، في المواضع المختلفة، وكل التنقلات في الصلاة، والانتقال من هيئة إلى هيئة الذكر عندها هو التكبير، إلا عند القيام من الركوع فيقال: سمع الله لمن حمده، وما عدا ذلك فإنه يكبر عند كل خفض، ورفع، وقيام، وركوع.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يكبر ... ثم يكبر حين يهوي ساجداً)
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].هو محمد بن رافع القشيري النيسابوري، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا حجين].
وحجين هو ابن المثنى، وحجين بن المثنى ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه مثل محمد بن رافع، وكلمة (وهو ابن المثنى) هذه زادها أو أتى بها من دون محمد بن رافع، وهو النسائي أو من دون النسائي كما عرفنا ذلك من قبل.
[حدثنا الليث].
وهو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، فقيه مصر، ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عقيل].
هو عقيل بن خالد بن عقيل، وهو بالتصغير، وجده بفتح العين، وكسر القاف، وهذا يسمونه المؤتلف والمختلف، أي: تتفق الحروف ولكن يختلف الشكل؛ لأن عقيل وعقيل رسمها واحد، إلا أن الابن ينطق بضم العين وفتح القاف، والجد ينطق بفتح العين وكسر القاف، فالرسم واحد، والشكل واحد، والفرق بينهما إنما هو بالشكل، هذا هو الفرق بينهما عقيل بن خالد بن عقيل، يعني: رسم وصورة اسمه تختلف عن صورة ورسم جده الذي هو عقيل.
وهو مدني، ثم شامي، ثم مصري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وقد مر ذكره قريباً.
[أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام].
وهو ثقة، فقيه، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في الثالث منهم الذين مر ذكرهم قريباً، فإن أحد الأقوال في السابع منهم أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:00 AM
الأسئلة
مسح العينين بالإبهام عند سماع اسم رسول الله في الأذان
السؤال: بعض الإخوة إذا سمع اسم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأذان مسح عينيه بإبهاميه، فهل ورد حديث في هذا؟ الجواب: أبداً، ما ثبت في هذا شيء، كونه عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الأذان يمسح عينيه بأصابعه ليس لهذا دليل ولا نعلم شيئاً يدل على هذا، إلى أن يثبت في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام شيء.
زيارة النبي عليه الصلاة والسلام يومياً
السؤال: هل يجوز الذهاب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام يومياً والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأني رأيت من يفعل هذا يومياً.
الجواب: لا يجوز ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن الإنسان يصلي ويسلم عليه في أي مكان، والملائكة تبلغه السلام كما جاء في الحديث: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، وجاء عن علي بن الحسين زين العابدين رحمة الله عليه أنه رأى رجلاً يأتي إلى فرجة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقف عندها، فقال له: ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، ثم قال: ما أنت والذي في المشرق إلا سواء، إن الكل يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة الملائكة، وعلى هذا فتكرار الترداد على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم داخل تحت هذا النهي الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (ولا تتخذوا قبري عيداً)، وأتى بعده بقوله: (وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، معناه: أنه يحصل المقصود من يكون قريباً، وممن يكون بعيداً؛ لأن الكل يبلغ بواسطة الملائكة.
مدى صحة ثبوت عبادة مخصوصة برجب عن النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: هل ورد شيء أو ثبت شيء في هذا الشهر يعمل، مثل الرجبية؟ الجواب: لم يثبت شيء يخص شهر رجب، إلا أنه من الأشهر الحرم، مثل: ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، هذه الأربعة الأشهر الحرم، واحد فرد وثلاثة سرد، واحد فرد الذي هو رجب وحده، وليس بجواره شيء من الشهور الحرم، وثلاثة متتالية، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فلم يثبت في شهر رجب إلا أنه شهر حرام، وأما أنه يخص بعبادة، أو يعمل فيه عمل يخصه فإنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حكم تكرير السلام على النبي لمن يعمل جانب القبر
السؤال: هل تكرير السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يومياً لمن يعمل بالقرب من القبر كرجال الهيئة منهي عنه؟الجواب: من المعلوم أن الإنسان عندما يمر عند قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقف يسلم سلام الزيارة، ولكنه إذا رأى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يصلي ويسلم عليه، مثل إذا سمع اسمه فإنه يصلي ويسلم عليه، فكذلك إذا رأى قبره، أو مر عند قبره فيصلي ويسلم عليه، وأما تكرار سلام الزيارة؛ بأن يقف ويسلم سلام الزيارة فإن هذا داخل تحت قوله: (ولا تتخذوا قبري عيداً)، والإنسان قد يفعل هذا وإن كان عمله، إلا أن هذا يجعله يتعود هذا الأمر الذي لا يسوغ له أن يفعله، والذي هو داخل تحت قوله: (ولا تتخذوا قبري عيداً).
سبب تدليس الرواة
السؤال: لماذا يدلس بعض الرواة؟ هل يقصدون من ذلك المشقة على الناس في البحث، أم أنهم يدلسون لعلة أخرى؟ الجواب: التدليس كما هو معلوم تعمية، وبعض الناس قد يفعل ذلك لهذا، وقد يفعله لأمور أخر تبعثه على ذلك، ليس الأمر مقصوراً على التعمية، وتوعير الطريق، بل له أسباب، بأن يكون الشخص المروي عنه صغيراً، فهو لا يريد أنه يذكره بلفظه، وباسمه فيدلس، فهذا من الأسباب؛ لأن هناك بواعث تبعث على التدليس.
فائدة التدليس ومدى قبوله
السؤال: ما هي الفائدة من التدليس؟ وهل يقبل حديث المدلسين؟ الجواب: التدليس -كما هو معلوم- ما فيه فائدة، بل فيه مضرة، وذلك أنه يحتاج إلى عناء، ويحتاج إلى بحث، ويحتاج إلى تفتيش؛ هل صرح بالسماع أو لم يصرح بالسماع؟ فيترتب عليه مضرة، والطريقة في تدليس المدلسين المعروفين بالتدليس فيما يتعلق بتدليس الإسناد هو: أنه إذا كان الحديث في الصحيحين فإنه يحمل على الاتصال، وذلك لأنهم شرطوا الاتصال، والتزموا الصحة، وأما إذا كان في غير الصحيحين فإنه يحتاج إلى أن يوجد التصريح بالسماع في موضع آخر، أو يوجد ما يشهد له، وما يكون فيه متابعة له.
الأدلة على تحريم الذهب المحلق وصحة القول به
السؤال: ما هي الأحاديث الواردة في تحريم الذهب المحلق؟ وما صحة هذا القول؟ الجواب: وردت أحاديث في تحريم الذهب المحلق، والشيخ الألباني ذكرها في كتابه آداب الزفاف، ولكن جاء في مقابلها أحاديث تدل على إباحة الذهب المحلق، وغير المحلق، جاءت أحاديث عامة تبيح الذهب مطلقاً، وأحاديث خاصة تدل على حل الذهب المحلق، فبعض العلماء أخذ بأحاديث المنع، وهو الذي اعتنى به الشيخ الألباني رحمه الله، وغيره، والعلماء قديماً وحديثاً يرون إباحة ذلك للنساء مطلقاً، المحلق وغير المحلق، ويستدلون على ذلك بعموم حل الذهب للنساء، وبخصوص الأحاديث التي جاءت في المحلق خاصة، وهو أن النساء تستعمل المحلق، ومن ذلك حديث المسكتين الذي قال: (تؤدين زكاة هذا؟)، وحديث النساء حينما ألقين من خواتمهن وأقراطهن في خطبة العيد لما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إليهن ومعه بلال، وابن عباس، فوعظهن وقال: (تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم)، فجعلن يلقين من أقراطهن، وخواتيمهن، تفسخ المرأة خاتمها من إصبعها وترميه في ثوب بلال، تتصدق به مبادرة إلى الصدقة، وحرصاً على العمل الذي يخلص من النار، والصدقة هي من أسباب الوقاية من النار؛ لهذا الحديث ولقوله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، والصحيح هو القول بالحل مطلقاً، ويحمل ما جاء من الأحاديث بالتحليق على أنها شاذة، أو مرجوحة.
حكم تارك الصلاة
السؤال: ما هو حكم تارك الصلاة؟الجواب: تارك الصلاة إذا كان تركه جحوداً فإنه كافر بإجماع المسلمين، بل إذا جحد ما هو دون الصلاة، فإنه يكون كافراً بذلك، وأما إذا كان تركها تهاوناً وكسلاً فهذا فيه للعلماء قولان مشهوران: أحدهما: القول بأنه كفر مخرج من الملة، والقول الثاني: بأنه كفر دون كفر.
والأحاديث واضحة الدلالة على أنه كفر مخرج من الملة، أي: لا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، ولا يصلى عليه، وهذا هو القول الأصح من القولين، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها الحديث الذي: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، والحديث الذي في الأئمة الذي فيه: (وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، وتبغضونهم ويبغضونكم، قالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما صلوا، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة). فدل هذا على أن ترك الصلاة كفر.
اشتراط الاعتضاد في الحديث الذي في سنده راوٍ له أوهام
السؤال: الحديث الذي في أحد رجال إسناده يقال له: ثقة له أوهام، هل يحتاج إلى معتضد أو لا؟ الجواب: مثل هذا الذي هو ثقة له أوهام، تكون أوهامه محصورة، فإنهم يعدون أوهامه ويعدون أغلاطه، فهذا يمكن أن يرجع إلى ترجمته في الكتب المختلفة، ويكون فيه تنصيص على أوهامه، إذا كانت الأوهام معدودة، والأوهام محصورة، فإنها تكون معروفة، فما كان منها هو الذي يجتنب، وما كان ليس منها هذا هو الذي يبقى على الأصل، وهو السلامة.
الأخذ بالأحاديث الضعيفة في الأحكام الفقهية
السؤال: هل تؤخذ من الأحاديث الضعيفة أحكام فقهية إذا لم توجد غيرها؟ الجواب: لا يؤخذ الحكم من حديث ضعيف، ولا يعول على حديث ضعيف، وإنما الأحكام تؤخذ من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله، سواءً كانت صحيحة أو حسنة، وأما الضعيف فإنه لا يعول عليه، ولا يثبت به الحكم، لكن يمكن أن يقال: يذكر الحديث الضعيف ويقول: هو يدل على كذا، ولكن الحديث لم يثبت.
وقد يكون الحديث ضعيفاً، ولكن أجمع على معناه، مثل حديث: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، هذا حديث قال عنه الحافظ في البلوغ: إسناده واهن، ولكن أجمع العلماء على معناه، وهو أن (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، فالحكم ليس مأخوذاً من الحديث الضعيف، وإنما مأخوذ من الإجماع، ولكن هذا الحديث الضعيف مطابق لما جاء في الإجماع، ولكن ليس التعويل على الحديث الضعيف وإنما التعويل على الإجماع، وكذلك مثل حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)، فكلمة (ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه) هذه زيادة فيها ضعف، أي: في رواتها من هو ضعيف، لكن معناها مجمع عليه بين العلماء، فالنجاسة إذا غيرت الماء، بلون أو طعم أو ريح فإنه يكون نجساً.
ترتيب الإثم على التدليس
السؤال: هل يأثم المدلس بالتدليس على الناس؟ الجواب: على كل أمره إلى الله عز وجل.
المراد بقوله: (يفعل ذلك حتى يقضيها)
السؤال: ما معنى ما جاء في الحديث: (يفعل ذلك حتى يقضيها)؟الجواب: يعني يفعل ذلك حتى يقضي الصلاة، حتى ينتهي من الصلاة، يعني يكبر عند كل خفض ورفع حتى يقضيها، ويصل إلى السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:02 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(216)


- (باب الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين) إلى (باب التكبير للنهوض)
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يقوم إلى الركعة الثانية أو الركعة الرابعة في الصلاة الرباعية حتى يستوي جالساً، وهي ما تسمى بجلسة الاستراحة، وهي جلسة خفيفة بمقدار ما يستقر الإنسان جالساً، ثم ينهض ويقوم.
الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين

شرح حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين. أخبرنا زياد بن أيوب، حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب، عن أبي قلابة: جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث رضي الله عنه إلى مسجدنا، فقال: (أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي. قال: فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة)]. يقول النسائي رحمه الله: باب الاستواء للجلوس عند الرفع من السجدتين. المراد بهذه الترجمة هو: الجلوس المسمى جلسة الاستراحة، وهي التي تكون بعد الركعة الأولى بالنسبة للصلوات الثنائية، وكذلك الثلاثية، التي هي الفجر والمغرب، وكذلك السنن التي هي من ركعتين، وكذلك عند القيام من الركعة الثالثة في الصلوات الرباعية: الظهر، والعصر، والعشاء. وعلى هذا: فإن الجلوس للاستراحة في الصلوات المفروضة، يكون بعد الركعة الأولى، وقبل أن ينهض إلى الثانية في الثنائية والثلاثية، ويكون -أيضاً- بالصلوات الرباعية بعد الركعة الثالثة، وتسمى جلسة الاستراحة، وهي جلسة خفيفة، يعني بمقدار ما يستقر الإنسان جالساً، ينهض ويقوم، فيكون قيامه إلى الركعة الثانية أو الرابعة عن جلوس لا عن سجود، يعني: يقوم من جلوس لا من سجود. وقد أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث، وهذه سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد رواها مالك بن الحويرث بهذا الحديث من طرق متعددة، وهو موجود في الصحيحين وفي غيرهما، ويدل على مشروعية هذا الجلوس الذي هو الجلوس الخفيف، وأورد فيه النسائي هذا الحديث. قوله: (عن أبي قلابة قال: (جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا، فقال: أريد أن أريكم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، قال: فقعد في الركعة الأولى حين رفع رأسه من السجدة الآخرة) ). يقول أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري (جاءنا أبو سليمان مالك بن الحويرث إلى مسجدنا، وقال: إنه يريد أن يريهم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي)، وجاء في بعض الأحاديث، أن هذا لم يكن في وقت صلاة، ولكنه صلى صلاةً نافلة ليبين لهم الهيئة والطريقة التي كان يفعلها، والتي يرويها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يبين لنا ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم من بيان السنن، والحرص على تبليغ الحق والهدى للناس، وأنهم يعرضون على الناس أن يبينوا لهم ما كان يفعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقف الأمر عندهم إلى أنهم يجيبوا عند السؤال إن سئلوا، بل هم يعرضون أنفسهم على الناس بأن يبينوا لهم ما كان يفعله رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دال على فضلهم ونبلهم، وحرصهم على تبليغ السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن لهم مثل أجور كل من عمل بسنة جاءت عن طريق صحابي منهم، ذلك الصحابي الذي روى تلك السنة، وحفظ تلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دل الناس إليها، فإن له مثل أجور من عمل بها؛ لأنه هو الدال على الخير، [(ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله)]، كما قال ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ولما قام من السجدة الثانية، في الركعة الأولى جلس، أي: جلس جلسة الاستراحة، وهي سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ بها هو الذي يقتضيه الحديث، وبعض العلماء يقول: إنه لا يؤخذ بها، ويعللون ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك في آخر أمره لما كبر، فكان يجلس هذه الجلسة للاستراحة، لكونه كبر وثقل، وإنما فعل ذلك من أجل العارض، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(صلوا كما رأيتموني أصلي)]، ومالك بن الحويرث تعلم هذه الصلاة، وعرف هذه الكيفية، ورواها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذاً الأخذ بها سنة، والقول بأن ذلك إنما كان في حال الكبر، فلا يفعل، هذا خلاف الصحيح الذي يقتضيه فعل مالك بن الحويرث، والذي في بعض رواياته: أنه أرشدهم إلى أن يصلوا كما كان يصلي رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة
قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب]. وهو زياد بن أيوب البغدادي، لقبه دلويه، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو حافظ، وكان أحمد بن حنبل يلقبه شعبة الصغير؛ لأن شعبة معروف بالحفظ ومشهور بالحفظ، فهو يلقبه بهذا اللقب الذي هو شعبة الصغير؛ لحفظه، واللقب الذي لقب به دلويه.
[حدثنا إسماعيل].
وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أيوب].
وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة ثبت حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قلابة].
وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، كثير الإرسال، ومشهور بكنيته أبي قلابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك بن الحويرث].
هو مالك بن الحويرث الليثي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالساً)].أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى، وهو دال على شمول ما بعد الأولى وما بعد الثالثة، ولعله في الرواية الأولى ما ذكر إلا الركعة الأولى؛ لأنه صلى صلاة تطوع، يعني: من ركعتين، وجلس بعد الأولى؛ لأنه يريهم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وفعل ذلك بعد الركعة الأولى، أما هنا فقد حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان في وتر..، ومن المعلوم أن الوتر بالنسبة للنافلة التي هي ركعتين بعد الأولى هي الوتر؛ لأن الثانية تكون شفع، وبالنسبة للفريضة، فالثنائية والثلاثية ما فيه إلا بعد الأولى، الثنائية الفجر والثلاثية المغرب، ما فيه إلا بعد الأولى، وأما الرباعية فإنه يكون فيها وتر آخر، وهي الثالثة بالإضافة إلى الأولى، يعني بعد الثالثة يجلس للاستراحة، معناه: أن نهوضه يكون عن جلوس وليس من سجود، ما يقوم من سجوده رأساً ينهض، وإنما يجلس ثم ينهض من جلوس، فالحديث دال على أن جلسة الاستراحة تكون بعد الركعة التي هي وتر، سواءً كانت هي الأولى أو الثالثة.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا علي بن حجر]. هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[أخبرنا هشيم].
وهو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة كثير التدليس والإرسال الخفي، والتدليس هو: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع كـ(عن) أو (قال)، ويكون هناك واسطة بينه وبين شيخه الذي روى عنه بلفظ موهم للسماع، هذا هو التدليس، وأما الإرسال الخفي فهو أن يروي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، هذا يسمى إرسالاً خفياً؛ لأن الإرسال إرسال خفي، وإرسال جلي، الإرسال الجلي بأن يروي عمن لم يدرك عصره، هذا يعرف أنه فيه ساقط، وهو إرسال جلي؛ لأنه ما دام أنه لم يدرك عصره، فإن كونه يقول: (عن فلان) أو (قال فلان)، معناه أنه أرسل عنه، لكن إذا كان مدركاً لعصره، ولكنه لم يعرف بلقائه، فهذا هو الإرسال الخفي، وهشيم بن بشير الواسطي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد].
وهو ابن مهران البصري، الملقب بـالحذاء، ولقبه الحذاء المتبادر إلى الذهن أنه يبيع الأحذية أو يصنعها، هذا هو المتبادر للذهن، لكن ليس الأمر كذلك، وإنما كان يجلس عند الحذائين، فنسب هذه النسبة، وهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، وقيل: إنه كان يقول للحذاء: احذ على كذا، يعني على هذا المنوال، وعلى هذا المقياس، يشق الجلد على قدر النعل، فقيل له: الحذاء لهذا، وهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
الاعتماد على الأرض عند النهوض

شرح حديث مالك بن الحويرث في الاعتماد على الأرض عند النهوض في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاعتماد على الأرض عند النهوض.أخبرنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، قال: كان مالك بن الحويرث رضي الله عنه يأتينا فيقول: (ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيصلي في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعداً، ثم قام فاعتمد على الأرض)].
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الاعتماد على الأرض عند النهوض، وأورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وهو أنه لما جاء إلى المسجد الذي فيه أبو قلابة، وقال: (ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيصلي في غير وقت الصلاة)، أي: يصلي أمامهم في غير وقت الصلاة، مقصوده من ذلك أن يريهم الكيفية، أي لم يكن يصلي بهم إماماً؛ لأنه ما كان في وقت صلاة، وإنما هو في غير وقت الصلاة، فيصلي نافلة، وهم يشاهدونه وينظرون إلى حركاته وإلى هيئته، فكان يقعد بعد السجود الأخير من الركعة الأولى، وهذه كما هو معلوم وكما عرفنا في الحديث الأول أنها نافلة، وجلسة الاستراحة تكون بعد الركعة الأولى؛ لأن الركعة الثانية تكون شفعاً، فيجلس ثم ينهض معتمداً على الأرض، ما فيه ذكر اليدين.
وقد اختلف في كيفية النهوض، يعني: هل ينهض الإنسان معتمداً على ركبتيه، أو ينهض معتمداً على يديه؟ من العلماء من قال: بأنه ينهض معتمداً على ركبتيه، وهم الذين قالوا: إنه يقدم ركبتيه عند النزول، والذين قالوا: إنه يقدم ركبتيه عند النزول، يقولون: إنه يكون آخر ما ينهض من الأرض منه ركبتاه؛ لأنه يرفع يديه قبل ذلك، والذين قالوا: بأنه يقدم يديه عند النزول، قالوا: إنه يعتمد على يديه عند القيام، وحديث مالك بن الحويرث، ليس فيه التنصيص على ما يعتمد عليه، هل هو على الركبتين أو على اليدين؟ وبكل من الحالتين قال جماعة من أهل العلم، والخلاف هنا كالخلاف في تقديم اليدين أو تقديم الركبتين، فالذين قالوا: بتقديم الركبتين قالوا: الركبتان هما آخر ما ينهض من الأرض، أو يرتفع من الأرض، والذين قالوا: بتقديم اليدين قالوا: إن اليدين هي آخر ما يرفع من الأرض.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث في الاعتماد على الأرض عند النهوض في الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. وهو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.
[حدثنا عبد الوهاب].
وهو ابن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد، عن أبي قلابة قال: كان مالك].
خالد هو الحذاء عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي عن مالك بن الحويرث، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:04 AM
رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين

شرح حديث وائل بن حجر في رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين. أخبرنا إسحاق بن منصور، أخبرنا يزيد بن هارون، حدثنا شريك عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)، قال أبو عبد الرحمن: لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون، والله تعالى أعلم].
أورد النسائي رحمه الله باب تقديم رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين. وأورد فيه حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، والحديث الذي سبق أن مر فيما يتعلق بالنزول إلى الأرض عند السجود، وأنه يقدم ركبتيه ثم يديه، وعند النهوض يرفع يديه قبل ركبتيه، فيكون على حديث وائل بن حجر، أنه عندما ينزل يكون النزول بالأسافل ثم الذي يليها، أول ما يصل الأرض الركبتان، وهي أسفل شيء من الإنسان، ثم اليدان، وهي التي تليهما، ثم الوجه يصل إلى الأرض بالترتيب، وعندما ينهض يرفع رأسه ثم يرفع يديه، ثم يرفع ركبتيه، يعني فيكون عند النزول للأسافل، فالذي يليها، وعند النهوض الأعالي، ثم الذي يليها الوجه ثم اليدان ثم الركبتان.
وحديث وائل بن حجر، سبق أن مر بنا، أن بعض العلماء أثبته واحتج به، والكلام فيه باعتبار شريك بن عبد الله القاضي، الذي هو أحد رجال الإسناد، وفيه كلام، والقول الذي دل عليه حديث وائل بن حجر، هو ما جاء في حديث أبي هريرة في قضية تقديم اليدين على الركبتين، وقالوا: أن الركبتين ترفعان قبل اليدين، وأن اليدين هي آخر ما يرفع، وقد سبق أن ذكرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه أنه قال: لا خلاف بين العلماء في جواز تقديم اليدين أو الركبتين، وإنما الخلاف بينهم في الأفضل منهما، هل الأفضل هذا أو الأفضل هذا.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في رفع اليدين عن الأرض قبل الركبتين
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور]. وهو الملقب بـالكوسج المروزي، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود.
[أخبرنا يزيد بن هارون].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شريك].
وهو ابن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عاصم بن كليب].
هو عاصم بن كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
وهو كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وائل بن حجر].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وقول النسائي: في آخر الإسناد: [قال أبو عبد الرحمن: لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون].
أي هذا الإسناد أو هذه الرواية، لم يقلها عن شريك غير يزيد بن هارون ويزيد بن هارون كما هو معلوم ثقة، حافظ.
التكبير للنهوض

شرح حديث أبي هريرة في التكبير للنهوض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير للنهوض. أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة: (أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم)].
أورد النسائي: التكبير للنهوض، أي: للقيام، وأنه يكبر، ومن المعلوم أن جميع أحوال الصلاة الانتقال من هيئة إلى هيئة، واللفظ هو التكبير، إلا عند القيام من الركوع، فيقال: سمع الله لمن حمده، وعند الخروج من الصلاة يقال: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. وما عدا ذلك، عند جميع الانتقال من هيئة إلى هيئة، فاللفظ الذي يقال هو: (الله أكبر)، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة، وأنه كان يصلي بهم، ويكبر عند كل خفض ورفع، ويقول: (إني أشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم)، ومحل الشاهد منه (عند كل خفض ورفع) لأن هذا يدخل تحت الرفع، لأنه عندما يقوم من الركعة ينهض ويرفع، معناه: أنه يكبر عند كل خفض ورفع، يعني عند الركوع وعند السجود، وكل رفع للقيام من السجود، وعند القيام إلى الركعة الثانية.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التكبير للنهوض
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، من مذاهب أهل السنة، التي حصل لأصحابها أصحاب عنوا بجمع أقوالهم، وتدوينها، وتنظيمها، والعناية بها، وهذا هو الذي جعل هذه المذاهب تشتهر، وليس معنى ذلك أنه ليس هناك من الأئمة المجتهدين إلا هؤلاء، فالأئمة المجتهدون كثيرون، قبلهم وبعدهم وفي زمنهم، فممن كان في زمنهم: الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، وغيرهم، فهؤلاء أئمة ومحدثون، فقهاء، مجتهدون، ومعروفون بالفقه والحديث، وقبلهم من فقهاء المدينة السبعة وغيرهم، وقبلهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وبعدهم الأئمة الكثيرون المعروفون بالاجتهاد والعلم والفقه في دين الله عز وجل، ولكن هؤلاء الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم حصل لهم أتباع، عنوا بجمع أقوالهم وتدوينها، فاشتهرت، ثم أيضاً حصل الانتساب من كثير من الناس إليها، فصار لها الشهرة، وصار لها الذيوع والانتشار، وهي من مذاهب أهل السنة.
ومن المعلوم: أن هؤلاء الأئمة الأربعة، كغيرهم من علماء أهل السنة، يحثون على اتباع الدليل، ويوصون من وجد لهم قولاً يخالف الحديث، بأن يتركوا أقوالهم، وأن يأخذوا بالأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كل واحد من هؤلاء الأئمة الأربعة نقل عنه ذلك، ولا شك أن الطريقة المثلى هي: كون طالب العلم يحرص على الحديث، ويحرص على الفقه، ويحرص على كلام الفقهاء، ويحرص على أن يقرأ في كتب الحديث، وكتب الفقه، ولا يترك هذا ويعول على هذا، وإنما يعنى بالحديث ويعنى بالفقه؛ لأن مسائل الفقه فيها أشياء ما يجد الإنسان عليها حديثاً يدل عليها، وإنما تكون قاعدة من قواعد الشريعة، أو يكون في قياس على نص من النصوص، وما إلى ذلك من الاستنباط، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون بالفهم والإدراك، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نظر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، ومن المعلوم أن الحديث الواحد، يأخذه العالم فيستنبط منه كذا مسألة، ثم يأتي آخر، ويستنبط من الحديث أكثر مما استنبطه منه هذا، وتأتي -أحياناً- مسائل دقيقة ما كل أحد يتنبه لها، وهذا فهم يعطيه الله عز وجل من شاء من عباده، فلا يستغنى عن كتب الفقه، ولكن لا يقال: إن كتب الفقه هي العمدة، وأنه يعرض عن كتب الحديث. فإن من اشتغل بكتب الحديث، ولم يلتفت إلى كتب الفقه يفوته خير كثير، وذلك أن فيه مسائل ما يجد الكلام عليها إلا في كتب الفقه؛ لأن هؤلاء عنوا بحصر المسائل وتجميعها، والاستنباط والاستدلال عليها، ومعرفة أحكامها؛ لأن مهمتهم تجميع المسائل، وأما كتب الحديث فإنها تجمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وتشرح تلك الأحاديث التي جمعوها أو التي جمعت، لكن كتب الفقه فيها الوقوف على أحكام دقيقة، قد لا يجدها الإنسان في بعض كتب الحديث.
إذاً فلا يستغني طالب العلم عن كتب الحديث، ولا عن كتب الفقه، لكن لا يتعصب لأحد من الفقهاء، ولا يقول: إن الحق مع فلان، وإن التعويل على قول فلان، وإن فلاناً هو المحق، ولا يقال: إن كل أقوال الأئمة هي صواب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) وخطؤه مغفور، معنى هذا: أن المجتهد يجتهد في معرفة الوصول إلى الحق، فقد يصيبه، وقد يخطئه، وقد يكون الحق مع الإمام الشافعي، وقد يكون الحق مع الإمام مالك، والحق مع أبي حنيفة، والحق مع الإمام أحمد، وقد يكون الحق مع غيرهم، يعني ليست القضية موقوفة عليهم، ومحصورة عليهم، لكن أكثر المسائل، أو غالب المسائل التي يجتمعون عليها يكون عليها الدليل، وقد يكون الدليل بخلاف المسائل التي يتفقون عليها، وكل مجتهد غير معصوم، ليست العصمة إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غيره فإنه يخطئ ويصيب، ولكنه لا يعدم الأجر أو الأجرين، إن اجتهد وأصاب فله أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور، إذاً فالحق هو الاعتدال في الأمور والتوسط، وعدم الإفراط والتفريط، لا يغلى في الأئمة ولا يجفى في الأئمة، وإنما يتوسط، ويذكرون بالجميل اللائق بهم، ويثنى عليهم، ويستفاد من علمهم، ويكون الأمر كما قال ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب الروح: إن طالب العلم يرجع إلى كتبهم، ليتوصل بها إلى الدليل، وليستعين بهم على فهم الدليل، وإلى الوصول إلى الدليل، وقال: إن هذا مثله مثل الذي يهتدي إلى القبلة بالنجوم، إذا كان في الفلاة، يعني يتعرف إلى جهة القبلة عن طريق النجوم، لكن إذا وصل إلى القبلة وصار عند الكعبة، ما يحتاج إلى النظر في النجوم يبحث عن القبلة، القبلة أمامه يشاهدها، لكنه يحتاج إلى النجوم حيث لا تكون القبلة أمامه، فكذلك الإنسان عندما يستفيد من كتب العلماء، وينتهي إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وصل إلى النهاية، فيستعان بهم على معرفة الحق والوصول إليه، ولكن إذا عرف الحق، وعرف أن قول الواحد منهم يخالف الدليل، فإنه يؤخذ بالدليل، وهذا هو الذي فيه الأخذ بوصاياهم، التي أوصوا بها رحمة الله عليهم، وهذا هو الذي يليق بالإنسان، أما كون الإنسان يتعصب لأحد منهم، فهذا لا يرضاه الأئمة أنفسهم، وهو مخالف للوصايا التي أوصوا بها؛ لأن الذي يأخذ بالدليل، هذا هو الممتثل لوصايا الأئمة، والذي يتعصب لهم، هذا هو المخالف للأئمة، ولإرشاد الأئمة وتوجيه الأئمة رحمة الله عليهم. وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة.
قوله: [عن ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو ثقة، معروف بالفقه والحديث، وتابعي من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وهو من أهل المدينة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
حديث أبي هريرة في التكبير للنهوض من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نصر بن علي وسوار بن عبد الله بن سوار، قالا: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما (صليا خلف أبي هريرة رضي الله عنه، فلما ركع كبر، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم سجد وكبر، ورفع رأسه وكبر، ثم كبر حين قام من الركعة، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهاً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما زالت هذه صلاته حتى فارق الدنيا)، واللفظ لـسوار].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، ولكن فيها التفصيل؛ لأن الطريق الأولى فيها إجمال عند كل خفض ورفع، وأما هنا فذكر التفصيل، ومحل الشاهد منه (عندما يقوم من الركعة)؛ لأن محل الشاهد للتكبير عند النهوض، عند قوله: عندما يقوم من الركعة، فالحديث هذا فيه تفصيل التكبير عن كل خفض ورفع، يكبر تفصيلاً، وأما ذاك يكبر عند كل خفض ورفع إجمالاً، ما ذكر التفصيل، هذا هو الفرق بين الحديثين.
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].
وهو ابن نصر بن علي، يعني: اسمه واسم أبيه وافق اسم جده وجد أبيه، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وسوار بن عبد الله بن سوار].
وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[قالا: حدثنا عبد الأعلى].
وهو ابن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
وهو معمر بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره قريباً.
[عن أبي بكر بن عبد الرحمن].
وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، فقيه، فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة، قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فقد جاء معه أيضاً في هذا الإسناد وفي الإسناد الذي قبل هذا، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
قوله في آخر الحديث: [واللفظ لـسوار].
قوله: واللفظ لـسوار؛ لأنه لما ذكر شيخين هما: نصر بن علي، وسوار بن عبد الله بن سوار، يعني: أشار بعد المتن إلى أن اللفظ لـسوار، يعني هذا المتن وهذا السياق هو لفظ سوار، وليس لفظ نصر بن علي، وسبق أن مر بنا أن النسائي يقول ذلك، وأحياناً يكون للثاني، وأحياناً يكون للأول، وهذا فيه أن اللفظ للثاني، وسبق أن مر بنا في بعض الأحاديث أن اللفظ للأول منهما، وقال: واللفظ لفلان، أي: والمراد به الأول، وليس للنسائي طريقة معينة، يعني إذا ذكر شيخين، أن اللفظ يكون لواحد منهما، بل قد يكون للأول، وقد يكون للثاني، وهذا بخلاف طريقة البخاري، البخاري له طريقة معينة ثابتة، وهي أنه إذا ذكر شيخين فاللفظ يكون للثاني منهما وليس للأول، وأما النسائي فإنه على حسب تنصيصه في المواضع المتعددة، أحياناً يكون للأول، وأحياناً يكون للثاني.

(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:06 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(217)- (باب كيف الجلوس للتشهد الأول) إلى (باب الإشارة بالإصبع في التشهد الأول)
من السنة في التشهد أن يفرش المصلي رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، ويشير بأصبعه التي تلي الإبهام ويرمي ببصره إليها.
كيف الجلوس للتشهد الأول

شرح حديث: (إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الجلوس للتشهد الأول.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يحيى عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيف الجلوس للتشهد الأول، والمقصود من ذلك: الجلوس بالنسبة للرجلين، فأورد فيه حديث ابن عمر، وهو (إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى)، تضجعها يعني: يفرشها ويجلس عليها، واليمنى ينصبها لا يجعلها معترضة، وإنما يجعلها منتصبة مثل هيئتها في حال السجود، تكون منتصبة، وأطراف أصابعها، -أي: اليمنى،- متجهةً إلى القبلة، هذه كيفية الجلوس في التشهد الأول.
والصحابي إذا قال: من السنة، فإن هذا له حكم الرفع؛ لأن هذه الصيغة إذا قال الصحابي: من السنة، فالمراد بذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فله حكم الرفع، يعني مرفوع حكماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وقد مر ذكره قريباً.
[حدثنا الليث].
وهو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن القاسم بن محمد].
وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، من فقهاء المدينة السبعة المعروفين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله بن عمر].
يعني اسمه يوافق اسم أبيه، وقيل: إنه وصي أبيه، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[عن أبيه].
عن أبيه عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد

شرح حديث: (من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد.أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني أبي عن عمرو بن الحارث عن يحيى: أن القاسم حدثه عن عبد الله، وهو ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: (من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: استقبال القبلة بأصابع الرجل اليمنى عند الجلوس للتشهد، وأورد فيه حديث ابن عمر المتقدم، إلا أن فيه زيادة كونه ينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة، فهي تكون مثل هيئة السجود، تكون أصابع الرجل اليمنى عند الجلوس للتشهد كهيئتها عند السجود، أي: أنه ينصبها ويجعل أصابعها متجهةً إلى القبلة.
تراجم رجال إسناد حديث: (من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة..)
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].هو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وهناك شخص آخر اسمه: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار، وهذا صاحب الشافعي، إذا قيل: الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، فالمراد به الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المصري، والذي معنا هو الربيع بن سليمان بن داود، هذه تميزه عن الثاني الذي هو ابن عبد الجبار، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر].
وهو إسحاق بن بكر بن مضر المصري، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، والنسائي.
[عن أبيه].
وهو بكر بن مضر المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .
[عن عمرو بن الحارث].
وهو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن يحيى] عن القاسم]
وهوابن سعيد.
[عن القاسم] هو ابن محمد.
[عن عبد الله] هو ابن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر، هؤلاء الأربعة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا، يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر، هم الذين مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
وقوله: وصي أبيه، يعني أوصى إليه بالأشياء التي يريد تمثيلها، مثل ما يعني الإنسان يوصي بعد موته، يعني أن واحداً من أولاده يقوم بمهمة كذا وكذا، يعني يسدد الديون، ويكون مسئولاً عن الأموال، يعطيها لمن يستحقها، هذا هو الوصي.
موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول

شرح حديث وائل بن حجر في موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول. أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، قال: ثم أتيتهم من قابل فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس)].
يقول النسائي رحمه الله: باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول، المراد من ذلك أنه عندما يجلس المصلي للتشهد الأول، فكيف يكون وضع يديه؟ ووضعهما في التشهد الأول وهو في الأخير، أن اليسرى توضع على الفخذ اليسرى، واليمنى على اليمنى، وتقبض الخنصر والبنصر، فتحلق الإبهام مع الوسطى، وينصب السبابة يشير بها يدعو بها، وقد مر بعض الأحاديث في ذلك، وكذلك سيأتي بعض الأحاديث المتعلقة في هذا، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه الذي وصف فيه كيفية أو شيء من كيفية صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يرفع يديه إذا كبر وافتتح الصلاة، وإذا ركع، وكذلك كان إذا جلس أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى.
ونصب إصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، والمقصود من ذلك هو ما جاء في آخره مما يتعلق بوضع اليد اليمنى ووضع اليد اليسرى، وأن هذه على الفخذ اليمنى، وتكون على هذه الهيئة، وهذه على الفخذ اليسرى، الأصابع ممدودة عليها ومبسوطة على الفخذ اليسرى، وأما اليمنى فإنها ليست كاليسرى، بل تقبض الخنصر والبنصر، وتحلق الوسطى مع الإبهام، ويدعو المصلي بإصبعه السبابة يحركها كما سبق أن مر التصريح بذلك، وكما سيأتي في الأحاديث التي ستأتي بعد ذلك، يعني في الجزء الثاني في كتاب السهو.
وقد أورد النسائي حديث وائل بن حجر المشتمل على هذه الأمور فيما يتعلق بالتكبير، ورفع اليدين، وفيما يتعلق بكيفية الجلوس بالنسبة للرجل اليسرى واليمنى، وفيما يتعلق باليدين اليمنى واليسرى.
قال في آخر الحديث: [ثم أتيتهم ..].
ثم أتيتهم، يعني: أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه يعني فيما بعد؛ يعني أنه حضر في هذا الوقت الذي رأى فيه هذه الكيفية، ثم إنه غاب عنهم، ولما رجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وجدهم يرفعون أيديهم بالبرانس، يعني من شدة البرد، يعني كانوا يدخلون أيديهم في داخل ثيابهم من شدة البرد.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:08 AM
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ].وهو المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه .
[عن سفيان].
وهو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
وهو عاصم بن كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وائل بن حجر].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
موضع البصر في التشهد

شرح حديث عبد الله بن عمر في موضع البصر في التشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [موضع البصر في التشهد.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أنه رأى رجلاً يحرك الحصى بيده وهو في الصلاة، فلما انصرف قال له عبد الله: لا تحرك الحصى وأنت في الصلاة، فإن ذلك من الشيطان، ولكن اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع)].
أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه صلى إلى جواره رجل، وكان يعبث بالحصى وهو جالس، فعلمه ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه نهاه عن هذا الفعل الذي فعله، وأرشده إلى أن يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: [(لا تحرك الحصى فإن هذا من الشيطان)]، يعني: كون الإنسان يعبث في صلاته ويعبث بالحصى ويحركه، فإن هذا من العبث، وهو من الشيطان الذي يريد أن يفسد على الإنسان صلاته، ويريد أن ينقص أجر صلاته إذا لم تفسد عليه، فالشيطان حريص على أن يخسر المسلم، وأنه إذا لم يحصل له أن يضيع صلاته ويسعى في إبطالها، فعلى الأقل يسعى فيما ينقصها، وفيما يقلل أجرها، وهذا هو شأن الشيطان والعياذ بالله، حريص على إضلال الإنسان، وعلى إغوائه، وعلى حرمانه الخير، إما الحرمان الكلي، وإما الحرمان الجزئي، إذا لم يحصل الحرمان الكلي، فإنه يريد ويحب أن يحصل الحرمان الجزئي، وقال له: [(ولكن اصنع كما صنع رسول الله، قال: وكيف كان يصنع؟ قال: فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع)].
وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام التي هي السبابة، يعني: يشير بها في الدعاء، ورمى ببصره إليها أو نحوها، يعني أنه كان ينظر إلى مكان سجوده، ولكنه عند الإشارة للتوحيد وعند الدعاء، فإنه ينظر إليها ويرمي ببصره إليها، وفي الحديث أنه رمى ببصره إليها أو نحوها، يعني: إما أن العبارة إليها، أو نحوها، أي: رمى ببصره إليها أو رمى ببصره نحوها، هذا شك من الراوي، هل قال: إليها، أو قال: نحوها؟
والمقصود منه أنه عندما يشير بأصبعه ويتشهد، فإنه ينظر إلى إصبعه، والأصل، أن المصلي ينظر إلى مكان سجوده في جميع أحواله، يعني حيث يكون قائماً أو راكعاً أو جالساً، فإنه ينظر إلى مكان سجوده، وعندما يشير بإصبعه إلى التشهد شهادة أن لا إله إلا الله، فإنه يرمي ببصره إلى إصبعه.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر في موضع البصر في التشهد
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر]، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة هو ابن جعفر، الذي قالها هو النسائي أو من دونه؛ لأن علي بن حجر الذي هو تلميذ إسماعيل بن جعفر، لا يحتاج إلى أن يقول: هو، بل ينسبه كما يريد، ولكنه اقتصر على أن قال: إسماعيل، فـالنسائي أو من دون النسائي، هم الذين أضافوا جعفراً وأتوا قبلها بهذه الكلمة وهو ابن جعفر؛ ليعلم أو ليعرف هذا المهمل الذي أهمله تلميذه علي بن حجر.
[عن مسلم بن أبي مريم].
وهو مسلم بن أبي مريم المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن علي بن عبد الرحمن].
هو المعاوي، نسبة إلى بني معاوية من الأنصار، وفي بعض النسخ المعافري، والصحيح أنه المعاوي، وهو نسبة إلى بني معاوية من الأنصار، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن عبد الله بن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الإشارة بالإصبع في التشهد الأول

شرح حديث عبد الله بن الزبير في الإشارة بالإصبع في التشهد الأول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإشارة بالإصبع في التشهد الأول. أخبرنا زكريا بن يحيى السجزي يعرف بـخياط السنة، نزل بدمشق أحد الثقات حدثنا الحسن بن عيسى أخبرنا ابن المبارك حدثنا مخرمة بن بكير أخبرنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بأصبعه)].
أورد النسائي الترجمة وهي: باب الإشارة بالإصبع في التشهد الأول، وأورد فيه حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس في الثنتين أو الأربع، يعني: إذا جلس في التشهد الأول أو في التشهد الأخير، أي: سواءً كانت الصلاة ثنائية، أو رباعية، فإنه في التشهدين الأول والثاني، ولكن الترجمة المعقودة في التشهد الأول، والمراد به أنه بعد الثنتين يعني في الرباعية، يعني يشير بإصبعه تلك الإشارة التي قال عنها عبد الله بن الزبير: [(يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بإصبعه)].
أي: أنه يشير بها في الدعاء، يعني في التشهد الأول وفي التشهد الثاني؛ لأن قوله: [(في الاثنتين والأربع)]، في الاثنتين يقصد بذلك التشهد الأول، وفي الأربع في التشهد الثاني، ومثله الصلاة الثلاثية التي تكون بعد الثالثة، وهذا لا يعني أن حكمها يختلف، بل الحكم واحد في الثنائية والثلاثية والرباعية، ولكنه ذكر الذي هو الغالب، الذي هو الثنائية والرباعية، التي هي تشهد أول وتشهد ثاني في ثلاث صلوات من الصلوات الخمس: الظهر، والعصر، والعشاء، وأما المغرب فهي مثلها.
وقوله: [(على ركبتيه)]، وقد جاء في بعض الروايات المتقدمة: أنه على فخذه اليسرى، وهذا لا ينافي، يمكن أن يكون الجمع بينهما، يعني أن تكون اليد على الركبة، وتكون أيضاً على الفخذ، فيكون جمع بينهما.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن الزبير في الإشارة بالإصبع في التشهد الأول
قوله: [أخبرنا زكريا بن يحيى].وهو زكريا بن يحيى السجزي المعروف بـخياط السنة، أحد الثقات، والنسائي ذكر شيخه بهذا التوضيح وهذا البيان الذي هو مقدار سطر، وذلك أن الراوي يذكر شيخه كما يريد، لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان أو ما إلى ذلك، مثل ما يفعله من دون التلميذ، ولكنه ينسبه كما يريد، ويصفه كما يريد، ويعدله إذا أراد، كل ذلك يفعله التلميذ، لا يحتاج إلى أن يأتي بكلمة هو، مثل ما يحتاج إليها من دونه، ولهذا قال: زكريا بن يحيى السجزي نسبة إلى سجستان، وهي نسبة على غير القياس، ويقال له: خياط السنة، قيل: لأنه كان يخيط أكفان أهل السنة، فقيل له: خياط السنة، وقال عنه النسائي: أحد الثقات، وثقه النسائي في هذا الإسناد عندما روى عنه، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا الحسن بن عيسى].
هو الحسن بن عيسى بن ماسرجس أبو علي النيسابوري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[أخبرنا ابن المبارك].
وهو عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك مر ذكره كثيراً، وكان في الغالب يروي عنه سويد بن نصر المروزي، وكان بينه وبين النسائي واسطة واحدة، وهو سويد بن نصر، وهنا جاء بينهما واسطتان؛ لأن شيخه زكريا بن يحيى السجزي متأخر، هو من صغار شيوخه الذين أدرك النسائي الكثير من زمنه ومن زمن حياته، وكانت وفاته سنة مائتين وتسع وثمانين، بعد أصحاب الكتب الستة كلهم، إلا النسائي؛ لأن أصحاب الكتب الستة آخرهم توفي سنة مائتين وتسع وسبعين، من غير النسائي، كلهم مائتين وتسع وسبعين فما قبل، أولهم البخاري مائتين وست وخمسين، ومسلم مائتين وواحد وستين، ثم اثنين مائتين وتسع وسبعين، وواحد مائتين وثلاث وسبعين، والنسائي ثلاثمائة وثلاثة، وهذا عاش بعد أولئك كلهم، عاش بعد آخرهم وهو النسائي بعشر سنوات، ولهذا يعني الإسناد عن ابن المبارك بواسطتين بواسطة رجلين، وعبد الله بن المبارك قال عنه الحافظ: أنه ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عالم، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مخرمة بن بكير].
وهو مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[أخبرنا عامر بن عبد الله].
وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، وهو أول مولود ولد في الإسلام في المدينة من المهاجرين، يعني لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما من المهاجرات، وكان نزول الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما نزل في قباء، وكان معهم أبو بكر، وابنته أسماء، وولدت أسماء بنت أبي بكر عبد الله بن الزبير في قباء، يعني أول ما وصلوا إلى المدينة، فحنكه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا هو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة من المهاجرين؛ لأنه ولد في قباء من حين ما وصل رسول الله عليه الصلاة والسلام ومعه المهاجرون.
وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن الزبير هذا، وكانت وفاته سنة ثلاث وسبعين، وعبد الله بن عمر، وكانت وفاته ثلاث وسبعين أيضاً مثله، وعبد الله بن عباس، وكانت وفاته ثمان وستين، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكانت وفاته في ليالي الحرة، وعبد الله بن الزبير كما قلت: هو أحد العبادلة، لكن ابن عمر، وابن عباس بالإضافة إلى كونهم من العبادلة الأربعة، هم من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. وكنيته أبو بكر، ويكنى أيضاً بـأبي خبيب.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:10 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(218)

- باب كيف التشهد الأول
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وهذا يدل على حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تعليم الأمة ما ينفعها.
كيف التشهد الأول

شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف التشهد الأول.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن الأشجعي عن سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيف التشهد؛ أي: كيف يتشهد الإنسان، وكيف يأتي بهذا الذكر الذي يكون في التشهد الأول، أو في التشهد الأخير؟ أي في الجلوس الأول بعد الركعتين، وفي الجلوس الثاني بعد الأربع، أو بعد الثلاث، أو بعد الثنتين إذا كانت الفجر أو نافلة، فإن المراد هذا بالترجمة [كيف التشهد]:
ما هي صيغة التشهد التي يأتي بها الإنسان عندما يجلس في وسط الصلاة إذا كانت ثلاثية أو رباعية، أو قبل السلام إذا كانت رباعية أو ثلاثية أو ثنائية؟ معناه: أنه في أي تشهد سواءً أول أو ثاني أو هو الوحيد فيما إذا كانت الصلاة ثنائية مثل الفجر، أو التطوع الذي هو ركعتين ركعتين، فإنه يأتي بهذه الصيغة: [التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]، هذا هو التشهد الذي علم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه إياه، فقد جاء في الحديث (إنه كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن)؛ لأنه لفظ وذكر يؤتى به على هيئته، وعلى لفظه، فكان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن حتى يحفظوه، وحتى يتقنوه ويضبطوه.
و(التحيات لله) فسرت بأنها الثناء، وأنه كما أن الناس يعظم بعضهم بعضاً في التحية، ويقدر بعضهم بعضاً في التحية، فإن التحيات الحقيقية لله عز وجل. والصلوات التي هي المفروضة والتطوعات أو الدعاء؛ لأن الصلاة تطلق على الدعاء، وهذا هو المعنى اللغوي، وتطلق على الصلاة المعروفة، التي هي: أقوال وأفعال تبدأ بالتكبير وتختتم بالتسليم؛ أقوال وأفعال مخصوصة تبتدأ بالتكبير وتختتم بالتسليم، هذه هي الصلاة بعرف الشرع أو بالمعنى الشرعي، وأما الصلاة في اللغة: فهي الدعاء، والصلاة الشرعية مشتملة على الصلاة اللغوية التي هي الدعاء؛ لأن كثيراً منها ثناء ودعاء.
و(الطيبات)، أي: الكلام الطيب والثناء الحسن هو لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق للثناء الحسن.
وقوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، هذا دعاء للنبي عليه الصلاة والسلام بالسلامة والرحمة والبركة.
وقوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، يسلم الإنسان على نفسه، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والإنسان إذا وفق لأن يكون من أهل الصلاح، فإنه له نصيباً من هذا الدعاء الذي يحصل من كل مصل، فإنه يدعو لعباد الله الصالحين، فمن ثمرات الصلاح، ومن فوائد الصلاح، وكون الإنسان يستقيم على طاعة الله عز وجل، أنه يكون له نصيب من دعاء الداعين في صلواتهم، أي مصل يصلي يقول: [السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين]، وإذا كان الإنسان من عباد الله الصالحين، فإن أي مصل يصلي، ويدعو بهذا الدعاء، يكون له نصيب منه، وهذه من ثمرات الاستقامة، وثمرات الملازمة لطاعة الله وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]. أطلق على التشهد تشهد؛ لأنه مشتمل على الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية والرسالة؛ أشهد أن لا إله إلا الله، هذه كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص، الكلمة التي هي المفتاح، وهي المدخل، وهي المنتهى كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعثه الله كان ينادي في مكة ويقول: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، فهي البداية والنهاية، وكلمة الإخلاص -لا إله إلا الله- مكونة من ركنين: نفي، وإثبات، نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها، لا إله تنفي العبادة عن كل من سوى الله، وإلا الله يثبتها لله وحده لا شريك له، لا إله، أي: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فتنفي العبادة عن كل ما سوى الله، وتثبتها لله عز وجل.
[وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]، فكما يشهد لله بالوحدانية، لا بد مع الشهادة لله بالوحدانية والألوهية، بأن يشهد لمحمد عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فذكر هذين الوصفين من أوصافه، وهما عبوديته لله عز وجل، وكونه رسولاً أرسله الله عز وجل، وهذا اللفظ هو الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يقال فيه؛ ولهذا جاء في حديث عمر بن الخطاب في البخاري: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، ولهذا من خير ما يثنى على الرسول صلى الله عليه وسلم به ويذكر به الرسول أن يوصف بأنه عبد الله ورسوله تحقيقاً لرغبته، وامتثالاً لأمره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، حيث قال: (وقولوا: عبد الله ورسوله)، فتعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام، بأن يوصف بأنه عبد الله ورسوله، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، فوصفه بأنه عبد يشعر بأنه لا نصيب له في العبادة؛ لأنه من عباد الله الذين يعبدون الله، والعبادة هي لله عز وجل لا شريك له فيها، كما أنه لا شريك له في الخلق والإيجاد، فلا شريك له في العبادة، فهو عبد لا يعبد، لا يصرف له شيء من أنواع العبادة، لا يدعى وإنما يدعى له عليه الصلاة والسلام؛ لأن السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته دعاء له، وصلى الله عليه وسلم دعاء له، فهو يدعى له ولا يدعى، وإنما الذي يدعى هو الله عز وجل، هو الذي يدعى سبحانه وتعالى.
وكذلك وصفه بأنه رسول فلا يكذب بل يصدق، ويتبع فيما جاء به؛ تصدق أخباره، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وتكون عبادة الله طبقاً لما شرعه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، ولهذا جاء في القرآن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية في المقامات الشريفة، والمناسبات العظيمة، فجاء ذكره عند إنزال القرآن: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ )[الفرقان:1]، وقوله: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ )[الجن:19]. يعني: وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبودية في المقامات الشريفة، وفي الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ )[الإسراء:1].

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:12 AM
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي].ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو أحد الثلاثة الذين هم من صغار شيوخ البخاري، وكانت وفاتهم في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، أي: قبل البخاري بأربع سنوات، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى.
[عن الأشجعي].
هو عبيد الله بن عبيد الرحمن، بالتصغير فيهما، والأشجعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، الثقة، المعروف الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وسبيع بطن من همدان، سبيع هم من همدان ينسب نسبة عامة ونسبة خاصة، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة وهي سبيع، السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فليدع الله عز وجل)].هنا أورد النسائي حديث ابن مسعود من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، الصيغة هي نفس الصيغة، وقال فيه: أنهم كانوا قبل ذلك يكبرون ويسبحون ويحمدون، أي في ذلك الجلوس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم علم فواتح الخير وخواتمه، أي: علم الخير، وبين للناس كل ما يحتاجون إليه، وكان مما بينه لهم أن علمهم التشهد، وعلمهم كيف يقولون في تشهدهم، ثم ذكر الصيغة التي مرت.
ثم قال: [وليتخير من الدعاء أعجبه إليه]، أي: بعد ذلك يدعو، ويتخير من الدعاء أعجبه إليه، وينبغي أن يكون الذي يتخير هو ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والألفاظ الواردة عن الرسول، والأدعية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي أولى من غيرها، وهي التي تكون أعجب من غيرها.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو الملقب بـالزمن المكنى بـأبي موسى العنزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما أشرت إلى ذلك عند يعقوب بن إبراهيم الدورقي قبل هذا.

[حدثنا محمد].
هو ابن جعفر الملقب غندر، فإذا جاء محمد بن المثنى أو محمد بن بشار يرويان عن محمد غير منسوب، أو محمد يروي عن شعبة غير منسوب، فالمراد به ابن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا إسحاق].
قد مر ذكره.
[عن أبي الأحوص].
هو عوف بن مالك، وهذا غير أبي الأحوص وهو سلام بن سليم الذي مر بنا كثيراً؛ لأن هذا في طبقة متقدمة، وذاك في طبقة متأخرة، أبو الأحوص سلام بن سليم من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وأما هذا يروي عن الصحابة، هذا من طبقة التابعين، في طبقة متقدمة، فإذا جاء أبو الأحوص متقدم من طبقة التابعين، يروي عن الصحابة، فالمراد به عوف بن مالك بن نضلة، وقد أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحاصل أن أبا الأحوص كنية اشتهر بها سلام بن سليم، وهو متأخر في الطبقة، وعوف بن مالك، متقدم في الطبقة.
فإذا جاء أبو الأحوص يروي عن الصحابة فهو عوف بن مالك، وإذا جاء أبو الأحوص في طبقة شيوخ شيوخ النسائي، فهو سلام بن سليم الكوفي.
[عن عبد الله].
قد مر ذكره.
حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا عبثر عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي اله عنه قال: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة، فأما التشهد في الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى آخر التشهد)].هنا أورد النسائي حديث ابن مسعود من طريق أخرى، وفيه قوله: [(إن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا التشهد في الصلاة، والتشهد في الحاجة)]، ثم قال: [(أما التشهد في الصلاة فأورد التحيات لله)]، إلى آخره الذي سبق أن مر في الروايات السابقة، واختصر الحديث ولم يذكر التشهد في الحاجة، والمقصود بالتشهد في الحاجة هو خطبة الحاجة، وهنا أورد ما يتعلق بالترجمة، وهو التشهد في الصلاة؛ التحيات لله والصلوات إلى آخره.
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبثر].
هو عبثر بن القاسم وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، مشهور بلقبه الأعمش، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وهنا جاء ذكره باللقب، ويأتي ذكره بالاسم، ومعرفة ألقاب المحدثين فائدتها ألَّا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه مرة، ثم ذكر بلقبه مرةً أخرى، فإن من لا يعرف يظن أن الأعمش غير سليمان بن مهران، ومن يعرف يعرف أن هذا شخص واحد يذكر باسمه أحياناً، وبلقبه أحياناً.
[عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود].
قد مر ذكرهم.
طريق رابعة لحديث ابن مسعود في كيفية التشهد وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى وهو ابن آدم سمعت سفيان يتشهد بهذا في المكتوبة والتطوع، ويقول: حدثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ح، وحدثنا منصور وحماد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم].هنا أورد الحديث من طريق أخرى وليس فيه ذكر المتن، ولكن فيه إحالة على المتن الذي قبله، وهو التشهد التحيات لله، ويحيى بن آدم يقول: يتشهد بهذا في المكتوبة والتطوع، ويقول: أخبرنا أبو إسحاق، وساق السند إلى عبد الله بن مسعود، يعني أنه كان يتشهد بذلك التشهد الذي هو تشهد ابن مسعود، ثم يروي الإسناد إلى عبد الله بن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم حول الإسناد، يعني: التحويل هذا من سفيان، أي أن سفيان هو الذي يروي عن أبي إسحاق، وعن منصور، وعن حماد، فالتحويل ((ح)) هذه لا ترجع إلى النسائي، فالذي بعدها ليس شيخاً للنسائي كما هو الغالب على ما يأتي من ألفاظ التحويل، عندما يقول النسائي: ((ح))، يعني يكون بعدها اسم شيخه، لكن هنا التحول من إسناد ذكره عن أبيه من طريق أبي إسحاق إلى إسناد آخر من طريق منصور، وحماد، عن أبي وائل، عن عبد الله.
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وهو محدث، فقيه، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا يحيى وهو ابن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو ابن آدم)، هذه قالها من دون إسحاق بن إبراهيم؛ أي النسائي أو من دون النسائي.
[سمعت سفيان].
هو الثوري، فيتشهد، أي يأتي بهذا الذكر الذي هو التحيات لله والصلوات.. إلى آخره.
[حدثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله].
قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
[وحدثنا منصور].
هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وحماد].
هو حماد بن أبي سليمان الأشعري الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وحماد هنا غير منسوب، والمراد به ابن أبي سليمان؛ لأنه في طبقة متقدمة عن الحمادين: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة؛ لأن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة من طبقة شيوخ شيوخ النسائي.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:15 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(219)


- تابع باب كيف التشهد الأول
وردت في السنة عدة صور للتشهد، لكن أصحها تشهد ابن مسعود، وكلمات التشهد من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اشتمل على معاني الوحدانية والتعظيم لله سبحانه، والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها.
تابع كيف التشهد الأول


شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق خامسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف التشهد الأول؟أخبرني محمد بن جبلة الرافقي حدثنا العلاء بن هلال حدثنا عبيد الله وهو ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة بن قيس: عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا، فعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فقال لنا: قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال عبيد الله: قال زيد عن حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء الكلمات كما يعلمنا القرآن)].
فالترجمة التي لا زلنا في الأحاديث الواردة فيها هي: كيف التشهد الأول؟ وقد ذكر المصنف في هذه الترجمة فيما مضى حديث عبد الله بن مسعود من طرق متعددة عنه، وقد مضى كثير منها، وبقي طرق أخرى لهذا الحديث الذي هو تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقول العلماء: إن أصح تشهد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تشهد ابن مسعود، وردت تشهدات صحيحة لكن هذا هو أصحها؛ لأنه جاء عن عبد الله بن مسعود من طرق عديدة، وفي هذه الطريق يقول ابن مسعود: [(كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا، فعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم)]، فكان مما علمهم إياه أن يقولوا إذا جلسوا في التشهد: [(التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
وقد مرت الطرق المتعددة وكلها بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف هنا، وذكره فيما مضى بالطرق المختلفة، والرسول عليه الصلاة والسلام أعطي جوامع الكلم، وفواتحه، وخواتمه، وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام ومن فواتح الخير، وخواتم الخير المشتمل على كل خير، هدي رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإن الأخذ بهديه هو طريق السلامة، والنجاة لأنه لا طريق للعباد لوصولهم إلى السلامة والنجاة وتمكينهم من الظفر بسعادة الدنيا، وسعادة الآخرة إلا ما جاء في الكتاب العزيز، والسنة المطهرة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا طريق للهداية ولا طريق لصلاح القلوب إلا بالتمسك بهذا الوحي الذي نزل به جبريل على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق خامسة
قوله: [أخبرنا محمد بن جبلة الرافقي].صدوق، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا العلاء بن هلال].
قال: فيه لين، أخرج له النسائي وحده، لكن كما هو معلوم الشخص إذا كان فيه لين، وقد جاء هذا الحديث الذي جاء من طرق عديدة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يعني أن هذا الضعف ينجبر بكثرة الطرق التي جاءت عن عبد الله بن مسعود في بيان هذا الحديث، يعني:أن الحديث جاء من طرق عديدة، ومثل هذا لا يؤثر؛ لأنه لم يأت الحديث من هذه الطريق وحدها، وإنما جاء من طرق عديدة، يعني: أن هذا الذي في ضعف ينجبر، وجد للحديث طرق كثيرة يدل على أنه لا يؤثر ذلك الذي قيل فيه في هذا الحديث لكونه مروياً من طرق كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[حدثنا عبيد الله].
هو ابن عمرو الرقي، وهو ثقة، فقيه، ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقوله: هو ابن عمرو هذه الزيادة ممن دون العلاء بن هلال، وهو محمد بن جبلة، أو النسائي، أو ممن دون النسائي؛ لأنه كما عرفنا التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول هو، وإنما ينسبه كما يريد.
[عن زيد بن أبي أنيسة].
ثقة له أفراد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

[عن حماد].
هو حماد بن أبي سليمان الأشعري الكوفي وهو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إبراهيم].
هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي وهو ثقة، فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الشخص الذي ذكرت مراراً أنه هو الذي يذكر عنه أنه هو أول من عبر بالعبارة المشهورة: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) فإنه هو الذي أثر عنه أنه أول من عبر بهذه العبارة، ما لا نفس له سائلة يعني: ما لا دم له، مثل الذباب، والجراد وما إلى ذلك لا ينجس الماء إذا مات فيه؛ لأنه ليس له دم، ويستدلون على ذلك بحديث الذباب الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) وقالوا: إن غمسه قد يكون الماء حاراً فيترتب على غمسه أنه يموت، والرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى استعمال الماء بعد غمس الذباب فيه، واحتمال أنه يموت بغمسه إذا كان حاراً، قالوا: فهذا يستفاد منه، ويستنبط منه أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وهو الذي اشتهر عنه الكلمة المشهورة: كانوا يضربوننا على اليمين، والعهد ونحن صغار، يعني: يؤدبونهم بألا يتهاونوا بأمر اليمين، والعهود، وأنهم يعودون أنفسهم عليها فلا يكون لها احترام عندهم، بل يعظمون ذلك عندهم وفي نفوسهم حتى لا يتساهلوا فيه وحتى لا يكون الحلف على الواحد منهم سهلاً ميسوراً، وكذلك العهد لا يكون سهلاً ميسوراً عليه، بل يجد هناك ما يمنعه، ويحول بينه وبين أن يقدم على ذلك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة بن قيس].
هو علقمة بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل من المهاجرين ومن فقهاء الصحابة وعلمائهم وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
قال في آخره: قال عبيد الله قال زيد عن إبراهيم عن علقمة قال: لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء الكلمات كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يعلمهم ذلك كما كان يعلمهم السورة من القرآن، والرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء عن ابن مسعود أنه قال: كان يعلمهم هذا التشهد كما كان يعلمهم القرآن، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه والصحابة كانوا يعلمون التابعين، وهذا يدلنا على أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بلغ البلاغ المبين، وعلى أن أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أدوا ما تحملوه على التمام، والكمال، ونصحوا للأمة غاية النصح، وبذلوا الجهود العظيمة المضنية في بيان الحق، وإظهاره والدلالة عليه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فلهم الفضائل الجمة، وهم المتصفون بالصفات الحميدة، وهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، والذين ما كان مثلهم في الماضي، ولا يكون مثلهم في المستقبل، ولا يحبهم إلا مؤمن، ولا يغضبهم إلا منافق يسوؤه نصرة الإسلام وانتشار الإسلام، وظهور الحق؛ لأن الحق ما عرف إلا عن طريق الصحابة، وما عرف الناس كتاباً، ولا سنة إلا عن طريق الصحابة، والذي يقدح في الصحابة يقدح في الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب جاء عن الصحابة، والسنة جاءت عن الصحابة، ومن يعيب الصحابة، ويقدح فيهم فإنه لا صلة له بالرسول صلى الله عليه وسلم إطلاقاً، بل الصلة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتوتة مقطوعة لا علاقة له بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام؛ لأن الحق والهدى ما عرفه من جاء بعد الصحابة إلا عن طريق الصحابة، وهذا من أجل مناقبهم وأفضل مناقبهم، أنهم أكرمهم الله عز وجل في الحياة الدنيا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، والجهاد معه، والدفاع عنه، والذب عنه، وكذلك مشاهدته، والنظر إلى أفعاله، وحركاته، وسكناته، وسماعه كلامه من فمه الشريف، وتحملوا الكتاب والسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأدوها كاملة على التمام، والكمال فكانوا هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أن القدح في الناقل قدح في المنقول، فالذي يقدح في الصحابة يقدح في الكتاب والسنة، والذي لا يعتبر ما جاء عن الصحابة لا يعتبر الكتاب والسنة، وهذا شأن المنافقين الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق سادسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الرحمن بن خالد الرقي حدثنا حارث بن عطية وكان من زهاد الناس عن هشام عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه أنهم كانوا يقولون: [(السلام على الله من عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام)]، والصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كانوا يقولون هذا الكلام، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: لا تقولوا السلام على الله من عباده، فإن الله تعالى هو السلام، فهو السلام، ومنه السلام، ولا يقال: عليه السلام أو يسلم عليه؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه، والله تعالى هو الذي يدعى وهو الذي يرجى، وهو الذي منه السلام هو السلام ومنه السلام، هو المتصف بهذا الوصف والمتسمي بهذا الاسم وهو الذي منه السلام لعباده، هو الذي يسلم من يشاء من عباده، وهو الذي يمنحهم السلامة، والعافية، فلا يقال: السلام على الله من عباده، وإنما يقال كما أرشد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، دعاء للنبي عليه الصلاة والسلام، يدعى الله له.
ثم: [(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)]، يسلم الإنسان على نفسه وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، يعني: يدعو لنفسه، ولغيره، فأرشد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى أنه لا يسلم على الله، فلا يقال: السلام على الله من عباده، وإنما يقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام كما جاء في الذكر بعد الصلاة، فهو اسمه السلام وهو الذي منه السلام هو الذي يمنح السلام، وهو الذي يتفضل بالسلامة، والتوفيق، هو الذي يمنح ذلك وهو الذي يجود به، فهو يدعى ولا يدعى له الله تعالى يدعى والنبي صلى الله عليه وسلم يدعى له، ولا يدعى، النبي والمخلوقون بل يدعى لهم ولا يدعون، والله تعالى هو الذي يدعى وحده لا شريك له، هو الذي يدعى، ويرجى، ويعتمد عليه، ويتوكل عليه، ولهذا أرشد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى أنهم لا يقولون: السلام على الله من عباده، فإن الله تعالى هو السلام، هو الذي يسلم وهو الذي يمنح السلام، لا يطلب له السلام، ولا يطلب له شيئاً ، وإنما يطلب منه الأشياء، فالطلب منه لا له، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يطلب له، ولا يطلب منه، يسأل له، ولا يسأل منه.
إذاً: فالسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته دعاء له بالسلامة، والرحمة، والبركة من الله سبحانه وتعالى.
ثم: [(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)]، دعاء يدعو العبد لنفسه ولكل عبد صالح في السماء والأرض، وذكرت في الدرس الماضي أن من وفقه الله عز وجل لأن يكون من أهل الصلاح فإنه يكون له نصيب من دعاء الداعين المصلين في صلواتهم بهذا الدعاء: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ لأنها تعود إلى كل عبد صالح في السماء والأرض، يعني: هذا الدعاء يكون لكل عبد صالح في السماء والأرض، فإذا وفق الإنسان لأن يكون من أهل الصلاح فإنه يكون له نصيب من دعاء الداعين في مشارق الأرض، ومغاربها، كل من يصلي يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإذا كان الرجل وإذا كان العبد من الصالحين الموفقين فإنه يكون من أهل هذا الدعاء أي: من الذين يدعى لهم بهذا الدعاء، والذين يشملهم هذا الدعاء الذي يقوله كل مصل في فرض، وفي نفل.
ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم كيف يقولون: التحيات لله والصلوات إلى آخر الحديث، وفي هذا الحديث زيادة: وحده لا شريك له بعد أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والرواية الأخرى عن ابن مسعود ليس فيها ذكر: وحده لا شريك له، فوحده لا شريك له هذه تأكيد لأشهد أن لا إله إلا الله؛ لأن وحده تأكيد لـ(إلا الله)، ولا شريك له توكيد لـ(لا إله)، فكأن لا إله إلا الله جاءت مرتين، مرة أشهد أن لا إله إلا الله، ومرة بالتأكيد بقوله: وحده لا شريك له، لأن وحده لا شريك له مثل لا إله إلا الله تماماً، لأن فيها نفي، وإثبات، إلا أن لا إله إلا الله النفي في أولها والإثبات في آخرها، وهذه جاء الإثبات في أولها والنفي في آخرها، فالإثبات في أولها وهو كلمة (وحده)، والنفي في آخرها وهو (لا شريك له).
والشيخ الألباني يقول: أن هذا شاذ، يعني: هذه الزيادة؛ لأن الطرق التي جاءت عن ابن مسعود ليس فيها ذكر هذه الزيادة، لكن هذه الزيادة جاءت في بعض التشهدات الأخرى التي هي عن غير ابن مسعود، فكونها جاءت من بعض الثقات الذي يبدو أنه لا بأس بالأخذ بها، ولها شاهد يعني: لهذه الزيادة شاهد عن غير ابن مسعود عن بعض الصحابة الذين رووا هذا التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: جاء فيه: وحده لا شريك له التي هي بمعنى لا إله إلا الله والتي هي تأكيد لـ(لا إله إلا الله).
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:17 AM
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق سادسة
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن خالد].هو عبد الرحمن بن خالد الرقي، وفي بعض النسخ القطان، ولا تنافي بين القطان، والرقي فهو قطان وهو رقي، إن قيل القطان فهو صحيح، وإن قيل الرقي فهو صحيح، لا تنافي بينها، لأن بعض النسخ جاء فيها القطان وبعضها جاء فيها الرقي، وهو رقي وهو يلقب القطان، فلا تنافي بينها، يعني: كلها حق؛ لأنه عبد الرحمن بن خالد القطان الرقي فكل من النسبتين صحيحة. وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا حارث بن عطية].
حارث بن عطية صدوق يهم، أخرج حديثه النسائي وحده.
[وكان من زهاد الناس].
قال: وكان من زهاد الناس، يعني: هذه من تلميذه الذي روى عنه؛ لأن هذا هو الذي يشعر بأنه هو الذي قال هذه الكلمة، أنه روى عنه وقال: وكان من زهاد الناس، أخرج له النسائي وحده.
[عن هشام].
هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود].
وهؤلاء الأربعة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق سابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا هشام هو الدستوائي عن حماد عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].أورد النسائي: حديث ابن مسعود من طريق أخرى وهو بنفس اللفظ المتقدم، وفيه أيضاً مثلما في الذي قبله كانوا يقولون: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل، وميكائيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقولوا: السلام على الله من عباده فإن الله هو السلام، ولكن قولوا...الخ، الدعاء الذي أرشد إليه يشملهم؛ لأن: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يدخل فيها جبريل، وميكائيل، وغيرهم، لأنها تعود إلى كل عبد صالح في السماء، والأرض، ولكن الذي نبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو: السلام على الله، فإنه لا يسلم عليه؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه، والله تعالى هو الذي يدعى، ويرجى لغيره، يرجى لغيره أن يسلمه، يعني: يدعى للرسول صلى الله عليه وسلم ويدعى للملائكة، ويدعى للبشر يدعى للناس، يدعى لكل عبد صالح في السماء والأرض؛ لأن الله تعالى هو الذي يطلب منه، ولا يطلب له، وأما الخلق يطلب لهم، ولا يطلب منهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يدعى له، ولا يدعى، لا يأتي الإنسان إليه ويقول: يا رسول الله! أغثني، يا رسول الله! مدد، يا فلان! أريد كذا، يا الولي الفلاني! حقق لي كذا، يا الرسول الفلاني! أعطني كذا، وسيد الرسل، وخير الخلق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لا يجوز لأحد أن يطلب منه أشياء، وإنما يدعو له صلى الله عليه وسلم ويثني عليه بما يستحقه دون غلو، وتجاوز للحدود، ولكنه لا يطلب منه بل يطلب له، اللهم صل وسلم وبارك عليه هذا دعاء له، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته دعاء له بالسلامة والرحمة والبركة، فيطلب له، ولا يطلب منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق سابعة
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو أبو مسعود البصري، أبو مسعود كنيته توافق اسم أبيه، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، حافظ، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام هو الدستوائي].
هو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وكلمة: [هو الدستوائي] الذي قالها من دون خالد بن الحارث، وهو إسماعيل بن مسعود، أو النسائي، أو من دون النسائي، وقد مر ذكر هشام الدستوائي.
[عن حماد].
هو حماد بن أبي سليمان الأشعري، صدوق، له أوهام، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن.
[عن أبي وائل].
أبو وائل هو شقيق بن سلمة الكوفي ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، وأيضاً مشهوراً باسمه، يأتي ذكره أحياناً باسمه شقيقاً، وأحياناً بكنيته وهو كثير، ومعرفة كنى المحدثين فائدتها دفع توهم التعدد، بأن يظن الشخص الواحد شخصين إذا جاء ذكره في بعض الأسانيد شقيق، وجاء ذكره في الأسانيد الأخرى أبو وائل الذي لا يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق يظن أن شقيق شخص، وأن أبا وائل شخص آخر، ومن يعرف لا يلتبس عليه الأمر سواء وجد أبا وائل بهذا اللفظ وحده أو وجد شقيقاً بهذا اللفظ وحده يعرف أن هذا هو هذا وأن هذا هو هذا، دون أن يكون هناك التباس في أن يظن التعدد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن مسعود].
وهو الذي مر ذكره كثيراً في هذه الطرق.
حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق ثامنة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا بشر بن خالد العسكري حدثنا غندر حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور وحماد ومغيرة وأبي هاشم عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في التشهد: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، قال أبو عبد الرحمن: أبو هاشم غريب].أورد النسائي: هذا الحديث حديث ابن مسعود من طريق أخرى، وهي بلفظ الصيغ المتقدمة: التحيات لله والصلوات والطيبات.. إلخ.
قوله: [أخبرنا بشر بن خالد].
بشر بن خالد العسكري، ثقة، يغرب، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا غندر].
وهو محمد بن جعفر البصري، ولقبه غندر يأتي ذكره باللقب، ويأتي ذكره بالاسم، وكثيراً ما يأتي ذكره عندما يروي عن شعبة بلفظ محمد دون أن ينسب، وهو محمد بن جعفر الذي هو غندر، ويأتي ذكره أحياناً بلقبه دون اسمه كما هنا فإنه قال: غندر عن شعبة، وغندر هو محمد بن جعفر، ومعرفة ألقاب المحدثين فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا جاء في بعض الأسانيد غندر وفي بعضها محمد بن جعفر الذي لا يعرف أن محمد بن جعفر يلقب غندراً يظن أن غندراً شخصٌ آخر غير محمد بن جعفر، والذي يعلم أن هذا لقب لـمحمد بن جعفر لا يلتبس عليه الأمر، مثلما قيل في الكنى بالنسبة للمثال المتقدم وهو أبو وائل واسمه شقيق.
[عن شعبة].
هو: شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان ومنصور وحماد ومغيرة وأبو هاشم].
سليمان، ومنصور، وحماد، ومغيرة، وأبو هاشم خمسة أشخاص يروي عنهم شعبة فهم خمسة أشخاص في طبقة واحدة، يعني: كلهم شيوخ لـشعبة، وكلهم تلاميذ لـأبي وائل، كلهم يروون عن أبي وائل وكلهم يروي عنهم شعبة، يعني: هؤلاء الخمسة.
فأما سليمان، فهو ابن مهران الكاهلي الأعمش المشهور بلقبه الأعمش، يأتي ذكره بالاسم كما هنا، ويأتي ذكره بـالأعمش كثيراً، وهذا من جنس غندر الذي ذكرت؛ لأن من لا يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان يظن أن سليمان شخص آخر غير الأعمش، ولكن من يعرف أن الأعمش وصاحب اللقب هو سليمان بن مهران فإنه لا يلتبس عليه الأمر، إن جاء سليمان أو جاء الأعمش هو شخص واحد يذكر في بعض المواضع، أو في بعض الأحيان باسمه، ويذكر في بعض الأحيان بلقبه.
ومنصور، هو ابن المعتمر الكوفي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد].
هو حماد بن أبي سليمان الذي مر ذكره.
[ومغيرة].
هو المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهذا المغيرة بن مقسم هو الذي ذكروا في ترجمته أنه احتلم وعمره اثنتا عشرة سنة، يعني: بلغ سن الحلم وعمره اثنتا عشرة سنة، يعني: احتلم في وقت مبكر، ومثله عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه ذكر عنه أنه ليس بينه، وبين أبيه إلا اثنتا عشرة سنة، يعني: بل هذا يمكن أكبر أو أقدم من المغيرة بن مقسم، وجاء بينه وبين أبيه ثلاث عشرة سنة، فهو أيضاً احتلم في وقت مبكر، وولد له في وقت مبكر، ولد له قبل أن يبلغ أربع عشرة سنة، ولد لـعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ابنه عبد الله قبل أن يبلغ أربع عشرة سنة، فهو إما عمره اثنا عشر أو ثلاث عشرة لما ولد له ابنه عبد الله بن عمرو، والمغيرة بن مقسم الضبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأبو هاشم].
هو يحيى بن دينار الرماني الواسطي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقد قال النسائي في الآخر: أبو هشام غريب، يعني: يقصد بذلك أنه غريب يعني: بالنسبة لأبي هشام، وإلا فإنه جاء من طرق، ولكن ذكر أبي هاشم يعني: أنه من قبيل الغريب، وهذا الغريب يسمى الغريب النسبي، لأن الغريب المطلق هو الذي يأتي من طريق واحد، وأما النسبي فهو بالنسبة إلى غيره، يعني: بالنسبة إلى ذلك الشخص وإلا فإنه ليس غريباً، هو غريب باعتبار هذا الشخص وإلا فإنه ليس غريباً؛ لأنه جاء له طرق أخرى غير طريق أبي هاشم.
[عن أبي وائل عن عبد الله].
مر ذكرهما.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق تاسعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا سيف المكي سمعت مجاهداً يقول: حدثني أبو معمر سمعت عبد الله رضي الله عنه يقول: (علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكفه بين يديه: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].أورد النسائي حديث ابن مسعود في التشهد من طريق أخرى، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، والحديث الأول الذي مر أن ابن مسعود كان يعلمهم كما يعلمهم السورة من القرآن، فـابن مسعود رضي الله عنه اقتدى بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وابن مسعود صار يعلم أصحابه، ويعلم غيره التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وهو كما ذكرت دال على حرص الصحابة على الخير، وعلى تبليغهم السنن وعلى تعليم الناس الحق، والهدى الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذه من أجل مناقبهم، وأفضل مناقبهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، أن يكونوا هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الداعون إلى هذا الحق، والهدى، والدالون عليه، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: (وكفه بين يديه) يعني: كف ابن مسعود بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: واضع يده بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على الضبط، والإتقان من عبد الله بن مسعود، لأنه ضبط الهيئة التي كان عليها عندما علمه النبي صلى الله عليه وسلم التشهد، وأن يده بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: وضع الرسول صلى الله عليه وسلم كف عبد الله بن مسعود بين كفيه، يعني: أن يد عبد الله بن مسعود بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمه التشهد، وهذا يدل على ضبط الراوي؛ لأنه ضبط الحديث، وضبط مع الحديث الهيئة التي كانت عند التحديث بهذا الحديث، وهذا مما يستدل به العلماء على ضبط الراوي ما رواه، يعني: كونه يحدث بالحديث، ويخبر عن هيئة حصلت وقت سماع الحديث، يعني: هيئة معينة، حصلت عند التحديث بالحديث، فهذا يدل على ضبط الراوي ما رواه، وإتقانه له، وكفه بين كفيه.
ثم ذكر التشهد الذي هو في الصيغة المشهورة: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية التشهد الأول من طريق تاسعة
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا الفضل بن دكين].
هو أبو نعيم مشهور بكنيته، ومشهور باسمه، ويأتي ذكره كثيراً بالكنية أبي نعيم، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين أدركهم البخاري في أول حياته، وأما النسائي فإنه لم يدركه كما ذكرت قريباً أن الفضل بن دكين توفي سنة مائتين وثمانية عشر، والنسائي ولد سنة مائتين وخمسة عشر، فعمر النسائي لما مات الفضل بن دكين ثلاث سنوات، ولهذا يروي عنه بواسطة، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين ما أدركهم مثل النسائي، بخلاف صغار شيوخ البخاري الذين أدركهم مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي الذين توفوا قبل البخاري بأربع سنوات، هذا توفي في أول حياة البخاري، والبخاري في حدود سن العشرين، وكانت وفاته مائتين وستة وخمسين، والفضل بن دكين توفي مائتين وخمسة عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، فهو لم يدركه ولهذا يروي عنه بواسطة.
والفضل بن دكين أبو نعيم، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ووصف بأن فيه تشيع، لكن تشيع مثله لا يؤثر؛ لأنه قد جاء عنه أنه قال: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان، ومن المعلوم أن الرافضة لا يترحمون على عثمان، وإنما يبغضون عثمان، ويبغضون الصحابة، ولا يتولون إلا عدداً يسيراً منهم.
وأبو نعيم هذه الكنية اشتهر بها الفضل بن دكين الذي هو من كبار شيوخ البخاري، وقد اشتهر بها أبو نعيم الأصبهاني المؤلف المصنف صاحب التآليف مثل حلية الأولياء ومثل تاريخ معرفة الصحابة وغيرها من الكتب، وهو متأخر كثيراً عن هذا لأنه توفي سنة أربعمائة وثلاثين في القرن الخامس الهجري، وهو مشهور بكنتيه أبي نعيم .
[حدثنا سيف المكي].
وهو ابن سليمان المكي وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[سمعت مجاهداً يقول].
هو ابن جبر المكي ثقة، عالم بالتفسير وغيره، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو معمر].
هو عبد الله بن سخبرة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبد الله يقول].
هو ابن مسعود وهو الذي جاء في الطرق المتعددة عنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الأسئلة

معنى كلمة مخضرم
السؤال: ما معنى قولكم: هو مخضرم؟الجواب: المخضرم هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لم يظفر، ولم يتشرف برؤيته، والالتقاء به، هو كان موجوداً في زمانه، وأدرك زمن الجاهلية، وأدرك الإسلام، ولكنه لم يتشرف بلقي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم عدد، ذكر منهم مسلم عدداً كبيراً، وقد مر بنا أبو وائل، والأسود، والمعرور بن سويد، وسويد بن غفلة، وعدد كبير من المخضرمين، والصنابحي الذي كان قدم من اليمن ليلقى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما وصل الجحفة التي هي بجوار رابغ التي هي ميقات أهل الشام والمغرب جاء ركبان من المدينة فأخبروهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، فلهذا قالوا في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، ما بينه وبين الصحبة إلا شيئاً يسيراً؛ لأنه جاء ليلقى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو في الطريق إليه، فقالوا: كاد أن يكون صحابياً.
المحافظة على الصلاة في وقتها
السؤال: مسلم يعمل في أحد المصانع في أوروبا، ولا يوجد مسلم غيره في ذلك المصنع، ويدركه وقت صلاة الظهر في عمله، ويخاف إن صلى من مديره المسيحي المتعقد، فقد يفصله من عمله أو يحرمه العلاوات، هل يجوز له تأخير صلاة الظهر إلى العصر فيجمعهما؟الجواب: لا، لا يجوز له ذلك، وإنما يصلي الصلاة في وقتها، ولا يدخل في العمل إلا على أساس أنه يمكن من الصلاة في وقتها؛ لأن هذا العمل هو غذاء للحياة الدنيا الفانية، وأما الصلاة فهي زاد الحياة الباقية، ومن المعلوم أن الحرص على الحياة الباقية، وإيثارها أولى وأعظم، وأجل من كون الإنسان يقدم الحق الدنيوي، ويقصر في الحق الأخروي أو الواجب الأخروي، وإنما يبحث عن عمل آخر أو يقول لهؤلاء الكفار: إنه لا يعمل بهذا العمل إلا إذا مكن من الصلاة، وإذا حيل بينه وبين الصلاة في وقتها فإنه يترك العمل ويبحث عن عمل آخر، والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )[الطلاق:2-3] والرزق بيد الله عز وجل، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها.
درجة حديث من قيل في أحد رواته: (فيه لين)
السؤال: ما درجة الحديث الذي في إسناده من قيل فيه: فيه لين؟الجواب: (فيه لين) درجته أنه يحتاج إلى جبر، ويحتاج إلى ما يعضده.
قبول زيادة الثقة
السؤال: متى تقبل زيادة الثقة؟الجواب: تقبل زيادة الثقة إذا جاءت من طريق ثقة فإنها تكون مقبولة.

(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:20 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب التطبيق)
(220)


- (باب نوع آخر من التشهد) إلى (باب ترك التشهد الأول)
للتشهد صور متعدد، وأصحها رواية ابن مسعود رضي الله عنه، والتشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا به، بخلاف التشهد الأول فإن تركه سهواً لا يبطل الصلاة، وتجبره سجدتا السهو.
نوع آخر من التشهد

شرح حديث أبي موسى الأشعري في كيفية التشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة السرخسي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثني قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أن الأشعري رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا، فقال: أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ )[الفاتحة:7] فقولوا: آمين يجبكم الله، وإذا كبر الإمام وركع فكبروا، واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد يسمع الله لكم، فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، ثم إذا كبر الإمام وسجد فكبروا واسجدوا؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
هنا أتى نسائي بهذه الترجمة، فهي: (نوع آخر من التشهد) أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود في صفة التشهد في طرق كثيرة عن عبد الله بن مسعود، وقال بعض أهل العلم: أن تشهد ابن مسعود هو أصح التشهدات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ورد عن غير ابن مسعود ما هو صحيح، ولكن الذي ورد عن ابن مسعود هو الأصح، وبعد أن أورد النسائي الطرق المتعددة لطرق ابن مسعود عقب بعد ذلك بأنواع أخرى من التشهد جاءت عن غير عبد الله بن مسعود، فبدأ بما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو أنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام خطبنا وعلمنا سنتنا، وبين لنا صلاتنا.
قوله: خطبنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا فيه بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من بيان السنن، وإبلاغها على المنابر حتى يكثر السامعون لها، وحتى يكون الآخذون لها كثيرين، وهذا من كمال نصحه عليه الصلاة والسلام، وشفقته على أمته، حيث بين للأمة أمور دينها، وبين لها كل ما تحتاج إليه، وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في صحيح مسلم ضمن حديث طويل: [(ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم)]، وقد حصل هذا لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام بلغ البلاغ المبين، ونصح للأمة غاية النصح، وما ترك أمراً يقرب إلى الله إلا ودل الأمة عليه، وما ترك أمراً يبعد من الله إلا وحذر الأمة منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد جاء عن ابن شهاب الزهري رحمة الله عليه أنه قال: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، الله تعالى أرسل الرسل وما ترك الناس هملاً لا يؤمرون، ولا ينهون، بل أرسل الرسل مبشرين، ومنذرين يدلونهم على طرق الخير، ويحذرونهم من طرق الشر، ومن سار على منهاج الرسل وعلى طريقة الرسل هو الذي سعد في دنياه وأخراه، ومن حاد عن طريقهم فإنه خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الضلال المبين.
والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام -كما قال أبو موسى: بين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، والمراد بالسنة هنا الطريقة، والمنهج الذي يسلكونه في التعبد وفي عبادة الله عز وجل، يعني: كونهم على سنة وعمل بمنهاج نبوة، وعلى طريقة مستقيمة، والسنة تطلق إطلاقات؛ تطلق إطلاقاً عاماً يشمل كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب وسنة، فهذا كله يقال له: سنة الرسول؛ لأنه طريقته، ومنهجه؛ أعني: الطريقة والمنهج الذي يوصل إلى الله عز وجل، ولا سبيل للهداية، وبلوغ الغايات الحميدة، والوصول إلى السلامة، والنجاة إلا باتباع الوحي الذي جاء به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فالسنة تطلق إطلاقاً عاماً يشمل كل ما جاء في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله: (من رغب عن سنتي فليس مني)، يعني: طريقته، ومنهجه الذي هو الكتاب والسنة.
وتطلق السنة أيضاً ويراد بها الوحي الغير المتلو؛ لأن الوحي وحيان وحي متلو متعبد بتلاوته معجز، ووحي متعبد بالعمل به كالقرآن، وهو السنة، فإذا قيل: دل عليه الكتاب والسنة فالمراد بذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا إطلاق آخر، يعني: غير الإطلاق الأعم.
وتطلق السنة أيضاً على ما يقابل البدعة، ومن المعلوم أن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم هي السنة وما يخالفها هو البدعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
وقوله: (وعلمنا صلاتنا) هذا من التخصيص بعد التعميم؛ لأن الصلاة هي من جملة السنة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن السنة بيانها يشمل الصلاة، وغير الصلاة، ولكن هذا تخصيص لصلاة، وتنويه بشأنها، ولهذا بين بعد ذلك الكيفية التي علمهم إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالصلاة؛ لأن المقام هو مقام بيان الصلاة ومتابعة الإمام في الصلاة.
قوله: [(علمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا فقال)].
(فقال) أي: في بيان الصلاة، [(أقيموا صفوفكم)] يعني: الناس الجماعة عندما يصفون للصلاة عليهم أن يقيموا الصفوف، ويتراصوا فيها، وألا يجعلوا فيها عوجاً وفرجاً، وإنما يكملون الصف الأول فالأول، ولا يبدأ الصف الثاني إلا إذا امتلأ الأول، ولا يبدأ الثالث إلا إذا امتلأ الثاني وهكذا، تقام الصفوف وتسوى الأول فالأول.
قوله: [(ثم ليؤمكم أحدكم)].
الجماعة لابد لهم من إمام يؤمهم، والمأموم إن كان واحداً فيقف عن يمين الإمام، وإن كان المأموم اثنين فأكثر فإنهم يقفون وراءه وإذا كثروا فإنهم يكونون صفوفاً، فإذا امتلأ الصف الأول يبدأ بالصف الثاني، وإذا امتلأ الثاني يبدأ بالثالث وهكذا.
متابعة المأمومين لإمامهم في أفعال الصلاة
قوله: [(فإذا كبر فكبروا)].يعني: إذا دخل في الصلاة وقال: الله أكبر فكبروا وراءه ولا تسبقوه، ولا توافقوه، ولا تتأخروا عنه كثيراً، بل تابعوه، يعني: إذا فرغ فابدءوا من حيث ما يفرغ الإمام؛ من حينما يكبر فكبروا، فإذا قال: الله أكبر فقولوا: الله أكبر.
قوله: [(وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين)].
يعني: وإذا قرأ الفاتحة، وقال: ولا الضالين فقولوا: آمين يجبكم الله؛ لأن آمين معناها: اللهم استجب، هذا هو معنى آمين يعني: هذا الدعاء الذي دعوتم به وقلتم: آمين التي معناها: اللهم استجب فإنه يجبكم الله عز وجل عليه.
قوله: [(وإذا كبر الإمام ورفع فكبروا واركعوا)].
يؤتى بالتكبير ويؤتى بالركوع، الفعل والقول، يؤتى بالفعل الذي هو الركوع والهوي إلى الركوع ويؤتى بالقول الذي هو: الله أكبر عند الركوع.
قوله: [(فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم)].
فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه بتلك)، يعني: أن اللحظة التي سبقكم بها تعوض عنها اللحظة التي تأخرتم عنه بها، معناه: أن مقدار ركوعكم مقدار ركوعه تماماً إلا أنه يسبقكم هو بالركوع وتتأخرون عنه قليلاً، ويسبقكم في القيام، وأنتم تتأخرون عنه قليلاً، فتأخركم عنه قليلاً يعادل سبقه لكم في الركوع ويساويه، فمقدار ركوعكم هو مقدار ركوعه، لا يزيد عليكم شيئاً، يسبقكم في الركوع، ثم يسبقكم في القيام وأنتم تتأخرون عنه في القيام، فمقابل تأخركم عنه في الركوع صار ركوعكم يساوي مقدار ركوعه، ولهذا قال: (فهذه بتلك).
قوله: [(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم)].
فإذا قال: سمع الله لمن حمده -أي: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده- فقولوا: ربنا ولك الحمد، فهذا فيه دليل على أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا ولك الحمد، والإمام هو الذي يجمع بين التسميع، والتحميد، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: ربنا ولك الحمد، وأما المأموم فإنه يقول: ربنا ولك الحمد، وقد ذهب إلى هذا بعض أهل العلم واستدلوا بهذا الحديث وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)]، فلو كان يشرع لهم أن يقولوا: سمع الله لمن حمده لقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده. مثل ما قال: وإذا كبر فكبروا، وإذا فعل كذا افعلوا كذا، فهنا غاير بين ما يفعله المأموم، وما يفعله الإمام، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا هو القول الصحيح في المسألة، وبعض أهل العلم قال: إن المأموم أيضاً يسمع، فيقول: سمع الله لمن حمده، ويستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: ربنا ولك الحمد، ولكن يرد عليهم بأن هذا العموم مستثنى منه هذه الحالة، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا ولك الحمد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فصل ذلك حيث قال: [(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)]، فلو كان هناك شيء يقوله المأموم قبل هذه الكلمة لقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده.
قوله: [(سمع الله لمن حمده يسمع الله لكم)]، يعني: يجبكم، لأن سمع بمعنى استجاب، سمع الله لمن حمده استجاب الله لمن حمده، وأما السماع الذي هو سماع الأصوات، والحركات فهذا يكون في كل شيء، فكل صوت مهما خفي، ومهما دق، فإن الله تعالى يسمعه، ولكن سمع هنا بمعنى استجاب، ولهذا قال: يسمع الله لكم، يعني: يجبكم، وليس معنى ذلك أنه يسمع، السماع الذي هو سماع الأصوات فإن الله يسمع كل شيء، لا يخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء، فدبيب النمل -يعني: صوت دبيب النمل- الله تعالى يسمعه، والله تعالى يقول: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا )[المجادلة:1] امرأة تجادل الرسول صلى الله عليه وسلم في زوجها وعائشة قريبة من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن هذه المرأة، وهي لا تسمع ذلك الكلام، ويخفى عليها ذلك الكلام، ولهذا تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، فالله تعالى يسمع كل شيء لا يخفى عليه شيء أصلاً، ولهذا ليس معنى (يسمع لكم) أنه يسمع كلامكم، الله تعالى يسمع كل شيء، ولكن الذي يخصهم هو الإجابة، والذي يحصل لهم هو الإجابة.
ومن الكلمات اللطيفة التي تذكر في هذه المناسبة أن بعض سلف هذه الأمة سئل عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل له: ماذا تقول في معاوية ؟ فقال ذلك الرجل من سلف هذه الأمة: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد؟ ماذا أقول في رجل هذا شأنه وهذه حاله يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، ومعاوية مع المصلين وراءه يقولون: ربنا ولك الحمد، يعني: هذا يدلنا على شرف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنقبتهم، وفضلهم، ولهذا فإن أي واحد منهم أفضل من أي واحد ممن جاء بعدهم، فالصحابة أفضل من التابعين، وخير القرون القرن الذي بعث فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
قوله: [(قال: فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده)].
يعني: معناه: استجاب الله لمن حمده.
قوله: [(ثم إذا كبر الإمام، وسجد، فكبروا، واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم)].
هذا يتعلق بالسجود وهو مثلما تقدم في الركوع تماماً، فقال: هذه بتلك، مثلها تماماً.
قوله: [(قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله)].
(فإذا كان عند القعدة) يعني: التشهد، فليكن من أول قول أحدكم: [(التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)]، هذا التشهد مثل تشهد ابن مسعود إلا أنه يختلف عنه في أوله، تشهد ابن مسعود: (التحيات لله والصلوات والطيبات) وهنا يقول: [(التحيات الطيبات الصلوات لله)]، والباقي مثل تشهد ابن مسعود.
وقوله: [(فليكن من أول قول أحدكم)] هذا يدل على أنه يقال مع التشهد غيره، يعني: مثل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله: (من أول قول أحدكم)، معناه: يوجد شيء وراءه، وهذا هو محل الشاهد من الترجمة، ذكر ما يقال في التشهد.
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري في كيفية التشهد
قوله: [أخبرنا عبيد الله].هو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
يحيى بن سعيد القطان، الثقة، الثبت، المحدث، الناقد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني قتادة].
وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس بن جبير].
هو يونس بن جبير البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حطان بن عبد الله].
حطان بن عبد الله الرقاشي البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن الأشعري].
وهو عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه، صحابي مشهور، واسمه عبد الله بن قيس، وهو مشهور بكنيته أبي موسى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من التشهد

شرح حديث أبي موسى الأشعري في كيفية التشهد من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري حدثنا المعتمر سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي غلاب وهو يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أنهم صلوا مع أبي موسى رضي الله عنه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
هنا أورد النسائي حديث أبي موسى الأشعري من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله تقريباً إلا أن في أوله: [(التحيات لله والصلوات والطيبات لله)] وفي آخره: [(أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)]، إضافة (وحده لا شريك له)، وهي مؤكدة للا إله إلا الله، يعني: لا إله إلا الله نفي وإثبات، (لا إله) نفي، و(إلا الله) إثبات، (لا إله) نفي عام و(إلا الله) إثبات خاص، ومعنى ذلك أنها تنفي العبادة عن كل من سوى الله، وتثبتها لله وحده لا شريك له، و(وحده لا شريك له) هذه تأكيد لكلمة الإخلاص؛ لأن وحده تأكيد للإثبات في (إلا الله) ولا شريك له تأكيد للنفي في (لا إله) فهي مؤكدة لكلمة الإخلاص، وهي بمعناها تماماً؛ لأنها مشتملة على نفي، وإثبات، وتلك الجملة مؤكدة لكلمة الإخلاص، والحديث فيه دليل على زيادة هذا التأكيد، يعني: في التشهد، وأن فيه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:22 AM
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أبو الأشعث].هو أبو الأشعث أحمد بن مقدام العجلي البصري، وهو صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له مسلم، ولا أبو داود.
[حدثنا المعتمر].
هو المعتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبي].
أبوه سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[عن قتادة عن أبي غلاب عن حطان أنهم صلوا مع أبي موسى].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث ابن عباس: (كان يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم التشهد) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].وهنا أورد النسائي: نوعاً آخر من التشهد وهو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفيه يقول: إنه علمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وأنه علمهم أن يقولوا: [(التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله ألا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث بن سعد].
الليث بن سعد وهو ثقة، ثبت، محدث، فقيه مصر، ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزبير].
هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وطاوس].
هو ابن كيسان اليماني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من المكثرين عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من التشهد

شرح حديث جابر: (كان رسول الله يعلمنا التشهد بسم الله وبالله ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر سمعت أيمن وهو ابن نابل حدثني أبو الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، بسم الله، وبالله، التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار)].
وهنا أورد النسائي: نوعاً آخر من التشهد وهو عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفي أوله: [(باسم الله، وبالله)]، وفي آخره: [(أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار)]، والباقي مثل تشهد ابن مسعود تقريباً، والحديث ذكره النسائي فيما بعد برقم (1280)، وتكلم فيه وقال: إنه خطأ، وذلك بسبب أيمن بن نابل، ثم أيضاً فيه أبو الزبير عن جابر وهو مدلس.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كان رسول الله يعلمنا التشهد بسم الله وبالله ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا المعتمر].
هو المعتمر بن سليمان، وقد مر ذكره.
[سمعت أيمن وهو ابن نابل].
صدوق، يهم، وحديثه أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثني أبو الزبير].
أبو الزبير، قد مر ذكره.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه صحابي ابن صحابي وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التخفيف في التشهد الأول

شرح حديث: (كان النبي في الركعتين كأنه على الرضف...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التخفيف في التشهد الأول.أخبرني الهيثم بن أيوب الطالقاني حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثنا أبي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين كأنه على الرضف، قلت: حتى يقوم؟ قال: ذلك يريد].
وهنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي التخفيف في التشهد الأول، يعني: تخفيفه، وعدم تطويله، ولا شك أنه لا يماثل التشهد الأخير، ولكنه لا يخفف كثيراً بل يمكن أن يقتصر على التشهد ويمكن أن يضاف إليه، ولكنه لا يخفف بحيث أنه لا يصلح فيه إلا التخفيف، بل يمكن أن يؤتى مع التشهد بشيء، يعني: من الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك.
وأورد النسائي حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الركعتين يعني: في الجلوس بعد الركعتين أي: في التشهد الأول، أي: في الصلاة التي فيها تشهدان في التشهد الأول منهما يكون كأنه على الرضف، والرضف هي الحجارة المحماة، معناه: أنه يسرع إلى القيام منه، والحديث فيه انقطاع من جهة أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود فهو مرسل، وأما التسوية بينه، وبين التشهد الثاني فلا يسوى بينهما، ولكنه لا يتعين الاقتصار على التشهد فقط، بل يمكن أن يضاف إليه، ولكنه لا يسويه بالتشهد الثاني، يعني: في الإطالة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي في الركعتين كأنه على الرضف ...)
قوله: [أخبرني الهيثم بن أيوب].هو الهيثم بن أيوب الطالقاني، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
قوله: أخبرني، ما قال: أخبرنا.
أخبرني يراد بها أنه حدثه، وليس معه أحد عند التحديث، بخلاف أخبرنا فإنه يكون حدثه، ومعه غيره، لكن أخبرني لا تحتمل إلا أن يكون وحده، وأخبرنا تحتمل أن يكون وحده، وذكر ذلك على سبيل أن ما يطلقه الإنسان على نفسه أحياناً وأيضاً تحتمل أن يكون معه غيره، أما أخبرني فلا تحتمل إلا أنه وحده.
[حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم].
ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حدثني أبي].
وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبيدة].
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو مشهور بهذه الكنية وقيل: إنه ليس له غيرها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن مسعود، وهو الصحابي الجليل من المهاجرين، ومن علماء الصحابة، وفقهائهم، وليس هو من الأربعة العبادلة الأربعة.
ترك التشهد الأول

شرح حديث ابن بحينة في ترك التشهد الأول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك التشهد الأول.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي البصري حدثنا حماد بن زيد عن يحيى عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فقام في الشفع الذي كان يريد أن يجلس فيه فمضى في صلاته، حتى إذا كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي ترك التشهد الأول، معنى هذا أن التشهد الأول تركه لا يبطل الصلاة، فليس ركناً من أركانها، ولكن الإنسان لا يتعمد تركه، وإن تركه سهواً فإنه يجبره سجود السهو.
وأورد النسائي حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم ثم قام من الثنتين، ومضى ولما أراد أن يسلم سجد سجدتين ثم سلم، يعني: سجد سجدتين قبل السلام، وهي سجدة السهو؛ لأنه حصل عن نقص، وهو نقص التشهد الأول فسجد قبل السلام.
والحديث شاهد لما ترجم له النسائي من حيث تركه، ولكن هذا الترك إنما يكون للسهو، ويجبر بشيء يجبره، وهو السجود، وأما التعمد فإنه لا يتعمد تركه، ولكنه إن نسي فإنه لا يؤثر نسيانه على الصلاة من حيث إنه يؤتى به أو أنها تعاد، وإنما يجبر بسجدتين قبل السلام.
تراجم رجال إسناد حديث ابن بحينة في ترك التشهد الأول
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب].هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
هو: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والأعرج لقب، فهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن بحينة].
وهو عبد الله بن مالك بن بحينة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث ابن بحينة في ترك التشهد الأول من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فقام في الركعتين فسبحوا فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)].وهنا أورد النسائي حديث ابن بحينة وهو مثل الذي قبله، إلا أنه قام من السجدتين، ولم يتشهد فسبحوا ومضى؛ لأنه دخل في الركعة الثانية، ولكنه عوض عن ذلك بسجود السهو الذي هو سجدتان قبل السلام.
قوله: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف].
وهو الحراني وهو ثقة، حافظ، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا وهب بن جرير].
هو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة

وقفة مع ليلة سبع وعشرين من رجب وما فيها من الأشياء
السؤال: حدثنا قليلاً عن ليلة سبع وعشرين من رجب، والواجب فعله.الجواب: شهر رجب لم يرد فيه شيء يخصه؛ لا لياليه، ولا أيامه، ليس هناك شيء يخص هذا الشهر إلا أنه من الأشهر الحرم الأربعة التي جاء ذكرها في القرآن (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ )[التوبة:36] فهي أربعة، واحد فرد، وثلاثة سرد، فرجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم هؤلاء هي الأشهر الحرم، وكان أهل الجاهلية يعظمونها،وقد جاء في حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وطلبوا منه أن يوصيهم، وأن يعلمهم شيئاً يبلغونه من وراءهم، وقالوا: بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نصل إليك إلا في الشهر الحرام؛ لأنهم كانوا يعظمون الأشهر الحرم، وشهر رجب منها، ولكن لم يرد فيه شيء يخصه؛ لا لصيام، ولا في القيام، ولا في أي عبادة تخص ذلك الشهر، وأما فيما يتعلق في ليلة سبع وعشرين فيذكر بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، وليس هناك شيء يثبت أنها في رجب، ولا أنها في تلك الليلة، بل إن ذلك مجهول، ولو علم بالأسانيد الصحيحة أنها في هذه الليلة المعينة فليس لأحد أن يعمل فيها عملاً خاصاً دون أن يأتي فيه دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ويقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فلا تخصص تلك الليلة بشيء؛ لأنه لم يرد في ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه شيء يخص هذه الليلة، ولا يخص ليلة الإسراء والمعراج، وأنها في الوقت الفلاني، فإن هذا غير معروف، وغير مجزوم به، ولو كانت تلك الليلة معلومة بالأسانيد الصحيحة أنها في الليلة الفلانية فليس لأحد أن يتعبد بها عبادة خاصة من غير دليل يدل على ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن العبادات إنما يؤتى بها اتباعاً، وليس ابتداعاً، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم من بعيد
السؤال: بعض المصلين يقوم ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم من التوسعة عن بعد من القبر، فهل هذا جائز؟الجواب: ليس للإنسان أن يسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم خلال الزيارة إلا عند القبر، يعني: أمام القبر في المواجهة مستقبلاً القبر مستدبراً القبلة، وأما الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون في كل مكان، والملائكة تبلغه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين) وتكرار الزيارة عند القبر الشريف يدل على منعه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وما يفعله بعض الناس من الوقوف في أماكن من المسجد يستقبل القبر، ويضع اليمنى على اليسرى، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم هذا من الأمور المحدثة التي لم تؤثر عن سلف هذه الأمة، ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم لما كان النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً بين أظهرهم، ويكون في حجرته، ويعلمون أنه في بيته ما كان الواحد منهم يقف في أطراف المسجد، ويتجه إلى الحجرة التي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم جالس أو نائم ويسلم عليه، ما كان هذا شأنهم، وما كانت هذه طريقتهم في حياته، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم عندما دفن في حجرته وفي بيته بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كذلك ما كانوا يفعلون هذا.
إذاً: فهذا من الأمور المحدثة ومن الأمور المبتدعة، والإنسان يصلي، ويسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام في أي مكان من المسجد، سواء كان داخل المسجد، أو خارجاً منه، فإنه يشرع للإنسان أن يصلي، ويسلم على رسول الله، ففي أي مسجد في الدنيا يدخله الإنسان يشرع له أن يصلي، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم عند الدخول ويصلي، ويسلم عليه عند الخروج، والإنسان يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم دائماً، وأبداً، والملائكة تبلغ السلام إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
وإن قال: إننا نفعل هذا من أجل الزحام.
نقول: وجود الزحام لا يقتضي أن الإنسان يفعل هذا الفعل، وإنما ينتظر حتى يخف الزحام، ثم أيضاً يشرع له أن يصلي، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم من أي مكان، فيقول: اللهم صل وسلم وبارك عليه، والملائكة تبلغه، ولكن كونه يقف ويستقبل القبر من مكان بعيد فهذا محدث، وهذا شيء جديد لا يعرفه سلف هذه الأمة، بل هو من محدثات الأمور.
السبب في إخراج البخاري لأيمن بن نابل وعدم إخراج النسائي له
السؤال: أيمن بن نابل كيف خرج له البخاري، وكيف ضعفه النسائي مع ذلك؟الجواب: البخاري خرج له متابعة، ولم يخرج له استقلالاً، يعني: خرج له ومعه غيره.
الذكر الذي يقال في سجود السهو
السؤال: هل في سجود السهو قراءة أو ذكر مختص بها؟الجواب: ليس لسجود السهو ذكر يخصه، وإنما يفعل الإنسان به مثلما يفعل في سجود الصلاة.
مدى وجود دليل في ترتيب زمن الرسل
السؤال: هل ورد دليل في ترتيب زمن الرسل عليهم الصلاة والسلام؟الجواب: ما نعلم أدلة تدل على أن فلان بعد فلان، وفلان بعد فلان، وفلان بعد فلان، ولكن يوجد نصوص تدل على أزمان بعض الرسل، يعني: جاء في القرآن أن هذا بعد هذا، مثلما جاء عن نوح أن بعده هود، وبعد هود صالح ويأتي ذكر شعيب كثيراً بعد قصة نوح، وهود، وصالح، ولكن شعيباً بعد زمن إبراهيم، ولوط؛ لأنه جاء في بعض آيات القرآن: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] يعني: يخاطب قومه، ولوط كان في زمن إبراهيم.

(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:25 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(221)

- (باب التكبير إذا قام من الركعتين) إلى (باب رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة)
يسن للمصلي رفع اليدين والتكبير في كل خفض ورفع من صلاته باستثناء القيام من الركوع فإنه يقول فيه: سمع الله لمن حمده.
التكبير إذا قام من الركعتين

شرح حديث أنس في التكبير إذا قام من ركعتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب السهو - التكبير إذا قام من الركعتين.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن عبد الرحمن بن الأصم قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن التكبير في الصلاة؟ فقال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين، فقال حطيم: عمن تحفظ هذا؟ فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ثم سكت، فقال له حطيم: وعثمان ؟ قال: وعثمان].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب السهو. الإمام النسائي رحمه الله ذكر هذا الكتاب والذي تحته، ليس خاصاً بالسهو، وإنما فيه ما يتعلق بالسهو وما يتعلق بغيره، وهذان الكتابان اللذان قبل هذا الكتاب، وهما كتاب التطبيق وكتاب الافتتاح، هذين الكتابين أيضاً ليس ما تحتهما من الأبواب مقصوراً على ما يتعلق بموضوع الكتاب، وإنما يكون مشتملاً عليه وعلى غيره، فكذلك هنا السهو مشتمل على السهو وعلى غير السهو، ويأتي عند بعض المؤلفين أن يذكر الشيء ومعه غيره تبعاً، وأحياناً يستعمل المحدثون كلمة: وغيره، باب كذا وغيره، أو كتاب كذا وغيره، والنسائي رحمه الله ما ذكر شيئاً مضافاً إليه مثل كلمة: وغيره، والأمر كما ذكرت أن يكون الكتاب مشتملاً في الجملة على موضوع الكتاب، ولكنه ليس مقصوراً عليه، بل يشتمل عليه وعلى غيره، فكتاب السهو مشتمل على السهو وعلى غير السهو، والأبواب الأولى التي ذكرت تحت هذا الكتاب لا علاقة لها بالسهو.
فأولها: باب التكبير إذا قام من الركعتين، يعني في الصلاة الرباعية أو الصلاة الثلاثية، الرباعية التي هي الظهر والعصر والعشاء، والثلاثية التي هي المغرب، فإنه إذا قام من التشهد الأول بعد الإتيان بالركعتين، فإنه يقوم مكبراً ويقول: الله أكبر.
وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنه كان يكبر إذا ركع وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين، وقد مر في جملة أبواب ذكر التكبير في مواضع متعددة، وأنه يكون عند كل خفض ورفع، إلا في موضع واحد وهو القيام من الركوع، فإنه لا يكبر عنده، وإنما يقول الإمام والمنفرد: سمع الله لمن حمده، ويقول الجميع الإمام والمنفرد والمأموم: ربنا ولك الحمد، والإمام والمنفرد ينفرد بقوله: سمع الله لمن حمده هو القول الصحيح في المسألة، وإلا فإن هناك قولاً آخر يجعل التسميع والتحميد لكل مصل، سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً كما سبق أن عرفنا هذا.
فالتكبير يكون في جميع أحوال الصلاة، عند الانتقال من هيئة إلى هيئة، فإنه يكبر عند ذلك، ولا يستثنى من ذلك إلا موضع واحد، وهو: عند القيام من الركوع، فإن الإمام والمنفرد يقولون: سمع الله لمن حمده، وكل يقول: ربنا ولك الحمد، وعلى هذا، فجميع أحوال الصلاة، والانتقال من هيئة إلى هيئة، إنما هو بالتكبير، إلا في موضع واحد في أثناء الصلاة، وهو عند القيام من الركوع، وعند الانتهاء من الصلاة، يؤتى بالسلام، وما عدا ذلك ليس هناك إلا التكبير.
وقد سئل أنس بن مالك عن التكبير في الصلاة فقال: يكبر إذا ركع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا قام من الركعتين، وكما ذكرت التكبير في جميع أحوال الصلاة إلا عند القيام من الركوع فيقال: سمع الله لمن حمده، وعند الانتهاء من الصلاة يقال: السلام عليكم، وما عدا ذلك فإنما هو التكبير فقط.
وسأل حطيم أنس بن مالك عمن تحفظ هذا؟ فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، ثم سكت فقال له: وعثمان ؟ فقال: وعثمان، ومعنى هذا أن هذا هو عمل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعمل خلفائه الراشدين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في التكبير إذا قام من الركعتين
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عوانة].
وأبو عوانة كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وقد سبق أن ذكرت في دروس مضت، أن أبا عوانة يطلق على هذا الرجل الذي هو من طبقة شيوخ النسائي، ويطلق أيضاً على رجل متأخر، هو صاحب المستخرج على صحيح مسلم، الذي يطلق على كتابه: المستخرج، ويقال له: المسند، ويقال له: الصحيح، ذاك متأخر عن هذا؛ لأن هذا من طبقة شيوخ البخاري، ومسلم، والنسائي، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن الأصم].
وهو عبد الرحمن بن الأصم المدائني، مؤذن الحجاج، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، والنسائي، وله عند مسلم حديث واحد، وعند النسائي حديث واحد هو هذا، ليس له في الكتب الستة إلا حديثان، أحدهما عند مسلم، والثاني عند النسائي، وهذا الحديث الذي عند النسائي، هو هذا المتعلق بالتكبير عند الركوع والسجود.
وكلمة (الأصم) هذه تطلق على أشخاص، ومنهم من هو من المبتدعة، وهو: أبو بكر بن كيسان الأصم من المعتزلة، قد شذ في مسائل عديدة، انفرد بها عن غيره، وقد سبق أن أشرت إلى بعضها، ويطلق أيضاً هذا اللقب، الذي هو الأصم على: أبي العباس الأصم، وهو ثقة، وهو شيخ للحاكم، روى عنه الحاكم في المستدرك كثيراً.
وعبد الرحمن الأصم صدوق، أخرج له مسلم، والنسائي .
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، حتى توفاه وهو يخدمه، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بطول العمر وكثرة الولد، فكان كما دعا له النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه عمر وكثر ولده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس كالبحر والخدري وجابر وزوجة النبي
فزوجة النبي المراد بها عائشة، فـأنس رضي الله تعالى عنه هو أحد هؤلاء المكثرين، وقد عمر وأدركه من لم يدرك الكثير من الصحابة، أدركه صغار التابعين وأخذوا عنه، وهم لم يدركوا من كان قبله من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
وأما حطيم فهذا ليس من رجال الإسناد، وإنما الراوي يذكر أنه سأله هذه الأسئلة، أو هذين السؤالين، أي: سأل أنس بن مالك : عمن تحفظ هذا؟ فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، ثم سأله وقال: وعثمان ؟ فقال: وعثمان.
شرح حديث عمران بن حصين في التكبير في كل خفض ورفع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حماد بن زيد حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف بن عبد الله صلى علي بن أبي طالب فكان يكبر في كل خفض ورفع يتم التكبير، فقال عمران بن حصين رضي الله عنه: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم].أورد النسائي حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ذكر أنه صلى مع علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان يكبر عند كل خفض ورفع، يتم التكبير، فقال عمران بن حصين : لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن مر الحديث وفيه أن مطرف قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي رضي الله عنه، فكان يكبر عند كل خفض ورفع، فلما انتهوا من الصلاة قال: فأخذ عمران بن حصين بيدي وقال: لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالحديث: من مسند عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، فإنه هو الذي أضاف ذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: هذا الفعل الذي فعله علي رضي الله تعالى عنه، قال: إنه ذكرني صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، وهو التكبير عند كل خفض ورفع، إلا أن ذاك فيه ذكر التكبير في مواضع، وهنا بلفظ أعم حيث قال: عند كل خفض ورفع كان يكبر، ومن المعلوم أنه يستثنى من ذلك القيام من الركوع، فإنه لا يكبر عنده، وإنما يؤتى فيه بسمع الله لمن حمده، ومن المعلوم أن المراد بذلك الغالب، وليس المقصود منه في جميع الأحوال مطلقاً، فإن ذلك مستثنى، أي: الذي هو القيام من الركوع، فإنه رفع، ولكنه لا يكبر عنده، وهذا مثل حديث: ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن )، فإنه يقول مثله مطلقاً، إلا عند حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكذلك هنا قوله: يكبر عند كل خفض ورفع، أي: إلا عند القيام من الركوع، فيقال: سمع الله لمن حمده، ولا يقال: الله أكبر.
تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين في التكبير في كل خفض ورفع
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، متكلم في الرجال، وكثيراً ما يأتي في التراجم: وثقه الفلاس، أو ضعفه الفلاس، والمراد به عمرو بن علي الفلاس هذا.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو القطان، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من النقاد المتكلمين في الرجال بجرحهم وتعديلهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد بن زيد].
وهو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن غيلان بن جرير].
وهو: غيلان بن جرير البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف بن عبد الله].
وهو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران بن حصين].
صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن أبي طالب].
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه في الإسناد ليس من الرواة، ولكنه فعل هذا الفعل، وهذه الهيئة التي قال عنها عمران بن حصين : لقد ذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا القول الذي قاله عمران بن حصين، مشيراً إلى هذه الكيفية التي كان صلاها بهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخريين

شرح حديث: (كان النبي إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخريين.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار واللفظ له، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: سمعته يحدث، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: رفع اليدين عند التكبير عند القيام من الركعتين، يعني: عندما يكبر لقيامه من الركعتين فإنه يرفع يديه، وأورد النسائي في هذه الترجمة، حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حذو منكبيه قال: [ إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما..] إذا قام من السجدتين، المراد بالسجدتين الركعتين، معناه: في الصلاة الرباعية أو الصلاة الثلاثية، بعدما يركع الركعتين، ويجلس للتشهد الأول، ثم يقوم، فإنه عند قيامه يرفع يديه، وهذه من المواطن التي جاءت بها السنة في رفع اليدين عند التكبير، وقد جاء هذا الحديث في صحيح البخاري.
وقد جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين، التكبير في ثلاث مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وجاء في حديث أبي حميد في صحيح البخاري، وفي غيره، الذي هو معنا عند النسائي: أنه كان يكبر عند القيام من الركعتين، وهنا قال: السجدتين، والركعة يطلق عليها أنها سجدة، وقد جاء ذلك في أحاديث، وهذا منها، أي: من الركعتين اللتين هما أول الصلاة، وذلك في الصلاة الرباعية أو الصلاة الثلاثية، فإنه يكبر إذا قام ويرفع يديه، وقد جاء في أحاديث أخرى، سبق أن مرت أنه عندما يسجد، وعندما يقوم، كما صنع حين افتتح الصلاة، يعني: عند تكبيرة الإحرام، فإنه يرفع يديه حذو منكبيه عندما يكبر، فكذلك هنا يرفع يديه حذو منكبيه، أي: أن هذه الحالة أو هذا الرفع إلى المنكبين مثل الهيئة التي كان يفعلها عند الدخول في الصلاة عند الإتيان بتكبيرة الإحرام.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:28 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه ...)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار واللفظ له].أي: لـمحمد بن بشار، فـيعقوب بن إبراهيم الدورقي ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، فإنه توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، يعني: البخاري توفي سنة 256هـ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي توفي سنة 252هـ، ومثله محمد بن بشار، الذي روى معه هذا الحديث الملقب بندار، فإنه أيضاً من صغار شيوخ البخاري، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
وإذاً: فهذان الشيخان اللذان روى عنهم النسائي هذا الحديث هما شيخان لأصحاب الكتب الستة جميعاً، ومثلهم محمد بن المثنى الملقب بـالزمن، فإنه أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً من صغار شيوخ البخاري، والثلاثة الذين هم: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة 252هـ .
قال النسائي: واللفظ له، أي: لـمحمد بن بشار، فمعنى هذا أن لفظ يعقوب بن إبراهيم الدورقي ليس هذا اللفظ، وإنما هو بالمعنى؛ لأنه نص على من له اللفظ منهما وهو محمد بن بشار الملقب بندار .
[حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو القطان البصري المتقدم ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
[حدثنا عبد الحميد بن جعفر].
وهو عبد الحميد بن جعفر البصري، وهو صدوق، رمي بالقدر، وربما وهم، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني محمد بن عمرو بن عطاء].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حميد].
أبو حميد الساعدي، هو المنذر بن سعد بن منذر الأنصاري، مشهور بكنيته أبي حميد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين
شرح حديث ابن عمر في رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا المعتمر سمعت عبيد الله وهو ابن عمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا قام من الركعتين يرفع يديه كذلك حذو المنكبين )].
أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، الذي يروي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع والرفع منه، وعند القيام للركعتين، ورواية المواضع الثلاثة جاءت في الصحيحين، عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، من حديث ابن عمر في الصحيحين، وأما عند القيام من التشهد الأول فهو عند النسائي كما هنا، وليس في الصحيحين، ولكن الذي في صحيح البخاري، عند القيام للتشهد الأول هو من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه المتقدم، فإنه في صحيح البخاري.
والترجمة التي ذكرها المصنف تتعلق برفع اليدين، وهي مثل الترجمة السابقة، إلا أن المقصود من الترجمة الأخيرة كون الرفع يكون حذو المنكبين، هذا هو الذي أراده النسائي رحمه الله، وإلا فإن رفع اليدين عند القيام من الركعتين، هو موضع الترجمة السابقة، لكن هنا المراد به التنصيص على أنه حذو المنكبين.
والحديث دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من حصول رفع اليدين، وأنه حيال المنكبين، وحديث أبي حميد أيضاً دال على هذا.
فإنه قال: حتى يحاذي المنكبين، يعني: حديث أبي حميد، هو نفسه دال على ما دل عليه حديث ابن عمر، من حيث الرفع، ومن حيث محاذاة المنكبين، وطريقة النسائي، مثل طريقة البخاري، أنه يأتي بالتراجم، ويأتي بأحاديث تدل على كل جزئية منها، وإن كان الحديث الذي قبله مشتمل على ما اشتمل عليه الحديث، إلا أن المقصود من ذلك هو الاستدلال بالحديث، إذا جاء من طريق آخر، أو حديث آخر عن صحابي آخر دال على ما دل عليه الذي قبله، والذي قبله أورده عن صحابي، والثاني أورده عن صحابي آخر، وكل منهما دال على رفع اليدين عند القيام للركعتين، وعلى أن ذلك يكون بحذاء المنكبين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حذو المنكبين
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني].وهو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[حدثنا المعتمر].
وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبيد الله وهو ابن عمر].
وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المصغر، تمييزاً له عن أخيه عبد الله بن عمر المكبر، وهو ضعيف، وأما عبيد الله بن عمر الذي معنا فهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وقوله: [وهو ابن عمر، هذه كما عرفنا مراراً وتكراراً الذي أتى بها من دون المعتمر بن سليمان، أتى بما يبين من هو عبيد الله، ولكنه لم يأت بالنسب على الهيئة المعروفة بأن يقول: عبيد الله بن عمر، وإنما قال: هو ابن عمر؛ حتى يعرف أن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، أراد بها أن يوضح من هو هذا الشخص، الذي أهمل ولم ينسب، أهمله تلميذه فلم ينسبه، فذكر من دونه نسبته، ولكنه أتى بلفظة (هو) حتى يعرف أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وكما ذكرت هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، إمام مشهور، محدث، فقيه، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بأن يقوم بجمع السنة، والذي قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
[عن سالم].
وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم، فإن الفقهاء السبعة في المدينة ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال، وقد عرفنا أن الفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق،، هؤلاء متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، الذي معنا، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسالم بن عبد الله بن عمر، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبيه].
وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم في طبقة واحدة وهي طبقة صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء هم العبادلة ، وليس فيهم عبد الله بن مسعود ؛ لأنه متقدم عنهم، إذ كانت وفاته سنة 32هـ، وأما هؤلاء، فكانوا من صغار الصحابة، وقد عاشوا، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة

شرح حديث سهل بن سعد في رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة.أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى حدثنا عبيد الله وهو ابن عمر عن أبى حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: ( انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف، فحضرت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر فأمره أن يجمع الناس ويؤمهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرق الصفوف حتى قام في الصف المقدم، وصفح الناس بـأبي بكر ليؤذنوه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثروا علم أنه قد نابهم شيء في صلاتهم، فالتفت فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: كما أنت، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله وأثنى عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع القهقرى، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فلما انصرف قال لـأبي بكر : ما منعك إذ أومأت إليك أن تصلي؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان ينبغي لـابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للناس: ما بالكم صفحتم؟ إنما التصفيح للنساء، ثم قال: إذا نابكم شيء في صلاتكم فسبحوا )].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة. المقصود من هذه الترجمة، أنه في أثناء الصلاة، وفي حال القيام، فإنه يجوز رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه فعل هذا الفعل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره على ذلك.
وقد أورد النسائي في هذا حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف وهم أهل قباء ليصلح بينهم، وكان قد حصل بينهم شيء، فذهب للإصلاح بينهم، وتأخر، ولما حان وقت الصلاة وانتظروه، وتأخر في الوصول إليهم، طلب بلال من أبي بكر رضي الله عنه أن يؤم الناس، فقام ودخل في الصلاة، ولما دخل في الصلاة، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يشق الصفوف حتى كان في الصف الأول خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فدخل في الصلاة وصفح الناس لـأبي بكر، يعني: يصفقون له يريدون أن يؤذنوه ويعلموه بوصول الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه، لا يلتفت، لكنه لما رآهم أكثروا من التصفيق التفت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بأن يبقى مكانه، يعني: معناه يستمر في الصلاة، ويستمر في إمامته للناس، فقام أبو بكر رضي الله عنه ورفع يديه، وحمد الله وأثنى عليه، لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام له، لكونه أقره وأمره، أو أشار إليه بيده بأن يبقى إماماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، فإنه رفع يديه وحمد الله وأثنى عليه، وهذا هو محل الشاهد للترجمة، وهو فعل أبي بكر رضي الله عنه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن أبا بكر رضي الله عنه مع إذن النبي عليه الصلاة والسلام له، وفرحه بذلك، ورفعه يديه وحمد الله والثناء عليه، لكون النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يستمر في الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام وراءه، إلا أنه لم يبقى إماماً، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما فرغ من صلاته عليه الصلاة والسلام، قال لـأبي بكر : مالك لم تصل، أي: بالناس إذ أمرتك، أي: بالإشارة؟ فقال: ما كان ينبغي لـابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال للناس: (ما بالكم صفحتم؟! إذا نابكم شيء في الصلاة فسبحوا) يعني: بدل التصفيق، وقد جاء في بعض الروايات: ( إنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء ).
والحديث دال على ما ترجم له المصنف من جهة رفع اليدين، وحمد الله والثناء عليه في الصلاة، وفيه: أنه ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، وفيه أيضاً: أن الصلح ينبغي أن يتولاه الكبار، وأنه لا يستسهل به بأن يرسل فيه أحد ليس كبيراً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام باشر ذلك بنفسه، ولم يرسل أحداً من أصحابه ليتولوا هذه المهمة، وليقوموا بهذه المهمة، بل هو عليه الصلاة والسلام باشرها بنفسه، حيث ذهب ليصلح بينهم.
وفيه أن الإمام إذا تأخر، وانتظر الناس، وتأخر عن الوصول، فإنه يتقدم غيره ويصلي بالناس، وفيه: أن الإمام إذا جاء وقد دخل الناس في الصلاة، فإن له أن يشق الصفوف، وأن يمشي بين الصفوف حتى يصل إلى الصف الأول ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تقدم بعدما رجع أبو بكر القهقرى، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وفيه: أنه عندما يحصل أمر يقتضي تنبيه الإمام عليه، فإنه يحصل التسبيح من الرجال وليس التصفيق، كما أرشد إلى ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث كما ذكرت سبق أن مر وهو مشتمل على مسائل عديدة، منها هذه المسائل التي أشرت إليها.
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في رفع اليدين وحمد الله والثناء عليه في الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي .
[حدثنا عبد الأعلى].
وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله هو ابن عمر].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وهو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المصغر تمييزاً له عن أخيه عبد الله بن عمر المكبر، وهذا ثقة، ثبت، وذاك ضعيف.

[عن أبي حازم].
وهو سلمة بن دينار .

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:30 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(222)- باب السلام بالأيدي في الصلاة - باب رد السلام بالإشارة في الصلاة
ورد الثناء على من يعظم شعائر الله ومن ذلك الصلاة فإنه لا يجوز الكلام فيها، حتى رد السلام فإنما يكون بالإشارة. وقد ورد النهي عن التشبه بالحيوانات والبهائم في الصلاة ومن ذلك كيفية التسليم، فقد كان الصحابة يرفعون أيديهم إذا أرادوا الخروج من الصلاة، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وشبه هذا الفعل بفعل الخيل الشمس.
السلام بالأيدي في الصلاة

شرح حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام بالأيدي في الصلاة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبثر عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن رافعو أيدينا في الصلاة، فقال: ما بالهم رافعين أيديهم في الصلاة كأنها أذناب الخيل الشمس؟! اسكنوا في الصلاة )].
يقول النسائي رحمه الله: باب السلام بالأيدي في الصلاة، المقصود بالسلام هنا: الإشارة بالأيدي عند الفراغ من الصلاة، وتحريكها إشارة إلى السلام، بأن يحرك اليدين ويشير باليد اليمنى إلى جهة اليمين، عندما يسلم على اليمين، ويشير باليد اليسرى، عندما يسلم إلى جهة الشمال، والمقصود من هذه الترجمة، السلام بالأيدي الذي لا يجوز؛ لأنه ذكر بعده باباً وهو رد السلام بالإشارة، إذا سلم على المصلي، وهو يصلي، فإنه يرد بالإشارة، هذا هو السائغ الجائز، وأما هذه الترجمة فهي: السلام بالأيدي الذي هو غير سائغ وجائز، وهو تحريك الأيدي ورفعها، والإشارة يميناً وشمالاً عند الفراغ من الصلاة، وعند السلام من الصلاة؛ لأن هذه الهيئة حركة غير مشروعة، وغير جائزة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، وهي من المواضع التي جاءت الشريعة فيها بالنهي عن مشابهة الحيوانات في الصلاة، وهي بروك البعير، وافتراش الذراعين كافتراس السبع، وتحريك الأيدي في الصلاة عند السلام مثلما تفعل الخيل الشمس، وهي التي عندها نفار واضطراب وعدم هدوء، فإن ذيلها يتحرك بسبب حركتها، فهذه الترجمة المقصود منها الهيئة الغير مشروعة التي لا تجوز، والتي فيها مشابهة للبهائم.
وقد أورد النسائي، حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام، خرج عليهم وهم رافعوا أيديهم في الصلاة)، وهذه الرواية مطلقة، لكن جاءت الرواية التي بعدها مفسرة لها ومبينة لها، وأن ذلك عند الخروج من الصلاة، ولهذا النسائي أورد الحديثين تحت باب السلام بالأيدي في الصلاة، أورد الحديثين تحتها، فالرواية الأولى مطلقة، والثانية مفسرة لها ومبينة لها، وأنهم يفعلون ذلك عند خروجهم من الصلاة، يعملون هذه الهيئة، وهي الهيئة التي يفعلها الآن الروافض عند خرجهم من الصلاة، فإنهم ينفرون ويعملون هذا العمل، الذي جاءت الشريعة بالنهي عنه عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقال: ( اسكنوا في الصلاة )، يعني: معناها أن الإنسان لا يعمل هذه الحركة، التي غير سائغة وغير جائزة، وإنما يضع يديه على فخذيه، وإذا سلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، أو يقول: السلام عليكم، ولكن لا يفعل هذه الهيئة التي هي عبث، وعمل غير مشروع في الصلاة.
وقوله: (اسكنوا في الصلاة)، قالها بعد ذكر هذه الهيئة المحرمة، فلا يعني ذلك أن الهيئات التي جاءت في الصلاة بتحريك الأيدي- مثل رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، وكما جاء في بعض الأحاديث في أماكن أخرى في الصلاة في بعض الأحيان- منهي عنها فإن تلك مما جاءت بها السنة.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبثر].
وهو ابن القاسم الزبيدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المسيب بن رافع].
وهو الكاهلي الأسدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن تميم بن طرفة].
وهو تميم بن طرفة الطائي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.
[عن جابر بن سمرة].
وهو جابر بن سمرة بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم عن مسعر عن عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: ( كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فنسلم بأيدينا، فقال: ما بال هؤلاء يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس، أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه ثم يقول: السلام عليكم، السلام عليكم؟ )].وهذه الطريق الأخرى، لحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، هي المبينة والموضحة للطريق السابقة التي ليس فيها تحديد موضع رفع الأيدي في الصلاة، وذلك أنهم كانوا يحركون أيديهم في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما يكفي أحدهم أن يضع يده على فخذه، أو يديه على فخذيه، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم)، فإن الخروج من الصلاة ليس بفعل الأيدي، وإنما هو بهذا الكلام، والالتفات يميناً وشمالاً، فهذا هو ختام الصلاة، وهذا هو نهاية الصلاة، وليس معه حركة تصحبه، مثل تحريك الأيدي في الصلاة كتحريك الخيل الشمس أذيالها، فإن تلك هيئة نهى عنها رسول الله صلى اله عليه وسلم؛ لكونها فيها مشابهة للحيوانات.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في السلام بالأيدي في الصلاة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].وهو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يحيى بن آدم].
وهو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج المطبوع.
[عن مسعر].
وهو مسعر بن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن القبطية].
ثقة، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا خرج له الترمذي، ولا ابن ماجه .
[عن جابر بن سمرة].
وهو الصحابي الذي مر ذكره في الطريق الأولى التي قبل هذه الطريق.
رد السلام بالإشارة في الصلاة

شرح حديث صهيب: (مررت على رسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فردَّ عليَّ إشارة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رد السلام بالإشارة في الصلاة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن بكير عن نابل صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه، فرد علي إشارة، ولا أعلم إلا أنه قال بأصبعه )].
النسائي رحمه الله، بعد ما أورد الترجمة السابقة، وهي: السلام بالأيدي في الصلاة، والمراد من ذلك الخروج من الصلاة، وأن تلك الهيئة محرمة لا تسوغ ولا تجوز، عقبها بهذه الترجمة، التي هي: رد السلام بالإشارة، يعني: إذا سلم على المصلي وهو في الصلاة، فإنه يرد بالإشارة ولا يرد بالكلام، ما يقول: وعليكم السلام ورحمة الله، وإنما يرد بالإشارة، فلما أورد الترجمة السابقة التي فيها السلام بالأيدي في الصلاة، وهو عند الخروج منها، وأورد حديث جابر بن سمرة الدال على أن ذلك غير سائغ، وأن الخروج من الصلاة يكون بالكلام وليس بالإشارة، عقبه بهذه الترجمة التي هي رد السلام بالإشارة.
وأورد تحت هذه الترجمة عدة أحاديث، منها: حديث صهيب بن سنان الرومي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فرد علي بالإشارة، وقال: ولا أعلمه إلا قال بأصبعه )، يعني: أشار بإصبعه، يعني: في رد السلام، فالحديث دال على الترجمة، وأن المصلي يمكن أن يسلم عليه، وأنه يرد بالإشارة وليس بالكلام، وقد جاءت أحاديث متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه كانوا يسلمون عليه وهو يصلي، وكان يرد عليهم بالإشارة، وحديث صهيب هذا، من الأحاديث الدالة على ذلك، حيث أخبر بأنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلم عليه، فرد عليه بالإشارة، وأضاف وقال: (لا أعلم إلا أنه قال بإصبعه)، يعني: أن الراوي عن صهيب يقول: (لا أعلم إلا أنه قال بإصبعه)، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد عليه مشيراً بالإصبع، يعني في رد السلام عليه.
تراجم رجال إسناد حديث صهيب: (مررت على رسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره قريباً.
[حدثنا الليث].
وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الثبت، المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن بكير].
وهو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نابل صاحب العباء].
نابل صاحب العباء والأكسية والشمال، يعني: وهي العبي والشمال جمع شملة، وكذلك الأكسية جمع كساء، فإنه كان معروفاً بها ويقال له: صاحب هذه الأشياء، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له الشيخان، ولا خرج له ابن ماجه .
[عن ابن عمر].
وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء أربعة من الصحابة ممن يسمى عبد الله، والذين يسمون بعبد الله كثيرون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، منهم: عبد الله بن مسعود، ومنهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، ومنهم: عبد الله بن أبي بكر، وجماعة كثيرون يسمون بهذا الاسم، إلا أن لقب العبادلة غلب على هؤلاء الأربعة، وهم من صغار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم في سن متقارب، وقد عاشوا وأدركهم كثيرون ممن لم يدركوا مثل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فـعبد الله بن عمر عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم أحد وعمره أربعة عشر سنة، وطلب أن يجيزه في الجهاد، فلم يأذن له حتى بلغ الخامسة عشرة، وعبد الله بن عباس في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، وعبد الله بن الزبير، هو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، فإنه ولد بقباء في أول ما وصل المهاجرون إلى المدينة، ولد بقباء، فهؤلاء الأربعة هم من صغار الصحابة.
وأيضاً عبد الله بن عمر، من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس الذي هو الحبر أو البحر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
[ عن صهيب].
وهو ابن سنان الرومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث صهيب في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم قال ابن عمر رضي الله عنهما: ( دخل النبي صلى الله عليه وسلم مسجد قباء ليصلي فيه، فدخل عليه رجال يسلمون عليه، فسألت صهيباً وكان معه: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سلم عليه؟ قال: كان يشير بيده )].ثم أورد النسائي، حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، وهو عن ابن عمر يعني يرويه عنه، وهو أن صهيباً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في قباء، دخل مسجد قباء ودخل في الصلاة، فجاء الناس يسلمون عليه، (فكانوا إذا دخلوا وهو يصلي سلموا، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يرد بالإشارة)، وهذا هو المقصود من الترجمة؛ لأن الترجمة: رد المصلي السلام بالإشارة، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يرد على هؤلاء الصحابة الذين يدخلون المسجد وهو يصلي، فيسلمون عليه فيرد عليهم بالإشارة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله؛ لأن صهيباً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه بالإشارة، وهنا يروي صهيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في قباء، والناس يدخلون مسجد قباء فيسلمون عليه وهو يصلي، فيرد عليهم بالإشارة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا دال على أن المشروع في رد السلام من المصلي إذا سلم عليه، إنما هو بالإشارة وليس بالكلام، فلا يخاطب بالكلام فيقول: عليكم السلام، وإنما يرد بالإشارة كما فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:32 AM
تراجم رجال إسناد حديث صهيب في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخر
ىقوله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي].أخبرنا محمد بن منصور المكي وقد سبق أن مر أن النسائي يروي عن محمد بن منصور الجواز، ويروي عن محمد بن منصور الطوسي، وأنه عندما يأتي غير منسوب، وهو يروي عن سفيان، فإنه يُراد به محمد بن منصور الجواز المكي، وهنا جاء منسوباً فقيل له: المكي، لأنه أحياناً ينسبه فيما إذا روى عن سفيان، وأحياناً يهمله فلا ينسبه، وهنا جاء منسوباً، قال: محمد بن منصور المكي، فتبين أنه ليس مهملاً، هذا الموضع ليس من المواضع التي فيها إهمال، وإنما فيها تعيين وتحديد؛ لأن الطوسي خرج بقوله المكي، ولكن عندما يحصل الإطلاق ويقال: محمد بن منصور وهو يروي عن سفيان بن عيينة، فإنه يحمل على المكي؛ لأن ابن عيينة مكي ومحمد بن منصور مكي، فإذاً يحمل على من يكون له به علاقة، ومن له به اتصال، بخلاف الطوسي؛ لأن من كان من غير البلد، فإنه لا يبقى شيخه؛ لأنه لا يروي عنه إلا في أحيانٍ نادرة، يعني: يحصل عن طريق السفر، أو عن طريق رحلة، أو عن طريق تلاقي، أما إذا كان هو وإياه في بلد، دائماً يلقاه ويراه صباحاً ومساء، ويأخذ منه الحديث، فإن هذا يميز به المهمل، ولكن كما ذكرت هنا جاء منسوباً فقيل: المكي.
ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا سفيان] .
وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وسفيان هنا غير منسوب، فيحمل على ابن عيينة وليس الثوري.
[عن زيد بن أسلم].
وهو زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال: ابن عمر].
ابن عمر رضي الله عنهما، وقد مر ذكره.
[عن صهيب].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
فالحديث السابق الذي فيه أن صهيباً سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم فرد عليه، وهذا الحديث الذي أخبر فيه على أن أهل قباء كانوا يدخلون ويسلمون عليه وهو يرد عليهم بالإشارة، كل منهما من رواية صحابي عن صحابي، من رواية ابن عمر عن صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عن عبد الله بن عمر وعن صهيب وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث عمار بن ياسر: (أنه سلم على رسول الله وهو يصلي فرد عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا وهب يعني: ابن جرير حدثنا أبي عن قيس بن سعد عن عطاء عن محمد بن علي عن عمار بن ياسر رضي الله عنه: (أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فرد عليه)].وأورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه: أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فرد عليه، وهنا مطلق الرد، لكن الأحاديث الأخرى، تفسره وتبينه، وأنه بالإشارة وليس بالكلام؛ لأنه ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد بالكلام وهو في الصلاة، وإنما كان يرد بالإشارة، فهذا الحديث المطلق الذي لم يعين فيه كيفية الرد، تبينه الأحاديث الأخرى التي فيها بيان الكيفية، وأنها بالإشارة وليس بالكلام.
تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر: (أنه سلم على رسول الله وهو يصلي فردَّ عليه)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري ؛ لأنه توفي قبل البخاري بأربع سنوات، إذ وفاة البخاري سنة 256هـ ووفاة محمد بن بشار سنة 252هـ، ومثل محمد بن بشار في كونه من صغار شيوخ البخاري، وأنه مات في تلك السنة، شخصان آخران وهما: محمد بن المثنى الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وهم جميعاً ماتوا في سنة واحدة وهي 252هـ، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات. ومحمد بن بشار لقبه بندار .
[حدثنا وهب يعني: ابن جرير].
وهو وهب بن جرير بن حازم الأزدي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: يعني ابن جرير، هذه الإضافة وهي كلمة: يعني: ابن جرير، هذه ممن دون تلميذ وهب، يعني: ممن دون محمد بن بشار، وهو النسائي، أو من دون النسائي، هم الذين أتوا بكلمة: يعني: ابن جرير، وهذه من الطرق، أو الهيئات، أو الصفات، التي يفعلها من يريد ممن كان دون التلميذ، أن يضيف شيئاً أكثر مما ذكره التلميذ؛ لأن محمد بن بشار ما زاد على كلمة: وهب، ما نسبه، ولكن أهمله، لكن النسائي، أو من دون النسائي نسبه، ولكنه أتى بكلمة: يعني، حتى يتبين أنها ليست من كلام محمد بن بشار، وإنما هي من كلام من دونه، فإذاً كلمة (يعني) فعل وفاعل، فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى محمد بن بشار .
[حدثنا أبي].
وأبوه جرير بن حازم الأزدي البصري، وهو ثقة، في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، ومن المعلوم أن هذا الحديث جاءت أحاديث أخرى متعددة بمعناه، وتدل على ما دل عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، الذي هو جرير بن حازم، وهو غير جرير بن عبد الحميد الذي هو متأخر عنه بطبقة، فإن ذاك متقدم بطبقة، وأما جرير بن حازم فهو بطبقة وهب بن جرير .
[عن قيس].
وهو قيس بن سعد المكي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له الترمذي، وما خرج له البخاري في الموصولات، وإنما خرج له في التعاليق.
[عن عطاء].
وهو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن علي].
هو محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بـابن الحنفية، وهو ثقة، عالم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمار].
وهو عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر: (بعثني رسول الله لحاجةٍ ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إلي...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي، فلما فرغ دعاني فقال: إنك سلمت علي آنفاً وأنا أصلي، وإنما هو موجه يومئذ إلى المشرق )].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام بعثه في حاجة، وكان مسافراً وكان راكباً على دابته عليه الصلاة والسلام، فذهب للحاجة، ولما رجع سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم رد عليه بالإشارة؛ لأنه كان يصلي على الراحلة، كان يصلي على راحلته وهو موجه نحو المشرق، يعني إلى غير القبلة، فرد عليه بالإشارة، ولما فرغ دعاه، وقال: (إنك سلمت علي وأنا أصلي)، ثم قال جابر: (أنه موجه إلى المشرق)، يعني: أنه إلى غير القبلة يصلي على الراحلة، وهذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، بأن المصلي إذا سلم عليه يرد بالإشارة، ويدل على أن المسافر يتنفل على راحلته، وأنه يتنفل عليها ولو كانت متجهة إلى غير القبلة، يعني: بأن تكون القبلة وراءه أو عن يمينه أو عن شماله، فالسنة جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وغيره: أنه كان يصلي على الراحلة، وأنه يصلي حيث اتجهت به راحلته الوجهة التي يريدها، سواء كانت إلى القبلة أو إلى غير القبلة، فإنه كان يصلي على الراحلة، فالمقصود، أن حديث جابر بن عبد الله دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، من رد النبي صلى الله عليه وسلم السلام بالإشارة، وهو في الصلاة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (بعثني رسول الله لحاجة ثم أدركته وهو يصلي فسلمت عليه فأشار إليَّ ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].وقد مر ذكرهما.
[عن أبي الزبير].
وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، وأبوه ممن استشهد يوم أحد، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني: جابر بن عبد الله أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذين سبق أن مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث رباعي، من الأحاديث الرباعية، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات ما عنده ثلاثيات، وهذا فيه أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: قتيبة، والليث بن سعد، وأبو الزبير، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
شرح حديث جابر في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن هاشم البعلبكي حدثنا محمد بن شعيب بن شابور عن عمرو بن الحارث حدثني أبو الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: ( بعثني النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته وهو يسير مشرقاً أو مغرباً، فسلمت عليه فأشار بيده، ثم سلمت عليه فأشار بيده، فانصرفت، فناداني: يا جابر، فناداني الناس: يا جابر، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي )].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، من طريق أخرى، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في حاجة، وأنه لما وصل، سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد عليه بالإشارة، ثم أعاد السلام فرد عليه بالإشارة، ثم إنه انصرف، ولما فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلاة نادى جابراً وقال: (يا جابر)، يصوت له ويناديه، فصار الناس يصوتون لـجابر يقولون: (يا جابر)، ينادونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يريده ويدعوه، فكانوا يصوتون حتى يبلغ الصوت إلى جابر، ثم إنه جاء وقال: (يا رسول الله، إني سلمت عليك فلم ترد علي، قال: إني كنت أصلي)، وكان قد رد عليه بالإشارة، يعني: ما رد عليه بالكلام، ولكن رد عليه بالإشارة؛ لأنه سلم مرتين، وكلها يرد عليه بالإشارة، فأفهمه عليه الصلاة والسلام بأن هذه الإشارة التي حصلت منه، إنما هي رد للسلام عليه، ودل هذا الحديث على ما دلت عليه الأحاديث السابقة من أن المصلي إذا كان يصلي وسلم عليه آخر، فإنه يرد بالإشارة وليس بالكلام.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في رد السلام بالإشارة في الصلاة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن هاشم].وهو محمد بن هاشم البعلبكي، وهو صدوق، خرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا محمد بن شعيب بن شابور] .
صدوق، صحيح الكتاب، حديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
[عن عمرو بن الحارث].
وهو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو الزبير عن جابر].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة

رد السلام بالإشارة في النفل وعلاقة ذلك بالفرض
السؤال: هل رد السلام بالإشارة خاص بالنوافل أم مطلق؟الجواب: لا، مطلقاً، حتى الفريضة.
مدى أفضلية ترك السلام على المصلي إذا كان فيه تشويش عليه
السؤال: إذا كان المصلي من وراء ستار بحيث لا يراه المسلم، فهل يشرع أن يرد السلام بالإشارة؟الجواب: هو رد السلام بالإشارة إذا سلم على شخص وهو يصلي، ومن المعلوم أن السلام إنما يكون عندما يراه، أما إذا كان بينه وبينه ستار فكيف يسلم عليه وهو ما رآه،؟!ثم أيضاً ما ينبغي للإنسان كل ما دخل، يسلم على الناس وهم في الصلاة؛ لأن هذا يشوش عليهم، لكن هذا يدل على أن ذلك جائز، لكن ما يرفع الصوت، وإنما يكون بخفض الصوت، وإذا لم يحصل السلام على المصلين فهو أولى، يعني: لما قد يحصل فيه من التشويش عليهم، بخلاف ما إذا كان واحد يتنفل أو واحد يصلي على حدة، الأمر في ذلك أهون، لكن إذا كانوا جماعة وسلم عليهم، يعني: يكون فيه تشويش عليهم، لا سيما إذا كان فيه رفع صوت، فأمر السلام ليس لازم.. أولاً: السلام كما هو معلوم ابتداؤه سنة حتى في غير الصلاة، ورده واجب.
كيفية رد السلام بالإشارة في الصلاة
السؤال: كيف يكون رد السلام بالإشارة في الصلاة؟ نريد تطبيقاً عملياً.الجواب: هو جاء في الحديث أنه أشار بأصبعه، (ولا أعلم إلا أنه قال-في الحديث الأول- بأصبعه) يعني: أشار بأصبعه.
حكم رد السلام بالإشارة أثناء الخطبة
السؤال: هل يشرع رد السلام بالإشارة أثناء خطبة الجمعة؟الجواب: إذا جاز رد السلام في الصلاة، فخطبة الجمعة دونها، يعني: لا بأس بذلك، لكن كما قلت: إن السلام على الناس، ورفع الصوت عليهم، يحدث تشويشاً، فعدمه أولى.
مدى صحة اعتبار السنن الكبرى للنسائي من الكتب الستة
السؤال: هل السنن الكبرى للنسائي من الكتب الستة؟الجواب: السنن الصغرى هي التي تعد إحدى الكتب الستة، المراد بها الصغرى المجتبى وليس الكبرى.
وصف الله بالملل بين الإثبات والنفي
السؤال: جاء في الحديث: ( إن الله لا يمل حتى تملوا )، فهل فيه إثبات صفة الملل له عز وجل؟الجواب: لا، لا يدل على إثبات صفة الملل،والمعنى انه حتى إن حصل منهم الملل هو لا يمل، وليس معنى ذلك أنهم يملون ثم يمل، وإنما إنه إذا وجد منهم ملل فإنه لا يمل حتى لو ملوا، فلا يوصف الله بالملل، ولا يوصف بصفة الملل؛ لأن صفة الملل صفة نقص.
تفويض الكيفية وتفويض المعنى وعلاقة كل منهما بعقيدة السلف
السؤال: ما هو معنى التفويض؟ وهل هو من عقيدة السلف؟الجواب: التفويض تفويضان: تفويض كيفية، وهذه من عقيدة السلف، ولهذا جاء عن الإمام مالك رحمة الله عليه قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، يعني: كيف استوى، هذه لا يجوز الخوض فيها، ولا يجوز الكلام فيها، والتفويض في ذلك متعين، الله تعالى أعلم بالكيفية التي حصل بها الاستواء، لكن معنى الاستواء معلوم، وهو الارتفاع والعلو على العرش، فهذا هو معناه، فلا يفوض بالمعنى ولكن يفوض بالكيف، فالتفويض بالكيف هي طريقة السلف، والتفويض بالمعنى ليست طريقة السلف، وإنما هي طريقة المتكلمين؛ لأن المتكلمين صنفان، صنف يؤول وصنف يفوض، ويقول أحد من كتب في عقيدة هؤلاء:
وكل لفظ أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنزيها
فتفويض المعنى أن يقول الإنسان: أنا ما أعلم ما معنى الكلام هذا: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) [طه:5] الله أعلم بمراده! ما ندري ما معناها، ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [المائدة:64]، ما يدري ما معناه، وغير ذلك من الصفات، يقول: يكون المعنى غير معلوم، وهذا كلام لا شك أنه ليس بصحيح، وليست هذه عقيدة السلف، بل عقيدة السلف أنهم خوطبوا بكلام يعرفون معناه، وأنهم يفهمون المعنى الذي خوطبوا به، ولكنهم لا يبحثون عن الكيفية، والإمام مالك رحمه الله تعالى ذكر أن الاستواء معلوم؛ لأن الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه، والكيف هو المجهول، الاستواء معلوم هو الارتفاع والعلو، هذا هو معناه، لكن الكيف هو المجهول، فتفويض المعنى ليس من طريقة السلف، وإنما هي من طريقة الخلف، أو سلف الخلف.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:34 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(223)

- (باب النهي عن مسح الحصى في الصلاة) إلى (باب التشديد في الالتفات في الصلاة)
الصلاة عمود الدين، والإتيان بها ينبغي أن يكون بخشوع واطمئنان؛ ولذلك نهى الشرع عما ينافي الخشوع في الصلاة، ومن ذلك: مسح الحصى، ورفع البصر إلى السماء، وشرع للمصلي النظر إلى موضع السجود.
النهي عن مسح الحصى في الصلاة
شرح حديث: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مسح الحصى في الصلاة. أخبرنا قتيبة بن سعيد والحسين بن حريث واللفظ له عن سفيان عن الزهري عن أبي الأحوص عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه)].
عقد النسائي هذه الترجمة وقال: النهي عن مسح الحصى في الصلاة، والمقصود من هذه الترجمة أن الإنسان عندما يكون في الصلاة لا يمسح الأرض بيديه، ولكنه يمكن إذا كان الأمر يقتضي ذلك بأن يسوي الأرض أمامه إذا كان فيها شيء من التعرج، أو شيء من الارتفاع، والانخفاض، مثل الرمل ونحوه مما يحتاج إلى أن يمسح، فيكون ذلك مرة واحدة كما جاء الحديث الذي بعد هذا بالترخيص، وإلا فإن المسح من غير حاجة عبث ولا يصلح.
وقد أورد النسائي فيه هذا الحديث حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم في الصلاة -أي: دخل بها، واشتغل بها- فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه).
ومعنى هذا أن الإنسان يكف عن مسح الأرض، ولا يشتغل بذلك؛ لأن فيه شيئاً من العبث، والحديث يقول: فإن الرحمة تواجهه، يعني: في كونه لا يمسح الأرض وتبقى على هيئتها، ولكن الحديث الذي بعد هذا يقول: وإن كان ولابد فمرة واحدة حتى تستوي الأرض، وعندما يسجد الإنسان عليها لا يكون فيها شيء من التعرج، والانخفاض، والارتفاع الذي يؤثر على الإنسان في صلاته، بل في سجوده يؤثر ذلك عليه، فجاءت السنة بأن المسح سائغ للحاجة، والضرورة التي تقضي ذلك، وليس هذا من قبيل العبث، ولكن من قبيل مصلحة الصلاة؛ فيما إذا كانت الأرض فيها شيء من عدم الاستواء، ومسحها يحصل به المقصود.
وهذا الحديث الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة قال بثبوته بعض العلماء، وبعض أهل العلم ضعفه من جهة أبي الأحوص الذي في إسناده، وذلك أنه شخص لم يعرف بالرواية عنه إلا الزهري، فلم يرو عنه إلا شخص واحد، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فقيل عنه: إنه مجهول، والحافظ في التقريب قال عنه: مقبول، ومقصوده من ذلك أنه إذا اعتضد، ووجد ما يساعده ويؤيده فإنه يرتفع إلى درجة القبول، ويكون حديثه من قبيل الحسن، أي: الحسن لغيره، والشيخ الألباني قد ضعف الحديث، وجعل السبب في ذلك هو أبو الأحوص الذي جاء ذكره في هذا الإسناد.
تراجم رجال إسناد حديث (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى...)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، واسمه من الأسماء المفردة التي لم تكثر التسمية بها، أو لم يتكرر التسمية بها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[والحسين بن حريث].
هو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فإنه لم يخرج له شيئاً.
قال النسائي: (واللفظ له) لأنه ذكر شيخين من شيوخه روى عنهما هذا الحديث، وقال بعد ذكر الشيخين: واللفظ له، وهو يرجع إلى الحسين بن حريث، يعني: أن هذا لفظه، اللفظ المذكور المثبت هو لفظ شيخه الثاني.
وسبق أن ذكرت فيما مضى: أن النسائي ينص كثيراًعلى من له اللفظ إذا ذكر شيخين، والغالب أنه يكون للثاني منهما كما هنا؛ لأنه ذكر قتيبة، والحسين بن حريث وقال: واللفظ له، الضمير يرجع إلى أقرب مذكور وهو الحسين بن حريث، فالضمير يرجع إليه، وأحياناً يسكت، ولا يبين من له اللفظ، ولكنه في نهاية الحديث يذكر أن هذا لفظ فلان، ولفظ فلان كذا، وليس هناك قاعدة مطردة عند النسائي بحيث يقال: بأنه إذا لم يذكر من له اللفظ يكون للأول أو للثاني من الشيخين الذين ذكرهما، فليس هناك شيء ثابت عند النسائي في هذا الموضوع إذا لم ينص على من له اللفظ، والإمام البخاري رحمة الله عليه من عادته ومن طريقته أنه إذا ذكر شيخين، فإنه يجعل اللفظ للثاني منهما، ولا ينص عليه، ويقول: واللفظ لفلان، ولكن يقول: حدثنا فلان، وفلان، فيكون اللفظ للثاني منهما، بدليل أنه يكرر الحديث في موضع آخر، فيأتي بالشيخ الأول الذي ذكر في الإسناد، فيكون لفظه يختلف عن اللفظ المثبت الذي فيه رواية شخصين، فقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد عرف بالاستقراء من صنيعه -أي: من صنيع الإمام البخاري- بأنه إذا ذكر الحديث عن شيخين، فإن اللفظ للثاني منهما، وذلك أنه قد يذكر الحديث مرة أخرى، ويعيده، ويجعله بلفظ الأول، فيكون لفظه مغايراً للفظ الذي أثبته عن شيخين، وصار اللفظ للأخير منهما، وهي عادته وطريقته رحمة الله عليه.
والنسائي -كما قلت- بخلافه، فليس له قاعدة ثابتة مستمرة، أحياناً يقول: واللفظ لفلان، وهذه طريقة مسلم، يعني: ينص على من له اللفظ، وأحياناً يسكت، ويبين في الآخر بأن هذا لفظ فلان، ولفظ فلان كذا، فأحياناً تكون الإشارة للفظ الشيخ الثاني، وأحياناً يكون لفظ الشيخ الأول، ويستنتج من هذا أنه ليس هناك قاعدة مستمرة ثابتة يسير عليها النسائي في بيان من له اللفظ من الشيخين الذين يذكرهما، ولا يذكر اللفظ مضافاً إلى أحدهما.
[عن سفيان].
وسفيان هو ابن عيينة، وسفيان مهمل غير منسوب، والمهمل هو الذي يذكر اسمه، ولا يذكر اسم أبيه وجده، فيسمى المهمل، وهو يحتمل سفيان بن عيينة، ويحتمل سفيان الثوري، ولكن سفيان بن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، والثوري ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وعلى هذا فيكون هذا المهمل المراد به ابن عيينة، وليس سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة المكي ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري] .
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين الذين لقوا صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الأحوص].
أبو الأحوص يطلق على جماعة اشتهروا بهذه الكنية، والمراد بها هنا أبو الأحوص مولى بني ليث أو غفار، وهو مقبول أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي ذر].
وهو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة فيه مرة
شرح حديث معيقيب في الرخصة في مسح الحصى في الصلاة مرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة فيه مرة.أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني معيقيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن كنت لا بد فاعلاً فمرة)].
هنا أورد النسائي الرخصة في ذلك، أي: في مسح الأرض في الصلاة، وأورد حديث معيقيب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كنت لابد فاعلاً فمرة)، يعني: إذا كان ولابد من مسح الأرض لحاجة، أو لتسويتها أمام الوجه، عندما يريد الإنسان أن يسجد، لا سيما إذا كان فيها شيء من التعرج، والانخفاض، والارتفاع فليكن ذلك مرة واحدة في البداية، ثم لا يعود إلى مسحها بعد ذلك؛ لأن المسح من أجل تسويتها أمام الوجه في الصلاة يكون في أول مرة، ثم بعد ذلك تترك فلا يتعرض لها بمسح.
فكون النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن كنت لابد فاعلاً فمرة) فيه إرشاد إلى عدم التسوية؛ لأن قوله: (إن كنت لابد فاعلاً فمرة)، هذه الصيغة تدل على الابتعاد عن التسوية، وأنه إذا كان ولابد من التسوية، والأمر يقتضيها فليكن ذلك مرة واحدة لتسويتها أمام الوجه في الصلاة، ويكون ذلك في أول الصلاة، ثم لا يعود إليها مرة أخرى فيسويها بيده؛ لأن هذا فيه عبث، وانشغال في الصلاة في غير طائل.
أما المرة الأولى التي فيها مصلحة، فالحديث يدل عليها، وأن الأمر في ذلك سائغ، حيث أرشد إليها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث معيقيب في الرخصة في مسح الحصى في الصلاة مرة
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر المروزي، لقبه الشاه، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وكثيراً ما تأتي الأسانيد عند النسائي فيها رواية سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك .
[عن عبد الله بن المبارك المروزي].
ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، ذكر الحافظ ابن حجر جملة من صفاته الحميدة في تقريب التهذيب، وقال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأوزاعي].
فقيه الشام، محدث، ومشهور بهذه النسبة الأوزاعي، وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأنه ابن عمرو وهو أبو عمرو، فكنيته توافق اسم أبيه، وفوائد معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث دفع توهم أن يكون الشخص الواحد شخصين، ودفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بكنيته مع اسمه، وهو معروف باسمه، ونسبه، فإن من لا يعرف يظن أن (أبا) مصحفة عن (ابن)، لكن من يعرف أن الشخص أبوه عمرو وكنيته أبو عمرو فإن ذلك لا يلتبس على الإنسان، وإنما يعلم بأنه يذكر أحياناً بالكنية، وأحياناً بالنسبة، وكل منهما صحيح لا غبار عليه، ولا إشكال فيه.
[عن يحيى بن أبي كثير].
وهو اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يدلس، ويرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو سلمة].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن هذا قيل عنه: إنه أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، والأقوال في ذلك ثلاثة، أي: في السابع منهم، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه هي الأقوال الثلاثة في السابع، وأما الستة الباقون فإنه لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة.
[حدثني معيقيب].
وهو ابن أبي فاطمة الدوسي، وهو صحابي من السابقين الأولين، وممن هاجر الهجرتين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة
شرح حديث: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء ... لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة. أخبرنا عبيد الله بن سعيد وشعيب بن يوسف عن يحيى وهو ابن سعيد القطان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)].
وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وذلك أن الإنسان عندما يصلي يرسل بصره إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره إلى السماء، ولا يشغله في الجهات المختلفة، وإنما يجعله إلى موضع السجود.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في الصلاة، لينتهين عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)، معناه: إما أن يحصل الانتهاء، وإما أن تحصل لهم هذه العقوبة، وهو دال على تحريم رفع البصر إلى السماء؛ لأنه توعد عليه بهذه العقوبة، وهي كون أبصارهم تخطف إذا لم يحصل الانتهاء عن هذا العمل الذي هو رفع البصر إلى السماء، ومعنى هذا أن الإنسان عندما يصلي ينظر إلى مكان سجوده، ولا يرفع بصره إلى السماء، وأن رفع بصره إلى السماء قد يترتب عليه تلك المفسدة، وهي أن تخطف أبصارهم، وأن يسلبوها، فلا يحصل لهم الإبقاء على هذه النعمة العظيمة التي هي نعمة البصر.
والنبي عليه الصلاة والسلام كان من عادته أنه يأتي بالنصح، والتوجيه عاماً، وإن كان مورده خاصاً، وسببه خاصاً، بأن يكون مثلاً وجد شخص أو أشخاص عرفوا بهذا الأمر، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام من أدبه، وحسن خلقه أنه كان يأتي بمثل هذه العبارة فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فيكون هذا الحكم الذي يعلن عاماً، يستفيد منه صاحب السبب الذي هو كان سبب ذكر هذا الكلام، وغيره، فتكون الفائدة أعم، والمقصود أشمل وأعظم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:37 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء ... لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقد سبق ذكره مراراً، وأطلق عليه هذا اللقب؛ الذي هو سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده ونشرها، فصار يقال عنه أو كان يوصف بهذا الوصف الذي هو وصف سني.
[وشعيب بن يوسف].
هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، صاحب حديث، خرج حديثه النسائي وحده، فهو من أهل بلد النسائي، وكل منهما ينسب إلى ذلك البلد فيقال له: النسائي.
[عن يحيى وهو ابن سعيد القطان].
وهو ابن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: هو ابن سعيد القطان) الذي قالها هو من دون تلميذه؛ الذي هو شعيب بن يوسف.
[عن ابن أبي عروبة].
وهو سعيد بن أبي عروبة البصري، وهو ثقة، من أثبت الناس في قتادة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء أن يلتمع بصره)].وهنا أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث رجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم غير مسمى -يعني: مبهم- أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن رفع البصر في الصلاة، وقال: (أن يلتمع بصره)، معنى ذلك: أنه يصاب، وهو مثل الذي قبله (أن يخطف بصره)، يعني: يحصل له شيء يذهبه، ويزيله، عقوبة له على هذا العمل الذي عمله، وهو رفع البصر إلى السماء، وهو دال على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة، فهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله].مر ذكرهما قريباً.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وقد مر ذكره، وهو الزهري، ينسب ويقال: أحياناً ابن شهاب، وأحياناً يقال: الزهري.
[عن عبيد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة.
عن رجل من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الرجل أو مثل هذا التعبير إذا قيل: عن رجل يقال له: المبهم، وقد مر أنه إذا ذكر الشخص، ولم ينسب يقال له: المهمل، وإذا ذكر اسمه ولم يذكر نسبه يطلق عليه: المهمل، وإذا أبهم فلم يعرف شخصه؛ بأن قيل: عن رجل فإنه يقال له: المبهم، ومن المعلوم أن الإبهام فيه جهالة الراوي، وهذه تؤثر فيما إذا كان ذلك المجهول، وذلك المبهم من غير الصحابة، أما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فكلهم عدول، ويكفي في الواحد منهم أن يعرف بأنه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكفي شرفاً، وفضلاً أن يقال عنه: إنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التشديد في الالتفات في الصلاة
شرح حديث: (لا يزال الله مقبلاً على العبد ... فإذا صرف وجهه انصرف عنه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في الالتفات في الصلاة. أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري سمعت أبا الأحوص يحدثنا في مجلس سعيد بن المسيب، وابن المسيب جالس أنه سمع أبا ذر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه)].
وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب التشديد في الالتفات في الصلاة، يعني: في التشديد فيه، في إنكاره ومنعه، وأورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه)، يعني: جزاءً وفاقاً، وعقوبة له على ما حصل، وهذا من جنس الحديث الذي فيه الثلاثة الذين جاءوا والرسول صلى الله عليه وسلم يحدث، وفيهم من وجد فرجة وجلس فيها، والثاني استحيا، وجلس، والآخر أعرض، فقال عليه الصلاة والسلام: (وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)، الجزاء من جنس العمل، فكما أعرض عن ذكر الله، وعن الجلوس في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام أعرض الله عنه عقوبة له من جنس العمل؛ وهو الإعراض، فالله تعالى يعرض عنه، ويصرف وجهه عنه، وذلك عقوبة له على ما حصل منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يزال الله مقبلاً على العبد .. فإذا صرف وجهه انصرف عنه)
وإسناد الحديث سبق أن مر ذكر الرواة الذين جاءوا فيه، وهم سويد بن نصر، وعبد الله بن المبارك، ويونس بن يزيد، والزهري، وأبو الأحوص، وأبو ذر.والحديث ضعفه الشيخ الألباني بسبب أبي الأحوص، كما هو الحال في الحديث السابق.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الزيادة على اثنتي عشرة ركعة في صلاة التراويح وكيفية أداء السلف لها
السؤال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح يصلون التراويح أكثر من اثني عشر ركعة، ونقل ذلك إلينا برواية صحيحة؟الجواب: المعروف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الليل إحدى عشرة ركعة، وجاء عن عائشة أنه ما كان يزيد على ذلك لا في رمضان، ولا في غيره، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى في رمضان، وفي آخر الشهر، وجاءه الناس وصلوا بصلاته، وفي الليلة التي تليها علم بعضهم بعضاً، وأخبر بعضهم بعضاً، فازداد العدد، وصلى بهم، وبعد ذلك كثر الناس حتى امتلأ المسجد، ووقفوا ينتظرون خروجه عليه الصلاة والسلام، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما خرج إليهم، وأخبرهم بأنه ترك ذلك، وأنه لم يستمر؛ خشية أن يفترض عليهم، وهذا من مكارم أخلاقه عليه الصلاة والسلام، وشفقته على أمته، وحرصه على راحتها، وعدم الوقوع فيما فيه حرج عليها، ومشقة عليها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وبعد ما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزال ذلك الذي خشيه النبي عليه الصلاة والسلام من الفرض، بقي الاستحباب على ما كان عليه من فعله عليه الصلاة والسلام، ولما زال ذلك المحذور جمع عمر الناس على إمام.
والدليل على الزيادة عن إحدى عشرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فهذا هو الدليل الذي يستدل به على جواز الزيادة عن إحدى عشر التي كان يفعلها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
مداخلة: وهل صح التفريق بين صلاة التراويح وصلاة الليل في رمضان؟
الشيخ: صلاة التراويح هي صلاة الليل، أطلق عليها هذا وأطلق عليها هذا، يقال لها: قيام رمضان، ويقال لها: صلاة التراويح.
الوضوء من أكل لحوم الإبل
السؤال: ما رأيك في أكل لحوم الإبل، هل نتوضأ منها أم لا؟الجواب: نعم يتوضأ منها؛ لما جاء في الحديث في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: نعم، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: إن شئتم، فدل ذلك على الوضوء، وعلى أنه يتوضأ من لحوم الإبل، فقد ثبت في السنة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه من المسائل التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، فقد قال بعض أتباعه: وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي، أي: حكماً؛ لأنه علق القول به على صحة الحديث، والحديث قد صح، فيكون الشافعي ممن يقول به.
كيفية وجود القرآن الكريم في اللوح المحفوظ
السؤال: هل القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ أم ذكر القرآن؟الجواب: القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ كما جاء في القرآن: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ )[الواقعة:75-79]، فهو مكتوب، وأما الذكر فهو في الكتب السابقة، هي التي فيها ذكر القرآن، مثل قوله: ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ )[الشعراء:196]، أي: ذكره في زبر الأولين، وليس هو ألفاظه، ونصوصه في زبر الأولين؛ لأن القرآن لم ينزل على أحد قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي في الكتب السابقة ذكره وليس لفظه ونصه، فالقرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، ومذكور في الكتب السابقة.
الإتيان بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول
السؤال: هل في التشهد الأول في الصلاة يأتي المصلي بالتحيات، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أم يكتفي بالتحيات؟الجواب: إذا اكتفى بالتحيات فإنها كافية، لكن إن أتى بالصلاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا بأس بذلك.
حكم الخروج من المسجد أثناء الأذان وبعده
السؤال: ما حكم الخروج من المسجد وقت الأذان أو بعده، والذهاب إلى مسجد آخر لغير ضرورة مع الدليل؟الجواب: الإنسان إذا أراد أن يخرج من المسجد لأمر من الأمور فليكن خروجه قبل الأذان، وأما إذا حصل الأذان ووجد الأذان فليس له أن يخرج؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه ما يدل على منع ذلك، وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه رأى رجلاً خرج من المسجد فقال: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم).
ثم أيضاً فيه تشبه بالشيطان؛ لأن الشيطان إذا سمع الأذان فإنه ينفر من سماع الأذان، فالخروج من المسجد بعد الأذان لا يجوز إلا إذا كان هناك ضرورة تقتضيه.
حكم قول: صدفة
السؤال: ما حكم قول: صدفة في الشرع، مثل قول بعض العامة: صدفة خير من ألف ميعاد؟الجواب: مثل هذا التعبير إذا أريد به بالنسبة للإنسان؛ كون الشيء يحصل صدفة لا بأس به، أما بالنسبة لله عز وجل فلا يجوز أن يضاف إليه ويقول: إنه حصل صدفة؛ لأن كل ما يحصل هو بعلم الله، وبمشيئة الله، وبإرادة الله، ولا يقع في ملك الله إلا ما شاءه الله، ولكنه بالنسبة للإنسان يكون صدفة، بمعنى أنه على غير اتفاق، ومن غير مواطأة، فإذا قيل عنه: صدفة فلا بأس، أما بالنسبة لله عز وجل فلا يضاف إليه ويقال: إنه صدفة؛ لأنه لا يقع شيء إلا بإذن الله، ومشيئة الله، وإرادة الله، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
حكم الجهر بالقراءة في صلاة النافلة والإسرار في صلاة المغرب
السؤال: ما حكم من صلى النافلة جهراً أو صلاة المغرب سراً مع الدليل؟الجواب: النافلة إذا كانت في النهار فإنها تكون سرية، وإذا كانت في الليل فيمكن للإنسان أن يجهر، إلا إذا كان يتأذى بجهره أحد فإنه لا يجهر؛ لما يترتب على ذلك من الأذى، وبالنسبة للصلاة الجهرية إذا قضيت فإنه يجهر بها، وإن أسر بها جاز؛ لأن الجهر سنة وليس بواجب.
حكم الإتيان بذكر الركوع في السجود وذكر السجود في الركوع
السؤال: من قال في ركوعه: سبحان ربي الأعلى، وفي سجوده: سبحان ربي العظيم، ما الحكم مع الدليل؟الجواب: الواجب هو الإتيان بالأدعية إذا جاءت في أحوال معينة على الكيفية التي جاءت، ومن المعلوم أنه قد جاء في السجود أن يقال: سبحان ربي الأعلى، وكما في الركوع أن يقال: سبحان ربي العظيم، فالسنة إذا جاءت بألفاظ معينة في أوقات معينة فإنه يؤتى بها على الهيئة التي جاءت عليها، بأن يؤتى بها على هذه الحال.
أقسام الموضحة في القصاص وحقيقتها
السؤال ما هي أقسام الموضحة في القصاص؟الجواب: الموضحة هذه شجة من الشجاج التي توضح العظم، يعني: يكون لها عمق بحيث يظهر العظم، ويلوح؛ لإزالة اللحم الذي فوقه، فهذه يقال لها: الموضحة، والشجاج لها أسماء يمكن للإنسان أن يطلع عليها في كتب الفقه، يعني: منها المأمومة، ومنها الموضحة، وأسماء متعددة.


موضع نظر المصلي أثناء صلاته
السؤال: ذكرتم النظر إلى موضع السجود، وموضع السجود من أعلى الجبهة إلى القدمين، فأين يضع بصره، هل يضعه مكان موضع رأسه، أو بطنه، أو قدمه؟الجواب: موضع السجود مكان سجود وجه الإنسان؛ لأن هذا هو موضعه؛ لأن في حال الجلوس لا يوجد أمامه إلا مكان الوجه، نعم، في حال القيام عنده مساحة، ولكن في حال الجلوس ليس عنده إلا المكان هذا، فمكان سجوده هو الذي يسجد عليه وجهه؛ فالمقصود من ذلك هو مكان السجود الذي يسجد عليه بوجهه، فلا ينظر إلى موضع رجليه، ولا موضع ركبتيه، وإنما ينظر إلى موضع رأسه.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:39 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(224)

- تابع باب التشديد في الالتفات في الصلاة - باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً
حرص الشرع الحكيم كل الحرص على أن المصلي إذا أقبل على الصلاة لابد أن يقبل عليها قلباً وقالباً ولهذا نهى عن الالتفات، ولكن يجوز في بعض الأحيان الالتفات وذلك للحاجة.
تابع التشديد في الالتفات في الصلاة
شرح حديث عائشة: (أنها سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال:اختلاس يختلسه الشيطان ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في الالتفات في الصلاة. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا زائدة عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة)].
يقول النسائي رحمه الله: التشديد في الالتفات في الصلاة، أورد النسائي فيه عدة أحاديث، منها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، وهو دال على الامتناع منه، ودال على تركه والابتعاد عنه، وأنه لا يصير الإنسان إليه إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئ إليه كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، وكما سبق أن مر بنا في قصة أبي بكر رضي الله عنه، وأنه كان لا يلتفت في الصلاة، فلما رآهم أكثروا من التصفيق التفت، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، فأشار إليه بأن يبقى مكانه، ويصلي، فرفع يديه، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم إنه رجع القهقرى، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هناك أمر يقتضيه، ويلجئ إليه، فإنه يمكن للإنسان أن يلتفت للحاجة التي تدعو إلى ذلك، وإلا فإن ذلك غير سائغ، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث -حديث عائشة- بأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد؛ ومعنى ذلك أن الالتفات فيها ينقصها، ويقلل أجرها؛ لأن فيه انشغالاً عن الإقبال على الله عز وجل، والاتجاه إليه في الصلاة التي فيها المناجاة لله سبحانه وتعالى، فهو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، ومعلوم أن الشيطان يسعى في إفساد العمل على صاحبه؛ إما بإفساده من أصله، أو بحصول ما ينقصه ويقلل أجره.
وسؤال عائشة رضي الله عنها للرسول عليه الصلاة والسلام عن الالتفات في الصلاة، يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام من الحرص على معرفة أمور الدين، وأنهم كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عما يحتاجون السؤال عنه، فيجيبهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بما يوضح لهم الحق، وبما يهديهم إلى الصراط المستقيم.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها سألت رسول الله عن الالتفات في الصلاة فقال: اختلاس يختلسه الشيطان...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو مشهور بهذا اللقب، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الرجال، فيذكرون قوله في كتب الرجال فيقولون: ضعفه الفلاس، وثقه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، وهو: محدث، ناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الرحمن].
هو ابن مهدي البصري، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زائدة].
هو ابن قدامة الثقفي، وهو: ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث بن أبي الشعثاء].
هو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبيه].
هو أبو الشعثاء المحاربي واسمه سليم بن أسود، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله عز وجل براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وذلك دال على فضلها، ونبلها، ونزاهتها، ودال على شرفها، وأن الله عز وجل أنزل فيها آيات تتلى في كتابه الكريم منوهة بشأنها، وبفضلها، وببراءتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصحابية الوحيدة المعروفة بالكثرة الكاثرة من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي من السبعة المكثرين من رواية الحديث؛ لأن المكثرين من رواية الحديث من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام سبعة؛ ستة من الرجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهي من أوعية السنة التي حفظت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا سيما السنن المتعلقة بالبيوت التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنها حفظت، ووعت الشيء الكثير من تلك السنن عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ورضي الله عنها وأرضاها.
طريق ثانية لحديث عائشة: (أنها سألت رسول عن الالتفات في الصلاة...) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله].أورد النسائي طريق أخرى للحديث، وقال: [بمثله]، يعني: بمثل الرواية السابقة، وهي أن عائشة سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، فهو مثله، يعني: مماثل له في لفظه ومعناه، وكلمة: (بمثله) يريدون بها إذا قالوها المماثلة في اللفظ والمعنى، واتفاق الرواية التي لم تذكر مع الرواية المذكورة قبلها لفظاً ومعنى، هذه هو المراد بكلمة: بمثله، وهي تختلف عن بـ(نحوه)، فإن كلمة (نحوه) لا تدل على مطابقة باللفظ، ولكنها تدل على الاتفاق بالمعنى ومع الاختلاف في الألفاظ، فيفرقون بين ما كان اللفظ، والمعنى في المحذوف، مثل المثبت، وبين ما إذا كان المحذوف يتفق مع الذي أثبت بالمعنى دون اللفظ، ويعبرون عن الأول بمثله كما هنا، ويعبرون عن الثاني بنحوه، أي: أنه متفق معه في المعنى وإن حصل اختلاف بالألفاظ، وأما بمثله ففيه اتفاق بالمعنى واتفاق بالألفاظ.
9موإسناد الحديث هو مثل الإسناد الذي قبله، إلا أن فيه زيادة [أبي الأحوص]. وهو: سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والباقون قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
طريق ثالثة لحديث عائشة: (أنها سألت رسول الله من الالتفات في الصلاة...) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا إسرائيل عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي عطية عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله].هنا أورد النسائي طريقاً أخرى وقال في نهايتها: بمثله، أي: بمثل الرواية السابقة المثبتة.
أما رجال الإسناد، فهم نفس رجال الإسناد المتقدمين إلا شخصين؛ أحدهما: [إسرائيل]، والثاني [أبو عطية].
أما إسرائيل فهو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأبو عطية هو مالك بن عامر الوادعي الهمداني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
شرح أثر عائشة: (إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هلال بن العلاء بن هلال حدثنا المعافى بن سليمان حدثنا القاسم وهو ابن معن عن الأعمش عن عمارة عن أبي عطية قال: قالت عائشة رضي الله عنها: إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة].أورد النسائي هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها، وهو أثر عن عائشة رضي الله عنها، لكن مثله لا يقال بالرأي، وقد جاء عنها في الروايات السابقة إضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: بعض الرواة رواه مرفوعاً، وبعضهم رواه موقوفاً عليها.
لكن رواية الوقف لا تتعارض مع رواية الرفع والله أعلم؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي، وإنما هو مما أخذ عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء التصريح بأخذ ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في الروايات السابقة.
تراجم رجال إسناد أثر عائشة: (إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من الصلاة)
قوله: [أخبرنا هلال بن العلاء بن هلال].هلال بن العلاء بن هلال صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا المعافى بن سليمان].
صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا القاسم وهو ابن معن].
القاسم بن معن ثقة، فاضل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
وكلمة (هو ابن معن) الذي قالها من دون المعافى بن سليمان الذي روى عنه، إما هلال، وإما النسائي، أو من دون النسائي، هم الذين قالوا: (هو ابن معن)، وذلك كما عرفنا مراراً وتكراراً أن التلميذ ذكره بلفظ مهمل غير منسوب، فلما جاء من بعد التلميذ، وأراد أن يوضحه، لم يأت به منسوباً بدون ما يشعر، بما يدل على أنه من غير التلميذ، فأتى بهذه العبارة وهي: وهو ابن معن، يعني: أنه ما قالها التلميذ، وإنما قالها من دون التلميذ.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة].
عمارة بن عمير ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عطية عن عائشة].
أبو عطية وعائشة قد مر ذكرهما.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:41 AM
الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً
شرح حديث جابر في الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يكبر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعوداً، فلما سلم قال: إن كنتم آنفاً تفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائماً فصلوا قياماً، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)].
أورد النسائي الرخصة في الالتفات؛ يعني: عند الحاجة إلى ذلك، وعندما يوجد أمر يقتضيه، وأمر يتطلبه، فإن ذلك سائغ، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأورد النسائي فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه: [أن النبي عليه الصلاة والسلام اشتكى فصلى جالساً، وصلى أبو بكر عن يمينه، وصلى جماعة من الصحابة وراءه، وكان قد صلى جالساً، فقاموا، فوقفوا، وصفوا وراءه قياماً، فالرسول صلى الله عليه وسلم التفت فرآهم قائمين، فأشار إليهم أن يجلسوا، ولما فرغ من الصلاة قال: إن كنتم آنفاً تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على رءوس ملوكهم وهم قعود، ائتموا بأئمتكم، فإذا صلوا قياماً فصلوا قياماً، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً].
فالرسول صلى الله عليه وسلم اشتكى، يعني: أصابه جرح فجاء في بعض الأحاديث أنه سقط من فرس، ف شقه، فصلى في بيته وصلى جماعة من أصحابه معه، وكانوا قائمين، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلسوا، فأشار إليهم بيده يريد منهم بهذه الإشارة أن يجلسوا ولا يقوموا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بدأ الصلاة جالساً، فأرشدهم إلى أن يصلوا معه جالسين.
والمقصود من الحديث قوله: [التفت]؛ لأن هذا دال على جواز الالتفات عند أمر يقتضيه، وعند الحاجة إليه، وكونه التفت عليه الصلاة والسلام ليراهم، أو يرى كيف كان شأنهم، لا ينافي ما جاء في بعض الأحاديث من أنه كان يراهم من وراء ظهره كما مرت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيجمع بين ما جاء هنا وما جاء في تلك الأحاديث: بأن كونه يراهم من وراء ظهره، لا يكون دائماً، وإنما يكون في بعض الأحيان، وأنه في بعض الأحيان لا يراهم إلا إذا حصل منه الالتفات كما جاء في هذا الحديث.
ثم الحديث يدل على أن الإمام إذا صلى جالساً يصلي الناس وراءه جلوساً، وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام في مرض موته لما بدأ أبو بكر الصلاة بالناس، وجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام وجلس على يسار أبي بكر، فصار هو الإمام عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر يبلغ ويسمع الناس التكبير، فكان الصحابة وراءه قائمين وهو صلى جالساً في مرض موته عليه الصلاة والسلام، وبقوا في صلاتهم حتى فرغوا منها وهم يصلون قياماً، فكيف يوفق بين ما جاء في حديث مرض موته من أنه صلى جالساً، وأبو بكر على يمينه يسمع الناس التكبير، والصحابة وراءه قائمين، وأبو بكر قائم، وبين ما جاء في هذا الحديث أنهم كانوا قائمين، فأرشدهم إلى أن يجلسوا.
فمن العلماء من قال بنسخ الجلوس، وأنه كان هذا في أول الأمر، ثم نسخ في هذه الكيفية التي حصلت في مرض موته، وهي أنهم يصلون وراءه قياماً، فلا يصلي المأموم جالساً مع قدرته على القيام وراء الإمام الجالس الذي لا يتمكن من الصلاة إلا جالساً، فلا يصلي المأموم وراءه جالساً بل يصلي قائماً استناداً إلى ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في مرض موته صلى الله عليه وسلم حيث صلى جالساً، وأبو بكر عن يمينه يكبر بتكبير رسول الله عليه الصلاة والسلام ويبلغ الناس التكبير وهم يقتدون برسول الله عليه الصلاة والسلام.
ومن العلماء من قال: إنه لا نسخ، وإنما يوفق بين الحديثين، فإذا كان الناس بدءوا الصلاة قائمين يستمرون على قيامهم، وإن طرأ على الإمام أن يصلي جالساً فإن العبرة ببدئهم الصلاة، وهم بدءوها قائمين فيستمرون على قيامهم فيها ولا يجلسون، فاستناداً إلى ما جاء في مرض موت الرسول عليه الصلاة والسلام من كونه صلى جالساً، والناس يصلون وراءه قياماً، أبو بكر عن يمينه والصحابة وراءه.
وإذا بدأ الصلاة جالساً فإنهم يبدءونها معه جالسين، وحجة ذلك ما حصل في تلك الحال التي جاء ذكرها في الحديث، وهو أنه بدأ الصلاة جالساً فأرشدهم إلى أن يجلسوا، فيجمع بين الأحاديث بحمل ما جاء في مرض موته على ما إذا ما بدءوا الصلاة قائمين فإنهم يستمرون قائمين، وإذا بدأ الإمام الصلاة جالساً فإنهم يبدءونها وراءه جالسين، وهذا فيه إعمال للدليلين وتوفيق بين الحديثين في حمل هذا على حال وحمل هذا على حال.
وقوله صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ من الصلاة: (إن كدتم آنفاً أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم جلوس) هذا يدل على تحريم القيام على رأس الجالس تعظيماً له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر هذه الهيئة وشبهها بفعل فارس والروم، حيث يقومون على ملوكهم وهم جلوس، فهذا التشبيه فيه بيان الابتعاد عن هذا العمل، وأنهم كادوا أن يفعلوا مثل فعل هؤلاء الذين هم الفرس والروم، فيدل على تحريم القيام على رءوس الرجال تعظيماً لهم.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن بعض الصحابة كان قائماً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك في صلح الحديبية، فإنه لما قدم الكفار يتفاوضوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام وليبرموا العقد الذي جرى بينهم وبينه ، فإن المغيرة بن شعبة كان واقفاً على رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جالس، قالوا: فيجمع بين ما جاء من بيان ما كان عليه فارس والروم، وأن هذا الفعل غير سائغ لهذه الأمة، وبين ما جاء من وقوف بعض أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام على رأسه في حال قدوم الكفار عليه بأنه يجوز أن يوقف على رأس الإمام للحاجة لا سيما إذا جاء الأعداء، فإن في ذلك إظهار احترامه، وإظهار المحافظة عليه، وإذا كان في غير هذه الحال فإنه لا يجوز.
فإذاً: يكون في المسألة تفصيل.
والقيام له ثلاثة أحوال: قيام على الرجل، وقيام للرجل، وقيام إلى الرجل، فالقيام عليه فيه التفصيل الذي ذكرت، وأما القيام إليه فإنه سائغ، عندما يأتي إنسان يدخل يقوم إليه ليعانقه، أو ليصافحه، أو ليستقبله، ويرافقه في الدخول فإن ذلك سائغ، ومنه قوله: (قوموا إلى سيدكم) يعني: الأنصار عندما جاء سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه عند الحكم في بني قريظة حيث أمرهم بأن يقوموا إليه، فالقيام إليه لمصاحبته، أو لمعانقته، أو لمرافقته في الدخول واستقباله، والمشي معه فإن ذلك سائغ ولا بأس به.
والأمر الثالث: القيام له حيث يقوم، ويجلس احتراماً له من غير أن يكون هناك مرافقة، أو مصافحة، أو معانقة فإن هذا هو الذي لا يجوز، وهذا غير سائغ.
إذاً: القيام له ثلاثة أحوال: قيام للرجل قيام له وهذا لا يجوز، والثاني قيام إليه وهذا جائز، والثالث: قيام عليه وهذا فيه التفصيل بين ما كان فيه إظهار احترام الإمام أمام الأعداء وبين ما إذا كان في غير هذه الحالة فيجوز في الحال الأولى ولا يجوز في غيرها.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في الرخصة في الالتفات في الصلاة يميناً وشمالاً
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[الليث].
وهو ابن سعد المصري المحدث، الفقيه، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزبير].
وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[جابر بن عبد الله الأنصاري].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد من الرباعيات عند النسائي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي، لأن أعلى ما عنده الرباعيات إذ ليس عنده شيء من الثلاثيات.
شرح حديث: (كان رسول الله يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره).أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلتفت يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره)، بمعنى أن التفاته ليس لياً للعنق بحيث ينظر إلى وراء الظهر، وإنما يلتفت يميناً وشمالاً، وهذا كما عرفنا في الحديث الذي قبل هذا للحاجة، والضرورة الذي تلجئ إليه، وهو يدل على جواز ذلك، ومن أمثلته فعل أبي بكر رضي الله عنه في الحديث الذي سبق أن مر قريباً، حيث دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بدأ أبو بكر الصلاة فوقف النبي صلى الله عليه وسلم وراءه، ودخل في الصلاة فجعل الناس يصفقون، يؤذنونه بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان لا يلتفت، فلما رآهم أكثروا من التصفيق التفت، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام وراءه، وقد مر الحديث قريباً، فالالتفات سائغ عندما يوجد أمر يقتضيه، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في هذا الحديث، وفي الذي قبله ما يدل على ذلك، لكن هذا الالتفات ليس التفاتاً شديداً تلوى معه العنق بحيث ينظر إلى ما وراء الظهر، وإنما يلتفت يميناً وشمالاً دون الوصول إلى هذه الحال التي هي لي العنق إلى وراء الظهر.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره)
قوله: [أخبرنا أبو عمار الحسين بن حريث].هو أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا الفضل بن موسى].
هو المروزي وهو ثقة، ثبت، ربما يغرب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند].
هو عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري وهو صدوق، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ثور بن زيد].
هو ثور بن زيد المدني وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عكرمة].
هو عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو: ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام؛ وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، أربعة من صغار الصحابة أطلق عليهم هذا اللقب لقب العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن ممن يسمى عبد الله كثير غير هؤلاء الأربعة، منهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أبي بكر فكثيرون يسمون بعبد الله، ولكن الذين اشتهروا بلقب العبادلة هم هؤلاء الأربعة من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم من صغار الصحابة.
وعبد الله بن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة
مدى جواز الاقتداء في الصلاة المسبوق
السؤال: إذا كان الإنسان جاء مسبوقاً يريد الصلاة مع الإمام، ثم الإمام سلم فجاء واحد آخر فاقتدى به.الجواب: جائز، ما فيه مانع.
فإن قال قائل: ممكن يؤخذ هذا من حديث أبي بكر ؟
قلنا: لا ليس هذا، أبو بكر ما كان مسبوقاً، فما فيه ذكر المسبوق، وإنما كون شخص يصلي وحده وهو مسبوق وجاء واحد يصلي بصلاته ما فيه بأس.

الكلام على رواية أبي الزبير عن جابر
السؤال: رواية أبي الزبير عن جابر ما فيها عنعنة؟الجواب: بلى فيها عنعنة، لكن الحديث -كما هو معلوم- في صحيح مسلم، وجاء من طرق.
تضعيف سعيد بن المسيب لعكرمة
السؤال: عكرمة ضعفه سعيد بن المسيب؟الجواب: عكرمة تكلم فيه بعض العلماء، وقد أوضح الحافظ ابن حجر الكلام فيه وما قيل فيه في مقدمة الفتح، فإنه أطال في ترجمته وحصر الأقوال التي قيلت فيه، وأجاب عنها، وخرج إلى أن الكلام الذي أضيف إليه غير ثابت.
رواية أبي عطية عن عائشة بواسطة وبغير واسطة
السؤال: حديث عائشة الأخير عن أبي عطية، ثم قال: قالت عائشة، والذي قبله أبو عطية. قال: عن مسروق عن عائشة.الجواب: أي نعم، هو سمع منها وروى عنها، هو روى عنها بواسطة وبغير واسطة.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:43 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(225)

- (باب قتل الحية والعقرب في الصلاة) إلى (باب التسبيح في الصلاة)
يستحب قتل الحيات والعقارب خارج الصلاة لأنها من الفواسق، وكذلك في الصلاة بشرط ألا ينحرف عن القبلة لأن ذلك يبطل الصلاة، ولكن الحركة اليسيرة جائزة.
قتل الحية والعقرب في الصلاة
شرح حديث: (أمر رسول الله بقتل الأسودين في الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قتل الحية والعقرب في الصلاة.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن سفيان ويزيد وهو ابن زريع عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة)].
أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل الأسودين في الصلاة)، والمراد بالأسودين الحية والعقرب وقتلهما والمصلي في صلاته، بشرط إذا كان لم يترتب على ذلك انحراف ومتابعة، وملاحقة لهذه الحية أو العقرب فإن الصلاة صحيحة، فلو أنه ضربها وهو في قبلته أو تقدم قليلاً، فإنه يستمر في صلاته، لكنه إذا انصرف وانحرف ولحقها يميناً أو شمالاً وانحرف عن جهة القبلة أو ذهب إلى الوراء فإنه يقطع صلاته ويستأنفها من جديد، ولا يبني عليها؛ لأنه قطعها بهذا الفعل، أما كونه يقتل الحية والعقرب وهما في قبلته، أو يمشي قليلاً إلى جهة اليمين، أو إلى جهة الشمال، أو إلى جهة الأمام وهو في اتجاهه إلى القبلة يقتلهما، فإنه على صلاته ويستمر فيها.
والنبي صلى الله عليه وسلم رخص بهذا العمل في الصلاة لما فيه من المصلحة، ولأنه أيضاً قليل ما يقع في الصلاة، لكن إذا كان الأمر يتطلب ملاحقة للحية والعقرب، لا سيما إذا انحرف عن جهة القبلة واتجه إليها، ولحقها يميناً أو شمالاً أو من الخلف بحيث يستدير القبلة، فإنه يستأنف صلاته ولا يبني على ما مضى.
تراجم رجال إسناد حديث: (أمر رسول الله بقتل الأسودين في الصلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة وهو هنا مهمل إذا جاء الراوي وهنا قد ذكر الراوي غير منسوب فيقال له: المهمل، ومعرفة المهمل أو تمييز المهمل عن غيره ممن يشاركه في هذا الاسم بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، وكون هذا التلميذ أخذ عن هذا الشيخ فقط ولم يأخذ عن الثاني فإنه بذلك يتبين من هو الشخص الذي ذكر مهملاً ولم ينسب، وهنا سفيان غير منسوب لكنه يحمل على ابن عيينة؛ لأن قتيبة ما روى عن سفيان الثوري، وإنما روى عن سفيان بن عيينة، فيكون هذا المهمل قد عرف بالتلميذ الذي روى عنه وأنه ممن روى عن ابن عيينة ولم يرو عن الثوري، إذاً: لا يكون هو الثوري وإنما يكون ابن عيينة.
الحاصل أن المهمل يعرف يميز بمعرفة الشيوخ والتلاميذ لكونه روى عنه هذا التلميذ وما روى عن الآخر، أو أن شيخه الذي روى عنه ما روى عنه الآخر، أو يكونان اشتركا في التلاميذ والشيوخ ولكن أحدهما يكون أكثر اتصالاً بكونه ملازماً له ولكونه من أهل بلده والآخر ليس من أهل بلده، فإنه يحمل على من يكون له ملازمة.
وهنا قتيبة روى عن ابن عيينة وما روى عن الثوري، إذاً: عرف أن هذا المهمل الذي لم ينسب هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ويزيد].
وهو ابن زريع البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن زريع) الذي قالها هو من دون قتيبة، فـقتيبة روى عن سفيان، ويزيد، وعلى هذا فإن الذي قال: هو ابن زريع ليس هو قتيبة لأن قتيبة؛ لا يحتاج أن يقول: هو ابن فلان، وإنما ينسبه كما يريد لأنه شيخه، فقول: فلان ابن فلان ابن فلان ولو طول في نسبه وأكثر في ذكر صفاته لا يحتاج إلى أن يقول هو، وإنما الذي يحتاج إلى أن يقول هو من دون التلميذ، والذي قال هو هنا هو النسائي أو من دون النسائي، أما قتيبة فإنه لا يحتاج إلى أن يقولها بل ينسب شيخه كما يريد.
[عن معمر].
وهو ابن راشد الأزدي البصري وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ضمضم بن جوس].
وهو أيضاً يمامي يعني: من اليمامة مثل تلميذه يحيى بن أبي كثير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لم يرو أحد من الصحابة مثل ما روى أبو هريرة في كثرة الحديث، وذلك لملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، وكونه أيضاً ظفر بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يحفظ، وكذلك أيضاً كونه عاش في المدينة ويلتقي به من يأتي إليها ومن يمر بها فيأخذ عنه ويعطيه، فكان لذلك هو أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حديث: (أمر رسول الله بقتل الأسودين في الصلاة) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا سليمان بن داود أبو داود حدثنا هشام وهو ابن أبي عبد الله عن معمر عن يحيى عن ضمضم عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى وهو بلفظ الأول: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسودين في الصلاة) هو نفس المتن السابق لكن اختلف الإسناد في بعضه، بل في أوله دون آخره.
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
وهو القشيري النيسابوري، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، وهو من بلده ومن قبيلته، فهو قشيري من حيث النسب، ونيسابوري من حيث البلد، ومسلم قشيري نيسابوري، فهو مثله بلداً ونسباً، محمد بن رافع القشيري النيسابوري، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وصحيفة همام بن منبه إذا ذكرها مسلم في صحيحه، فإنه يذكرها عن طريقه شيخه محمد بن رافع.
[حدثنا سليمان بن داود أبو داود]
وهو الطيالسي وهو ثقة، حافظ أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا هشام وهو ابن أبي عبد الله].
وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ابن أبي عبد الله مثل: هو ابن زريع المتقدم الذي قالها من دون التلميذ، والذي روى عن هشام سليمان بن داود الطيالسي هو الذي روى عنه، إذاً: الذي قالها هو من دونه هو محمد بن رافع أو من دون محمد بن رافع، وحديث هشام بن أبي عبد الله الدستوائي أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر عن يحيى عن ضمضم عن أبي هريرة].
وهؤلاء الأربعة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة
شرح حديث أبي قتادة: (أن رسول الله كان يصلي وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي حمل الصبايا في الصلاة ووضعهن في الصلاة، هذه الترجمة تتعلق بذكر الصبيات وليس فيها ذكر الصبيان؛ لأن الحديث الذي ورد في ذلك يتعلق بصبية حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وإلا فإن الحكم واحد، أي: حمل الصبي والصبية. فلا فرق بين الذكر والأنثى، يعني: كونه يحمل في الصلاة أو هي تحمل في الصلاة لا فرق بينهما الحكم واحد، والحكم إذا ثبت لصبية فهو أيضاً كذلك بالنسبة للصبي، فالحكم في ذلك مثله بالنسبة للصبي، وقد أورد النسائي في ذلك حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وهي ابنة ابنته زينب، فكان يحملها في صلاته إذا قام فإذا ركع وضعها حتى ينتهي من السجود ثم يرجع فيحملها، وهذا يدلنا على جواز مثل ذلك عند الحاجة إليه، ويدلنا على ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الشفقة، والرحمة بالصغار، والعطف عليهم، والحنو عليهم والشفقة عليهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة: (أن رسول الله كان يصلي وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره سابقاً.
[حدثنا مالك].
ومالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وهو الثاني منهم من حيث الوجود والزمن؛ لأن أقدمهم في الزمن أبو حنيفة ثم الإمام مالك ثم الإمام الشافعي ثم الإمام أحمد، وكل واحد من الثلاثة الأخيرين الإمام أحمد روى عن الشافعي والشافعي روى عن الإمام مالك، لكن مالك ما عرف أنه روى عن أبي حنيفة، لكن هؤلاء الثلاثة الشيوخ روى بعضهم عن بعض أي: المتأخر الذي هو أحمد روى عن الشافعي، والشافعي روى عن مالك.
ومن الأحاديث التي وردت في هذا الإسناد حديث: (نسمت المؤمن طائر يعلق في الجنة) فإن الإمام أحمد رواه في المسند عن الإمام الشافعي، والشافعي رواه عن الإمام مالك، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )[آل عمران:169] وذكر الإسناد وقال: إن هذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة، والإمام مالك رحمة الله عليه محدث فقيه أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر بن عبد الله بن الزبير].
هو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن سليم].
ثقة، من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قتادة].
هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو حامل أمامة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عثمان بن أبي سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص على عاتقه فإذا ركع وضعها، فإذا فرغ من سجوده أعادها)].أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى وهو متفق في أعلى الإسناد ولكنه يختلف في أوائل الإسناد، وهو بمعنى الذي قبله، وهو يتعلق بحمل النبي عليه الصلاة والسلام أمامة ابنة ابنته زينب وهو يؤم الناس في الصلاة، وكيفية ذلك أنه كان في حال قيامه يحملها فإذا ركع وضعها وإذا فرغ من سجوده أعادها إلى ما كانت عليه من كونه حاملاً لها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو حامل أمامة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة وقد مر ذكره.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة كما عرفنا أن قتيبة إذا روى عن سفيان غير منسوب فالمراد به ابن عيينة ليس الثوري؛ لأنه ما روى عن الثوري.
[عن عثمان بن أبي سليمان].
عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .
المشي أمام القبلة خطى يسيرة
شرح حديث عائشة في المشي أمام القبلة خطى يسيرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا حاتم بن وردان حدثنا برد بن سنان أبو العلاء عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعاً والباب على القبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب ثم رجع إلى مصلاه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة، يعني: كون المصلي يمشي إلى جهة الأمام إلى جهة القبلة خطى يسيرة، يعني: أن ذلك لا مانع منه، وأنه لا يؤثر في الصلاة شيئاً، وهذا كما جاء في الحديث أن عائشة استفتحت الباب والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الحجرة وكان الباب في قبلتها أو في قبلته فمشى خطوات يميناً أو شمالاً، يعني: معناه أن الباب كان في إحدى الناحيتين من جهة الأمام إما من جهة اليمين وإما من جهة اليسار، ولهذا احتاج إلى أن يمشي إلى جهة اليمين أو إلى جهة اليسار حتى يصل إلى الباب، وهذا يدلنا على أن مثل سائغ، وأنه لا بأس به، ومثله لو كان هناك فرجة أمامه وتقدم ليسدها في صف آخر فإن هذا مثله، فإن ذلك لا مانع منه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في المشي أمام القبلة خطى يسيرة
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة والصفات العالية التي لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، هذا هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، وراهويه هذه على تعبير المحدثين، يقولون: راهويه، إذا كان آخر الاسم واو وياء وهاء فيجعلون ما قبل الواو مضموماً والياء مفتوحة فيقولون: راهويه، وأما أهل اللغة فيجعلون الواو مفتوحة والياء ساكنة، وهو المختوم بويه، يعني: الاسم المختوم بويه يكون مفتوحاً، الواو مفتوحة والياء ساكنة، وأما المحدثون عندهم فالواو ساكنة والياء مفتوحة، وما قبل الواو مضموم فيقولون: راهويه، وإسحاق بن راهويه أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا حاتم بن وردان].
ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا برد بن سنان أبو العلاء].
صدوق رمي بالقدر، أخرج له البخاري في الأدب، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم بجده كلاب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم من ولد قصي بن كلاب، والزهري من ولد زهرة بن كلاب، وينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وقد اشتهر بهاتين النسبتين: ابن شهاب والزهري، وهو محدث، فقيه، ثقة، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، فـعروة بن الزبير بن العوام أحدهم، وهؤلاء السبعة هم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والسابع اختلف فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير هو أحد السبعة بلا خلاف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله عز وجل براءتها في كتابه سبحانه وتعالى في آيات تتلى في أول سورة النور، وهي الصحابية الوحيدة التي تميزت بكثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الذين عرفوا بكثرة الحديث من أصحابه سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد جمع السيوطي هؤلاء السبعة بقوله في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
زوجة النبي المراد بها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 12:46 AM
التصفيق في الصلاة
شرح حديث: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التصفيق في الصلاة.أخبرنا قتيبة ومحمد بن المثنى واللفظ له قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، زاد ابن المثنى: في الصلاة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التصفيق في الصلاة، أي: التصفيق للنساء، يعني: إذا ناب الإمام شيء واحتيج إلى تنبيهه عليه؛ فإن النساء تفعل التصفيق، ولا تسبح، فالرجال، يقولون: سبحان الله، وأما النساء فإنهن يصفقن ولا يسبحن عند تنبيه الإمام على شيء فيما إذا نسي.
والحديث أورده النسائي من طريق الشيخين، وزاد أحد الشيخين وهو محمد بن المثنى: (في الصلاة)، وقد سبق أن مر الحديث الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تأخر عندما أصلح بين بني عمرو بن عوف من الأنصار وهم أهل قباء، وقد جاء وأبو بكر قد دخل في الصلاة، فجعل الصحابة يصفقون لـأبي بكر، فلما أكثروا من التصفيق التفت، ولما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (ما بالكم تصفقون، إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، إذا ناب الإمام شيء فيسبح الرجال وتصفق النساء، وهذا من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء، والأصل أن النساء مثل الرجال في الأحكام، إلا إذا كانت الأحكام تخص النساء، أو جاء شيء يفرق بين الرجال والنساء كما هنا حيث جاء التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، فإن هذا مما اختلف فيه النساء عن الرجال في الأحكام.
والمسائل كثيرة جاءت في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، منها: الإرث، فالمرأة على النصف من الرجل ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ )[النساء:11] بالنسبة للبنات وللأخوات الشقيقات والأخوات لأب مع إخوانهن فإن للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك في الشهادة شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل، وكذلك في العقيقة الغلام له شاتان والجارية شاه،وكذلك أيضاً في الدية فإن المرأة على النصف من الرجل في الدية، وكذلك في فضل العتق، (وأن من أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار، ومن أعتق شخصاً عبداً كان فكاكه من النار)، فعتق الجاريتين يكون فيه فكاك الرجل من النار، وعتق الرجل والواحد الذي هو العبد يكون فكاكه من النار، فهذه الأمور الخمسة مما اختلفت فيها النساء عن الرجال، ومنها هذا الذي معنا، ومثل ذلك أيضاً الغسل من بول الجارية، والنضح من بول الغلام، والوقوف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة في صلاة الجنازة، وكذلك النساء لا يتولين المناصب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لم يفلح قوم ولوا قومهم امرأة).
الحاصل أن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء إلا في الأشياء الخاصة بالنساء أو الخاصة بالرجال، أو ما جاء فيه نصوص تبين الافتراق بين الرجال والنساء في الأحكام.
ثم أيضاً هنا التصفيق خاص بالنساء وذلك عند الحاجة إليه، وأما الرجال فإنهم لا يصفقون لا في الصلاة ولا في غير الصلاة، ومن الأشياء المنكرة التي وقعت في هذا الزمان حصول التصفيق في الاحتفالات وفي المناسبات يصفق الرجال، وهذا لا يسوغ، ولا يجوز، بل الذي جاءت به السنة عند ذكر شيء يسر هو التكبير، يعني: عندما يذكر شيء يسر يظهر الفرح بالتكبير وليس بالتصفيق، هكذا جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما جاء في أحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ترضون أن تكونوا نصف أهل الجنة؟ قال: فكبرنا) يعني قالوا: الله أكبر الله أكبر فرحاً وسروراً، وكذلك عمر رضي الله عنه لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أطلقت نساءك يا رسول الله؟ قال: لا، فقال: الله أكبر) كبر فرحاً وسروراً بهذا الخبر الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي الصلاة كما عرفنا التصفيق للنساء، والتسبيح للرجال.
تراجم رجال إسناد حديث: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة مر ذكره
[و محمد].
ومحمد بن المثنى هو: العنزي الملقب الزمن كنيته أبو موسى وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثله في كون شيوخ أصحاب الكتب الستة والوفاة في سنة اثنتين وخمسين ومائتين اثنان آخران هما: محمد بن بشار الملقب بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة.
ومحمد بن المثنى هو الذي زاد في الصلاة، وأما قتيبة فإنه ما زاد كلمة: (في الصلاة).
[أخبرنا قتيبة ومحمد بن المثنى واللفظ له].
واللفظ له يعني: لــمحمد بن المثنى، فهو أتى باللفظ المشترك بينهما وأتى في الآخر بأن زيادة: (في الصلاة) هي لـمحمد بن المثنى.
[قالا: حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة كما عرفنا أن قتيبة إنما يروي عن سفيان بن عيينة وليس عن الثوري، وكذلك أيضاً الزهري الذي يروي عنه سفيان بن عيينة، الثوري يروي عنه بواسطة.
[عن الزهري].
قد مر بنا ذكره قريباً.
[عن أبي سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع في المدينة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بلفظ الذي قبله الذي هو لفظ قتيبة: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء).
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].
وهو المرادي المصري وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.
ومحمد بن سلمة هذا إذا جاء محمد بن سلمة من شيوخ النسائي فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فالمراد به الباهلي الحراني؛ لأن محمد بن سلمة اثنان عند النسائي أحدهما يروي عنه النسائي والثاني يروي عنه بواسطة، فالذي يروي عنه النسائي مباشرة هو المصري، والذي يروي عنه بواسطة هو الحراني.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن ابن شهاب].
هو الزهري وقد مر ذكره.
[أخبرنا سعيد بن المسيب].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة باتفاق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن هو السابع على أحد الأقوال في السابع، هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الفقهاء في السابع كما مر ذكره قريباً.
[يرويان عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
التسبيح في الصلاة
حديث: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسبيح في الصلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا الفضيل بن عياض عن الأعمش ح وأخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سليمان الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التسبيح في الصلاة، أورد فيها حديث أبي هريرة من طرق وهي مثل الذي تقدم في الباب السابق، فالترجمة السابقة التصفيق في الصلاة أورد تحتها حديث أبي هريرة وهو دال على التسبيح والتصفيق، وهذه الترجمة التسبيح في الصلاة أورد فيها حديث أبي هريرة أيضاً، وهو دال على التسبيح والتصفيق معاً، واللفظ هو مثل اللفظ السابق، ودال على ما دل عليه الطرق المتقدمة، وهو أن التسبيح عندما ينوب الإمام شيء في الصلاة فهو للرجال والتصفيق للنساء.
قوله: [أخبرنا قتيبة].
وقد مر ذكره.
[حدثنا الفضيل بن عياض].
ثقة، عابد، زاهد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اسم صاحبه سليمان بن مهران، وقد عرفنا فيما مضى أن ألقاب المحدثين معرفتها مهمة، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما لو ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى، فالذي لا يعرف أن هذا لقب لهذا يظن أن سليمان شخص، والأعمش شخص آخر، ولكن من عرف أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش فلا يلتبس عليه إذا جاء سليمان في موضع وجاء الأعمش في موضع يعرف أن هذا هو هذا وهذا هو هذا.
وحديث سليمان بن مهران الكاهلي الأعمش أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ح وأخبرنا سويد بن نصر].
ح وأخبرنا سويد بن نصر، ح هذه تدل على التحويل، وهو التحول من إسناد إلى إسناد، وما بعد الحاء هو يذكر شيخ للنسائي آخر جاء بإسناد آخر، وسويد بن نصر هو: المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا عبد الله].
وهو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من صفاته الحميدة وقال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان الأعمش].
ذكره باسمه ولقبه معاً، فقال: سليمان الأعمش.
[عن أبي صالح].
ذكوان السمان، أبو صالح كنية صاحبها اسمه ذكوان، ولقبه السمان أو الزيات، يقال له: الزيات ويقال له: السمان، وهو مشهور بكنيته يأتي ذكره كثيراً بالكنية أبو صالح وهو: مدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

[عن أبي هريرة].

رضي الله تعالى عنه وقد تقدم.
حديث: (التسبيح لرجال والتصفيق للنساء) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف حدثني محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].
وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده ونشرها فقيل له: سني، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو القطان البصري، المحدث، الناقد، والمعروف كلامه كثيراً في الرجال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عوف].
هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني محمد].
هو ابن سيرين البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(226)

- (باب التنحنح في الصلاة) إلى (باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة)
يجوز للمصلي أن يرفع صوته بشيء من أذكار الصلاة بقصد التنبيه أو الإذن بالدخول، أو الخروج أو نحو ذلك.
التنحنح في الصلاة
شرح حديث علي في التنحنح في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: التنحنح في الصلاة.أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، حدثنا عبد الله بن نجي، عن علي رضي الله عنه أنه قال: (كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها، فإذا أتيته استأذنت إن وجدته يصلي فتنحنح دخلت، وإن وجدته فارغاً أذن لي)].
يقول النسائي رحمه الله: التنحنح في الصلاة.
التنحنح في الصلاة كما هو معلوم صوت ليس له حروف يكون من الإنسان، والمقصود منه هنا ما كان في الصلاة، وأورد النسائي فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كان له ساعة مع النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه بها، فإذا جاء وهو يصلي تنحنح فدخل، وإلا انصرف، والمقصود من ذلك ما جاء في الحديث من أنه تنحنح إيذاناً بالدخول، وفي بعض الروايات أنه إيذاناً بالانصراف، فإنه عندما يسمعه يتنحنح فإنه ينصرف، فيكون هذا علامة على انشغاله بالصلاة، أو أنه إشعار بأنه يصلي فيدخل، ويكون ما جاء من الروايات بالإذن والانصراف محمول على بعض الأحوال، يعني: أحوال يكون هناك دخول، وفي بعضها يكون انصراف فتكون هذه علامة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن الحديث فيه ضعف وذلك بأن عبد الله بن نجي في هذه الرواية يروي عن علي، وهو لم يسمع علياً رضي الله تعالى عنه، وفي إحدى الروايات الآتية أنه يروي عن أبيه عن علي، فتكون روايته عنه بواسطة، وأبوه مقبول كما قال عنه الحافظ في التقريب، أي: فيكون الاحتجاج به عند الاعتضاد، وعلى هذا فيكون الحديث ضعيفاً سواء كانت رواية عبد الله بن نجي عن علي لأنها منقطعة، أو رواية نجي الذي هو أبوه عن علي وهي متصلة، لكنه لا يحتج بما ينفرد به، بل لا بد من اعتضاده بغيره حتى يرتقي حديثه إلى أن يكون حسناً لغيره.
تراجم رجال إسناد حديث علي في التنحنج في الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].هو محمد بن قدامة المصيصي وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
وهو ابن عبد الحميد الضبي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المغيرة].
وهو ابن مقسم الضبي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن الحارث العكلي].
وهو الحارث بن يزيد العكلي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي زرعة].
هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، وهو حفيد جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحابي المشهور، وأبو زرعة مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه على أقوال، لكنه مشهور بالكنية أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، وهو كما هو معلوم متقدم، وهو يروي عن أبي هريرة ويروي عن الصحابة ويروي عن غيرهم، يروي عن الصحابة بواسطة، ويروي عن بعض الصحابة مباشرة بدون واسطة، وممن اشتهر بهذه الكنية عدد آخر غيره من المحدثين ومن العلماء، منهم أبو زرعة الرازي وهو شيخ الإمام مسلم، وهو في القرن الثالث الهجري وهو من المتكلمين في الرجال، وكثيراً ما ينقل ابن أبي حاتم عن أبيه أبي حاتم وعن أبي زرعة الرازيين الكلام في الرجال، وكذلك أبو زرعة الدمشقي هو أيضاً مشهور بهذه الكنية، وأيضاً في المتأخرين أبو زرعة العراقي ابن صاحب الألفية عبد الرحيم بن حسين الأثري ابنه ولي الدين أبو زرعة المتوفى سنة ست وعشرين وثمانمائة، وهو أيضاً مشهور بهذه الكنية التي هي أبو زرعة، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير هذا الذي معنا ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الله بن نجي].
عبد الله بن نجي الحضرمي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
يروي عن علي رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين أبي الحسن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
والحديث كما ذكرت من رواية عبد الله بن نجي عن علي وفيها انقطاع، وسيأتي أن الحديث يرويه عن أبيه، وأبوه لقي علياً وسمع منه، لكن كما ذكرت أن الحافظ ابن حجر ذكر أنه مقبول، أي: أن حديثه يعتبر إذا اعتضد.
حديث علي في التنحنح في الصلاة من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن عبيد، حدثنا ابن عياش، عن مغيرة، عن الحارث العكلي، عن ابن نجي قال: قال علي رضي الله عنه: (كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي)].أورد النسائي حديث علي من طريق أخرى، وهي ترجع إلى عبد الله بن نجي الذي يروي عن علي، وكما ذكرت أيضاً فيها انقطاع مثل التي قبلها، من جهة أن عبد الله بن نجي لم يسمع من علي رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا فهو منقطع، وهو يدل على ما دل عليه الذي قبله من حيث التنحنح، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتنحنح له وهو في الصلاة.
قوله: [أخبرني محمد بن عبيد].
وهو المحاربي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
وقول النسائي: (أخبرني) مع أنه يقول في أكثر الروايات: (أخبرنا)، والفرق بين (أخبرني)، و(أخبرنا) أو (حدثني)، و(حدثنا) أنهم يستعملون هاتين الصيغتين، فيستعملون (أخبرني) فيما إذا سمع وحده، أو إذا كانت الرواية أو التحمل منه كان وحده ليس معه أحد، أما إذا كان عند التحمل معه غيره، فإنه يأتي بصيغة الجمع التي هي (أخبرنا) و(حدثنا)، وإن كانت صيغة (أخبرنا) و(حدثنا) يمكن أن يقولها الإنسان عن نفسه فيأتي بكلمة (نا) وإن كان وحده، إلا أن المشهور في الاصطلاح أنهم يغايرون بين (أخبرني) و(أخبرنا)، فيعبر الإنسان عما رواه وحده وليس معه غيره عند التحمل بـ(أخبرني) بالإفراد، وإذا كان عند التحمل معه غيره، فإنه يقول: (أخبرنا) يعني: أنا وغيري، فيكون المقصود من ذلك الجمع، يعني: يشير إليه وإلى غيره.
[حدثنا ابن عياش].
وهو أبو بكر بن عياش، وهو ثقة، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم في مقدمة الصحيح، وأخرجه أصحاب السنن الأربعة.
[عن مغيرة عن الحارث العكلي عن ابن نجي].
وهؤلاء تقدموا في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث علي في التنحنح في الصلاة من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار، حدثنا أبو أسامة، حدثني شرحبيل يعني: ابن مدرك، حدثني عبد الله بن نجي، عن أبيه قال: قال لي علي رضي الله عنه: (كانت لي منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الخلائق، فكنت آتيه كل سحر، فأقول: السلام عليك يا نبي الله، فإن تنحنح انصرفت إلى أهلي، وإلا دخلت عليه)].وهذه الرواية مثل الرواية التي قبلها إلا أن فيها أنه تنحنح للانصراف، والرواية السابقة أنه تنحنح للدخول، وكما قلت: يحمل على أن هذا في بعض الأحوال، كونه إذن أو غير إذن أن هذا باعتبار بعض الأحوال، وهذه الرواية أيضاً فيها كلام من حيث أن نجي والد عبد الله قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، أي أنه يعتمد عند الاعتضاد، أي: عندما يوجد ما يعضده فإنه يعتمد، وإذا لم يوجد ما يعضده فإنه لا يعول على ما يأتي عنه، ولهذا ضعف الشيخ الألباني كل هذه الطرق الثلاث، وقال: إنها ضعيفة الإسناد، فقال هذه الطرق الثلاثة الموجودة في هذا الباب من الطريق الأولى والطريق الثانية كما هو معلوم فيها انقطاع، والطريق الثالثة فيها الرواية عن نجي، وأنه يروي عن أبيه، وأبوه مقبول يحتاج إلى اعتضاد.
قوله: [أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار].
ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له البخاري، ولا أبو داود.
[حدثنا أبو أسامة].
وهو أبو أسامة حماد بن أسامة مشهور بكنيته أبي أسامة، وهو ثقة، متقن ربما دلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد عرفنا فيما مضى أن فائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف فيما لو أتي بـ(أبي) بدل (ابن)، فإن من لا يعرف أن الاسم مطابق للكنية وهو يعرفه، وهو مشهور بالكنية لو جاء بالنسب بدل الكنية فإنه يظنه تصحيف، أو العكس بأن قيل: حماد أبو أسامة بدل حماد بن أسامة يظن أن (أبو) مصحفة عن ابن، لكن إذا عرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب فسواء قيل: حماد بن أسامة أو قيل: حماد أبو أسامة فكلها صحيح، وكلها صواب، فـأبو أسامة هو ابن أسامة.
[حدثني شرحبيل يعني ابن مدرك].
ثقة، أخرج له النسائي وحده، وقوله: (يعني: ابن مدرك) هذه الذي قالها هي من دون أبي أسامة؛ من دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول عن شيخه هو ابن فلان، بل يقول: فلان ابن فلان ابن فلان، وينسبه كما يريد، لكن من دون التلميذ هو الذي إذا أراد أن يضيف شيئاً يوضح ذلك الشخص المهمل، فيأتي بكلمة (هو) أو يأتي بكلمة (يعني)، وكلمة يعني فعل مضارع فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى أبي أسامة، وقائلها من دون أبي أسامة الذي هو القاسم بن زكريا أو النسائي أو من دونهما، يعني: من دون التلميذ الذي هو أبو أسامة.
[حدثني عبد الله بن نجي عن أبيه].
وقد مر ذكرهما، وكل منهما روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:28 PM
البكاء في الصلاة
شرح حديث عبد الله بن الشخير: (أتيت النبي وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البكاء في الصلاة.أخبرنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن مطرف، عن أبيه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني: يبكي)].
أورد النسائي رحمه الله: البكاء في الصلاة، وأرد فيه حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه (جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولجوفه أزيز كأزيز المرجل يعني: يبكي)، والمرجل هو: القدر الذي يغلي به الماء، أي: صوت غليان الماء في المرجل يشبهه ببكاء الرسول صلى الله عليه وسلم، والأزيز الذي يكون في جوفه وهو يبكي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورسول الله عليه الصلاة والسلام هو أخشى الناس لله وأتقاهم له عليه الصلاة والسلام، فهذا الحديث يدل على بكائه في الصلاة، فصوت الماء في القدر يشبهه أزيز جوف الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يبكي في الصلاة، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن الشخير: (أتيت النبي وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي وهو راوية عبد الله بن المبارك.
[أخبرنا عبد الله].
وهو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، عابد، مجاهد، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد بن سلمة].
هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو أثبت الناس في ثابت البناني.
[ عن ثابت البناني].
وفي النسخة الموجودة بين أيدينا عن حماد بن سلمة عن سلمة، وفي بعض النسخ ليس فيها ذكر سلمة، ومن المعلوم أن حماد بن سلمة يروي عن ثابت بل هو أثبت الناس في ثابت البناني، فكلمة (عن سلمة) هذه زائدة يعني: في هذه النسخة، وفي نسخة تحفة الأشراف ليس فيه ذكر سلمة، وإنما بدونه وبدون ذكره، وثابت هو ابن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف].
وهو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، عابد، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو عبد الله بن الشخير، وهو صحابي من مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة
شرح حديث أبي الدرداء في لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة.أخبرنا محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك. ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً. وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله! قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً بها يلعب به ولدان أهل المدينة)].
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب لعن إبليس، والتعوذ بالله منه في الصلاة. وأورد النسائي فيه حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه وهو أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، فسمعوه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله، ورأوه مد يده كأنه يريد أن يمسك بشيء، ولما فرغ من الصلاة سألوه فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأن إبليس عرض له في الصلاة ومعه شهاب من نار يريد أن يجعله في وجهه، فتعوذ بالله منه، ثم لعنه وقال: ألعنك بلعنة الله، فقال: فأردت أن أمسكه، ثم إنه تذكر دعوة سليمان بأن يؤتيه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فتركه ولم يمسكه، قال: ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به صبيان أهل المدينة، يعني: أنه قد أمسكه، ولكنه لم يفعل؛ لهذه الدعوة التي دعا بها سليمان، وهو أن يؤتيه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.
والحديث يدل على التعوذ بالله من الشيطان، وعلى لعن إبليس في الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم تعوذ بالله منه ولعنه في الصلاة، لكن هذه الهيئة وهذه الصورة التي حصلت للرسول عليه الصلاة والسلام والتي أطلع الله فيها نبيه عليه وكان يشاهده ويعاينه، والصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يرونه، ولكنهم يرون اليد الكريمة الممدودة ولا يرون الشيء الذي مدت إليه، والله تعالى أطلع نبيه، ولم يطلعهم، كما أطلعه على الجنة والنار عندما عرضت عليه وهو يصلي بالناس صلاة الكسوف، ومد يده كأنه يريد أن يتناول شيئاً وهو قد رأى العناقيد المتدلية، فمد يده ليأخذ عنقوداً من العنب، ثم ترك وقال: (لو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا) فالله تعالى أطلع نبيه على النار وعلى الجنة، والصحابة رضي الله عنهم ورائه وما رأوهما، وكذلك أطلع الله نبيه على إبليس عندما جاء إليه ومعه شهاب ومد يده ليمسكه، ولكنه ترك ذلك من أجل دعوة سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام بأن يعطيه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وقد سخر الله له الريح وسخر له الجن والإنس والطير، فكان ما قصه الله عز وجل عنه في سورة النمل، وكذلك في سورة سبأ، وفي سورة ص من تسخير الجن والإنس، وتسخير الطير له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو الملك الذي أعطاه الله إياه وليس لأحد من بعده حتى هذا العصر الذي تقدمت فيه الصناعة لا يمكن أن يصلوا إلى ما وصل أو إلى ما حصل لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام من تلك المعجزات وتلك الخصائص التي خصه الله تعالى بها، حيث أن العرش الذي هو عرش بلقيس أتي به من اليمن إلى الشام في لحظة، والعفريت الذي عرض عليه أن يأتي به قبل أن يقوم من مقامه، ثم بعد ذلك قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. ففي لحظة جاء بذلك العرش من اليمن إلى الشام، وهذا شيء لا يحصل ولن يحصل في هذا الزمن الذي تقدمت فيه الصناعات، وهذا مما اختص به نبي الله سليمان بن داود، والنبي عليه الصلاة والسلام ما أمسك هذا الشيطان في الصلاة؛ من أجل دعوة سليمان صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
تراجم رجال إسناد حديث أبي الدرداء في لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ومحمد بن سلمة عند النسائي شخصان في طبقتين، طبقة شيوخ النسائي وطبقة شيوخ شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة في طبقة شيوخه فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة في طبقة شيوخ شيوخه فالمراد به الحراني الباهلي.
[عن ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، المحدث، الفقيه، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن صالح].
وهو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني ربيعة بن يزيد].
وهو ربيعة بن يزيد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إدريس الخولاني].
وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله وهو من كبار التابعين الذين رووا عن كبار الصحابة، قيل: إنه عالم الشام بعد أبي الدرداء، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الدرداء].
وهو عويمر بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم شراء خاتم الفضة بالريال
السؤال: ما حكم شراء خاتم الفضة بالريال، بعض الناس يقول: فيه ربا. هل هذا صحيح؟الجواب: ليس فيه ربا؛ لأنه كما هو معلوم الخاتم من الفضة هو أحد المعدنين، ومن المعلوم أنه مثل الريال من الفضة، فإنه يباع بالورق متفاضلاً، يعني: الريال من الفضة نفسه هو ليس الريال من الورق. فقيمة الريال من الفضة ريال من الورق، فإذا كان الريال نفسه يكون بينه وبين النقود من الورق تفاضلاً فهذا من جنسه؛ لأنها سلعة تباع بالريالات، ذهب أو فضة، كل ذلك يشترى بالريالات، لكن لا بد من التقابض. عموم مشروعية غسل يوم الجمعة على الحاضر لها وغير الحاضر
السؤال: هل غسل الجمعة خاص بمن يحضر الصلاة، أم هو عام حتى لمن لم يحضر كالحيض؟الجواب: لا أدري، لكن التنظف يوم الجمعة لا شك أن فيه مصلحة وفيه فائدة، وأصل الحديث أن بعض الصحابة كانوا يشتغلون وكانوا أهل حرث وأهل مزارع، ويأتون ولهم شيء من الروائح، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى غسل الجمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) فهو أتى بلفظ عام.
علاقة احتواء الله على عرشه بملامسته للعرش
السؤال: احتواء الله عز وجل على عرشه هل يقتضي منه الملامسة للعرش؟الجواب: لا يجوز الكلام في الكيفية وإنما يقال: إن الله تعالى استوى على عرشه بمعنى علا وارتفع، وكيف ذلك؟ الله تعالى أعلم، والله تعالى غني عن العرش، وعن غير العرش، وكل مخلوق فهو مفتقر إليه وهو غني عن كل ما سواه سبحانه وتعالى، لكن الكلام في الكيفية لا يسوغ، كيفية الصفات وكيف اتصاف الله عز وجل بها لا يجوز أن يتكلم في ذلك، وإنما يجوز أن تعرف المعاني، وأما الكيفية فالله تعالى هو المختص بها.
مدى صحة تدليس الحسن البصري
السؤال: هل صحيح أن الحسن البصري رحمه الله كان يدلس على أهل البصرة، ويقول: حدثنا. وهو يقصد أهل البصرة، أي: حدث أهل البصرة؟ وما حكم هذا التدليس؟الجواب: هو ذكر في ترجمته، ومعروف أن الحسن البصري مدلس، أقول: هو من المدلسين، والتدليس أمره معروف، من حيث أنه لا يقدح في الرجل، ولكن الرواية التي فيها التدليس هي التي ينظر فيها.
مدى ثبوت أحاديث في غير النسائي في التنحنح بقصد الإذن في الصلاة
السؤال: هل ثبت التنحنح بقصد الاستئذان في كتب السنة الأخرى؟الجواب: أقول: ما أدري ولا أعرف شيئاً يدل على ثبوته، لكن كما هو معلوم أن الإنسان إذا طرق عليه الباب أو خوطب وهو يصلي فلو أنه رفع صوته بشيء مما هو موجود في أعمال الصلاة؛ بأن يرفع في القراءة أو في التسبيح أو في الحمد أو ما إلى ذلك من الأعمال، فإن ذلك سائغ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس الصلاة السرية وفي بعض الأحيان يجهر بالآية، فيسمع الناس ويعرف الناس الشيء الذي كان يقرأه من القرآن، وإذا وجد من الإنسان رفع صوته بشيء من أفعال الصلاة التي هو متلبس بها كقراءة أو حمد أو تسبيح أو ما إلى ذلك، فإن المقصود يحصل ويعرف أنه يصلي بذلك، أما التنحنح فأنا ما أعرف ولا علم لي بشيء يدل على ثبوته في الصلاة.
حكم لعن الشيطان والتعوذ منه في الصلاة
السؤال: هل يستفاد من الحديث الأخير لعن الشيطان في الصلاة مع الاستعاذة؟الجواب: نعم، لكن الذي حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشيطان جاء إليه ورآه وشاهده، وشاهد الشهاب الذي معه، وقال: أعوذ بالله منك، وقال: ألعنك بلعنة الله، وكون إبليس يلعن في الصلاة ويتعوذ منه في الصلاة فهو سائغ نفلاً وفرضاً.
مدى صحة حديث: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)
السؤال: روى أبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) فهل هذا الحديث صحيح أم ضعيف؟الجواب: لا أدري عن صحته، لكن الجنب والحائض ليس لهم أن يمكثوا في المسجد، ولكن لهم أن يمروا في المسجد، لكن بالنسبة للحائض مع أمن التلويث.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:30 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(227)

- باب الكلام في الصلاة
لقد دلت السنة النبوية على تحريم الكلام في الصلاة، وأنها لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هي لذكر الله والدعاء والتسبيح، وبينت السنة أن الكلام كان مباحاً ثم نهي عنه.
الكلام في الصلاة
شرح حديث أبي هريرة: (قام رسول الله إلى الصلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الكلام في الصلاة.أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة: أن أبا هريرة قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعاً، يريد رحمة الله عز وجل)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الكلام في الصلاة، المراد من هذه الترجمة هو: بيان أن الكلام الذي يكون بين الناس، كلام الناس بعضهم مع بعض في شئونهم، وحاجاتهم، ومصالحهم لا يجوز أن يكون في الصلاة؛ لأن الصلاة هي موضع الإقبال على الله عز وجل، في الذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، وليست محلاً للكلام، وكان في أول الأمر، يحصل الكلام بين الصحابة في حاجاتهم، ويسلم الواحد على المصلي فيرد عليه بالسلام، وبعد ذلك نسخ هذا الحكم، فصار ذلك ممنوعاً في الصلاة، وإنما الصلاة مقصورة على قراءة القرآن، وعلى ذكر الله عز وجل، والتسبيح والتهليل والتكبير، وما إلى ذلك من الأمور المشروعة، أما كلام الناس بعضهم مع بعض، فإن ذلك لا يسوغ ولا يجوز، وكان ذلك سائغاً في أول الأمر، ثم إنه نسخ كما يأتي في الأحاديث في هذا الباب عند النسائي.
وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قام إلى الصلاة وقاموا معه في الصلاة، فقال أعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وسلم، قال للأعرابي: لقد تحجرت واسعاً)، يعني: رحمة الله عز وجل، حيث قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً)، التحجر في قوله: (ولا ترحم معنا أحداً)، معناه: أنه يقصر الرحمة عليهما، والله عز وجل يقول: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ )[الأعراف:156]، فكون هذا الأعرابي قال: ولا ترحم معنا أحداً، أي: أن الرحمة تقصر عليه وعلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أنكر عليه ذلك، ويمكن الإنسان يسأل له ولغيره، لكن لا يسأل أن يكون ذلك الحكم مقصوراً عليه، وعلى من طلب له، ولا يكون لأحد سواهما، هذا هو الذي أرشد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى تركه، والابتعاد عنه؛ لأن هذا ينافي شمول رحمة الله، التي وسعت كل شيء.
والنبي عليه الصلاة والسلام ما كلمه في الصلاة، ما قال: لقد تحجرت واسعاً وهو في الصلاة، وإنما قال ذلك لما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة؛ وذلك لأن الكلام في الصلاة لا يسوغ، وكان سائغاً أولاً، ثم إنه نسخ كما سيأتي في الأحاديث التي بعد هذا.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (قام رسول الله إلى الصلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً ...)
قوله: [كثير بن عبيد].هو الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، لم يخرج له الشيخان، ولا خرج له الترمذي.
[عن محمد بن حرب].
وهو الحمصي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبيدي].
وهو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وهو ثقة، ثبت، هو من كبار أصحاب الزهري، وهو هنا يروي عن الزهري، وهو من كبار أصحابه، أي: الزبيدي الحمصي.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، محدث، إمام، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها، بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وقد قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أنه قام بذلك بتكليف من السلطان، بتكليف من ولي الأمر، أما الجهود الفردية، وقيام بعض السلف بتدوين السنة، وتدوين الأحاديث لأنفسهم، فهذا موجود في زمن الصحابة، وقد فعله بعض الصحابة، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن الذي حصل من الزهري، هو كونه حصل بتكليف من ولي الأمر، كلف الزهري بجمع الأحاديث وجمع السنة.
وحديث الزهري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـأبو هريرة هو أولهم، وهو أكثرهم حديثاً، وقد ذكرت فيما مضى: أن كثرة حديثه لها أسباب، منها: أولاً: ملازمته النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يذهب معه، ويأكل معه إذا أكل، ويشرب إذا شرب، ملازم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فيسأله ويجيبه النبي عليه الصلاة والسلام، ويسأل والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب من سأله وأبو هريرة يسمع.
ثم أيضاً: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بالحفظ، وكذلك أيضاً: كونه بقي في المدينة، واستمر في المدينة، والمدينة يقصدها الناس، ويأتون إليها، فيأخذون مما عنده، ويسمعونه ما عندهم، فكانت هذه الأمور، وغيرها، من أسباب كثرة حديثه، وكونه أكثر الصحابة، وإن كان قد تأخر إسلامه، وكان إسلامه عام خيبر، ولكن هذه المدة التي بعد خيبر، لازم فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فسمع الحديث الكثير من رسول الله عليه الصلاة والسلام، سمع منه ومن أصحابه؛ لأنه كما عرفنا مراسيل الصحابة معتبرة؛ لأنهم لا يأخذون غالباً إلا عن الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا الإسناد مكون من ستة، ثلاثة حمصيون، وثلاثة مدنيون، فالحمصيون هم: كثير بن عبيد، ومحمد بن حرب، والزبيدي محمد بن الوليد، والمدنيون هم: الزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فنصف الإسناد حمصيون ونصفه مدنيون.
شرح حديث: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان أحفظه من الزهري أخبرني سعيد عن أبي هريرة: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تحجرت واسعاً)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو دال على ما دل عليه الحديث الأول، إلا أنه هنا مطلق، فإنه لما سلم رسول الله من الصلاة قال له: لقد تحجرت واسعاً، فمعنى ذلك: أن الصلاة لا يتكلم فيها بشيء من كلام الناس، وإنما الكلام هو في قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك من الأمور التي هي من ذكر الله، أما كلام الناس فيما بينهم، فهذا مما كان موجوداً في أول الأمر، ثم إنه نسخ، وصار الحكم الشرعي هو: تحريم الكلام في الصلاة، أي: كلام الناس فيما بينهم، وأما الكلام الذي هو كون الإنسان يقرأ، أو يذكر الله، أو يسبح الله، أو يدعو، فإن هذا لابد منه في الصلاة، وقد جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلاة الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن أعرابياً دخل المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة؛ ولأنه يروي عن الزهري، وإذا جاء سفيان غير منسوب وهو يروي عن الزهري يحمل على ابن عيينة، ولا يحمل على الثوري؛ لأن ابن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، بخلاف الثوري فإنه ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، أي: الثوري، لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وعلى هذا: فإذا جاء سفيان، مهمل غير منسوب، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، لأن سفيان بن عيينة هو معروف بالرواية عن الزهري.
ثم أيضاً: كل منهما من أهل الحجاز، الزهري من أهل المدينة، وابن عيينة من أهل مكة، وسفيان الثوري من أهل الكوفة، من أهل العراق، فحصول الاتصال، وحصول الملازمة، بين الزهري وبين سفيان بن عيينة حاصل، ومعروف أن سفيان بن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، وكذلك سفيان الثوري غير معروف بالرواية عن الزهري.
إذاً: كلما جاء سفيان غير منسوب، يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن سعيد].
وهو سعيد بن المسيب، أحد الفقهاء السبعة الذين ذكرتهم آنفاً، وهو من الفقهاء السبعة باتفاق، بخلاف أبي سلمة بن عبد الرحمن، الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، فهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، أما سعيد بن المسيب، فهو أحد السبعة باتفاق بدون خلاف، وحديث سعيد بن المسيب أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[وأبو هريرة].
مر ذكره بالإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة وقول النبي له في ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة حدثني عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (قلت: يا رسول الله! إنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام، وإن رجالاً منا يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم، ورجال منا يأتون الكهان، قال: فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: وبينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي؟! قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو، ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن، قال: ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، وأني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله عز وجل؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إنها مؤمنة فأعتقها)].أورد النسائي حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه: أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وسأله أسئلة منها ما يتعلق بالموضوع الذي ترجم له النسائي، وهو الكلام في الصلاة، ومنها ما يتعلق بأسئلة أخرى، تتعلق بالتطير، وتتعلق بالكهانة، والإتيان إلى الكهان، وكذلك الخط في الرمل، سأله هذه الأسئلة، وأجابه رسول الله عليه الصلاة والسلام على هذه الأسئلة التي سألها.
ثم إنه وهو يصلي معه، عطس رجل من القوم فشمته، ومن المعلوم أن التشميت، كلام من كلام الناس، يخاطب شخصاً، إذا قال: يرحمك الله يخاطب شخصاً، فهو يعتبر من كلام الناس بعضهم مع بعض، فحدقه الناس بأبصارهم، يعني: ينظرون إليه، فلما رآهم ينظرون إليه قال: (وا ثكل أمياه، مالكم تنظرون إليه؟!) يعني: فزاد، فلما رآهم جعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه؛ لأنهم لا يتكلمون في الصلاة، وإنما يريدون منه أن يسكت فسكت، ثم لما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة دعاه، وقال: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن)، يعني: هذا هو الذي يكون في الصلاة، تسبيح، وتهليل، وذكر، ودعاء، وقراءة قرآن، هذا هو الذي يصلح من الكلام في الصلاة، أما كلام الناس بعضهم مع بعض، وتحدث بعضهم مع بعض، وسؤال بعضهم إلى بعض، وخطاب بعضهم لبعض، فهذا لا يسوغ، وكما سيأتي، كان هذا سائغاً في أول الأمر، يعني: الرجل يحدث صاحبه حتى نزل قول الله عز وجل: ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، قال: أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، يعني: الذي يكون فيما بينهم.
فحديث معاوية بن الحكم السلمي واضح الدلالة على ما ترجم له النسائي، وهو الكلام في الصلاة، أي: أن ذلك لا يسوغ ولا يجوز.
والمراد بالكلام: هو كلام الناس فيما بينهم، ولو كان من قبيل التشميت، تشميت العاطس بأن يقول: يرحمك الله، العاطس له أن يحمد الله إذا عطس وهو في الصلاة؛ لأن الصلاة موطن التحميد، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، فإذا عطس، له أن يحمد الله، لكن لا يرفع صوته، ولكن ليس لأحد أن يشمته؛ لأن التشميت هو كلام مع الغير، والكلام مع الغير مما هو ممنوع في الصلاة.
فوائد في العقيدة من حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة
وهذا الحديث حديث عظيم مشتمل على مسائل عديدة، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالفقه وأحكام الصلاة، ففي أول الحديث قال: [(إنا حديث عهد بجاهلية فجاء الله بالإسلام)].إنا حديث عهد بجاهلية وجاءنا الله بالإسلام، يعني: هذا تمهيد للكلام، وتمهيد للأسئلة التي كان سيسأل عنها، يعني: أنهم كانوا يفعلون هذه الأفعال في الجاهلية، ويريد أن يسأله عن حكمها في الإسلام، وهو يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، من الحرص على التفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة، ومعرفة ما يسوغ وما لا يسوغ، فإن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (إنا كنا حديث عهد بجاهلية)، يعني: أسلموا حديثاً، وعهدهم بالجاهلية قريب، ومن الأفعال التي كانوا يفعلونها بالجاهلية هذه الأمور التي يريد أن يسأل عنها.
قال: [(وإن رجالاً منا يتطيرون)].
(وإن رجالاً منا يتطيرون)، يعني: في الجاهلية، ويتطيرون معناه: أنهم عندما تطير الطيور، وتذهب يميناً، أو شمالاً، يتشاءمون ويتفاءلون، ويحصل منهم الإقدام، والإحجام، بناء على كون الطيور طارت يميناً، أو شمالاً، فكانوا يتطيرون، يعني: يعملون بما يحصل من الطيور، من كونها تتضاءل أو تتشاءم، فيحصل منهم الإقدام، ويحصل منهم الإحجام، هذا هو المراد بكونهم يتطيرون، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم)، يعني: عما تريدون، كون الطير يطير عن جهة الشمال، ولا يطير إلى جهة اليمين، لا يصد الإنسان عن السفر، الذي يريد أن يسافر، كونه أراد أن يسافر، ورأى طيراً ذهب جهة الشمال لا يمنعه، يعني: هذا تطير قد يقع في النفس، شيء يعرفونه في الجاهلية، لكن لا يجوز للمسلم، أن يمنعه ويحجم عن الشيء الذي هو يريده بسبب التطير، فكانوا في الجاهلية يحجمون ولا يقدمون على ما يريدون أن يقدموا عليه إذا حصل ذهابها إلى جهة الشمال، أو إلى جهة اليسار، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (فلا يصدنكم)، يعني: ذلك، لا يصدنكم عما تريدون، بل امضوا لما تريدون، قال: فالطيرة: ما أمضاك أو ردك.
وقوله: (إن رجالاً منا يتطيرون)، لا يعني أن هذا من أفعال الرجال خاصة، وإنما يحصل من الرجال والنساء، لكن الغالب أن الكلام مع الرجال، كونه قال: (إن رجالاً)، فلا يعني ذلك أن النساء ما يحصل منهن ذلك، فيحصل من النساء والرجال، لكن إطلاق الرجال؛ لأن الغالب الكلام معهم، والحديث معهم، ولهذا يأتي في السنة ذكر الرجل، وليس له مفهوم، حيث أن المرأة لا تختلف عن الرجل فيه، ومن ذلك: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (إلا رجلاً)، ليس معنى ذلك أن المرأة تختلف، وأن المرأة التي كانت معتادة أن تصوم يوم الاثنين، ووافق يوم ثلاثين، ليس لها ذلك، وأن ذلك حكم خاص بالرجال، لا، بل حكم الرجل والمرأة سواء في ذلك، لكن ذكر الرجل، لأن الغالب أن الكلام مع الرجال، فجاء ذكر الرجل، والرجل لا مفهوم له، أو يأتي ذكر الرجال ولا مفهوم لذكرهم، بمعنى أن النساء تخالفهم في الحكم: (إن رجالاً منا يتطيرون)، يعني: أن الغالب أن الكلام مع الرجال وفي الرجال، وليس معنا ذلك أن النساء ما تتطير.
قال: [(ورجال منا يأتون الكهان)].
(ورجال منا يأتون الكهان)، قال: (فلا تأتوهم)، يعني: في الجاهلية، والرجال يعني: الرجال والنساء، ليس الأمر خاصاً بالرجال، بل النساء كذلك تذهب إلى الكهان، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا (تأتوهم)، يعني: لا تذهبوا إلى الكهان، لا يجوز الذهاب إلى الكهان، هذا العمل من أعمال الجاهلية، لا يجوز أن يفعله المسلم، هذه الأعمال تعمل في الجاهلية، ويعملها أهل الجاهلية، من الذهاب إلى الكهان، لا يجوز أن يفعل في الإسلام، وإذا وجد، فهو ارتكاب محرم، ووقوع في محذور، جاءت الشريعة في منعه، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم)، فالذهاب إلى الكهان محرم لا يجوز، والكهان هم أناس من شياطين الإنس، رجال أو نساء، يتعاون معهم بعض شياطين الجن، فيحصل منهم الوقوع، أو عمل هذه الأشياء التي يكون منها: إخبار عن مغيبات، أو اطلاع على مغيبات، وما إلى ذلك، ومن المعلوم: أن الشياطين من الجن، عندهم حركة وانتقال فيطلعون على الشيء الذي يمكنهم الاطلاع عليه، ويأتون إلى إخوانهم من شياطين الإنس الذين هم الكهان، فيخبرونهم بالشيء الذي يخبرونهم به.
ومن المعلوم: أن علم المغيبات هي من خصائص الله عز وجل، والجن لا يطلعون على كل مغيب، وإنما الشيء الذي يمكنهم أن يطلعوا عليه، ويشاء الله أن يطلعوا عليه، يطلعون عليه بسرعة حركتهم وانتقالهم، لكن قد لا يتمكنون من الوصول إلى ذلك المغيب، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث، الجن حصل لهم أن منعوا من استراق السمع فصاروا يبحثون، وأرسلوا وفوداً يميناً وشمالاً يبحثون ماذا حصل؟ حتى التقى الوفد الذي جاء إلى تهامة بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في طريقه إلى سوق من أسواق العرب، يدعوهم إلى الإسلام، فقرأ عليهم القرآن كما جاء ذلك في الحديث، وكما جاء في القرآن الكريم، مجيء جماعة من الجن وسماعهم للقرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنهم رجعوا إلى قومهم منذرين.
ثم أيضاً: ما ذكره الله عز وجل عن الجن الذين سخروا لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام، فإنه لما مات، ما عرفوا موته إلا بعدما أكلت دابة الأرض منسأته، فخر كما قال الله عز وجل: ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ )[سبأ:14]، لكن بحركتهم، قد ينتقلون من مكان إلى مكان، ويعرفون الشيء الذي في المكان، فيأتي الشيطان من الجن، إلى الشيطان من الإنس فيخبره.
فهؤلاء هم الكهان الذين يدعون علم المغيبات، ويخبرون بأمور مغيبات عن طريق إخوانهم من شياطين الجن؛ ولهذا لا يجوز الذهاب إليهم، وتجب عقوبتهم ومنعهم من الوقوع في هذا الأمر المحرم، وكذلك أيضاً أخذهم العوض على ذلك حرام، يعني: كونهم يأخذون شيئاً مقابل كهانتهم، هو حرام لا يسوغ ولا يجوز، وقصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، في الغلام الذي قال: إني كنت تكهنت وما أحسن الكهانة، وكان حصل شيئاً، فأكل منه أبو بكر ولم يخبره، فلما علم أدخل يده في فمه، حتى أخرج ما في جوفه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
قال: [(فلا تأتوهم، قال: يا رسول الله! ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)].
قال: (ورجال منا يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)، يخطون يعني: في الرمل، وأخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن نبياً من الأنبياء كان يخط، وكان هذا سائغاً في زمانه، والله تعالى يطلعه، ويصل إلى ما يريد بهذا العمل الذي شرع له، لكن غيره ليس له أن يقدم على ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من وافق خطه فذاك)، لكن كيف يعلم الإنسان أنه وافق خطه؟ يعني: هذا لا يعلم، ولا يمكن أن يوصل إليه، إذاً: فيكون ممنوعاً، وغير سائغ أن الإنسان يخط في الأرض، ويتوصل إلى أشياء عن طريق الخط في الأرض، وهذا من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمنعها، جاء بمنع التطير والكهانة والخط في الرمل.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:34 PM
توجيه النبي لمعاوية بن الحكم في الكلام في الصلاة
قال: [(قال: وبين أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذا عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله)].(قال: وبين أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله)، معلوم أن المصلي، له أن يحمد الله إذا عطس، لكن لا يرفع صوته كثيراً بحيث يشوش على الناس، وأن من سمع صوته يحمد الله، فلا يجوز لأحد أن يشمته؛ لأن التشميت خطاب، ومن حديث الناس، ومن كلام الناس بعضهم مع بعض، ولهذا مر بنا أنه إذا سلم على الإنسان، وهو في الصلاة، لا يتكلم، ولا يرد بالكلام، ولكن يرد بالإشارة؛ لأن الكلام لا يجوز حتى في رد السلام؛ لأنه خطاب، السلام هو من خطاب الناس بعضهم مع بعض، ولكنه إذا عطس يحمد الله، ومن سمعه لا يشمته، ولو شمت، هو لا يجيب من شمته، لا يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم؛ لأن هذا كله من قبيل خطاب الناس بعضهم مع بعض.
قال: [(فحدقني القوم بأبصارهم)].
فحدقني القوم بأبصارهم، يعني: نظروا إلي، مستنكرين، ومنكرين عليه هذا الذي فعله من الكلام، وكونه شمت من عطس، فلما رآهم ينظرون إليه تكلم وزاد في الكلام وقال: واثكل أمياه ما لكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأفخاذهم يسكتونه، يريدون منه أن يسكت، فسكت، ولما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصلاة دعاه.
قال: [(فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمي هو ما ضربني ولا كهرني ولا سبني)].
(دعاني بأبي هو وأمي)، بأبي هذه ليست قسم وإنما هي تفدية، يعني: هو مفدي بأبي وأمي، أو فداؤه أبي وأمي، هذا هو المقصود بأبي وأمي، يعني: مفدي بأبي وأمي، وليس المقصود بذلك حلف بأبيه وأمه، وإنما هو تفدية، يعني: يفدي الرسول عليه الصلاة والسلام بأبيه وأمه، لهذا الخلق الكريم الذي اتصف به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذه المعاملة الحسنة التي عامله إياها، فقال: بأبي هو وأمي، هو مفدي بأبي وأمي، (ما ضربني)، يعني: ما ضربه، ما أدبه بالضرب، (ولا كهرني)، يعني: أنه ما نهره أو اكفهر في وجهه، وسبه، وإنما قال له: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، يعني: هذا الذي قلته، وهذا الذي جرى منك، هذا من الشيء الذي لا يصلح في صلاتنا، وإنما الذي يصلح هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
قال: [(قال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن)].
إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، الإنسان يسبح في الصلاة يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، ويكبر في التنقلات، والانتقال من ركن إلى ركن، من هيئة إلى هيئة، ما عدا القيام من الركوع، كما عرفنا ذلك من قبل، وقراءة القرآن في حال القيام، يعني: أن المشروع في الصلاة هو: الكلام الذي هو كون الإنسان يقرأ، أو يذكر الله عز وجل، أو يسبحه، أو يكبره، هذا هو الذي يسوغ في الصلاة، أما مخاطبة الناس بعضهم مع بعض، وكلام الناس بعضهم مع بعض، هذا لا يجوز في الصلاة، وإن كان جائزاً من قبل ولكنه نسخ كما في الأحاديث التي ستأتي بعد هذا.
أمر النبي لمعاوية بن الحكم بإعتاق الجارية التي ضربها
قال: [(ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، وإني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاه، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة)].ثم قال: (إني اطلعت إلى غنيمة لي، ترعاها جارية لي قبل أحد والجوانية) يعني: مكان قريب من أحد، فكانت ترعى، فرأى الذئب أخذ شاه فأكلها فغضب، وقال: أنا آسف كما يأسف الناس، فحصل له غضب، فصك هذه الجارية، ومعناه كأنها أهملت، أو أنها قصرت، أو حصل منها إخلال، ولكن الذي حمله على ذلك الغضب والأسف، ومهد لذلك فقال: لأني من بني آدم، آسف كما يأسفون، (فصككتها)، يعني: ضربها ضربة، فندم على ذلك، فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: اعتبره أمراً عظيماً، يعني: كونه يصك هذه الجارية، ويؤذيها ويحصل منه هذا الضرب الذي حصل لها.
قال: [(فصككتها صكة ثم انصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا اعتقها؟)].
فعظم ذلك علي، يعني: أن الذي فعلته أمر عظيم، ليس بالهين، وإساءة إلى المملوك الذي يجب الإحسان إليه، والنبي عليه الصلاة والسلام كان أوصى بالمملوكين، وكان هذا من آخر ما أوصى به عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث علي رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرض موته: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، يعني: يحثهم على الصلاة، وعلى الرفق والإحسان بملك اليمين، قال علي رضي الله عنه: وهؤلاء الكلمات هن آخر ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم هذا العمل، يعني أنه عظيم، وأمر خطير، كونه يؤذي هذه الجارية ويسيء إليها، والواجب عليه أن يحسن إليها ولا يسيء إليها.
قال: [(فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟)].
(قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها)؟ يعني: أنه في جملة الكفارات، أو يريد أن يحصل منه العتق، لمن تكون تحصل بها العتق بالكفارة، يعني: تكون مؤمنة، أن تكون مؤمنة، عتق رقبة مؤمنة، يعني: في كفارة من الكفارات، فالنبي صلى الله عليه وسلم، دعاها وطلبها حتى يعرف أنها مؤمنة، وأنها مسلمة، فقال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).
وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياها: أين الله؟ هذا يدلنا على أن مثل هذا السؤال سائغ وأنه لا ينكر، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الناس بالله عز وجل، وأعلم الناس بما يجب له وبما يمتنع عليه، وقد جاءت الآيات الكريمات، وتوافرت النصوص في السنة على استواء الله على عرشه، وعلى علوه فوق عباده، وأنه سبحانه وتعالى هو العلي الكبير، وهو العلي العظيم، وأنه الكبير المتعال، فهو عال على خلقه فوق عرشه، والنبي عليه الصلاة والسلام لما سأل الجارية قال: أين الله؟ قالت: في السماء، والله عز وجل يقول: ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ )[الملك:16]، والمراد بالسماء هو العلو، ليس المراد بالسماء دائماً وأبداً السموات المبنية، السبع الشداد التي خلقها الله تعالى فوقنا، فإن السماء تطلق على السماء المبنية، وتطلق على جهة العلو، كل ما علا يقال له: سماء، ومن المعلوم أن ما فوق العرش هو سماء، والله عز وجل فوق العرش، فهو في السماء بهذا المعنى، يعني: فوق العرش في السماء، وإن أريد به السماوات المبنية فإن كلمة (في) بمعنى على، يعني: معناه على السماوات المبنية فوقها وليس فيها، فالله عز وجل لا يكون حالاً في المخلوقات، والمخلوقات حقيرة وليست بشيء أمام عظمة الله عز وجل، ويوضح ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه: (ما السماوات السبع والأراضين السبع في كف الرحمن إلا كالخردلة في كف أحدنا)، ولله المثل الأعلى، فالله عز وجل هو الكبير المتعال، والسماوات والأرضين كلها ليست بشيء أمام عظمته، وجلاله، وكبريائه، سبحانه وتعالى، والله تعالى في السماء كما أخبر عن نفسه قال: ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ )[الملك:16]، وحيث سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الجارية وقال: (أين الله؟ فقالت: في السماء)، فأقرها على ذلك الرسول وقال: اعتقها فإنها مؤمنة.
وبعض المتكلمين يقولون: أن مثل هذا الكلام أنه لا يسأل عن أين الله؟ ولا يقال: أين الله؟ وقال: أن هذا يترتب عليه أن يكون الله تعالى في جهة، وكلمة (في جهة) كلمة محتملة لحق وباطل، إن أريد بالجهة: أن الله تعالى في شيء مخلوق، وأن السماوات تحويه، فهذا باطل، وهذا المعنى ليس بصحيح، والله تعالى ليس في جهة بهذا المعنى، وإن أريد به: أنه فوق العرش، وأنه فوق السماوات، فهذا المعنى صحيح، فالله عز وجل منزه عن مشابهة الخلق، وهو مباين للخلق، والخلق مباينون له، ليس حالاً بهم وليسوا حالين به، وهو سبحانه وتعالى عال على خلقه، فوق عرشه، وهو مستغن عن عرشه وما دونه سبحانه وتعالى.
قال: (أعتقها فإنها مؤمنة)، يعني: أنه ينطبق عليها هذا الوصف الذي هو كون رقبة مؤمنة، يعني: من عليه عتق رقبة مؤمنة، أو إذا كان عليه عتق رقبة مؤمنة، فيمكنك أن تعتق هذه الرقبة المؤمنة في هذه الكفارة.
تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن الحكم في تشميته العاطس في الصلاة وقول النبي له في ذلك
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور]. هو الكوسج المروزي، الملقب الكوسج، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
وهناك في رجال الكتب الستة إسحاق بن منصور آخر، وهو السلولي، ولكن هذا متقدم، أدركه النسائي، فلا يروي عنه مباشرة، وإنما روايته عنه بواسطة، فإذا جاء إسحاق بن منصور، يروي عن النسائي مباشرة، فالمراد به الكوسج، وإذا جاء إسحاق بن منصور يروي عنه بواسطة فالمراد به السلولي.
[حدثنا محمد بن يوسف].
محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأوزاعي].
وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، فقيه الشام، ومحدثها، إمام من أئمة الحديث والفقه، وهو من أهل الشام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكنيته توافق اسم أبيه، لأنه عبد الرحمن بن عمرو، وهو أبو عمرو، وقد عرفنا أن هذا من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفته: أن لا يظن التصحيف فيما لو قيل: عبد الرحمن أبو عمرو أو قيل: عبد الرحمن بن عمرو، كل ذلك صحيح، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
وهو اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن أبي ميمونة].
هو هلال بن علي بن أبي ميمونة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عطاء بن يسار].
هو عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن الحكم السلمي].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي. شرح حديث زيد بن أرقم في منع الكلام في الصلاة بعد أن كان جائزاً أول الأمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا إسماعيل بن أبي خالد حدثني الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: (كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت)].فالباب هو باب الكلام في الصلاة، فقد مر فيه بعض الأحاديث في الدرس الماضي، وبقي فيه بعض الأحاديث، ومنها: هذا الحديث الذي هو حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة حتى نزل قول الله عز وجل: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت)، وفي بعض الروايات: (ونهينا عن الكلام)، والحديث دال على: أن الكلام في الصلاة، كان في أول الأمر سائغاً، وأن الواحد يحدث صاحبه في الصلاة بحاجته، وكذلك يسلم الواحد فيرد عليه السلام وهو في الصلاة، ثم بعد ذلك نسخ كما جاء مبيناً في هذا الحديث، حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه.
والحاصل: أن الكلام في الصلاة كالكلام في الطواف الآن، الطواف كما هو معلوم الحكم فيه مستقر، بأن الإنسان يكلم صاحبه في الطواف للحاجة، لا مانع من الكلام في الطواف، وكان الأمر بالنسبة للصلاة مثل الحال بالنسبة للطواف، يكلم الإنسان صاحبه لحاجته، فلما نزلت هذه الآية أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام.
والحديث يدل على نسخ ما كان معهوداً في أول الأمر، من الكلام في الصلاة، ويدل أيضاً على أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه؛ لأن قوله: ( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )[البقرة:238]، بين هذا الصحابي أنها لما نزلت هذه الآية، أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام، ومن المعلوم أن القنوت هو الإقبال على الصلاة، وعدم التشاغل بأي شيء يشغل عنها، ومن ذلك الكلام الذي يكون بين الناس في حاجاتهم، وما يريده بعضهم من بعض، فلا يكون هناك كلام في الصلاة، وإنما يكون الكلام قبل تكبيرة الإحرام وبعد التسليم؛ ولهذا يعرفون الصلاة بأنها: أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، والتكبير هو تكبيرة الإحرام، فهو يحرم على الإنسان بعدها ما كان حلالاً له قبلها، ومن ذلك الكلام، وكان الكلام في أول الأمر سائغاً، ثم نسخ كما جاء مبيناً في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث التي ستأتي، وهي واضحة الدلالة على كون الكلام سائغاً أولاً، ثم إنه نسخ في آخر الأمر.
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن أرقم في منع الكلام في الصلاة بعد أن كان جائزاً أول الأمر
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو يكنى بـأبي مسعود، وكنيته توافق اسم أبيه، هو أبو مسعود، وهو إسماعيل بن مسعود، ولهذا نظائر كثيرة، سبق أن مر ذكر أمثلة منها، مثل: أبو أسامة حماد بن أسامة، ومثل: عبد الرحمن الأوزاعي فهو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وأمثلة عديدة لا يحضرني منها الآن إلا هذا الذي ذكرته، وهذا الذي معنا إسماعيل بن مسعود، وغيرهم من هؤلاء الذين ذكرتهم.
وفائدة معرفة هذا النوع: ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية مع الاسم، أو ذكرت النسبة مع الاسم، كل ذلك صحيح، إن قيل: إسماعيل بن مسعود فهو صحيح، وإن قيل: إسماعيل أبو مسعود فهو صحيح، وحديثه أخرجه النسائي وحده.
[عن يحيى بن سعيد].
وهو القطان، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال في الجرح والتعديل، بل هو من أئمة الجرح والتعديل، وهو بصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل بن أبي خالد].
هو إسماعيل بن أبي خالد البجلي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحارث بن شبيل].
وهو: أيضاً بجلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن أبي عمرو الشيباني].
واسمه سعد بن إياس، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد].
هو زيد بن أرقم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا ابن أبي غنية واسمه يحيى بن عبد الملك والقاسم بن يزيد الجرمي عن سفيان عن الزبير بن عدي عن كلثوم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهذا حديث القاسم، قال: (كنت آتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فأسلم عليه فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي فلم يرد علي، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود، وهو دال على ما دل عليه حديث زيد بن أرقم، من أن الكلام في الصلاة كان سائغاً، ثم إنه منع وحرم، فـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنت آتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة فأسلم عليه فيرد علي، فجاء إليه مرة فسلم، فلم يرد عليه، فلما فرغ من صلاته أشار إلى القوم، يعني: وبين هذا الحكم للناس، وقال: (إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدثه ألا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم)، يعني: وما ينبغي لكم أن تتكلموا به، الذي هو ذكر الله والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن، وما إلى ذلك من الأمور السائغة.
(وأن تقوموا لله قانتين)، مقبلين على صلاتكم، لا تتشاغلون عنها بأي شاغل، ومن ذلك ما يكون من بعضهم، من الحديث في بعض الحوائج، وفي السلام وغير ذلك، فإن الكلام منع منه في الصلاة، إلا الكلام الذي هو من أعمال الصلاة، كقراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، وذكر الله عز وجل، والدعاء، والاستغفار، وما إلى ذلك من الأمور المشروعة التي يؤتى بها في الصلاة، هذا هو الكلام السائغ، وأما الكلام الذي هو خطاب بين الناس، أو تحدث بين الناس في حاجاتهم، وأمورهم الخاصة، أو يسلم بعضهم على بعض، أو يشمت بعضهم إذا عطس، كل هذا لا يجوز في الصلاة، وقد منع منه في آخر الأمر.
وقد مر بنا حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، الذي شمت فيه رجلاً، فنظر إليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وتكلم في الصلاة قال: ما بالكم تنظرون إلي؟ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه وكلمه وقال: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وقراءة القرآن وذكر الله عز وجل)، هذا هو الذي يسوغ في الصلاة، وما عدا ذلك من التخاطب بين الناس، وكلام الناس بعضهم مع بعض، فإن هذا منع منه، وكان مباحاً أولاً، ثم إنه حرم أخيراً.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، يعني: كان يرد السلام وهو في الصلاة، كما بينه ابن مسعود، وفي هذه المرة جاءه وسلم وما رد عليه السلام، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم، بين السبب في كونه ما رد السلام، وهو أن الله تعالى مما أحدثه، يعني: الحكم الذي شرعه، والأمر الذي نزل به الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام أخيراً، هو أن لا يتكلم في الصلاة إلا فيما هو ذكر لله عز وجل، وقراءة القرآن.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر الله وما ينبغي لكم ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار].محمد بن عبد الله بن عمار، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا ابن أبي غنية].
واسمه يحيى بن عبد الملك، وهو صدوق له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له في السنن، ولكنه خرج له في كتاب المراسيل.
[والقاسم بن يزيد الجرمي].
وهو الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان].
وهو الثوري، وهو المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبير بن عدي].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كلثوم].
هو ابن علقمة بن المصطلق، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[عن عبد الله بن مسعود].
عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المهاجرين، وهو من علماء الصحابة، وكانت وفاته سنة 32هـ، وليس هو أحد العبادلة الأربعة، وقد قاله بعضهم، ولكن الصحيح أن الأربعة كلهم، من صغار الصحابة، وابن مسعود ليس منهم، وقد أدركهم من لم يدرك ابن مسعود وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، إذا جاء ذكر العبادلة الأربعة، وبعض العلماء يقول: أن ابن مسعود أحد العبادلة الأربعة، ولكن القول المشهور: أن العبادلة الأربعة هم كلهم من صغار الصحابة، وأما ابن مسعود فهو من كبارهم ومتقدم الوفاة، وأولئك تأخرت وفاتهم، وأدركهم كثير ممن لم يدركوا ابن مسعود؛ لأن وفاتهم فوق الستين، في هذه الحدود، يعني: بعد حوالي الضعف، بالنسبة لوفاة ابن مسعود، يعني: 32هـ، وهم فيهم من فوق السبعين، وفيهم من كان دون ذلك، فهم كلهم من صغار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة فسلمت عليه فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فجلست، حتى إذا قضى الصلاة قال: إن الله عز وجل يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)].أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو دال على ما دلت عليه الطريق الأولى عنه، وهو أنه كان يقول: كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة فيرد علينا، ولما قدمت من الحبشة، يعني: كان من المهاجرين إلى الحبشة، سلمت عليه فلم يرد علي، فبين عليه الصلاة والسلام وقال: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة)، يعني: الحكم الذي ثبت أخيراً، والذي جاء به الوحي أخيراً، هو نفس الكلام في الصلاة، إلى الحكم الذي هو: تحريم الكلام في الصلاة، كان أولاً يتكلم في الصلاة، الصحابة يكلم بعضهم بعضاً، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد على من يسلم عليه بالكلام، وبعد ذلك مما أحدثه الله، أي الحكم الذي شرعه الله، وجاء به الوحي أخيراً، أن منع من الكلام في الصلاة، وألا يتكلم إلا في ذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن، وما إلى ذلك.
وقوله: أخذني ما قرب وما بعد، يعني: أنه كان يفكر بالأسباب التي جعلته لا يرد عليه، ما كان منها قريباً، وما كان منها بعيداً، يعني: كثر التفكير عنده في تأمل الأسباب التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد عليه، ولكن الأمر تبين أنه حكم نسخ، وأن الكلام كان سائغاً أولاً، ثم جاء تحريمه والمنع منه أخيراً.
تراجم رجال إسناد حديث: (... إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة)
قوله: [عن الحسين بن حريث].هو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .
[حدثنا سفيان].
هو الثوري المتقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عاصم بن بهدلة].
هو عاصم بن أبي النجود وهو بهدلة ؛ لأن أبو عاصم، اسمه بهدلة، وكنيته أبو النجود؛ ولهذا يقال: عاصم بن أبي النجود، أو يقال: عاصم بن أبي النجود بهدلة، فاسمه بهدلة أي أبوه، وكنيته أبو النجود، وهو مشهور بـعاصم بن أبي النجود، يعني: مشهور بنسبته إلى أبيه مكنى، وكذلك أيضاً ينسب إلى أبيه مسمى فيقال: عاصم بن بهدلة، وهو المقرئ المشهور، وهو حجة في القراءة، وهو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، لكنه مقرون في الصحيحين.
[عن أبي وائل].
أبو وائل، وهو: شقيق بن سلمة، مشهور بكنيته ومشهور باسمه، ويأتي أحياناً بالاسم، ويأتي أحياناً بالكنية، ومعرفة كنى المحدثين، من أنواع علوم الحديث، وفائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، لو ذكر في بعض الأسانيد أبو وائل كما هنا، وذكر في بعضها شقيق، الذي ما يعرف أن شقيق كنيته أبو وائل، يظن أن شقيق شخص، وأبو وائل شخص، لكن من يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق، يعلم أنه إن جاء بالكنية، أو جاء بالاسم فإنه لا يلتبس.
وأبو وائل شقيق بن سلمة ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، فهو مخضرم مثل أبي عمرو الشيباني، الذي مر قبل هذا، سعد بن إياس، ذاك مخضرم وهذا مخضرم، والمخضرمون هم: من كبار التابعين، أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام، ورووا عن كبار الصحابة ، وحديث أبو وائل أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن مسعود].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو) (228)


- باب ما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد - ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم
نظراً لأن الإنسان ربما يسهو في الصلاة فقد شُرع لمن سها أن يسجد للسهو، ومن نسي التشهد الأوسط سجد للسهو قبل السلام، كما يجوز السجود بعد السلام.
ما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد
شرح حديث ابن بحينة فيما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه قال: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: من قام من ركعتين ناسياً ولم يتشهد؛ يعني: فإنه يأتي بما يجبر ذلك؛ وهو سجود السهو قبل السلام، وأرد فيه حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه أنه قال: [صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام من اثنتين]، يعني: قام إلى الثالثة ولم يجلس في التشهد بين الثانية والثالثة، [فلما انتهى من صلاته، وانتظر الناس تسليمه سجد سجدتين وهو جالس]، يعني: عن جلوس، ما قام ليسجد وهو قائم، فيكون سجوده عن قيام، وإنما سجوده عن جلوس، لما فرغ من التشهد ولم يبق إلا السلام سجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم، فكان الإتيان بهاتين السجدتين قبل السلام؛ وذلك لأن الصلاة فيها نقصان، فجاء الحديث بأن السجود يكون قبل السلام؛ لأنه نقص التشهد الأول، والجلوس له؛ لأن فيه شيئين: تشهد، وجلوس، وقام وأتي بالسجدتين لهذا النسيان الذي حصل لترك التشهد والجلوس له، فدل هذا على أن من نسي التشهد الأول ودخل في الركعة الثالثة فإنه لا يرجع وإنما يستمر، ولكنه يسجد للسهو سجدتين قبل السلام، وهذا يدلنا على أن سجود السهو إذا كان عن نقص، فإنه يكون قبل السلام؛ لأنه هنا نقص تشهداً وجلوساً للتشهد؛ الذي هو التشهد الأول والجلوس له.
تراجم رجال إسناد حديث ابن بحينة فيما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد

قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحرث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، وإمام مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والأعرج لقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، يأتي ذكره بلقبه فقط فيقال: عن الأعرج، ويأتي ذكره أحياناً باسمه ونسبه عبد الرحمن بن هرمز، وأحياناً باسمه ولقبه عبد الرحمن الأعرج، فيجمع بين الاسم واللقب، وهذا كما تقدم أن معرفة ألقاب المحدثين فائدتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فمن لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، وهو هنا ذكر باسمه ولقبه معاً، وهو مدني ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن بحينة].
هو عبد الله بن مالك بن بحينة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن بحينة فيما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه قام في الصلاة وعليه جلوس، فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم)].أورد النسائي حديث عبد الله بن بحينة من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله؛ من جهة أنه قام وترك الجلوس للتشهد الأول، قال: [وعليه جلوس] يعني: قام وعليه جلوس ويقصد التشهد الأول لم يفعله، فلما جاء في آخر الصلاة سجد سجدتين وهو جالس؛ سجد عن جلوس وليس عن قيام، وهذه طريق مثل الطريقة السابقة، ودالة على ما دلت عليها الطريق السابقة، من حيث أن من نسي التشهد الأول فإنه يجبر ذلك بسجود قبل السلام، سجود السهو قبل السلام.
تراجم رجال إسناد حديث ابن بحينة فيما يفعل من قام من اثنتين ناسياً ولم يتشهد من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره.
[حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
هو الأنصاري؛ لأن هنا يحيى بن سعيد في طبقة أعلى من طبقة يحيى بن سعيد القطان الذي يمر ذكره كثيراً؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري من طبقة صغار التابعين، يروي عنه مالك، ويروي عنه الليث، وأما يحيى بن سعيد القطان فهو دون مالك والليث، فهو يروي عن هؤلاء، فهو دونهم، ولهذا يأتي كل منهما غير منسوب يقال يحيى بن سعيد، لكن لا يلتبس هذا بهذا لاختلاف الطبقة، ولتباين ما بينهما في الطبقة، فـيحيى بن سعيد الأنصاري في طبقة متقدمة، ويحيى بن سعيد القطان في طبقة متأخرة، ويحيى بن سعيد القطان من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، ويحيى بن سعيد الأنصاري من طبقة شيوخ مالك والليث، وهو مدني ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله بن بحينة].
قد مر ذكرهما.
ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم
شرح حديث ذي اليدين في سجود السهو
قال المصنف رحمه الله: [ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم.أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا يزيد وهو ابن زريع حدثنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: (صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي، قال: قال أبو هريرة : ولكني نسيت، قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فانطلق إلى خشبة معروضة في المسجد فقال بيده عليها كأنه غضبان، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة وفي القوم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، قال: كان يسمى ذا اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر الصلاة، قال: وقال: أكما قال ذو اليدين ؟ قالوا: نعم، فجاء فصلى الذي كان تركه ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه ثم كبر)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب من سلم من اثنتين ناسياً وتكلم، من سلم من اثنتين في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، بأن صلى ركعتين وسلم وتكلم، وجرى كلام بعد السلام، ثم بعد ذلك تبين بأنه قد نقص من صلاته، فإنه يكمل ويبني على ما سبق، ولا يؤثر ذلك الكلام الذي حصل قبل ذلك؛ لأن ذلك الكلام حصل في وقت يعتبرونه سائغاً لهم، وأنهم ما تكلموا في الصلاة، وكلامهم إنما هو لمصلحة الصلاة، فلا يؤثر وجوده، ولا يقال: إنهم يستأنفون؛ لأنه وجد الكلام بعد السلام، والنبي عليه الصلاة والسلام، حصلت منه هذه المحاورة، وهذا الكلام بينه وبين أصحابه، وبينه وبين ذو اليدين، ثم إنه قام وأتى بالركعتين وسلم، ثم أتى بسجود السهو بعد السلام وسلم.
فالحديث دال على أن من حصل منه زيادة في الصلاة -الذي هو زيادة التسليم- ثم الرجوع إلى الصلاة والإتيان بما بقي منها. فإنه يعتبر فيه زيادة؛ لأنه الذي نقص أتي به، وحصل شيء زائد وهو السلام الذي وجد في أثناء ذلك، فأتي بالسجود بعد السلام، فدل هذا على أن سجود السهو إذا كان عن زيادة؛ فإنه يكون بعد السلام، ولا يقال: إنه عن نقص؛ لأن النقص تدورك وأتي بالركعتين بخلاف حديث ابن بحينة الذي مر فإن التشهد الأول راح ما أتي به، فأتى بسجدتين قبل السلام، وأما هنا حصل نقص، ولكن النقص أتي به، فصارت الصلاة كاملة بأربع ركعاتها، والذي زيد هو وجود السلام في أثنائها وهو شيء زائد، فجاء الحكم بأن سجود السهو يكون بعد السلام.
قوله: [صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي].
إحدى صلاتي العشي هي الظهر أو العصر، هذا هو العشي من الزوال إلى الغروب، وصلاة الظهر أو صلاة العصر هي في العشي، قال أبو هريرة: ونسيت، يعني نسيت إحدى الصلاتين هل هي العصر أو الظهر، هي بلا شك عنده الظهر أو العصر، ولكنه نسي تعيين إحدى الصلاتين هل هي صلاة الظهر، أو صلاة العصر، لكن الشيء الذي لا إشكال فيه عنده أنها إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: [ونسيت]، أي: نسيت تعيين تلك الصلاة من هاتين الصلاتين، هل هي الظهر أو العصر.
قال: [فصلى بنا ركعتين ثم سلم فانطلق إلى خشبة معروضة في المسجد فقال بيده عليها كأنه غضبان].
صلى ركعتين ثم سلم، والصحابة وراءه، وليس معنى ذلك أنهم أيضاً نسوا، ولكنهم في زمن التشريع فظنوا أن الصلاة قصرت، بدل ما تكون الصلاة أربعاً صارت اثنتين؛ لأن الوحي ينزل والتشريع قائم، ولهذا خرج سرعان الناس وقالوا: قصرت الصلاة، يعني خلاص صارت ركعتين، هذا هو الذي فهموه، ما كانوا غافلين أو ناسيين أو ما يدرون هل صلي بهم اثنتين أو أربع، وإنما الذي ظنوه أنه حصل نسخ من أربع إلى اثنتين، ولهذا الصحابة كلهم سكتوا وخرج من خرج على اعتبار أن الصلاة قد قصرت، بدل ما كانت أربعاً صارت اثنتين.
وفي القوم أبو بكر وعمر، وكانا في المسجد وهابا أن يكلماه ويقولان هل قصرت الصلاة أو ما قصرت، وفي القوم رجل في يديه طول، ويقال له: ذو اليدين؛ لطول يديه، قوله: وكان في القوم رجل في يديه طول هذا تمهيد لذكر سبب تسميته بـذي اليدين، أن سبب ذلك طول يديه، وكان في القوم رجل في يديه طول قال: يقال له: ذو اليدين؛ بسبب طول يديه.
[فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟]؛ يسأله هل قصرت الصلاة أم أنك نسيت؟ فقال: [لم أنس ولم تقصر].
أي: في ظني وفي علمي أنه ما حصل لا هذا ولا هذا، طبعاً القصر ما قصرت وما نزل عليه وحي بأنها بدل أربع تصير اثنتين، وأيضاً في ظنه أنه ما حصل منه سهواً ونسيان، قال: بل نسيت، ما دام أنه ما حصل قصر أو ما حصل وحي، بل نسيت، فالتفت إلى الناس، وقال: [أكما يقول ذو اليدين؟] أي: كلامه صحيح؟ [قالوا: نعم يا رسول الله! فقام وأتى بالركعتين]، وبنى على الركعتين السابقتين، والكلام الذي بين الركعتين الأوليين والركعتين الأخيرتين لا يؤثر؛ لأن هذا شيء لمصلحة الصلاة، ولهذا لو صلى واحد من الناس وحصل منه نقصان ركعة، ثم بعد ذلك بعدما سلم قالوا: في نقصان ركعة، ثم تحدثوا فيما بينهم وقالوا: نعم الصلاة ناقصة فقام وأتى بها لكان فعله صحيحاً.
فقال: [لم أنس ولم تقصر، قال: بل نسيت، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقام وصلى ركعتين]، وقبل ذلك قام الرسول صلى الله عليه وسلم قام من مكانه الذي صلى فيه وجلس إلى خشبة معروضة في المسجد وقال بيده، وفي بعض الأحاديث: أنه شبك بين أصابعه، كأنه غضبان، ثم جرت المحاورة وقام عليه الصلاة والسلام وصلى بهم بقية الصلاة، وسجد للسهو بعد السلام.
والحديث يدل على أن سجود السهو يكون بعد السلام فيما إذا كان هناك زيادة؛ والزيادة هي وجود السلام في أثنائه، وجود التسليم في أثناء الصلاة؛ لأن الصلاة ما نقصت هي كاملة، بعد أن أتي بباقيها وهي الركعتان، لكن الشيء الزائد هو السلام الذي في أثنائها، فكان السجود للسهو بعد السلام.
والحديث يدل أيضاً على أن مقدار سجود السهو مثل سجود الصلاة أو أطول؛ لأنه قال في الحديث: [سجد مثل سجوده أو أطول]؛ يعني: سجوده في الصلاة أو أطول، فهذا يدلنا على مقدار سجود السهو، وأنه يكون مثل سجود الصلاة أو أطول منه.
وهنا ما ذكر السلام بعد سجود السهو مرة ثانية، لكن جاء في بعض الروايات من حديث أبي هريرة ومن حديث عمران بن حصين: (أنه سلم بعدما سجد للسهو وبعد السلام سلم أيضاً). فيكون السلام حصل مرتين؛ مرة قبل سجود السهو، ومرة بعد سجود السهو.

يتبع



__________________

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:40 PM
تراجم رجال إسناد حديث ذي اليدين في سجود السهو
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة]. صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا يزيد وهو: ابن زريع].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة [هو ابن زريع] الذي قالها النسائي أو من دون النسائي، وليس حميد بن مسعدة الذي هو تلميذ يزيد بن زريع، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن عون].
هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[قال أبو هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث من الصحابة، أكثرهم أبو هريرة رضي الله عنه.
الأسئلة
الدليل على سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة
السؤال: ما الدليل على سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة؟الجواب: ليس هناك دليل، ولا نعلم دليلاً على السكتات إلا السكتة الأولى التي هي بعد التكبير؛ وهي سكتة الاستفتاح، فالسكتة في الاستفتاح هي التي ثبتت، وأما السكتات الأخرى فما ثبت فيها شيء، ولهذا ما نعلم شيئاً يدل على أن الإنسان يسكت، لكن قد يسكت الإمام؛ لأنه يريد أن يختار له سورة من أجل أنه يقرأها، أو يتأمل؛ لكن كونه يشرع للإنسان أنه يقرأ الفاتحة ثم يسكت، وأنه ليس له أن يأتي بالقراءة بعد الفاتحة مباشرة، ما هناك شيء يدل على هذا.
حكم استعمال المرأة المناكير
السؤال: ما حكم استعمال المرأة المناكير حتى تتزين لزوجها؟الجواب: المناكير هي اسمها مناكير، وهي منكرة من حيث أنها تمنع وصول الماء إلى البشرة، ولا يصح الوضوء مع وجود هذه المناكير؛ لأن هذا حائل يحول دون وصول الماء إلى البشرة، فمثل هذا العمل الذي يؤدي إلى هذا الأمر المحذور لا ينبغي للمرأة أن تفعله، فالمرأة تتجمل بما هو سائغ، لكن فيه مضرة، وهو أنه يستر البشرة، فلا يصح الوضوء مع وجوده.
ضوابط التكفير
السؤال: ما هي ضوابط تكفير الشخص؟الجواب: التكفير أمره ليس بالهين، أصعب الأشياء هو التكفير، أو من أصعب المسائل وأعوصها هي مسائل التكفير، والتكفير كما هو معلوم المرجع فيه إلى الله وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام، فما صار فيه شيء واضح يدل على التكفير هذا هو الذي يكون التعويل عليه، أو يكون كذلك؛ يعني: أجمع المسلمون على أن هذا عمل مكفر، أو أن هذا شيء مكفر هذا هو الذي يعول عليه، وأما التهاون في مسألة التكفير هذا أمر خطير، الإنسان قد يكفر من ليس كذلك، ويحور إثم ذلك عليه، ويرجع إثم ذلك عليه، كما جاء ذلك في بعض الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حكم قراءة التشهد في سجود السهو
السؤال: هل يشرع قراءة التشهد في سجود السهو؟الجواب: لا، ليس لسجود السهو بعد السلام تشهد، وإنما بعدما يسلم يسجد السجدتين ثم يسلم مرة ثانية، السلام مرة ثانية يأتي به، لكن ليس له تشهد، التشهد حصل قبل السلام الذي بعده السجود.
كيفية الجمع بين نسيان أبي هريرة ودعاء النبي له بالحفظ
السؤال: كيف قال أبو هريرة رضي الله عنه: نسيت؟ وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ؟الجواب: لا يعني هذا أنه قد دعي له بالحفظ أنه لا ينسى شيئاً أصلاً، لكنه الحفظ حصل ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم استجيبت، لكن لا يعني هذا أنه ما يحصل منه نسيان ولا كلمة واحدة، ثم أيضاً يحتمل أن يكون ذلك قبل هذه الدعوة، يحتمل أن يكون هذه القصة أو هذه الواقعة قبل الدعوة، ويحتمل أن تكون بعدها، لكن الاستجابة حاصلة، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا ينسى أبداً ولا كلمة واحدة؛ لأن كونه يحفظ وإن حصل منه سهو في شيء يسير فلا يؤثر ذلك.
حكم سجود السهو في النوافل
السؤال: حكم سجود السهو هل يكون في النوافل؟الجواب: نعم، سجود السهو هو للسهو، سواءً في الفرائض أو في النوافل، إذا وجد سهو في الفرائض أو النوافل؛ أو إذا وجد سببه أوتي به، سواءً كان ذلك في فرض أو في نفل.
الغاية من الدعوة إلى الله تعالى
السؤال: قال بعض الناس: إن غاية الدعوة إقامة الخلافة الإسلامية، وبعضهم قال: إن غاية الدعوة إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله فقط، ما هو الموقف الصحيح من هذين القولين؟الجواب: معلوم أن الدعوة هي لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فالدعوة المقصود منها: إخراج الناس من الظلمات إلى النور، لكن أمر المسلمين يتطلب أن يوجد خليفة، ووجود الخليفة هو الذي يكون فيه التمكن من القيام بالدعوة ومن صلاح أحوال الناس، ويكون فيه إيقاف المعتدين عند حدودهم، وإيقاف المجرمين عند حدهم، ويقول أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ومعناه: من الناس من يخاف من العصا ولا يخاف من المصحف.
حكم الاستنجاء بماء زمزم
السؤال: هل يجوز الاستنجاء بما زمزم؟الجواب: يجوز الاستنجاء بماء زمزم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الماء الذي استنجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لما انصرف من عرفة إلى مزدلفة، وتحول عن الطريق وقضى حاجته وتوضأ، أن الماء الذي كان استعمله من ماء زمزم، أي: في هذه الواقعة، فيجوز الاستنجاء به، ولا بأس فيه.
حكم بيع التقسيط
السؤال: ما حكم بيع التقسيط؟ الجواب: بيع التقسيط لا بأس به، البيع بالآجل وإن كان الثمن زائداً عن القيمة الحالة لا بأس بذلك، ولا نعلم شيئاً يدل على منعه، ما نعلم دليلاً يدل على منعه، فالأصل هو جوازه، وعموم قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ )[البقرة:282] يشمل ما إذا كان الثمن مساوياً للنقد، أو زائداً على القيمة في النقد.
معنى حديث: (من باع بيعتين في بيعة ...)
السؤال: كيف معنى هذا الحديث: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؟الجواب: العلماء تكلموا عليه، وذكره الشوكاني في نيل الأوطار، وتكلم على بيع التقسيط أو بيع التأجيل عند الكلام على هذا الحديث، وقال: إن الحديث لا يدل على منع بيع التأجيل، وقال: إنه ألف في ذلك رسالة سماها: (شفاء العليل في ما جاء في زيادة الثمن من أجل التأجيل)، وقال: إن جمهور العلماء على ذلك، وقال: إنني لا أعلم أحداً خالف فيه إلا ما يروى عن فلان، وذكر واحد ما أدري هو علي بن الحسين أو غيره، سماه في شرحه لهذا الحديث.
ومما قاله العلماء حول هذا الحديث: (من باع بيعتين في بيعة) قالوا: بيع الأجل ليس من هذا القبيل، وإنما يكون من هذا القبيل لو قال هو حاضر بكذا وغائب بكذا ثم أخذه دون أن يلتزم بالنقد أو الغائب، فيكون على هذا له أوكسهما الذي هو الأدنى، الذي هو السعر الحاضر، أو الربا، لكن إذا كان الاتفاق حصل على بيع التأجيل، وما له دخل في بيع الناجز، وإنما قال: أنا أبيع حاضر بكذا وغائب بكذا، واحد ما يريد أن يشتري بالحاضر، وإنما أراد أن يشتري بالغائب، وجاء وأبرم الاتفاق على غائب، ما كان اتفاق على أن يحدد هل هو حاضر أو غائب، فمما قالوه: إنه إذا كان دخل على غير بينة بعد أن عرف أن هناك سعر للحاضر وسعر للغائب، فهذا هو الذي يكون له أوكسهما أو الربا.
حكم الاشتراط في البيع قبل التمليك
السؤال: إذا قال رجل لآخر عنده مال: اشتر لي هذه الأرض وسوف أشتريها منك بالتقسيط، هل يدخل هذا في بيعتين في بيعة؟الجواب: كونه يلتزم معه ويشتري منه قبل أن يملك لا يجوز، لكنه إذا قال: أنا أريد أن أشتري سيارة بالتقسيط، فإذا أحضرت لي سيارة أشتريها منك بالتقسيط ولم يكن بينه وبينه التزام على الشراء إلا بعدما يملكها ويحوزها، فإنه في هذه الحالة لا بأس بذلك.
حكم الإتيان بالدعاء المأثور بعد إقامة الصلاة كالأذان
السؤال: فضيلة الشيخ! إني أحبك في الله تعالى، قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، يسأل يقول: هل أقول الدعاء المأثور الذي بين الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة بعد الإقامة، وهل أُردد الإقامة معه؟الجواب: أولاً: أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتحابين فيه، وأن يوفقنا جميعاً لما يرضيه.
وثانياً: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة) المراد بالأذانين: الأذان والإقامة؛ لأن الإقامة يقال لها أذان، وهي أذان ثاني من الاثنين كقوله بين كل أذانين صلاة، والمراد بذلك صلاة النافلة بين الأذانين، ونعم الإنسان يقول بعد الإقامة مثلما يقول بعد الأذان؛ لأن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن) يشمل الأذان ويشمل الإقامة، وقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: استدل بالحديث على أنه يقول في الإقامة مثلما يقول في الأذان؛ يعني: يأتي بدعاء الوسيلة ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الحديث الذي فيه: (أقامها الله وأدامها)، فهذا لم يثبت، هذا جاء عند ابن ماجه ولكنه غير ثابت؛ لأنه بإسناد ضعيف.
حكم الصلاة والصفوف مقطوعة
السؤال: هناك صفوف متأخرة بينها وبين الصفوف المتقدمة مسافات خالية من المصلين، يقول: كالصفوف عند باب المجيدي، السؤال: إذا دخل الرجل والإمام راكع أو كان في التشهد الأخير هل يصلي في الصفوف المتأخرة، أو يتقدم حتى يصلي في الصفوف المتقدمة، ولو فاتته الصلاة؟الجواب: الإنسان إذا دخل عليه أن يمشي ليصل الصفوف إلا أن يخشى أن تفوته الصلاة، يعني بحيث أنه تفوته الصلاة ولا يدخل في صلاة الجماعة، فعند ذلك له أن يصلي، وله أن يدخل حتى يدرك الجماعة، وأما كونه يدخل والصلاة قائمة ثم يكون في أولها أو يكون في وسطها ثم يصلي في الآخر ويرى الأماكن التي أمامه خالية وهو لا يخشى من أن تفوته الصلاة فهذا ليس له أن يصلي، وإنما عليه أن يتقدم، ويخشى عليه أن يكون داخلاً تحت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).
حكم بلع بقايا الطعام في الصلاة
السؤال: إذا كانت هناك بقايا الطعام في فمي وبلعتها هل هذا من الأكل في الصلاة؟الجواب: ليس هذا من الأكل، كون الإنسان في فمه شيء أو بلعه، أو ظهر من أسنانه شيء فابتلعه، ما يقال أن هذا أكل في الصلاة، الأكل في الصلاة أنه كونه يأخذ شيئاً ويأكله، يتناول شيئاً يأكله ويأخذ ماء ويشربه، أما كونه يصير في فمه شيء يحركه بلسانه وابتلعه لا يُقال أنه أكل في الصلاة.
مدى اعتبار الأحرف السبعة هي القراءات
السؤال: هل القراءات المتداولة بين القراء الآن هي الأحرف السبعة أم هي حرف واحد؟الجواب: القراءات هي داخلة في الحرف الواحد، فـعثمان بن عفان رضي الله عنه لما جمع المصاحف جمعها على حرف واحد، وهذا الحرف مشتملاً على القراءات، ولهذا جاء رسم المصحف من أجل يستوعب القراءات، فرسم المصحف يختلف عن رسم الإملاء، ولا يجوز أنه يكتب المصحف بحروف الإملاء؛ لأنه يفوت هذا المقصود العظيم الذي هو كون الرسم يتحمل القراءات ويتسع للقراءات.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:42 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو) (229)


- تابع باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم
ورد في السنة النبوية أن المصلي إذا سها في صلاته وسلم قبل انتهاء صلاته فإنه يتم ما بقي منها ثم يسجد سجدتين للسهو بعد السلام.
تابع ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلم
شرح حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يفعل من سلم من ركعتين ناسياً وتكلمأخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثني أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى اثنتين ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع).
يقول النسائي رحمه الله: باب من سلم من اثنتين ناسياً وتكلم.
سبق أن مر الحديث الأول في هذا الباب وقد ذكر النسائي فيه جملة من الأحاديث، وكثير منها من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذه الطريقة الثانية من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، هي بمعنى الطريقة السابقة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم فسلم من ركعتين، وكان ذلك عن نسيان منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولما كان الناس في زمن التشريع، فكانوا يظنون أن الصلاة قصرت من أربع إلى اثنتين، ولهذا ما تكلموا في ذلك ظناً منهم أنه حصل قصر للصلاة، وقد خرج سرعان الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام قام من مصلاه بعد أن سلم من اثنتين وجلس إلى خشبة معروضة في المسجد، فقال له رجل يقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لم أنسى ولم تقصر، ثم قال للناس: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. وعند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام فصلى الركعتين الباقيتين، ثم إنه سلم، ثم سجد بعد السلام سجدتين.
وجاء في بعض الروايات أنه سلم بعد السجدتين، فيكون وجد منه السلام مرتين، مرة قبل سجود السهو، ومرة بعد سجود السهو، لكن بدون تشهد ، وإنما التشهد هو الذي حصل قبل السلام الأول الذي كان قبل سجود السهو.
والحديث دل على أن السهو إذا كان عن زيادة في الصلاة، فإن سجود السهو يكون بعد السلام، والزيادة التي هنا هي السلام الذي حصل في أثناء الصلاة، ولا يقال إنه سهو عن نقص؛ لأن النقص تُدورك، والسجود عن نقص يكون قبل السلام، كما في حديث ابن بحينة الماضي، وإذا كان عن زيادة فيكون بعد السلام، وهنا فيه زيادة. والحديث دال على حصول النسيان من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه يحصل منه النسيان، ولا يقال أنه معصوم منه، هو معصوم فيما يتعلق بالتبليغ، لا ينسى شيء يبلغ إياه، ولكنه ينسى كما ينسى الناس، كما جاء عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، ولهذا لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: (لم أنس ولم تقصر) يعني: على ما يظنه ويعتقده وفي غالب ظنه أنه ما حصل منه نسيان، ولكن بعدما ذكر الصحابة مع ذي اليدين أنه قد نسي، قام وأتى بالركعتين عليه الصلاة والسلام.
والحديث كما قلت دال على أنه يحصل منه النسيان، ولكن ذلك لا يكون في أمور التبليغ، فلا ينسى شيئاً من الشريعة أمر بتبليغه ، ولكنه يحصل منه النسيان كما يحصل من الناس، كما جاء في هذا الحديث وفي غيره، وما جاء من أنه لا ينسى ولكنه ينسى ليسن، هذا لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام، فهو ينسى، ولهذا قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، والذي هو منزه عن النسيان هو الله سبحانه وتعالى، هو الذي لا ينسى ولا ينام ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يحصل منه النسيان سبحانه وتعالى، بل علمه في غاية الكمال ولا يطرأ عليه نسيان، والرسول عليه الصلاة والسلام ينسى كما ينسى الناس، ولكنه معصوم من أن ينسى شيئاً مما أمر بتبليغه، بلغ الشريعة على التمام والكمال، لم ينس منها شيئاً، ولم يكتم منها شيئاً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهو غير محمد بن سلمة الحراني؛ لأن المصري من طبقة شيوخ النسائي، وأما محمد بن سلمة الحراني فهو من طبقة شيوخ شيوخه لا يروي مباشرة ولم يدركه؛ لأن وفاته كانت سنة (204هـ) أي: قبل ولادة النسائي بعشر سنوات أو أكثر قليلاً، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة، فالمراد به الحراني الباهلي، وإذا جاء محمد بن سلمة، يروي عنه النسائي مباشرة فهو المصري المرادي، هو الذي معنا .
[حدثنا ابن القاسم].
وهو عبد الرحمن بن القاسم المصري صاحب الإمام مالك، الذي أخذ عنه الفقه والحديث، وهو ثقة، فقيه، أخرج عنه البخاري في الصحيح، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أيوب].
وهو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، ثبت، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] رضي الله تعالى عنه.
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة على الإطلاق؛ لأنه لم يحفظ ولم يروِ عن أحد من الحديث مثلما روي عن أبي هريرة من حيث الكثرة.
ومن المعلوم أن أبا هريرة أسلم عام خيبر في السنة السابعة، وقد بلغ حديثه أكثر من الذين كانوا ملازمين له، وذلك لأسباب منها:
أن أبا هريرة بعدما أسلم لازم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يذهب معه إذا ذهب، ويأكل معه إذا أكل، فكان ملازماً له يسأله ويجيبه، ويسأل النبي عليه الصلاة والسلام ويجيب وأبو هريرة يسمع، ويحدث النبي عليه الصلاة والسلام بالحديث وأبو هريرة يسمع، فكثر حديثه الذي سمعه من رسول الله أو الذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أيضاً كون الرسول عليه الصلاة والسلام دعاء له بالحفظ، فكان حافظاً ومن أوعية السنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ثم أيضاً سكناه في المدينة وبقاؤه فيها، وهي يرد إليها الناس ويصدرون عنها في الأقوات المختلفة، ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يحرص الناس على لقيهم إذا قدموا إلى البلد الذي هم فيه، فكانوا يأخذون منهم ويعطونهم، ومن المعلوم أن الصحابي يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، ويسمع من غيره الحديث فيرويه دون أن يضيفه إلى ذلك الذي سمعه منه، والذي يسمى مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة؛ لأن المعروف عنهم أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة، والصحابة عدم ذكرهم أو جهالتهم لا تؤثر؛ لأنهم كلهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين بعد أن عدلهم ووثقهم رب العالمين ورسوله الكريم.
لهذه الأمور وغيرها كثر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم).أورد النسائي من حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، ودال على ما دل عليه الذي في الطرق التي قبله، وقوله ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت، فقال عليه الصلاة والسلام: (كل ذلك لم يكن) يعني: ما حصل لا قصر ولا نسيان، فكان جواب ذي اليدين أن قال (بل كان بعض ذلك) يعني نسيان، مادام أنه ما في قصر فإذاً بقي الثاني الذي هو النسيان، قال: (قد كان بعض ذلك)، أي النسيان، فالرسول صلى الله عليه وسلم التفت إلى القوم وقال: (أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقام وأتم الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد السلام).
وقوله: (وهو جالس)، سبق أن مر في بعض الطرق السابقة أنه صلى سجدتين وهو جالس، يعني أن سجوده عن جلوس ليس عن قيام، لا يحتاج إلى أن يقوم من أجل أن يخر ساجداً عن قيام، بل يهوي إلى السجود وهو جالس، بعد أن يسلم، فيما إذا كان سجود السهو بعد السلام، وكان عن زيادة مثلما جاء في هذا الحديث الذي هو زيادة التسليم في أثناء الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مالك].
وهو إمام دار الهجرة المتقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن داود بن الحصين].
وهو ثقة، تكلم في روايته عن عكرمة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وقد تقدم ذكره.
الراوية فيها تحديد أو تعيين الصلاة وأنها صلاة العصر، وسبق في الروايات السابقة أن أبا هريرة لا يتذكر أي الصلاتين هل هي العصر أو الظهر.
حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن عبيد الله حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم أنه سمع أبا سلمة يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر ركعتين ثم سلم، فقالوا: قصرت الصلاة، فقام وصلى ركعتين ثم سلم، ثم سجد سجدتين)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله، وفيه أنها الظهر، والقصة واحدة، والنقصان كان في ركعتين، فلا شك أن إحداهما فيها وهم، إما الظهر وإما العصر، وقد جاء في بعض الروايات أنها إحدى الصلاتين الظهر أو العصر، وجاء في بعضها أنها الظهر وجاء في بعضها أنها العصر، فكونها الظهر أو العصر على الشك ما فيه إشكال قد تكون هذه وقد تكون هذه، لكن الجزم بأنها الظهر أو العصر وهي واحدة منهما، إحداهما فيه وهم.
قوله: [أخبرنا سليمان بن عبيد الله].
هو البصري وليس الحراني، وهو سليمان بن عبيد الله وليس سليمان بن عبد الله، وذلك أن في تحفة الأشراف سليمان بن عبيد الله.
وفي ترجمة بهز بن أسد في تهذيب الكمال، أنه يروي عنه سليمان بن عبيد الله الغيلاني البصري، وفي تحفة الأشراف أنه ابن عبد الله، وفي تهذيب الكمال أن بهز يروي عنه سليمان بن عبيد الله، وما يروي عنه أحد يقال له سليمان بن عبد الله، وإذاً فالذي فيه تصحيف من عبيد الله إلى عبد الله وهو عبيد الله مصغراً، وهو البصري الغيلاني، وهو صدوق، أخرج له مسلم، والنسائي.
[حدثنا بهز بن أسد].
وهو العمي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، المحدث، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلا صيغ التعديل وأرفعها، ولم يظفر بهذا اللقب إلا القليل النادر من المحدثين، منهم: شعبة هذا، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: إسحاق بن راهويه، ومنهم: البخاري، والدارقطني، وغيرهم وهم قليلون، وحديث شعبة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف].
وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف].
لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عم سعد بن إبراهيم هذا؛ لأن إبراهيم أخو أبو سلمة وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعندكم في النسخة سعيد وهي تصحيف، وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء، وقد ذكرت فيما مضى أن ستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع في ثلاثة أقوال، والفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة لا خلاف في عدهم ضمن الفقهاء السبعة في المدينة، في عصر التابعين، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل إن السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وأبو سلمة ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة وقد تقدم ذكره.
شرح حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق خامسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً فسلم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله! أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص الصلاة ولم أنس، قال: بلى، والذي بعثك بالحق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فصلى بالناس ركعتين).أورد النسائي في حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله إلا أن فيه اختصار من جهة أنه ما ذكر سجود السهو الذي جاء في الرواية الأخرى، ولكنه ذكر أنه أتم الركعتين وأتى بالركعتين اللتين بقيتا عليه، وفيه ذكر ذي الشمالين، وهو في الحديث ذو اليدين؛ لأنه في آخره قال أصدق ذو اليدين؟ فهو ذو الشمالين.
ومن العلماء من قال: إن ذا الشمالين غير ذا اليدين، ومنهم من قال هو هو، لكن اللفظ هنا يفيد بأن ذا اليدين هو ذو الشمالين؛ لأنه في الروايات السابقة قال له ذو اليدين: كذا وكذا، ثم قال: أصدق ذو اليدين فهو هو، ومن العلماء من قال: إنه غيره.
تراجم رجال إسناد حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق خامسة
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].هو المصري، الذي يلقب زغبة، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، مثل الذين خرجوا لـمحمد بن سلمة المصري المتقدم، شيخ النسائي في الحديث الأول من الأحاديث السابقة، ذاك مصري وهذا مصري، وكل منهما روى عنهم مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا الليث].
وهو ابن سعد المصري المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
وهو المصري وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران بن أبي أنس].
وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما.
حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق سادسة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن موسى الفروي حدثني أبو ضمرة عن يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم في سجدتين، فقال له ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة).أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله دال على ما دل عليه.
قوله: [أخبرنا هارون بن موسى الفروي].
قال عنه الحافظ في التقريب لا بأس به، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثني أبو ضمرة].
وهو أنس بن عياض، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس بن يزيد الأيلي].
ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، وإمام مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
فقد مر ذكرهما.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:45 PM
حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق سابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر، فسلم في ركعتين وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو : أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا نبي الله، فأتم بهم الركعتين اللتين نقص).أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى وهو مثلما تقدم، إلا إن فيه تسمية ذي اليدين وأنه ابن عمرو، وقال هنا ذو الشمالين، وفي آخر الحديث قال: ذو اليدين، ونسبه هنا فقال ابن عمرو.
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
وهو القشيري النيسابوري، هو مثل الإمام مسلم نسباً وبلداً؛ لأن مسلم قشيري نيسابوري، ومحمد بن رافع قشيري نيسابوري، ومسلم أكثر من الرواية عن شيخه محمد بن رافع، فهو من أهل بلده ومن قبيلته، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا عبد الرزاق].
وهو ابن همام الصنعاني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وصاحب كتاب المصنف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
وهو ابن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن أبي سلمة].
وقدم ذكرهما.
[وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة].
وهو ثقة، أخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه، مثل محمد بن رافع، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
حديث ذي اليدين في سجود السهو من طريق ثامنة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، فقال له ذو الشمالين نحوه)، قال ابن شهاب: أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأخبرنيه أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وعبيد الله بن عبد الله .أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، وهذا فيه أنه قال بلغه، فلم يذكر الواسطة، لكن الروايات السابقة، هو روى عن أبي هريرة، فيكون الواسطة الذي لم يذكر هو أبو هريرة، والإسناد الأول فيه تسمية أبي هريرة وأنه الذي سمعه منه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا ذكره بلاغاً دون أن يسمي أبا هريرة.
وقال النسائي في آخره: قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، فبعض هؤلاء مر ذكرهم وبعضهم لم يذكر وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهؤلاء من الفقهاء السبعة، منهم من هو منهم بالاتفاق، وفيهم من هو منهم على الخلاف في السابع منهم؛ لأن سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله من الفقهاء السبعة باتفاق، وأبو سلمة وأبو بكر بن عبد الرحمن على خلاف في السابع، فقيل: أبو سلمة وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن وقيل: سالم بن عبد الله، الذي لم يأت ذكره هنا.
قوله: [أخبرنا أبو داود].
وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يعقوب].
وهو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي].
وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن صالح بن كيسان المدني].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة].
وقد مر ذكرهم.
الإسناد الذي مر في درس أمس وهو الحسين بن حريث يروي عن سفيان، وذكرت أنه الثوري، لكن تبين أنه ليس الثوري، وإنما هو ابن عيينة وذلك؛ لأمرين:
الأمر الأول: أن المزي في تحفة الإشراف نسبه فقال ابن عيينة.
والأمر الثاني: أن المزي في تهذيب الكمال ذكر أن الحسين بن حريث يروي عن سفيان بن عيينة وما ذكر روايته عن سفيان الثوري، فيكون على هذا مثل قتيبة، إذا جاء وقتيبة يروي عن سفيان، فالمراد به ابن عيينة، وإذا جاء الحسين بن حريث يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة.
وهو الإسناد الذي جاء في الدرس الماضي برقم (1220) جاء سفيان غير منسوب والمراد به ابن عيينة.
الأسئلة

مدى صحة صوم من فكر فأمنى
السؤال: من فكر فأمنى هل يفسد صومه؟ وهل يأثم على ذلك؟الجواب: إذا كان أنه متسبب في هذا؛ فإنه يفسد صومه ولا شك أنه يأثم، لتسببه في إفساد صومه، أما إذا كان حصل مذي وليس مني فهذا لا يؤثر، لا يؤثر على الصيام، ولكن الذي حصل بتفكيره ويعني استمراره في التفكير، وانشغاله به حتى ترتب على ذلك؛ فإنه يفسد صومه، وعليه أن يقضي يوم مكانه، يمسك ويقضي.
معنى حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائماً في قبره يصلي)
السؤال: ورد حديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)، وفي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه (أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائماً في قبره يصلي)، كيف يجمع بينهما؟الجواب: معلوم أن هذه الصلوات التي جاءت في الحديث ليست من قبيل التكليف؛ لأنه انقطع العمل الذي هو عن طريق التكليف، وأما مثل هذا الذي يحصل في القبر هو مثل ما يحصل في الجنة من أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، فهذا من قبيل الشيء الذي يفعل لله عز وجل، وليس من قبيل التكليف الذي هو بالنسبة للدار الدنيا.
تكبيرة الإحرام لمن سلم ناسياً
السؤال: من سلم من ركعتين ناسياً ثم ذُكر فقام ليصلي ما بقي، فهل يكبر تكبيرة الإحرام؟الجواب: معلوم أن الركعة الثانية، أو القيام للركعة الثانية يحتاج إلى تكبير؛ لأنه لو كان جالساً للتشهد ولم يسلم فإنه عندما يقوم سيكبر، وعلى هذا فالصورة التي نقول عنها أنه يكبر، لكن الكلام فيما إذا كان مثلاً كبر للانتقال من الركعة الثالثة جلس بعد الثالثة ثم إنه قيل له سبحان الله، فإنه يقوم بدون تكبير؛ لأن تكبيرته عند القيام من السجود هي تكبيرة الانتقال فلا يكبر مرة ثانية عندما ينبه، لكن هذه الصورة التي مسئول عنها لا بد فيها من التكبير؛ لأن الإنسان عندما يجلس في التشهد عندما يريد أن يقوم يكبر، وهنا سلم فصار الأمر فيه نقصا، فيقوم للركعة الثالثة مكبراً؛ لأنه لو لم يحصل نسيان فإنه يقوم مكبراً ؛ لكن الصورة التي لا تكبير فيها هي مثل تكبيرة الانتقال من الركعة الثالثة إلى الرابعة جلس بعد الثالثة فنبه أو سلم مثلاً ونبه فإنه يقوم غير مكبر؛ لأنه قد كبر عند الانتقال من السجود.
وليس هناك تكبيرة إحرام بعد السلام، بل يقوم مكبراً تكبيرة الانتقال، لكن يقوم بدون تكبير، فلو أنه سلم من ثلاث فإنه يقوم غير مكبر؛ لأن تكبيرة الانتقال حصلت، ثم يقوم وهو يتجه إلى القبلة ويكبر، أي: يقف ويكبر، يأتي يقف في مكانه مستقبل القبلة ويقول الله أكبر، الذي هو تكبيرة الانتقال من التشهد الأول إلى الثالثة، فيكون حصل سلام في الوسط زيادة، وهو الذي من أجله جاء السجود للسهو بعد السلام؛ لأنه حصل زيادة في الصلاة وهي السلام.
حكم متابعة الإمام في صيغ السلام
السؤال: إذا سلم الإمام بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقلت أنا: السلام عليكم ورحمة الله، هل أكون مخالفاً له، لحديث: (إنما جُعل الإمام ليأتم به)؟الجواب: الأولى موافقة الإمام، لكن إن حصل عدم الموافقة؛ فإن ذلك مجزئ، لكن الأولى أن الإنسان يفعل كما يفعل الإمام، مثل تكبيرة الجنازة، الجنازة جاء تسليمة واحدة وجاء تسليمتين، فإذا كان الإمام يسلم تسليمتين أنت سلم تسليمتين، وإن سلم واحدة أنت سلم واحدة.
كيفية الإيمان بأحاديث الصفات
السؤال: قال النووي رحمه الله عند حديث: (أين الله؟)، قال هذا من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان: أحدهما: الإيمان من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن صفات المخلوقين، والثاني: تأويله بما يليق به، نرجو توضيح هذا الكلام؟الجواب: هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه مبني على طريقة المتكلمين التي هي مبنية على أمرين: عندهم التأويل والتفويض، إما التأويل وإما التفويض، ويقولون عن منهج السلف أنه التفويض، وعن مذهب الخلف أنه التأويل، وليس مذهب السلف التفويض؛ لأن التفويض على قول الخلف الذي هو تفويض المعنى، يترتب عليه أمور وهو الجهل بما خوطبوا به مع أنه كلام عربي مبين، وخوطبوا بكلام يفهمون معناه؛ لأن معنى التفويض أن (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )[طه:5] ما يعرف معناها، والله أعلم بمراده، هذا هو معنى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )[طه:5]، و(بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ )[المائدة:64] الله أعلم بمراده، مثل (الم) و(ص) و(كهيعص)، الحروف المقطعة التي لا يعلم معناها، فهذا الكلام العربي المبين أيضاً لا يفهم معناه على طريقة المتكلمين، على أنه مذهب التفويض.

وسبق أن ذكرت أن من قال: إن مذهب السلف التفويض فقد ارتكب ثلاث مخالفات:
أولاً: هو جاهل بمذهب السلف.
وثانياً: هو مجهل للسلف، نسبهم إلى الجهل، وأنهم يخوضون بكلام لا يفهمون معناه.
والثالث: أنه كذب على السلف؛ لأنه قال أن هذا مذهبهم وهو ليس مذهبهم، فكلام النووي مبني على طريقة الخلف التي هي التأويل أو التفويض، والتفويض هو تفويض المعنى وليس تفويض الكيف، أما تفويض الكيف هو مذهب أهل السنة والجماعة، كما قال الإمام مالك بن أنس: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، الله تعالى هو الذي يعلم الكيفية، لكن المعنى معروف الاستواء معناه معروف (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى )[طه:5]، الناس خوطبوا بكلام يفهمون معناه.
ولهذا يقول صاحب الجوهرة وهي في مذهب الأشاعرة:
وكل نص أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنزيها
وليس التفويض مذهب السلف، بل مذهب السلف هو فهم المعنى على ما يليق بالله عز وجل، معنى استوى ارتفع وعلا، لكن استواء الله عز وجل وارتفاعه يليق بكماله وجلاله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )[الشورى:11]، وأما الكيفية فلا يسأل عنها، وهي مجهولة بالنسبة لنا ومعلومة لله، الاستواء معلوم والكيف مجهول، هكذا قال الإمام مالك بن أنس لمن سأله عن كيفية الاستواء.
زمن إسلام أبي هريرة رضي الله عنه
السؤال: ذكر المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة أن إسلام أبي هريرة كان قديماً قبل الهجرة على يدي الطفيل بن عمرو الدوسي وإنما لم يتمكن من الهجرة إلا عام خيبر، والمشهور أن إسلامه كان عام خيبر، كيف التوضيح.؟ وما هو الدليل؟الجواب: ما أدري إذا كان أسلم على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، لكن هو ما لقي الرسول إلا عام خيبر، قدم عليه لكن كونه أسلم قبل ذلك لا أدري، ومعلوم أن الطفيل بن عمرو كما جاء في صحيح مسلم قدم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، وعرض عليه أن يهاجر إلى بلاده إلى دوس، فقال: هل لك في بلاد دوس فيها منعة يعني لك منعة وأنصار، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: ارجع إلى قومك وادعهم إلى الإسلام، وما ذهب، وكانت الهجرة ادخرها الله عز وجل لهذه المدينة ولم تكن إلى بلاد دوس، ثم إن الطفيل بن عمرو قدم إلى المدينة بعدما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليها ومعه صاحب له، فأصابه في أصابعه مرض فجزع وقطع أصابعه فمات، فرآه الطفيل في المنام ورأى أنه بحالة حسنة، إلا أنه رأى في يديه أنها قد شدت بشيء أبيض، فقال له: كيف حالك؟ قال: غفر لي بإسلامي وهجرتي، فقيل: ما هذا الذي في يديك، قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم وليديه فاغفر.
الحاصل: أن الطفيل بن عمرو قديم الإسلام وقد عرض عليه أن يهاجر إلى بلاد دوس، أما أبو هريرة ما أعرف هل كان أسلم قبل وإنما الذي تأخرت هي الهجرة، لكن من حيث الرواية والسماع طبعاً هو ما لقي الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عام خيبر.

حكم الصلاة بثياب فيها دم
السؤال: ما حكم الصلاة إذا كان على الثوب قطرات الدم؟الجواب: إذا كانت يسيرة جداً ما تؤثر، وأما إذا كانت كثيرة فهي تؤثر على القول بنجاسة الدم، وعلى القول بعدم نجاسته فلا يؤثر.
بلع بقايا الطعام من أسنانه في الصلاة
السؤال: ما حكم إذا كان بعض بقايا الطعام في فمي وبلعتها هل هذا من الأكل في الصلاة؟الجواب: كون الإنسان يخرج من أسنانه شيئاً ويبلعه ما يقال أنه أكل في الصلاة.
الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر
السؤال: ما هو الضابط بين الشرك الأكبر والأصغر؟الجواب: الشرك الأكبر كما هو معلوم هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل، وهو: دعوة غير الله معه، وصرف حق الله إلى غير الله، كأن يستغيث بغير الله ويدعو غير الله ويذبح لغير الله هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وصاحبه خالد مخلد في النار ولا سبيل له إلى الجنة أبداً، وأما الشرك الأصغر فليس صاحبه خالداً مخلداً في النار، وهو مثل كبائر الذنوب، بل إنه يكون من أكبر الكبائر؛ لأن الذنب الذي يوصف بأنه كفر أو شرك يكون أكبر وأخطر من الذنوب الكبيرة، لكن صاحبه لا يخلد في النار، بخلاف الشرك الأكبر.
والشرك الأصغر مثل: الحلف بغير الله، إذا كان ما قصد بأن المحلوف به من غير الله الحلف به أعظم من الحلف بالله، أما إذا اعتقد بأن الحلف بالمخلوق أعظم من الحلف بالله فهذا شرك أكبر، يعني: كونه يعظم غير الله أعظم مما يعظم الله ويستسهل الحلف بالله ويستعظم الحلف بغير الله؛ لأنه يرى أن الحلف بغير الله أعظم من الحلف بالله، فإذا كان كذلك فهذا شرك أكبر، أما مجرد أن يحلف بغير الله عز وجل كأن يقول وأبي أو الكعبة أو والنبي أو ما إلى ذلك، فهذا من الشرك الأصغر الذي لا يكون صاحبه من المخلدين في النار، ومثل أن يقول ما شاء الله وشئت، أو يقول لولا الله وفلان، وما إلى ذلك، هذه من الألفاظ التي من قبيل الشرك الأصغر، وهي تتعلق بالألفاظ.
متابعة الإمام في الصلاة
السؤال: هل يجوز أن يتأخر المأموم عن الإمام في السلام والخروج عن الصلاة بأن يستمر في دعائه بعد تسليم الإمام؟الجواب: لا، ما يتأخر عنه، وإنما إذا سلم الإمام يسلم بعده، لا يسبقه، ولا يوافقه، ولا يتخلف عنه، إلا إذا كان مثلاً في التشهد نسي أو غفل ثم أتى بالتشهد والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا له أن يتأخر حتى يأتي بهذا الذي لابد له أن يأتي به، أما كونه يستمر في الدعاء ويترك الإمام فلا يتابعه، لا، وإنما يسلم بعد سلام الإمام بدون أن يتأخر عنه كثيراً، وإنما مثل أفعال الصلاة لا يسبقه ولا يوافقه ولا يتأخر عنه، وإنما يكون بعده، يسلم إذا سلم ويكبر إذا كبر ويركع إذا ركع وهكذا.
حكم شراء سيارة من البنك بالتقسيط وبيعها نقداً لسداد الدين
السؤال: لي أخ في الله ابتلي بدين كبير ويريد أن يذهب للبنك الأهلي يشتري له سيارة كبيرة على أن يسددها أخي للبنك بالتقسيط، علماً بأن الفرق بين سعرها من المعرض وسعرها بالتقسيط عن طريق البنك يساوي ثلاثين ألف ريال، ويريد أخي بيعها في السوق حتى يسدد دينه، فهل هذا جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين؟الجواب: كون الإنسان يشتري سلعة بثمن مؤجل والسعر يزيد على سعر الحاضر، الذي هو بيع التقسيط جائز، وكونه يبيعها لا يبيعها على من اشتراها منه، وإن باعها على غيره، أي على غير الذي اشتراها منه يجوز ذلك، لكن ما دام أنه مدين، ثم يريد أن يشتري السيارة هذا يزيد الطين بلة؛ لأنه يتحمل دين أكثر من الزيادة؛ لأن هذه الزيادة بسبب التأجيل هي حمل آخر؛ لأنه مثلاً يوفي ولكنه سيكون عليه الدين وزيادة، لكن ينبغي له أن يعتذر ويطلب من الدائنين له أن يصبروا عليه، ومن المعلوم أنه حتى لو لم يرضوا وهو ما يستطيع فالله يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[البقرة:280].
الحاصل: إن مثل هذا العمل هذا إقدام إلى زيادة الطين بلة، وزيادة الضرر، وزيادة الأعباء، لكن مبدأ قضية أن يكون الإنسان يشتري سلعة بثمن مؤجل ويبيع لا يجوز أن يبيعها لمن اشتراها منه، وإن باعها على غيره ذلك جائز.
حكم وضع اليدين خلف أثناء الجلوس
السؤال: أثناء الجلوس ما حكم وضع اليدين خلف الظهر، مع ذكر الأدلة؟الجواب: ورد ذكر شيء يدل على أنها جلسة المغضوب عليهم، ما أدري هل هي بالنسبة لليدين أو لليد الواحدة ما أذكر، لكن الإنسان إذا لم يحصل منه ذلك لا شك أنه سلم.
عدد ركعات السنة بعد المغرب
السؤال: فضيلة الشيخ! إني أحبك في الله. هل الصلاة بعد المغرب أربع ركعات سنة وقبل العشاء؟الجواب: السنة الراتبة التي جاءت في حديث عائشة وفي حديث ابن عمر بعد المغرب اثنتان؛ لحديث عائشة اثنا عشر أربع قبل الظهر، وعلى حديث ابن عمر عشر اثنتان قبل الظهر، وأما بعد المغرب فهي اثنتان، لكن إذا كان الإنسان أراد أن يزيد وأراد أن يصلي إلى العشاء له أن يصلي ما شاء، لأن هذا من التقرب إلى الله عز وجل بالعمل الصالح، له أن يصلي ما شاء.
والاقتداء بهم فيما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وفيما جاء عنهم، مما لم يأت شيء يخالفه؛ لأن ذلك داخل تحت الأخذ بسنة الخلفاء الراشدين، ومن ذلك زيادة الأذان الذي فعله عثمان يوم الجمعة الأذان الأول.
ما حكم من نوى الصيام ليلاً ولم يتسحر
السؤال: رجل عليه قضاء من صوم رمضان ونوى الصيام من الليل أو في الليل ولكن نام ولم يتسحر فهل يلزمه الصوم؟الجواب: هو ما دام أنه حصلت النية قبل أن ينام صيام غد، ولكنه قام بعدما دخل الفجر دون أن يتسحر، نيته صحيحة وصومه صحيح، والأولى له أن يستمر، وإذا كان يرى أنه يشق عليه وأراد أن يفطر ويصوم يوماً آخر ما في مشكلة.
والأولى أن لا يفطر، وإذا كان يرى أنه عليه مشقة لكونه ما تسحر، فله ذلك.
إحداث قول ثالث في المسألة
السؤال: يا شيخ! أحسن الله إليك، المسألة الأصولية هل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة؟ نريد توضيحها مع بيان الراجح فيها؟الجواب: والله ما أتذكر، لا أذكر الكلام فيها.
حكم المظاهرات
السؤال: ويسأل عن حكم المظاهرات؟الجواب: المظاهرات هي تعادل الفوضى، إلى الفوضى إذا كانت الفوضى طيبة فهذه منها.
وهناك من استدل على جواز المظاهرات بقوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ )[النساء:148] الشيخ: والمظاهرات هي من هذا القبيل، إنسان مظلوم يتكلم يقول فلان ظلمني، مثلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) يعني يقول فلان ظلمني، هذا معناه كونه يحل عرضه، يعني يتكلم فيه، فهذا إذا تكلم هو الذي تنطبق عليه الآية، لكن ما هو معناه أنه أن الناس يعملون فوضى، المظاهرات قرينة الفوضى تماماً.
حكم ذبيحة الشيعة
السؤال: ما حكم ذبيحة الشيعة، هل تؤكل أو لا؟الجواب: أبداً، لا تؤكل الذبائح التي في النفس منها شيء.
حكم النافلة قبل العصر
السؤال: هل النافلة التي تصلى قبل العصر من الرواتب؟الجواب: لا، ليست من رواتب، الرواتب هي اثنا عشر أو عشر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة)، ولكنها ليست رواتب التي يحافظ الإنسان عليها، والتي يلتزمها الإنسان ويداوم عليها، وإذا صلى بين الأذان والإقامة فهو داخل تحت قوله: بين كل أذانين صلاة، لكن الرواتب التي جاء فيها النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضلها هي اثنا عشر أو عشرة.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(230)

- باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين - باب إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم ما يجبر نقص صلاتهم إذا حصل فيها نقص أو خلل، ومن ذلك سجود السهو؛ فإذا شك المصلي في الزيادة والنقصان فليبن على الأقل المتيقن وليلغ الشك، ويشرع السجود للسهو قبل التسليم من الصلاة أو بعده.
ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين
شرح حديث: (لم يسجد رسول الله يومئذ قبل السلام ولا بعده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا شعيب أنبأنا الليث عن عقيل حدثني ابن شهاب عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن أبي حثمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قبل السلام ولا بعده)].
فقول النسائي رحمه الله: الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين، أي: سجدتي السهو، وذلك في حديث أبي هريرة فيما يتعلق بالقصة التي فيها قول ذي اليدين له: (يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت)؟ فإنه جاءت طرقٌ فيها أو في بعضها اختلاف عن أبي هريرة فيما يتعلق بالسجدتين، وأكثر الطرق على أنه سجد سجدتين، منها ما نص فيه: أنه بعد السلام، ومنها ما أطلق، وقد جاء في بعض الروايات أو جاء في هذه الطريق التي ذكرها المصنف: أنه لم يسجد يومئذ قبل السلام ولا بعده، وعلى هذا يكون ذلك مناقضاً لما جاءت به الروايات الكثيرة من حصول السجود للسهو بعد السلام.
والإسناد إلى أبي هريرة في هذه الطريق إسناد صحيح، فتعتبر شاذة، يعني هذه الطريق التي فيها نفي السجود قبل السلام أو بعده، تعتبر شاذة، فلا يعول عليها؛ لأنها مخالفة للطرق الكثيرة المتعددة التي فيها التصريح بما يناقض ما جاء في هذه الطريق، وهو حصول سجود السهو بعد السلام.
فقول أبي هريرة هنا فيما جاء بهذا الطريق: (لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قبل السلام، ولا بعده)، هو نفي لسجود السهو في هذه الحال التي سلم فيها من نقص، ثم استكمل النقص، وأنه لم يحصل سجود، ما جاء في هذه الطريق معارض للطرق الكثيرة التي جاء فيها إثبات السجود، فتعتبر شاذة، ومن المعلوم أن الحديث الصحيح هو: ما روي بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل، ولا شاذ، فهو يكون رجاله ثقات، ويكون السند متصلاً لا انقطاع فيه، لكن مع هذا يكون شاذاً؛ لأنه وجد فيه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتكون رواية الثقات هي المحفوظة، ويقابلها رواية الثقة المخالف للثقات فيقال: لها: الشاذة، فيعلل الحديث بذلك، وتعتبر تلك الراوية التي هي شاذة لا قيمة لها، ولا عبرة بها؛ لأنها مخالفة لرواية الثقات الذين أثبتوا السجود في السهو بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (لم يسجد رسول الله يومئذ قبل السلام ولا بعده)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].وهو المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا شعيب].
وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[أنبأنا الليث].
وهو الليث بن سعد، الفقيه، المحدث، الثقة، الثبت، فقيه مصر، ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقيل].
هو ابن خالد بن عقيل الأيلي واسمه بالتصغير بضم العين وفتح القاف، واسم جده عقيل بفتح العين وكسر القاف، فالحروف في اسمه واسم جده متفقة، ولكنها مختلفة بالشكل، هو عقيل، وجده عقيل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، وإمام مشهور، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
وهو ابن المسيب المدني، المحدث، الفقيه، وهو من فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين.
[وأبي سلمة].
هو ابن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو: ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، وسعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة باتفاق، وأبو سلمة هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.
[وأبي بكر]
هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو: أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة، الأقوال في السابع ثلاثة: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو: ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وابن أبي حثمة].
وهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، الذي مر في بعض الطرق الماضية، وهو: ثقة، عابد، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو: من دوس، وهو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه.
والإسناد كما هو واضح كلهم ثقات، محمد بن عبد الله بن الحكم هو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وهو يروي عن شعيب بن الليث بن سعد، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، والليث بن سعد محدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وعقيل بن خالد محدث، ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والزهري إمام معروف، ومحدث، فقيه مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والذين روى عنهم هم ثلاثة من الفقهاء السبعة، واحد باتفاق، واثنان على خلاف في السابع، وابن أبي حثمة هو أيضاً ثقة، عابد، خرج حديثه مسلم، ثقة عارف بالنسب، أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه.
والحديث شاذ؛ لأن فيه نفيه السجود للسهو، وهو معارض لرواية الثقات الكثيرة، وهي تدل على إثبات سجود السهو بعد السلام.
شرح حديث: (أن رسول الله سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام)].أورد النسائي حديث أبي هريرة وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام)، يعني: كلمة ذي اليدين معناه كأن القصة والحديث مشهور بـذي اليدين؛ لأنه هو الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: (أقصرت الصلاة أم نسيت)؟ فكأن القصة قصة ذي اليدين، ولهذا قال: (يوم ذي اليدين)، يعني: في قصة كون النبي عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين من إحدى صلاتي العشي، وهي: الظهر أو العصر، وسلم، وظن الناس أن الصلاة قد قصرت، ولم يسأل أحد رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى تقدم ذو اليدين وسأله، ولهذا قيل: يوم ذي اليدين، يعني: يوم القصة التي حصل السؤال فيها من ذي اليدين، سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: (هل قُصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله)؟ فأجاب بأنه لم يحصل شيء من ذلك، وكان يعني: النتيجة أنه كان قد نسي، (فقام وصلى ركعتين وسلم، ثم سجد بعد السلام وسلم) كما جاء في بعض الروايات الأخرى (أنه سلم تسليماً آخر بعد السجدتين)، بعد سجدتي السهو التي بعد السلام، وهذه الطريق معارضة للطريق السابقة، الطريقة السابقة يقول: ما سجد قبل السلام ولا بعده، وهذه الطريق تقول: (سجد بعد السلام)، والطرق كثيرة التي فيها سجود الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه القصة بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام) قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو].وهو مصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا عبد الله بن وهب].
وهو مصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا الليث بن سعد].
وقد مر ذكره.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
وهو المصري، وهو ثقة، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر]
هو ابن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عراك بن مالك].
هو المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] رضي الله عنه.
وقد مر ذكره.
طريق أخرى لحديث: (أن رسول الله سجد يوم ذي اليدين سجدتين بعد السلام) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود أخبرنا ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث حدثني قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمثله]. أورد حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهي بمثل الطريق السابقة، وهي (أن الرسول عليه الصلاة والسلام سجد سجدتين يوم ذي اليدين بعد السلام، سجد سجدتي السهو، يوم ذي اليدين يعني في تلك القصة التي اشتهر فيها ذو اليدين بسؤاله رسول الله عليه الصلاة والسلام (هل قصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟) وقال: بمثله، يعني: بمثل المتن السابق، وكلمة مثله إذا جاءت يراد بها أن المتن مطابق للمتن، المتن الذي لم يذكر مطابق للمتن المذكور قبل ذلك، باللفظ، والمعنى، أما إذا كان المعنى متحد، واللفظ مختلف؛ فإنه يقال: نحوه أو بنحوه، وهذا هو الفرق بين كلمة: بمثله، وبين كلمة: بنحوه أو نحوه؛ فإن كلمة مثله تعني المماثلة في اللفظ، والمعنى، ونحوه تعني الاتفاق في المعنى مع اختلاف في الألفاظ.
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد أخبرنا ابن وهب].
وقد مر ذكرهما.
[حدثنا عمرو بن الحارث].
هو المصري، وهو محدث، ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين].
هو المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (أن النبي سجد في وهمه بعد التسليم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار حدثنا بقية حدثنا شعبة وحدثني ابن عون، وخالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في وهمه بعد التسليم)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه (أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد في وهمه)، يعني: نسيانه، سجد (بعد التسليم)، يعني: في قصة ذي اليدين، وأن سجوده كان بعد التسليم، وكان ذلك بسبب النسيان، وكان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، يظنون أن الصلاة قد قصرت؛ لأنهم في زمن التشريع، مع أن هناك فرقاً بين الأربع والثنتين، لكن ما قالوا شيئاً؛ لأن الزمن زمن التشريع، فكانوا يظنون أن الصلاة قصرت، حتى سأل ذو اليدين رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخبره بأنه قد حصل النسيان، فقال الصحابة: (بل كان بعض ذلك يا رسول الله)، وذلك عندما سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (صدق ذو اليدين)، فقام، وصلى الذي بقي من صلاته وسجد بعد التسليم، وهنا أتى بالحديث مختصر وقال: (إن النبي عليه الصلاة والسلام سجد في وهمه سجدتين بعد التسليم)، يعني: في نسيانه في صلاته، حيث سلم من ركعتين والصلاة رباعية، فهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله والأحاديث الأخرى من أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد بعد التسليم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:50 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي سجد في وهمه بعد التسليم)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي].وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا بقية].
وهو ابن الوليد، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السند الأربعة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلا صيغ التعبير وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وحدثني ابن عون، وخالد الحذاء].
وكلمة (وحدثني) هذه تعني أنه عنده أحاديث متعددة عن ابن عون وعن خالد الحذاء، فهناك أحاديث قبل هذا الحديث، فأشار إلى أنهم حدثوه بأحاديث، وأن من تلك الأحاديث هذا الحديث، ولهذا أتى به بهذه الصيغة، وهي قوله: وحدثني، معناه أنه حدث بأحاديث ترك تلك الأحاديث التي ليست مناسبة لهذا الموضع، وأتى باللفظ الذي يشعر بأن هناك أحاديث أخرى، وأن هذا الحديث معطوف عليها، هذا الحديث المذكور معطوف على تلك الأحاديث التي لم تذكر.
[وابن عون].
هو عبد الله بن عون البصري، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[وخالد الحذاء].
هو خالد بن مهران البصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقيل له: الحذاء، ليس لكونه يبيع الأحذية، ولا لكونه يصنعها؛ لأن هذا هو المتبادر إلى الذهن، إذا قيل: الحذاء، الذي يتبادر إلى الذهن أنه إما يصنع الأحذية، أو أنه يبيع الأحذية، لكن ليس هذا، ولا هذا، وإنما كان يجالس الحذائين فنسب إليهم، وقيل له: الحذاء، وهذا الذي يقولون عنه نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن ؛ لأن الذي يسبق إلى الذهن أنه حذاء بالفعل، ولكن هذه النسبة نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن.
[عن ابن سيرين عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث عمران بن حصين: (أن النبي صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم سلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرني أشعث عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم سلم)].أورد النسائي حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، ويتعلق بسجود السهو، وهو (أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم سلم)، وهذه الطريق مختصرة توضحها الطريق التي بعدها، وأنه سها عن نقصان، وأنه كمل ذلك النقصان ثم سلم ثم سجد ثم سلم، فيكون هذا التسليم الذي جاء في الحديث يراد به التسليم الذي بعد سجود السهو، والرواية التي بعد هذه الرواية تبين أن هناك سلام قبل سجود السهو، وسلام بعد سجود السهو، يعني السلام حصل مرتين، مرة قبل سجود السهو، ومرة بعد سجود السهو، فقوله: (سجد سجدتين ثم سلم)، لا يعني أن سجود السهو قبل السلام كما قد يتبادر؛ لأن الرواية التي بعدها تبين، وهو (أنه سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم)؛ لأن السهو كان عن نقصان، أكمل هذا النقصان، ثم سلم ثم سجد بعد السلام، ثم سلم بعد سجود السهو، فالسلام حصل مرتين.
تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين: (أن النبي صلى بهم فسها فسجد سجدتين ثم سلم)
قوله: [أخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله].هو محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، وهو الزهري، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري].
وهو البصري القاضي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أشعث].
وهو ابن عبد الملك الحمراني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد بن سيرين].
وقد مر ذكره.
[عن خالد الحذاء].
وقد مر ذكره أيضاً.
[عن أبي قلابة].
وهو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن عمه أبي المهلب الجرمي].
وقد اختلف في اسمه على أقوال كثيرة، ولكنه مشهور بكنيته أبو المهلب، وهو: الجرمي، وهو عم أبي قلابة، أبو قلابة يروي عن عمه أبو المهلب، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[محمد بن عبد الله الأنصاري].
محمد بن عبد الله الأنصاري يروي عن أشعث، وكذلك ابن سيرين يروون عنه، وهما اثنان ،وفي طبقة واحدة، يروي عنهم الأنصاري.
[عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران].
[أبو المهلب الجرمي].
أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمران بن حصين].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عمران بن حصين في سجود النبي بعد التسليم لما سها في العصر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث عن يزيد بن زريع حدثنا خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر، فدخل منزله، فقام إليه رجل يقال: له الخرباق ، فقال: نقصت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً يجر رداءه، فقال: أصدق، قالوا: نعم، فقام فصلى تلك الركعة ثم سلم ثم سجد سجدتيها ثم سلم)].أورد النسائي حديث عمران بن حصين من طريق أخرى، وفيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى ثلاث ركعات، وسلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله، وأنه قال له الخرباق، وهو أيضاً ذو اليدين، وهذا اسمه، الخرباق بن عمرو، يطلق عليه ذو اليدين، فقال له: (أنقصت الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم)، فقام وصلى ركعة البقية ثم سلم، ثم سجد السجدتين ثم سلم.
وهذا الحديث أو هذه الطريق تخالف الطرق الماضية من أن السلام كان من ركعتين، وهنا يفيد أن السلام كان من ثلاث، وتلك الطرق تفيد (أنه قام وجلس في المسجد إلى خشبة معروضة، واستند عليها)، وهذه الطريق تفيد بأنه دخل منزله، وأنه خرج من منزله، فمن العلماء من قال: يحتمل تعدد القصة، ومنهم من قال: إنها متحدة، ولكن حصل في بعضها شيء من الخطأ، يعني: من حيث ذكر المنزل، وذكر الصلاة، والذي كثرت فيه الروايات وتعددت هو أنه كان من اثنتين، وأنه جلس في المسجد، وأنه ما خرج إلى بيته، فيحتمل إما التعدد، وإما أن يكون هناك خطأ في هذه الرواية والله تعالى أعلم، والحديث ثابت من حيث الإسناد، وهو متفق مع ما تقدم من حيث الإتيان بما نقص، ومن حيث وجوب سجود السهو بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين في سجود النبي بعد التسليم لما سها في العصر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أبو الأشعث].وهو أحمد بن المقدام، وهو ثقة، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن يزيد بن زريع].
وهو يزيد بن زريع البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
باب إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك
شرح حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا خالد عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن بالتمام فليسجد سجدتين، وهو قاعد، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته، وإن صلى أربعاً كانتا ترغيماً للشيطان)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إتمام المصلي على ما ذكر إذا شك، يعني بهذه الترجمة أنه إذا حصل شك فإنه يبني على اليقين، ثم يأتي بالشيء الباقي بعد ذلك البناء، وذلك كأن يعتريه شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، فليعتبرها ثلاثاً، لا يعتبرها أنها أربعاً؛ لأنه يلغي الشك؛ لأن المشكوك الرابعة، والمتيقن الثلاث، الثلاث متيقنة، والرابعة مشكوك فيها، فيبني على ما استيقن، وهو أنها ثلاث، وهي الأقل، ويضيف الركعة الباقية، فتكون النتيجة إما أن يكون قد صلى خمساً، وإما أن يكون قد صلى أربعاً؛ لأنه بنى على الذي في ذهنه أنها ثلاث، فقد تكون أربعاً، وقد تكون ثلاثاً، لكنه يبني على الأقل الذي هو متيقن، ويأتي بركعة؛ فإن كانت ثلاثاً، فهذه الركعة هي الرابعة، وإن كانت أربعاً، فتكون ركعة خامسة، فيسجد سجدتين للسهو، وتكون هاتان السجدتان شفعتا صلاته، وإن كان صلى أربعاً ما فيه زيادة، كانت السجدتان ترغيماً للشيطان الذي يشوش على الإنسان في صلاته، ويلبس عليه فيها؛ فإنه يؤتى بهاتين السجدتين لتكون جبراً لما حصل من سهو، ويكون في ذلك إرغاماً للشيطان الذي شوش عليه في صلاته، ولبس عليه في صلاته، حتى شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، وهذا فيما إذا لم يغلب على الظن ترجيح.
أما وحيث بقي الشك، فإنه يبني على اليقين، واليقين هو الأقل، إذا كان شك بين ثلاث أو أربع، فالثلاث مؤكدة، ومتيقنة، والرابعة مشكوك فيها، لا يبني على الأكثر، وإنما يبني على الأقل الذي هو المتيقن، وهكذا يعني فيما يتعلق بالأمور التي فيها عدد، عندما يشك الإنسان يبني على اليقين اللي هو الأقل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين ...)
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا خالد].
وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عجلان].
وهو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن زيد بن أسلم المدني].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يسار الهلالي].
مولى ميمونة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
وهو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة والنبي
حديث: (إذا لم يدر أحدكم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليصل ركعة ثم يسجد بعد ذلك سجدتين وهو جالس...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز وهو ابن أبي سلمة عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا لم يدر أحدكم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليصل ركعة، ثم يسجد بعد ذلك سجدتين وهو جالس، فإن كان صلى خمساً شفعتا له صلاته، وإن صلى أربعاً كانتا ترغيماً للشيطان)].أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى، وهي مثل الطريق السابقة.
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
وهو القشيري النيسابوري، شيخ لمسلم، أكثر من الرواية عنه، وهو: يوافق مسلماً في كونه من قبيلته ومن بلده، مسلم قشيري نيسابوري، ومحمد بن رافع قشيري نيسابوري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا حجين بن المثنى].
ثقة، أخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه، مثل تلميذه محمد بن رافع.
[حدثنا عبد العزيز].
وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد].
وقد مر ذكرهم بالإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
الجمع بين كون الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مغضباً يجر رداءه ونهيه عن جر الثياب
السؤال: ورد في الحديث الذي رواه عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مغضباً يجر رداءه، فكيف نوفق بين هذا وبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن جر الرداء؟الجواب: الرداء كما هو معلوم هو الذي يوضع على الكتفين، والإزار هو الذي يكون على النصف الأسفل من الإنسان، والرسول عليه الصلاة والسلام جاء عنه الأحاديث الدالة على أن الإنسان لا ينزل ثيابه إلى ما تحت الكعبين، بل لباسه يكون فوق الكعبين ولا ينزل عنهما، فيمكن أن يكون هذا الذي حصل في هذا الحديث، يعني أنه ارتخى أو أنه انطلق منه في تلك الحالة التي خرج عليها، ومن المعلوم أن الشيء إذا حصل غير مقصود ثم تدورك، لا يكون متعمداً؛ لأنه كما هو معلوم قد يحصل أحياناً أن الإنسان يحرص على عدم نزول الثياب، ولكنها قد تنزل على سبيل الاسترخاء، مثلما جاء في قصة أبي بكر رضي الله عنه، قال: إن إزاري يسترخي، يعني: أنه يحصل من غير اختياره.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:53 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(231)


- باب التحري في الصلاة
من سها في صلاته بأن زاد فيها أو نقص فعليه أن يتحرى ثم يسجد سجدتين للسهو، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به.
التحري
شرح حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التحري.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا مفضل وهو ابن مهلهل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الذي يرى أنه الصواب فيتمه، ثم يسجد سجدتين)، ولم أفهم بعض حروفه كما أردت].
يقول النسائي رحمه الله: باب التحري. والمُراد بالتحري: هو أنه عند الشك في الصلاة يتحرى الصواب فيما شك فيه من الزيادة أو النقصان، أو فعل الشيء وعدمه، فما غلب على ظنه فإنه يأخذ به، ويبني عليه، ويسجد للسهو سجدتين بعد السلام، هذا هو التحري، ومن العلماء من قال: إن التحري هو أن يأخذ بالأقل؛ لأنه المتيقن، لكن هذا المعنى لا يتضح معه المراد بالتحري الذي أمر به؛ وذلك أن التحري هو تأمل في الأمرين المشكوك فيهما، أيهما الواقع؟ وأيهما الصواب فيأخذ به؟ فإن غلب على ظنه الأكثر أخذ به، وإن غلب على ظنه الأقل أخذ به، هذا هو المراد بالتحري.
وقد أورد النسائي فيه عدة أحاديث، أولها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الذي يرى أنه الصواب فيتمه، ثم يسجد سجدتين للسهو)، يعني: يأخذ بذلك الذي رأى أنه صواب، وأتى بالصلاة بناءً عليه، ثم يسجد سجدتين للسهو، ويكون ذلك بعد السلام.
(ثم يسجد سجدتين، ولم أفهم بعض حروفه كما أردت) ولعل الذي قال هذا الكلام هو النسائي، ولهذا أتى بكلمة (يعني) التي كأنها تفسير أو توضيح من غير ضبط للفظ، ولعله قال في آخره: ولم أفهم بعض حروفه كما أردت، يعني أنه لم يضبطه، لكن جاءت روايات أخرى فيها الجزم، وفيها الضبط لما جاء عن عبد الله بن مسعود، لكن من هذه الطريق، قال النسائي: (ولم أفهم حروفه كما أردت).
والحديث دال على ما ترجمه المصنف من أنه إذا شك في صلاته يتحرى ما هو الصواب فيتمه، أي: يأتي به أو يأتي ببقية صلاته على ما جزم، أو على ما غلب على ظنه أنه صواب، ثم يسجد لذلك سجدتين بعد السلام، سجدتين للسهو، وتكون بعد السلام، وعلى هذا فيكون السجود فيما إذا حصل تحري، وغلب على ظنه أحد الأمرين وأخذ به؛ فإن السجود يكون بعد السلام، وقد سبق أن مر بنا أنه أيضاً يكون السجود بعد السلام فيما إذا زاد الإنسان في صلاته ركعة، أو غير ذلك من الزيادات، كالتسليم الذي جاء في حديث ذي اليدين؛ فإنه يسجد سجدتين بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر...)
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].وهو القشيري النيسابوري، شيخ مسلم أكثر من الراوية عنه، وهو من بلده ومن قبيلته، فـمسلم قشيري نيسابوري، ومحمد بن رافع شيخه قشيري نيسابوري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا يحيى بن آدم].
وهو الكوفي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مفضل].
وهو ابن المهلهل، ومفضل هذا ثقة، ثبت، نبيل، عابد، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وكلمة: هو ابن مهلهل، هذه زادها من دون تلميذه يحيى بن آدم، وهو إما محمد بن رافع أو النسائي أو من دون النسائي، أتى بهذه الزيادة الموضحة لـمفضل هذا، وأنه ابن مهلهل، فأتى بكلمة هو ابن مهلهل ؛ حتى يتضح أن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، والتلميذ ما أتى بأكثر من قول: مفضل ؛ لأنه لم ينسب شيخه الذي هو يحيى بن آدم، ولكن من دون التلميذ هو الذي نسبه، ولكنه أتى بشيء يوضح بأن هذا الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ.
[عن منصور].
وهو ابن المعتمر، وهو كوفي، ثقة ،ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم].
وهو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة].
وهو ابن قيس النخعي، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مسعود].
هو الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة وعلمائهم، وهو من المهاجرين، ممن تقدم إسلامه، فإنه هاجر الهجرتين؛ هاجر إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وليس هو أحد العبادلة الأربعة المشهورين من الصحابة؛ لأنه متقدم، والعبادلة الأربعة كلهم من صغار الصحابة. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. شرح حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا وكيع عن مسعر عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر ويسجد سجدتين بعدما يفرغ)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها أنه يتحرى عندما يشك في صلاته، ويسجد سجدتين بعدما يفرغ، وقد جاء توضيح ذلك في بعض الروايات أن الفراغ إنما هو من التسليم، يسجد سجدتين بعد السلام، كما هو في بعض الطرق الأخرى التي ستأتي.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي].وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا وكيع].
وهو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الستة.
[عن مسعر].
هو ابن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (... فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن مسعر عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزاد أو نقص، فلما سلم قلنا: يا رسول الله! هل حدث في الصلاة شيء؟ قال: لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكموه، ولكني إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، وليسجد سجدتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم زاد أو نقص في صلاته، فأخبروه بعد ذلك وقالوا: أحدث في الصلاة شيء؟ قال: لو حدث شيء أخبرتكم، (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم ما شك)، أي: فأيكم شك في صلاته فليتحر الصواب، (فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فيتم عليه، ثم ليسلم، ويسجد سجدتين)، يعني: بعد السلام، فالحديث دال على ما دلت عليه الطريقان السابقتان، من أنه يتحرى الصواب، ويسجد بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر المروزي].ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا عبد الله].
هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر جملة من صفاته في تقريب التهذيب: جمعت فيه خصال الخير. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسعر].
مسعر بن كدام الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وباقي الإسناد هو الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (... فأيكم شك في صلاته شيئاً فليتحر الذي يرى أنه صواب ...) من طريق ثانية
[أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان المجالدي حدثنا الفضيل يعني: ابن عياض عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فزاد فيها أو نقص، فلما سلم قلنا: يا نبي الله! هل حدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ فذكرنا له الذي فعل، فثنى رجله فاستقبل القبلة فسجد سجدتي السهو، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم به، ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فأيكم شك في صلاته شيئاً فليتحر الذي يرى أنه صواب، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتي السهو)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وفيه ما في التي قبلها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة زاد فيها أو نقص، فقالوا له بعد السلام: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال: لو حدث شيء لأخبرتكم، وثنى رجله، وسجد سجدتين، يعني: أنه لما أخبر عاد إلى اتجاه القبلة، وثنى رجله، وجلس لهيئة الجلوس والسجود فسجد، ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) فإذا نسيت فذكروني.
والحديث يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحصل له النسيان، وإنه ليس معصوماً من النسيان، لكنه معصوم من نسيان شيئاً يبلغه عن الله عز وجل، وأما كونه يحصل له النسيان؛ فإنه يحصل له في الصلاة، وفي غيرها، لكن ليس معنى ذلك أنه كما جاء في بعض الأحاديث الضعيفة الواهية: أنني لا أنسى ولكني أنسى لأسن، فإنه قال عليه الصلاة والسلام: أنا أنسى كما تنسون، يعني: يحصله النسيان، إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.
أما كونه ينسى، فيحصل له النسيان، هو نفسه صرح بهذا في الحديث: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)، فقال: أنسى، وقال: فإذا نسيت فذكروني، فهو يدل على حصول ذلك منه عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: (فأيكم شك في صلاته فليتحر الصواب فليتمه، ثم أن يسلم، ثم يسجد سجدتين)، وهذا فيه التنصيص على أن سجود السهو يكون بعد السلام، يكون وذلك فيما يتعلق بالتحري، أي: فيما إذا تحرى وغلب على ظنه، وأخذ بغالب ما غلب على ظنه، فإنه يسجد بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فأيكم شك في صلاته شيئاً فليتحر الذي يرى أنه صواب ...) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا الحسن بن إسماعيل].هو الحسن بن إسماعيل بن سليمان المجالدي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا الفضيل].
هو ابن عياض، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وكلمة: (يعني) ابن عياض، الذي قالها من دون تلميذه، النسائي أو من دون النسائي، وكلمة: (يعني) فاعلها ضمير يرجع إلى الحسن بن إسماعيل المجالدي، هو فاعل (يعني) وقائل من دون هذا التلميذ الذي هو النسائي، أو من دون النسائي.
والفضيل بن عياض ثقة، زاهد، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن منصور] إلى آخر الإسناد.
وقد مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.
حديث: (... إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب ...) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة كتب إلي منصور وقرأته عليه، وسمعته يحدث رجلاً عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر ثم أقبل عليهم بوجهه، فقالوا: أحدث في الصلاة حدث؟ قال: وما ذاك؟ فأخبروه بصنيعه، فثنى رجله، واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل عليهم بوجهه فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وقال: لو كان حدث في الصلاة حدث أنبأتكم به، وقال: إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب، ثم ليتم عليه، ثم يسجد سجدتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وهي مثل الطرق السابقة، ودالة على ما دلت عليه.
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
وهو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه أبو مسعود وأبوه مسعود، هذا النوع من أنواع علوم الحديث في المصطلح، فائدته دفع الغلط فيما إذا ذكر بالكنية، وهو مشهور بالاسم، فقد يظن أن فيه تصحيف إذا قيل: إسماعيل أبو مسعود بدل إسماعيل بن مسعود؛ فإن كل ذلك صواب ولا خطأ فيه؛ لأنه ابن مسعود، وهو أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا خالد بن الحارث البصري].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها.
قال: كتب إلي منصور، وقرأته عليه، وسمعته وهو يحدث رجلاً، يعني: شعبة يخبر أنه تحمل هذا عن منصور بثلاثة طرق، يعني: كونه كتب إليه به، وكونه قرأ عليه، وكونه سمعه يحدث رجلاً، ومنصور ومن فوقه مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:56 PM
شرح أثر ابن مسعود: (من أوهم في صلاته فليتحر الصواب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن شعبة عن الحكم سمعت أبا وائل يقول: قال عبد الله: (من أوهم في صلاته فليتحر الصواب، ثم يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس)].أورد النسائي هذا الحديث عن عبد الله، وهو موقوف عليه بإسناده إلى عبد الله أنه قال: (من أوهم في صلاته فليتحر الصواب، ثم يسجد سجدتين بعدما يفرغ وهو جالس)، أورده النسائي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود موقفاً عليه، وقد مر من طرق متعددة عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد أثر ابن مسعود: (من أوهم في صلاته فليتحر الصواب ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن شعبة].وقد مر ذكرهم.
[عن الحكم].
هو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبي وائل].
وهو شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، واسمه شقيق بن سلمة، يأتي ذكره أحياناً باسمه، ويأتي ذكره أحياناً بكنيته كما هو هنا، ومعرفة كنى المحدثين مهمة، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته؛ فإن من لا يعرف أن أبا وائل كنية لـشقيق بن سلمة، لو رأى في إسناد أبا وائل، ورأى في إسناد آخر شقيق، يظن أن هذا شخص وذاك شخص، لكن من عرف أن هذه كنية لهذا الشخص، لا يلتبس عليه الأمر.
وشقيق بن سلمة أبو وائل ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
وقد مر ذكره.
أثر ابن مسعود: (من شك أو أوهم فليتحر الصواب ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن مسعر عن الحكم عن أبي وائل عن عبد الله قال: (من شك أو أوهم فليتحر الصواب، ثم ليسجد سجدتين)].وهذا أيضاً موقوف على ابن مسعود، والإسناد مر ذكر رجاله.
شرح أثر إبراهيم النخعي: (كانوا يقولون: إذا أوهم يتحرى الصواب ثم يسجد سجدتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن ابن عون عن إبراهيم (كانوا يقولون: إذا أوهم يتحرى الصواب ثم يسجد سجدتين)].وهذا أيضاً موقوف على إبراهيم يعزوه، ويضيفه إلى غيره من العلماء، أنهم كانوا يقولون: إذا أوهم في صلاته يتحرى الصواب ثم يسجد سجدتين، وقد عرف أن هذا المعنى جاء مرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام من طرق متعددة، جاء عن طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الأسانيد السابقة، وهو موقوف هنا على إبراهيم النخعي، ويقول: (كانوا يقولون) أي: العلماء في زمانه وقبل زمانه: (إذا أوهم في صلاته فليتحرى الصواب وليسجد سجدتين)، ومن المعلوم أن هذا المتن الموقوف جاء مرفوعاً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قوله: [أخبرنا ابن عون]، هو عبد الله بن عون البصري، وهو: ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وبقية رجال الإسناد قد مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.
الأسئلة
مدى صحة اعتبار أن أهل الحديث هم الفرقة الناجية
السؤال: هل أهل الحديث هم الفرقة الناجية؟ وما حال غيرهم إذا كان الجواب بالإثبات؟الجواب: لا شك أن أهل الحديث هم من الفرقة الناجية، وقد جاء التنصيص على ذلك من بعض العلماء، وأنهم أهل الحديث، وقال: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم، ولا شك أنهم من الفرقة الناجية، والفرقة الناجية أعم منهم، لكن لا شك أنهم يدخلون فيها دخولاً أولياً، الذين يعرفون حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام ويطبقونه وينفذونه، هم أولى الناس بالدخول تحت هذا الاسم الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
والفرقة الناجية هم -كما هو معلوم-: من كان على ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه، كما جاء في حديث: (ستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل من؟ قال: هي الجماعة)، وفي بعض الروايات قال: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي)، فمن كان على هذه الطريقة وعلى هذه الجادة، فهو من هذه الفرقة.
الفرق بين التحري والشك واليقين
السؤال: لو أعدتم لنا معنى التحري، والفرق بينه، وبين الشك، واليقين في الصلاة؟الجواب: اليقين كما هو معلوم ليس معه شك، الإنسان متيقن من شيء، يعني معناه: غير شاك فيه، ولكنه إذا شك وصار متردداً بين أمرين، هل فعل هذا أو ما فعل هذا، التحري يكون بأن يتأمل، ويتذكر: أيهما الذي حصل؟ وأيهما يغلب على ظنه أنه وقع؟ فهذا هو التحري، بعض العلماء قال: التحري أنه يبنى على اليقين الذي هو الأقل، لكن هذا لا يتضح معه معنى التحري، وأنه أقرب للصواب، وينظر ما هو أقرب إلى الصواب، بل هذا واضح في أنه يتأمل أي الأمرين المشكوك فيهما، أيهما الذي يغلب على الظن حصوله فيعمل به، هذا هو مقتضى الحديث.
ما يفعل من شك في السجدتين في الصلاة
السؤال: إذا كان الرجل ساجداً في الصلاة، ولم يدر هل هو في السجدة الأولى أم في الثانية، فكيف يفعل؟الجواب: نفس الشيء، يبني يعني يتحرى إذا غلب على ظنه أنها الثانية، لا يأتي بشيء، وإذا كان غلب على ظنه أنها الأولى يأتي بالثانية، وإذا لم يغلب على ظنه لا هذا، ولا هذا؛ فإنه يبني على الأقل؛ لأنه المتيقن، ويأتي بالثانية. لكن إن غلب على ظنه أنها الثانية، لا يأت بشيء.
مدى حصول الأجر لمن يحج سنة ويقعد أخرى مع زوجه وأولاده
السؤال: شخص يحب أن يحج كل سنة حتى يفوز بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة... الخ الحديث)، يقول: ولكن زوجته وأولاده يحبون أن يكون معهم في العيد، فاتفقوا على أن يحج سنة، ويجلس معهم سنة، فهل يفوز بالأجر المذكور في الحديث؟الجواب: الأجر عند الله عز وجل، لكنه على خير.
توضيح معنى قاعدة: الحكم على الشيء فرع عن تصوره
السؤال: وضحوا لنا القاعدة الشرعية التالية: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، واضربوا لنا مثالاً على ذلك؟الجواب: الحكم على شيء فرع عن تصوره، الإنسان إذا كان ليس متصوراً الشيء الذي سيحكم عليه، يكون الحكم مبني على غير أساس؛ لأنه ما فهم الشيء الذي سيحكم عليه، معناه: أن من أراد أن يحكم على شيء، فليتصور ذلك الشيء الذي سيحكم عليه، يعني: أمر من الأمور طلب منه أن يبين حكمه، وهو لا يعرف ذلك الأمر الذي سئل عنه، مثل: مسائل البنوك، والأشياء التي في البنوك، والمصطلحات التي في البنوك مثلاً فيقول: ما المراد بهذا؟ أيش المراد بهذا الكلام؟ تقول: إن هذا من الأمور المصطلحية في البنوك، الحكم عن الشيء فرع عن تصوره، الإنسان إذا ما تصور المحكوم عليه كيف يحكم عليه؟! يعني: إذا سئل مثلاً عن الأسهم أيش بيع الأسهم؟ أيش معنى الأسهم؟ يعني: فيه مصطلحات موجودة عند البنوك فيسأل الإنسان عنها وهو لا يعرف أيش معناها؛ لأن الحكم على شيء فرع عن تصوره، كون الإنسان ما فهم الشيء كيف يحكم عليه.
علاقة نزول الثوب أثناء الركوع والسجود بالإسبال
السؤال: إذا قام الشخص فوصل ثوبه إلى الكعب، ثم إذا ركع تعدى الكعب، هل هذا إسبال؟ الجواب: لا ليس هذا إسبال، إذا كان عندما يركع ينزل ثوبه بسبب ركوعه ما دام أنه لم ينزل عن الكعب، لا يقال له: إسبال، الإسبال إذا كان واقفاً.
كيفية معرفة الرواة إذا تشابهت كناهم
السؤال: إذا تشابهت الكنى فكيف يُميز بينهما؟الجواب: إذا تشابهت الكنى، يعني: إذا كان المقصود بالسؤال بالنسبة لتعدد أشخاص، فإذا كانوا في طبقتين، طبعاً يعرف بالطبقة، يعني: كون هذا الشخص في طبقة متقدمة، وهذا في طبقة متأخرة، الذي في طبقة متأخرة لا يتوقع أن يكون الذي في الطبقة المتقدمة، وكذلك العكس، فيميز بينهم بالطبقات، وأما إذا كانوا في طبقة واحدة، فينظر أيضاً إلى التسمية، يعني: تسميته مع الكنية، فقد يرد في بعض الأسانيد التسمية مع الكنية، وبذلك يزول الالتباس، والاحتمال فيما إذا كان هناك كنى متعددة لأشخاص في زمن واحد؛ فإن التسمية مع الكنية يكون فيها التمييز.
حكم شراء سيارة بالتقسيط وبيعها نقداً لشخص آخر
السؤال: بعض الناس يحتاج إلى المال فيشتري سيارة بالقسط، ثم بعد استلامها يبيع لآخر نقداً، وكل ذلك من أجل الحصول على المال فقط، فهل هذه الصورة صحيحة؟الجواب: كون الإنسان يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها بثمن حال على غير الذي اشتراها منه، جائز، لكن ليس للإنسان أن يحمل نفسه ديون من غير ضرورة تلجئه إلى ذلك، وحتى لو كان مضطراً؛ بأن كان مديناً، يريد أن يتخلص من الدين بدين آخر، فإن هذا أيضاً زيادة أعباء؛ لأنه سيتحمل الدين، وزيادة هذه التي تقابل التأجيل، وكما قال الله عز وجل: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ )[البقرة:280]، الإنسان الذي هو مدين ولا يستطيع لا يتدين، ويتحمل دين آخر من أجل أن يوفي ناس دائنين، وإنما الأمر كما قال الله عز وجل: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ )[البقرة:280]، والإنسان لا يقدم على تحمل ديون إلا لضرورة لا بد منها، أما كون الإنسان يتحمل ديون من أجل يعني يحصل زيادة مال، أو من أجل أنه يوفي دائنين أو ما إلى ذلك؛ فإن هذا يجلب عليه الضرر.
الكلام على ورقة خادم الحجرة ومدى صحة ما فيها
السؤال: هذه الورقة ظهرت قبل سنوات يعني واحد لمن يسمى خادم الحجرة النبوية فما قولكم فيها؟الجواب: صاحب الحجرة، الشيخ ابن باز رد عليه رداً واضحاً، مطبوعاً يمكن للإنسان يطلع عليه، وينظر ما في هذه الدعوى من الكذب، وأن هذا شيء لا أساس له، وأن ما ذكره من الأشياء التي فيها غير صحيحة، وأنها كلها من الكذب، بالرجوع إلى كتابة الشيخ عبد العزيز بن باز، أظنها ضمن التحذير من البدع، فيه مجموعة رسائل مطبوعة بكتيب واحد اسمه: التحذير من البدع، مشتمل على ليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج، والمولد النبوي، والحجرة، أو كذب المسمى أحمد، الذي يقال عنه: أنه خادم الحجرة، فالشيخ ابن باز حفظه الله كتب كتابة كافية وافية فيما يتعلق في هذا الموضوع، فيمكن للإنسان أنه يطلع عليها، ويرى توضيح الرد على الافتراءات التي اشتملت عليها، وذلك الكذاب المفتري المنسوب إلى الشيخ أحمد خادم الحجرة.
حكم إقامة الصلاة على المرأة
السؤال: هل المرأة إذا صلت مع النساء عليها أن تقيم الصلاة، وكذلك إذا صلت وحدها، فهل عليها إقامة؟الجواب: النساء ليس عليهن أذان ولا إقامة.
مدى إجزاء كبش واحد عن الذكر في العقيقة
السؤال: هل يجزي كبش واحد عن عقيقة الذكر؟الجواب: السنة جاءت بأن الذكر يذبح عنه اثنتان، والجارية يذبح عنها واحدة، هذه السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالإنسان لا يقتصر على واحد، وإنما عليه أن يأتي بما جاءت به السنة، وهو ذبيحتان للذكر، وذبيحة للأنثى.
وهذه من المسائل الخمس التي المرأة فيها على النصف من الرجل، ذكرها ابن القيم في بعض كتبه، وهي: العقيقة، والدية، والإرث، والشهادة، والعتق، يعني: من أعتق شخصاً كان فكاكه من النار، ومن أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار، فهذه خمسة أمور جاءت النصوص في أن المرأة على النصف من الرجل فيها.
الاعتماد في دفع زكاة الحلي على البيع أو الشراء
السؤال: دفع زكاة حلي المرأة، هل يكون بثمن البيع أم بثمن الشراء؟الجواب: يكون بقيمتها في وقت حلول الزكاة، قيمة الحلي في وقت حلول الزكاة، يحسب الزكاة على هذا الحساب، لا ينظر إلى قيمة الشراء، وإنما ينظر إلى قيمتها في وقت حلول الزكاة فيها، فإذا كانت عند الشراء تساوي ألف، وعند حلول الزكاة تساوي ألفين، يخرج زكاة ألفين.
الحكمة في إنكار المنكر على من يحتفل بالمولد النبوي
السؤال: في بعض البلاد يوجد ليلة الزفاف في العرس، أو ليلة العرس احتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقرأ أناشيد في نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أنكر عليهم بدلوا بالموسيقى والغناء المحرمة، فنرجو منك الإجابة.الجواب: على كلٍ كل ذلك منكر، البديل، والمبدل. فينكر على الجميع.
حكم تحريك الخاتم عند الوضوء
السؤال: إذا كان الرجل يلبس خاتم، فهل ينزعه عند الوضوء أو لا؟ هل يحركه؟الجواب: لا يلزم أبداً، إذا كان يعرف أنه واسع وأن الماء يدخل، فإن ذلك كاف، وإذا تحقق من دخول الماء إلى داخل ما كان تحت الخاتم، فإنه يحصل المقصود بذلك.

ابو الوليد المسلم
02-15-2026, 11:59 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(232)
- تابع باب التحري في الصلاة
دلت السنة على أنه يشرع في حق من شك في صلاته ولم يدرِ كم صلى أن يسجد سجدتين للسهو بعد التسليم.
تابع التحري في الصلاة
شرح حديث: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التحري.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن ابن جريج قال عبد الله بن مسافع عن عقبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)].
فهذا الحديث حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، أورده النسائي في باب التحري، وقد عرفنا من الأحاديث الماضية التي أوردها النسائي في هذا الباب من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن التحري هو: أنه إذا شك في صلاته فإنه يتحرى الصواب في أي الأمرين الذين تردد فيهما، فإذا غلب على ظنه أحدهما فإنه يأخذ به ويسجد سجدتين بعدما يسلم، وهذا هو الذي يناسب ما جاء في الأحاديث من لفظ كونه يتحرى ما هو أقرب إلى الصواب أو يتحرى الصواب، ومن العلماء من قال: إن التحري هو: أن يبني على الأقل فيما إذا كان التردد في شيئين أقل وأكثر فإنه يبني على الأقل لأنه اليقين، لكن هذا لا يناسب ما جاء في لفظ الحديث من قوله: يتحرى ما هو أقرب إلى الصواب أو يتحرى الصواب، فإن هذا ليس فيه تحري وإنما فيه أخذ بشيء معين، لكن التحري فيه الأخذ بما يغلب على الظن إما هذا وإما هذا، إما هذا الشيء وإما هذا الشيء، والأخذ بالأقل هو أخذ بشيء واحد لا تحري فيه، وحديث عبد الله بن جعفر هذا ليس فيه ذكر شيء من التحري، وإنما فيه أن من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم، ومن المعلوم أن الشك هو: التردد بين أمرين فلم يترجح أحد الاحتمالين ، ولم يحصل غلبة الظن لا في هذا ولا في هذا ، هذا هو الشك عندما يحصل؛ لأنه تساوي الطرفين وعدم ترجح أحدهما على الآخر، فإذا غلب الظن أحد الأمرين فإن الشك لا يكون باقياً، بل حصلت غالبية الظن على أحد الاحتمالين المشكوك فيهما.
وحديث عبد الله بن جعفر هذا أورده النسائي من طرق أربع، وكلها ذكرها الشيخ الألباني في ضعيف سنن النسائي، ذكرها أي: الطرق الأربع بهذا الحديث هذه الطريق والثلاث التي بعدها، وفي رجالها من تكلم فيه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وهو من أهل بلده، وعبد الله بن المبارك مروزي، وسويد بن نصر راويته.
[أخبرنا عبد الله بن المبارك] .
قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، ثبت جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال عبد الله بن مسافع].
هذا لم يذكر الحافظ عنه شيئاً في التقريب، وفي تهذيب التهذيب ذكر ترجمته، وذكر من روى عنه والذين روى عنهم، ولم يذكر شيئاً في بيان حاله، وذكر أنه أخرج له أبو داود، والنسائي حديثاً واحداً، هو هذا الحديث في سجود السهو، فليس له في الكتب الستة إلا عند أبي داود، والنسائي والذي عندهما له هو هذا الحديث الواحد، ولم يأت ذكر عبد الله بن مسافع إلا مرة واحدة في هذا الموضع، هناك طرق متعددة ولكن جاءت في حديث واحد، أي: هذه الطرق الأربعة جاء ذكره فيها أربع مرات لكنها حديث واحد، فرواية أبي داود عنه هذا الحديث وحده، هو رواية النسائي عنه هذا الحديث وحده.
[عن عقبة بن محمد بن الحارث].
عقبة وقيل: عتبة، وقيل: إن الأرجح هو عتبة بن محمد بن الحارث. قيل عتبة وقيل عقبة. ولكنه بالتاء أرجح، وهو مقبول أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، مثل عبد الله بن مسافع أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن عبد الله بن جعفر].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأبوه جعفر بن أبي طالب أحد الأمراء الثلاثة في غزوة مؤتة، والذين هم: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة الذين قتلوا، وقد ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام على الترتيب، قال: فلان، ثم فلان، ثم فلان، وقد استشهدوا وماتوا في تلك الغزوة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وبعد ذلك اختار الجيش خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فقام بالمهمة بعد وفاة هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فأبوه جعفر هو أحد الأمراء الثلاثة، وعبد الله بن جعفر هذا من صغار الصحابة، ولد في السنة الأولى من الهجرة، هو وعبد الله بن الزبير في سنة واحدة، ومات رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره عشر سنوات، وتوفي سنة ثمانين وعمره ثمانون سنة، فهو من صغار الصحابة، وهو من لدة عبد الله بن الزبير؛ لأن عبد الله بن الزبير ولد في السنة الأولى من الهجرة، والنعمان بن بشير أصغر منه؛ لأنه توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، ومن المعلوم أن رواية الراوي في حال صغره وتحمله في حال صغره وتأديته في حال كبره هذا أمر مشهور، ومعتبر عند العلماء، لهذا يأتي في بعض الطرق عن هؤلاء الصغار يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، وكذا يتحمل في حال صغره، ويؤدي في حال كبره، وذلك معتبر عند المحدثين، ومثله كون الكافر يتحمل في حال كفره ويؤدي في حال إسلامه، فإن حديثه معتبر وكلامه معتبر، ومن ذلك حديث أبي سفيان في قصة هرقل، فإنه حدث، وأخبر بما جرى بينه وبين هرقل، وأخبر عن كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتحمل الكافر في حال كفره وتأديته في حال إسلامه أمر معتبر، وكذلك تحمل الصغير في حال صغره وتأديته في حال كبره هذا أمر معتبر.
وقد جاء في طريقين آتيين أن عتبة يروي عن مصعب، الطريقين الأخيرين مصعب يروي عن عتبة عن عبد الله بن جعفر.
يعني: أن عتبة يروي عن عبد الله بن جعفر بواسطة وبغير واسطة، وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن هذا هو الأرجح، كونه فيه واسطة، وقيل عنه: عن مصعب عن عبد الله بن جعفر، قال: وهذا هو الأرجح، معناه أنه جاء من أربع طرق، طريقان ليس فيهما ذكر مصعب بن شيبة، والطريقان الآخران فيهما مصعب بن شيبة، بين عبد الله بن المسافع وعتبة.
حديث جعفر روى له الجماعة.
وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب روى له أصحاب الكتب الستة، والأحاديث التي له قليلة جداً.
حديث: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد التسليم) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الوليد حدثنا ابن جريج عن عبد الله بن مسافع عن عقبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد التسليم)].أورد النسائي حديث عبد الله بن جعفر من طريق أخرى وهي مثل الطريق السابقة التي قبلها، وهي ليس فيها ذكر مصعب بن شيبة.
قوله: [أخبرنا محمد بن هاشم].
هو محمد بن هاشم البعلبكي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا الوليد].
وهو ابن مسلم الدمشقي وهو ثقة، يدلس، ويسوي، عنده التدليس والتسوية، أي: تدليس الإسناد وتدليس التسوية. وتدليس التسوية هو: أن يأتي إلى إسناد فيه ثقات وبينهم ضعفاء، فيحذف الضعفاء ويبقى الإسناد كأنه على ظاهره، وأن أصحابه أجواد وأنهم معتبرون وأنهم ثقات، وقد حذف الضعفاء، وهذا هو شر أنواع التدليس؛ لأن هذا ليس تدليساً من الراوي نفسه بينه وبين شيخه، وإنما هذا فيه إسقاط ضعفاء لم يلقهم وإنما هم فوق مشايخه يسقطهم ويسوي الإسناد فيكون ظاهره أنهم كلهم ثقات مع أن في أثنائه حذفاً لبعض الضعفاء من أثنائه.
والوليد بن مسلم أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
قد تقدم ذكره، وكذلك الذين فوقه تقدم ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج قال: ابن جريج أخبرني عبد الله بن مسافع أن مصعب بن شيبة أخبره عن عقبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم)].أورد النسائي طريق أخرى لحديث عبد الله بن جعفر وهي مثل الطرق السابقة إلا أن فيها ذكر مصعب بن شيبة بين عبد الله بن المسافع وبين عتبة بن محمد بن الحارث.
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].
وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، أبوه مشهور بأنه ابن علية، وقد يطلق على أولاده ابن علية، على أولاد إسماعيل يقال له ابن علية لكن المشهور بها الأب، ومحمد هذا ثقة أخرج حديثه النسائي وحده، وله أخ اسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم وهذا ليس على طريقة أهل السنة، بل هو من المبتدعة، وقال عنه الذهبي في الميزان: إنه جهمي هالك الذي هو إبراهيم، ومحمد بن إسماعيل من أهل السنة، وهو ثقة أخرج حديثه النسائي، وأبوه إسماعيل بن إبراهيم ثقة، ثبت أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأما إبراهيم أخو محمد بن إسماعيل فذاك جهمي هالك كما قال الذهبي.
ويأتي -كما ذكرت ذلك من قبل- ذكره في مسائل الفقه الشاذة، يعني: عندما تأتي مسائل فقهية فيها رأي شاذ يقال فيها: قال به ابن علية فالمقصود به إبراهيم الجهمي، ومن أمثلة ذلك: مسألة الإجارة حكمها، يقول: إن الإجارة لا تجوز وأنها حرام، يعني: كون الإنسان يستأجر إنسان أو كونه يستأجر منه شيئاً هذا حرام لا يجوز، هذا شذوذ ما بعده شذوذ، من يستغني عن الإجارة، ما أحد يستغني عن الإجارة، الناس بحاجة إلى بعضهم، الواحد يستأجر من يعمل له، ويستأجر من غيره مثلاً منزلاً أو دكاناً أو سيارة أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يحتاج الناس إليها، وهم لا يستطيعون أن يملكوا مثل هذه الأشياء، وإنما يحصلونها عن طريق الأجرة، أي: استئجار المنفعة وملك المنفعة لفترة معينة، فهذا من الشذوذ الواضح البين الذي هو مخالف لما جاء في الكتاب والسنة ولما عليه سلف هذه الأمة، ثم هو مخالف لما يضطر الناس إليه، فإن ضرورة الناس إلى الإجارة ضرورة ملحة ما أحد يستغني عن الإجارة، إما يستأجر أشخاص، وإما يستأجر أماكن، أو يستأجر أدوات، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يحتاج الناس إلى استئجارها.
[حدثنا حجاج].
وهو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال ابن جريج].
وقد مر ذكره.
[أخبرني عبد الله بن مسافع].
وقد مر ذكره.
[أن مصعب].
مصعب بن شيبة هو الحجبي المكي العبدري، من بني عبد الدار، ويقال له: الحجبي نسبة إلى حجابة الكعبة، هم المسئولون عن فتحها وإغلاقها وما إلى ذلك، الذين هم بني شيبة، فيقال له الحجبي، ويقال له العبدري نسبة إلى بني عبد الدار، وقال عنه الحافظ في التقريب أنه لين الحديث، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
والبقية الذين بعده مر ذكرهم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-16-2026, 12:01 AM
حديث: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين...) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا حجاج وروح هو ابن عبادة عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن مسافع أن مصعب بن شيبة أخبره عن عقبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من شك في صلاته فليسجد سجدتين) قال حجاج: بعد ما يسلم، وقال روح: وهو جالس].أورد النسائي الطريق الأخيرة من الطرق لحديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، وهي مثل الطريق الثالثة فيها ذكر مصعب بن شيبة بين عبد الله بن مسافع وبين عتبة بن محمد بن الحارث.
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].
وهو الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا حجاج وروح].
هو ابن محمد المصيصي الذي تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وفيه روح وهو روح بن عبادة البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (هو: ابن عبادة) هذه الذي قالها هو من دون هارون؛ لأن هارون يروي عن حجاج وروح، فالذي قالها من دون هارون، إما النسائي أو من دون النسائي، وبقية الرجال مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
وفي آخره قال: [قال حجاج بعدما يسلم، وقال روح: وهو جالس].
قال حجاج: بعد ما يسلم، أي: أن شيخي هارون بن عبد الله أحدهما قال: بعدما يسلم، يعني ذكر السجدتين، والثاني قال: وهو جالس، أي: ذاك سجدتين وهو جالس الذي هو روح، وأما حجاج فقال: بعدما يسلم.
شرح حديث أبي هريرة فيما يفعله من لبس عليه الشيطان صلاته حتى لا يدري كم صلى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قام أحدكم يصلي جاء الشيطان ولبس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد شيئاً من ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس)، هذا الحديث يدل على أن الشيطان عندما يدخل للإنسان في صلاته فإنه يشغله فيها بما يأتي على خاطره من الأمور التي ينشغل بها عن صلاته، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه يقول: اذكر كذا اذكر كذا اذكر كذا، فيذكره أشياء يشغله بها عن الصلاة، قال: فإذا وجد شيئاً من ذلك أي: الإنسان فليسجد سجدتين وهو جالس، لهذا السهو ولهذا الذي حصل له من كونه تشوش حتى إنه لا يدري كم صلى.
ومن المعلوم أنه مر في الأحاديث السابقة أنه يتحرى إذا كان لا يدري كم صلى، فإنه يتحرى ما هو الصواب فيأخذ بما يغلب على ظنه، ويسجد سجدتين، وقد مر في الأحاديث السابقة أنه عندما يتحرى ويأخذ بما يغلب على ظنه أن السجود يكون بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة فيما يفعله من لبس عليه الشيطان صلاته حتى لا يدري كم صلى
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهو متقدم: ووفاته سنة أربعين ومائتين، ولكن ولادته سنة مائة وخمسين؛ لأن عمره تسعون سنة، فولادته في نفس السنة التي ولد فيها الشافعي، والشافعي توفي سنة مائتين وأربع، وهو توفي مائتين وأربعين، وولادة كل منهما سنة مائة وخمسين، فكون عمره طويل أدرك الذين أدركهم الشافعي، فـالشافعي متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة مائتين وأربعة، وقتيبة عاش بعده ستاً وثلاثين سنة بعد الشافعي، وقد ولد مع الشافعي في سنة واحدة، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة مائة وخمسين، ولهذا قتيبة يروي عن مالك، ومالك توفي سنة مائة وتسعة وسبعين، بل يمكن أنه يروي عمن قبل مالك، في الوفاة؛ لأن ولادته سنة مائة وخمسين ومعلوم أن الراوي يأخذ أو يتحمل في حال صغره، ويلقى الشيوخ في أواخر أعمارهم والطلبة في أوائل الأعمار، فيروي عن هذا ثم يعمر بعده، وهذا هو الذي من أجله يأتي قصر الإسناد، أو يقل رجال الإسناد بسبب أن يكون الواحد يعمر فيلقى في أول حياته شخصاً في آخر حياته، وذاك الذي قبله لقي في أول حياته شخصاً في آخر حياته فتقل الرجال، ولهذا يكون عند البخاري ثلاثة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والبخاري توفي سنة مائتين وست وخمسين، ، ويأتي عنده في بعض الأسانيد تسعة أشخاص، التي هي أنزل الأسانيد عند البخاري وأعلى الأسانيد ثلاثة أشخاص، والكثرة تأتي بكثرة هؤلاء الأشخاص فيكون هذا لقي هذا وهذا لقي هذا، لكن بالنسبة للأسانيد العالية يكون هذا عن طريق المعمرين، الذي يعمر هو الذي يكون عنده العلو في الإسناد بكونه يلقى في أول حياته شخصاً ويحدث عنه في آخر حياته وهكذا.
وقتيبة ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، يروي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو الثاني في الترتيب من حيث الوجود؛ لأن أولهم أبو حنيفة، ثم بعده مالك، ثم الشافعي، ثم الإمام أحمد، وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، إمام، مشهور، ومحدث، فقيه مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه، بل هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن السابع من الفقهاء السبعة قيل فيه ثلاثة أقوال، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه ثلاثة أقوال في السابع، وستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
يروي [عن أبي هريرة].
وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
شرح حديث أبي هريرة فيما يفعله من لبس عليه الشيطان صلاته من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا بشر بن هلال حدثنا عبد الوارث عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط، فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه حتى لا يدري كم صلى، فإذا رأى أحدكم ذلك فليسجد سجدتين)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه أن الشيطان إذا نودي للصلاة ولى، وله ضراط، لأنه يفر من الأذان، ويفر من ذكر الله عز وجل، فهو يهرب حتى لا يسمع النداء الذي هو ذكر الله عز وجل الذي يعلن ويرفع به الصوت بدعاء الناس إلى أن يأتوا إلى الصلاة، فإنه يفر من ذكر الله، ويكره الشيء الذي فيه إقدام الناس على العبادة، وإلى طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو يولي، وله ضراط، فإذا قضى التثويب أقبل ، أي: إذا فرغ من التثويب الذي هو الإقامة، رجع وعاد حتى يخطر بين المرء وقلبه، فلا يدري كم صلى، وقد جاء في بعض الطرق لهذا الحديث أنه إذا سمع الأذان ولى ثم يرجع، فإذا سمع التثويب ولى، بمعنى أنه يأتي بعدما ينتهي الأذان، ثم إذا سمع التثويب هرب، ثم إذا فرغ من التثويب رجع حتى يشغل الإنسان في صلاته، والتثويب هو الإقامة. يقال لها التثويب لأنها رجوع إلى النداء بعد النداء الأول الذي هو الأذان ؛ لأن الأذان هو: إعلام بدخول الوقت، والإقامة هي: إعلام بالقيام إلى الصلاة، وإخبار بالقيام إلى الصلاة، وأن المأمومين مطلوب منهم أن يقوموا حتى يصفوا ويستعدوا للصلاة، فكل منهما نداء، ولهذا يقال للإقامة أذان، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (بين كل أذانين صلاة) المراد بالأذانين الأذان والإقامة، لأنه يقال لها أذان، وحديث الصحابي الذي تسحر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: ثم قمنا إلى الصلاة، قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية، الأذان هو الإقامة، لأن السحور الذي هو الإمساك، أي: أمسكوا عند الأذان ودخول الوقت ثم جلسوا، وكان المقدار بين الأذان والإقامة مقدار قراءة خمسين آية، ثم أذن للصلاة، أي: أقيمت الصلاة.
ويقال للصلاة خير من النوم التثويب، ولعله قيل لها التثويب لأنها رجوع إلى الدعوة إلى حضور الصلاة لأن حي على الصلاة حي على الفلاح هي دعاء، وهذا أيضاً فيه رجوع إلى ذلك الدعاء إلى الصلاة، وأن الصلاة التي يدعون إليها هي خير من النوم الذي هم متلذذون به، والحاصل: أن الصلاة خير من النوم يقال لها التثويب، والإقامة يقال لها التثويب، والحديث الذي هنا ثوب، فإذا انقضى التثويب أي: الإقامة، إذا انقضت الإقامة فإنه يأتي، فيخطر بين الإنسان وقلبه، وجاء في بعض الروايات أنه يقول: اذكر كذا اذكر كذا حتى لا يدري الإنسان كم صلى، لأنه انشغل ما يدري، انشغل بتلك الأفكار والهواجس التي تخطر على باله بإلقاء الشيطان إياها عليه، قال عليه الصلاة والسلام: (فإذا وجد شيئاً من ذلك فليسجد سجدتين).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة فيما يفعله من لبس عليه الشيطان صلاته من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا بشر بن هلال].هو بشر بن هلال الصواف، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا عبد الوارث].
هو عبد الوارث بن سعيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام الدستوائي].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي سبق أن نبهت فيما مضى إلى كلمة مأثورة عنه مشهورة، وهي قوله: (لا يستطاع العلم براحة الجسم) معناه أن العلم لا يحصل إلا بالتعب والنصب والمشقة، لا يحصل بالسهولة، واليسر، وقلة العناء، والمشقة، فإنه لابد من التعب، من أراد أن يحصل العلم فليتعب، ولينصب، لا يحصل العلم بالراحة، والإخلاد إلى الراحة، فإنه كما يقولون: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، أي: الشيء القليل الذي على مقدار راحة اليد لا يحصل بالراحة، ولكن تحصل الأشياء بالجد والاجتهاد.
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد
فالرغبة عندما تكون يكون هناك جهود عظيمة في سبيل تحقيقها وتحصيلها، وليس بالأماني والإخلاد إلى الراحة، فإن الإخلاد إلى الراحة والأماني لا يكون من ورائها نتيجة، هذه ليس وراءها إلا الضياع وليس وراءها إلا الإفلاس، ولكن من جد وجد، ومن تعب فإنه يحصل، وهذه كلمة عظيمة قالها يحيى بن أبي كثير، والإمام مسلم رحمه الله ذكرها بإسناده إليه في صحيحه، وهي من المقاطيع ومن الأشياء الموقوفة التي في صحيح مسلم، لأن مسلماً رحمه الله ذكرها في أثناء حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عندما أورد الطرق المتعددة عن عبد الله بن عمرو بن العاص في أوقات الصلاة، في بيان أوقات الصلاة، أتى بالإسناد إلى يحيى بن أبي كثير وقال: لا يستطاع العلم براحة الجسم، يعني: معناه أن تحصيل العلم لا ينال بالراحة والإخلاد إليها، وإنما ينال بالتعب، والمشقة، وبالعناء، وبالنصب، فبهذا يحصل العلم، وما ساد من ساد إلا بتعبه ونصبه، ولهذا يقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
لولا المشقة كل الناس يكونون سادة، إذا كنت السيادة ستحصل بلاش، إذا كان السؤدد بلاش دون ثمن الكل يصير سيد، والكل يحصل هذه المرتبة، والمنزلة، لكن السؤدد لا يحصله كل أحد، وإنما يحصل بالتعب، والنصب، لأن السؤدد لا يحصل إلا بالمشقة.
الإنسان إذا كان عنده مال إذا ما كان عنده يقين وعنده رغبة صادقة ما يقدم على الإنفاق، لأن الإنفاق يؤدي إلى أنه ما يصير بيده شيء، إلى أنه يكون قليل ذات اليد، والإقدام قتال، الذي يقدم في الميدان يحصل القتل، وليس الكل يصبر على القتل وليس الكل يصبر على الإنفاق، تحصل له الشهادة ببذله، وجده، واجتهاده في إعلاء كلمة الله عز وجل، وكذلك الذي ينفق المال في سبيل الله عز وجل يحصل السؤدد لجوده، وكرمه، وإحسانه.
هذه كلمة عظيمة قالها يحيى بن أبي كثير اليمامي.
[عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

الأسئلة
النيابة في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
السؤال: هل تجوز النيابة في الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟الجواب: الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا فعلها المسلم في أي مكان في الأرض فإن الملائكة تبلغ الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) قال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) فإذا كان أحد من الناس جاء من بلد متجه إلى المدينة وقال لهذا الذي سيقدم إلى المدينة أبلغ سلامي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فإن الجواب المسكت والجواب الصحيح أن يقول له: صل وسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام وأكثر من الصلاة والسلام عليه فإن الملائكة تبلغه، فإن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام هو الذي قال هذا الكلام، وليس من السنة ومن السائغ أن الإنسان يأتي عند القبر ويقول: فلان يسلم عليك أو عليك السلام من فلان أو ما إلى ذلك، فإن هذا لم يثبت فيه شيء ولم يكن معروفاً، بل يغني عنه كون الملائكة تبلغ الصلاة والسلام عليه عليه الصلاة والسلام كما جاء في هذين الحديثين، ولهذا لما رأى علي بن الحسين رجلاً يأتي عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: ألا أحدثك حديثاً سمعته عن أبي عن جدي؟ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، ثم قال: ما أنت ومن في الأندلس إلا سواء، الملائكة تبلغ الذي يسلم على الرسول ويصلي عليه وهو في الأندلس، وكذلك الذي يكون في المدينة.
حكم نزع الخف بعد المسح عليه
السؤال: رجل نزع خفه بعد المسح عليه، هل يحتاج إعادة الوضوء إذا أراد الصلاة؟الجواب: إذا كان قد نقض الوضوء ونزع الخف فإنه يحتاج إلى إعادة الوضوء، وأما إذا كان لم ينقض الوضوء لبس خفه وما استمر على وضوؤه ونزع الخف ثم لبسه أو لم يلبسه هو على وضوء، دخل رجله في الخف أو لم يدخله ما دام ما حصل منه الحدث، فإذا كان نزعه الخف وهو على وضوئه لم يحدث، فهو باق على طهارته، أما إذا مسح عليه فإنه عليه أن يعيد الطهارة؛ لأن الفرض كان هو المسح، وقد حصل أنه مسح عليه ونزعه، فإذاً: لا يبقى لهذا الوضوء اعتبار بهذه الطريقة، بعض العلماء يقول: إنه يصح لكن هذا ليس بصحيح، ويقيس هذا على الرأس، فيما لو إنسان توضأ ومسح على رأسه ثم حلق رأسه.

ابو الوليد المسلم
02-16-2026, 12:04 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(233)

- باب ما يفعل من صلى خمساً
وردت أحاديث كثيرة تبين ما ينبغي فعله عند الزيادة في الصلاة سهواً، وأنه يسجد له سجدتين بعد السلام؛ لأنه عن زيادة، وقد سها عليه الصلاة والسلام في صلاته مما يدل على أنه بشر ينسى.
ما يفعل من صلى خمساً
شرح حديث: (صلى النبي الظهر خمساً... فثنى رجله وسجد سجدتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يفعل من صلى خمساً.أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لـابن المثنى قالا: حدثنا يحيى عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فثنى رجله وسجد سجدتين)].
يقول النسائي رحمه الله: باب ما يفعل من صلى خمساً؛ أي: أنه سهى في الصلاة الرباعية فجعلها خمساً، والمراد مما يفعله أنه يسجد سجدتين بعد السلام كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات؛ وذلك أن زيادة ركعة يجعل الذي سهى وزادها يكون سجوده بعد السلام، وهذا مثل ما مر في حديث ذي اليدين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سجد بعد السلام)؛ وذلك لأنه سلم من اثنتين وأخبر بأنه حصل نسيان، وكان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يظنون أن الصلاة قد قصرت، ولما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن، قال: بل كان بعض ذلك يا رسول الله! أي: النسيان، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقال الحاضرون وفيهم أبو بكر وعمر: نعم، فقام وأتى بالركعتين ثم سجد بعد السلام؛ وذلك أن فيه زيادة في الصلاة وهي زيادة السلام الذي في أثنائها.
وكذلك ما جاء في هذا الحديث الذي فيه زيادة ركعة خامسة سهواً، فإن السجود يكون بعد السلام؛ لأن السهو إذا كان عن زيادة فالسجود له يكون بعد السلام كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود المتعلق بزيادة ركعة خامسة سهواً، وكما جاء في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وأن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن أتى بالركعتين الباقيتين عليه، وكان تخلل ذلك سلام فكان سجوده لذلك السهو بعد السلام.
وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الظهر خمساً، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام وذكروا له الزيادة وأنه صلى خمساً، وقد سبق أن مر حديث ابن مسعود وفيه أنه زاد أو نقص، وكان ذلك شكاً هل كان زيادة أو نقصان، لكن جاءت بعض الروايات، -ومنها هذه الرواية التي معنا- مبينة أن السهو كان بزيادة ركعة، فتعين من هذه الرواية وغيرها من الروايات أنه حصل الجزم بما حصل وهو الزيادة، وكان في بعض الروايات تردد من الراوي هل زاد أو نقص، فلما أخبروه ثنى رجله وسجد سجدتين وهو جالس، وهنا في هذا الحديث فيه أنه صلى الظهر خمساً، ففيه تعيين الصلاة أنها الظهر، وأن الذي حصل هو الزيادة، وهو زيادة ركعة، فلما أخبروا بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام ثنى رجله وسجد سجدتين، وجاء في بعض الروايات أنه بعد السلام؛ وذلك لأنه كان عن زيادة، والسهو إذا كان عن زيادة يكون السجود له بعد السلام.
قوله: [صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فثنى رجله وسجد سجدتين].
الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما صلى خمساً، وكانوا يعلمون أنها خمس، ولكن الزمن زمن تشريع، فإذا حصل شيء من ذلك ظنوا أن الوحي نزل وأن الصلاة زيد فيها أو نقص، ففي هذا الحديث قالوا: أزيد في الصلاة؟ وفي حديث ذي اليدين قالوا: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ لأنه صلى ركعتين والصلاة رباعية، وهنا الرباعية صارت خمساً، فقالوا: أزيدت الصلاة؟ أي: أنه شرع أو نزل الوحي بزيادة ركعة خامسة في صلاة الظهر، فقالوا: وما ذاك؟ فأخبروه أنه زاد ركعة خامسة، فسجد سجدتين للسهو، وذلك بعد السلام؛ لأنه بعد ما سلم وتكلم كلموه فسجد سجدتين بعد السلام.
وقد جاءت بعض الروايات مبينة أن ذلك كان بعد السلام، والروايات المتقدمة التي فيها الشك هل زيد أو نقص ولما أخبروه قال: (لو حدث شيء لأخبرتكم، ثم سجد السجدتين بعد السلام).
تراجم رجال إسناد حديث: (صلى النبي الظهر خمساً... فثنى رجله وسجد سجدتين)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى واللفظ له]. أي: لـمحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار هو الملقب بندار، وهو محمد بن بشار البصري.
قوله: [واللفظ لـابن المثنى] الذي هو الشيخ الأول من الشيخين؛ محمد بن المثنى وهو العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو بصري، ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ويعتبر من صغار شيوخ البخاري؛ إذ كانت وفاته قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
ومحمد بن المثنى لقبه الزمن ومحمد بن بشار لقبه بندار، وهو بصري، ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته في السنة التي مات فيها محمد بن المثنى وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وولادته في نفس السنة التي ولد فيها محمد بن المثنى، فهذان الشخصان: محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ولدا في سنة واحدة وماتا في سنة واحدة، وكل منهما بصري، وكل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، ولهذا قال عنهم الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما اتفقا في سنة الولادة، وفي سنة الوفاة، وفي أنهما من أهل البصرة، وفي أنهما جميعاً شيوخ لأصحاب الكتب الستة، فكانوا متماثلين، فكانا مثل فرسي الرهان اللذين يتسابقان وكل واحد لا يسبق الثاني لتنافسهما، فهما متساويان في هذه الأمور كلها، وهما من صغار شيوخ البخاري، وهناك شخص ثالث مات في نفس السنة التي مات فيها، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة؛ وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، هذا الشخص مع هذين الشخصين كل منهم توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين وهم جميعاً شيوخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنهم مباشرة وبدون واسطة.
[قال: واللفظ لـابن المثنى].
أي: المتن الموجود هو لفظ ابن المثنى، ومعنى هذا أن ابن بشار لفظه يختلف، فـمحمد بن بشار لفظه ليس هذا الموجود، بل هو يختلف عن هذا؛ لأنه نص على أن اللفظ للأول منهما، وهو محمد بن المثنى؛ أي: المتن الموجود هو لفظ محمد بن المثنى أما لفظ محمد بن بشار فهو مثله في المعنى ولكنه يختلف عنه، ولهذا نص على من له اللفظ منهما، وهو الشيخ الأول محمد بن المثنى.
[قالا: حدثنا يحيى].
يحيى هذا شيخ لهذين؛ وهما محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وهو يحيى بن سعيد القطان البصري، وأهمل فلم ينسب؛ لأنه معروف، وإذا أطلق هذان الشخصان يرويان عن يحيى فالمراد به يحيى بن سعيد القطان وهو محدث، ثقة، ناقد، متكلم بالرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي أنهما إذا جرحا شخصاً فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ أي: أنهما يصيبان الغرض، وأنه يعول على كلامهما.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، فإن كونه يقال عن شخص: أمير المؤمنين في الحديث معناه أن هذا قمة في التعديل وقمة في التوثيق، وهذا اللقب الرفيع لم يظفر به إلا القليل النادر من المحدثين ومنهم شعبة هذا، وكذلك منهم: سفيان الثوري، ومنهم: البخاري، ومنهم: إسحاق بن راهويه، ومنهم: الدارقطني، وعدد قليل نص على تلقيبهم بهذا اللقب أو على وصفهم بهذا الوصف الذي هو من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديث شعبة عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الحكم].
هو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، فقيه أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي محدث، فقيه، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال الكلمة المأثورة المشهورة عند الفقهاء عند التعبير عن الذي لا دم له بأنه لا نفس له سائلة، هو أول من عبر بهذه العبارة فتلقاها الفقهاء من بعده فعبر عن الحيوانات التي لا دم فيها مثل الجراد، ومثل الذباب وغيرها من الحيوانات التي ليس فيها دم، قال: لا نفس لها سائلة، فهذه العبارة قال الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد: أول من حفظ عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وقد أخذوا ذلك من كون النبي عليه الصلاة والسلام أرشد أن الذباب إذا وقع في إناء أحدكم فليغمسه، ثم يخرج الذباب ويشرب، فلذلك يغمسه حتى يكون الجناح الذي فيه الدواء يأتي مع الجناح الذي فيه الداء.
قالوا: إنه إذا غمس قد يكون الماء حاراً فيموت بسبب هذا الغمس، ومع ذلك الرسول أرشد إلى شربه، وإلى استعماله، فدل هذا على عدم نجاسة ما لا نفس له سائلة إذا مات في الماء.
وحديث إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة].
هو ابن قيس النخعي ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو عبد الرحمن وهو من المهاجرين وممن هاجر الهجرتين، وهو من فقهاء الصحابة وعلمائهم رضي الله عنه وأرضاه، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وليس أحد العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه من كبار الصحابة، والعبادلة الأربعة المشهورون هم من صغار الصحابة؛ الذين هم: ابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، وابن عباس، وبعض العلماء يجعل عبد الله بن مسعود منهم، والصحيح عند العلماء أنه ليس منهم وإنما هم أربعة من صغار الصحابة عاشوا في وقت واحد وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود ؛ لأنه متقدم الوفاة وهم تأخروا عنه ما يقرب من ثلاثين سنة، فبعض العلماء يعده من العبادلة الأربعة، والصحيح المشهور أنه ليس منهم، وأن العبادلة الأربعة يطلقوا على أربعة من صغار الصحابة كانوا في وقت واحد وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وحديث عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد: محمد بن بشار ومحمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتيبة عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة بن قيس النخعي عن عبد الله بن مسعود كل هؤلاء حديثهم أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (أن النبي صلى بهم الظهر خمساً ... فسجد سجدتين بعدما سلم وهو جالس) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم حدثنا ابن شميل أخبرنا شعبة عن الحكم ومغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه صلى بهم الظهر خمساً، فقالوا: إنك صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم وهو جالس)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وهي مثل الطريق السابقة إلا أن فيها التنصيص على أن السجود بعد السلام، وأنه جالس، ومعناه: أن السجود للسهو يكون عن جلوس وليس عن قيام، فإذا أراد أن يسجد للسهو يسجد وهو جالس، يخر إلى السجود عن جلوس، لا يحتاج الأمر إلى أن يقوم ليخر ساجداً من قيام، ففيه الزيادة عن الرواية السابقة التنصيص على أن السجود يكون بعد السلام وأن السجود يكون عن جلوس.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى بهم الظهر خمساً ... فسجد سجدتين بعدما سلم وهو جالس) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم].صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والنسائي.
[حدثنا ابن شميل].
هو النضر بن شميل، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا شعبة].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن الحكم ومغيرة].
الحكم هو ابن عتيبة وقد مر ذكره، ومغيرة هو ابن مقسم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقيل: إنه يدلس، ولا سيما عن إبراهيم، وهو هنا يروي عن إبراهيم، لكن كما هو معلوم معه الحكم بن عتيبة شاركه في الرواية عن إبراهيم.
[عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله].
إبراهيم وعلقمة وعبد الله بن مسعود قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (أن النبي صلى خمساً فوشوش القوم ... فثنى رجله فسجد سجدتين ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثني يحيى بن آدم حدثنا مفضل بن مهلهل عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم بن سويد قال: صلى علقمة خمساً فقيل له، فقال: ما فعلت؟ قلت برأسي: بلى، قال: وأنت يا أعور؟ فقلت: نعم، فسجد سجدتين، ثم حدثنا عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه صلى خمساً فوشوش القوم بعضهم إلى بعض فقالوا له: أزيد في الصلاة؟ قال: لا، فأخبروه فثنى رجله فسجد سجدتين ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأورده النسائي من هذه الطريق، وفيها أن علقمة بن قيس النخعي صلى وسهى وزاد خامسة، فقالوا له، فثنى رجله وسجد، ثم أخبرهم وحدثهم عن عبد الله عن رسول الله عليه الصلاة والسلام [أنه صلى بالناس خمساً فوشوش القوم]، أي: حصل بينهم كلام خفي، يتكلم بعضهم مع بعض حول الزيادة وأنه حصل زيادة في الصلاة، ثم إنهم سألوه وقالوا: [أزيد في الصلاة يا رسول الله؟] بعد ما تكلموا فيما بينهم أنه حصل زيادة، فسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: أزيد في الصلاة؟ [فقال: لا]، فأخبروه وقالوا: أنه حصل زيادة، [ثم إنه ثنى رجله]، أي: اتجه إلى القبلة وسجد سجدتين ثم التفت وأقبل على الناس وقال: [إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون]؛ أي: أن هذا الذي حصل منه نسيان وأنه بشر يحصل منه النسيان، وأنه جاء في بعض الروايات: (فإذا نسيت فذكروني) وهذا يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام ينسى في مثل هذه الأفعال، ولكنه لا ينسى شيئاً مما أمر بتبليغه، والشرع الذي كلف بإبلاغه فإنه يؤديه كاملاً، ولا ينسى منه شيئاً عليه الصلاة والسلام، ولكنه ينسى كغيره من البشر يحصل منه النسيان، فصلى هذه الصلاة وزاد ركعة خامسة، وذلك نسيان منه، وكان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يظنون أن الصلاة بدل ما تكون أربعاً زيد فيها فصارت خمساً، والزمن زمن التشريع، وما جاء من الحديث الذي يقول فيه: (إنني لا أنسى ولكني أنسى لأسن) هذا لم يثبت، بل الثابت هو هذا الحديث الذي يقول: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) وفي بعض الروايات: (فإذا نسيت فذكروني).

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 12:47 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى خمساً فوشوش القوم ... فثنى رجله فسجد سجدتين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].محمد بن رافع القشيري النيسابوري أحد شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم في صحيحه، وهو من بلد مسلم، ومن قبيلته؛ لأن مسلماً قشيري من حيث النسب، ونيسابوري من حيث البلد، ومحمد بن رافع شيخه قشيري نسباً، وهو نيسابوري بلداً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، ومسلم رحمه الله روى من طريقه أحاديث صحيفة همام بن منبه؛ الأحاديث الكثيرة التي جاءت بإسناد واحد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رواها من طريق شيخه محمد بن رافع، والأحاديث التي انتقاها وأوردها في صحيحه من صحيفة همام بن منبه رواها من طريق شيخه محمد بن رافع النيسابوري.
وصحيفة همام بن منبه صحيفة مشتملة على مائة وأربعين حديثاً تقريباً هي بإسناد واحد، ويفصل بين كل حديث وحديث جملة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: تأتي كلمة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأربعين مرة، ولكن جاء الإسناد في أول مرة عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة وهي مشتملة على مائة وأربعين حديثاً، انتقى البخاري منها أحاديث، وانتقى مسلم منها أحاديث فاتفقا على إخراج أحاديث من الصحيفة وانفرد البخاري بإخراج أحاديث من الصحيفة، وانفرد مسلم بإخراج أحاديث من الصحيفة، وهي بإسناد واحد، وهذا من أوضح الأدلة على أن البخاري، ومسلماً ما اشترطا إخراج كل حديث صحيح، ولم يلتزما ذلك، ولو كانا قد اشترطاه لأوردا صحيفة همام بن منبه بكمالها؛ لأن إسنادها واحد، ومع ذلك أخذوا منها أحاديث وتركوا أحاديث، وصحيفة همام بن منبه موجودة في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة بكاملها هي عن شيخ الإمام أحمدعبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة.
وهي أيضاً مطبوعة مستقلة ومعتنى بإخراجها بعنوان: صحيفة همام بن منبه وعليها تعليقات بمجلد كبير.
[حدثني يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مؤلف كتاب الخراج.
[حدثنا مفضل بن مهلهل].
ثقة، ثبت، نبيل، عابد، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[عن الحسن بن عبيد الله].
هو الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إبراهيم بن سويد].
هو إبراهيم بن سويد النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[صلى علقمة.. إلخ.
قال: صلى علقمة بن قيس النخعي بالناس فصلى خمساً، فقالوا له، فقال: ما فعلت، أي: ما زدت، ما صليت خمساً صليت أربعاً، فأومأ إبراهيم بن سويد النخعي برأسه: أن نعم، فقال: وأنت يا أعور؟ ولقبه الأعور الذي هو إبراهيم بن سويد، فقال: وأنت يا أعور؟ فقال: نعم، أنا أقول أنك قد زدت خامسة، فثنى رجله وسجد سجدتين.
[حدثنا عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه صلى خمساً فوشوش القوم بعضهم إلى بعض فقالوا له: أزيد في الصلاة؟ قال: لا، فأخبروه فثنى رجله فسجد سجدتين، ثم قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)].
فهو مثل الذي قبله، وفيه أن سلف هذه الأمة عندما يعملون الأعمال ويأتون بالأدلة؛ لأن علقمة بن قيس لما فعل هذا الفعل وأنه سجد روى الحديث عن عبد الله بن مسعود الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل مثلما فعل، وأنه عليه الصلاة والسلام سهى وزاد خامسة، وأنه سجد بعد السلام، وعلقمة بن قيس لما سهى هذا السهو الذي هو كونه زاد خامسة سجد سجدتين بعد السلام.
شرح الأثر عن علقمة بن قيس في صلاته خمساً وسجوده للسهو
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن مالك بن مغول سمعت الشعبي يقول: سها علقمة بن قيس في صلاته فذكروا له بعدما تكلم فقال: أكذلك يا أعور؟ قال: نعم، فحل حبوته ثم سجد سجدتي السهو وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وسمعت الحكم يقول: كان علقمة صلى خمساً].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود ولكنه هنا ما ذكر عبد الله بن مسعود، وإنما ذكر قصة سهو علقمة بن قيس النخعي، وهذا من المراسيل؛ لأنه قال: هكذا فعل رسول الله؛ أي: أن علقمة أضاف هذا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فإضافته إياه إلى الرسول يعتبر من قبيل المرسل؛ لأنه تابعي والتابعي إذا ضاف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام شيئاً يقال: إنه مرسل، ومعلوم أنه جاءت الروايات السابقة تبين الواسطة وتعين الصحابي الذي روى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام هذه الهيئة وهذه الكيفية التي هي كونه عليه الصلاة والسلام سجد بعد أن سها في صلاته وصلى خمساً، فهنا يعتبر مرسل؛ لأن علقمة ما ذكر الصحابي وإنما قال: هكذا فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو من قبيل المرسل، ولكن هذا المرسل تبينه الروايات السابقة من أن علقمة إنما روى هذا الحديث الذي أرسله وأضافه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام كان ذلك من طريق عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
تراجم رجال إسناد الأثر عن علقمة بن قيس في صلاته خمساً وسجوده للسهو
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك.
[حدثنا عبد الله].
هو ابن المبارك المروزي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك بن مغول].
ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت الشعبي يقول].
هو: عامر بن شراحيل الشعبي مشهور بهذه النسبة، واسمه عامر بن شراحيل، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعامر الشعبي هذا هو الذي عزى إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة الكلمة المأثورة التي تدل على سوء الرافضة، وأنه قال: إن اليهود لو سئلوا: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب موسى، وأن النصارى لو سئلوا فقيل لهم: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب عيسى، والرافضة لو سئلوا: من شر أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، هو الذي قال هذه الكلمة، وقد ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة.
[قال: سها علقمة بن قيس في صلاته، فذكروا له بعد ما تكلم، فقال: أكذلك يا أعور؟ قال: نعم، فحل حبوته].
قال: سها علقمة بن قيس في صلاته فأخبروه بعد ما تكلم، أي: بعد ما سلم وتكلم، فقال: أهكذا يا أعور؟ يخاطب إبراهيم بن سويد الذي تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
قال: نعم، فحل حبوته؛ والحبوة هي ما يشده الإنسان على ظهره وعلى رجليه من ثوب، وقد يكون الإنسان يحتبي بيديه؛ وذلك بأن يجلس على مقعدته ويجعل قدميه على الأرض ثم يجعل يديه من وراء ساقيه، فهذا يقال له: احتباء، وقد يكون الاحتباء في ثوب؛ بأن يشده على ظهره وعلى رجليه، فحل حبوته ثم سجد سجدتي السهو وقال: [هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم].
وقال: [هكذا فعل رسول الله]، يقوله علقمة، وقد ذكرت أن هذا مرسل؛ لأن علقمة من التابعين، فإضافته الشيء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر من قبيل المرسل، ولكن كما ذكرت الأحاديث السابقة بينت الواسطة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين علقمة؛ وهو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه.
[قال: وسمعت الحكم يقول: كان علقمة صلى خمساً].
لأن الرواية التي جاءت عن الشعبي ليس فيها ذكر الخمس وإنما فيه ذكر السهو فقط، ولكن يقول مالك بن مغول: وسمعت الحكم يقول: صلى علقمة خمساً؛ أي: أن السهو الذي حصل من علقمة أنه كان صلى خمساً، وقائل: (وسمعت) هو مالك بن مغول؛ لأنه هو الذي روى عن الشعبي وهو الذي روى عن الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي.
الأثر عن علقمة في صلاته خمساً وسجوده للسهو من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن سفيان عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم أن علقمة صلى خمساً، فلما سلم قال إبراهيم بن سويد: يا أبا شبل، صليت خمساً، فقال: أكذلك يا أعور؟ فسجد سجدتي السهو ثم قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم].هذا مثل الذي قبله، وإبراهيم الذي في الإسناد هو إبراهيم بن سويد الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وإبراهيم بن سويد هو الذي خاطبه علقمة بقوله: (يا أعور)، وكنية علقمة هي أبو شبل، ولهذا خاطبه إبراهيم بن سويد وقال: يا أبا شبل.
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله].
قد مر ذكرهما.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن بن عبيد الله عن إبراهيم].
الحسن بن عبيد الله وإبراهيم وهو ابن سويد قد مر ذكرهما.
[عن علقمة].
قد مر ذكره.
وهو مرسل؛ لأن قول علقمة: (هكذا فعل رسول الله) هو من قبيل المرسل.
شرح حديث: (أن رسول الله صلى إحدى صلاتي العشي خمساً ... فسجد سجدتين ثم انفتل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن أبي بكر النهشلي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي خمساً، فقيل له: هل زيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون وأذكر كما تذكرون، فسجد سجدتين ثم انفتل)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود وأنه قيل له: [يا رسول الله! هل زيد في الصلاة؟ فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون وأذكر كما تذكرون، ثم إنه سجد سجدتين ثم انفتل] يعني: التفت إلى الناس؛ أي وانصرف وأقبل عليهم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى إحدى صلاتي العشي خمساً ... فسجد سجدتين ثم انفتل)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله].قد مر ذكرهما.
[عن أبي بكر النهشلي].
هو أبو بكر النهشلي الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، مكثر، من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
عبد الله قد مر ذكره.
الأسئلة
حكم الرهان
السؤال: ما حكم الرهان في جميع صوره سواء جعل المال من المتسابقين أم من المسبوق؟الجواب: المراهنة هذه التي تكون بين الناس مغالبة على شيء، ثم يكون هناك مقدار يكون لمن غلب، معلوم أنه جاء في السنة في أمور متعددة وهي فيما يتعلق بالخف أي: الحافر، وجاءت نصوص تدل على ذلك، فهذا يؤخذ فيه الذي يوضع أو الذي يكون لمن يسبق ولمن يفوز، فيه استعداد للجهاد في سبيل الله وفيه اعتياد بمثل هذا العمل الذي ينفع الناس؛ لأن فيه إعداداً للجهاد واستعداداً للجهاد وتمكن من الرمي ومن الكر والفر وما إلى ذلك، أما الأمور الأخرى التي تكون بين الناس من المراهنة والمغالبة فإن هذا لا يصلح أن يقع بين الناس مثل ذلك، ولا يؤخذ أجور على هذا.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 12:49 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(234)

- (باب ما يفعل من نسي شيئاً من صلاته) إلى (باب موضع المرفقين)
بين الشرع الحكيم لمن نسي شيئاً من صلاته أنه يسجد سجدتين للسهو ويكبر فيها أربع تكبيرات خفضاً ورفعاً، ثم بين صفة الجلوس في التشهد الأوسط والأخير، وبين وضع المرفقين والذراعين في حال الجلوس للتشهد في الصلاة.
ما يفعل من نسي شيئاً من صلاته
شرح حديث: (من نسي شيئاً من صلاته فليسجد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يفعل من نسي شيئاً من صلاته. أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن محمد بن يوسف مولى عثمان عن أبيه يوسف: (أن معاوية رضي الله عنه صلى أمامهم فقام في الصلاة وعليه جلوس، فسبح الناس فتم على قيامه، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نسي شيئاً من صلاته، فليسجد مثل هاتين السجدتين)].
المقصود من هذه الترجمة: أن من نسي شيئاً من صلاته، فإنه يسجد للسهو، أي: الذي يفعله أنه يسجد للسهو، وليس كل ما ينسى يجبر بسجود السهو، وإنما يكون ذلك في بعض الأعمال مثل: حصول نسيان أو شك أو مثل من ترك التشهد الأول، وقام للركعة الثالثة، ولم يجلس للتشهد الأول حتى دخل بها وبدأ بها فإنه يجبره بسجود السهو، وأما الأشياء التي لا بد منها كالأركان، وهي مثل: نسيان سجدة، أو نسيان ركوع، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي هي أركان فهذه لا يجبرها سجود السهو، بل لا بد من الإتيان بها، وإذا فرغ من الصلاة، وتبين أنه ترك سجدة، أو ترك ركوعاً فإنه يأتي بركعة كاملة، ولا يكفي سجود السهو عن ترك الأركان، وإنما يكفي عن الأشياء التي دون ذلك، فهذه الترجمة وهي قوله: ما يفعله من نسي شيئاً في صلاته، أي: أنه يسجد، هذا المراد به ما عدا الأركان التي لا يجزئ أو لا يجبرها شيء، بل لا بد من الإتيان بها.
وأورد النسائي حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، أنه صلى بالناس فقام عن الجلوس في التشهد الأول، فنبهوه فاستمر في صلاته، ولما فرغ من صلاته سجد سجدتين، ثم إنه صعد على المنبر وأخبرهم بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من نسي شيئاً من صلاته فيسجد مثل هاتين السجدتين اللتين سجدهما، وكلمة (يفرغ من صلاته) ليس فيه تحديد موضع السجود، والفراغ يمكن أن يكون بحيث لم يبق إلا التسليم، ويمكن أن يكون بعد التسليم، لكن سجود السهو عن ترك التشهد الأول، جاء موضحاً في حديث عبد الله بن بحينة رضي الله تعالى عنه أن السجود قبل السلام؛ وذلك لأنه سجود عن نقص، فالسجود له يكون قبل السلام، وقد سبق أن مر أن السجود إذا كان السهو لزيادة فإنه يكون بعد السلام، وحديث عبد الله بن بحينة الذي تقدم والذي سيأتي يدل على أن سجود السهو عن النقص يكون قبل أن يسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (من نسي شيئاً من صلاته فليسجد ...)
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].النسائي له شيخان كل منهما يقال له: الربيع بن سليمان، أحدهما الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المرادي المصري، والثاني الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري، وكل منهما شيخ للنسائي روى عنه وأخذ عنه، وهذا الذي في الإسناد الذي يظهر أنه الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الإمام الشافعي وراوي كتبه عنه، والمشهور بوصف صاحب الشافعي، وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن الشافعي، روى عن شعيب، وكذلك في ترجمة شعيب، أنه روى عن الربيع بن سليمان المرادي لكن في ترجمة الربيع بن سليمان بن داود لم يذكر أنه روى عن شعيب بن الليث، وفي تهذيب الكمال في كل من الترجمتين لم يذكر في أي منهما الرواية عن شعيب، لكن في تهذيب التهذيب ذكر في ترجمة الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي أنه روى عن شعيب، والربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه ، وروى له الترمذي إجازةً، يعني: معناه أن الترمذي روى له أيضاً بالإجازة، وعلى هذا يكون روى له الأربعة، الأربعة الذين هم أصحاب السنن الأربعة، لكن الترمذي روى له إجازة.
[حدثنا شعيب بن الليث].
وهو شعيب بن الليث بن سعد، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا الليث].
وهو المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عجلان].
وهو محمد بن عجلان المدني وهو صدوق أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ومحمد بن عجلان المدني هذا هو الذي ذكروا في ترجمته أن أمه حملت به ثلاث سنوات.
[عن محمد بن يوسف مولى عثمان].
وهو مولى عثمان القرشي، وهو مقبول، أخرج له النسائي، وابن ماجه .
[عن أبيه يوسف].
وهو القرشي المدني، مقبول، أخرج له النسائي، وابن ماجه كابنه.
[عن معاوية].
وهو معاوية بن أبي سفيان، وأبو سفيان صخر بن حرب، ومعاوية هو أمير المؤمنين أبو عبد الرحمن أول ملوك المسلمين، وخير ملوك المسلمين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي يتكلم فيه كثيرون من أهل البدع ويذمونه ويبغضونه، ومن المعلوم أن أي بغض، وأي تنقص لأحد من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو دال على سوء من فعل ذلك، ودال على خذلانه؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم تجب محبتهم وتجب مودتهم، وأن تكون القلوب مملوءة بحبهم، والألسنة رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكثيرون من السلف تكلموا في معاوية بن أبي سفيان بالكلام الحسن الذي يليق به، والذي يليق بفضله وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزه الله ألسنتهم من أن تتكلم فيه، وأن تلغ فيه كما حصل ممن خذله الله عز وجل، من الذين تكلموا فيه، وسبوه، وعادوه، وكلام سلف الأمة فيه كثير، ولهذا يقول شارح الطحاوية: ومعاوية أول ملوك المسلمين، وخير ملوك المسلمين، وإنما كان خير الملوك؛ لأنه صحابي، والصحابة خير ممن جاء بعدهم.
وقد جاء عن بعض سلف هذه الأمة أنه سئل عن معاوية، فقيل له: ماذا تقول في معاوية ؟ فقال: ماذا أقول في رجل صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة: (سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد)، ومعنى سمع: استجاب، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (سمع الله لمن حمده)، استجاب الله لمن حمده، ومعاوية وراءه يقول: ربنا ولك الحمد، ماذا يقال في رجل هذا شأنه؟ أكرمه الله عز وجل أن يكون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يصلي وراء الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول عندما يرفع رأسه من الركوع يقول: (سمع الله لمن حمده) ومعاوية، وغيره من المصلين وراءه يقولون: ربنا ولك الحمد، فهذا شرف أنهم ظفروا بصحبته، وأكرمهم الله بصحبته، وقال معاوية: ربنا ولك الحمد بعد أن قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (سمع الله لمن حمده) أي: استجاب الله لمن حمده، وهو كاتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام.
والحديث ذكره الشيخ الألباني في ضعيف سنن النسائي، ومن المعلوم أن ذلك من أجل محمد بن يوسف وأبوه، لكن الحديث وهو كونه يسجد سجدتي السهو عند ترك التشهد الأول، ثابت في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة الذي يأتي بعد هذا، وقد سبق أن مر بنا في جملة الأحاديث عند النسائي أن من ترك التشهد الأول، فإنه يجبر ذلك بأن يسجد للسهو قبل السلام، كما جاء مبيناً في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه.
التكبير في سجدتي السهو
شرح حديث: (أن رسول الله قام في الثنتين من الظهر فلم يجلس ... فلما قضى صلاته سجد سجدتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير في سجدتي السهو. أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو ويونس والليث أن ابن شهاب أخبرهم عن عبد الرحمن الأعرج أن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الثنتين من الظهر فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، كبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس) ].
أورد النسائي، هذه الترجمة وهي: باب التكبير في سجدتي السهو، المقصود من الترجمة: إثبات التكبير في سجدتي السهو، وأن الإنسان عندما يسجد للسهو يكبر عندما يخر للسجود -وهو يخر عن جلوس- وعندما يرفع من السجود، في كل من السجدتين، معناه: يكبر أربع مرات لسجدتي السهو، عند الخرور للسجود وعند الرفع من السجود فإنه يكبر، وهذا فيه التنصيص على حصول التكبير عند السجود للسهو، وسبق أن مر الحديث الذي يدل بعمومه أيضاً على هذا، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند كل خفض ورفع؛ وهذا فيه خفض ورفع، ولهذا سجود التلاوة عندما يصلي الإنسان ثم يأتي عند سجدة ويخر ساجداً، فإنه يكبر عند السجود وعند القيام، ويدخل ذلك في عموم الحديث، (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند كل خفض ورفع) يعني: في الصلاة.
فهذه الترجمة تتعلق بتكبير سجود السهو، أي: عند الخفض والرفع منه، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مالك ابن بحينة رضي الله عنه، وفيه التصريح بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند السجدتين، أي: سجدتي السهو.
[عن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الثنتين من الظهر فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، كبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم)].
فالرسول صلى الله عليه وسلم، قام في الركعتين أو بعد الركعتين من صلاة الظهر، ولم يجلس للتشهد الأول، ولما فرغ من الصلاة، ولم يبق إلا السلام، سجد سجدتين كبر فيهما، وكان السجود وهو جالس، أي: أن السجود عن جلوس وليس عن قيام، وكان ذلك قبل السلام، ثم قال: (مكان ما نسي من الجلوس) ، وفي هذا دليل على أن التشهد الأول ليس بركن، وأنه يجزئ عنه سجود السهو إذا نسيه، وأن سجود السهو في النقص يكون قبل السلام، وأن سجود السهو يكون فيه التكبير، سواء في ذلك ما كان عند السجود أو عند القيام من السجود.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قام في الثنتين من الظهر فلم يجلس ... فلما قضى صلاته سجد سجدتين ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].وهو أبو الطاهر المصري وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري ولا الترمذي .
[أخبرنا ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عمرو ويونس والليث].
عمرو هو ابن الحارث المصري وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
ويونس هو ابن يزيد الأيلي وهو مصري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والليث هو ابن سعد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة وقد مر ذكره، فهؤلاء ثلاثة مصريون كلهم روى عنهم النسائي رحمه الله.
و عبد الله بن وهب المصري، والذي روى عنه أيضاً أبو الطاهر المصري، الذي روى عن عبد الله بن وهب، فهؤلاء كلهم مصريون يعني: ثلاث طبقات يعني: شيخ النسائي، وشيخ شيخه، وشيخ شيخ شيخه ، كل هؤلاء مصريون.
[أن ابن شهاب أخبرهم].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، وإمام مشهور، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، الذين رأوا صغار الصحابة، وأدركوا صغار الصحابة، ومحمد بن مسلم الزهري هذا هو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
والمراد من ذلك: أن قيامه بالتدوين إنما كان بتكليف من السلطان، وأما حصول التدوين بجهود فردية وبأعمال خاصة فإن هذا كان موجوداً من قبل، يعني: في الصحابة والتابعين، ومن المعلوم أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء ذلك مبيناً في حديث أبي هريرة، (وأنه كان يكتب ولا أكتب)، فالمقصود بكتابة الزهري للسنة أي: أنه بتكليف من السلطان، بتكليف من ولي الأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديث الزهري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني الملقب بـالأعرج وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن بحينة].
وهو عبد الله بن مالك بن بحينة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 12:52 AM
صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها الصلاة
شرح حديث أبي حميد الساعدي في صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها الصلاة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار بندار واللفظ له قالا: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في الركعتين اللتين تنقضي فيهما الصلاة أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً ثم سلم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها الصلاة، المقصود من هذه الترجمة: صفة الجلوس في التشهد الأخير، أو الركعة الأخيرة من الصلاة التي هي المغرب مثلاً، والمراد من ذلك بيان كيفية الجلوس فيه، ومن المعلوم أن المصلي له في الجلوس ثلاث حالات أو حالتان: حالة جلوس بين السجدتين، وحالة جلوس للتشهد الأول، وجلوس للتشهد الثاني، وكذلك أيضاً جلوس في الثنائية، يعني: الفراغ من الصلاة إذا كانت ثنائية كالفجر أو السنن، فالسنة أنه عند الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول يفرش الإنسان رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويجعل أصابعها متجهة إلى القبلة، هذه هي الهيئة التي تكون بين السجدتين وفي التشهد الأول.
وكذلك أيضاً في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد، وهي الفجر والسنن، فإنه يجلس مفترشاً، لكن في الصلاة التي فيها تشهدان يختلف التشهد الثاني عن التشهد الأول في كيفية الجلوس، وقد جاء مبيناً في حديث أبي حميد الساعدي الذي معنا، وهو: أنه يؤخر رجله اليسرى، يعني: عن مقعدته ويخرجها من عند رجله اليمنى المنصوبة من تحتها ويجلس، ويجعل وركه الأيسر على الأرض متوركاً ليس مفترشاً، يعني: يكون الورك الأيسر على الأرض، والرجل اليسرى أخرجت من تحت اليمنى واليمنى منصوبة، وأصابعها متجهة إلى القبلة، كما جاء ذلك موضحاً في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه، فهذه الكيفية التي هي كيفية الجلوس في الركعتين التي يقضي فيهما الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي حميد الساعدي في صفة الجلوس في الركعة التي يقضي فيها الصلاة
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن بشار بندار واللفظ له].يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله أيضاً محمد بن بشار بندار، فإنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهذان الشخصان لهما ثالث، وهو: محمد بن المثنى وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة (252هـ) أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم جميعاً من صغار شيوخ البخاري، وليس بين وفاتهم وبين وفاته إلا أربع سنوات، وكانت وفاة هؤلاء الثلاثة في سنة واحدة، وهي سنة (252هـ).
ومحمد بن بشار، لقبه بندار ورسمها: أن النون متصلة بالباء، وفي نسخة جاءت النون منفصلة عن الدال، وهي كلمة واحدة بندار هذا لقبه محمد بن بشار لقبه بندار، يذكر أحياناً باسمه ولقبه كما هنا، وأحياناً يذكر باسمه فقط ولا يذكر لقبه، وأحياناً يذكر لقبه فقط، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر باللقب مرة وذكر بالاسم مرة أخرى، فإن من لا يعرف أن بنداراً لقب لـمحمد بن بشار، لو رأى محمد بن بشار في إسناد، ثم رأى إسناد آخر فيه بندار، وليس فيه محمد بن بشار، يظن أن هذا شخص آخر، لكن من عرف أن هذا هو محمد بن بشار، لقبه بندار، يعرف أن هذا هو هذا، سواء جاء في إسناد واحد، أو في إسنادين، فهذه فائدة معرفة ألقاب المحدثين، أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر باسمه مرة وذكر بلقبه مرة أخرى.
[واللفظ له].
أي: اللفظ لـمحمد بن بشار أي: المتن الموجود هذا لفظ محمد بن بشار ومعنى ذلك أن يعقوب بن إبراهيم لفظه ليس مطابقاً لهذا اللفظ الموجود بل هو بمعناه، ولكن المعنى متفق عليه عندهما، واللفظ المذكور لفظ محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم لم يذكر لفظه هنا.
[قالا: حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو القطان، المحدث، الناقد، البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الحميد بن جعفر].
وهو عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، وهو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني محمد بن عمرو بن عطاء].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حميد].
أبو حميد الساعدي، وهو المنذر بن سعد بن المنذر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث وائل بن حجر في صفة الجلوس للتشهد الأخير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا جلس أضجع اليسرى ونصب اليمنى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ويده اليمنى على فخذه اليمنى، وعقد ثنتين الوسطى والإبهام وأشار)].أورد النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه في نفس الموضوع؛ وهو صفة الجلوس وأنه قال: (أضجع اليسرى ونصب اليمنى)، والمقصود مطابق للترجمة، يعني: أن هذا يكون توركاً، كما جاء في الحديث الأول عن أبي حميد رضي الله تعالى عنه.
وهذا الحديث يدل على: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، هذا هو الذي يدل عليه حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، وقد سبق أن مر بنا أنه أيضاً يكون عند القيام إلى التشهد الأول ترفع اليدين، وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي حميد الساعدي، وكذلك أيضاً جاء في بعض الأحاديث في السنن، أنه يكون عند السجود، في مواضع من السجود، وأن هذا يكون أحياناً، وحديث وائل بن حجر، يدل على الرفع في هذه المواضع الثلاثة، وفيه أيضاً: أنه عند الجلوس يضجع اليسرى وينصب اليمنى، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت الترجمة، وبالنسبة لليدين يضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، واليد اليمنى على الفخذ اليمنى ويعقد الإبهام والوسطى، (وأشار) يعني: يشير بالسبابة، ولكن المقصود من إيراد الحديث هو الجملة الوسطى وهي ما يتعلق بكيفية الجلوس في نهاية الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في صفة الجلوس للتشهد الأخير
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة ؛ لأن المزي في تهذيب الكمال ذكر أن قتيبة بن سعيد، يروي عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء سفيان مهمل غير منسوب، يروي عنه قتيبة، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، وقتيبة بن سعيد ولد سنة 150هـ ، ومات سنة 240هـ، ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة، والتي ولد فيها الشافعي ؛ لأنه هو والشافعي لدة؛ ولدوا في سنة واحدة، والشافعي توفي سنة 204هـ وعمره أربع وخمسون سنة، وأما قتيبة فقد عاش إلى سنة أربعين، ومات قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة وعمره تسعون سنة، وسفيان الثوري أدرك إحدى عشر سنة من حياته؛ لأن سفيان الثوري توفي سنة 161هـ، وقتيبة بن سعيد ولد سنة 150هـ، والمزي في تهذيب الكمال ذكر أن قتيبة يروي عن سفيان بن عيينة، وما ذكر سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة هو المكي وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم بن كليب].
صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
عن أبيه كليب بن شهاب، وهو أيضاً صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وائل بن حجر].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
موضع الذراعين
شرح حديث وائل بن حجر: (أنه رأى النبي جلس في الصلاة ... ووضع ذراعيه على فخذيه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع الذراعين. أخبرنا محمد بن علي بن ميمون الرقي حدثنا محمد وهو ابن يوسف الفريابي حدثنا سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم جلس في الصلاة فافترش رجله اليسرى، ووضع ذراعيه على فخذيه وأشار بالسبابة يدعو بها)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: موضع الذراعين، وهي أنها تكون على الفخذين، يعني: يضع اليدين على الفخذين، والذراعان يكونان عليهما، لكن لا يكون معتمداً على فخذيه، وإنما تكون موضوعة أو قريبة منها، وليس معناه أنه متكئ عليها ومعتمد عليها يعني: على فخذيه. وأورد النسائي حديث وائل بن حجر وفيه الدلالة على ما ترجم له المصنف.
قوله: (وضع ذراعيه على فخذيه) من غير أن يكون هناك اعتماد. يعني: أنه ليس هناك اعتماد؛ لأن الإنسان لا تعتمد أعضاؤه بعضها على بعض في الصلاة، لا في الجلوس، ولا في السجود، من حيث: أنه يفترش ذراعيه في حال سجوده ويعتمد عليها، أو يضع ذراعيه على فخذيه، وهو ساجد ويتكئ عليها، أو كذلك وهو جالس يتكئ بذراعيه على فخذيه، وإنما يضعهما على فخذيه.
ثم أيضاً ذكر ما يتعلق باليدين، وأنه (أشار بالسبابة يدعو بها) في الرواية السابقة ذكر: (ثم أشار)، وهنا قال: (يدعو بها)، يعني: بالسبابة، والوسطى مع الإبهام قد عقد بينهما أو حلق بهما وجعلهما كالحلقة.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر: (أنه رأى النبي جلس في الصلاة ... ووضع ذراعيه على فخذيه ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن ميمون الرقي].وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا محمد وهو ابن يوسف الفريابي].
وهو ابن يوسف الفريابي وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو الفريابي) الذي قالها هو من دون محمد بن علي بن ميمون الرقي الذي هو تلميذه، أي: النسائي أو من دون النسائي هو الذي قال هذه الكلمة، التي بين بها من هو محمد بن يوسف ؛ لأن محمد بن علي الرقي ما زاد على أن قال محمد بن يوسف، لكن من دون هذا التلميذ هو الذي أضاف كلمة: (هو الفريابي).
[حدثنا سفيان].
وهو ابن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد لازمه محمد بن يوسف الفريابي.
[عن عاصم عن أبيه عن وائل].
وقد مر ذكرهم.
موضع المرفقين
شرح حديث وائل بن حجرفي موضع المرفقين في الجلوس للتشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [موضع المرفقين. أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: (قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق، ورأيته يقول هكذا، وأشار بشر بالسبابة من اليمنى، وحلق الإبهام والوسطى)].
أورد النسائي حديث وائل بن حجر فيما يتعلق بوضع المرفقين، وهناك ذكر الذراعين وهنا المرفقين.
قول وائل بن حجر رضي الله عنه هذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، من الحرص على معرفة أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام في صلاته، وفي حجه، وما إلى ذلك من الأعمال التي يعملها، وهم يشاهدونه ويعاينونه؛ لأنه يقول في نفسه، ويقصد، ويعزم على أن ينظر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يعرف كيفية فعله، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال في الحج: (خذوا عني مناسككم) فشأنهم أنهم يتلقون عنه أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام، ووائل بن حجر رضي الله عنه يقول: (لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي)، يعني: حتى يعرف كيفية صلاته، معناه: أنه يعقد العزم ويتجه هذا الاتجاه ويقصد هذا القصد، وهو أن يعرف الهيئة والكيفية التي يفعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قال: [(فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه)].

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 12:55 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(235)

- (باب موضع الكفين) إلى (باب الإشارة بالأصبع في التشهد)
حث الشرع على الخشوع في الصلاة، ومن ذلك الهيئة التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جلوس التشهد، وهي: وضع اليدين على الفخذين، اليمنى على الأيمن، واليسرى على الأيسر، وقبض الأصابع كلها من اليد اليمنى عدا السبابة؛ لأجل الإشارة بها بدون تحريك، وتبسط اليد اليسرى على الركبة.
موضع الكفين
شرح حديث: (... ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع الكفين. أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد عن مسلم بن أبي مريم شيخ من أهل المدينة، ثم لقيت الشيخ فقال: سمعت علي بن عبد الرحمن يقول: (صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما فقلبت الحصى، فقال لي ابن عمر : لا تقلب الحصى، فإن تقليب الحصى من الشيطان، وافعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، قلت: وكيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل؟ قال: هكذا، ونصب اليمنى وأضجع اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة)].
المراد بالترجمة: أن الكفين يضعهما المصلي على فخذيه، وقد مر في التراجم السابقة موضع الذراعين، وموضع المرفقين، وهنا موضع الكفين، وتلك النصوص التي أوردها في تلك التراجم هي مشتملة على موضع الكفين، وأنه يكون على الفخذين مع بسط اليسرى على الفخذ، وقبض الخنصر، والبنصر، وتحليق الإبهام مع الوسطى، والإشارة بالسبابة، وأورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه الذي حدث به علي بن عبد الرحمن الراوي عنه، وأنه صلى بجواره (فجعل يقلب الحصى)، يعني: وهو في حال جلوسه، يقلب الحصى، فبعد ما فرغ من الصلاة، أرشده عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن يضع يديه على فخذيه، بالطريقة التي وصفها، ونهاه أن يقلب الحصى وقال: (إنه من الشيطان)، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم من الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرصهم على تبليغ السنن، وتحذيرهم من الأمور المنكرة، التي تقع في الصلاة وفي غيرها، فإنه حذره من ذلك وقال: (إنه من الشيطان)، وأرشده إلى الهيئة التي يجعل يديه مستقرتين عليها، وهي كونهما على الفخذين، باسطاً اليسرى ومشيراً بالسبابة، مع تحليق الإبهام مع الوسطى، وقبض الأصبعين الآخرين.
فالحديث دال على ما ترجم له المصنف، ودال أيضاً على غير ذلك، وهو كونه في حال جلوسه ينصب اليمنى ويضجع اليسرى، وقد وصف له بالفعل؛ لأنه لما رآه يقلب الحصى قال له: (ألا تفعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: وماذا كان يفعل؟ قال: هكذا)، ثم وصف ذلك عبد الله بن عمر بطريقة عملية وهي أن ينصب اليمنى ويضجع اليسرى، أراه ذلك بالفعل، حتى ينظر إليه وحتى يشاهده، وهذا فيه بيان السنن أنها تبين بالفعل، كما تبين بالقول، السنن تبين بالأفعال كما تبين بالأقوال؛ لأن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بين هذه السنة التي أرشده إليها بالفعل.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].ومحمد بن منصور اثنان هما من شيوخ النسائي، محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي، وكل منهما روى عن سفيان بن عيينة، لكن لما كان الجواز من أهل مكة، وسفيان بن عيينة من أهل مكة، فإنه عند الاحتمال، يحمل على من يكون للشيخ به خصوصية من حيث الملازمة، ومن حيث كونه في بلده؛ لأنه إذا كان من أهل بلده يروي عنه كثيراً، ويكون على صلة به يومياً أو في الليل والنهار، أو على الأقل دون ذلك، لكن ليس مثل الذي يكون في بلد آخر لا يتأتى له أن يلقى الشخص الذي يروي عنه إلا بالسفر، أو في مناسبة كحج، أو عمرة، أو زيارة، فلاشك أن من يكون له به خصوصية عند الإطلاق يحمل عليه، ومن المعلوم أن محمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فعند الإطلاق يحمل على محمد بن منصور الجواز، ومحمد بن منصور الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، أما الآخر الذي هو محمد بن منصور الطوسي، فهو ثقة، وأخرج حديثه أبو داود، والنسائي، أما سفيان الذي يروي عنه محمد بن منصور فهو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذي لقوا صغار الصحابة.
[عن مسلم بن أبي مريم].
وهو مسلم بن أبي مريم المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[سمعت علي بن عبد الرحمن].
وهو علي بن عبد الرحمن المعاوي وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن ابن عمر].
وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة المشهورين بهذا اللقب، وهم أربعة من صغار الصحابة، عبد الله بن عمر، أحدهم، وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهم، فإن هؤلاء هم العبادلة الأربعة، إذا قيل: في مسألة فقهية قال بها العبادلة الأربعة، فإن المراد بهم من الصحابة هؤلاء الذين هم من صغار الصحابة، بعض العلماء يجعل ابن مسعود أحد هؤلاء، ويجعل رابعهم ابن مسعود ويحذف واحداً من الأربعة المذكورين، لكن المشهور عند العلماء أن ابن مسعود ليس منهم؛ لأن ابن مسعود من المتقدمين ومن الكبار، وهو متقدم الوفاة، وأما هؤلاء الأربعة فهم من الصغار، وقد عاشوا في وقت واحد، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، ولقيهم من التابعين من لم يلق ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود توفي سنة (32هـ) وأما أولئك فتأخرت وفاتهم، من هو على الضعف يعني: في المدة، فمنهم من هو فوق السبعين ومنهم من فوق الستين، فهم متأخرون في الوفاة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وعبد الله بن عمر، هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال السيوطي في هؤلاء السبعة:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
هؤلاء السبعة معروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وفي الإسناد أن سفيان روى عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن أبي مريم شيخ من أهل المدينة، ثم لقيت ذلك الشيخ، فحدثني عن علي بن عبد الرحمن، والمقصود من هذا الكلام أن سفيان بن عيينة روى الإسناد بطريق نازل؛ لأنه رواه عن مسلم بن أبي مريم بواسطة يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم إنه لقي مسلم بن أبي مريم، فروى عنه مباشرة فصار هذا الإسناد فيه طريقان: طريق عالية وطريق نازلة، الطريق الأولى نازلة، والطريق الثانية عالية؛ لأن سفيان في الطريق الأولى يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، وفي الطريق الثانية يروي سفيان عن مسلم بن أبي مريم، نقص شخص واحد، يعني: فصار الإسناد فيه طريقان، طريق نازلة فيها زيادة راو وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وطريق عالية ليس فيها يحيى بن سعيد بل سفيان بن عيينة روى مباشرة عن من روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ذلك الشيخ من أهل المدينة الذي هو مسلم بن أبي مريم، وطريقة المحدثين أنهم يحصلون الأحاديث بطرق نازلة، وإذا لقوا الذين روى عنه، من رووا عنه، فإنهم يأخذون عنه مباشرة، فتأتي الرواية على الحالتين، حالة النزول، وحالة العلو، وغالباً ما تكون الطريق النازلة فيما إذا لم تحصل رحلة، بأن يكون مثلاً: روى عن غيره بواسطة شخص سافر ولقي ذلك الشخص الذي ما رآه، فيروي عنه نازلاً، ثم يحصل له رحلة فيلقى ذلك الشخص الذي كان روى عنه بواسطة، فيحدثه مباشرة، فيروي على الحالتين، حالة الواسطة وحالة غير الواسطة، فيكون هناك طريقان، طريق عالية ظفر بها أخيراً، وطريق نازلة كان قد حصلها أولاً.
ومن المعلوم أنه إذا وجد العلو، فإنه لا يصار إلى النزول، إلا إذا كان في النزول صفة ليست في العلو، كأن يكون الرجال فيهم زيادة في الثقة، وزيادة في الضبط والإتقان، فإن الطريق النازلة عند ذلك يكون لها قيمة ويكون لها شأن، أما إذا لم يكن هناك قوة في النازل، فإن الطريق العالية تكون أفضل منها، ويشبه هذا الذي جاء في الحديث، أو في هذا الإسناد من حيث أن سفيان بن عيينة، روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسلم بن أبي مريم، ثم إنه لقي مسلم بن أبي مريم فروى عنه مباشرة يعني: أنه حصل الطريق النازلة أولاً، ثم حصل الطريق العالية يشبه هذا أيضاً ما جاء عن سفيان بن عيينة في حديث: (الدين النصيحة) وهو في صحيح مسلم، حديث تميم الداري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) فإن مسلماً رواه بإسناد، وفيه الإشارة إلى الطريق النازلة والعالية.
يقول مسلم رحمه الله في كتابه الصحيح: حدثنا محمد بن عباد المكي، قال: حدثنا سفيان قال -الذي هو سفيان-: لقيت سهيل بن أبي صالح فقلت له: إن عمراً حدثنا عن القعقاع عن أبيك بكذا، ورجوت أن تسقط عني رجلاً، أي: فتحدثني به عن أبيك؛ لأن سهيل بن أبي صالح السمان يروي عن أبيه، وسفيان حصل الحديث من طريق عمرو بن دينار، عن القعقاع، عن أبي صالح الذي هو أبو سهيل، وسفيان طلب من سهيل أن يحدث عن أبيه، فيكون ما بينه وبين أبوه إلا شخص واحد، وفي الطريق الأولى كان فيها اثنين، عمرو بن دينار، والقعقاع، فقال: سأحدثك عن الذي أخذ عنه أبي يعني: سيسقط له اثنين وهو واحد، يعني: أنا سمعته ممن سمعه منه أبي، ثم قال يعني سفيان: حدثنا سهيل، عن عطاء بن يزيد، عن تميم، فحذف القعقاع وحذف أباه، فأسقط واسطتان، فصارت الطريقة الأولى فيها زيادة شخصين والطريقة الثانية فيها نقص شخصين.
فكما قلت: كانوا يفرحون بالعلو ويحرصون عليه، إذا وجدوه، وإذا حصلوه نازلاً ثم ظفروا به عالياً رووه من الطريق العالية.
قبض الأصابع من اليد اليمنى دون السبابة
شرح حديث ابن عمر في قبض الأصابع من اليد اليمنى دون السبابة في الجلوس للتشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قبض الأصابع من اليد اليمنى دون السبابة. أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن قال: (رآني ابن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة فلما انصرف نهاني، وقال: اصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، قلت: وكيف كان يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه وقبض يعني: أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)].
ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وفيها بيان الكيفية التي يفعلها عند الجلوس في الصلاة، وهو في التشهد يضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، ويقبض أصابع اليمنى ويشير بالسبابة، يقبضها ما عدا السبابة؛ فإنه يشير بها، ومعنى ذلك: أنه يقبض الخنصر والبنصر، ويجعل الوسطى مع الإبهام، يعني: على هيئة الحلقة، ويشير بالسبابة، فأرشده عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إلى أن يعمل هذه الهيئة التي هي مشروعة، وأن يترك هذا الذي كان يفعله، وهو أنه كان يقلب الحصى في حال جلوسه، أرشده إلى ما كان عليه الصلاة والسلام يفعله، فهذه الطريق هي: دالة على ما دلت عليه الطريقة السابقة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في قبض الأصابع من اليد اليمنى دون السبابة في الجلوس للتشهد
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، من مذاهب أهل السنة المشهورة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقتيبة بن سعيد روى عن مالك، ومالك توفي سنة (172هـ) وقتيبة سنة (240هـ)؛ لأنه عمر تسعون سنة؛ ولأنه ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة، وهي سنة (150هـ)، وعاش بعد الشافعي ستاً وثلاثين سنة، وأدرك مالك، ومن قبل مالك؛ لأنه معمر إذ بلغ عمره تسعين سنة.
[عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن المعاوي عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهم في الإسناد.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 12:58 AM
قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الوسطى والإبهام منها
شرح حديث وائل بن حجر في قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الوسطى والإبهام منها في الجلوس للتشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الوسطى والإبهام منها.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن زائدة حدثنا عاصم بن كليب حدثني أبي أن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فنظرت إليه فوصف، قال: ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق حلقه، ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها مختصر) ].
ثم أورد النسائي الترجمة، قال: [باب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الوسطى والإبهام منها.
باب قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الإبهام والوسطى منها. أي: من اليد اليمنى، أورد فيه حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (لأنظرن إلى صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام)، قال: ثم وصف، وكلمة (فوصف) هذه معناها: أن فيها إشارة إلى شيء محذوف، وإلى أنه اختصر؛ لأنه ذكر أشياء لم يذكرها في الرواية تلك، وإنما أشار إليها بالوصف، ثم أتى بالمعطوف وفيه الإشارة إلى معطوف عليه؛ لأن المعطوف عليه هو الذي قال عنه فوصف، ثم أتى بثم يعني: معناه في كلام متقدم اكتفي بالإشارة إليه بوصف؛ لأن المطلوب هو الاختصار ولهذا جاء في آخره (مختصر)، جاء في آخر الحديث قال: (مختصر)، معناه: أن هذه الرواية فيها اختصار، ولهذا قال: (فوصف) بعد أن قال: (لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوصف) يعني: وصف أشياء إلى أن وصل إلى هذا الذي يريد أن يأتي به الراوي هنا، فذكر ما يتعلق بالجلوس، والافتراش، وذكر فيما يتعلق باليدين، وأنه وضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى والركبة، بمعنى أنه على طرف الفخذ بحيث يكون طرفها يعني: شيء منها على الركبة وشيء منها على الفخذ، (وقبض اثنتين).
(وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى) يعني: هذا سبق أن مر بالنسبة لموضع المرفقين، وأنه يكون على الفخذ لكن من غير اعتماد، من غير أن يعتمد، ومن غير أن يكون هناك مجافاة في حال الجلوس، لا يجافي، وإنما يضع المرفق على الفخذ بدون اعتماد بمرفقه على فخذه، ولا يعتمد عليها لا في الجلوس، ولا في حال السجود، وفي حال السجود يجافي، ولا يضع المرفق على الفخذ، وأما في حال الجلوس، فإن المرفق تكون على الفخذ لكن من غير اعتماد، (ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق). يعني: الحلقة: التي هي الإبهام مع الوسطى.
(ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)، (فرأيته يحركها) أي: السبابة يدعو بها، ثم قال: مختصر، يعني: أن الحديث مختصر، والذي يشير إلى الاختصار الذي أشرت إليه في أوله حيث قال: (لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنظرت إليه فوصف)، يعني: فكلمة وصف هذه هي التي تفيد المحذوف.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في قبض الثنتين من أصابع اليد اليمنى وعقد الوسطى والإبهام منها في الجلوس للتشهد
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر المروزي وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[أخبرنا عبد الله بن المبارك المروزي].
وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، هكذا قال الحافظ ابن حجر في التقريب عن هذا الرجل العظيم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
وهو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
وهو: عاصم بن كليب بن شهاب، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني أبي] .
كليب بن شهاب وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن وائل بن حجر].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
بسط اليسرى على الركبة
شرح حديث: (... ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بسط اليسرى على الركبة.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع أصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها).
أورد النسائي حديث ابن عمر باب: بسط اليسرى على الركبة، وأورد فيه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل يده اليسرى على ركبته، وكما هو معلوم، جاءت الأحاديث على أنها على فخذه، والتوفيق بينها بأن يكون البعض على الفخذ والبعض على الركبة، وأما بالنسبة لليمنى فإنه يشير بإصبعه السبابة، والمقصود منه وضع اليد اليسرى وأنه يضعها على الركبة، وفي بعض الأحاديث أنه على الفخذ، ومعنى ذلك أنه يكون عليهما جميعاً، بحيث يكون طرف أصابعه على ركبتيه وكفه على فخذه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها)
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].هو القشيري النيسابوري، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، وهو من بلده ومن قبيلته؛ لأن مسلم قشيري النسب ونيسابوري البلد، وشيخه محمد بن رافع كذلك، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وسبق أن ذكرت أن مسلم بن حجاج روى عن شيخه محمد بن رافع الأحاديث التي أخذها من صحيفة همام بن المنبه؛ لأن صحيفة همام بن المنبه رواها مسلم أو الأحاديث التي انتقاها مسلم منها أوردها من طريق شيخه محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر عن همام عن أبي هريرة.
وهنا الحديث الذي معنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق، وعبد الرزاق هو: ابن همام الصنعاني، ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ونسب إليه التشيع، ولعل هذه النسبة المراد بها أنه كان يفضل علياً على عثمان، والتفضيل لـعلي على عثمان، قال به بعض العلماء من أهل السنة: منهم عبد الرزاق هذا، ومنهم ابن جرير، ومنهم عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومنهم الأعمش، وليس هذا بقادح في الراوي، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، أن بعض أهل السنة قال: بتقديم علي على عثمان في الفضل، وهو خلاف المشهور من مذهب أهل السنة، قال: ومثل ذلك لا يبدع به، وإنما الذي يبدع به القول بأن علياً أولى منه بالخلافة، وأنه مقدم عليه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على ما اتفق عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، من تقديم عثمان، على علي، رضي الله تعالى عن الجميع.
الحاصل: أن عبد الرزاق وصف بالتشيع، وتشيعه هو من هذا القبيل الذي لا يؤثر في رواية الراوي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معمر].
وهو ابن راشد البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله].
وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو عبيد الله الذي يقال له: المصغر تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر، فإن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأما أخوه عبد الله بن عمر فهو ضعيف، ويميزون بينهما بأن يقولوا: المصغر والمكبر؛ لأن عبيد الله بالتصغير، وعبد الله بالتكبير، فيميز هذا عن هذا فـالمصغر الذي معنا ثقة، ثبت، والمكبر الذي هو عبد الله بن عمر أخوه هذا ضعيف.
[عن نافع].
مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (أن النبي كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني زياد عن محمد بن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها). قال ابن جريج: وزاد عمرو قال: أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه (رأى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كذلك ويتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى)].أورد النسائي حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحامل بيده اليسرى على رجله اليسرى، بمعنى: كأنه يعتمد عليها أو أنه يمسكها بقوة ويشد بها، وهذا هو المقصود بالتحامل على رجله اليسرى بيده اليسرى، وفي أول الحديث يقول: (إنه يشير بأصبعه ولا يحركها)، وهذا يخالف ما جاء في بعض الروايات الأخرى التي هي متقدمة، وفيها (أنه كان يحركها يدعو بها)، فحكم بعض أهل العلم على هذه الرواية أو هذه الزيادة بالشذوذ؛ لأن الإسناد صحيح والحديث ثابت، لكن هذه التي هي كلمة (لا يحركها) حكم عليها بالشذوذ لكونها مخالفة للروايات الكثيرة التي تدل على حصول التحريك للأصبع السبابة من اليمنى حين يحركها يدعو بها،
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها)
قوله: [أخبرنا أيوب بن محمد].وهو أيوب بن محمد الوزان، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا حجاج].
وهو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني زياد].
وهو ابن سعد بن عبد الرحمن الخراساني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عامر بن عبد الله].
وهو عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن الزبير] رضي الله تعالى عنهما.
وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة الذي مر ذكرهم قريباً، وكانت ولادته في السنة الأولى من الهجرة، بل هو أول مولود ولد في المدينة بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إليها، والرسول عليه الصلاة والسلام والذين هاجروا معه أولاً، نزلوا في قبا عدة أيام قبل أن يصلوا إلى المدينة، وكان عبد الله بن الزبير ولد في قباء يعني: في الوقت الذي كانوا وصلوا فيه المدينة، ومكثوا في قباء أياماً، ولد في ذلك الوقت، فقالوا: هو أول مولود بعد الهجرة، وأول مولود ولد في المهاجرين بعد الهجرة هو عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والطريق الثانية: [قال: ابن جريج وزاد عمرو].
وهو عمرو بن دينار، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وبقية الإسناد نفس الطريقة الأولى.
الإشارة بالأصبع في التشهد
حديث نمير الخزاعي في الإشارة بالإصبع في التشهد وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإشارة بالأصبع في التشهد.أخبرني محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن المعافى عن عصام بن قدامة عن مالك وهو ابن نمير الخزاعي عن أبيه رضي الله عنه قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً يده اليمنى على فخذه اليمنى في الصلاة ويشير بأصبعه)].
ثم أورد النسائي باب: الإشارة بالإصبع في التشهد، أورد فيه حديث نمير الخزاعي رضي الله عنه أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام واضعاً يده اليمنى على فخذه اليمنى في الصلاة ويشير بإصبعه.
قوله: [أخبرني محمد بن عبد الله بن عمار].
محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[عن المعافى].
وهو المعافى بن عمران الموصلي، وهو ثقة، عابد، فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[عن عصام بن قدامة].
صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي وابن ماجه.
[عن مالك وهو ابن نمير الخزاعي ].
مقبول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي وابن ماجه أيضاً.
[عن أبيه]
وهو نمير الخزاعي.
أبو داود، والنسائي وابن ماجه.
الأسئلة

صلاة المرأة في الروضة
السؤال: ما حكم صلاة المرأة في الروضة إذا مكنت من ذلك؟الجواب: لا بأس، المرأة إذا جاءت للمسجد وصلت فيه أو تيسر لها الوصول إلى الروضة تصلي بها، الروضة مكان له ميزة، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) يدل على تميزه، لكن هذا إنما يكون في النفل وليس في الفرض، أما الفرض فإن صلاة المصلين في الصفوف الأول أفضل من الصلاة في الروضة، بل الصفوف اليمنى التي هي محاذية للروضة هي أفضل منها، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحث على ميامن الصفوف، ومعلوم أن ميامن الصفوف ليست في الروضة أو بعضها ليست في الروضة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:00 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(236)

- (باب النهي عن الإشارة بأصبعين، وبأي إصبع يشير) إلى (باب النهي عن رفع البصر إلى السماء عند الدعاء)
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بأصبعين عند التشهد، وورد من فعله أنه كان يحني السبابة شيئاً، كما نهى عن رفع المصلي بصره إلى السماء.
النهي عن الإشارة بأصبعين وبأي إصبع يشير
شرح حديث: (أن رجلاً كان يدعو بأصبعيه فقال رسول الله: أحّد أحّد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الإشارة بأصبعين وبأي إصبع يشير.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أن رجلاً كان يدعو بأصبعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحد أحد)].
يقول النسائي رحمه الله: باب النهي عن الإشارة بأصبعين وبأي أصبع يشير، المقصود من هذه الترجمة: أن المصلي في تشهده عندما يقبض الخنصر، والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير في تشهده فإنه يشير بإصبع واحدة وهي السبابة، ولا يشير بأصابع أخرى غير أصبع السبابة من اليمنى، هذا هو المقصود من الترجمة، النهي عن الإشارة بأصبعين وبأي أصبع يشير، أي: أنه يشير بأصبع واحدة هي السبابة من اليد اليمنى، ولا يجوز له أن يشير بغيرها، وإنما الإشارة بها وحدها.
وأورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يدعو بأصبعيه، يعني: يشير بأصبعيه عند الدعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أحد أحد) أي: أشر بأصبع واحدة؛ لأنك تدعو الله وحده لا شريك له، فهو يدعو إلهاً واحداً فيشير بأصبع واحدة إشارة إلى هذا الإله الواحد الحق، وهو الله سبحانه وتعالى، قوله: (أحد أحد) يعني: أمر بأن يستعمل أصبعاً واحدة، والثانية تأكيد للأولى، أحد الثانية هي تأكيد للأولى أي: أنه يشير بأصبع واحدة لا يشير بأكثر منها، وهذا الرجل مبهم لم يأت ذكره، أي: الرجل الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام.
والحديث الثاني قد يكون بياناً له، وأن المراد به: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حيث أنه قال: أنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بأصابعه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أحد أحد) ويحتمل أن يكون هو المراد، وأن أبا هريرة رضي الله عنه أشار إليه وأبهمه، وسعد تحدث عن نفسه في الحديث الذي بعد هذا، وأنه كان يفعل هذا الفعل، ويعمل هذا العمل وهو الإشارة بأصابعه، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (أحد أحد) .
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رجلاً كان يدعو بأصبعيه فقال رسول الله: أحّد أحّد)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار هو: الملقب بندار وهو مصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري وكانت وفاته سنة (252هـ) أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، يشارك محمد بن بشار في الوفاة في سنة (252هـ) وأيضاً مشيخة أصحاب الكتب الستة وكونهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة اثنان آخران هما محمد بن المثنى الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء ثلاثة من صغار شيوخ البخاري روى عنهم أصحاب الكتب الستة، وهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكانت وفاتهم أي: هؤلاء الثلاثة في سنة واحدة، وهي سنة (252هـ) أي: أنهم ماتوا قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
[حدثنا صفوان بن عيسى].
وهو القسام وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن عجلان].
وهو محمد بن عجلان المدني وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين خرجوا له مثل الذين خرجوا لتلميذه صفوان بن عيسى، كل من الاثنين خرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن القعقاع].
هو القعقاع بن حكيم الكناني وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي صالح].
وهو ذكوان السمان كنيته أبو صالح مشهور بها واسمه ذكوان ولقبه السمان، فكنيته أبو صالح واسمه ذكوان ولقبه السمان، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ومعرفة كنى المحدثين لها أهمية، وذلك أن الشخص إذا عرفت كنيته، ثم ذكر باسمه في موضع وذكر بكنيته في موضع آخر لا يلتبس على من يعرف أن الكنية لصاحب هذا الاسم، لا يلتبس عليه الأمر فلا يظنهما شخصين، وإنما يعرف أنهما شخص واحد ذكر باسمه في بعض المواضع، وذكر بكنيته في بعض المواضع، ويروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق؛ لأن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء سبعة عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وأبو هريرة رضي الله عنه أكثر هؤلاء السبعة حديثاً على الإطلاق، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا الإسناد فيه أبو هريرة، وأبو صالح، ومحمد بن عجلان هؤلاء مدنيون.
شرح حديث سعد ابن أبي وقاص: (مر علي رسول الله وأنا أدعو بأصابعي فقال: أحّد أحّد وأشار بالسبابة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن سعد رضي الله عنه قال: (مر علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصابعي فقال: أحد أحد وأشار بالسبابة) ].أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام مر به وهو يدعو بأصابعه، يحتمل أن يكون بأصبعين وبأكثر، والإصبعان يطلق لفظ الجمع عليهما؛ لأن المثنى قد يطلق عليه لفظ الجمع، وجاء ذلك في القرآن الكريم في قول الله عز وجل: ( إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا )[التحريم:4] فإن المراد به امرأتان وقد ذكرت قلوبهما بالتثنية، وهما قلبان فذكر القلبان بصيغة الجمع، وكذلك أيضاً بالنسبة للضمائر قد يأتي لفظ الجمع يراد به الاثنين كما قال الله عز وجل: ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ )[الأنبياء:78] وهما اثنان، فإن لفظ الجمع يطلق على الاثنين، وأقل الجمع في اللغة العربية يطلق على الاثنين، وأما عند النحاة فإن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن اللفظ مفرد ومثنى وجمع، فأقل الجمع عند النحاة ثلاثة، وأقل الجمع في اللغة اثنان، وكذلك عند الفقهاء، وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق لفظ الجمع على الاثنين، كما في المثالين من القرآن الذي ذكرتهما، وكذلك إطلاق لفظ الإخوة في المواريث، (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ )[النساء:11] فإن المقصود بذلك أن اثنين من الإخوة يحجبان الأم من الثلث إلى السدس؛ فإن لفظ إخوة لفظ جمع ويطلق على الاثنين، وكذلك عند الفقهاء، يطلق الجمع على الاثنين، ولهذا يقول الجماعة أقلها اثنان إمام ومأموم، فقوله: بأصابع، هذا الحديث قد يكون هو مفسر، أو معين المبهم في حديث أبي هريرة، وأنه سعد بن أبي وقاص، ويحتمل أن يكون غيره، وذكر الإصبعين في حديث أبي هريرة، وذكر الأصابع في حديث سعد، لا يدل على التنافي وأن القصة قد تكون قصتان، لكن يمكن أن يكون المراد بذلك الرجل المهمل في حديث أبي هريرة هو سعد بن أبي وقاص، ولكن النفي بين ذكر المثنى أو التثنية بالأصابع في حديث أبي هريرة والجمع، جمع الأصابع في حديث سعد؛ لأنه كما قلت يمكن أن يطلق لفظ الجمع على المثنى فيكون قوله: بأصابع أي: بأصبعي، وأطلق على الأصبعين أنهما جمع.
فيكون على هذا لا تنافي بين الاثنين إذا كان مراد أبي هريرة رضي الله عنه، بالرجل المبهم المراد به سعد، ويحتمل أن يكون غيره، وتكون قصتان، أي: ويحتمل أن يكون الرجل المبهم غير سعد، وتكون قصتان، وحديث سعد دال على ما دل عليه حديث أبي هريرة، من جهة أن المصلي عندما يشير في تشهده يشير بأصبع واحدة، يريد بذلك أن الله تعالى واحد، ويشير إليه سبحانه وتعالى وأنه الإله الحق الذي لا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص: (مر علي رسول الله وأنا أدعو بأصابعي فقال: أحّد أحّد وأشار بالسبابة)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله].هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا أبو معاوية].
هو محمد بن خازم الكوفي وهو ثقة، هو أحفظ الناس لحديث الأعمش، وهو هنا يروي عن الأعمش وهو مشهور بكنيته أبو معاوية، واسمه محمد بن خازم ،كنيته أبو معاوية وهو مشهور بها وهو ثقة، هو أحفظ الناس لحديث الأعمش، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اشتهر به سليمان بن مهران، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة، وذلك أن فائدة معرفتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر في بعض الأحايين باسمه وفي بعضها بلقبه، فإن من لم يعرف أن اللقب لصاحب الاسم يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر، لكن من عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر إذا ذكر أحياناً باسمه، وأحياناً يجده مذكوراً بلقبه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان الذي مر ذكره بالإسناد الذي قبل هذا، وسعد هو: ابن أبي وقاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، سردهم وسماهم وقال: إنهم في الجنة، وقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وطلحة بن عبيد الله في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) سردهم في حديث واحد وقال: إنهم من أهل الجنة، ولهذا اشتهروا بلقب العشرة المبشرين بالجنة، وليست الشهادة بالجنة لهؤلاء العشرة فقط، بل جاءت الشهادة لغيرهم، لكن غلب على هؤلاء لفظ العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنهم بشروا بالجنة في حديث واحد، سردهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا قد شهد لآخرين كما شهد لـبلال، وشهد للحسن والحسين، وشهد لـثابت بن قيس بن شماس، ولـعكاشة بن محصن، ولعدد كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم، جاءت الأحاديث بالشهادة بالجنة لعدد منهم، لكن هؤلاء غلب عليهم هذا الوصف الذي هو العشرة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سردهم بحديث واحد وبشرهم بالجنة.
وسعد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، هو الذي جعله عمر رضي الله عنه من الستة، الذين هم أصحاب الشورى الذين وكل إليهم اختيار خليفة للمسلمين، بعد أن طعنه المجوسي الطعنة التي أودت بحياته ونال الشهادة بها، وجعل الأمر إلى ستة منهم: سعد بن أبي وقاص، ولمكانة سعد رضي الله عنه وأرضاه أمره عمر على الكوفة، وحصل بينه وبين أهل الكوفة شيء من الوحشة، وآذوه وتكلموا فيه وقدحوا فيه حتى جاء في بعض الأحاديث أنهم شكوه إلى عمر، وقالوا: أنه لا يحسن الصلاة، وهو رجل من أهل الجنة يمشي على الأرض، والناس يعلمون أنه من أهل الجنة، ومع ذلك يصل البغض والكلام بغير حق بأن يتكلم بعض أهل الكوفة فيه بمثل هذا الكلام، لكن عمر رضي الله عنه وأرضاه لم ينس أن ينبه إلى فضله بعد أن اختاره وجعله من الستة، فخشي أن ينظر إلى الماضي وأن يقال: كيف يعزله عمر من الكوفة ويتولى الخلافة، نبه رضي الله عنه وأرضاه إلى فضل سعد، فقال رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح البخاري: فإن أصابت الإمارة سعد فذاك يعني: فهو أهل لها، وإلا فليستعن به من أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة.
أشار رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى أن العزل لم يكن لسبب عجز، ولا خيانة، وإنما كان سببه ما خشيه من الفتنة وأنه قد يعتدي عليه بعض السفهاء فينالون منه، ويصيبه مضرة بسبب ذلك، فرأى أن المصلحة أن يعزله لكنه لم ينس أن ينبه إلى فضله وإلى أنه أهل للخلافة إن اختير لها، وأيضاً كذلك أهل لأن يستشار إن لم يتم اختياره للخلافة، وهذا من فضل عمر رضي الله عنه، وحكمته، وإنصافه، ومعرفته الفضل لأهل الفضل؛ فإنه قال: فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة؛ لأن العجز والخيانة هما السبب الذي ينبغي أن يتم العزل بسببه؛ لأن العجز يترتب عليه الفوضى وانفلات الأمور، وإن كان الرجل طيباً وصالحاً لكنه إذا كان ضعيفاً تنفلت منه الأمور فهو لا يصلح للولاية، وكذلك لو كان قوياً وحازماً، ولكنه خائن وليس بأمين لا يصلح للولاية، بل من الأمور التي تلاحظ في الوالي الذي يولى ويختار الولاية أن يكون قوياً أميناً، وخلاف ذلك أن يكون خائناً عاجزاً، فالعجز والخيانة ضد القوة والأمانة، وقد قالت إحدى ابنتي الرجل الصالح في سورة القصص: ( يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ )[القصص:26].
فـسعد رضي الله عنه وأرضاه قوي أمين، وليس بخائن ولا عاجز، ولكن عمر رضي الله عنه، عزله عن الكوفة لما جرى من شدة الوحشة التي جرت بينه وبينهم حتى وصل بهم الأمر إلى أن قالوا: أنه لا يحسن الصلاة، وأنه لا يحسن يصلي، مع أن الجميع يعلمون بأنه من أهل الجنة، ولكن هكذا يفعل الحقد إذا ملأ النفوس يجعل بعض الذين لا يوفقون للصواب يتكلمون بغير الحق يعني: كما حصل من أهل الكوفة في حق هذا الرجل العظيم، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو آخر العشرة المبشرين بالجنة موتاً.
إحناء السبابة في الإشارة
شرح حديث نمير الخزاعي في إحناء السبابة في الإشارة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إحناء السبابة في الإشارة.أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي أخبرنا أبو نعيم حدثنا عصام بن قدامة الجدلي حدثني مالك بن نمير الخزاعي من أهل البصرة أن أباه حدثه: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في الصلاة واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد أحناها شيئا وهو يدعو).
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إحناء السبابة في الإشارة يعني: عند الإشارة، المقصود بالإحناء هو الإمالة، وقد أورد النسائي حديث نمير الخزاعي رضي الله تعالى عنه أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ورفع أصبعه وقد أحناها، (رفع أصبعه السبابة قد أحناها شيئاً وهو يدعو)، يعني: أحناها شيئاً إحناءً خفيفاً، والمقصود بالإحناء هو الإمالة، والإشارة بالسبابة جاءت فيها أحاديث كثيرة وقد مرت، ولكن ذكر الإحناء جاء في هذه الرواية، وقد ذكر الشيخ الألباني أن هذه الزيادة التي هي زيادة الإحناء غير صحيحة وغير ثابتة؛ لأنها ما جاءت إلا من هذا الطريق، وهذا الطريق فيه رجل مقبول، وهو الذي يعتمد على حديثه عند المتابعة، ولم يتابع على ذكر الإحناء، فتكون هذه الزيادة غير ثابتة، أما التشهد وتحريك الإصبع بالتشهد عند الإشارة بها، وعند الدعاء بها فهذا جاء في بعض الأحاديث.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:04 AM
تراجم رجال إسناد حديث نمير الخزاعي في إحناء السبابة في الإشارة
قوله: [أخبرني أحمد بن يحيى].هو أحمد بن يحيى الصوفي، وكلمة أخبرني يؤتى بها بالإفراد، فأحياناً يقول المحدث: أخبرني وأحياناً يقول: أخبرنا، والفرق بينهما أن أخبرني إذا كان أخذ عن الشيخ وحده ليس معه أحد فيعبر بالإفراد فيقول: أخبرني، وإذا كان أخذ ومعه غيره يقول: أخبرنا، لكن كلمة أخبرني تدل على أنه أخذ وحده، وأنه تحمل وحده لم يتحمل معه أحد عند الأخذ من الشيخ، وأحمد بن يحيى الصوفي هو: الكوفي وهو ثقة، عابد، أخرج له النسائي وحده.
[أخبرنا أبو نعيم].
وهو الفضل بن دكين الكوفي وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو نعيم، وهو: من شيوخ البخاري من كبار شيوخ البخاري الذين روى عنه مباشرة، والنسائي روى عنه بواسطة؛ لأن النسائي متأخر، فهو يروي عن أبي نعيم بواسطة، والبخاري يروي عنه مباشرة، فهو من كبار شيوخ البخاري، وهو مشهور بكنيته أبو نعيم، وممن اشتهر بـأبي نعيم شخص آخر متأخر وهو صاحب الحلية أبو نعيم الأصبهاني المتوفى سنة (430هـ) فهو مشهور أيضاً بهذه الكنية، ولكن هذا متأخر كثيراً عن ذاك؛ لأن هذا توفي في أوائل القرن الثالث، وأما ذاك ففي أوائل القرن الخامس سنة 430هـ، وأبو نعيم الفضل بن دكين هو شيخ البخاري، وشيخ مسلم، هو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري من جملة الرجال الذين لمزوا بشيء لا يقدح ولا يؤثر، وقال: إن الذي ذكر عنه أنه كان يتشيع، هذا هو الذي أورده الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح، من أجل أنه تكلم فيه بالتشيع، لكنه نقل عنه ما يدل على سلامته من هذا السوء الذي هو مذهب الشيعة وطريقة الشيعة أو التشيع، أي: التشيع الضار الذي يؤثر، نقل عنه كلمة عظيمة في ترجمته في مقدمة الفتح أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية، ما كتبت علي الحفظة أي: الملائكة، أنني سببت معاوية، ومن المعلوم أن سب معاوية من أسهل الاشياء عند الشيعة، بل إن الزيدية الذين هم أحسن حالاً من الرافضة الإمامية يتكلمون في معاوية ويسبونه، ولا يسبون الشيخين أبا بكر، وعمر، ولكنهم يسبون معاوية، فسب معاوية سهل عند المنتمين إلى هذا المنهج الذي هو التشيع، لكن قوله: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية تدل على سلامته؛ لأن معاوية رضي الله عنه، الكلام فيه عند الشيعة قدر مشترك وسهل ميسور، وأبو نعيم يقول: ما كتبت عليّ الحفظة أنني سببت معاوية، وهذا يدل على سلامته مما رمي به ومما أضيف إليه.
لكن هناك شيئاً قد يضاف إلى الشخص التشيع بسببه وهو لا يؤثر، وهو: تفضيل علي على عثمان رضي الله عنه؛ لأن بعض علماء أهل السنة نقل عنهم تفضيل علي على عثمان يعني: في الفضل لا في الخلافة، ومنهم: ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل الإمام ابن الإمام، ومنهم عبد الرزاق بن همام، ومنهم الأعمش، ومنهم ابن خزيمة، هؤلاء نسب إليهم القول بتفضيل علي، على عثمان، ولكن هذه لا تؤثر ولا تقدح، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية أن تفضيل علي، على عثمان، قال به جماعة من أهل السنة ولا يبدع من قال بذلك، وإنما الذي يبدع به القول بتفضيله عليه في الخلافة؛ لأن من قال ذلك فإنه يعترض على عمل الصحابة، الذين قدموا عثمان، على علي، رضي الله تعالى عنه.
إذاً: فالتشيع قد يضاف إلى بعض الأشخاص بسبب هذا، ومن المعلوم أن مثل ذلك لا يؤثر.
[حدثنا عصام بن قدامة].
هو عصام بن قدامة الجدلي وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني مالك بن النمير].
هو مالك بن النمير الخزاعي البصري وهو مقبول، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه أيضاً يعني: مثل الذين خرجوا لـعصام بن قدامة الجدلي، الاثنان كل منهما خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبيه].
هو نمير الخزاعي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة
شرح حديث: (... وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة أي: في التشهد، وهو أنه يكون إلى السبابة، وأورد فيه حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته).
(وأشار بالسبابة) يعني: السبابة من اليمنى. (لا يجاوز بصره إشارته) يعني: أنه ينظر إلى أصبعه عندما يشير بها.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وأشار بالسبابة لا يجاوز بصره إشارته)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة بدون واسطة، وهو الذي ذكرت آنفاً أن وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وأنه مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، في أن الثلاثة ماتوا بسنة واحدة، وأن كل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثني يحيى].
وهو يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، البصري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عجلان].
ابن عجلان وقد مر ذكره.
[عن عامر بن عبد الله بن الزبير].
عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو عبد الله بن الزبير بن العوام صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنه، وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وعبد الله بن الزبير هو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين هم من صغار الصحابة، وهم عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، هؤلاء الأربعة أطلق عليهم لقب العبادلة من الصحابة، فإذا جاء في مسألة قال بها العبادلة الأربعة، فإن المراد بهم هؤلاء الأربعة الذين هم من صغار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن الزبير هو أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين، وذلك أن أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها ولدته بعد ما وصلوا إلى قباء مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان نزولهم في قباء قبل أن يصلوا إلى وسط المدينة وإلى هذا المكان الذي بنى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده وحجره، كان نزل أياماً في قباء، وكانت أسماء معهم فولدت هناك، ولدت ابنها عبد الله، فحنكه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
النهي عن رفع البصر إلى السماء عند الدعاء في الصلاة
شرح حديث: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن رفع البصر إلى السماء عند الدعاء في الصلاة.أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم) ].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: النهي عن رفع البصر إلى السماء عند الدعاء في الصلاة، أي: أنه لا يجوز للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء يدعو وإنما يكون بصره إلى موضع سجوده حيث يكون قائماً، وكذلك ينظر إلى أصبعه كما مر في الحديث الذي قبل هذا، وأما رفع البصر إلى السماء فإنه لا يجوز، وقد جاء النهي عنه في هذا الحديث الذي أورده النسائي وهو دال على التحذير من هذا العمل، وأنه قد يعاقب صاحبه بأن يسلب بصره إذا رفع بصره إلى السماء فقال: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الدعاء أو لتخطفن أبصارهم)، يعني: إذا لم ينتهوا قد يعاقبوا بهذه العقوبة وهي خطف أبصارهم، لم؛ لأنهم يسلبوها ويفقدوها بسرعة كما يحصل فقدان البصر عند حصول شيء مفاجئ مثل البرق (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ )[البقرة:20] يعني: أنه يسلبها من شدة لمعانه وإضاءته، فإذا لم ينتهوا فإنهم يعرضون أنفسهم لهذه العقوبة العاجلة التي يفقدون معها أبصارهم فتكون العقوبة معجلة في الدنيا، وهو يدل على الوعيد، وأن الإنسان قد يعاقب على الذنب بعقوبة عاجلة في الدنيا، بأن يحصل له شيء يضره في جسده أو يضره في نفسه أو ماله أو ولده، أو ما إلى ذلك، والحديث دال على أنه قد تحصل له العقوبة بأن يفقد بصره الذي رفعه إلى السماء، فهو دال على التحذير من ذلك، وعلى المنع من ذلك وأن ذلك حرام لا يسوغ ولا يجوز.
تراجم رجال إسناد حديث: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].هو أبو طاهر المصري وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الليث].
وهو ابن سعد المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه كان فقيه مصر ومحدثها في زمانه.
[عن جعفر بن ربيعة].
هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعرج لقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، وقد ذكرت عند الأعمش، أن معرفة ألقاب المحدثين مهمة، فائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى، وحديث الأعرج عند أصحاب الكتب الستة.
عن أبي هريرة وقد مر ذكره، وهذا الإسناد أكثر رجاله مصريون كلهم إلا الأعرج وأبو هريرة، وأبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، وعبد الله بن وهب، والليث بن سعد، وجعفر بن ربيعة، هؤلاء الأربعة مصريون، وأما الأعرج، وأبو هريرة فهما مدنيان
الأسئلة

فضل الصلاة في المسجد النبوي
السؤال: هل ثبت في السنة أن من صلى في المسجد النبوي أربعين صلاة أعتق من النار، أو غفر له ما تقدم من ذنبه؟الجواب: لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما ورد فيه حديث ضعيف لا يعول عليه، لكن المسلم كلما صلى في هذا المسجد، فأي صلاة يصليها فهي بألف صلاة، الفريضة بألف فريضة والنافلة بألف نافلة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) لكن لا تحديد بعدد معين، ولا تحديد بأيام معلومة، بل الأمر في ذلك واسع، وكلما زاد الإنسان فهو خير له؛ لأن الصلاة بألف صلاة، لكن تحديد أيام معلومة أو صلوات معلومة لم يثبت في ذلك شيء، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف لا يعول عليه.
حكم سحب الدم من المريض وهو صائم
السؤال: هل سحب الدم من المريض يفطر إن كان صائماً؟الشيخ: سحب الدم إذا كان خفيفاً لا يؤثر على جسده فإنه لا يؤثر على صيامه، وأما إذا كان كثيراً يحصل معه ضعفه فهذا يكون مثل الحجامة، أما إذا أخذ لتحليل الدم يعني دم يسير وليس بكثير يترتب عليه ضعفه مثل ما يحصل بالنسبة للحجامة فإن اليسير لا يؤثر، خروج الدم اليسير لا يؤثر على الصيام.
انتقاض الوضوء بخروج الدم
السؤال: وهل يؤثر على الوضوء؟الجواب: بعض العلماء يقول: أنه إذا خرج من الجسد دم كثير فإنه يؤثر في الوضوء، ومنهم من يقول إن خروج الدم مطلقاً لا يؤثر يعني: في نقض الوضوء.
مدى تأثير الغبار على الصيام
السؤال: هل الغبار أو التراب يفطر الصائم؟الجواب: لا، الشيء الذي يأتي خارج عن إرادة الإنسان كأن يدخل غبار مع أنفه ويصل إلى حلقه لا يؤثر، لا يؤثر على صيامه شيء.
حكم الحديث الذي رواه التابعي عن الصحابي دون سماعه منه
السؤال: إذا روى التابعي عن الصحابة ولم يسمع منهم فمن أي أقسام الحديث؟الجواب: إذا روى التابعي عن الصحابي ولم يسمع منه يعتبر منقطع لأن فيه واسطة.
نعم، إذا روى التابعي عن الصحابي وهو لم يسمع منه معناه أن فيه انقطاعاً، معناه: أن فيه واسطة محذوفة ما دام أنه لم يسمع منه يعني: معناه أن فيه انقطاع.
القول الراجح في عدد مرات الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم
السؤال: ما صحة من يقول بتعدد الإسراء بالرسول عليه الصلاة والسلام، وما هو الراجح عندكم؟الجواب: الراجح أنه ليس بمتعدد وأنه أسري به مرة واحدة؛ لأن أحاديث الإسراء على اختلاف ألفاظها كلها جاء فيها فرض الصلوات الخمس، وحصول التردد بين موسى وبين ربه، ويطلب التخفيف، فلو كان تعدد مرات كيف يفرض عليه في المرة الأولى ثم يرجع ويعاد له الفرض ويكون هناك مراجعة للتخفيف، يعني: هذا يدل على عدم التعدد، يعني: كون الأحاديث التي جاء فيها الإسراء مع اختلاف ألفاظه أنها مشتملة على حصول فرض الصلوات الخمس.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:06 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(237)

- (باب إيجاب التشهد) إلى (باب نوع آخر من التشهد)
كان الصحابة لا يعلمون ماذا يقولون في جلوس التشهد حتى علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بأدائه، وقد ثبت بعدة صيغ.
إيجاب التشهد
شرح حديث ابن مسعود: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إيجاب التشهد.أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هكذا، فإن الله عز وجل هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) ].
يقول النسائي رحمه الله: باب إيجاب التشهد.
المقصود من هذه الترجمة: هو بيان أن التشهد واجب؛ لازم على المصلي أن يأتي به، فقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كنا نقول قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هكذا، وقولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) .
هذا هو التشهد الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إياه، وأرشدهم إلى أن يأتوا به وأن يقولوه، ونهاهم أن يقولوا مثل ما كانوا يقولونه من قبل، وهو أنهم يقولون: السلام على الله قال: لأن الله هو السلام، والسلام: هو دعاء للمسلم عليه، والله عز وجل يدعى ولا يدعى له، والذي يسلم عليه يدعى له؛ لأن قوله: فالسلام عليك يعني: هو دعاء لأن يسلمه الله عز وجل، السلام عليك ورحمة الله وبركاته دعاء للمسلم عليه بأن يسلمه الله عز وجل، والله عز وجل يدعى ولا يدعى له، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقولوا هكذا)، وأرشدهم إلى أن يأتوا بالتشهد الذي بينه لهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وكانوا يقولون أيضاً: (السلام على جبريل وميكائيل)، وقد أتى النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد بشيء يشمل هذا ويزيد عليه، وهو (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فإن كلمة: (عباد الله الصالحين) تشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، ويدخل في ذلك جبريل وميكائيل من الملائكة وغيرهم، وكذلك يدخل عباد الله الصالحون في الأرض، فإنها تشمل كل عبد صالح في السماء والأرض. فإذاً: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) تؤدي ما تؤديه العبارة التي كانوا يقولونها وهي: السلام على جبريل وميكائيل، وهذا السلام العام الذي هو لكل عبد صالح في السماء والأرض.
إذاً: فقد نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقال: السلام على الله من عباده؛ لأن الله تعالى هو السلام، وهو الذي يدعى والمسلم عليه يدعى له، والله تعالى هو الذي يدعى وغيره يدعى له.
ثم قال: ولكن قولوا: (التحيات لله) و(التحيات) من المعلوم أن من يحيى يعظم التعظيم الحقيقي، والتحيات الحقيقيات التي هي مشتملة على التعظيم لمن يحيى إنما هي في الحقيقة لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق لذلك على الحقيقة.
(والصلوات) يشمل الصلوات المفروضة والنوافل، وكذلك أيضاً يمكن أن يكون المراد به أيضاً: الدعوات يعني: أن الصلاة هي في اللغة الدعاء: وفي الشرع: هي الصلوات التي هي أقوال، وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فالصلاة المفروضة التي هي الخمس وغيرها من النوافل التي هي أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم هي لله عز وجل، وكذلك الدعاء لله تعالى، فهو الذي يدعى وهو الذي يرجى وهو الذي يعول عليه.
(والطيبات)، الطيبات من القول، والفعل كل طيب هو لله عز وجل، (والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)، فيدخل في ذلك الكلام الطيب والثناء الحسن، فإنه لله عز وجل، فهو المستحق لذلك على الحقيقة، وإن كان غيره يثنى عليه، لكن بحسب ما يليق به ودون تجاوز للحدود، أو غلو وإطراء يخرج بالمخلوق عما يستحقه إلى ما لا يستحقه، فالمستحق لذلك هو الله سبحانه وتعالى.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، النبي عليه الصلاة والسلام يدعى له، ولهذا فإن السلام على النبي عليه الصلاة والسلام فيه دعاء له بالسلامة وكذلك الدعاء له بالرحمة والبركة.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، السلام علينا يعني: هو دعاء لنا ودعاء لعباد الله الصالحين، فيشمل ذلك كل عبد صالح في السماء والأرض، ثم يدل هذا على أن الإنسان إذا وفقه الله عز وجل لأن يكون من أهل الصلاح والاستقامة، فإن له نصيب من دعاء الداعين الذين يدعون بهذا الدعاء، حيث يقول كل مصل في صلاته وفي تشهده: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فإذا صلح الإنسان فإنه يكون أهلاً لهذه الدعوات، التي تحصل من كل مصل يدعو لنفسه، ويدعو لعباد الله الصالحين، فإذا كان العبد صالحاً مستقيماً على أمر الله، مستقيماً على طاعة الله عز وجل فإنه يكون بذلك من أهل هذه الدعوات، التي تصدر من كل مصل يدعو لنفسه ويدعو لعباد الله الصالحين، وهذه من ثمرة الصلاح والاستقامة على أمر الله، أن الله عز وجل يعطيه، ويجعل كل مصل يدعو بهذا الدعاء، ويكون ذلك شاملاً لعباد الله الصالحين.
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، والشهادة لله عز وجل بأنه الإله الحق الذي لا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، بل العبادة: إنما هي حقه فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له.
ومعنى: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أشهد أنه لا إله يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، وإلا فإن الآلهة الذين لا يستحقونها كثيرون، وكل من يعبد غير الله فإنما يعبد آلهة من دون الله، ولكن تلك الآلهة لا تنفع أصحابها، بل إنهم يتضررون من عبادتهم لها؛ لأنهم أشركوا بالله عز وجل غيره، والذي يعبد الله وحده هو الذي صرف العبادة لمن يستحقها، ولم يصرفها لغير من يستحقها، فإذا قال العبد: أشهد أن لا إله إلا الله، معنى ذلك: أنه يشهد بأن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة إلا له سبحانه وتعالى، فهو المعبود وحده لا شريك له، وكما أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، فلا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى، هو المتفرد بالخلق والإيجاد فهو الذي يستحق ويجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
والعبادة: هي كون الإنسان يصرف جميع أنواع العبادة لله عز وجل، فلا يستعيذ إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوجه في جميع أموره وجميع حوائجه إلا إليه سبحانه وتعالى كما قال في سورة الفاتحة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )[الفاتحة:5] أي: أنك أنت المستحق للعبادة وحدك لا شريك لك، وأنت المستعان، فيشهد العبد لله عز وجل بأنه الإله الحق الذي لا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، ثم بعد ذلك يشهد بأن محمداً عبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فيشهد له بالعبودية لله عز وجل والرسالة من الله عز وجل أرسله رحمة للعالمين، فهاتان الشهادتان هما أساس الدين، وهما أصل الدين، ولا يكون العبد مسلماً إلا إذا شهد لله بالوحدانية، وشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.
ومن مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله: أن يطاع في كل ما يأمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق في كل ما يخبر به، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته؛ فلا يعبد تبعاً للهوى، ولا بالبدع والمنكرات والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما تكون العبادة لله خالصة، ولسنة نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه موافقة، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض، رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )[الملك:2] فقال: العمل الأحسن هو الأخلص الأصوب، فالأخلص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان هما شرطا قبول العمل؛ لأن كل عمل يعمله العبد لا يقبل منه إلا إذا توفر فيه شرطان: أن يكون لله خالصاً، وأن يكون لسنة نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه موافقاً، فلا بد من الإخلاص، ولا بد من المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.
فالعبادة تكون لله خالصة، وتكون تلك العبادة طبقاً لما شرعه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وإذا اختل أحد هذين الشرطين فإن العمل يكون مردوداً، فإذا كان العمل ليس لله خالصاً فإنه لا يقبل، ولو كان العمل مطابقاً للسنة من حيث الفعل لكن لما دخله الشرك ودخله عدم الإخلاص فإنه لا ينفع، ولو كان العمل لله خالصاً، وقصد الإنسان حسناً ولكنه كان على خلاف السنة، وكان على وفق البدعة وعلى وفق الهوى فإنه أيضاً لا يقبل؛ لأنه لم يكن طبقاً لما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمسلم لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ورد) وفي رواية لـمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهي أعم من الرواية السابقة؛ لأنها تشمل العمل مطلقاً، سواء كان الذي عمله هو المحدث، أو أنه متابع لغيره في ذلك العمل المبتدع (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فإنه لا بد من هذين الشرطين، ولا بد من هذين الأمرين: إخلاص العمل لله، وأن يكون ذلك مطابق لسنة رسول الله، وهذا هو الذي يقال له: تجريد الإخلاص لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، تجريد الإخلاص لله وحده فلا يعبد مع الله غيره، وتجريد المتابعة للرسول، فالذي يطاع ويتبع وهو معصوم فيما يصدر منه هو رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، كما قال الله عز وجل: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى )[النجم:3] (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )[النجم:4]، وقال بعض العلماء: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، توحيد المرسل: وهو الله بالإخلاص وإفراده بالعبادة، وتوحيد الرسول: بالمتابعة، توحيد الرسول: وهو محمد عليه الصلاة والسلام يوحد بالمتابعة، بمعنى: أن الإنسان يسير طبقاً لما جاء به من الحق والهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو التشهد الذي بينه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لأصحابه وفيه امتثال قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[الأحزاب:56] فإن العبد إذا سلم هذا السلام على رسول الله في الصلاة، وفي التشهد كذلك صلى وسلم عليه، فإنه يكون بذلك ممتثلاً لقول الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[الأحزاب:56].
وقد جاء في بعض الأحاديث التي ستأتي في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: (قد علمنا كيف نسلم عليك -أي: في التشهد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته- فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وستأتي تلك الصيغ التي هي صيغ الصلاة على النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله ...)
قوله: [أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله].هو سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا سفيان].
وهو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش، لقب وقد ذكرت مراراًوتكراراً أن من الأمور المهمة في علم المصطلح معرفة ألقاب المحدثين، مثل الأعمش فإنه لقب لـسليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وفائدة معرفة الألقاب: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين؛ فيما إذا ذكر أحياناً باسمه, وذكر أحياناً بلقبه فإن من لا يعرف يظن أن سليمان بن مهران شخص وأن الأعمش شخص آخر، لكن من عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، إذا رآه جاء في بعض الأسانيد الأعمش أو رآه جاء في بعض الأسانيد سليمان فإنه يعلم بأن هذا هو هذا، وأنه ليس شخصاً آخر غير ذلك الشخص.
ومنصور هو ابن المعتمر الكوفي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شقيق بن سلمة].
هو شقيق بن سلمة الكوفي كنيته أبو وائل يأتي كثيراً في الأسانيد: أخبرنا أبو وائل ولا يذكر اسمه، وأحياناً يذكر اسمه ولا يذكر كنيته، كما ورد هنا فإن هنا قال: شقيق بن سلمة، وفي بعض الأسانيد يقول: أبو وائل، ولا يقول شقيق بن سلمة، وأبو وائل هو: شقيق بن سلمة، وهذا أيضاً مما يكون لمعرفته أهمية حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه وذكر بكنيته، فإن من لا يعرف أن صاحب الكنية هو شقيق بن سلمة يظن أن أبا وائل شخص، وأن شقيق بن سلمة شخص آخر، لكن من عرف أن هذه الكنية هي لصاحب هذا الاسم لا يلتبس عليه الأمر، ولا يظن الشخص الواحد شخصين، وشقيق بن سلمة، ثقة مخضرم أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مسعود].
هو الهذلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وهو من علماء الصحابة، وهو ليس أحد العبادلة الأربعة من الصحابة عند الإطلاق؛ لأنه متقدم الوفاة، والأربعة من صغار الصحابة وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، وبعض العلماء يقول: عبد الله بن مسعود أحدهم، ولكن الصحيح أنه ليس واحداً منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، وأما أولئك فهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا في زمن متقارب وأدركهم كثيرون من التابعين، ولم يدركوا زمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن مسعود، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن
شرح حديث ابن عباس: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا عبد الرحمن بن حميد حدثنا أبو الزبير عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) ].
أورد النسائي هنا هذه الترجمة: تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن، يعني: أنه حصل الاهتمام به، والعناية بتعليمه من رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، معناه: يحفظونه ويتعلمونه كما يتعلمون القرآن، وهذا فيه دلالة على أهمية التشهد وعظيم شأنه، وأنه يتعلم كما يتعلم المتعلم السورة من القرآن يعني: هذا يدل على أهميته وعلى الاهتمام به، حيث كان عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن وقد جاء في حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وجاء أيضاً في حديث ابن مسعود في بعض الروايات: (أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن).
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:09 AM
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].وهو الرهاوي وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الرحمن بن حميد].
هو عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا أبو الزبير].
وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس].
هو طاوس بن كيسان اليماني وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي دعا له النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأن يعرف تفسير كلام الله عز وجل، بأن يكون عالماً بكتاب الله عز وجل، وقد كان كذلك؛ فإن عمر رضي الله عنه وأرضاه، كان يقربه ويدنيه، ويجلسه مع كبار الصحابة، ولما قال له بعض الصحابة: كيف تأتي بـابن عباس ولنا أولاد مثله ولا تأت بهم ولا تجعلهم يأتون، فاختبره وطرح سؤالاً عليهم وعليه، وكان جوابه فيه الفهم وفيه الإصابة؛ فإنه لما سألهم عن قول عز وجل: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )[النصر:1-3] فالظاهر المتبادل أنه إذا جاء نصر الله والفتح، فإنه يسبح الله عز وجل ويعظم، لكن الذي فهمه ابن عباس هو اقتراب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا اختبره بحضورهم، وظهر دقة فهمه في كلام الله سبحانه وتعالى رضي الله تعالى عن ابن عباس.
وعبد الله بن عباس هو: أحد العبادلة الأربعة الذين أشرت إليهم آنفاً، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، هؤلاء هم العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء الصحابة السبعة -ستة رجال وامرأة واحدة- أكثر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام رواية عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وعبد الله بن عباس هو واحد منهم وهو من صغار الصحابة، لأنه كما جاء في بعض الأحاديث في حجة الوداع يقول: (كنت ناهزت الاحتلام)، جاء على حمار أتان والرسول صلى عليه وسلم يصلي بين الناس بمنى فقال: (وكنت قد ناهزت الاحتلام)، يعني: أنه قد ناهز البلوغ في حجة الوداع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.
كيف التشهد
شرح حديث: (إن الله عز وجل هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف التشهد.أخبرنا قتيبة حدثنا الفضيل وهو ابن عياض عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل هو السلام، فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير بعد ذلك من الكلام ما شاء)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيفية التشهد، يعني: الصيغة التي يكون عليها التشهد، والكيفية التي يكون عليها، وأورد فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهو مثل الرواية السابقة، إلا أن تلك أوردها لبيان إيجاب التشهد، وهنا أوردها لبيان كيفية التشهد؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: لا تقولوا السلام على الله ولكن ليقل أحدكم عند القعدة في الصلاة: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فهذه هي كيفية التشهد، وهذه هي صيغة التشهد التي علم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أصحابه إياها هذه كيفيتها، والنسائي أورد الحديث لبيان الكيفية، وهذه هي الكيفية: (التحيات والصلوات...) إلى آخر الحديث .
(ثم ليتخير من الدعاء ما شاء).
أي: يتخير بعد ذلك يأتي بالدعاء، والتشهد الأخير هو موطن من مواطن إكثار الدعاء، كما أن السجود أيضاً من مواطن الدعاء، فإن الدعاء يكثر في هذين الموطنين في التشهد -أي: الأخير- وفي السجود، كما جاء في الحديث: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم) .
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الفضيل].
وهو الفضيل بن عياض وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقوله: هو ابن عياض، هذه قالها من دون قتيبة، من دون تلميذ قتيبة وهو إما النسائي، أو من دون النسائي، وقد مر بنا مثل ذلك مراراً، وأن المراد بها: أنه من دون تلميذ زاد زيادة توضح الشخص الذي ذكر غير منسوب، لكنه ذكر بهذه الصفة، وهي أن يقال: هو ابن فلان؛ حتى يعرف أنها ليست من التلميذ وإنما هي من دون التلميذ.
[عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله].
وقد مر ذكرهم في حديث عبد الله بن مسعود المتقدم.
نوع آخر من التشهد
شرح حديث أبي موسى الأشعري في التشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد. أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن قتادة ح، وأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا هشام حدثنا قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أن الأشعري رضي الله عنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا فقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال (وَلا الضَّالِّينَ )[الفاتحة:7] فقولوا: آمين، يجبكم الله، ثم إذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، ثم إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة، فليكن من قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من التشهد، الذي مضى هو تشهد ابن مسعود وأورده من طريقين، وهنا أورد التشهد الذي جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو أنه قال:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا سنتنا) أي: الطريقة، السنة المراد بها: الطريقة التي نسير إلى الله عز وجل بها، وهي تشمل ما كان فرضاً وما كان مستحباً؛ لأن السنة تطلق إطلاقات: تطلق على كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى قوله: (من رغب عن سنتي فليس مني) فإن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما جاء به في الكتاب والسنة، وأيضاً تطلق السنة ويراد بها: ما يكون يذكر مع القرآن، كما إذا قيل: دل عليه الكتاب والسنة، تطلق ويراد بها حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا أخف من الأول؛ لأن الأول يشمل كل ما جاء من الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، كله قال: سنة، لكن السنة تطلق أيضاً على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وهي كل ما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من قول، أو فعل، أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي هذا يقال له: سنة، أي: حديث، وتطلق السنة عند الفقهاء على المأمور به غير الواجب، المأمور به أمر استحباب وليس أمر إيجاب، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يعني: لولا أن أشق عليهم لأمرتهم أمر إيجاب وأما أمر الاستحباب هو موجود، لكن الذي ما وجد هو كونه يجب عليه، (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) مع أنه ندبهم إلى السواك.
إذاً: المقصود بالسنة عند الفقهاء مثل المستحب، والمندوب، ترادف كلمة: مستحب، وكلمة: مندوب عند الفقهاء.
(فإذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا صفوفكم).
يعني: إذا أردتم القيام إليها، أو أردتم الدخول بها وقمتم إليها لتصلوا، كما هو معلوم أن الإقامة: أعلام الناس بالقيام إلى الصلاة، إذا أوتي بالإقامة معناه: طلب من الناس أن يقوموا للصلاة، فإذا قاموا يسوون الصفوف، إذا قمتم فسووا صفوفكم، سووها يعني: تراصوا فيها وتقاربوا، وأكملوا الصف الأول فالأول، ولا يكون فيها فرج، هذه تسوية الصفوف.
(ثم ليؤمكم أحدكم).
يعني: أن الجماعة لا بد لهم من إمام يتقدمهم ويصلي بهم.
(فإذا كبر فكبروا).
ثم إنه بين ما يعمله المصلون وراء إمامهم فقال: فإذا كبر فكبروا، إذا دخل في الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام أنتم كبروا وراءه، يعني: وليس لهم أن يكبروا قبله ولا معه، وإنما يكبرون بعده مباشرة، إذا انقطع صوته يكبرون، فيقولون: الله أكبر إذا فرغ من قول الله أكبر، (فإذا كبر فكبروا)؛ لأن الإمام جعل ليؤتم به فأنتم تابعوه، لا تسبقوه ولا توافقوه، ولكن تابعوه، فإذا كبر فكبروا، إذا قال: الله أكبر، وانقطع صوته من التكبير فقولوا: الله أكبر، وادخلوا في الصلاة.
(وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ )[الفاتحة:7] فقولوا: آمين).
(وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ )[الفاتحة:7]) في قراءة الفاتحة (فقولوا: آمين؛ يجبكم الله)؛ لأن (آمين) معناها: اللهم استجب، إذا قال الإمام (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ )[الفاتحة:7] فقولوا: آمين.
(ثم إذا كبر وركع فكبروا واركعوا).
إذا قال: الله أكبر وركع، أنتم كبروا واركعوا وتابعوه في القول والفعل، ويكون تكبيركم وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، لا تسبقوه بالتكبير والركوع ولا توافقوه، بل كونوا وراءه وكونوا بعده مباشرة وبدون موافقة وبدون تأخر طويل.
(فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) ثم قال: هذه بتلك، يعني: أنه هو يسبقكم في الركوع، ويسبقكم في القيام من الركوع، وأنتم تأتون وراءه عند الركوع وتتأخرون عنه يعني: بعد الركوع، فتلك بتلك، يعني: اللحظة التي سبقكم بها عند الركوع جاء عوضاً عنها اللحظة التي تأخرتم عنه عندما قام من الركوع، عندما قال: سمع الله لمن حمده وقام أنتم تنتظرونه حتى يفرغ من القول والقيام، ثم أنتم تأتون وراءه فيكون مقدار ركوعكم مقدار ركوعه، ولهذا قال: (فتلك بتلك) يعني: أن اللحظة التي سبقكم بها في الركوع جاء عوضاً عنها اللحظة التي تأخرتم عنه بها عند القيام من الركوع، (فتلك بتلك).
(وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)، (إذا قال: سمع الله لمن حمده) يعني: سمع بمعنى استجاب، (سمع الله لمن حمده) يعني: استجاب الله لمن حمده، ليس المقصود منها السمع، فإن السمع يكون لكل شيء، والله تعالى سميع بصير، لكن المراد بالسمع هنا الاستجابة، يعني: استجاب الله لمن حمده؛ ولهذا جاء عن بعض التابعين أو بعض سلف هذه الأمة، قيل له: ماذا تقول في معاوية بن أبي سفيان؟ فقال المسئول من السلف: ماذا أقول في رجلٍ صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام في الصلاة: سمع الله لمن حمده -أي: استجاب الله لمن حمده- فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد، ماذا أقول في رجل أكرم بصحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام عند رفعه من الركوع: سمع الله لمن حمده -أي: استجاب الله لمن حمده- ثم حمده معاوية وقال: اللهم ربنا لك الحمد، يعني: ماذا أقول فيه؟ يعني: أن هذا فضل وشرف لأصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، أن أكرمهم الله عز وجل بصحبته، وبتلقي السنن عنه وبالجهاد معه، وبالإتيان بالأعمال الجليلة التي عملوها في نصرة دين الله عز وجل، وتأييد رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
(ثم إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك)].
وهذا مثل ما حصل في الركوع، قال: (وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا).
(فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم) ثم قال: (فتلك بتلك) يعني: سجودكم مقدار سجوده تماماً، إلا أنه يسبقكم عند السجود وأنتم تتأخرون عنه عندما يقوم، تنتظرونه حتى يقوم من سجوده ويقول: الله أكبر، فاللحظة التي سبقكم بها حصل تعويض عنها باللحظة التي تأخرتم عنه بها لما قام من سجوده، فالكلام هنا كالكلام عند الركوع والرفع من الركوع.
(وإذا كان عند القعدة فليكن من قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
وهذا نوع آخر من التشهد، وهو مثل الذي قبله تماماً إلا في أوله، فإن الأول: (التحيات لله والصلوات والطيبات)، وهنا (التحيات الطيبات الصلوات لله).
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري في التشهد
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار، لقبه بندار، وهو البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ح، وأخبرنا محمد بن المثنى].
محمد بن المثنى (ح) هذه المراد بها: التحول من إسناد إلى إسناد، أو الانتقال من إسناد إلى إسناد، والإسناد الأول شيخ النسائي فيه محمد بن بشار، والإسناد شيخه فيه محمد بن المثنى، ومحمد بن المثنى هو: العنزي الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو مثل محمد بن بشار شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وكانت وفاة الاثنين: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات أي: (252هـ)، وقد اتفق هذان الشخصان محمد بن بشار ومحمد بن المثنى أيضاً في سنة الولادة فولدا في سنة واحدة، وماتا في سنة واحدة، وهما من أهل البصرة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ؛ ولهذا قال ابن حجر في ترجمة أحدهما قال: (وكانا كفرسي رهان) يعني: ما واحد يسبق الثاني، متماثلين سنة الولادة واحدة، وسنة الوفاة واحدة، والشيوخ متماثلون، والتلاميذ متماثلون، وكل منهم من أهل البصرة.
نوع آخر من التشهد
شرح حديث جابر بن عبد الله: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا أيمن بن نابل حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار).
قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ. وبالله التوفيق].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من التشهد، وأرد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه قال: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان أن علمهم وقال: باسم الله وبالله. التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله).
هو مثل تشهد ابن مسعود، إلا أنه يختلف بما فيه من الزيادات في أوله وفي آخره، الزيادات في أوله: (باسم الله وبالله)، وفي آخره: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار)، هذا هو الذي يختلف عما جاء في تشهد ابن مسعود، أوله: (باسم الله وبالله) وآخره: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار)، وهذا الحديث: النسائي نفسه قال: إنه خطأ، وقال: إنه لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وهو خطأ، وهو كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، وقد تفرد بهذا، ولم يتابعه على ذلك أحد، والنسائي نفسه الذي أخرج الحديث حكم بأنه خطأ.
فإذاً: هو غير صحيح وغير ثابت، أي: هذا التشهد.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عاصم].
هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين روى عنهم مباشرة، والنسائي لا يروي عنه إلا بواسطة، النسائي كما هو هنا فقد روى عنه بواسطة، وهو أبو عاصم مشهور بكنيته، وأبو عاصم اسمه: الضحاك بن مخلد، ولقبه النبيل، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أيمن بن نابل].
هو أيمن بن نابل المكي، وهو صدوق، يهم، أخرج حديثه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا أبو الزبير].
وقد مر ذكره قريباً.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والذين ذكرتهم آنفاً.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(238)


- (باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى (باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة)
إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقوقاً على أمته، ومن تلك الحقوق الصلاة والسلام عليه، وقد ورد في السنة أن الملائكة يبلغونه النبي صلى الله عليه وسلم.
السلام على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق حدثنا معاذ بن معاذ عن سفيان بن سعيد ح وأخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع وعبد الرزاق عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)].
يقول النسائي رحمه الله: باب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض النسخ: باب التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم: والسلام والتسليم لا فرق بينهما، إلا أن التسليم مصدر، والسلام اسم مصدر، كالبيان والتبيين والبلاغ والتبليغ، والسلام على الرسول عليه الصلاة والسلام، هو أيضاً مثله الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه يصلى ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة تبلغ الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر النسائي هذا الحديث في السلام، وجاء في حديث آخر فيه ذكر الصلاة، وأن ذلك يبلغه عليه الصلاة والسلام، ولو كان الإنسان يصلي في مكان بعيد، أو يسلم في مكان بعيد، ولو كان في أماكن في أقصى الأرض، فإن الملائكة الموكلة بنقل ذلك توصل الصلاة والسلام إلى الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام) هذا الحديث يدل على عظم شأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن المصلي المسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا حصل منه ذلك في أي مكان من الأرض، فإن الملائكة السياحين يبلغون ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفيه: التنبيه إلى كثرة الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وأن الملائكة تبلغ ذلك إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
وفيه: بيان عظم منزلة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو ما أكرمه الله عز وجل به من أمر المؤمنين، بأن يصلوا ويسلموا عليه، وأن الملائكة تبلغه ذلك السلام، عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم إن الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، من حقه على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه، عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى بعثه رحمة للعالمين، بعثه بالنور والهدى والحق الذي من سار عليه وصل إلى الجنة، وانتهى إلى العاقبة الحسنة، فمن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته، أن يصلوا ويسلموا عليه، عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاءت أحاديث كثيرة تدل على فضل الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وفيها الحث على الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث فيه الدلالة على أن الإنسان يصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام، ويسلم عليه، والملائكة تبلغ ذلك إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
ومن حق الرسول عليه الصلاة والسلام على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه، وأن يكثروا من ذلك؛ لأن الله تعالى ساق على يديه لهم نعمة عظيمة، وهي: نعمة الإسلام، نعمة الخروج إلى الإسلام، إلى النور، التي هي أجل النعم، وأفضل النعم، وخير النعم، فمن حقه عليه الصلاة والسلام على أمته -وقد ساق الله تعالى على يديه هذه النعمة العظيمة- أن يحبوه محبة تفوق محبة أي مخلوق، ولو كان الأب، والأم، والابن، والبنت، والصديق، والقريب، وسائر الناس؛ لأن النعمة التي ساقها الله على يديه، لا يساويها نعمة، ولا يماثلها نعمة، نعمة الإسلام، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ لأن الوالدين لهم فضل على الولد، وهما سبب وجوده، وحقهم عليه عظيم، وقد قرن الله تعالى حق الوالدين بحقه سبحانه وتعالى، لكن محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، يجب أن تكون أعظم من محبة الوالدين، ومحبة الأولاد، والأصدقاء، والأقرباء، والناس أجمعين؛ لأن كل من أسدى إليك نعمة من البشر، وكل من حصل منه إحسان إليك، فإنه لا يداني ولا يقارب الإحسان الذي حصل لك على يدي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو الخروج من الظلمات إلى النور والهداية إلى الصراط المستقيم.
فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين) يعني: معناه أنهم يسيحون في الأرض، وينتشرون فيها، يأخذون الصلاة والسلام عليه، فيبلغونه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.
وهذا أيضاً فيه الإيمان بالملائكة، وأن الملائكة موكلون بأعمال، ومن أعمال بعضهم: هذا الانتشار الذي يكون في الأرض، لتبليغ الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، السلام الذي يسلم عليه من أي مكان من الأرض، فإن ذلك يبلغ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فالملائكة الإيمان بهم من أصول الإيمان الستة، التي بينها عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فيؤمن الإنسان بالملائكة، وأنهم خلق من خلق الله، وأن الله تعالى وكل إليهم أعمالاً يقومون بها، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ففيهم الموكلون بنقل الصلاة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيهم الموكلون بالوحي، وفيهم الموكل بالقطر، وفيهم الموكل بالموت، وفيهم الموكل بالجبال، وفيهم الموكل بالجنة، وفيهم الموكل بالنار، وفيهم الموكل بالحفظ، والموكل بالكتابة، أعمال كثيرة جاءت بالكتاب والسنة، هي من أعمال الملائكة، فيؤمن العبد بكل ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام من ذكر الملائكة وذكر الأعمال التي أنيطت بهم، والتي يقومون بها امتثالاً لأمر الله عز وجل، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وهذا الحديث من جملة الأحاديث الكثيرة، الدالة على الإيمان بالملائكة، وأن لهم أعمالاً جاء بيانها وإيضاحها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهذا الحديث يدلنا على أن الإنسان سلامه يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، من كل مكان ولو كان في أقصى الأرض، ولا يكون السلام عند قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون من كل مكان، الإنسان يصلي ويسلم عليه، والملائكة تبلغ ذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا فإن ما يفعله بعض الناس من أنهم إذا رأوا أحداً قدم إلى المدينة، أو اتجه إلى المدينة يقول له: سلم لي على الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أبلغ سلامي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا غير مشروع، هذا ما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي جاءت به السنة: أن الإنسان يكثر من الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في أي مكان من الأرض، وهذا الحديث يدل على أن الملائكة تبلغ السلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا جاء في الحديث: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) يعني: أن الإنسان يصلي من أي مكان، ويسلم من أي مكان، على الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك يبلغ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والجمع بين الصلاة والتسليم عليه، صلى الله عليه وسلم هو الأكمل والأفضل؛ لأن الله تعالى يقول: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56]، فإذا ذكر الإنسان النبي عليه الصلاة والسلام، يصلي ويسلم عليه جميعاً، فلا يصلي عليه فقط ولا يسلم عليه فقط، وإنما يجمع بين الصلاة والسلام عليه، كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه العزيز في قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56]، فيقول: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام عند ذكره.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام)
قوله: [أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الحكم].عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا معاذ بن معاذ].
هو معاذ بن معاذ العنبري البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان بن سعيد].
وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو، وصف رفيع، من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وهو فقيه، محدث، حجة، إمام، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ح وأخبرنا محمود بن غيلان].
ثم قال النسائي: ح وأخبرنا، وحاء هذه يؤتى بها للتحول، علامة على التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن النسائي رحمه الله لما ذكر الإسناد عن شيخه عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق عن معاذ بن معاذ عن سفيان بن سعيد تحول إلى إسناد آخر، فقال: ح وأخبرنا محمود بن غيلان وهو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود.
[حدثنا وكيع وعبد الرزاق].
وكيع، هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني، وهو ثقة، مصنف، صاحب كتاب المصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من جملة الذين وصفوا بالتشيع، لكن تشيعه، أنه كان يقدم علياً على عثمان في الفضل، وهذه مسألة خلافية بين أهل السنة، وجمهورهم على أن عثمان أفضل، وجاء عن بعضهم وهم قليلون منهم: عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، والأعمش، وابن خزيمة، قالوا: إن علياً أفضل، وهذا التقديم إنما هو في الفضل، وليس بالخلافة؛ لأن الخلافة، العلماء متفقون على أن عثمان أولى بالخلافة؛ لأن الصحابة قدموه، ومن اعترض على تقديمه - أي: تقديم عثمان - ورأى أن غيره أولى منه، فقد اعترض على فعل الصحابة الذين هم أعلم، والذين هم أدرى وهم أخبر، ولهذا جاء عن بعض العلماء: (من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية: أن تقديم علي على عثمان في الفضل هذه مسألة خلافية بين أهل السنة، لا يبدع من يقول بها، وإنما الذي يبدع من قال بالتقديم في الخلافة، وأنه أولى منه بالخلافة؛ لأن معناه إنكار الذي فعله الصحابة، وأن الصحابة عملوا أمراً غير صحيح، فمن رأى أنه أولى منه بالخلافة، فهذا هو الذي يبدع، أما من رأى أنه أفضل منه، وليس أولى منه بالخلافة، فهذا قول قال به بعض أهل السنة ومنهم: عبد الرزاق الذي معنا، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الرجل، لأنه كما هو معلوم يجوز أن يولى المفضول، مع وجود الفاضل، كون علي أفضل من عثمان، ومع ذلك قدم عثمان على علي، في رأي هؤلاء معلوم، أن المفضول قد يولى مع وجود الفاضل، فليس بلازم أن يكون كل من ولي أفضل ممن ولي عليه، ومن المعلوم أن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولي على الجيش في ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر وعمر، وهذه الولاية لا تدل على التفضيل، فالذين قالوا بأن علياً أفضل، لا يقولون بأنه أولى منه بالخلافة، ، لكن المعروف والمشهور عند أهل السنة، تقديم عثمان على علي، وهذا هو الذي كان معروفاً عند الصحابة، وكانوا كما جاء عن ابن عمر في الحديث الذي في صحيح البخاري يقول: (كنا نخير بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينكره) فهذا التفضيل الذي كان بين الصحابة يدل على أن عثمان أفضل من علي رضي الله تعالى عن الجميع.
[عن سفيان].
هو ابن سعيد بن مسروق الثوري، الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عبد الله بن السائب].
يعني: سفيان في الإسنادين، لأن الإسنادين يلتقيان عند سفيان، أعني: إسناد محمود بن غيلان الثاني، وإسناد عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق في الإسناد الأول، يلتقيان عند سفيان الثوري، عن عبد الله بن السائب الكندي وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي.
[عن زاذان].
وهو زاذان الكندي، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المهاجرين الأولين هاجر الهجرتين، وهو من علماء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:15 AM
فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث: (يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا إسحاق بن منصور الكوسج أخبرنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت أنه قدم علينا سليمان مولى الحسن بن علي زمن الحجاج فحدثنا عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقلنا: إنا لنرى البشرى في وجهك، فقال: إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الترجمة معقودة لبيان فضل الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وأن صاحبها يؤجر عليها بحيث تكون صلاته بعشر، وتسليمه بعشر، فيصلي الله عليه، بصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يصلي عليه بها عشراً، ويسلم عليه بتسليمه على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، يسلم عليه بها عشراً، وقد أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليهم أي: على جماعة من أصحابه وفي وجهه البشرى، يعني: يظهر على وجهه البشر والسرور، فعرفوا ذلك في وجهه عليه الصلاة والسلام وسألوه، فقالوا: إننا نرى في وجهك البشرى، فقال عليه الصلاة والسلام: [(قال: إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً)].
فهذا دال على فضل الصلاة عليه، وفضل التسليم عليه، صلى الله عليه وسلم، وأن فاعل ذلك، يثيبه الله عز وجل بأن يصلي عليه، ومن المعلوم أن صلاة الله عز وجل على رسوله ثناؤه عليه، وكذلك صلاة الله على العبد ثناؤه عليه في الملأ الأعلى (أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً) فهذا واضح الدلالة على أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، يثيبه الله تعالى بهذا الثواب، والحسنة بعشر أمثالها، فالصلاة بعشر صلوات، والتسليم بعشر تسليمات؛ لأن الله يسلم عليه عشراً، كما سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم واحدة، وقد جاء مثل ذلك في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً) فهو دال على ما دل عليه هذا الحديث الذي معنا، هذا الحديث الذي رواه النسائي مثله ما جاء في صحيح مسلم، في بيان فضل الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاءت أحاديث عديدة جمعها الحافظ ابن حجر في كتابه: فتح الباري، عند شرح حديث الصلاة على الرسول الصلاة الإبراهيمية، جمع الأحاديث التي هي صحيحة أو حسنة، وقال بعد أن ذكرها: إن هناك أحاديث كثيرة، منها ما هو موضوع، ومنها ما هو ضعيف، وفي ما صح وثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما يغني ويكفي عما ليس بصحيح، وكثير من الأحاديث التي تروى، وتأتي في الكتب التي تجمع بين كل ما هب ودب، يأتون بالأحاديث الضعيفة والموضوعة في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الأمر كما قال الحافظ ابن حجر في الأحاديث الصحيحة ما يغني ويكفي، عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك، الدالة على فضل الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) وكذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) وذكر الحافظ ابن حجر أحاديث عديدة منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، يكفي ويغني، ولا حاجة إلى الأخذ بالأحاديث الضعيفة، أو التمسك بالأحاديث الضعيفة، فإن الأخذ بما ثبت وصح يغني ويكفي عما لم يثبت ولم يصح.
يقول أبو طلحة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليهم وفي وجهه البشرى، يعني: أنه مسرور يظهر عليه السرور، وذلك لما ظهر على وجهه من ذلك، فسألوه عن هذا الذي ظهر على وجهه، فأخبرهم وأنه قد فرح وسر بهذا الخبر، الذي جاء به الملك من الله عز وجل، وهو: أن الله عز وجل يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد، إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد، إلا سلمت عليه عشراً، فهذا فيه الحث على الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان فضل الصلاة على الرسول والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم وأن الحسنة بعشر أمثالها.
تراجم رجال إسناد حديث: (يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور الكوسج].إسحاق بن منصور الكوسج المروزي والكوسج لقب، والمروزي نسبة، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، هو مثل: محمود بن غيلان الذي تقدم قريباً، فإن كلاً منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[أخبرنا عفان].
وهو ابن مسلم الصفار البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
وهو ابن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، يعتبر أثبت الناس في حديث ثابت، وهو هنا يروي عن ثابت البناني، وحماد بن سلمة بن دينار البصري، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا ثابت].
وهو ابن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنه قدم علينا سليمان مولى الحسن بن علي].
سليمان مولى الحسن بن علي، ويقال له: سليمان الهاشمي؛ لأنه ينسب إلى الحسن بن علي يعني: مولى الحسن بن علي بن أبي طالب، فيقال له الهاشمي؛ لأنه هاشمي بالولاء، فيقال له: سليمان الهاشمي، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه مجهول، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: أنه صحح حديثه ابن حبان، والحاكم. والألباني قال: إنه حسن، ومن المعلوم أن الحديث الذي أشرت إليه، هو في صحيح مسلم هو شاهد له، وهو دال على ما دل عليه (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً) فهو دال على ما دل عليه ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وحديثه أخرجه النسائي وحده.
[عن عبد الله بن أبي طلحة].
وهو المدني، وهو قد ولد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ووثقه ابن سعد، وحديثه أخرجه مسلم، والنسائي، وهو أخو أنس بن مالك لأمه، فـعبد الله بن أبي طلحة، أمه أم سليم أم أنس بن مالك فهو أخو أنس بن مالك لأمه.
[عن أبيه].
أبو هو أبو طلحة، وهو زيد بن سهل مشهور بكنيته زيد بن سهل الأنصاري، كنيته أبو طلحة، وهو مشهور بها، أكثر شهرة من اسمه، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية وهو أبو طلحة، وكذلك أولاده ينسبون إليه فيقال: ابن أبي طلحة، فهو مشهور بالكنية، وحديثه أي: حديث أبي طلحة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
التمجيد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام
شرح حديث فضالة بن عبيد في التمجيد والصلاة على النبي قبل الشروع في الدعاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن أبي هانئ أن أبا علي الجنبي حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد رضي الله عنه يقول: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجلت أيها المصلي، ثم علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع تجب وسل تعط)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، التمجيد لله عز وجل، والثناء عليه، والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، والمقصود من ذلك: أن الداعي يمهد بين يدي دعائه، بالثناء على الله، وبالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا من أسباب قبول الدعاء، وقد أورد النسائي حديث فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (عجلت أيها المصلي)، ثم علم أصحابه أنهم يأتون بين يدي الدعاء بالثناء على الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سمع رجلاً يصلي فمجد الله وحمده، وصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (ادع تجب وسل تعط)، فهذا يدلنا على أن من أسباب قبول الدعاء: أن يمهد له، وأن يكون بين يديه الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وفي هذا الحديث، بيان استحباب والحث على أن يسبق الدعاء، الصلاة والسلام على رسول الله، وقبل ذلك التمجيد لله عز وجل، ومن المعلوم أن من المواطن التي تكون في الصلاة، ويكون فيها الدعاء هي في التشهد الأخير، وكذلك في السجود، فإنه في السجود جاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)، وكذلك في التشهد، جاء أن الرسول عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء) (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) يعني: بعد ما يأتي بالتشهد، ويأتي بالصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن التشهد فيه حمد لله وثناء عليه؛ لأن (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثناء على الله عز وجل وتعظيم له وتمجيد، و: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) فيه سلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، و: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) فيه صلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يأتي بالدعاء وراء هذا الثناء، وبعد هذه الصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وكذلك في السجود يكثر الإنسان من الدعاء، وكذلك يعظم الله عز وجل، كما ورد تسبيح الله عز وجل، يقول: سبحان ربي الأعلى، فإن هذا من تعظيم الله عز وجل وتمجيده، فإذا سبح الله، وصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام، وأكثر من الدعاء، والسجود من مواطن إكثار الدعاء، وهو أيضاً من المواطن التي يستجاب فيها الدعاء؛ لأنه جاء في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فإذا سبق ذلك ثناء على الله، وتعظيم لله وصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم دعا فإن ذلك يكون من أسباب أو حري بأن يستجاب للإنسان، وأن يحصل له القبول، وقد جاء في الحديث: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: حري أن يستجاب لكم-).
ثم أيضاً صلاة الجنازة لما كان الميت وهو على وشك المواراة في قبره، شرعت صلاة الجنازة، وصلاة الجنازة المقصود منها الدعاء، ولكن قبل الدعاء يأتي: الحمد لله والصلاة على رسوله، في قراءة الفاتحة، التي فيها حمد وثناء لله عز وجل، ثم بعد ذلك الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك الدعاء، تكون هذا الموطن، أو هذه الحالة التي العبد أحوج ما يكون فيها إلى دعاء الداعين، شرع قبل الدعاء له في الصلاة أن يؤتى بحمد الله والصلاة على رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ويفهم من الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام خاطبه وهو في الصلاة؛ لأنه قال: (عجلت أيها المصلي)، وذاك قال: (ادع تجب وسل تعط).
تراجم رجال إسناد حديث فضالة بن عبيد في التمجيد والصلاة على النبي قبل الشروع في الدعاء
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].
وهو المرادي المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، هذا هو محمد بن سلمة المرادي المصري، شيخ النسائي، وهناك محمد بن سلمة، وهو أيضاً باهلي من طبقة شيوخ شيوخه، وقد خرج له مسلم، فإذا جاء محمد بن سلمة، في شيوخ النسائي فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة في طبقة شيوخ شيوخه فالمراد به الباهلي.
[حدثنا ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هانئ].
هو حميد بن هانئ، وهو لا بأس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي علي].
هو أبو علي الجنبي، وهو عمرو بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن فضالة بن عبيد].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:18 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(239)

- (باب الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى (باب نوع آخر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
شرع للمسلم الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في كل وقت وحين؛ ومنه وقت التشهد في الصلاة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كيفية ذلك؛ وهناك روايات تجمع الصلاة على النبي وآله وإبراهيم وآله، وأخرى فيها الصلاة على النبي وآله وآل إبراهيم، وكلها ثابتة.
الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث أبي مسعود الأنصاري في الأمر بالصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن نعيم بن عبد الله المجمر أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري وعبد الله بن زيد الذي أري النداء بالصلاة أخبره عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله عز وجل أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم)].
يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
ومراد النسائي بهذه الترجمة أنه جاء الأمر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن يصلوا عليه وقال لهم: [قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد]، بعد أن سألوه عن كيفية الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وهذا السؤال الذي سألوه إياه قد جاء في القرآن الأمر بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن الكيفية التي ينفذون بها ما أمروا به في قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الأحزاب:56]، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرص على السؤال عن أمور الدين، ومعرفة أحكام الشرع، والنسائي أورد تحت هذه الترجمة حديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى جماعة من أصحابه وهم في مجلس سعد بن عبادة سيد الخزرج من الأنصار، فقال له أحدهم أو قالوا له: [كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فسكت رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى تمنوا أن ذلك السائل لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم]، وذلك السائل جاء في الحديث أنه بشير بن سعد، وبشير بن سعد هو والد النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، فتمنوا أنه لم يسأله، وذلك لما رأوا من سكوته، فخشوا أن يكون كره ذلك، وأن هذا السؤال لا ينبغي، فكون النبي عليه الصلاة والسلام سكت مدة لم يجب على هذا السؤال، كرهوا وجود هذا السؤال، وخشوا أن يكون هذا من الأسئلة التي لا ينبغي السؤال عنها، فأجابهم النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: [قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم] يعني: كما علموا في التشهد الذي أرشدوا فيه أن يقولوا: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فقد جاء في التشهد كيفية السلام على الرسول عليه الصلاة والسلام وهي: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، وقد جاء في بعض الروايات: (قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟) قد علمنا كيف نسلم عليك بكونهم يقولون: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، [فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد].
وهذا الذي حصل من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام -كون بعضهم سأله هذا السؤال- يدلنا على اهتمام أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة أمور الدين، وسؤال النبي عليه الصلاة والسلام عما يحتاجون إلى الإجابة عليه، وهذا يدلنا على فضلهم، ونبلهم، وكمالهم، وحرصهم على معرفة أمور الدين، وأنهم يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام، عما يشكل عليهم وعما يحتاجون إلى معرفة جوابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله في أول الحديث: [أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة) فهذا يدلنا على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يجلسون في المجالس، ويتذاكرون فيها العلم، ويتحدثون فيها عما يريدون أن يتحدثوا فيه، من الأمور التي يناسب التحدث فيها، فإن الحديث يقول: [كنا في مجلس سعد بن عبادة فأتانا رسول الله عليه الصلاة والسلام]، وفيه: إتيان الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه في مجالسهم، وهذا من تواضعه عليه الصلاة والسلام، وكماله صلى الله عليه وسلم؛ أنه يأتي إلى أصحابه ويزورهم ويغشاهم في مجالسهم، فيجلس معهم ويحدثهم ويسألونه فيجيبهم عما يسألون عنه.
وسعد بن عبادة هو سيد الخزرج كما أن سعد بن معاذ سيد الأوس، فكانوا في مجلسه، والنبي عليه الصلاة والسلام أتاهم وهم في مجلس ذلك السيد الذي هو سيد الخزرج رضي الله تعالى عنه، ثم إن هذه صيغة من صيغ الصلاة الإبراهيمية التي هي: [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد]، فهذه صيغة من صيغ الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاءت عن هذا الصحابي الذي هو أبو مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وقد جاءت في ذلك صيغ عديدة عن جماعة من الصحابة سيأتي ذكر بعضها أي: بعض هذه الصيغ التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أكمل الصيغ هي الصلاة التي جمع فيها بين ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله، وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، هذه هي أكمل الصلوات أو أكمل الصلاة الإبراهيمية؛ التي فيها الجمع بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله، وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وقد جاءت في بعض الأحاديث من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود الأنصاري في الأمر بالصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.
ومحمد بن سلمة المرادي المصري هو من طبقة شيوخ النسائي، ويماثله في الاسم واسم الأب محمد بن سلمة الباهلي، وهذا متقدم على المصري، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي يروي عنه النسائي بواسطة، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فالمراد به الباهلي، وهذا هو المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[والحارث بن مسكين].
هو المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وقال النسائي: [قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له]، أي: واللفظ للحارث بن مسكين؛ لأنه ذكر شيخين: محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، وهما مصريان، إلا أن اللفظ للشيخ الشامي؛ وهو الحارث بن مسكين.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، الراوي عنه الحديث والفقه، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في صحيحه، وأبو داود في كتاب المراسيل، والنسائي.
[حدثني مالك].
هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة من مذاهب أهل السنة، وهو محدث، فقيه، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نعيم بن عبد الله المجمر].
نعيم بن عبد الله المجمر يقال له المجمر؛ لكونه يجمر المسجد ويأتي بالطيب؛ العود الذي يوضع على الجمر، ويظهر منه رائحة طيبة، فكان يجمر المسجد فلقب بهذا اللقب، أو وصف بهذا الوصف، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري].
هو محمد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وأبوه هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، الذي أري الأذان في منامه، فأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فأمره بأن يلقيه على بلال ليؤذن بذلك الأذان، وهو ليس من رجال الإسناد -الذي هو عبد الله- وإنما ذكرت جملة اعتراضية عندما ذكر ابنه محمد بن عبد الله بن زيد قال النسائي: [وعبد الله بن زيد الذي أري الأذان في الصلاة] فهي جملة اعتراضية، وكلمة (أخبره) ترجع إلى محمد، يعني: عن نعيم المجمر، أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره، وجاءت جملة اعتراضية فيها بيان أن أباه هو صاحب الأذان، وإلا فإنه ليس من الرواة في هذا الإسناد، فالصواب في الضبط أو بالشكل، أن عبد الله مرفوع الدال، وليست مفتوحة، ليس معطوفاً على ابنه وإنما هذه جملة اعتراضية مبتدأ وخبر.
[عن أبي مسعود].
أبو مسعود الأنصاري هو عقبة بن عمرو الأنصاري، صحابي جليل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي مسعود.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:21 AM
كيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث أبي مسعود في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا زياد بن يحيى حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد حدثنا هشام بن حسان عن محمد عن عبد الرحمن بن بشر عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (أمرنا أن نصلي عليك ونسلم، أما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك، قال: قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب كيف الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام.
أورد فيه حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفيه أنه قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: [أمرنا الله بالصلاة والسلام عليك، أما السلام فقد عرفنا، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم] وهذه صيغة مختصرة فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بدون ذكر آله، وفيها ذكر آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم، ومن المعلوم أن آل إبراهيم إذا ذكروا فإنه يدخل فيهم إبراهيم؛ لأنه يدخل هو وآله، لكن جاء في بعض الأحاديث الجمع بين إبراهيم والآل، كما جاء فيها بين محمد صلى الله عليه وسلم والآل، فهنا فيه ذكر محمد وليس فيه ذكر آله، والتي بعدها فيها ذكر آل إبراهيم وليس فيها ذكر إبراهيم، لكن كما قلت: إبراهيم يدخل في آل إبراهيم، بخلاف محمد فإنه لا يدخل في آل محمد، إلا إذا جاء التنصيص عليهم.
وهذه الصلاة الإبراهيمية فيها ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الصلاة على آل إبراهيم، وفي بعضها الجمع بين النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وفيه أنه طلب للنبي عليه الصلاة والسلام صلاة كالصلاة التي لإبراهيم وآله عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر هنا إشكال؛ وهو أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام أفضل من إبراهيم، والحديث جاء فيه أنه طلب صلاة على محمد تشبه الصلاة على إبراهيم، قالوا: ومن المعلوم أن المشبه دون المشبه به، مع أن هنا المشبه وهو رسول الله أعظم من المشبه به، فكيف يوجه هذا الإشكال الذي ورد؛ وهو: أنه طلب للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وآله صلاة تشبه أو تماثل الصلاة التي حصلت لإبراهيم وآله، والمشبه دون المشبه به مثلما يقال: فلان كالبدر، يعني: المشبه دون المشبه به. فهذا الإشكال ذكر، ولكن أجاب عليه العلماء بأجوبة كثيرة؛ منها: بل هو من أوضحها: أنه ليس المقصود التشبيه، وإنما المقصود: هو أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، وجدت الصلاة عليهم وحصلت الصلاة عليهم، وقد طلب لأن يحصل للنبي عليه الصلاة والسلام وآله صلاة كما أنه قد حصل صلاة على إبراهيم وآله، وليس المقصود أن يطلب صلاة تشبه الصلاة، أو أن فيه تشبيه للصلاة على إبراهيم.
إذاً: فمعنى هذا أن المقصود هو أنه طلبت الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وآله، كما أن الصلاة قد حصلت ووجدت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، وليس المقصود صلاة تشبه الصلاة، أو أن المشبه يكون دون المشبه به.
وقيل: إن قوله: [اللهم صل على محمد] يكون انتهى الكلام هنا، ثم يأتي كلام مستأنف، يعني: [وصل على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم]، فيكون المشبه إنما هو آل محمد بإبراهيم وآل إبراهيم، وقيل أيضاً في الجواب عن هذا الإشكال: إن محمد صلى الله عليه وسلم هو من آل إبراهيم، فيكون له نصيب خاص حيث طلب أن يصلى عليه، وأيضاً له من الصلاة على آل إبراهيم؛ لأنه من آل إبراهيم، فيكون له نصيبه الذي جاء على سبيل الاستقلال، ونصيبه الذي يأتيه من كونه من آل إبراهيم، فيكون أكثر وأعظم من إبراهيم؛ لكونه طلب له صلاة وأيضاً له نصيب من الصلاة على آل إبراهيم، فإذا ضم نصيبه من الصلاة على آل إبراهيم وهو منهم على الصلاة التي طلبت له يكون أعلى وأرفع من إبراهيم، وأجابوا عن ذلك بأجوبة عديدة لكن هذه أظهرها، والذي يظهر أن الأول هو أظهر هذه الأقوال؛ وهو أنه ليس المقصود التشبيه، وإنما المقصود أن يوجد على محمد الصلاة؛ لأن الصلاة قد وجدت على إبراهيم وآله عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود في كيفية الصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا زياد بن يحيى].هو زياد بن يحيى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد].
هو الثقفي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[حدثنا هشام بن حسان].
هو هشام بن حسان البصري، وهو ثقة، من أثبت الناس في محمد بن سيرين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو ابن سيرين البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن بشر].
هو عبد الرحمن بن بشر البصري، وهو الأزرق، وقال عنه الحافظ: مقبول، وأخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي. ومقبول كما هو معلوم يحتاج إلى الاعتضاد، ومن المعلوم أن حديث أبي مسعود جاء في الإسناد الذي قبل هذا من غير طريقه، فهو ثابت من غير هذا الطريق من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، فكونه مقبولاً لا يؤثر؛ لأنه وجد من الطرق لنفس الحديث عن أبي مسعود ما يقويه، بل ما هو أقوى منه، ولا يحتاج إلى تقوية ذاك، ولكن هذا هو الذي يحتاج إلى تقوية، فغيره مما هو ثابت يقوي ما جاء في هذا الإسناد من جهة كون الرجل وصف بأنه مقبول يحتج به عند الاعتضاد.
[عن أبي مسعود].
قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
نوع آخر من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام
شرح حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار من كتابه حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن سليمان عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: (قلنا: يا رسول الله! السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال ابن أبي ليلى: ونحن نقول: وعلينا معهم، قال أبو عبد الرحمن: حدثنا به من كتابه وهذا خطأ].
[أخبرنا القاسم بن زكريا حدثنا حسين عن زائدة عن سليمان عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه قال: (قلنا: يا رسول الله! السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد).
قال عبد الرحمن: ونحن نقول: وعلينا معهم. قال أبو عبد الرحمن: وهذا أولى بالصواب من الذي قبله، ولا نعلم أحداً قال فيه عمرو بن مرة غير هذا. والله تعالى أعلم].
ذكر النسائي نوع آخر من كيفية الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهو ما جاء عن كعب بن عجرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكره النسائي من طريقين بإسنادين متماثلان، إلا أن في أحدهما سليمان الأعمش في الأول يروي عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفي الإسناد الثاني سليمان الأعمش يروي عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقال في الأول: إنه خطأ، وقال في الثاني: إنه أولى بالصواب؛ لأن الحكم بن عتيبة هو المعروف بالرواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في هذا الحديث، قال النسائي: ولا أعلم أحداً ذكر فيه عمرو بن مرة يعني: في هذا الإسناد، أو في طريق هذا الحديث إلا هذا، أي: الذي حدثهم به القاسم بن زكريا بن دينار من كتابه وفيه هذا اللفظ الذي هو عمرو بن مرة.
وحدثهم ليس من كتابه، وهو على الجادة وعلى الرواية المشهورة وهي رواية الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال: إن الرواية الثانية أولى بالصواب، وهي الأكمل من حيث اللفظ؛ لأن الرواية الأولى: [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ،كما صليت على آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد]، أما الرواية الثانية التي هي رواية الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ففيها الجمع بين النبي محمد عليه الصلاة والسلام وآله، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وذلك أنه قال: [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد]، فهي أكمل صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهي التي فيها الجمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وآله، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وقد جاءت الرواية من حديث كعب بن عجرة في صحيح البخاري، وأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين له، وجاء في بعض الروايات أنه قال: قلت: بلى فاهدها إلي، فقال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، ففيها الجمع بين النبي محمد عليه الصلاة والسلام وآله، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وتلك الرواية وإن كان فيها هذا الخطأ إلا أنها ثابتة المتن من طرق متعددة من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي قوله: [أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار من كتابه].يعني: أنه حدثه من كتابه، وبهذا الإسناد، والقاسم بن زكريا بن دينار، ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا حسين بن علي].
هو الجعفي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان].
هو ابن مهران الكاهلي الأعمش، لقبه الأعمش، يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره بلقبه الأعمش في كثير من الروايات، وقد عرفنا أن من فوائد معرفة ألقاب المحدثين ألَّا يظن التعدد فيما إذا ذكر باسمه مرة وبلقبه مرة أخرى، فمن لا يعرف أن الأعمش لقبه سليمان بن مهران يظن أن الأعمش شخص وسليمان بن مهران شخص آخر، فبمعرفة ذلك يندفع توهم التعدد للأشخاص، مع أن الراوي أو المذكور في الإسناد هو شخص واحد، يذكر باسمه أحياناً ويذكر بلقبه أحياناً أخرى، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
هو الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ].
هو المدني ثم الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كعب بن عجرة].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي مشهور وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
أما الإسناد الثاني فهو مثله، إلا أنه ليس فيه ذكر الكتاب وفيه ذكر الحكم يروي عنه سليمان بن مهران الكاهلي، والحكم يروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحكم هو ابن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وبقية الإسناد هم نفس رجال الإسناد السابق.
شرح حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى قال لي كعب بن عجرة ألا أهدي لك هدية قلنا: (يا رسول الله! قد عرفنا كيف السلام عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)].هنا أورد النسائي حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه من طريق أخرى، وفي أوله أنه قال لـعبد الرحمن بن أبي ليلى: [ألا أهدي لك هدية؟]، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على تبليغ السنن، وبذل العلم ونشره، وتشويقهم إلى تلقيه وإلى آخذه؛ لأن كون كعب بن عجرة رضي الله عنه يلقى عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو من التابعين فيقول: [ألا أهدي لك هدية].
يعني: كونه يصف الحديث الذي سيحدثه به بأنه هدية يدلنا على اهتمامهم بنشر العلم، وعلى بذله وأنهم يتهادون العلم، بل هو أنفس هداياهم؛ لأنها هدايا الخير، وهدايا الهدى والتبصير بأمور الدين، ولذلك هذا يدلنا على عظم شأن بذل العلم عندهم، وحرصهم على بذله وترغيبهم في بذله؛ لأن قوله: [ألا أهدي لك هدية]، كون كعب يخاطب عبد الرحمن يعني: يلفت نظره إلى أن يستعد ويتهيأ لمعرفة هذا الشيء الذي وصف أنه هدية، هذه الهدية الثمينة التي أراد أن يلقيها عليه، قدم لها بهذا الذكر؛ حتى يحصل منه التشوق والتشوف والاستعداد والتهيؤ وحتى يستوعبها؛ لأن هذا من الأساليب الذي سيحدث عنده استعداد تام وتهيؤ، وهذا من كمالهم، ونبلهم، وفضلهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهم خير هذه الأمة، التي هي خير الأمم، فأفضل هذه الأمة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذا هو حرصهم ورغبتهم الشديدة في تبليغ العلم ونشر السنن، فلهم الأجر على ما عملوه، وعلى ما قاموا به من العمل، وعلى بذل العلم ونشره، ولهم مثل أجور من استفاد خيراً بسببهم، وعمل بالعلم الذي جاء عن طريقهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا من أسباب كونهم خير هذه الأمة؛ لأن كل علم، وكل هدى حصل للناس، واستفاد منه الناس إلى قيام الساعة، إنما جاء عن طريق أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ولهذا فإن محبتهم دليل الإيمان، ودليل الصدق بالإيمان؛ لأن هؤلاء هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث الذي معنا يدل على كمال حرصهم على تبليغ السنن، واتخاذهم الأساليب المشوقة المرغبة إلى تلقيها، وإلى تفهمها وإلى إتقانها وإجادتها رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ثم ذكر الحديث الذي هو الهدية النفيسة التي أراد كعب أن يهديها إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمة الله عليه، وهي: كيفية الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد]، وهذه الصيغة ليس فيها الجمع بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، ولكنها -كما قلت- جاءت في الرواية السابقة التي قبل هذه وجاءت في صحيح البخاري بهذا اللفظ: [ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟]، ثم قال لفظ الحديث الذي هو الهدية، وكان فيه الجمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وآله وبين إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله.
تراجم رجال إسناد حديث كعب بن عجرة في كيفية الصلاة على النبي من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، هكذا قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، ثم يلتقي الإسناد عند الحكم، يعني: مع الإسناد الذي قبله، فيكون سليمان الأعمش رواه عن الحكم، وشعبة أيضاً رواه عن الحكم.
الأسئلة

حكم البسملة في الوضوء
السؤال: ما حكم البسملة في بداية الوضوء؟الجواب: البسملة مشروعة جاءت بها السنة (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فيسمى الله عند البدء في الوضوء.
حكم رفع الأصبع بعد الوضوء
السؤال: ما حكم رفع الإصبع بعد الوضوء؟الجواب: ما أعلم شيئاً في الرفع، لكن الإنسان عندما يتشهد ويذكر الله عز وجل فإنه يشير بإصبعه، وقد جاء في الحديث الذي فيه أن الرجل الذي كان يخطب الجمعة، ويرفع يديه فأنكر عليه ذلك الصحابي وقال: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بأصبعه)، فالإنسان إذا تشهد وإذا ذكر الله ورفع أو أشار بإصبعه فإن ذلك سائغ.
حكم زيادة لفظ (سيدنا) في التشهد
السؤال: هل يجوز لنا أن نزيد في الصلاة الإبراهيمية لفظ: (سيدنا) كأن نقول: اللهم صل على سيدنا.. إلى آخره؟الجواب: الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه هو سيدنا وهو سيد البشر، وسيد الخلق، عليه الصلاة والسلام، وقد قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأنا أول شافع وأول مشفع) هكذا جاء الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وكونه سيدهم يوم القيامة، مع أنه سيدهم في الدنيا والآخرة لأن ذلك اليوم يظهر السؤدد على الأولين والآخرين، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، فهو عليه الصلاة والسلام سيدنا، ولكن الألفاظ الشرعية التي علم الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه إياها يؤتى بها كما علمهم إياها فيأتي بها الإنسان: [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد]، نعم هو سيدنا وسيد البشر، لكن الألفاظ الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ الإنسان بها، وهكذا فعل أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم يأتون بالصيغ كما علمهم إياها، ولا يزيدون عليها؛ لأن هذه الروايات التي يروونها ما أضافوا إليها هذه الكلمة، والأحاديث التي تأتي كثيراً في الكتب تنتهي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فما كانوا يقولون: قال: قال سيدنا رسول الله، نعم هو سيدنا لكن ما كانوا يفعلون هذا الفعل، وكونهم لا يقولون ذلك ليس فيه أنهم ما عندهم الاحترام للرسول صلى الله عليه وسلم، فهم يحبونه، ويحترمونه أعظم مما يحصل من غيرهم ممن جاء بعدهم؛ لأنهم أحرص الناس على كل خير، وهم السباقون إلى كل خير رضي الله عنهم وأرضاهم، فالتقيد بألفاظ الأحاديث الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام والإتيان بها كما علمهم إياها هذه هي السنة التي فعلها أصحابه الكرام وتبعهم من تبعهم بإحسان.
معنى: (أنا سيد ولد آدم)
السؤال: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؟الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين للناس كل ما يحتاجون إليه، حتى ما يجب أن يعتقد في حقه بينه.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:24 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(240)

- تابع نوع آخر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
لقد علمنا رسول الله عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة عليه، وجاءت على صيغ متعددة منها المطول ومنها المختصر، وأجمعها وأحسنها الصلاة الإبراهيمية التي نقولها في التشهد من الصلاة.
نوع آخر من الصلاة على النبي
شرح حديث طلحة بن عبيد الله في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا محمد بن بشر حدثنا مجمع بن يحيى عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (قلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)].
فالترجمة السابقة هي: كيف الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والمراد من ذلك بيان: الكيفية أو الصيغة التي علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إياها عندما سألوه عن كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وقد عرفنا في الدرس الماضي أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم حريصون على كل خير، وهم السباقون إلى كل خير، وكانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عما يؤمرون به في الكتاب والسنة، وقد جاء الأمر في كتاب الله عز وجل في سورة الأحزاب: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56]، فإن الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أخبر أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ملائكته يصلون عليه صلى الله عليه وسلم، وأمر المؤمنين بأن يصلوا ويسلموا عليه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد علم أصحابه كيفية السلام عليه؛ وذلك في التشهد الذي علمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فكانوا قد علموا كيف يسلمون عليه، فسألوه كيف يصلون عليه عليه الصلاة والسلام، وذلك السؤال منهم لتنفيذ ما أمروا به في قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56]، فإنه قد علمهم كيف يسلمون، فسألوه كيف يصلون فأجابهم بأجوبة منها هذا الجواب في هذا الحديث الذي أورده النسائي عن طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه أنهم قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: (كيف نصلي عليك يا رسول الله؟! قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذه الكيفية للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هي أكمل الكيفيات، وهي التي فيها الجمع بين محمد عليه الصلاة والسلام وآله وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، وقد جاءت من طرق متعددة، أي: الجمع بين الصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام وآله والنبي إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله جاء في عدة أحاديث من حديث كعب بن عجرة الذي فيه أن كعباً قال لـعبد الرحمن بن أبي ليلى: (ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: خرج علينا رسول الله عليه الصلاة والسلام فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وحديث طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه أيضاً هو بمعنى أو بلفظ حديث كعب بن عجرة، حيث أن فيه الجمع بين الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله والصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله.
وقد مر بنا جملة من الروايات من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه ومن حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث من طريق أو من رواية طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه.
وقد مر بنا أن في الحديث إشكال وهو تشبيه الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، مع الصلاة على إبراهيم مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام أفضل من إبراهيم وأعظم شأناً من إبراهيم، وقد عرفنا أن للعلماء في ذلك أجوبة، وأن من أوضحها أنه لا تشبيه، وإنما المقصود: أن الصلاة وجدت ووقعت وحصلت بإبراهيم وآله، فطلب أو أمر المسلمون بأن يطلبوا من الله عز وجل أن يصلي على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، كما أنه قد صلى على إبراهيم وآله فإنه يسأل الله عز وجل أن يصلي على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام وآله، وليس المقصود تشبيه صلاة بصلاة، أو أن صلاة تشبه صلاة، وإنما الصلاة على إبراهيم وآله وقعت ووجدت وحصلت، والمسلمون يسألون الله عز وجل لنبيهم محمد عليه الصلاة والسلام من الله عز وجل أن يصلي عليه وعلى آله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وصلاة الله عز وجل على نبيه هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، هذا هو أصح ما قيل في معنى صلاة الله على نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهي أنه يذكره عند الملائكة ويثني عليه، وينوه بشأنه، وذلك تعظيم للرسول عليه الصلاة والسلام وتنويه بشأنه وإعلاء لدرجته ورفعة لمنزلته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وعرفنا أيضاً أن كون المسلمين يصلون على النبي عليه الصلاة والسلام هذا من حقه عليهم، وقد ساق الله على يديه أعظم نعمة وهي نعمة الإسلام، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، فمن حقه على أمته أن يصلوا ويسلموا عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث طلحة بن عبيد الله في كيفية الصلاة على النبي
قوله: [إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، وهو: محدث فقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل كونه يقال للشخص: أمير المؤمنين في الحديث، وقد حصل هذا الوصف لعدد قليل من المحدثين منهم: إسحاق بن راهويه هذا، ومنهم: البخاري، ومنهم: شعبة بن الحجاج، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: الدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف الرفيع الذي هو الوصف بأمير المؤمنين في الحديث.
وإسحاق بن راهويه هذه الزيادة التي في آخر الاسم وهي الواو والياء والهاء، يأتي كثيراً في بعض الأسماء المختومة بمثل هذا اللفظ للمحدثين فيه إطلاق، وللغويين فيه إطلاق، أما إطلاق المحدثين فهم يأتون به على أن الواو ساكنة وما قبلها مضموم والياء بعدها مفتوحة وبعدها هاء، فيقولون: راهويه، الهاء مضمومة والواو ساكنة والياء مفتوحة وفي آخره الهاء.
أما اللغويون فإنهم يقولون راهويه يكون مختوماً بكلمة ويه، يعني: الاسم مختوم بهاء، فيقولون راهويه نفطويه، وغير ذلك من الألفاظ التي يؤتى بها على هذا السياق، فإن الواو عند اللغويين تكون مفتوحة والياء بعدها ساكنة بعدها الهاء.
وإسحاق بن راهويه كما أنه محدث قد وصف بهذا الوصف واللقب الرفيع وهو أمير المؤمنين في الحديث، فهو من العلماء المجتهدين من الفقهاء الذين جمعوا بين الفقه والحديث، وحديثه أي: حديث إسحاق بن راهويه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا محمد بن بشر].
هو محمد بن بشر العبدي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مجمع بن يحيى].
وهو: صدوق، أخرج له مسلم، والنسائي.
[عن عثمان بن موهب].
هو عثمان بن عبد الله بن موهب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
[عن موسى بن طلحة].
هو موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه طلحة بن عبيد الله].
وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام أحد العشرة المبشرين بالجنة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة في حديث واحد، حيث سردهم وقال عن كل واحد منهم أنه في الجنة، فقال: (أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبي عبيدة بن الجراح في الجنة)، عشرة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبر بأنهم من أهل الجنة، وذلك في حديث واحد، ولهذا يقال لهم العشرة المبشرين بالجنة، وعند سلف هذه الأمة أنهم يفضلون الأربعة الخلفاء الراشدين أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة ومنهم طلحة بن عبيد الله الذي هو الراوي لهذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديث طلحة بن عبيد الله أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وقد شهد رسول الله عليه الصلاة والسلام لأناس آخرين من أصحابه الكرام بالجنة، منهم: بلال، ومنهم: الحسن والحسين، وفاطمة، ومنهم: ثابت بن قيس بن شماس، وعكاشة بن محصن، وعدد آخر من الصحابة جاء في أحاديث متفرقة عن كل واحد منهم أنه من أهل الجنة، ولكن غلب إطلاق لفظ العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنهم بشروا بها في حديث واحد، ولا يعني ذلك أنه لا يبشر غيرهم أو لم يبشر غيرهم لما قيل: العشرة المبشرون بالجنة فالعدد ليس له مفهوم، وإنما المقصود: أنهم سردوا في حديث واحد وبشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث طلحة بن عبيد الله في كيفية الصلاة على النبي من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد حدثنا عمي حدثنا شريك عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن رجلاً أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف نصلي عليك يا نبي الله؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)].أورد النسائي حديث طلحة بن عبيد الله من طريق أخرى، وهو يختلف عن الطريق السابقة من جهة أن الطريق السابقة وفيها الجمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وآله وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله، أما هذه الطريق ففيها ذكر محمد عليه الصلاة والسلام وآله وذكر إبراهيم دون آله، ثم في الطريق السابقة أنه قال: (قلنا: يا رسول الله!) وهنا (أن رجلاً سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام)، ولا تنافي بين قوله: (قلنا) وبين قوله: (أن رجلاً) فيمكن أن يكون تحدثوا فيما بينهم قبل أن يأتيهم النبي عليه الصلاة والسلام ما هي الصيغة التي يصلون بها على النبي عليه الصلاة والسلام وينفذون بها أمر الله عز وجل في قول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56]، وتولى السؤال رجل واحد منهم، ولكن الرغبة هي من الجميع، والتذاكر في الموضوع كان من الجميع، ولكن كون الذي باشر السؤال واحد نسب إليه، وفي بعض الروايات: (قلنا: يا رسول الله) لا تنافي بين قوله: (قلنا) وبين: (أن رجلاً)؛ لأن الرجل هو الذي باشر وتولى السؤال، والباقون رغبتهم هي رغبته ومطلوبهم هو مطلوبه، ويمكن أن يكون حصل منهم التذاكر في الأمر وأنهم يريدون أن يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن السؤال حصل من واحد والباقون تبع له في ذلك؛ لأن رغبة الجميع واحدة، فهذا به يتبين أنه لا تنافي بين قوله: (قلنا) في الرواية السابقة وبين قوله في هذه الرواية: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم). تراجم رجال إسناد حديث طلحة بن عبيد الله في كيفية الصلاة على النبي من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبيد الله].هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، لم يخرج له مسلم، ولا ابن ماجه.
[يروي عن عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد] هذا هو عمه، وهو ثقة، فاضل أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شريك].
وهو ابن عبد الله النخعي القاضي الكوفي وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عثمان بن موهب عن موسى بن طلحة عن أبيه].
وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث زيد بن خارجة في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في حديثه عن أبيه عن عثمان بن حكيم عن خالد بن سلمة عن موسى بن طلحة قال: سألت زيد بن خارجة قال: أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)].أورد النسائي هذا الحديث وهو من طريق زيد بن خارجة رضي الله تعالى عنه، وأنه سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: (اجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، وهذه صيغة مختصرة للصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي من أخصر الصيغ، والمشهور عند المحدثين التي يستعملونها وكذلك الصحابة التي يستعملونها عندما يأتي ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يصلون ويسلمون عليه، فيجمعون بين الصلاة والسلام عليه، كما نجد أن أواخر الأسانيد تنتهي إلى ذكر الصحابي يضيف الحديث إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيقول الصحابي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو أن رسول الله عليه الصلاة والسلام فعل كذا، أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فأخصر صيغة للصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هي صيغتان: صلى الله عليه وسلم، وعليه الصلاة والسلام، هاتان صيغتان مختصرتان فيهما الجمع بين الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، ولهذا يوصي المحدثون عند كتابة الحديث بأن يجمع بينهما فيقال: صلى الله عليه وسلم، أو يقال: عليه الصلاة والسلام، فلا يقال: صلى الله عليه فقط دون أن يقال: وسلم، ولا يقال: عليه السلام دون أن يقال: عليه الصلاة والسلام، بل يجمع بين الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم امتثالاً لقول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )[الأحزاب:56] فالصلاة والتسليم عليه بأن يقال وهي أخصر الصيغ: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام، فهم يوصون كتبة الحديث بأن يكتبوها كاملة ليست منقوصة لا من حيث المعنى ولا من حيث الرمز والصيغة، فمن حيث المعنى لا يقولون: صلى الله عليه دون أن يقال: وسلم، ولا يقال: عليه السلام دون أن يقال: عليه الصلاة، وإنما يقال: عليه الصلاة والسلام أو صلى الله عليه وسلم، ولا أن يرمز لها بحروف عند الكتابة مثل رمز (ص) أو (صلعم) مثل ما يوجد في بعض الكتب، بل يحذرون من ذلك، وقد قال الفيروزأبادي في كتابه: الصلاة والبشر في الصلاة على خير البشر صلى الله عليه وسلم قال: (وليحذر أن يكتب عند ذكره عليه الصلاة والسلام (صلعم) كما يفعله الكسالى وعوام الطلبة) الذين يحصل منهم التساهل والتهاون بأن يكتبوا هذه الرموز بدلاً من صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام، فيوصون بأن تكون كاملة من حيث المعنى، لا منقوصة بأن يصلى عليه ولا يسلم أو يسلم ولا يصلى عليه، بل يصلى ويسلم عليه عليه الصلاة والسلام، ولا أن يرمز له بحرف واحد مثل (ص) أو حروف مجموعة وهي (صلعم) يعني: رمزاً عن صلى الله عليه وسلم وإنما يأتي بها مكتوبة كاملة صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام، وهذه الصيغة هي للصلاة عليه عليه الصلاة والسلام وهي: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
وقد ذكرت فيما مضى أن أكمل الصلوات على الرسول عليه الصلاة والسلام الصلاة التي فيها الجمع بين محمد عليه الصلاة والسلام وآله وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله والتي جاءت من طريق بعض أصحابه مثل: كعب بن عجرة كما جاء في صحيح البخاري، ومثل: طلحة بن عبيد الله كما مر بنا في سنن النسائي.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:27 AM
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن خارجة في كيفية الصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد].هو سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي وهو ثقة، ربما أخطأ وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[يروي عن أبيه].
وأبوه يحيى بن سعيد الأموي، وهو صدوق، يغرب وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة يحيى بن سعيد القطان؛ لأنهم من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، من طبقة شيوخ شيوخ النسائي؛ لأن النسائي هنا يروي عن سعيد بن يحيى عن يحيى، ويروي النسائي عن يحيى بن سعيد القطان بواسطة، فهما في طبقة واحدة، لكن يميز بين يحيى بن سعيد القطان والأموي أن يحيى بن سعيد الأموي كثيراً ما تأتي روايته من طريق ابنه سعيد كما هنا، فإن سعيد بن يحيى بن سعيد يروي عن أبيه يحيى بن سعيد الأموي، فهما أي: القطان والأموي الاسم واسم الأب متفقان في طبقة واحدة، وهي طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.
[عثمان بن حكيم].
هو عثمان بن حكيم بن عباد وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن خالد بن سلمة].
صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن موسى بن طلحة].
وهو الذي روى عن أبيه في الإسنادين السابقين وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن خارجة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وحديثه أخرجه النسائي وحده.
نوع آخر من الصلاة على النبي
شرح حديث أبي سعيد الخدري في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا قتيبة حدثنا بكر وهو ابن مضر عن ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (قلنا: يا رسول الله، السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم)].
أورد النسائي نوع آخر من كيفية الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو أنهم سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن كيفية الصلاة عليه وقد ذكر في السؤال أنهم عرفوا كيف يسلمون عليه وذلك في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم) فإنه في الأول فيه ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم، والثانية ذكر محمد عليه الصلاة والسلام وآله وإبراهيم دون آله.
وفيه فيما لم يتقدم وصف الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه عبد الله ورسوله، وهذان الوصفان من أخص أوصافه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أرشد بأن يوصف بهما حيث قال عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) ومعنى كونه عبد: أي أنه عبد لله يعبد الله عز وجل ويتقرب إليه بالطاعات، والعبد لا يعبد فإنما هو عابد وليس بمعبود، فهو عبد لا يعبد، والوصف الثاني رسول والرسول لا يكذب بل يصدق، ويطاع، ويتبع، فهو عبد عابد لله عز وجل ولا يعبد ولا يصرف له شيء من أنواع العبادة، وهو رسول يصدق ويؤمن بما جاء به، ويمتثل كل ما أمر به وينتهى عن كل ما نهى عنه ويصدق في أخباره، فهو عبد لا يعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، والله عز وجل ذكر وصف العبودية له في أشرف المقامات في إنزال القرآن وفي الإسراء والمعراج وفي تلاوة القرآن كما قال الله عز وجل: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ )[الإسراء:1] وقال: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ )[الفرقان:1]، ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ )[الجن:19] وصف رسول الله عليه الصلاة والسلام بوصف العبودية في أشرف المقامات، فهو عبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى أن يطلق عليه هذان الوصفان وهو وصف العبودية والرسالة، وهما من أخص أوصافه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه
وكذلك جاء في الحديث أيضاً وصفه بذلك، في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله) إلخ الحديث، فجمع لمحمد عليه الصلاة والسلام أنه عبد الله ورسوله ولعيسى بأنه عبد الله ورسوله، وذلك أن النصارى غلت في عيسى عليه الصلاة والسلام حتى عبدوه مع الله، وحتى جعلوه ثالث ثلاثة، وهو عبد الله ورسوله، والرسول عليه الصلاة والسلام هو عبد الله ورسوله، وكل منهما عبد لله ورسول لله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهما وعلى سائر النبيين والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في كيفية الصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن بكر].
وهو ابن مضر المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[وهو ابن مضر].
هذه زيادة ممن دون قتيبة إما النسائي أو من دون النسائي، وذلك أن قتيبة الذي هو تلميذه لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن مضر وإنما يقول: بكر بن مضر، ينسبه كما يريد لأنه شيخه، فلا يحتاج إلى أن يقول: هو، لكن لما كان قتيبة عند روايته هذا الحديث بهذا الإسناد ما زاد على كلمة بكر الذي دون قتيبة وهو النسائي أو من دون النسائي أرادوا أن يبينوا من هو بكر هذا، فأضافوا نسبته ولكن أتوا بصيغة تبين أنه ليست من التلميذ وإنما هي ممن دون التلميذ وهي كلمة (هو ابن مضر).
[عن ابن الهاد].
وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويقال له: ابن الهاد ؛ لأن جده كان يشعل النيران في الفلاة من أجل اهتداء الناس إلى الطريق.
وهو ثقة، مكثر، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن خباب].
هو عبد الله بن خباب الأنصاري المدني وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد].
وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو مشهور بكنيته ونسبته أكثر من اشتهاره باسمه، فيقال: أبو سعيد الخدري، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء السبعة معروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا يقول السيوطي في الألفية مشيراً إلى هؤلاء السبعة:
والمكثرون من رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
نوع آخر من الصلاة على النبي
شرح حديث أبي حميد الساعدي في كيفية الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي أخبرني أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: (يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته -في حديث الحارث: كما صليت على آل إبراهيم- وبارك على محمد وأزواجه وذريته قالا جميعاً: كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، قال أبو عبد الرحمن: أخبرنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر].
أورد النسائي نوع آخر من الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام وهو من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه وهو أنهم سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف الصلاة عليه؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته في حديث الحارث: كما صليت على إبراهيم.
[قال: في حديث الحارث: كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، قالا جميعاً: كما باركت على آل إبراهيم].
الحديث جاء من طريق شيخين للنسائي هما قتيبة بن سعيد، والحارث بن مسكين، والحارث بن مسكين روايته هي الكاملة التي لا نقص فيها وهي: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم)، أما رواية قتيبة فإنه قال: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم)، معناه أنه سقط منه شطر أي: جزء؛ لأن فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآل إبراهيم، ثم دعاء بالبركة على النبي صلى الله عليه وسلم وآل إبراهيم، وحديث الحارث بن مسكين فيه الجمع بين محمد عليه الصلاة والسلام وأزواجه وذريته وآل إبراهيم في الموضعين، وأما قتيبة بن سعيد فإن فيه سقط؛ لأن أوله صلاة وآخره بركة، اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، قال النسائي: أخبرنا به قتيبة مرتين ولعله سقط منه الشطر، يعني: جزء منه في الوسط يتعلق بآخر الصلاة وأول البركة، آخر الدعاء بالصلاة وأول الدعاء بالبركة، فصار في رواية قتيبة التي أثبتها النسائي ذكر أول الصلاة وآخر البركة، والحارث بن مسكين فيه الصلاة والبركة في كل من محمد صلى الله عليه وسلم وأزواجه وكذلك آل إبراهيم، وهذه الصيغة فيها بدلاً عن الآل ذكر الأزواج والذرية، ففيه دلالة على دخول الأزواج في الآل، وكذلك الذرية؛ لأنه قال في بعض الروايات: (محمد وآل محمد)، وفي هذه الرواية: (محمد وأزواجه وذريته)، فهي مشتملة على تفسير للآل.
تراجم رجال إسناد حديث أبي حميد الساعدي في كيفية الصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد مر ذكره.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو: ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ورواية قتيبة عنه عالية؛ لأن قتيبة عمر، لأنه ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وهي سنة مائة وخمسين، وعاش تسعين سنة، فتوفي قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة؛ لأنه توفي سنة مائتين وأربعين والإمام أحمد توفي سنة مائتين وواحد وأربعين، فكانت ولادته في السنة التي مات فيها أبو حنيفة ووفاته في السنة التي قبل وفاة الإمام أحمد؛ ولهذا لقي من لم يلقه غيره ممن كان مات في السنة التي مات فيها وقريب منها، ولهذا يروي عن مالك ومالك توفي سنة مائة وتسعة وسبعين، لأن عمر قتيبة لما توفي مالك تسع وعشرون سنة؛ لأن ولادته سنة مائة وخمسين ولهذا يروي عن مالك.
بكر بن مضر مات قبل مالك بخمس سنوات أو ست سنوات، ومع ذلك قتيبة، أدرك مالك وأدرك من كان أكبر من مالك، ممن توفي قبل مالك.
[الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع].
هو الحارث بن مسكين المصري.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
عن مالك، وهنا يتبين أن الطريق الثانية أنزل من الطريق الأولى؛ لأن الطريق الأولى بين النسائي وبين مالك شخص واحد، وهنا بين النسائي وبين مالك شخصين وهم: الحارث بن مسكين، وعبد الرحمن بن القاسم، فالطريق الأولى عالية والطريق الثانية نازلة.
[حدثني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم].
هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني القاضي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم].
وهو المدني، وقيل: إن اسمه كنيته وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الستة.
[عن عمرو بن سليم الزرقي].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أبي حميد الساعدي].
وهو المنذر بن سعد بن المنذر مشهور بكنيته أبي حميد وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم تغيير الشيب بالسواد
السؤال: ماحكم تغيير الشيب بالسواد؟الجواب: تغيير الشيب بالسواد لا يجوز؛ لأنه جاء في ذلك النهي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وجاء الوعيد على من فعل ذلك، فهو غير سائغ وغير جائز، بل يغير بغير السواد كما جاء في قصة أبي قحافة والد أبي بكر أنه لما رأى رأسه يلوح بياضاً قال عليه الصلاة والسلام: (غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد).
المجزئ في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد
السؤال: هل يجزئ أن أقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ولا نزيد على ذالك؟الجواب: نعم يجزئ أن يقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، لكن الإتيان بالأكمل هو الأكمل والأفضل، وقد عرفنا أن الأكمل هو الجمع في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام بين النبي عليه الصلاة والسلام وآله وإبراهيم صلى الله عليه وسلم وآله كما جاء في حديث كعب بن عجرة وكما جاء في حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنهما.
ما يقوله الحاج عند رمي الجمار
السؤال: هل يأتي الذي يرمي الجمرات: باسم الله الله أكبر أم يقول: الله أكبر فقط؟الجواب: الذي ورد هو التكبير أنه يكبر عند كل حصاة، لكن التسمية لا أدري عنها ما أستطيع أن أقول فيها شيئاً.
التوقيت في الصوم للمتمتع
السؤال: متى يكون صيام المتمتع في الحج، هل يجوز قبل يوم التروية أم بعد أيام التشريق؟الجواب: يجوز قبل يوم التروية، لكن إذا كان الإنسان يغلب على ظنه قبل يوم عرفة يجوز قبل يوم عرفة، أما يوم عرفة فالحجاج يكونون مفطرين ولا يكونون صائمين ليتقووا على العبادة وليكون عندهم في ذلك اليوم نشاط لا يكونون صائمين قبل أن يدب إليهم الكسل فيحصل لهم النوم أو السأم، وإنما يكون لهم نشاط يتقوون به على ذكر الله عز وجل، والإقبال على الدعاء والابتهال إليه سبحانه وتعالى في ذلك الموقف العظيم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان مفطراً ولم يكن صائماً وهو القدوة والأسوة عليه الصلاة والسلام، فالإنسان له أن يصوم قبل يوم عرفة يوم التروية والأيام التي قبله، وله أن يصوم أيام التشريق، وإذا بقي عليه شيء يأتي به في أيام التشريق؛ لأنه رخص في أيام التشريق أن يصمن لمن لم يجد الهدي، له أن يصوم لأن أيام التشريق لا يجب صومها مثل يوم العيد، لكن رخص لمن لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:29 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(241)
- (باب الفضل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) إلى (باب الذكر بعد التشهد)
لقد بين الشرع فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بعد الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة يدعو المصلي ويتخير في الدعاء، وأن الأفضل في الدعاء أن يثني على الله ويمجده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وبعدها يدعو بما شاء.
الفضل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث: (... أما يرضيك يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله يعني: ابن المبارك حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن سليمان مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشر يرى في وجهه فقال: إنه جاءني جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: أما يرضيك يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشراً)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الفضل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يريد بذلك أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام لها شأن ولها فضل وفيها أجر عظيم وثواب جزيل من المولى سبحانه وتعالى، وذلك أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أرسله الله رحمة للعالمين، ودل أمته على كل خير وحذرها من كل شر، وأخرجها الله به من الظلمات إلى النور، فمن حقه عليها أن تصلي وتسلم عليه عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في هذا الحديث وفي غيره ما يدل على عظم شأن الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، وكثرة ثوابها وجزائها عند الله عز وجل، وأن الله تعالى يثيب من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرة أن يصلي عليه بها عشراً، ومن سلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يسلم عليه بذلك عشراً، فيكون المسلم يجمع بين الصلاة والتسليم على النبي عليه الصلاة والسلام، والله تعالى يثيب من حصل منه ذلك بأن يحصل له مضاعفة الأجر وأن تكون تلك الصلاة بعشر صلوات من الله عز وجل وفي ذلك أجر عظيم وثواب جزيل من الله سبحانه وتعالى.
وقد أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري زيد بن سهل رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى أصحابه والبشر يعلو وجهه، يعني: مسروراً يظهر عليه السرور والفرح، فسألوه، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام بأن جبريل جاءه وقال: أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد إلا صلى الله عليه عشراً، وأن لا يسلم عليه أحد إلا سلم الله عليه عشراً، أي: أن الحسنة بعشر أمثالها، والصلاة بعشر صلوات، والسلام بعشر منه، بأن يسلم عليه عشر مرات بأن يحصل له ذلك عشر مرات، والصلاة هي ثناء الله عز وجل على عبده بالملأ الأعلى، والسلام هو تسليم الله عز وجل لعبده وحصول السلامة له، وحصول مقتضى اسم الله عز وجل الذي فيه الخير والبركة للعبد الذي حصل منه الصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالحسنة بعشرة أمثالها وهذا دال على عظم شأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك السلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... أما يرضيك يا محمد أن لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشراً...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر المروزي].وهو ثقة، حافظ، أخرج له الترمذي، والنسائي.
يروي عن [عبد الله بن المبارك].
وهو المروزي ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، هكذا قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب، وهو ثناء عظيم على هذا الرجل العظيم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وكلمة يعني: ابن المبارك الذي قالها النسائي أو من دون النسائي وليس سويد بن نصر الذي هو تلميذه؛ لأن سويد بن نصر لا يحتاج إلى أن يقول: ابن المبارك، وإنما يقول: عبد الله بن المبارك، وينسبه كما يريد، لكن الذي يحتاج إلى أن يصفه أو يبين شيئاً يوضحه ويزيل اللبس عنه لحصول الاشتباه في الأسماء هو من دون التلميذ، وهو إما النسائي أو من دون النسائي، وكلمة (يعني) هذه جملة لها فاعل ولها قائل، ففاعلها ضمير مستتر يرجع إلى سويد بن نصر، وقائلها هو النسائي أو من دون النسائي، أي: قال النسائي أو من دونه: يعني: سويد بن نصر بقوله: عبد الله عبد الله بن المبارك، هذا هو المراد بهذه الكلمة، ومثلها كلمة (هو ابن فلان) تأتي كثيراً في الأسانيد، وفي بعضها يأتي: (يعني: ابن فلان)، والمراد بها أن الزيادة التي حصلت لتوضح الاسم جاءت ممن دون التلميذ، ولما جاء بها من دون التلميذ لم ينسبه فيقول: عبد الله بن المبارك؛ لأنه لو كان كذلك ظن أن هذا لفظ التلميذ، لكن أتى بلفظ يوضح أن هذا اللفظ ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ ليبين من هو ذلك الرجل المهمل الذي لم ينسب وهو عبد الله في رواية سويد بن نصر المروزي عنه.
[حدثنا حماد بن سلمة].
هو حماد بن سلمة بن دينار البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني البصري وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان مولى الحسن بن علي].
سليمان مولى الحسن يقال له: الهاشمي مولاهم، وقد قال عنه الحافظ في التقريب أنه مجهول، وسبق أن مر الحديث في الأبواب القريبة الماضية وذكرت أن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته في تهذيب التهذيب أن الحديث صححه ابن حبان، والحاكم، وأن الشيخ الألباني قال عنه أنه حديث حسن.
[عن عبد الله بن أبي طلحة]
عبد الله بن أبي طلحة ولد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهو أخو أنس بن مالك، وهو ثقة، فهو الذي حنكه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فله رؤية ويعتبر من كبار التابعين من حيث الرواية، فالذين لهم رؤية وليست لهم رواية يعتبرون من كبار التابعين، ويكونون معدودين في الصحابة من حيث الرؤية، وهو أخو أنس بن مالك لأمه أم سليم، وأبوه أبو طلحة، وعبد الله بن أبي طلحة أخرج له مسلم، والنسائي.
[عن أبيه].
أبوه أبو طلحة الأنصاري هو زيد بن سهل مشهور بكنيته أبو طلحة وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام مشهور بهذه الكنية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. شرح حديث: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى على واحدة صلى الله عليه عشراً)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً)، وهو مثل حديث أبي طلحة المتقدم فيما يتعلق بجزئه الأول؛ لأن فيه ذكر الصلاة، ومن المعلوم أن الصلاة يجمع فيها بين الصلاة والتسليم، وقد يؤتى بها بدون التسليم فيما إذا أتي بالصلاة الإبراهيمية وليس معها تسليم، لكن إذا أتى بها مختصرة مثل: صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام فإن الله تعالى يثيبه على أن يحصل ذلك له عشر مرات كما جاء في حديث أبي طلحة المتقدم.
وحديث أبي هريرة شاهد لحديث أبي طلحة فيما يتعلق بجزئه فيما يتعلق بالصلاة.
ومعلوم أن الصلاة التي تكون عند ذكره صلى الله عليه وسلم يجمع فيها بين الصلاة والتسليم عليه عليه الصلاة والسلام فيقال: صلى الله عليه وسلم أو يقال: عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً) قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، هؤلاء هم الذين خرجوا حديث علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، وهو شيخ للبخاري، لكن مسلماً أكثر من الرواية عنه.
[أخبرنا إسماعيل بن جعفر].
وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن العلاء].
هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولاهم، وهو صدوق، ربما وهم وحديثه أخرجه البخاري، في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
يروي عن أبيه [عبد الرحمن بن يعقوب الجهني].
مولاهم وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين خرجوا له هم نفس الذين خرجوا لابنه، العلاء وأبوه عبد الرحمن خرج لكل منهما البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً؛ لأن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي صحابي جليل مكثر من رواية حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
شرح حديث: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا محمد بن يوسف حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن بريد بن أبي مريم حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفعه عشر درجات) وهذا يدلنا على عظم شأن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى يصلي عليه بذلك عشر صلوات، ويحط عنه عشر خطيئات ويرفعه عشر درجات، وذلك فضل عظيم من المولى سبحانه وتعالى يثيب به من صلى على النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].وهو الكوسج المروزي، ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا محمد بن يوسف].
وهو الفريابي وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يونس بن أبي إسحاق].
هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي وهو صدوق، يهم قليلاً، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، ومسلم، والأربعة.
يروي [عن بريد بن أبي مريم البصري].
وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات مذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى توفاه الله عز وجل وأنس يخدمه رضي الله تعالى عنه، وأنس هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنه وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فهؤلاء سبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:33 AM
باب تخيير الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
شرح حديث عبد الله بن مسعود في التخيير في الدعاء بعد الصلاة على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تخيير الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي وعمرو بن علي واللفظ له، قالا: حدثنا يحيى حدثنا سليمان الأعمش حدثني شقيق عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن إذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه يدعو به)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التخيير في الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الترجمة أوردها النسائي بعد ذكر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وكيفياتها، وبيان فضلها، وأورد فيها حديث ابن مسعود وليس فيه تعرض للصلاة، وإنما فيه ذكر التشهد فقط، وبعد فراغه من التشهد قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به، هذا هو لفظ الحديث، لكن النسائي ذكر في الترجمة أن الإنسان يتخير من الدعاء أو التخيير في الدعاء بعد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد، وذلك أن التشهد مشتمل على السلام على الرسول عليه الصلاة والسلام، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فيها الصلاة عليه، فيكون الإنسان جامعاً بين الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، السلام في التشهد والصلاة في الصلاة الإبراهيمية التي علم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أصحابه إياها، عندما سألوه عن كيفية الصلاة عليه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فكون النسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة مع أن الحديث ليس فيه نص على ذكر الصلاة وأن الدعاء يكون بعد الصلاة وإنما أراد بذلك أن التشهد فيه سلام وأيضاً فيه صلاة، فإذا جمع الإنسان بين الصلاة والتسليم عليه عليه الصلاة والسلام يأتي بعد ذلك بالدعاء، وقد سبق أن مر بنا الحديث الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يدعو لم يمجد الله ولم يصل على رسول الله، فقال: (عجلت أيها المصلي)، ومعنى هذا أن من أسباب قبول الدعاء أن يكون مسبوقاً بحمد الله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أنه في التشهد السلام والصلاة بعده، فإذا أتى الإنسان بالسلام وأتى بالصلاة يكون جمع بين الصلاة والتسليم عليه الصلاة والسلام، فبعد ذلك يتخير من الدعاء ما شاء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على الذي سأل الله عز وجل دون أن يمجد الله ودون أن يصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالتشهد فيه تمجيد الله بقوله: (التحيات الله والصلوات والطيبات)، لأن هذا تمجيد لله وثناء عليه، وبين أنه المستحق لذلك، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وهي الصلاة الإبراهيمية إذا أتى بها بعد التشهد فيكون قد مجد الله وصلى وسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على أن النسائي رحمه الله استنتج أنه يجمع بين السلام والصلاة عليه، وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لما عرفوا كيف يسلمون عليه قالوا: كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأن بين لهم الصلاة التي يصلون بها عليه الصلاة الإبراهيمية، فيكون الإنسان في التشهد قد جمع بين التشهد وبين الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ثم يأتي بما أعجبه من الدعاء سواء يختار من الأدعية الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أو مطلقاً يتخير من الدعاء الذي يعجبه، لكن لا شك أن كون الإنسان يحرص على الإتيان بالوارد وبالذي أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا شك أن هذا هو الأكمل وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يفعله.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام).
وهذا فيه بيان ما كانوا يفعلونه من قبل وأنهم يقولون: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، السلام على جبريل وميكائيل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، فلا يقال: السلام على الله من عباده؛ لأن الله تعالى هو السلام ومنه السلام، فلا يقال: السلام على الله من عباده، نهاهم عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أيضاً قولهم: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان أيضاً يغني عنه ما علمهم إياه عليه الصلاة والسلام بقوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فإن كلمة: عباد الله الصالحين تغني عن فلان، وفلان، وفلان ؛ لأنه كما جاء في الحديث نفسه: (إنكم إذا قلتم ذلك فقد أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض) تصيب الملائكة، وتصيب البشر، وتصيب الجن، كل عبد صالح في السماء والأرض تصيبه تلك الدعوة أو ذلك السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فكلمة: عباد الله الصالحين تغني عن فلان وفلان التي كانوا يقولونها، أتى بلفظ عام يشمل كل عبد صالح، وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، جوامع الكلم وجوامع الأدعية؛ لأنهم يقولون: فلان وفلان يسمون عدة أسماء، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يقولوه وأعطاهم لفظاً واحداً يشمل ما يريدونه وما يجري على ألسنتهم وما لا يخطر على بالهم، وأن المراد به أو المقصود به: أنه يسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
ثم أيضاً هذا يدلنا على أن العبد إذا كان حرص على أن يكون من أهل الصلاح فإنه يكون له نصيب من دعاء الداعين في كل مكان، كل إنسان يدعو بهذا الدعاء ويقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين يكون للعبد الصالح نصيب من هذا الدعاء، فهذا يدلنا على عظم شأن الاستقامة وكون الإنسان يحرص على أن يكون مستقيماً لأنه يحصل هذه الدعوة العامة التي تحصل من كل مصل وتصيب كل عبد صالح في السماء والأرض كما بين ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
(لا تقولوا: السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن إذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات).
هذا فيه تعظيم لله عز وجل وتمجيد له، وأن التحيات والصلوات والطيبات كلها له سبحانه وتعالى.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).
وهذا سلام على النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي عرفوه وأرادوا أن يعرفوا كيفية الصلاة فعلمهم إياها بعد أن سألوه ذلك السؤال: (قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد) إلخ الحديث.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض).
ومعنى هذا يغني عن قولكم: السلام على فلان وفلان، إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تصيب كل عبد صالح في السماء والأرض، فيغني عن تسميتكم بعض الأشخاص أو بعض الأفراد.
(أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
وهذا هو التشهد الذي يشهد الإنسان لله بالوحدانية والألوهية ويشهد لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأنه عبد الله ورسوله، والشهادة لله بالوحدانية تقتضي أن لا يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغيره وأن تكون جميع أنواع العبادة خالصة لوجهه، وشهادة أن محمداً رسول الله تعني أن يصدق في جميع أخباره وأن تمتثل جميع أوامره وأن ينتهى عن جميع نواهيه وأن لا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يعبد بالبدع والمحدثات والخرافات والأهواء وإنما يعبد طبقاً لما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن المسلم يتبع ولا يبتدع كما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)، معناه التزموا بما جاءكم من الوحي وبما جاءكم من الكتاب والسنة فقد كفيتم بما جاءكم من الحق والهدى عن البدع والمنكرات والمحدثات التي تحدثونها وتتقربون إلى الله عز وجل بها، والله تعالى إنما يتقرب إليه بطاعته ويتقرب إليه بما شرعه بما جاء في كتابه وعلى لسان رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا هو الذي ينفع الإنسان عند الله عز وجل.
أما كونه يحدث في دين الله عز وجل أموراً محدثة منكرة ما أنزل الله بها من سلطان ثم يتقرب إلى الله عز وجل ويقول: أنا قصدي حسن ذلك لا ينفعه، بل لا بد مع حسن القصد أن يكون على السنة كما جاء عن الفضيل بن عياض رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )[هود:7] فقال: العمل الأحسن هو ما كان خالصاً صواباً، ثم فسر ذلك فقال: فالخالص ما كان لله وحده، والصواب ما كان على سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذان هما شرطا قبول العمل: الإخلاص والمتابعة، تجريد الإخلاص لله وحده وتجريد المتابعة للرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد قال شارح الطحاوية: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، فيوحد المرسل وهو الله بالعبادة ويخصه بها ويجعلها خالصة له ولا يجعل مع الله شريكاً في العبادة فلا يدعو إلا الله ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يقسم إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يستعيذ إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، كل أنواع العبادة تكون خالصة لوجه الله، وهذا هو تجريد الإخلاص لله وحده، لا يكون معه شريك في العبادة؛ لأنه لا شريك له في الملك، فهو المتفرد بالخلق والإيجاد وهو المستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وإذا عبد مع الله غيره فإن عمل الإنسان يكون لاغياً ويكون لا عبرة به ولا قيمة له، كما قال الله عز وجل: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً )[الفرقان:23].
والشرط الثاني: تجريد المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، فهو الذي يتابع ويعول على ما جاء به، وهو الذي يسأل عن هديه وعن شرعه فيتقرب العبد إلى ربه باتباع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام الذي هو علامة محبة الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )[آل عمران:31].
ثم بعد ذلك يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام كما جاءت بذلك الأحاديث، ثم بعد ذلك يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به، وبهذا يكون الإنسان مجد الله عز وجل وصلى على رسوله عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك من أسباب قبول الدعاء كما أشرت إليه في الحديث المتقدم أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يدعو بدعاء لم يمجد الله ولم يصل على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (عجلت أيها المصلي).
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن مسعود في التخيير في الدعاء بعد الصلاة على النبي
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي].وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثله في كونه شيخ لأصحاب الكتب الستة وكونه مات سنة اثنتين وخمسين شخصان آخران وهما: محمد بن بشار الملقب بندار، ومحمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، فهؤلاء ثلاثة هم شيوخ لأصحاب الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
[وعمرو بن علي].
هو الفلاس المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[واللفظ له].
أي أن اللفظ للشيخ الثاني من الشيخين، الشيخان هما يعقوب بن إبراهيم الدورقي وعمرو بن علي الفلاس، واللفظ الذي ذكره النسائي هنا هو لفظ الشيخ الثاني له وهو عمرو بن علي الفلاس.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سليمان الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي لقبه الأعمش الكوفي، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اشتهر به.
[حدثني شقيق].
وهو ابن سلمة الكوفي ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكنيته أبو وائل مشهور بها، يأتي أحياناً باسمه شقيق كما هنا ويأتي أحياناً بكنيته أبو وائل وهو شخص واحد يأتي أحياناً باسمه وأحياناً بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد علماء الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. الذكر بعد التشهد
شرح حديث أنس في الذكر بعد التشهد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذكر بعد التشهد.أخبرنا عبيد بن وكيع بن الجراح أخو سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي، قال: سبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشراً، ثم سليه حاجتك يقل: نعم نعم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الذكر بعد التشهد، والمراد بالذكر هو الثناء على الله عز وجل وتعظيمه وتمجيده هذا هو الذكر، وأما الدعاء فهو السؤال، اللهم إني أسألك كذا وكذا هذا دعاء، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر هذا ذكر، ففيه ذكر ودعاء، فالدعاء طلب ورجاء والذكر ثناء على الله عز وجل.
أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك أن أم سليم وهي أمه، أم أنس جاءت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقالت: علمني دعاء.
(علمني كلمات أدعو بها في صلاتي، قال: سبحي الله عشراً، واحمديه عشراً، وكبريه عشراً، ثم سليه حاجتك يقل: نعم نعم) يعني: أجبتك وحققت طلبك، معناه أن الحديث يدل على ما دل عليه ما تقدم من كون الإنسان بين يدي حاجته يثني على الله ويعظم الله عز وجل، ويسبق طلبه وحاجته تمجيد الله عز وجل، وقد أرشد النبي عليه الصلاة والسلام مما يمجد الله به بأنه يسبح عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً، ويكون الدعاء بعد ذلك، والحديث ليس فيه ذكر التشهد، وليس فيه ذكر أن هذا في التشهد، لكن المواطن التي يكثر فيها من الدعاء والتي يتخير فيها الدعاء والدعاء يسبقه تعظيم وتمجيد وصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، المواضع التي يدعى فيها ويكثر فيها من الدعاء هي في السجود، وفي التشهد الأخير، والنسائي رحمه الله حمل ذلك عقد هذه الترجمة للتشهد وأورد تحتها هذا الحديث ليفيد أو ليستدل على أن الإنسان في تشهده بين يدي دعائه يعظم الله عز وجل ويمجده، والتعظيم والتمجيد الذي أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام أم سليم أم أنس بن مالك هو أن تسبح الله عشراً، وتحمد الله عشراً، وتكبر الله عشراً، ثم تسأل حاجتها، يقول الله عز وجل: نعم نعم، يعني: أجبت طلبك وحققت رجاءك فيما طلبت من هذا الدعاء الذي سبقه الحمد والثناء للمولى سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الذكر بعد التشهد
قوله: [أخبرنا عبيد بن وكيع].هو عبيد بن وكيع بن الجراح أخو سفيان بن وكيع، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه لا بأس به، أخرج له النسائي، وكلمة: (لا بأس به) تعادل (صدوق) كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة التقريب بأن صدوق ولا بأس به وليس به بأس هي في درجة واحدة ومعناها واحد، لكن من العلماء من يأتي بكلمة لا بأس به وهي تعادل ثقة عنده، وهذا في اصطلاح يحيى بن معين، فإن قوله: لا بأس به عنده توثيق، ولهذا يقول عن الأشخاص الكبار الثقات الحفاظ يقول عن الواحد منهم لا بأس به، وكلمة: لا بأس به وإن كانت في الاصطلاح العام عند المحدثين أنها أنزل من ثقة وهي في منزلة صدوق إلا أن في اصطلاح يحيى بن معين أنها تعادل ثقة، وهي فوق صدوق، وكما يقولون: المهم أن يعرف الاصطلاح، وإذا عرف الاصطلاح يزول الإشكال.
[يروي عن أبيه].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، حافظ، مصنف، هو صاحب كتاب الزهد وكتب أخرى غير ذلك الكتاب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عكرمة بن عمار].
صدوق، يغلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].
ثقة حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
يروي عن عمه [أنس بن مالك].
أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة هو الذي مر بنا في إسناد أبي طلحة المتقدم الذي روى عنه مسلم، والنسائي، والذي حنكه النبي عليه الصلاة والسلام، وعندما جاء به أنس بن مالك إليه حنكه ودعا له، وهذا ابنه إسحاق، فـإسحاق ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، يروي عن عمه أخو أبيه لأمه، يعني: عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، أمهما أم سليم.
يروي [عن أنس] وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
مدى صحة تخصيص القنوت في الفجر والمغرب
السؤال: هل ورد في السنة تخصيص القنوت بالفجر والمغرب فقط؟الجواب: لا، القنوت يكون في جميع الصلوات، وليس خاصاً بالمغرب والفجر، ليس خاصاً بها، بل جاءت السنة كما سبق أن مر بنا في الصلوات المختلفة، يعني: في الصلاة السرية والصلاة الجهرية.
مدى جواز الأضحية للنبي صلى الله عليه وسلم والأقارب الأموات
السؤال: ما حكم الأضحية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الأقارب الميتين؟الجواب: الإنسان لا يضحي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه يضحي عن نفسه، ثم الله تعالى يثيب نبيه عليه الصلاة والسلام مثلما يثيبه، بل أي عمل تعمله أيها المسلم فإن الله تعالى يثيبك عليه ويثيب نبيه عليه الصلاة والسلام مثلما أثابه؛ لأنه هو الذي دلك على هذا الهدى ودلك على هذا الخير، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) فإذا أردت أن يصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام زيادة ثواب بسببك، فما عليك إلا أن تعمل صالحاً لنفسك والله تعالى يثيب نبيه عليه الصلاة والسلام مثلما أثابك؛ لأنه هو الذي دلك على الخير، وهو الذي أخرجك الله به من الظلمات إلى النور، فله مثل أجور أمته كلها من أولها إلى آخرها، من حين بعثه الله إلى قيام الساعة له أجور أعماله ومثل أجور أمته كلها من حيث بعثته إلى قيام الساعة؛ لأن هذا العمل الذي تعمله الأمة إنما كان بدلالته وإرشاده، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله.
نعم الإنسان يضيف إلى ذلك بأن يصلي على الرسول عليه الصلاة والسلام، والإنسان يؤجر على الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يحصل له زيادة رفعة وثواب بكونه يصلى عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. الأماكن التي تزار في المدينة
السؤال: ما هي الأماكن التي تزار في هذه المدينة الطيبة؟الجواب: الأماكن التي تزار في هذه المدينة المباركة، طيبة الطيبة خمسة أماكن، ثلاث مقابر ومسجدان، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه بألف صلاة، ومسجد قباء وقد جاء في السنن القولية والفعلية ما يدل على فضل الصلاة فيه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذهب إليه كل سبت راكباً وماشياً ويصلي فيه، وجاء عنه أنه قال: (من توضأ في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان كأجر عمرة)، فدلت السنة القولية والفعلية على فضل الصلاة فيه وعلى عظم أجر الصلاة فيه، أي: في مسجد قباء.
أما المقابر الثلاث فهو قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبر صاحبيه أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما يسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام ويدعو له ويسلم على أبي بكر، وعمر ويدعو لهما رضي تعالى عنهما.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:35 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(242)

- (باب الدعاء بعد الذكر) إلى (باب نوع آخر من الدعاء)
جاءت السنة ببيان ما يتعلق بالدعاء في الصلاة، وبيان أن الإنسان يقدم بين يدي دعوته الثناء على الله بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله، ثم حمده وتقديسه، وهذا من الأدب مع الله تبارك وتعالى.
الدعاء بعد الذكر
شرح حديث أنس في الدعاء بعد الذكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بعد الذكر.أخبرنا قتيبة حدثنا خلف بن خليفة عن حفص بن أخي أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل قائم يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تدرون بما دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: والذي نفسي بيده! لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) ].
يقول النسائي رحمه الله: باب الدعاء بعد الذكر.
مراد النسائي بهذه الترجمة هو: أن الإنسان عندما يدعو، يقدم بين يدي دعائه، بذكر الله عز وجل، والثناء عليه، وتعظيمه، وتمجيده، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، فإن ذلك: من أسباب قبول الدعاء، وقد سبق أن مر بنا بعض الأحاديث الدالة على أن الإنسان عندما يدعو، قبل دعائه يحمد الله، ويمجده، ويثني عليه، ويصلي على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو، وهنا بين يدي الدعاء توسل بأسماء الله عز وجل وصفاته، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه كان جالساً مع النبي عليه الصلاة والسلام (ورجل يصلي، فلما ركع وسجد وتشهد قال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك) كذا وكذا، أي: أنه قدم بين يدي مسألته بالثناء على الله عز وجل وتعظيمه وتمجيده، وهذا من أسباب قبول الدعاء؛ ولهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: (تدرون بم دعا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل أعطى).
والمقصود من إيراد الحديث هنا: أن قوله: إني أسألك كذا وكذا، ولم يذكر سؤاله، وإنما ذكر الثناء، الذي بين يدي سؤاله، والتوسل إلى الله عز وجل بصفاته وأسمائه، هذا من أسباب قبول الدعاء، وهذا هو التوسل المشروع، التوسل المشروع: كون الإنسان يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ويثني عليه ويعظمه بين يدي سؤاله، فيكون ذلك، توسلاً مشروعاً، هو خير ما يتوسل به العبد إلى الله عز وجل، كونه يعظم الله ويثني عليه ويمجده، ثم بعد ذلك يسأله حاجته فيكون متوسلاً إليه بأسمائه وصفاته والثناء عليه سبحانه وتعالى.
قوله: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت) فيه اعتراف بأن الحمد له، وهو صاحب الحمد، وهو الذي يحمد على كل حال، فهو صاحب النعم كلها المتفضل بها، وهو المحمود على النعم كلها ظاهرها وباطنها، وفي جميع الأحوال سبحانه وتعالى، ثم: (لا إله إلا أنت) اعتراف بألوهيته، وأنه الإله الحق الذي لا تصح العبادة إلا له، ولا يصرف شيء منها لغيره، بل كلها له سبحانه وتعالى؛ لأنه المتفرد بالخلق والإيجاد، وهو المتفضل بالنعم، وهو المحيي، والمميت، المتصرف بالكون كيف يشاء، فهو الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، لا يشرك مع الله أحد في عبادته لأنه لا شريك له في ملكه، فله الملك، وله الحمد، وله العبادة التي هي حقه، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره سبحانه وتعالى.
(المنان) يعني: صاحب المنن والنعم، الذي امتن على عباده بكل خير، وبكل نعمة، وأعظم النعم: نعمة الهداية إلى الإسلام، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، يقول الله عز وجل: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ )[آل عمران:164] فهذه أعظم منة، وأجل نعمة، وهي نعمة الإسلام، نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور هي أجل النعم، وهي أفضلها، وهي أعلاها، لا يماثلها نعمة ولا يساويها نعمة.
(بديع السماوات والأرض) الذي أوجد السماوات، على غير مثال سابق، بل هو الذي قدر خلقها على ما شاء، وأوجدها كيف شاء، على ما شاء، فهو المبدع لها، الموجد لها، المتصرف فيها، المالك لها، فهو خالق الخلق ومالك الملك ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.
(يا ذا الجلال والإكرام)، يصف الله عز وجل، بأنه ذو الجلال والإكرام، صاحب العظمة، صاحب الكرم، العظيم الكريم، الذي لا تصلح العظمة إلا له، والكريم الذي هو صاحب كل نعمة وصاحب كل منة ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ )[النحل:53]، ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا )[إبراهيم:34]، ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً )[لقمان:20] فنعم الله عز وجل، لا تعد ولا تحصى، فهو سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام.
من أنواع التوسل المشروع
ثم قال: (يا حي يا قيوم)، وهذان من أسماء الله عز وجل، وقد بدئت بهما آية الكرسي: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )[البقرة:255] بعد ذكر اسم الله، الذي هو العلم لفظ الجلالة الله، جاء الحي القيوم، الحي الذي هو كامل الحياة، القيوم القائم بنفسه، المقيم لغيره، الذي قامت به السماوات والأرض، وكل شيء قام إنما هو بإقامته إياه، فهو الحي القيوم الذي هو على كل شيء قدير، والذي هو مالك الملك، ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.ثم قال بعد ذلك: (أسألك) يعني: بعد أن توسل إلى الله عز وجل، بهذه الأوصاف، وبهذه الأسماء، ودعا ربه وناداه قائلاً: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، يقول: إني أسألك كذا وكذا، فهذا هو التوسل المشروع، أما الذين ابتلوا بالتوسلات المبتدعة، التي ما جاءت بها شريعة الله، وليست من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يعرفون التوسل المشروع، لا يعرفون مثل هذا الدعاء، الذي أرشد إليه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وهو: أن يكون الدعاء متوسل إلى الله عز وجل، بأسمائه، وصفاته، وتعظيمه، وتمجيده، والثناء عليه سبحانه وتعالى.
فلو أن المتوسل إذا أرد أن يتوسل، بحث عن التوسل المشروع، إذا كان يعلمه وتوسل به ودعا به، وإذا كان لا يعلم، يسأل ويتعلم، حتى يعرف الحق والهدى، ومن المعلوم أن الأدعية التي جاءت عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، إما بتعليمه أصحابه إياها، أو سماعه إياهم يدعون ويتوسلون، ثم يقرهم ويؤيد ما قالوه ويرشد إليه، كما جاء في هذا الحديث، فإن قوله: (أتدرون بما سأل؟ سأل الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى) وهو: هذه الأوصاف العظيمة، لله عز جل التي نهايتها: يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فالتوسل بأسماء الله وصفاته والثناء عليه، هذا هو خير توسل وهذا هو أفضل توسل.
ومن التوسل المشروع: التوسل إلى الله بالعمل الصالح، كون الإنسان يتوسل إلى الله بعمله الصالح؛ لأن عمله عمل تقرب به إلى الله عز وجل، فهو يتوسل إلى الله بذلك العمل، والنبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى ذلك، كما جاء في قصة الثلاثة الذين كان يمشون في فلاة من الأرض، فحصل مطر فاحتاجوا إلى أن يدخلوا في غار، فدخلوا في الغار، فانحدرت صخرة وسدت عليهم باب الغار، فصاروا لا يستطيعون الخروج، فصاروا في قبر وهم أحياء، ليس عندهم أحد من الناس، ولا يعلم بهم أحد إلا الله عز وجل، فعند ذلك فكروا ماذا يصنعون، وبماذا يتوسلون إلى الله عز وجل، فقال أحدهم: إنه لا ينجيكم إلا: أن تتوسلوا إلى الله عز وجل بأعمال صالحة، عملتموها في حال الرخاء، يثيبكم الله عليها في الشدة، ولهذا جاء في الحديث: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فواحد منهم: تذكر وذكر حالة من الحالات، وأنه كان باراً بوالديه، وأنه كان يأتي بالغبوق وهو: الحليب الذي يأتي به في أول الليل ويشرب، فكان من عادته أنه يأتي بالغبوق لأبويه، ويشربان قبل أن يناما، ففي يوم من الأيام، بعدت الإبل ونأت فجاء بالغبوق، وقد مضى وقت من الليل وقد ناما، فلم يرد أن يكدر عليهما صفو نومهما، ولم يرد أن يجلس وينام، قد يستيقظا ولا يتنبهان لهذا الذي أحضر لهما، فوقف والقدح على يديه، ينتظر لعلهما يتحركان، أو يستيقظان من أنفسهما، فاستيقظا وشربا، فتوسل إلى الله عز وجل بهذا العمل الذي عمله، فقال: اللهم إنك تعلم أني عملت كذا وكذا وكذا، اللهم فرج عنا ما حل بنا، أو ما نحن فيه، فتزحزحت الصخرة قليلاً إلا أنهم لا يستطيعون الخروج.
والثاني منهما تذكر: وإذا له ابنة عم، وكان يحبها ويراودها عن نفسها، وكانت تمتنع منه، وفي سنة من السنوات حصل لها فاقة وشدة، فجاءت إليه تطلب منه شيئاً من المساعدة والإحسان، فعرض عليها ما كان يعرضه عليها من السوء، ونتيجة لشدة حاجتها مالت، ولكن في نفسها شيء، ولما أعطاها ما أعطاها من النقود، وهي: مائة دينار، وجلس بين رجليها، خوفته بالله عز وجل، وقالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام وتركها خوفاً من الله عز وجل، فتوسل إلى الله عز وجل بهذا العمل الصالح، فتزحزحت الصخرة قليلاً إلا أنهم لا يستطيعون الخروج.
ثم جاء الثالث وتذكر: أنه كان عنده أجير استأجره، فراح وترك أجرته، وهو لا يعرفه، فنمى هذه الأجرة، حتى اتسعت وصارت: إبلاً، وبقراً، وغنماً، ورقيقاً، فجاء بعد مدة طويلة وقال: يا فلان، عندك لي أجرة، فقال: انظر ما في هذا الوادي من الإبل، والغنم، فهو لك، فقال: أتستهزئ بي؟ لأن أجرته كانت بسيطة، وهذه أموال طائلة، فظن أنه يستهزئ، فقال: لا، هو نصيبك، هو حقك؛ لأنه نماه حتى تضاعف وحتى كثر، فتوسل إلى الله عز وجل، بهذا العمل، فتزحزحت الصخرة فخرجوا يمشون، تعرفوا إلى الله عز وجل في حال الرخاء، فعرفهم في حال الشدة، فالتوسل إلى الله عز وجل بالعمل الصالح مشروع، والدليل عليه: هذا الحديث الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي يحكيه عن أمم سابقة أو عن ثلاثة في الأمم السابقة.
ومن التوسل المشروع بالعمل الصالح: كون الإنسان يتوسل إلى الله، بمحبته لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فيقول: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لرسولك، أسألك أن تحقق لي كذا وكذا، فيتوسل إلى الله عز وجل بعمله الصالح، بمحبته للرسول عليه الصلاة والسلام، واتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم، يتوسل إلى الله عز وجل بهذا العمل الصالح الذي عمله، وأنه يحب الله ورسوله، وأنه يؤمن بالله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فيتوسل إلى الله عز وجل بهذا العمل، هذا هو التوسل المشروع، كثير من الناس، لا سيما المبتدعة، لا يعرفون التوسل المشروع، وكل ما عندهم من التوسلات المبتدعة، التي ما يعرفها الصحابة ولا يعلم عنها الصحابة شيئاً، وهم خير الأمة، وإنما أحدثها المحدثون، وأتى بها أناس من تلقاء أنفسهم، وتبعاً لأهوائهم، ليس لهم في ذلك مستند من كتاب ولا من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الدعاء بعد الذكر
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان: قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خلف بن خليفة].
صدوق اختلط، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حفص].
وهو حفص بن أخي أنس بن مالك، وقيل: إنه ابن أخيه لأمه، حفص بن عبد الله بن أبي طلحة، ابن أخي أنس بن مالك لأمه؛ لأن أنس بن مالك، أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، أمهما أم سليم، فهو ابن أخيه لأمه، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي.
[عن أنس بن مالك].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، إلى أن توفاه الله، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية عند النسائي، وهي أعلى الأسانيد، الأسانيد الرباعية: هي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، أعلى ما عنده الرباعيات، وبين النسائي، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أربعة أشخاص هم: قتيبة، وخلف بن خليفة، وحفص بن أخي أنس، وعمه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
والثلاثيات عند البخاري، وعند الترمذي، وابن ماجه، أصحاب الكتب الستة الذين لهم ثلاثيات ثلاثة: البخاري له: اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي له: حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده: خمسة أحاديث ثلاثية، كلها بإسناد واحد وهو إسناد ضعيف، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات.
شرح حديث محجن بن الأدرع في الذكر بعد الدعاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد أبو بريد البصري عن عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبي حدثنا حسين المعلم عن ابن بريدة حدثني حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع رضي الله عنه حدثه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم أني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد غفر له ثلاثاً) ].أورد النسائي حديث: محجن بن الأدرع الأسلمي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه، وهو (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته، وتشهد) يعني: قبل نهاية صلاته فسأل الله عز وجل وقال:
(اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم فقال عليه الصلاة والسلام: قد غفر له.. قد غفر له.. قد غفر له) قالها ثلاثاً؛ لأنه توسل إلى الله عز وجل، بهذه الأسماء والصفات، فتوسل إليه بأن الله تعالى هو الواحد، هذا من أسمائه، الأحد، هو من أسمائه، الصمد، هو من أسمائه، الذي لم يلد ولم يولد، وهذه من صفاته، يعني: صفات كمال، أنه متنزه عن: الوالدين، والأولاد، والأشباه، والنظراء، فهو متنزه عن أن يكون له أصول، ومتنزه عن أن يكون له فروع، ومتنزه عن أن يكون له أشباه، لم يشبهه ويماثله، ويكون كفؤاً له، الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ )[الإخلاص:3-4].
فتوسل إلى الله عز وجل، بهذه الأسماء والصفات، ثم بعد ذلك طلب المغفرة من الله عز وجل، وهذا هو السؤال، يعني: الأول ثناء، وذكر، وتعظيم، والمطلوب جاء في الآخر بعد الثناء، والذكر لله عز وجل، وهو أنه قال: (أن تغفر لي ذنوبي) ثم ختم ذلك بالثناء عليه، وذكر اثنين من أسمائه والثناء عليه بذلك، فقال: (إنك أنت الغفور الرحيم) ومن أسماء الله الغفور، ومن أسمائه الرحيم، فهو توسل بأسماء الله وصفاته.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:38 AM
تراجم رجال إسناد حديث محجن بن الأدرع في الذكر بعد الدعاء
قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد أبو بريد].عمرو بن يزيد أبو بريد البصري وهو صدوق، أخرج له النسائي، أبو بريد كنيته، وأبوه يزيد، اسم الأب مع الكنية متقاربة في اللفظ، وفي الشكل، وفي النطق، إلا أنها تختلف بالحروف، هذا يزيد وهذا بريد، فشكلها واحد ورسمها واحد، وهذا الذي يأتي فيه الاشتباه بين الأسماء، ويعرف التمييز بينها: بمعرفة الصيغ بكل اسم، سواء كان اسماً، أو نسباً، أو كنية، فكلمة يزيد، أو بريد، شكلها واحد، إلا أن الفرق في النقط والشكل، وإلا فالرسم واحد.
[عن عبد الصمد].
هو ابن عبد الوارث بن سعيد البصري وهو صدوق، ثبت في شعبة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه عبد الوارث بن سعيد، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حسين المعلم].
وهو حسين بن ذكوان المعلم، وهو ثقة ربما وهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن بريدة].
وهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حنظلة بن علي الأسلمي].
ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن محجن].
وهو محجن بن الأدرع الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، مثل الذي مر بنا قريباً، وهو: حفص بن أخي أنس بن مالك، كل منهما خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي.
نوع آخر من الدعاء
شرح حديث أبي بكر: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)].
أورد نوعاً آخر من الدعاء وهو: الدعاء بعد الذكر، يعني: في آخر الصلاة، ومن المعلوم أن المواضع التي يكثر فيها الدعاء موضعان في الصلاة، في السجود، وفي التشهد الأخير قبل السلام، فهذان موضعان يدعى فيهما، ويكثر فيهما من الدعاء، والنسائي هنا، يورد الأحاديث التي يدعى بها في هذا الموطن، وفي هذا الموضع، الذي هو بعد التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وقبل السلام، والأحاديث التي فيها الدعاء في الصلاة، يمكن أن يدعى بها في السجود، ويمكن أن يدعى بها قبل السلام، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وقد مر بنا الحديث الذي قال فيه بعد التشهد: (ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به).
إذاً: هنا موضعان يدعى فيهما ويكثر فيهما من الدعاء، وهما: السجود، وفي التشهد الأخير قبل السلام، وبعد التشهد والصلاة على النبي صلوات الله وبركاته وسلامه عليه.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ورضي الله عنهم وأرضاهم، من الحرص على السؤال، أو توجيه الأسئلة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، في الأمور المختلفة التي يحتاجون إلى معرفتها، ومن ذلك: ما يريدونه من الأدعية التي يدعون الله عز وجل بها في صلاتهم، فهذا الصديق، خير هذه الأمة التي هي خير الأمم، خليفة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن أبي بكر، يسأل النبي عليه الصلاة والسلام، سؤالاً يدعو به في صلاته، فعلمه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
فهذا دعاء، فيه اعتراف الإنسان بظلمه نفسه وخطأه، وأنه بحاجة إلى رحمة الله، وإلى مغفرته، فهو يقر ويعترف بذنوبه وخطئه، ويسأل الله عز وجل أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له ويرحمه، ثم يعظم الله عز وجل ويختم ذلك الدعاء بالثناء عليه، بذكر اثنين من أسمائه يناسب ذكرهما في هذا المقام، وهما اسم الغفور الرحيم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بكر: (علمني دعاء أدعو به في صلاتي...)
قوله: [قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد وقد مر ذكره.
[حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، ثقة، ثبت، هو محدث مصر وفقيهها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
هو المصري وهو ثقة، فقيه، يرسل، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الخير].
أبو الخير كنية، وصاحب هذه الكنية مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عبد الله بن عمرو بن العاص].
صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم من صغار الصحابة وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، وأطلق عليهم لقب العبادلة، وإن كان الذين يسمون بهذا الاسم من أصحاب رسول الله كثيرون، منهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عثمان أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن مسعود، كل هؤلاء وغيرهم يسمون بهذا الاسم، ولكن الذين اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة، هؤلاء الذين هم من صغار الصحابة، وأدركهم من التابعين من لم يدرك المتقدمين، مثل: عبد الله بن مسعود وغيره فيطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة، وهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبب ذلك: أنه كان يكتب، فكان يكتب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكثرت روايته عنه، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكر الصديق].
هو عبد الله بن عثمان ،كنيته أبو بكر، وكنية أبيه أبو قحافة، فهو أبو بكر بن أبي قحافة، ولكنه مشهور بكنيته وبلقبه الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو خير هذه الأمة، التي هي خير الأمم، وهو أفضل الصحابة، الذين هم خير هذه الأمة، وقد جاء في فضله أحاديث كثيرة، وقد سماه الله عز وجل في كتابه العزيز: صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك في سورة التوبة حيث يقول الله عز وجل: ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )[التوبة:40] فثاني اثنين هو: أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
الرسول ومعه أبو بكر وذلك في الغار، عند إرادتهما الذهاب للهجرة من مكة إلى المدينة، فكان معه في الغار، وقال الله عز وجل في حقه: (إذ يقول) أي: النبي عليه الصلاة والسلام (لصاحبه) أبي بكر.
ومناقبه كثيرة وفضائله وفيرة، ومن أعظم هذه الفضائل، بل هي أعظمها قول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) فإنه أخبر عن أمر لا يكون، أن لو كان كيف يكون، وهو أنه لا يتخذ خليلاً، ولكن لو حصل اتخاذ خليل، لكان أحق الناس بذلك الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه منقبة عظيمة لا يماثله فيها أحد، ولا يدانيه فيها أحد، وهي دال على أفضليته، وقد كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، يفضلون ويخيرون فيقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولا ينكره، فدل على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر ثم من بعده عمر ثم من بعده عثمان، ومن بعد هؤلاء الثلاثة، علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وحديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الدعاء
شرح حديث معاذ بن جبل: (فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب أعني على ذكرك...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء.أخبرنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب سمعت حيوة يحدث عن عقبة بن مسلم عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن الصنابحي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: (أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأحبك يا معاذ، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ].
وكذلك أيضاً يدعى به بالسجود؛ لأنه كما ذكرت، المواطن التي يدعى فيها، ويكثر من الدعاء فيها، ويتخير الأدعية فيها: السجود، والتشهد الأخير قبل السلام، وبعد الإتيان بالتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وقال: إني لأحبك) يخاطب معاذ رضي الله عنه، وهذه منقبه عظيمه لـمعاذ، كون النبي عليه الصلاة والسلام يخاطبه ويقول: (إني لأحبك، قال: وأنا أحبك يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: فلا تدع أن تقول في كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فهذا دعاء عظيم، يسأل الإنسان ربه أن يعينه على ذكره يعني: ذكر الله عز وجل الذي به تطمئن القلوب، (وشكرك) شكر الله على النعم، والشكر: يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، (وحسن عبادتك) يعني: كون الإنسان يأتي بالعبادة على وجه هو محسن فيه، وذلك لكونها خالصة لوجه الله ومطابقة لسنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث معاذ بن جبل: (فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب أعني على ذكرك...)
قوله: [يونس بن عبد الأعلى].يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن وهب].
ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت حيوة].
حيوة بن شريح التجيبي المصري، وهو فقيه، زاهد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عقبة بن مسلم].
هو عقبة بن مسلم التجيبي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبي عبد الرحمن الحبلي].
وهو عبد الله بن يزيد، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الصنابحي].
وهو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي أبو عبد الله، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وهو مخضرم، وكان قدم من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتشرف بصحبته، ولما وصل إلى الجحفة، وهي المكان القريب من رابغ، جاء ركب من المدينة فأخبروهم بوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال بعض العلماء فيه: كاد أن يكون صحابياً، ما بينه وبين الصحبة شيء، فقدم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بخمسة أيام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أما معاذ بن جبل].
فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمشهور بصحبته، وهو معروف بالعلم والفقه، من علماء الصحابة وفقهائهم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الدعاء
شرح حديث: (أن رسول الله كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء.أخبرنا أبو داود حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن سعيد الجريري عن أبي العلاء عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليماً ولساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم)].
ذكر النسائي نوعاً آخر من الأدعية التي يدعى بها في آخر الصلاة، وهو ما أورده عن شداد بن أوس بن ثابت، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته يقول: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً) الحديث.
هذا دعاء يرويه شداد بن أوس، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويذكر أنه سمعه وهو يدعو به في صلاته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ...)
قوله: [أخبرنا أبو داود].وهو سليمان بن سيف الحراني وهو ثقة، حافظ، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب البصري، وهو ثقة، إمام، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد بن سلمة].
هو ابن دينار البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سعيد الجريري].
وهو سعيد بن إياس الجريري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي العلاء].
هو يزيد بن عبد الله بن الشخير وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
واسمه عكس الذي تقدم أبو عبد الرحمن الحبلي، ذاك عبد الله بن يزيد، وهذا يزيد بن عبد الله.
[عن شداد بن أوس بن ثابت].
عمه حسان بن ثابت أخرج حديثه الجماعة.
وهذا الإسناد، ذكر الشيخ الألباني، أن فيه انقطاعاً بين أبي العلاء، وبين شداد بن أوس، وذلك أنه جاء عند الإمام أحمد، ذكر شخص بينهما وهو الحنظلي يعني: بنسبته دون أن يذكر اسمه، وذكر الشيخ الألباني، أنه لم يقف على ترجمته فالإسناد فيه انقطاع بين أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، وبين شداد بن أوس.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:41 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(243)

- تابع نوع آخر من الدعاء
ورد في السنة المطهرة أدعية للمصلي في صلاته ومن ذلك: (اللهم بعلمك الغيب ...) وفي هذا الدعاء بيان أن على الداعي أن يقدم بين يدي دعائه الثناء على الله وتعظيمه والتوسل إليه فإنه أحرى أن يستجاب.
نوع نوع آخر من الدعاء بعد الذكر
شرح حديث السائب الثقفي في الدعاء بعد الذكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بعد الذكر نوع آخر. أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه قال: (صلى بنا عمار بن ياسر رضي الله عنه صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبي غير أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين) ].
فهذا حديث من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، مشتمل على نوع من أنواع الدعاء التي يدعو بها المصلي في صلاته، والصلاة الدعاء فيها يكون في السجود، ويكون في التشهد الأخير قبل السلام، وبعد التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الدعاء بعد الذكر، مثل هذا الدعاء الذي سمعه عمار بن ياسر رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشتمل على سؤال بعد تعظيم لله عز وجل، وثناء عليه، وتوسل بصفتين من صفاته سبحانه وتعالى ومن المعلوم أن التوسل إلى الله عز وجل بصفاته وبأسمائه بين يدي الدعاء من أسباب قبول الدعاء، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بالأدعية التي فيها التوسل إلى الله عز وجل، بالثناء عليه بذكر شيء من صفاته، أو أسمائه، بين يدي الدعاء. وهذا الحديث مشتمل على ذلك؛ لأن فيه دعاء كثيراً، وفيه دعوات عظيمة. ويسبق هذه الدعوات الثناء على الله عز وجل بصفتين من صفاته والتوسل إليه بهما، وهي: العلم والقدرة، فـعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه صلى صلاة أوجز فيها فقال له بعض القوم، أو قال له بعض الجماعة الذين صلوا وراءه: إنك أوجزت أو خففت، فقال: أما ذلك فقد دعوت فيها بدعوات، سمعتهن من رسول الله عليه الصلاة والسلام يعني: إيجاز مع إتمام، وليس الإيجاز الذي يخل.
ومن المعلوم: أن الإيجاز إذا كان مع إتمام، فإن ذلك مما جاءت به السنة، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي يؤثر، والذي يحذر هو: الإيجاز الذي يكون معه إخلال، والذي لا يتمكن معه المأموم من فعل ما هو مطلوب منه، وذلك للسرعة الشديدة، وأما إذا كان إيجازاً، ولكن مع الإيجاز إتمام، فصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت كذلك، وجاء عنه ما يدل على ذلك، وعمار بن ياسر قال: إنني قد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما انصرف تبعه بعض القوم، والذي تبعه هو السائب الثقفي، والد عطاء بن السائب، ولكنه كنى عن نفسه بقوله: تبعه رجل، وهذا يبين لنا: أنه إذا جاء في بعض الأحاديث يقول فيها الراوي: قال رجل، أو يقول الصحابي: قال رجل، فيمكن أن يكون هو، إلا أنه لم يرد أن يسمي نفسه، وهو صادق فيما قال؛ لأن الذي سأله رجل، أو الذي فعل ذلك رجل، فهذا من التكنية عن النفس.
فسأله، فأجابه وأخبره بتلك الدعوات، فرجع إلى القوم وأخبرهم بها، وهذه الدعوات هي: قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه الذي رواه عمار بن ياسر عنه، رضي الله تعالى عنه يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق) وهذا توسل؛ لأنه ما أتى بحاجته إلى الآن، لكنه مهد لسؤال حاجته بالثناء على الله عز وجل، والتوسل إليه بصفتين من صفاته وهي: علمه الغيب وقدرته على الخلق، والله عز وجل هو الذي يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله عز وجل، والله تعالى يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من غيبه، لكن علم الغيب على الإطلاق هو من خصائص الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )[النمل:65] فالله تعالى هو علام الغيوب، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والله تعالى قد يطلع خلقه بعض ما شاء من غيبه، كما أطلع رسوله عليه الصلاة والسلام على كثير من المغيبات التي تقع في المستقبل، وأخبر بها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه مما يجري في المستقبل من أشراط الساعة، وما إلى ذلك من الغيوب المستقبلة، فقد أطلع الله تعالى نبيه على ذلك وأخبر بها عليه الصلاة والسلام.
فهو سبحانه وتعالى علام الغيوب، وهو الذي على كل شيء قدير، فتوسل إلى الله عز وجل بعلمه الغيب، وبقدرته على الخلق؛ لأنه هو الذي على كل شيء قدير، إذا أراد شيئاً كان (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )[يس:82].
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم توسل بين يدي دعائه بالثناء على الله عز وجل، وتعظيمه، وذكر صفتين من صفاته هي: العلم والقدرة، علم الغيب والقدرة، قال: (اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أسألك ...)، إذاً ما قبل ذلك توسل (اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي)، هذا هو الطلب، هذا هو أول السؤال، هذا هو أول الرجاء، لكن ما قال مباشرة: اللهم أحيني.
وقد جاء في أحاديث كثيرة أدعية لم يسبقها توسل، لكن الدعاء الذي يسبقه توسل إلى الله عز وجل، وثناء عليه، هذا من أسباب قبول الدعاء.
سؤال الله الوفاة إن كانت خيراً للعبد
(اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي)، فهذا هو أول السؤال الذي سأله وطلبه من الله عز وجل. هذه الكيفية هي التي فيها الفائدة للإنسان، إن كانت الحياة خيراً له يبقيه، وإن كانت الوفاة خيراً له يتوفاه، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)؛ لأنه لا يدري، قد يكون هو يرى أنه في ضيق، وفي مشقة، وفي مصيبة في هذه الحياة الدنيا، فيطلب الانتقال، فينتقل إلى أمر أشد، وإلى أمر أخطر، يحصل له بعد الموت، ولكن إذا سأل هذا السؤال، هو على خير إن حصل إبقاؤه وإن حصلت وفاته.فيكون تمني الموت وسؤال الموت على حالة حسنة، ويكون سؤال البقاء على حالة حسنة؛ لأن حصول البقاء وطول العمر، على حالة سيئة مضرة على الإنسان، لكن إذا طال عمره، وحسن عمله فهو على خير، وكذلك إذا توفي على خير، وكان ما يجده بعد الموت خيراً، يكون الإنسان على خير في حياته وفي وفاته.
وجاء في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بدعاء يقول: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر)، وهذه فائدة الحياة وفائدة الموت، إذا كان في الحياة زيادة في الخير، وزيادة في الثواب، وزيادة في العبادة التي تنفع الإنسان بعد موته. واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر، هذا من جنس هذا الدعاء: (أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي)، والكل من جوامع أدعيته عليه الصلاة والسلام.
سؤال الله الخشية في الغيب والشهادة
ثم قال: (وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة) يعني: كون الإنسان يخشى الله، ويتقيه في جميع أحواله، في حال وجوده بين الناس والناس يرونه، وفي حال غيبته وخلوته بنفسه، وعدم اطلاع الناس عليه، ما يكون علانيته تختلف عن باطنه، أو كونه ظاهراً للناس تختلف حاله إذا غاب على الناس، بل تكون جميع حالاته على حالة طيبة، يعني: يخشى الله عز وجل في سره وعلانيته، ما يكون يظهر للناس بمظهرٍ طيب، وإذا خلا ظهر بمظهر خلاف ذلك، بل غيبه وشهادته كلها خير، فهو في حال سره وعلانيته، وحال ظهوره للناس واختفائه عن الناس يكون على حالة طيبة، يسأل الله تعالى الخشية في سره وعلانيته، في الشهادة والغيبة.والخشية كما قلنا هي: الخوف والتقوى، وقد جاء في الحديث، أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) يعني: ذكر الله خالياً ليس عنده أحد يراه، والذي دفعه إلى ذلك خشية الله عز وجل، فبكت عينه من خشية الله، ولم يكن عنده أحد. معناه أن سره وعلانيته تكون سواء، ولهذا جاء في الحديث: (اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) أي: يتق الله عز وجل في حال وجوده بين الناس، وفي حال كونه في بيته، وفي حال كونه في خلوته ليس عنده أحد، لا يطلع عليه إلا الله عز وجل، يكون الإنسان يتقي الله في جميع أحواله، في بيته وخارج بيته، في متجره، في معمله، في مكتبه، في جميع أحواله، يكون متقياً لله عز وجل، يلازم تقوى الله سبحانه وتعالى، اتق الله حيثما كنت، يعني: ما تكون إذا ظهر الناس ظهر بمظهر طيب، وإذا خلا صار بخلاف ذلك، فتكون صفاته صفات المنافقين، الذين يظهرون ما لا يبطنون، يظهرون بشيء هم على خلافه بالسر، وإنما يكون الإنسان في جميع أحواله حريصاً على خشية الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال.
(وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة)، يعني: كونه غائباً على الناس، وكونه على مرأى من الناس، وعلى مشاهدة من الناس.
سؤال الله قول الحق في الغضب والرضا
(وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا) أسألك كلمة الحق أن يكون يقول الحق، ويتكلم بالحق في حال سروره، وفي حال غضبه، ما يكون في حال سروره له حال، وإذا غضب تغير وانقلب، وأتى بالكلام الذي لا ينبغي، وسب وشتم، وتجاوز الحدود. فكلمة الحق يسأل العبد ربه أن يمكنه من قولها، وأن يجعله يتكلم بالحق في حال غضبه ورضاه، ولهذا الغضب يحصل منه الشدة ومنه الكلام السيء. ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى كون الإنسان يمسك نفسه عند الغضب، وأنه يكبتها ويبتعد عن أن يتكلم بما لا ينبغي في حال الغضب، فقد (جاء رجل إلى رسول الله فقال: أوصني قال: لا تغضب فكرر مراراً قال: لا تغضب) لأن الغضب إذا حصل يجعل الإنسان يتكلم بكلام لا ينبغي، وبكلام لا يليق، فيتضرر بذلك، ويضر غيره بذلك، بسبب كونه تكلم في حال غضبه، وخرج عن طوره، وتكلم بما لا ينبغي، فيكون بذلك أساء إلى نفسه، وأساء إلى غيره، فعلى الإنسان أن يقول الحق ولو على نفسه في حال رضاه وفي حال غضبه، يقول العدل، ويتكلم بالعدل، ويكون ذلك في حال سروره وفي حال غضبه، ويسأل العبد ربه أن يمكنه من أن يأتي بكلمة الحق في حال غضبه وفي حال رضاه.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:44 AM
سؤال الله القصد في الفقر والغنى
(وأسألك القصد في الفقر والغنى) القصد هو: التوسط والاعتدال، وعدم الإفراط والتفريط؛ لأن الغنى قد يكون معه إسراف، وتجاوز للحد، والله عز وجل يقول: (كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى )[العلق:6-7]، ويقول: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ)[الشورى:27]، فيكون مع المال ومع الإحسان تجاوز للحد، ومع الفقر يكون فيه اقتراف واستياء واعتراض على قضاء الله وقدره، وكون الإنسان يتسخط ويتلوم ويتكلم بكلام لا ينبغي، وإنما يكون الإنسان غنياً شاكراً أو فقيراً صابراً، فيكون في حال غناه يكون شاكراً، ويصرف النعم فيما شرع له أن يصرفها فيه، ولا يستعملها فيما يعود عليه بالمضرة، وإنما يستعملها فيما يعود عليه بالخير، وفي حال فقره يصبر، لا يتسخط، ولا يعترض على قضاء الله ويقول: فلان عنده كذا وأنا ما عندي كذا، والنبي عليه الصلاة والسلام، أرشد الإنسان إلى أن ينظر إلى من دونه، ولا ينظر إلى من فوقه؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى من دونه، عرف أن له فضل على من دونه، وأن فضل الله عليه عظيم، لكن إذا غفل عمن دونه، وراح ينظر إلى من فوقه عند ذلك لا يعرف قدر النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لينظر أحدكم إلى من دونه ولا ينظر إلى من فوقه فإن ذلك أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) فالإنسان يرى أنه وإن حصل عنده شيء من قلة المال فهناك من هو دونه، فينظر إلى من دونه، لكن لا ينظر إلى من هو أكثر منه؛ لأنه إذا نظر إلى من هو أكثر منه، حصل عنده الجشع، وحصل عنده عدم الرضا بما قدر الله وقضاه، ويجعله يتصرف تصرفات من أجل أن يحصل مثلما حصل غيره، ولو بطرق غير صحيحة، لكن إذا رضي بما أعطاه الله عز وجل، وصار عنده شيء من القناعة، ونظر إلى من دونه، ولم ينظر إلى من فوقه، فإنه يكون بذلك عرف قدر نعمة الله عز وجل عليه.(وأسألك القصد في الفقر والغنى) والقصد هو: التوسط والاعتدال، وهو التوسط في الأمور، ودين الإسلام وسط، وشريعة الإسلام وسط بين الإفراط والتفريط، الله عز وجل يقول: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الفرقان:67] التوسط في الأمور ما فيه إسراف ولا تقتير، ما فيه تقتير يحصل من وراءه ضرر، ولا إسراف يسير فيه إضاعة المال، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)[الفرقان:67]، هذا هو القصد، وهذا هو التوسط والاعتدال (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[الفرقان:67] وسط بين الإفراط والتفريط.
يقول الشاعر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
أي: الطرفان المقابلان المكتنفان للوسط الذي هو الاعتدال مذمومان، الإفراط والتفريط مذمومان، الغلو والجفاء مذمومان، التوسط في الأمور والاعتدال في الأمور هذا هو المطلوب، لا يكون الإنسان غالياً ولا يكون جافياً، لا يغلو في أشخاص، ولا يجفو في أشخاص، وإنما يعتدل ويتوسط، ويقول الحق في الأشخاص، لا يتجاوز الحدود، ولا ينقص عما هو مطلوب منه وما مشروع له، هذا هو القصد وهذا هو الاعتدال في الأمور.
سؤال الله النعيم الذي لا ينفد
(وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيماً لا ينفذ) يعني: نعيماً دائماً، وهذا هو نعيم الجنة الذي ليس له نفاذ، يسأل الله نعيماً لا ينفد؛ لأن الذي عند الناس ينفذ (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ )[النحل:96]، لكن النعيم الذي لا ينفد هو في الجنة، والإنسان يسأل الله نعيماً لا ينفد يعني: يسأل الله الجنة ونعيمها الذي لا ينفد، والتي هي أكلها دائم وظلها لا ينقطع، (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)[هود:108] يعني: غير مقطوع، بل هو دائم مستمر. (وقرة عين لا تنقطع) يعني: سرور دائم، والسرور الدائم إنما يكون في الجنة، إنما يكون في دار السرور ودار النعيم هذا هو قرة العين التي لا تنقطع، وأما الدنيا فإنها وإن حصلت قرة عين -في بعض الأحيان- فإنه يحصل شيء يكدر هذا السرور، ولكن السرور الذي ليس معه تكدير هو نعيم الجنة، وقرة العين تكون في الجنة.
(وأسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء) يعني: يرضى بقضاء الله وقدره إذا وقع له شيء يؤلمه أي: من الأقدار المؤلمة، فإنه يؤمن بقضاء الله وقدره ويقول: قدر الله وما شاء فعل، لو قدر غير ذلك لكان، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) فقوله: (واستعن بالله)، معناه: خذ بالأسباب ولا تعول على الأسباب فقط، بل عول على مسبب الأسباب، ولكن أنت افعل الأسباب، وخذ بالأسباب التي تؤدي إلى ما تريد، واستعن بالله أن يحقق لك ما تريد. أما أنك لا تأخذ بالأسباب وتقول: هذه أمور طبيعية إذا جاء السبب جاء المسبب، فلا؛ لأن هناك شيء وراء السبب، وهو توفيق الله عز وجل وتقدير الله عز وجل؛ فإن الله تعالى إذا قدر ألا يوجد المسبب، فلا يوجده حتى مع وجوب السبب، كالإنسان إذا أراد أن يحصل الولد، الطريق إليه أن يتزوج، هذا هو الطريق المشروع الذي يحصل به الولد، ما فيه طريقة يحصل بها الولد إلا عن طريق الزواج، ما أحد يترك الأسباب يقول:أريد الولد وأنا ما تزوجت، لا، هذا سفه وجنون، ولكنه يأخذ بالسبب فيتزوج، لكن إذا تزوج، ليس بمجرد الزواج يأتي الولد، بل هناك شيء آخر وراءه، وهو توفيق الله عز وجل، وإعانة الله عز وجل، فالله عز وجل هو الذي يوجد الولد.
(احرص على ما ينفعك واستعن بالله) ما تحرص على ما ينفعك فقط، وتغفل عن الله عز وجل، بل خذ بالأسباب، وعول على مسبب الأسباب، وتوكل على مسبب الأسباب، واسأل مسبب الأسباب أن ينفع بالأسباب، اسأل الذي جعل السبب أن يأتي بالمسبب، الذي قدر السبب أن يأتي بالمسبب.
(ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا) إنسان مثلاً دخل في تجارة وحصل كساد وقال: لو أنا ما دخلت هذه التجارة وسلكت طريقاً ثانية يكون أحسن، هذا اعتراض على قضاء الله وقدره، الذي قدره الله كان، وما تدري ما يكون، لو فعلت ذاك الذي تقول: أنه أحسن. علم الغيب عند الله عز وجل.
(فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).
(وأسألك الرضا بعد القضاء) الإنسان يرضى بقضاء الله وقدره، والصبر ثلاثة أنواع، صبر على طاعة الله، وصبر عن معاص الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
الأمور التي تحصل للإنسان، يحصل له حادث سيارة، يحصل له نكبة، يحصل له انهدام بيت، يعني: مصيبة تصيبه في جسده، أو في ماله، أو في ولده، هذه مصائب تحصل للإنسان، فالإنسان يصبر على أقدار الله، ولا يتسخط على القضاء والقدر.
ثم قال: (وأسألك برد العيش) يعني: كون الإنسان بعد ما يموت في حالة طيبة وفي نعيم، ومن المعلوم أن الإنسان في قبره، إذا كان من الموفقين يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها كما جاء في ذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، (يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها) ويكون كذلك حتى يبعث من القبر، ثم ينتقل إلى نعيم الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، فإذا كان بخلاف ذلك، والعياذ بالله (يفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ...) إلخ الحديث.
(برد العيش بعد الموت) هو: ما يحصل من النعيم في القبر نعيم القبر الذي جاء بيانه في هذا الحديث، الذي أشرت إليه، وهو حديث البراء بن عازب الذي يقول فيه: (فيفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها) فيكون منعم وهو في قبره، ويجد النعيم والعيش الطيب وهو في قبره؛ لأنه مفتوح له باب إلى الجنة يصل إليه نعيم الجنة وهو في قبره.
سؤال الله التلذذ بالنظر إلى وجهه سبحانه
(وأسألك برد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم)، وهذا أعظم ما يحصل لأهل الجنة في الجنة، أن يروا الله عز وجل. وهذا الحديث يدل على رؤية الله في الدار الآخرة، وأن المؤمنين يرون ربهم في الجنة، كما جاءت في ذلك الآيات والأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، آيات كثيرة وأحاديث متواترة، جاءت عن ثلاثين صحابياً، ذكرها ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ذكر الثلاثين، وذكر أحاديث الثلاثين متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواها عنه ثلاثون من أصحابه الكرام، والقرآن جاء بذلك قال تعالى: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ )[القيامة:22-23]، ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ )[المطففين:15] الكفار حجبوا، والمؤمنون بخلافهم غير محجوبين يرون الله عز وجل.وهذا الحديث من أحاديث إثبات الرؤية، (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) وأعظم نعيم يحصل لأهل الجنة: أن يروا الله عز وجل، هذه الرؤية التي تحصل منهم إلى الله، هي أجل نعيم وأكمل نعيم، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)[يونس:26] بأنه النظر إلى وجه الله عز وجل، كما جاء في صحيح مسلم، أنها تنظر إلى الله (الزيادة النظر إلى الله).
(وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) وفيه إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى، (والشوق إلى لقائك) يعني: كون الإنسان يكون عنده شوق إلى لقاء الله، في هذه الحياة الدنيا، فإذا كان عنده شوق إلى لقاء الله فإنه يستعد لذلك اللقاء، يستعد له بماذا؟ بالأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله عز وجل. فمن هذه الأسئلة التي اشتمل عليها هذا الدعاء، الشوق إلى لقائه، والإنسان إذا اشتاق إلى لقاء الله عمل الأعمال التي تفيده إذا لقي الله عز وجل، يعملها في هذه الحياة الدنيا، فالدنيا هي دار العمل، والآخرة دار الجزاء، والإنسان يستعد للقاء الله بالعمل الصالح، فإذا اشتاق إلى لقاء الله عز وجل، وعمل الأعمال التي تنفعه إذا لقي الله عز وجل، فهذا هو الذي استفاد في آخرته، وفي دنياه، إذ عمرها فيما يعود عليه بالخير، وفي آخرته إذ حصل الثواب على هذا العمل الصالح.
ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل وقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال له عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟) يعني: ما هو العمل الذي أعددته لنفسك، إذا قامت الساعة؟، هذا هو المهم كون الإنسان يستعد للقاء الله، وذلك بالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله عز وجل زلفى.
(والشوق إلى لقائك) يعني: في هذه الحياة الدنيا يشتاق إلى لقاء الله، ويعمل الأعمال التي تقربه إلى الله (في غير ضراء مضرة ولا فتنة مظلة).
ثم قال: (اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين) الزينة الحقيقية: هي زينة الإيمان؛ لأن الإيمان إذا وفق الإنسان لتحقيقه، والقيام بما هو مطلوب منه، يجد ثواب ذلك عند الله عز وجل (اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين) مهتدين في أنفسنا هداة لغيرنا، يكون الإنسان هادياً مهدياً ينفع نفسه، وينفع غيره، يكون راشداً، مرشداً، هادياً، مهدياً، (واجعلنا هداة مهتدين) نهتدي بأنفسنا فنعمل الأعمال الصالحة التي تقربنا إلى الله عز وجل، ونسير وفق الصراط المستقيم، وندعو غيرنا ونهديهم الصراط المستقيم، ونظهرهم بالدين القويم، ونرشدهم إلى ما يعود عليهم بالخير، وإذا اهتدى الإنسان في نفسه، وعمل الأعمال الصالحة لكونه من المهتدين، ودعا غيره إلى الأخذ بأسباب السعادة، واستفاد ذلك الغير من هدايتك، فالله تعالى يثيبك مثلما أثابه، ويعطيك من الأجر مثلما أعطاه؛ لأنك الذي دللته على الخير، (ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله).
هذا دعاء عظيم من جوامع كلم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر عمار بن ياسر رضي الله عنه بأن هذه الصلاة التي قالوا أنه أوجز فيها دعا فيها بهذا الدعاء العظيم: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين)، ما أعظم هذا الدعاء! وما أجمله! وما أوسعه! لأنه ألفاظ قليلة ولكنها تشتمل على معان واسعة، ولهذا فإن أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام هي من جوامع الكلم.
فإذا حرص الإنسان على معرفة أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام، ودعا بها، يكون دعاؤه بالدعاء المأثور عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي نفس الوقت، يكون قد أتى بالدعاء الذي هو سليم من أي نقص ومن أي خلل، بخلاف الأدعية التي يحدثها الناس، فإن بعضها لا يسلم من خلل، لا يسلم من نقص، لا يسلم من خطأ، لا يسلم من الإتيان بشيء لا يسوغ، لكن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم، كلام الرسول فيه العصمة، أدعية الرسول هي فيها العصمة، وفيها السلامة، كلها خير وبركة، أما الأدعية التي يحدثها الناس، فمنها ما يكون طيباً ولا بأس به، ومنها ما يكون فيه مخالفة، أو فيه عدم اتفاق، مع ما جاءت به الشريعة، وهذا هو الذي يخشى على صاحبه من مغبته ومن مضرته.
وأول ما جاء في هذا الدعاء، كما قلت التوسل إلى الله عز وجل، بعلمه الغيب وقدرته على الخلق، وهذه هي الطريقة المشروعة للإنسان إذا أراد أن يتوسل، فيتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي). الرجل الذي مر بنا أنه سمعه الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول في دعائه: (لك الحمد، أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قيوم! إني أسألك كذا)، هذا هو التوسل الذي ينفع صاحبه، يثني على الله عز وجل، ثم يأتي بعد ذلك بما يريد، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) توسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، أما إذا توسل بتوسلات غير مشروعة، مثل: بجاه فلان، أو بجاه النبي، أو بجاه فلان الفلاني هذا ليس بمشروع، لم يرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله أصحابه الكرام. لكن ما فعله الرسول هو هذا، والذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو هذا.

__________________

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:46 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(244)

- باب التعوذ في الصلاة - نوع آخر من التعوذ في الصلاة
مما يشرع قوله في الصلاة التعوذ من أربعة أمور، وهي: التعوذ من عذاب القبر وعذاب النار ومن فتنة المسيح الدجال ومن فتنة المحيا والممات، حتى إن بعض أهل العلم ذهب إلى وجوب ذلك في التشهد الأخير.
باب التعوذ في الصلاة
شرح حديث: (كان رسول الله يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التعوذ في الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل قلت لـعائشة حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته، فقالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل).
يقول النسائي رحمه الله: التعوذ في الصلاة؛ أي الإتيان بذكر فيه الاستعاذة بالله عز وجل، وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: أنه قال لها فروة بن نوفل: حدثيني بشيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به في صلاته، فقالت: نعم، كان يقول في صلاته: (أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) وهذا دعاء عظيم من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإن فيه التعوذ من شر ما عمل الإنسان؛ أي: ما حصل منه من أمور سيئة عملها، وهو لا ينبغي له أن يعملها، (ومن شر مال لم يعمل) يعني: من الأمور التي طلب منه أن يعملها، وهو لم يعملها؛ أي: ما فعل من السيئات، وما ترك من الحسنات، ما فعل من الأمور التي لا يجوز فعلها، وما لم يفعله من الأمور التي يطلب فعلها.
إذاً: هذا دعاء عظيم شامل من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأدعية الجامعة التي تشمل كل إخلال فيما يتعلق بارتكاب المحظورات، وفيما يتعلق بعدم القيام بفعل ما هو واجب، ومطلوب؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يعمل كل ما هو خير، وأن ينتهي ويبتعد عن كل ما هو شر، فإذا استعاذ الإنسان من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، فمعناه أنه استعاذ من فعله لأمور منكرة هي من قبيل السيئات، ولما حصل منه من الإخلال، والتقصير في أمور مطلوبة منه هي كفعله للحسنات.
فهو دعاء عظيم من جوامع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام جوامع، ولهذا فإن المسلم عليه أن يحرص على معرفة الأدعية التي جاءت عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، سواء كان مما يدعى به في الصلاة، أو في غير الصلاة؛ لأن الأخذ بالأدعية النبوية فيه العصمة، وفيها السلامة؛ لأنها كلام الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأما الأدعية التي يأتي بها الإنسان من نفسه، وليست مأثورة عن رسول عليه الصلاة والسلام، فإنها تحتمل أن تكون سليمة، ويحتمل أن تكون مشتملة على خطأ، ومخالفات، ووقوع في أمور محظورة، ولكن العصمة والسلامة بلا شك إنما هي بما أوثر عن النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام كما أن السلامة فيها محققة؛ لأنها كلام الذي لا ينطق عن الهوى، ولأنها كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم، فأيضاً هي جوامع، فبالإضافة إلى كون فيها السلامة أيضاً هي جوامع مشتملة على معاني واسعة مع أن ألفاضها قليلة، فهي قليلة المبنى واسعة المعنى، وهذا هو معنى كون كلمه عليه الصلاة والسلام جوامع، وكون الأدعية التي يدعو بها هي من الجوامع.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعمل)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو محدث، فقيه، إمام مشهور، إمام في الفقه، وإمام في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا جرير].
هو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديث أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة، وهو من أقران الأعمش.
[عن هلال بن يساف].
ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن فروة بن نوفل].
اختلف في صحبته، وقيل: إن الصحبة إنما هي لأبيه، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قلت عائشة].
أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي هي ذات المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، والتي هي من أوعية السنة، والتي حفظت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما الأحاديث المتعلقة في البيوت، والتي لا يطلع عليها إلا أهل البيت، التي لا يطلع عليها إلا أمهات المؤمنين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها حفظت الشيء الكثير، وروت الشيء الكثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بأمور البيت وفي غيرها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد قال السيوطي في هؤلاء السبعة في ألفيته:
والمكثرون في رواية الأثر أبي هريرة يليه بن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضها الصديقة بنت الصديق أنزل الله عز وجل في براءتها مما رميت به من الإفك آيات تتلى في كتاب الله عز وجل في أوائل سورة النور، فمن رماها بالإفك فإنه يعتبر مكذباً للقرآن، ويعتبر كافراً ليس من المسلمين؛ لأن من قال: إنها واقعة في الإفك الذي رميت به، وقد برأها الله عز وجل، وأنزل براءتها في كتابه الكريم، فإنه يكون مكذباً بهذه الآيات التي أنزلها الله على رسوله الكريم، وفيها براءة لأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وكان من نبلها، وفضلها رضي الله تعالى عنها أنها مع إنزال الآيات في براءتها، وفي ذلك إظهار لفضلها، كانت تتواضع لله عز وجل، وكانت تقول: وكنت أتمنى أن يرى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه رؤيا يبرأني الله بها. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، فهي تريد أن يحصل وحي في براءتها عن طريق الرؤيا، وكانت تستهون نفسها وتقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى.
فهؤلاء هم أولياء الله حقاً الذين جمعوا بين الكمال، والتواضع لله عز وجل، أحسنوا لله، وقاموا بما هو مطلوب منهم، ورفع الله شأنهم، وأعلى ذكرهم، ومع ذلك يحصل التواضع منهم لله عز وجل، وقد قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلامhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=من تواضع لله رفعه الله) فهي تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى. وهذا من تواضعها، ومن فضلها، ونبلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
نوع آخر من التعوذ في الصلاة
شرح حديث عائشة في تعوذ النبي من عذاب القبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا محمد بن بشار عن محمد قال: حدثنا شعبة عن أشعث عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة بعد إلا تعوذ من عذاب القبر)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي نوع آخر؛ أي: من التعوذ في الصلاة، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، و(أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق، وقالت: فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد إلا تعوذ بالله من عذاب القبر).
فهذا الحديث يدلنا على التعوذ بالله من عذاب القبر، وإنه يتعوذ به في الصلاة، ومن المعلوم أن التعوذ في الصلاة، والذكر، والدعاء في الصلاة إنما يكون في موضعين: في السجود، وفي التشهد الأخير قبل السلام، فهذان هما الموضعان اللذان يكثر فيهما الدعاء، ويؤتى فيهما بالدعاء، ويتخير الإنسان فيه من الدعاء ما شاء، وقد جاء في الحديث بالنسبة للسجود: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) وجاء في الحديث الذي مر: (ثم ليتخير الدعاء أعجبه ما شاء) أي: أعجبه إليه يدعو به، إذاً: معناه أنه يدعو الإنسان في التشهد الأخير قبل السلام، ويدعو أيضاً في السجود، فيستعيذ بالله عز وجل في صلاته، سواءً كان ذلك في السجود، أو في التشهد قبل السلام؛ لأن السجود أرشد فيه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإكثار من الدعاء، وكذلك أيضاً التشهد الأخير جاء ما يدل على الدعاء فيه، وأن الإنسان يتخير من الدعاء أعجبه إليه.
وسؤال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاه عن عذاب القبر، يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عليهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام، ومعرفة أمور الدين أصوله وفروعه، وكانوا يسألون عن الأصول والفروع، وهذا من السؤال عن أصول الدين؛ لأن هذا من الأمور العقدية، وهو من الإيمان بالغيب الذي لا يعرف العلم به إلا عن طريق الوحي، وهو من جملة الأخبار التي يخبر بها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عن أمور مستقبلة.
ومن المعلوم أن من مقتضيات أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يطاع في كل ما يؤمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق في كل ما يخبر به، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإن الإيمان بعذاب القبر، والتصديق بعذاب القبر، هذا من التصديق بأخباره عليه الصلاة السلام، ومن الإيمان بالغيب الذي امتدح الله أهله وأثنى عليهم في أول سورة البقرة حيث قال: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )[البقرة:1-3]، فهذا من الغيب الذي يجب الإيمان به.
الأدلة على وقوع عذاب القبر
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه بعذاب القبر، وإثباته، بل جاء القرآن الكريم في إثبات ذلك في قول الله عز وجل في آل فرعون (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، فإن هذه الآية تدل على عذاب القبر، وأن آل فرعون يعذبون في قبورهم حتى تقوم الساعة، وإذا قامت الساعة ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وغيره من حديث البراء بن عازب الحديث الطويل في عذاب القبر، وفي آخره: (أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها) فهذا فيه بيان إثبات عذاب القبر، وهو ثابت في كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام منه، والإرشاد إلى التعوذ منه، وبيان أن عذاب القبر حق، يدل على إثباته، وإنه يجب التصديق به، ومن كان أهلاً لأن يعذب في قبره، فإنه يصل إليه عذاب القبر، وإن لم ندرك كيفية وصوله؛ لأن هذه من الأمور الغيبية يجب التصديق بها، ولا يكون الإيمان مبنياً على المشاهدة، والمعاينة، بل الإنسان يؤمن بالخبر إذا جاء عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعرف الكنه والكيفية؛ لأن عذاب القبر ونعيم القبر ليس من جنس ما يعقل في الدنيا، ويشاهد في الحياة الدنيا، فقد يفتح القبر ولا يوجد فيها لا جنة ولا نار، لكن لا يمنع وجود الجنة والنار، لكن الإنسان لم يطلعه الله عز وجل على ذلك، لم يطلع الله عز وجل البشر على ذلك، وقد أطلع نبيه عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث في صحيح مسلم: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) ،وقد أخفاه الله على الناس لحكمة؛ وهي أن يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأنه لو كشف للناس ما يجري في القبور ما يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، لكن صار ذلك خفياً، ولهذا لما كانت الحيوانات غير مكلفة كانت تسمع كما جاء في الحديث، (إنه عندما يسمع من يعذب في قبره يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنس، والجن، ولو سمعها الإنسان لصعق)، فالله سبحانه وتعالى أطلع البهائم على ذلك، ولم يطلع الإنس والجن على ذلك؛ لأنهم مكلفون، فكان في عدم إطلاعهم التمييز بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، من يصدق بالأخبار، ومن يكذب بالأخبار، ولا يؤمن إلا بالمشاهدة والمعاينة.
فعذاب القبر حق، ومن كان أهلاً لعذاب القبر فعذاب القبر يصل إليه، سواءً قبر أو لم يقبر، وسواءً أحرق وذر في الهواء، أو أكلته الحيتان، أو أكلته السباع، الله عز وجل قادر على أن يوصل إلى جسد الإنسان العذاب على الكيفية التي يعلمها سبحانه وتعالى، ولو فتح القبر فلا يرى الإنسان جنة ولا نار، لكن هذا لا يمنع، ولا يجعل الإنسان لا يؤمن، بل يؤمن؛ لأن أمور الآخرة ليست من جنس أمور الدنيا، ليست من جنس ما يشاهد الناس في الدنيا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه الجنة والنار وهو يصلي بالناس الخسوف، هو راءاها ورأى عناقيد العنب، ومد يده ليتناول منها، والصحابة وراءه يرونه يرون اليد الممدودة ولا يرون الشيء الذي مدت إليه، أطلع نبيه ولم يطلع الصحابة، وكلهم في مكان واحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى الجنة التي عرضت عليه، ورأى النار التي عرضت عليه، والصحابة ما رأوا هذا الذي رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل رأوا يده ممدودةً كأنه يتناول شيئاً، وسألوه بعد ذلك فقال: أنه رأى الجنة: وعرضت عليه، ورأى عناقيد العنب متدلية، فأراد أن يأخذ منها عنقوداً، قال: (ثم تركت، ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا) لو أخذ عنقوداً لأكل الناس منه إلى نهاية الدنيا، هذا نعيم الآخرة، لكن الله عز وجل شاء ألا يكون نعيم الآخرة في الدنيا، بل يكون في الآخرة، وهذا العنقود لو أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الناس منه إلى نهاية الدنيا، هذا هو نعيم الآخرة.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى العناقيد، ورأى الجنة، ورأى النار، والصحابة وراءه ما رأوه، وهو عليه الصلاة والسلام أطلعه على ما يجري في القبور من حيث أنه يسمع العذاب، وهم لم يطلعهم عليه على ذلك، حيث قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع) فأحاديث عذاب القبر كثيرة متواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ويجب الإيمان بها، ولا يتوقف الإيمان على المشاهدة والمعاينة، وأن الإنسان يقول: لو فتحنا القبر ما وجدنا نعيم، ولا وجدنا جنة ولا نار، والذي أكلته السباع كيف يصل إليه العذاب، والذي أكلته الحيتان كيف يصل إليه العذاب، الله عز وجل يقول: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، ويعيد الأجساد من تلك الذرات التي اختلطت بالتراب، والذي يعاد يوم القيامة هو الجسد الذي كان في الدنيا، ليس جسداً جديداً، الذي يعاد عند البعث هو الجسد الذي كان في الدنيا؛ لأنه هو الذي أحسن وأساء، فينعم ويعذب، ما يوجد جسم جديد ينعم، ويعذب وهو ما حصل منه إساءة، وإنما الذي يعذب هو نفس الجسد الذي حصلت منه الإساءة، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ )[يس:65]، الأيدي تشهد، والأرجل تشهد، إذاً الأيدي التي تشهد هي الأيدي التي في الدنيا، والأرجل هي الأرجل التي في الدنيا، الأرجل التي مشت إلى المعصية، والأيدي التي فعلت المعصية، فالبعث يكون للأجساد التي كانت في الدنيا، والعذاب يكون على الأجساد التي كانت في الدنيا، والنعيم يكون على الأجساد؛ لأنها هي التي أحسنت وهي التي أساءت، والإحسان يكون على الجسد الذي أحسن، والروح التي أحسنت، والعذاب يكون على الروح التي أساءت، والجسد الذي أساء؛ لأن العمل سواءً كان خيراً أو شراً بمجموع الروح والجسد، ليس من الروح وحدها، ولا من الجسد وحده، ولهذا تنعم الروح والجسد، ويعذب الروح والجسد، والعذاب يصل إلى من يستحقه، سواء قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو أكلته الحيتان أو أحرق وذر في الهواء، الله عز وجل يوصل إلى العذاب إلى من يستحق العذاب.
ثم من الأمور التي يمكن أن نتبينها في الدنيا وهي مشاهدة معاينة حاصلة بالنسبة للإنسان في الأمور الدنيا، وهي توضح أن عذاب القبر يمكن أن ينعم المنعم، ويعذب المعذب، وقد يكونان في قبر واحد، هذا في نعيم وهذا في جحيم، وهذا ما يصل إليه نعيم هذا، وهذا ما يصل إليه جحيم هذا، العذاب ما يصل إلى المنعم، والنعيم ما يصل إلى المعذب، وهم في قبر واحد مدفونين مع بعض، والله تعالى على كل شيءٍ قدير، في الدنيا شيء يوضح هذا، وهو ما يجري في النوم، ينام شخصان في غرفة واحد، بل يكونان في لحاف واحد؛ الزوج، والزوجة، ينامان في لحاف واحد، ثم كل واحد منهم يقوم من نومه، واحد منهم منعم، وواحد معذب، واحد منهم رأى أنه يأكل من الفواكه، ويتمتع في النعيم، ثم يقوم ولعابه يسيل مسروراً بالشيء الذي حصل له في هذا النوم، والثاني في جواره يرى أن السباع تلاحقه، والحيات تنهشه، والعقارب تلسعه، ثم يقوم وهو في ذعر، وفي خوف، وريقه ناشف من شدة ما حصل له في النوم، من هذا الأمر الذي حصل للروح، ومن المعلوم أنه إذا كان هذا حصل في الدنيا، مع أن هذا بجوار هذا، وهذا ما درى عن نعيم هذا، فهذا في الآخرة من باب أولى، هذا يبين لنا أمور الآخرة، والإنسان يجب عليه أن يصدق بكل ما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، وبذلك يكون محققاً شهادة أن محمداً رسول الله.
أما إذا لم يصدق بأخبار الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه لم يكن محققاً لمعنى أشهد أن محمداً رسول الله، لأن أشهد أن محمداً رسول الله تعني أن يصدق في كل ما يخبر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يفعل كل ما يأمر به، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، لا يعبد بالبدع والمنكرات والمحدثات والخرافات، والأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما يكون الإنسان عمله مبنياً على أساس متين، ومتوفر فيه شرطان هما: إخلاص العمل لله، وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون العمل خالصاً لوجهه سبحانه وتعالى، ومطابقاً لسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، لا يكون مبتدعاً محدثاً من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة) ثم أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالمسلم يحقق مقتضى أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصدق الأخبار، ويمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، وتكون عبادته طبقاً لما شرعه رسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم قالت: (فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاةً بعد إلا تعوذ بالله من عذاب القبر).
يعني: إما أنه شرع له التعوذ من ذلك الوقت، أو أنه كان موجوداً من قبل، ولكنها ما فطنت له ولا تنبهت إلا بعد ما سألت هذا السؤال، وأجاب بهذا الجواب، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا؛ يحتمل أن يكون التعوذ بالله من عذاب القبر موجوداً في صلواته من قبل، وما كانت فطنت لذلك، وإنما فطنت لما سألت، وأجابها بهذا الجواب، ويحتمل أنه إنما كان أوحي إليه أن يتعوذ في الصلاة في ذلك الوقت الذي حصل سؤالها إياه، وأجابها بأن عذاب القبر حق، وأنه كان يتعوذ في صلاته من عذاب القبر.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:49 AM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تعوذ النبي من عذاب القبر
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.
[عن محمد]،
محمد هنا غير منسوب، يروي عنه محمد بن بشار، ويروي هو عن شعبة، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عنه محمد بن بشار، ويروي عن شعبة، فالمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديث شعبة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن أبيه أبي الشعثاء، وهو: سليم بن أسود المحاربي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مرّ ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث عائشة في تعوذ النبي من عذاب القبر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني أبي عن شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك المأثم والمغرم فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) ].هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ بالله في الصلاة.
فكان يدعو في الصلاة يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات).
(اللهم إني أعوذ بك المأثم والمغرم) يعني: هذا حديث من الأحاديث المشتملة على تعوذ النبي عليه الصلاة والسلام، أي تعوذه بالله عز وجل من أمور متعددة: من عذاب القبر، وهو الذي مر بالحديث الذي قبل هذا عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ومن فتنة المسيح الدجال، المسيح الدجال هو الرجل الذي يخرج في آخر الزمان، ويحصل على يديه أمور عجيبة، وأمور غريبة تجعل الناس يخدعون فيه، ويفتنون فيه، فيتبعونه، والذي يوفقه الله عز وجل يعصمه الله عز وجل من الدجال وفتنته، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى الاستعاذة بالله من فتنة المسيح الدجال، والمسيح الدجال هو الرجل الذي تواترت بذكره الأحاديث عن رسول عليه الصلاة والسلام، وأنه يخرج في آخر الزمان، وأنه يطوف البلاد، وأنه يدخلها إلا مكة والمدينة؛ فإن الملائكة تحرسها، وتمنعه من دخولها، ولكنه يقيم في أطرافها وفي خارجها، فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه كل كافر وكافرة، وكل منافق ومنافقة، يخرجون إليه ويلحقون به، وإن كانوا ليسوا عنده، ولكن هذه الرجفات الثلاث تجعل هؤلاء الذين هم من أتباعه يلحقون به ويخرجون، والأحاديث متواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي كثيرة جداً في الصحيحين، وفي غيرها من كتب السنة، وكذلك أيضاً يحصل على يديه أمور يأتي بجنة ونار، ويفتن الناس بما يحصل على يديه، وبما معه من تلك الخوارق التي يفتتن بها الناس، وهي فتنة يفتن الله عز وجل بها من شاء من عباده الموجودين في ذلك الوقت، ثم بعد ذلك ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء، ويأتي ويصلي في المسجد الأقصى، ثم يخرج ويلحق به بباب لد من أرض فلسطين، فيقتله بيده ويري الناس دمه بحربته، وعند ذلك ينتهي هذا الرجل الذي هو صاحب هذه الفتنة، التي جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتعوذ بالله من فتنته؛ لأنه يأتي بأمور عجيبة تذهل الناس، ومن لم يوفقه الله عز وجل فإنه يخدع، ويغتر بما يحصل على يديه، وبما يرى معه من الأمور التي هي من خوارق العادات، فيحصل الابتلاء والامتحان لمن شاء الله عز وجل من عباده، ولهذا جاء في الأحاديث: (وأنه ليس هناك فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال) فالإيمان بهذا الخبر المتواتر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من وجود الدجال، وخروجه في آخر الزمان، وما يحصل على يديه، هذا من الإيمان بالغيب التي يجب التصديق بها، وأنه لابد وأن يوجد هذا الشخص، لابد، وأن يخرج على الناس في ذلك الوقت الذي شاء الله أن يخرج، ثم يحصل منه ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويفتتن به من يفتتن، ويعصم الله منه من يعصم من عباده الذين سلمهم من الافتتان به.
قوله: (ومن فتنة المحيا والممات) هذا أيضاً دعاء عام، وهذا عموم بعد خصوص، أو تعميم بعد تخصيص؛ لأن فتنة المسيح الدجال هي من فتنة المحيا، لكن هذا الدعاء يشمل التعوذ من سائر الفتن، ويدخل فيها فتنة المسيح الدجال، فيكون ذكرها بعد ذكر المسيح الدجالمن ذكر العام بعد الخاص؛ لأن هذه من فتن الحياة ، وفتنة الممات أيضاً منها ما يجري في القبر من السؤال والعذاب وما إلى ذلك، كل هذا أيضاً من فتنة الممات، ففيه أدعية خاصة في الحياة وفي الموت، ودعاء عام يشمل ما يجري في الحياة من الفتن، وما يجري في الموت، وبعد الموت من الافتتان.
قوله: (وأعوذ بك من المأثم والمغرم) المأثم هو: الوقوع في الإثم، أو الأعمال التي تؤدي إلى الإثم، وأما المغرم فقد فسر بأنه الذنوب والمعاصي، وما جاء في الحديث من تفسيره بأن المراد به الدين، والغرم الذي يتحمله الإنسان، ويبتلى به الإنسان من الديون التي يتحملها، فآخر الحديث يدل ويفسر المراد بهذا المغرم، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: (ما أكثر ما تتعوذ من المغرم؟ قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) يعني: يترتب على هذه الأمور الغير طيبة، حصول الكذب في الحديث، وحصوله خلاف الوعد، فهذا من أضراره، ومن الأمور التي تترتب على المغرم، وتحمل الديون، ولهذا هذا فيه تنفير من الوقوع في الدين، لكن المقصود بالدين الذي ليس هناك أمر يقتضيه، وليس هناك ضرورة تلجئ إليه، وأما إذا كان الإنسان يستدين، وعنده وفاء، أو عنده قدرة على الوفاء في المستقبل، فيعلم أن أمامه شيء سيأتيه في وقت لاحق، فيستدين لأنه ما عنده شيء في الوقت الحاضر، ولكنه سيأتيه بعد كذا من الأشهر مال في مقابل كذا، أو مما يعلمه مما سيصل إليه في المستقبل، فلا بأس بذلك، ولا مانع منه، لكن كون الإنسان يستدين، ويحمل نفسه أشياء بأمور ليس هناك داعٍ إليها، وليس هناك حاجة إليها، فإن هذا يحمل نفسه حقوق الناس، ويترتب على ذلك مثل هذه المفاسد التي أرشد إليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهي الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، فهذه من الأدعية الجامعة التي هي من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تعوذ النبي من عذاب القبر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبيه].
هو عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أيضاً أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن شعيب].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول عليه الصلاة والسلام بجد النبي صلى الله عليه وسلم كلاب ؛ لأن قصي بن كلاب أخو زهرة بن كلاب، فيلتقي نسبه مع نسب النبي عليه الصلاة والسلام بـكلاب بن مرة جد النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا ينسب ويقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب جده الأعلى في النسب، وينسب أيضاً إلى جده شهاب فيقال أيضاً: ابن شهاب، فهو مشهور بهاتين النسبتين، والمراد بجده ليس جده هو؛ لأنه يعتبر جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فهو جد جده؛ لأن جده عبيد الله، وعبيد الله جده شهاب، فهو ينسب إلى جد من أجداده فيقال له: ابن شهاب، ويقال له: الزهري، وهو إمام، جليل، ثقة، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أسند إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه جمع السنة، وتدوينها، وقال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
والمراد بالتدوين: التدوين بتكليف من السلطان، وإلا فإن التدوين بأعمال فردية، وجهود خاصة من غير تكليف من السلطان موجود في زمن الصحابة وموجود في زمن التابعين، وعبد الله بن عمرو كما جاء في الحديث، وجاء في الأثر عن أبي هريرة أنه كان يكتب ولا أكتب، يعني كانوا يكتبون السنة، لكن الذي حصل من عمر إلى الزهري هو الجمع بتكليف من ولي الأمر، وتكليف من السلطان، وحديث الزهري عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.
[أخبرني عروة بن الزبير].
هو عروة بن الزبير بن العوام ، وهو ثقة، فقيه، أخرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهم: عروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب ، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هؤلاء سبعة اشتهروا بهذا اللقب، وهو لقب الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، فإذا جاء مسألة من المسائل يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، ولا يسمونهم اكتفاءً بهذا اللقب الذي يشملهم، وهؤلاء هم المعنيون بهذا اللقب، وعروة بن الزبير الذي معنا في هذا الإسناد هو واحد من فقهاء المدينة السبعة.
[عن عائشة]؛ هو يروي عن خالته عائشة، وعائشة مر ذكرها في الأسانيد الماضية. شرح حديث: (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم وعذاب القبر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن المعافى عن الأوزاعي ح وأخبرنا علي بن خشرم عن عيسى بن يونس واللفظ له، عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن أبي عائشة قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه بما بدا له).هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه بما بدا له) فهذا الحديث مشتمل على التعوذ من هذه الأمور الأربعة: من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب جنهم، فهذه الأربع أرشد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأنه يتعوذ بالله منها بعد التشهد؛ يعني: في آخر الصلاة في التشهد الأخير والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وقبل السلام، والحديث فيه الأمر بالتعوذ بالله منها، وقد حمله بعض الفقهاء على الوجوب، وجمهورهم حملوه على الاستحباب، وكونه جاء فيه الأمر حتى ولو لم يقل بالوجوب، فإن إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام إلى التعوذ بالله من هذه الأربع، وكون البعض قال بالوجوب، هذا يجعل المسلم يهتم بها، ويحرص عليها، أي: الاستعاذة بالله عز وجل من هذه الأربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
تراجم رجال إسناد حديث (إذا تشهد أحدكم فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر...)
قوله: [أخبرني محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي].ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[عن المعافى].
هو ابن عمران الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[عن الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، فقيه أهل الشام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من وافقت كنيته أسم أبيه، فأبوه عمرو وكنيته أبو عمرو، وهذا من أنواع علوم الحديث التي مرت بنا في المصطلح، وفائدة معرفتها ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بلقبه بدل نسبته، وفيما لو ذكر بكنيته بدل نسبته، فإذا قيل: عبد الرحمن أبو عمرو، أو قيل: عبد الرحمن بن عمرو، النتيجة واحدة، فهو عبد الرحمن أبو عمرو، فلا تصحيف بين كلمة (ابن) و(أبي)، بل هو أبو عمرو وابن عمرو.
[ح وأخبرنا].
حول الإسناد قال: (ح)، وهذه (ح) التحويل، هي للتحويل من إسناد إلى إسناد، أي: أنه يمشي في الإسناد ثم يأتي بكلمة (ح) ثم يرجع من جديد، ويأتي بإسناد آخر حتى يتلاقى الإسنادان الأول والثاني، ثم يستمر إلى النهاية، فيكون الإسناد جاء من طريقين يلتقيان عند شخص معين، ثم يتوحد الطريق بدل ما كان طريقين يتحد الطريق بعد ذلك حتى يصل إلى منتهاه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهنا حول الإسناد إلى إسناد آخر.
[أخبرنا علي بن خشرم]،
شيخ آخر من مشايخه، وهو علي بن خشرم المروزي، وهو ثقة، خرج حديث مسلم، والترمذي، والنسائي. وعلي بن خشرم هذا من المعمرين، وقد ذكر في ترجمته أنه قال: صمت ثمانية وثمانين رمضاناً.
يعني معناه صام ثمانية وثمانين سنة، أي أنه من حين بدأ التمييز سواء كان قد احتلم أو لم يحتلم؛ لأن الصيام يوجد قبل الاحتلام، لكنه صام هذه السنين وهي ثمانية وثمانين سنة وهو يصوم، فهو من المعمرين.
[عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مأمون، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[واللفظ له].
أي: للشيخ الثاني، ذكر إسنادين، فهو ذكر الذي اللفظ بالنسبة للإسناد الأول، للإسناد الثاني وليس للإسناد الأول.
ويلتقيان عند الأوزاعي.
[عن حسان بن عطية].
حسان بن عطية ثقة، فقيه، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن أبي عائشة].
محمد بن أبي عائشة قيل: أن أباه عبد الرحمن، وهو حجازي ليس به بأس، وليس به بأس مثل الصدوق، يعني في اصطلاح الحافظ ابن حجر كما في التقريب في أوله، ليس به بأس هي بمنزلة الصدوق، وقد ذكرت أن بعض المحدثين وهو يحيى بن معين يطلق (لا بأس به) بمعنى ثقة؛ لأن لا بأس به عند ابن معين توثيق تعادل كلمة ثقة عند غيره وهذا اصطلاح، وكما يقولون: إذا فهم الاصطلاح فلا مشاحة في الاصطلاح.
أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وما أخرج له البخاري في الصحيح، ولا الترمذي.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه]،
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثرهم على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الأسئلة

حكم قول التعوذ من الأربع في التشهد الأول
السؤال: لماذا لا تقولون بالدعاء في التشهد الأول، وجاءت السنة بذلك؟الجواب: ما أعرف أن السنة جاءت بأنها تأتي بعد التشهد الأول؛ لأن التشهد الأول يخفف ولا يطول، وأما التشهد الأخير فهو الذي يؤتى فيه بالصلاة، ويؤتى فيه بالتعوذات، ويأتي الإنسان بما يتخير من الدعاء أعجبه إليه، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
بيان كيفية إحرام الحائض
السؤال: كيفية إحرام المرأة الحائض؟ الجواب: المرأة الحائض تحرم وعليها الحيض، يعني: أنها تغتسل وتتنظف عند الإحرم ولو كان الحيض عليها، وتدخل في الإحرام وتلبي، وإذا دخلت مكة لا تدخل البيت حتى تطهر من الحيض، وتغتسل، وإن استمر معها فإنها تعمل جميع أعمال الحج، إلا إنها لا تدخل البيت، وتطوف به حتى تطهر من حيضها وتغتسل.
مدى لزوم كون الأرض مقدسة أنها تقدس الناس التي فيها
السؤال جاء في الحديث: (المدينة كالكير تنفي خبثها)، إلى آخر الحديث، هل معناه أن ليس في المدينة أحد منافق أو خبيث؟ يقول: هل معنى هذا الحديث ألا يكون هناك منافق أو خبيث في المدينة؟ الجواب: نعم، ليس فيه ما يدل على أن المدينة ما يبقى فيها إلا ناس طيبون، سالمون من النفاق، وسالمون من المعاصي، أبداً، بل المدينة كما هو معلوم يكون فيها الطيب، وفيها الرديء، وكما قال سلمان رضي الله تعالى عنه أو أبو الدرداء، يقول أحدهما للآخر يقول: إن البلاد لا تقدس أحداً، وإنما يسلم الإنسان من السوء بالعمل الصالح، فقد أشرت إلى الحديث الذي جاء فيه إنه إذا خروج الدجال، وطاف بالبلاد كلها، وجاء ونزل في أطراف المدينة، ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر وكافرة، وكل منافق ومنافقة في ذاك الوقت، فهم باقون، ولكن إذا جاء الدجال، وحصلت الرجفات خرجوا ولحقوا به فوجود المنافقين مما لا شك فيه، فهناك من لا خير فيهم يخرجون من المدينة، والمدينة تنفيهم، ولكن لا يعني ذلك أن كل من خرج منها يكون كذلك، فإن المدينة خرج منها أصحاب رسول الله عليه الصلاة السلام، وتوزعوا في الآفاق ليقوموا بالجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى دين الله عز وجل، وهم خيار خلق الله، فليس معنى ذلك أن من بقي فيها يكون خيراً، ومن خرج منها يكون بخلاف ذلك، فإنه يبقى فيها الطيب والرديء، ويخرج منها الطيب والرديء.

__________________

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:52 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(245)

- باب نوع آخر من الذكر بعد التشهد - باب تطفيف الصلاة
جاءت أحاديث كثيرة تبين ما يقوله الإنسان بعد تشهده في الصلاة ومنها: أن يقول: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. ومما ينبغي مراعاته في الصلاة عدم نقصانها، بل يتمها ويأتي بها على أكمل وجه.
باب نوع آخر من الذكر بعد التشهد
شرح حديث: (إن رسول الله كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بعد التشهد.أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم).
يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من الذكر بعد التشهد، وسبق أن مر أنواع من الذكر بعد التشهد، وهذا منها؛ أي: أنه يقال ذلك في آخر الصلاة، وهذا الذكر المقصود به الثناء على الله عز وجل، وعلى شرعه، وعلى ما جاء به نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما؛ [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم] هذا هو الذكر الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، والمراد به: الثناء على الله عز وجل، وعلى كلامه الذي هو صفة من صفاته، فهو أحسن الكلام، ليس هناك كلام أحسن من كلام الله عز وجل، وخير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
والحديث المقصود من إيراده كونه ثناء على كلام الله عز وجل الذي هو صفة من صفاته، وكذلك على الهدي وهو الطريقة والمنهج الذي جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهديه خير الهدي، وكلام الله عز وجل خير الكلام، وفي الحديث إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وجميع صفات الله عز وجل التي جاءت في الكتاب والسنة يجب إثباتها لله عز وجل على الوجه اللائق لكماله وجلاله، دون تشبيه أو تكييف أو تمثيل، ودون تعطيل أو تأويل، بل على حد قول الله عز وجل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )[الشورى:11]، وكلام الله عز وجل هو القرآن وغيره مما تكلم به؛ مثل: التوراة، والإنجيل، ومثل كلامه لأهل الجنة إذا دخلوا الجنة، ومثل كلامه مناجاته لموسى، وتكليمه محمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، فكل هذا من كلام الله عز وجل، وكلام الله عز وجل لا يتناهى؛ لأنه لا بداية للمتكلم به، ولا نهاية للمتكلم به، فلا بداية للكلام ولا نهاية للكلام، فكلام الله عز وجل لا ينتهي، ولا ينحصر؛ لأن المتكلم به قديم بلا ابتداء، ودائم بلا انتهاء، هو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية؛ ولهذا يقول الله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )[لقمان:27]، ويقول سبحانه وتعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا )[الكهف:109]، فكلام الله عز وجل لا ينحصر، ولا ينتهي؛ لأنه لا بداية للمتكلم به، ولا نهاية للمتكلم به، والذي له بداية وله نهاية كلامه محصور، مثل البشر والخلق؛ لأن لهم بداية، ولهم نهاية، وكلامهم منتهي ومحصور؛ لأنه معروف بدايتهم ونهايتهم، فكلامهم يكون محصوراً، لكن الذي لا بداية له ولا نهاية له فلا نهاية لكلامه، وهذا هو معنى قول الله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ )[لقمان:27]، يعني: لو كانت الأشجار التي في الأرض كلها يتخذ منها أقلام، والبحور الزاخرة، المحيطات هذه الواسعة الكثيرة الضخمة في السعة، وكثرة الماء، فهي على ما هي عليه، لو صارت مداداً يكتب به، وضوعفت أضعافاً مضاعفة لانتهت الأقلام، وانتهت البحور التي لو كانت مداداً، ولم ينفد كلام الله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ )[لقمان:27]، نفس البحر يكون مداداً، ويضاعف سبع مرات أو أكثر، فإنه ولا بد أن ينتهي المداد، ولا ينتهي كلام الله.
والقرآن هو من كلام الله، القران يكتب بمحبرة صغيرة تكتب القرآن؛ لأنه هو شيء من كلام الله، وبعض من كلام الله، والتوراة من كلام ا لله، والإنجيل من كلام الله، وكلام الله عز وجل لا حصر له، ولا نهاية، والآية الثانية في سورة الكهف: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا )[الكهف:109]، أي: بمثل البحر مدداً، لو جعلنا أضعافاً مضاعفة تكون مداداً لانتهى ذلك المداد، ولا ينتهي كلام الله؛ لأن البحر محصور، وإن كان واسعاً، ولكن كلام الله عز وجل لا ينحصر؛ لأنه لا بداية للمتكلم به، ولا نهاية له سبحانه وتعالى، إذاً لا حصر لكلامه، وكلام الله لا يتناهى.
(أحسن الكلام كلام الله) ففيه إثبات صفة الكلام لله عز وجل، وفيه إثبات أن كلامه خير الكلام، وليس أحد أحسن من الله حديثاً، وكلامه أحسن الكلام، وهدي نبيه عليه الصلاة والسلام خير الهدي، أي: الطريقة التي عليها الرسول عليه الصلاة والسلام هي الطريقة الأحسن، هي الطريقة التي فيها السلامة والنجاة، هي الطريقة التي من سار عليها فإنه سار على درب السلامة، وعلى طريق العصمة من الزيغ، ومن حاد عن الجادة التي كان عليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فإنه هو الذي تتخطفه الشياطين، وتتفرق به السبل؛ لأن الطريق إلى الله عز وجل واحد؛ وهو ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهناك سبل أخرى منحرفة عن هذا السبيل، هي التي يدعوا إليها الشياطين، والله عز وجل يقول: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )[الأنعام:153]، وقال عليه الصلاة السلام: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي) وقال عليه الصلاة والسلام: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة) فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً) كأنه قيل: يا رسول الله! فماذا تأمرنا به عند هذا الاختلاف؟ أجاب دون أن يسأل؛ لأن المقام يقتضي الإتيان بهذا الكلام وهذا الجواب، فقال: (فعليكم بسنتي) يعني طريق السلام، وطريق العصمة، وطريق النجاة عند وجود هذا الاختلاف الكثير، أن تلتزموا بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتسيروا على سنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
إذاً: هاتان الجملتان عظيمتان: (أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) فكان عليه الصلاة والسلام يقول بعد التشهد ويثني على الله عز وجل بهذا الثناء، وعلى كلامه بهذا الثناء، ويثني على شريعة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وطريقته ومنهجه، وأنها خير الهدي؛ وأحسن الهدي، هدي محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله ..)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس المحدث، الناقد، الثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، مشهور بلقب الفلاس، وهو متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الرجال قال الفلاس كذا، ضعفه الفلاس، وثقه الفلاس، والمراد به عمرو بن علي هذا، ويأتي أيضاً باسمه ونسبه كما جاء هنا.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، متكلم في الرجال، جرحاً وتعديلاً، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر بن محمد].
هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين الملقب الصادق، جعفر الصادق، أحد أئمة أهل السنة الذين يتولون أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام.
عقيدة أهل السنة في آل البيت وسائر الصحابة
وعقيدة أهل السنة أنهم يتولون صحابته الكرام، ويحبون الجميع، ويعرفون للجميع قدرهم، ويسيرون في كل على الاعتدال، والتوسط؛ بدون إفراط ولا تفريط، وبدون غلو، وجفاء، فلا يغلون ولا يجفون، ليس عندهم الجفاء وليس عندهم الغلو في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي أهل بيته، فهم معتدلون ومتوسطون، ليسوا بغلاة يزيدون ويتجاوزون الحدود، وليسوا بجفاة ينقصون عن الحدود، وإنما يتكلمون في الجميع بالكلام اللائق بهم، ومن كان تقياً من أولياء الله عز وجل فإنهم يحبونه، سواءً كان من أهل البيت أو من غيرهم، ويحبون الصحابة جميعاً، ويتولونهم جميعاً، ويحبون أولياء الله من أهل البيت الذين هم على الاستقامة، وعلى الجادة، أما من كان منحرفاً من أهل البيت فإن نسبه لا يرفعه عند الله، وقد قال نبي الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي: من أخره عمله عن دخول الجنة، ليس نسبه هو الذي يدخله الجنة، وإنما يدخل الإنسان العمل الصالح، (ومن بطأ به عمله) هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول الشاعر: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الشرك النسيب أبا لهب
فـأبو لهب هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن مشرك، ولم يؤمن بالنبي، ولم يدخل في هذا الدين، فهو من أهل النار، ومن الكفار الذين هم خالدون ومخلدون في النار، فنسبه وكونه عم الرسول عليه الصلاة والسلام، وكونه من أهل بيت الرسول الذين هم من قرابته، ما نفعه ذلك؛ لأنه لم يكن مسلماً، فقد رفع الإسلام سلمان الفارسي من الفرس، أخرجه الله من الظلمات إلى النور، وهداه إلى الإسلام، ودخل في دين الله، فرفعه الإسلام، وأما أبو لهب فهو ذو نسب شريف، هو عم رسول الله عليه الصلاة والسلام أخو عبد الله والده، ولكن لكونه مشركاً لم يكن مؤمناً بالله، وضعه الشرك، وجعله في الدرك الأسفل في النار، فالإسلام يرفع درجات، والشرك يحط ويضع صاحبه، ويكون من أهل النار المخلدين فيها أبد الآباد، (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )[النساء:48].
فـجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عن علي، والحسن، والحسين، ورحمة الله على محمد، وجعفر، وعلى كل من التابعين رحمة الله عليهم أجمعين، وهو من أئمة أهل السنة، وهو من علماء أهل السنة الذين يعرفون قدر الجميع، ويأخذون ما جاء عنهم، وعن طريقهم، بخلاف الرافضة الذين يغلون فيهم، ويتجاوزن الحدود فيهم، ويصفونهم بصفات لا يوصف بها رسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا تجاوز للحدود وغلو، والواجب هو الاعتدال، والتوسط في الأمور؛ لا إفراط، ولا تفريط، محبة وموالاة من غير بغض، ومن غير غلو، ليس في القلوب حقد عليهم، ولا يزيدون من تعظيمهم حتى يرفعوهم عن منازلهم التي يستحقونها إلى منازل لا يستحقونها، فالحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الشاعر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وأهل السنة والجماعة يعتبرون جعفر الصادق إمام من أئمتهم، يأخذون برواياته، ويستدلون بما جاء عن طريقه، ويحتجون بما جاء عن طريقه مما ثبت إليه، وثبت بعده، واتصل إسناده، ويعولون على ذلك، أما الرافضة فهم يعتبرون الحق ما جاء من عند الأئمة فقط، وكل شيء لم يأت من عندهم فهو باطل، كل شيء ما خرج من عند الأئمة -ومنهم جعفر الصادق- فهو باطل، أما أهل السنة فيقبلون ما جاء عن جعفر، وعن محمد، وعن أهل البيت، وغير أهل البيت، أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتقبلون كل ما جاء عن طريقهم، وما جاء عن التابعين، وأتباع التابعين ومن بعدهم، سواءً كانوا من أهل البيت أو من غير أهل البيت، وهم من الثقات، العدول، الحافظين، الذين يعول على روايتهم وعلى أخبارهم، فإنهم يقبلونه ولا يردونه.
وهذا الحديث يرويه عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد القطان عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين وهو صدوق، فقيه، إمام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
يروي عن أبيه محمد بن علي الملقب الباقر، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأهل السنة يحبون من أهل البيت من كان مؤمناً تقياً؛ لقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويحبونه لتقواه ولاستقامته على أمر الله، أما من كان منهم غير تقي، فإنه لا يحب، بل يبغض في الله، من كان من أهل البيت غير تقي، وغير مستقيم على أمر الله، وواقع في حرمات الله، فإنه يبغض لما حصل منه، وإن كان من أهل بيت رسول الله؛ لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله؛ أن تحب في الله، وتبغض في الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
وهذه الطريقة التي هي طريقة موالاة أهل البيت الذين هم أهل الإيمان والتقى، الذين هم القدوة، والأسوة فيها أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، فأبو بكر رضي الله عنه يقول كما جاء في صحيح البخاري: والله لقرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أحب إليّ أن أصل من قرابتي. يعني يحب أن يصل قرابة النبي صلى الله عليه وسلم أحب من أن يصل قرابته؛ ولذلك لقربهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا في من كان مؤمناً تقياً، ويقول: ارقبوا محمداً في أهل بيته. ويقول عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه للعباس: والله لإسلامك حين أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب . يعني أباه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يحب إسلامه؛ يعني: يحب إسلام عمه الذي هو العباس، فوفقه الله عز وجل فأسلم، ودخل في الدين الحنيف، وأعمام الرسول عليه الصلاة والسلام الذين أدركهم الإسلام أربعة : حمزة، والعباس، وأبو طالب، وأبو لهب، فاثنان هديا واثنان خذلا؛ اثنان هداهما الله عز وجل للإسلام وصاروا مسلمين من صحابة رسول الله، ومن قرابته أعمامه، وهم: العباس، وحمزة رضي الله تعالى عنهما، واثنان خذلا فلم يدخلا في الدين، وهما: أبو لهب، وأبو طالب، فأبو لهب أنزل الله تعالى فيه سورة تتلى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ )[المسد:1-5]، وأما أبو طالب فكان عليه الصلاة والسلام حريصاً على هدايته، وقد جاء إليه وهو في النزع وقال: (يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله) ولكن عنده بعض جلساء السوء فقالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكانت أن خرجت روحه وهو يقول: هو على ملة عبد المطلب، فمات كافراً.
فقرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل السنة يتولونهم، ويحبونهم، ويجلونهم، ويحترمونهم، لكنهم لا يتجاوزون الحدود ولا يغلون، ولا يكون محبتهم لبعض أهل البيت ويبغضون بعض أهل البيت، لا, يحبون أهل البيت كلهم، من كان منهم مؤمناً تقياً فهم يحبونه لإيمانه ولقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 01:54 AM
انحراف الرافضة في أهل البيت
فهذا الإسناد فيه إمامان من أئمة أهل البيت، وهم من أئمة أهل السنة، وهم ممن غلا فيهم الرافضة؛ لأنهم من الأئمة الاثني عشر الذين يغلون بهم، ويصفونهم بصفات لا تليق بأحد من البشر، حتى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيصفونهم بصفات ما تضاف للرسول عليه الصلاة والسلام.فمما يصفونهم به أنهم يقولون: ليس شيء من الحق إلا خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، يعني هذا الذي جاء عن طريق أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي هريرة، وطلحة، والزبير، هذا لا قيمة له؛ لأنه ما خرج من عند الأئمة، فالقرآن ما خرج من عند الأئمة؛ لأن الذي جمعه أبو بكر، وعثمان، فهذا المصحف الذي بأيدينا جمعه أبو بكر وعثمان، ما جمعه أحد من الأئمة الاثني عشر، وهم يقولون كما في كتاب الكافي الذي هو من أرفع كتب الشيعة يقول في باب من الأبواب: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ويقول أيضاً: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ويقول: باب أن الأئمة يعلمون الكتب المنزلة على المرسلين، وأنها عندهم ويعرفونها بلغاتها، فهذا باب من الأبواب الموجودة في كتاب الكافي، وهو مثل كتاب صحيح البخاري عندنا تماماً، كما أن كتاب صحيح البخاري أصح كتاب فعندهم كتاب الكافي هو أرفع كتاب.
إذاً: أهل السنة والجماعة يتولون الجميع، يحبون أصحاب رسول الله، ويحبون أهل بيت رسول الله، من كان منهم مؤمناً تقياً سواء كان صحابياً، أو كان من التابعين، فإن كان من المتقين أحبوه، وإن كان من المنحرفين أبغضوه؛ لما حصل منه من الانحراف عن الجادة؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله هو أوثق عرى الإيمان: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار).
إذاً: هذان إمامان جليلان من أئمة أهل السنة يحتج أهل السنة بأحاديثهما، ويقدرونهما قدرهما، وكذلك غيرهم ممن هم من أهل الاستقامة، يعظمونهم، ويحبونهم، ويجلونهم، ويحتجون بما جاء عن طريقهم، لكن لا غلو ولا جفاء، لا يذمونهم، ولا يقدحون فيهم، ولا يعيبونهم، ولا يغلون فيهم، فهم وسط بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء.
[عن جابر رضي الله تعالى عنه].
هو الذي روى عنه حديث الحج الطويل، التي فيها حجة النبي صلى الله عليه وسلم فرواها من طريق محمد هذا الذي هو محمد بن علي بن الحسين، وكان قد جاء إلى جابر رضي الله عنه جماعة، فسألهم عن أسمائهم واحد واحد، ولما وصل إلى محمد بن علي قربه إليه، ووضع يده على صدره، وكانوا قد سألوه عن الحج، فحكى لهم الحديث الطويل الذي هو في حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، التي رواها جابر بن عبد الله هي من رواية أهل البيت، هذه الحجة التي ما روى أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تفصيله، وسياقها بطولها مثل ما حكاها جابر بن عبد الله، يرويها عن جابر محمد بن علي بن الحسين ؛ أما جابر بن عبد الله الأنصاري فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد، واسمه عبد الله بن حرام، وأما جابر فهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، والسبعة هم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فالسبعة المكثرون هم: أبو هريرة رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، وأنس بن مالك رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة معروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
تطفيف الصلاة

شرح حديث حذيفة في التحذير من خطر تطفيف الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثني يحيى بن آدم حدثنا مالك وهو ابن مغول عن طلحة بن مصرف عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنهما: (أنه رأى رجلاً يصلي فطفطف فقال له حذيفة: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين عاماً. قال: ما صليت منذ أربعين سنة، ولو مت وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الرجل ليخفف ويتم ويحسن)].أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب تطفيف الصلاة؛ أي: نقصانها، وعدم الاطمئنان بها، هذا هو التطفيف، فالتطفيف المراد به هنا: النقصان، وقالوا: إن التطفيف يطلق على الزيادة، والنقصان، وقد جاء في القرآن الكريم: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين َ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ )[المطففين:1-3]، فهم إذا كان الحق لهم أخذوه كاملاً، وإذا كان الحق عليهم أعطوه ناقصاً، فيكون شأنهم أنهم يستوفون حقوقهم ولا يعطون الحقوق كاملاً؛ يعني: شأنهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: ينهاكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات) يعني: يمنع ولكن يسأل، يعني: يطالب بالذي له، ولكن لا يعطي الذي عليه، فإذا كان الحق له أو يريد شيئاً لنفسه يمد يده: هات أعطيني، وإذا كان الحق عليه يمنع الحق الذي عليه، وقوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين َ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ )[المطففين:1-6]، يعني: فيجازيهم على ما حصل منهم، هذا هو التطفيف في الصلاة، والمراد به هنا النقصان.
ثم أورد حديث حذيفة رضي الله عنه: (أنه رأى رجلاً طفف صلاته -يعني عجلها، وأسرع فيها ونقرها- فقال له: منذ كم تصلي هذه الصلاة؟ قال: منذ أربعين سنة. قال: ما صليت منذ أربعين سنة، ولو مت لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الرجل ليخفف ويتم ويحسن) يعني من التخفيف يمكن، لكن مع الإحسان والتمام، وكانت صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام تخفيفاً مع التمام، يعني معناه: أنه لا يطول الطول الذي يشق على الناس، ولكنه يأتي بها تامة، فهو ما أنكر كونه يخفف، لكن أنكر كونه ما يتم الصلاة مع التخفيف، وهو الذي ينقرها نقراً ولا يطمأن فيها، ولا يتم ركوعها ولا سجودها، هذا هو الذي أنكره حذيفة.
قال: [ولو مت لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم]، والفطرة قيل: هي الملة، وقيل: هي السنة والطريقة، وقيل أن المقصود من هذا الحديث من كلام حذيفة رضي الله عنه: زجره وبيان أن صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما أتى بها بأركانها التي لا بد منها؛ لأن الصلاة لابد فيها من وجود الأركان، فإذا عدمت الأركان، أو عدم شيء من الأركان، فإن الصلاة وجودها كعدمها لا تجزي صاحبها، وهذا كان على مدة طويلة، ثم أنه أرشد إلى أن الإيجاز يمكن لكن مع الإتمام والإحسان، ما هو إيجاز مع تفريط وتضييع للصلاة؛ إيجازاً مخل، يعني: يحصل فيه الإخلال بالأمور اللازمة التي لابد منها، الإيجاز يكون مع التمام والكمال، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيجاز مع تمام وكمال عليه الصلاة والسلام.
ثم الحديث فيه إشكال؛ وهو أن الرجل قال: أنه منذ أربعين سنة، وحذيفة توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة، والصلاة فرضت قبل الهجرة بثلاث سنوات، وهو يقول: أربعين سنة! ففيه إشكال، ومعناه: أنه قبل فرض الصلاة، يعني: أربعين سنة هي قبل أن تفرض الصلاة؛ لأن الصلاة فرضت قبل الهجرة بثلاث سنوات، يعني معناه: تسعة وثلاثين سنة عند وفاة حذيفة؛ يعني منذ فرضت الصلاة حتى توفي حذيفة تسعة وثلاثين سنة، وهو يقول: منذ أربعين سنة! فقيل: إما أنه مبالغة؛ لأنه بالغ في الكلام، وأنه ليس أربعين سنة بالتحديد. وهذا فيه دليل على أن الإنسان الذي يصلي مثل هذا الصلاة لا تقبل صلاته، وأن على كل مسلم أن يتعلم أمور الصلاة، وأن يأتي بها تامةً، وإن أوجزها يأتي بها تامة، وإن خففها يأتي بها تامة، فلا يخفف التخفيف الذي يخل، ولكن إذا خفف يتم الأركان، ويأتي بما هو مطلوب منه مما لا بد منه.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة في التحذير من خطر تطفيف الصلاة
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].أحمد بن سليمان هو: الرهاوي، وهو حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثني يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مالك وهو ابن مغول].
الكوفي، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة وكلمة (هو ابن مغول) أتى بها من قبل يحيى بن آدم، هو الذي زادها؛ لأن يحيى بن آدم ما قال: هو ابن مغول، وإنما قال: فلان بن فلان، وينسبه كما يريد، لكن يحيى بن آدم ما زاد في ذكر شيخه على كلمة: مالك، لكن من دونه أتوا بما يوضح من هو مالك، وأتوا بعبارة تبين أن هذا كلام ليس من التلميذ، وإنما هو من دون التلميذ؛ إما أحمد بن سليمان الرهاوي، أو من دونه، وقال: هو ابن مغول.
[عن طلحة بن مصرف].
ثقة، قارئ، عابد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن وهب].
ثقة، جليل، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان، صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:19 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(246)
- (باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة) إلى (باب موضع اليدين عند السلام)
هناك أعمال تبطل الصلاة وأعمال تصح بها الصلاة، فأقل ما تصح به الصلاة الطمأنينة في الأركان مع الإتيان بما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال كما جاء ذلك في حديث المسيء صلاته.
أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
شرح حديث رفاعة في المسيء صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن عجلان عن علي وهو ابن يحيى عن أبيه عن عم له بدري أنه حدثه: (أن رجلاً دخل المسجد فصلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرمقه ونحن لا نشعر، فلما فرغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصلَّ فإنك لم تصل، فرجع فصلى، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، مرتين أو ثلاثة، فقال له الرجل: والذي أكرمك يا رسول الله! لقد جهدت فعلمني. فقال: إذا قمت تريد الصلاة فتوضأ فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ، ثم اركع فاطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع، ثم افعل كذلك حتى تفرغ من صلاتك)].
أورد النسائي هذه الترجمة لهذا الباب وهي أقل ما يجزئ في الصلاة، المقصود من ذلك الشيء الذي لابد منه في الصلاة، والذي إذا أخل به يكون أخل بالصلاة، مثل الذي مر في الحديث الذي قبل هذا، الذي صلى صلاةً لا يتم ركوعها ولا سجودها، فقال له: (منذ كم تصلي؟ فقال: منذ أربعين سنة. قال: ما صليت منذ أربعين سنة), يعني صلاتك ما هي مجزئة، وأورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فجاء رجل وصلى والنبي صلى الله عليه وسلم يرمقه -أي: ينظر إليه- وهم لا يشعرون، لكنه ينظر إلى كيفية صلاته فقضى صلاته وجاء وسلم عليهم، فقال عليه الصلاة والسلام بعد أن رد عليه السلام: (ارجع فصل)، الصلاة وجدت لكن وجودها مثل عدمها؛ لأنه ما صلى صلاةً مجزئة؛ لأنه أخل بركوعها وسجودها وقيامها، ما عنده اطمئنان في الصلاة نقرها نقراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب منه ليعود فيصلي، ولعله كان يعلم كيفية الصلاة، ولكنه نقرها فأراد أنه إذا عاد مرة ثانية، يأتي بها على المطلوب، لكنه صلى صلاةً مثل التي صلاها، فجاء ثم أعاده، فصلى مثل الأولى فلما قال: (ارجع فصل)، قال: لقد جهدت -يعني: الشيء الذي أقدر عليه أتيت به- فعلمني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قمت إلى الصلاة)، يعني: أردت القيام إلى الصلاة، (فتوضأ فأحسن الوضوء)؛ لأن هذا شرط لابد من تقدمه على المشروط، أي من شروط الصلاة الوضوء، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وقوله: (لا يقبل الله صلاة أحد إلا بطهور)، يعني إذا أحدث إلا بعدما يتطهر، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو شرط من شروط الصلاة، يتقدم المشروط وهو الوضوء، وإذا صلى الإنسان بدون وضوء فصلاته لاغية، وجودها مثل عدمها.
(ثم استقبل القبلة)، أيضاً كذلك استقبل القبلة بأن يتجه إلى القبلة، وهي من شروط الصلاة، وهذا إنما هو في الفرائض، وأما في النافلة بالنسبة للمسافر فقد عرفنا في الأحاديث الماضية أنه يستقبل القبلة في أول الصلاة، ثم يصلي أينما توجهت به راحلته، وأما في الفرائض فإنه لابد وأن يصلي مستقبلاً القبلة، فلا يصلي راكباً على الدابة وإنما ينزل، أما إذا كان الإنسان مثلاً في طائرة، والوقت سيخرج قبل نزول الطائرة، فإن الإنسان لا يؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كانت صلاة تجمع مع الثانية، فيمكن أن يؤخر إلى آخر وقت الثانية إذا كانت الطائرة تنزل في وقت الثانية، وإذا مشى مثلاً في الصباح والطائرة تنزل عقب العصر فيمكنه أن يؤخر الظهر حتى يصليها مع العصر بعدما تنزل الطائرة، فيصلي الظهر ثم العصر، لكن إذا كانت ستغرب الشمس ولا تصل الطائرة إلا بعد الغروب وقد خرج الوقت، فالإنسان يصلي على حسب حاله -يعني: إذا وجد مكاناً في الطائرة يتجه فيه إلى القبلة ويركع ويسجد فعل، وإذا كان ما يجد فإنه يصلي في مقعده على حسب هيئته يومئ إيماءً- ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، أما بالنسبة للسيارات وبالنسبة للرواحل فإنه إذا جاء الوقت ينزلون ويصلون ثم يواصلون السير. (ثم استقبل القبلة وكبر)، يعني: ادخل الصلاة بتكبيرة الإحرام.
(ثم اقرأ) وأطلق القراءة، وعينها في أحاديث أخرى (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، ففاتحة الكتاب هي التي لابد منها ويضيف إليها غيرها،(ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تعتدل جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، هذه صفة الركعة التي لاحظ الرسول صلى الله عليه وسلم إخلاله في الركوع والسجود وعدم الاطمئنان، فأرشده وبين له أن الاطمئنان في الصلاة لابد منه، ولهذا قال: (فإنك لم تصل)، معناه: ما صليت الصلاة المجزئة، ومن المعلوم أنه ما يعيد الصلوات التي مضت مدة حياته، وإنما يتوب إلى الله عز وجل ويندم على ما فرط ويحسن في المستقبل، لكن هذه الصلاة التي علم بأنها لاغية يعيدها.
فهذا حديث عظيم بين فيه الرسول عليه الصلاة والسلام أموراً لابد منها في الصلاة، ويسمى الحديث حديث المسيء في صلاته، والحديث سبق أن مر بنا، ولكن النسائي أعاده هنا للاستدلال به على هذه الترجمة التي عقدها.
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة في المسيء صلاته
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الليث].
وهو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن علي].
هو علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن العجلان الزرقي الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبيه].
عن أبيه يحيى بن خلاد بن رافع بن العجلان الأنصاري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عم له بدري].
يعني ممن شهد بدراً وهو رفاعة بن رافع أخو خلاد بن رافع، ورفاعة صحابي بدري أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة
شرح حديث رفاعة في المسيء صلاته من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة. أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن داود بن قيس حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك الأنصاري حدثني أبي عن عم له بدري قال: ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد فدخل رجل فصلى ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرمقه في صلاته، فرد عليه السلام ثم قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد عليه السلام ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى كان عند الثالثة أو الرابعة، وقال: والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت وحرصت فأرني وعلمني. قال: إذا أردت أن تصلي فتوضأ فأحسن وضوءك، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن قاعداً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع، فإذا أتممت صلاتك على هذا فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك)].
قوله في الترجمة: باب أقل ما يجزئ من العمل في الصلاة، وقد مر في الدرس الماضي حديث رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله عنه من إحدى الطريقين اللتين أوردهما النسائي، فقد مرت وهي تتعلق ببيان المسيء صلاته، وأنه دخل المسجد وصلى صلاةً لم يطمئن في ركوعه وسجوده، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، أي: إن صلاتك غير مجزئة؛ لأنه ما حصل الإتيان بالأمور التي هي أركان الصلاة، وهي: القيام، والركوع، والسجود، والرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين، والاطمئنان في هذه الأفعال كلها وأورد بعد ذلك الطريقة الثانية المشتملة على ما اشتملت عليه الطريقة الأولى من جهة أن الرجل لما كرر الصلاة على الهيئة الأولى لم يأت بالمطلوب فيها، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جهدت فأرني وعلمني، يعني أرني كيف أصلي وعلمني كيف أصلي؛ لأن الشيء الذي أعلمه أتيت به، وكان هذا الذي عمله خطأ؛ لأنه لم يأت بهذه الأفعال على الوجه الذي يجب عليه أن يأتي بها عليه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، أي إن صلاته غير مجزئة، ولما كرر العمل ولم يكن عمله هو الذي يبرئ الذمة ويتأتى به الواجب، قال للرسول عليه الصلاة والسلام: والذي أنزل عليك الكتاب، لقد جهدت -أي: أتيت بجهدي وما أقدر عليه وما أعلمه- فأعلمني وعلمني، فعلمه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وقال: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ فأحسن الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبر)، فأرشده صلى الله عليه وسلم إلى أمور لابد منها تسبق الصلاة، وهي: إحسان الوضوء، ثم استقبال القبلة، ويدخل فيها ويكبر تكبيرة الإحرام، ويقرأ ما تيسر من القرآن، وقد جاءت النصوص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بتعين قراءة الفاتحة، ثم يركع حتى يطمئن راكعاً، ثم يرفع حتى يعتدل قائماً، ثم يسجد حتى يطمئن ساجداً، ثم يجلس حتى يطمئن جالساً، ثم يسجد حتى يطمئن ساجداً، ثم يرفع، فيأتي بركعات صلاته على هذه الهيئة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بركعة واحدة.
والحديث سبق أن مر في الدرس الماضي، وأيضاً في دروس مضت، ولكنه جاء به هنا للاستدلال على أقل ما يجزئ من العمل في الصلاة، والمراد من ذلك الأمور التي لابد منها، والتي إذا فقدت فإن الصلاة تكون مفقودة وتكون غير موجودة؛ لأنه لم يأت بالأمور الأساسية فيها التي هي الأركان، فلابد من هذه الأفعال، ولابد من الاطمئنان في هذه الأفعال التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة في المسيء صلاته من طريق أخرى قوله: [سويد بن نصر].سويد بن نصر هو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عبد الله بن المبارك].
هو المروزي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، هكذا قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب وصفه بهذه الصفات، وختمها بقوله: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن داود بن قيس].
ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن علي بن يحيى بن خلاد].
هو علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي الأنصاري. وهو ثقة، خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك.
[يروي عن عمه رفاعة بن رافع الأنصاري].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ممن شهد بدراً، وهنا لم يسمه، وإنما قال: عن عم له بدري، أي عم لـيحيى بن خلاد، وهو رفاعة بن رافع، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث عائشة: (كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام، قال: قلت: (يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي ثمان ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس فيذكر الله عز وجل ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا)].روى النسائي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد سألها سعد بن هشام عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة من معرفة أحكام الشريعة، وسؤال التابعين للصحابة عن أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وعن أفعاله في أمور معينة، وهنا سألها عن وتر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأورد النسائي الحديث مختصراً؛ لأنه ليس فيه ذكر الوتر، وإنما فيه ذكر الركعات التي تسبق الوتر وهي الركعة الأخيرة، لكن الحديث جاء مطولاً عند النسائي فيما بعد، وفيه: (أنه بعدما صلى ثمان ركعات لم يجلس فيهن إلا بعد الثامنة، جلس يدعو، ثم قام ولم يسلم، ثم صلى ركعة، وجلس يدعو، ويذكر الله عز وجل، ثم سلم تسليماً يسمعهم إياه)، وهذه الطريقة التي معنا مختصرة، والطريقة التي ستأتي في قيام الليل هي مطولة ومفصلة لصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الوتر، وهذا يدل على أنه ليس بلازم في صلاة الليل أن يصلي ركعتين ثم يجلس يتشهد، ثم يصلي ركعتين وهكذا، ولكن لاشك أن هذا هو الأولى -يعني كونه يصلي، ويجلس عند كل ركعتين ويتشهد، ويصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يسلم ثم يقوم ويصلي ركعتين وهكذا- لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إليه ودل الأمة عليه وأمرها به وفعل ذلك أيضاً فالفصل ثبت من قوله وفعله، فالفصل من قوله ثبت بقوله: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى) هذا قوله.
وأما فعله فقد جاء: (أنه عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين، ركعتين، ركعتين ثم ركعة واحدة)، أما الوصل فقد ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام، فدل على أنه سائغ، ولكن الأولى والأفضل هو الفصل؛ لأنه هو الذي فعله الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أرشد الأمة إليه، وأيضاً ما يحصل معه من الارتياح للتقوي على الصلاة فإنه إذا سلم من ركعتين ثم جلس أو شرب حصل شيء ينشطه للقيام، إذاً فالأولى هو ما أرشد إليه وفعله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو صلاة كل ركعتين على حدة، ثم يختم بركعة ينهي صلاة الليل بها.
وهذا الحديث الذي أورده النسائي في هذه الترجمة، لعل المقصود من إيراده في هذه الترجمة هو أن الحديث الأول بطريقيه اشتمل على أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، بالنسبة للركعة والركعات، وكيف يأتي بها، وأنه يطمئن في قيامه، وفي ركوعه، واعتداله من الركوع، وفي سجوده، وجلوسه بين السجدتين وهكذا، لكن ما فيه تعرض للتشهد ولا للسلام، فأورد النسائي هذا الحديث الذي فيه ذكر التشهد والسلام، وهذا هو مقصود من إيراد الحديث في الترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فهو يعتبر شيخاً لهم سمعوا منه وأخذوا الحديث عنه.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زرارة بن أوفى].
هو أيضاً بصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان من العباد، وقد ذكر في ترجمته أنه مات فجأةً في الصلاة وهو يصلي بالناس إماماً لهم، ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ) [المدثر:8]، في سورة المدثر: أنه كان يصلي بالناس الصبح، فلما جاء عند هذه الآية شهق شهقةً ثم وقع ومات رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن هشام].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الأصول الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق، زوجة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، التي روت الأحاديث الكثيرة عنه عليه الصلاة والسلام، وتعتبر هي المرأة الوحيدة التي روت الروايات الكثيرة التي لم يدانها في ذلك أحد، بل إن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة، وهذه المرأة هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهؤلاء السبعة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة، سبعة يقول السيوطي فيهم في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فالبحر هو ابن عباس.
المراد بزوجة النبي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، ولهذا فإن من قذفها وقد برأها الله عز وجل مما قذفت به فإنه مرتد كافر ليس من أهل الإسلام؛ لأنه مكذب بالقرآن، ومكذب بما نزل به القرآن من براءتها، فمن رماها بالإفك فإنه كافر مرتد عن دين الإسلام يجب قتله، ولا يورث ماله وإنما يكون فيئاً يوضع في بيت مال المسلمين.
السلام
شرح حديث: (أن رسول الله كان يسلم عن يمينه وعن يساره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سليمان يعني ابن داود الهاشمي حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد قال حدثني عبد الله بن جعفر وهو ابن المسور المخرمي عن إسماعيل بن محمد حدثني عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله عنه، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب السلام -أي السلام من الصلاة- وهو الخروج من الصلاة الذي به يحصل الانتهاء منها، وقد جاء في الحديث: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، بمعنى أن الإنسان إذا كبر تكبيرة الإحرام حرم عليه ما كان حلالاً قبلها، وإذا سلم حصل الرجوع إلى ما كان عليه قبل التكبير، بمعنى أنه يحل له ما كان حراماً عليه في الصلاة، (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، يعني يحصل التحلل منها بالتسليم، ولهذا يعرفون الصلاة فيقولون: هي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدئة بالتكبير مختتمة بالتسليم. أقوال وأفعال مخصوصة: هي ركوع، وسجود، وقراءة وتسبيح، وتهليل، ودعاء، واستغفار، وتشهد وما إلى ذلك، مبتدئة هذه الأفعال والأقوال بالتكبير ومختتمة بالتسليم، هذا هو التعريف الشرعي الذي يطابق المعنى الشرعي، وأما من حيث اللغة فمعناها: الدعاء، ولا شك أن الصلاة مشتملة على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء، ولكن الصلاة الشرعية هذا هو تعريفها: أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فختام الصلاة التسليم.
وقد أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسلم عن يمينه وعن شماله)، يعني: يحصل الخروج من الصلاة بتسليمه عن اليمين وتسليمه عن الشمال، ففيه حصول تسليمتين، وفيه الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة الشمال عند التسليم، والتسليم هو نهايتها، وهو ركن من أركان الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يسلم عن يمينه وعن يساره)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الكوفي المعروف أبوه بابن علية، ومحمد بن إسماعيل ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[قال: حدثنا سليمان يعني: ابن داود الهاشمي].
سيلمان بن داود الهاشمي من نسل عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ثقة، جليل، قال عنه الإمام أحمد: إنه يصلح للخلافة، يعني إشارةً إلى فضله ونبله وعلو مكانته.
أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.
وقوله: (يعني ابن داود الهاشمي)، هذه كلمة يعني ابن داود الهاشمي، زادها النسائي أو من دون النسائي ؛ لأن تلميذه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الكوفي المشهور أبوه بـابن علية، لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن محمد بن إسماعيل لما ذكر شيخه في هذا الإسناد ما زاد على أن قال: سليمان، يعني ما نسبه، لكن من دون التلميذ الذي هو النسائي أو من دون النسائي هو الذي أتى بهذه الزيادة، وأتى بكلمة (يعني)، وكلمة (يعني) فعل مضارع له فاعل، وله قائل، ففاعله ضمير مستتر يرجع إلى محمد بن إبراهيم بن علية.
وهذه الطريقة يستعملونها حتى يميزوا بين كلام التلميذ وكلام من دون التلميذ مما زاده من باب الإيضاح والبيان، وهما عبارتان تستعملان؛ هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان، كما سيأتي في نفس الإسناد؛ لأن الإسناد جمع فيه بين الأمرين، أو بين العبارتين: كلمة (هو) وكلمة (يعني).
[حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد].
حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد هنا أيضاً عبارة هو ابن سعد من جنس عبارة يعني؛ لأن سليمان بن داود ما قالها، أي ما نسب شيخه، وما زاد على كلمة: إبراهيم شيئاً، لكن محمد بن إبراهيم أو من دونه هم الذين زادوها، وأما سليمان بن داود فهو قال: إبراهيم فقط، فمن دونه وهو محمد بن إسماعيل أو النسائي أو من دون النسائي هؤلاء هم الذين أتوا بكلمة: هو ابن سعد، وهو إبراهيم بن سعد الزهري، ينتهي إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه.
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم ثقة، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عبد الله بن جعفر].
وهو ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وهو يقال له: المخرمي نسبة إلى مخرمة الذي هو أبو المسور، فيقال له: ابن مسور المخرمي، وعبد الله بن جعفر هذا قال عنه الحافظ في التقريب: ليس به بأس، وكذلك قال النسائي: ليس به بأس، وكلمة: ليس به بأس تعادل صدوق، كما بين ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة التقريب، أن كلمة: صدوق وليس به بأس أو لا بأس به هي في درجة واحدة.
وحديث عبد الله بن جعفر أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
والنسائي رحمه الله لما ذكر هذا الإسناد ميز في آخره بين عبد الله بن جعفر الذي ليس به بأس، ووالد علي بن المديني الذي هو ضعيف وقال عنه: متروك، حتى يبين أن هذا الذي يعنيه في هذا الإسناد هو المخرمي وليس عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني، فإنه لم يخرج له النسائي، لكنه لما كانت الأسماء متفقة أتى بهذا الكلام الذي يبين أن من ذكره في الإسناد ليس به بأس وهو عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، منسوب إلى جده مخرمة فيقال له: المخرمي.
وهذا يسمى في المصطلح: المتفق والمفترق، يعني كونه يحصل الاتفاق في الأسماء وأسماء الآباء وتختلف الأشخاص فليسوا شخصاً واحداً وإنما شخصان اتفقا في الاسم واسم الأب، فيقال له: المتفق والمفترق.
[عن إسماعيل بن محمد].
هو إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن عامر بن سعد].
يعني يروي عن عمه عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبيه].
سعد بن أبي وقاص صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهم أفضل الصحابة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، هؤلاء عشرة شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد، سردهم وسماهم وقال: إنهم في الجنة، وقد شهد لغيرهم في أحاديث متفرقة، مثل: ثابت بن قيس بن شماس، وعكاشة بن محصن، والحسن، والحسين، وفاطمة، وبلال، وعدد كبير من الصحابة جاءت أحاديث خاصة بالشهادة لآحادهم بالجنة كل جاء في حديث، ولكن قيل لهم: العشرة، وليس الشهادة لعشرة فقط؛ لأنهم اشتهروا بلقب العشرة؛ لأنهم بشروا بالجنة في حديث واحد، وسعد بن أبي وقاص هو آخر العشرة موتاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:32 PM
شرح حديث: (أن رسول الله كان يسلم عن يمينه وعن يساره) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي عن إسماعيل بن محمد بن سعد عن عامر بن سعد عن سعد رضي الله عنه أنه قال: (كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده)، قال أبو عبد الرحمن: عبد الله بن جعفر هذا ليس به بأس، وعبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني متروك الحديث.أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله إلا أن فيه: (أنه يسلم عن شماله حتى يرى بياض خده)، معناه: أنه يلتفت كثيراً، والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله من حصول التسليم، وأنه تسليمتان، وأنه يكون عن اليمين وعن الشمال.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يسلم عن يمينه وعن يساره) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهوية الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحصل له هذا اللقب الذي هو من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وهو التلقيب بأمير المؤمنين في الحديث، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا أبو عامر العقدي].
هو عبد الملك بن عمرو القيسي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الله بن جعفر].
هذا ومن فوقه مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
موضع اليدين عند السلام
شرح حديث جابر بن سمرة في موضع اليدين عند السلام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع اليدين عند السلام.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو نعيم عن مسعر عن عبيد الله بن القبطية قال سمعت جابر بن سمرة رضي الله عنهما يقول: (كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار مسعر بيده عن يمينه وعن شماله، فقال: ما بال هؤلاء الذين يرمون بأيدهم كأنها أذناب الخيل الشُمس، أما يكفي أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله)].
أورد النسائي موضع اليدين عند السلام. وهي أنها تكون على الفخذين، يعني على الحالة التي هي عليها في التشهد تكون عليها عند السلام، لا تتغير عن هذه الحالة التي هي عليها عند التشهد، لا تتغير عند السلام، بل تبقى على حالها حتى يتم السلام، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا نصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام فنقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وأشار مسعر بيده عن يمينه وعن شماله. يعني: عندما يسلم لليمين يشير بيده إلى اليمين، وعندما يسلم لليسار الثانية يشير إلى اليسار، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما بال هؤلاء يرمون بأيدهم كأنها أذناب خيل شُمس)، والخيل الشُمس هي التي عندها حركة واضطراب، وعندها شدة، معناه يتحرك ذيلها وليس مستقراً ولا هادئاً، فهم عند السلام كانوا يشيرون باليد اليمنى إلى جهة اليمين، واليد اليسرى إلى جهة الشمال، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى أن تبقى أيديهم على ما هي عليه، (أما يكفي الواحد منهم أن يضع يده على فخذه)، يعني: على ما هي عليه قبل الوصول إلى السلام، أي: في التشهد؛ لأنه في التشهد اليدين لها هيئة، تبقى على هيئتها حتى يتم السلام، ما هو عند السلام يحصل فيها تحرك من جهة اليمين لليمنى، وتحرك من جهة اليسار بالنسبة لليد اليسرى، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن مشابهة الحيوانات، وعن هذا الفعل الذي فيه مشابهة الحيوانات، وقد جاء النهي عن مشابهة الحيوانات في أحاديث متعدد منها هذا، ومنها: (البروك كبروك البعير)، ومنها: (الإقعاء كإقعاء الكلب)، و(افتراش الذراعين كافتراش الكلب)، فهذه من الهيئات التي هي معروفة للحيوانات، وقد جاء النهي عن الإتيان بها في الصلاة، وهنا جاء النهي عن الإتيان بهذه الهيئة التي تشبه حركة أذيال الخيل الشُمس.
قال: (أما يكفي أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله).
معناه: يسلم على من يمينه، وعلى من شماله، ويخرج من الصلاة بذلك، أي: بذلك التسليم الذي هو تسليمةٌ عن اليمين، وتسليمةٌ عن الشمال.

تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في موضع اليدين عند السلام قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، متكلم في الرجال، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبي نعيم].
أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، كان يوصف بالتشيع، لكن مع كونه موصوفاً بهذا الوصف كان يقول: ما كتبت علي الحفظة بأنني سببت معاوية، ومن المعلوم أن سب معاوية عند الشيعة هذا من أسهل الأشياء، مثل شرب الماء سهولته، يعني: من السهل عليهم أن يشتموا هذا الرجل الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، فـأبو نعيم وصف بالتشيع يقول: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية، معناه هذا التشيع تشيع لا يؤثر، لعله من جنس تقديم علي على عثمان في الفضل، الذي لا يؤثر، ولا يضر، وصاحبه لا يبدع، يعني: القول به ليس بدعة، وإنما الذي هو بدعة تقديم علي على عثمان في الخلافة، وأنه أولى منه بالخلافة، هذا هو الذي يبدع؛ لأن هذا اعتراض على عمل الصحابة، وعلى اتفاق الصحابة، وخروج عما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حيث اتفقوا على بيعته، واختير من الستة الذي هم أهل الشورى الذين عهد إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فآل الأمر إلى أن صار دائراً بين علي، وعثمان، وتم الأمر إلى تقديم عثمان على علي رضي الله تعالى عن الجميع، وأبو نعيم حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، والنسائي يروي عنه بواسطة؛ لأنه من كبار شيوخ البخاري، وأما البخاري يروي عنه مباشرة، وهناك ممن هو مشهور بـأبي نعيم الأصبهاني، وهو متأخر مصنف الحلية (حلية الأولياء) وغيرها من الكتب، وكتاب: (معرفة الصحابة)، وكانت وفاته سنة أربعمائة وثلاثين، يعني هذا وفاته فوق المائتين قليلاً، وأما ذاك فوفاته سنة أربعمائة وثلاثين، فإذا قيل: أخرجه أبو نعيم، المراد به الأصبهاني المتأخر، وأما هذا فهو متقدم من كبار شيوخ البخاري.
[عن مسعر].
هو مسعر بن كدام، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن القبطية].
ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن جابر بن سمرة].
هو جابر بن سمرة بن جنادة، صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، وحديث جابر بن سمرة عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
الاكتفاء بتسليمة واحدة في الصلاة
السؤال: هل تجزئ تسليمة واحدة في الصلاة بهذه الصيغة: السلام عليكم؟الجواب: قال بهذا بعض العلماء، وقال بعضهم: أنه لا يجزئ؛ لأنه لابد من تسليمتين، ومن المعلوم أن القول بالتسليمتين هو الذي فيه الاحتياط، وفيه الخروج من الخلاف؛ لأن من سلم تسليمتين خرج من الاختلاف، معناه أنه على القولين أدى ما هو مطلوب منه، أما من سلم تسليمة واحدة، فعلى القول الثاني الذي يقول: بأنه لابد من الاثنتين يعتبر ما أدى ما هو مطلوب منه، وقد جاء في بعض الأحاديث، لكن تكلم فيها بعض العلماء، وممن تكلم فيها ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين، فإنه ذكر أن التسليم لابد فيه من تسليمتين، وأنه لا يجزئ تسليمة واحدة، وتكلم في الحديث الذي ورد بالتسليمة الواحدة.
حكم الالتفات في الصلاة
السؤال: ما حكم من يلتفت في سلامه التفاتة واحدة؟ وما الدليل على جوازه؟الجواب: ما أعلم، الدليل دل على أن الالتفات يكون يميناً وشمالاً، وأما كونه يلتفت التفاتة واحدة ما أعلم شيئاً يدل عليه، لكن في الحديث ورد أنه يسلم عن يمينه وعن شماله.
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند المحدثين
السؤال: هذا السائل يسأل عن إسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند المحدثين؟الجواب: حديث عمرو بن شعيب إذا ثبت الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو لا يقل عن درجة الحسن، وكثير من الأحكام الشرعية مبنية على هذا الإسناد الذي هو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
صلاحية الاحتجاج بالأحاديث التي سكت عنها الحافظ في الفتح أو مقدمته
السؤال: يقول ما حكم الأحاديث التي سكت عنها ابن حجر في الفتح؟الجواب: الأحاديث التي سكت عنها الحافظ ابن حجر هي صالحة للاحتجاج، قد ذكر هذا إما في أول المقدمة أو في أول الفتح، يعني الأحاديث فيها ما يبين حكمه إثباتاً، وفيها ما يبين عدم ثبوت حكمه، وفيها ما يسكت عنه، لكن ما يسكت عنه هو ذكر طريقته إما في الفتح وإما في المقدمة، لا أذكر أيهما.
ثبوت حديث اختصام الملأ الأعلى والتفصيل في رؤية النبي لربه
السؤال: هذا السائل يسأل عن صحة هذا الحديث، يقول: إني قمت من الليل، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، أعادها ثلاثاً، فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء)، إلى آخر الحديث؟الجواب: حديث اختصام الملأ الأعلى وكون الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام حديث ثابت، وقد شرحه ابن رجب في جزء اسمه: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى، هو شرحٌ لهذا الحديث الطويل، يعني رؤيا رسول عليه الصلاة والسلام ربه في المنام هو حديث ثابت عند العلماء.
مداخلة: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه؟
الشيخ: في اليقظة ما رآه، وفي المنام هذا الحديث الذي ذكر يدل على حصول ذلك، وفي ليلة المعراج لم يثبت أنه رأى ربه، بل ثبت ما يدل على عدم الرؤية، وذلك أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام قيل: له هل رأيت ربك؟ لم يقل: نعم، بل قال: (نورٌ أنى أراه)، كيف أراه والنور لم أتمكن معه من رؤيته، وهذا النور الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو نور الحجاب الذي جاء في الصحيح حيث قال: (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، والحديث في صحيح مسلم.
فضل طلب العلم وبيان كيفية تحصيله
السؤال: ما هو فضل طلب العلم، وما هي أحسن طرق طلبه؟الجواب: طلب العلم كما هو معلوم شأنه عظيم وفضله كبير؛ لأن به يعرف الطريق الذي يوصل إلى الله عز وجل، وبه يعرف الإنسان الحق حتى يعبد الله على بصيرة، وحتى يدعو غيره على بصيرة؛ لأن الجاهل يعمل على خلاف الحق لجهله، وإذا دعا يدعو إلى الباطل لجهله، لكن من علم فإنه يعمل على بينة، ويدعو على بينة، وثمرة العلم العمل، والدعوة إلى العلم وإلى ما جاء به الكتاب والسنة، والله عز وجل يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )[يوسف:108]، فلابد من البصيرة، والبصيرة إنما تكون بالعلم، وتكون بمعرفة الحق والهدى.
فطالب العلم شأنه عظيم، ونفعه عميم، وذلك أنه يعرف الحق فيعمل به، ويدعو الناس إليه، ولو لم يحصل لأهل العلم من المناقب إلا أن يوصفوا بأنهم من ورثة رسول الله عليه الصلاة والسلام لكان ذلك كافياً في شرفهم وفضلهم ونبلهم، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العمل، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، فأهل العلم مما يدل على فضلهم -بل هو كافٍ في الدلالة على الفضل لو لم يأتِ أحاديث أخرى- كونهم وراث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، الذين يرثون عنه الهدى الذي جاء به؛ لأن الأنبياء ما كانت مهمتهم جمع المال وتوريثه لورثتهم من بعدهم، فإنه لا يورث عنهم المال، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فهم ما جاءوا لجمع المال، ولكن جاءوا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فمن وفقه الله عز وجل أخذ بنصيب وافر من هذا الميراث الذي هو ميراث النبوة، العلم النافع، علم الكتاب والسنة، العلم الذي يثمر العمل والدعوة على بصيرة وعلى هدى، (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم).
غير الأنبياء يجمعون المال، ويرثهم ورثتهم، وأما الأنبياء فقد جاءوا بالحق والهدى، ويرثهم كل من وفقه الله عز وجل لأن يتعلم العلم النافع الذي هو علم الكتاب والسنة، هذا الميراث مبذول لكل من أراده، فمن وفقه الله عز وجل سار في تحصيله، فحصل ما حصل منه، فعمل بذلك العلم، ودعا غيره إليه، فكان مأجوراً على عمله، ومأجوراً على دعوته وتوجيهه، ومأجوراً مثل أجور الذين استفادوا خيراً بسببه، واستفادوا علماً بسببه، واستفادوا هدىً وبصيرةً بسببه؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، والأحاديث في فضائل العلم وفي فضل العلماء كثيرة جداً، ولكن هذه إشارةٌ إلى أهمها، وإلى فضيلة من أعظم تلك الفضائل وهي كون طالب العلم يعتبر من وراث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حكم التنفل في السفر
السؤال: ما حكم التنفل بالنسبة للمسافر؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يحافظ في سفره إلا على ركعتي الفجر والوتر، لكن الإنسان إذا جاء إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إلى المسجد الحرام، وصلى فيهما متنفلاً، فإن تلك المضاعفة موجودة فيها، صلاة النافلة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بألف نافلة، وفي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.
بيان حكم الإفراد والتمتع والقران في الحج والأفضل منها
السؤال: ما حكم إفراد الحج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، وأنكر صلى الله عليه وسلم وغضب على الصحابة لما لم يمتثلوا أمره؟الجواب: إفراد الحج والقران بين الحج والعمرة سائغان، لكن الأفضل منهما التمتع، وبعض العلماء يقول: أنه لا يجوز للإنسان أن يفرد ولا أن يقرن إلا إذا كان قد ساق الهدي، لكن الصحيح أن القران سائغ وإن لم يسق الهدي، والإفراد سائغ وإن لم يسق الهدي، والدليل على هذا كون الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان كانوا يفردون، وهذا يدل على أن الإفراد سائغ، ولكن الأولى منه التمتع؛ لأنه هو الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تمناه بقوله: (لو استقبلت ما استدبرت لما سقت الهدي، ولولا أن معي الهدي لأحللت ولجعلتها عمرة).حكم تجاوز الميقات بدون إحرام
السؤال: ما حكم من يتجاوز الميقات لبعض الأسباب؟الجواب: الميقات لا يتجاوزه من يريد الإحرام إلا محرماً، هذا هو الحكم، ولا يجوز له أن يتجاوز الميقات غير محرم، كل من يريد حجاً أو عمرة يمر بميقات، لا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا وقد أحرم.
بيان حقيقة المذاهب الأربعة
السؤال: ما حكم من قال: المذاهب الأربع سبلٌ متفرقة؟الجواب: المذاهب الأربعة هي مذاهب أربعة علماء من علماء الإسلام، هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد رحمة الله على الجميع، وهناك فقهاء آخرون في زمانهم وقبل زمانهم هم مثلهم في الجلالة وفي العلم وفي الفقه في دين الله عز وجل، لكن ما حصل لهم أن انتشرت مذاهبهم وجمعت أقوالهم واعتني بها كما حصل لأصحاب المذاهب الأربعة، أصحاب عنوا بجمع مذاهبهم، وهذه المذاهب الأربعة هي مذاهب علماء أجلاء، ومن المعلوم أن كل إنسان ليس بمعصوم إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، والإنسان يحرص على أن يعرف الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصحاب المذاهب الأربعة كل واحد منهم يوصي بأن يبحث عن الدليل، وأن يتبع الدليل، وكل واحد من الأئمة الأربعة اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور، فهم لا يعدمون أجراً أو أجرين رحمة الله عليهم، وهم أوصوا بأنه إذا وجد الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه يتبع الدليل وتترك أقوالهم، وهذا من نبلهم وفضلهم ومعرفتهم بأقدارهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
بيان حكم التمسح على أرضية الروضة بنية الترك
السؤال: هل يجوز التمسح على أرضية الروضة من أجل أن يتبرك بها؟الجواب: ليس للإنسان أن يتمسح بأرض، ولا بجدار، ولا ببقعة، ولا بمنبر، ولا بحجرة، ولا بأي شيء؛ لأن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام هو خير الهدي، (أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، فهل أرشد إلى أنه يتمسح بجدران أو يتمسح ببقعة، أو بعمود، أو بمنبر، أو بأي شيء؟ ما وجد شيء من هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، خير الأمة بعد نبيها أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما وطئ على الأرض أفضل منهم، هم خير هذه الأمة التي هي خير الأمم، اختارهم الله لصحبة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، هذه الحياة الدنيا ما أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه إلا الصحابة، عيونهم رأت الرسول صلى الله عليه وسلم، وآذانهم سمعت كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلقوا هدي رسول الله منه فأدوه إلى الناس، عن طريقهم عرفنا الكتاب والسنة، ولم نعرف الحق والهدى إلا عن طريق الصحابة، ولا سبيل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ومعرفة الحق الذي جاء عنه إلا من طريق أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، هؤلاء الصحب الكرام الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ومتع أبصارهم في الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعته، وشنف أسماعهم بسماع كلامه من فمه الشريف صلى الله عليه وسلم، ما فعلوا شيئاً من ذلك، وهم أحرص الناس على كل خير، وأسبق الناس إلى كل خير، ولو كان خيراً لسبقوا إليه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالشيء الذي كانوا عليه هو الحق والهدى.
وقد قال مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. ما يمكن لأهل آخر الزمان أن يصلحوا بطريقة ما صلح بها الصحابة أبداً، الذي صلح به الصحابة هو الذي يصلح به الناس إلى يوم القيامة، ولا سبيل إلى صلاح الأمة بعد أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم إلا بأن يكونوا على المنهج الذي كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أصلح الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وخير الناس بعد الأنبياء والمرسلين.
وقال مالك أيضاً رحمة الله عليه: ما لم يكن ديناً في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنه لا يكون ديناً إلى قيام الساعة. الذي ما هو دين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما هو دين إلى قيام الساعة، معناه: إذا أُحدث أمور بعد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فهذه ليست من الدين في شيء، بل هي من محدثات الأمور، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )[آل عمران:31]، محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ما تكون بتقبيل جدران حول قبره، ولا التمسح بالجدران حول قبره عليه الصلاة والسلام، وإنما تكون باتباعه والسير على منهجه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته عليه الصلاة والسلام، هذه محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلب كل مسلم أعظم من محبته لنفسه، ومحبته لأبيه وأمه، وابنه وبنته، وقريبه، وصديقه، ومن سائر الناس، قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والد وولده والناس أجمعين).
ما هي علامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ما هي العلامة التي يعرف بها محبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ هل العلامة أن الإنسان يذهب إلى القبر ويتمسح بالجدران؟ أبداً، ما هي ذي بعلامة؛ لأن الصحابة ما كانوا يفعلون هذا وهم أحب الناس إلى رسول الله، ورسول الله أحب الناس إليهم، يحبونه أعظم مما يحبه من جاء بعدهم، لكن ما هي علامة محبتهم؟ علامة محبتهم أن الواحد منهم إذا سمع السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عملها، إذا سمع أمراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتثله، إذا سمع نهياً عن رسول الله ابتعد عنه، إذا سمع خبراً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام صدق به، لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، هذه طريقة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك آية في القرآن يسميها العلماء آية الامتحان والاختبار، وهو أنه من يدعي محبة الله ورسوله فعليه أن يقيم البينة على ذلك، ما هو بس مجرد دعوى، ومجرد تمسيح جدران وما إلى ذلك، لا، بل علامة الاتباع: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )[آل عمران:31]، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، هذه هي علامة المحبة، المحب لمن يحب مطيع، والذي يحب الرسول صلى الله عليه وسلم يكون ممتثلاً لكل ما يأمر به، ومنتهياً عن كل ما ينهى عنه، ومصدقاً لكل ما يخبر به، ولا يعبد الله إلا طبقاً لشريعة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لا يعبده تبعاً للأهواء والشهوات، والبدع والمنكرات والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان، محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلب كل مسلم أعظم من محبة أي من الخلق، (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والد وولده والناس أجمعين)، لماذا؟ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي نعمة الإسلام، ونعمة الهداية والصراط المستقيم، ونعمة الخروج من الظلمات إلى النور، لا يماثلها نعمة، ولا يساويها نعمة، ولهذا وجب أن تكون محبته أعظم من محبة أي مخلوق؛ لأن النعمة التي ساقها الله لنا على يديه أعظم نعمة أنعم الله تعالى بها علينا وهي نعمة الإسلام، ولهذا جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول عليه الصلاة والسلام وخادمه الذي خدمه عشر سنوات منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى توفاه الله، لما سمع بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب)، قال رضي الله عنه: فوالله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث. لأن الفرح بنعمة الإسلام هي أعظم ما يفرح به من نعمة، قال: فوالله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء مع من أحب)، ثم قال أنس رضي الله عنه: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم.
الحاصل أن التمسح بالجدران والشبابيك والأبواب والأعمدة والمنبر وغير ذلك ليس من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس مما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، وليس هذا أيضاً علامة على محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، بل علامة محبته طاعته واتباعه، وامتثال ما جاء به عليه الصلاة والسلام.
والعمل المقبول عند الله لا بد فيه من توفر شرطين، كل عمل ينفع عند الله ما ينفع إلا إذا توفر فيه شرطان: الشرط الأول: أن يكون لله خالصاً، والشرط الثاني: أن يكون لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطابقاً وموافقاً، فلا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولابد من تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله إخلاص العبادة لله وحده، وأشهد أن محمداً رسول الله تجريد المتابعة للرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حكم التعامل مع الشركات التي تنوب عن الحجاج في الذبائح وتعطيهم سندات مقابل ذلك
السؤال: السائل هنا يا شيخ معه سند من أحد البنوك للهدي، يقول: هل هذا السند كاف لكوني أديت الواجب الذي عليّ؟الجواب: إذا كان الإنسان أعطى النقود للجهة المخصصة لهذا العمل، وهو البنك الإسلامي الذي تتولى شركة الراجحي النيابة عنه بأخذ النقود مقابل الهدي الذي يذبح عن الحجاج في أيام العيد والأيام التي بعده، فإن هذا لا بأس به، وهذا عمل طيب؛ لأن فيه خدمة للحجاج، ويرى حالهم من العناء والمشقة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:34 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(247)

- (باب كيف السلام على اليمين؟) إلى (باب السلام باليدين)
بين لنا الشرع الحكيم كيفية التسليم من الصلاة، وأنه يكون مقالاً وفعالاً، أما المقال فله صيغ متعددة أحسنها: السلام عليك ورحمة الله، وأما الفعال فهو الالتفات جهة اليمين حتى يرى بياض الخد ثم الالتفات إلى الشمال مثله.
كيف السلام على اليمين
شرح حديث ابن مسعود في كيفية السلام على اليمين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف السلام على اليمين. أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود وعلقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود، ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده، ورأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يفعلان ذلك)].
يقول النسائي رحمه الله: كيف السلام على اليمين.
لما أورد النسائي في الأبواب السابقة السلام وإثباته، وأنه من الأمور التي لا بد منها في الصلاة، وأنه يخرج بالتسليم من الصلاة؛ لأنه يدخل فيها بالتكبير، ويخرج منها بالتسليم، أورد بعد هذا تراجم تتعلق بالسلام، وكيفية السلام، فأورد هذه الترجمة وهي كيف السلام على اليمين، وهو أنه يلتفت عن يمينه حتى يرى بياض خده، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فهذا هو المقصود من حيث الفعل، ومن حيث القول، فالكيفية فعلاً، وفعلاً الالتفات حتى يرى بياض الخد، وقولاً أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
وأورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي فيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند كل خفض، ورفع، وقيام، وقعود)، وقد سبق أن مر بنا هذا، وعرفنا أنه يستثنى من ذلك القيام من الركوع، فإنه لا تكبير فيه، بل فيه التسميع -سمع الله لمن حمده- أما جميع أفعال الصلاة والانتقال من هيئة على هيئة، ومن عملٍ إلى عمل، فالذي يقال عند ذلك: هو التكبير، إلا في موضع واحد وهو القيام من الركوع، فإن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد.
(ويسلم عن يمينه وشماله حتى يرى بياض خده)، وهذه الهيئة، وهي: كونه يلتفت حتى يرى بياض الخد، من جهة اليمين ومن جهة الشمال، وقد جاءت الأحاديث مفسرةً ومبينةً أن هذه الهيئة تكون إلى جهة اليمين، وأنها تكون إلى جهة الشمال، واللفظ يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن اليمين، وعن الشمال كذلك السلام عليكم ورحمة الله، وهذا هو الغالب على فعله عليه الصلاة والسلام، بحيث يخرج من الصلاة بقوله: السلام عليكم ورحمة الله، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه يقول في التسليم على الشمال: السلام عليكم، وجاء في بعض الأحاديث أنه كان يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لكن الغالب على فعله هو السلام عليكم ورحمة الله، فتكون على هذا الصلاة بدئت بلفظ الجلالة، وختمت بلفظ الجلالة، عند الدخول يقول: الله أكبر، وعند الخروج يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
ثم يقول: ورأيت أبا بكر، وعمر يفعلان ذلك، أي: أنهما يفعلان كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فعل رسول الله، وفعل خلفائه الراشدين أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية السلام على اليمين
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى، هو العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[عن معاذ بن معاذ].
معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زهير].
هو زهير بن معاوية الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وسمع من أبي إسحاق بآخره، لكن الحديث جاء من طرقٍ متعددة عن أبي إسحاق وعن غيره، فيكون كونه سمع منه بعد الاختلاط، أي: سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط أن ذلك لا يؤثر.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع هم من همدان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقةٌ، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود وعلقمة].
الأسود وعلقمة، الأسود يروي عن والده الأسود بن يزيد ين قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعلقمة هو علقمة بن قيس بن يزيد النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عبد الله بن مسعود].
رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين: الهجرة إلى الحبشة، والهجرة إلى المدينة، وهو من علماء الصحابة، وفقهائهم رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأن العبادلة الأربعة يراد بهم أربعةٌ من صغارهم، وهم: ابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وأما عبد الله بن مسعود فإنه ممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة.
شرح حديث ابن عمر في كيفية السلام على اليمين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني عن حجاج قال ابن جريج: أخبرنا عمرو بن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان: (أنه سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: الله أكبر كلما وضع، الله أكبر كلما رفع، ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره)].أورد حديث عبد الله بن عمر، وهو دالٌ على ما دل عليه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر يقول: (الله أكبر)، كما يحصل منه خفض، وفي كل رفعٍ، وقد عرفنا أن هذا يستثنى منه القيام من الركوع، فإنه لا يكبر عنده بل يقال: سمع الله لمن حمده بالنسبة للإمام، ويقول الإمام والمأموم: ربنا ولك الحمد، أي أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد، فيكبر عند كل خفض، ورفع، (يقول: الله أكبر كلما رفع، ويقول: الله أكبر كلما خفض).
(يقول: الله أكبر كلما وضع).
يعني: عندما يخفض وعندما يرفع، عندما يخفض يعني عند الركوع وعند السجود، والرفع عند القيام من السجود، والقيام من التشهد، عند كل خفض، ورفع يقول: الله أكبر، إلا في الموضع المستثنى، (ثم يقول: السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، والسلام عليكم ورحمة الله عن شماله). والمقصود منه ما جاء في آخره من حصول السلام على اليمين، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن الشمال، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فهو بمعنى ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في كيفية السلام على اليمين
قوله: [أخبرنا الحسن بن محمد الزعفراني].وهو صاحب الشافعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حجاج].
حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عمرو بن يحيى].
عمرو بن يحيى المازني، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن يحيى بن حبان].
محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقةٌ أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن عمه واسع بن حبان بن منقذ].
قيل: إنه صحابي ابن صحابي، وقيل: ليس بصحابي بل هو ثقة، معناه: أنه من التابعين، وهو ثقة؛ لأنه إذا كان موصوفاً بالصحبة فلا يحتاج إلى أن يوصف بوصفٍ آخر؛ لأن الصحبة كافية؛ لأنها أعلى وأشرف من غيرها، وإذا كان غير صحابي يحتاج إلى توثيق، ولهذا قال الحافظ: صحابي ابن صحابي، وقيل: بل ثقة، يعني: أنه ليس بصحابي ولكنه من التابعين، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما].
وهو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة الذين أشرت إليهم آنفاً، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء سبعة عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من الصحابة الكرام، وهم ستة رجال وامرأة، المرأة هي: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
كيف السلام على الشمال
شرح حديث واسع بن حبان في كيفية السلام على الشمال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف السلام على الشمال.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز يعني: الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قلت لـابن عمر رضي الله عنهما: (أخبرني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت؟ قال: فذكر التكبير، قال: يعني وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم عن يساره)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيف السلام على الشمال، وأنه مثل السلام على اليمين، يلتفت على شماله كما يلتفت على يمينه، حتى يرى بياض خده من الشمال كما يرى بياض خده من اليمين، هذا من حيث الفعل، ومن حيث القول يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
تراجم رجال إسناد حديث واسع بن حبان في كيفية السلام على الشمال
قوله: [أخبرنا قتيبة].هوابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز].
هو ابن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة (يعني): الدراوردي، هذه قالها من دون التلميذ الذي هو قتيبة، إما النسائي، أو من دون النسائي.
[عن عمرو بن يحيى].
إلى آخر الإسناد، مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
جاء في هذا الحديث جهة الشمال: (السلام عليكم) في هذه الرواية، والرواية السابقة يقول: السلام عليكم ورحمة الله، عن اليمين وكذلك عن الشمال، وهذه الرواية يقول فيها: السلام عليكم ورحمة الله من جهة اليمين، السلام عليكم من جهة الشمال، وهذا يدلنا على أن ذلك سائغا، ولكن الذي عرف وكثرت فيه الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يجمع بين السلام والرحمة فيقول: (السلام عليكم ورحمة الله)، عن اليمين وعن الشمال، لكن هذا الحديث أو هذه الرواية بهذا الحديث فيها السلام عليكم ورحمة الله من جهة اليمين، السلام عليكم من جهة الشمال.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية السلام على اليسار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا زيد بن أخزم عن ابن داود يعني: عبد الله بن داود الخريبي عن علي بن صالح عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كأني أنظر إلى بياض خده عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله)].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه: (كأني أنظر إلى بياض خده عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، وعن شماله السلام عليكم ورحمة الله)، يعني: أنه يلتفت على يمينه حتى يرى بياض خده، ويلتفت على شماله حتى يرى بياض خده، ويقول في تلك الحالتين عن اليمين: السلام عليكم ورحمة الله، وعن الشمال: السلام عليكم ورحمة الله.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية السلام على اليسار قوله: [أخبرنا زيد بن أخزم].وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن داود].
هو عبد الله بن داود الخريبي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أيضاً البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن علي بن صالح].
هو علي بن صالح بن حي الكوفي، وهو ثقةٌ، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص].
أبو إسحاق، وهو السبيعي وقد مر ذكره قريباً، وأبو الأحوص، وهو عوف بن مالك الكوفي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله].
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.
شرح حديث: (كان رسول الله يسلم عن يمينه حتى يبدو بياض خده وعن يساره حتى يبدو بياض خده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن آدم عن عمر بن عبيد عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه حتى يبدو بياض خده، وعن يساره حتى يبدو بياض خده)].وهذا عن ابن مسعود أيضاً، وفيه هيئة الفعل عند السلام، وأنه يسلم على يمينه حتى يرى بياض خده، وعن شماله حتى يرى بياض خده، لكن ليس فيه ذكر كيفية السلام باللفظ، وإنما فيه الكيفية بالفعل، وهي الالتفات يميناً حتى يرى بياض الخد، والالتفات شمالاً حتى يرى بياض الخد، والأحاديث الأخرى عنه هي التي بينت الهيئة الفعلية، والصفة القولية منه صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يسلم عن يمينه حتى يبدو بياض خده وعن يساره حتى يبدو بياض خده)
قوله: [أخبرني محمد بن آدم].وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن عمر بن عبيد].
عمر بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، وهو صدوقٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله].
وقد مر ذكرهم.
شرح حديث: (أن النبي كان يسلم عن يمينه وعن يساره ... حتى يرى بياض خده من هاهنا وبياض خده من هاهنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده من ها هنا، وبياض خده من ها هنا)].وهذا أيضاً عن عبد الله بن مسعود رواية أخرى مبينة للهيئة الفعلية، والصيغة القولية التي تقال عند التسليم، وهي السلام عليكم ورحمة الله من جهة اليمين، والسلام عليكم ورحمة الله من جهة الشمال، وأنه يلتفت حتى يرى بياض خده من جهة اليمين، ويلتفت حتى يرى بياض خده من جهة الشمال.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:36 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يسلم عن يمينه وعن يساره... حتى يرى بياض خده من هاهنا وبياض خده من هاهنا)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو المحدث، الناقد، الثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن].
هو ابن مهدي البصري، ثقة، إمام، ناقد، متكلم في الرجال، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله].
وقد مر ذكرهم.
حديث: (كان رسول الله يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده وعن يساره حتى يرى بياض خده) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا علي بن الحسن بن شقيق أنبأنا الحسين بن واقد حدثنا أبو إسحاق عن علقمة والأسود وأبي الأحوص قالوا: حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر)].أورد حديث ابن مسعود من طريقٍ أخرى، وهي مشتملة على ما اشتملت عليه الطرق السابقة من السلام عن اليمين وعن الشمال حتى يرى بياض الخد من الجهتين، ويقول: السلام عليكم ورحمة الله من جهة اليمين ومن جهة الشمال.
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].
هو الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا علي بن الحسن بن شقيق].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا الحسين بن واقد].
ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أبو إسحاق].
أبو إسحاق ومن بعده علقمة، والأسود، وأبو الأحوص، وعبد الله بن مسعود، مر ذكرهم.
السلام باليدين
شرح حديث: (... إذا سلم أحدكم فلا يلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السلام باليدين. أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن فرات القزاز عن عبيد الله وهو ابن القبطية عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب السلام باليدين، يعني: في النهي عن ذلك، المراد من ذلك من هذه الترجمة النهي عنه، وأنه لا يسلم باليدين، وإنما يسلم بالكلام فيقول المصلي: السلام عليكم ورحمة الله، ولا يشير بيده اليمنى من جهة اليمين، ولا بيده اليسرى من جهة الشمال، وإنما كما سبق أن مر في الحديث الذي مر من طريق أخرى أن يديه عند السلام تكون على فخذيه، يعني: لا تتحرك يمينا ولا تتحرك شمالا، فمر هذا الحديث بترجمة تحت عنوان: موضع اليدين عند السلام، وهذه الترجمة أوردها: السلام باليدين، تلك لبيان الموضع، وأنها تكون على الفخذين، وهذه لبيان النهي عن هذا الفعل، وأنها لا تحرك الأيدي عند السلام، لا يمين، ولا شمال، وإنما تكون على الفخذين.
وأورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه المشتمل على هذا، وهو أنهم كانوا إذا سلموا يشيرون بأيديهم إلى جهة اليمين وإلى جهة الشمال، اليمنى إلى جهة اليمين، واليسرى إلى جهة الشمال، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس)، يعني: التي تتحرك وتضطرب، (إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده).
تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبيد الله بن موسى].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن فرات القزاز].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله وهو ابن القبطية].
ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن جابر بن سمرة].

هو جابر بن سمرة بن جنادة، صحابي ابن صحابي وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

صفة الحج تمتعاً
السؤال: أريد أن أحج متمتعاً، فما هي الأفعال التي أفعلها، علماً بأنني سوف أصل إلى مكة إن شاء الله يوم الثامن من ذي الحجة؟ الجواب: الإنسان إذا ذهب إلى مكة الأفضل في حقه أن يكون متمتعاً، وسواءً كان ذهب في اليوم الثامن أو قبله، كل ذلك يمكنه أن يتمتع، يحرم بالعمرة من الميقات، ويلبي بها، فيقول: لبيك عمرة إذا شاء أن ينطق، ويستمر في التلبية حتى يدخل مكة، فيطوف طواف العمرة سبعة أشواط بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختتم بالمروة، ثم يقصر شعر رأسه كله، ويتحلل ويبقى في مكة حلالاً، وإذا كان في اليوم الثامن، وهو يريد أن يذهب إلى منى، يمكنه أيضاً أنه إذا طاف وسعى، قصر شعر رأسه وتحلل بذلك وإن لم يخلع ثيابه، ثم ينوي الإحرام بالحج ويذهب إلى منى، ثم يستمر في أعمال الحج، ويكون عليه طوافاً وسعياً بعد الحج.
الحاصل: أن التمتع عمرة مستقلة عن الحج بطوافها، وسعيها، وتحللها، والحج مستقلٌ عن العمرة بإحرامه، وطوافه وسعيه، وأعماله وتحلله، وعلى المتمتع هدي وهي شاة، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة إن كان مستطيعاً، وإلا صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومثله القارن في وجوب الهدي، إن استطاع وإلا صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
الإحرام من جدة لمن يريد دخول مكة
السؤال: إنني مسافر من المدينة إلى جدة ثم إلى مكة، فهل يجوز لي أن أحرم من جدة؟ الجواب: إذا كان الإنسان في المدينة ونيته أن يحرم، يعني: نيته أن يحج أو يعتمر، فلا يجوز له أن يتجاوز ميقات المدينة إلا وقد أحرم، ولو ذهب إلى جدة، يذهب إلى جدة وعليه إحرامه، أو يذهب إلى مكة يطوف ويسعى ويقصر ويتحلل ويذهب إلى جدة، ما في بأس أن يذهب إلى جدة بعدما يطوف، ويسعى، ويتحلل.
ما يقوله المأموم بعد قول إمامه سمع الله لمن حمده
السؤال: هل للمأموم أن يقول بعد قول الإمام: سمع الله لمن حمده أن يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد؟الجواب: بعض العلماء قال: بأنه يقول: سمع الله لمن حمده كما يقول الإمام، ويستدلون على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده، ويقول: ربنا ولك الحمد، فالقول بهذا يعني أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده ويقول: ربنا ولك الحمد، لكن الصحيح الذي يدل عليه الدليل أنه لا يجمع بينهما؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، لو كان يقولها لقال: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وإنما قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، فهذا يدل على أنه لا يقولها، والمسألة خلافية، وهذا دليل القائلين بقولها، والقائلين بعدم قولها، والقول: بأنها لا تقال هو الأرجح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، ما زاد فقولوا: سمع الله لمن حمده، قال: (فقولوا: ربنا ولك الحمد).
الإنكار في مسائل الخلاف
السؤال: هل يجوز للإنسان أن ينكر على الناس في المسائل التي اختلف فيها أهل العلم؟ الجواب: المسائل المبنية على اجتهاد والأدلة فيها خفية، ليس للإنسان أنه ينكر، لكن المسائل التي الدليل فيها واضح، والقول الآخر لا دليل عليه إلا مجرد رأي، أو مجرد قياس، فإنه لا قياس مع النص، ولا اجتهاد مع النص، فالنص إذا كان موجوداً يرشد إليه، أما إذا كانت المسألة فيها خفاء والاشتباه قائم، فلا ينكر فيها. حكم اقتناء ألعاب الأطفال للعب أو البيع
السؤال: ما حكم اقتناء ألعاب الأطفال؟ وكذلك هل يجوز له أن يجلبها لبيعها؟الجواب: ليس للإنسان أن يجتلب اللعب التي هي صور، أما اللعب التي هي ليست صوراً، وليس فيها شيء من المحاذير لا بأس بها، أما التي هي صور مجسمة أو غير مجسمة، فهذا لا يجوز اجتلابها، ولا استيرادها، ولا بيعها، ولا شراؤها.
صلاة المسافر خلف مقيم
السؤال: شخص مسافر ودخل المسجد عند صلاة الظهر، فوجد الإمام في الركعة الأخيرة، هل بعد تسليم الإمام يقوم ويأتي بركعة واحدة ويسلم أم يتم؟الجواب: المسافر إذا دخل وراء إمام يجب عليه أن يتم ولو دخل معه قبل السلام، ولو ما أدرك معه حتى ركعة، ولو دخل معه قبل أن يسلم فإنه إذا قام يقضي يصلي أربعاً، مثل المسافر الذي يأتي للمسجد النبوي، ويدرك الإمام لم يسلم، فيدخل معه فإنه إذا قام يصلي فليتم أربعاً ولا يصلي اثنتين؛ لأن المسافر عندما يصلي وراء إمام مقيم، يصلي صلاة مقيم، ولو فاته بعض الصلاة أو كل الصلاة، وأدرك الإمام لم يسلم، فإنه يصلي صلاة المقيم، هذا هو الذي يدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قيل له: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى خلف إمامٍ يتم أتم؟ قال: تلك السنة).
كفارة من تسبب بموت بحادث سيارة
السؤال: تسببت في حادث سيارة ومات فيه شخصان، فهل أصوم عنهما بالجمع ؟الجواب: ما فيه خلاف، عنهم يجوز، الاثنان يجوز جمعهما، ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ )[الأنبياء:78]، وهما اثنان، يعني فإطلاق الجمع على المثنى لا بأس به.
هل يصوم عن الاثنين؟
الجواب: يصوم عنهم أربعة أشهر، عن كل واحد شهرين، وقبل ذلك لا يصوم إلا إذا عجز عن العتق؛ لأن الواجب عليه هو العتق أولاً، فإذا عجز عنه، يصوم عن كل واحد شهرين؛ لأن عليه عتق رقبتين، وإذا عجز عن العتق يصوم أربعة أشهر: شهرين متوالين، ثم شهرين متواليين، لا تكون الأربعة متوالية، اثنان متوالية، واثنان متوالية.
الأماكن التي يزورها المسلم في مدينة رسول الله
السؤال: ما هي الأماكن التي تزار في هذه المدينة؟الجواب: هذه المدينة المباركة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم الأماكن التي تزار فيها خمسة فقط هي مسجدان وثلاث مقابر، مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومسجد قباء، هذا هو الذي يزار من المساجد في المدينة، لا يزار في المدينة مساجد أخرى سوى هذين المسجدين: مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومسجد قباء، هذان هما: المسجدان اللذان جاءت الأحاديث التي تحث على زيارتهما والإتيان إليهما، والصلاة فيهما، أما غير ذلك ما جاء في شيء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا عن صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وليس هناك فضل يقصد في مسجد من المساجد سوى هذين المسجدين، مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومسجد قباء.
أما المقابر الثلاث فهي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، والبقيع، وشهداء أُحد، هذه هي الأماكن الخمسة التي يزورها الإنسان الذي يصل إلى المدينة، أما ما عدا ذلك من الذهاب إلى أماكن أخرى، فهذا قتل للوقت، وإضاعة للوقت في غير طائل، وكون الإنسان يحرص على زيارة ما هو مشروع، ولا يتشاغل بشيءٍ ليس بمشروع، هذا هو الذي ينبغي له.
كفارة من أفطر في رمضان لكبر سنه
السؤال: أبي كبير في السن ويفطر في رمضان، يقول: كيف نكفر عنه تلك الأيام التي لم يصمها؟الجواب: عن كل يوم مسكيناً، إذا كان بلغ به من الكبر والهرم بحيث لا يستطيع الصيام، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً، السنوات التي أدركه رمضان وهو هرم لا يستطيع الصيام، كلها تحسب أيامها، ويطعم عن كل يوم مسكينا، إن كان الشهر كاملاً فيكون ثلاثين يوما، ثلاثين مسكينا، وإن كان الشهر ناقصاً يكون تسعاً وعشرين مسكينا؛ لأن الذي يجب عليه هو ما يجب على الناس، والناس إذا كانوا صاموا تسعا وعشرين عليه إطعام تسعا وعشرين عن كل يوم مسكينا، وإذا كانوا صاموا ثلاثين، يطعم عن كل يوم مسكينا، يعني ثلاثين مسكينا، هذا هو الواجب أنه يطعم عن كل يوم مسكينا.
مقدار ما يطعم به المسكين من الكفارة
السؤال: هل يعطي ثلاثة كيلو رز أو كيلو ونصف؟الجواب: يمكن إعطاء كيلو ونصف مثلاً من الأرز ومعه شيء من الإدام ويكفي.
حكم سماع الأغاني
السؤال: ما حكم سماع الغناء لا سيما ونحن حجاج في المدينة؟الجواب: سماع الغناء من الأمور المحرمة، والله عز وجل أنعم على الإنسان بالسمع والبصر، وأُمر بأن يستعمل البصر فيما شرع له استعماله فيه، ونهي أن يستعمله في أمور لا يجوز استعماله فيه، وكذلك السميع يستعمله فيما أبيح له سماعه من قراءة القرآن، وذكر الله عز وجل، ومن الكلام الحسن، والمناجاة بين الناس التي يحتاجون إليها، هذه نعمة عظيمة أنعم الله تعالى بها على الإنسان، ولا يجوز أن يستعملها في سماع الأغاني، ولا كذلك في سماع الغيبة والنميمة، ولا سماع الفحش وما إلى ذلك، وإنما يستعمل هذه النعم فيما شرع له استعمالها فيه، ويحذر من استعمالها فيما منع من استعمالها فيه، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام يقول: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، هذه الصحة التي هي عافية، وسلامة من الأمراض، وسلامة في العينين، وفي البصر، وفي السمع، وفي الأرجل، وفي الأيدي، الإنسان يتحرك، وينتقل، ويأخذ، ويعطي بيديه، بعض الناس ليس له رجلان، حرم من هذه النعمة لا يستطيع أن يمشي، وإنما يحمل، ويجعل في عربة، وبعض الناس ليس له يدين، يعني حصل له مثلاً حادث، أو حصل له شيء بقي بدون يدين ما يستطيع يتوضأ، ما يستطيع أن يستعمل مثل ما كان يستعمل غيره ممن أعطي اليدين، وأحد عنده البصر فيستعمله في طاعة الله، وأحد منع منه فلا يتمكن من استعماله، وأحد عنده السمع يستعمله فيما أبيح له استعماله، ومن الناس من ليس عنده السمع فلا يتفاهم معه إلا بأصوات مرتفعة، أو بالإشارة، والإنسان الذي أعطاه الله هذه النعمة يحمد الله تعالى عليها، ويشكره عليها، ويستعمل هذه النعم في طاعة الله، ولا يستعملها في معاصي الله عز وجل، ومن استعمالها في معصية الله استعمالها في الأغاني، كون الإنسان يستعمل السمع في الأغاني يكون استعمالها في معصية الله.
دفع ثمن الهدي إلى شركة تقوم بواجب النسك
السؤال: ما حكم شراء الهدي من شركة الراجحي؟ الجواب: ما في بأس، كون الإنسان يعطي الشركة التي تتقبل قيم الهدي، وتنوب عنه في ذبح الهدي يوم العيد، وأيام التشريق، هذا عمل جليل، وخدمة كبيرة، وإراحة للناس من أن يذهبوا إلى مكان المجزرة، ويعانوا ما يعانوا من المشقة في الوصول إليها، وفي اختيار الذبيحة السمينة المجزئة، وكذلك البحث عمن يأكلها، وعمن يستفيد منها، كل هذه أمورٌ شاقة، لكن وجود هذه الجهة التي تقوم بهذا العمل، وتتبناه وتتحمله، وتنوب عن الحجاج فيه، هذا في الحقيقة عمل جيد وعمل عظيم، والإنسان يؤدي، أو يدفع القيمة إلى الشركة، ويكون بذلك وكل هذه الشركة لتنوب عنه في ذبح الهدي، وتوزيعه وإيصاله إلى من استحقه.
حكم تكرار الجماعة في المسجد
السؤال: ما حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد؟الجواب: تكرار الجماعة في المسجد الواحد إذا كانت مقصودة، بأن جماعة ينتظرون الجماعة تخلص حتى يصلوا مكانها، هذا لا يجوز، الجماعة واحدة في المسجد، ما في جماعة تنتظر جماعة تخلص ثم تجيء جماعة ثانية وراءها، فهم ينتظرون حتى هؤلاء يصلون، أو يتأخرون ينتظرونهم أن يفرغوا من الصلاة، هذا لا يجوز، لكن الجماعة واحدة في المسجد، الجماعة الأصلية واحدة، لكن من جاء متأخراً وفاتته الصلاة، وجاء اثنان أو ثلاثة، فإن لهم أن يصلوا جماعة؛ لأنهم ما جاءوا إلى الصلاة وقد فاتتهم الصلاة، فإذاً: يصلوا جماعة، لا بأس بذلك، أما كون الجماعة الأولى يعني: جماعة أخرى تنتظرها تخلص، ثم تأتي وتصلي مكانها، فهذا لا يجوز، بل المسجد فيه جماعة واحدة، فإذا فاتت الإنسان، يصلي جماعة ثانية لأنه ما أمكنه أن يصلي مع الجماعة الأولى، والدليل على هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث: (صلاة الرجل مع الواحد خيرٌ من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة خيرٌ من اثنين..)، وهكذا، ولما جاء رجلٌ وقد فاتته الصلاة، قال لبعض الذين صلوا معه: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى إقامة الجماعة ولو عن طريق الصدقة، فإذاً إذا كان المصلي محتاج لصدقة تقام معه الجماعة، هذا الحديث يدل على أنه إذا جاء واحد فاتته الصلاة، يبحث عن واحد يتصدق عليه، لكن لو جاء اثنان فاتتهم الصلاة ماذا يعملون؟ يصلون جماعة، لأنهم ليسوا بحاجة إلى الصدقة، هم أنفسهم جماعة، الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن توجد الجماعة ولو عن طريق الصدقة، فإذا كانت الجماعة موجودة، وليست بحاجة إلى صدقة، يدل هذا على أن الإنسان الذي أحرم بالعمرة ولم يتمكن من الاستمرار بها، فإنه يدخل الحج على العمرة ويصير قارنا، مثل ما فعلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فإنها أحرمت من الميقات بعمرة وحاضت في الطريق، وجاء الحج وهي على حيضها، ما يمكن تؤدي عمرتها وتفرغ منها؛ لأن الحيض عليها، والمرأة لا تدخل المسجد وتطوف فيه حتى تطهر، والحج وصل، الناس يذهبون إلى عرفة، تنوي الحج فتدخله على العمرة فتصير قارنة، هذا هو إدخال الحج على العمرة، أما من كان مفرداً أو قارناً، وليس معه هدي، فهذا يفسخ إحرامه إلى عمرة، يعني: يتحول من كونه مفرد إلى معتمر، محرم بالحج مفرداً إلى كونه معتمراً تمتعاً، ومن كونه قارناً إلى كونه محرماً بالعمرة، فيطوف ويسعى، ويقصر من شعر رأسه ويتحلل، ويوم الثامن يحرم بالحج.
الإحرام لمن هو بالمدينة من غير ميقاتها
السؤال: أنا طالب في المدينة ثم ذهبت إلى جدة وعند إرادتي إلى الرجوع أردت العمرة، يقول: هل علي أن أرجع إلى المدينة وأحرم من هنا أو أحرم من جدة؟الجواب: إذا كان عند ذهابه من المدينة ليس عنده نية عمرة، وإنما كان سيذهب إلى جدة ويرجع، هذا هو الذي كان عنده في المدينة، هذا إذا طرأ له في جدة أن يعتمر فإنه يحرم من جدة؛ لأنه ما كان عنده نية في المدينة أنه يعتمر، وإنما كان سيذهب إلى جدة ويرجع، لكن طرأ له يعني طارئ في جدة أنه يعتمر، وما كانت النية موجودة في المدينة، فهذا مثل أهل جدة يحرمون من جدة، لكن من كانت النية موجودة عنده وهو في المدينة، فلا يجوز له أن يتجاوز ميقات المدينة إلا وقد أحرم، وإن أحرم من جدة أو من داخل المواقيت، فإنه يكون ارتكب محظوراً، وفعل أمراً غير سائغ، ويجب عليه فدية وهي شاة يذبحها في مكة ويوزعها على فقراء الحرم إن استطاع، وإلا صام عشرة أيام مكانها.
المدة التي يقصر فيها المسافر الصلاة
السؤال: متى يشرع للمسافر قصر الصلاة؟ وهل يجوز له التنفل؟الجواب: السؤال هذا يحتمل حالتين:
إحداهما: المسافة التي يقصر فيها ويعتبر مسافراً، هذا إذا كان بحدود ثمانين كيلو وهي المسافة التي يقصر فيها فإنه يقصر من حين يتجاوز البلد الذي خرج منه، أما إذا كان في البلد، ونازلاً في البلد، ومقيماً في البلد، فإن كان ينوي إقامة أربعة أيام فأقل عند دخوله البلد، فإنه يقصر، وأما إن كان عند دخوله البلد يريد أن يبقى فيه أكثر من أربعة أيام، فإن هذا يتم ولا يقصر مدة إقامته في البلد الذي سافر إليه.
رمي الجمار بغير الحصى كالنعال
السؤال: هل يجوز رمي الجمار بغير الحصى كالنعال ونحوه؟الجواب: لا، ما يجوز، الجمار لا ترمى إلا بالحصى، وبالحصى المعين المحدد، وهو المقدار الذي فوق الحمص ودون البندق، يعني: ما هو كل حصى يرمى به، لا كبير ولا صغير جداً، وإنما فوق الحمصة ودون البندقة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(248)

- (باب تسليم المأموم حين يسلم الإمام) إلى (باب الانحراف بعد التسليم)
المأموم مطالب بمتابعة الإمام في جميع أفعاله، ومنها السلام، وإذا طرأ سهو في الصلاة فيجوز سجود السهو بعد السلام بل والكلام إذا لم يعلم أو يذكر سهو إلا متأخراً، ثم يسلم ثانية، ويستحب الجلوس قليلاً بعد الصلاة، وينحرف الإمام إلى جهة المأمومين.
تسليم المأموم حين يسلم الإمام
شرح حديث عتبان بن مالك في تسليم المأموم حين يسلم الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تسليم المأموم حين يسلم الإمام.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري أنه أخبره قال: أخبرني محمود بن الربيع رضي الله عنه قال: سمعت عتبان بن مالك رضي الله عنه يقول: (كنت أصلي بقومي بني سالم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: إني قد أنكرت بصري، وأن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: سأفعل إن شاء الله، فغدا عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه معه بعد ما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففنا خلفه، ثم سلم وسلمنا حين سلم)].
يقول النسائي رحمه الله: تسليم المأموم حين يسلم الإمام. المراد من الترجمة هو: أن المأموم يتابع الإمام في جميع أفعاله، فيكبر إذا كبر، ويركع إذا ركع، ويرفع إذا رفع، ويسجد إذا سجد، ويسلم إذا سلم، معناه، أن المأموم يتابع إمامه فلا يسبقه، ولا يوافقه، وإنما يتابعه، بحيث إذا انتهى الإمام يأتي المأموم بما فعله الإمام، فيكون الإمام كبر في الدخول في الصلاة، ثم كبر وراءه المأموم، وعند نهاية الصلاة يسلم الإمام ويخرج من الصلاة، ثم يخرج المأموم بعده بأن يسلم بعد فراغه من التسليم، وهذا إنما هو في جميع الأفعال، المأموم لا يسابق الإمام ولا يوافقه، بل يأتي بالأفعال عقبه مباشرةً وبدون تأخير، هذا هو الذي يفعل من قبل المأموم تبعاً للإمام.
وقد أورد النسائي حديث عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنه إمام قومه، وأنه قد أنكر بصره، يعني أنه قد ضعف بصره، أو أنه قد عمي، وأن السيول تأتي في وقت الأمطار، فلا يتمكن من الوصول إلى المسجد، فيضطر إلى أن يصلي في بيته، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي إليه في منزله ويصلي في مكان من منزله يتخذه مصلى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (سأفعل إن شاء الله)، ثم جاء إليه هو وأبو بكر في يوم من الأيام بعدما اشتد النهار، ولم يجلس حتى صلى في المكان الذي يريد منه أن يصلي به، فطلب منه حين دخل أن يخبره بالمكان الذي يرغب أن يصلي فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليه قال: فصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففنا وراءه، ثم قال: (سلم وسلمنا حين سلم). ثم سلم، أي: خرج من تلك الصلاة، وسلمنا حين سلم، وهذا هو المقصود من الترجمة، والمقصود من ذلك: أن المأموم يسلم عقب سلام الإمام، لا يسلم معه، ولا يوافقه، ولا يسبقه.
قال: (كنت أصلي بقومي بني سالم)، وهم في الطريق إلى قباء، هم ليسوا من أهلها، ولكنهم في المنطقة التي بين مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وبين قباء.
قال: (فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: إني قد أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي).
هذه المسوغات للطلب الذي يريده من رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي ويصلي في مكان من منزله يتخذه عتبان مكاناً يصلي فيه، ومهد لذلك بأنه قد أنكر بصره، يعني أنه عمي أو قارب العمى، وأن السيول تأتي وتفصل بينه وبين الوصول إلى المسجد، فيضطر إلى أن يصلي في البيت، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي إليه ويصلي في مكان يتخذه مصلى، فقال عليه الصلاة والسلام: (سأفعل إن شاء الله)، وفي هذا دليل على أن الإنسان عندما يتحدث عن أمرٍ مستقبل يعلق ذلك بمشيئة الله، فيقول: سأفعل إن شاء الله، أو آتي إن شاء الله؛ لأن الله عز وجل يقول: ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )[الكهف:23-24]، فهو عندما يتحدث عن أمرٍ مستقبل، أو يعد في أمرٍ مستقبل، فإنه يعقب ذلك بقوله: إن شاء الله، كما قال عليه الصلاة والسلام هنا: (سأفعل إن شاء الله)، يعني: آتي إليك في يوم من الأيام القادمة، وأحقق رغبتك.

ثم أيضاً كونه يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي، ويصلي في مكان يتخذه مصلى، يعني: يريد من ذلك التبرك بالمكان الذي يصلي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من منزله، فيتخذه مكاناً يصلي فيه، ومعلومٌ أن التبرك بالرسول عليه الصلاة والسلام وبما مسه جسده، حين حياته عليه الصلاة والسلام، هذا من خصائصه، وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يفعلون ذلك معه، فكانوا يتبركون ببصاقه، وبعرقه، وبشعره، وفضل وضوئه كما ثبتت بذلك الأحاديث عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من خصائصه، ولم يكن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، يفعلون شيئاً من ذلك مع أصحابه الكرام، أو مع خيار أصحابه، كـأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ما كانوا يأتون إلى أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ويتبركون بعرقهم، وببصاقهم، وما إلى ذلك من الأشياء التي تخرج من أجسادهم، وإنما كانوا يخصون ذلك برسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد حكى الشاطبي الإجماع على ذلك، وأن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام لما لم يفعلوا ذلك مع أحد من أصحابه، عرف أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، يعني التبرك بما يسقط من جسده أو بما مسه جسده صلى الله عليه وآله وسلم، هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فلا يفعل مع أحدٍ من غيره من البشر، ما دام أنه لم يفعل مع خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فغيرهم من باب أولى؛ لأن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.
(فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكاناً أتخذه مسجداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: سأفعل إن شاء الله، فغدا عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه معه بعد ما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له).
يعني: استأذن في الدخول، وهذا فيه مشروعية الاستئذان، والرسول عليه الصلاة والسلام كان مدعواً ليحضر، ولكن الوقت غير محدد، ولما جاء استأذن للدخول فأذن له فدخل، ولم يجلس في المنزل قبل أن يؤدي المهمة التي جاء من أجلها، وهي الصلاة في المكان الذي يريده عتبان، فطلب منه أن يعين المكان الذي يرغب أن يصلي فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأشار إليه، فذهب إليه، قال: فصلى..
(ثم سلم وسلمنا حين سلم)، أي: أنهم بعدما حصل منه السلام، حصل منهم التسليم، يعني عقبه مباشرةً وبدون فاصل.
تراجم رجال إسناد حديث عتبان بن مالك في تسليم المأموم حين يسلم الإمام
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر المروزي، ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرة، وهو إمام، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمود بن الربيع].
الأنصاري، وهو صحابي صغير، أكثر روايته عن الصحابة؛ لأنه من صغارهم، فهو يروي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بواسطة، أي: أكثر رواياته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه].
وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه. ولم خرج له الترمذي، ولا خرج له أبو داود في السنن، أي: أنه ليس له شيء من الحديث في السنن، وكذلك الترمذي ليس عنده شيء من الحديث لـعتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه. السجود بعد الفراغ من الصلاة
شرح حديث عائشة في سجود النبي سجدة طويلة في صلاة الوتر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السجود بعد الفراغ من الصلاة. أخبرنا سليمان بن داود بن حماد بن سعد عن ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد: أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ويوتر بواحدة، ويسجد سجدةً قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه)، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث مختصر].
أورد النسائي الترجمة: باب السجود بعد الفراغ من الصلاة، النسائي رحمه الله، عقد هذه الترجمة مستنبطاً إياها من الحديث الذي أورده، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، ويسجد سجدة قدر خمسين آية، ففهم النسائي من هذا الحديث أن هذه السجدة يأتي بها بعد الفراغ من قيام الليل ومن الوتر، فيأتي بسجدة مفردة يعني هذا مقدارها، لكن الذي يظهر أنها ليس المراد من الحديث هو ما فهمه النسائي رحمة الله عليه؛ لأنه لم يعهد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يتطوع بسجدة واحدة، بل ولا يتطوع بركعة واحدة؛ لأن أقل ما يتطوع به ركعتان، لا يتطوع بركعة واحدة، ولم يعرف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يأتي بسجدة واحدة إلا فيما جاء بالنسبة لسجود التلاوة، ولسجود الشكر، وأما تنفل وإتيان بسجدة واحدة ليست ضمن صلاة فليس هذا معروفاً، وهذا الحديث أو هذه السجدة التي جاءت في الحديث، الأظهر أنه ليس المقصود منها ما فهمه النسائي، بل الأظهر منها أن الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وكان يطيل القراءة، ويطيل السجود، وأن السجدة الواحدة في صلاته في الليل تصل إلى هذا الحد، وإلى هذا المقدار، هذا هو المقصود من ذلك، ولهذا الحديث نفسه يقول: (كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة)، قال: ويوتر بركعة، يوتر بركعة هي واحدة من التي مضت، هي واحدة من قوله: يصلي إحدى عشرة ركعة ويوتر بركعة؛ لأن ما في ركعة بعد الحادية عشرة، بل هي واحدة من إحدى عشرة.
إذاً هذه السجدة هي ضمن الإحدى عشرة، وضمن الصلاة، فليس المقصود منها سجود مستقل كما فهمه النسائي رحمة الله عليه، وبوب في سجود الإمام إذا فرغ من الصلاة، بل المراد من هذه السجدة هي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيل السجود، ويطيل القيام في قيام الليل، فتكون السجدة في صلاته مقدار قراءة خمسين آية؛ لأنه كان يطيل القيام، ويطيل الركوع، والسجود، والسجدة تصل إلى خمسين آية، أو إلى مقدار خمسين آية، بل قد تصل إلى ما هو أكثر من ذلك كما قد جاء في بعض الأحاديث التي سبق أن مرت، وعلى هذا فإن السجدة التي جاء ذكرها في الحديث هي ضمن صلاته عليه الصلاة والسلام، وذلك أن سجوده كان طويلاً، وأنه يبلغ إلى هذا المقدار الذي هو مقدار خمسين آية، والحديث رواه النسائي من طريق ثلاثة من الرواة يروي عنهم، أو بعض الثلاثة الذين هم: ابن أبي ذئب وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد الأيلي، هؤلاء الثلاثة الذين رووا الحديث من طريقهم يزيد بعضهم على بعض، يعني ليس هذا لفظ، وإنما هو لفظ مختصر، هذا اللفظ مختصر، وبعضهم يزيد على بعض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في سجود النبي سجدة طويلة في صلاة الوتر
قوله: [أخبرنا سليمان بن داود بن حماد].سليمان بن داود بن حماد بن سعد، وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب، المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة المدني، المشهور بـابن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[و عمرو بن الحارث].
مصري ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[و يونس بن يزيد الأيلي].
وهو مصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن ابن شهاب].
ابن شهاب، وقد مر ذكره قريباً.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهم: عروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، السادس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: إن السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هؤلاء سبعة اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، فإذا جاء مسألة من مسائل الفقه يقال فيها: قال بها الفقهاء السبعة ولا يسمون، فالمراد بهم هؤلاء الذين هم: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وواحد من الثلاثة الذين هم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[قالت عائشة].
أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي روت الحديث الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من السبعة الأشخاص الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء هم أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، أكثر الصحابة حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم.
سجدتي السهو بعد السلام والكلام
شرح حديث: (أن النبي سلم ثم تكلم ثم سجد سجدتي السهو)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سجدتي السهو بعد السلام والكلام.أخبرني محمد بن آدم عن حفص عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم ثم تكلم، ثم سجد سجدتي السهو)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب سجدتي السهو بعد السلام والكلام، يعني: بعدما يسلم ويتكلم ويتحدث معه، ويقال: إن الصلاة يعني فيها زيادة وفيها نقصان، ثم يعني يسجد للسهو ويسلم، وهذا حصل في بعض الصلوات التي زاد فيها ركعة، وبعدما سلم قالوا: أنه حصل زيادة، فثنى رجله واتجه إلى القبلة، وسجد سجدتي السهو، ثم سلم، وكذلك أيضاً في حديث ذي اليدين؛ لأنه سلم ناسٍ والصلاة لم تتم، وحصل الكلام، وأتى بما نقص من صلاته، ثم سجد بعد السلام، لكن الذي فيه سجدتان بعد السلام والكلام فقط، هي التي تكون عن زيادة في الصلاة، يعني يكون زاد ركعة، ولما فرغ من الصلاة تحدثوا معه وقالوا: أن الصلاة فيها زيادة، أنك زدت ركعة، فكانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم زمن التشريع يعني: إذا صلى ركعة خامسة يقومون معه يظنون أن الصلاة زيد بها بدل ما تكون أربع صارت خمسا، لكن بعدما سلم يتحدثون معه ويقولون: إنك صليت خمساً، فعند ذلك اتجه إلى القبلة وسجد سجدتي السهو، فالحديث دال على ما ترجم له المصنف.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:41 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي سلم ثم تكلم ثم سجد سجدتي السهو)
قوله: [أخبرني محمد بن آدم].هو محمد بن آدم الجهني، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن حفص].
هو حفص بن غياث، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه، واسمه: سليمان بن مهران، وألقاب المحدثين لها أهمية، وفائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه وذكر بلقبه، من لا يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران، إذا رأى الأعمش جاء بإسناد، وإذا رأى سليمان بن مهران جاء بإسناد، يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص، لكن من عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر.
[عن إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة].
هو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن مسعود].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السابقين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وهو من علماء الصحابة وفقهائهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
في أول الكلام قال: أخبرني هذه يؤتى بها إذا كان الراوي أخذ عنه وحده، لم يأخذ ومعه غيره، وإذا كان أخذ عنه ومعه غيره، فإنه يعبر بأخبرنا، فهذا هو الفرق بين أخبرني وأخبرنا، أخبرني إذا كان أخذ عنه وحده ليس معه أحد، وأخبرنا إذا أخذ هو ومعه غيره.
السلام بعد سجدتي السهو
شرح حديث: (أن رسول الله سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم سلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [السلام بعد سجدتي السهو. أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار حدثنا ضمضم بن جوس عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم سلم)، قال: ذكره في حديث ذي اليدين].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: السلام بعد سجدتي السهو، أو بعد سجدة السهو. المقصود من ذلك: أن سجود السهو إذا كان بعد السلام، فيسلم بعده أيضاً، ولكن بدون تشهد، يعني ما يتشهد للسلام الثاني الذي بعد سجدة السهو، هذا إذا كان بعد السلام، أما إذا كان قبل السلام، طبعاً كان قبل الخروج من الصلاة، لكن إذا كان سجود السهو بعد السلام، فإنه يسلم بعده، عندما يسجد الإمام للسهو بعد سلامه، يسلم بعد سجود السهو، وقد أورد فيه طرفاً من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين أو في حديث ذي اليدين، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: أنه صلى ركعتين قام وأتى بالركعتين، ثم سلم ثم سجد ثم سلم، معناه: أنه حصل السلام مرتين: مرة قبل سجود السهو، ومرة بعد سجود السهو، يسلم عن يمينه وعن شماله، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله بعد سجود السهو.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله سلم ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس ثم سلم)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما.
[عن عكرمة بن عمار].
صدوقٌ يغلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا ضمضم بن جوس].
ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (إن النبي صلى ثلاثاً ثم سلم... ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا خالد عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثلاثاً ثم سلم، فقال الخرباق: إنك صليت ثلاثاً، فصلى بهم الركعة الباقية، ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم)].أورد النسائي حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه، وهو دال على ما ترجم له المصنف، وذلك في قصة أيضاً ذي اليدين الذي هو الخرباق، وفيه أنه أتى بما بقي عليه من صلاته، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم. فهو دال على ما ترجم له المصنف.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى ثلاثاً ثم سلم... ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم)
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي]. وهو: بصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن زيد بن درهم، وهو بصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد].
هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. والحذاء لقب له، وقيل في سبب تلقيبه: أنه كان يجالس الحذائين فقيل له: الحذاء، وهي نسبة إلى غير ما يتبادر إلى الذهن؛ لأن المتبادر إلى الذهن إذا قيل: حذاء، أنه يعني إما يبيع الأحذية أو يصنعها، لكن كونه بس يجلس عند الحذائين فيقال له: الحذاء، هذا ليس متبادراً إلى الذهن.
[عن أبي قلابة].
هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، البصري، وهو ثقة، كثير الإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي.
[عن أبي المهلب].
هذا عم أبي قلابة هو الجرمي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمران].
هو عمران بن حصين صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكنيته أبو نجيد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
جلسة الإمام بين التسليم والانصراف
شرح حديث البراء بن عازب في جلسة الإمام بين التسليم والانصراف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جلسة الإمام بين التسليم والانصراف. أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عمرو بن عون حدثنا أبو عوانة عن هلال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (رمقت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته، فوجدت قيامه وركعته واعتداله بعد الركعة، فسجدته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته بين التسليم والانصراف قريباً من السواء)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: جلسة الإمام بعد التسليم والانصراف، والمقصود من ذلك مقدارها، وأورد حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: (رمقت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته)، أي: ركوعه؛ لأن المقصود بالركعة هنا الركوع، (فركوعه فقيامه أو فاعتداله من الركوع، فسجدته فجلسته بين السجدتين، فجلسته بين التسليم والانصراف قريبٌ من السواء)، معناه: أنه يعني يحصل الإطالة فيها، والمقصود من ذلك إنها متقاربة، وليس مع ذلك أنها متساوية؛ لأن قوله: (قريباً من السواء)، يعني: بينها تفاوت، ليست متساوية، ولكنها قريبة من التساوي، يعني بعضها يزيد على بعض، مثل القيام، فإنه يزيد على الركوع، ومثل التشهد، فإنه يزيد على الجلوس بين السجدتين، وقد جاء في بعض الأحاديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما خلا القيام والقعود، أنها قريبة من السواء، ما خلا القيام والقعود، يعني: في حال القيام للقراءة، وفي حال القعود للتشهد، فإنه يكون أطول من حال الركوع، ومما يكون بعد الركوع، ومما يكون في السجود، ومما يكون بين السجدتين.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في جلسة الإمام بين التسليم والانصراف
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان]. هوالرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عمرو بن عون].
هو البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عوانة].
هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهورٌ بكنيته أبي عوانة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وممن اشتهر بكنية أبي عوانة شخص آخر هو صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال لكتابه: المستخرج، ويقال له: المسند، ويقال له: الصحيح، يقال: صحيح أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، وكل منها اسم صحيح؛ لأنه مسند حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، هو مسند، وهو صحيح؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم ، وهو مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، وهو متأخر، هذا متقدم وذاك متأخر، ذاك بعد مسلم، وهذا من طبقة شيوخ شيوخ البخاري.
[عن هلال].
هو هلال بن أبي حميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
هو الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء].
هو البراء بن عازب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (أن النساء في عهد رسول الله كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله ومن صلى من الرجال ما شاء الله...)
قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس قال: ابن شهاب: أخبرتني هند بنت الحارث الفراسية: أن أم سلمة رضي الله عنها أخبرتها: (أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كن إذا سلمن من الصلاة قمن، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال)].أورد النسائي حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، في باب جلسة الإمام بين التسليم والانصراف، والمقصود من الانصراف هو: الانصراف من الجلوس للصلاة؛ لأن الإمام له حالتان: حالة متجه إلى القبلة، وحالة منصرف إلى جهة المأمومين، والمقصود من هذا انصرافه من جلوسه في مصلاه في الحالتين، يعني كونه أولاً إلى جهة القبلة، ثم إلى جهة المأمومين، وإلى جهة القبلة يعني جلوسه قليلا، مقدار ما يقول: استغفر الله، استغفر الله ثلاث مرات، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف، والطول إنما يكون في حال اتجاهه إلى المأمومين، هذا الذي يكون قريبا من الركوع، وقريبا من السجود، وقريبا مما يكون بعد الركوع، قريب من القيام، أي: جلوسه في مصلاه حتى ينصرف إلى بيته، الانصراف إلى البيت، ليس الانصراف عن جهة القبلة؛ لأن الانصراف عن جهة القبلة وقته يسير جداً.
أورد حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو دال على مراد النسائي مما ترجم له، والمقصود: إن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا صلى معه النساء يبقى رسول الله عليه الصلاة والسلام والناس معه، وتنصرف النساء بعد الصلاة، فإذا انصرفن ولم يكن هناك مجال للاختلاط بهن، بحيث يخرج الناس، ويكون هناك اختلاط، بل ينصرفن، ويذهبن فعند ذلك يخرج الرجال، هكذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصحابه يفعلون، بمعنى أنهم يجلسون في مصلاهم في المسجد حتى ينصرف النساء، حتى لا يحصل الاختلاط بين النساء والرجال.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النساء في عهد رسول الله كن إذا سلمن من الصلاة قمن وثبت رسول الله ومن صلى من الرجال ما شاء الله...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب، وقد مر ذكره.
[عن يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي، وقد مر ذكره.
[قال ابن شهاب].
وقد مر ذكره.
[أخبرتني هند بنت الحارث الفراسية].
ثقة، أخرج حديثها البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن أم سلمة].
هي هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
الانحراف بعد التسليم
شرح حديث يزيد بن الأسود: (أنه صلى مع رسول الله صلاة الصبح فلما صلى انحرف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانحراف بعد التسليم. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن سفيان حدثني يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه رضي الله عنه: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى انحرف)].
ثم أورد هذه الترجمة وهي: الانحراف بعد التسليم، المقصود من ذلك الانحراف من جهة القبلة، انحراف الإمام من جهة القبلة إلى جهة المأمومين؛ لأن الترجمة السابقة الجلسة التي قبل قيامه من مكانه إلى منزله، أو مغادرته المكان الذي صلى فيه، وأما هذه الترجمة تتعلق بالانحراف من جهة القبلة إلى جهة المأمومين.
أورد النسائي حديث يزيد بن الأسود: (صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى انحرف).
(فلما صلى انحرف)، يعني: لما صلى بالناس وفرغ من الصلاة انحرف، يعني وليس الانحراف أنه بعد السلام مباشرةً، وإنما كما جاء أنه يقول: استغفر الله، استغفر الله ثلاث مرات، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يكون الانحراف إلى جهة المأمومين.
تراجم رجال إسناد حديث يزيد بن الأسود: (أنه صلى مع رسول الله صلاة الصبح فلما صلى انحرف)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وكانت وفاته قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هوسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني يعلى بن عطاء].
ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر بن يزيد].
صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبيه].
هو يزيد بن الأسود صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني مثل الذين خرجوا لابنه.
الأسئلة

مدى ثبوت تبرك الصحابة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: هل ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يتبركون ببدن النبي صلى الله عليه وسلم؟الجواب: نعم يتبركون بعرقه، ويتبركون بفضل وضوئه، يعني الذي مس جسده.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(249)


- (باب التكبير بعد تسليم الإمام) إلى (باب الاستغفار بعد التسليم)
سُن للمصلي بعد انتهاء صلاته أن يرفع صوته بالذكر مبتدأ بالتكبير والاستغفار كما قال ابن عباس رضي الله عنه: كنا نعرف انقضاء صلاته صلى الله عليه وسلم بالتكبير والاستغفار، ويسن أيضاً قراءة المعوذات بعد انقضاء الصلاة وهي من عموم الذكر الوارد في نهاية كل صلاة.
التكبير بعد تسليم الإمام
شرح حديث ابن عباس: (إنما كنت أعلم انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التكبير بعد تسليم الإمام.أخبرنا بشر بن خالد العسكري حدثنا يحيى بن آدم عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس، قال: (إنما كنت أعلم انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير)].
يقول النسائي رحمه الله: التكبير بعد سلام الإمام، والنسائي رحمه الله تعالى أورد هذه الترجمة بالتكبير بعد سلام الإمام وفيها التنصيص على لفظ التكبير، وقد جاء عنه في روايةٍ أخرى، أي: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا يدلنا على أن رفع الصوت بالذكر بعد السلام وردت به السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها ما جاء بلفظ التكبير كما هنا، وفيها ما جاء بلفظ الذكر مطلقاً، ومن المعلوم أن التكبير هو من الذكر، والحديث يدل على أن رفع الصوت بالذكر تكبيراً كان أو غيره بعد سلام الإمام من الصلاة، والمأمومين، كان على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو سنة، ورفع الأصوات بالذكر بعد السلام لا يكون بطريقةٍ جماعية، بأن يكون واحد يقول، والباقون يتبعونه، وإنما كلٌ يذكر الله بنفسه، ويرفع صوته، وقد تلتقي أصوات بعضهم وقد تفترق، فهذا هو الذي كان معروفاً على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما ما يفعل في بعض البلاد من كون الإمام يأتي بالذكر يرفع صوته به ثم المأمومون يتابعونه به ويأتون بصوت واحد بعد صوت الإمام فهذا محدث، وليس من السنة، وإنما السنة أن كل واحد يذكر الله بالذكر الوارد، والذكر المشروع، ويرفع صوته به، أي: رفعاً ليس بشديد، ولكن بحيث يسمع، ودون أن يكون هناك ترتيب التقاء أصوات بحيث لا يتقدم أحد ولا يتأخر أحد عن غيره، وإنما كلٌ يذكر الله في نفسه، فهذا يكبر، وهذا يسبح، وهذا يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، دون أن يكونوا كلهم على نسق واحد وعلى وتيرة واحدة، هذا هو الذي جاءت به السنة.
وذكر في الحديث الذكر بعد السلام فيه تكبير، وغير تكبير، ولفظ الذكر يشمل التكبير وغير التكبير، فهذا يدلنا على مشروعية رفع الصوت بالذكر بعد سلام الإمام سواء من الإمام أو من المأمومين، وأن هذا هو السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديثان كما ذكرت جاءا بلفظين: أحدهما: عام، والثاني: خاص، والعام يشمل الخاص، والخاص هو جزء من العام، أي: أن لفظ الذكر لفظ عام يشمل التكبير، والتسبيح، والتهليل، وغير ذلك من الثناء الذي ورد على الله عز وجل، والتكبير هو جزء منه، ورفع الصوت إنما هو في الجميع كما جاء في حديث ابن عباس: (إن رفع الصوت بالذكر)، أي: عموماً، وليس خاصاً بالتكبير، والتكبير هو جزء من الذكر، فيكون رفع الصوت به كرفعه بغيره في الحديث الآخر الذي ورد أو اللفظ الآخر الذي ورد وهو لفظ الذكر.
ثم قيل: إن ابن عباس رضي الله عنه كان يحتمل أن يكون في ذلك الوقت صغيراً، يعني: من الصغار الذين قد يكون سمع هذا وهو خارج المسجد، ويحتمل أن يكون أيضاً حضر المسجد وصلى، ولكن صلى وراء الصفوف، أي: أن الصبيان يصفون في مؤخرة الصفوف، وفي الصفوف المؤخرة، فيكون سماعهم أو علمهم بالانصراف إنما هو بالذكر الذي يسمعونه من الرسول عليه الصلاة والسلام ومن الذين حوله، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا، ولكن الحديث دال على مشروعية رفع الصوت بالذكر بعد السلام.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (إنما كنت أعلم انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير)
قوله: [أخبرنا بشر بن خالد].هو بشر بن خالد العسكري، بصري، ثقة، يغرب، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، ثقة، ثبت، فاضل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو: مصنف من الأئمة المصنفين، وله كتاب الخراج المشهور.
[سفيان بن عيينة].
هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، ثقة، ثبت، حجة، إمام، من الأئمة الكبار المعروفين بالحديث وبالفقه، وهو ممن أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو يدلس، لكنه لا يدلس إلا عن الثقات، مشهور تدليسه أنه عن الثقات، لا يدلس عن غيرهم شيئاً، وهو من أتباع التابعين، وسفيان بن عيينة روى عن الزهري، والزهري من صغار التابعين، أي: أنه أدرك صغار التابعين، وعاش بعد الزهري مدةً طويلة؛ لأن الزهري توفي مائة وأربع وعشرين، وابن عيينة توفي مائة وسبع وتسعين، فهو في أواخر القرن الثاني، ولكنه أدرك صغار التابعين الذين لقوا صغار الصحابة، وحديثه كما ذكرت أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عمرو بن دينار].
هو عمرو بن دينار المكي، ثقة، ثبت، وسفيان بن عيينة مكي، وعمرو بن دينار مكي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معبد].
اسمه نافذ، وهو مولى ابن عباس، وهو يروي عن ابن عباس، واسمه نافذ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد صغار الصحابة؛ لأنه في حجة الوداع كان ناهز الاحتلام كما جاء ذلك في الحديث عنه: أنه قال: (كنت ناهزت الاحتلام)، يعني في حجة الوداع، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه يقال له: الحبر، ويقال: البحر؛ وذلك لسعة علمه بكتاب الله عز وجل، وهو من أوعية السنة، فإنه من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين تحملوا عنه الحديث الكثير، والذين اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام سبعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام قد عرفوا بكثرة الحديث، واشتهروا بكثرة الحديث، وهو من أوعية العلم، وأوعية السنة، وأوعية الفقه في دين الله عز وجل، فقد جمع السيوطي هؤلاء السبعة في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبي
المراد بزوجة النبي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهؤلاء هم السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما أن ابن عباس من السبعة المعروفين بكثرة الحديث، فهو أحد العبادلة الأربعة المشهورين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذين يسمون بعبد الله من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرون، منهم الأربعة الذي هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وهنالك غيرهم مثل: عبد الله بن قيس الأشعري أبو موسى الأشعري، وكذلك عبد الله أبو بكر الذي هو عبد الله بن عثمان، وكذلك عبد الله ابنه، عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن زيد، صحابة كثيرون يسمون بعبد الله، لكن الذين أطلق عليهم لقب العبادلة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين ذكروا أولاً، وقد عاشوا، وأدركهم من لم يدرك كبار الصحابة الذين ماتوا قبل ذلك، ولهذا قال بعض العلماء: إن عبد الله بن مسعود هو أحد العبادلة الأربعة، لكن المشهور أن عبد الله بن مسعود ليس منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، وأما العبادلة الأربعة فهم من صغار الصحابة الذين عاشوا، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، فـابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما ابن عباس توفي سنة اثنان وستين في الطائف، أي: بعد وفاة ابن مسعود بأكثر من ثلاثين سنة، فالذين اشتهروا باللقب ليس منهم عبد الله بن مسعود، وإنما العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة الذين عاشوا وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود ولا غيره من المتقدمين، وأخذ عنهم العلم والحديث رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وابن عباس هو أحد العبادلة الأربعة، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من الصلاة
شرح حديث عقبة بن عامر: (أمرني رسول الله أن اقرأ المعوذات دبر كل صلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن الليث عن حنين بن أبي حكيم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي قراءة المعوذات بعد التسليم، أي: أن من الأمور المشروعة بعد الصلاة وفي أدبار الصلوات: أن الإنسان يقرأ المعوذات وهي: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ )[الفلق:1]، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )[الناس:1]، وكذلك (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، هذه الثلاث السور جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مشروعيتها بعد الصلاة، لكنها تكون بعد الذكر المشروع: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع إلا الجد منك الجد)، فتأتي بعد هذه الأذكار قراءة هذه السور، وكذلك أيضاً جاء قراءة آية الكرسي مع هذه السور، أي: تقرأ في أدبار الصلوات الخمس، آية الكرسي، وهذه السور الثلاث: سورة الإخلاص، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ )[الفلق:1]، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ )[الناس:1]، جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بقراءتها في أدبار الصلوات، ومن المعلوم ما اشتملت عليه هذه السور العظيمة من الثناء على الله عز وجل ودعائه، والاستعانة به، والتعويذ على الله عز وجل، واللجوء إليه، وأنه هو الذي ينفع ويضر.
الله تعالى هو النافع الضار، (لو أن الأمة اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك)، فالأمر كله بيد الله عز وجل، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ومن أراد الله ضره فلا يستطيع أحد أن يرده، ومن أراد الله نفعه لا يستطيع أحدٌ أن يرده، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ )[فاطر:2]، فالأمر كله بيده سبحانه وتعالى، فقراءة هذه السور فيه الاستعاذة بالله عز وجل، والاعتصام به، واللجوء إليه، والتعويل عليه، والتوكل عليه سبحانه وتعالى؛ حتى يحصل العبد على ما ينفعه، وحتى يسلم من الوقوع فيما يضره.
وكلمة (دبر الصلاة)، المقصود بالدبر هنا بعد الصلاة، وليس في داخلها، والدبر يطلق على ما كان في آخر الصلاة، وعلى ما كان بعد الصلاة، فالدبر يطلق على آخر الشيء، وعلى ما يلي آخر الشيء، كل ذلك يقال له: دبر، فما قبل السلام من الصلاة يقال له: دبر الصلاة، وما بعد السلام من الصلاة يقال له: دبر الصلاة، وقد جاءت الأحاديث في هذا، وفي هذا، لكن هنا المراد بذلك ما بعد الصلاة، وليس أنه قبل السلام؛ لأنه قبل السلام ليس فيه قراءة قرآن، وإنما فيه كون الإنسان يتخير من الدعاء ما شاء، وأما قراءة القرآن فتكون في القيام في الصلاة، فلا تكون في الركوع والسجود، ولا في الجلوس، وإنما تكون في القيام، وأما بعد السلام فالحديث الذي معنا دل على مشروعية قراءة هذه السور بعد الصلوات، وفي أدبار الصلوات، وبعد الذكر المشروع الذي جاء بيانه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي سيأتي عند النسائي في أحاديث قادمة في هذه الأبواب.
وقول عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه: (أمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام)، أمر النبي عليه الصلاة والسلام لواحد هو أمرٌ للجميع، لا يختص الحكم به، بل هو له ولغيره، ولهذا لما نزلت: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، وكان ذلك بسبب ما حصل لرجلٍ من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما جاء تلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: (ألي هذا خاصة يا رسول الله؟ قال: بل لأمتي كلهم)، فخطاب النبي عليه الصلاة والسلام لواحد خطابٌ للجميع، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام لواحد أمرٌ للجميع، إلا إذا جاء شيءٌ يدل على اقتصار الحكم على الرجل بدليلٍ خاص يدل على أن هذا له وليس لغيره، فعند ذلك يقتصر الحكم عليه، أما إذا لم يأت دليلٌ خاص يدل على أن الحكم لهذا الشخص لا يتعداه إلى غيره، فإن الحكم هنا يكون عاماً للجميع، فقول عقبة: أمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام، هو أمرٌ للأمة كلها، وأمرٌ للناس جميعاً ولا يخصه، وإنما الحكم له ولغيره.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:46 PM
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر: (أمرني رسول الله أن اقرأ المعوذتين دبر كل صلاة)
قوله: [محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري، ولا الترمذي، وهناك شخص آخر يقال له: محمد بن سلمة أعلى منه طبقة يروي عنه النسائي بواسطة، فإذا جاء في الإسناد محمد بن سلمة من شيوخ النسائي، فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة، وهو من شيوخ شيوخه، فالمراد به الحراني، والذي معنا هو المصري.
[عن ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن حنين بن أبي حكيم].
لا أستطيع أن أجزم هل هو ثقة أو صدوق؟ ولكن أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن علي بن رباح].
يقال له: عُلي بالتصغير، ومشهور بـعلي، واسمه علي، ومشهور بالتصغير علي، قالوا: وكان يغضب من أن يقال له: عُلي بالتصغير، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عقبة بن عامر].
هو عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الاستغفار بعد التسليم
شرح حديث: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستغفار بعد التسليم.أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد عن أبي عمرو الأوزاعي حدثني شداد أبو عمار: أن أبا أسماء الرحبي حدثه: أنه سمع ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاستغفار بعد التسليم، يعني: كون الإنسان يستغفر الله بعد أن يسلم، وقد جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بمشروعية الاستغفار بعد التسليم.
فالإنسان عندما يسلم يستغفر الله أول شيء ثلاثاً: استغفر الله، استغفر الله، استغفر الله، ويقول مع ذلك: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، يقولها الإمام وهو متجهٌ إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة المأمومين بعد أن يأتي بهذا الذكر، ويكمل الذكر الباقي وهو إلى جهة المأمومين.
وقوله: (إذا انصرف)، المراد هنا الانصراف التسليم، فمعنى إذا انصرف من صلاته، أي: سلم من صلاته، ثم يقول هذا الذكر الذي هو الاستغفار، والثناء على الله عز وجل بما بعده، (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، فيأتي به الإنسان أول شيء، والإمام يأتي به وهو متجه إلى القبلة، وإذا أتى به انصرف إلى جهة المأمومين، فالانصراف يكون من الصلاة، ويكون إلى المأمومين، والمراد هنا انصراف الإمام من الصلاة، أي: تسليمه منها، أي: كونه سلم منها، أي: أنه خرج منها؛ لأنه كما جاء في الحديث (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)؛ لأن التسليم هو نهاية الصلاة، فالإنسان إذا سلم حل له ما كان حراماً عليه قبل أن يدخل في الصلاة، ولهذا جاء في الحديث: (تحريمها التكبير، وتحليليها التسليم)، إذا قال الإنسان: الله أكبر تكبيرة الإحرام حرم عليه ما كان حلالاً قبله، لا يأكل، ولا يشرب، ولا يلتفت، ولا يتصرف التصرفات التي كان يباح له أن يتصرف فيها، ويستمر الأمر حتى يسلم، وإذا سلم حصل التحليل، معناه رجع الأمر إلى ما كان عليه قبل التكبير، المعنى أنه يحل له أن يتكلم، ويحل له أن يلتفت، ويحل له أن يفعل الأشياء التي له أن يفعلها قبل أن يدخل في الصلاة، فالمراد بالانصراف هنا التسليم، (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً).
ثم ذكر الاستغفار بعد الصلاة، هذا فيه كون الإنسان يعترف بالتقصير، وأنه محل الخطأ، وأنه يستغفر الله عز وجل عما حصل من تقصير في صلاته التي صلاها؛ لأنه عرضة للخطأ، وعرضة للتقصير، ثم أيضاً فيه هذا كون الإنسان يعتبر نفسه مهما عمل أنه مقصر، فيحتاج إلى أن يدعو بهذا الدعاء الذي هو استغفار الله عز وجل، وأن يغفر الله له، وقد جاء الاستغفار بعد أداء الأعمال، مثل: الصلاة، ومثل: الحج؛ لأن الحج أيضاً جاء في القرآن الأمر بالاستغفار بعده، وذلك يدل على كون الإنسان مهما عمل من عمل فهو عرضةٌ للخطأ، وهو بحاجة إلى مغفرة الله عز وجل، فيلح على الله عز وجل ويستغفره، وإن حصل منه ما حصل من الأعمال فهو عرضةٌ للتقصير، ومحل للتقصير، فهو يلجأ إلى ربه ويستغفره، ويسأله أن يغفر له ما حصل من تقصير، هذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، الأعمال تختتم بالاستغفار، فالصلاة جاء فيها الأحاديث وغيرها من الأحاديث، الإنسان يستغفر بعد الصلاة، وكذلك الحج، الإنسان يستغفر، كما جاء في القرآن من سورة البقرة، يستغفر الله عز وجل؛ لأنه محل التطهير، فهو يلجأ إلى ربه ويستغفره، ويطلب منه أن يغفر له ما حصل من خلل، ففائدة الاستغفار الاعتراف بالخطأ، والتقصير، وكونه يعني يكون فيها تكميل وجبر لما حصل من خلل، وذلك بأن يستغفر الله عز وجل، وأن يتجاوز عنه ذلك الخلل الذي حصل منه، فيكون يعمل ما عمل وهو خائفٌ وجل، كما قال الله عز وجل عن عباده وأوليائه: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )[المؤمنون:60]، فهذا هو شأن المؤمن يجمع بين الإيمان، والخوف، وبين العمل، والمخافة بألا يقبل عمله، بخلاف المنافق، فإنه يجمع بين كونه لا يعمل، ومع ذلك يأمن أو يرجو أن يأمن، بخلاف أوليائه سبحانه وتعالى فإنهم يعملون ويخافون، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )[المؤمنون:60]، يعني: هم خائفون ألا يتقبل منهم، يعملون الأعمال الصالحة ومع ذلك يخشون ألا تكون مقبولةً عند الله، فهم خائفون وجلون.
(استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)، والله تعالى من أسمائه السلام، ومنه السلامة، ومن سلمه الله تعالى فهو المسلم، ومن ضره فهو الذي أصابه الضرر؛ لأن النفع بيد الله، والضر بيد الله عز وجل، فهو المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع سبحانه وتعالى، ففي ذلك ثناءٌ على الله عز وجل، (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام). تراجم رجال إسناد حديث: (كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً ...)
قوله: [محمود بن خالد].هو محمود بن خالد الدمشقي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن الوليد]
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، ثقة، يدلس، ويرسل، يعني عنده تدليس التسوية، وتدليس الإسناد، فهو معروفٌ بالتدليس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[الأوزاعي].
هو أبو عمرو الأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو، كنيته توافق اسم أبيه، فأبوه عمرو، وكنيته أبو عمرو، فهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الدمشقي، وهو ثقة، ثبت، فقيه الشام، ومحدثها، وهو: إمام مشهور، وعالم كبير، وهو: مشهور بهذه النسبة الأوزاعي، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة ذلك ألا يظن التصحيف؛ لأنه من يعرفه بأنه عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، لو جاء في إسناد عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي، قد يظن أنه تصحيف، أن ابن صحفت إلى أبو، وكله صواب، فهو عبد الرحمن أبو عمرو، وهو عبد الرحمن بن عمرو، إن قيل فيه: أبو عمرو فهو صحيح؛ لأن أبو عمرو كنيته، وإن قيل فيه: ابن عمرو فهو صحيح لأن أبوه عمرو، ففائدة معرفة هذا النوع الأمن من التصحيف، أو ألا يظن التصحيف بأن ابن تحولت إلى أبو، فليس تصحيفاً بل هو صواب؛ لأنه عبد الرحمن بن عمرو، وهو عبد الرحمن أبو عمرو، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن شداد أبو عمار].
هو شداد بن عبد الله أبو عمار الدمشقي، صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن أبا أسماء الرحبي].
هو عمرو بن مرثد الدمشقي، مشهور بكنيته أبي أسماء، واسمه عمرو بن مرثد الدمشقي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، مثل تلميذه شداد الذي قبله، شداد بن عبد الله أبو عمار، كلٌ منهما خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[يروي عن ثوبان].
مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد لازم النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه، وبعد وفاته انتقل إلى الشام، ومات بحمص، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، مثل الذين قبله؛ لأنهم ثلاثة على التوالي كلهم خرج حديثهم البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وهذا الإسناد من أوله إلى آخره شاميون، مسلسل بالشاميين، الذي هو محمود بن خالد، وبعده الوليد بن مسلم، وبعده الأوزاعي، وبعده شداد أبو عمار، وبعده أبو أسماء الرحبي، وبعده ثوبان مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، كلهم شاميون، فهو مسلسلٌ بالشاميين، والمسلسل هو الذي يتفق الرواة فيه بوصفٍ من الأوصاف، بأن يكونوا شاميين، أو يكونوا أسماؤهم واحدة، أو يكونوا صيغتهم في الأداء واحدة وما إلى ذلك، فهذا هو المسلسل، وهو نوعٌ من أنواع علوم الحديث، والذي معنا في الإسناد مثالٌ لهذا النوع من أنواع علوم الحديث، وهو المسلسل بالشاميين؛ لأن الرواة فيه كلهم شاميون.
الأسئلة

رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة للتعليم
السؤال: ما رأيك فيمن يقول: إن رفع النبي صلى الله عليه وسلم صوته بالذكر بعد الصلاة كان للتعليم، ويؤيد هذا المعنى عموم الشريعة التي جاءت بالإكثار بالدعاء والذكر، (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً )[الأعراف:55]؟الجواب: نعم، قال بهذا بعض أهل العلم، ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعلم برفع الصوت، وكان يعلم بأن يقول: قولوا كذا وكذا، وما دام أنه لم يأت شيءٍ يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم ثم ترك، أو أنه كان يفعل بعض الأحيان ثم يترك، وكان يداوم على ذلك عليه الصلاة والسلام، دلنا هذا على أن رفع الصوت بالذكر لتعليم، ولكن ليس الرفع المزعج، أو الصوت الشديد الذي فيه تشويش، لا، وإنما يسمع الإنسان من حوله، فترتفع الأصوات، يعني: بالذكر من غير شدةٍ في الرفع بحيث يكون فيه إزعاج ويكون فيه مشقة على الإنسان، الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه يرفعون أصواتهم بالذكر، ولو كان ذلك للتعليم لكفى أن يرفع صوته لهم مرة واحدة أو مرتين، وكان يكفيهم المرة الواحدة أن يقولوا هذا بأن يعلمهم بمرةٍ واحدة، لكن ابن عباس يخبر أن هذا كان معروفاً أنهم يعلمون انقضاء الصلاة بسماع الذكر بعد التسليم.
حكم أكل شيء من شجر أُحد
السؤال: شيخ جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (حرم ما بين لابتيها، لا يصاد صيدها، ولا يقطع شجرها)، وجاء أيضاً أنه من يذهب إلى أُحد فعليه أن يأكل ولو من شجره؟الجواب: لم يثبت أن على الإنسان أن يأكل من شجر أُحد، لم يثبت في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام شيء، وأما كونه حرم ما بين لابتيها ثابت، وكونه حرم ما بين عير وثور ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأُحد داخل في الحرم؛ لأن ثور هو الجبل الذي هو حد الحرم وراء أُحد، لكن كون الإنسان يأكل من شجر أُحد لم يثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، والشيء الذي ينبته الله ولا ينبته الناس ليس للإنسان أن يأخذ منه، وأن يختلي الخلاء، وأن يقطع الشجر الذي ينبته الله، ولكن الذي ينبته الناس يأخذونه، فإذا زرعوا يحصدون زروعهم ويستعملونها، وإنما الذي ينبته الله عز وجل من شجر ونبات لا يأخذ الإنسان منه في داخل الحرم، لا في مكة ولا في المدينة.
حكم رفع الصوت بالذكر
السؤال: هل رفع الصوت بالذكر عامٌ في الصلوات الخمس أو هو خاص بالمغرب والفجر؟الجواب: لا، عام، رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة في جميع الصلوات الخمس، ليس خاصاً بالمغرب والعشاء، الذي هو خاصٌ بالمغرب والعشاء قول: لا إله إلا الله وحده لا شرك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، عشر مرات.
مداخلة: المغرب والفجر؟
الشيخ: الفجر والمغرب، الذي في آخر الليل وأول الليل، هاتان الصلاتان جاء فيهما قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات بعد الذكر المشروع، وأما الذكر العام الذي ذكرته آنفاً فهذا عام في جميع الصلوات.
حكم الجهر بآية الكرسي والمعوذتين بعد الانتهاء من الصلاة
السؤال: هل يجهر بقراءة المعوذات وآية الكرسي أيضاً؟الجواب: لا، لا يدخل؛ لأنه كما هو معلوم أن القرآن ذكر، ولكن لا يشرع للإنسان أنه يقرأ ويرفع الصوت، والناس يرفعون أصواتهم بقراءة المعوذات وآية الكرسي.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:48 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(250)

- (باب الذكر بعد الاستغفار) إلى (باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة)
يستحب الذكر عقب الصلاة، وقد ورد في السنة عدة صيغ منها: الاستغفار، والتهليل، والتكبير، وغيرها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبتدئ بـ: (اللهم أنت السلام ومنك السلام ...).
الذكر بعد الاستغفار
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الذكر بعد الاستغفار. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن إبراهيم بن صدران عن خالد حدثنا شعبة عن عاصم عن عبد الله بن الحارث عن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)].
يقول النسائي رحمه الله: الذكر بعد الاستغفار. وقد أورد النسائي قبل هذا: الاستغفار بعد السلام، وهو أن يستغفر ويقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله ثلاث مرات، ثم يأتي بهذا الذكر الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
وقد مر الحديث مشتملاً على ذكر الاستغفار، وعلى هذا الذكر الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، وأورد النسائي هذه الترجمة ليستدل بها، أو ليورد تحتها الحديث الدال على هذا؛ لأن مقصوده هنا: الذكر عموماً، وقبل ذلك التنصيص على الاستغفار، والحديث الذي مر فيه الجمع بين الاستغفار وبين هذا الذكر، وهذا الحديث فيه ذكر الذكر فقط الذي هو: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، والسنة جاءت بالاثنين، أي: يجمع بينهما، فيقول بعد ما يسلم مباشرة: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
وقوله: (اللهم أنت السلام)، (السلام) اسم من أسماء الله عز وجل، وأسماء الله عز وجل توقيفية، يوقف فيها عند النصوص من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي تثبت به الأسماء، وتثبت به الصفات؛ لأن الأسماء والصفات توقيفية، لا يقال عن شيء منها إثباتاً أو نفياً إلا بدليل يدل على ذلك، مع اعتقاد أن الله متصف بكل كمال، وأنه منزه عن كل نقص.
يقول: (اللهم أنت السلام)، أي: السلام اسم من أسمائك، (ومنك السلام)، أي: أنت الذي تمنح السلامة، وتتفضل بالسلامة، فيكون الإنسان أثنى على الله عز وجل من جهة ذكر اسم من أسمائه، ومن جهة ذكر أنه هو الذي يتفضل بالسلام، وهو الذي يجود بالسلامة ويتفضل بالسلامة.
(تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، ثناء على الله عز وجل، وأنه المتصف بأنه ذو الجلال والإكرام، كما قال الله عز وجل في آخر سورة الرحمن: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ )[الرحمن:78]، فهو سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، وهذا الذكر بعد السلام فيه ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له وتمجيد، وبيان أنه هو الذي يجود بالسلامة، وهو المتصف بأنه ذو الجلال والإكرام سبحانه وتعالى.
وقوله: (كان رسول الله عليه الصلاة والسلام)، (كان) في الغالب أنها للتكرار والاستمرار والدوام، كان يفعل كذا، أي: أنه يداوم على ذلك، بعدما يسلم يأتي بهذا الذكر، فكلمة (كان) الغالب أنها تدل على الدوام والاستمرار، لكن ليس ذلك بلازم، فإنها تأتي أحياناً لا تدل على الاستمرار والتكرار، وإنما تدل على المرة الواحدة، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، ومن المعلوم أنه في الحج عندما يرمي الجمرة، ويحلق رأسه، يتحلل ويتطيب، ثم يذهب إلى البيت، ويطوف به طواف الإفاضة، ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام حج حجة واحدة، هي حجة الوداع، فقول عائشة: (كنت أطيب رسول الله عليه الصلاة والسلام)، هذا دليل على أن (كان) تأتي أحياناً لا تفيد الاستمرار؛ لأن ذلك حصل مرة واحدة.
فإذاً: الغالب على (كان) أو الإتيان بـ(كان)، أنه يفيد الاستمرار، ويفيد الدوام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يداوم على ذلك، ولكن ذلك ليس بمطرد دائماً وأبداً، فقد تأتي (كان) لا تفيد الدوام والاستمرار، ودليله: هذا الحديث الذي يتعلق بصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا سلم قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم في الصحيح، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[ومحمد بن إبراهيم بن صدران].
هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهذا شيخ آخر للنسائي، أي أن النسائي روى عن الاثنين، ومحمد بن إبراهيم بن صدران صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، والترمذي.
[عن خالد بن الحارث].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من جملة أمراء المؤمنين في الحديث، وهم عدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف، وهو وصف عال، ولقب رفيع، لم يظفر به إلا القليل من المحدثين، منهم: شعبة، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: البخاري، ومنهم: الدارقطني، ومنهم: إسحاق بن راهويه، عدد قليل من المحدثين منهم هؤلاء، ومن أرفع صيغ التعديل أن يوصف الشخص بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديث شعبة بن الحجاج أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن الحارث].
هو أبو الوليد البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية السنة، اشتهرت بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم ترو امرأة من النساء الصحابيات مثل ما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهي مكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكروا أن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، ستة رجال وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
وهؤلاء السبعة هم: أبو هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
والمرد بزوجة النبي: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
التهليل بعد التسليم
شرح حديث: (كان رسول الله إذا سلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التهليل بعد التسليم.أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان حدثني أبو الزبير سمعت عبد الله بن الزبير يحدث على هذا المنبر، وهو يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)].
ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: التهليل بعد التسليم، وأتى بهذا الذكر، وهو يكون بعد الذكر الماضي الذي ورد في الأحاديث الماضية، وهو الاستغفار ثلاثاً، وقوله: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، فهي أول ما يبدأ به، والإمام يقولها وهو متجه إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة المأمومين ويأتي ببقية الذكر.
وهنا أورد النسائي الترجمة وهي: التهليل بعد التسليم، والتهليل: قول: لا إله إلا الله، وما يتصل به وما يرتبط به، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة السلام، كان إذا انصرف من صلاته قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن)، وقد جاء في بعض الروايات بغير هذا اللفظ، (له الحمد وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن)، وهنا قال: (أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، هذا الذكر يؤتى به بعد الذكر الماضي الذي هو الاستغفار. وقوله: (اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!)، فيه التهليل، لأن فيه أولاً: لا إله إلا الله، وهذا هو التهليل، وجاءت كلمة: وحده لا شريك له، وهي بمعنى: لا إله إلا الله؛ لأن (وحده) تأكيد لـ(إلا الله)، و(لا شريك له) تأكيد لـ(لا إله)، فهي بمعنى: لا إله إلا الله، كأن لا إله إلا الله جاءت مرتين: مرة على سبيل الابتداء، ومرة على سبيل التأكيد، ولكن بلفظ آخر غير اللفظ الأول؛ لأن كلمة (وحده) هذه مؤكدة لـ(إلا الله)، ولا شريك له مؤكدة لـ(لا إله)، فهي بمعنى: لا إله إلا الله.
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، أهل النعمة والفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فقد جاء فيه ذكر: لا إله إلا الله عدة مرات، مع إضافة ثناء على الله عز وجل بعد ذكر التهليل.
فإذاً: الحديث دال على التهليل بعد الصلوات.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 04:54 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا سلم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع].هو محمد بن شجاع المروذي، والمروذي نسبة إلى مرو الروذ؛ لأن هناك مروان، مرو الشاهجان، ومرو الروذ، ويفرقون بين مرو الشاهجان فينسبون إليها فيقولون: المروزي، بزيادة زاي، وأما مرو الروذ فيقال فيها: المروروذي، ويقال: المروذي باختصار كما هنا، أي: نسبة إلى مرو الروذ، وهي بلدة من بلاد خراسان قريبة من مرو الشاهجان التي ينسب إليها، فيقال: مروزي، ولهذا يأتي في النسب أحياناً مروزي، وأحياناً يأتي مروذي كما هنا، وهذا هو الفرق بين هاتين النسبتين، وهما بلدتان من بلاد خراسان بينهما أربعون فرسخاً.
و محمد بن شجاع المروذي ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه.
[حدثنا إسماعيل بن علية].
علية هي أمه، واشتهر بالنسبة إليها، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، ولكنه مشهور بـابن علية، ولهذا يأتي أحياناً يقال: إسماعيل بن إبراهيم بن علية، نسبة إلى أبيه وإلى أمه، يعني: تذكر أمه؛ لأنه اشتهر بذلك، وهو ثقة، ثبت، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وإسماعيل بن إبراهيم هذا إمام من أئمة أهل السنة، وله ابنان: ابن هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ثقة، وهو من أهل السنة، وله ابن آخر من الجهمية هو إبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم بن إسماعيل هذا جهمي، وقال عنه الذهبي: جهمي هالك، هو الذي يأتي ذكره في الفقه في المسائل الشاذة عندما تأتي مسائل فيها شذوذ، يخالف فيها ابن علية، المراد به ابنه إبراهيم الجهمي المبتدع، وليس إسماعيل المشهور، ولا ابنه محمد بن إسماعيل، وإنما المراد به إبراهيم بن إسماعيل، ومن المسائل الشاذة التي خالف فيها: مسألة الإجارة، يقول: الإجارة غير جائزة، هي حرام، يعني: كون الإنسان يستأجر إنساناً، أو يستأجر داراً أو ما إلى ذلك، يقول: إن ذلك لا يجوز، وهو حرام، وهذا شذوذ، فمن من الناس يستغني عن الإجارة؟! وغالباً ما يكون في الحرف؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكون محيطاً بأنواع الحرف بحيث يقوم بمصالحه، فلا بد أن يستأجر غيره ليقوم بالشيء الذي لا يتقنه، فهذا من المسائل التي شذ بها إبراهيم بن علية الجهمي.
وإسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي بن علية هذا ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حجاج بن أبي عثمان].
هو حجاج بن أبي عثمان البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو الزبير].
هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبد الله بن الزبير].
هو عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي رضي الله تعالى عنه، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة؛ لأنه رضي الله تعالى عنه لما هاجرت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى المدينة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانوا نزلوا في قباء، قبل أن ينتقلوا إلى المدينة، فولد في قباء في الأيام القليلة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم مكث في قباء فيها، قبل أن يتحول إلى المدينة، وأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحنكه.
فـعبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من صغار الصحابة، عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، إذا قيل: العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالمراد بهم هؤلاء الأربعة.
وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.
عدد التهليل والذكر بعد التسليم
شرح حديث عبد الله بن الزبير في عدد التهليل بعد التسليم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عدد التهليل والذكر بعد التسليم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا هشام بن عروة عن أبي الزبير كان عبد الله بن الزبير يهلل في دبر الصلاة يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ثم يقول ابن الزبير: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن في دبر الصلاة].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: عدد التهليل والذكر بعد التسليم، وهنا لم يذكر مقداراً من حيث العدد، ولكنه ذكر التهليل عدة مرات، جاءت ثلاث مرات التهليل؛ لأنه جاء: لا إله إلا الله ثلاث مرات مضافاً إليها ثناء على الله عز وجل آخر، وهذا هو مقصود النسائي بهذه الترجمة وهي العدد، من حيث أن: (لا إله إلا الله) جاءت بهذا الذكر ثلاث مرات مضافاً إليها ثناء على الله عز وجل بما هو أهله، فهذا هو مقصود النسائي بقوله: بالعدد؛ لأن لا إله إلا الله الذي هو التهليل جاءت ثلاث مرات بهذا الذكر، وهو الذكر الذي مر في الحديث الذي قبل هذا، ولكنه أورده من طريق أخرى للاستدلال به على العدد، والعدد ليس من حيث التنصيص عليه، ولكن من حيث وجود التعدد، وهو الإتيان بلا إله إلا الله ثلاث مرات.
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فجاءت لا إله إلا الله ثلاث مرات، أي: أن الذي اشتمل عليه هذا الذكر من عدد التهليل إنما هو ثلاث مرات، هذا هو مقصود النسائي من ذكر العدد في هذه الترجمة.
وابن الزبير رضي الله عنه كان يأتي بهذا الذكر، ولكن جاء في آخر الحديث ما يدل على أنه مرفوع؛ لأنه قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل بهن دبر الصلاة). فقوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، هذا هو الدليل على رفع ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: أن ابن الزبير كان يفعل ذلك ويرفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن الزبير في عدد التهليل بعد التسليم
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المشهور بـابن راهويه المروزي، وراهويه هذه من الألفاظ المركبة التي اللغويون لهم فيها نطق، والمحدثون لهم فيها نطق آخر، فالمحدثون يأتون بها الهاء مضمومة والواو ساكنة والياء مفتوحة، وبعدها هاء، راهويه، وأما اللغويون: فيجعلونها مختومه بـ(ويه)، راهويه، يعني: آخره ويه، الواو مفتوحة والياء ساكنة وبعدها هاه، فالمحدثون يقولون: راهُوْيَه، وأهل اللغة يقولون: راهَوَيْه.
وإسحاق بن إبراهيم هذا ثقة، ثبت، مجتهد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من جملة الذين وصفوا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع كما ذكرت عند ذكر شعبة بن الحجاج قريباً: أنه لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين.
أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فـابن ماجه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا عبدة].
هو عبدة بن سليمان الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن عروة].
هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة

شرح حديث: (كان رسول الله إذا قضى صلاته قال: اللهم لا مانع لما أعطيت ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة.أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان سمعته من عبدة بن أبي لبابة وسمعته من عبد الملك بن أعين كلاهما سمعه من وراد كاتب المغيرة بن شعبة كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضى الصلاة قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد الصلاة، (نوع آخر)؛ لأنه ذكر قبل ذلك حديث عبد الله بن الزبير، وهنا أورد هذا الذكر الذي جاء عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وذلك أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كتب إليه -أي: كتب إلى المغيرة بن شعبة- يطلب منه أن يخبره عن شيء سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام من الحرص على معرفة السنن، وعلى معرفة أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن بعضهم يتلقى عن بعض، وبعضهم يسأل عن بعض، بل يكاتبه ويطلب منه أن يكتب له بالشيء الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وهنا أورد النسائي حديث: المغيرة عن وراد مولى المغيرة بن شعبة، ويخبر أن معاوية كتب إليه يطلب منه أن يخبره بشيء سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكتب له أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، وهذا فيه ثناء على الله عز وجل؛ لأن قوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت)، دال على إثبات القدر، وأن ما قدره الله عز وجل لا بد وأن يكون، وأن ما أراد الله حصوله لا يمكن لأحد أن يحول عنه، وما أراد الله منعه لا يمكن لأحد أن يأتي به، كما جاء في حديث آخر وهو حديث ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، فهذا فيه إثبات القدر، ويقول الله عز وجل: ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ )[فاطر:2]، فالذي يعطيه الله عز وجل، والذي يقدر الله عز وجل أن يكون، لا يحال دون حصوله، وما شاء الله أنه لا يكون، لا يمكن أن يكون، وهذا هو معنى قول المسلمين: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما شاءه الله لا بد أن يكون، وكل ما لم يشأه الله لا يمكن أن يكون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
(اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، الجد هنا: المراد به الحظ والنصيب، والغنى، والمعنى: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، هذا هو الذي ينفع، فالمال والحظ والنصيب ومتاع الحياة الدنيا، وكون الإنسان يحصل من الدنيا ما يحصل، ليس هذا هو الذي ينفع الإنسان عند الله عز وجل، وإنما ينفع عنده العمل الصالح، لا ينفع ذا الجد منك الجد، ذا الجد مفعول مقدم، يعني: لا ينفع الحظ صاحبه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، فالمراد بالجد هنا الحظ والنصيب.
والجد يأتي بالفتح، يعني: يأتي لثلاثة معان، يأتي للحظ، والنصيب كما هنا، ويأتي بمعنى أبو الأب الذي هو الجد وأبو الأم، ويأتي بمعنى العظمة، ومنه قول الله عز وجل: ( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً )[الجن:3]، يعني: تعالى عظمته.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قضى صلاته قال: اللهم لا مانع لما أعطيت ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].للنسائي شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة، ولكن عندما يأتي مهملاً غير منسوب، يعني: ما قال: المكي، وما قال: الجواز، وما قال: الطوسي، فيحتمل هذا وهذا، لكن يحمل على أنه المكي؛ وذلك لأن ابن عيينة مكي، ومن المعلوم أنه إذا كان الشخص محتمل يراد به فلان، أو يراد به فلان، فمن يكون له ملازمة، أو اتصال بالشيخ، فإنه يكون محمولاً عليه، أو أقرب من حمله على غيره؛ لأن هذا هو الذي يراد به عند الإهمال، وهو من يكون له علاقة بالذي يروي عنه، ومحمد بن جواز المكي هو مكي، وسفيان بن عيينة مكي.
إذاً: يحمل المهمل على المكي الجواز وليس على الطوسي، وإنما يحمل على المكي، وهذه هي الطريقة في المهمل.
ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان].
هو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعته من عبدة بن أبي لبابة].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له في السنن ولكن خرج له في المسائل.
[وسمعته من عبد الملك بن أعين].
صدوق، ووصف بأنه شيعي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، لكن ليس له في الصحيحين إلا حديث واحد مقرون بغيره، وهنا النسائي أورده مقروناً بغيره؛ لأنه ذكر عبدة بن أبي لبابة، وذكر عبد الملك بن أعين، فهو ذكر الاثنين معاً، فقد ذكره مقروناً.
[كلاهما سمعه من وراد].
هو وراد الثقفي مولى المغيرة بن شعبة وكاتب المغيرة بن شعبة، ولهذا يقال له: الثقفي نسبة إلى ثقيف الذين هم قبيلة المغيرة بن شعبة بالولاء، يعني: نسبة ولاء؛ لأن النسب تأتي أحياناً نسباً، وتأتي أحياناً ولاء، فـالمغيرة بن شعبة الثقفي نسباً، ووراد الثقفي ولاءً، ووراد مولى المغيرة بن شعبة وكاتبه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة الثقفي رضي الله عنه].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان أميراً على البصرة، ثم كان أميراً على الكوفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من الدهاة، ومن أهل القوة في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في صحيح البخاري أن جيشاً غزى ..(انقطاع)..
يعني: طلب أن يأتي واحد منهم، فذهب المغيرة بن شعبة، وقال: ما أنتم؟ والمترجم يترجم فقال: نحن قوم من العرب كنا نمص النوى، ونلبس الشعر، وكنا متفرقين، وكنا كذا، وذكر صفات من صفاتهم في الجاهلية.. وأرسل الله إلينا رسولاً من أنفسنا، فأخبرنا بأننا نقاتل ونجاهد، وأن من مات منا فهو في الجنة، ومن مات منكم فهو في النار، فهذا هو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث: (أن رسول الله كان يقول دبر الصلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن المسيب أبي العلاء عن وراد قال: كتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دبر الصلاة إذا سلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)].أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن لفظه: (له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن)، والأولى: (أهل النعمة والفضل والثناء الحسن)، فهو في المتن مثل الذي قبله.
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].
هو المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة، صحيح الكتاب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المسيب أبي العلاء].
هو المسيب بن رافع أبو العلاء، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن وراد قال: كتب المغيرة بن شعبة].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
أما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فليس من رجال الإسناد، ليس من الرواة هنا؛ وإنما ذكر لأن وراد كاتب المغيرة يخبر أن معاوية كتب إلى المغيرة يطلب منه أن يخبره بحديث، فكتب إليه بالحديث، فالراوي للحديث هو وراد يروي عن مولاه المغيرة بن شعبة، ومعاوية رضي الله عنه ليس من رواة الحديث هنا في هذا الإسناد.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:32 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(251)

- (باب كم مرة يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...؟) إلى (باب نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة)
سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتباعه أذكاراً بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة؛ ليكملوا بذلك ما نقص من صلاتهم، ومن ذلك التهليل، ودعاء كفارة المجلس، وغير ذلك من الأدعية.
كم مرة يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...)
شرح حديث المغيرة بن شعبة في قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له...) ثلاث مرات عقب الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كم مرة يقول ذلك.أخبرنا الحسن بن إسماعيل المجالدي أنبأنا هشيم أخبرنا المغيرة وذكر آخر، ح، وأخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا غير واحد منهم المغيرة عن الشعبي عن وراد كاتب المغيرة: أن معاوية كتب إلى المغيرة أن اكتب إلي بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات)].
يقول النسائي رحمه الله: كم مرة يقول ذلك؟ أي: التهليل الذي يكون بعد السلام، وهو: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقد مر في البابين السابقين، أو في الحديثين السابقين حديث وراد الذي يرويه عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، والذي فيه هذا الذكر ومعه: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ولم يذكر فيه العدد.
والحديث رواه البخاري، ومسلم وغيرهما، وليس فيه ذكر العدد، وقد رواه النسائي من هذه الطريق وفيها ذكر العدد وأنه ثلاث مرات، أي: يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، بعد الصلوات أو بعد كل صلاة ثلاث مرات، والذي جاء بالطرق الكثيرة في الصحيحين وفي غيرهما ذكر هذا الذكر وليس فيه ذكر العدد، وإنما الذي جاء به ذكر العدد هذه الرواية عند النسائي، وقد ذكر الشيخ الألباني أن هذه الرواية شاذة؛ لأن الحديث إسناده ثقات، ولكن الرواة الآخرون الذين رووه من غير هذا الطريق لم يذكروا العدد، والشاذ تعريفه عند المحدثين هو: ما يرويه الثقة مخالفاً من هو أوثق منه، فالثقات رووه بدون ذكر الثلاث، وهم كثيرون في الصحيحين وفي غيرهما، وهنا فيه ذكر العدد، فتعتبر الرواية شاذة من جهة أن الثقة خالف من هو أوثق منه.
إذاً: فالثابت هو لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وقد جاء مرة واحدة خرجه أئمة كثيرون منهم البخاري، ومسلم، وليس فيه ذكر هذه الزيادة التي هي ثلاث مرات.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة في قول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...) ثلاث مرات عقب الصلاة
قوله: [أخبرنا الحسن بن إسماعيل المجالدي].هو الحسن بن إسماعيل المجالدي المصيصي، ثقة، أخرج حديثه النسائي .
[أنبأنا هشيم].
هو ابن بشير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، قال عنه الحافظ في التقريب: كثير التدليس والإرسال الخفي.
التدليس هو: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمع منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، هذا هو تدليس الإسناد، والإرسال الخفي هو: أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، بحيث يكون معاصراً له واللقي ممكن فيروي عنه ما لم يسمع منه، فهذا يقال له: إرسال خفي؛ لأن الإرسال هو إضافة الحديث إلى من لم يلقه، وقد يكون فيه انقطاع، أي: بأن يكون فيه مسافة طويلة، وقد يكون مدركاً له في زمنه، والذي مدركاً زمنه ومعاصراً له هو الذي يكون فيه خفاء؛ لأنه إذا نظر في تاريخ الولادة، وتاريخ الوفاة يقال: إنه قد أدركه، فالسماع ممكن، والرواية ممكنة، لكن إذا كان بين وفاة هذا وولادة هذا مدة عُرف أن فيه انقطاع، ويكون الانقطاع واضح، والإرسال واضح.
فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه، أي: يدلس عن شيخ من شيوخه، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، ولكن الإرسال المعروف عند المحدثين هو أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المرسل عند المحدثين، ويطلق الإرسال عند الفقهاء على ما هو أعم، وهو: أن من روى عمن لم يدرك عصره أو عاصره ولم يسمع منه، يقال له: مرسل بهذا المعنى، لكونه يضيف الحديث إلى من لم يسمع منه، سواء عاصره أو لم يعاصره، فهو يقال له: مرسل بهذا المعنى، ويقال: إن هذا هو اصطلاح الفقهاء، وأما اصطلاح المحدثين والمشهور عندهم فإنهم يقولون: المرسل قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أي: يخصون ذلك بالتابعي، وأما المعنى العام الذي منه هذا الإرسال الخفي الذي عرف به هشيم بن بشير، وهو متأخر، فهذا من المرسل بالمعنى العام الذي هو اصطلاح الفقهاء.
وهشيم بن بشير الواسطي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالتدليس، ولهذا العراقي عندما مثّل في ألفيته للمدلسين في الصحيح ذكر هشيم، قال:
وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتش
أي: تجد كثيراً من رواة الصحيحين وصفوا بالتدليس، ومنهم هشيم بن بشير هذا الواسطي.
[عن المغيرة].
وهو: المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي، ثقة، متقن، يدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وذكر آخر].
قوله: وذكر آخر، يعني: أن هشيماً ذكر مع المغيرة بن مقسم شخص آخر، لكنه هنا أُبهم، هذا يسمى المبهم، أي: كون الرجل يذكر بأن يقال مثلاً: رجل أو قال شخص آخر، هذا يقال له المبهم، بخلاف المهمل، فالمهمل هو: أن يذكر اسمه أو اسمه واسم أبيه، ولكنه يلتبس بغيره ممن يوافقه في الاسم واسم الأب، فهذا يسمى المهمل، وأما إذا قيل: رجل أو امرأة، فهذا يسمى المبهم، قال: وذكر رجلاً آخر، أي: فلم يذكره في الإسناد هنا، وإنما أشار إليه إشارة، وأبهمه ولم يسمه، ومن المعلوم أن ذلك لا يؤثر؛ لأن العمدة على الشخص المذكور؛ لأن الإسناد لم يبن على شخص مبهم، بل ذكر شخص ثقة، وأضيف إليه شخص مبهم، فوجود المبهم مثل عدمه، لا يؤثر، وإنما يضر الإبهام لو كان الإسناد مبنياً عليه، بأن يكون هشيم روى عن شخص لم يسم، أو قال: عن رجل، فهذا يقال له: مبهم، ويؤثر، لكن هنا لا يؤثر.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة بعد تحويل السند
[ح].ح، ثم ذكر تحويلاً وهو (ح)، وهي حاء مهملة يؤتى بها للإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد يعني: المحدث يمضي في الإسناد، ثم يريد أن يستأنف إسناداً آخر من جديد يتلاقى مع الإسناد الأول، فبدل ما يمشي في الإسناد من أوله إلى آخره ثم يذكر إسناداً آخر تتكرر الأسماء في الآخر، فيريد أن لا يكرر، فيذكر الإسناد ويمضي فيه إلى مكان يكون فيه التلاقي بين الإسناد المذكور والإسناد الذي سيذكره، فيأتي بكلمة (حاء) الدالة على التحويل، أي: التحول من إسناد إلى إسناد، فالذي بعد (حاء)، يعتبر شيخ من شيوخ النسائي ؛ لأنه بدأ بإسناد آخر يمشي مع هذا الإسناد الأول، ويلتقيان عند شخص، ثم يتحد الإسناد بعد ذلك، فيكون طريقان يلتقيان عند شخص، ثم يتحد الطريقان بعد ذلك.
فـ(حاء) هذه تدل على التحويل، والإمام مسلم رحمه الله يستعملها كثيراً جداً، والسبب في هذا، أنه يجمع الأحاديث في مكان واحد، لا يفرقها مثل البخاري، والنسائي يفرقها في أبواب ويعقد تراجم، ويأتي بحديث لعدة تراجم، فيذكر الحديث بإسناد في مكان، وبإسناد في مكان، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن مسلم رحمه الله، يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيحتاج إلى كثرة التحويل لجمعه الأحاديث في مكان واحد، والنسائي رحمه الله، ليس كثير التحويل، أي: بالنسبة لـمسلم، وإن كان يوجد عنده تحويل، لكنه ليس بالكثرة الكاثرة، وإنما هو قليل بالنسبة لمثل مسلم، والبخاري مثل النسائي، يحول، يعني: يستعمل التحويل، ولكنه ليس كثيراً كـمسلم، رحمة الله على الجميع.
[أخبرني يعقوب بن إبراهيم الدورقي].
وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وأصحاب الكتب الستة هم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي ويعتبر يعقوب بن إبراهيم شيخاً لهم جميعاً، كلهم يروون عنه مباشرة وبدون واسطة، فهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مات قبل البخاري بأربع سنوات، البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فالفرق بينهما أربع سنوات.
ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي في كونه توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكذلك بكونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة، شخصان آخران وهما: محمد بن المثنى الملقب الزمن العنزي، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فهذان الشخصان كل منهما توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة، فهؤلاء الثلاثة يعتبرون من صغار شيوخ البخاري، وماتوا قبل البخاري بأربع سنوات وكانت وفاتهما في سنة واحدة.
[حدثنا هشيم].
هو هشيم بن بشير الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[حدثني غير واحد].
قوله: حدثني غير واحد؛ لأن لفظ يعقوب بن إبراهيم الدورقي في روايته عن هشيم، أن هشيماً قال: حدثني غير واحد، أو أخبرني غير واحد منهم المغيرة أي: ابن مقسم، فذاك الإسناد الأول يقول: وذكر آخر، يعني: أن هشيماً ذكر آخر في روايته عن يعقوب عن المغيرة بن مقسم، وأما في طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي فإنه في الرواية عن هشيم قال: حدثني غير واحد منهم المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي.
[عن الشعبي].
هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن وراد].
وراد هو مولى المغيرة بن شعبة، وقد مر ذكره في الإسنادين السابقين قبل هذا، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المغيرة بن شعبة الثقفي].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وذكرت في الدرس الماضي أن معاوية رضي الله عنه ليس من رواة الحديث أي: ليس من رجال الإسناد؛ لأن ذكر معاوية فيه ورد عرضاً؛ لأنه كتب إلى المغيرة يريد منه أن يحدثه بحديث عن رسول الله، فالذي يروي الحديث هو وراد عن المغيرة، لكن رسالة معاوية هي السبب في كون وراد سمع من المغيرة، أو كتب للمغيرة هذا الحديث الذي أرسل به إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
نوع آخر من الذكر بعد التسليم
شرح حديث عائشة في كفارة المجلس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بعد التسليم.أخبرني محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة حدثنا خلاد بن سليمان قال أبو سلمة وكان من الخائفين، عن خالد بن أبي عمران عن عروة عن عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس مجلساً أو صلى تكلم بكلمات فسألته عائشة عن الكلمات فقال: إن تكلم بخير كان طابعاً عليهن إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة له: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك)].
ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد التسليم، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكلم بكلمات، فسألته عن تلك الكلمات فذكرها، ولكنه ذكر قبلها ما يدل على أهميتها، وهي: أنه كان إذا جلس مجلساً وقال خيراً، فإنها تكون طابعاً عليه، يعني: كالخاتم عليه، أي: حصَّل خيراً وختم بخير، وإن كان غير ذلك -يعني: شراً- كان كفارة، ولهذا فهذا الحديث يقال عنه: أنه حديث كفارة المجلس، فالإنسان إذا جلس مجلساً ثم قام منه وقال هذه الكلمات فإنها تكون كفارة لما حصل في ذلك المجلس، وإن كان خيراً كان طابعاً على ذلك الخير وختماً على ذلك الخير، وهذا يدل على أهمية هذا الذكر وعلى الترغيب فيه.
يتبع.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:34 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في كفارة المجلس
قوله: [أخبرنا محمد بن إسحاق الصاغاني].وهو ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أبو سلمة الخزاعي].
واسمه: منصور بن سلمة، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي، ولا ابن ماجه.
وأبو سلمة منصور بن سلمة ممن وافقت كنيته اسم أبيه، لأنه منصور بن سلمة وهو أبو سلمة، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف؛ لأنه إذا كان معروفاً عند بعض الناس بالنسبة وذكر بالكنية قد يظن أنه تصحيف، فيظن أن (ابن) صحفت إلى (أبو)، لو جاء منصور أبو سلمة، يظن من لا يعرف أن كنيته أبا سلمة يقول: إن (أبو) مصحفة عن (ابن)، لكن من عرف أن كنيته اسم أبيه، يعرف ألا تصحيف، وأن الكل صواب، إن قيل: منصور أبو سلمة فهو صواب، وإن قيل: منصور بن سلمة فهو صواب.
[عن خلاد بن سليمان].
وهو ثقة، خرج له النسائي.
[عن خالد بن أبي عمران].
وهو فقيه، صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.
[عن عروة].
وهو عروة بن الزبير بن العوام تابعي مشهور، ثقة وفقيه من فقهاء المدينة السبعة؛ لأنه اشتهر في عصر التابعين سبعة يقال لهم: الفقهاء السبعة، يطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، إذا جاء في كتب الفقه قال به الفقهاء السبعة، فالمراد بهم فقهاء المدينة السبعة، وعروة بن الزبير بن العوام أحد هؤلاء الفقهاء السبعة، وهم: ستة متفق عليهم والسابع مختلف فيه، فالستة المتفق عليهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكر الفقهاء السبعة ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين، وذكر سابعهم أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر البيت الثاني يشتمل على السبعة، فلا أدري من الذي قال ذلك الشعر هل هو ابن القيم أم غيره، يقول:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وحديث عبد الله بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة رضي الله تعالى عنها].
أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي الصحابية الوحيدة التي روت الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرتُ في الدرس الماضي أن الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فالمراد بزوجة النبي: عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم
شرح حديث عائشة: (... رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار وعذاب القبر)
قال رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يعلى حدثنا قدامة عن جسرة قالت: حدثتني عائشة رضي الله عنها قالت: (دخلت علي امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: صدقت، فما صلى بعد يومئذ صلاة إلا قال في دبر الصلاة: رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم؛ لأنه ذكر: ذكر ودعاء؛ لأن فيه ذكر وهو الثناء على الله بكونه رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، وفيه دعاء وهو قوله: أعذني من حر النار، وعذاب القبر، ففيه ذكر، وفيه دعاء، أوله ذكر وثناء، وآخره دعاء، فقال: الذكر والدعاء بعد التسليم، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة اليهودية التي جاءت إليها وقالت: (إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وقد ارتفعت أصواتنا فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت، فقال: صدقت) صدقت فيما قالت، ثم قالت: (فما صلى بعد يومئذٍ صلاة إلا قال في دبر الصلاة: رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، أعذني من حر النار، وعذاب القبر) المقصود من إيراد هذا الذكر والدعاء الذي في آخر الحديث، هذا هو الذكر والدعاء بعد الصلاة وبعد التسليم.
والحديث يدل على إثبات عذاب القبر، وعذاب القبر تواترت فيه الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من حيث إثباته وبيان أنه حق، ومن حيث ورود الأدعية الكثيرة في التعوذ بالله من عذاب القبر، وكذلك جاء في القرآن إثباته في قصة عذاب آل فرعون: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46]، فإن هذا يدل على إثبات عذاب القبر؛ لأن الله تعالى قال: النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ثم قال: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )[غافر:46] معناه: أنهم يعذبون قبل قيام الساعة، يعذبون بالنار في قبورهم قبل قيام الساعة وقبل البعث والنشور، فهذا يدل على إثبات عذاب القبر ولكنه فيما يتعلق بالكفار؛ لأن هذا عذاب الكفار.
وعذاب القبر، جاء في حق الكفار، وفي حق المسلمين الذين هم أهل للعذاب، وقد مر في الحديث الذي في الصحيحين مرور النبي صلى الله عليه وسلم في القبرين، قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فكان عذابهما بهذين السببين، فأحاديث عذاب القبر متواترة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وجاء في الحديث أنهم كانوا يقرضون منه الثوب والجلد، وهذا من الآصار التي كانت على من قبلنا، وأما هذه الأمة فإنهم يغسلون النجاسة ويغسلون الثياب فتطهر بالغسل.
وقوله في الدعاء: (جبريل وميكائيل وإسرافيل) هذا توسل إلى الله عز وجل بربوبيته، لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، هذا هو التوسل المشروع، فخير التوسل: أن يتوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى التوسل إلى الله عز وجل بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتوسل إلى الله عز وجل بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل.
والحديث ذكر الشيخ الألباني أنه ضعيف الإسناد.
ترجمة رجال إسناد حديث: (... رب جبريل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حر النار وعذاب القبر)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].وهو أحمد بن سليمان الرهاوي، ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا يعلى].
وهو: ابن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قدامة].
وهو ابن عبد الله العامري الكوفي، مقبول، أخرج حديثه ابن ماجه، والنسائي.
[عن جسرة بنت دجاجة العامرية].
وهي مقبولة، خرج حديثها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عائشة].
وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا، والإسناد فيه قدامة وفيه جسرة بنت دجاجة، وقد قال عن كل منهما الحافظ في التقريب أنه مقبول، والمقبول هو الذي لا يعول على حديثه إلا إذا توبع. نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة
شرح حديث: (... اللهم أصلح ديني الذي جعلته لي عصمة ...) قال رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء عند الانصراف من الصلاة.أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا ابن وهب أخبرني حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة: أن داود نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وحدثني كعب أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقولهن عند انصرافه من صلاته].
ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من الذكر بعد التسليم، وأورد فيه هذا الحديث عن صهيب رضي الله تعالى عنه، والذي ذكر في أوله عن كعب الأحبار أنه قال: إنا نجد في التوراة أن داود عليه الصلاة والسلام كان إذا انصرف من صلاته قال: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمه، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخط، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد، منك الجد.
هذا المعنى الذي جاء في هذا الحديث جاء في أحاديث ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)، فهاتان الجملتان في هذا الحديث جاءتا في صحيح مسلم، وحديث: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك) أيضاً جاء في أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديث: (لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) جاء في أحاديث منها ما تقدم قريباً في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه.
وهذا الإسناد قال عنه الألباني إنه ضعيف الإسناد.
تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود].وهو ثقة، روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حفص بن ميسرة].
وهو ثقة ربما وهم، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن موسى بن عقبة].
وهو ثقة، إمام في المغازي، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن أبي مروان].
وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.
[عن أبيه].
أبو مروان قيل: اسمه مغيث، وقيل: اسمه سعيد، وقيل غير ذلك، وقيل: إن له صحبة، وقال عنه النسائي إنه ليس بمعروف، ولعل الكلام في الحديث من جهة أبي مروان هذا، ثم أبو مروان يروي عن كعب الأحبار.
[عن صهيب].
وهو صهيب بن سنان الرومي صحابي مشهور حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وفي الحديث شيء يدل على نكارته في المتن، وذلك أنه قال: إنا نجد في التوراة أن داود، وداود إنما كان بعد موسى؛ لأن موسى أنزلت عليه التوراة وداود كان بعد زمن موسى، فهذا يدل على النكارة من حيث المتن، وإن كان يمكن أن يذكر أمر مستقبل في التوراة، لكن هنا فيه حكاية: أنه كان يقول إذا انصرف من صلاته قال: كذا وكذا، فهذا قد يظهر منه أنه فيه نكارة من حيث المتن، بالإضافة إلى ضعف الإسناد الذي قال الشيخ الألباني.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(252)

- (باب التعوذ في دبر الصلاة) إلى (باب نوع آخر من عدد التسبيح)
ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ دبر كل صلاة من الكفر والفقر وعذاب القبر، ورغب الشارع في التسبيح عشراً، والحمد عشراً، والتكبير عشراً عقب الصلاة، كما ثبت الترغيب في زيادتها إلى ثلاث وثلاثين.
التعوذ في دبر الصلاة
شرح حديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) دبر الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التعوذ في دبر الصلاة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن عثمان الشحام عن مسلم بن أبي بكرة قال: كان أبي يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر، فكنت أقولهن، فقال أبي: أي بني عمن أخذت هذا؟ قلت: عنك، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولهن في دبر الصلاة].
يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من التعوذ في الصلاة. سبق أن عرفنا فيما مضى أن الدبر تطلق على آخر الشيء وعلى ما يلي آخر الشيء، وقد جاء في الأحاديث إطلاق الدبر على ما كان في آخر الصلاة قبل التسليم وعلى ما كان بعد التسليم، كل ذلك يطلق عليه دبر الصلاة، ودبر الشيء هو آخره أو هو آخره وما يلي آخره، والنسائي أورد هذا الحديث فيما كان بعد السلام؛ لأنه ذكر ما يتعلق بما كان قبل التسليم في أبواب سابقة، ثم ذكر بعد ذلك -أي بعد التسليم- ما يتعلق بما كان بعد السلام من تسبيح، وتكبير، وتعوذ، وما إلى ذلك.
وهذا ذهابٌ من النسائي إلى أن المراد بهذا التعوذ إنما هو بعد السلام، واللفظ يقتضيه، وإذا فعله الإنسان قبل السلام وبعد السلام فكل ذلك حق؛ لأن لفظ دبر يحتمل المعنيين، وقد جاء في الحديث فيما يتعلق بالصلاة أنه بعدما يأتي بالتشهد قال: (يتخير من الدعاء ما شاء)، فهو يأتي بما يناسب من الدعاء، ولا سيما الذي جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي بكرة الثقفي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر، والفقر، وعذاب القبر. يتعوذ من هذه الأمور الثلاثة: الكفر، والفقر، وعذاب القبر، وكان ابنه قد سمعه وهو يتعوذ بهذه التعوذات ويدعو بهذا الدعاء، ففعل مثلما كان يفعل والده، ثم إن الأب سأله: عمن أخذت هذا؟ قال: عنك، سمعتك تقول فقلت، فأخبر أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقولها في دبر الصلاة، هذا هو الذي يدل على رفعه وأنه مضاف إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والتعوذ بالله من الكفر تعوذ من أخطر الأمور وأشدها وأعظمها، ألا وهو الكفر بالله عز وجل، والتعوذ من الفقر الذي يترتب عليه عند كثير من الناس الوقوع في محاذير بسبب ذلك، والتعوذ من عذاب القبر الذي يكون في البرزخ، لأن ما بين الموت والبعث هو في القبر إما معذب وإما منعم، وعذاب القبر حق لمن كان له عقل، والمراد من ذلك: ما كان بعد الموت وقبل البعث، فإن من كان مستحقاً لعذاب القبر عذب ولو لم يكن من المقبورين، أي لم يحفر له في التراب ويدفن، كأن أكلته السباع، أو أحرق وذر في الهواء، أو أكلته الحيتان في البحر، أو ما إلى ذلك، من كان مستحقاً لعذاب القبر -وهو عذاب البرزخ الذي يكون بعد الموت وقبل البعث- فإنه يصل إليه العذاب، ولا يقال: إن الناس إذا حفروا قبوراً ما يرون جنة ولا ناراً؛ لأن عذاب القبر من أمور الغيب التي علينا أن نصدق بها، وأن نؤمن بها، ولو لم ندرك ونشاهد، فالمستحق للعذاب يصل إليه العذاب، والمستحق للنعيم يصل إليه النعيم، ولو كانا في قبر واحد، فإن هذا في عذاب لا يدري عن نعيم ذاك، وهذا الآخر في نعيم لا يدري عن عذاب هذا، فالمنعم منعم والمعذب معذب، وهما متجاوران، وهذه أمور غيبية على المسلم أن يصدق بها، وإن لم يدرك الحقيقة؛ لأن هذا من الإيمان بالغيب.
ثم إن في أمور الدنيا وفي أحوال الدنيا ما يوضح وما يرشد إلى هذه الحقيقة، وهي أن الاثنين يكونان في مكان واحد وفي غرفة واحدة، أو قد يكونان في لحاف واحد، مثل الزوج وزوجته، ثم ينامان ويستيقظان، ويكون أحدهما في نعيم وهو في هذه النومة، والثاني في عذاب وهو في تلك النومة، وهذا ما درى عن هذا وهذا ما درى عن هذا، واحد منهم ينام ثم يرى رؤى طيبة ويرى أموراً سارة ويأكل نعيماً ويحصل له أمور طيبة، والآخر بجواره وهو بضده، يرى أن الحيتان تلاحقه، وأن السباع تنهشه، وأن العقارب تلسعه، ثم يستيقظان هذا في نعيم ما درى عن الذي بجواره، وهذا في عذاب ما درى عنه الذي في جواره، وإذا كان هذا حاصل في أمور الدنيا المشاهدة المعاينة فإن أمور الآخرة أو أمور البرزخ يجب الإيمان بها والتصديق ولو لم يشاهد الإنسان تلك الحقيقة؛ لأن أمور الغيب ليست مثل أمور الدنيا، أمور القبر ليست مثل أمور الدنيا، الواجب على الإنسان التصديق والإيمان.
فكان عليه الصلاة والسلام يتعوذ من هذه الأمور الثلاثة: الكفر الذي هو أعظم الذنوب وأخطر الذنوب وأشدها، والفقر الذي يفضي أو يؤدي إلى كثير من الخطايا والمحرمات، وعذاب القبر الذي يحصل للإنسان بعد الموت وقبل البعث.
ثم أيضاً المحاورة التي جرت بين أبي بكرة وابنه تدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة من تلقي العلم وأخذه عن أهله، وأن العالم يقتدى به؛ لأن ابن أبي بكرة لما سمع أباه يتعوذ تبعه وأخذ بما سمع من والده، وأبوه سأله عن المستند، فأخبره بأنه سمعه يقول فقال مثلما قال، فأخبره بالذي استند عليه في ذلك، وأنه فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.
وهو يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الملازمة والاتباع لهديه عليه الصلاة والسلام.
وكذلك يدلنا على ما كان عليه التابعون من التلقي عن الصحابة ومن متابعة الصحابة فيما يسمعونهم يدعون به ويتلقون عنهم، وهذا يدلنا على فضل السابقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وحرصهم على تلقي العلم وعلى بذل العلم؛ لأن فعل أبي بكرة فيه بذل العلم، وفيه التنبيه إلى التمسك به، والابن بادر إلى التعوذ بهذه التعوذات العظيمة، التي هي التعوذ بالله من الكفر، والفقر، وعذاب القبر.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة في قول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر) دبر الصلاة
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، ثقة، ناقد، محدث، من أئمة الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير، وكثيراً ما يأتي بلفظ الفلاس، يعني: يأتي بلقبه، وهو الفلاس، قال الفلاس كذا، وثقه الفلاس، ضعفه الفلاس، قال فيه الفلاس، والمراد به عمرو بن علي هذا، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة؛ لأن بمعرفتها دفع توهم أن الشخص الواحد يكون شخصين فيما لو ذكر في مكان عمرو بن علي، وفي مكان آخر الفلاس، الذي ما يعرف أن عمرو بن علي هو الفلاس، يظن أن الفلاس شخص وأن عمرو بن علي شخص آخر، لكن من عرف أن هذا شخص واحد اسمه كذا ولقبه كذا إذا جاء في موضع بخلاف الموضع الآخر، هذا باللقب وهذا بالاسم لا يلتبس عليه الأمر، والذي لا يعرف ذلك يتلبس عليه الأمر، يظن أن الفلاس شخص غير عمرو بن علي، قد يأتي في الإسناد شخص مرة بلقبه ومرة باسمه في أسانيد في مكان واحد، فيظن من لا يعرف أن هذا شخص آخر غير هذا، ومن عرف أن هذا لقب لا يلتبس عليه الأمر، ولهذا اعتنى المحدثون بمعرفة الألقاب، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر باسمه مرة وذكر بلقبه أخرى، وعمرو بن علي كلامه في الرجال كثير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
وهو ابن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، ثقة، ثبت، وكلامه في الرجال كثير، ويأتي كثيراً بـالقطان -أي: يأتي بلقبه القطان- وأحياناً يحيى بن سعيد القطان، وكلامه في الرجال كثير، وقد ذكره الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، ذكره هو وعبد الرحمن بن مهدي وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا اتفقا على جرح شخص فلا يكاد يندمل جرحه، معناه: أنهما يصيبان الهدف وأنه يعول على كلامهما، وحديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وفي طبقة يحيى بن سعيد القطان: يحيى بن سعيد الأموي، وقبلهما بطبقة أو بطبقتين: يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي، فهما من طبقة صغار التابعين، يعني: الإمام مالك يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو قبله، وممن بعده -أي: بعد الإمام مالك -يحيى بن سعيد القطان، فاثنان في طبقة واثنان في طبقة، وكل منهما يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة واحدة متأخرة، وهي ما فوق شيوخ الشيخين البخاري، ومسلم، ومن طبقة صغار التابعين يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد التيمي، وكلهم ثقات.
[عثمان الشحام].
وهو الشحام العدوي، لا بأس به، وكلمة (لا بأس به): تعادل صدوق كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في المقدمة، بأنه الذي دون الثقة، ويقل عن الثقة الذي يعتبر حديثه صحيحاً، أي: من يقل عنه يقال له: صدوق، ويقال له: لا بأس به أو ليس به بأس، وحديث من يكون كذلك هو الحسن لذاته، فإذا جاء ما يعضده ارتفع إلى الصحيح لغيره، فكلمة: (لا بأس به) تعادل صدوق، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن مسلم بن أبي بكرة].
وهو الثقفي، وهو صدوق، أخرج حديثه مثل الذي قبله مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبي بكرة].
وهو الثقفي نفيع بن الحارث، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:39 PM
عدد التسبيح بعد التسليم

شرح حديث: (يسبح أحدكم دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عدد التسبيح بعد التسليم.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده، وإذا أوى أحدكم إلى فراشه أو مضجعه، سبح ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبر أربعاً وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأيكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قيل: يا رسول الله، وكيف لا نحصيهما؟ فقال: إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، ويأتيه عند منامه فينيمه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب عدد التسبيح بعد التسليم. وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)، ثم ذكر الخلتين، وهما: أن يسبح بعد كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فتلك مائة وخمسون باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان؛ لأن الصلوات خمس وبعد كل صلاة ثلاثين، فتكون الجملة في اليوم والليلة مائة وخمسين، والحسنة بعشر أمثالها، فتكون في الميزان ألفاً وخمسمائة.
ثم ذكر عليه الصلاة والسلام الخلة الثانية، يعني: كون الإنسان عندما يأوي إلى فراشه يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويكبر أربعاً وثلاثين، فتكون مائة باللسان وألفاً في الميزان، فيكون المجموع ألفين وخمسمائة، ألف وخمسمائة فيما يتعلق بالتسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات، وألف فيما يتعلق بالتسبيح والتحميد والتكبير عند النوم، هاتان هما الخلتان.
ثم قالوا: (وكيف لا نحصيهما؟)، يعني: هاتين الخلتين، وهو أن يعملوا بهذا العمل، وأن يأتوا بهذا الذكر في هذين الموطنين، فقال عليه الصلاة والسلام: (أيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟)، يعني: هذا فيه ألفان وخمسمائة حسنة، فأيكم يعمل ألفين وخمسمائة سيئة؟ معناه: أن الحسنات تقضي على السيئات، فإذا كان الإنسان عمل سيئات في اليوم والليلة -ولا يسلم من ذلك إلا من سلمه الله- فالحسنات تذهب السيئات، فألفان وخمسمائة حسنة تقضي على تلك السيئات التي تحصل من الإنسان، فيبقى بقية بعد ذلك، بعدما تقضي الحسنات على السيئات، معناه: أن السيئات لا تعادل الحسنات بل تكون أقل منها؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تضاعف كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً)، كونه هم بها ولم يعمل، مجرد الهم تكتب له حسنة كاملة، وإذا هم بسيئة ينظر، إن عملها كتبت سيئة واحدة وإن لم يعملها ما كتب عليه شيء، فالحسنات تفوق السيئات، وهذا العدد الكبير من الحسنات يذهب السيئات التي تحصل من الإنسان في اليوم والليلة.
قالوا: (وكيف لا نحصيهما؟) -أي: الخصلتين- وهذا يرجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة)، قالوا: وكيف لا نحصيهما؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بين السبب الذي يحصل بسببه النقص على الإنسان، وهو أن الشيطان يأتي للإنسان في صلاته فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، فينشغل في صلاته عن صلاته، فيكون فيها نقص، فيكون هذا التسبيح فيه جبر لذلك النقص ولتلك السيئات التي حصلت بسبب كون الشيطان حال بين الإنسان وبين صلاته أو شغله في صلاته، فهو أتى بها، ولكن شغله عن أمور كثيرة فيها، وكذلك أيضاً يأتي عند النوم فينيمه دون أن يأتي بتلك التسبيحات، والتحميدات، والتكبيرات، يأتيه فينيمه ثم لا يكون أتى بتلك الأعمال التي تأتي بألف حسنة -التي هي مائة في اللسان وألف في الميزان- فبين عليه الصلاة والسلام المداخل التي يدخل الشيطان بها على الإنسان، فينقص عمله أو يفوت عليه العمل، ينقص العمل بالنسبة للصلاة، حيث يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا فيشغله عنها، أو يذهبه كلية بحيث ينام وقد نسي، أو غفل عن أن يأتي بهذا الذكر الذي فيه هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى.
ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم في مقدمة الحديث: (خلتان -والمقصود بهما خصلتان- لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل)، هذا فيه تشويق وترغيب في سماع ما سيذكر؛ لأن هذا مما يرغب السامع، ويشوقه إلى الشيء الذي سيذكر؛ لأنه لو جاء الكلام على أن الصلوات الخمس هي كذا، وكذا، وكذا، ما يكون مثل ما لو مهد للكلام بشيء يشوق إليه ويجعل الإنسان يستعد له ويتهيأ، وهذا في كلام الرسول عليه الصلاة والسلام كثير، كثيراً ما يأتي في الأحاديث: ثلاث كذا، ثلاث من فعلهن فله كذا، وكذا، سواء في الخير أو في الشر، (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان)، ثم ذكر الثلاث، (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)، فيأتي بشيء يمهد -أي فيه وصف الذي سيأتي- حتى يستعد له الإنسان، ومن أمثلة ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مهد لهما بهذه الأوصاف التي تدل على عظم شأنهما وعلى عظم أجرهما مع خفتهما، مهد لذلك قبل أن يذكرها، فالسامع عندما يسمع: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، يسأل ما هي الكلمتان الذي هذا شأنهم؟ هما: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وهذا من كمال بيانه عليه الصلاة والسلام وفصاحته وبلاغته ونصحه عليه الصلاة والسلام لأمته، وهذا من تمام إبلاغه لأمته، فقد بلغ البلاغ المبين وبين للناس ما يحتاجون إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً ويحمد عشراً ويكبر عشراً ...)
قوله: [يحيى بن حبيب بن عربي].وهو بصري ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حماد].
وحماد غير منسوب، وفي هذه الطبقة شخصان هما حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار، وهما بصريان، اتفقا في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ولهذا يأتي في بعض التراجم: روى عنه الحمادان، أو روى عن الحمادين، المقصود بها: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فهما في طبقة واحدة، وهنا ذكر حماد ولكنه غير منسوب، فيحتمل ابن زيد ويحتمل ابن سلمة، فأيهما؟
في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي في تهذيب الكمال للمزي، ذكر أنه روى عن حماد بن زيد فقط، ولم يرو عن حماد بن سلمة، إذاً عرفنا أن هذا المهمل هو حماد بن زيد؛ لأن يحيى بن حبيب بن عربي روى عن حماد بن زيد فقط، وما روى عن حماد بن سلمة في الكتب الستة، أو عند رجال أصحاب الكتب الستة.
إذاً: عرفنا المهمل وتعيينه، ومثل هذا يسمى المهمل، وهو أن يتفق الاثنان في الاسم، أو في الاسم واسم الأب، ثم لا يعرف من هو، فذلك يعرف بالشيوخ والتلاميذ، وإذاً فـيحيى بن حبيب بن عربي هو تلميذ لـحماد بن زيد، وليس تلميذاً لـحماد بن سلمة.
وحماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
هو عطاء بن السائب الثقفي، هو صدوق اختلط، والمختلط الطريقة في معرفة ما يقبل من روايته وما يرد: أن الذي حدث به قبل الاختلاط يعتبره ويؤخذ به، وما حدث به بعد الاختلاط هذا هو الذي لا يعول عليه، ويعرف ذلك عن طريق التلاميذ؛ لأن منهم من روى قبل الاختلاط ومنهم من روى بعد الاختلاط، وحماد بن زيد ممن روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.
إذاً: حديثه معتبر، أو ما جاء من رواية حماد بن زيد عن عطاء بن السائب -الذي اختلط أخيراً- فإنه يعتبر؛ لأنه ممن سمع قبل الاختلاط، فأمن المحذور الذي هو كونه بعد الاختلاط وكونه مما حصل بعد اختلاطه، بكون حماد بن زيد إنما روى قبل الاختلاط، والحافظ ابن حجر ذكر في ترجمة عطاء بن السائب في آخرها جملة الذين رووا عنه قبل الاختلاط، ومنهم حماد بن زيد.
إذاً: رواية حماد بن زيد عن عطاء بن السائب هي مما يعتبر ويعول عليه؛ لأن المحذور زال، ومن روى عن المختلط قبل اختلاطه فروايته مقبولة معتبرة، وعطاء بن السائب أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
قيل هو السائب بن مالك الثقفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهو: مثل ابنه.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس من السبعة الذين عرفوا بالكثرة وتميزوا على غيرهم، والذين مر ذكرهم في الدرس الماضي، ولكنه معروف بكثرة الحديث؛ لأنه كان يكتب كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (إنه كان يكتب ولا أكتب)، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين مر ذكرهم في الدرس الماضي، وهم من صغار الصحابة: عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، إذا قيل: العبادلة الأربعة من الصحابة، فالمراد بهم هؤلاء الأربعة.
وعمرو بن العاص قيل: أنه تزوج وهو صغير، وولد له عبد الله بن عمرو وقيل: إن عمر عمرو بن العاص حين ولادة ابنه عبد الله ثلاث عشرة سنة، أي: احتلم مبكراً، وتزوج مبكراً، وولد له في سنة مبكرة، فـعمرو بن العاص يكبر ابنه بثلاثة عشرة سنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من عدد التسبيح بعد التسليم
شرح حديث: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نوع آخر من عدد التسبيح.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن سمرة عن أسباط حدثنا عمرو بن قيس عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من عدد التسبيح بعد التسليم، وأورد فيه حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين)، فيكون المجموع مائة، ونظير هذا من الأحاديث التي وردت (أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، وهنا المائة تكون بتكبيرة تكمل عدد التكبير أربعاً وثلاثين، وبهذا تكمل المائة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (معقبات لا يخيب قائلهن)، المعقبات قيل إن معناها: أنها تتعاقب وتتوالى، وقيل: لأنها تعقب الصلاة وتأتي عقبها، فهي معقبات تأتي عقب الصلاة وتقال عقب الصلاة، لا يخيب قائلهن، وهي التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين.
تراجم رجال إسناد حديث: (معقبات لا يخيب قائلهن: يسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن سمرة].وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه -يعني ثلاثة من أصحاب السنن- ولم يخرج له الشيخان ولا أبو داود.
[عن أسباط].
وهو: ابن محمد القرشي مولاهم، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن قيس].
وهو الملائي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحكم].
وهو الحكم بن عتيبة الكندي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي اسم أبيه في الكتب مصحفاً فيقال: الحكم بن عتبة مصحفاً بهذا اللفظ عتبة. والحكم بن عتيبة الكندي كوفي.
يروي [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وابنه محمد بن عبد الرحمن هذا المشهور عند الفقهاء في الفقه، فهو فقيه، وكلامه في الفقه كثير، لكنه في الحديث متكلم فيه، وأما عبد الرحمن بن أبي ليلى هذا الذي معنا فهو تابعي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي [عن كعب بن عجرة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى هو الذي روى عن كعب بن عجرة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الإبراهيمية، والذي قال فيه: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقلت: بلى، فأهدها إلي، فقال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)، هذه الهدية التي أهداها كعب بن عجرة وهو صحابي إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو من ثقات التابعين.
الأسئلة
الروح والجسد في الدنيا والبرزخ والآخرة
السؤال: ما صحة القول إن في الحياة الدنيا تكون الروح تبعاً للجسد في العذاب والنعيم، وفي حياة البرزخ يكون الجسد تبعاً للروح في العذاب والنعيم، وفي الآخرة تكون الروح والجسد متساويين؟الجواب: هذا كلام مستقيم؛ لأن كما هو معلوم بالنسبة للدنيا المشاهد هو الجسد والروح غير مشاهدة، فالذي يشاهد والذي يحصل له ما يحصل من خير أو شر هو الجسد والروح تابعة له لا شك، وأما في القبر فإن الروح تنعم متصلة بالجسد ومنفصلة عنه، ولهذا جاء في الحديث: (أن أرواح الشهداء في أجواف طير)، ونسمة المؤمن في طير، ومع ذلك فإن الروح لها اتصال بالجسد، فهي في الجنة تنعم فيها ومع ذلك لها اتصال بالجسد، فالنعيم في القبر للروح والجسد، والعذاب للروح والجسد، وأما بالنسبة للآخرة كما هو معلوم، فإن الأرواح ترد إلى الأجساد ويحصل الجزاء للروح والجسد على وجه التمام والكمال؛ لأن الإحسان في الدنيا إنما حصل من مجموع الروح والجسد، والإساءة حصلت من مجموع الروح والجسد، هذا كلام مستقيم.
الأفضلية في التسبيح بعد الصلاة

السؤال: جاء في حديث عبد الله بن عمرو: التسبيح عشراً، وفي حديث كعب بن عجرة: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، فأيهما الأولى أو الأفضل المداومة عليه؟الجواب: لا شك أن الإتيان بالأكمل يدخل فيه الأقل، كون الإنسان يأتي بالأكمل بثلاث وثلاثين، ويأتي في بعض الأحيان تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا شك أن هذا هو الأولى والأفضل، وكله خير، لكن من أتى بالأكمل دخل فيه الأصغر.
الجمع بين رواية العشر والثلاث والثلاثين في التسبيح بعد الصلاة
السؤال: هذا سؤال مشابه: كيف نجمع بين التسبيح والتكبير، والتحميد عشراً الأحاديث الواردة بثلاث وثلاثين؟الجواب: الإنسان يمكن أن يأتي بهذا العدد الذي فيه العشر، لكن كونه يأتي بالأكمل أولى، معناه يحصل الزيادة في الأجر؛ لأن هذا الأقل يحصل له به أجر، والأكمل يحصل فيه زيادة؛ لأن هذا الأقل يحصل فيه ألفاً وخمسمائة، فذاك الأكمل سيحصل فيه أكثر.
مداخلة: كيف نفعل بالنسبة للتسبيح بعد الصلاة، حيث ورد فيه عدة صفات، فهل يجمع بينها أم يكتفى بأحدها ويحصل له الأجر؟
الشيخ: لا يكتفى بأحدهما، بل يأخذ بالأكمل، إلا إذا كان العدد متساوياً فيمكن أن يأتي بهذا مرة وبهذا مرة، مثل ما سيأتي أن التسبيح يكون خمساً وعشرين، ويزاد التهليل، فيصير العدد مائة فيمكن أن يأتي بهذا أو بهذا، لكن الذي هو عشر هذا يدخل في الثلاث والثلاثين.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(253)

- تابع باب نوع آخر من عدد التسبيح
يستحب الذكر عقب الصلاة، وقد ورد في السنة أنواع كثيرة منها: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد كذلك، والتكبير أربعاً وثلاثين، وفي رواية ثلاثاً وثلاثين، والتهليل عشراً، وغير ذلك.
تابع نوع آخر من عدد التسبيح
شرح حديث زيد بن ثابت في الأمر بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل خمساً وعشرين مرة دبر كل صلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من عدد التسبيح.أخبرنا موسى بن حزام الترمذي حدثنا يحيى بن آدم عن ابن إدريس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح عن زيد بن ثابت قال: (أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين، ويكبروا أربعاً وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له: أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم. قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: اجعلوها كذلك)].
يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من عدد التسبيح بعد الصلاة، أو بعد الصلوات المفروضة، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه الذي فيه: [أن رجلاً من الأنصار أتي في منامه فقيل له: أمرك نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم بأن تسبحوا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل]، فيكون المجموع مائة؛ بدل أن يكون ثلاثاً وثلاثين أربعاً وثلاثين، يكون خمسة وعشرين، خمسة وعشرين، خمسة وعشرين، خمسة وعشرين، فيكون العدد مطابق للعدد الذي هو مائة، وذلك بأن يكون كل من الأربعة يؤتى به بخمس وعشرين في العدد، فيكون المجموع مائة، وهذا نوع آخر من أنواع عدد التسبيح، وهو أن يكبر على النحو الذي مر، ويكبر على هذا النحو.
ثم إن الذي جاء في هذا الحديث ليس من قبيل العمل برؤيا الناس، ولكنها من قبيل إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: [اجعلوها كذلك]، فلما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يجعلوها كذلك، عرف أنها سنة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن ليس معنى ذلك أن العدد السابق يترك، ولكن ذلك ثابت، وهذا ثابت، فيمكن أن يأتي الإنسان ببعض الأحيان بالعدد الأول الذي هو ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة، وكذلك أيضاً يأتي به في بعض الأحيان على ما جاء في هذا الحديث الذي هو خمس وعشرون تسبيحة، وخمس وعشرون تحميدة، وخمس وعشرون تكبيرة، وخمس وعشرون تهليلة، فيكون العدد مائة في كل من الروايتين؛ أي: رواية التثليث ورواية التربيع.
وهذا من جنس ما جاء في الأذان في رؤيا عبد الله بن زيد الذي أري الأذان في منامه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على المؤذن الذي يتولى الأذان، فإنما كان سنة بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، وبتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك، وليس بمجرد رؤيا الرائي التي رآها في المنام، ولو لم يكن جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يفيد اعتبار هذا العدد، والأمر باعتباره، لكانت تلك الرؤيا لا عبرة لها ولا قيمة لها، ولكن المعتبر في ذلك إنما هو أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يجعلوا ذلك العدد، وأن يأتوا بذلك العدد.
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت في الأمر بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل خمساً وعشرين مرة دبر كل صلاة
قوله: [أخبرنا موسى بن حزام الترمذي].الترمذي ثقة، أخرج حديثه البخاري، والترمذي، والنسائي؛ يعني: ما خرج له مسلم ولا خرج له أبو داود ولا ابن ماجه.
[حدثنا يحيى بن آدم].
هو الكوفي، وهو ثقة، حافظ، فاضل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مصنف من مصنفاته كتاب الخراج لـيحيى بن آدم هذا.
[عن ابن إدريس].
هو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن حسان].
هو البصري، وهو ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين البصري].
ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كثير بن أفلح].
هو المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن زيد بن ثابت].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عمر في الأمر بالتسبيح والتحميد والتكبير خمساً وعشرين مرة دبر كل صلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثني علي بن الفضيل بن عياض عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر: (أن رجلاً رأى فيما يرى النائم، قيل له: بأي شيء أمركم نبيكم صلى الله عليه وسلم؟ قال: أمرنا أن نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فتلك مائة، قال: سبحوا خمساً وعشرين، واحمدوا خمساً وعشرين، وكبروا خمساً وعشرين، وهللوا خمساً وعشرين، فتلك مائة، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا كما قال الأنصاري)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو دال على ما دل عليه حديث زيد بن ثابت الذي قبله من جهة الرؤيا، وحصول الرؤيا من ذلك الأنصاري، ومجيئه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإخباره إياه بما رآه، وأنه رأى في المنام أنه قيل له: أن التسبيح يكون خمساً وعشرين، والتحميد خمساً وعشرين، والتكبير خمساً وعشرين، والتهليل خمساً وعشرين، وذلك يكون مائة، وذلك مطابق للعدد الذي كان قد قيل لهم من قبل، أو كان قد بينه لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام من قبل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: [افعلوا كما قال الأنصاري]، أي: في هذه الرؤيا التي رآها، فهو مثل الذي قبله تماماً من حيث الموضوع، ومن حيث النهاية، والكل هو حكاية رؤيا رجل من الأنصار، والنهاية أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: اجعلوها كذلك، أو افعلوا كما قال الأنصاري، أي: أنه يشرع لهم أن يفعلوا ذلك، لكن لا يعتبر هذا نسخاً وتركاً للسابق، بل هذا سنة، وهذا سنة، ويمكن أن يأتي الإنسان بما ورد في بعض الأحيان، وما ورد من الأنواع الأخرى في أحيان أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الأمر بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل خمساً وعشرين مرة دبر كل صلاة
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي].هو ثقة، إمام، ناقد، مشهور، وكلامه في الرجال كثير، وكثيراً ما ينقل ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل عن أبيه أبي حاتم، وأبي زرعة الكلام في الرجال جرحاً وتعديلاً، فهو محدث، ناقد، وكلامه في الرجال كثير، ومشهور، يقال: وثقه أبو زرعة الرازي، أو قال فيه أبو زرعة الرازي كذا، فهو من النقاد الذين لهم كلام في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وهو حافظ، مشهور، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وله عند مسلم حديث واحد في الدعاء في كتاب الدعاء، في صحيح مسلم رواه عنه مباشرة، وهو مقارن له من حيث الزمن؛ لأن مسلماً رحمه الله ولد في سنة مائتين وأربع، وتوفي سنة مائتين وواحد وستين، وأما أبو زرعة الرازي فولد سنة مائتين، وتوفي سنة أربع وستين؛ يعني: بعد وفاة مسلم بثلاث سنوات، وولد قبله بأربع سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديث واحد في الدعاء، وروى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وأبو زرعة هذه كنية اشتهر بها عدد من المحدثين قديماً وحديثاً؛ من المتقدمين والمتأخرين، فأول من اشتهر بها: أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، وهو من التابعين، ويروي عن أبي هريرة وعن غير أبي هريرة، وهو الذي روى عنه آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فإن هذا الحديث هو آخر حديث في صحيح البخاري، وقد رواه من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه، فهو أول من عرف بهذه التكنية التي هي أبو زرعة من المحدثين، وفيهم هذا الذي هو الرازي شيخ الإمام مسلم الذي روى عنه هذا الحديث، وكانت وفاته سنة مائتين وأربع وستين، وأبو زرعة الدمشقي بعد ذلك، وهو مؤلف تاريخ دمشق، وفي المتأخرين أبو زرعة العراقي بن عبد الرحيم العراقي، صاحب الألفية، صاحب الألفية هو الأب، وأبو زرعة العراقي هو الابن، وكانت وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين.
الحاصل أن أبا زرعة يطلق على عدد من أهل الحديث المتقدمين والمتأخرين.
[حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني علي بن الفضيل بن عياض].
ثقة، عابد، أخرج حديثه النسائي وحده، وتوفي قبل أبيه الفضيل بن عياض، وهو ممن خرج حديثه النسائي وحده.
[عن عبد العزيز بن أبي رواد].
صدوق، عابد ربما وهم، وأخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن نافع].
نافع هو مولى ابن عمر هو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو ابن الخطاب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهو من صغار الصحابة، وقد مر ذكرهم مراراً، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
وزوجة النبي عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من عدد التسبيح
شرح حديث جويرية بنت الحارث في عدد التسبيح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من عدد التسبيح.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة سمعت كريباً عن ابن عباس عن جويرية بنت الحارث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليها وهي في المسجد تدعو، ثم مر بها قريباً من نصف النهار، فقال لها: ما زلت على حالك؟ قالت: نعم. قال: ألا أعلمك كلمات تقولينهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته)].
هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة؛ وهي: نوع آخر من عدد التسبيح، وأورد فيه حديث جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها التي كانت جالسة تذكر الله، وتسبحه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد مر عليها وهي جالسة، ثم جاء قريباً من نصف النهار وهي في مجلسها، فقال: [ما زلت كذلك؟ قالت: نعم، قال: ألا أعلمك كلمات تقولينهن؟ قالت: نعم، فأرشدها إلى أن تقول: سبحان الله عدد خلقه ثلاث مرات، سبحان الله رضا نفسه ثلاث مرات، سبحان الله زنة عرشه ثلاث مرات، سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات]، كل جملة من هذه الجمل الأربع، أو هذه التسبيحات الأربع تكررها ثلاثاً؛ أي: أن تأتي بها كل واحدة مكررة، ثم تنتقل إلى الثانية: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، ثم تنتقل إلى الثانية، والثالثة، والرابعة بحيث يؤتى بكل تسبيحة ثلاث مرات.
وهذا دعاء جامع، وهو من الأدعية الجامعة التي يكون أجرها عظيماً، والتي يمكن أن تقوم مقام الدعاء الكثير أو الذكر الكثير؛ وذلك لعمومها وشمولها؛ وما اشتملت عليه من العموم والشمول.
وقد جاء في الحديث -في نفس الدعاء- في آخره: [مداد كلماته]، والمراد بالمداد: ما يكتب به الكلام، وقيل: إنه من المدد؛ وهو الكثرة، وكلمات الله عز وجل معلوم أنها لا تنحصر، وقد جاء في القرآن الكريم آيتان تدلان على عدم حصر كلام الله عز وجل، وأن البحور لو جعلت كلها مداداً، وضوعفت أضعافاً مضاعفة، فإن البحور تنتهي وكلمات الله تعالى لا تنتهي، كما قال الله عز وجل: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً )[الكهف:109]، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ )[لقمان:27]، فالمقصود من ذلك: أن تسبيح الله عز وجل تسبيحاً كثيراً لا ينحصر، وكلام الله عز وجل لا ينحصر، فلا يمكن أن يكون له نهاية، وذلك أن الله تعالى لا بداية له ولا نهاية له، فلا بداية لكلامه ولا نهاية لكلامه، فكلامه لا ينحصر، والمخلوقون كلامهم ينحصر؛ لأن لهم بداية ولهم نهاية، وأما الله عز وجل فإنه لا بداية له ولا نهاية له، فكلامه لا حصر له ولا نهاية له، ولهذا جاء في القرآن هاتان الآيتان الدالتان على عدم حصر كلام الله عز وجل، وأنه لو كانت البحور الزاخرة تضاعف أضعافاً مضاعفة، مثلها، وأضعافها، فإنه تنتهي البحور، وينتهي ذلك المداد، ولا ينتهي كلام الله عز وجل، أو لا تنتهي كلمات الله سبحانه وتعالى، وذلك فلا نهاية لكلامه، ولا حصر لكلامه سبحانه وتعالى، فهو لا ينحصر ولا ينتهي؛ لأنه لا بداية له ولا نهاية له، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء سبحانه وتعالى.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:47 PM
تراجم رجال إسناد حديث جويرية بنت الحارث في عدد التسبيح
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو محمد بن بشار البصري يلقب بندار، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأنه توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة مائتين وستة وخمسين، ومحمد بن بشار توفي سنة مائتين واثنين وخمسين. وقد وافقه في سنة الوفاة، وفي كونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة جميعاً اثنان آخران: هما محمد بن المثنى الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، ويمتاز محمد بن المثنى مع محمد بن بشار أنهما اتفقا في أيضاً سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وكونهما جميعاً من أهل البصرة، ولهذا قال الحافظ ابن حجر لما ذكر محمد بن المثنى، قال: وكان هو وبندار كفرسي رهان وماتا في سنة واحدة، كانا كفرسي رهان، يعني: ما أحد يتقدم ولا يتأخر عن الثاني، متساويان في الولادة، ومتساويان في سنة الوفاة، ومتساويان في الشيوخ والتلاميذ، ومتساويان في كونهما من أهل البصرة، فهما متفقان في الشيوخ والتلاميذ، وليس بلازم أن يكون هذا ما روى عن شيخ آخر، لكن الغالب عليهم أنهم متفقون في الشيوخ، ومتفقون في التلاميذ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: وكانا -يعني: محمد بن المثنى وبندار- كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة.
[حدثنا محمد].
هو غير منسوب، وإذا جاء محمد يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن بشار فالمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، هو المقصود بـمحمد فيما إذا جاء يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن بشار، ومحمد بن جعفر غندر ثقة، صحيح الكتاب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بلقب من أعلى ألقاب التعديل، وأوصاف التعديل؛ لقب أمير المؤمنين في الحديث، فإن عدداً قليلاً من المحدثين وصفوا بهذا الوصف الذي هو أمير المؤمنين في الحديث؛ منهم شعبة، والثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، عدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف، وهو لقب رفيع، ووصف عال، يعتبر من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديث شعبة بن الحجاج أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عبد الرحمنمولى آل طلحة].
محمد مولى آل طلحة ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم والأربعة.
يمكن أن يكون هذا هو الصحيح، لكن الشيء الذي يمكن أن يتحقق منه فيما إذا حصل إشكال في الرموز الرجوع إلى تهذيب الكمال، فإنه في آخر الترجمة عندما يترجم للشخص يذكر في آخر الترجمة أنه روى له فلان وفلان وفلان، ويسميهم بدون رمز، ويذكر الكتب التي خرج لهم فيها إذا كانت خارج الكتب الستة، فالذي يرجع إليه للفصل فيما إذا اختلفت الرموز، أو اشتبهت الرموز في الكتب التي هي متفرعة عن تهذيب الكمال، أنه يرجع إلى تهذيب الكمال، فإنه ينص في آخر كل ترجمة إلى من خرج له من أصحاب الكتب الستة ويسميهم، يقول: أخرج له الجماعة وأخرج له فلان وفلان، أو أخرج له الجماعة إلا فلان، أو أخرج له فلان في الكتاب الفلاني وهكذا، فهذا هو المرجع الذي يرجع إليه للفصل فيما إذا اختلفت الرموز في الكتب.
[سمعت كريباً عن ابن عباس].
هو كريب بن أبي مسلم مولى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
[عن جويرية].
هي بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وابن عباس يروي عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من عدد التسبيح
شرح حديث ابن عباس في التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين والتهليل عشراً دبر كل صلاة
قال رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا علي بن حجر حدثنا عتاب هو ابن بشير عن خصيف عن عكرمة ومجاهد عن ابن عباس قال: (جاء الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! إن الأغنياء يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم أموال يتصدقون وينفقون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صليتم فقولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ولا إله إلا الله عشراً، فإنكم تدركون بذلك من سبقكم، وتسبقون من بعدكم)].
هنا أورد النسائي نوعاً آخر من عدد التسبيح، وأورد فيه حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: [أن الفقراء جاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إن الأغنياء يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بأموالهم]، بينما الفقراء لا يتصدقون؛ لأنهم ما عندهم شيء يتصدقون به -فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشدهم إلى أنهم يسبحون، ويهللون، ويكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويهللون عشراً، يقولون: لا إله إلا الله عشر مرات، قال: إنكم إذا فعلتم ذلك تدركون من سبقكم، وتسبقون من بعدكم- أي: في الفضل وليس من حيث الزمان، وإنما المراد بذلك الفضل، وهذا يدل على عظم شأن هذا الدعاء.
لكن الحديث ثابت بغير ذكر التهليل عشر مرات، يعني جاء في أحاديث صحيحة أحاديث مجيء الفقراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن الأغنياء يتميزون عنهم بكذا، مع أنهم مساوون لهم في الصلاة، والصيام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى التكبير، والتحميد، والتسبيح دبر الصلاة، فالحديث ثابت، وما جاء في هذا الحديث صحيح إلا ما جاء في تعشير التهليل؛ لأنه عشر مرات، فهذا إنما جاء من هذه الطريق، وهذه الطريق فيها ضعف، وفيها من تكلم فيه، لكن الحديث ثابت من غير هذا الطريق، والذي تميزت به هذه الطريق هو تعشير التهليل، يعني: كونه عشر مرات، وهو غير ثابت، بل هو من قبيل المنكر؛ لأن فيه مخالفة الضعيف للثقة؛ لأن سبق أن عرفنا أن الشاذ: ما يخالف فيه الثقة من هو أوثق منه، والمنكر: ما يخالف فيه الضعيف الثقة، وهنا خالف ضعيف ثقة، أو ثقات فيما يتعلق بذكر عدد التهليل، فإنه جاء هنا عشراً، ولم يأت بهذا العدد من غير هذا الطريق، فـالألباني لما ذكر الحديث في ضعيف سنن النسائي قال: إنه منكر بتعشير التهليل، أي: بتعشير التهليل؛ لأنه ما جاء إلا من هذا الطريق، وهذه الطريق فيها من تكلم فيه من حيث سوء الحفظ، ومن حيث الخطأ.
والحديث الذي فيه ذكر مجيء الفقراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمره إياهم بأن يسبحوا ويهللوا، هو موجود في الأربعين النووية، فهو من جملة أحاديث الأربعين النووية، أي: الذي فيه ذكر مجيء الفقراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقولهم ما قالوا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأن يسبحوا، ويكبروا، ويحمدوا دبر كل صلاة، جاء ذلك في أحاديث صحيحة، وقد أورده النووي في جملة الأربعين، ومن المعلوم أن الحافظ ابن رجب رحمة الله عليه شرح كتاب النووي، وزاد عليه ثمانية أحاديث، فصار شرحه لخمسين حديثاً من جوامع الكلم، وشرحه شرحاً وافياً بتلك الأحاديث التي جاءت في الأربعين للنووي، وفيما زاده ابن رجب عليها، وهو كتاب نفيس، والمناسبة هي كون حديث مجيء الفقراء هو موجود في أحاديث الأربعين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين والتهليل عشراً دبر كل صلاة
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه.
[حدثنا عتاب هو ابن بشير ].
صدوق يخطئ، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وقوله: (هو ابن بشير) هذه الجملة يؤتى بها حتى يميز، أو يعرف بالشخص الذي ذكر باسمه دون أن ينسب، ويكون الإتيان بهذه الجملة أو بمثل هذه الجملة ممن دون التلميذ، يعني: ممن دون علي بن حجر، فالذي قال: [هو ابن بشير] هو النسائي أو من دون النسائي، وأما علي بن حجر فهو لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان؛ لأنه شيخه ينسبه كما يريد، مثل النسائي أحياناً ينسب شيخه، ويأتي بسطر تقريباً ينسب فيه شيوخه، وفي بعض الأحيان يأتي النسائي بسطر كامل يذكر فيه نسب شيخ من شيوخه، أو قريباً من سطر، وقد حصل لـعمرو بن سواد الذي مر قريباً، فإنه ذكر أباه وجده وجد أبيه، وأحياناً يطيل، فالحاصل أن الراوي لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، كلمة (هو) يحتاج إليها من دون التلميذ، أما التلميذ فينسبه كما يريد، ويمدحه كما يريد، ويثني عليه كما يريد، أي: يقول أخبرنا الثقة، أو أخبرنا الصدوق، أو أخبرنا فلان بن فلان أبو فلان في المكان الفلاني في البلد الفلاني أو في الزمن الفلاني، يعني: يتكلم كما يريد، لكن من دون التلميذ عندما يريد أن يضيف شيئاً يوضح به ذلك الشخص، يأتي بكلمة (هو) أو (يعني ابن فلان)، حتى يعرف بأنها زيدت ممن دون التلميذ، وعندما أرادوا أن يزيدوا ما استغنوا عن كلمة (هو)، وقالوا: فلان ابن فلان؛ لأنه لو قيل: عتاب بن بشير لفهم أن الذي قال هذا هو تلميذه؛ يعني: لو ذكر في الإسناد عتاب بن بشير بدون (هو) لفهم أن الذي قاله هو التلميذ، لكن لما جاءت (هو)، عرف بأن هذا ليس من التلميذ وإنما هو ممن دون التلميذ، وهذا من دقة المحدثين وعنايتهم بتعيين الأشخاص، دون أن يكون هناك لبس، أو أن الكلام قد يضاف إلى غير قائله، أو يضاف إلى التلميذ ما لم يقله.
[عن خصيف].
هو خصيف بن عبد الرحمن الجزري، وهو صدوق، سيء الحفظ، واختلط بآخره، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.
[عن عكرمة ومجاهد].
عكرمة هو ابن عبد الله، وهو مولى ابن عباس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد تكلم فيه بشيء من التضعيف، ولكن الحافظ ابن حجر ترجم له في مقدمة الفتح ترجمة مطولة، وذكر ما قيل فيه، وحصر ما قيل فيه، وبين سلامته مما نسب إليه من تلك الأوصاف التي أضيفت إليه من كونه قد رمي ببدعة، وبغير ذلك، وبين سلامته من ذلك، وأنه ثقة، ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وترجمة الحافظ ابن حجر له في مقدمة الفتح ترجمة واسعة وافية، حصر فيها ما قيل فيه، وأجاب عن كل قول قيل فيه، وانتهى إلى أنه حجة، وأنه لا يقدح فيه.
[ومجاهد].
هو ابن جبر المكي، وهو يروي عن عكرمة وهو ثقة، إمام في التفسير والعلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
قد مر ذكره قريباً.
نوع آخر من عدد التسبيح
شرح حديث: (من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة وهلل مائة تهليلة غفرت له ذنوبه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر.أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري حدثني أبي حدثني إبراهيم يعني: ابن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن أبي الزبير عن أبي علقمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلل مائة تهليلة، غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)].
هنا أورد النسائي رحمه الله نوع آخر من عدد التسبيح، وهو يتعلق بصلاة الفجر؛ يعني: خاص بصلاة الغداة التي هي صلاة الفجر، وهو عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة، وهلل مائة تهليلة، غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)، أي: أنه يقول: سبحان الله، ولا إله إلا الله مائة مرة، وهذا عقب صلاة الغداة -أي: الفجر- غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، يعني: لكثرتها.
ومن المعلوم بأن الذي يغفر في مثل هذا -أي: فيما جاء في هذه الأحاديث وأمثاله- إنما هي الصغائر، وأما الكبائر فإنها تحتاج إلى التوبة، ومغفرتها لا بد فيها من التوبة، فالصغائر هي التي تغفر في الأعمال الصالحة، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة، أما إذا كان الإنسان مرتكب الكبائر، وهو مصر عليها، ومبق عليها، وكونه يأتي بهذه التسبيحات فلا يقال: إن هذه التسبيحات تقضي على تلك الكبائر التي هو مقترف إياها، ومصر عليها، وماكث عليها، وإنما المقصود من ذلك تلك الذنوب التي تغفر باجتناب الكبائر، ولهذا جاء في الأحاديث ما يقيد أن هذا باجتناب الكبائر، قال: (الجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له إلا الجنة)، جاء في بعضها: (ما اجتنبت الكبائر)، يعني: جاء في بعض الأحاديث ذكر المغفرة أنها ما اجتنبت الكبائر، وأيضاً جاء في القرآن الكريم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ )[النساء:31].
تراجم رجال إسناد حديث: (من سبح في دبر صلاة الغداة مائة تسبيحة وهلل مائة قوله: [أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله].هو النيسابوري، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
يروي [عن أبيه]
هو حفص بن عبد الله النيسابوري].
وهو صدوق أيضاً، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فزيادة على ابنه روى له ابن ماجه.
[حدثني إبراهيم يعني: ابن طهمان].
ثقة، يغرب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقوله: يعني: ابن طهمان، هي مثل: هو ابن بشير التي مرت قريباً، فأحياناً يأتون بكلمة (هو)، وأحياناً يأتون بكلمة (يعني)، وكلمة (يعني) هذه فعل مضارع لها فاعل ولها قائل، ففاعلها ضمير يرجع إلى حفص بن عبد الله، وفاعلها ضمير مستتر، الذي هو حفص بن عبد الله النيسابوري، وقائلها هو من دون ذلك التلميذ الذي هو حفص، إما ابنه أحمد، أو النسائي، أو من دون النسائي، فالحاصل أن كلمة (يعني) هي مثل (هو)، و(يعني) كما قلت: فعل مضارع له فاعل وهو ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، وله قائل وهو من دون التلميذ، فالمتكلم بكلمة (يعني) من دون التلميذ، والذي أريد بأنه (يعني) هو التلميذ.
[عن حجاج بن حجاج].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي علقمة].
هو الفارسي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً عنه، وقد مر مراراً وتكراراً أن المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه سبعة، وأكثر السبعة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
الأسئلة
حقيقة نسخ حديث زيد بن ثابت لحديث كعب بن عجرة في التسبيح
السؤال: هل نستطيع أن نقول: إن حديث زيد بن ثابت ناسخ لحديث كعب بن عجرة، حيث قال: (اجعلوها خمساً وعشرين). فجعلت الثلاث والثلاثين خمساً وعشرين؟الجواب: لا، ما يقال: إنه ناسخ، ولكن يقال: إن هذا حق، وهذا حق، والإنسان يأتي بهذا ويأتي بهذا، يأتي بهذا أحياناً، ويأتي بهذا أحياناً.
حكم المكث في المسجد من صلاة الفجر حتى صلاة الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ! رجل اغتسل للجمعة بعد الفجر، ثم أتى المسجد وصلى الصبح وانتظر الشروق، ثم بقي في المسجد إلى الجمعة لكي يحصل على أجر البقاء إلى الشروق، وكذلك الساعة الأولى من يوم الجمعة، فهل هذا مخالف للسنة أم ماذا مع ذكر الدليل؟الجواب: ما فيه مخالفة؛ يعني: كون الإنسان يطيل الجلوس في المسجد، وكونه يصلي، ويجلس في المسجد فكلما أكثر الإنسان من الجلوس في المسجد كلما كان خيراً له، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة.
صفة التهليل
السؤال: يسأل سائل عن صفة التهليل، ما صفة التهليل في الخمسة والعشرين؟الجواب: يقول: لا إله إلا الله.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(254)

- (باب عقد التسبيح) إلى (باب قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم)
يسُن لنا بعد الانتهاء من الصلاة عقد التسبيح باليد جبراً لما حصل من نقص في الصلاة، ولا ينبغي مسح الجبهة بعد الانتهاء منها، ويسن للإمام قعوده في مصلاه بعد التسليم في صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
عقد التسبيح
شرح حديث عبدالله بن عمرو: ( رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عقد التسبيح.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني والحسين بن محمد الذارع واللفظ له قالا: حدثنا عثام بن علي قال الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح)].
يقول النسائي رحمه الله: باب عقد التسبيح؛ أي: عقد التسبيح بالأصابع، وذلك بأن يسبح بأصابع يمينه كما قد جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو المقصود من هذه الترجمة، وأورد فيها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهذا يدلنا على أن السنة هو أن الإنسان يسبح بالأصابع، ولا يسبح بغير ذلك من المسابح أو غيرها، وإنما التسبيح بالأصابع.
ثم إن التسبيح بالأصابع -بالإضافة إلى أنه قد جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام- فيه فائدة؛ وهي أن أجزاء الإنسان تشهد يوم القيامة بما حصل منها من خير وشر، فالأيدي تشهد، والأرجل تشهد، والجلود تشهد؛ لأنه يحصل الختم على الأفواه، وتشهد الأيدي، والأرجل بما كان يعمل الناس، كما جاء ذلك في كتاب الله عز وجل، فالتسبيح بالأصابع فيه شهادة الأصابع والأيدي بما حصل منها من ذلك الذكر، أو عقد التسبيح بها.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن عمرو: ( رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني].ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وما خرج له البخاري ولم يخرج له أيضاً أبو داود في السنن، وإنما خرج له في كتابه القدر، والكتب التي أُلفت في هذا الباب التي هي الكمال، وتهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، وخلاصة التذهيب، والتذهيب، كل هذه مبنية على أن التراجم إنما هي لرجال أصحاب الكتب الستة، وليست لرجال الكتب الستة فقط، وإنما لرجال أصحابها، بمعنى: أنه يذكر رجاله في غير السنن، وإن كان أصل العمل إنما هو للكتب الستة، ولكن عندما ألفوا في تراجمها، وسعوا الأمر حتى جعلوا ذلك شاملاً لرجال أصحابها في كتبهم الأخرى، مثل أبي داود في كتاب القدر، كما هنا في محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، خرج له أبو داود في كتاب القدر وما خرج له في السنن، فالرمز له (ق.د)، أي: أبو داود في كتاب القدر.
أما الكتاب الذي هو خاص برجال الكتب الستة، ولا يتعلق برجال الآخرين الذين خُرج لهم في غيرها، فذلك كتاب الكاشف للذهبي، فهو الذي اقتصر على رجال الكتب الستة، ليس رجال أصحاب الكتب الستة كما في تهذيب الكمال وفروعه، وإنما هو خاص بالكتب؛ مثل كتاب القدر لـأبي داود ، فـمحمد بن عبد الأعلى الصنعاني ما يأتي ذكره في الكاشف؛ لأنه إنما اقتصر على رجال الكتب الستة، وليس مراده رجال أصحاب الكتب، وكتاب الكاشف هو الذي اشتمل على تراجم الكتب الستة الذين جاء ذكرهم في الكتب الستة، وما جاء ذكرهم في الكتب الأخرى؛ مثل الأدب المفرد في البخاري ، والقراءة خلف الإمام وغيرها، وخلق أفعال العباد وغيرها، فالرجال الذين يأتون فيها لا يأتي لهم ذكر في الكاشف، وإنما الكاشف مختصر على رجال الكتب الستة، فهذا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني.
[والحسين بن محمد الذارع].
صدوق، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، قال النسائي: [واللفظ له]؛ لأنه لما ذكر الشيخين عين من له اللفظ منهم، وهو أن اللفظ للأخير، فقال: [واللفظ له]، أي: لـحسين بن محمد الذارع ، وليس اللفظ لـمحمد بن عبد الأعلى الصنعاني الأول، وإنما هو للثاني، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهذه طريقة النسائي رحمه الله أنه يذكر من له اللفظ، أو ينص على من له اللفظ، يعني: غالباً، وكذلك الإمام مسلم كثيراً ما ينص على من له اللفظ؛ لأنه يذكر الحديث عن عدة مشايخ، ولكن يعين من له اللفظ منهم، أما البخاري رحمه الله فإنه لا يعين من له اللفظ، ولكنه إذا ذكر شيخين من شيوخه يروي عنهما، فإن اصطلاحه -والذي عرف بالاستقراء من صنيعه- أنه يكون للثاني منهما.
وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد عرف بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا روى الحديث عن شيخين من مشايخه، فإن اللفظ يكون للثاني منهما، وذلك أنه يذكر حديث الأول في موضع آخر من الصحيح؛ يأتي به في باب من الأبواب ليستشهد به، أو ليستدل به، ويكون لفظه مغايراً للفظ المذكور الذي ذكر مع غيره، فاللفظ هو للثاني منهما. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الفائدة في شرح حديث جابر بن عبد الله في حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر).. إلخ الحديث، فإنه عند الكلام على هذا الحديث ذكر ابن حجر هذه القاعدة للبخاري؛ وهو أنه عندما يروي عن شيخين، وهو ليس من عادته أن يبين من له اللفظ، لكن عرف بالاستقراء من صنيعه أن اللفظ للثاني منهما؛ أي: للشيخ الثاني من الشيخين المذكورين.
فإذاً: طريقة النسائي أنه غالباً يسمي، ولكنه أحياناً لا يسمي، لكن ليس مطرداً فهذه ليست له قاعدة بأنه يكون للأول أو يكون للثاني، فأحياناً يكون اللفظ الأول، وأحياناً يكون اللفظ للثاني، وإذا نص على من له اللفظ عرف الذي له اللفظ.
[حدثنا عثام بن علي].
صدوق، أخرج له النسائي، والأربعة.
[قال الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب].
هو أبو السائب ، كنيته أبو السائب وأبوه السائب، فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فمن أنواع علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية ولم يذكر في النسب، فإن ذلك صواب وليس بتصحيف؛ لأن من لا يعرف أن كنيته أبو السائب لو جاء عطاء أبو السائب لظن أن (أبو) مصفحة عن (ابن)، لكن ليست بتصحيف، ما دام أن الكنية موافقة لاسم الأب، فسواء جاء عطاء أبو السائب أو عطاء بن السائب ، كل ذلك صواب، ولا تصحيف في ذلك.
فإذاً: فائدة معرفة هذا النوع الأمن من أن يظن التصحيف فيما لو اشتهر عند أحد بالنسب ولم يعرف الكنية، فجاء ذكره مكنى ليس منسوباً، بأن قيل: عطاء أبو السائب ، يظن أن (ابن) صحفت وتحولت إلى (أبو)، وهذا هو فائدة معرفة هذا النوع، وهو الثقفي الكوفي ، وهو صدوق اختلط كما عرفنا ذلك من قبل، والطريقة في المختلط أنه إذا عرف من حدث عنه قبل الاختلاط، فهذا تقبل روايته، ولا يضر كونه مختلطاً؛ لأنه ما دام روي عنه قبل الاختلاط، فهذا الأمر واضح، وإنما الإشكال فيما إذا عرف أنه حدث عنه بعد الاختلاط، أو جهل هل حدث قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، فهذا لا يعول على روايته، ولكن إذا جاء ما يعضده، ويؤيده، ويساعده، فإنه يتقوى بذلك؛ إذا جاء شيء يعضده من الأحاديث، والأعمش لم أجد في ترجمة عطاء بن السائب في تهذيب التهذيب ذكر الأعمش في روايته قبل الاختلاط أو بعده، ولا أعلم الآن حالة رواية الأعمش عن عطاء بن السائب ، هل هي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، لكن بعض العلماء حسنوا حديثه وأثبتوه، ومنهم الألباني في كتابه صحيح السنن، فإنه ذكر من قبيل ما هو ثابت، وما هو مقبول، فيمكن أن يكون ذلك، إما أنه عرف بأنه روى عنه قبل الاختلاط، أو أنه لما يقويه ويساعده من الرواية الأخرى المتعلقة في عقد التسبيح بالأصابع، وعطاء بن السائب أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو السائب بن مالك الثقفي الكوفي ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو من الصحابة الذين رووا الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس من السبعة الذين اشتهروا بالكثرة وفاقوا غيرهم في كثرة الحديث، والذين سبق أن مر ذكرهم في الدروس الماضية، فــعبد الله بن عمرو كان مكثراً، ولكنه ليس من السبعة الذين عرفوا بالكثرة الكاثرة، وقد جاء عن أبي هريرة ما يدل على إكثاره من الرواية؛ أي: عبد الله بن عمرو ، وذلك أنه كان يكتب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما يسمع أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يكتبها، أما أبو هريرة رضي الله عنه فكان اعتماده على حفظه، وليس كاتباً رضي الله تعالى عن الجميع.
وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت من اللطائف المتعلقة بــعبد الله بن عمرو مع أبيه أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولد له ابنه عبد الله هذا وعمره ثلاث عشرة سنة، أي: أنه احتلم مبكراً، وتزوج مبكراً، وولد له في سن مبكرة رضي الله تعالى عنه.
ترك مسح الجبهة بعد التسليم
شرح حديث أبي سعيد الخدري في ترك مسح الجبهة بعد التسليم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر وهو ابن مضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الذي في وسط الشهر، فإذا كان من حين يمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين، يرجع إلى مسكنه، ويرجع من كان يجاور معه، ثم أنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح ووجهه مبتل طيناً وماء)].أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ترك مسح الجبهة بعد التسليم. ومقصوده أنه لا تمسح الجبهة، أو أنه يترك مسحها، أي: ما علق بها من تراب بسبب أثر السجود فإنه يترك ذلك بعد السلام، والحديث ليس بواضح الدلالة على الترجمة، لكنه واضح الدلالة من حيث أنه لا يمسح في داخل الصلاة، لأنه سلم وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فمعنى ذلك أنه لو كان يمسحه ما بقي، لكن كونه انصرف، وعلى وجهه أثر الماء والطين وهم يرونه لا يدل على تركه المسح، وأنه تركه ولم يمسحه، وإنما عندما انصرف ولقيهم بوجهه عليه الصلاة والسلام بعدما استقبلهم، وانصرف إليهم وانحرف إليهم، كان أثر الماء والطين على وجهه عليه الصلاة والسلام، فهذا لا يدل على ترك المسح، وإنما يدل على حصول ذلك في الصلاة، وأنه لم يسمح في الصلاة، ولكن بعد التسليم ما يدل على أنه لا يمسح، نعم يمكن أنه في الفترة التي كان متجهاً إلى القبلة، وهي مقدار ما يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. نعم ما مسحه، فبقي عليه، فإذا كان المقصود من ذلك هذه الفترة فهذا حاصل، أما إذا أريد به بعد ذلك، وأنه يتركه ولا يمسحه، فليس في ذلك دليل على الترك، إلا إذا كان في مدة مقيدة، مثل تلك المدة التي كان يبقى مستقبلاً القبلة، فالحديث ليس بواضح الدلالة على الترك مطلقاً، ولكنه واضح الدلالة على الترك في الجملة؛ من جهة أنه لما كان مستقبلاً القبلة ما مسح، والتفت إليهم وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام.
هذه هي الترجمة، وهذا هو استدلال النسائي رحمه الله على تلك الترجمة بهذا الحديث الطويل الذي جاء في آخره ذكر أثر الماء والطين على وجه رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف العشر الوسط الوتر من رمضان، ثم إنه صار يعتكف العشر الأواخر، وكان عليه الصلاة والسلام اعتكف العشر الوسط، ثم بعد ذلك لما كنت الليلة التي يخرج فيها؛ وهي ليلة واحد وعشرين؛ لأن العشر آخرها ليلة عشرين؛ لأن واحد وعشرين من العشر الأواخر، فلما كان في ليلة واحد وعشرين بقي ولم يخرج عليه الصلاة والسلام، وخطب الناس وقال: [إنني كنت أجاور]؛ أي: أعتكف، [وأنه بدا لي أن أعتكف في العشر الأواخر، فمن اعتكف معي فليمكث]، يعني: فليبقى على اعتكافه في العشر الأواخر، ثم كان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر فقط، وكان يلتمس ليلة القدر، ثم علم بأنها في العشر الأواخر، فكان اقتصاره في الاعتكاف على العشر الأواخر، وقال عليه الصلاة والسلام: [إنني كنت أُريت هذه الليلة]، أي: ليلة القدر، والمراد بالليلة، يعني العهد؛ لأنه ما قال: ليلة القدر، ولكن هنا المراد به العهد الذهني، الليلة؛ أي: ليلة القدر؛ لأن المقصود بها شيء معهود في الأذهان؛ لأن ما تقدم لليلة القدر ذكر، فالمراد به العهد الذهني، فالألف واللام للعهد الذهني، أي: الليلة المعهودة في الأذهان وهي ليلة القدر، ويأتي العهد يكون ذكرياً فيما إذا تقدم مذكور، ثم جاءت (أل) بعدها لترجع إلى المتقدم، مثل قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً )[المزمل:15-16]، فكلمة (الرسول) ترجع إلى رسولاً التي قبلها، فهذا يقال له: عهد ذكري، يعني: يرجع إلى مذكور في الكلام، ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً )[المزمل:15-16]، الرسول، الألف واللام هذه للعهد الذكري، ترجع إلى رسولاً المتقدمة، وأما إذا لم يتقدم شيء، مثل هذا الموضع الذي معنا (هذه الليلة)، أي: ليلة القدر، لأنها شيء معهود في الأذهان، ليلة القدر كان يتحراها، أو يأمل أن يحصلها عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [وقد رأيت هذه الليلة، فأنسيتها]، يعني: أخبر عنها، ثم إنه أنسيها، ثم قال: [ورأيت أنني أسجد في صبيحتها في ماء وطين]، يعني: رأى في المنام عليه الصلاة والسلام أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فحصل مطر في تلك الليلة ليلة واحد وعشرين، فوكف المسجد على مصلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فابتل، وكان يسجد، وعندما يسجد عليه الصلاة والسلام يعلق الماء والطين في جبهته، فانصرف إلى الناس من مصلاه وعلى وجهه أثر الماء والطين عليه الصلاة والسلام، فكانت تلك الليلة أو تلك السنة ليلة القدر ليلة واحد وعشرين؛ لأنها مطابقة للرؤية التي رآها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أن ليلة القدر تتنقل، وأنها ليست ثابتة في ليلة معينة لا تتقدم ولا تتأخر، هي في العشر الأواخر، وفي الأوتار أرجى، وفي ليلة سبعة وعشرين أرجى من غيرها، لكن لا يقطع بأنها هي هذه الليلة بعينها، ثم هذا الحديث مع الأحاديث الأخرى التي تدل على أنها ترجى في كل وتر، وما جاء من أن ليلة القدر أنها أرجاها التي هي سبع وعشرين، أرجى الليالي، وأنه حصل في تلك السنة أنها في ليلة واحد وعشرين، هذا يدل على أن ليلة القدر تتنقل، ولكنها في العشر فلا تخرج عنها، لا تخرج عن العشر، ولكنها لا تكون ثابتة دائماً وأبداً على ليلة واحدة لا تتقدم عنها ولا تتأخر عنها، بل تتنقل؛ لأن هذا الحديث الذي حصل، أو هذه السنة التي وقع فيها ليلة واحد وعشرين، مع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريها في العشر الأواخر، وفي أوتار العشر الأواخر، وكذلك جاء في ليلة سبع وعشرين آثار عليها بخصوصها، لا يقطع بشيء من الليالي، ولكن بعضها يكون أرجى من بعض، ولكنها كما ذكرت تتنقل لدلالة هذا الحديث الذي معنا، وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي كان أريها، وأنه كان يسجد في صبيحتها في ماء وطين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:53 PM
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في ترك مسح الجبهة بعد التسليم
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من أكبر مدن خراسان، فبغلان التي ينتسب إليها قتيبة بن سعيد هي قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، وولادته سنة مائة وخمسين، وعمره تسعون سنة، فعمر وأدرك المتقدمين؛ لأنه ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وولد فيها الشافعي، وهي سنة مائة وخمسين، والشافعي توفي سنة مائتين وأربع، وعاش قتيبة بعد الشافعي ستاً وثلاثين سنة، فعمره تسعون سنة، ولهذا أدرك المتقدمين، وهكذا يكون التفاوت بين الطبقات؛ يعني: وأنه أحياناً يكثر الإسناد بسبب كون الإنسان تطول حياته، فيدرك ما لم يدركه غيره، ويقل الإسناد، ويقل عدد رجاله، بسبب كونه يعمر بعضهم فيدرك المتقدمين، مثلما حصل للبخاري رحمة الله عليه توفي مائتين وست وخمسين، وقد حصل في صحيحه مقدار اثنين وعشرين حديثاً كلها ثلاثيات، بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، صحابي وتابعي وتابع تابعي، وهذا يحصل بمثل هذا؛ يعني: شخص يكون عمره طويل فيدرك المتقدمين، ثم يعمر ويدركه من بعده، فيقل رجال الإسناد، وأحياناً يطول؛ يعني: تكثر الرواة في الإسناد حتى يبلغ عند البخاري إلى ثمانية، وإلى تسعة في بعض الأحيان؛ يتضاعف ثلاث مرات من ثلاثة إلى تسعة، وهذا إما بتعاقب الرواة وتتابعهم، وقد يكونوا في طبقة واحدة ثلاثة؛ يعني: في طبقة التابعين يكون ثلاثة أشخاص، وطبقة الصحابة يكون شخصين وهكذا، فــقتيبة بن سعيد ولد سنة مائة وخمسين، وتوفي سنة مائتين وأربعين.
[حدثنا بكر وهو ابن مضر].
كلمة (هو ابن مضر)، هذه قالها من دون قتيبة بن سعيد ؛ إما النسائي أو من دون النسائي، ولا يقولها قتيبة؛ لأن قتيبة يذكر شيخه كما يريد، ولا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، وإنما يحتاج إليها الذي دونه عندما يأتي الإسناد، ويرى فيه شخص ذكر باسمه فقط، فيريد أن يوضحه حتى لا يلتبس بغيره، فيأتي بكلمة (هو) أو بكلمة (يعني)؛ حتى يعرف أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وهذه من عناية المحدثين ودقتهم في الرواية وفي الأمانة، وأن الواحد لا يزيد على كلام غيره، بحيث إذا ذكر التلميذ شيخه بكلمة واحدة، الذي بعده إذا أراد أن يوضح يقول: (هو ابن فلان) أو (يعني: ابن فلان)، وبكر بن مضر ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن ابن الهاد].
هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إبراهيم].
هو محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أوساط التابعين، وهو الذي روى عنه البخاري أول حديث في صحيحه؛ لأن البخاري رحمه الله أول حديث في صحيحه حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، وقد ذكر فيه ثلاثة من التابعين، واحد من كبارهم، وواحد من أوساطهم، وواحد من صغارهم؛ وهم: علقمة بن وقاص الليثي من كبار التابعين، ومحمد بن إبراهيم التيمي من أوساط التابعين، ويحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين، ثلاثة من طبقة واحدة وهي طبقة التابعين، واحد من كبارهم، وواحد من أوساطهم، وواحد من صغارهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه سابع الفقهاء السبعة، والفقهاء السبعة في عصر التابعين ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالمتفق على عدهم في الفقهاء السبعة: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع فقيل فيه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثلاثة أقوال في السابع، وستة لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، فإذا جاء في بعض المسائل: وهذه المسألة قال بها الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، فهؤلاء هم الفقهاء السبعة.
وابن القيم رحمه الله في كتابه إعلام الموقعين ذكر في أوله الذين عرفوا بالفتوى في مختلف الأقطار؛ في مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، ومصر، والشام، ذكر الذين اشتهروا بالفتوى في زمن الصحابة وزمن التابعين، وذكر جملة، ولما جاء عند المدينة وذكر جملة من فقهائها، ذكر الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتمل الثاني منهما على هؤلاء السبعة، والسابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على أحد الأقوال، وهو قول الشاعر:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
هؤلاء السبعة في البيت الثاني هم الفقهاء السبعة، والسابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن أبي سعيد الخدري].
هو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم

شرح حديث: (كان رسول الله إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)].
أورد النسائي قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم، وأورد فيه حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا صلى الغداة أو صلى الصبح قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس].
فالرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا سلم من صلاته بقي مستقبلاً القبلة مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى أصحابه، فإذاً: يكون المقصود من ذلك أنه ليس على الهيئة التي هو عليها وهو في الصلاة، يعني: ليس الهيئة أنه مستقبل القبلة؛ لأنه لا يقعد إلا مقدار ما يقول كذا وكذا، يعني: لا يقعد مستقبل القبلة، ثم يتجه إلى المأمومين ويستقبلهم ويستدبر القبلة؛ يستقبل المأمومين ويستدبر القبلة، فإذاً: ما جاء في الحديث من ذكر أنه لا يقعد في مصلاه إلا مقدار كذا، يعني: معناه أنه متجه إلى جهة القبلة، وهذا الحديث الذي معنا معناه أنه يكون في مصلاه، وإن كان ليس على الهيئة التي كان عليها وهو في الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا صلى الفجر قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[حدثنا أبي الأحوص].
هو سلام بن سليم الكوفي ، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ومعرفة المشهورين بالكنى مع معرفة أسمائهم وأنسابهم هذه مهمة؛ لأن فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بكنيته أخرى، فقد يظن هذا غير هذا، ولكن إذا عرف أن هذه الكنية لفلان فسواء جاء باسمه أو جاء بكنيته لا يلتبس على من له علم ومعرفة بهذا الأمر، توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وهي السنة التي مات فيها الإمام مالك، وقتيبة بن سعيد ولد سنة مائة وخمسين كما عرفنا، فمعناه أنه أدرك تسعاً وعشرين من حياة أبي الأحوص ، إذ أن قتيبة عمر فأدرك المتقدمين؛ يعني: أدرك الإمام مالك ، وأدرك من قبل الإمام مالك.
[عن سماك].
هو سماك بن حرب ، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر بن سمرة].
هو جابر بن سمرة بن جنادة ، وهو صحابي ابن صحابي، رضي الله تعالى عنه، وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر بن سمرة في الجلوس بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا زهير وذكر آخر عن سماك بن حرب قلت لـجابر بن سمرة : كنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه يذكرون حديث الجاهلية، وينشدون الشعر ويضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم].هنا أورد النسائي حديث جابر بن سمرة من طريق أخرى، وهو أطول من الطريق الأولى، وذلك أن جابر بن سمرة رضي الله عنه قيل له: [أنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ويتحدث أصحابه وينشدون الشعر ويضحكون، ويتبسم رسول الله عليه الصلاة والسلام]، يعني: مما يحصل منهم.
وهذا يدلنا على ما ترجم له النسائي من حيث الجلوس في المصلى حتى طلوع الشمس، ويدل أيضاً على أن التحدث في المسجد في الأمور الماضية التي فيها عبر وعظات، وتحدث الصحابة فيما كان في أمور الجاهلية، وما كانوا عليه من التفرق، وما كانوا عليه من الضلال، ثم بعث الله فيهم رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، فيتذكرون ما هم فيه من الضلال، وما هم فيه من الانحراف، ثم ما من الله تعالى به عليهم من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم؛ ليخرجهم به من الظلمات إلى النور بإذنه سبحانه وتعالى، فيتذكرون نعم الله عز وجل وفضله عليهم، وتلك النعمة العظمى التي هي أعظم النعم وهي نعمة الإسلام، وأن الله تعالى أنقذهم مما كانوا فيه من أمور الجاهلية، وهداهم الله عز وجل إلى الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك ينشدون الشعر، والذي فيه النصائح، وفيه العبر والعظات، وفيه الفوائد، وليس فيه أمور لا تصلح ولا تنبغي، فهذا يدلنا على جواز مثل ذلك، وعلى جواز إنشاد الشعر في المسجد، ولكنه الشعر الذي يكون فيه خير، وفيه نصح، وتوجيه وإرشاد، وفيه عبر وعظات، وفيه إرشاد إلى الخير، وفيه حكم، وأمور ترغب، ومن المعلوم أن الاشتغال في المسجد بقراءة القرآن أفضل وأحسن، ولكن مثل ذلك هذا الحديث يدل على جوازه، وأنه لا بأس به، ولكن كما هو معلوم غيره أولى منه، يعني قراءة القرآن أولى من الاشتغال بالشعر، ومن إنشاد الشعر، ولكن الحديث يدل على جواز ذلك، والشعر إذا شغل عن غيره فهو مذموم، ولو كان شيئاً محموداَ وشيئاً حسناً، ولهذا جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً)، لا شك أنه ليس المقصود بالشعر هنا الشعر المذموم، أو الشعر القبيح؛ لأن الشعر القبيح لو كان بيتاً واحداً فهو قبيح ومذموم، ما هو يمتلئ جوفه، ويكون كثيراً عنده شعر كثير من هذا القبيل، البيت الواحد نفسه هو سيئ إذا كان عند الإنسان، وإذا كان يعتني به الإنسان، ويتحدث به الإنسان، ويعجب الإنسان إذا كان قبيحاً، بيت واحد من الشعر هو سيء مذموم، لكن المقصود من ذلك الذي هو غير مذموم، إذا أدى إلى الشغل عما هو خير، أو الاشتغال عما هو خير، لكن إذا حصل في بعض الأحيان لا بأس بذلك، وحسان رضي الله عنه كان ينشد الشعر في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الشعر الذي كان يدافع فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي كان فيه يهجو المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم هذا الفعل الذي فعلوه وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام عليه دل على جوازه، وهذا من قبيل الإقرار؛ لأن السنة قول، وفعل، وتقرير؛ قول رسول الله عليه الصلاة والسلام وفعله، وتقريره، وهذا مثال للتقرير؛ لأنهم كانوا يتحدثون وينشدون والرسول صلى الله عليه وسلم يراهم ويتبسم، ولم ينكر عليهم، وهو عليه الصلاة والسلام لا يسكت على باطل، ولا يقر على باطل، فهو لما أقرهم علم أنه جائز، وأنه سائغ، وأنه لا بأس به.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في الجلوس بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي وهو ثقة، فاضل، مصنف، من كتبه كتاب الخراج، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية الكوفي وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(255)

- باب الانصراف من الصلاة - باب الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة
كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته ينصرف يميناً تارة وشمالاً تارة أخرى، وعلى هذا فيسن للإمام أن ينصرف بعد الانتهاء من الصلاة يميناً أو شمالاً.
الانصراف من الصلاة
شرح حديث أنس: (أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانصراف من الصلاة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن السدي قال: سألت أنس بن مالك: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه].
فيقول النسائي رحمه الله: باب كيفية الانصراف من الصلاة. أي: الانصراف عن جهة القبلة عندما يصلي الإنسان، ثم يريد أن ينصرف، هل ينصرف على يمينه أم على شماله؟ والانصراف يطلق على السلام، ويطلق على الانصراف بعد السلام، كل هذا يقال له: انصراف، يطلق على السلام أنه انصراف؛ لأنه انصراف من الصلاة أو عن الصلاة، بحيث يكون الإنسان أنهى الصلاة، وحل له كل شيء كان حرم عليه بدخوله في الصلاة، ويطلق على الانحراف عن الجهة التي كان عليها، فالإمام إذا أراد أن ينصرف إلى المأمومين، هل ينصرف على يمينه أو على شماله؟ هذا هو المقصود بالانصراف.
أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سئل: كيف ينصرف الإنسان من صلاته؟ أي: عن الهيئة التي كان عليها وهو في الصلاة مستقبل القبلة، عندما يريد أن يتحول أو ينصرف، هل يكون انصرافه إلى جهة يمينه أو إلى جهة شماله؟ فأجاب أنس بن مالك رضي الله عنه بقوله: [أما أنا فأكثر ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام ينصرف عن يمينه]، يعني: يتحول من جهة القبلة عن يمينه عليه الصلاة والسلام، وقد مر أن الإمام عندما يصلي ويسلم، يبقى في مكانه الذي صلى فيه مستقبل القبلة، مقدار ما يستغفر ثلاثاً، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ولا يبقى إلى جهة القبلة أكثر من هذه المدة التي هي مقدار ما يقول هذا الدعاء، وهذا هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وجاء في الحديث أن السدي سأل أنس بن مالك رضي الله عنه: كيف ينصرف من صلاته؟ هل عن يمينه أم عن شماله؟ فأجاب أنس رضي الله عنه بما شاهده، وعاينه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أمرين: الأمر الأول: ما كان عليه سلف هذه الأمة من معرفة السنة، وكيف يعمل الناس في صلواتهم وفي عباداتهم، وأنهم يبحثون عن السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثم أيضاً جواب أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أجاب بالدليل الذي هو فعله عليه الصلاة والسلام، هذا يدلنا أيضاً على أنهم كانوا يجيبون بالآثار، ويجيبون بالسنن، يعني: عندما يسأل الإنسان ما يقول: انصرف على يمينك، أو انصرف على شمالك، فأحياناً يكون جوابهم بذكر الدليل، ومن المعلوم أنه إذا أُتي بالدليل، هذا هو الغاية، وهذا هو المقصود، معناه: أنك تتبع هذا الهدي، وهذه السنة التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان من طريقة أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، أنهم إذا سئلوا عن حكم أجابوا بالدليل، وكان جوابهم ذكر الدليل، ومن المعلوم أن هذا فيه الجواب والزيادة، يعني: معناه أنه قال: انحرف عن يمينك؛ لأنني أكثر ما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم ينحرف عن يمينه، أو ينصرف إلى جهة يمينه عليه الصلاة والسلام.
ثم إن قوله: (أكثر ما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم)، يدل على أنه في بعض الأحيان التي هي أقل كان ينصرف عن يساره، يعني: معناه قوله: أكثر ما كان ينصرف عن يمينه، له منطوق، وله مفهوم، منطوقه أنه ينصرف عن يمينه أكثر، وينصرف عن يساره أقل، معناه: فيه انصراف من جهة اليمين وانصراف من جهة اليسار، الحديث يدل على الأمرين: الانصراف عن جهة اليمين، والانصراف عن جهة اليسار، إلا أن الأكثر الذي شاهده أنس بن مالك رضي الله عنه من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن الأكثر أنه كان ينصرف عن يمينه إلى جهة المأمومين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدلنا على جواز الأمرين، على أن كلا الأمرين سائغ، سواء انصرف عن يمينه أو انصرف عن يساره، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا وهذا، وجاء في حديث أنس هذا أن الأكثر انصرافه إلى جهة اليمين.
وفي الحديث الذي بعده عن عبد الله بن مسعود : أن أكثر ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يساره، وكل منهما دال على الأمرين، لكن يظهر التعارض بينهما من جهة الأكثرية، أنس يقول: إن الانصراف إلى جهة اليمين أكثر، وعبد الله بن مسعود يقول: الانصراف إلى جهة اليسار أكثر، والتوفيق بينهما أن كلاً منهما حكى ما شاهده وعاينه، وأن الذي ظهر له، أو الذي علمه مما شاهده وعاينه، أن هذا رأى أن هذا أكثر، وهذا رأى أن هذا أكثر، يعني: على حسب مشاهدته ومعاينته، وقيل في الجمع بينهما وجوه أخرى، يعني: وأن بعضهم أراد حالته الأولى، والثاني أراد الحالة الثانية، لكن القول الأول أو الجمع الأول هو الأظهر؛ لأن كل واحد منهما أخبر عن الذي شاهده، وعن الذي علمه من فعله عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول يفعل هذا أحياناً وهذا أحياناً، فهذا ظهر أن هذا أكثر، وهذا ظهر أن هذا أكثر، والأمر في ذلك واسع، انصرف إلى جهة اليمين، أو انصرف إلى جهة اليسار، كل ذلك فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (أكثر ما رأيت رسول الله ينصرف عن يمينه)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو ابن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكرت في درس مضى أنه من المعمرين، قد بلغ تسعين سنة، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، أي: قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة، وولادته سنة مائة وخمسين، في السنة التي مات فيها أبو حنيفة وولد فيها الإمام الشافعي، فعمره تسعون سنة، ولهذا أدرك من لم يدركه غيره لطول حياته رحمة الله عليه.
[حدثنا أبو عوانة].
أبو عوانة هذه كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، فاشتهر بكنيته أبو عوانة، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية، ويقل أو يندر أنه يأتي ذكره بالاسم، وإنما الكثير مجيئه بالكنية أبو عوانة، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو عوانة من طبقة شيوخ النسائي ، وكذلك من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وهناك أبو عوانة متأخر، وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم المسمى صحيح أبي عوانة، أو مستخرج أبي عوانة، أو مسند أبي عوانة، له ثلاثة أسماء، يقال له: صحيح؛ لأنه مستخرج على الصحيح، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مبني على صحيح مسلم، والمستخرج هو أن يروي أحاديث الكتاب بأسانيد لا يمر بها على صاحب الكتاب، وإنما يلتقي مع صاحب الكتاب بشيخه أو شيخ شيخه، يعني: معناه أنه لا يمر على مسلم في مستخرجه عندما يأتي للأسانيد، وإنما يلتقي مع مسلم بشيخه، أو شيخ شيخه، أو من فوق ذلك، وأحياناً إذا ضاق المخرج على المستخرج، لجأ إلى روايته عن صاحب الكتاب، ولهذا يأتي في الفتح كثيراً عندما يأتي الكلام على بعض الأحاديث، وأن أبا نعيم أو الإسماعيلي أو أبا عوانة ، قال: وقد ضاق مخرجه على فلان فرواه من طريق المصنف، يعني: ما وجد سبيل إلى أنه يرتفع عن المصنف، وأنه يلتقي به من فوق، فلم يجد بداً من أن يرويه عن طريق المؤلف.
[عن السدي].
هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكوفي، وهو صدوق يهم، وقد أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهذا يقال له: السدي الكبير، وهناك شخص آخر يقال له السدي الصغير، وهو محمد بن مروان صاحب التفسير المعروف الذي يأتي ذكره في التفسير كثيراً، وذاك ضعيف متهم بالكذب، وأما هذا صدوق يهم، ولكنه يذكر في رجال أصحاب الكتب الستة، ويكتب أمامه تمييز، يعني: ذكر للتميز وإلا ليس له رواية، يعني: بدل الرموز يكتب تمييز، ومعناه أنه ذكر تمييزاً حتى لا يلتبس لمن يسمى محمد بن مروان، لأن محمد بن مروان يأتي عدة فيذكرهم، وذكر من له رواية بالرموز، ومن ليس له رواية، يذكر بدل الرموز تمييز، يعني: ليس له رواية في الكتب، ولكنه ذكر للتمييز عن غيره، ويعرف بهذا أنه ليس له رواية.
وبالمناسبة جاء عطاء بن السائب الثقفي الكوفي ، وكان بعض النسخ التي ترمز رمزوا له بـالبخاري في الأدب المفرد، وبعضها رمزت له في البخاري في الصحيح مع أصحاب السنن الأربعة، وقلت فيما مضى: أن هذه الرموز أحياناً تلتبس، ويذكر شيء مكان شيء، ويظهر فيها الغلط، لكن الفيصل في هذا قلت: الرجوع إلى تهذيب الكمال للمزي، وقلت: إن المزي رحمة الله عليه في تهذيب الكمال عندما يختم الترجمة، ترجمة الشخص الذي يذكر ترجمته، يختمها بأن يذكر من خرج له بالأسماء ليس بالرموز، ففي آخر ترجمة عطاء بن السائب قال: أخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعة، وروى له الباقون سوى مسلم، معناه: أخرج له البخاري في الصحيح، ولكن متابعة ومقروناً بغيره، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة ولم يخرج له مسلم، يعني: ذكر هذا بالكلام بالحروف وليس بالرموز، يعني: بالأسماء، قال: أخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعة، وأخرج له الباقون سوى مسلم، فالإنسان إذا أراد أن يعرف من خرج لينظر آخر الترجمة، نهاية كل ترجمة يذكر هذه العبارة التي فيها: خرج له الجماعة، خرج له الترمذي ، خرج له مسلم ، خرج له أصحاب الكتب كذا.. إلخ، بالحروف وليس بالرموز، فهذا هو الفيصل، وعلى هذا فالرمز الصحيح (خ) وليس الباء والخاء، والجماعة الذين ذكروا في الصحيحين وفيهم كلام أو تكلم فيهم بشيء، الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة فتح الباري عمل لهم تراجم الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ، ترجم لهم في مقدمة الفتح على حروف الهجاء، يعني: مرتبين على حروف الهجاء، الألف ثم الباء.. إلخ، ثم يذكر، يعني: ما قيل في الشخص، ويجيب عن إخراج البخاري عنه بالجواب الذي عنده فيه، ولما جاء عند عطاء بن السائب قال: إنه مختلط، صدوق اختلط، وما روي عنه قديماً هذا صحيح، وما روي عنه بعد الاختلاط هذا غير معول عليه، وذكر الذي تحصل له من الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، ومنهم محمد بن زيد، وسفيان الثوري وجماعة، ثم قال: إن البخاري روى له حديثاً واحداً مقروناً بغيره في تفسير: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، يعني: الموضع الذي ورد فيه ذكر عطاء بن السائب في صحيح البخاري في موضع واحد في الصحيح في تفسير: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، تفسير ابن عباس للكوثر، وأنه الخير الكثير، وقد أورده في كتاب الرقاق، باب قول الله عز وجل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ )[الكوثر:1]، وذكر جملة أحاديث، ومنها الحديث الذي ذكر بإسناده عطاء بن السائب مقروناً بشخص آخر، وهذا هو الموضع الوحيد الذي جاء فيه عطاء بن السائب، وقرنه بغيره؛ لأنه من رواية شخص سمع منه بعد الاختلاط، يعني: فالعمدة على غيره وليس عليه؛ لأنه المعتمد على غيره وليس عليه، فأنا أنبه كما قلت على أنها إذا التبست الرموز بين التقريب وتهذيب التهذيب، أو غيرها من النسخ الأخرى، مثل: خلاصة التذهيب أو غيرها، فالإنسان يرجع إلى نهاية الترجمة في تهذيب الكمال للمزي الذي يذكر الأسماء بدون رموز، وإذا كان الشخص متكلم فيه، وهو من رجال البخاري ، يمكن للإنسان أن يرجع إلى مقدمة فتح الباري، ويعرف اعتذار الحافظ ابن حجر عن البخاري في إخراجه للشخص المتكلم فيه.
[سألت أنس بن مالك].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، خدمه عشر سنين، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وعمره عشر سنوات، فعمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، منذ قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو يخدمه، فخدمته إياه عشر سنوات، وكان ملازماً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكثر حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
وأنس بن مالك عمر وكان من المعمرين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا أدركه وأخذ عنه من لم يدرك الكثير من الصحابة؛ لأن أنس من صغار الصحابة، وعمر فأدركه ولقيه صغار التابعين، فكثر الآخذون عنه، وكثر الرواة عنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-17-2026, 11:59 PM
الأسانيد الرباعية عند النسائي
وهذا الإسناد رجاله أربعة أشخاص: قتيبة، وأبو عوانة، والسدي، وأنس، وهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي أربعة أشخاص، وأنزلها عشرة أشخاص، مر بنا حديث في فضل قل هو الله أحد يرويه النسائي بإسناده، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص، وقد قال النسائي عقبه: وهذا أطول إسناد علمته. ومثاله في حديث آخر من رواية قتيبة ، فهو رباعي أيضاً مثل هذا، الذي فيه قتيبة عن أبي الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة ، أربعة أشخاص، يعني: هذان الإسنادان من الأسانيد العالية عند النسائي ، وهي أعلى ما عنده، وأصحاب الكتب الستة ينقسمون إلى قسمين: قسم أعلى ما عندهم الثلاثيات، وقسم أعلى ما عندهم الرباعيات، فـالبخاري، والترمذي، وابن ماجه ، هؤلاء عندهم ثلاثيات، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي فليس عندهم ثلاثيات، وإنما عندهم الرباعيات، فالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، يعني: بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، اثنان وعشرون حديثاً في الصحيح كله، وهي أعلى ما يكون عند البخاري، وأنزل ما يكون عند البخاري تسعة أشخاص، وهذا في حديث: (ويل للعرب من شر قد اقترب)، فإن رجال إسناده تسعة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله، يعني: مثل أنزل إسناد يعتبر رجاله ضعفي الإسناد العالي عنده.
والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي فقط، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث كلها بإسناد واحد، وهو إسناد ضعيف، أما الثلاثة الباقون الذين هم: مسلم، وأبو داود، والنسائي ، فأعلى ما عندهم الرباعيات.
شرح حديث ابن مسعود: (لقد رأيت رسول الله أكثر انصرافه عن يساره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي حدثنا يحيى قال: حدثنا الأعمش عن عمارة عن الأسود قال عبد الله : لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً، يرى أن حتماً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر انصرافه عن يساره].أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه: [لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً، يرى حتماً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن يساره].
من المعلوم أن الانصراف عن جهة اليمين وعن جهة اليسار، كل ذلك حق، لكن الإنسان إذا رأى أن الشيء المندوب يكون واجباً، فيكون هذا مخالفة للسنة، والإتيان بشيء يخالف السنة، فكونه يرى وجوباً أن ينحرف عن يمينه، ما جاءت به السنة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما أوجب أن يكون انحراف الإنسان عن اليمين، ولا عن الشمال، فإذا رأى الإنسان أنه حتماً، ولازماً، وواجباً أن الإنسان ينصرف إلى جهة اليمين أو الشمال، معناه أتى بشيء ما جاءت به السنة، وكلام ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه هذا يدلنا على الحث على التزام السنن، وعدم الزيادة والنقصان، لا يغلو الإنسان ولا يجفو، ما يغلو الإنسان بحيث يتجاوز الحد، والشيء الذي ليس بواجب يقول: هو واجب، ولا يجفو بحيث يتساهل ويتهاون في السنن، ويستهين بها، ولا يحسب حساب للمندوبات.
فكلام ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه هذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من اتباع السنن، والحث على اتباع السنن، وأن الإنسان لا يتجاوز الحدود، ولا يأتي بشيء يخالف السنة، ولا يلزم نفسه بشيء ما جاءت به السنة بالإلزام به؛ لأنه رضي الله تعالى عنه، رأى أن كون الإنسان يرى أنه يلتزم شيئاً معيناً الرسول صلى الله عليه وسلم ما التزمه، ولا جاء عنه ما يدل على التزامه، معنى هذا أن هذا من عمل الشيطان، وأن هذا من كيد الشيطان، والشيطان له مداخل على الإنسان، إذا رأى الإنسان عنده تقصير، وعنده ضعف، أتاه من جهة الترغيب في الشهوات، وتحبيب المعاصي إليه؛ لأنه ما يرى عنده إقدام على العبادة، يرى عنده تقصير في العبادة، وخلل في العبادة، فيأتيه من الجهة التي هو متجه إليها، نفسه تميل إلى الشهوات يرغبه في الشهوات، ويجعله يترك الأمور المطلوبة منه، وإذا رأى الإنسان عنده إقبال على العبادة، أتاه من جهة اتجاهه، وأراد منه أن يزيد، وأن يتجاوز الحد، وأن يغلو، فالشيطان يأتي للإنسان من الجهة التي يميل إليها الإنسان، فإن كان عنده ميل إلى العبادة، وعنده رغبة في العبادة، ولا يستطيع أن يأتيه من جهة الشهوات، والوقوع في المعاصي، جاءه من جهة العبادة، يعني: يريد أن يزيد فيها حتى يبتدع، وحتى يخرج عن السنة، فيكون من جنوده، ويكون له نصيب منه، ولهذا قال رضي الله عنه: [لا يجعل أحدكم للشيطان جزءاً من نفسه، يرى حتماً عليه]، يعني: هذا هو معنى الذي أراد أن يبين كونه يجعل له جزء، يرى حتماً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، يعني: واجب عليه أن ينصرف إلا عن يمينه، فالذي يفعل هذا من تلقاء نفسه، وليس عنده فيه سنة، هذا من عمل الشيطان، وهذا من إغواء الشيطان للإنسان، وكما ذكرت الشيطان يأتي للإنسان من جهة العبادة، بأن يغلو الإنسان فيها إذا رغب عن الشهوات، وإذا رغب عن العبادة، وأقبل على الشهوات، أتاه من جهة الشهوات ورغبه فيها حتى يبتعد عن العبادة، وحتى يبتعد عن الطاعة، وهذا من باب الغلو، ومن باب إيجاب ما ليس بواجب.
وكما ذكرت في الحديث الماضي ابن مسعود يقول: رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن يساره، وأنس بن مالك يقول: رأيت أكثر ما ينصرف عن يمينه، وقد عرفنا الجواب فيما يظهر بينهما من التعارض.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (لقد رأيت رسول الله أكثر انصرافه عن يساره)
قوله: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي].هو أبو حفص عمرو بن علي الفلاس، والفلاس لقب، واشتهر به، وهو: محدث، ناقد، متكلم في الرجال، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان ، المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، كلامه في الرجال كثير جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ومعرفة الألقاب نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدته ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن الإنسان الذي ما يعرف أن الأعمش لقب، وصاحب اللقب اسمه سليمان بن مهران ، لو رأى سليمان بن مهران في موضع، ثم رأى الأعمش في موضع آخر، ظن أن الأعمش شخص آخر غير سليمان بن مهران، لكن من عرف أن سليمان بن مهران شخص محدث لقبه الأعمش ، لا يلتبس عليه، كونه يأتي الأعمش أحياناً أو يأتي سليمان بن مهران أحياناً، أو سليمان بدون نسب أحياناً، لا يلتبس عليه الأمر يعرف أنه شخص واحد، سواء ذكر باسمه أو بلقبه.
يروي [عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي].
وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، فقيه، مخضرم، والمخضرم هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام ولم ير النبي عليه الصلاة والسلام، أدرك زمن النبي ولكنه لم يظفر بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء يقال لهم: المخضرمون، قد جمعهم مسلم فبلغوا أكثر من عشرين شخصاً، منهم هذا الذي هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وكذلك شخص سيأتي قريباً، وهو مسروق بن الأجدع، وكذلك سويد بن غفلة، وكذلك المعرور بن سويد ، وكذلك أبو وائل شقيق بن سلمة، يعني: مجموعة يزيدون على عشرين هؤلاء من كبار التابعين، أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم الصنابحي اليماني عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي الذي قدم من اليمن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما كان بالجحفة بقرب رابغ في طريقه إلى المدينة، جاء ركب من المدينة فأخبروه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، وهو في الطريق إليه، ولهذا قال بعض العلماء في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، كاد يعني: ما بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير، قرب من أن يكون صحابياً، ولكنه ما تم له ذلك، وما تيسر له ذلك، وما ظفر بذلك، هؤلاء هم المخضرمون، أدركوا الجاهلية، والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من المهاجرين، ومن علماء الصحابة، ومن متقدميهم، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وبعض العلماء يعده من العبادلة الأربعة، والصحيح أنه ليس منهم، وأن العبادلة كلهم من صغار الصحابة، وأما هذا فهو من كبارهم، والعبادلة الأربعة من صغار الصحابة، وهم عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهم من صغار الصحابة.
فالمسافة طويلة بينهم، وأما العبادلة فهم متقاربون، وعبد الله بن مسعود أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة: (رأيت رسول الله يشرب قائماً وقاعداً... وينصرف عن يمينه وعن شماله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا بقية حدثنا الزبيدي أن مكحولاً حدثه أن مسروق بن الأجدع حدثه عن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً، ويصلي حافياً ومنتعلاً، وينصرف عن يمينه وعن شماله].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يشرب قائماً، وقاعداً، ولكن أكثر فعله أنه كان يشرب قاعداً، وقليلاً ما كان يشرب قائماً، وقد جاء عنه في الشرب من ماء زمزم، وجاء عن علي رضي الله عنه الإنكار على من ينكر على من يشرب قائماً، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قاعداً، وشرب قائماً، فالأفضل للإنسان أن يشرب قاعداً، لكنه إذا شرب في بعض الأحيان قائماً فإن ذلك جائز؛ لأنه جاء من فعله ما يدل على أن ما جاء في الإرشاد إلى الشرب جالساً، أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب؛ لأنه وجد ما يدل على جوازه من فعله عليه الصلاة والسلام، فدل على أن الشرب قاعداً أفضل وأولى، والشرب قائماً جائز ليس بحرام.
[ويصلي حافياً، ومنتعلاً]، أي: يصلي وعليه النعال، ويصلي ليس عليه نعال، يعني: يصلي حافياً ليس عليه نعال، ولا خفاف، ويصلي منتعلاً عليه خفاف ونعال، فكان هذا هديه عليه الصلاة والسلام، لكن مما ينبغي أن يعلم أنه إذا كانت المساجد مفروشة، ونظيفة، والدخول فيها بالنعال يترتب عليه توسيخ لها، فلا ينبغي للإنسان أن يدخل بنعاله، ويلوث الفرش بما علق بها، وإنما يصلي أحياناً فيما إذا كان فيه تراب، أو المسجد فيه تراب، أو في بر، أو ما إلى ذلك، يصلي أحياناً الإنسان منتعلاً اتباعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يفعل هذا وهذا، وعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أخبرت عنه أنه كان يصلي حافياً، ومنتعلاً.
[وينصرف عن يمينه وشماله]، يعني: من صلاته عن يمينه وشماله، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الباب، ينصرف عن يمينه، وعن شماله، كل ذلك سائغ، فحديث عائشة يدل على جواز هذا وهذا، والحديثان المرويان يدل على جواز الأمرين، إلا أن حديث أنس يقول: إن الانصراف عن اليمين أكثر، وحديث ابن مسعود يقول: الانصراف عن اليسار أكثر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (رأيت رسول الله يشرب قائماً وقاعداً... وينصرف عن يمينه وعن شماله)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الأوصاف العالية، والألقاب الرفيعة، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وراهويه قلت في درس مضى قريباً أن المحدثين يعبرون عنها براهويه، واللغويين يعبرون عنها براهويه، فالمحدثون يأتون بالتعبير بها براهويه، بسكون الواو وضم ما قبله، وفتح الياء التي بعد الواو والهاء ساكنة، وأما اللغويون فيجعلونها مختومة بويه، الواو مفتوحة والياء ساكنة والهاء بعدها ساكنة.
[حدثنا بقية].
هو بقية بن الوليد الدمشقي وهو صدوق، يدلس، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الزبيدي].
وهذه نسبة صاحبها هو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن مكحولاً].
هو الشامي ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أن مسروق بن الأجدع].
ثقة مخضرم، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين زوجة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابيات حديثاً عنه، وهي أحد السبعة أشخاص الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، ستة رجال، وامرأة واحدة.
الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة
شرح حديث عائشة: (كان النساء يصلين مع رسول الله الفجر، فكان إذا سلم انصرفن ... فلا يعرفن من الغلس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة.أخبرنا علي بن خشرم ، أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فكان إذا سلم انصرفن متلفعات بمروطهن، فلا يعرفن من الغلس].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الوقت الذي ينصرف فيه النساء من الصلاة. المراد بذلك أنهن ينصرفن بعد السلام مباشرة، النساء تنصرف والرجال يبقون، ثم بعد ذلك ينصرف الرجال بعدهن.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:03 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب السهو)
(256)

- (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف) إلى (باب إذا قيل للرجل: صليت؟ هل يقول: لا؟)
نهى عليه الصلاة والسلام عن مسابقة الإمام في الصلاة، وقد رتب على ذلك الوعيد الشديد، ويستحب لمن صلى ألا ينصرف حتى ينصرف إمامه، ويجوز للإمام أن يتخطى رقاب الناس للحاجة، كما يجوز لمن سئل: هل صليت؟ أن يقول: ما صليت.
النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة
شرح حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، قلنا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)].
يقول النسائي رحمه الله: باب النهي عن مبادرة الإمام في الانصراف من الصلاة. ومراد النسائي رحمه الله أن الإمام يجب الائتمام به، ومتابعته، وأنه لا يسابق في شيء من أعمال الصلاة من أولها إلى آخرها، ومن ذلك الخروج منها بالسلام، فإنه لا يسلم قبل سلام الإمام، وكما أنه لا يسابق الإمام في أي عمل من الأعمال فأيضاً لا يوافق، وإنما يتابع بعدما يفرغ الإمام من العمل الذي هو كونه يسلم، أو كونه يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، فإنه بعدما يفرغ من الشيء الذي عليه يتابعه المأموم، كما سبق أن مر في بعض الأحاديث، أنه قال: (إنني أسجد قبلكم وأرفع قبلكم، فهذه بتلك)، يعني: اللحظة التي سبقتكم فيها أنتم جئتم بعدي، وكذلك عند الانتهاء منها، فهم أيضاً يتأخرون تبعاً له، فتكون هذه بتلك، ومعناه: أن الفترة التي مكثوها تماثل الفترة التي مكثها الإمام، إلا أن الإمام يتقدمهم وهم يتأخرون بعده، فلا يسابقونه، ولا يوافقنه، ولا يتأخرون عنه كثيراً؛ لأن أحوال متابعة الإمام، أو الائتمام به له أربعة أحوال:
مسابقة وهي: التقدم عليه وسبقه في الأعمال. وموافقة وهي: أنه مثله تماماً، لا يتقدم عليه ولا يتأخر. ومتابعة وهي: كونه يأتي بعده مباشرة. وتأخر: وهي: أن يتخلف عنه كثيراً، فهذه الأعمال التي يؤتم بالإمام فيها، فإذا حصلت المسابقة، أو الموافقة، أو التخلف الكثير، فإن هذا لا يسوغ، وإنما الذي هو مطلوب هو المتابعة بدون موافقة وبدون تأخر.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [إني إمامكم]، ومعنى كونه (إمامهم): أنهم يأتمون به، وإلا فلماذا يتقدم الإمام ليصلي بالناس، يعني: لو كان الإنسان يصلي كما يشاء، أو يتقدم على الإمام، إذاً ما فائدة الإمام، ثم أيضاً هذا الذي يسابق الإمام، ماذا يستفيد من هذه المسابقة، كما قال بعض السلف: إذا علم الإنسان أنه لا يسلم قبل الإمام، ولا يخرج من الصلاة قبل الإمام، إذاً ما فائدة المسابقة، ومعناه: أنه إخلال في الصلاة وكون الإنسان لم يؤد الصلاة، مع أنه بمسابقته لم يخرج من الصلاة قبل الإمام، فلم يخرج منها ولم ينته منها قبل انتهاء الإمام.
إذاً: فلابد من المتابعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف]، والانصراف هو السلام والخروج من الصلاة، فهو يتابع في جميع أعمال الصلاة من بدايتها إلى نهايتها حتى الانصراف منها؛ الذي هو السلام الذي يكون به الانصراف، والذي يحصل به تحليل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، يعني: يحل للإنسان بعد التسليم ما كان محرماً عليه بعد التحريم الذي هو قول: الله أكبر؛ تكبيرة الإحرام، ويحل له ما كان محرماً عليه بعد التكبير، فيرجع الأمر إلى الحالة التي كان عليها قبل التحريم؛ يعني: قبل أن يدخل في تكبيرة الإحرام، أما بعدما أن يسلم فيعود الأمر إلى ما كان عليه، معناه: يتكلم، يشرب، يتحدث؛ لأنه خرج من الصلاة، فالصلاة بداية تحريمها هي تكبيرة الإحرام، ونهاية تحريمها التسليم.
قوله: [فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي ومن وراء ظهري]، أي: ومن خلفي، وهذا يبين أنه يطلع على ما يحصل منهم من المسابقة، وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وأطلعه على ذلك، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، يعني: كونه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من أمامه عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: [لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار]، فالجنة يحصل البكاء شوقاً، ورغبة، وحذراً من فواتها، وخوفاً من فواتها، والنار خوفاً منها، فالخوف من النار، وما فيها من الأهوال والأفزاع إذا تذكرها الإنسان فإنه يقل ضحكه، ويكثر بكاؤه، أو يحصل بكاؤه، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: [لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً]، لكنهم ما رأوا هذا ولا شاهدوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ما لم يطلعهم عليه، ولم يطلع الناس عليه؛ ليكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لهم؛ ليتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن النار والجنة لو حصلت في الدنيا ورأى ذلك الناس في الدنيا لم يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا في صلاة الكسوف لما عرضت عليه الجنة، وعرضت عليه النار وهو في الصلاة، وتقدم في صلاته، ومد يده كأنه يريد أن يأخذ شيئاً، وتأخر حتى رجع القهقرى، وسأله أصحابه: لماذا حصل؟ رأيناك تقدمت حتى كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك تأخرت، فقال عليه الصلاة والسلام: (عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فأرت أن آخذ منها عنقوداً فمددت يدي، ثم تركت، فلو أخذت منها لأكلتم ما بقيت الدنيا). يعني: هذا العنقود لو أخذ منه لأكل الناس إلى نهاية الدنيا، وذلك لعظم شأن نعيم الآخرة، لكن الرسول ترك ولم يأخذ منه شيئاً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ومن يصدق ومن لا يصدق، ومن يستعد ومن لا يستعد، ومن يتهيأ ومن لا يتهيأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما شاهده وعاينه، وأنه لو حصل لهم ما حصل له لضحكوا قليلاً ولبكوا كثيراً؛ خوفاً من النار وخوفاً من العذاب.
ولهذا عذاب القبر الله عز وجل أخفاه على الناس، وقد أطلع الله عليه نبيه عليه الصلاة والسلام، قال في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فأطلعه الله عز وجل على عذاب القبر، وأسمعه ما يجري في القبور، وأطلعه على الجنة والنار، ولم يطلع الناس، ولكنهم أخبروا بذلك؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب.
ومحل الشاهد منه قوله: [ولا بالانصراف]، هذا هو محل الشاهد للترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه مسلم في صحيحه.
[حدثنا علي بن مسهر].
ثقة يغرب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن المختار بن فلفل].
صدوق له أوهام، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أنس بن مالك].
رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد رباعي من رباعيات كتاب النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأنه علي بن حجر عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس؛ أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أعلى الأسانيد عند النسائي، وأطول الأسانيد عند النسائي عشرة، وقد مر بنا الحديث الذي فيه عشرة أشخاص في فضل سورة قل هو الله أحد في ما مضى من الأبواب، وكان بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وقال: إن هذا أطول إسناد؛ فأعلى الأسانيد عند النسائي أربعة، وأنزلها وأطولها عشرة.
وفي الدرس الماضي جاء ذكر الزبيدي الذي هو محمد بن الوليد الحمصي، وحصل كلام حول من خرج له، والذين خرجوا له هم أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وليس الجماعة، الجماعة ما خرجوا له جميعاً، فـالترمذي لم يخرج له، وإنما خرج له الستة إلا الترمذي.
ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف
شرح حديث: (... من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم كانت سادسة، فلم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال: ثم كانت الرابعة، فلم يقم بنا، فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه، وحشد الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يقم بنا شيئاً من الشهر، قال داود: قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ثواب من قام مع الإمام حتى ينصرف، ومعناه: أنه له أجر قيام الليلة إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، وهذا في صلاة الليل، أو في صلاة التراويح، أو في التهجد في رمضان.
وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل بهم في رمضان، أي: التهجد، أو قيام الليل حتى بقي سبع من الشهر، أي: في العشر الأواخر من رمضان بقي سبع، ففي هذه الليلة التي هي أول السبع خرج وصلى بهم إلى نحو ثلث الليل، وفي الليلة التي تليها لم يخرج ولم يصل بهم، وفي الليلة التي بعدها وهي الخامسة صلى بهم نحواً من شطر الليل، يعني: نصفه، ثم إنهم قالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا، يعني: واصلنا الصلاة إلى آخر الليل، فقال: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة]، معناه: أنه إذا صلى مع الإمام حتى ينتهي فإن الله تعالى يكتب له قيام ليلة إلى آخرها، يعني: يكتب له ثواب ذلك، ثم إنه لم يصل بعد ذلك في الليلة الرابعة، ولكن لما بقي ثلاث في الليلة الثالثة التي هي أولى الثلاث الباقية، قام وصلى، وحشد أهله، ودعا أهله، وصلى بهم، حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، والفلاح هو السحو؛ فلا يتمكنون من أكل طعام السحور؛ لأنهم كانوا يصلون معه عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه لم يخرج بعد ذلك، ولما راجعوه أخبرهم، قال: (خشيت أن يفرض عليكم)، والذي جاء في هذا الحديث دليل على مشروعية قيام رمضان جماعة، وأن صلاة التراويح سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها لم يكن وجودها ابتداء في عهد عمر، وإنما كان أصلها في زمنه عليه الصلاة والسلام، فصلى بهم بعض الليالي، ولكنه أفصح، وأخبر عن السبب الذي جعله لا يواصل، وأنه خشية أن يفترض عليهم؛ لأن الزمن زمن الوحي، وزمن التشريع، وهذا من نصحه، وشفقته على أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خشي أن يفرض عليها قيام الليل، وأن يفرض عليها قيام رمضان، فترك ذلك، ولكن لما جاء زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ أي: بعد زمن أبي بكر ؛ وكان سنتين وأشهراً، ومر رمضانات في خلافته، وكان مشغولاً بقتال المرتدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإعادة الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبوة، لكن لما جاء عمر وزمن عمر رضي الله عنه أعاد الناس إلى ما فعله معهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه صلى بهم صلاة الليل، وقيام رمضان، وذلك أن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم زال؛ لأن التشريع انتهى بوفاته عليه الصلاة والسلام فما بقي تشريع، فيكون مستحباً، ويكون مندوباً، ثابتاً من فعله عليه الصلاة والسلام، فـعمر رضي الله عنه جمع الناس، وجعلهم يصلون التراويح في رمضان، وليس هذا مما أحدث في زمن عمر.
وما جاء عنه أنه قال: نعمت البدعة هي، ليس المراد بها البدعة التي ليس لها أساس من الدين، وإنما المراد بها أنها بدعة من حيث اللغة، يعني: معناه أنها وجدت بعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن من حيث الشرع مستندة إلى فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يستمر عليه؛ خشية أن يفرض على الناس، فالمحذور زال بوفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا تشريع بعد وفاته ولا وحي، بل توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكمل الله تعالى به الدين، فعلم بهذا أن قيام رمضان سنة، وأن الاجتماع عليه مستحب، وذلك بفعله، وإعادة عمر الناس إليه لما زال المحذور الذي كان خشيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الفرض، وذلك شفقة منه على أمته صلى الله عليه وسلم.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث أن من قام مع الإمام حتى ينصرف في رمضان، فإنه يكتب الله له قيام ليلة، وقيام رمضان، بل قيام الليل عموماً ما حد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حداً محدوداً لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، نعم كان من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي إحدى عشر في رمضان وفي غيره، ولا ينقص عن سبع عليه الصلاة والسلام، ولكن قوله في الحديث الآخر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، يدل على أن الأمر في ذلك واسع، وأن الاقتصار على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ليس متحكماً، وليس بلازم، والزيادة عليه جائزة، وسائغة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فإذا صلى الإنسان خلف إمام يصلي التراويح، إذا كان يصلي إحدى عشر يصلي معه إحدى عشر، وإذا كان يصلي عشرين يصلي عشرين، وإذا كان يصلي أربعين يصلي أربعين، ويستمر معه حتى ينصرف؛ لكي يدخل تحت هذا الثواب، أو حتى يحصل هذا الثواب الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بقوله: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة].
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:06 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد ذكرت مراراً أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن فائدته ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية بدل النسبة، فإن الكل صواب، ولا تصحيف في ذلك؛ لأنه إسماعيل بن مسعود وإسماعيل أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا بشر وهو ابن المفضل].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (وهو ابن المفضل) هذه زادها النسائي، أو من دون النسائي، يعني: ما زادها إسماعيل بن مسعود ؛ لأن إسماعيل بن مسعود تلميذه، وهو يذكر شيخه كما يريد؛ ينسبه ويطول في نسبه، أو يقتصر في نسبه، وهو ذكره مختصراً؛ ذكر اسمه فقط، لكن من دونه النسائي أو من دون النسائي هو الذي أتى بهذه الزيادة، لكن لما أتى بها أتى بجملة تشعر بأنها ليست من التلميذ، بل هي ممن دون التلميذ، وهو ابن المفضل، فهذه قائلها من دون التلميذ، الذي قاله التلميذ بشر فقط، ومن دون التلميذ زاد هو ابن المفضل، وأتى بكلمة (وهو) حتى يعرف ذلك؛ لأنه لو أتى من دون التلميذ بقوله: بشر بن المفضل، فهم أن هذا الكلام من التلميذ، مع أن التلميذ ما قال إلا بشر فقط، فهم زادوها، ولم يأتوها بدون (هو)؛ حتى لا يضيفوا إلى التلميذ شيئاً ما قاله، واحتاجوا إلى أن يذكروها، فأتوا بشيء يميزها، وأن الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، وهذا من دقة المحدثين في تلقيهم، وأدائهم، وتحريرهم، وتدوينهم، وأنهم يأتون بمثل هذه القيود التي تبين القائل، والتي يحصل بزيادتها الإيضاح، والبيان، مع السلامة من أن يقوَّل التلميذ ما لم يقله، أو يعبر عنه بعبارة ما عبر بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب.
[حدثنا داود بن أبي هند].
ثقة أيضاً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الوليد بن عبد الرحمن].
هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جبير بن نفير].
ثقة، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين، وقد مر سابقاً ذكر اثنين من المخضرمين؛ وهم: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وسويد بن غفلة، والمعرور بن سويد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، والصنابحي هؤلاء مخضرمون، زاد عددهم على العشرين، وقد ذكرهم الإمام مسلم، ويقال لهم: المخضرمون؛ لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهم معدودون في كبار التابعين.
[عن أبي ذر].
هو أبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس
شرح حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس.أخبرنا أحمد بن بكار الحراني حدثنا بشر بن السري عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة، ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً؛ حتى تعجب الناس لسرعته، فتبعه بعض أصحابه، فدخل على بعض أزواجه ثم خرج، فقال: إني ذكرت وأنا في العصر شيئاً من تبرٍ كان عندنا، فكرهت أن يبيت عندنا، فأمرت بقسمته)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تخطي الإمام رقاب الناس، يعني: عند الحاجة إلى ذلك، وذلك بأن يكون مثلاً سيذهب إلى مصلاه ولا يجد سبيلاً إليه إلا التخطي، أو اضطر إلى الخروج فإن له أن يتخطى رقاب الناس.
وقد أورد النسائي حديث عقبة بن الحارث النوفلي رضي الله تعالى عنه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ولما انصرف من الصلاة قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس حتى دخل منزله، ففزع الناس، يعني: هذا شيء غريب، خلاف العادة، فخشوا أن يكون حصل أمر مخيف، أو يخشى منه، أو أنه نزل شيء فيهم، ففزعوا، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وأخبرهم بالشيء الذي دفعه إلى ذلك، وقال: [إني تذكرت، وأنا في الصلاة تبراً كان عندنا -والتبر هو الذهب الذي لم يسبك- قال: فأمرت بقسمته]، يعني: بادر إلى الأمر بقسمته، أي: التوكيل بقسمته؛ حتى لا يبقى عنده، وهذا الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إذا حصل شيء من ذلك في الصلاة، يعني: وجود بعض الهواجس، كونه جاء في باله هذا الأمر، ولا علاقة له بالصلاة، وليس مما يتعلق بالصلاة، فذلك لا يؤثر على الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حصل له هذا التفكير في الصلاة، وجاء على باله هذا الذهب الذي في البيت، ويريد ألا يتأخر، ويبقى دون أن يقسم، فبادر فيما ذكره وحتى لا ينساه، فبادر إلى منزله، وأمر بقسمته صلى الله عليه وسلم.
فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من التخطي عند الحاجة، ودال أيضاً على أن مثل ذلك التفكير في الصلاة لا يؤثر، ودال على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من المبادرة إلى صرف ما يكون عنده في طرقه المشروعة، وفي سبيل الله عز وجل، فإن هذا الذي كان عنده أراد ألا يبقى وأن يبيت دون أن يقسم، وما دام على باله وعلى ذكره، أراد أن يأمر بقسمته، وأن يوكل بقسمته صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن بكار الحراني].صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا بشر بن السري].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي].
ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن ابن أبي مليكة].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقبة بن الحارث].
هو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف.
يقال له: النوفلي نسبة إلى جده نوفل بن عبد مناف، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
إذا قيل لرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟
شرح حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد وهو ابن الحارث عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: (أن عمر بن الخطاب يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟ ومقصود النسائي من هذه الترجمة أن ذلك سائغ، وجاء عن بعض العلماء كراهيته، والبخاري نفسه أيضاً بوب بمثل هذا الباب، والمقصود من ذلك هو الإشارة إلى أن قول من قال: بأنه مكروه أنه ليس بصحيح، وأنه ليس على إطلاقه، والذي جاء عنه هو إبراهيم النخعي، وقيل: إن الذي كان كرهه إذا كان في انتظار الصلاة يقول: ما صلينا، معناه: تباطؤ أو استبطاء للصلاة؛ لأنه إذا كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فـالنسائي أراد أن يبين أن الكراهية مطلقاً ليست على بابها، وأنه يمكن للإنسان إذا سئل: هل صليت؟ أن يقول: لا، ما صليت، وأن مثل ذلك سائغ وجائز.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما غربت الشمس، وكان ذلك يوم الخندق، ويسب كفار قريش، ويقول: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، قال: وأنا ما صليتها، ثم نزلوا إلى بطحان وتوضئوا، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب بعد الغروب، وقد جاء في بعض الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، يعني في الخندق، وهذا يدل على أن الوسطى هي العصر، وقد اختلف فيها العلماء، لكن جاء فيها النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديث قصة الخندق، وهو الحديث الذي شغل فيه عن صلاة العصر، ولم يصلها حتى غربت الشمس، أو بعد الغروب.
والحديث دال على ما ترجم له المصنف، وذلك من قوله: [ما صليتها]، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ما صليتها]، هذا هو محل الشاهد.
والحديث دال على الترتيب بين الصلوات، وأن الصلاة الفائتة تقدم على الصلاة الحاضرة، اللهم إلا أن يخشى خروج وقت الحاضرة، فإنه يؤتى بالصلاة الحاضرة إذا خشي وقتها، ولم يتسع بقية الوقت إلا للحاضرة، فإنه عند ذلك يؤتى بها؛ لأنه لو لم يأت بها خرج وقتها وصارت مقضية، وأما ما دام أن الأمر فيه سعة لأن يؤتى بالفائتة، ثم يؤتى بالحاضرة، فلابد من الترتيب، لكن إذا خشي فوات وقت الحاضرة، فإنه يترك الترتيب، ويؤتى بالصلاة الحاضرة؛ حتى لا تكون مقضية، فتكون مؤداة غير مقضية، وبعد ذلك يأتي بالفوائت التي فاتت، وإذا كان الوقت واسعاً فإنه يأتي بالصلوات المقضية الفائتة قبل الصلاة التي حضر وقتها، ما دام أن الوقت فيه سعة، وأنه يمكن أن يأتي بالأشياء الفائتة قبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، وتوضئوا صلى بهم العصر، وهي التي قد فاتت وخرج وقتها، ثم صلى بهم المغرب التي وقتها حاضر.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟ قوله: [إسماعيل بن مسعود].قد مر ذكره قريباً.
و[محمد بن عبد الأعلى] هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد وهو ابن الحارث].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن الحارث) مثل ما مضى في ذكر ابن المفضل والذي زادها هو من دون التلميذ.
[عن هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
ويحيى بن أبي كثير هذا هو صاحب الكلمة المأثورة المشهورة التي تدل على شأن طلب العلم، والعناية به، وحفظ الوقت، وعدم الإخلاد إلى الراحة، والتي أوردها الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إليه، وذلك في أثناء الكلام على أوقات الصلوات، عندما ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق كثيرة أتى بهذا الإسناد، ثم إلى يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، معناه: أن من أراد أن يحصل شيئاً من العلم، فإنه لا يحصله بالراحة، والإخلاد إلى الراحة، وإنما يحصله بالتعب، والنصب، والمشقة، فلابد من النصب لمن يريد أن يحصل شيئاً، وهي كلمة عظيمة: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)؛ ما يحصل العلم براحة الجسم، من أراد أن يريح جسمه فلن يحصل علماً، ومن أراد أن يحصل العلم فهو الذي يتعب جسمه، وهو الذي يشغل نفسه، وهو الذي يشغل ليله، ونهاره، وتفكيره، وبصره، وقدميه في المشي إلى مجالس العلم، وإلى أهل العلم، وإلى دور العلم؛ ليحصل العلم، فـ(لا يستطاع العلم براحة الجسم) كلمة عظيمة لها شأنها، ولا شك أن الأمر كما قال رحمة الله عليه، فمن أراد أن يحصل علماً، فليبذل ما به يحصل العلم؛ يشغل وقته، يبذل ماله في سبيل تحصيل الكتب النافعة في الوصول إلى الجهات التي يحصل فيها العلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من الثقات، وهو ثقة، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع، كما سبق أن مر في دروس مضت أن المدينة فيها سبعة أشخاص في عصر التابعين اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، ستة منهم متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:09 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(257)

- باب إيجاب الجمعة
فضائل هذه الأمة عظيمة وخصائصها كثيرة، منها أنها أسبق الأمم إلى الجنة وأكثرها ثواباً، ومنها أيضاً هداية الله لهذه الأمة ليوم الجمعة، واختلاف اليهود والنصارى عنه، فصاروا تبعاً لهذه الأمة، فأضل الله اليهود والنصارى عن هذا اليوم وعظمته وخصائصه.
كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة
شرح حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الجمعة. باب إيجاب الجمعة.أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ح وابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الجمعة. لما أورد كتاب الصلاة والكتب المتعلقة به، وهي الفرائض التي أوجبها الله عز وجل في اليوم والليلة خمس مرات، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك، انتقل إلى هذا الفرض الذي يأتي في الأسبوع مرة وهو الجمعة، فهذا هو وجه إيراد الجمعة بعد إيراد الكتب المتعلقة بالصلاة، وما يتعلق بها من جماعة، وإمامة وغير ذلك؛ لأن الصلوات الخمس تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، والجمعة تأتي في الأسبوع مرة، وبعد ما فرغ مما يأتي، أو من الأحكام المتعلقة بالذي يأتي في اليوم والليلة خمس مرات، وهو الصلوات الخمس المفروضة، أتى بما يتعلق بيوم الجمعة، وهو أن الفرض في ذلك اليوم في وسط النهار الجمعة وليس الظهر، فتختلف عن بقية الأيام، فلهذا أورد كتاب الجمعة بعد الكتب المتعلقة بالصلاة.
ثم قال: باب إيجاب الجمعة، يعني: كونها واجبة على هذه الأمة، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أن أهل الكتاب أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه بعدهم، كتب الله عليهم الجمعة فاختلفوا فيه، فهدانا الله عز وجل إليه، فالناس لنا فيه تبع، اليهود يوم غد، والنصارى بغد غد)]، اليهود يعني يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.
والمقصود منه قوله: (كتب الله عز وجل عليهم)، يعني: فيه التعبير بالكتب، والكتب فيها الإيجاب، والفرض، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، وأبدلوه بغيره، وهذه الأمة هداها الله عز وجل إليه فقبلته، وثبتت عليه، واستقرت عليه، فصار لهذه الأمة التي هي خير الأمم، وهو خير أيام الأسبوع، وأفضل أيام الأسبوع، فجعله الله لهذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة خصائص كثيرة، أوصلها ابن القيم إلى ما يزيد عن أربعين خصيصة، وألف أيضاً فيه بعض المؤلفات التي تدل على فضله وعلى خصائصه، وما يتعلق بذلك اليوم الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، وخص به هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [(نحن الآخرون السابقون)]، أي: الآخرون من حيث الزمان والوجود، وغيرنا من الأمم تقدم علينا، فنحن آخر الأمم، ومع كوننا الآخرين، فنحن السابقون يوم القيامة، فيحشرون ويقضى بينهم قبل الناس، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام هو أول من ينشق عنه القبر كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع)، فتحشر هذه الأمة ويقضى بينها، وتدخل الجنة، فتكون متأخرة من حيث الزمان، ولكنها سابقة في المنزلة والدرجة، والسبق إلى الخير، والتقديم إلى الخير، [(نحن الآخرون السابقون)].
ثم إنه لما جاء ذكر السابقين قال: [(بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، يعني: اليهود، والنصارى، أهل الكتاب، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة، والإنجيل، كتابان وليس كتاباً واحداً، فالإفراد فيه ليس للوحدة وإنما هو للجنس، وكثيراً ما يأتي في القرآن ذكر الكتاب مراداً به الجنس، وليس مراداً به الوحدة أو الكتاب الواحد، كما في قول الله عز وجل: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[البقرة:177]، فالكتاب المراد به: الكتب، يعني: والكتب والنبيين، فهو جنس، وكذلك قول الله عز وجل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ )[الحديد:25]، المراد بالكتاب: الكتب، لم ينزل الله على الأنبياء كتاباً واحداً، وعلى الرسل كتاباً واحداً، وإنما أرسل عليهم كتباً، وكذلك قول الله عز وجل: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ )[المائدة:48]، أي: من الكتب، أي: مصدقاً لما بين يديه من الكتب، فيأتي لفظ (الكتاب) على لفظ الإفراد محلاً بالألف واللام، وكذلك يأتي مضافاً كما في قوله عز وجل عن مريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ )[التحريم:12]، فيأتي محلاً بالألف واللام، ويأتي مضافاً، وكل منهما يراد به الجنس، ولا يراد به الوحدة أو الكتاب الواحد، فأهل الكتاب، أي: التوراة والإنجيل، وهما كتابان، فالمراد من ذلك الجنس.
(وأوتيناه)، أي: الكتاب، وهو غير الكتابين، وإنما هو القرآن الذي أنزله الله على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، يعني: أوتوا الكتاب الذي هو: التوراة والإنجيل، ونحن أوتينا القرآن، آتاه الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فجعل نبينا خير الأنبياء، وجعل كتابه خير الكتب والمهيمن عليها، وجعل لهذه الأمة ذلك اليوم الذي هو الجمعة الذي هو خير الأيام، وأفضلها.
قوله: [(نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)]، بيد أي: مع أنهم، متقدمون في الزمان، ونحن متأخرون من حيث الزمان والوجود، إلا أننا نسبقهم يوم القيامة، ونتقدم عليهم يوم القيامة؛ لأن الله تعالى أكرم هذه الأمة بخير رسول، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، فهي الآخرة السابقة، الآخرة في هذه الدنيا، السابقة يوم القيامة، المتقدمة على غيرها يوم القيامة.
قوله: [(وهذا اليوم الذي كتبه الله عليهم)]، هذا اليوم الذي كتب الله عليهم، أي: على أهل الكتاب الذي هو الجمعة، فاختلفوا فيه، وتحولوا إلى غيره، فاليهود صار لهم السبت، والنصارى صار لهم الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة إليه.
قوله: [(فهدانا الله عز وجل)[، أي: لهذا اليوم الذي هو يوم الجمعة، فصار اليوم الذي لهذه الأمة يوم الجمعة، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فأيامهم تابعة ليومنا، وهي بعد يومنا، ونحن متأخرون عليهم في الزمان، ولكننا متقدمون عليهم في الرتبة، والمنزلة في يوم القيامة.
(فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد).
(فالناس لنا فيه تبع)، يعني: في هذا اليوم، فنحن يوم الجمعة، واليهود والنصارى بعدنا، اليهود يوم السبت الذي يلي يومنا، والنصارى يوم الأحد الذي يلي يوم النصارى.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وهذا اليوم الذي كتب الله عز وجل عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله عز وجل له يعني: يوم الجمعة)
قوله: [سعيد بن عبد الرحمن المخزومي].ثقة، أخرج حديثه النسائي، والترمذي.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، حجة، إمام، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يدلس، ولكنه لا يدلس إلا عن الثقات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو هنا غير منسوب، ويسمى المهمل في علم المصطلح، يعني: عندما يذكر الاسم ولا يذكر النسب، ويكون محتمل لأشخاص، فهو مهمل، يعني: غير منسوب، ومعرفة تعيينه يكون بالرجوع إلى الطرق الأخرى للحديث عند الأئمة، ويكون أيضاً بالرجوع إلى التلاميذ، والشيوخ، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري مقدار سبع وثلاثين سنة تقريباً في الوفاة، فـسفيان الثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، فهو متقدم، وأما سفيان بن عيينة فهو قريب من المائتين، مائة وسبع وتسعين، فبينهما مسافة طويلة، لكن من يكون معمراً فإنه يدرك، يعني سفيان الثوري، أو ممن كان في أوائل القرن الثالث يدرك سفيان الثوري.
وإذاً: فعلى هذا فالمسافة التي بين سفيان الثوري وبين سفيان بن عيينة، يكون في الغالب أنه إذا كان الشخص متأخر أنه ما أدرك سفيان الثوري، وهنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي توفي سنة مائتين وتسعة وأربعين، والثوري مائة وواحد وستين، أي: بين وفاة هذا وهذا تسع وثمانون سنة، فلا يدركه إلا إذا عمر فوق المائة، فهذا مما يعرف به كون الشخص مدرك أو ما يدرك، لكن قد نص على أنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق، ومن حيث الزمان واضح أن سعيد بن عبد الرحمن لم يدرك زمن الثوري؛ لأن بين وفاتيهما تسع وثمانون سنة، يعني: مسافة طويلة جداً، وحديث سفيان بن عيينة أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هذا لقب بلفظ الكنية، واللقب يأتي أحياناً بلفظ الكنية، ويأتي والأصل فيه أنه كنية إذا قيل: أبو فلان، أم فلان، الغالب أن هذه كنية، لكن أحياناً تأتي لقباً وليست كنية، مثل: أبي الزناد، ومثل أم المساكين زينب بنت خزيمة، يقال لها: أم المساكين لعطفها على المساكين، فهذا لقب، وأبو الزناد لقب وكنيته أبو عبد الرحمن وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، وهو: مشهور بهذا اللقب الذي بلفظ الكنية أبو الزناد، اسمه عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هذا لقب، وصاحب اللقب هو عبد الرحمن بن هرمز المدني وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وألقاب المحدثين ومعرفتها لها أهمية، وهذه الأهمية يتضح بها أو يتبين بها أن الشخص الواحد قد يظن شخصين فيما إذا لم يعرف أن هذا اللقب لصاحب هذا الاسم، فمن لا يعرف أن عبد الرحمن بن هرمز لقبه الأعرج، يظن عبد الرحمن بن هرمز شخص والأعرج شخص، لو وجد لفظ الأعرج في إسناد، ووجد بعده في إسناد آخر عبد الرحمن بن هرمز، يظن أن عبد الرحمن بن هرمز شخص وأن الأعرج شخص آخر، لكن من عرف أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر، ولهذا فإن معرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، المعروفون بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام سبعة، أكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر
أي: ابن عباس.
كالخدري وجابر وزوجة النبي
ثم هذا الإسناد الذي هو أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هذه نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وهي بإسناد واحد، ومشتملة على أحاديث كثيرة، أول الأحاديث هذا الحديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، وهناك نسخة أخرى يقال لها: نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة، وأولها أيضاً حديث: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، ونسخة همام تبلغ مائة وأربعين حديثاً كلها بإسناد واحد يفصل بين كل حديث وحديث بجملة: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ثم يقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حديثاً، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأتي: وقال رسول الله مائة وأربعين مرة، ونسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة متقاربة مع هذه النسخة، وبداية كل من النسختين هذا الحديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة).
وطريقة العلماء في الرواية من النسخ: أن جمهورهم أو أن الكثير منهم على أن المحدث يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأي حديث من الأحاديث الكبيرة ويجعله وراء الإسناد، أي: بعد الإسناد مباشرة، وهذه طريقة البخاري وغيره، وبعض العلماء يأتي بالإسناد، ثم يأتي بأول حديث الذي هو: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) هذا، ثم يأتي بالحديث الآخر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي يريد من النسخة، سواء كان من وسطها، أو من آخرها، المهم أنه يأتي بالحديث الأول يلي الإسناد، ثم يأتي بالحديث الذي يريد، ويقول: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
أما الإمام مسلم رحمة الله عليه، فإنه في صحيحه سلك مسلكاً تميز به عن غيره في الأخذ من الصحيفة، فإنه روى أحاديث كثيرة من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهي تتفق مع صحيفة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة في كثير من الأحاديث، وفي البداية الذي هو حديث الجمعة: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)، فكان من طريقته أن يسوق الإسناد، وإذا انتهى إلى آخره قال: فذكر أحاديث عن أبي هريرة، ثم يقول: فذكر أحاديث. هذه الجملة يأتي بها: فذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتي بالحديث الذي رقمه مائة أو مائة وعشرين، ويركبه على هذا الإسناد، لكنه أتى بهذه الجملة التي تبين أن الإسناد ما هو على هذه الطريقة، وإنما فيه أحاديث سابقة لهذا الذي قاله عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: فذكر أحاديث، منها: وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يريد أن يأتي به.
وصحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، هي صحيحة وبإسناد واحد، والإمام البخاري، ومسلم اختاروا من هذه الصحيفة أحاديث، واختار البخاري أحاديث انفرد بها عن مسلم، واختار مسلم أحاديث انفرد بها عن البخاري، وكلها من الصحيفة وهي بإسناد واحد، وكلها صحيحة، وهذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم ما قصدا استيعاب الصحيح، وجمع الأحاديث الصحيحة كلها؛ لأنهم لو كانوا أردوا ما تركوا شيئاً من الصحيفة، مع كونها بإسناد واحد، وهم يأخذون ويتركون، يأخذون منها ويتركون منها، مع أنها كلها بإسناد واحد، يعني: في الثبوت هي كلها ثابتة، إلا أن البخاري اختار منها أحاديث، ومسلم اختار أحاديث، واتفقوا على اختيار أحاديث تلاقوا عليها، وتركوا أحاديث منها، فلو كان البخاري، ومسلم قصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ما تركا شيئاً من هذه الصحيفة، مع أنها بإسناد واحد، هذا من أوضح ما يستدل به على أن البخاري، ومسلم رحمة الله عليهما لم يقصدا استيعاب الأحاديث الصحيحة، لم يستوعباها، ولم يقصدا استيعابها، ولهذا فالاستدراك عليهما، أو كونه يقال: فاتهما كذا وهو صحيح، لا وجه له؛ لأنهم ما التزموا حتى يفوتهم، وأوضح دليل هذه الصحيفة، صحيفة همام بن منبه، وصحيفة أبي الزناد عن أبي هريرة، فإنها بإسناد واحد، وقد أخذوا وتركوا.
[ح وابن طاوس].
كلمة (ح) هذه للتحويل، والغالب أن الإتيان بالتحويل يؤتى به بالنسبة لأسانيد المصنف، مثلما يأتي كثيراً عند مسلم، وعند البخاري، وعند النسائي، يعني يتحول الإسناد إلى إسناد، والإسناد الثاني هو للمصنف، لكن أحياناً يأتي التحويل في أعلى الإسناد، ولا يرجع إلى المصنف، ولهذا قال: وابن طاوس، وابن طاوس يعني معطوف على أبي الزناد، يعني: سفيان بن عيينة يروي عن أبي الزناد، ويروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، فالملتقى هو سفيان، أي: مبدأ الإسنادين من سفيان، وليس من أول الإسناد، وإنما هو من سفيان، وابن طاوس هو: عبد الله بن طاوس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن أبيه طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن أبي هريرة، وهو صحابي الحديث.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:12 AM
شرح حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة وعن ربعي بن حراش عن حذيفة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وحذيفة رضي الله عنه، وهو بمعنى الذي قبله: [(أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله عز وجل بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، ونحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق)]، وهذا فيه توضيح السبق والتأخر، (فنحن الآخرون في الدنيا)، أي: وجودنا متأخر عن وجودهم، ونحن السابقون يوم القيامة، يعني: نسبقهم ونتقدم عليهم، ففيه توضيح للسبق والتأخر الذي أُجمل في الحديث المتقدم، قال: (نحن الآخرون في الدنيا السابقون يوم القيامة).
قوله: [(المقضي لهم قبل الخلائق)].
وهذا أيضاً يوضح قضية السبق، وأن يوم القيامة أنه يقضى بينهم قبل الخلائق، فالخلائق يتأخرون عنهم في القضاء بينهم، وهذه الأمة هي التي تقدم على غيرها، وإذا قضي بينها فإنها تذهب إلى مكانها من الجنة أو النار، فتتقدم على غيرها، وتسبق غيرها إلى الجنة، من كان من أهل الجنة يسبق غيره من أهل الجنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أضل الله عز وجل عن الجمعة من كان قبلنا...)
قوله: [واصل بن عبد الأعلى].هو واصل بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي، ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن فضيل].
هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، وتكلم فيه من أجل التشيع، لكن جاء عنه عبارة ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح تدل على سلامته من البلاء الذي وقع فيه من وقع من الشيعة أو المتشيعين، وتلك العبارة هي قوله: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. معلوم أن الشيعة لا يترحمون على عثمان، والرافضة لا يترحمون على عثمان، وإنما يسبونه، ويشتمونه، ويصفونه بالظلم، ويصفون بخلافته وخلافة أبي بكر، وعمر بأنها جائرة، وأنها اغتصاب، فكون محمد بن فضيل الذي وصف بالتشيع، ورمي بالتشيع، وقدح فيه من أجل التشيع، كونه يقول هذه الجملة، ويقول هذه العبارة في حق عثمان، هذا يدل على سلامته، وعلى أنه على طريقة أهل السنة، وعلى منهج أهل السنة، فيقول: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. يدعو لـعثمان ويدعو على من لا يدعو لـعثمان، فهذا يدل على سلامته مما أضيف إليه ومما رمي به.
وممن رمي بالتشيع أيضاً الفضل بن دكين أبو نعيم شيخ البخاري؛ فإن الحافظ ابن حجر أيضاً نقل في ترجمته في مقدمة الفتح أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. ومن المعلوم أن سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عند الرافضة، مثل شرب الماء عندهم في السهولة، يسبونه ولا يترددون في سبه، ولهذا يعتبره بعض العلماء أنه هو المدخل إلى الصحابة، فالذي يسبه أو يجرؤ على سبه يجرؤ على سب الصحابة، وعلى سب غيره من الصحابة، فهو يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية.
الزيدية الذين هم أقل من الرافضة، وهم كلهم من أهل البدع، يتكلمون في معاوية، ويسبونه، ولا يسبون أبا بكر وعمر، لكن يسبون معاوية، وسب معاوية يكاد أن يكون قدر مشترك بين الذين حرموا أن يكونوا من أهل السنة، كل من لم يكون من أهل السنة ممن ابتلي بهذه المذاهب الخبيثة، سب معاوية هذا من أسهل الأشياء عندهم، يكاد يكون قدراً مشتركاً بينهم، يقول به أدناهم وأبعدهم، من يكون أسهل ومن يكون أشد، كلهم يلتقون عند سب معاوية، ولهذا يقول الفضل بن دكين رحمة الله عليه: ما كتبت علي الحفظة، أي: الملائكة الذين يكتبون أقوال الإنسان، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )[ق:18]، يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية، وهذا يدل على سلامته مما رمي به ومما أضيف إليه، وهو من شيوخ البخاري، بل من كبار شيوخ البخاري.

[عن أبي مالك الأشجعي].
هو سعد بن طارق الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي حازم].
هو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] رضي الله عنه.
وقد تقدم.
ثم قال: وعن ربعي بن حراش، يعني: أن هذا إسناد آخر معطوف على الذي قبله، لأن الذي قبله.. الذي يروي عن أبي حازم أبو مالك الأشجعي، فأبا مالك الأشجعي يروي من طريقين: من طريق أبي حازم عن أبي هريرة، والطريق الآخر من طريق ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، هذا طريق آخر، لكنه ما جاء بلفظ التحويل مثل الذي قبله، وهو مثله، يعني: اثنان تحويل أو التقاء إنما هو في أعلى الإسناد وليس في أوله، أي: ليس التحويل يرجع إلى أول الإسناد، وإنما إلى أعلى الإسناد أو قريب من أعلى الإسناد، وعن ربعي، يعني: أن أبا مالك الأشجعي كما أنه يروي هذا الحديث عن أبي حازم عن أبي هريرة، فهو أيضاً يرويه عن ربعي بن حراش عن حذيفة، وربعي بن حراش ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا المعافى عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جمعة بجواثى بالبحرين قرية لعبد القيس].أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في مسجد جواثى في البحرين في قرية لعبد القيس]، يعني: هذا الحديث ذكر في بعض النسخ نسخ النسائي وفي بعضها لم يذكر، وهو موجود في السنن الكبرى، وفيه: [أن أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة].
وقد اختلف العلماء في فرض الجمعة متى كان؟ هل كان في مكة أم كان في المدينة؟ فمنهم من قال: أنه في مكة، ومنهم من قال: أنه بالمدينة، وقال الحافظ ابن حجر: أنه مشهور أنه في المدينة، وهذا يدل على أنه بمكة، إن كان محفوظاً فهو واضح الدلالة على أنه بمكة. وعبد القيس، وهم ممن تقدم إسلامهم، وكانوا يسكنون البحرين، والبحرين هي جهة الأحساء وما حولها، يعني: في الاصطلاح المعروف سابقاً، وليس ما هو معروف في هذا الزمان، فإنها تشمل تلك الجهة كلها، يعني: كل ما كان قريباً من الساحل هناك يقال له: البحرين، الأحساء، وما حولها.
وقرية لبني عبد القيس، يعني: أول جمعة جمعت بعد تجميع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في تلك القرية التي اسمها جواثى، وهي اسم لقرية لبني عبد القيس، وبني عبد القيس هم من ربيعة أخو مضر بن نزار، وقد جاء في الصحيحين: مجيئهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإخبارهم بأن قولهم: بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتي إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نأخذ به، ونبلغه من وراءنا، فقال: (آمركم بالإيمان، أتردون ما الإيمان؟) ثم بين لهم تلك الأمور التي هي من الإيمان، ونهاهم عن أشياء، يعني تتعلق بآنية الخمر، والحديث في الصحيحين وفي غيرهما، وهو مشهور بحديث وفد عبد القيس، فإسلامهم متقدم، وسبقهم إلى الإسلام متقدم، وتجميعهم، أو صلاتهم الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن أول جمعة جمعت بعد جمعة جمعت مع رسول الله بمكة جمعة بجواثى ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار].هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا المعافى].
هو ابن عمران الموصلي، وهو ثقة.
[عن إبراهيم بن طهمان].
ثقة، يغرب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن زياد الجمحي].
ثقة، ثبت، ربما أرسل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
والله تعالى أعلم.
الأسئلة

رواية البخاري عن الفضل بن دكين ومحمد بن الفضل مباشرة وأحدهما بواسطة
السؤال: فضيلة الشيخ، ذكرتم من شيوخ البخاري الفضل بن دكين، وذكرت أنه من أكبر شيوخ البخاري، تقصدون الفضل بن دكين أم ابن فضيل أيضاً؟الجواب: الفضل بن دكين، هذا ابن فضيل ما أدركه البخاري، كلامنا في الشخص الثاني الذي هو: الفضل بن دكين، أما محمد بن فضيل، أنا ذكرت الثاني من أجل التشابه في الكلمتين الجميلتين التي تدل على البراءة من الرمي بالبدعة، لكن الذي هو من شيوخ البخاري هو: أبو نعيم الفضل بن دكين، وأما محمد بن فضيل فهذا ما أدركه البخاري، يعني: البخاري يروي عنه بواسطة، وهو الذي يروي عنه البخاري حديث آخر في صحيح البخاري : (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقليتان في الميزان) فإنه يرويه عنه عن محمد بن فضيل بواسطة أحمد بن إشكاب؛ لأن شيخ أحمد بن إشكاب يروي عن محمد بن الفضيل هذا، فـالبخاري يروي عنه بواسطة، وأما الفضل بن دكين أبو نعيم فهو من شيوخه الكبار.
حكم قص الحواجب إذا طالت وليس فيها ضرر
السؤال: ما حكم قص الحواجب إذا طالت وأصبحت ملفتة للنظر؟الجواب: الحواجب لا يتعرض لها الإنسان في شيء، يتركها ولا يتعرض لحاجبه. لكن إذا كان الهدب نزل على العين ويترتب عليها مضرة، يزال الضرر.
كيفية معرفة اللقب إذ جاء بلفظ الكنية
السؤال: فضيلة الشيخ، عرفنا أن اللقب قد يأتي بلفظ الكنية، فكيف يعرف ذلك؟الجواب: يعرف ذلك بالتنصيص عليه؛ لأنهم ذكروا أن هذا كنيته أبو عبد الرحمن وقالوا: يعرف بـأبي الزناد، يعني: أنه لقب له وليس كنية، لأن التكنية بالكبير من الأولاد، وقد يكنى الإنسان وهو ليس له ولد، لكن قد يكون مشهوراً بلقب على صيغة الكنية كهذا.
مدى قبول الحديث الغريب
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يقبل الحديث الغريب الحسن؟الجواب: نعم، هو قد يجتمع في الحديث أن يكون صحيحاً، وأن يكون غريباً، والصحيح فيه غرائب، صحيح البخاري، ومن غرائب الصحيح التي جاءت بإسناد واحد أول حديث في البخاري، وآخر حديث البخاري، الفاتحة والخاتمة، أول حديث فيه، وآخر حديث فيه، هما حديثان غريبان، حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، يرويه عمر بن الخطاب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:15 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(258)
- باب التشديد في التخلف عن الجمعة
بيّن الشرع الحكيم خطورة من يترك صلاة الجمعة بلا عذر أو ضرورة، إذ إن من فعل ذلك فإن الله يطبع على قلبه، ومن طبع الله على قلبه فلا يكون في قلبه إلا الشر. التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة. أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)]. يقول النسائي رحمه الله: التشديد في التخلف عن الجمعة. والمقصود من هذه الترجمة بيان ما ورد من الوعيد، وما دلت عليه الأحاديث التي أوردها من خطورة شأن التخلف عن الجمعة، وأن ذلك خطير، وأنه يورث عقوبة كبيرة وعظيمة من الله عز وجل، ويترتب عليها أضرار لا حد لها. وأورد النسائي فيه حديث أبي الجعد الضمري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهذا واضح الدلالة على ما ترجم له؛ بأن هذا تشديد وتغليظ، وبيان خطورة هذا الفعل الخطير الذي هو التخلف عن الجمعة، ثم قال: [تهاوناً]، يعني: قلة مبالاة مع عدم الاهتمام، وإن كان مقراً بها، وإن كان لا يجحدها؛ لأن من تركها جحوداً، أو ترك صلاة واحدة جحوداً، فذلك ردة، وكفر واضح لا إشكال فيه؛ لأن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فقد كفر، فمن جحد الصلاة، وأنكرها فقد كفر، لكن من تركها تهاوناً، فهذا هو الذي فيه الخطورة. وترك الصلاة تهاوناً فيه خلاف بين العلماء في تكفير من حصل منه، أو عدم تكفيره، والحديث يدل على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، والطبع على القلب عقوبة شديدة؛ لأنه إذا طبع على قلبه لا يكون فيه مجالاً للخير، وإنما لا يحصل فيه إلا الشر. وهذا الحديث يدلنا على أن من خطورة السيئة أن يعاقب عليها بالطبع على القلب، والختم على القلب، فلا يكون فيه خير، ولا مجال فيه للخير، وإنما هو شر. ثم إن الذنب الذي يحصل من الإنسان سيء، ولكن من العقوبة عليه أن يترتب عليه ما هو أخطر منه؛ وهو الطبع على القلب الذي يكون لا مجال فيه للخير، ولهذا جاء في القرآن: ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، فالزيغ هو: ميل عن الحق، وإعراض عن الحق، يترتب عليه الإزاغة، فيكون الأمر في ذلك أخطر، والأمر في ذلك أشد، زيغ يترتب عليه إزاغة عن الحق والهدى، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق، ويتقلب في الظلمات، ويحال بينه وبين الخير؛ لأنه طبع على قلبه، ((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ))[الصف:5]، وهذه من أعظم عقوبات الذنوب؛ أن يعاقب عليها بالختم على القلب. والله عز وجل يقول: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))[النور:63]. وقد جاء عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، أنه قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، (فقوله: لعله إذا رد بعض قوله)، يعني: بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيهلك بسبب ذلك، فالذنب يورث ما هو أخطر من الذنب، وهو الطبع على القلب، والختم عليه، فلا يدخله خير، ولا مجال فيه إلا للشر والعياذ بالله، وقوله: أتدري ما الفتنة؟ هي التي في قوله تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ))[النور:63]، يعني: العقوبة على مخالفة الأمر فتنة، فما هي الفتنة؟ قال: الفتنة الشرك، يعني: قد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من الذنب -الذي هو المعصية- وهو الشرك، قال: وذلك أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك بسبب ذلك؛ فإذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويقول الله عز وجل: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً))[الأحزاب:36]. فمن العقوبة على السيئة السيئة بعدها، كما أن من ثواب الحسنة أن يوفق لحسنة بعدها، الحسنة تجلب الحسنة، والسيئة تجلب السيئة، بل تجلب ما هو أخطر منها وأعظم منها والعياذ بالله. فالحاصل: أن الحديث دال على ما ترجم له المصنف من التشديد في التخلف عن الجمعة، وأن ذلك أمر خطير، وأنه أمر في غاية الخطورة؛ لأن هذا الذنب -الذي هو التخلف- يورث العقوبة عليه؛ بأن يطبع على قلب صاحبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه كلهم مباشرة وبدون واسطة، ومثل يعقوب بن إبراهيم الدورقي، محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فإن هؤلاء الثلاثة كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، فأصحاب الكتب الستة جميعاً رووا عن هؤلاء الثلاثة مباشرة، وبدون واسطة، فهؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو القطان، المحدث، الناقد، الثقة، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، يأتي ذكره كثيراً بأن يقال: ضعفه القطان، أو وثقه القطان، وقد ذكر الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وقال: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما يصيبان في قولهما، وأنه يعول على كلامهما، ويعتمد على كلامهما؛ لأنهما يصيبان الهدف فيما يقولان، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عمرو].
هو ابن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة بن سفيان الحضرمي].
هو عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة بفتح العين، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الجعد الضمري].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن اسمه: أدرع، وقيل غير ذلك، وله هذا الحديث الواحد عند أصحاب السنن الأربعة، وليس له عند البخاري، ومسلم شيء، وعند أصحاب السنن الأربعة هذا الحديث الواحد؛ وهو الذي يتعلق بالتشديد في التخلف عن صلاة الجمعة، وبيان خطورة ذلك.
شرح حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد أنبأنا ابن وهب انبأنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد عن عبد الله بن أبي قتادة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه)].هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وهو بمعنى الحديث الذي قبله، فقوله: [من ترك ثلاث جمع من غير ضرورة طبع الله على قلبه]، وقوله هنا: [من غير ضرورة]، يعني: يبين عدم التهاون الذي ذكر في الحديث الذي قبله؛ لأن هناك تركها تهاوناً، وهنا تركها من غير ضرورة، يعني: أنه تركها تهاوناً؛ لأن هذا يفيد أنه إذا كان هناك ضرورة فإنه معذور، فيعتبر من أهل الأعذار، فيما إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى ذلك، أما إذا كان من غير ضرورة، وإنما دفعه عليه التهاون، وعدم الاهتمام، وقلة المبالاة، فإنه يعاقب بهذه العقوبة العظيمة؛ وهي الطبع على قلبه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك جمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع الله على قلبه) قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أنبأنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أسيد بن أبي أسيد].
هو أسيد بن أبي أسيد البراد المديني، صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري وأبوه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو ابن صحابي، عبد الله بن أبي قتادة، فأبوه صحابي، وهو تابعي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن أبيه، وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المكثرين، والذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فـجابر هو واحد منهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا الحديث ذكر في بعض النسخ أو في هوامشها، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، ودال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من جهة بيان خطورة التخلف عن صلاة الجمعة.
شرح حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن معمر حدثنا حبان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن زيد عن أبي سلام عن الحكم بن ميناء: أنه سمع ابن عباس وابن عمر يحدثان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، وليكونن من الغافلين)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على المنبر: [لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا فيه: بيان خطورة التخلف عن الجمعة، وأنه يورث الختم على القلب، وهذا دال على ما دل عليه الذي قبله؛ لأن هناك (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، وهنا [أن من لم ينته عن ترك الجمعات، ليختمن الله تعالى على قلبه، ثم ليكونن من الغافلين]، وهذا يدلنا على خطورة التخلف عن الجمعة، وأن أمره خطير، وأنه يورث أن يختم على قلبه، والختم على القلب هو الطبع على القلب، وهو من جنس الذي قبله.
ثم ينتج عن ذلك الطبع أن يكون من الغافلين عن الله عز وجل، وعن طاعته، وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيتيه في الضلال، ويعمى عن الحق والهدى، فيتخبط في الظلمات، ولا يكون له نصيب من النور الذي تكون به الحياة.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:17 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن معمر].هو البصري البحراني، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حبان].
هو ابن هلال، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحبان بفتح الحاء وفيه حِبان، يعني: هنا ذكره حبان وغير منسوب وهو حبان بن هلال، وفيه حبان بن موسى، ومثل هذا النوع يسمى المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في اللفظ ويختلفان في النطق، فالحروف واحدة ولكن النطق مختلف، هذا بفتح الحاء وهذا بكسر الحاء، فيقال له: المؤتلف والمختلف، يعني: مؤتلف خطاً مختلف نطقاً؛ لأن الخط واحد، والفرق التمييز بين اللفظين بالشكل، فهذا من أنواع علوم الحديث يسمى: المؤتلف والمختلف، وهو ما يتفق الاسمان فيه خطاً، ويختلفان نطقاً، فـحبان هو بفتح الحاء وليس بكسرها.
ثم إن ذكر الاسم بدون النسب يسمى في أنواع علوم الحديث المهمل؛ وهو كونه يسمى ولا ينسب فيقال له: المهمل، بخلاف المبهم فهو الذي لا يسمى، ولكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو امرأة، أو شخص، أو إنسان، أو رجل آخر، أو ما إلى ذلك، فهذا يقال له: المبهم، وأما إذا ذكر اسمه ولم ينسب فإنه يقال له: المهمل.
[حدثنا أبان].
هو أبان بن يزيد العطار، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. وأبان بن يزيد العطار هو من رجال البخاري، وتكلم فيه، ولكن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته أن الإسناد إلى الذي تكلم فيه غير ثابت، فالإسناد إلى المتكلم فيه غير ثابت، وهذا يوضح لنا ويبين لنا أن العلماء اعتنوا بالأسانيد إلى الرجال، وأن كلام الرجال يروى بالأسانيد، وأنه قد يضاف إلى الرجل شيء وهو غير ثابت، وقد يضاف إلى الرجل الذي تكلم في الرجل كلام ولا يكون ثابتاً؛ لأن في الإسناد إليه من لا يعتد بحديثه، فكما أنه لا يعتد بالرجل الذي لا يحتج به إذا روى حديثاً، فكذلك لا يحتج بكلامه إذا روى خبراً عن شخص، أو أخبر عن شخص بخبر ما، بأن قال عن فلان أنه كذا وكذا، وفي الإسناد من هو ضعيف لا يعول على كلامه، فيكون ذلك الكلام الذي قيل في الشخص، والذي قدح في الشخص من أجله، لا يعتبر ثابتاً؛ لأنه ما جاء عن ثقة، وما رواه ثقة.
وهذا من عناية العلماء في الأسانيد، والرجال، والمتون، وأنه حتى كلام الرجال إذا قال فلان ثقة، أو قال فلان ضعيف يروونه بالإسناد؛ حدثني فلان، قال: حدثني فلان، أن فلان قال: فلان ثقة، أو أن فلان قال: فلان ضعيف أو أن فلان قال: فلان فيه كذا وكذا، وكثيراً ما يأتي عند الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد الكلام في الرجال يأتي بالأسانيد؛ لأنه مسند -وهو الكتاب الواسع الكبير- ذكر الأسانيد إلى الرجال في كلامهم عن الرجال؛ في توثيقهم، وتجريحهم، وما إلى ذلك.
[حدثنا يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، واليمامي نسبة إلى اليمامة، وهو صاحب الكلمة العظيمة التي رواها مسلم عنه بإسناده؛ قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان أن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فإسنادها إليه فقال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، ومعنى هذا: أن من أراد العلم فليتعب، ولينصب، وليبذل في سبيل حصوله النفس، والنفيس، ويحرص على شغل وقته به ليحصل منه ما يفيده، ويفيد غيره، وما ينفعه، وينفع غيره، فهذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير؛ لأنها كلمة عظيمة، كلمة لها وزنها ولها أهميتها، ولها دلالتها، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، وعلى أن تحصيله لا يتم إلا بالعناء، والنصب، والمشقة، ويقولون في المثل: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، أي: ملء الراحة الذي هو راحة اليد -وهو كناية عن الشيء القليل- لا يدرك بالراحة، ولكن الأشياء تحصل بالتعب، والنصب، والمشقة. وقد قيل: (من جد وجد ومن زرع حصد)، (ومن سار على الدرب وصل).
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد
ويقول الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال
أي: لو أن السيادة تحصل بلا شيء أصبح الناس كلهم سادة؛ لأن السؤدد ما دام أنه يحصل بدون مقابل، وبدون تعب، وبدون نصب، ليس هناك فرق بين أحد وأحد، لكن لما كان السؤدد لا يحصل إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ما كل يحصل السؤدد.. لكن ما كل يصبر على المشقة، وما كل يصبر على التعب، والنصب، فما يصبر على الشيء الذي يوصله إلى ما فيه الخير، وإلى ما يعود عليه بالخير.
والحاصل أن هذه كلمة تذكر إذا ذكر يحيى بن أبي كثير رحمة الله عليه، وتدل على أهمية الاشتغال بالعلم، والعناية بالعلم، والاهتمام بالعلم، وأن الإنسان يشغل وقته فيه ليحصل شيئاً ينفعه، وينفع غيره.
[عن الحضرمي بن لاحق].
هو التميمي، لا بأس به، أخرج له أبو داود، والنسائي، وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق؛ لأنها في درجتها وفي معناها، وبعض العلماء عنده اصطلاح خاص في كلمة: (لا بأس به)، وهي أنه يطلقها على الثقة، وهو يحيى بن معين، فلا بأس به عند يحيى بن معين توثيق، فهي تعادل ثقة، فإذا قال في الشخص الذي هو في القمة، وفي الشخص الذي هو مشهور بالعدالة، والحفظ، والإتقان: (لا بأس به) فالمراد به أنه ثقة، فهو اصطلاح خاص به، لكن لا بأس به المشهور عند المحدثين، وعند العلماء أنها تقال عن الثقة، وأنه بمنزلة صدوق، وهو الذي يعتبر حديثه حسناً، لأنه قل ضبطه وخف عن درجة الثقة فيقال له: صدوق، ويقال: لا بأس به، أو ليس به بأس، وحديثه يعتبر من قبيل الحديث الحسن.
ثم أيضاً هذا من الأسماء التي هي على صيغة النسب؛ يعني: أحياناً تأتي الأسماء على صيغة النسب، فالحضرمي نسب ينسب به الشخص إلى حضرموت فيقال له: حضرمي، لكن هذا اسمه الحضرمي، ليست نسبة وإنما هذا اسمه، فأحياناً تأتي الاسم على صيغة النسب، مثل الحضرمي، ومثل المكي بن إبراهيم من كبار شيوخ البخاري، فاسمه على صيغة النسب، وعلى وزن النسب وعلى صفة النسب، أي: ليس نسبة إلى مكة، فهذا الذي اسمه مكي، ليس نسباً، وإنما النسب يأتي في الآخر فلان بن فلان المكي، وأما هذا اسمه مكي بن إبراهيم، وهذا اسمه الحضرمي بن لاحق، فاسمه الحضرمي بن لاحق اسم على لفظ النسب.
[عن زيد].
هو زيد بن سلام بن أبي سلام، وجده أبو سلام اسمه ممطور، ثقة يرسل، حديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جده أبي سلام].
أبو سلام ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحكم].
هو الحكم بن ميناء، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأبو داود.
[أن ابن عباس وابن عمر].
هما عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عباس هو ابن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومثله عبد الله بن عمر؛ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادة الأربعة هم من صغار الصحابة؛ عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر -وهما في هذا الإسناد- وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهذا الإسناد من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تسعة أشخاص، أي: ليس عند النسائي أطول منه إلا العشاري الذي مر في فضل سورة: قل هو الله أحد، فقال: إن هذا أطول إسناد، وهذا الإسناد قريب منه؛ لأنه تساعي؛ لأن الإسناد محمد بن معمر يروي عن حبان بن هلال، وحبان بن هلال يروي عن أبان بن يزيد العطار، وأبان بن يزيد العطار يروي عن يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن أبي كثير يروي عن الحضرمي بن لاحق، والحضرمي بن لاحق يروي عن زيد بن سلام بن أبي سلام، وزيد بن أبي سلام يروي عن جده أبي سلام، وأبو سلام يروي عن الحكم بن ميناء، والحكم بن ميناء يروي عن شخصين، والشخصان هؤلاء يعتبرون في درجة واحدة، ما يقال: إنه عشاري؛ لأن ابن عمر، وابن عباس في رتبة واحدة وفي درجة واحدة، والحديث عنهما جميعاً، فهو يعتبر حديثين؛ لأن الحديث هو باعتبار الصحابي، فيعتبرون الحديث حديثاً باعتبار الصحابي، ولهذا هو يعتبر حديثين؛ لأنه من مسند عبد الله بن عباس، ومن مسند عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذاً: فهو تساعي باعتبار الرواية، فلان عن فلان عن فلان، والحكم بن ميناء يروي عن اثنين في طبقة واحدة، وفي درجة واحدة، فيقال له: تساعي، وليس عشارياً، وكما قلت: هذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وقد سبق أن مر بنا مراراً وتكراراً أن أعلى الأسانيد عنده الرباعيات، وأطولها العشاري.
الأسئلة
بيان قول القائل: (من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة كفر)
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو توضيح هذه العبارة: (من ترك معلوماً من الدين بالضرورة كفر) مع التمثيل؟الجواب: أولاً ليس من ترك، الصحيح من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة فإنه يكفر، يعني: مثل كون الإنسان ينكر كون الخمر حراماً، ويقول: لا، الخمر حلال، فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه. أو ينكر مثلاً الزكاة، ويقول: الزكاة ليست واجبة، وهي معلومة من الدين بالضرورة أنها واجبة، وأنها ركن من أركان الإسلام، فهذا هو معنى قوله: (من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، فإنه يكون كافراً).
لكن الترك قد يترك ولا يكون كافراً، قد لا يخرج الزكاة ولا يكون كافراً ما دام أنه لم يجحد، ولم ينكر، فإذا كان الإنسان لا يخرج الزكاة بخلاً وتكاسلاً، فلا يقال: إنه كافر، بل تؤخذ منه قهراً، ولا يحكم بكفره، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث أنه قال: (ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا جاء يوم القيامة صفحت له صفائح من نار -ثم قال-: حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، والكافر لا يرى سبيله إلى الجنة، وليس له سبيل إلى الجنة؛ لأن من حكم بكفره فلا سبيل له إلى الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال في حقه: (حتى يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار)، فالذي يقال فيه: (إما إلى الجنة، وإما إلى النار) ما يقال: إنه كافر، لكن من أنكر أمراً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، كوجوبه أو تحريمه فإنه يكون كافراً.
حكم الثمار التي تسقى بماء المجاري
السؤال: فضيلة الشيخ! لقد قمت بشراء ثمار مزرعة في منطقة الخليلي، وهذه المزرعة تسقى من مياه المجاري أكرمكم الله، فهل يؤثر ذلك على الثمار؟ وما حكم الأكل منها؟الجواب: لا يؤثر؛ لأن قضية كونه يشرب من ماء غير نظيف لا يؤثر على الثمرة، لكن كما هو معلوم النفوس تعافه، وإلا فإنه لا يكون حراماً.
مدى اعتبار الشخص عماً من الرضاعة إذا رضع من الجدة
السؤال: فضيلة الشيخ! أرضعت جدتي لوالدي طفلاً بعد وصولها سن اليأس، فهل يكون هذا الرجل عماً لي باعتباره أخو أبي من الرضاعة؟الجواب: على كل لم يكن هناك ولادة؛ يعني: بالرضاع ينتشر الحرمة، فإذا درت المرأة وهي غير ذات لبن، وليست عن ولادة، فإنه يحصل التحريم بذلك إذا رضع الرضعات المحرمة؛ وهي خمس رضعات فأكثر.
حكم خروج المرأة أثناء عدتها لقضاء الحاجات الضرورية
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة مات عنها زوجها وهي ما زالت في عدتها، فهل لها أن تخرج إذا اضطرت إلى ذلك، كأن تذهب إلى المدرسة لإجراء الاختبارات؟الجواب: نعم لها ذلك، فمثل هذه الأمور الضرورية لها أن تخرج إليها.
القول بعدم تكفير الرافضة المتوسلية بآل البيت إلا بعد مماتهم
السؤال: ما حكم الإسلام في الرافضة الذين يتوسلون بآل البيت، ويطلبون منهم قضاء الحوائج، فقد قال لي شخص طالب علم: إنهم لا يحكم بكفرهم إلا إذا ماتوا على ذلك؟الجواب: هو لا شك أن العبرة بالنهاية؛ لأن الإنسان قد يكون على حالة طيبة ثم يختم له بحالة سيئة والعياذ بالله، وقد يكون العكس؛ على حالة سيئة ثم يختم له بحالة طيبة؛ والناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام، يعني: من الناس من تكون بدايته طيبة ونهايته طيبة، يعني: ينشأ على خير.
ويستمر على خير، فيموت على خير، ومن الناس من يكون بخلاف ذلك؛ ينشأ على شر، ويعيش على شر، فيموت على شر.
ومن الناس من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، وهذا مثل السحرة الذين قتلهم فرعون، يعني: كان عمرهم كله وهم في السحر والكفر، ثم من الله عليهم بالإسلام في آخر العمر، وقتلوا وماتوا على خير، وعلى العكس من ذلك؛ من يكون عاش على خير وعلى هدى، ثم أدركه الخذلان فارتد عن دين الإسلام، ومات على الردة، فهذه هي أحوال الناس بالنسبة للبدايات والنهايات.
والعبرة هو بما يموت عليه الإنسان، ولهذا كان من طريقة ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: أنه إذا ذكر شخصاً عنده شيء يقتضي كفره، أو كلاماً يكون في شخص كافر معروف كفره ومعلوم كفره، فإنه إذا لعنه يقيد ذلك بالنهاية والموت على ذلك.
وأذكر مثالين في البداية والنهاية: أحدهما: أن نصرانياً أنشأ قصيدة طويلة يذم فيها الإسلام، ونبي الإسلام، وأهل الإسلام، وقد أوردها ابن كثير في البداية والنهاية، وأورد قصيدة لـابن حزم أطول منها رداً على النصراني في هذه القصيدة التي يتكلم فيها في الإسلام يذم هذا النصراني ويرد عليه بقصيدة طويلة، فلما ذكر ابن كثير قصيدة النصراني قال: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً. فأتى بهذا القيد؛ لأنه قد يكون على كفر، ولكن يختم له بخير، هذا المثال الأول.
المثال الثاني: لما جاء في ترجمة أبي نصر الفارابي في البداية والنهاية، قال: مما جاء عنه أنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول: بمعاد الأرواح، أي: الأرواح تعاد والأجساد لا تعاد، فعقب عليها بقوله: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:21 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(259)
- (تابع باب التشديد في التخلف عن الجمعة) إلى (باب إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة)
تجب صلاة الجمعة على المكلف إذا بلغ، وكفارة من ترك الجمعة بدون عذر التصدق بدينار أو بنصفه، وللجمعة فضائل وأعمال لا سيما الإكثار من الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام فيها.
تابع التشديد في التخلف عن الجمعة
شرح حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشديد في التخلف عن الجمعة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا الوليد بن مسلم حدثني المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس عن بكير بن الأشج عن نافع عن ابن عمر عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)].
هذا الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، أورده النسائي في التشديد في التخلف عن الجمعة، وقد مر بعض الأحاديث المتعلقة بالتشديد في التخلف عن الجمعة، وهي واضحة في الترجمة من جهة أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه، وقوله: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وكلها واضحة الدلالة على الترجمة؛ لأن في ذلك تشديداً وفي ذلك ترهيباً، وبياناً لخطورة التخلف عن الجمعة.
وهنا أورد النسائي هذا الحديث؛ وهو: [رواح الجمعة واجب على كل محتلم]، ومعنى ذلك أن الذهاب إلى الجمعة لازم متحتم على كل محتلم، فإذا أخل في ذلك، وتخلف عن الإتيان بهذا الواجب المتحتم فإنه يأثم، ويعرض نفسه لسخط الله ومقته، ففيه وجه لما ترجم له المصنف، لكن الأحاديث السابقة هي التي أوضح في التشديد، أو أوضح في الترجمة؛ لأن فيها بيان خطورة التخلف، وأنه يترتب عليها الختم على القلب، أو الطبع على القلب.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، المراد بالمحتلم: البالغ الذي بلغ الحلم، وهو التكليف وصار مكلفاً، ومن المعلوم أن الإنسان قد يبلغ الحلم قبل سن الخامسة عشرة، وذلك بأن يحصل له الاحتلام والإنزال، فيكون ذلك دلالة على وصوله سن البلوغ.
وقوله: [واجب على كل محتلم]، يدل على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة، ومن المعلوم أن الجمعة والجماعة هي من خصائص الرجال من حيث الوجوب، والنساء إذا حضرت الجمعة والجماعة فإن لها أن تحضر، وتؤدي فرضها بهذا الحضور الذي حضرته، لكن ليست الجمعة ولا الجماعة واجبة عليها، وإنما الوجوب واللزوم على كل محتلم، ومفهومه أن الصغير لا تجب عليه الجمعة، ولكنه يؤمر بها كغيرها من الصلوات الأخرى التي قال عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، فالوجوب شيء، والأمر بها لكون الإنسان يعتادها ويألفها، ويكون على علم ومعرفة بها قبل أن يصل إلى سن التكليف، هذا شيء آخر، والوجوب إنما هو لمن بلغ الحلم.
وإذا بلغ الإنسان أو أكمل خمسة عشر سنة فإنه يكون بالغاً، وإذا حصل له الاحتلام قبل ذلك فإنه يكون بالغاً، وكذلك إذا حصل الإنبات في الشعر الخشن حول القبل، فإنه يكون بذلك بالغاً. فهذه من علامات البلوغ وأمارات البلوغ التي يكون بها التكليف، ويكون بها الإنسان قد خرج من كونه غير مكلف إلى كونه مكلفاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا الوليد بن مسلم].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، يعني: مدلس تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني المفضل بن فضالة].
هو ابن عبيد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عياش بن عباس].
هو عياش بن عباس المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن بكير بن الأشج].
هو بكير بن عبد الله بن الأشج ينسب إلى جده، فهنا هو منسوب إلى جده وإلا فأبوه عبد الله، وهو أيضاً مصري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عن الجميع، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
[عن حفصة].
هي أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وبنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها، وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
كفارة من ترك الجمعة من غير عذر
شرح حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد بن هارون حدثنا همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار)].
هنا أورد النسائي باب كفارة من ترك الجمعة من غير عذر، والمقصود من هذه الترجمة أن من تركها بعذر فهو معذور ولا شيء عليه، والحديث الذي مر قبل هذا: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم)، عام في كل مكلف، إلا أنه يخص منه من كان معذوراً في ترك الجمعة، وفي التخلف عن الجمعة، وهذه الترجمة فيها بيان كفارة من ترك الجمعة من غير عذر.
وقد أورد فيه حديث سمرة بن جندب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فمن لم يجد فبنصف دينار]، فالكفارة التي دل عليها هذا الحديث هي دينار إن كان واجداً، وإن كان غير واجد للدينار فإنه يتصدق بنصف الدينار، لكن الحديث الذي فيه هذا الحكم وهو الكفارة بحق من ترك صلاة الجمعة متعمداً غير ثابت؛ لأن في إسناده قدامة بن وبرة، وهو مجهول، فهو غير ثابت.
ويضاف إلى الجهالة في الإسناد النكارة في المتن، وهو كونه ترك أمراً خطيراً، وأمراً عظيماً؛ التي هي الجمعة يكفيه أن يتصدق بدينار، أو بنصف دينار، ويكون ذلك كفارة له، فهذا فيه نكارة من حيث المعنى، بالإضافة إلى الضعف في الإسناد، وكون فيه رجلاً مجهولاً وهو قدامة بن وبرة، ففيه: النكارة في المتن، وأن الإنسان إذا أتى بالكفارة أنها تكفر ذلك العمل الخطير الذي تركه، وهو كونه ترك الجمعة من غير عذر، مثل هذا لا يكفره دينار، ولا غير دينار، فالمتن فيه نكارة، والسند فيه رجل مجهول، فالحديث غير ثابت.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا يزيد بن هارون].
ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا همام].
هو ابن يحيى بن دينار البصري، وهو ثقة، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قدامة بن وبرة].
مجهول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن سمرة بن جندب].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا نصر بن علي أنبأنا نوح عن خالد عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ترك الجمعة متعمداً فعليه دينار، فإن لم يجد فنصف دينار)، وفي موضع آخر ليس فيه: متعمداً].هنا أورد النسائي حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله أن من ترك صلاة الجمعة متعمداً فيتصدق بدينار، وإن لم يجد يتصدق بنصف دينار، والحديث من الأحاديث التي وجدت في هامش بعض النسخ، وقد رواه ابن ماجه في سننه بهذا الإسناد نفسه الذي هو إسناد النسائي، وذكر الشيخ الألباني أنه ضعيف، وذكر أن فيه انقطاعاً كما قال المنذري، ولعل الانقطاع المراد به رواية الحسن عن سمرة، فإن رواية الحسن عن سمرة اختلف فيها، هل سمع الحسن من سمرة، أو أنه حديثه عنه مرسل؟ وفيه ثلاثة أقوال لأهل العلم، منهم من قال: إنه لم يسمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع منه مطلقاً، ومنهم من قال: إنه سمع حديث العقيقة دون غيره، وهذا هو الذي ذكره النسائي كما سيأتي بعد بابين أو ثلاثة، فإنه قال: إن الحسن لم يسمع من سمرة بن جندب إلا حديث العقيقة، ففيه الانقطاع، وقد ذكر هذا الشيخ الألباني في التعليق على المشكاة، والحديث في سنن ابن ماجه بنفس الإسناد الذي عند النسائي هنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، يعني: اسمه واسم أبيه يوافق اسم جده وجد أبيه، يعني: اسمان مكرران، نصر بن علي بن نصر بن علي، فهو حفيد للذي قبله؛ لأن من الرواة الذين خرج لهم نصر بن علي الجهضمي وحفيده نصر بن علي، فهو نصر بن علي بن نصر بن علي اسمان مكرران، ومثله خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، يأتي أحياناً بعض الأسماء تكرر، يعني: اسم الرجل واسم أبيه مع اسم جده وجد أبيه؛ فيتفق اسم الراوي مع اسم جده، واسم أبيه مع اسم أبي جده، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا نوح].
هو نوح بن قيس البصري، وهو صدوق، رمي بالتشيع، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن خالد].
هو خالد بن قيس، وهو أخو نوح بن قيس فيروي عن خالد بن قيس، وهو صدوق يُغرب، وقد أخرج حديثه مسلم، والترمذي في الشمائل، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ولا الترمذي في السنن، وإنما خرج له في كتاب الشمائل.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، المحدث، المشهور، محدث، فقيه، ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمرة بن جندب].
قد مر ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:24 AM
ذكر فضل يوم الجمعة
شرح حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر فضل يوم الجمعة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يونس عن الزهري حدثنا عبد الرحمن الأعرج: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل يوم الجمعة، وأورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها]، فالحديث دال على الترجمة؛ لأنه قال: [خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة]، وهذا يدل على فضله، وأنه أفضل الأيام، وهذا بالنسبة لأيام الأسبوع، وأما بالنسبة لأيام العام فأفضلها يوم عرفة، وصوم يوم عرفة لغير أهل عرفة هو آكد صيام التطوع، وأفضل صيام التطوع، وهو يكفر السنة الماضية والسنة الآتية، كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا وافق يوم عرفة يوم جمعة تجتمع الفضيلتان؛ فضيلة يوم عرفة الذي هو أفضل الأيام، وفضيلة يوم الجمعة الذي هو أفضل أيام الأسبوع.
والنبي عليه الصلاة والسلام بين شيئاً من خصائصه، فقال: [فيه خلق آدم]، فإن أبا البشر آدم عليه الصلاة والسلام خلق يوم الجمعة، ودخوله في الجنة كان يوم الجمعة، وإخراجه منها كان يوم الجمعة، وقيام الساعة يكون يوم الجمعة، ففيه: بداية خلق الإنسان، ونهاية الإنسان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة كما جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخصائص الجمعة كثيرة ذكرها ابن القيم في كتابه زاد المعاد في أوله، وقد أوصلها إلى ما يزيد على أربعين خصيصة وفضيلة، وهي كلها تتعلق في هذا اليوم، وقد أُلف فيه بعض الكتب الخاصة بفضائل يوم الجمعة، والحديث دال على فضل الجمعة؛ لأنه قال: [إنه خير يوم طلعت عليه الشمس]، ومما يجري فيه أن خلق أبي البشر كان فيه، ونهاية وجود البشر في هذه الحياة الدنيا إنما يتم يوم الجمعة وينتهي يوم الجمعة، فالساعة تقوم يوم الجمعة، فلا تقوم في أيام الأسبوع الأخرى، ولكن في أي شهر؟ وفي أي عام؟ لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن الساعة، إما أن يجيب بعدم علمه بها، أو يجيب بأمارة من أماراتها، أو شيء من العلامات التي تكون قبلها، أو يصرف النظر إلى ما هو أهم من ذلك كما في الرجل الذي سأله قال: (متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها حب الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب)، وإنما الذي جاء في يوم الجمعة أنها فيه تقوم الساعة، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق.
ولهذا كان من الأمور المشروعة في يوم الجمعة أنه يقرأ: ألم السجدة، وهل أتى على الإنسان في صبيحتها، وفي فجر يومها؛ وذلك لأنها مشتملة على بدء الخلق ونهاية الخلق، ففي ذلك تذكير بالمبدأ، والمعاد؛ لأن هذا اليوم كانت فيه بداية خلق البشر، وفيه نهاية البشر، فقراءة الإنسان لهاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، فيه استذكار لما حصل في يوم الجمعة، ولما يحصل في يوم الجمعة في المستقبل، لما حصل في الماضي في يوم الجمعة من خلق آدم أبي البشر، ولما يحصل في المستقبل من قيام الساعة في يوم الجمعة، كما أخبر بذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ...)
قوله: [سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، ولقبه الشاه، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وهو يروي هنا عن عبد الله غير منسوب، والمراد به عبد الله بن المبارك المروزي، فكلما جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله مهمل غير منسوب، فالمراد به عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهما مروزيان.
وعبد الله بن المبارك المروزي ثقة، ثبت، حجة، إمام، مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب بعدما ذكر جملة من خصاله الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وبعض العلماء قال: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، يعني: أنه بلغ الغاية في التوثيق، يعني: ثقة قليلة في حقه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، فيلتقي نسبه مع نسب النبي عليه الصلاة والسلام بـكلاب الذي هو والد قصي.. الذي من سلالته النبي صلى الله عليه وسلم، وزهرة الذي منه الزهري، فينسب إليه يقال: الزهري، نسبة إلى جده زهرة بن كلاب.
وينسب أيضاً إلى جده شهاب الذي هو جد جده، الذي هو عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو إمام متفق على جلالته، وإمامته، وإتقانه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.
وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقد قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
أي: أمره بذلك عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته رحمة الله عليه.
[عن عبد الرحمن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج لقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، فأحياناً يذكر بلقبه فقط وهو الأعرج، وأحياناً باسمه ونسبته عبد الرحمن بن هرمز، وأحياناً يجمع بين اسمه ولقبه فيقال: عبد الرحمن الأعرج، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة
شرح حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي: يقولون: قد بليت، قال: إن الله عز وجل قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام شرعت في مواضع؛ منها يوم الجمعة، وليلة الجمعة، ومنها بعد الأذان، ومنها عند دخول المسجد والخروج منه، وعند ذكره، فكلما يذكر صلى الله عليه وسلم يصلى ويسلم عليه، عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في بعض الأحاديث: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي)، صلى الله عليه وسلم، فيصلى ويسلم عليه صلى الله عليه وسلم دائماً وأبداً، ويكثر من الصلاة والسلام عليه، ولكن جاء في السنة في مواضع يصلي عليه فيها كما أشرت إلى بعضها.
فأورد النسائي هذه الترجمة وهي: إكثار الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، وأورد فيها حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: [إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء].
ومحل الشاهد هنا قوله: (فأكثروا من الصلاة علي)، وهذا يدلنا على الأمر أو الحث على إكثار الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في يوم الجمعة، وليلة الجمعة، والحديث فيه ما في الذي قبله من جهة خيريته، إلا أن هنا قال: [من أفضل أيامكم]، والحديث الأول قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس)، وهو دال على فضل يوم الجمعة، ودال أيضاً على ما دل عليه الذي قبله من جهة أنه خلق فيه آدم، وفيه قبض، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، فكل ذلك حصل يوم الجمعة، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فالنفخة التي هي النفخ الذي يكون فيه البعث، وموت من كان على قيد الحياة في ذلك الزمان، فإن الساعة تقوم يوم الجمعة، وينفخ في الصور يوم الجمعة، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )[الزمر:68].
ففيه نفخة الموت التي هي نفخة الصعق، ونفخة البعث التي هي النفخة الثانية، ففيه بداية الخلق، وفيه نهاية الخلق، وهذه من الأمور التي تحصل في يوم الجمعة التي منها ما حصل، ومنها ما لم يحصل ولكنه سيحصل في المستقبل، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من الإيمان بالغيب؛ لأن الإخبار عن أمور ماضية، والإخبار عن أمور مستقبلة، كله من الإيمان بالغيب، والحديث دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً؛ لأن الحديث هذا فيه خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وهو قد مضى، وهو غيب لا نعلمه إلا عن طريق الوحي، وفي المستقبل فيه النفخة، وفيه الصعقة، وهذا أمر يحصل في المستقبل وهو غيب لا نعلمه إلا بالإخبار عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو دال على الإيمان بالغيب ماضياً ومستقبلاً، ففيه الاثنان.
ثم إن النبي عليه الصلاة السلام أرشد ورغب وحث على الصلاة عليه في يوم الجمعة، بل والإكثار من ذلك في يوم الجمعة وليلة الجمعة.
وقوله: [إن صلاتكم معروضة علي] يعني: أنه يبلغ إياها، وتصل إليه الصلاة والسلام، وذلك بواسطة الملائكة السياحين كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، فيصل إليه، ويبلغ الصلاة والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام، وكما جاءت بذلك الأحاديث.
وقوله هنا: [فإن صلاتكم معروضة علي] يفسره الحديثان الذين أشرت إليهما، وهو إبلاغ الملائكة إياه، حيث قال: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)، والحديث الآخر: (ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
ولما قال: [فإن صلاتكم معروضة علي] وكانوا يعلمون أن الناس إذا قبروا أنهم يذهبون في التراب، وأنها تتلاشى أجسامهم، وتذهب في التراب، والله عز وجل قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعلم ما يذهب من أجسادهم من ذرات تختلط بالتراب، ونحن نعلم ذلك ونعيده؛ نعيد تلك الذرات التي راحت في التراب، ونستخرجها من التراب حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويبعث في الإنسان الذي كان في الدنيا، ليس جسداً جديداً يوجد لا وجود له في الدنيا، بل الجسد الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وتكون إعادته بأن ذراته التي راحت في التراب، الله تعالى يستخرجها ويعيدها حتى ترجع كل ذرة إلى مكانها، ويعود الإنسان على هيئته، فالجسم الذي كان في الدنيا هو الذي يعاد، وهو الذي ينعم، ويعذب، وليس هو جسم جديد ينعم، ويعذب، وإنما الذي ينعم ويعذب هو الجسد الذي كان في الدنيا؛ لأنه هو الذي أحسن وأساء، وقد جاء ذلك مبيناً في القرآن: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )[يس:65]، فما تشهد إلا التي كانت في الدنيا، لا يشهد جسد جديد يخلق، ويخرج من القبر مخلوقاً، لا وجود له في الدنيا، ولا يعرف شيئاً عن الدنيا، وإنما الجسد الذي يكون يوم القيامة، والذي يعاد بعثه، هو الجسد الذي كان في الدنيا، فيعاد ويثاب على إحسانه إن كان محسناً، ويعاقب على الإساءة إذا كان مسيئاً، ويصل الثواب والعقاب إلى من حصل منه الإساءة، وليس إلى جسد جديد.
قالوا: [وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟] فقد فهموا أن الإنسان إذا دفن أنه يتلاشى مع التراب، ويختلط بالتراب، ولكن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن شأن الأنبياء يختلف عن الناس، قال: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، والله تعالى يقول مبيناً البعث وقدرته عليه، قال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ )[ق:4]، يعني: فنحن نعيد ذلك.
وقصة الرجل الذي من بني إسرائيل الذي جاء في الحديث الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني في النار، واسحقوني ثم خذوا الرماد وذروه في الهواء، واجعلوا منه جزء في البحر، وجزء في البر، فإن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين، فالله عز وجل أمر البحر أن يخرج ما فيه، والبر أن يخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة إلى مكانها، وعاد نفس الجسد، وهذه كيفية البعث، فالجسد الذي في الدنيا هو الذي يبعث. وقصة إبراهيم حين قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ )[البقرة:260]؛ يأخذ أربعة من الطيور ثم يقطعهن قطعاً، ثم يخلطها مع بعض، ثم يجعل على كل جبل قطعة من هذه المجموعة، ثم الله عز وجل يأمرها بأن تخرج تلك القطع المتجمعة حتى ترجع الطيور على ما كانت على هيئتها، وعلى شكلها، وتلك القطع من اللحم التي خلطت، وجمع بعضها إلى بعض، وفرقت في أماكن متعددة، يأتي كل جزء منها حتى يركب في مكانه، ويستقر في مكانه الذي كان عليه قبل أن تذبح وتقطع، فهذه كيفية الخلق، وإعادة الخلق يوم القيامة؛ أن نفس الأجساد التي كانت في الدنيا هي التي تعاد.
وقوله: [إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء]، هذا يدل على أن أجساد الأنبياء في قبورهم كما كانوا، ولا يتأثرون، ولا تغيرهم البلاء وطول المكث، ولا يختلطون بالتراب.
وأما بالنسبة لغير الأنبياء، فإنه لم يأت نص يدل على بقاء أجسادهم بدون تأثر، وبدون تغير، والشهداء الذين أخبر الله عز وجل أنهم عند ربهم يرزقون، لا يجزم ببقاء أجسادهم على ما هي عليه دون أن تتأثر، ودون أن تتغير؛ لأنه لم يأت نص في ذلك، وهذه الأمور من أمور الغيب التي لا يتكلم فيها إلا بدليل، لكن قد وجد من بعض الشهداء بعد مدة على حاله التي دفن عليها لم يتغير، ولم يتأثر، وهو عبد الله بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فإنه استشهد يوم أحد، ودفن في أرض أحد، ثم إن الوادي قرب من قبره، فخشي أن يجترفه السيل، وأن يحمله من مكانه الذي هو فيه، فنبشه ابنه جابر رضي الله عنه، بعد ستة أشهر، ووجده كهيئته التي دفن عليها لم يتغير جسده، ولم تأكل الأرض شيئاً من جسده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا لا يدل على بقاء الشهداء دائماً وأبداً، وإنما يدل على أنه قد تبقى مدة كما حصل في قصة عبد الله بن حرام والد جابر، ولكن البقاء إلى يوم البعث والنشور لم يأت فيه نص يدل عليه، وإنما جاء النص في حق الأنبياء، فيثبت ما جاء في الدليل، ويسكت عما لم يأت به الدليل، والله تعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة... فأكثروا عليَّ من الصلاة ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].هو الكوسج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[حدثنا حسين الجعفي].
هو حسين بن علي الجعفي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس].
هو صحابي سكن الشام، وقد أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة
حكم إسقاط المرأة للجنين إذا كان الحمل يتعبها
السؤال: فضيلة الشيخ! امرأة كشفت عن نفسها بالأشعة في مستشفى خاص، حيث أنها حامل في الشهر السادس، وقال لها الطبيب بأن الجنين بدون رأس، فذهبت إلى مستشفى حكومي فكشفت فقالوا لها مثل ذلك، فهل لها أن تسقط الجنين، علماً أنها متعبة جداً من الحمل؟الجواب: على كل أقول: الله تعالى أعلم، لكن ما دام أنه حي، والحياة موجودة فهي لا تسقطه وإنما تتركه، ويمكن أن كشفهم يكون خطأ.
التوفيق بين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يسترقون) وقوله: (تداووا عباد الله)
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف نوفق بين قوله: (لا يسترقون)، وبين قوله: (تداووا عباد الله)، وجزاكم الله خيراً؟الجواب: التداوي سائغ وجائز، وهو مباح وليس بلازم، لكن هناك بعض العلاجات التي منها الاسترقاء والاكتواء، والتي جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنه، في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، فالاسترقاء جائز، وكذلك الكي، ولكن إذا تركه الإنسان توكلاً على الله عز وجل، فإنه يكون من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لكن لا يعني هذا أن الإنسان يترك الدواء، ولا يستعمل الدواء، بل يستعمل الدواء، والرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى التداوي، وقال: (تداووا عباد الله ولا تداووا بحرام).

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:27 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(260)
- باب فضل غسل يوم الجمعة - باب الهيئة للجمعة
حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاهتمام بيوم الجمعة وذلك بالنظافة الكاملة بالغسل والتبكير والدنو من الإمام، وحث على لبس أحسن الثياب غير المحرمة شرعاً كالحرير.
فضل غسل يوم الجمعة
شرح حديث: (من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل غسل يوم الجمعة.أخبرنا عمرو بن منصور وهارون بن محمد بن بكار بن بلال واللفظ له، قالا: حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحارث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها)].
يقول النسائي رحمه الله: باب فضل غسل الجمعة. هذه الترجمة معقودة لبيان أن الاغتسال للجمعة كما أن فيه نظافة ونزاهة، ودفعاً للأذى، والقذر عن الإنسان إذا كان فيه شيء من ذلك؛ فإن فيه أيضاً الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله عز وجل، عندما يحصل هو وغيره من أعمال أخرى رتب عليها ثواب عظيم.
وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من غسل واغتسل، وغدا وابتكر، ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة صيامها وقيامها).
هذا ثواب عظيم من الله عز وجل لمن حصلت منه هذه الأمور المجتمعة التي هي: غسل، واغتسال، وغدو، وتبكير، وكذلك دنو من الإمام، وسماع للخطبة، وبُعد عن وجود اللغو فيها -أي: في الخطبة- فإنه يترتب على ذلك هذا الثواب.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (من غسل واغتسل).
قوله: [(غسل)]، قيل: بالتخفيف، وقيل بالتشديد: غسَّل، وفسر بتفسيرات، منها: أن المراد: غسل رأسه، واغتسل، أي: غسل جميع جسده، وخص الرأس؛ لتمييزه على غيره لما قد يحصل فيه من أوساخ تجتمع، وكذلك أيضاً ما يحصل فيه من دهن، وما يحصل فيه من أشياء تضاف إليه، فإذا أراد أن يغتسل غسل رأسه، وأزال هذه الأشياء التي علقت فيه مما كان بفعل الإنسان كالدهن ونحوه، وما لم يكن من فعله كالوسخ، وما يحصل في الرأس بسبب طول المكث عن الغسل.
ويؤيد هذا التفسير: أنه جاء في بعض روايات هذا الحديث عند أبي داود: (أنه غسل رأسه واغتسل)، فتكون تلك الرواية مفسرة لهذه الرواية، وفسر أيضاً بأن المراد بـ(غسل) أي: غسل أعضاءه، واغتسل، أي: قدم غسل الأعضاء الذي هو الوضوء، ثم أتى بعده بإفاضة الماء على سائر جسده، وهذا هو الغسل الكامل الذي فيه غسل أعضاء الوضوء أولاً، ثم غسل الجسد الذي هو إسالة الماء عليه، وإفاضة الماء على سائر الجسد، فيكون فيه تنصيص على أعضاء الوضوء، ثم بعد ذلك تعميم بإفاضة الماء على سائر الجسد.
وفسر أيضاً بأن المراد بـ[(غسل)]: أنه غسل ثيابه، واغتسل بأن كان نظيف الجسد، والثوب، فتكون الثياب أيضاً تغسل، ويزال ما علق بها من أوساخ فتكون نظيفة، ويكون نظيف الجسد، نظيف الثياب.
وفسر أيضاً بأن المراد بذلك: أنه جامع أهله، وتسبب في اغتسالهم، فيكون بذلك اغتسل، وتسبب في اغتسال غيره، ويكون بذلك اغتسل للجنابة، واغتسل أيضاً للجمعة، لكن عندما يكون على الإنسان غسل جنابة، وغسل جمعة، فإنه يتعين عليه أن ينويهما جميعاً، أو ينوي غسل الجنابة، ولا يكفي أن ينوي غسل الجمعة، وهو لم ينو غسل الجنابة إذا كان عليه جنابة، لكن إذا نواهما جميعاً، أو نوى الجنابة فإنه غسل الجنابة يكفي عن غسل الجمعة، فغسل الجنابة لا بد منه، وغسل الجمعة على خلاف فيه، هل هو واجب أو غير واجب؟ كما سبق أن تقدم.
فهذه أقوال العلماء في معنى [(غسل واغتسل)].
وقوله: [(وغدا وابتكر)]، (غدا) أي: ذهب غدواً، أي: في أول النهار، (وابتكر) قيل: إن معناه أنه بمعنى غدا: أي: بكر، وقيل: إنه معناه أنه حضر الخطبة من أولها، ولم يفته منها شيء.
قوله: [(ودنا من الإمام ولم يلغ)].
أي: أنه جاء مبكراً، وصار في الصفوف الأول، ومن المعلوم أن الإنسان عندما يأتي يبحث في أوائل الصفوف، فإذا كان الصف الأول فيه مكان، فإنه لا يتركه بغيره، ولا يجوز أن يبدأ بالصف الثاني إلا إذا امتلأ الصف الأول، الواجب هو إتمام الصفوف أولاً فأولاً، ولا يبدأ بالصف الثاني حتى يكمل الأول، ولا يبدأ بالثالث حتى يكمل الثاني، ولا يبدأ بالرابع حتى يكمل الثالث.. وهكذا، فتكمل الصفوف أولاً فأولاً؛ لأن في ذلك تحصيل الأجر، والمسابقة إلى الخيرات، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، يعني: ما يفصل بينهم إلا القرعة، كل واحد يقول: أنا السابق، يميز بينهم بالقرعة التي تميز هذا من هذا، ومن له حق الأسبقية، فالدنو من الإمام يكون بكونه يأتي مبكراً، ويصير في الصفوف الأول؛ لأنه يحصل على فضل الصفوف الأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها)، ويحصل أيضاً الدنو من الإمام الذي فيه التمكن من سماع الخطبة، فيكون في ذلك استفاد من سماع الخطبة وإدراكها، والعلم بها، وأيضاً: استفاد تحصيل الأجر الذي يحصل لمن يأتي مبكراً إلى الصفوف الأول، فيكون سابقاً إلى الخيرات.
قوله: [(ولم يلغ)]، يعني: لم يحصل منه لغو، واللغو مطلق، اللغو: هو رديء الكلام، ولكن بالنسبة للخطبة، حتى مجرد الكلام مع الغير، ولو كان أمراً بمعروف ونهياً عن منكر فإنه لغو، فلا يجوز لإنسان أن يقول لصاحبه: أنصت، يعني كونه يسمع أحداً يتكلم أو كذا، ثم يخاطبه ويقول: أنصت أو اسكت، فإن هذا لغو، كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والمراد: أن الجمعة، وخطبة الجمعة لها شأن كبير، وسماعها له شأن كبير، ولا يتشاغل الإنسان عنها بشيء، فلا يشير إلى غيره، أو يتكلم مع غيره بأن يقول: أنصت، أو يقول: اسكت، وإنما يقبل على الخطبة، ويجتهد في إدراكها، كونه يعقلها، ويحيط بها، ويعرف أو يحصل هذه الفوائد العظيمة التي تكون في خطبة الجمعة، وخطبة الجمعة لها شأن عظيم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت)، (ومن مس الحصى فقد لغا)، فلا يتشاغل لا بعمل، ولا بقول، وإنما هو إنصات، واتجاه إلى سماع الخطبة، ومعرفتها، وعقلها والإحاطة بها.
قوله: [(كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها، وقيامها)]، وهذا عمل عظيم على شيء يسير، وهذا عمل يسير، وهذا هو الذي من أجله أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل غسل يوم الجمعة، وأن فيه مع غيره هذا الفضل العظيم؛ لأن هذا الفضل لا يخصه، وليس مبنياً عليه وحده بل مبني على الاغتسال، وعلى إكمال الاغتسال بحصول الغسل، إما للرأس أو للأعضاء، وكل هذه الأمور التي فسر بها معنى الغسل إذا توفرت فإن ذلك خير، وذلك فيه فائدة عظيمة.
وكذلك هذا الأجر مترتب على التبكير، والذهاب في الغدو مبكراً، ثم أيضاً مترتب على كونه يدنو من الإمام ويسمع الخطبة، ولا يلغو، فهذه هي التي رتب عليها هذا الثواب العظيم، الذي هو عمل سنة، (بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها).
تراجم رجال إسناد حديث: (من غسل واغتسل وغدا وابتكر ودنا من الإمام...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].هو عمرو بن منصور النسائي، وهو شيخ الإمام النسائي من بلد واحد، وعمرو بن منصور هذا ثقة، ثبت، أخرج له النسائي وحده.
[وهارون بن محمد بن بكار].
هو هارون بن محمد بن بكار بن هلال، وهو صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وهنا النسائي أطال في نسبة شيخه هارون، فذكر اسم أبيه، وجده، وجد أبيه، وكما ذكرت سابقاً: أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، وينسب شيخه كما يريد، يطيل في نسبه أو يقصر في نسبه، هذا يرجع إليه، لكن إذا كان التلميذ اختصر نسب شيخه، أو لم يذكر إلا اسمه، فغيره لا يزيد على ما ذكره التلميذ إلا مبيناً أن هذا العمل ليس من التلميذ، وذلك بأن يقول: هو ابن فلان، أو يقول: يعني ابن فلان، التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسبه كما يريد.
[واللفظ له].
أي: للثاني الذي هو هارون بن محمد بن بكار بن بلال، اللفظ الذي ذكره ليس لفظ عمرو بن منصور شيخه الذي هو من أهل بلده، وإنما هو لفظ هارون بن محمد بن بكار بن بلال، قال: واللفظ له، أي: للثاني.
وقد ذكرت فيما مضى أن النسائي أحياناً ينص على من له اللفظ إذا ذكر الشيخين، وأحياناً لا ينص، وذكرت أن التنصيص على من له اللفظ طريقة مسلم، وطريقة النسائي في كثير من الأحيان، وأما البخاري فهو لا ينص على من له اللفظ، ولكن عُرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا ذكر الحديث عن شيخين من شيوخه، فإن اللفظ يكون للثاني منهما، قال الحافظ ابن حجر: إن هذا عرف بالاستقراء من صنيع البخاري؛ وذلك لأنه يذكر الحديثين عن شيخين، فيكون اللفظ للثاني، ويأتي لفظ الأول في حديث يورد الحديث مرة أخرى بالإسناد الأول ليس معه أحد، ويكون اللفظ مغاير للفظ الذي أورده مع شيخ آخر.
وقد ذكر ابن حجر هذه الفائدة في كتاب التيمم عند حديث جابر: (أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر...)، إلى آخر الحديث، وقد ذكر البخاري هذا الحديث عن شيخين من شيوخه، وقال: إنه للثاني منهما، وقال: إن طريقة البخاري التي عرفت بالاستقراء والتتبع: أن اللفظ يكون للثاني، بدليل أنه أحياناً يذكر الحديث مرة أخرى بإسناد الأول وليس معه أحد، ثم يختلف اللفظ، فيختلف اللفظ عن اللفظ المثبت، إذاً: هو لفظ الثاني وليس لفظ الأول، وعرف ذلك بالاستقراء، والتتبع.
وابن حجر رحمة الله عليه، أعطى صحيح البخاري عناية تامة، واستقرأ طريقة البخاري ومنهجه في صحيحه، ونص على ذلك في كتابه فتح الباري في مواضع مختلفة، لكن هذه النتيجة إنما عرفت بالتتبع والاستقراء.
[حدثنا أبو مسهر].
صاحب هذه الكنية هو عبد الأعلى بن مسهر، وكنيته توافق اسم أبيه، هو ابن مسهر، وهو أبو مسهر، وقد ذكرت فيما مضى: أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفة هذا النوع: أن لا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالنسب أو ذكر بالكنية، فإن من لا يعرف الكنية لو جاء (أبو) بدل (ابن)، يظن أن (ابن) صحفت إلى (أبو)، مع أنه لا تصحيف، بل هذا صواب، وهذا صواب، هو أبو مسهر وهو ابن مسهر، إن قيل: عبد الأعلى بن مسهر فهو صواب، وإن قيل: عبد الأعلى أبو مسهر فهو صواب، لا تنافي ولا تصحيف في ذلك.
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد بن عبد العزيز].
ثقة، إمام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يحيى بن الحارث].
هو يحيى بن الحارث الذماري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آدة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سكن الشام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:29 AM
الهيئة للجمعة

شرح حديث: (... إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الهيئة للجمعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى حلة فقال: (يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها، فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله! كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة).
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الهيئة للجمعة، يعني: كون الإنسان يتجمل للجمعة، ويكون على هيئة حسنة، وقد مر أن الاغتسال واجب أو مستحب، وهذا من التهيؤ للجمعة، والتنظف للجمعة، فيكون الإنسان نظيف الجسد، نظيف الثياب، ذا هيئة حسنة في جسده وثيابه، وقد كان معروفاً عندهم التجمل للجمعة، وكذلك للوفود، أي: عندما يستقبل الإنسان الناس فإنه يكون على هيئة حسنة وهو يستقبلهم، كان هذا متقرر عندهم، ولهذا لما رأى عمر رضي الله عنه، حلة تباع، والذي عرضها للبيع شخص يقال له: عطارد، فقال عمر رضي الله عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم: لو اشتريتها لتلبسها للجمعة وللوفود. فالرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ما ذكر من حيث التجمل للجمعة والوفود، ولكن الذي أنكره، وبين أنه لا يسوغ هو كونها حريراً، والحرير لا يجوز لبسه للرجال، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)، يعني: الحرير الذي يلبسه في الدنيا لا حظ له ولا نصيب في الآخرة، بمعنى: أنه يحرم، ويعاقب عليه؛ وأنه لا يلبس الحرير، مثلما جاء بالنسبة للذهب والفضة، كما جاء في الحديث: (أنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، يعني: الكفار، فالكفار يتمتعون، ويتنعمون بنعيم الدنيا ولذاتها ما حرم وما أبيح، والمسلمون ما تركوه لله عز وجل في الدنيا، فإنهم يحصلونه في الآخرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخذ ذهباً وحريراً قال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).
الحاصل: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقر عمر على ما أشار إليه من التجمل، ولكنه بين أن اتخاذ مثل ذلك غير سائغ، وإنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة، (من لا خلاق له) يعني: لا نصيب ولا حظ له في الآخرة، فهذا هو المقصود بالخلاق.
وهذا يدلنا على أن لبس الحرير لا يجوز ولا يسوغ للرجال، وهو جائز وسائغ في حق النساء، والرجال لا يجوز لهم استعمال الحرير، كما أنه لا يجوز لهم استعمال الذهب في اللبس وفي أيديهم، أو التجمل به، وكذلك في الأسنان، أما كونه يخرب السن، ويؤتى بمكانه سن من ذهب، فهذا لا بأس به، وإنما البأس بمن يلبس أسنانه بذهب تجملاً، فإن هذا لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه ليس بضرورة، أما إذا كان مضطراً أن يجعل سناً من ذهب؛ لكونه ذهب سنه، أو حصل فيه شيء من التلف، فاستعمل الذهب فإنه لا بأس بذلك، وإنما الممنوع كونه يفعله للتجمل، سواءً كان أسناناً أو غير أسنان، كل ما يكون للتجمل فلا يسوغ، ولا يجوز لبس الذهب في حق الرجال، فلا يجوز للرجال استعمال الذهب، ولا يجوز لهم استعمال الحرير.
قوله: [(إنه رأى حلة)]. (الحلة) قيل: برود من اليمن، وكانت من الحرير، وهذه الحلة التي أشار بها عمر كانت من الحرير، فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أن الحرير لا يجوز للرجال، قال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)، والحلة قيل في معناها: أنها تتكون من شيئين: من إزار، ورداء، لا تطلق إلا على مجموع الاثنين، فهي اسم لمجموع شيئين، فلا يقال للرداء: حلة، ولا يقال للإزار: حلة، وإنما الحلة تكون من مجموع الأمرين.
وفي هذا: دلالة على تحريم استعمال الحرير للرجال، وفيه: دلالة على التجمل للجمعة، وكذلك للوفود، وذلك بإقرار الرسول عليه الصلاة والسلام لـعمر فيما أشار إليه، وفيه: المشورة بما يراه الإنسان نافعاً، ومفيداً للمشار إليه؛ لأن عمر رضي الله عنه، رأى أن في ذلك مصلحة.
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام أُتي أو جاءه من هذه الحلل التي تشبه هذه الحلة، فأعطى عمر رضي الله عنه واحدة، أي: حلة من الحلل، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنك قلت في حلة عطارد ما قلت؟! يعني: أنا عرضت أنك تشتريها وقلت: (يلبسها من لا خلاق له)، وأنت أعطيتني إياها، فكيف؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ما أعطيتكها لتلبسها)، وإنما لتستفيد منها لا ليلبسها، يمكن أن يعطيها لمن له أن يلبسها، مثل النساء؛ النساء تلبس الحرير، فـعمر رضي الله عنه، لما سمع ما سمع أهداها، وأعطاها إلى أخ له مشرك بمكة.
وفي هذا إشكال، وهو كونه أعطاها للمشرك؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، والإنسان إذا كان وجد خمراً لا يعطيه لكافر، وإنما يريقه، ويتلفه، ولا يقول: إن الكفار يشربون الخمر، إذاً: لا يعطى الخمر إذا كان فيه خمر، وإنما الخمر تراق، ولا تعطى لمن يستعملها من الكفار؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، كما أنهم مخاطبون بالأصول، فهم مخاطبون بالفروع، لكن الفروع لا تنفعهم بدون الأصول، وفائدة خطابهم بالفروع: أنهم يؤاخذون على ترك الأصول وعلى ترك الفروع، فيعاقبون على الاثنين، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة في أصول الفقه، فالمسألة الأصولية: هل الكفار مخاطبون بالأصول والفروع، أو مخاطبون بالأصول فقط؟ قولان للعلماء، والصحيح أنهم مخاطبون بالأصول والفروع، لكن لا تنفعهم الفروع بدون الأصول، لو صلى الإنسان، أو لو صام الإنسان، أو عمل أي عمل وهو غير مؤمن بالله عز وجل، وغير داخل في الإسلام، فإنه لا ينفعه، ولكن فائدة الخطاب بالفروع أنه يؤاخذ على ترك الأصول، وعلى ترك الفروع.
ولهذا جاء في القرآن: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ )[النحل:88]، فهذا فيه دليل على أن الكفر وما يضاف إليه من الأعمال الأخرى يؤاخذ عليها الكافر وكذلك أيضاً إذا بالنسبة للحساب، والجزاء، والمعاقبة، تكون على ترك الأصول، وعلى ترك الفروع، ومن أدلة ذلك قول الله عز وجل: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )[الكهف:49]، يعني: الصغيرة، والكبيرة كلها تحصى، فمعناه: أن كتاب الكافر فيه الصغائر، والكبائر، أي: أن فيه ترك الأصول، وترك الفروع، فكله يؤاخذ عليه، فهذا فيه: دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع، كما أنهم مخاطبون بالأصول.
ولعل عمر رضي الله عنه لم يكن يعلم بهذا، أو أنه أهداها إليه ليستعملها لا ليلبسها، وإعطاؤها للنساء، واستعمال النساء لها هو الذي لا إشكال فيه؛ لأنه مباح للنساء مسلمات وكافرات، فاستعمال الحرير للنساء مسلمات أو كافرات سائغ.
ثم قال: (يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها فأعطى عمر منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله! كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟!).
وقوله: [(كسوتنيها)] المراد به: أعطيتنيها؛ لأنه أعطاه منها حلة، وهو ما أعطاه إياه ليلبسها، وإنما ليستفيد منها، قال: إنك قلت في حلة عطارد، يعني: أنه لا يلبسها إلا من خلاق له، وقد أعطيتني إياها، وهذا فيه: ما كان يحصل من الصحابة في مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهم؛ لأنه قال في الحرير: (إنما يلبسها من لا خلاق له)، ومع ذلك أعطاه حلة، فبين له أنه ما أعطاه إياها ليلبسها، وإنما ليستفيد منها، بأن يكسوها لمن يستفيد منها، أو يبيعها على من يمكن أن يستفيد منها فيما يسوغ الاستفادة فيه، وذلك كاستعمالها للنساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخاً له مشركاً بمكة).
تراجم رجال إسناد حديث: (... إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].قتيبة، هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، تابعي، مشهور، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].
صحابي ابن صحابي، من خيار الصحابة ومن علمائهم، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، قتيبة ومالك ونافع وابن عمر.
ومالك عن نافع عن ابن عمر هذه أصح الأسانيد عند البخاري، على الإطلاق، وهذه السلسلة: مالك عن نافع عن ابن عمر، ويقال لها: السلسلة الذهبية، وهي أصح الأسانيد عند الإمام البخاري رحمة الله عليه.
شرح حديث: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا الحسن بن سوار حدثنا الليث حدثنا خالد عن سعيد عن أبي بكر بن المنكدر: أن عمرو بن سليم أخبره عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه)].أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري الذي تقدم، وأعاده هنا من أجل أن فيه نظافة الجسد، وذلك بالاغتسال، والذي قبله فيه نظافة الثياب، وذلك باختيار الثياب النظيفة الجميلة، فذكر في الباب حديثين: حديث يتعلق باللباس، وحديث يتعلق بنظافة الجسد، وأورد فيه حديث أبي سعيد الذي تقدم، والذي فيه: أن غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وكذلك السواك، وأن يمس من الطيب، يعني: أن فيه التهيؤ، والتجمل للجمعة، كلبس أحسن الثياب مما هو مباح، والاغتسال، وإزالة الوسخ عن الجسد، والسواك، والطيب. تراجم رجال إسناد حديث: (إن الغسل يوم الجمعة على كل محتلم ...)
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو هارون بن عبد الله البغدادي الحمال، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا الحسن بن سوار].
صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، محدث، فقيه، مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو فقيه مصر ومحدثها، مشهور بالفقه ومشهور بالحديث.
[حدثنا خالد].
هو ابن يزيد المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو سعيد بن أبي هلال المصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب.
[عن أبي بكر بن المنكدر].
هو أخو محمد بن المنكدر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[أن عمرو بن سليم أخبره].
ثقة، من كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن أبي سعيد].
هو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي سعيد].
هو أبو سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان، مشهور بكنيته ونسبته، كنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين أكثروا الحديث عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والذين ذكرتهم آنفاً.
وهذا الحديث إسناده: هارون بن عبد الله البغدادي الحمال، والحسن بن سوار، والليث بن سعد، وخالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال المصري، وأبو بكر بن المنكدر، وعمرو بن سليم، وعبد الرحمن بن أبي سعيد، وأبو سعيد، تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد عند النسائي، وهما إسنادان متجاوران، يعني حديثان متجاوران، أحدهما من أعلى الأسانيد، وهو الحديث الذي قبله؛ حديث عبد الله بن عمر، والحديث الثاني حديث أبي سعيد الذي هو تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام.
شرح حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث عن يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سمرة كتاباً، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة].أورد النسائي حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل).
(من توضأ يوم الجمعة فبها)، أي: بهذه الخصلة التي هي: الوضوء، وهو الشيء الواجب الذي لا بد منه؛ لقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، كما جاء ذلك في الحديث.
(ومن اغتسل فالغسل أفضل)، يعني: من أضاف إلى الوضوء الغسل فذلك أفضل، وهذا يدل على أن الغسل مستحب.
والحديث من رواية الحسن البصري عن سمرة، ورواية الحسن عن سمرة اختلف في سماعه منه على ثلاثة أقوال: فمن العلماء من قال: إنه سمع مطلقاً، ومنهم من قال: لم يسمع مطلقاً، ومنهم من قال: سمع حديث العقيقة دون غيرها، وحديث العقيقة هو: (الغلام مرتهن بعقيقته يذبح يوم سابعه)، فهذا الحديث هو الذي جاء أن الحسن سمعه من سمرة رضي الله تعالى عنه.
وجاء من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، فالحديث ثابت، وهو دال على أن غسل يوم الجمعة متأكد، ولكنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب، والحرص عليه لا شك أنه مطلوب، ولكن من لم يفعله فإنه لا يكون آثماً؛ لأنه لم يكن ترك واجباً، وقد جاء في بعض الأحاديث الأخرى ما يدل على ذلك، ومنها الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد..)، أيضاً توضأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، فاقتصر على ذكر الوضوء، وإحسانه.
وكذلك أيضاً ما جاء عن عثمان رضي الله عنه، في زمن خلافة عمر، كان عمر يخطب الناس يوم الجمعة، فدخل عثمان، وهو يخطب، فـعمر رضي الله عنه، قطع الخطبة وقال له يخاطب عثمان: أي ساعة هذه؟ معناه أنك متأخر، تأخرت عن حضور الجمعة، فقال: والله يا أمير المؤمنين! كنت في كذا وكذا، فما إن سمعت الأذان حتى توضأت، وجئت، قال: وهذه أيضاً؟ يعني: بدون غسل.
فحديث أبي سعيد من أطول الأسانيد، وأنزلها، ولا أطول منه إلا العشاري، وقد مر في فضل سورة: (قل هو الله) حديث بإسناد عشاري؛ بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص، قال النسائي بعده: وهذا هو أطول إسناد.
فإذاً: أطولها على الإطلاق العشاري، والتساعي هو الذي يليه، وهذا الباب فيه مثال لأعلى الأسانيد ولأطول الأسانيد.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:32 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(261)

- باب فضل المشي إلى الجمعة
بيّن الشرع فضل المشي إلى الجمعة ورتب على ذلك الكثير من الأجر والثواب، حيث يكون له بكل خطوة عمل سنة.
فضل المشي إلى الجمعة
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر ومشى ولم يركب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل المشي إلى الجمعة.أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا الوليد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أنه سمع أبا الأشعث حدثه: أنه سمع أوس بن أوس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة)].
أورد النسائي: فضل المشي إلى الجمعة، يعني: كون الإنسان يمشي على قدميه، فهذا هو المقصود بالترجمة، أن في ذلك أجر عظيم، وثواب جزيل من الله عز وجل، وأورد فيه حديث أوس بن أوس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل)، وهذا بمعنى الذي مر قبله، في إسناد مضى من حديث أوس بن أوس في فضل غسل يوم الجمعة، مر ذكر الغسل والاغتسال.
[(وابتكر ومشى ولم يلغ)].
وابتكر، يعني: جاء مبكراً، ومشى على قدميه، ولم يركب؛ لأن في ذلك زيادة التعب، والنصب، والاجتهاد، وكثرة الخطى، وقد جاء فيه أنه بكل خطوة.. ومعنى هذا أن هذا يكون عن طريق المشي.
(ودنا من الإمام وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة)، قوله: (بكل خطوة)، يعني: يخطوها بقدميه؛ لأن قوله: (ومشى، ولم يركب)، يدل على أن هذا الأجر يحصله من مشى، ومن جاء من مكان بعيد راكباً بمكان فاضل، فهو على خير، وفضل الله تعالى واسع، لكن الحديث فيه فضل المشي، وأنه أولى من الركوب لمن تمكن منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل وغدا وابتكر ومشى ولم يركب ...)
قوله: [أخبرني عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهنا النسائي أطال في نسبة شيخه، كما ذكرت من قبل أن التلميذ يذكر شيخه كما يريد، إن أراد يطول طول، وإن أراد أن يختصر اختصر، وهنا أطال في نسبته.
[حدثنا الوليد].
هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس، والتسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر].
ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أنه سمع أبا الأشعث].
هو شراحيل بن آده، وهو شامي، أخرج حديثه البخاري في الأدب، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع أوس].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة

الاستفادة من حديث أوس في التبكير إلى الجمعة مسألة الدنو من الإمام
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يؤخذ من حديث أوس بن أوس فضل الدنو من الإمام في سائر الصلوات المفروضة؟الجواب: الدنو من الإمام كما هو معلوم مطلوب؛ لأن خير صفوف الرجال أولها، يدل هذا عليه: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها).
حكم وصف الله بالعقل
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يتصف الله بالعقل؟الجواب: أقول: مثل هذا ما ورد، لا يضاف إلى الله عز وجل شيء لم يأت، يعني: الشيء الذي ما ورد لا يثبت ولا ينفى، ولكن يثبت عموماً وينفى عموماً أن الله تعالى متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، هذا يثبت وينفى عموماً، وأما التفاصيل فلا يثبت لله شيء على سبيل التنقيص إلا بدليل، ولا ينفى عنه إلا بدليل، بل يسكت عن الشيء الذي ما ورد.
مدى جواز صلاة المأموم على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكر الخطيب له وقت الخطبة
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا ذكر الإمام وهو في الخطبة على المنبر النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يصلي عليه المأمومون أو يعتبر هذا كأنه لغو؟الجواب: نعم، يصلي عليه المأمومون؛ لأن هذا إقبال على الإمام، وإقبال على الخطبة، وإنما المحذور الانشغال عن الخطبة، وذلك بمخاطبة الناس، والكلام مع الناس، هذا هو الذي فيه اللغو، وأما الشيء الذي مع الإمام، والذي فيه اتجاه إلى الإمام، وكونه يصلي، ويؤمن، هذا فيه إقبال على الخطبة، والمقصود هو الإقبال على الخطبة، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يأتي ذكره صلى الله عليه وسلم، يصلي ويسلم عليه ولا بأس.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:35 AM
الاعتداء في الدعاء على الظالم
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم دعاء المظلوم على الظالم بأن يعمي الله عين من افترى عليه؟الجواب: ليس للإنسان أن يتعدى في الدعاء، ويعتدي فيه، الإنسان يدعو على من ظلمه، لكن كونه يدعو عليه بشيء فوق أخذ حقه، أو فوق ما يكون به إصابته بالشيء الذي يكون به جزاءه، هذا من الاعتداء في الدعاء، إنسان ظلم في شيء يسير، ثم يدعو عليه ببلاء، ومصائب لا حد لها، هذا من الاعتداء في الدعاء.
حكم وضع اليدين على الصدر بعد الركوع
السؤال: فضيلة الشيخ! ما دليل وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع؟الجواب: هي سنة، وضع اليدين على الصدر قبل الركوع وبعده دل عليه الحديث الذي فيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، ومعلوم أن المصلي له حالات أربع لا خامس لها، فهو إما قائم، والقيام في حالتين: قبل الركوع وبعد الركوع، والحديث يقول: (إذا كان قائماً في الصلاة)، فهذا قائم، والركوع والسجود والجلوس له حالتان: حالة بين السجدتين، وحالة في التشهد، هذه أحوال المصلي الأربعة.
وقوله: (إذا كان قائماً في الصلاة)، يشمل هاتين الحالتين: ما قبل الركوع، وما بعد الركوع.
الإشارة في الجمعة من قبل المأموم
السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو الدليل على عدم الإشارة في الجمعة مع أن جميع الأحاديث تقول: لا يقول، ولم يذكر، ولا يشير؟الشيخ: ولا يشير؟
مداخلة: إي نعم. وأن لا يشير يوم الجمعة ولو كان هناك مصلحة، يعني: الظاهر أنه لو أشار إلى أحد يتكلم..
الجواب: الذي ورد بالفعل مس الحصى، ومس الحصى كما هو معلوم عبث، والإشارة ما نعلم شيئاً يدل عليها؛ لأنه ما فيه شيء يفيد منعها ولا جوازها، لكن إذا كانت هذه الإشارة، ما يترتب عليها انشغال، والأمر ضرورة لا بد منه؛ لأن فيه تشويشاً، والناس لا يستطيعون أن يسمعوا الخطبة بسبب هذا التشويش، وحصل إشارة، فلا بأس بذلك إن شاء الله.
حكم لبس الحرير للرجال
السؤال: فضيلة الشيخ! قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أتركها.....)، ومعلوم أنها حلت للرجال فلا يجوز للنساء لبسها، فيكون إعطاء الحلة لـعمر ليهديها، فيبقى الإشكال في كون المشركين مخاطبون بفروع الشريعة؟الجواب: ما فيه شيء يفيد أن هذا شيء للرجال، وأن هذا للنساء، الرجال لا يجوز لهم لبس الحرير، فلا يجوز صنعه لهم، لكن يبدو أنها صالحة للجميع، والرجال لا يجوز لهم أن يلبسوها، والنساء لهن أن يلبسنها.
أخ عمر بن الخطاب من الرضاعة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل كان لـعمر رضي الله عنه أخ؟ أرجو أن تذكر لنا اسمه؟الجواب: ذكروا أن له أخا من الرضاعة، كما ذكره المعلق. هو: زيد بن الخطاب، وهو مسلم، ممن تقدم إسلامه.
مخاطبة الإمام للمأموم في تصحيح الخطأ
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز للخطيب مخاطبة أحد في تصحيح الخطأ؟الشيخ: نعم يجوز أن يصحح الخطأ، مخاطبة الإمام ومخاطبة غيره له جائز، فلو خاطب الإمام أحداً وطلب على من يشوش أن يسكت، فلا بأس به؛ لأن مخاطبة الإمام، وكلام الإمام مع الناس، وكلام الناس مع الإمام، كل ذلك سائغ، للحديث الذي فيه جاء عثمان رضي الله عنه، متأخراً وعمر فقطع الخطبة قال له: أي ساعة هذه؟ فقال: إنني سمعت الأذان فما زدت على أن توضأت. فهذا كلام، والرجل الذي جاء والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب وقال: (هلكت الأموال وكذا وكذا، فادع الله أن يغيثنا، فدعا)، فمخاطبة المأمومين للإمام والإمام للمأمومين في الخطبة هذا جاءت به السنة.
بيان تفسير حديث: (ما زال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ما زال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)؟الجواب: الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، يعني: يعاقبون بأن يؤخروا، عن الخيرات، وعن تحصيل الثواب، والوقوع في الإثم؛ لأن هذا من العقوبات التي تكون على المعاصي كما سبق أن مر بنا قريباً: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وكذلك الحديث الذي يقول: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه)، يعني: فالذنب يعاقب عليه بما هو أشد منه، فهذا التأخر عن الإمام، والتأخر عن وصل الصفوف، يعاقب عليه بأن يؤخره الله، لا يكون من أهل الخير، ولا يكون ممن يفوز بالخيرات.
هل في العسل زكاة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل في العسل زكاة؟الجواب: لا أدري.
حكم الاستغاثة بغير الله
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم الإسلام في الذين يستغيثون بالأولياء، ويضعون حبة البركة لدفع العين؟الجواب: الاستغاثة بالأولياء وطلب الحاجات من الأولياء، هذا شرك بالله عز وجل؛ لأن الشرك هو دعوة غير الله معه، وصرف حق الله إلى غير الله، ومن المعلوم أن الاستغاثة وطلب الحاجات إنما تكون من الله عز وجل، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )[الفاتحة:5]، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا )[الجن:18]، (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، فكون الإنسان يدعو غير الله بأن يخاطب ملائكة، ويطلب من الملائكة، يدعو الملائكة، ويدعو الجن، يدعو الأموات، يدعو الغائبين، هذا من دعوة غير الله، ومن صرف حق الله إلى غير الله، فهذا شرك بالله عز وجل.
حكم قفل الباب للمصلي إن دعت الحاجة
السؤال: فضيلة الشيخ! كيف يفعل من أراد قفل الباب خلفه وهو يصلي؟الجواب: إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك فيمكن أن يرجع إلى القهقرى، ويقفله مثل كونه يتقدم إلى الأمام ويتأخر القهقرى، يمكن.
مدى صحة اعتبار الإمام أحمد من الجماعة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل الإمام أحمد من الجماعة؟الجواب: الإمام أحمد كما هو معلوم ليس من الستة الذين هم أصحاب الكتب الستة، لكن بعض العلماء له اصطلاح، إذا قال: الجماعة، فيجعل مع الستة الإمام أحمد، وهذا عمل المجد بن تيمية في المنتقى الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار، فاصطلاح المجد بن تيمية إذا قال: متفق عليه، يقصد البخاري، ومسلم، والإمام أحمد.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:38 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(262)

باب التبكير إلى الجمعة - باب وقت الجمعة
حث النبي صلى الله عليه وسلم على المسارعة إلى الجمعة، ورتب على ذلك أجراً يتفاوت بتفاوت التبكير إليها، ووقت الجمعة يختلف صيفاً وشتاءً، لكنه يبدأ من أول النهار حتى بداية الخطبة؛ لأن الملائكة حينها يطوون صحفهم وينصتون إليها.
التبكير إلى الجمعة
شرح حديث: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد...)
أولها هذه الطريق، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون من جاء إلى الجمعة) أي: معناه يكتبون الأول فالأول.(فإذا قعد الإمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (المهجر إلى الجمعة) أي: المبكر الذي يحصل منه التبكير كثيراً، فإنه كالمهدي بدنة، كالذي يتقرب إلى الله ببدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي شاة، ثم كالمهدي بطة، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة، وبعد البيضة خروج الإمام، وطي الصحف، وجلوس الملائكة لتستمع الذكر، والحديث يدل على فضل التبكير إلى المسجد يوم الجمعة، وأنه يتفاوت على حسب التبكير، وعلى مقدار التبكير، فمن بكر كثيراً فهو كالمهدي بدنة، ومن يليه كالمهدي بقرة، وهكذا حتى يصل إلى كالمهدي بيضة، ففيه تفاوت الناس في الأجر، وتفاوت الناس في الثواب، وأن ذلك بحسب تفاوتهم في التبكير والتأخر عن الجمعة.
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أن الملائكة تقعد على أبواب المسجد، وأنهم يكتبون من يأتي إلى المسجد، وهذا فيه الإيمان بالملائكة، وأنهم خلق من خلق الله، أسند إليهم أعمالاً، ووكل إليهم أعمالاً يقومون بها، فمنهم من أعماله في السماء، ومنهم من أعماله في الأرض، ومنهم الموكل بالجبال، والموكل بالقرآن، والموكل بالقطر، والموكل بقبض الأرواح، والموكل بالأرحام، فأعمال كثيرة جاء الكتاب والسنة في بيان دلالتها على قيامهم بهذه الأعمال، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون كما قال الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )[التحريم:6]، فهذا يدلنا على أنه لا بد من الإيمان بالملائكة، وكذلك الإيمان بما جاء به الكتاب والسنة من بيان أعمالهم التي أسندت إليهم، وأضيفت إليهم.
والإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان الستة التي بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل، وهي: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) فالإيمان بهم من أصول الإيمان، فيؤمن بهم إجمالاً، ويؤمن بهم تفصيلاً، إجمالاً: بأن يؤمن بأن لله ملائكة أسند إليهم أعمال يقومون بها، والتفصيل: بأن يسمي من سمي منهم، ويعين العمل أو الأعمال التي جاء تعيينها بالكتاب والسنة لبعضهم، وكل ما جاء به الكتاب والسنة مما يتعلق بالملائكة فإنه يجب الإيمان به والتصديق، وأنه داخل في الإيمان بالملائكة الذي هو ركن من أركان الإيمان الستة المبينة في حديث جبريل، وكذلك المبينة في القرآن، كما في قوله عز وجل: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[البقرة:177]، وكذلك: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ )[البقرة:285]، وكذلك جاء في آيات أخرى التنصيص على الإيمان بالملائكة، والإيمان بغيرهم كما جاء مبيناً في آيات وفي أحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث يدل على شيء من أعمال الملائكة، وهي القعود على أبواب المساجد يوم الجمعة، وأنهم يكتبون الأول فالأول.
ثم بين عليه الصلاة والسلام تفاوت الناس في الأجر، والثواب، وأن من بكر كثيراً فهو كالمهدي بدنة، وهكذا حتى يصل إلى كالمهدي بيضة، وفرق شاسع بين من يهدي بدنة، ومن يهدي بيضة؛ فإن هذا قليل يسير، وهذا شيء كبير وعظيم عند الله عز وجل.
ثم إن التبكير إنما يكون من أول النهار، فالناس يتفاوتون على حسب تبكيرهم من أول النهار، ومن المعلوم أن الجمعة ساعات وأوقات، والمراد بالساعات أجزاء من الزمان، وفي لغة العرب: أن الليل والنهار ينقسمان إلى أربع وعشرين ساعة، وكل ساعة من هذه الساعات لها اسم معين، وقد ذكر هذه الساعات وأسماءها الثعالبي في كتاب فقه اللغة؛ فإنه ذكر ساعات الليل، وساعات النهار، ساعات الليل اثنا عشر، وساعات النهار اثنا عشر، وكل ساعة لها اسم معين يخصها، وهذا موجود في اللغة العربية، ولكن المقصود بالساعة هو جزء من الزمان قد يكون فيه التفاوت؛ لأنه كما هو معلوم يحصل التفاوت في النهار بين الصيف، والشتاء، ويكون هناك فرق، لكن المعتبر من أول النهار، فسواءً كان النهار طويلاً أو قصيراً، فالعبرة التبكير إليها من أول النهار، وعند ذلك يتفاوت الناس بين من هو كالمهدي بدنة، وهي أنفس شيء يهدى، وكالمهدي بيضة، وهي أقل شيء يهدى، كما جاء مبيناً في هذا الحديث وغيره من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد...)
قوله: [ أخبرنا نصر بن علي ].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي البصري ، واسمه واسم أبيه يتفق مع اسم جده وجد أبيه، فاسمه يوافق اسم جده، واسم أبيه يوافق جد أبيه، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عبد الأعلى ].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري ، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، هذا عبد الأعلى وأبوه عبد الأعلى ، وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا معمر ].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ، نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني الذي يروي عنه كثيراً، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الزهري ].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري ، ويأتي منسوباً إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب ، وهذان أو هاتان النسبتان هي التي يرد فيها ذكره في الكتب فيقال: إما ابن شهاب، وإما الزهري ، وهو ثقة، إمام، محدث، فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الأغر أبي عبد الله ].
هو سلمان الأغر أبو عبد الله ، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وأول هؤلاء السبعة وأكثر هؤلاء السبعة: أبو هريرة رضي الله عنه، فهو أكثرهم على الإطلاق.
شرح حديث: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سعيد عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم، الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طويت الصحف، واستمعوا الخطبة، فالمهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد يكتبون الناس على حسب منازلهم، الأول فالأول، فالمهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشاً، حتى ذكر الدجاجة، والبيضة) أي: كالمهدي دجاجة، وكالمهدي بيضة، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله من كتابة الملائكة، وأنهم يكتبون الأول فالأول على حسب التبكير، والتأخير، وأن الأمر ينتهي إلى خروج الإمام وصعوده على المنبر، وعند ذلك يطوون الصحف، ويستمعون الذكر.
وهو يدل على أن الملائكة كما أنها تحضر لتقوم بهذه المهمة التي هي كتابة الداخلين إلى المساجد أولاً فأولاً، فهم أيضاً يستمعون الذكر، ويحضرون الخطبة، ويستمعون ذكر الله عز وجل في الخطب التي يخطب بها الخطباء على الناس في يوم الجمعة.
وهو دال أيضاً على تفاوت الناس في ثوابهم، وأن ذلك يتفاوت بتفاوت تقدمهم، وتبكيرهم إلى الجمعة وعدم تبكيرهم، فمنازلهم تكون على حسب التبكير، والتأخر ما بين المهدي بدنة، والمهدي بيضة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة ...) من طريق ثانية
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].هو محمد بن منصور الجواز المكي وهو ثقة. للنسائي شيخان كلٌ منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: محمد بن منصور الجواز المكي ، والثاني: محمد بن منصور الطوسي ، ويتميز أو يعرف المقصود منهما في الإسناد بذكر الشيخ ومعرفة الشيخ أو الشيوخ، وهنا الشيخ الذي يروي عنه محمد بن منصور هو سفيان ، وسفيان هنا غير منسوب، والمراد به ابن عيينة المكي ، فهما مكيان؛ محمد بن منصور الجواز وسفيان بن عيينة مكيان، فيحمل عند الإطلاق على من يكون له بشيخه خصوصية؛ إما بكثرة ملازمة، أو لكونه من بلده؛ لأن من كان من البلد يكثر الأخذ عنه والالتقاء به، بخلاف الإنسان الذي يكون في بلد آخر، لا يحصل إلا برحلة، أو بكونه يأتي في وقت من الأوقات ثم يرجع.
وسفيان بن عيينة كان بمكة، ومحمد بن منصور الجواز مكي وهو بمكة، أما محمد بن منصور الطوسي فهذا يأتي إلى مكة إما لحج أو عمرة ويلتقي بـسفيان بن عيينة ، فإذا احتمل محمد بن منصور للجواز والمكي ، فإنه يحمل على الجواز؛ لأنه من بلد شيخه سفيان بن عيينة ؛ ولكونه يتصل به كثيراً، ويأخذ عنه كثيراً، فيكون إبهام التلميذ له، أو إهمال التلميذ وعدم نسبته وتمييزه عن غيره، لكونه يروي عن سفيان ، وهما من بلد واحد، فالأقرب أن محمد بن منصور هو الجواز وليس الطوسي ، ثم أيضاً لا يؤثر، سواءً كان هذا أو هذا؛ لأن كلهم ثقات، وإنما الإشكال لو كان أحدهم ضعيفاً، والثاني ثقة، فهذا يؤثر على الإسناد، لكن مع هذا يترجح أنه الجواز المكي؛ لأن شيخه سفيان بن عيينة مكي ، وسفيان هنا غير منسوب والمراد به ابن عيينة ؛ لأن ابن عيينة هو الذي يروى عن الزهري ، وهو المعروف بالرواية عن الزهري ، بخلاف سفيان الثوري ، فإنه غير معروف بالرواية عن الزهري ، بل جاء أو ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، أي: الثوري ، وأما سفيان بن عيينة فهو كثير الرواية عن الزهري.
ثم هناك مسافة طويلة بين وفاتيهما، الزهري توفي سنة مائة وأربعة وعشرين، أو مائة وخمسة وعشرين ، وابن عيينة توفي سنة مائة وسبعة وتسعين، بين وفاتيهما مسافة طويلة، فـسفيان بن عيينة معمَّر أدرك الزهري ، وهو من صغار التابعين، وأخذ عنه، وهو معروف بالرواية عنه.
فالأصل أن سفيان هنا غير منسوب، فلا يؤثر إهماله وعدم نسبته.
[ حدثنا سفيان بن عيينة].
هو الهلالي المكي ، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، لكنه معروف أنه لا يدلس إلا عن الثقات.
[ حدثنا الزهري ].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو ثقة، حجة، فقيه، محدث، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن سعيد ].
هو ابن المسيب ، تابعي جليل، وهو من فقهاء المدينة السبعة المعروفين في عصر التابعين، سعيد بن المسيب هو أحدهم، قد ذكرت مراراً أن ستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، وواحد منهم فيه خلاف على ثلاثة أقوال، فالستة الذين متفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسعيد بن المسيب ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وعروة بن الزبير بن العوام ، وسليمان بن يسار ، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة في المدينة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وسعيد بن المسيب قيل: إنه خير التابعين، وأنه أفضل التابعين، وقيل: إن خير التابعين هو أويس القرني ، ولا شك أن أويس القرني هو خير التابعين؛ لأنه جاء فيه نص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني من قرن، يأتي من اليمن، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له) وكان عمر رضي الله عنه يسأل الذين يأتون من بلاد اليمن يذهبون إلى جهة فارس والعراق للجهاد في سبيل الله، فكان يسأل عنه حتى وجده، وأدركه، وعرفه، فهو خير التابعين بنص حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس ).
فإذاً: خير التابعين هو أويس كما أخبر بذلك رسول الله، لكن بعض العلماء قالوا: إن خيرية سعيد بن المسيب إنما هي بالعلم، وبالفقه، والحديث، وكونه معروفاً بالعلم، ومشهوراً به، وأما أويس القرني فلم يكن معروفاً بالعلم، ولكنه معروف بالفضل، وخيريته نص عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم هو ليس له رواية، وليس معروفاً بالعلم، ولكنه معروف بالزهد، ومعروف بالتواضع، هذا هو الذي عرف به.
و المزي في تهذيب الكمال يذكر أشخاصاً لا رواية لهم في الكتب الستة، ويرمز لهم؛ لأنهم ذكروا في الكتب الستة وليس لهم رواية، ومنهم أويس القرني رمز له في البخاري، ومسلم ، مع أنه ليس له رواية فيهما، وإنما له ذكر فيهما.
وسعيد بن المسيب حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة رضي الله عنه ].
وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:40 AM
شرح حديث: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد...) من طريق ثالث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث أنبأنا الليث عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم، فالناس فيه كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفوراً، وكرجل قدم بيضة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، يعني: في كون الملائكة تقعد على أبواب المسجد، وأنهم يكتبون الناس على حسب منازلهم، وأنهم يتفاوتون في الأجر، وأن الذي يبكر كثيراً يكون كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرة، ثم كالمهدي كبشاً، ثم كالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي عصفوراً، ثم كالمهدي بيضة.
والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، إلا أن هذا الحديث فيه ذكر العصفور، وقد قال الشيخ الألباني : أنه غير محفوظ، والمحفوظ هو ذكر الدجاجة كما جاء مبيناً في الأحاديث الأخرى، وليس فيه ذكر العصفور.
وإسناد الحديث فيه من تكلم في روايته في أحاديث أبي هريرة ، وهو محمد بن عجلان ، فإنه قيل: اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة.
تراجم رجال إسناد حديث: (تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد...) من طريق ثالث
قوله: [ أخبرنا الربيع بن سليمان ].هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي صاحب الشافعي، راوية كتبه، أي: كتب الشافعي ، وهو ابن عبد الجبار ، وفيه في طبقته الربيع بن سليمان بن داود الجيزي ، لكن الذي يروي عن شعيب بن الليث بن سعد هو المرادي ، وهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي ، وراوية كتبه عنه.
وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي ، والمرادي نسبة إلى قبيلة من قبائل اليمن، وقيل أن الترمذي كان يروي عنه إجازة.
[ حدثنا شعيب ].
هو شعيب بن الليث بن سعد ، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[ أنبأنا الليث ].
هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، فقيه مصر ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن عجلان ].
هو محمد بن عجلان المدني ، وهو صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو الذي ذكر في ترجمته أن أمه حملت به ثلاث سنوات.
[ عن سمي ].
هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي صالح ].
هو ذكوان السمان ، مشهور بكنيته، ومشهور باسمه، وكثيراً ما يأتي ذكره بالكنية أبو صالح ، يروي عن أبي هريرة ، واسمه ذكوان ولقبه السمان أو الزيات ؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، فيقال له: السمان، ويقال له: الزيات، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبي هريرة ].
وقد تقدم ذكره.
وقت الجمعة
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقت الجمعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: وقت الجمعة، وأورد فيها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة) أي: راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة.
(ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) وقد مر في الأحاديث السابقة أنهم يطوون الصحف، ثم يجلسون يستمعون الذكر، وقبل ذلك هم على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول.
وهذا الحديث دال على فضل التبكير إلى الجمعة، وعلى فضل الاغتسال في الجمعة، ودال أيضاً على أن الاغتسال يكون مثل غسل الجنابة؛ لأنه قال: [(غسل الجمعة)]، أي: مثل غسل الجنابة، يعني الأكمل أن يتوضأ الوضوء، ثم يفيض الماء على سائر جسده، فهذا هو غسل الجنابة الأكمل، ويحصل الغسل بأن يفيض الماء على سائر جسده، وعلى جسده كله، وإن لم يتوضأ، فإن هذا يقال له: غسل، ويطلق عليه: أنه غسل، لكن الأكمل الذي يسبقه الوضوء.
والنسائي أورد الحديث في وقت الجمعة ذكر فيه خمس ساعات، ثم يخرج بعدها الإمام، وهي تكون من أول النهار، ومعنى هذا يمضي هذا الوقت، ثم يأتي وقت الجمعة الذي هو خروج الإمام، ثم خطبته، ثم صلاته.
هذا هو وجه إيراده في وقت الجمعة من جهة أنه نص على خمس ساعات تسبق الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن مالك ].
هو ابن أنس ، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة ].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
المقصود بالساعات الخمس لوقت الجمعة ووقت ابتدائها
السؤال: هل الساعات الخمس المذكورة في الحديث هي بمعنى ساعاتنا الموجودة الآن؟الجواب: ليست بمعنى ساعاتنا هذه، وإنما هي مقدار من الزمان تتفاوت بين الصيف والشتاء، يعني: كما هو معلوم أن وقت النهار يختلف في الصيف عن الشتاء، ومعلوم أن الزمن بعد طلوع الشمس إلى خروج الإمام في الصيف يختلف، فإن الساعات تكون أكثر في زمن الصيف، وتقل في زمن الشتاء، وليست مثل ساعاتنا هذه؛ لأن ساعاتنا هذه محددة بزمن، والساعات إذا طال الليل أخذ من النهار، وإذا طال النهار أخذ من الليل، قد تكون ساعات الليل كثيرة، وساعات النهار قليلة، وبالعكس، وأما ذاك فإن التقسيم لليل والنهار، هو الذي يقسم إلى ساعات، وجاء في الحديث الذي سيأتي من أن يوم الجمعة اثنا عشرة ساعة، لكن هذه الساعات تتفاوت من وقت إلى آخر، يعني: مقدارها، وحجمها على حسب طول النهار وقصره.
وتبدأ أول الساعات من أول النهار من طلوع الشمس.
مدى صحة توفر الشروط المترتبة على أجر عمل سنة وصيامها
السؤال: يا شيخ! حديث: (من غسل، واغتسل، وغدا، وابتكر، ودنا من الإمام، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة صيامها وقيامها) يعني: لا بد من توفر الشروط التي ذكرت لينال الأجر المذكور؟الجواب: نعم؛ لأن هذا بني على هذه الأمور المذكورة التي تقدمت.
حكم الخشوع في الصلاة وكيفيته
السؤال: هل الخشوع من واجبات الصلاة؟ وكيف يخشع المصلي في صلاته؟الجواب: الخشوع كما هو معلوم من الأمور المطلوبة في الصلاة، وكون الإنسان يقبل على صلاته هذا مطلوب منه، ويقبل عليها بأقوالها، وأفعالها، وواجباتها، وأركانها، ومستحباتها، ويتأمل، ويتفكر، فهذا هو الذي يكون قد استفاد من صلاته، وكونه يحصل منه البكاء، أقول: هذا يرجع إلى التأمل، والتفكر، وإلى تفاوت الناس في ذلك، ولكن كون الإنسان يقبل على صلاته، ويجتهد في الإتيان بما هو مطلوب فيها، وأن يحرص على إبعاد الشيطان عنه بحيث لا يشغله فيها، هذا هو الذي أدى ما عليه.
حكم الحجز في الصفوف الأولى عند الذهاب للوضوء
السؤال: يا شيخ! هل يجوز الحجز في مكان الصفوف الأولى عند الذهاب للوضوء؟الجواب: نعم، ليس فيه بأس، إذا كان الإنسان جاء مبكراً، ولكنه يحتاج إلى أن يذهب يتوضأ، فهذا شيء لا بأس به؛ لأن هذا أمر لا بد منه، كونه يذهب ويتوضأ، ويأتي؛ لأنه لا بد للإنسان الذي يحتاج إلى نقض الوضوء أن يتوضأ، وأن يقضي حاجته ويتوضأ، فكونه يحجز مكاناً، وهو قد جاء مبكراً، إن اضطر إلى الخروج ما في بأس مثل هذا، وإنما الذي لا ينبغي مثل كونه يروح يأكل، ويشرب، ويبيع، ويشتري، أو يزور أحداً من الناس، أو ما إلى ذلك، هذا الذي لا يصح أنه يحجز مكاناً.
أما حضور الدرس فما ينبغي للإنسان أن يحجز مكاناً، ويحضر الدرس، وإنما يحضر الدرس ثم يذهب، ويصف حيث تنتهي به الصفوف.
كيفية الصلاة على الطفل وكيفية جمع الدعاء للرجل والطفل في الصلاة عليهما
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو أن توضح لنا كيفية صلاة الجنازة على الطفل، وكيف نجمع الدعاء إذا كانت الجنازة على رجل وطفل؟الجواب: صلاة الجنازة على الطفل مثل الصلاة على الكبير، هي أربع تكبيرات، التكبيرة الأولى يقرأ بعدها الفاتحة، التكبيرة الثانية يقرأ بعدها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والثالثة يدعى للميت كبيراً أو صغيراً، لكن إذا كان صغيراً يدعى بالدعاء المأثور: (اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا..) إلى آخره، وإذا كان كبيراً يدعى بالدعاء المأثور: (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه)، وكذلك أيضاً يدعو (باللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا)، لا بأس يجمع بين هذا وهذا، وإذا كان فيه كبير، وصغير يأتي بهذا، وهذا، بل لو أتى (باللهم اغفر لحينا، وميتنا، وصغيرنا، وكبيرنا)، مع (اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه) ما فيه بأس؛ لأن هذا كله دعاء للميت، فإذا كان في مجال للدعاء بحيث أن الإمام لم يكبر الرابعة، وصار في مجال، فليأت بالأدعية التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك.
ولا نعلم دعاءً خاصاً للأطفال.
حكم تغيير لون الشعر بالسواد
السؤال: فضيلة الشيخ! يوجد حناء لونه أسود خالص، هل يجوز للرجال، والنساء الطلول بها؟الجواب: إذا كان أسوداً خالصاً حصل به المحظور، يعني: لا يجوز تغيير البياض بالسواد، قال صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد) والحناء طبعاً ليس أسود، بل يختلف لونه، ولونه معروف.
أما أن يضاف له مواد فلا، فإذا كان يوضع فيه شيء يجعله أسود فالنتيجة واحدة، وصار فيه مخالفة أو معصية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد).
مدى صحة رواية ابن عجلان عن طريق غير أبي هريرة
السؤال: ذكرتم -حفظكم الله- أن محمد بن عجلان اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، فهل يعني أن روايته عن طريق غير أبي هريرة صحيحة؟الجواب: طبعاً هو صدوق، وحديثه من قبيل الحسن، لكن الرواية التي جاءت من طريق أبي هريرة، هي التي وصفت بأنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ، يعني: هذا هو الذي أخذ عليه، أنه ما ضبط أحاديث أبي هريرة ، وأنها اختلطت عليه، لكن أحاديثه التي هي غير أحاديث أبي هريرة يبقى في الحسن، وأحاديث أبي هريرة إذا كان هناك شيء عن غيره يؤيده، ويعضده، فإنه يدل على أنه وفق فيما أتى به، يعني: في روايته من حديث أبي هريرة ؛ لكونه أتى بها على وجهها ما دام أن غيره رواها كما رواها، لكن الإشكال هنا فيما إذا انفرد.
الحكم على حديث ابن عجلان الذي فيه ذكر العصفور
السؤال: ذكرتم -حفظكم الله- في حديث ذكر العصفور أنه ليس بمحفوظ، والمحفوظ في حديث ذكر الدجاجة، فهل يطلق على حديث محمد بن عجلان أنه شاذ؟الجواب: هو حديث محمد بن عجلان كما هو معلوم من قبيل الحسن، إذا كان لم يخالف غيره، يعني إذا كان روى من طريق أبي هريرة لا يكون محفوظاً.
حكم الصلاة الفائتة إذا دخل وقت الحاضرة
السؤال: فضيلة الشيخ! بارك الله فيكم، شخص فاتته صلاة العشاء، فدخل المسجد النبوي وإذا صلاة الفجر قد أقيمت، فماذا يفعل: هل يصلي الحاضرة أو يقضي الفائتة؟ كذلك من فاتته المغرب حتى أقيمت العشاء، ماذا يفعل؟الجواب: الإنسان إذا كان عليه صلاة، وأدرك صلاة قائمة، فإنه يدخل مع الإمام بنية الصلاة الفائتة، وإذا فرغ من الصلاة يأتي بالصلاة الحاضرة، وسبق أن مر بنا قريباً أن إدراك الجماعة لا يسوغ اختلاف الترتيب، وإنما الذي يسوغ اختلاف الترتيب هو خوف خروج الوقت، يعني: إذا خشي خروج وقت الحاضرة؛ فإنه يؤتى بها وتقدم على غيرها من الفوائت؛ لأنه لو لم يؤت بها صارت مقضية، وهي تؤدى في وقتها.
فالحاصل: أن الإنسان إذا جاء وعليه العشاء، وأدرك صلاة الفجر، فمثلاً نسي صلاة العشاء، وهو لا يجوز أن يؤخرها عن وقتها الاختياري الذي هو نصف الليل، والاضطراري الذي هو طلوع الفجر، وإذا خرج الوقت الاضطراري الذي هو طلوع الفجر، فإنها تكون مقضية، فإذا وجد الإمام يصلي الفجر يدخل معه بنية العشاء، وإذا سلم الإمام يقوم ويأتي بركعتين، ثم يصلي الفجر وحده، أو جماعة إن وجدت جماعة أخرى يصلون الفجر.
حكم من صدم حمامة بسيارته وهو محرم بغير قصد
السؤال: شخص محرم صدم حمامة بسيارته من غير قصد، فهل عليه شيء؟الجواب: ليس عليه شيء، ما دام أنه صدمها غير قاصد.
إسقاط الدين عن المدين الفقير واعتباره من الزكاة
السؤال: شخص له دين على آخر، وهذا الآخر يسدد بانتظام، وباقي جزء من الدين، وطلب من عليه الدين أن يسامحه، هل صاحب الدين يسامحه ويعتبرها زكاة، مع أنه يستحق الزكاة؟الجواب: المسامحة طيبة، لكن لا يجوز اعتبارها من الزكاة؛ لأن هذا معناه: أن الإنسان يستوفي حقوقه من الناس بواسطة إخراج الزكاة، يعني: ما يدفع الزكاة للفقراء، لكن يستوفي بها الديون، فإذا كان الشخص مثلاً معسراً يقول: والله بدلاً من أعطاء الزكاة للفقراء، أخصمها من الدين الذي عليه، ويصير معناه أنني استوفيت، وأسقطت عنه الدين، فهذا العمل لا يجوز، وإنما إن كان فقيراً فليعطه من الزكاة؛ لأنه معسر ما استطاع أن يوفيه، فهو يستحق أن يعطى من الزكاة؛ حتى يأكل، ويستفيد هو وأهله، وأما كون الإنسان يعتبر زكاته يخصمها من دين شخص على اعتبار أن هذا فقير، وأنني بدل ما تبقى ذمته مشغولة أنا أسقط عنه فهذا غير صحيح.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:43 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(263)

- تابع باب وقت الجمعة - باب أذان الجمعة
من عظم شأن الصلاة ومكانتها في الإسلام أن الله جعل لكل صلاة وقتاً محدداً، ومن ذلك صلاة الجمعة التي وقتها عند زوال الشمس، وقد كان للجمعة أذان واحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كانت خلافة عثمان جعل للجمعة أذانين وإقامة، لما رأى من كثرة الناس.
تابع وقت الجمعة
شرح حديث: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن الجلاح مولى عبد العزيز : أن أبا سلمة بن عبد الرحمن ، حدثه عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)].فيقول النسائي رحمه الله، في الترجمة التي تحتها هذا الحديث، والحديث الذي قبله: وقت الجمعة، وقد مر حديث أبي هريرة الذي فيه ذكر الساعات: (من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة).
وذكر الساعات فيه: إشارة إلى الوقت، وأنه يكون عند منتصف النهار، إما بعد الزوال، وإما قبل الزوال، وقد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة، فمنهم من قال: إنه لا يكون إلا بعد الزوال، الخطبة، والصلاة، ومنهم من قال: إنه يكون قبل الزوال، وبعده، فيجوز أن تكون الخطبة، والصلاة قبل الزوال، وقول ثالث قال: إن الخطبة تكون قبل الزوال، والصلاة تكون بعد الزوال، وقد جاء فيه بعض الأحاديث والآثار الدالة على جواز ذلك قبل الزوال.
وحديث أبي هريرة المتقدم فيه ذكر الساعات الخمس، وبعدها تحضر الملائكة لسماع الذكر الذي هو الخطبة، ويحتمل أن يكون ذلك بعد الزوال، وأن يكون قبله.
والحديث الثاني الذي معنا وهو حديث جابر بن عبد الله ، يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة) يقول في هذا الحديث: (لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر) واللفظ كما يظهر ليس مستقيماً من حيث أنه فيه سقط، وقد جاء في السنن الكبرى.. والحديث بإسناده ومتنه في السنن الكبرى إلا أن فيه في بعض النسخ بعد قوله: (اثنتا عشرة ساعة): [(فيها ساعة لا يوجد فيها عبد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، فالتمسوها في آخر ساعة)]. يعني: في ساعة الإجابة، فيكون الضمير في (التمسوها) إلى هذا الذي هو محذوف، والذي جاء في بعض الروايات؛ لأن الحديث بهذا اللفظ مرجع الضمير ليس واضحاً، الذي هو (فالتمسوها)، (الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر)، فالتمسوها، أي: الإجابة، أي: ساعة الإجابة بعد العصر، وعلى هذا فاللفظ الذي في بعض نسخ السنن الكبرى للنسائي بهذه الزيادة التي هي فيها ساعة، هي مرجع الضمير في قوله: (فالتمسوها)، يعني لا يوجد فيها، أي: الساعة، وليس المقصود من ذلك الاثنتا عشرة ساعة، بدليل أنه قال: (فالتمسوها في آخر ساعة بعد العصر) والمقصود من ذلك ساعة الإجابة.
وساعة الإجابة فيها أقوال عديدة ذكرها العلماء في تعيينها، وأقربها ما جاء في هذا الحديث، من أنها في آخر ساعة بعد العصر، وجاء في صحيح مسلم حديث ليس بثابت أنها تكون عندما يصعد الإمام للخطبة، ولكن الحديث غير ثابت، وأقرب شيء وأرجى شيء لهذه الساعة، هو هذا الوقت الذي جاء ذكره في هذا الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أرجى ساعة لساعة الإجابة يطلبها الإنسان في ذلك الوقت، هو آخر ساعة بعد العصر.
تراجم رجال إسناد حديث: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة ...)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو ].عمرو بن سواد مصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[ وأما الحارث بن مسكين ].
هو المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي .
ثم قوله: [ قراءة عليه وأنا أسمع ].
أي: أنه أخذه عن الحارث بن مسكين قراءة عليه، وهو يسمع، أي أن غيره يقرأ وهو يسمع، وكثيراً ما يذكر النسائي عن الحارث بن مسكين هذه العبارة، وأنه كان يأخذ عنه سماعاً، يعني قراءة عليه، وهو يسمع، يسمع قراءة القارئ عليه، وهذا الذي يسمونه العرض، وهو أن التلميذ يعرض مسموع الشيخ على الشيخ فيقره على ذلك، ويقرأ عليه أصله أو فرعاً مقابلاً عليه، وإذا أدى فيقول: قراءة عليه، أو يقول: أخبرني قراءة عليه، أو أنبأني قراءة عليه، أو حدثني قراءة عليه، لكن الغالب أن يقول: قرئ عليه، وأنا أسمع، أو أخبرنا قراءة عليه، وأنا أسمع، يعني كما هنا؛ لأنه قال: أخبرنا ثم عطف، وهذا يسمى العرض، وهي الدرجة الثانية من درجات التحمل، وأعلى منها السماع، وهو كون الشيخ يملي، أو يحدث من حديثه بلفظه، والتلاميذ يسمعون فيكتبون من إملائه، أو من قراءته عليهم وهم يسمعون، ويليها درجة العرض التي يعبر عنها بحدثنا، وأخبرنا، وغالباً ما يعبر عنها بأخبرنا بدون قراءة عليه، يعني فيما يتعلق بالقراءة الشيخ يقول: أخبرنا، ويكفي في هذا، يقول: أخبرنا، وأيضاً يقال: أخبرنا قراءة عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع، أو قرأت على فلان.. وهكذا.
ثم قال: [واللفظ له]، أي: للحارث بن مسكين ، يعني: هذا اللفظ موجود لشيخه الثاني الحارث بن مسكين ، وليس لشيخه الأول الذي هو عمرو بن سواد .
[ عن ابن وهب ].
هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عمرو بن الحارث ].
هو عمرو بن الحارث المصري أيضاً، وهو ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن الجلاح ].
هو: أيضاً مصري، وهو: مولى بني أمية مولى الأمويين، وهنا قال: مولى عبد العزيز ، وهو من بني أمية، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[ أن أبا سلمة بن عبد الرحمن حدثه ].
هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو تابعي، ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن السابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فالسابع منهم اختلف فيه على ثلاثة أقوال، وأبو سلمة هذا أحدهم على أحد الأقوال الثلاثة في السابع.
[ عن جابر ].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، صحابي ابن صحابي، وهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
شرح حديث جابر بن عبد الله: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة ... قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني هارون بن عبد الله حدثني يحيى بن آدم حدثنا حسن بن عياش حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا، قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وفيه: أنه قال: [(كنا نصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجح، ونريح نواضحنا)]، يعني: من العمل. [(قلت: أي ساعة؟ قال: زوال الشمس)]. يعني: الصلاة التي يصلون فيها زوال الشمس، فهذا فيه بيان وقت الجمعة، وأنها تكون في ذلك الوقت، وقد ذكرت أن الأقوال للعلماء فيها ثلاثة: الخطبة والصلاة بعد الزوال، الخطبة والصلاة قبل الزوال، وكذلك أيضاً تكون بعد الزوال، والخطبة قبل الزوال، والجمعة بعد الزوال.
قوله: [(كنا نصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام الجمعة ثم نرجع فنريح نواضحنا)] النواضح هي الإبل التي يسقون عليها، يعني: يخرجون الماء من الآبار بواسطتها، يقال لها: نواضح.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله: (كنا نصلي مع رسول الله الجمعة ... قلت: أية ساعة؟ قال: زوال الشمس)
قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].هو هارون بن عبد الله البغدادي الحمال ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[ حدثني يحيى بن آدم ].
هو يحيى بن آدم الكوفي ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مصنف، ومن مصنفاته: كتاب الخراج، وهو مطبوع.
[حدثنا الحسن بن عياش ].
صدوق، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[ حدثنا جعفر بن محمد ].
هو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، إمام من أئمة أهل السنة، وهو من أئمة أهل البيت، وأهل السنة يعرفون لأهل البيت منازلهم، وينزلونهم المنازل التي يستحقونها، فهم يثنون عليهم، ويحترمونهم، ويروون أحاديثهم، ولا يغلون، ولا يجفون، وإنما يتوسطون، فهو إمام من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه في كتبهم، ويعولون عليه في ذلك، بخلاف الرافضة فإنهم يصفون الأئمة الاثني عشر بأوصاف لا تجوز إلا لله من مثل قولهم كما هو موجود في كتاب الكافي، وهو من أشهر كتبهم، وأصح كتبهم، يذكرون أحاديث ينسبونها إلى بعض أئمة أهل البيت، وهي كذب وزور عليهم، وهم برآء منها، أن الأئمة يعلمون ما كان، وما سيكون، وأنهم يعلمون متى سيموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنها: أنه ليس شيء من الحق إلا ما كان من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ومنها: أن الأئمة عندهم الكتب المنزلة على المرسلين كلهم، وأنهم يعرفونها بلغاتها، ومنها: الحديث الذي في الكافي الذي ينسب إلى أحد الأئمة الاثني عشر، ولعله الحسين رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وغثاء، فنحن العالمون، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء) فهذا من أحاديث الكافي الذي يعادل صحيح البخاري عند أهل السنة.
فالحاصل: أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إمام من أئمة أهل السنة، وهو من أئمة أهل البيت، وأهل السنة يعرفون قدر أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويرعون فيهم وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام في أهل بيته، ولا يجفون، ولا يغلون، وإنما يتوسطون، وخير الأمور الوسط، والحق وسط بين الإفراط، والتفريط، فليسوا مفرطين ولا مفرطين، ولا جافين، ولا غالين، وإنما هم متوسطون معتدلون على الجادة، ينزلون كلاً منزلته التي يستحقها، ومن كان من أئمة أهل البيت، ومن أهل الإيمان منهم، والعلم والصلاح، فإنهم يحبونه لتقواه وإيمانه بالله، ويحبونه لقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويحبونه لإيمانه، وتقواه، ولكونه من أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وجعفر بن محمد، صدوق، فقيه، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وبعض الرافضة يعيبون على البخاري كثيراً كونه ما أخرج له في الصحيح، ويذمونه لذلك، وهم يذمون جميع أهل السنة، لكن كونه ما خرج له في الصحيح، يذمونه لذلك، وأذكر في بيت من الأبيات أنشدها بعض الرافضة يمدح بها جعفر رحمة الله عليه، ويذم البخاري ، ويقول فيها:
قلامة من ظفر إبهامه تعدل من مثل البخاري مائة
يعني: قلامة من ظفر إبهام جعفر الصادق تعدل مائة من مثل البخاري ، فكما قلت: يتكلمون أو يعيبون البخاري لكونه ما خرج له في الصحيح.
وأما أبوه محمد بن علي الملقب الباقر ، فهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو إمام من أئمة أهل البيت، ويحب لإيمانه، وتقواه، ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم ذكر جابر ، والإمام مسلم رحمه الله يروي في صحيحه بهذه السلسلة أحاديث، منها حديث جابر الطويل في حجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنها بهذا الإسناد الذي هو جعفر عن أبيه محمد عن جابر بن عبد الله ، الذي فيه صفة حجة الرسول عليه الصلاة والسلام مطولة، حديث طويل جداً وصف فيه جابر رضي الله عنه، صفة حجة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وكان في إسناد الحديث أنه جاءه نفر، ودخلوا عليه في منزله، فسألهم عن أسمائهم واحداً واحداً، وأخبروه بأنهم يريدون أن يحدثهم من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فطلب محمد بن علي بن الحسين وقربه إليه، وجعل يده على صدره، وجعل يحدثهم بهذا الحديث الطويل الذي هو حديث حجة الرسول صلى الله عليه وسلم.
و جابر رضي الله عنه، كما ذكرت هو أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم أكثر من غيرهم رواية للحديث عنه صلى الله عليه وسلم.
يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:46 AM
شرح حديث: (كنا نصلي مع رسول الله ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا عبد الرحمن عن يعلى بن الحارث سمعت إياس بن سلمة بن الأكوع ، يحدث عن أبيه، قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)].أورد النسائي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أنه قال: (كنا نصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به) ليس للحيطان، أي: الجدران، ظل يستظل به، وهذا يدل على التبكير بالجمعة، وبصلاة الجمعة، يرجعون من الصلاة وقد فرغ منها، وليس للحيطان ظل يستظل به.
والعلماء اختلفوا في النفي في هذا الحديث، فمنهم من قال: إنه يرجع إلى القيد والمقيد، وعلى هذا قالوا: إن هذا يستدل به على أن الصلاة، والخطبة كلها تكون قبل الزوال، إذا كان النفي يرجع للقيد، والمقيد الذي هو أصل الظل، يعني ما هناك ظل أصلاً، ومنهم من قال: إن النفي يرجع إلى القيد دون المقيد، يعني معناه: فيه ظل، ولكنه لا يصل إلى أن يستظل به، بأن يمشي أحد في ظلاله، وعلى هذا يكون معناه أن الخطبة تكون قبل الزوال، وعلى هذا إذا كان ليس هناك ظل يستظل به، وهم قد رجعوا، معناه أن هناك شيء من أعمال الصلاة التي هي الخطبة، موجودة قبل الزوال، ويحتمل أن يكون بعد الزوال، لكن الأقرب أن يكون شيء من ذلك قبل الزوال؛ ثم يوجد ظل، ولكنه لا يستظل به، وهذا معناه أنه قليل جداً لكن لا يصل إلى أن الإنسان يمشي تحته فيستفيد منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نصلي مع رسول الله ثم نرجع وليس للحيطان فيء يستظل به)
قوله : [ أخبرنا شعيب بن يوسف ].هو النسائي ، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو من بلد النسائي.
[ حدثنا عبد الرحمن ].
هو ابن مهدي البصري ، وهو ثقة، ثبت، عارف بالرجال، والعلل، وهو من المتكلمين في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ عن يعلى بن الحارث ].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .
[ سمعت إياس بن سلمة ].
هو إياس بن سلمة بن الأكوع ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ يحدث عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأذان للجمعة
شرح حديث السائب بن يزيد: (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان للجمعة.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني السائب بن يزيد : (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما كان في خلافة عثمان وكثر الناس، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الأذان للجمعة، أورد فيه النسائي حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه، أنه قال: أن الأذان كان أول في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأبي بكر، وعمر ، أنه إذا جلس على المنبر حصل الأذان الأول، معناه فيه أذانان هو الأذان، والإقامة، يعني الإقامة يقال لها: الأذان، فالأذان الأول بالنسبة للإقامة هو هذا الذي يكون عند صعود الإمام على المنبر، وجلوسه عليه، يؤذن المؤذن، وإذا فرغ من الأذان بدأ بالخطبة، فكان الأمر في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر، وعمر ، أن الأذان الأول يكون عندما يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه على المنبر، والأذان الثاني هو الإقامة، والإقامة يقال لها: أذان، وقد سبق أن مر بنا ذكر الحديث: (بين كل أذانين صلاة) أي: الأذان، والإقامة، المراد بالأذانين: الأذان، والإقامة، وكذلك حديث الصحابي الذي قال: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة، قال: قلت: كم بين الأذان، والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) المراد بالأذان: الإقامة، يعني السحور الذي هو الإمساك الذي يكون عند الأذان الثاني؛ لأنهم يتوقفون عند الأذان الثاني عن الأكل، عند الأذان الثاني بالنسبة للأول الذي يكون قبل طلوع الفجر، فهو انتهاء السحور فالأول بالنسبة للإقامة، والثاني بالنسبة للأذان الأول الذي يكون في الليل.
قال قلت: (كم كان بين الأذان والسحور)؟ معلوم أن الأذان المقصود به الإقامة هنا؛ لأن المسافة بين الإقامة، وبين الأذان قدر قراءة خمسين آية، فالإقامة يقال لها: أذان، كما جاء في هذه الأحاديث، وهنا أيضاً أطلق عليها أذان؛ لأنه قال: الأذان الأول، والأذان الثاني هو الإقامة، ثم الأذان الثالث الذي أتى به عثمان، والذي يكون قبل ذلك الوقت حتى يتهيأ الناس للجمعة، ولهذا قال: الأذان الثالث، يعني مع الأذان، والإقامة، مع الأذان الذي عند الخطبة عند صعود الخطيب على المنبر، الإمام على المنبر، والثاني الذي هو الإقامة، والثالث الذي جاء قبل ذلك في الوقت الذي أتى به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وعثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أتى بهذا الأذان لما كثر الناس، وكان هذا على الزوراء، وهي دار في السوق، وذلك حتى يتهيأ الناس للجمعة، ويغلقوا حوانيتهم ليستعدوا للجمعة، ويتهيئوا؛ لأنهم لو بقوا على هذا الوضع، واستمروا إلى الأذان الثاني تفوتهم الخطبة، لكن عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أتى بهذا الأذان، وفيه هذه الفائدة، وثبت الأمر على ذلك، لكنه ليس متصلاً بالأذان الثاني، أو قريباً منه جداً؛ لأنه ما تحصل الفائدة من وراء ذلك، وإنما يكون قبله بفترة ووقت كاف حتى يتهيأ الناس، ويستعدوا، كما هو موجود في بعض البلاد مثل نجد، وغيرها يؤذنون قبل دخول الخطيب بساعة كاملة أو قريباً منها.
النسائي عقد الترجمة للأذان، بين ما كان عليه الأذان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر، وعمر، وأنه أذانان، الأذان الذي على المنبر، والإقامة، ثم عثمان رضي الله عنه، أتى بالأذان الثالث، ولعل من الأسباب التي جعلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، يأتي بهذا الأذان: القصة التي حصلت له في زمن عمر ، وهو أنه كان منشغلاً في شيء، وعندما سمع الأذان الذي على المنبر، توضأ وأسرع وجاء إلى المسجد، وخاطبه عمر، وهو يخطب، فقال: أي ساعة هذه؟ فلما كان زمن خلافته أتى بأذان ينبه الناس إلى أن يستعدوا للصلاة، لما كثروا، واحتاجوا إلى التنبيه، أتى بهذا الأذان، وهو الخليفة الراشد، هذا الأذان الذي أتى به داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور).
تراجم رجال إسناد حديث: (أن الأذان كان أول حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة ].هو محمد بن سلمة بن عبد الجبار المرادي المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
[ حدثنا ابن وهب ].
هو عبد الله بن وهب المصري ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم.
[ عن يونس ].
هو يونس بن يزيد الأيلي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن شهاب ].
هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو ثقة، إمام، جليل، محدث، فقيه، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ أخبرني السائب بن يزيد ].
السائب بن يزيد ، هو صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وقد حج به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو ابن سبع سنين، وهو من صغار الصحابة، ومعلوم أن حجة الوداع توفي بعدها الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر تقريباً، ومعنى هذا أن عُمْر السائب بن يزيد حين وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سبع سنين، وهذا يدلنا على أن الراوي يتحمل في حال صغره، ويؤدي في حال كبره؛ لأن هذا يخبر عن الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا يحتمل أن يكون من مراسيل الصحابة، لكن جاء عن بعض الصحابة، وهو في مثل سنه التصريح بالسماع، مثل النعمان بن بشير ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وعمره ثمان سنوات، وقد جاء أحاديث يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، ومنها حديث: (الحلال بين، والحرام بين) الحديث مشهور، يقول النعمان بن بشير : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، فتحمل في حال صغره، وأدى في حال كبره، والتحمل في حال الصغر، والأداء في حال الكبر سائغ، وكذلك التحمل في حال الكفر، والأداء في حال الإسلام أيضاً سائغ، وهو معروف، ومشهور عند المحدثين.
والسائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه، كان عمره سبع سنوات عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم تقريباً، وقد حج به وعمره سبع سنوات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث السائب بن يزيد: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب: أن السائب بن يزيد أخبره، قال: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير مؤذن واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام)].أورد النسائي حديث السائب بن يزيد من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله.
قوله: [(ليس فيه إلا مؤذن واحد)]، لا ينفي أن يكون له مؤذن آخر كما هو معلوم، وإنما المقصود غالباً، أي مؤذن واحد هو بلال ، وليس معنى ذلك أنه ليس هناك من يؤذن في بعض الأحيان غيره، لكن بلال هو الذي يؤذن غالباً.
والحديث هو بمعنى الذي قبله، من جهة أن الأذان كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر عندما يرقى الإمام على المنبر، وأن التأذين الثالث أتى به عثمان لما كثر أهل المدينة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أمر بالتأذين الثالث عثمان حين كثر أهل المدينة ...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله ].هو: محمد بن يحيى بن عبد الله الزهري النيسابوري ، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[ حدثنا يعقوب ].
هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا أبي ].
هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[ عن صالح بن كيسان ].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث السائب بن يزيد: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله على المنبر يوم الجمعة..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة، فإذا نزل أقام، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)].أورد النسائي حديث السائب بن يزيد ، وهو بمعنى الذي قبله، إلا أنه ليس فيه زيادة الأذان الثالث، ليس فيه ذكر الأذان الثالث، وإنما فيه ذكر الأذان إذا كان على المنبر، ثم إذا انتهت الخطبة أقام، فهذان أذانان، وكان الأمر على ذلك في زمن أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، والروايتان السابقتان فيهما أن عثمان زاد الأذان الثالث.
تراجم إسناد: (كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله على المنبر يوم الجمعة)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].محمد بن عبد الأعلى، هو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .
[ حدثنا المعتمر ].
هو ابن سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة، أخرج حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن أبيه ].
سليمان بن طرخان التيمي ، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويقال: إنه ليس تيميماً، نزل فيهم فنسب إليهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن الزهري عن السائب ].
وقد مر ذكرهما.
الأسئلة
الأحكام المتعلقة بمن رضع من امرأة رضعتين
السؤال: فضيلة الشيخ، رجل يقول: إن ولدي الكبير رضعت معه ابنة أختي مرتين، هل أخوات هذه البنت يحللن لأولادي الآخرين أم لا؟الجواب: إذا كان رضع مرتين فقط فهو لا يؤثر، ولا يحرم، لا يحرم إلا الخمس الرضعات فأكثر، وأما الرضعتان، والثلاث، والأربع، فهذه لا تحرم، فإذا كان الأمر كذلك أنها ما رضعت إلا مرتين.. لكن ينبغي أن يعلم أن المرة الواحدة هي كون الصبي يلتقم الثدي، ثم يطلقه، فيمكن أن تكون الخمس رضعات في مجلس واحد، إذا مسك الثدي ثم رضع وأطلقه، ثم عاد، ومسكه ثم أطلقه، وهكذا، فهذه إذا حصلت ولو في مجلس واحد، يحصل به التحريم، لكن إن كان صاحب السؤال يريد بالمرتين أنه ما التقم الثدي إلا مرتين، فإنها لا تحرم، وأما إذا كان في مجلسين، والمجلس الواحد فيه عدة رضعات، يلتقم الثدي ثم يطلقه، ثم يلتقمه ويطلقه، وهو في مجلس واحد، فإن التحريم يحصل بذلك.
وهذه البنت التي رضعت هي صارت أختاً لجميع أولاد الأم المرضعة، وكذلك أختاً لجميع أولاد زوجها صاحب اللبن، أولاده من زوجات متعددات أخرى غير المرضعة، وأما أخوات تلك الراضعة، فإنه لا دخل لهن بهذا الرضاع، فإن لأولاد هذا الرجل أن يتزوجوا من أخواتها؛ لأنهن ما رضعن، ولأن تلك الرضيعة هي التي صارت أختاً لأولاد المرأة، وأولاد الرجل، وأما أخواتها اللاتي ما رضعن، فأولئك لا علاقة لهن بهذا الرضاع.
وقت سجود السهو إذا كان في الصلاة زيادة
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا سها الإمام في الركعة الرابعة وقام إلى الخامسة، ثم سبح القوم، وجلس، هل يكون سجود السهو قبل السلام أو بعد السلام؟الجواب: إذا كان قام، وسبحوا به، وجلس، فإنه يسجد بعد السلام؛ لأن فيه زيادة.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:48 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(264)


- (باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام) إلى (باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب)
جعل الله تعالى لعباده أوقاتاً يجتمعون فيها للذكر والموعظة ومنها يوم الجمعة، ولأهمية الخطبة حرم الكلام وتخطي الرقاب والانشغال بأي شيء عنها، فمن جاء والإمام قد خرج للخطبة أو كان يخطب بالناس فليصل ركعتين خفيفتين ليدرك الخطبة، وعلى الإمام أن يخطب قائماً؛ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام
شرح حديث: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين. قال شعبة: يوم الجمعة)].
يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: باب الصلاة يوم الجمعة إذا خرج الإمام، والمقصود من هذه الترجمة: أن الإنسان إذا دخل وقد خرج الإمام، وصعد على المنبر، فإن الداخل لا يجلس، وإنما يصلي ركعتين قبل أن يجلس، سواءً كان الإمام قد دخل وهو على المنبر، ولم يبدأ بالخطبة، أو كان دخل، والإمام يخطب، فإن عليه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا إذا دخلوا المسجد يوم الجمعة، يصلون ما أمكنهم أن يصلوا، ثم يجلسون، ولا يقومون إلا للصلاة، والذي كان موجوداً لا يقوم عندما يدخل الإمام، ويصعد على المنبر يتنفل، وإنما الذي يتنفل هو الذي يدخل بعد دخول الإمام، فإنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، أما من جاء قبل ذلك، فإنه يصلي ما أراد أن يصلي، ثم يجلس، ولا يقوم إلا للصلاة.
وهذا يدلنا على مشروعية الصلاة يوم الجمعة بعدما يدخل الإمام، أن الداخل يصلي ركعتين، ولا يزيد على الركعتين؛ لأن قوله: [(فليصل ركعتين)]، التي هي تحية المسجد، لكن لا يزيد عليها؛ لأن الزيادة عليها فيه انشغال عن الإقبال على الخطبة، والاستماع إليها، لكن تحية المسجد تتأدى بصلاة ركعتين دون أن يزيد عليها بعدما يكون الإمام قد خرج حتى يكون مستعداً لسماع الخطبة، ومتهيئاً لمتابعة الإمام، ومتابعة الخطيب في خطبته.
ثم إن لفظ الحديث: (إذا دخل أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين)، هذا لفظ الحديث، شعبة أحد رواة الإسناد أراد أن يوضح، أو أتى بكلمة توضح المقصود فقال: يوم الجمعة، وهو معلوم، ومفهوم أن خروج الإمام، وصلاة ركعتين هو في صلاة الجمعة، أما إذا كان في الصلوات الأخرى، فالإمام إذا خرج أقيمت الصلاة، وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فقوله: يوم الجمعة، هذه زيادة من شعبة أراد بها توضيح الوقت، وأنه يوم الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جاء أحدكم وقد خرج الإمام فليصل ركعتين...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن دينار].
هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ سمعت جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن جابر وعن أبيه، فهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري أحد السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
مقام الإمام في الخطبة
شرح حديث: (كان رسول الله إذا خطب استند إلى جذع نخلة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مقام الإمام في الخطبة.أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن جريج: أن أبا الزبير حدثه: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر واستوى عليه، اضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مقام الإمام في الخطبة، أي: المكان الذي يكون عليه الإمام، وذلك أنه كان يكون على جذع مستنداً إليه، وذلك قبل أن يصنع المنبر ويوضع له، ثم إنه بعدما صنع تحول إليه، وأما الجذع الذي كان يقوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويستند عليه، فجعل يحن، ويسمع الناس صوته، أي: صوت حنينه لما فقد وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فنزل عليه الصلاة والسلام، فاعتنقه فسكت ذلك الجذع الذي كان يحن لما تحول عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدلنا على أن المخلوقات الجامدة، يخلق الله عز وجل فيها ما يخلق من ذكره، وعبادته، وكذلك ما حصل لهذا الجذع من الحنين من أجل فقده لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إن حنين الجذع، وحصول ذلك منه؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم تحول عنه فهذه من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل هذا الجذع -الذي هو جذع نخلة- يحصل منه هذا الحنين لفراق النبي عليه الصلاة والسلام، ولكونه تحول عنه النبي صلى الله عليه وسلم إلى غيره.
ثم إن حصول هذا البكاء، والحنين منه وقع حقيقة، وسُمع صوته وهو يبكي، ويحن؛ لكون النبي عليه الصلاة والسلام تحول عنه، وهو يدل على كمال قدرة الله عز وجل، والله تعالى على كل شيء قدير.
وهذه مما جاءت به الأخبار، ويجب الإيمان بها، والتصديق، فهي من أمور الغيب التي نؤمن بها، ونصدق بها، ونعتقد أن ما جاء في الحديث حق، وأنه وقع على الحقيقة، والله عز وجل على كل شيء قدير.
ومثل هذا -الذي حصل من هذا الجذع- أيضاً ما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن حجراً بمكة أعرفه كان يسلم عليّ)، أي: إذا مررت عليه يسلم علي، ويقول: السلام عليك يا محمد! حجر من الحجارة أنطقه الله عز وجل، وجعل يتكلم بهذا الكلام؛ الذي هو السلام على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهذا يدلنا على أنه إذا أنطق الله عز وجل شيئاً من المخلوقات بالكلام، فإن الكيفية التي يكون بها الإنطاق نحن لا نعقلها، ولا نعرفها، ولكن نؤمن، ونصدق بأنه وجد الكلام من ذلك المخلوق الذي هو حجارة، وذلك الحنين الذي هو من جذوع النخل، ووجد الكلام ووجد الحنين من غير أن نعرف هذه الكيفية.
ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة يثبتون أن الله عز وجل يتكلم بصوت، وأنه يسمع، وكلام الله عز وجل مسموع، ولكن الكيفية لا نعقلها، كيفية كلام الله عز وجل نحن لا نعقلها، بعض المتكلمين الذين أعرضوا عن دلالة نصوص الكتاب والسنة، وعما كان عليه سلف هذه الأمة، فإنهم يقولون: إن الكلام الذي يُسمع لا يثبت لله عز وجل، قالوا: لأننا لو أثبتناه للزم أن نثبت الأمور التي نعقلها، والتي يحصل بها الكلام، وهم يقولون: لا نعقل كلاماً إلا بالهيئة التي نعرفها، وهي أن يكون هناك لسان، ولهات، وشفتان، ومخارج حروف، وحنجرة وما إلى ذلك، فلو أثبتنا الكلام لله عز وجل للزم أن نثبت هذه الأشياء، ويكون الله عز وجل مشابهاً لخلقه، هذا كلام غير صحيح، يجب إثبات الكلام، وأن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع، ولكن لا يلزم أن يكون مثلما هو معلوم للناس من كيفية كلام الإنسان، إذا كان هذا حجر حصل منه الكلام، ونطق بالكلام، ولكن ما عرف كيفية كلامه، ولم يعرف بأنه بلسان، وحنجرة ،ولهات، ما حصل بهذه الطريقة، حجر تكلم ليس له لسان، ولا لهات، ولا مخارج حروف، وإنما الله تعالى أنطقه، وإذا كان هذا مخلوق نطق بالكلام وليس بالهيئة التي يقولها المتكلمون، والتي لا يعقلون كلاماً إلا بهذه الكيفية المعروفة في كلام الإنسان، هذا يبين لنا فساد ما يقولونه، وأن ما جاء عن الله يجب إثباته له، لكن على وجه يليق بكماله وجلاله، وحصول هذا الكلام بغير الطريقة المعقولة للناس والمعروفة للناس، يدلنا دلالة واضحة على أنه لا يلزم أن يكون الكلام لا يحصل إلا بهذه الطريقة، فهذا مخلوق من مخلوقات الله تكلم، وليس بالطريقة المعروفة التي فيها لسان، ولهات، ومخارج حروف، والله عز وجل يوم القيامة يختم على الأفواه فتنطق الأيدي، والأرجل، والجلود بما كان يعمله الإنسان، أنطقها الله عز وجل الذي أنطق كل شيء، لكن ليس بالطريقة المعهودة، ولا يلزم أن يكون الكلام بما هو معلوم في كلام الإنسان، فإن صفات الباري تليق بجلاله، وكماله، وصفات المخلوق تليق بضعفه، وافتقاره، ولا يلزم من إثبات الصفة لله عز وجل أن يكون فيها مشابهاً لخلقه.
الحاصل: أن ما حصل في هذا الحديث من حنين الجذع، والحديث الآخر من سلام الحجر على النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله تعالى أنطق ذلك الحجر، وجعل هذا الجذع يحن، ولم يكن هذا الحنين، وذلك الكلام، وفقاً لما هو معلوم للإنسان بكيفية كلامه وتكلمه، والله تعالى على كل شيء قدير.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا خطب استند إلى جذع نخلة...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد].هو المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله المصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا الزبير حدثه].
هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[ أنه سمع جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
قيام الإمام في الخطبة
شرح حديث كعب بن عجرة في قيام الإمام في الخطبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قيام الإمام في الخطبة.أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن كعب بن عجرة قال: (دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً، فقال: انظروا إلى هذا يخطب قاعداً، وقد قال الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11])].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قيام الإمام في الخطبة، يعني: وهو يخطب يكون قائماً لا يكون جالساً، هذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد كان عليه الصلاة والسلام يخطب قائماً، وأنزل الله تعالى عليه هذه الآية التي أخبر عنه أنه كان قائماً وهو يخطب، وهي قول الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11]، يعني: تركوك قائماً تخطب، ففيه: الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو أن الخطيب يكون قائماً حال الخطبة، لا يكون جالساً، فالخطبة تكون عن قيام، ولا تكون عن جلوس، هذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، دل عليها فعله، ودل عليها أيضاً ما جاء في القرآن من الإخبار عن فعله، وما كان يفعله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو كونه يخطب قائماً عليه الصلاة والسلام.
فأورد النسائي حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دخل المسجد، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب جالساً، فقال: (انظروا إلى هذا يخطب جالساً، وقد قال الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )[الجمعة:11])، يعني: ترك السنة، وترك الهيئة والفعل الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذكره الله تعالى في كتابه حاكياً فعله صلى الله عليه وسلم، وهو كونه يخطب قائماً، فدل هذا على كون الخطيب عندما يخطب، يخطب عن قيام، ولا يخطب من جلوس، بل السنة أن يكون قائماً، لكن لو حصل اضطرار إلى جلوسه، وكونه اضطر إلى ذلك، لا بأس بذلك، من أجل الضرورة، أما من غير ضرورة، فإن السنة أن يكون قائماً ولا يكون جالساً.
تراجم رجال إسناد حديث كعب بن عجرة في قيام الإمام في الخطبة
قوله: [أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
[ حدثنا محمد بن جعفر].
ولقبه غندر، وهو: محمد بن جعفر البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وقد مر ذكره قريباً، وأنه وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن عمرو بن مرة].
هو عمرو بن مرة المرادي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبيدة].
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وقيل: إن كنيته هي اسمه وليس له اسم غير أبي عبيدة، فهي اسمه، وهي على صيغة الكنية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن كعب بن عجرة].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:53 AM
الفضل في الدنو من الإمام
شرح حديث: (من غسل واغتسل وابتكر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في الدنو من الإمام.أخبرنا محمود بن خالد حدثني عمر بن عبد الواحد سمعت يحيى بن الحارث يحدث عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس الثقفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل واغتسل، وابتكر، وغدا ودنا من الإمام وأنصت، ثم لم يلغ، كان له بكل خطوة كأجر سنة صيامها، وقيامها)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل الدنو من الإمام، وأورد فيها حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(من غسل واغتسل، وابتكر ودنا، وأنصت ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها)]، والحديث سبق أن مر في الاستدلال على فضل الاغتسال، وكذلك في موضع آخر، وهنا أورده من أجل: (ودنا) التي جاءت في الحديث: [(ودنا من الإمام)]، والدنو من الإمام فيه فوائد وهي: كون الإنسان يحصل أوائل الصفوف، والأمر الثاني: كونه يتمكن من سماع الخطبة، واستيعاب ما يقوله الإمام، والتمكن من تلقيه، وفهمه، وإدراكه.
والخطبة إنما شرعت ليستفيد الناس منها، فدنو الإنسان من الإمام يجعله متمكناً من استيعاب ما يقوله الإمام، وما يأتي على لسان الإمام في خطبته التي يخطب فيها الناس، فيكون الإنسان مستفيداً من الخطبة حيث سمعها، وتمكن من سماعها؛ لدنوه من الإمام، وقربه منه.
والحديث سبق أن مر في فرض الاغتسال، وكذلك في غيره، وهنا جاء من أجل ما اشتمل عليه من لفظ الدنو.
تراجم رجال إسناد حديث: (من غسل واغتسل وابتكر ...)
قوله: [أخبرنا محمود بن خالد].هو محمود بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني عمر بن عبد الواحد].
هو الدمشقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[سمعت يحيى بن الحارث].
هو يحيى بن الحارث الشامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[ يحدث عن أبي الأشعث الصنعاني].
هو شراحيل بن آده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أوس بن أوس الثقفي].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي سكن الشام، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة
شرح حديث: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة.أخبرنا وهب بن بيان حدثنا ابن وهب سمعت معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي اجلس فقد آذيت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة. تخطي رقاب الناس، وكون الإنسان يأتي ويقفز من صف إلى صف، ويتجاوز أعناق الناس، بأن يتقدم، ثم يتخطى رقابهم، فيحصل في ذلك الإيذاء لهم، وقد جاء النهي في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، الذي هو حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه.
وقول أبي الزاهرية: (كنت جالساً إلى جنبه)، أي: جانب عبد الله بن بسر، فقال: [(إن رجلاً دخل يتخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال له: اجلس فقد آذيت)]، يعني: اجلس حيث ينتهي بك المجلس، ولا تتخطى الرقاب فقد آذيت الناس بتخطيك لرقابهم، وإنما على الإنسان إذا جاء متأخراً أن يصل الصفوف، ويتقدم إلى الصفوف، ولكنه لا يتخطى الرقاب، اللهم إلا أن يكون هناك فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، فإن على المؤمنين أن يتقدموا إليها، وأن يغلقوها بحيث لا يبقى مجال لأحد أن يتقدم من أجله، من أجل الفُرج التي أمام الناس، وإنما يتقدمون، وكل صف يملى، ولا ينشأ الصف الذي بعده إلا إذا امتلأ الذي قبله، فلا ينشأ الصف الثاني إلا وقد امتلأ الصف الأول، ولا ينشأ الصف الثالث إلا وقد امتلأ الصف الثاني.. وهكذا، فلا يكون هناك فُرج تبقى بين الصفوف، وإنما الناس يتقدمون، ويسدون الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهذا الرجل: [(اجلس فقد آذيت)]، وهذا يدلنا على أن تخطي رقاب الناس غير سائغ، إلا إذا كان هناك أمر يقتضيه، كأن يكون هو الإمام وسيذهب إلى مكانه، أو يرى فرجة لا يصل إليها إلا به، فإنه في هذه الحالة له التخطي، أما إذا كان من غير أمر يقتضيه، فليس للإنسان أن يتخطى رقاب الناس.
ثم إن فيه: وصف التخطي بأنه أذى، ومن المعلوم أنه لا يسوغ لمسلم أن يؤذي مسلماً، وفيه أيضاً ما يدل على أن الإمام له أن يكلم من شاء من المأمومين، وكذلك المأمومون لهم أن يكلموا الإمام، فالكلام في وقت الخطبة لا يجوز إلا من الإمام أو من يكلمه الإمام، والنبي عليه الصلاة والسلام خاطب هذا الرجل وقال: (اجلس فقد آذيت)، قطع خطبته وقال: (اجلس فقد آذيت)، فهذا يدلنا على جواز كون الإمام يتكلم مع بعض المأمومين، وعكسه؛ وهو كون بعض المأمومين يكلم الإمام، وسيأتي في الحديث الذي بعد هذا ما يدل عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس...)
قوله: [أخبرنا وهب بن بيان].ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا ابن وهب].
هو المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تقدم.
[سمعت معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق، له أوهام، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي الزاهرية].
واسمه حدير، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهو مشهور بكنيته أبو الزاهرية، واسمه حدير.
[عن عبد الله بن بسر].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو آخر من مات من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالشام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب
شرح حديث: (جاء رجل والنبي على المنبر يوم الجمعة فقال له: أركعت ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب.أخبرنا إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد واللفظ له، قالا: حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة، فقال له: أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: فاركع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة يوم الجمعة لمن جاء والإمام يخطب، يعني: أنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، وقد أورد النسائي فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: فاركع)، أي: صل ركعتين، أي: اركعهما، وهذا يدلنا على مشروعية الصلاة، أي: صلاة تحية المسجد إذا دخل الإنسان والإمام يخطب، فإنه لا يجلس إلا بعد أن يصلي ركعتين.
وفيه أيضاً: دليل على جواز الكلام من الإمام، أو من يكلمه الإمام؛ لأن الحديث فيه كلام الإمام، وكلام غيره معه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب مأموماً من المأمومين وقال: (أركعت؟) يعني: صليتَ تحية المسجد؟ قال: لا، قال: (فاركع)، ففيه: مخاطبة الإمام لغيره، وإجابة غيره له، أو مخاطبة غيره له، يعني: كونه يخاطب الإمام، فيجوز للإمام أن يكلم المأمومين، ويجوز للمأمومين أن يكلموا الإمام وهو يخطب يوم الجمعة، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها ما دل عليه هذا الحديث الذي معنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل والنبي على المنبر يوم الجمعة فقال له: أركعت ركعتين...)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن].هو إبراهيم بن الحسن المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[ويوسف بن سعيد].
هو يوسف بن سعيد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[واللفظ له].
أي: للشيخ الثاني الذي هو يوسف بن سعيد.
[حدثنا حجاج].
هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
[ أخبرني عمرو بن دينار].
هو المكي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ أنه سمع جابر بن عبد الله].
وقد مر ذكره.
الأسئلة
الفرق بين الترجمتين في الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام أو جاء والإمام يخطب
السؤال: فضيلة الشيخ! ما الفرق بين هذه الترجمة، والترجمة السابقة: باب الصلاة يوم الجمعة لمن جاء وقد خرج الإمام؟الجواب: الذي يبدو كما هو واضح أن الفرق بينهما: أن خروج الإمام كما هو معلوم يعني: كونه خرج، وجلس على المنبر، لا يمنع من الإتيان بالركعتين، وخروج الإمام أوسع، وأعم من كون الإمام يخطب، يعني: ترجمة خروج الإمام أوسع من الترجمة الثانية التي هي كون الإمام يخطب؛ لأنها تشمل ما بين الخطبتين، وتشمل كونه جاء وقعد على المنبر.
الجمع بين أحاديث آخر أهل الجنة دخولاً
السؤال: فضيلة الشيخ! حفظكم الله، وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، وهو الرجل الذي يخرج يزحف على يديه، ورجليه، وورد في حديث آخر الحثيات من حثيات الله عز وجل، وهم عتقاء الرحمن الذين يخرجون من النار برحمته، فهل هؤلاء هم آخر أهل الجنة دخولاً، أو ذلك الرجل المذكور في الحديث؟الجواب: الله تعالى أعلم، لكن ظاهر الحديث نص أن ذلك الشخص هو آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وخروجاً من النار، هو هذا الذي نص عليه، وأما أولئك فيمكن والله تعالى أعلم أنهم قبله يكونون.
حكم زواج المرأة الثيب من غير ولي
السؤال: هل للمرأة الثيب أن تتزوج بغير ولي، خاصة أن الرجل من الأجانب، وهو شيخ أو كذا، وهذا النكاح هل يجوز أو لا؟الجواب: لا نكاح إلا بولي، سواءً كانت بكراً، أو ثيباً، لا بد من الولي في النكاح، وسواءً كانت المزوجة بكراً أو كانت ثيباً.
مدى صحة اعتقاد أن فتح كم الثوب من السنة
السؤال: هل فتح كم الثوب من سنته صلى الله عليه وسلم أو لا؟ وما رأيكم فيمن يقول: إنه من عادته، وجبلته، ولم يفعله صحابته الكرام؟الجواب: الأزارير هي: توضع من أجل أن يزر بها، وهي لا توضع للزينة، وإنما توضع لضربها القميص وجيب القميص، والذي جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث بحديث وكان أزراره محلولاً، يعني: في تلك اللحظة التي حصل فيها كون الصحابي سمع الحديث، كان الأزرار محلولاً، ولكن لا يعني هذا أن يكون محلول الأزرار دائماً وأبداً، وإنما هي حالة نادرة، لكن كون هذه عادته دائماً، لا يدل عليه هذا اللفظ، وإلا لماذا توضع الأزارير؟ وما هي الحكمة من وضع الأزرار؟ وهل هو للزينة؟ أبداً، لا يتزين بالأزرار، وإنما الأزرار ليزر به القميص، فكونه حصل في حالة معينة، والصحابي الذي سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعتها شاهد النبي صلى الله عليه وسلم محلول الأزرار، هذا يدل على أنها حالة طارئة، وأنها ليست عادته صلى الله عليه وسلم.
حكم لبس الحديد في الخاتم والساعة
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله، هل يجوز لبس الحديد، والخواتم، والساعات مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي فيه ذكر لبس الذهب: (هذا شر، هذا حلية أهل النار)، وهل لا توجد شبهة في لبسه؟الجواب: التختم بالحديد لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه حلة أهل النار)، لكن كون الإنسان يستعمل الساعة وفيها حديد ما في بأس، هو ما لبس حديداً، وإنما لبس ساعة مشتملة على حديد.
بيان معنى الدنو من الإمام وقت الخطبة خاصة في المسجد النبوي لبعد المنبر
السؤال: فضيلة الشيخ! في المسجد النبوي لم يحصل الدنو من الإمام في الصفوف الأولى؛ لبعد المنبر عن الصف الأول؟الجواب: الصفوف الأول الذي يكون فيها هو دان من الإمام، وقريب من الإمام، ما هو معناه دنوه من الإمام أن يكون تحت المنبر، يعني وإنما يكون قريباً منه بحيث أنه يسمع صوته، ومن المعلوم أن الآن بواسطة مكبرات الصوت والكل يسمع الصوت، لكن لو انقطعت الكهرباء، فإن الذين يكونون قريباً من الإمام يسمعونه، ومن المعلوم أن الصف الأول هو قريب من الإمام، وفي المسجد النبوي هو قريب من الإمام في الصفوف الأول التي أمامه.
نبذة عن ثلاثيات البخاري في صحيحه
السؤال: فضيلة الشيخ! لو تذكر لنا نبذة عن ثلاثيات البخاري وطرقها؟الجواب: ثلاثيات البخاري ما أتذكر طرقها، لكن عددها اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً بالتكرار، وهي ستة عشر بدون تكرار، وبين البخاري، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ثلاثة أشخاص، أما طرقها ما أتذكرها، لكن من شيوخه فيها أبو عاصم النبيل، ومكي بن إبراهيم.
معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)؟الجواب: معنى هذا أن من كان في المدينة، وما يشبهها، وما يسامتها، يعني: يكون عن مكة شمالاً، فإنه إذا اجتهد في القبلة، ثم تبين أنه انحرف عنها يسيراً، ولكنه ما صلى، وهو بين الشرق والغرب فهي قبلة؛ لأن إصابة عين الكعبة إنما يكون من يكون عندها أو الذي يستقبل رأسها، أما من يكون عندها فهو يستقبل جهتها، وما بين المشرق والمغرب قبلة، يعني: الأمر في ذلك واسع، ومعناه: لو أن إنساناً صلى ثم تبين له أنه انحرف شيئاً يسيراً عن جهة القبلة فما يؤثر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، فهذا في حق من يكون شمالاً، وكذلك من يكون جنوباً، فما بين المشرق والمغرب قبلة له، ومن يكون في الغرب فما بين الجنوب والشمال له قبلة، ومن يكون في الشرق فما بين الجنوب، والشمال قبلة له كذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا في حق أهل المدينة الذين قبلتهم بين الشرق والغرب إلى جهة الجنوب.
حكم الزيادة على أربع ركعات قبل العصر
السؤال: هل يجوز الزيادة على أربع قبل العصر، مثل ثمان ركعات؟الجواب: الإنسان إذا دخل وأراد أن يصلي ما شاء فله ذلك، والذي جاء في الحديث: (رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً).
شرح حديث: (اللهم اجعل في قلبي نوراً)
السؤال: فضيلة الشيخ! لو تشرحوا لنا حديث: (اللهم اجعل في قلبي نوراً)؟الجواب: كما هو معلوم هذا دعاء يسأل الإنسان ربه أن يجعل في أعضائه نوراً؛ التي هي قلبه، وسمعه، وبصره، ويمينه، وأمامه، وعن شماله وخلفه كما جاء في الحديث، والحديث سبق أن مر بنا، وهو واضح في لفظه وفي معناه؛ لأنه كما هو معلوم المقصود بذلك، النور المعنوي، وهو أن يكون موفق في عبادته وفي سلوكه إلى الله عز وجل، بحيث يكون على نور، وعلى هدى، وعلى بصيرة، وعلى صراط مستقيم؛ لأن هذا هو النور الحقيقي، يعني نور الهدى، ونور العلم، ونور البصيرة في الدين، ونور كون الإنسان يعبد الله على صراط مستقيم، هذا هو المقصود بهذا الدعاء: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وأمامي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً..) إلى آخر الحديث.
المقصود بالطبقات في علم المصطلح
السؤال: فضيلة الشيخ! ما المراد بالطبقات في علم المصطلح؟الجواب: الطبقة هم جماعة اشتركوا في السن ولقيا المشايخ، يعني: جماعة تقاربوا في السن ولقاء المشايخ، هؤلاء يقال لهم: طبقة، يعني: موجودين في وقت واحد يأخذون عن شيوخ شيوخهم.

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 12:58 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(265)

- (باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة) إلى (باب كيفية الخطبة)
مما ينبغي مراعاته يوم الجمعة الإنصات للخطبة، ومن لم ينصت فلا جمعة له؛ لذلك فقد بين الشرع فضل الإنصات وما يحصل له من الأجر والفضل، وبين كيفية خطبة الحاجة، ويدخل في ذلك خطبة الجمعة.
الإنصات للخطبة يوم الجمعة
شرح حديث: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإنصات للخطبة يوم الجمعة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغا)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الإنصات والإمام يخطب يوم الجمعة. وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغا]، وهذا مطابق لما ترجم له المصنف من جهة أن الإنصات مطلوب، بل متعين، وذلك أنه مطلوب من الإنسان أن يقبل على الخطبة، وأن يتأملها، وأن يستفيد من هذه الخطبة؛ لأن شأنها عظيم.
ومن شروط الجمعة: أن يتقدمها خطبتان، والخطبتان مطلوب من المصلي أن ينصت فيهما، وأن يقبل على الخطبة، وأن يستوعبها، وأن يستفيد من هذه الخطبة.
وفيه: التحذير من التكلم بأي كلمة والإمام يخطب، فلا يخاطب غيره من الناس، ولا يتحدث مع أحد، بل لو حصل من صاحبه، أو ممن هو حوله شيء من الكلام، أو الحديث لا يتكلم معه ويقول له: أنصت، وإنما عليه أن يمسك عن ذلك، ويكون مقبلاً على خطبته، وهذا بخلاف الخطيب؛ فإنه يجوز أن يكلم الناس، وأن يكلمه الناس، وأن يتكلم هو مع الناس، وقد مر بنا بعض الأحاديث الدالة على هذا؛ مثل قصة الرجل الذي قال: (دخل والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، فقال له: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركع)، فحصل الكلام من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، ومن ذلك الشخص الذي هو أحد الحاضرين، فالكلام مع الإمام، ومن المأمومين مع الخطيب ومن الخطيب لا بأس به، وأما الكلام من الناس بعضهم مع بعض فإن ذلك لا يسوغ ولا يجوز، وفيه هذا التحذير والترهيب، وأن من حصل منه ذلك فقد لغا.
وقد جاء في بعض الروايات: (ومن لغا فلا جمعة له)، ومعنى هذا: أنه يفوته أجر الجمعة، وأجر فضيلة الجمعة، وإن كان حصل منه أداء الفرض، ولا يقال: إنه يعيد الصلاة، أو أن صلاته ليست بصحيحة، أو أنه ما أدى الصلاة المكتوبة، بل يقال: أدى الصلاة، ولكن فاته فضيلة الجمعة، وثوابها العظيم، وأجرها الجزيل الذي جاء بيانه في أحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم الحديث فيه شيئان: التحذير من اللغو في يوم الجمعة والإمام يخطب، فإذا كان في غير يوم الجمعة فليس لها قيم خطبة الجمعة، ولا يقال: إن من حصل منه الكلام في غير خطبة الجمعة أنه مثل الجمعة، بل يختلف الأمر.
وفيه: أن الأمر مقيد بكون الإمام يخطب، فلو كان بين الخطبتين، أو كان قبل أن يبدأ بالخطبة، فإن ذلك لا يُمنع منه، ولا يمنع الكلام، وإنما الكلام في حال خطبة الإمام، والمقصود من ذلك الإنصات، والإقبال على الخطبة، وكون الإنسان يستوعبها، ويستفيد منها؛ لأن شأن خطبة الجمعة عظيم.
تراجم رجال إسناد حديث: (من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغا)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، إمام، مشهور، وهو فقيه مصر ومحدثها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقيل].
هو عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي المصري، واسمه عُقيل بالتصغير، واسم جده عَقيل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعَقيل، وعُقيل مثل هذا يعتبر من المؤتلف، والمختلف، وهو ما تتفق الألفاظ من حيث الكتابة، ولكنها تختلف من حيث النطق؛ لأن عَقيل وعُقيل لفظها واحد من حيث الرسم والكتابة، لكن الفرق بينها بالشكل، الحروف هي الحروف، والفرق بينها بالشكل: عَقيل، وعُقيل، فاسمه مصغر عُقيل، واسم جده عَقيل بفتح العين، وكسر القاف. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، مشهور من صغار التابعين، كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، في زمن خلافته بجمع السنة، وقال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن المسيب].
ثقة، فقيه، من ثقات التابعين، ومن فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو محدث، فقيه، وإمام، مشهور، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة؛ وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السابعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وقد عرف سبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة الحديث عنه، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء السبعة اشتهروا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
شرح حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد حدثني أبي عن جدي حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ وعن سعيد بن المسيب: أنهما حدثاه: أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب؛ فقد لغوت)].هنا أورد النسائي هذا الحديث من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: [إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغوت]، وهو بمعنى الذي قبله، وفيه تحذير من الكلام حال الخطبة يوم الجمعة، ولو كان الأمر بمثل هذه الكلمة التي هي كلمة (أنصت) فيما إذا كان سمع أحد يتكلم، فإنه لا يلتفت إليه، ولا يقول له: أنصت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين أن هذا لغو، ففيه تحذير من هذا العمل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الملك بن شعيب بن الليث].ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهو مصري.
[ حدثني أبي ].
هو شعيب بن الليث، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، يعني الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه عبد الملك، فـ عبد الملك وأبوه كل منهما خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن جدي].
هو الليث بن سعد، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام، مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد من رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد؛ ففيها الراوي يروي عن أبيه، وأبوه يروي عن جده، وقد يكون الجد هو جد الراوي نفسه كما هنا، فإن عبد الملك يروي عن شعيب، وشعيب يروي عن الليث، والليث هو جد عبد الملك، وقد يكون الجد هو جد الأب، مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإن الصحيح فيها أن الجد هو جد شعيب، وهو جد عمرو، ولكنه ليس جده المباشر؛ لأنه عمرو بن شعيب بن محمد بن عمرو، فالرواية يعني: رواية الابن عن الأب، والأب عن جده، أي: جد الأب وليس جد الابن، فهذه من رواية الأبناء عن الآباء، وقد تكون الابن يروي عن أبيه، والأب يروي عن أبيه، مثلما هنا، وقد يكون رواية ابن عن أب عن جد، ولكن الجد ليس هو الجد المباشر، وإنما هو جد الأب، مثل رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
[عن عُقيل].
قد مر ذكره قريباً.
[عن الزهري].
قد مر ذكره.
[عن عمر بن عبد العزيز].
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي الخليفة، يعد من الخلفاء الراشدين، وهو مشهور بفضله، وزهده، وورعه، وأيضاً هو محدث، وفقيه، يأتي ذكره في مسائل الفقه، يقال: قال فيها عمر بن عبد العزيز، ويأتي ذكره في الأسانيد يقال: حدثني عمر بن عبد العزيز كما هنا، وقد ألف بعض العلماء مؤلفاً في مسند عمر بن عبد العزيز، يعني الأحاديث التي يرويها عمر بن عبد العزيز أُلف فيها جزء يقال له: مسند عمر بن عبد العزيز.
وهذا الرجل الذي اشتهر بالعلم فقهاً، وحديثاً، وتولى الخلافة سنتين ونصف، وكان فيها على سيرة حسنة، وعلى طريقة سليمة، ومشهور بالعدل، والفضل، والنبل، وعُمره لما توفي أربعون سنة، وهو ليس من المعمرين، فعمره قصير، ولكن مع ذلك بلغ ما بلغ من العلم، والفضل، وولي الخلافة، وصار مشهوراً بفضله، وفي عدله، وفي قيامه بالخلافة على وجه مرضي، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ].
يقال فيه أيضاً: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، يعني: بالقلب، وقال الحافظ ابن حجر: منهم من اعتبرهما اثنين، يعني: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ شخص، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ شخص، وإنما هو شخص واحد، الاسم فيه تقديم وتأخير، فيقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، ويقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، كما ورد في تهذيب الكمال، وهو المعتمد.
[ وسعيد بن المسيب].
قد مر ذكره قريباً.
[ أن أبا هريرة].
قد مر ذكره قريباً.
فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة

شرح حديث: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر... وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن أبي معشر زياد بن كليب عن إبراهيم عن علقمة عن القرثع الضبي -وكان من القراء الأولين- عن سلمان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر، ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، وينصت حتى يقضي صلاته؛ إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)].
أورد النسائي باب فضل الإنصات وترك اللغو يوم الجمعة، يعني: والإمام يخطب، وأورد فيه حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر ]، يعني: إما أن يتوضأ، ويتم وضوءه، وهذا هو الأمر الذي لا بد منه، أو مع ذلك يغتسل، وهو إما واجب أو مستحب على خلاف بين العلماء في ذلك، والذي ينبغي للإنسان المحافظة عليه، ولكنه إذا تركه -أي: الغسل- لا يأثم، فقوله: [كما أمر]، إما يحتمل أن يكون المراد به الوضوء الذي لا بد منه، أو يراد به الوضوء مع الغسل الذي هو مندوب متأكد، أو واجب على خلاف بين العلماء في ذلك.
وقوله: [إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة]، يعني: من هذه الجمعة إلى الجمعة التي قبلها، يكفِّر هذا العمل الذي عمله، وقد جاء في حديث آخر: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر)، والمقصود بذلك تكفير الصغائر، وأما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: (ما اجتنبت الكبائر)، فيكون ذلك كفارة للصغائر، والحسنات تذهب السيئات، والسيئات التي تذهبها الحسنات هي الصغائر، وأما الكبائر فإنها تذهبها التوبة النصوح الصادقة التي تجب ما قبلها، وتقضي على ما قبلها، وكأن الإنسان لم يحصل منه ذنب بعد أن يتوب توبة نصوحاً تجُب ما قبلها.

يتبع

ابو الوليد المسلم
02-18-2026, 01:01 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر... وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، إمام، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه كما أنه مشهور في الحديث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، والنسائي يروي عن شيوخ عدة كل منهم يقال له: إسحاق بن إبراهيم، ويمكن معرفة الشخص -كما ذكرت من قبل- بالرجوع إلى طرق الحديث، إذا كان له طرق، فقد يكون يسمى في بعض الطرق، فيكون إهماله في بعض الطرق يتبين المراد من الطرق الأخرى التي صار فيها إيضاحه، وبيان نسبته، أو أنه يُنظر في الشيوخ الذين روى عنهم إسحاق بن إبراهيم، وهنا جرير بن عبد الحميد، وفي ترجمة جرير بن عبد الحميد في تهذيب الكمال: ما روى عنه من يسمى إسحاق بن إبراهيم إلا ابن راهويه، فيكون هذه من الطرق التي يميز بها الشخص عن غيره، ويعرف بها، وذلك بمعرفة الشيخ الذي روى عنه، فينظر من روى عنه الذين يسمون بهذا الاسم إسحاق بن إبراهيم، فتبين من تهذيب الكمال أن الذي روى عنه، هو: ابن راهويه ولم يذكر غيره روى عنه ممن يوافقه بهذا الاسم الذي هو: إسحاق بن إبراهيم.
[ حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، صحيح الكتاب، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهناك جرير شخص آخر وهو: جرير بن حازم، وهو فوقه، أقدم منه في الطبقة، وأعلى منه، وذاك الذي هو من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة هو جرير بن عبد الحميد.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، من طبقة الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معشر زياد بن كليب].
ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن إبراهيم ].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي اشتهر عنه في مسائل الفقه التعبير عن الحيوانات التي لا دم فيها قوله: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وقد ذكر ابن القيم في كتاب زاد المعاد أن أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة، وقال: ما لا نفس له سائلة؛ هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح أن هذه الجملة حديث، قال: وفي الحديث: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)، هذا في كتاب الروح، وأما في كتاب زاد المعاد فقد قال: إن أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهذا يبين عدم صحة كون هذا حديث كما ذكره في الروح، ولعل هذا مما يوضح أن كتاب الروح كان متقدماً، وكان فيه أشياء مثل هذا، يعني ليست محققة، كما هو موجود في كتبه المتأخرة التي فيها التحقيق، وفيها التقعيد، فتأليفه كتاب الروح لعله متقدم، ولهذا صار فيه مثل هذا الخطأ، وصار فيه أيضاً أمور أخرى، مثل حكاية المنامات، والإكثار من ذكر المنامات، وما إلى ذلك من ما هو غير معهود في كتب ابن القيم، فهذا يشعر بأنه متقدم، وأن كلمة: (ما لا نفس له سائلة)، التعبير عنها جديد، ولم يكن من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.
[عن علقمة].
هو علقمة بن قيس بن يزيد النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن القرثع الضبي].
هو القرثع الضبي الكوفي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن سلمان].
هو سلمان الفارسي صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسلمان من فارس، ولكن رفعه الإسلام، ورفع من شأنه الإسلام بصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الشاعر:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الشرك النسيب أبا لهب
فـ أبو لهب نسبه شريف، وهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لما لم يوفق للإسلام، ولم يكن من أهل الإسلام، ما نفعه نسبه، بل الشرك وضعه، وأما سلمان الفارسي فقد رفعه الإسلام.
والرسول عليه الصلاة والسلام قبل ذلك يقول: كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، يعني: الذي يؤخره عمله عن دخول الجنة، ليس نسبه هو الذي يسرع به إليها، فالعبرة بالأعمال، والعبرة بالتقوى، كما قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )[الحجرات:13].
كيفية الخطبة

شرح حديث ابن مسعود: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه ونستغفره ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيفية الخطبة.أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت أبا إسحاق يحدث عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ ثلاث آيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )[الأحزاب:70]). قال أبو عبد الرحمن: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، ولا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ولا عبد الجبار بن وائل بن حجر].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيفية الخطبة؛ أي: كيف تكون الخطبة في بدايتها، ومطلعها، وأورد فيها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: [علمنا خطبة الحاجة]؛ يعني: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة، والحاجة فسرت بأنها أي حاجة، يعني: يريد الإنسان أن يجعل بين يديها خطبة، فإن هذه هي الخطبة.
ومنهم من قال: إن المراد بالحاجة النكاح، فتكون خطبة الحاجة هي خطبة النكاح التي تكون بين يدي عقد النكاح.
والنسائي أورد هذه الترجمة في أبواب الجمعة للإشارة إلى أنها إما أن تكون الحاجة مطلقاً، ويدخل فيها الجمعة، أو يكون الحديث دال على خطبة الحاجة، ولكن خطبة الجمعة تماثلها وتشبهها، ويبدأ بها كما يبدأ بخطبة الحاجة.
وخطبة الحاجة جاءت في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث؛ وهي: [الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يقرأ الثلاث آيات؛ آية من سورة آل عمران وهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )[آل عمران:102]، ومطلع سورة النساء، والآية في آخر سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا )[الأحزاب:70] ]، يقرأ هذه الثلاث الآيات.
والحديث من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وقد قال النسائي عقب ذلك: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئاً، وعلى هذا فهو منقطع؛ يعني: مرسل، فروايته عن أبيه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه، لكن الحديث جاء من طرق أخرى عن عبد الله بن مسعود، وعن صحابة آخرين، وهو صحيح بمجموع تلك الطرق، والشيخ الألباني ألف فيه رسالة خاصة جمع فيها طرق الحديث، وما قيل في تلك الطرق، وهي بمجموعها يكون الحديث بها صحيحاً، وأما الحديث من هذه الطريق وحدها فهو لا يصح؛ لأنه منقطع، لكنه بمجموع الطرق الأخرى يكون صحيحاً، وتكون خطبة الحاجة ثابتة بالطرق المختلفة عن عبد الله بن مسعود، وعن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والنسائي قال في آخر الحديث: قال أبو عبد الرحمن. كلمة: (قال أبو عبد الرحمن) هذه يحتمل أن تكون هي من النسائي نفسه، يقول عن نفسه: قال أبو عبد الرحمن، فيذكر نفسه بالكنية، ويحتمل أن يكون غيره هو الذي قال: قال أبو عبد الرحمن، لكن الغالب أنه هو الذي قالها، وهذه الطريقة مشهورة عند المغاربة؛ أنه عندما يريد الإنسان أن يتكلم كلاماً يعلق فيه على شيء، أو ينبه فيه على شيء، أو يأتي بكلام من عنده يميزه عن غيره، يقول: قال أبو فلان، وهذا مشهور عند المغاربة كثيراً، وأيضاً يوجد عند المشارقة، مثل: الترمذي كثيراً ما يقول: قال أبو عيسى عندما يريد أن يتكلم على بعض الأحاديث، وكذلك النسائي يقول: قال أبو عبد الرحمن، لكن الغالب على المشارقة أنهم يقولون: قلت، وفيهم من يقول: قال أبو فلان، كما هو موجود في صنيع الترمذي: قال أبو عيسى، وكما هو موجود في صحيح أبي عبد الرحمن النسائي حيث يقول: قال أبو عبد الرحمن.
ثم إنه لما ذكر هذه الفائدة؛ وهي: أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، أضاف إليها بالمناسبة فائدتين؛ وهي: أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه أيضاً، وعبد الجبار بن وائل بن حجر لم يسمع من أبيه وائل بن حجر، وقد مر بنا هذا، وأن الصحيح، والأرجح أنه لم يسمع من أبيه، بخلاف أخيه علقمة فإنه سمع من أبيه، فـالنسائي بمناسبة رواية أبي عبيدة عن أبيه، وذكر الفائدة، أضاف إليها أيضاً فائدتين؛ وهي أن عبد الرحمن أيضاً لم يسمع من أبيه الذي هو أخوه، وأيضاً عبد الجبار بن وائل بن حجر.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (علمنا خطبة الحاجة: الحمد لله، نستعينه ونستغفره...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى]. هو العنزي أبو موسى الملقب الزمن، وهو بصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ ومحمد بن بشار].
هو الملقب بندار، وهو بصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهذان الشيخان محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار شيخان لأصحاب الكتب الستة، وأصحاب الكتب الستة رووا عنهما مباشرة، وبدون واسطة، وكانت وفاتهما سنة اثنتين وخمسين ومائتين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات. وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن المثنى: وكان هو وبندار كفرسي رهان. يعني مثل فرسي الرهان، يعني: متساويين؛ لأنهم في وقت واحد، وفي بلد واحد، وهم في الغالب متفقون في الشيوخ وفي التلاميذ، فهما كفرسي رهان؛ يعني: متساويان ما أحد يسبق الثاني لتقاربهما.
[ حدثنا محمد بن جعفر].
هو غندر، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، لقب بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ سمعت أبا إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، والسبيعي جزء من همدان، فيُنسب إلى همدن وإلى سبيع، إلى همدان نسبة عامة وإلى سبيع نسبة خاصة؛ لأن سبيع أخص من همدان؛ لأنهم جزء من همدان، وهو مشهور بالسبيعي، وهو كوفي، ثقة، يرسل، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أبي عبيدة].
أبو عبيدة هو: ابن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن مسعود الهذلي ، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن علماء الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأن العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وعبد الله بن مسعود من المتقدمين ومن السابقين، ووفاته سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.
الأسئلة


حكم الرواية بعد الاختلاط إن وجد ما يعضدها
السؤال: فضيلة الشيخ! ما روي بعد الاختلاط إذا كان له ما يعضده فهل يقبل؟الجواب: نعم، إذا وجد ما يعضده فإن حديث المختلط يعتضد بغيره؛ لأنه هو الإشكال لكونه ما ضبطه، ما ضبطه لأنه اختلط، لكن إذا كان هناك شيء يعضده ويؤيده فإنه يعتضد.
الجمع بين عدم قبول الشاذ وقبول زيادة الثقة
السؤال: كيف نجمع بين القول بعدم قبول الشاذ، والقول بأن الزيادة من الثقة مقبولة؟الجواب: الشاذ كما هو معلوم هو المخالفة للثقات في شيء لا يمكن التوفيق بينه وبين غيره، مثل ما جاء في صحيح مسلم في صلاة الكسوف؛ فإن الشمس انكسفت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، والأحاديث كلها تتحدث عن الكسوف، وصلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم، وأكثر الرواة في الصحيحين رووا أن كل ركعة بركوعين، وبعض الثقات في صحيح مسلم روى كل ركعة بثلاث ركوعات، فالثلاث الركوعات هذه شاذة؛ لأن رواية الذين قالوا ركوعين مقدمة على تلك الرواية الشاذة.
وكذلك أيضاً ما جاء في صحيح مسلم في بعض الروايات حديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب؛ فإن أكثر الروايات في الصحيحين: (لا يسترقون، ولا يكتوون)، وفي صحيح مسلم في بعض الروايات عن بعض الثقات: (لا يرقون، ولا يكتوون)، فكلمة (يرقون) هذه غير محفوظة شاذة؛ لأن الأحاديث جاءت (يسترقون)، ثم أيضاً فيها نكارة من حيث المتن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رقي ورقى، رقاه جبريل، وهو يرقي غيره، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر كان يرقي غيره، فكيف يكون وصف هؤلاء أنهم لا يرقون.

ابو الوليد المسلم
03-06-2026, 04:13 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(266)

- (باب حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة) إلى (باب مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر)
من سنة الله عز وجل في خلقه وكونه أن فضل بعض الأيام على بعض، ومن ذلك يوم الجمعة، فقد فضله الله على سائر أيام الأسبوع؛ لاجتماع عدة فضائل فيه، منها أنه اليوم الذي يجتمع فيه المسلمون لاستماع الخطبة، فينبغي لمن حضر الجمعة أن يغتسل، والأمر للاستحباب، ولا يأثم من تركه، ولكن الاهتمام والعناية به أمر مطلوب.
حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة
شرح حديث: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم عن نافع عن ابن عمر قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)].
يقول النسائي رحمه الله: باب حض الإمام على الغسل في خطبته يوم الجمعة، مقصود الترجمة واضح، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام، كان يحث على الغسل يوم الجمعة، وهو على منبره يخطب، وقد أورد فيه النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)]، وهذا أمر منه عليه الصلاة والسلام بالاغتسال لمن يذهب إلى الجمعة، وقد مر في الأحاديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، وعرفنا أنه قد جاءت بعض الأحاديث التي فيها ما يفيد أن هذا للوجوب، أنه مصروف إلى الاستحباب لا يأثم الإنسان إذا تركه، ولكن الاهتمام والعناية به أمر مطلوب، وأنه أمر متأكد.
وقوله عليه الصلاة والسلام: [(إذا راح أحدكم)]، أي: إذا ذهب؛ لأن (راح) تأتي بمعنى: ذهب في أي وقت، وتأتي في الذهاب في آخر النهار، وغالباً ما يكون الإتيان بها، في تفسير آخر النهار، فإذا قيل: غدا أو راح؛ فإن هذه تفيد السير في آخر النهار، وأما هنا فإن المراد بها الذهاب إلى الجمعة، ومن المعلوم أن التبكير للجمعة يكون في أول النهار، وليس في آخر النهار، فالعشي يبدأ من الزوال، وقد جاء في الحديث في قصة ذي اليدين: أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى (إحدى صلاتي العشي)، أي: الظهر والعصر؛ لأنهما يقعان بعد نصف النهار، وما بعد نصف النهار يقال له: العشي، ويقال له: الرواح، أو الذهاب إليه يقال له: الرواح.
الحاصل: أن كلمة (راح) في الحديث معناها: ذهب، وليس المقصود منها راح بمعنى أنه سار في آخر النهار أو بعد الزوال.
وكون النبي عليه الصلاة والسلام خطب بذلك على المنبر، هذا يدل على أهمية الاغتسال، وعلى عظم شأنه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، حث عليه وهو على المنبر، وفيه بيان السنن على المنابر، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبين سنته في مختلف المجالات على المنابر، وفي المناسبات المختلفة، وقد أدى ما عليه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، على التمام والكمال.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة، وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأنه مات قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، البخاري توفي سنة مائتين وست وخمسين، ومحمد بن بشار، الملقب بندار توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[حدثنا محمد بن جعفر].
هو الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي البصري، وهو ثقة، حجة، ووصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الحكم].
هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه ،ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو ثقة، ثبت، أخرجه حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو: صحابي جليل، وأبوه صحابي، وهو من العبادلة الأربعة، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم يقول السيوطي في الألفية:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، تميزوا على غيرهم بكثرة رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث إسناده: محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن نافع عن ابن عمر، كلهم ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عمر في تكلم النبي بغسل يوم الجمعة على المنبر من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن إبراهيم بن نشيط: (أنه سأل ابن شهاب عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: سنة، وقد حدثني به سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم بها على المنبر)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وفيه: أن إبراهيم بن نشيط سأل ابن شهاب الزهري عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: سنة، ثم حدث عن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث به على المنبر.
وقد حدثني به سالم بن عبد الله عن أبيه، يعني يقول الزهري: حدثني به سالم بن عبد الله، وهو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من فقهاء التابعين، ومن الفقهاء السبعة في المدينة، في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع؛ لأن السابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وغير السابع متفق عليهم، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وعبد الله بن عمر مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
ثم أيضاً الحديث يدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة، من الحرص على معرفة السنن، وسؤال العلماء عنها؛ فإن إبراهيم بن نشيط، سأل الزهري عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: سنة، والمقصود بالسنة هنا ليس المقصود بها السنة في اصطلاح الفقهاء، وإنما المقصود بها أنها جاءت بها السنة عن رسول الله، أي: أنها ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والسنة في الشرع المراد بها: كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يقال له: سنة، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من رغب عن سنتي فليس مني)، المراد به: كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة، القرآن والسنة كله سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكله طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام.
وتطلق السنة ويراد بها ما هو أخص مما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، مما يجب العمل به، وهو يشمل الكتاب والسنة، تطلق على السنة التي تذكر مع الكتاب، مع القرآن، وهي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الوحي الذي أوحاه الله إلى رسوله، مما ليس قرآناً، فإن هذا يقال له: سنة، ويطلق عليه سنة، وإذا قيل في بعض المسائل الفقهية: دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، المراد بذلك السنة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، المراد بها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذاً: السنة تطلق ويراد بها كل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وتطلق ويراد بها السنة التي هي: شقيقة القرآن، والتي تذكر مع القرآن، والتي يقول فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي)، وكذلك قول الفقهاء في المسائل الفقهية: دل عليها الكتاب والسنة والإجماع؛ فإن المراد بالسنة الحديث، فالحديث والسنة يكونان بمعنى واحد، أي: بهذا الاعتبار الذي كونه يراد بها ما أوحاه الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مما ليس قرآناً.
وتطلق في اصطلاح الفقهاء على المندوب والمستحب، أي: المأمور به وليس بواجب، فيقال: مسنون أو يسن، أو يندب أو يستحب، فهي عند الفقهاء بمعنىً واحد، لكن السنة في الشرع، تختلف عن السنة في اصطلاح الفقهاء، وهي: أن السنة في الشرع تشمل: كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً وسنة، وتشمل على المعنى الثاني، وهي ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، من الوحي الذي ليس قرآن، الوحي الغير المتلو الذي هو سنة الرسول، والذي هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
إذاً قول الزهري: سنة، المراد بها أنه جاءت به السنة عن رسول الله، وثبتت به السنة عن رسول الله، وهو من سنة رسول الله التي كما هو معلوم تشمل الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه، فكل ما جاءت به السنة عن رسول الله يقال له: سنة، (عليكم بسنتي)، أي: خذوا الأوامر، واتركوا المناهي، خذوا الأوامر، سواءً كانت متحتمة، أو غير متحتمة، واتركوا النواهي، سواءً كانت للتحريم، أو لما هو دون التحريم، هذا هو المقصود بالسنة، أي: بخلاف السنة في اصطلاح الفقهاء، فإنها تختلف عن هذا؛ لأن هذا اصطلاح غير الاصطلاح الذي يأتي في الشرع، وفي الكتاب والسنة، وإذا قال الصحابي: من السنة كذا، أي: من ما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني سواءً كان واجباً أو مندوباً، قال: سنة.
ثم إنه ساق بإسناده إلى عبد الله بن عمر، وروى من طريق ابنه سالم عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به على المنبر، أي: بالغسل، وأرشد إليه، وحث عليه، كما تقدم في الحديث الذي قبل هذا: (من راح إلى الجمعة فليغتسل)، يعني: من ذهب إلى الجمعة فليغتسل، أي: من أراد الذهاب إلى الجمعة فليغتسل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تكلم النبي بغسل يوم الجمعة على المنبر من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، هذا محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو من شيوخ النسائي، وفيهم محمد بن سلمة الحراني، وهذا ليس من شيوخ النسائي، بل هو من طبقة شيوخ شيوخه، يروي عنه بواسطة، فإذا جاء محمد بن سلمة، يروي عنه النسائي مباشرة، فالمراد به: المرادي المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة، يروي عنه النسائي بواسطة، فالمراد به الحراني.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن نشيط].
ثقة، أخرج له البخاري في الأدب، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له مسلم، ولا الترمذي، وما خرج له البخاري في الصحيح.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب، وزهرة أخو قصي بن كلاب، فينسب إلى جده الأبعد الذي هو: زهرة، وينسب أيضاً إلى جد جده وهو: شهاب، فيقال له: ابن شهاب، وهو مشهور بهاتين النسبتين، يقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، وهو ثقة، إمام، جليل، ومحدث، فقيه، ومن صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني به سالم].
هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، وعبد الله بن عمر تقدم.
شرح حديث ابن عمر: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو قائم على المنبر: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل). قال أبو عبد الرحمن: ما أعلم أحداً تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهري يقولون: عن سالم بن عبد الله عن أبيه بدل عبد الله بن عبد الله بن عمر].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وفيه: [(من جاء منكم الجمعة فليغتسل)]، وهو مثل الذي قبله: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)، ويقول النسائي بعد هذا: أنه لا يعلم أحداً تابع الليث بن سعد في روايته عن الزهري إلا ابن جريج، فإنه رواه كما رواه الليث، وذلك أنه من طريق عبد الله بن عبد الله عن أبيه عبد الله، وغير ابن جريج، والليث، لا يذكرون إلا سالم كما مر في الرواية السابقة، يعني: يذكرونه من رواية الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله، ومن المعلوم أن كلاً منهما ثقة، كل من سالم، وعبد الله ابني عبد الله بن عمر ثقة.
ورواية الليث، وابن جريج ليست معلولة؛ لأن الزهري قد يكون رواه عن هذا وهذا، وكلٌ حدث بما سمع، فما ذكره النسائي ليس فيه علة للحديث؛ لأن الحديث كيفما دار فهو على ثقة، وكل منهما روى عنه الزهري، فيكون الزهري رواه عن هذا وهذا، وكلٌ رواه كما سمعه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري، ثقة، ثبت، فقيه، إمام، مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن عبد الله بن عبد الله].
هو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، اسمه على اسم أبيه، اسمه متفق مع اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[وعبد الله بن عمر].
مر ذكره.
حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة في خطبته
يتبع

ابو الوليد المسلم
03-06-2026, 04:15 PM
شرح حديث أبي سعيد الخدري: (...وحث الناس على الصدقة فألقوا ثياباً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة في خطبته.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله سمعت أبا سعيد الخدري يقول: (جاء رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب بهيئة بذة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصليت؟ قال: لا. قال: صل ركعتين، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثياباً، فأعطاه منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الثانية، جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثياباً، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره وقال: خذ ثوبك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: حث الإمام أو حض الإمام على الصدقة في خطبة الجمعة. أي: ما يحتاج الناس إلى بيانه ومعرفته، ومن ذلك الحث على الصدقة عند الحاجة إلى ذلك، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: [(أن رجلاً دخل والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، وكان عليه هيئة بذة)]، يعني: ثيابه ليست كما ينبغي، وهذا يدل على فقره، وقلة ذات يده، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: [(أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصل ركعتين)]، وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا دخل والإمام يخطب، فإنه يصلي ركعتين ولا يجلس، وأنه لو جلس عليه أن يقوم، يعني: إذا نسي فعليه أن يقوم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر هذا أن يقوم، وأن يصلي ركعتين، وهذا يدلنا على أن تحية المسجد في حال خطبة الجمعة لا تسقط، وأن على الإنسان أن يأتي بها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر هذا الرجل بأن يصلي ركعتين.
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة في خطبته، (فألقوا ثياباً)، أي: الحاضرون ألقوا ثياباً؛ لأنهم يلبسون ثوبين، وقد مر أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: (أيصلي الرجل في ثوبين؟ قال: وأيكم يجد ثوبين؟)، يعني: لو كان أنه ما يصلى إلا في ثوبين، من الذي يتمكن أنه يجد ثوبين ويصلي في ثوبين؟! لكن الإنسان يصلي في ثوب واحد، وإن صلى في ثوبين فلا بأس، فكان يكون على الواحد منهم ثوبان، فيلقون عندما يحثهم الرسول على الصدقة، وليس عندهم إلا ثيابهم، فإنهم يلقون بعض ثيابهم التي عليهم، وهذا يدلنا على مبادرتهم إلى الخير، وأنهم عندما يسمعون الحث على الصدقة، ولا يجد الإنسان ما يتصدق به إلا بعض ثيابه، فإنه يلقي بعض ثيابه ويتصدق بها، فهم سباقون إلى الخير رضي الله عنهم وأرضاهم.
ومثل هذا ما حصل من حث الرسول صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة يوم العيد، وأنهن بادرن إلى ذلك، كن يلقين من خواتمهن وأقراطهن، يعني: يلقين من الشيء الذي عليهن، يبادرن إلى الصدقة، ويتصدقن مما على آذانهن وعلى أصابعهن، فيدلنا على مسارعة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم إلى الخير وإلى الصدقة، (فأمر النبي عليه الصلاة والسلام له بثوبين).
ثم إن هذا الرجل دخل في الجمعة الأخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة، فتصدقوا وألقوا ثياباً، وهذا الذي عليه هذان الثوبان اللذان أعطيهما في الجمعة الماضية لفقره ولحاجته، قام وبادر وألقى واحداً منها، وهذا يدلنا على ما أشرت إليه من قبل، مسارعة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخير، ولو كانوا قليلي ذات اليد؛ لأن هذا الرجل قليل ذات اليد، ومع ذلك لما سمع الحث على الصدقة في الجمعة القادمة، وقد أعطي ثوبان، خلع ثوباً منهما ووضعه، فقال صلى الله عليه وسلم: (جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثيابهم، فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره وقال: خذ ثوبك).
قوله: [(أمرت الناس بالصدقة فألقى أحد ثوبيه فانتهره)]، يعني: رفع صوته وقال: [(خذ ثوبك)]، يعني: أنت أولى به من غيرك، وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان محتاج له، فهو أولى به من غيره، لاسيما وهو قد أعطيه من قبل، وهو بحاجة إليه.
الحاصل: أن الحديث مطابق للترجمة من جهة حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الصدقة، وذلك في خطبتين من خطب الجمعة، يعني في يومين، حث على الصدقة في الجمعة الأولى، ثم حث على الصدقة في الجمعة الثانية.
وبعض العلماء قال: إن هذا الرجل الذي أمره أن يقوم يصلي، قالوا: ليس الأمر المقصود به الصلاة، وإنما المقصود أن يراه الناس حتى يتصدقوا، وحتى يرأفوا به، وحتى يرقوا له ويتصدقوا عليه، وهذا ليس بصحيح، فإن المقصود الإتيان بتحية المسجد، ولهذا الرسول سأله قال: [(أصليت؟)]، فلو كان الأمر يتعلق بكونه يراد الرفق والإحسان إليه لما قال له: (قم صل ركعتين)، يعني: يمكن إذا كان صلى والناس ما تنبهوا له، لكنه قال: [(أصليت؟ قال: لا. قال: قم فصل)]، إذاً: القضية قضية كونه مأموراً بأن يصلي، وليس المقصود من كونه يقوم ليراه الناس، ويتصدقوا عليه، والرسول عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة، وأعطاه من الصدقة، ما أعطاه الذي تجمع، وأن المقصود بالحث هو وحده، بل هو وغيره.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري: (... وحث الناس على الصدقة فألقوا ثياباً ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله].هو محمد بن عبد الله بن يزيد، وهو ثقة، أخرج النسائي، وابن ماجه.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة، وهنا غير منسوب، لكن كما قلت: من الطرق التي يعرف بها تعيين المهمل أن تنظر الطرق الأخرى، والحديث ممن خرجه ابن ماجه، وفيه قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، نص على تسميته، فهذا من الطرق التي يعرف بها المهمل، إذا عرفت طرق الحديث وتتبعت، قد يكون في بعضها التنصيص على نسبه، فيتبين المراد، ويتبين المقصود.
وسفيان بن عيينة، ثقة، ثبت، حجة، إمام، وهو مكي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، ولكنه معروف أنه لا يدلس إلا عن الثقات، وذكر سفيان غير منسوب يسمى المهمل في علم المصطلح، بخلاف المبهم، المبهم هو الذي لا يسمى الرجل، مثل أن يقال: حدثني رجل، أو حدثني ثقة، هذا مبهم؛ لأنه ما سمي، لكن إذا سمي ولم ينسب قيل له: المهمل، ومعرفة المهمل تكون إما بتتبع طرق الحديث، ويوجد التنصيص على أحد الأشخاص المحتمل أن يكونوا الراوي منهم، أو ينظر بالشيوخ والتلاميذ، ويعرف من يكون له ملازمة، ومن يكون له إكثار في الرواية، فإنه يحمل عليه.
[عن ابن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عياض بن عبد الله].
هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا سعيد الخدري].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بكنيته وبنسبته، فيذكر أحياناً بالنسبة والكنية، وأحياناً بالكنية فقط، فيقال كثيراً: أبو سعيد الخدري، ويقال في بعض الأحيان: أبو سعيد بدون النسبة، واسمه سعد بن مالك بن سنان، وهذا من أنواع علوم الحديث، يعني كون الشخص مشهور بنسبته، أو اسمه وكنيته، فيعرف باسمه، يعني: يحتاج إلى معرفة اسمه، وقد يكون الشخص معروفاً باسمه ليس مشهوراً بالكنية، فيحتاج إلى معرفة الكنية، وهذا من قبيل من اشتهر بالكنية، فيحتاج إلى معرفة اسمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.
مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر


شرح حديث جابر بن عبد الله: (... قال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ جاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مخاطبة الإمام الرعية وهو يخطب يوم الجمعة، أي: كونه يحدثهم، ويتكلم معهم، ويسأل ويجاب، هذا هو المقصود بالترجمة، وأورد النسائي فيه حديث جابر بن عبد الله: [(أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فاركع)]، أي: فصل، أي: تحية المسجد، فالرسول خاطبه، الرسول قال له: [(أصليت؟ قال: لا. قال: اركع)]، ففيه مخاطبة الإمام رعيته وهو يخطب، مخاطبة الخطيب الناس عند الحاجة إلى ذلك؛ لأن المخاطبة حصلت من جهتين؛ لأنه أولاً قال له: أصليت؟ فأجابه قائلاً: لا، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: [(قم فاركع)]، أو اركع، يعني: ففيه مخاطبة الإمام، وهذا يدلنا على: أن كلام الإمام مع الرعية، وكلام أحد الناس أو بعض الناس مع الإمام وهو يخطب، أنه لا بأس به؛ لأنه سبق أن جاء في الحديث: أن رجلاً دخل والرسول يخطب فقال: (يا رسول الله، هلكت الأموال، وحصل كذا وكذا، فادع الله أن يغيثنا)، فتكلم معه وخاطبه، ففيه مخاطبة الخطيب للناس، ومخاطبة بعض الناس للخطيب، وذلك لا بأس به، وليس من قبيل كون الإنسان يتكلم، والرسول أمر بالإنصات، قال: (من لم ينصت فقد لغا)، فإن هذا ليس من هذا القبيل؛ لأن ذاك في الكلام مع الناس، أما الكلام مع الإمام، فقد جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فالحديث واضح الدلالة على الترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله: (... قال: أصليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا حماد بن زيد].
هو البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن دينار].
هو المكي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.
شرح حديث: (.. إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا أبو موسى إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول: سمعت أبا بكرة يقول: (لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن معه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)].أورد النسائي حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وفيه: أنه كان يخطب على المنبر، ومعه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فكان ينظر إليه مرة، وإلى الناس مرة، أي: حامله وهو يخطب، فينظر إليه، ثم ينظر إلى الناس، وقال عليه الصلاة والسلام وهو يخاطب الناس: [(إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين)]، فمقصود الترجمة كون النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو يخاطب الناس: [(إن ابني هذا سيد)]، يعني: ففيه مخاطبة الإمام للرعية؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يخاطبهم بهذا؛ لأن هذا ليس من الخطبة، وليس من موضوع الخطبة، وإنما بالمناسبة، فالحديث دال على الترجمة من هذه الجهة، وهي مخاطبة الإمام للرعية.
والحديث أيضاً دال على ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، من الشفقة والرحمة بالصغار، فإنه عطف على ابن ابنته الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، وفيه أيضاً وصفه بأنه سيد، وهذا يدلنا على أن إطلاق مثل هذا اللفظ على الناس، أو على بعض المخلوقين، أنه سائغ، وعلى من يكون أهلاً لذلك، ولا يجوز إطلاقه على من لا يستحقه، مثل ما شاع في هذا الزمان، من إطلاق السيد حتى على الكفار، فضلاً عن الفساق، يطلق على الكفار أنهم سادة، وكثيراً ما نسمع في الإذاعة: السيد فلان، السيد فلان، وهم كفار لا يؤمنون بالله، أو لا يؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام من اليهود، والنصارى، فذلك لا يجوز، وقد جاءت السنة في النهي عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ثم أيضاً: هذا الحديث يدل على الإخبار عن أمر مغيب، وقد وقع ذلك الأمر المغيب كما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام، قد جاء في بعض الأحاديث: [(وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)]، وهذا إخبار عن أمر لم يقع، وقد وقع كما أخبر عليه الصلاة والسلام، فإنه لما حصل ما حصل بين أهل الشام والعراق، وكان بعدما توفي علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتولى الأمر من بعده الحسن، تنازل لـمعاوية، فاجتمع المسلمون على معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان هذا مما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد وقع كما أخبر، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وهو أنه يخبر بالأمر المستقبل، فيقع طبقاً لما أخبر به عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام.
ثم أيضاً قوله: [(فئتين من المسلمين عظيمتين)]، فيه وصف الفئتين بأنهما مسلمتان، وأنهم مسلمون، وأنه ليس أحد منهم كافراً، بل هم مسلمون، يعني هذه الفئة مسلمة، وهذه الفئة مسلمة، ولهذا كان يقول سفيان بن عيينة رحمة الله عليه: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: [(من المسلمين)]، يعجبنا جداً، أي: لأن فيه إطلاق الإسلام، أو الحكم على الفئتين بأنهما مسلمتان، علي ومن معه، ومعاوية ومن معه، هم مسلمون، وإن حصل بينهم القتال، وإن جرى بينهم ما جرى، فكل منهما اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وكلهم مسلمون، والله تعالى أخبر بقوله: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا )[الحجرات:9]، فهما طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)]، وفي بعض الروايات: [(وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)]، فكلمة (المسلمين) هذه فيها بيان أن كلاً من الطائفتين هم من أهل الإسلام، وما خرج أحد منهم عن الإسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (.. إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو الجواز المكي، وهو ثقة، حديثه عند النسائي وحده، وسبق أن ذكرت أن النسائي له شيخ آخر اسمه محمد بن منصور، وهو الطوسي، إلا أن الرواية عن سفيان، وهو ابن عيينة، يرجح أنه الجواز المكي؛ لأنه من بلده، وهذه من الأشياء التي يميز بها المهمل، يعني: يكون أقرب ممن ليس من بلده؛ لأن الذي يكون من بلده يكون على صلة به دائماً، ويأخذ عنه كثيراً، والذي ليس من بلده، يراه مرة واحدة أو مرتين، بحيث يرحل لطلب العلم، ويلقى ذلك الشيخ، ويأخذ منه ما يأخذ، لكن ليس مثل الذي هو ملازم للشيخ، ودائماً مع الشيخ، فـمحمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، ومحمد بن منصور طوسي، فإذاً: عندما يأتي محمد بن منصور، يروي عن سفيان وليس منسوباً، فإنه يحمل على الجواز المكي.
ويأتي في بعض الروايات مسمى، يعني منسوباً، محمد بن منصور المكي عن سفيان، في بعض الأحايين، وقد مر بنا في بعض المواضع نسبته، وأنه المكي.
وسفيان بن عيينة، قد مر ذكره.
[حدثنا أبو موسى إسرائيل بن موسى].
ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج حديثه مسلم، ولا ابن ماجه، وأبو موسى إسرائيل بن موسى، ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدته: أن لا يظن التصحيف، لو جاء في بعض الروايات: إسرائيل أبو موسى بدل إسرائيل بن موسى، يعني من لا يعرف أن كنيته توافق اسم أبيه، يظن أن هذا تصحيف، ابن صحفت إلى أبي، فإذا عرف هذا يندفع هذا التوهم.
[سمعت الحسن].
هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، إمام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو يدلس ويرسل كثيراً.
[عن أبي بكرة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو نفيع بن الحارث الثقفي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
03-10-2026, 05:00 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(267)


- (باب القراءة في الخطبة) إلى (باب ما يستحب من تقصير الخطبة)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقرأ سورة (ق) في خطبة الجمعة، وإذا أتى بشهادة التوحيد فيها لا يزيد على أن يشير بالسبابة، وكان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة.
القراءة في الخطبة
شرح حديث ابنة حارثة بن النعمان: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله وهو على المنبر يوم الجمعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في الخطبة.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا هارون بن إسماعيل حدثنا علي وهو ابن المبارك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن ابنة حارثة بن النعمان، قالت: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يوم الجمعة)].
يقول النسائي رحمه الله: باب القراءة في الخطبة، مقصود النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: أن الخطبة يوم الجمعة، يمكن أن تشتمل على شيء من القرآن، وأن يقرأ فيها شيء من القرآن؛ لأن القرآن هو أعظم زاجر، وفيه أعظم تذكير بما ينبغي أن يذكر به، فاشتمال الخطبة على شيء من القرآن، جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقصود النسائي هو: أن الخطبة أنها يمكن أن تشتمل، أو ينبغي أن تشتمل على شيء من القرآن.
وأورد النسائي حديث ابنة حارثة بن النعمان الأنصارية رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: [(حفظت ق من في رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يخطب)]، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، وعلى أن قراءة (ق) تكررت من رسول الله عليه الصلاة والسلام، في الخطبة يوم الجمعة، وأن هذه الصحابية رضي الله عنها حفظت هذه السورة من قراءة النبي عليه الصلاة والسلام لها في خطبة الجمعة، وإنما قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الخطبة هذه السورة العظيمة؛ لأنها مشتملة على أمور عديدة من الخلق الأول، والبعث، والنشور، والقوارع، والزواجر، التي اشتملت عليها هذه السورة، فهي سورة عظيمة فيها عبر وعظات، وفيها تذكير، وفيها ذكر الخلق الأول، والخلق الثاني، وأن إعادة الناس وخلقهم وبعثهم اشتملت عليه هذه السورة من وجوه متعددة، ثم كذلك ما جاء فيه من ذكر الجنة والنار، ومن ذكر الأمور الأخرى التي فيها عبر وعظات، فهي سورة عظيمة مشتملة على أمور فيها عبر وذكرى، والقرآن كله عبر وعظات، لكن هذه السورة، مشتملة على أمور عظيمة، فيها تذكير بالمبدأ والمعاد، وحشر الناس، ودخولهم الجنة أو النار، فهي مشتملة على أمور عظيمة لأجلها كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي بها في خطبة الجمعة.
ثم جاء في بعض الأحاديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، ومن المعلوم أن قصر الخطبة قصر نسبي، وإلا فإنه إذا قرئ فيها سورة (ق)، واشتملت الخطبة على قراءة سورة (ق)، فإن فيها شيء من الطول، إلا أنه وصف بأنه يقصر الخطبة، المقصود بها القصر النسبي، وكون هذه السورة يأتي بها في خطبة الجمعة، يدل على أنها مشتملة على ما هو أكثر من ذلك، وإذاً فالقصر إنما هو نسبي.
كما أن الحديث الذي سيأتي أنه كان يقصر الخطبة ويطيل الصلاة، وقد جاء الأمر بالتخصيص أن هذه الإطالة إطالة نسبية، الطول والقصر أمران نسبيان، والحديث واضح الدلالة على الترجمة، وهي: أن الخطبة يوم الجمعة، ينبغي أن تشتمل على ذكر شيء من القرآن، وعلى تلاوة شيء من القرآن؛ لأن هذا الحديث واضح الدلالة على هذه الترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث ابنة حارثة بن النعمان: (حفظت ق والقرآن المجيد من في رسول الله وهو على المنبر يوم الجمعة)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي أبو موسى، الملقب: الزمن، كنيته أبو موسى، وهو مشهور بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، ولم يكن بين وفاته وبين وفاة البخاري إلا أربع سنوات، فإن البخاري، توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
[عن هارون].
هو ابن إسماعيل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود.
[عن علي هو ابن المبارك].
وكلمة: (هو ابن المبارك)، هي التي زادها من دون هارون بن إسماعيل؛ لأن هارون بن إسماعيل، لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن المبارك، وإنما يقول: علي بن المبارك، بدون أن يقول: هو، وإنما الذي يحتاج إلى أن يقول: (هو) هو من دون التلميذ؛ لأن التلميذ اقتصر على علي، ومن دون التلميذ، أراد أن يوضح من هو هذا المهمل، فأتى بكلمة (هو) الدالة على أن هذه الإضافة، هي ممن دون التلميذ، وليست من التلميذ، وهذا موجود في الأسانيد، في الكتب المختلفة، كتب الحديث، وهذا هو المقصود منه، وهذا من دقة المحدثين وعنايتهم، وأن الواحد منهم إذا أراد أن يوضح، أو أتى بشيء يوضح من عنده، فإنه يأت بما يدل عليه؛ لأنه لو لم يأت بكلمة: (هو) لفهم أن الذي قال: علي بن المبارك مثلاً هو تلميذه، مع أن تلميذه ما قال في هذا الإسناد: علي بن المبارك، وإنما قال: علي فقط، فمن دون هارون بن إسماعيل، هو الذي أتى بهذه الإضافة، وأتى بكلمة (هو) الدالة على أن الإضافة ليست من التلميذ وإنما هي ممن دونه، ومثلها عبارة أخرى يؤتى بها وهي: (يعني)، (يعني ابن فلان)، (يعني) بدل (هو) ابن فلان، يقال: يعني ابن فلان، هذه أيضاً تأتي.. عبارة أخرى يؤتى بها لتمييز المهمل، حيث يميزه من دون التلميذ.
وعلي بن المبارك هذا ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
هو ابن أبي كثير اليمامي، ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عبد الرحمن].
هو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابنة حارثة بن النعمان الأنصارية].
وقيل: هي أم هشام، وهي صحابية مشهورة، أخرج حديثها مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
الإشارة في الخطبة

شرح حديث عمارة بن رويبة: (ما زاد رسول الله على هذا وأشار بأصبعه السبابة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإشارة في الخطبة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن حصين (أن بشر بن مروان رفع يديه يوم الجمعة على المنبر، فسبه عمارة بن رويبة الثقفي وقال: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، وأشار بأصبعه السبابة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الإشارة في الخطبة، يعني: الإشارة بالإصبع بالسبابة بالتوحيد، يعني عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يحرك أصبعه هكذا، فـالنسائي رحمه الله، أورد حديث عمارة بن رويبة الثقفي رضي الله تعالى عنه، يقول حصين بن عبد الرحمن: أن بشر بن مروان وهو أحد الأمراء، كان يخطب على المنبر يوم الجمعة، فكان يرفع يديه في الدعاء، فسبه عمارة بن رويبة وقال: [(ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، وأشار بأصبعه السبابة)]، فهذا يدل على ثبوت الإشارة عند التشهد، وعند ذكر الله عز جل، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، يشير بأصبعيه هكذا إلى وحدانية الله عز وجل، وإلى إفراده بالعبادة، وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ويدل على أن رفع اليدين عند خطبة الجمعة، ليس من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أنكر عمارة بن رويبة عمل هذا الأمير، وقال: [(إن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد هكذا، وأشار بأصبعه)]، فهو يدل على مشروعية، أو جواز الإشارة بالأصبع عند التشهد في الخطبة، ويدل على عدم رفع اليدين في الدعاء، في الخطبة إلا في الاستسقاء؛ فإنه جاء ما يدل على ذلك، في قصة الرجل الذي دخل والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال... إلى آخره، فرفع يديه ودعا)، فدل هذا على أن رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، إنما يكون عند الاستسقاء، وأما غير ذلك، فإنه لا يؤتى برفع اليدين؛ لأنه ما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا أنكر هذا الصحابي على هذا الأمير فعله، وأخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ما زاد على أن يشير بأصبعه السبابة، أي: عند ذكر الله عز وجل، وعند التشهد، ففيه الدلالة على ما ترجم له، وهو الإشارة في الخطبة، يعني: بالأصبع عند أشهد أن لا إله إلا الله.
تراجم رجال إسناد حديث عمارة بن رويبة: (ما زاد رسول الله على هذا وأشار بأصبعه السبابة)
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[عن وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
وسفيان هنا غير منسوب، يحتمل أنه الثوري، ويحتمل ابن عيينة، ولكن المراد به الثوري، وليس ابن عيينة؛ لأن وكيع معروف بالرواية عن الثوري، وهو مكثر من الرواية عن الثوري، ومقل من الرواية عن ابن عيينة، فإذا أهمل شيخه، فإنه يحمل على من له به كثرة اتصال، وذلك أنه من أهل بلده، أي: وكيع بن الجراح كوفي، وسفيان بن عيينة كوفي، وهو كثير الاتصال به، وكثير الأخذ عنه؛ ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إذا جاء وكيع عن سفيان، فالمراد به: الثوري؛ لأنه معروف بالإكثار من الرواية عن سفيان، ومقل من روايته عن سفيان بن عيينة، وهذا مما يعرف به المهمل ويميز المهمل: بأن يحمل على من له كثرة اتصال، ومن له خصوصية بشيخه من حيث كونه من بلده، أو كونه كثير الحديث عنه.
فـسفيان الثوري، هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، إمام، محدث، فقيه، وثقة، حجة، ثبت، وإمام مشهور، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن حصين].
هو حصين بن عبد الرحمن الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة بن رويبة].
وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وأما بشر بن مروان، فهذا ليس من رواة الحديث، ليس من رجال الإسناد، وإنما هو سبب إيراد الحديث، والمناسبة التي روي فيها الحديث كونه يخطب ويرفع يديه، وهو أمير من الأمراء، وقد أنكر فعله هذا عمارة بن رويبة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر بأنه ما زاد رسول الله عليه الصلاة والسلام، على أن يشير بأصبعه.
نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة
شرح حديث: (كان النبي يخطب فجاء الحسن والحسين ... فنزل النبي فقطع كلامه فحملهما...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة.أخبرنا محمد بن عبد العزيز حدثنا الفضل بن موسى عن حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما وعليهما قميصان أحمران يعثران فيهما، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فقطع كلامه فحملهما، ثم عاد إلى المنبر، ثم قال: صدق الله: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[التغابن:15]، رأيت هذين يعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب نزول الإمام عن المنبر وقطعه كلامه ثم رجوع إليه، مقصود النسائي من هذه الترجمة أن الإمام وهو يخطب، يجوز له أن يقطع الخطبة لشيء، أو لأمر ما من الأمور التي قد يحتاج إليها، ثم يعود إلى مواصلة الكلام، بعد أن يرجع ويصعد المنبر مرة أخرى، بعد أن يكون فعل ما يريد من النزول، فإنه يقطع كلامه، ثم يعود إليه، هذا هو مقصود النسائي من الترجمة، أن ذلك سائغاً، والحديث الذي أورده واضح الدلالة على هذا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، كان يخطب في الناس، فجاء الحسن والحسين، ابني ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، عنهما وعن أمهما وعن الصحابة أجمعين، وعليهما ثوبان أحمران يعثران فيهما، فالرسول صلى الله عليه وسلم قطع خطبته، وقطع كلامه، ونزل وحملهما، ثم عاد إلى كلامه وقال: [(صدق الله: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[التغابن:15]، رأيت هذين يعثران، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما)]، الحديث واضح الدلالة على الترجمة.
وفيه بيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، من الشفقة والرحمة بالصغار، والعطف عليهم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما رآهما ما صبر، بل قطع كلامه وهو يخطب، ونزل وحملهما، ثم عاد إلى خطبته صلى الله عليه وسلم، وهو دال على ما ترجم له المصنف، من قطع الخطبة والرجوع إليها، ودال أيضاً على جواز لبس الثياب الحمر كما جاء في هذا الحديث: أنهما عليهما ثوبان أحمران.
وأما قوله: [(يعثران فيهما)]، معنى هذا: أنهما لصغرهما يحصل منهما التعثر والسقوط في الأرض؛ لأنهما صغيران، ولا يفهم منه أنهما يجران الثياب، وأنهما ثيابهما نازلة، وأنهما يعثران بها لأنها طويلة، وإنما يحمل هذا على صغرهما، وعلى كون الواحد يميل يميناً وشمالاً، فيحصل منه التعثر بسبب صغره، وكونه صغيراً، وليس معنى ذلك أنهما كانا يجران الثياب، ومن المعلوم أن الصغار يعاملون معاملة الكبار، بحيث أنهم يعودون على ما يسوغ، ويمنعون مما لا يسوغ، فلا يلبسون الملابس الطويلة، التي فيها الإسبال، وكما أنهم لا يلبسون الحرير، ولا يلبسون الشيء الذي لا يجوز أن يلبسه الكبار، وإنما المقصود منه هو هذا.
ثم أيضاً فيه دلالة على أن الإنسان عندما يقع شيء، ثم يكون هذا الذي وقع مطابق لما جاء في القرآن، فإنه يقول: صدق الله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[التغابن:15]؛ لأن الله عز وجل قال: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[التغابن:15]، ولما رآهما الرسول صلى الله عليه وسلم، شق عليه أن يتركهما، فنزل وحملهما وقال: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )[التغابن:15]، صدق الله، في قوله كذا، فإن هذا الذي حصل، هو من جملة هذا الذي نص الله عليه في كتابه العزيز، وأن هذه من فتنة الولد، وأن الوالد يفتن بولده، ولهذا نزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأشفق عليهما وحملهما، ولم يتركهما، لم يصبر عليه الصلاة والسلام، ففيه الدلالة على جواز مثل ذلك حينما يكون الإنسان وقع شيء مطابق لما جاء في القرآن، وأنه مثال من الأمثلة التي اشتمل عليها القرآن، يقول: صدق الله، يعني: الذي قال كذا وكذا، هذا هو الواقع، وهذا هو الذي حصل.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-10-2026, 05:02 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي يخطب فجاء الحسن والحسين ... فنزل النبي فقطع كلامه فحملهما ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد العزيز].هو محمد بن عبد العزيز بن غزوان، وهو مروزي، ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه يقال له: أبو رزمة، واسمه غزوان، وقد ذكره النسائي مرة منسوباً إلى أبي بكر، وفي الإسناد الذي بعد هذا ذكره منسوباً إلى جده فقال: محمد بن عبد العزيز بن غزوان.
[عن الفضل بن موسى].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مروزي أيضاً.
[عن حسين بن واقد].
هو بصري نزل مرو، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فهو أيضاً يقال له: مروزي.
[عن عبد الله بن بريدة بن الحصيب].
هو مروزي وقاضي بمرو، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأربعة من رجال هذا الإسناد، مروزيون نسبتهم المروزي: محمد بن عبد العزيز، والفضل بن موسى، وحسين بن واقد، وعبد الله بن بريدة، إلا الصحابي الذي هو بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه.
وقوله: [صدق الله العظيم].
العظيم وصف لله عز وجل، إذا قال: صدق الله العظيم، أو صدق الله الكريم، أو صدق الله الجليل، أو ما إلى ذلك، ما في بأس، كون الإنسان يقولها بمناسبة وقوع شيء فيعتبر مثال من الأمثلة التي تندرج تحت الآية، والتي يظهر فيها ما جاء في القرآن واضحاً جلياً في المشهد المعاين، وهو كون الإنسان يفتتن بأولاده، فيحرص عليهم ويشفق عليهم إلى حد أنه ترك الخطبة ونزل وحملهما، فإذا أضيف إليه (العظيم) قال: صدق الله العظيم أو ما إلى ذلك، ما في بأس، لكن ليس هذا من قبيل ما اعتاده كثير من القراء، عندما ينتهي من القرآن، أو يقرأ شيئاً من القرآن، يقول: صدق الله العظيم؛ فإن هذا ما فيه شيء يدل على ملازمته، وعلى ثبوته، وإنما هذا الذي نحن فيه شيء آخر، غير الكلام الذي اعتاده الكثير من القراء، وهي أنهم يختمون قراءتهم بـ(صدق الله العظيم).
ما يستحب من تقصير الخطبة


شرح حديث: (كان رسول الله يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يستحب من تقصير الخطبة.أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان أخبرنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد حدثني يحيى بن عقيل سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة)].
أورد النسائي رحمه الله: باب ما يستحب من تقصير الخطبة، أي: كونها قصيرة، ومن المعلوم أن القصر كما ذكرت آنفاً نسبي؛ لأن الخطبة تشتمل على شيء خاص في بعض الأحيان، ومثل هذا فيه شيء من الطول، ولكن القصر هو وصف نسبي.
أورد النسائي تحت هذه الترجمة: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة)]، هذه من صفات رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنه كان يكثر الذكر، ويقل اللغو.
[(يقل اللغو)]، فسر بتفسيرين: إما أن يكون المقصود بالقل هنا العدم، لأنه يعبر به عن العدم، أي: أنه لا يحصل منه اللغو، أو أنه يراد باللغو: هو الكلام الذي يكون دون غيره في عظم الفائدة، مثل المزح فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يمزح، ولا يقول إلا حقاً في مزحه صلى الله عليه وسلم، لكن ما كان يكثر المزح، ولو كان مزحه لا يكون إلا في حق، وإنما الذي كان يكثر منه الكلام الجامع، والكلام الذي هو غير المزح، الذي مثله يصلح أن يقال: إنه لغو، بمعنى أنه أقل فائدة من غيره، فكثرة كلامه صلى الله عليه وسلم، إنما هي في الكلام الجامع الذي هو كثير الفوائد، وأحياناً يحصل منه أنه يمزح، ولكن مع كونه يمزح لا يقول إلا حقاً عليه الصلاة والسلام في مزحه، مثلما قال في بعض الأحاديث، المرأة التي قال: (لا يدخل الجنة عجوز)، ويريد أنها لا تدخلها وهي عجوز، وإنما تدخلها وقد عادت شابة بكراً، تدخلها في هذه الهيئة وهذه الصورة، من كونها عجوز، فهذا من مزحه صلى الله عليه وسلم، وهو حق، وكذلك الرجل الذي قال له: (نحملك على ولد الناقة، قال: وكيف يحملني ولد الناقة؟ قال: وهل الإبل كلها إلا من أولاد النوق)، يعني: فهذا من مزحه صلى الله عليه وسلم، فيكون يحمل اللغو على ما كان من هذا القبيل، فهو من ما يفسر إقلاله اللغو، بأن الإقلال معناه العدم، وأنه مثل (قليلاً ما يؤمنون)، أي: أنهم لا يؤمنون.
[(ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة)]، وهذا هو محل الشاهد، (يقصر الخطبة).
[(ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين ليقضي له الحاجة)]، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم، وقربه من الناس، وشفقته عليهم، وقربه منهم صلى الله عليه وسلم، فهذه من صفاته وشمائله، أنه كان قريباً من الناس، وكان رفيقاً رحيماً، لا يأنف أن يمشي مع الأرملة، والمسكين، ليقضي له الحاجة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذه من صفاته.
ومحل الشاهد من الحديث هو قوله: [(ويقصر الخطبة)].
تراجم رجال إسناد: (كان رسول الله يكثر الذكي ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن غزوان].وهو الذي مر ذكره.
[عن الفضل بن موسى].
وقد مر ذكره.
[عن حسين بن واقد].
وقد مر ذكره، وهؤلاء الثلاثة مروزيون.
[عن يحيى بن عقيل].
وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وعقيل بالتصغير.
[سمعت عبد الله بن أبي أوفى].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة

المراد بالإشارة بالأصبع يوم الجمعة
السؤال: هل المقصود بالإشارة بالأصبع يوم الجمعة هو عند الدعاء؟الجواب: الله تعالى أعلم، لكن الذي ورد في التشهد يحركها يدعو بها، لكن هذا أنه ما كان يزيد على أن يشير بأصبعه، والذي يظهر أنه عندما يأتي التشهد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يشير بأصبعه.
ترتب الأجر على حج الصغير
السؤال: فضيلة الشيخ، هل الصبي يؤجر إذا حج ولم يبلغ الحلم؟ وإن كان يؤجر، فما الدليل؟ وإن لم يكن له أجر، فلماذا شرع له الحج؟الجواب: الصبي إذا حج به وهو قبل البلوغ، فإنه له حج، وأجره له، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة التي كانت رفعت صبياً وقالت: (ألهذا حج يا رسول الله؟! قال: نعم ولكِ أجر)، فأثبت له الحج، فقال: نعم له حج، ولكن لها أجر لكونها حجت به؛ لأنها كانت السبب في ذلك، فحجه له، ووليه له أجر إذا قام بتحجيجه، يعني: كونه سبباً في ذلك، ومن المعلوم: أن حجه له، لكنه لا يكفي عن حجة الإسلام، إذا بلغ عليه أن يأتي بحجة الإسلام، وهذا من المسائل التي يقال فيها: إنه يصح النفل، ولا يصح الفرض، يعني: يؤتى بالنفل أو يجوز النفل، ولا يجوز الفرض؛ لأنه قبل البلوغ ما يجوز الفرض، ولا يصح الفرض، وإنما يصح النفل.
العبرة بالمحرمية بزوجة الابن مجرد العقد
السؤال: يقول: يا شيخ! رجل عقد على امرأة، ثم فارقها قبل الدخول، فهل لوالد هذا الرجل، أو ابنه أن يتزوج بتلك المرأة؟الجواب: أبداً، بمجرد العقد تحرم على الأب وعلى الابن، ليست القضية بالدخول، وإنما هو بالعقد، فإذا عقد رجل على امرأة، بمجرد عقده عليها حرمت على أبيه، وحرمت على ابنه.
هل يعتبر الرجل محرماً لزوجة والد زوجته
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يعتبر الرجل محرماً لزوجة والد زوجته؟الجواب: يعني أنها جارة أم زوجته، لأن الرجل قد يكون له زوجات وواحدة من الزوجات تزوج بنتها، فطبعاً هو محرم لأم زوجته، أما الزوجة الثانية التي ليست أم زوجته، فهي أجنبية منه؛ ولهذا يجوز له أن يجمع بين بنت الرجل ومطلقته، أو المتوفى عنها، التي هي غير أم الزوجة، يجوز له أن يجمع بينهما؛ لأنها أجنبية.
قطع النافلة للحوق صلاة الجنازة
السؤال: فضيلة الشيخ! ما الحكم في رجل دخل في صلاة النافلة، ومضى منها ركعة، فكبر لصلاة الجنازة، فقطع النافلة ودخل في صلاة الجنازة، هل هذا العمل له دليل؟الجواب: ما أعلم، لكن لو أتمها خفيفة، وصلى الجنازة، ما أدرك صلى وما فاته قضى، فهذا هو الأولى، وأما كونه يقطع النافلة بمثل هذا، ما أعلم شيئاً يدل عليه، لكن الأولى في العمل هو كون الإنسان يتمها خفيفة.
وقت الإشارة بالسبابة في الصلاة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل الإشارة بالسبابة تكون أيضاً في التشهد الأول والثاني في الصلاة؟الجواب: إي نعم، تكون في التشهدين.
دعاء الاستخارة بعد السلام
السؤال: فضيلة الشيخ! دعاء الاستخارة هل يكون في داخل الصلاة؟الجواب: بعد السلام، بعدما يسلم يأتي بالدعاء.
حكم رفع اليدين في دعاء الاستخارة
السؤال: هل يشرع في دعاء الاستخارة رفع اليدين؟الجواب: لا أعلم، لكن ما فيه بأس؛ لأن الذي ما ورد فيه شيء فيه ملازمة، وفيه دلالة على الترك، الأصل هو رفع اليدين، إلا إذا جاء شيء فيه رفع اليدين في أماكن معينة، مثل شيء تحصل المداومة عليه، كما عرف في رفع اليدين، مثل الخطبة، ومثل بعد الصلاة بعد الفريضة، مع كثرته، ما نقل أنه رفع يديه، فإن الأصل أنه ترفع اليدين، ولكن بالنسبة لصلاة الاستخارة بالذات، هل ورد أنها ترفع اليدين فيها؟ لا أدري.
كيفية التفريق بين من خرج له النسائي باسم سمي أحدهما ثقة والآخر مجهول
السؤال: يقول: فضيلة الشيخ! يوجد ممن خرج له الإمام النسائي رحمه الله من اسمه سمي اثنان، وفي طبقة واحدة، أحدهما ثقة، والآخر مجهول كما في التقريب، فكيف نفرق بينهما؟الجواب: طبعاً المعروف الذي خرج له أصحاب الكتب الستة، هو: سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، هذا هو المشهور.
التعريف بالجيلاني وطريقته
السؤال: من هو عبد القادر الجيلاني ؟ وما معنى أن له طريقة وله أتباعها؟الجواب: عبد القادر الجيلاني رجل من العلماء المتقدمين، ويقال للطريقة التي تنسب إليه، القادرية، بالنسبة إلى عبد القادر الجيلاني، ومن المعلوم أنه ليس هناك طرق توصل إلى الله عز وجل إلا طريق واحد، وهو ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، هذا هو الطريق الذي ليس هناك طريق يوصل إلى عز وجل إلا هو، وأما طريقة الجيلاني وتفاصيلها ما أذكرها، لكن الذي أعلمه، أنه ليس هناك طريق يوصل إلى عز وجل إلا طريق واحد، وهو ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاءت عنه الأحاديث الدالة على ذلك: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، من هي يا رسول الله الفرقة الناجية؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي).
حكم إعطاء راتب العمال في بلد بسعر عملة بلدهم
السؤال: فضيلة الشيخ! جاء تاجر من بلد عربي، ويستلم العاملين هنا ريالات سعودية، ويعطيهم مكتوباً بذلك على أن يكون التسليم في رمضان بعملة ذلك البلد في ذلك البلد، وعادة يعطي سعراً أعلى، فإذا كان ريالاً فهو الآن مائة وثلاثون من عملة ذلك البلد، يعطي عند الأجل الريال بمائة وسبعين؟الجواب: إذا كان بيعاً فهو لا يجوز؛ لأن البيع لا بد من القبض، ولا يجوز النسيئة فيه، أما إذا كان يقترض منهم ريالات سعودية، على أنه يوفيهم إياها في البلد بعملة أخرى، أي: توفية القرض، هذا لا بأس به، إذا اقترض ريالات وأوفاها بعملة أخرى، أما كونه يبيع ويشتري، والعملة غائبة، فهذا هو النسيئة التي لا تجوز.
القول بمشروعية سب الأمراء أخذاً من بعض الأحاديث
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يؤخذ من حديث عمارة بن رويبة الثقفي مشروعية سب الأمراء؟الجواب: لا، هو الذي يحصل منه شيء يخالف السنة ينكر عليه؛ لأنه ما سب هذا الأمير إلا لأنه خالف السنة، يعني فعل فعلاً ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
الأكل والشرب مضطجعاً ومتكئاً
السؤال: يا شيخ! هل يجوز الأكل والشرب مضطجعاً أو نائماً؟ وهل يجوز الاتكاء على يد واحدة؟الجواب: الأكل كما هو معلوم الأكل والشرب يكون عن جلوس، وأولى من أن يكون عن قيام، وأما في حال الاضطجاع ما أدري، ما أستطيع أقول فيه شيء في الأكل، وكذلك الشرب.
وكون الإنسان يميل على أحد جنبيه أو يديه ويتكئ عليها، هذا ما أعلم شيئاً يمنعه، كونه يضطجع، ولكنه يكون متكئاً على عضده، على ذراعه، ما أعلم شيئاً يمنع هذا.
معنى الإسفار بالفجر
السؤال: فضيلة الشيخ! الإسفار بالفجر قلتم معناه: التأكد من دخول الوقت، هل معنى ذلك حتى يؤذن أم الإقامة؟الجواب: المراد طبعاً الصلاة، الدخول في الصلاة، المراد بالإسفار بالصلاة -يعني: الفجر- أي: أنه لا يسفر بمعنى أنها تؤخر، وإنما الأذان يكون في أول الوقت، والصلاة يبادر بها، فالمراد بالإسفار: أنه يدخل فيها، ومع طول القراءة يكون حصل شيء من الإسفار، وليس معنى ذلك أنه لا ينادى لها إلا بعدما يحصل الإسفار.

ابو الوليد المسلم
03-12-2026, 05:41 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(268)


- (باب كم يخطب) إلى (باب الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر)
من السنة في خطبة الجمعة أن تكون خطبتان يفصل الخطيب بينهما بجلوس لا يتكلم فيه. ثم يقوم للخطبة الثانية ويقرأ فيها آيات ويذكر الله، وله بعد نزوله من المنبر أن يتكلم مع الناس في حاجتهم ثم يصلي.
كم يخطب
شرح حديث: (... ثم يقوم فيخطب الخطبة الآخرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كم يخطب.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (جالست النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيته يخطب إلا قائماً، ويجلس ثم يقوم فيخطب الخطبة الآخرة)].
يقول المصنف رحمه الله: باب كم يخطب، أي: الخطيب يوم الجمعة، كم خطبة يخطب؟ المراد بهذه الترجمة عدد خطب الجمعة وأنها اثنتان، ليست خطبة واحدة، ولا أكثر من اثنتين، وإنما هما اثنتان فقط، هذا هو المقصود من الترجمة: باب كم يخطب.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (جالست النبي عليه الصلاة والسلام فما رأيته يخطب إلا قائماً، وكان يخطب خطبة، ويجلس، ثم يقوم، ويخطب الخطبة الآخرة)، أي: أنه يخطب خطبتين، خطبة أولى وخطبة ثانية، والخطبتان للجمعة اثنتان لا بد منهما، فإنه لا بد لإقامة الجمعة: أن يتقدمها خطبتان.
وجابر بن سمرة رضي الله عنه، يقول: (إنني ما رأيته يخطب إلا قائماً). وفي هذا بيان أن الخطبة تكون عن قيام، ولا تكون عن جلوس، ويخطب خطبتين يجلس بينهما، هذا هو الذي دل عليه هذا الحديث.
وكونه جالس النبي عليه الصلاة والسلام، يفيدنا أنه عرف كونه يخطب قائماً، وكونه يخطب خطبتين، من مجالسته له وملازمته له.
تراجم رجال إسناد حديث ... (ثم يقوم فيخطب الخطبة الآخرة)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وهو من شيوخ الإمام مسلم الذين أكثر الرواية عنهم.
[عن شريك].
هو ابن عبد الله النخعي القاضي الكوفي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وفي بعض نسخ النسائي المجتبى: إسرائيل وفي بعضها شريك والذي في تحفة الأشراف والسنن الكبرى شريك والذي يروي عنه في هذا الإسناد هو شريك.
[عن سماك].
هو سماك بن حرب الكوفي، وهو صدوق يخطئ، أو صدوق له أوهام، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر بن سمرة].
هو ابن جنادة السوائي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والحديث جاء من طرق أخرى منها صحيح ثابت، أي: حديث جابر بن سمرة المشتمل على كون النبي عليه الصلاة والسلام يخطب قائماً، وكونه يخطب للجمعة خطبتين.
الفصل بين الخطبتين بجلوس



شرح حديث ابن عمر: (... وكان يفصل بينهما بجلوس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفصل بين الخطبتين بجلوس.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبيد الله عن نافع عن عبد الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب الخطبتين وهو قائم، وكان يفصل بينهما بجلوس)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الفصل بين الخطبتين بجلوس، فيكون بينهما فاصل، ويكون أيضاً عن جلوس، فلا يكون عن قيام فقط، يعني يقف، ويسكت، ثم يستأنف الخطبة الثانية، وإنما يكون عن جلوس، هذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس.
ففيه إثبات أن الخطبة تكون عن قيام، وإثبات أن الجمعة لها خطبتان، وإثبات أنه يفصل بين الخطبتين بجلوس.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وكان يفصل بينهما بجلوس)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن أباه مسعود، وهو أبو مسعود، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفة هذا النوع: أن لا يظن التصحيف فيما إذا كانت الرواية بالاسم، ثم جاء مذكوراً بالكنية بأن قيل: أخبرنا إسماعيل أبو مسعود، فإن من لا يعرف أن كنيته أبو مسعود قد يظن أن ابن صحفت إلى أبي، فصار إسماعيل أبو مسعود تصحيفاً، مع أنه ليس بتصحيف، بل هو أبو مسعود، وهو ابن مسعود، فإن ذكر باللقب فهو صواب، وإن ذكر بالكنية فهو صواب، ولا تصحيف في اللفظ.
[حدثنا بشر].
هو بشر بن المفضل البصري، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، يقال له: العمري، ويقال له: المصغر؛ تمييزاً بينه، وبين أخيه عبد الله المكبر، فإنهما أخوان، عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، والمصغر ثقة، ثبت، وأما المكبر فهو ضعيف، المكبر عبد الله بن عمر أخوه، هذا ضعيف، فيقال له: المصغر تمييزاً له عن أخيه المكبر الذي هو عبد الله.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم عن هؤلاء الأربعة وعن الصحابة أجمعين.
والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وهم من صغار الصحابة، ويطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة، وإلا فإن في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ممن يسمى عبد الله كثير، فيهم عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله أبو بكر، عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن مسعود، كل هؤلاء عبادلة، لكن العبادلة الأربعة يراد بهم هؤلاء الأربعة من صغار أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإذا جاءت مسألة فقهية وقيل فيها: قال العبادلة الأربعة، أو قال بها العبادلة الأربعة، فالمراد بهم هؤلاء الأربعة، وابن مسعود ليس منهم، وقد عده بعضهم منهم، ولكن الصحيح عند العلماء أنه ليس منهم؛ لأن المراد بهم أربعة من صغار الصحابة، متقاربون في السن، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين في أواخر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وأما هؤلاء العبادلة الأربعة فإنهم ماتوا بعد الستين، ماتوا بعد الستين، وأدركهم من لم يدرك عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع.
وأيضاً عبد الله بن عمر أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المكثرين من رواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم: أبو هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه، وأنس بن مالك رضي الله عنه، وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
السكوت في القعدة بين الخطبتين

شرح حديث جابر بن سمرة: (رأيت رسول الله يخطب يوم الجمعة قائماً يقعد قعدة لا يتكلم فيها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السكوت في القعدة بين الخطبتين.أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا يزيد يعني: ابن زريع، حدثنا إسرائيل حدثنا سماك عن جابر بن سمرة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً، ثم يقعد قعدة لا يتكلم، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى، فمن حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قاعداً فقد كذب)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: السكوت في الجلسة بين الخطبتين، ومعناه: أنه لا يتكلم في ذلك الجلوس، وليس له ذكر يخصه، وليس له كلام يخصه، وإنما هو جلوسه سكوت فقط، جلوس بين الخطبتين، وسكوت في ذلك الجلوس، فالمقصود هنا السكوت في الجلوس؛ لأنه قد مر الترجمة في عدد الخطب، وأنها اثنتان، وهذه الترجمة تتعلق بالفصل بين الخطبتين بجلوس، أو تبين المراد بالسكوت في ذلك الجلوس، وأنه يسكت، ولا يتكلم، ولا يأتي بشيء، ليس فيها دعاء يخصها، وليس فيها ذكر يخصها، ولا يتكلم فيها بشيء، وإنما يجلس يرتاح قليلاً، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يجلس جلسة لا يتكلم)، وهذا هو محل الشاهد من الترجمة: لا يتكلم، يعني: لا يتكلم في تلك الجلسة، (ثم يخطب الخطبة الآخرة).
(ثم يقوم يخطب خطبة أخرى، فمن حدثكم أنه كان يخطب جالساً فقد كذب)، وهذا فيه: دليل على أن الخطبة تكون عن قيام لا تكون عن جلوس، وأن الخطب اثنتان، وأنه يفصل بينهما بجلوس، وأنه لا يتكلم في ذلك الجلوس، أي: لا يتكلم الإمام بين الخطبتين، وإذا كان هناك حاجة للكلام من الإمام أو من المأمومين لأمر يقتضي ذلك، كما هو معلوم بالنسبة للإمام حتى في الخطبة يمكن أن يتكلم، وأما بالنسبة للمأمومين فليس لهم أن يتكلموا في حال الخطبة، ويجوز لهم أن يتكلموا بين الخطبتين فيما إذا أراد الإنسان أن ينبه على شيء، فيتكلم بذلك بين الخطبتين، لا بأس بذلك، وإنما ليس لها شيء يخصها، أو ليس لها ذكر يخصها، أو دعاء يخصها، وإنما يكون السكوت، وإذا احتاج إلى الكلام لأمر يقتضي ذلك، فإنه لا مانع منه؛ لأن المنع إنما يكون في حال الخطبة؛ حتى يكون الإنسان مقبلاً على الخطبة، ومتجهاً إليها وإلى تفهمها، وإلى معرفتها والبعد عن الانشغال عنها.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-12-2026, 05:43 PM
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة: (رأيت رسول الله يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يقعد قعدة لا يتكلم فيها)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع].ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا يزيد].
هو ابن زريع، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وكلمة: (يعني: ابن زريع)، هذه الذي قالها النسائي أو من دون النسائي، لم يقلها محمد بن عبد الله بن بزيع الذي هو تلميذ يزيد بن زريع؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو، بل ينسبه كما يريد، يمكن أن يطيل في نسبه، وأن يقتصر في نسبه، لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما الذي يحتاج إليه هو من دون التلميذ، يعني: تلميذه اقتصر على ذكر الاسم فقط، فمن دونه أراد أن يضيف شيئاً يوضح هذا المهمل، ولكنه أتى بكلمة (يعني) أو بكلمة (هو)؛ حتى يبين أن هذا الإيضاح والبيان لنسب ذلك الرجل، إنما كان ممن دون التلميذ.
وكلمة: (يعني) جملة فعلية، من فعل وفاعل، الفاعل فيها ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، يعني.. أي: يقول النسائي، أو من دون النسائي: أخبرنا يزيد يعني: محمد بن عبد الله بن بزيع ، فالفاعل ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، والقائل هو من دون التلميذ، القائل للكلمة من دون التلميذ، وفاعل الفعل المضارع هو التلميذ، ففيه ضمير مستتر يرجع إلى التلميذ، وقائلها من دون التلميذ.
وهذا من دقة المحدثين، وعنايتهم بالإتيان بالألفاظ كما سمعوها، وإذا أرادوا أن يوضحوا أتوا بشيء يدل على ذلك، ولو لم يقولوا: (يعني) أو يقل: (هو) لفهم كلام من التلميذ، لو كان في الإسناد يزيد بن زريع هكذا بدون كلمة (يعني)، لفهم أن الذي قال يزيد بن زريع: هو محمد بن عبد الله بن بزيع، لكن محمد بن عبد الله بن بزيع قال: يزيد فقط ولا زاد عليها، فمن دونه أتى بكلمة (ابن زريع)، وأتى قبلها بكلمة (يعني)؛ حتى يعرف أن هذا الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ.
[حدثنا إسرائيل].
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق السبيعي هو عمرو بن عبد الله الهمداني، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
فذاك شريك، وأما هذا فهو إسرائيل، ففي تحفة الأشراف في هذا الإسناد: إسرائيل هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وأما ذاك ليس فيه إسرائيل، وإنما فيه شريك، فالمراد به هنا إسرائيل.
ففي الإسناد الأول شريك، وفي هذا الإسناد: إسرائيل.
[حدثنا سماك عن جابر بن سمرة].
وقد مر ذكرهما.
القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها

شرح حديث: (كان النبي يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها.أخبرنا عمرو بن علي عن عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات ويذكر الله عز وجل، وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الخطبة الثانية، والذكر، أي: أن الخطبة الثانية تشتمل على قراءة شيء من القرآن، وعلى ذكر لله عز وجل، وأورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يجلس، ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله عز وجل)، أي: في الخطبة الثانية، أي: أنها تشتمل على قراءة شيء من القرآن، وعلى ذكر لله عز وجل، أي: الخطبة الثانية.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي يخطب قائماً ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس، المحدث، الناقد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الرجال في الجرح والتعديل، يقال: وثقه الفلاس، ضعفه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، فهو يأتي كثيراً بلقبه الفلاس، وأحياناً يأتي باسمه، ونسبه عمرو بن علي.
[عن عبد الرحمن].
هو ابن مهدي البصري، وهو ثقة، ثبت، عارف بالرجال والعلل، وهو متكلم في الرجال، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان غير منسوب هنا، فيقال له: مهمل، هذا النوع من أنواع الحديث يقال له: المهمل، كون الشخص يذكر اسمه، ولا يذكر نسبه، فيحتمل عدة أشخاص، هذا يسمى المهمل، كيف يعرف المهمل؟ كيف يميز المهمل بأنه سفيان بن عيينة أو سفيان الثوري؟ يعرف ذلك عن طريق الشيوخ، والتلاميذ، أو عن طريق الأسانيد، عن طريق الإسناد في كونه جاء في بعض الأسانيد ما يدل على أنه هذا أو هذا، وفي تحفة الأشراف هو سفيان الثوري، وفي سنن ابن ماجه: روى الحديث عن سفيان جماعة منهم وكيع، ووكيع معروف بالرواية عن سفيان الثوري، مكثر من الرواية عنه، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة.
فإذاً: الرجل المهمل هنا هو سفيان الثوري، وليس سفيان بن عيينة، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سماك].
سماك عن جابر بن سمرة، وقد مر ذكرهما.
الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر


شرح حديث: (كان رسول الله ينزل عن المنبر فيعرض له الرجل فيكلمه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر.أخبرني محمد بن علي بن ميمون حدثنا الفريابي حدثنا جرير بن حازم عن ثابت البناني عن أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عن المنبر، فيعرض له الرجل فيكلمه، فيقوم معه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقضي حاجته، ثم يتقدم إلى مصلاه فيصلي)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الكلام والقيام بعد النزول عن المنبر، أي: أنه إذا نزل من المنبر له أن يقوم، وله أن يتكلم، وله أن يقف، ويتكلم مع من يريد الكلام معه، هذا هو المقصود من الترجمة، فليس بلازم أن يذهب إلى المصلي، ويدخل في الصلاة، وإنما إذا احتاج الأمر أن يتكلم مع أحد، وأن يقف مع أحد، ويحدثه، ويتكلم معه، فإنه لا بأس بذلك، هذا هو الذي تقتضيه الترجمة.
ثم أورد النسائي في هذا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل من المنبر، فيعرض له الرجل فيقف معه، ويكلمه، ويقضي حاجته، ثم يتقدم إلى مصلاه فيدخل في الصلاة.
النسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة، وأورد تحتها هذا الحديث، وفي إسناد هذا الحديث جرير بن حازم، وهو ثقة، له أوهام، وقد قال بعض العلماء: إنه وهم في هذا الحديث، وإنما المقصود أن كون النبي صلى الله عليه وسلم يقف مع الرجل، ليس بعد نزوله من المنبر يوم الجمعة، وإنما كان في صلاة العشاء، فقد جاء وثبت عن طريق الثقات أنهم حدثوا أنه كانت تقام الصلاة، ثم يقف مع الرجل، ويتكلم معه، ويقضي حاجته، ثم يدخل في الصلاة، أي: يتقدم ويدخل في صلاة العشاء؛ ولهذا الشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في الضعيفة وقال: إنه شاذ، والمحفوظ أنه في صلاة العشاء وليس في الجمعة، وقد ذكر الترمذي وكذلك أبو داود أنه ما توبع جرير بن حازم على هذا الحديث، وقال بعضهم: أنه وهم في هذا الحديث، وأن المحفوظ أنه في غير الجمعة، أي: كونه يقف بعد أن تقام الصلاة، ويتكلم مع من يريد الكلام معه، لم يكن هذا في الجمعة، وإنما كان في غيرها، أي: كان في صلاة العشاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله ينزل عن المنبر فيعرض له الرجل فيكلمه ...)
قوله: [أخبرني محمد].هو محمد بن علي بن ميمون، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا الفريابي].
هو محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جرير بن حازم].
هو جرير بن حازم البصري، وهو ثقة، له أوهام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ثابت البناني].
هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك] رضي الله تعالى عنه.
وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خدمه عشر سنين منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حتى توفاه الله عز وجل، وهو: أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم آنفاً عند ذكر عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعن أنس وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة



حكم قول الخطيب: أستغفر الله لي ولكم بين الخطبتين
السؤال: هل يا شيخ يجوز أن يقال: أستغفر الله لي ولكم بين الخطبتين؟الشيخ: الذي يخطب خطبة يقول في آخرها: أستغفر الله لي ولكم، جاء في صحيح البخاري في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه في آخر كتاب الإيمان: أنه لما مات المغيرة بن شعبة قام وخطب الناس وقال: استغفروا لأخيكم، واطلبوا له العفو، فإنه كان يحب العفو، وانتظروا حتى يأتيكم أمير، ثم قال: إني ناصح لكم، ثم استغفر ونزل. فالاستغفار، والنزول جاء في أحاديث، لكن بالنسبة لخطبة الجمعة ما أتذكر.
حكم التسمي بفراس والتكني به
السؤال: فضيلة الشيخ! هل هناك من السلف من تسمى باسم فراس، أو تكنى بأبي فراس؟ وهل هذه التسمية جائزة شرعاً مع العلم أني لم أجدها في كتب السير، والتراجم؟الجواب: قضية الاسم أنا لا أعلم شيئاً يدل على المنع، وأما كونه تسمى به أحد أو ما تسمى به أحد، فما أذكر، لكن أذكر هذا الشاعر الفرزدق كانت كنيته أبو فراس على ما أذكر وغيره مثل أبي فراس المهدي كما في التقريب أخرج له أبو داود والنسائي ويمكن الرجوع إلى كتب التراجم والكنى مثل: كنى الإمام مسلم وغيره.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتأمين على دعاء الخطيب وقت الخطبة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل ورد الدعاء آخر الخطبة؟ وهل يؤمن الحاضرون؟ وهل يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم خلال الخطبة؟الجواب: نعم، إذا دعا الخطيب يؤمن السامعون، وإذا جاء ذكر النبي عليه الصلاة والسلام يصلون عليه، عليه الصلاة والسلام، وليس هذا من الممنوع منه في حال الخطبة؛ لأن هذا إقبال على الخطبة، ومتابعة للخطيب، وفهم لما يقوله، وهذا مطلوب، وإنما المحذور أن ينشغل عنه، أن ينشغل عن الخطيب، وعن الخطبة، هذا هو الذي يمنع، أما كونه يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يأتي ذكره، أو كونه يؤمن عندما يدعو الإمام، لا مانع من ذلك.
الحكم في ترجمة العمري ومدى صحة توثيق الشيخ الألباني له
السؤال: فضيلة الشيخ! يقول: إنه قرأ في ترجمة عبد الله العمري المكبر في السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني في الجزء الثاني أن الشيخ أحمد شاكر وثقه، ووافقه الشيخ الألباني، وذكر أشياء يدافع عنه، فما وجهة نظركم؟الجواب: أنا ما أعرف، المشهور عن عبد الله المكبر بأنه ضعيف، ويميزون بينه، وبين المصغر بأن هذا ثقة وهذا ضعيف. كما قال في التقريب عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بأنه ضعيف.
الحكم على حديث: (من قرأ قل هو الله أحد والمعوذتين سبع مرات من الجمعة القادمة)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما صحة الحديث الذي قال: من قرأ قل هو الله أحد والمعوذتين يوم الجمعة سبع مرات من الجمعة القادمة؟الجواب: لا أعرف عنه شيئاً.
قيام الموظف وقت دوامه بالعبادة بحجة أنه لا يوجد عمل
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله. إذا كان الإنسان يعمل في دائرة حكومة، ويوجد كثير من أوقات الفراغ في أثناء العمل، فهل يجوز له أن يقرأ القرآن أو يتنفل بالصلاة في أثناء هذا الفراغ، وهو لا يعلم مواعيد مراجعة المراجعين؟الجواب: الذي عليه أن يجلس في مكانه، وينتظر المراجعين، لا يذهب يصلي، فيأتي المراجعون، وهو يصلي، لكن إذا جلس يقرأ القرآن من حفظه ينتظر الناس، ما في بأس؛ لأن الناس إذا رأوه جاءوا، لكن كونه يقوم، ويذهب بحجة أن ما فيه أحد، لا، ليس له ذلك.
حكم الاشتراك بالجمعيات الخاصة بالموظفين
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم التعامل بالجمعيات، يعني: أن يشترك مجموعة في مبلغ من المال يتفقون عليه؟الجواب: والله هذه مسألة اختلف فيها العلماء في هذا الوقت، منهم من أجازها، ومنهم من منعها، والأحوط أن الإنسان يتجنبها؛ لأن فيها شبهة، وأن كل إنسان يعتبر مقرضاً ومقترضاً، كل واحد منهم ما أقرض إلا ليقترض.
حكم تحويل النية في الصلاة من فرض إلى نفل والعكس
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم تغيير النية في الصلاة؟الجواب: كون الإنسان يكون في نفل ويحولها إلى فرض ليس له ذلك؛ لأن صلاة الفرض لا بد للإنسان أن يبدأها من أولها، وأما كونها فرض ثم يحولها إلى نفل عند أمر اقتضى ذلك، ليس فيه مانع؛ لأن التحويل من فرض إلى نفل.
كما أن الشفع يحوله إلى وتر، ما فيه مانع أبداً، خاصة إن خشي الفجر كأن يكون أتى بركعة توتر ما مضى، كونه يفوت عليه وقت الوتر، يأتي بالوتر، ولو كان أراد إنه يصلي ركعتين، لكن تبين له أن الوقت قارب أو ضاق، ما فيه بأس.
حكم هدم المساجد المتقاربة في حين واحد لجمع المصلين
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا كان هناك في الحي الصغير عدة مساجد، فهل يجوز هدم بعضها ليجتمع المصلون في مسجد واحد؟الجواب: إذا كانت متقاربة جداً، فهذا لا يصلح تقاربها الشديد، وليس هناك أمر يقتضيه، قد تكون متقاربة، ولكن هناك أمر يقتضيه، مثل وجود شارع تمر فيه السيارات بكثرة، وهي مع تقاربها يخشى الناس من أخطار السيارات عندما يذهبون، فمثل هذا لا بأس به، أما إذا كانت كلها في مكان واحد، ومتقاربة جداً، فالحكم للأول منها.
وقت التهجد في الليل
السؤال: فضيلة الشيخ! من قام الساعة الرابعة قبل الفجر وصلى ما كتب له، هل يعتبر قام للتهجد؟الجواب: التهجد والله أعلم هي صلاة آخر الليل، والإنسان إذا صلى في آخر الليل يعتبر تهجداً، ولكن صلاة التهجد فيه من يصلي ركعتين، وفيه من يصلي أكثر من ذلك.
مدى صحة القول بأن الإسناد الذي فيه سفيان مهمل
السؤال: فضيلة الشيخ! ما صحة القول بأن الإسناد الذي فيه سفيان مهمل، وبينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم اثنين وهو الثوري أو ابن عيينة ؟ الجواب: ما أظنه مستقيماً؛ لأن سفيان بن عيينة وإن كان متأخراً عن سفيان الثوري، إلا أنه متقدم كثير، يعني أدرك صغار التابعين، هو معمَّر أدرك صغار التابعين، روى عن الزهري، والزهري توفي سنة مائة وأربعة وعشرين، وهو توفي سنة مائتين واثنتين وتسعين، بين وفاتيهما مدة طويلة، فأقول: مثل هذا ما يستقيم؛ لأن مثل الزهري من صغار التابعين، وقد أكثر عنه سفيان بن عيينة، فلا يستقيم هذا، سفيان بن عيينة، والزهري يروي عن أنس بن مالك صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم، فبين سفيان بن عيينة وبين الرسول صلى الله عليه وسلم شخصين.
حكم الأكل متكئاً
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز الأكل متكئاً؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا آكل متكئاً)، فهذا يدل على تركه.
سبب اختلاف أئمة الجرح والتعديل على التوثيق والتضعيف
السؤال: فضيلة الشيخ! ما سبب اختلاف أئمة الجرح والتعديل في التضعيف، والتوثيق؟الجواب: أقول: كل على حسب ما بلغه أو ظهر له، هذا هو سبب اختلافهم.
حكم الصلاة على السقط
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم السقط؟ هل يعتبر ولادة من حيث ترك الصلاة؟الجواب: السقط يصلى عليه، ويدعى لوليه بالرحمة، والأم يعتبر لها ولادة فتعتبر نفساء إذا كان مخلق.
حكم الإعلان عن شيء بعد الخطبة مباشرة قبل الصلاة
السؤال: فضيلة الشيخ! بعض الأئمة بعد الانتهاء من الخطبة الثانية يعلن عن أشياء فوق المنبر، كأن يقول: سينعقد اجتماع في المكان الفلاني أو كذا، فهل هذا جائز؟الجواب: ما أعلم فيه شيئاً، لكن لو كان بعد الصلاة قد يكون أولى.
حكم الجلوس مع المدخنين
السؤال: فضيلة الشيخ! دعانا أحد الزملاء لوليمة، وكان هناك مدخنون، وجلسة، فهل يجوز علماً بأن المجلس مع المدخنين؟الجواب: إذا كان يعرف أن المجلس سيكون كذلك لا يذهب إليه، وإذا جاء ودخل ينصحهم، إن امتنعوا وإلا قام وترك المجلس.

ابو الوليد المسلم
03-12-2026, 05:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(269)


- (باب عدد صلاة الجمعة) إلى (باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة)
صلاة الجمعة ركعتان، ويستحب فيها قراءة الجمعة والمنافقون أو (سبح اسم ربك) والغاشية، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عدد صلاة الجمعة
شرح حديث: (صلاة الجمعة ركعتان ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عدد صلاة الجمعة.أخبرنا علي بن حجر حدثنا شريك عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال عمر: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم). قال أبو عبد الرحمن: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر].
يقول النسائي رحمه الله: عدد صلاة الجمعة، يعني: عدد ركعات صلاة الجمعة، أي: عدد ركعات صلاة الجمعة، وأنها ركعتان. وقد أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر أي: عيد الفطر؛ ركعتان، وصلاة عيد الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم).
الحديث دال على ما ترجم له المصنف من عدد ركعات صلاة الجمعة، وأنها اثنتان، وهو أمر مجمع عليه بين العلماء أن صلاة الجمعة ركعتان، وقد دل عليها هذا الحديث حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في كتابه (معارج الأصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم): أنه ما من مسألة إجماعية إلا وهناك دليل يدل عليها؛ لأن مسائل الإجماع تكون مستندة إلى نص، ويقول: إنه ما من مسألة من مسائل الإجماع إلا وهي مستندة إلى نص.
وابن حزم في كتابه (مراتب الإجماع) قال: إنه ما من مسألة أُجمع عليها إلا وهي مستندة إلى نص إلا القراض. الذي هو المضاربة، وهي نوع من أنواع الشركة، وعلق على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه حتى هذه المسألة جاء فيها النص، وقال: إن هذه المعاملة كانت موجودة في الجاهلية، وأقرها الإسلام، التي هي المضاربة، كون الإنسان يدفع رأس مال لشخص يعمل، وما حصل من ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، هذه تسمى المضاربة، وتسمى القراض، وقد أجمع العلماء عليها، وقال ابن حزم: إنها ليست مستندة إلى نص، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها مستندة إلى نص، وأنها كانت من المعاملات التي كانت في الجاهلية، وجاء الإسلام وأقرها، والسنة هي القول، والفعل والتقرير، إذا فعل شيء في زمنه، وبحضرته عليه الصلاة والسلام، وسكت، ولم ينكره، فإنه يعتبر إقراراً له، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقر على باطل، لا يقر إلا على حق، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وكذلك صلاة العيدين الأضحى، والفطر هي ركعتان، وكذلك السفر ركعتان، أي: في غير المغرب؛ لأن المغرب لا تقصر، بل هي ثلاث دائماً وأبداً، ولا يدخلها القصر بالإجماع، بل هي ثلاث كما هي حضراً، وسفراً.
ثم قال: (تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)، وهذا قوله: ( تمام غير قصر)، يعني: هذا يدل على ما دل عليه حديث عائشة : أن أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر، أي: زيد في صلاة الحضر، ومن العلماء من يقول: إنها زيدت في صلاة الحضر، ثم حصل القصر، وقد جاء ذلك في الكتاب، وجاء في السنة الذي هو القصر، وجاءت السنة أن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تجتنب مناهيه.
وهو يدل على أن القصر إنما هو رخصة، وأنه تخفيف، وما جاء في حديث عائشة كان أولاً، ثم أتمت الصلاة، ثم قصرت الصلاة، أي: الرباعية قصرت في السفر إلى ركعتين.
ورفع الحديث في قول عمر: (على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)؛ لأنه أضافه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
والحديث قال فيه النسائي بعد أن أورد الحديث، قال أبو عبد الرحمن: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر. وقال الحافظ في التقريب: واختلف في سماعه من عمر، فمنهم من قال: بأنه لم يسمع منه، ومنهم من قال: إنه سمع، بل قال: إن هذا الحديث نفسه صرح به عبد الرحمن بسماعه من عمر، في بعض طرقه من طريق يزيد بن هارون أن عبد الرحمن بن أبي ليلى صرح بسماعه من عمر، والشيخ الألباني ذكر هذا في الصحيحة، وفي إرواء الغليل أن عبد الرحمن سمع من عمر، وأن هذا الحديث جاء فيه التصريح بأنه أي عبد الرحمن سمعه من عمر؛ فإن الحديث متصل، ثم أيضاً الحديث بالنسبة لما فيه، كل ذلك ثابت، يعني كون صلاة الجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والأضحى ركعتان، والسفر ركعتان، كل هذا ثابت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الجمعة ركعتان ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا شريك].
هو ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن زبيد].
هو زبيد اليامي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وليس في الكتب الستة من يسمى زبيد بهذا الاسم سواه، فهو من الأسماء المفردة التي لم تتكرر التسمية بها.
[عن عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن أبي ليلى المدني، ثم الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر].
هو ابن الخطاب رضي الله عنه، أمير المؤمنين، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومناقبه جمة، ومناقبه كثيرة، وقد أعز الله تعالى به الإسلام، ومكث في الخلافة عشر سنوات، وأشهراً حصل فيها الفتوحات العظيمة، وانتشر الحق، والهدى في أنحاء الأرض في خلافته، وفتحت الفتوح، بل قضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان، وهما دولة فارس، والروم في خلافته رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين

شرح حديث ابن عباس في قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة أخبرني مخول سمعت مسلماً البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح (ألم تنزيل) و(هل أتى على الإنسان)، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الجمعة بسورة الجمعة، وسورة المنافقين، وأورد فيه النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في فجر يوم الجمعة: (ألم تنزيل) و(هل أتى على الإنسان)، ويقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة، وسورة المنافقين)، سورة الجمعة في الركعة الأولى، وبسورة المنافقين في الركعة الثانية، فالحديث دال على مشروعية قراءة هاتين السورتين في بعض الأحيان؛ فإنه جاء القراءة في الجمعة بالمنافقين، وجاء أيضاً (بسبح اسم ربك الأعلى)، و(هل أتاك حديث الغاشية)، وجاء أيضاً قراءة الجمعة، ومعها (هل أتاك حديث الغاشية)، فالذي جاءت به السنة يؤخذ به، يؤخذ بهذا أحياناً، وبهذا أحياناً، هذا هو هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي جاءت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث دال على ما ترجم له المصنف من مشروعية قراءة الجمعة، والمنافقين في صلاة الجمعة.
وفيه: أيضاً قراءة (ألم تنزيل السجدة)، و(هل أتى على الإنسان) في فجر يوم الجمعة، وقيل في حكمة ذلك: أن هاتين السورتين مشتملتان على المبدأ، والمعاد، وعلى الخلق، والإعادة، ويوم الجمعة حصل فيه خلق آدم الذي هو أبو البشر، ويحصل فيه قيام الساعة، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي قراءتهما في فجر ذلك اليوم التذكير بهذه الأمور التي اشتملت عليها هاتان السورتان العظيمتان، وهما: سورة ألم السجدة، و(هل أتى على الإنسان).
أما بالنسبة لقراءة الجمعة، والمنافقين، فلعل ذلك لكونها مشتملة على ذكر الجمعة، أي: سورة الجمعة، وسورة المنافقون أيضاً مشتملة على بيان صفات المنافقين وأحوالهم، والتحذير من ذلك، وفي آخرها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )[المنافقون:9-10]، ففيها أعظم زاجر، وأعظم تنبيه على عدم الاغترار بهذه الحياة الدنيا، والافتتان بها، وأن الإنسان يستعد للدار الآخرة بالأعمال الصالحة، ولا يهمل، ويفرط حتى إذا جاء الأجل تمنى أن يرجع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، وأنى له الرجوع؛ لأنه لا يؤخر الأجل إذا جاء الأجل، وإنما على الإنسان أن يعرف أن هذا المصير الذي لا بد منه، وأن العاقل هو الذي يستعد لذلك اليوم، ولذلك الأجل، قبل أن يأتي الأجل، وحتى لا يحصل منه التمني، فهاتان السورتان مشتملتان على معان عظيمة، كالتذكير بهما في هذا اليوم الذي هو يوم الجمعة، وفي اجتماع الناس في الجمعة، في تلاوتهما تذكير، وعبر، وعظات.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني].هو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني مخول].
هو مخول بن راشد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت مسلماً البطين].
هو مسلم بن عمران البطين، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
هو سعيد بن جبير الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فـعبد الله بن عباس هو أحد هؤلاء السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القراءة في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية

شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في صلاة الجمعة بـ(سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية))
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد عن شعبة أخبرني معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الجمعة، في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وأورد فيه حديث سمرة بن جندب: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الجمعة) بهاتين السورتين، ولا تنافي بينه، وبين ما جاء في الحديث الذي قبله؛ فإن المقصود أنه يقرأ أحياناً بهاتين السورتين، وأحياناً بهاتين السورتين، فهو يأتي بهاتين السورتين أحياناً، وبهاتين السورتين أحياناً، وهاتان السورتان أيضاً مشتملتان على عبر، وعظات، وعلى زواجر، وتذكير باليوم الآخر، وعدم الارتكان إلى الدنيا، والاشتغال بها، والاستعداد ليوم المعاد، والاستعداد لذلك بالأعمال الصالحة، فهما مشتملتان على هذه الأمور التي في قراءتهما في يوم الجمعة في الصلاة تذكير بما اشتملتا عليه، وتنبيه إلى الاستعداد ليوم المعاد، وذلك بالأعمال الصالحة التي تقرب العبد إلى ربه زلفى، والتي ترفعه عند الله عز وجل وتنفعه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ في صلاة الجمعة بـ(سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية))
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وقد مر ذكره.
[حدثنا خالد بن الحارث البصري].
وقد مر ذكره.
[عن شعبة].
وقد مر ذكره.
[أخبرني معبد بن خالد].
هو معبد بن خالد بن مرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن عقبة].
هو زيد بن عقبة الفزاري الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له الشيخان ولا ابن ماجه.
[عن سمرة].
هو سمرة بن جندب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-17-2026, 02:48 PM
ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة
شرح حديث: ( كان رسول الله يقرأ هل أتاك حديث الغاشية) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله: (أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة، وأورد فيه أولاً حديث النعمان الذي فيه: (أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: ماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ في يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟)، أي: السورة الثانية التي بعدها، فقال: (يقرأ بـ(هل أتاك حديث الغاشية))، وهذا يدلنا على أنه في بعض الأحيان كان يقرأ بهاتين السورتين: سورة الجمعة، وسورة هل أتاك حديث الغاشية، يجمع بين هاتين السورتين، وفي بعض الأحيان يقرأ الجمعة، والمنافقين، وفي بعضها سبح، والغاشية، وفي بعضها الجمعة، وهل أتاك حديث الغاشية.
فجاء في بعض الروايات عنه: أنه يقرأ بعد الجمعة بـ(هل أتاك حديث الغاشية) كما جاء في هذه الرواية، وهو دال على أنه يقرأ فيها في بعض الأحيان، يقرأ في هاتين السورتين في بعض الأحيان.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ هل أتاك حديث الغاشية) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ضمرة بن سعيد].
ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبيد الله بن عبد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يروي عن النعمان بن بشير، والضحاك ليس من رجال الإسناد، وإنما جاء ذكره في الإسناد؛ لأنه هو الذي سأل، وإلا فإن عبيد الله يروي عن النعمان، ما يروي عن الضحاك؛ لأنه ما قال: حدثني الضحاك أو أخبرني الضحاك أنه سأل، وإنما قال: أنه سأل، فمعناه أن عبيد الله سمع السؤال والجواب، فيكون تلقيه عن المجيب مباشرة وبدون واسطة، فعلى هذا الضحاك بن قيس ليس من رجال الإسناد، وهو صحابي صغير، ورمز له في التقريب بـالنسائي، فلا أدري هل له أحاديث عند النسائي، أو أنه رمز له من أجل ذكره في هذا الحديث؟ وهو ليس من رجال الإسناد، بل هو سائل سأل، والذي يروي عن النعمان وهو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو الذي سمع السؤال، والجواب، ومن عادة المزي، وكذلك الذين تبعوه، أنهم يرمزون للشخص إذا كان له ذكر في الكتب الستة، ذكر مجرد الذكر، وإن لم يكن راوياً، بل مجرد الذكر يذكرون له ترجمة، ويرمزون له بالكتاب الذي جاء ذكره فيه، مثل: أويس القرني، أويس القرني ما كان له رواية، وإنما جاء ذكره في بعض الأحاديث، وإلا فإنه ليس له رواية، ومع ذلك جاء في التهذيب وما تفرع عنه، في تهذيب الكمال وما تفرع عنه جاء ذكر أويس القرني، وكذلك يأتي أحياناً ذكر أشخاص ليس لهم إلا مجرد الذكر، ويأتي ذكرهم في رجال الكتب الستة، فلا أدري الضحاك هل له رواية، أو أنه مجرد هذا الذكر الذي جاء في هذا الحديث.
فـعبيد الله يروي عن النعمان بن بشير.
[عن النعمان بن بشير].
وهو صحابي صغير؛ لأنه توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، وقد روى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصرح بالسماع عنه في أحاديث، منها حديث: (الحلال بين والحرام بين)، الحديث المشهور، حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بين والحرام بين..)، إلى آخر الحديث، فإنه هنا صرح فيه بأنه سمعه من رسول الله، فلا يعتبر من المراسيل؛ لأن بعض الأحاديث التي يرويها صغار الصحابة مراسيل، يعني عن الصحابة، ولا يؤثر ذلك؛ لأنها محمولة على الاتصال؛ لأن أصلها عن الصحابة، ولكن يأتي أحياناً من هؤلاء الصغار أنهم يصرحون بالسماع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما صرح النعمان بن بشير في سماعه حديث: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)، وهو في الصحيحين، وقد صرح فيه النعمان بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من صغار الصحابة.
ومن المعلوم أن الصغير يتحمل في حال صغره، ويؤدي في حال كبره، وأن ذلك معتبر، كما أن الكافر إذا أسلم، وقد تحمل في حال كفره، وأدى بعد إسلامه، فإن ذلك معتبر، وكذلك الصغير سمع في حال صغره، وأدى في حال كبره، كل ذلك معتبر عند العلماء.
والنعمان بن بشير حديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.
شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية ...) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد عن شعبة: أن إبراهيم بن محمد بن المنتشر أخبره سمعت أبي يحدث عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمع العيد، والجمعة فيقرأ بهما فيهما جميعاً)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، و(هل أتاك حديث الغاشية)، وهو بمعنى الحديث الأول الذي جاء فيه (هل أتاك حديث الغاشية) مع الجمعة، وهذا الحديث فيه أن هل أتاك حديث الغاشية مع (سبح اسم ربك الأعلى)، وكل منهما ثابت، فيقرأ بها أحياناً بالجمعة، و(سبح اسم ربك الأعلى) و(هل أتاك حديث الغاشية)، وأحياناً بالجمعة، وهل أتاك حديث الغاشية، وأحياناً بالجمعة، والمنافقين كما مر في الحديث السابق، فهذا الاختلاف غير مؤثر؛ لأن كل ذلك ثابت، ويقرأ بما جاء في الحديث الأول أحياناً، وبما جاء في الحديث الثاني أحياناً، والاختلاف في كون (هل أتاك حديث الغاشية)، جاء في بعض الأحاديث: أنها تكون مع الجمعة، وفي بعضها: أنها تكون مع (سبح اسم ربك الأعلى).
تراجم إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية ...) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة].وقد مر ذكرهم.
[أن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبره، سمعت أبيه].
هو محمد بن المنتشر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب بن سالم].
هو مولى النعمان بن بشير وكاتبه، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن النعمان بن بشير].
وقد مر ذكره.
من أدرك ركعة من صلاة الجمعة

شرح حديث: (من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من أدرك ركعة من صلاة الجمعة.أخبرنا قتيبة ومحمد بن منصور واللفظ له عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: من أدرك ركعة من الجمعة، أي: ما حكمه؟ والحكم كما دل عليه الحديث أنه أدرك الجمعة، (من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك الجمعة)، يضيف إليها أخرى، ويصليها صلاة جمعة ركعتان، أما إذا لم يدرك الركعة الأخيرة من الجمعة، فإنه يدخل مع الإمام، ويدرك فضل الجماعة، ولكنه إذا قام يصلي أربعاً، يصليها ظهراً، لا يصليها جمعة، وإنما إدراك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام، وتدرك الركعة بإدراك الركوع كما هو معلوم.
وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: [(من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك)]، أي: فقد أدرك الجمعة، ويضيف إليها ركعة أخرى، ويصليها صلاة جمعة، أي: ركعتين، ولكنه إذا لم يدرك الركعة، أي: فاته ركوع الركعة الثانية، فإنه يدخل مع الإمام، ولكنه إذا قام يصلي أربعاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك)
قوله: [أخبرنا قتيبة].مر ذكره قريباً.
[ومحمد بن منصور].
هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[عن سفيان].
سفيان غير منسوب، وقتيبة لا يروي إلا عن الزهري، ما يروي عن سفيان الثوري، ومحمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، وللنسائي شيخ آخر اسمه: محمد بن منصور الطوسي، ولكنه إذا ذكر يروي عن سفيان، فالمراد به: المكي، يحمل على المكي؛ لأنه من بلده، وله به خصوصية، أي: بـسفيان بن عيينة؛ لأنه عند الإهمال يحمل على من له به خصوصية، وهنا يكون هو الجواز؛ لأن الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فعند الإطلاق، وعند الإهمال يحمل على من له فيه خصوصية؛ بأن يكون من أهل بلده، وممن يلازمه.
وسفيان بن عيينة، ثقة، ثبت، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة يقال له: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب يقال له: ابن شهاب، وهو محدث فقيه إمام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع، وقد أشرت إليهم آنفاً.
[عن أبي هريرة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
الأسئلة

حكم من لم يدرك الركوع من الركعة الأخيرة من صلاة الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ، بالنسبة لمن جاء متأخراً يوم الجمعة إن كان يعلم أنه فاتته صلاة الجمعة ينوي الظهر وإلا ينوي الجمعة؟الجواب: على كل إذا دخل معه وقد فاتته ركعتان ينويها ظهراً.
حكم جمع العصر مع الجمعة في السفر أو مع عذر في الحضر
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز جمع العصر مع الجمعة إذا كان هناك مطر ووحل شديد؟الجواب: جمع الجمعة مع العصر لا بأس به، إذا كان هناك أمر يقتضيه بأن تجمع العصر معها، أو يكون الإنسان مثلاً في المسجد الحرام، فيصلي الجمعة ويريد أن يسافر، فيصلي العصر بمائة ألف صلاة، بدل ما يصليها في البر بصلاة واحدة، فيصليها بمائة ألف صلاة هناك، ما فيه بأس.
حكم لبس خاتم الفضة
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز لبس خاتم الفضة؟الجواب: نعم يجوز، لبس خاتم الفضة جائز، وقد لبسه الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء حديث أنس: (كأني أنظر إلى وبيصه في يده صلى الله عليه وسلم)، يعني: خاتماً من فضة.
حكم توريث الحمل والنفقة عليه من ماله قبل أن يولد
السؤال: فضيلة الشيخ، هل الحمل الذي ما زال في بطن أمه يورث؟الجواب: نعم، الحمل يورث، كما هو معروف في أبواب الفقه في باب ميراث الحمل.
وله طريقة خاصة يعني: أنه يقدر كذا، إن قدر كذا فيكون كذا، فهو موجود له باب في أبواب الفرائض كيفية ميراث الحمل.
أما الإنفاق فإذا كان أحد سيتبرع بالإنفاق عليه، وما دام أن له مالاً، فيمكن إذا كان ما هناك من يقوم بالإنفاق عليه، فإنه ينفق عليه من ماله.
مدى أحقية الزوجة بتركة زوجها الميت من أثاث البيت وبقية الورثة
السؤال: أثاث البيت هل هو من حق زوجة المتوفى أو من حق جميع الورثة؟الجواب: هو ميراثهم، كل ما يتركه الميت فهو ميراث، لا يختص به أحد دون أحد.
المقصود بقراءة (ألم السجدة) يوم الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ، هناك من يقرأ بعض سورة السجدة في صلاة الفجر يوم الجمعة، وهي الآيات المشتملة على السجدة، ويكتفي بذلك دون قراءة السورة بكاملها، وهل من السنة قراءة بعض الآيات التي فيها سجدة من غير سورة السجدة في نفس الصلاة؟الجواب: السنة أن تقرأ السورتان معاً كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذا هو المشروع والمستحب، وأما قراءة آيات فيها سجدة ليست ألم السجدة، وتخصيص ذلك بالجمعة، فلا ينبغي هذا؛ لأنه ليس المقصود السجدة، وإنما المقصود قراءة ألم السجدة، ما هي القضية قضية وجود سجدة في الصلاة، فيبحث عن سورة أخرى يسجد فيها، وإنما المقصود قراءة هذه السورة وهي مشتملة على سجدة، ومعها سورة هل أتى على الإنسان.
المقصود من قول عمر (تمام غير قصر)
السؤال: فضيلة الشيخ، في الحديث الذي قال فيه عمر: (تمام غير قصر)، هل هي صفة للجميع أو لصلاة السفر؟ الجواب: يبدو أنها للسفر فقط؛ لأن تمام غير قصر المقصود به: السفر، وأنا ذكرت أن هذا يتفق مع ما جاء في حديث عائشة: (أن صلاة السفر ركعتان، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر).
حكم الحجاج عند العلماء
السؤال: فضيلة الشيخ، هل من العلماء المتقدمين من كفَّر الحجاج ؟الجواب: لا أعلم، لا أعلم أحداً كفره، بل كانوا يصلون وراءه.
الجزء من الكلب الذي يغسل منه سبعاً
السؤال: هل من مس كلباً وهو مبلول يغسل سبعاً؟الجواب: لا، إذا كان لمس جلده ما يغسل، أقول: لأن الغسل جاء في ولوغه وفي لعابه، وأما مجرد لمس جسده ما يكون الإنسان لمس نجاسة.
حكم تحمل الصغير وروايته قبل الكبر
السؤال: هل تقبل رواية الصغير وهو صغير؟الجواب: لا، كونه يؤدي في حال صغره ما تقبل، وإنما يتحمل في حال صغره ويؤدي في حال كبره.
من الكتب المشهورة في الناسخ والمنسوخ
السؤال: يسأل عن كتاب في الناسخ والمنسوخ؟الجواب: كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار وهو للحازمي، لـأبي بكر الحازمي، هذا هو من الكتب المشهورة في هذا الفن.
السبب في عدم ذكر الشيخ العباد في شرح النسائي أقوال الأئمة والخلاف المسائل
السؤال: فضيلة الشيخ، ما أسمعكم تذكرون مذاهب الأئمة فيما تذكرون في شروح الأحاديث؟الجواب: كما هو معلوم أنا ما التزمت أني أذكر أقوال القائلين، وإنما أذكر ما يدل عليه الحديث، ما يدل عليه دون أن أذكر من قال بالأقوال إذا كان مختلفاً، إذا كانت المسألة فيها خلاف أذكر القائلين، أنا ليست هذه من عادتي، وإنما أشير إلى الخلاف، وأن بعض العلماء قال كذا، وبعضهم قال كذا، لا أذكر الأئمة ولا غيرهم.
حقيقة المجاز في القرآن واللغة العربية
السؤال: فضيلة الشيخ، هل في القرآن أو السنة مجاز؟الجواب: القرآن ليس فيه مجاز، وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية الحقيقة، والذي يسمونه مجازاً كله حقيقة، إلا أن هذا قليل الاستعمال، وهذا كثير الاستعمال، أقول: هذا يستعمل في اللغة بكثرة، وهذا يستعمل في اللغة بقلة، وكله يقال له: حقيقة ولا يقال له: مجاز، فليس في القرآن مجاز، بل ليس في اللغة العربية؛ لأن المسألة فيها أقوال ثلاثة، منهم من يقول بالمجاز في اللغة والقرآن، ومنهم من يقول بعدمه فيهما، ومنهم من يقول بإثباته في اللغة وعدم إثباته في القرآن.
المقصود من كلمة (تمام) في حديث عائشة
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا كانت كلمة (تمام) صفة لصلاة السفر، فما المقصود من معنى (تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)؟الجواب: أنا قلت: إن المقصود من هذا أن هذه هي صلاة السفر، مثلما جاء في حديث عائشة: (أنها أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر)، فهي غير مقصورة.

ابو الوليد المسلم
03-17-2026, 02:51 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(270)

- كتاب تقصير الصلاة في السفر
اختار الله تعالى لهذه الأمة من الأمور أيسرها، وخفف عنها ما لم يخففه عن غيرها من الأمم، ومن هذه الأمور: قصر الصلاة وجمعها في السفر، وهي سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، وكذلك صحابته من بعده، وهي صدقة تصدق الله بها على عباده.
تقصير الصلاة في السفر
شرح حديث: (... إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب تقصير الصلاة في السفر.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس أخبرنا ابن جريج عن ابن أبي عمار عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية قلت لـعمر بن الخطاب: ((فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا )[النساء:101]، فقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)].
يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: كتاب تقصير الصلاة. المراد من هذا الكتاب أي: الأحكام المتعلقة بالقصر، أي: قصر الرباعية إلى اثنتين في السفر، وقد أورد النسائي رحمه الله هذا الكتاب بعد كتاب الجمعة، وبعد الكتب المتقدمة؛ لأن الكتب المتقدمة قبل الجمعة هي تتعلق بالصلاة المفروضة التي فرضها الله عز وجل على عباده في اليوم والليلة خمس مرات، ثم أتى بعده بكتاب الجمعة، الذي هو فرض في الأسبوع يُصلى على هيئة خاصة، ولما فرغ مما يتعلق بالصلاة فيما يتعلق بتمامها، وفيما يتعلق بالجمعة، أورد هذا الكتاب الذي يتعلق بقصرها في السفر، وهو: أن الرباعية تُقصر إلى اثنتين، وتُصلى ركعتين بدل من أن تُصلى أربعاً كما كان في الحضر، فكان هذا الترتيب مناسباً من جهة أنه ذكر أولاً ألأبواب المتعلقة بالصلاة، وصفتها، وأحكامها، وصلاة الجماعة وما يتعلق بذلك، ثم ذكر الجمعة التي هي فرض مرة واحدة في الأسبوع، يأتي على هيئة معينة، ثم ذكر صلاة المسافر، وأنها تكون ركعتين بالنسبة للرباعية.
وقد أورد النسائي أولاً: حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عندما سأله يعلى بن أمية رضي الله تعالى عنه، وقال: (إن الله عز وجل يقول: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا )[النساء:101]، وقد أمن الناس أي: فكيف الناس يقصرون مع أن القرآن إنما جاء بذكر الخوف، والناس قد أمنوا، فقال: إنني قد عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، أي: أن القصر في السفر جاءت به السنة، وأنها رخصة، وأنها صدقة تصدق الله بها على عباده، فاقبلوا رخصته، ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية إنما تؤخذ من الكتاب، وتؤخذ من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا الحديث دال على أن القصر في السفر مع الأمن، إنما هو مستفاد من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودالة عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث، وفي الحديث بيان أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا يرجعون إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما لا يتضح لهم من الآيات القرآنية، وكذلك الصحابة يرجع بعضهم إلى بعض؛ لأن يعلى بن أمية سأل عمر، وكان عمر قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية التي ذكر فيها الخوف، والمسافر إنما يصلي ركعتين، وكون ذلك في حال الأمن، والآية إنما جاءت في حال الخوف، فبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أن هذه صدقة تصدق الله تعالى بها على عباده، فاقبلوا صدقته، فالسنة دالة في أحاديث عديدة على قصر الصلاة، وأنها تكون ركعتين في السفر، ومنها هذا الحديث.
ثم أيضاً: الحديث يدل على اعتبار مفهوم المخالفة؛ لأن يعلى بن أمية سأل عمر؛ ولأن النص فيه ذكر الخوف، ومعناه: أنه غيره إنما يكون بخلافه، وكذلك عمر استشكل هذا الذي استشكله ابن أمية، وسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبين أن هذا الحكم -الذي هو القصر في السفر- إنما هو ثابت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته).
تراجم رجال إسناد حديث: (... إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، ثقة، ثبت، مجتهد، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وكلمة (ابن راهويه)، هذه من الألفاظ التي هي مختومة بالواو، والياء، والهاء، المحدثون ينطقون بها بهذه الصيغة فيقولون: راهْويه، بسكون الواو وضم ما قبلها وفتح الياء التي بعدها وسكون الهاء، وأما أهل اللغة فإنهم يأتون بها مفتوحة الواو ساكنة الياء فيقولون: راهَويه.
[أخبرنا عبد الله بن إدريس].
ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، مشهور بالنسبة إلى جده، وهو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي عمار].
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن بابيه].
ويقال: ابن باباه، ويقال: ابن بابي بدون (ها)، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يعلى بن أمية].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقال له: يعلى بن منية، وهي: أمه، وهو: صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخليفة الثاني من الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وهو: عمر بن الخطاب، ذو المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وقد ولي الخلافة ومكث فيها عشر سنوات وأشهر، اتسعت فيها البلاد الإسلامية، وكثرت الفتوحات، وفتحت الشام، وفتحت بلاد فارس والروم، وقضي على الدولتين العظميين اللتين كانتا في ذلك الزمان؛ في زمن خلافته، وأوتي بكنوزهما، وأُنفقت في سبيل الله على يدي الفاروق، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله: (لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)، فأما الجيوش المظفرة التي أرسلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد قضت على تلك الدولتين، وأتت بكنوز كسرى وقيصر، وأُنفقت في سبيل الله كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
شرح حديث ابن عمر: (إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية بن عبد الله بن خالد: أنه قال لـعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابن عمر: يا ابن أخي! إن الله عز وجل بعث إلينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، وإنما نفعل كما رأينا محمداً صلى الله عليه وسلم يفعل].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر، وهو: بمعنى حديث أبيه عمر رضي الله عنه؛ لأن عمر رضي الله عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صدقة تصدق الله بها عليكم)، أي: أنه جاءت به السنة عن رسول الله، وهنا ابن عمر سئل: أننا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر؟ فكان جواب عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بعث الله فينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولم نكن نعلم شيئاً، يعني: ما كنا نعلم شيئاً من الحق والهدى حتى جاءنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بالكتاب والسنة، وإنما نفعل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، أي: نقصر الصلاة في السفر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر؛ إذاً: قصر الصلاة في السفر جاءت به سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله، فحديث عمر المتقدم فيه القول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، وأما حديث ابن عمر؛ فإنه ذكر الفعل، وأنه قال: إنما كنا نقصر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقصر الصلاة في السفر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر.
وفي هذا بيان أن السنة أصل في القرآن، وأنه يجب الأخذ بما جاء فيها، كما يجب الأخذ بالقرآن، وأنه لا بد من العمل بهما جميعاً، يُعمل بالقرآن كما يعمل السنة، ويُعمل بالسنة كما يُعمل بالقرآن، وقول الذي سأل ابن عمر: إنا كنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف، يقصد بصلاة الحضر ما جاء من الآيات التي فيها إطلاق الصلاة، هذا هو ما يتعلق بالنسبة لصلاة الحضر.
وأما الخوف ففي قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا )[النساء:101]؛ فإن هذا في صلاة القصر، وكان جواب عبد الله بن عمر: أن صلاة القصر في السفر جاءت بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من فعله، وأننا نفعل كما رأينا النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، وفي هذا بيان على ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم من الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، وأنهم يتابعونه في أقواله، وأفعاله، وتقريراته عليه الصلاة والسلام؛ لأن السنة قول من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفعل منه، وتقرير منه لغيره ممن فعل شيء بحضرته، وأقره على ذلك، ولم ينكر عليه، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقر على باطل، ولا يسكت على باطل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر في القرآن...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وهو إمام مشهور، وثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب الذي هو أبو قصي، وزهرة، أبو قصي بن كلاب، وهو: مشهور بهاتين النسبتين إلى جده زهرة فيقال له: الزهري، وإلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو جد جده الذي هو ابن شهاب أحد أجداده، وهو ثقة، إمام، فقيه، مشهور، هو من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام].
أبوه هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، الذي هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، وعبد الله هذا صدوق، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، والترمذي، وإنما خرج له النسائي، وابن ماجه.
[عن أمية بن عبد الله بن خالد].
ثقة، أخرج له النسائي، وابن ماجه، مثل تلميذه عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأمية بن عبد الله بن خالد، كل منهما خرج حديثه النسائي، وابن ماجه، إلا أن الأول صدوق، وأما الثاني: فهو ثقة.
أنه سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذا السؤال، وهو أنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن ولا نجد صلاة السفر؟ فقال: إن الله بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، ما كنا نعلم شيئاً من الحق والهدى الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام قبل أن يأتينا، ثم جاءنا الله تعالى بالحق والهدى على يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما نفعل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، أي: نقصر كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقصر، فنحن نقصر الصلاة في السفر اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام، حيث كان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (أن رسول الله خرج من مكة إلى المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا هشيم عن منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن ابن عباس رضي الله عنهما، (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرج من مكة إلى المدينة لا يخاف إلا رب العالمين يصلي ركعتين).أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة السلام خرج من مكة إلى المدينة لا يخاف إلا رب العالمين يصلي ركعتين) يعني: يصلي في السفر ركعتين من غير خوف، والذي جاء في القرآن فيه ذكر الخوف، وهنا فيه بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان يقصر مع الأمن وبدون خوف.
وقوله: (لا يخاف إلا رب العالمين) أي: لا يخاف من أحد من الناس، ومن المعلوم أن الله تعالى يُخاف دائماً وأبداً، وأما المخلوقين فيُخافون في بعض الأحيان دون بعض، ولهذا شرعت الصلاة على وجه مخصوص، وهي: صلاة الخوف، وإذا ذهب الخوف تُصلى الصلاة كما كانت تُصلى بدون خوف، ولهذا قال: (لا يخاف إلا رب العالمين)، فهذا فيه بيان أن القصر إنما جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه مع الأمن وفي السفر، وليس مقيداً بالخوف؛ لأن المسألة ليست مقصورة على الخوف؛ بل أيضاً مع الأمن، ومع ذلك كان يصلي ركعتين.
يتبع

ابو الوليد المسلم
03-17-2026, 02:53 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله خرج من مكة إلى المدينة لا يخاف إلا الله رب العالمين ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[عن هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي.
والمقصود بالإرسال الخفي هو: أن يروي الشخص عمن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه، يروي الشخص عمن عاصره ولم يُعرف أنه لقيه؛ فإن هذا يُقال له: إرسال خفي؛ لأنه يحتمل أنه لقيه؛ لأنه معاصر له، أما إذا كان الشخص لم يدرك عصره، فهذا إرسال جلي، وإرسال واضح، أي: كون الإنسان يروي عن إنسان مات قبل أن يولد، ويكون بينه وبينه مسافة طويلة، فهذا يُقال له: إرسال جلي؛ لأنه واضح أن فيه انقطاع، لكن إذا كان الشخص معاصر لمن روى عنه، ولم يعرف أنه لقيه، فهذا هو المرسل الخفي، ووصف بالخفاء لأنه ضد الجلي؛ ولأنه محتمل اللقيا، لكنها لم تثبت، فهو يعتبر من قبيل الإرسال الخفي، ولهذا فإن الفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه، يعني: شيخ من مشايخه عُرف لقاؤه إياه، يروي عنه ما لم يسمع منه بلفظ موهم السماع، كعن أو قال، مع أنه شيخ من شيوخه، معروف بالرواية عنه، وأما الإرسال الخفي: فهو أن يروي عمن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه، فـهشيم بن بشير كثير التدليس، والإرسال الخفي.
وحديث هشيم بن بشير الواسطي أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور بن زاذان].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب].
هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، الذين وصفوا بلقب العبادلة الأربعة، وهم: أربعة من صغار الصحابة في عصر واحد متقاربون في السن، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأيضاً هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (كنا نسير مع رسول الله بين مكة والمدينة ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن عون عن محمد عن ابن عباس قال: (كنا نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة لا نخاف إلا الله عز وجل نصلي ركعتين)].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهي: بمعنى الطريق السابقة، أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة لا يخافون إلا الله، يصلون ركعتين، فيقصرون الرباعية، ويجعلونها اثنتين، مع أنه ليس هناك خوف؛ بل هم آمنون، فهذا مثل الذي قبله دال على أن قصر الصلاة في السفر جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله كما في حديث عمر المتقدم، ومن فعله كما جاء في حديث ابن عمر وحديث ابن عباس، الذي جاء من طريقين، هذه الطريق، والطريق الأولى التي قبلها.
تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نسير مع رسول الله بين مكة والمدينة..) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث، وإذا جاء محمد بن عبد الأعلى يروي عن خالد، وهذا كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد فيروي عن خالد غير منسوب، فالمراد به خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن عون].
هو عبد الله بن عون، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو ابن سيرين، وقد مر ذكره.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (رأيت عمر يصلي بذي الحليفة ركعتين ... فقال:إنما أفعل ما رأيت رسول الله يفعل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل أخبرنا شعبة عن يزيد بن خمير سمعت حبيب بن عبيد يحدث عن جبير بن نفير عن ابن السمط قال: (رأيت عمر بن الخطاب يصلي بذي الحليفة ركعتين، فسألته عن ذلك؟ فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)].أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه صلى ركعتين في ذي الحليفة، ولما سئل عن ذلك؟ قال: (إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)، وهو: دال على جواز قصر الصلاة في السفر مع الأمن، وأنه يصلي الرباعية ركعتين، وفيه أيضاً دليل على أنه إذا خرج من بلده وجاوز البيوت فإنه يصلي ما دام أنه سافر سفراً تُقصر فيه الصلاة، فيبدأ بأحكام السفر؛ لأن عمر رضي الله عنه وأرضاه خرج من المدينة، وقصر في ذي حليفة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد قصر في ذي الحليفة لما خرج في حجة الوادع، فصلى الظهر أربعاً ثم خرج، وصلى بذي الحليفة العصر ركعتين.
فحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه دال على القصر في السفر، وأن المعول عليه في ذلك الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: (إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)، وفيه أيضاً كما ذكرت، الدلالة على أن أحكام السفر تبدأ من حين ما يجاوز المسافر البلد الذي سافر منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (رأيت عمر يصلي بذي الحليفة ركعتين ... فقال:إنما أفعل ما رأيت رسول الله يفعل)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وقد مر ذكره.
[أخبرنا النضر بن شميل].
ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن خمير].
صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
ويزيد بن خمير، حمصي، والذي بعده حمصي، ثلاثة حمصيون، وكلهم أخرج لهم البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنة الأربعة، والأول صدوق والآخران ثقات، يزيد بن خمير، وحبيب بن عبيد، وجبير بن نفير.
[عن ابن السمط].
هو شرحبيل بن السمط، وقيل: له وفادة، أي: ممن وفد على رسول الله عليه الصلاة والسلام فله صحبه، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قال: رأيت عمر بن الخطاب].
يعني: ابن السمط وهو الذي سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد مر ذكره.
شرح حديث أنس: (خرجت مع رسول الله من مكة إلى المدينة فلم يزل يقصر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلم يزل يقصر حتى رجع فأقام بها عشراً)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فلم يزل يقصر حتى رجع)، أي: إلى المدينة، (وقام بها عشراً)، أي: بمكة. والمقصود بهذا: أنه كان ذلك في حجة الوداع، وأنه أقام بمكة وما حولها، وليست الإقامة كلها بمكة، بل بعضها بعرفة، وبعضها بمنى، وجملة ذلك عشرة أيام، وكان يقصر الصلاة، لكن البلد الذي أقام به وهو مكة أربعة أيام من اليوم الرابع إلى اليوم الثامن، وكان يقصر الصلاة، ثم بعد ذلك انتقل إلى منى، وجلس فيها اليوم الثامن، ثم ذهب إلى عرفة اليوم التاسع، ثم رجع إلى منى، وجلس فيها يوم العيد، والثلاثة الأيام التي بعده، وكانت مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة وما حولها عشرة أيام، وكان يقصر الصلاة منذ خرج من المدينة إلى أن رجع إليها، وهو دال على ما ترجم له النسائي من حيث أن المسافر يقصر الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان في حجة الوداع منذ خرج من المدينة إلى أن رجع إليها وهو يقصر الصلاة، لكنه ما أقام في مكان واحد أكثر من أربعة أيام؛ بل إقامته بمكة أربعة أيام، ثم بمنى يوم، ثم بعرفة يوم، ثم رجع إلى منى وأقام بها يوم العيد، والثلاثة الأيام التي بعده، وخرج في آخر اليوم في الثالث عشر، حيث تأخر ولم يتعجل عليه الصلاة والسلام، ونزل بالمحصب الذي هو: الأبطح، فالحديث دال على قصر الصلاة في السفر، وأنه ثابت بسنة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (خرجت مع رسول الله من مكة إلى المدينة فلم يزل يقصر ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا أبو عوانة].
هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، وممن أشتهر أيضاً بكنية أبي عوانة، صاحب المستخرج على صحيح مسلم: أبو عوانة الإسفراييني، وله كتاب يقال له: المستخرج، ويُقال له: الصحيح، ويُقال له: المسند، وكل هذه صفات له، فهو صحيح؛ لأنه مبني على كتاب صحيح، وهو مستخرج؛ لأنه مستخرج على كتاب معين، وهو مسند؛ لأنه بالأسانيد يرويه بأسانيده منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[عن يحيى بن أبي إسحاق].
هو البصري الحضرمي مولاهم، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الإسناد إسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي، قتيبة، وأبو عوانة، ويحيى بن أبي إسحاق، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهؤلاء أربعة بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولأن أعلى ما عنده الرباعيات، ليس عنده ثلاثيات في شيء، وأصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم ليس عندهم ثلاثيات، فأما الذين عندهم ثلاثيات فهم: البخاري، والترمذي، وابن ماجه، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وهي بإسناد واحد، وإسناده ضعيف، وهي خمسة بإسناد واحد وذلك الإسناد ضعيف، وأما الثلاثة الذين ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، فهم: مسلم، وأبو داود، والنسائي.
شرح حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله في السفر ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال أبي: أنبأنا أبو حمزة وهو: السكري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين رضي الله عنهما)].أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وفيه (أنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في السفر ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين)، ومع عمر ركعتين، ففيه إثبات صلاة القصر، وأنها ثابتة بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام والخليفتين الراشدين من بعده. فهو دال على ما ترجم له المصنف من تقصير صلاته في السفر.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله في السفر ركعتين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق].ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[قال أبي].
هو علي بن الحسن بن شقيق، وهو: المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا أبو حمزة وهو السكري].
هو محمد بن ميمون المروزي، ويقال له: السكري، وإنما قيل له: السكري؛ إشارة إلى حلاوة منطقه، وإلى حسن تعبيره، فهذه سبب النسبة، وهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن الذي يسبق إلى الذهن نسبة إلى السكر، لكن هنا نسبة إلى حلاوة المنطق، وأنه يشبه السكر في حلاوة منطقه، وهو مشهور بكنيته أبي حمزة، وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة (هو السكري)، هذه أتى بها من دون تلميذه، وهو: محمد بن علي بن الحسن بن شقيق أو النسائي أو من دون النسائي، هؤلاء هم الذين يحتمل أن يكونوا قالوا: هو السكري) وأما تلميذه علي بن الحسن بن شقيق فلا يحتاج إلى أن يقول: السكري، وإنما يقول: فلان بن فلان، وينسبه كما يريد.
[عن منصور].
هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أقران الأعمش.
[عن إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن علقمة].
هو ابن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهدلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من المهاجرين، وهو من علماء الصحابة، وقد قال بعض العلماء: أنه أحد العبادلة الأربعة، ولكن الصحيح أن العبادلة الأربعة كلهم من صغار الصحابة.
ولأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين في أواخر خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه أصحاب الكتب الستة فليس داخلاً معهم.
الأسئلة


بداية القصر في صلاة المسافر إن اتصل العمران
السؤال: شيخنا حفظكم الله! ذكرتم بأن الإنسان يبدأ القصر إذا جاوز العمران، الآن في بعض البلاد قد تصل العمران فيها عشرات الكيلو مترات أو زيادة؟الجواب: إذا اتسع البلد وامتد فإنه يكون من ضمن البلد، الأماكن التي حول البلد إذا وصلها العمران وامتد إليها بحيث أن العمران انتشر وامتد فإنه يعتبر من البلد، فلا تقصر الصلاة فيها، حتى يكون الإنسان قد خرج من البنيان، ومن الامتداد الذي قد حصل؛ لأن الامتداد إذا حصل والتوسع في البنيان؛ فإنه لا تقصر الصلاة فيه.
وحديث مكان ذي الحليفة، يعني: إذا كان البنيان امتد إليه ووصل -أنا ما أتذكر الآن هل وصل إليه من غير انقطاع ومن غير تقطع- إذا كان وصل إليه يصلي من المدينة وليس خارج المدينة؛ لأن كل البنيان إذا امتد وانتشر؛ فإنه يكون في المدينة، ولو كان خارج الحرم؛ لأن الحرم شيء، والمدينة شيء، قد يطلق على المكان أنه مدينة وليس حرم؛ لأن الحرم محصور بحدود معينة، فإذا امتد البنيان وخرج عن الحرم يُقال: من المدينة، ولا يقال: من الحرم، أي: إذا خرج عن الحرم.
حكم القصر في السفر بين العزيمة والرخصة
السؤال: هل القصر في السفر عزيمة أم رخصة؟ وما هو الدليل؟الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء، فبعض العلماء قالوا: أنه عزيمة، ويستدل على ذلك بحديث أم المؤمنين عائشة: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين أقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر)، وكذلك ما جاء في حديث عمر رضي الله عنه: (إتمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: بأنه رخصة؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته).
الأفضلية بين صلاة المسافر قصراً أو مع الجماعة إتماماً
السؤال: أيهما أفضل: القصر في السفر، أم صلاة الجماعة للمسافر؟الجواب: الإنسان في السفر يصلي صلاة جماعة، ولا يترك الإنسان في السفر صلاة الجماعة؛ لأن الله تعالى أوجب الجماعة حتى مع الخوف، وهذا دليل على أن الجماعة واجبة، وأن الله تعالى شرعها حتى في الخوف، فكذلك في السفر، والناس إذا كانوا جماعة يصلون جماعة، وإذا كان الإنسان في بلد وسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؛ فإنه يخرج ويصلي مع الجماعة، لكنه إن صلى وحده، أو جاء بعدما فاتته الصلاة؛ فإنه يصليها ركعتين، ولكنه إذا صلى وراء إمام مقيم فإنه يتم، كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى وراء إمام يتم قال ابن عباس رضي الله عنه: (تلك السنة)، أي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مدى صحة القول بأن صوت المرأة عورة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل صوت المرأة عورة؟الجواب: صوت المرأة ليس بعورة إلا إذا كان فيه افتتان، كالتلذذ به وسماعه من أجل التلذذ، فالتلذذ لا يجوز، أما إذا كان للحاجة فيما يتعلق ببيع، وشراء، أو غير ذلك، أو استفتاء، أو ما إلى ذلك من الأمور، فإنه لا مانع من الكلام مع النساء مع أمن الفتنة، لكن إذا كان هناك صوت يتلذذ به الإنسان فإنه لا يجوز، كما قال الله عز وجل: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )[الأحزاب:32]؛ لأنه إذا كان الصوت فيه شيء يؤدي إلى التلذذ فيه، وسماعه من أجل التلذذ لا يجوز ولا يسوغ.
حد الرجال الذين تقوم بهم الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ! كم عدد الأشخاص الذين تقام بهم جمعة؟
الجواب: ليس هناك حد معين.

ابو الوليد المسلم
03-22-2026, 11:18 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(271)

- كتاب تقصير الصلاة في السفر - باب الصلاة بمكة
صلاة المسافر ركعتان ما لم يأتم بمقيم، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس.
تقصير الصلاة في السفر
شرح حديث: (صلاة الجمعة ركعتان ... والسفر ركعتان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان وهو ابن حبيب عن شعبة عن زبيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: (صلاة الجمعة ركعتان، والفطر ركعتان، والنحر ركعتان، والسفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم)].هذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي تحت كتاب تقصير الصلاة في السفر، وقد مر أحاديث عديدة تتعلق بأحكام السفر، وأن صلاة السفر ركعتان، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيما إذا صلى المسافرون وحدهم، أما إذا صلوا وراء إمام مقيم يتم، فإن المسافر عليه أن يصلي صلاة المقيم، ولو لم يدرك من الصلاة إلا آخرها؛ فإنه إذا قام يقضي فلا بد أن يقضي صلاة المقيم وهي أربع، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: جاءت بأن المسافر إذا صلى صلاة وراء مقيم فإنه يتم كصلاة المقيم، وذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سئل: ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى وراء إمام أتم؟ قال: تلك السنة؛ أي: تلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد مر جملة من الأحاديث في هذه الترجمة، وبقي بعض الأحاديث؛ أولها: حديث عمر رضي الله عنه: [صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة النحر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم]، والحديث قد مر في الجمعة، وفي بيان مقدار صلاة الجمعة، وأنها ركعتان، وهنا أورده من أجل اشتماله على بيان صلاة المسافر، وأنها ركعتان، وقد مر الحديث، وهو من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر رضي الله تعالى عنه، فقال النسائي عقبه هناك: عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر، وذكرت في ما مضى: أن الحافظ ابن حجر قال: مختلف في سماعه من عمر، لكن القول بكونه سمع منه هو الصحيح، وقد جاء مصرحاً به -أي: بالسماع- في روايته هذا الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو حديث: صلاة الجمعة ركعتان... إلخ.
وذكره بعض أهل العلم -ومنهم: مسلم في مقدمة صحيحه- أنه سمع من عمر، والحديث أورده من أجل ما جاء في آخره، وصلاة السفر ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: [على لسان محمد صلى الله عليه وسلم] أي: أن الله تعالى فرض هذه الفرائض، وأنها من الله عز وجل، ولكنها جاءت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن السنة هي التي تبين القرآن، وتوضحه، وتدل عليه، ويجب التعويل عليها كما يجب التعويل على القرآن، ومن قال: إنه يأخذ بالسنة، ولا يأخذ بالقرآن؛ فإنه كافر بالقرآن، وغير مؤمن بالقرآن؛ لأن القرآن جاء بالأخذ بالسنة في قول الله عز وجل: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )[الحشر:7]، ثم أيضاً ما عرف الناس عدد الركعات في الصلوات إلا عن طريق السنة، وهي مفروضة فرضها الله عز وجل، والمسلمون مجمعون على هذه الأعداد، فمن يقول: إنه يؤخذ بما في القرآن ولا يؤخذ بالسنة فهو كافر بالكتاب والسنة، وكيف يتعبد الله عز وجل من يقول هذا الكلام؟! كيف يصلي لله عز وجل؟! ومن أين في القرآن أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الفجر ركعتين؟ كل هذا لا وجود له إلا في السنة، ولا وجود له في القرآن، فالذي يقول: إنه لا يأخذ إلا بما في القرآن، ولا يأخذ ما في السنة، هو كافر بالكتاب وكافر بالسنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الجمعة ركعتان ... والسفر ركعتان)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو البصري، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان وهو: ابن حبيب].
ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب، وأصحاب السنن الأربعة، وقوله: (هو ابن حبيب)، هذه الذي قالها من دون تلميذه حميد بن مسعدة؛ لأن حميد بن مسعدة، عندما يذكر شيخه ينسبه كما يُريد فيقول: فلان بن فلان بن فلان الفلاني، أي: إذا شاء يذكر اسم أبيه وجده وجد أبيه، أو يذكر بلده، أو يذكر قبيلته، أو ما إلى ذلك، كل هذا يفعله التلميذ إذا أراد، لكن حميد بن مسعدة ما زاد على قوله: سفيان في روايته عنه، ولكن من دونه وهو: النسائي أو من دون النسائي، هم الذين جاءوا بكلمة (هو ابن حبيب)، ولكنهم أتوا بكلمة (هو) الدالة على أنها ممن دون التلميذ، وليست من التلميذ، وهذا كما أشرت سابقاً من الدقة عند المحدثين في تعبيراتهم، وفي ألفاظهم، وأنهم يلتزمون الألفاظ التي يقولها التلاميذ عن شيوخهم، وإذا أرادوا أن يوضحوا هذا المهمل؛ فإنهم يأتون بكلمة (هو) أو بكلمة (يعني) التي تدل على أن هذا الكلام المضاف الزائد ليس من التلميذ، وإنما هو من غير التلميذ.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، ثقة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث من أئمة الجرح والتعديل، وهو لقب رفيع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن زبيد].
هو اليامي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
هو ابن أبي ليلى المدني، ثم الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر].
هو ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين، والذي طال زمن خلافته، وحصل فيها الخير الكثير، وحصل فيها الفتوحات العظيمة الواسعة، وحصل فيها القضاء على الدولتين العظيمتين في ذلك الزمان؛ دولة فارس والروم، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله على يدي الفاروق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله)؛ فإن ذلك تحقق في زمان الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومناقبه جمة، وفضائله كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن أجلّ فضائله: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما سلكت فجاً يا عمر! إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، أي: أن عمر والشيطان لا يلتقيان في طريق واحد، فيهرب الشيطان من الطريق الذي يكون فيه عمر، رضي الله تعالى عن عمر وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (فرضت صلاة الحضر أربعاً وصلاة السفر ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة حدثني أبو عبد الرحيم حدثني زيد عن أيوب وهو: ابن عائذ عن بكير بن الأخنس عن مجاهد أبي الحجاج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرضت صلاة الحضر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة)]. هنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو قوله: [فرضت صلاة الحضر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة]. وهو يدل على أمور ثلاثة: على أن صلاة الحضر أربع، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة، وهي إحدى الصور التي جاءت في صلاة الخوف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنها جاءت على هيئات مختلفة، وأنها تكون ركعتين، وفيها تفاصيل فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، أو في غير جهة القبلة، وفي هذا الحديث أنها تكون ركعة، فإذا اشتد الخوف فإنه يمكن أن تُصلى ركعة واحدة، وهذا من تخفيف الله عز وجل، وتيسيره على عباده، ومحل الشاهد من هذا ما يتعلق بالجملة الوسطى وهي: [أن صلاة السفر أنها تكون ركعتين].
تراجم رجال إسناد حديث: (فرضت صلاة الحضر أربعاً وصلاة السفر ركعتين ...) قوله: [أخبرنا محمد بن وهب].هو الحراني، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا محمد بن سلمة].
هو الحراني، ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ومحمد بن سلمة هذا غير محمد بن سلمة المرادي المصري؛ فإن ذاك في طبقة متأخرة، وهو من طبقة شيوخ النسائي، وأما هذا فهو من طبقة شيوخ شيوخه؛ فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة، فالمراد به المصري المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة كما هنا؛ لأنه يروي عنه بواسطة محمد بن وهب، فالمراد به الحراني الذي هو في طبقة شيوخ شيوخه.
[حدثني أبو عبد الرحيم].
هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو مشهور بكنيته أبي عبد الرحيم، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثني زيد].
هو ابن أبي أنيسة الجزري، وهو ثقة، له أفراد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب وهو ابن عائذ].
ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وكلمة (أيوب وهو ابن عائذ) مثل التي مر قريباً في سفيان هو ابن حبيب، هذه مثل تلك، فـ(أيوب هو ابن عائذ) هي ممن دون تلميذه زيد بن أبي أنيسة.
[عن بكير بن الأخنس].
ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود ،و النسائي، وابن ماجه.
[عن مجاهد أبي الحجاج].
هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج، المكي، ثقة، إمام في التفسير والعلم، وهو الذي أخذ عن ابن عباس في التفسير، وهو إمام مشهور، ومحدث، ومفسر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عن الجميع، فقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي.
شرح حديث: (إن الله عز وجل فرض الصلاة ... في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن ماهان حدثنا القاسم بن مالك عن أيوب بن عائذ عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)].هنا أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، وقوله: [إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم]، أي: هذا يبين أن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو من الله، وأنه مبلغ عن الله، والله تعالى هو الذي فرض والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أوحي إليه، ولهذا فإن السنة هي وحيُ من الله، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى )[النجم:3-4].

فالوحي وحيان: وحي هو القرآن المتلو المتعبد بتلاوته، والعمل به، ووحي متعبد بالعمل به كالقرآن وهي السنة، كما أنه متعبد بالعمل بالقرآن، فالسنة والقرآن متلازمان تلازم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولا يكفي أن الإنسان يؤمن بالقرآن، ولا يؤمن بالسنة؛ فإن الإيمان بهما جميعاً لا بد منه، ومن كذب بالسنة فهو مكذب بالقرآن، ومن أنكر السنة فهو منكر للقرآن، فهما متلازمان تلازم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولهذا قال في هذا الحديث: [إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام]، وهذا لا وجود له في القرآن، وإنما هو في السنة، والسنة الله عز وجل نزل الوحي بها على رسول الله كما نزل الوحي بالقرآن على رسول الله عليه الصلاة والسلام، إلا أن هذا متعبد بتلاوته، ومتعبد بالعمل به، وأما السنة فإنه متعبد بالعمل بها، كما أنه متعبد بالعمل بالقرآن.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل فرض الصلاة ... في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا يعقوب بن ماهان].صدوق، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا القاسم بن مالك].
ثقة، صدوق فيه لين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[عن أيوب بن عائذ].
قد مر ذكره.
[عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس].
هؤلاء الثلاثة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-22-2026, 11:20 AM
الصلاة بمكة
شرح حديث ابن عباس: (كيف أصلي بمكة إذا لم أصل في جماعة؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بمكة.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى في حديثه عن خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن قتادة سمعت موسى وهو ابن سلمة، قال: قلت لـابن عباس: (كيف أصلي بمكة إذا لم أصل في جماعة؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم)].
المراد من هذه الترجمة: بيان أن المسافر إذا صلى مع الجماعة فإنه يصلي صلاة المقيم، ولكنه إذا صلى وحده فإنه يصلي ركعتين؛ لأنه مسافر، والمسافر يصلي ركعتين، والتبويب للصلاة بمكة، والمقصود منه التنصيص عليها؛ لأنها كانت سبب السؤال، والسؤال كان في مكة، وأنه إذا كان بمكة ماذا يفعل إذا كان مسافراً.
والحكم لا يختص بمكة، الإنسان إذا كان مسافراً في أي بلد من البلدان فله حكم المسافر، بمعنى أنه إذا لم يعزم إقامة تزيد على أربعة أيام فإنه يقصر، فإن حضرت الجماعة يصلي صلاة الجماعة، وعليه أن يحضر الجماعة، ويصلي صلاة الجماعة، ولكنه إذا لم يصل صلاة الجماعة -بأن صلى وحده في البيت أو في المسجد- فإنه يصلي ركعتين؛ صلاة السفر، لكنه إذا أدرك صلاة الجماعة أو صلى مع الجماعة الذين هم مقيمون، فإنه يصلي صلاة مقيم، فليس المقصود من الترجمة التخصيص بمكة، وأن هذا العمل بمكة، وإنما المقصود أنه حصل السؤال عن كونه بمكة، فجاء التبويب هكذا، وإلا فإن الأمر لا يخص مكة، بل يكون في كل بلد يكون الإنسان فيه له حكم المسافر؛ فإنه إن أدرك الجماعة، أو حضر الجماعة المقيمة؛ فإنه يصلي صلاة الإمام المقيم، وإن فاتته الصلاة، أو صلى وحده، أو صلوا جماعة مسافرين، فإنهم يصلون صلاة المسافرين؛ أي: يصلون ركعتين.
ولهذا الذي سأل ابن عباس: [كيف أصلي بمكة إذا لم أصلي في جماعة؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم].
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (كيف أصلي بمكة إذا لم أصل في جماعة؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم) قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن خالد بن الحارث].
هو البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج، وقد مر ذكره قريباً.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن موسى وهو ابن سلمة].
هو ابن المحبق البصري، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[ابن عباس].
قد مر ذكره قريباً.
شرح حديث ابن عباس: (... ما ترى أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد حدثنا قتادة: أن موسى بن سلمة حدثهم: أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما قلت: (تفوتني الصلاة في جماعة وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم)].هذه طريق أخرى عن ابن عباس موضحة للطريق السابقة، وإنه قال فيها: [تفوته الصلاة في الجماعة]، أي: أن الأصل أنه يذهب للجماعة، وأنه يصلي صلاة الجماعة، ولكن تفوته الصلاة، فماذا يصنع؟ فأخبر [بأنه يصلي ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم]، أي: أن المسافر يصلي ركعتين إذا صلى وحده، أو صلى مع جماعة مسافرين، ولكنهم إذا أدركوا الجماعة الحاضرة فإنهم يصلون صلاة الإمام المقيم، فيتمون الصلاة أربعاً، ولا يقصرون، فهذه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء ذلك مبيناً عن ابن عباس عندما سئل: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى وراء إمام مقيم صلى صلاة المقيم؟ قال: تلك السنة)، أي: تلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (... ما ترى أصلي؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو إسماعيل أبو مسعود البصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وكنيته أبو مسعود كاسم أبيه، وهذا من أنواع علوم الحديث؛ معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع: ألَّا يظن التصحيف، فيما لو قيل: إسماعيل أبو مسعود بدل إسماعيل بن مسعود، فمن لا يعرف أن كنيته أبو مسعود، يظن أن (ابن) صحفت إلى (أبي) وصارت أبو مسعود بدل ابن مسعود، وهي ليست بدلاً منها ولا تصحيف، وكله صواب؛ هو أبو مسعود وهو ابن مسعود، وحديثه أخرجه النسائي، وحده.
[حدثنا يزيد بن زريع].
هو البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، حافظ ،كثير التدليس، من أثبت الناس عن قتادة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قتادة، أن موسى بن سلمة، وحدثهم: أنه سأل ابن عباس].
هؤلاء الثلاثة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
عقيدة القاضي عياض ونبذة عن كتابه الشفاء
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم حفظكم الله في عقيدة القاضي عياض وكتابه الشفاء؟ وهل تنصح بقراءته جزاك الله خيراً؟الجواب: القاضي عياض رحمه الله عنده شيء من التأويل، وهذا موجود في المقولات التي تُنقل عنه، في صحيح مسلم ينقلها النووي، وكتابه الشفاء فيه أمور طيبة، ولكن فيه أشياء لا تخلو من نظر، وهو كتاب مفيد، والإنسان يستفيد منه، كما يستفيد من غيره، وكما هو معلوم لو كان أنه لا يقرأ إلا كتاب سليم مائة في المائة، لكانت الكتب التي تُقرأ قليلة جداً، لكن الإنسان يأخذ ما صفا، ويترك ما كدر، يأخذ الطيب، ويترك الردي.
الفرق بين تدليس الشيوخ وتدليس التسوية
السؤال: فضيلة الشيخ! ما الفرق بين تدليس الشيوخ وتدليس التسوية؟الجواب: تدليس الشيوخ هو: كون الإنسان يذكر شيخه بما لا يعرف به؛ أي: يعمي، فكلامه صحيح، لكنه يذكره بغير ما اشتهر فيه، بحيث يذكر كنيته، ثم يذكره منسوباً إلى جده، أو منسوباً إلى بلده، ولا يذكر الشيء الذي يكون مشهوراً به، هذا يسمى تدليس الشيوخ، فيجعل الطريق صعباً أمام الباحث؛ بحيث قد يظن أنه شخص لا يعرف، فيبحث له عن ترجمة ويقول: لم أجد له ترجمة، بغير السبب الذي جعله فيه تعمية، وفيه خفاء، أنه ذكر بغير ما اشتهر به، فهذا يسمى تدليس الشيوخ، ومضرته أن فيه توعير الطريق أمام معرفته، وفيه قد يكون الشخص المعروف يقال عنه: إنه غير معروف؛ لأنه ذكر بغير ما اشتهر به، وقد يكون له أسباب؛ منها: كون الشخص يريد أن يعمي، لا يحب أن يذكر شيخه بما هو مشهور به؛ لأنه هناك أمر يقتضيه، وقالوا ممن كان معروفاً بهذا الخطيب البغدادي، فكان يحصل منه ذلك، ذكر هذا ابن صلاح في المقدمة.
وأما تدليس التسوية: فهو يتعلق بالإسناد، فيأتي إلى إسناد فيه ثقات في وسطهم ضعفاء، فيحذف الضعفاء، ويصير الإسناد كأنه في ظاهره ثقات، مع أنه قد حذف منه ضعفاء، وهذا من أشهر أنواع التدليس؛ لان هذا ليس عمله يتعلق به هو؛ بل يتعلق بإضافته إلى غيره؛ لأن غيره ذكر شيخه، فهو إذا حذف ذلك الشيخ الضعيف من أثناء الإسناد، معناه أنه ألحق الضرر بغيره من حيث أنه نُسب إليه ما لم يقله؛ لأنه ذكر شيخه، فيحذف شيخه، ويضيف الكلام إلى شيخ شيخه، فهذا هو تدليس التسوية.
معنى حديث: (زر غباً تزدد حباً) ومدى صحته
السؤال: فضيلة الشيخ! ما صحة هذا الحديث: (زر غباً تزدد حباً)، مع شرح الحديث؟الجواب: ما أتذكر شيئاً عن درجته، لكن معناه: أن الإنسان لا يكثر الزيارة، وإنما يكون يوم بعد يوم، فلا تكون الزيارة متواصلة حتى لا يحصل إثقال.
معنى عبارة: (دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر)
السؤال: فضيلة الشيخ! أرجو توضيح هذه العبارة: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر) وهل يكفر من قال هذه العبارة؟الجواب: هذا العبارة: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر) لا أدري معنى (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر)، ولا أفهم معناها.
ما صحة حديث: (أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام)
السؤال: فضيلة الشيخ! ما صحة الحديث الذي أخرجه الطبراني، والدارقطني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام، وأكثر ما يكون عشرة أيام، فإذا زاد فهي مستحاضة).الجواب: لا أعرف عنه شيئاً.
حكم الاستعانة بالجن المسلم
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم الاستعانة بالجن المسلم بما يقدر عليه من أمور الخير؟الجواب: ومن أين يعرف أنه مسلم؟! يمكن أن يكون فيهم منافقون كما أن في الإنس منافقين.
ويمكن أنه يكون كاذباً فيما يقول كالإنسي، فالجني كذلك.
حكم التأمين خلف دعاء الإمام في خطبة الجمعة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز التأمين خلف دعاء الإمام في خطبة الجمعة؟الجواب: نعم يجوز، لا مانع منه، إذا دعا الخطيب في الجمعة فإنه يؤمن، وإذا صلى على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يصلي على الرسول صلى الله وسلم؛ لأن هذا لا محذور فيه، ولا مانع؛ لأن هذا فيه إقبال على الخطبة، وأما الأحاديث التي وردت أنك (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)؛ لأن هذا فيه انشغال عن الخطبة، وأما هذا ففيه إقبال على الخطبة، وهو كون الإنسان يسمع كلامه، وإذا ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وإذا دعا أمن على دعائه، هذا فيه إقبال على الخطبة، واتجاه للخطبة، وإقبال عليها، وعدم انصراف عنها.
حكم طعام أهل الكتاب والمشركين
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز أكل الطعام الذي يعطينا إياه الكافر أو المشرك؟الجواب: المشرك كما هو معلوم لا يؤكل طعامه؛ أي: ذبائحهم حرام، وأما الكتابيون -اليهود والنصارى- فذبائحهم حلال، فيجوز ذلك، وإذا كان هذا مما يترتب عليه مصلحة، وهي استمالته، أو مداراته من أجل أنه يحصل سبيل إلى هدايته، وتقريبه وما إلى ذلك، فهذا شيء طيب.
وغير الذبائح ليس فيها بأس؛ مثل: البر، والرز، والسكر وما إلى ذلك، أو الأواني أو ما إلى ذلك، وإنما المحذور هو الذبائح.
الجمع بين حديث ابن عباس وحديث عائشة في أول ما فرض من الصلاة
السؤال: فضيلة الشيخ! أشكل حديث ابن عباس (في كون الصلاة أول ما فرضت أربع ركعات)، مع أنه قد جاء في حديث عائشة قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين)، كيف الجمع بين الحديثين؟الجواب: ليس فيه ذكر الأولية، وإنما فيه ذكر تفاصيل صلاة الحضر، وصلاة السفر، وصلاة الخوف، وأن هذه أربع والسفر اثنتين والخوف ركعة، فليس فيه ذكر الأولية، وإنما فيه ذكر أن صلاة الحضر كذا، وصلاة السفر كذا، وصلاة الخوف كذا.
حكم صلاة الجماعة على المسافر
السؤال: فضيلة الشيخ! هل صلاة الجماعة واجبة على المسافر؟الجواب: نعم، تجب صلاة الجماعة على المسافرين، ومن المعلوم أن الله تعالى أوجب صلاة الجماعة حتى في الخوف، وفي الشدة، فهي واجبة على المسافرين، كما أنها واجبة على المقيمين، ومعنى ذلك: أن المسافرين يصلوا جماعة، وليس كل واحد يصلي وحده، إذا كانوا مسافرين جماعة يصلون جماعة، لكن ليس معنى ذلك أنهم لو مروا في الطريق، وشافوا مسجداً من المساجد، والصلاة حاضرة، فإنه يتعين عليهم أن ينزلوا ويصلوا، لا، ما يتعين عليهم، لكن إذا كانوا في بلد ويسمعوا الآذان، فعليهم أن يذهبوا.
الأفضل للمسافر أن يصلي صلاة الجماعة في المسجد أو في البيت
السؤال: فضيلة الشيخ! رجل جاء إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ينوي الإقامة لمدة يومين، فأيهما الأفضل؟ أن يصلي في المسجد النبوي مع الجماعة؟ أو أن يصلي جماعة في محل سكنه؟الجواب: لا، يصلي جماعة في المساجد، حتى في غير المسجد النبوي، إذا كان حوله مسجد قريب، ويسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؛ فإنه يجيب ويصلي صلاة الجماعة.
مدى ورود حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في شربه من زمزم قائماً
السؤال: هل ورد حديث في الشرب من زمزم قائماً؟الجواب: نعم. ورد، الرسول صلى الله عليه وسلم شرب وهو قائم، عليه الصلاة والسلام، لكن لا يعني ذلك أن ماء زمزم لا يشرب إلا عن قيام، وإنما يعني شربه قائماً. فهو يدل على جواز الشرب قائماً في بعض الأحيان، وأنه جائز وإن كان الأولى هو الشرب عن قعود، وعن جلوس.
بيان مدة القصر في السفر
السؤال: فضيلة الشيخ! هل هناك مدة للقصر في الصلاة في حال السفر إلى أي بلد؟ إذا كان يعلم مدة الإقامة أو لا يدري؟الجواب: نعم. إذا كان يعلم مدة الإقامة ولا تزيد على أربعة أيام، فهو يتم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام الإقامة المحققة التي أقامها في مكة هي أربعة أيام، أي في حجة الوداع، لما وصل في اليوم الرابع، وخرج من مكة إلى منى يوم الثامن، فهو جلس إقامة عند دخوله المدة التي هو باقيها في مكة معروف أنها أربعة أيام؛ لأن الحج يبدأ يوم ثمانية، فهذه الإقامة المحققة عند الدخول، وعُلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيبقاها، ويغادر بعدها في اليوم الثامن إلى منى، فإذا كان الإنسان عنده نية عند وصوله أي بلد من البلدان أن يبقى فيه أكثر من أربعة أيام، فحكمه حكم المقيمين، وإن كان عند دخوله البلد ينوي إقامة أربعة أيام فأقل؛ فإن هذا له أحكام المسافرين؛ فإذا كان دخل البلد يريد حاجة، ولا يعلم متى ستنقضي، كل يوم يقول: تخلص بكره، وكل يوم تخلص بكره؛ فإنه يقصر ولو طال الأمد، ما دام أنه لم يعزم أو يجمع على إقامة تزيد على أربعة أيام.
حكم تكرار العمرة
السؤال: فضيلة الشيخ! أنا زائر جئت لأداء العمرة، واعتمرت والحمد لله، لكني أريد أن آتي بعمرة ثانية، فهل هذا يجوز شرعاً؟الجواب: إذا كان اعتمر، وجاء للمدينة وأراد يذهب لمكة مرة ثانية، هذا شيء طيب ما فيه بأس، بل هذه العمرة مستحبة، فكون الإنسان يأتي إلى مكة من خارج المواقيت، ويكرر العمرة فهذا سائغ جائز، لكن العمرة المشروعة هي التي يأتي بها الإنسان من خارج المواقيت؛ إنسان جاء من بلده واعتمر، ثم جاء المدينة، وسيرجع إلى مكة مرة أخرى، يعتمر، فهذا شيء طيب، وإذا ما أراد أن يعتمر وهو يريد أن يذهب إلى مكة، فله أن يذهب إلى مكة بدون إحرام، لكن إذا كان يريد عمرة، فلا بأس لكن لا يتجاوز ميقات المدينة بدون إحرام.
رأي الشيخ العباد في كتاب تفسير بحر المحيط
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم في تفسير بحر المحيط؟الجواب: تفسير بحر المحيط -تفسير أبي حيان- ليس تفسيراً سليماً، ولكنه تفسير واسع ومفيد، لكن الإنسان كما هو معلوم الفائدة الكبيرة هي في الكتب التي فيها السلامة، مثل تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وغيرها التي هي على طريقة السلف، وعلى منهج السلف، هي الأولى بأن يعتنى بها، وأن يحرص عليها، وأن يشغل الوقت فيها؛ لأنها على منهج السلف، وعلى طريقة السلف، بخلاف الكتب الأخرى، يمكن الإنسان يستفيد منها في آيات، لكن كونه يشغل نفسه فيها، هذا ما هو جيد، الاشتغال بما هو سليم ومفيد هو أولى.
مداخلة: فضيلة الشيخ! هل تكون صلاة الخوف ركعة في جميع الصلوات؟
الشيخ: الله تعالى أعلم.
معنى قوله: (وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر)
السؤال: ما معنى قوله: (وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر)؟الجواب: تمام غير قصر، معناه: أنها تامة وغير مقصورة، ركعتان وهذا مثلما جاء عن ابن عباس: (فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيدت في صلاة الحضر).

ابو الوليد المسلم
03-22-2026, 11:22 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الجمعة)
(272)


- كتاب تقصير الصلاة في السفر - باب الصلاة بمنى
ثبت في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الحاج يقصر الصلاة الرباعية في منى، وعليه كان الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان، وإنما أتم عثمان بعد ذلك لئلا يظن الأعراب أن الصلاة قصرت إلى ركعتين طوال العام.
الصلاة بمنى
شرح حديث حارثة بن وهب: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ... ركعتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة بمنى.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين].
يقول النسائي رحمه الله: باب الصلاة في منى، المراد بهذه الترجمة بيان: أن الصلاة في منى في الحج أنها قصر وأنها ركعتان، ومعلوم أن الناس مقيمون في منى، بعدما يرجعون من عرفة، يبقون فيها يوم العيد، ويومين أو ثلاثة بعد يوم العيد، إن تعجلوا فتكون إقامتهم في منى ثلاثة أيام، وإن تأخروا فتكون أربعة أيام، يوم العيد وثلاثة أيام من بعده.
فالمقصود من الترجمة: أن الناس بمنى المطلوب منهم أن يصلوا الرباعية ركعتين، وأن الصلاة في منى إنما تكون كذلك، ولو كان هناك إقامة، ولو كانوا مقيمين غير مرتحلين، وإنما هم مستقرون في منى هذه الأيام، فالمسافر يقصر ويصلي الرباعية ركعتين.
وقد أورد النسائي عدة أحاديث تتعلق بالصلاة في منى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بمنى ركعتين في حجة الوداع، الرباعية يصليها ركعتين مدة إقامته بمنى، يوم العيد ويوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر؛ لأنه تأخر عليه الصلاة والسلام ولم يتعجل، وقد أورد النسائي حديث حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه، قال: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين )، يعني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قصر في منى ركعتين مع وجود الأمن وكثرة الناس، فليس القصر مقيد بالخوف كما جاء في الآية الكريمة: ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ )[النساء:101]، قد مر في بعض الأحاديث أن ابن عباس، أو ابن عمر، قال: أنه خرج مع صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكان يصلي ركعتين لا يخاف إلا رب العالمين، معناه: أنه ليس هناك خوف من الناس، وإنما كان أمن، وإنما فيه الخوف من الله الذي يكون دائماً وأبداً، فكذلك أيضاً في منى مع وجود الأمن، ومع وجود كثرة الناس، النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين، فدل هذا على أن صلاة المسافر أنها ركعتان، سواءً كان هناك خوف، أو كان هناك أمن.
تراجم رجال إسناد حديث حارثة بن وهب: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ... ركعتين)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو الأحوص].
هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو الأحوص توفي سنة 179هـ وهي السنة التي مات فيها مالك. وقتيبة يروي عن مالك، ويروي عن أبي الأحوص. وقتيبة، من المعمرين؛ لأنه ولد سنة 150هـ، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة، وولد فيها الإمام الشافعي، سنة 150هـ، والشافعي توفي سنة 204هـ وعمره أربعاً وخمسون سنة، وأما قتيبة فعمر إلى سنة 240هـ، فصار عمره تسعون سنة، ولهذا أدرك المتقدمين، وهو من الطبقة العاشرة ويروي عن أبي الأحوص، وهو من الطبقة السابعة، بين طبقته وطبقة أبي الأحوص، طبقتين، والسبب في هذا كونه عمر فأدرك المتقدمين، فصار من في العاشرة يروي عن من في السابعة، وذلك لما حصل لقتيبة من طول في العمر، إذ ولد سنة 150هـ فأدرك مالك، وأدرك الشافعي، وأدرك من كان أيضاً قبلهما في الوفاة؛ لأن عمر قتيبة عند وفاة أبي الأحوص ومالك تسع وعشرين سنة، كان عمره عنده وفاتهما تسعة وعشرون سنة، فهذا هو السبب الذي يجعل شخص مثلاً متأخر في طبقة، يروي عن شخص متقدم عنه بطبقتين أو أكثر، وهذا هو الذي جعل الثلاثيات للبخاري، بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص: صحابة، وتابعين، وأتباع تابعين، فكون البخاري يروي عن أتباع التابعين، فتختصر الطبقات، والسبب كون الشخص يكون معمراً.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وهو ثقة مكثر، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حارثة بن وهب الخزاعي].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد: قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب، أربعة أشخاص، فهو من الرباعيات التي هي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي، أعلى ما عنده الرباعيات، وأنزل ما عنده العشاري، الذي هو عشرة أشخاص، بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلى ما عنده الرباعيات، وهذا منها، وحارثة بن وهب الخزاعي، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ابن زوجة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ لأن عمر تزوج أمه.
حديث حارثة بن وهب: (صلى بنا رسول الله بمنى... ركعتين) من طريق أخرى وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا شعبة حدثنا أبو إسحاق، ح، حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان أخبرني أبو إسحاق عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين).أورد النسائي حديث حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو بمعنى الطريق السابقة، ومفيد ما أفادته الطريقة السابقة.
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
هو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المتكلمين في الرجال جرح وتعديلاً، وكثيراً ما يأتي ذكره بـالفلاس، فيقال: ضعفه الفلاس، وثقه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، وأحياناً يأتي بنسبته ونسبه، فيقال: عمرو بن علي كما هنا، فهو عمرو بن علي الفلاس.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، هو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي إسحاق].
هو السبيعي، وقد مر ذكره.
[ح حدثنا عمرو بن علي].
و(حاء) هذه للتحويل، أي: التحول من إسناد إلى إسناد آخر عند النسائي ؛ لأنه ذكر الإسناد الأول، ثم وقف في أثنائه ورجع من جديد بإسناد آخر، وأتى بكلمة حاء، أو بحرف حاء الذي: هو يدل على التحول من إسناد إلى إسناد، فيكون الإسنادان يلتقيان، ثم يتحدان بعد ذلك، فيكون طريقان مفترقان، ثم يلتقيان عند شخص، ثم يستمران من ذلك الشخص، وملتقى الإسنادين هو: أبو إسحاق السبيعي؛ لأن هذا الإسناد عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة بن الحجاج، والطريق الثاني: عمرو بن علي، يروي عن يحيى بن سعيد القطان، ويروي عن سفيان، ثم سفيان يروي عن أبي إسحاق، وسفيان هنا يحتمل الثوري، ويحتمل ابن عيينة؛ لأن يحيى بن سعيد القطان روى عنهما جميعاً، لكن أبو إسحاق كوفي والثوري كوفي، فالأقرب أن يكون الذي روى عن أبي إسحاق السبيعي هو: الثوري؛ لأن كلاً منهما كوفي، ثم أيضاً من حيث البلد، فالبصرة والكوفة متقاربتان، يحيى بن سعيد القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان روى أيضاً عن ابن عيينة، وهو مكي، لكن أبو إسحاق كوفي، فيكون من حيث البلد، ومن حيث كثرة الاتصال، يكون بين الثوري وبين أبي إسحاق أكثر مما يكون بين ابن عيينة وأبي إسحاق.
فالطرق التي يعرف بها المهمل: أن يُنظر إلى التلاميذ والشيوخ والبلد، وأيضاً ينظر إلى الأسانيد الأخرى فقد يكون فيها نسبة المهمل، وبيان نسبه، وأنه فلان بن فلان، فيتبين أنه أحد الاثنين، وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، حجة، إمام فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، مثل: شعبة بن الحجاج، كلاً منهما وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.
[عن حارثة بن وهب الخزاعي].
وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث أنس: (صليت مع رسول الله بمنى ومع أبي بكر وعمر ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن بكير عن محمد بن عبد الله بن أبي سليم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قالhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=صل يت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى، ومع أبي بكر وعمر ركعتين، ومع عثمان ركعتين صدراً من إمارته).أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر، وعمر، أي: صلى مع كل منهما في منى ركعتين، ومع عثمان صدراً من إمارته، يعني في أولها، ثم إنه بعد ذلك أتم رضي الله تعالى عنه، صار يتم في منى، والسنة في منى أن الصلاة الرباعية تصلى ركعتان؛ لأن هذا هو الذي فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفعله أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان مدة من خلافته، ثم بعد ذلك أتم عثمان رضي الله عنه، فصلى الرباعية أربعاً.
وقد ذُكر أسباب عديدة كون عثمان أتم الصلاة الرباعية ولم يقصرها ويصليها ركعتين في منى، من أوضحها سببان: أحدهما: أنه رأى أن القصر إنما يكون في حال السفر الذي هو: السير، والانتقال، وأما في حال الإقامة فإنه يكون الإتمام، والسبب الثاني، أو الوجه الثاني: أنه رأى أن الحج يحضر فيه كثير من الناس، وأعراب، ويكثر فيهم الجهل، فإذا صلوا أو رأوا الإمام يصلي ركعتين، ظنوا أن هذه هي السنة في جميع أيام السنة، وأن الصلاة تكون ركعتين، فصلى أربعاً حتى لا يحصل من بعض الأعراب هذا التوهم، بسبب الجهل، هذان هما أحسن ما قيل في تأويل، أو بيان سبب كون عثمان، رضي الله تعالى عنه وأرضاه أتم. ومن المعلوم أن ما جاءت به سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعمل الخليفتين من بعده، وعمل عثمان في أول خلافته، أنه هو الذي وافق السنة، وهو المطابق للسنة. ومن المعلوم أن السنن تبين للناس، وتوضح للناس، وعثمان رضي الله عنه إنما أتم.. قالوا: لهذين السببين ولغيرهما، فالمشروع والحكم بالنسبة للمسافر في منى أنه يصلي ركعتين، ولا يصلي أربعاً، وهذا هو الذي يتفق مع ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعن الخليفتين الراشدين من بعده، وكذلك في أول خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صليت مع رسول الله بمنى ومع أبي بكر وعمر ركعتين ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن بكير].
هو ابن عبد الله بن الأشج المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عبد الله بن أبي سليم].
وعندكم في الكتاب: ابن أبي سليمان، وهو محمد بن عبد الله بن أبي سليم المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي.
[عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
شرح حديث ابن مسعود: (صليت بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا عبد الواحد عن الأعمش حدثنا إبراهيم سمعت عبد الرحمن بن يزيد ح وأنبأنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه قال: صليت بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين].ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: (صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين)، وهذا دال على ما دلت عليه الأحاديث المتقدمة من أن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هي: أن الصلاة تكون ركعتين للصلاة الرباعية، فجماعة من الصحابة جاء عنهم أنهم صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وبعضهم يقول: إنه صلى مع أبي بكر وعمر بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع عثمان في أول خلافته رضي الله تعالى عن الجميع.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (صليت بمنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره.
[حدثنا عبد الواحد].
هو ابن زياد، وهو ثقة في حديثه، لين عن الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، في حديثه مقال عن الأعمش.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبد الرحمن بن يزيد].
هو ابن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ح وأنبأنا محمود بن غيلان].
(ح) هذه تحول من إسناد إلى إسناد، محمود بن غيلان هو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[حدثنا يحيى بن آدم الكوفي].
ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو الثوري، وهو يروي عن الأعمش، وتلميذه وشيخه كل منهما كوفي، الذي هو سفيان الثوري، وتلميذه يحيى بن آدم وشيخه الأعمش كوفيان، وسفيان الثوري، مر ذكره قريباً. والأعمش أيضاً كذلك.
[عن إبراهيم].
هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وقد مر ذكره.
[عن عبد الرحمن بن يزيد].
وقد مر ذكره أيضاً في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن عبد الله بن مسعود].
وهذا هو ملتقى الإسنادين من حيث الإظهار، وإلا فإن الإسنادان ملتقيان عند الأعمش؛ لأن الأول عبد الواحد عن الأعمش، والثاني سفيان عن الأعمش، فملتقى الإسنادين الأعمش.
فقوله: [عن عبد الله بن مسعود].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، من المهاجرين، ومن علماء الصحابة، وكانت وفاته سنة 32هـ في أواخر خلافة عثمان، وليس هو من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم، وليس من كبار الصحابة الذين هم في سن واحد، والعبادلة الأربعة ليس هو منهم، بل هم من صغار الصحابة، وأما هو فهو من كبارهم ومن متقدميهم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-24-2026, 05:53 PM
شرح حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله ركعتين) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد صلى عثمان بمنى أربعاً حتى بلغ ذلك عبد الله فقال: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين].حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه بلغه أن عثمان رضي الله عنه صلى أربعاً، وقيل له: إنه صلى أربعاً، فقال: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، في بيان أن ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو القصر وليس الإتمام، ففيه بيان السنة، وأن عثمان رضي الله عنه، لما حصل منه الإتمام متأولاً، أن الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والخليفتين من بعده، وكذلك أيضاً هو في أول خلافته، إنما هو القصر وليس الإتمام، ولهذا بين عبد الله أنه لما حصل من الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الإتمام بمنى، قال: صليت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام بمنى ركعتين، فهذه هي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعثمان تأول.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (صليت مع رسول الله ركعتين) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا علي بن خشرم].هو المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وهو من المعمرين، وجاء عنه أنه قال: صمت ثمانية وثمانين رمضاناً، وهو قارب المائة، معناه: أنه صام هذه السنين الكثيرة، ويحتمل أن يكون بعضها صامه وهو قبل البلوغ؛ لأنه قارب المائة، ثمانية وثمانين سنة وهو يصوم رمضان.
[حدثنا عيسى].
وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، أخو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وقد مر ذكره، سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وقد مر قريباً.
[عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد].
وقد مر ذكرهما.
[عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه].
وكذلك أيضاً مر في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن عمر: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أخبرنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وكذلك مع أبي بكر في زمن خلافته، ومع عمر في زمن خلافته، وكلٌ يصلي ركعتين يقصر الرباعية ولا يتمها، فحديث عبد الله بن عمر، دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة عن جماعة من الصحابة في أن السنة أو أن الذي فعله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمنى هو صلاة الرباعية ركعتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، ويقال له: سني لأنه أظهر السنة في بلده، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[أخبرنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان، وقد تقدم ذكره.
[عن عبيد الله ].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
شرح حديث ابن عمر: (صلى رسول الله بمنى ركعتين ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصلاها أبو بكر ركعتين، وصلاها عمر ركعتين، وصلاها عثمان صدراً من خلافته)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، إلا أن فيه زيادة أن عثمان رضي الله عنه صلاها ركعتين صدراً من خلافته، أي: ثم بعد ذلك أتمها، فالحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، وفيه هذه الإضافة وهي: أن عثمان أيضاً صدراً من خلافته صلاها ركعتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (صلى رسول الله بمنى ركعتين ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وقد مر أن محمد بن سلمة الحراني الذي هو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وذكرت أنه إذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة، فالمراد به المصري، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة بينه وبينه شخص، فالمراد به الحراني.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة، بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
[أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عمر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبيه عبد الله بن عمر].
وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
لا ذاك متأخر، ذاك يروي عن نافع، وأما هذا يروي عن أبيه، ونافع يروي عن عبد الله بن عمر، فهذا عبيد الله ابنه؛ لأنه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وأما ذاك عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر.
الأسئلة

الوضوء بما يخرج من المكيفات
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز الوضوء بماء يخرج من المكيفات؟الجواب: إذا كان أنه ما حصل فيه تغير يجوز، ما دام باقي على مائيته.
حكم استخدام حبوب منع الحمل
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم حفظكم الله في استعمال حبوب منع الحمل؟الجواب: ما يصلح للنساء، ولا ينبغي أن تتعاطى هذا؛ لأن كثرة الحمل جاء في السنة ما يدل على طلبها، وعلى الرغبة فيها، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)، فمن مقاصد الشريعة: كثرة الحمل، وكثرة النسل. وليس تقليله، أو إضعافه، أو قطعه، فليس للنساء أنها تفعل هذا الفعل، إلا إذا كان هناك ضرورة ملجئة إلى ذلك، ويكون ذلك بنصيحة من طبيب مسلم، فيمكن هذا.
الرد على من يقول: (لماذا يعذب الله من لم يعطه الهداية)
السؤال: فضيلة الشيخ! يقول الله عز وجل: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ )[القصص:56] فإذا كانت الهداية من الله سبحانه وتعالى، والختم على القلوب منه سبحانه وتعالى، فلماذا يعذب الله عز وجل من لم يعطه الهداية؟الجواب: من المعلوم أن الله عز وجل قدر كل ما هو كائن، أرسل الرسل لإرشاد الناس إلى طريق الخير، والتحذير من طريق الشر، وأعطى الله الناس عقولاً يميزون بها بين طريق الخير وبين طريق الشر، إذا أقدم الإنسان بإرادته ومشيئته واختياره على طريق الخير حصل له التوفيق، وصار من أهل الخير؛ لأنه اختار بمشيئته وإرادته طريق الخير، وإذا عرف طريق الخير وطريق الشر، ولكنه ترك طريق الخير، واختار طريق الشر بمشيئته وإرادته، وقد أُرشد إلى الطريقين، ولكنه بإرادته ومشيئته أقبل أو اختار طريق الشر، فيؤاخذ على فعله، وعلى عمله، ولهذا يمدح الناس ويذمون، كيف يمدحون ويذمون؟ يمدحون لأنهم أقدموا على شيء مشروع، وأمر مطلوب، وفيه المنفعة والمصلحة لهم، ويذمون على كونهم أقدموا على أمر فيه مضرتهم، وقد حذروا منه، وأعطاهم الله عقولاً يميزون بها بين ما ينفع وبين ما يضر، والمقادير لا يعلمها إلا الله عز وجل، المقدر الله تعالى هو الذي يعلمه، وقيل لهم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما للسعادة ييسرون لعمل السعادة، وأما للشقاء فييسرون لعمل الشقاء، والله عز وجل ما حصل منه جبل الناس على ما يحصل منهم بدون أن يكون لهم مشيئة وإرادة؛ لا، بل لهم مشيئة وإرادة، لكن هذه المشيئة والإرادة لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، ولهذا تأتي الدعوة عامة، والهداية خاصة، والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ما فيه أحد يدعى إلى دار السلام وواحد ما يدعى، كل مدعو إلى دار السلام، حذف المفعول في يدعو لإفادة العموم، والله يدعو إلى دار السلام كل أحد، الجن والإنس جميعاً مدعوون إلى دار السلام، لكن الهداية ليست لكل أحد؛ لأن الله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين: فريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، لكن الله تعالى ما جبلهم أو جبرهم على الأفعال التي يفعلونها، بل أعطاهم العقل، وأعطاهم القدرة، ففيهم من اختار طريق الخير، ومدح على ذلك، وأثيب على ذلك، ومنهم من اختار طريق الشر، فذم على ذلك، وعوقب على ذلك. ومن المعلوم أن هناك فرقاً بين من يقدم على الشيء بمشيئته وإرادته، وبين من يحصل له من غير مشيئة وإرادة، فالإنسان الذي يؤذي الناس، ويحصل منه الإضرار بالناس، إذا عُقب على إضراره بالناس، وحصل له الجزاء على إضراره بالناس، يكون هذا الجزاء على فعل اكتسبه، ليس على شيء هو ليس له فيه مشيئة وإرادة، فالإنسان الذي يؤذي الناس يُعاقب ويُقال: لا تؤذي الناس، لكن الذي ترتعش يده وتضطرب، ولا دخل له في إيقافها، ويُقال له: أوقف يدك؛ لأنه لا يستطيع هذا، ليس بمشيئته وإرادته.
ولهذا فرق بين ما يكون للإنسان، وما يكون كسباً للإنسان، ولهذا جاء في تعريف الفاعل عند النحويين، يقولون: الفاعل اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به الحدث، مثل: أكل، وشرب، وقام، وقعد، هذا حصل منه الحدث، أو قام به الحدث، مثل مرض أو مات؛ لأن المرض قام به، ما فعل هو المرض، وما فعل الموت، وإنما الموت قام به، والمرض قام به، فالمرتعش وصف له، وليس فعل له، والضرب والأكل، والشرب الذي يحصل من الإنسان، هو فعل له، فيعاقب على ما يحصل منه بمشيئته وإرادته، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بين له طريقين: طريق فيه أمن وفيه سهولة، وطريق فيه وعوره وفيه هلاك، إذا اختار بمشيئته وإرادته طريق الهلاك، فقد فعل بمشيئته وإرادته ما يعود عليه بالمضرة، وإذا اختار لنفسه طريق الأمن والسلامة والسهولة واليسر...
يدفع عنه المضرة، وعلى هذا فالقدر سر من أسرار الله عز وجل، والناس لا يعلمون المقدر، ولكنه أرسلت إليهم الرسل وقيل لهم: هذا الطريق يوديكم الجنة، وهذا الطريق يوديكم إلى النار، وأعطوا عقولاً يميزون بها بين ما ينفع، وما يضر، فإن أقدموا على ما ينفع أثيبوا ومدحوا، وإن أقدموا على ما يضر ذموا وعوقبوا، والذم له سبب، والعقوبة لها سبب يرجع للإنسان، وإن كان مقدراً من الله عز وجل، والمدح والثواب له سبب، وهو يرجع إلى سبب من الإنسان، وهو كسبه واختياره.
حكم التنفل بعد صلاة المغرب
السؤال: فضيلة الشيخ! هل ورد في فضل النافلة بعد المغرب ستاً أو أربع ركعات بعد الراتبة، أو هذا من البدع؟ نرجو التوضيح.الجواب: ما أعلم تحديداً للنوافل بعد المغرب، وإنما الذي ثبت ركعتان بعد المغرب، وهي من السنن الراتبة، لكن الإنسان إذا صلى وأراد أن يتنفل نوافل مطلقة بعد المغرب، أو في أي وقت، فالأمر في ذلك واسع، لكن يقول: هذه سنة المغرب، ولا تفعل سنة المغرب إلا بنص، أما النوافل المطلقة يتنفل كما يشاء.
حكم قصر الصلاة لسكان منى إذا كانوا حجاجاً
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يقصر أهل منى أيام التشريق إذا كانوا حجاجاً؟الجواب: إذا كانت مساكنهم في منى، وكانوا من سكان منى، فإنهم لا يقصرون، وهم في منى، وإنما يقصرون في عرفة ومزدلفة، وأما أهل مكة فإنهم يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة.
الجمع والقصر للمسافر
السؤال: فضيلة الشيخ! هل للمسافر أن يقصر صلاته ويجمع الظهر مع العصر؟الجواب: نعم المسافر يقصر الرباعية، ويجمع بين الظهر والعصر.
حكم الأم إذا أسقطت بعد سبعين يوماً من حملها
السؤال: وضعت امرأة سقطاً لم تتجاوز مدة حمله سبعين يوماً، فهل تعتبر نفساء؟الجواب: لا تعتبر من النفساء؛ لأنه ما خلق، وهذا سقط قطعة من اللحم، تجمع في رحمها ولا يقال لها: نفساء.
حكم تأخير هدي المتمتع
السؤال: فضيلة الشيخ! حج رجل قبل سنتين متمتعاً ولم يفدِ فماذا يلزمه؟الجواب: يفدي الآن، يجب عليه أن يقضي ما كان تركه مما هو واجب عليه، ولا يجوز له التأخير، كان الواجب عليه أن يفدي أو يأتي بالفدية في وقتها، وعليه أن يبادر إلى التخلص من هذا الدين الذي عليه.
ما ثبت دليل على فناء العرش
السؤال: كل مخلوق يفنى ويبقى الله عز وجل، لكن بعد فناء العرش أين يكون الله؟الجواب: ما عندنا شيء يدل على أن العرش يفنى، المخلوقات يفنيها الله عز وجل، الأحياء يميتهم الله عز وجل، إلا من شاء الله تعالى بقاءه وعدم فنائه، مثل الحور العين في الجنة التي خلقت للبقاء ولم تخلق للفناء والموت، وأما العرش ما في شيء يدل على أنه يفنى.

ابو الوليد المسلم
03-24-2026, 05:56 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب تقصير الصلاة فى السفر
(كتاب الجمعة)
(273)

- باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة - باب ترك التطوع في السفر
يقصر المسافر الصلاة إذا أقام أقل من أربعة أيام، أما إذا نوى الإقامة أكثر من ذلك أتم من أول صلاة يؤديها.
المقام الذي يقصر بمثله الصلاة

‏ شرح حديث أنس: (خرجنا مع رسول الله من المدينة إلى مكة، فكان يصلي بنا ركعتين حتى رجعنا ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة.أخبرنا حميد بن مسعدة أخبرنا يزيد أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي بنا ركعتين حتى رجعنا، قلت: هل أقام بمكة؟ قال: نعم أقمنا بها عشراً)].
يقول النسائي رحمه الله: باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة. مقصود النسائي من هذه الترجمة المكث في البلد الذي تقصر في مدته الصلاة، أي: أن الإنسان إذا قدم بلداً ومكث فيها، فمتى يحق له أن يقصر وهو مقيم؟ هذا هو المقصود من هذه الترجمة، أي: المدة التي إذا مكثها الإنسان في بلد وهو مسافر، أنه يعتبر في حكم المسافر: يقصر، ولا يعتبر مقيماً. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: إن الإنسان إذا كان مسافراً، سواءً كان سائراً أو مقيماً، فإنه يقصر، لكن القول الذي عليه جمهور العلماء: أنه إذا عزم على إقامة في بلد أكثر من أربعة أيام، فإنه يعتبر في حكم المقيم من حين وصوله إلى ذلك البلد، فليس له قصر، بل عليه الإتمام، ويستدلون على ذلك بما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حيث قدم مكة في اليوم الرابع، ومكث فيها أربعة أيام إلى اليوم الثامن، حيث خرج منها إلى منى، وهذه المدة هي المدة التي ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام أقامها، أو عنده العزم على إقامتها عند قدومه مكة، فأخذ جمهور العلماء منه أن المدة التي إذا عزم على أكثر منها يعتبر في حكم المقيم وليس في حكم المسافر: أربعة أيام، استناداً إلى ما حصل في حجة الوداع من مكثه في مكة قبل الحج أربعة أيام؛ لأنه منذ قدم وهو ينتظر الحج، والحج يبدأ في اليوم الثامن، فتكون هذه المدة أربعة أيام فأقل، من أقامها يقصر الصلاة، ومن عزم على إقامة أكثر منها، أي: من أربعة أيام، فإنه يتم ولا يقصر.
وقد أورد النسائي عدة أحاديث، منها: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: (خرجنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقصر الصلاة، يصلي ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. هل أقام بمكة؟ قال: عشراً)، أي: أقام عشراً، لكن هذه العشر ليست بمكة وحدها، وإنما هي بمكة وما حوالي مكة من عرفات ومنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقام بمكة أربعة أيام قبل الحج، ثم ذهب إلى منى وأقام فيه بقية اليوم الثامن وليلة التاسع، ثم ذهب إلى عرفة وأقام فيها اليوم التاسع، ثم رجع إلى منى، وأقام فيها العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ثم رجع إلى مكة وطاف طواف الوداع، وسافر واتجه إلى المدينة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فتكون المدة التي مكثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وما حوالي مكة، منذ أن قدم مكة حتى غادر مكة، عشراً، وذلك في حجة الوداع.
فهذا الحديث ليس فيه العزم على إقامة عشرة أيام في بلد واحد، إنما هي في مكة أربع، ثم منها يوم في منى، ويوم في عرفة، وثلاثة أيام بعد ذلك بمنى، ثم النزول بالمحصب، ثم الوداع والسفر، فهذه العشر ليست إقامةً في مكان واحد، أو في بلد واحد، وإنما هي موزعة بين الإقامة بمكة، وعرفة، ومنى، فالإقامة المحققة هي الأربعة الأيام التي قبل الحج، ولهذا أخذ جمهور العلماء بها، واعتبروا أن العزم على إقامة أكثر من أربعة أيام عند قدومه البلد، يجعله في حكم المقيم، أما إذا دخل بلداً، وما كان عنده عزم على مدة معلومة، بل يريد قضاء حاجة، ولا يعلم متى تنقضي حاجته، هل تنقضي في يوم أو يومين أو أكثر؟ فإنه يعتبر مسافراً ولو طالت المدة، ويقصر ولو طالت المدة؛ لأنه ما قصد الإقامة، وإنما كل يوم يقول: إذا انتهت حاجتي أغادر وأنهي الإقامة، فمن كان كذلك فله حق القصر ولو طالت المدة، أما من عزم على إقامة عند دخوله البلد تزيد على أربعة أيام، فهذا حكمه حكم المقيمين، وليس حكمه حكم المسافرين.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (خرجنا مع رسول الله من المدينة إلى مكة، فكان يصلي بنا ركعتين حتى رجعنا ...)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].حميد بن مسعدة هو البصري، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أخبرنا يزيد].
وهو ابن زريع البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق].
هو يحيى بن أبي إسحاق البصري، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.
وهذا الحديث من الأسانيد الرباعية، وهو مسلسل بالبصريين؛ لأن كلاً من هؤلاء الأربعة من أهل البصرة: الذي هو حميد بن مسعدة، ويزيد بن زريع، ويحيى بن أبي إسحاق، وأنس بن مالك، هؤلاء بصريون، فهو مسلسل بالبصريين، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وإنما أعلى ما عنده الرباعيات.
شرح حديث: (أن رسول الله أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الرحمن بن الأسود البصري حدثنا محمد بن ربيعة عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين)].أورد النسائي حديث ابن عباس: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أقام خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين)، المقصود من ذلك: في عام الفتح، وليس في حجة الوداع، حجة الوداع هو الذي مر في حديث أنس، لكن جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: أنه أقام فيها تسعة عشر يوماً، وهذا إنما كان بمكة، فإذاً الصحيح الثابت أنه أقام بها تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، لكن هذا محمول كما هو واضح على عدم قصد الإقامة عند دخوله مكة؛ لأنه دخل مكة فاتحاً، وفتح الله عليه مكة، ومكث فيها، وليس هناك ما يفيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عنده عزم على إقامة تسعة عشر يوماً، ومن المعلوم أن المسافر إذا عزم على إقامة تزيد على أربعة أيام، فحكمه حكم المقيم، وإذا كان هناك شيء يدل على قصده الإقامة، وإنما تتابعت الأيام ومضت الأيام دون أن يكون عنده عزم على إقامة معينة لأيام معلومة، فإنه يقصر ولو طالت المدة، والرسول صلى الله عليه وسلم مكث في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة في عام الفتح، فيكون هذا محمول على أنه ما كان هناك قصد إقامة تسعة عشر يوماً عندما دخل مكة، وإنما دخل فاتحاً ثم يرجع إلى المدينة؛ لأنها دار الهجرة، ولم يبق في مكة، ولن يرجع إلى مكة ليقيم بها، ولينزل بها، بل يبقى في دار هجرته صلى الله عليه وسلم المدينة، فهذا يحمل على أنه ما كان هناك قصد، وليس هناك شيء يدل على قصد هذه المدة، وهذا هو الذي أجاب به الجمهور عن كونه مكث تسعة عشر يوماً، وهو في مكة نفسها يقصر الصلاة، يعني: في بلد واحد، ليس كحجة الوداع، فحجة الوداع في مكة، وغير مكة، لكن في عام الفتح كان الجلوس في مكة، فيحمل على عدم قصد الإقامة، هذا هو الذي حمله الجمهور عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين)
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن الأسود البصري]. وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا محمد بن ربيعة].
محمد بن ربيعة، ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الحميد بن جعفر].
عبد الحميد بن جعفر، صدوق ربما وهم، وأخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عراك بن مالك].
وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الثقفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه أقوال ثلاثة: فقيل: إن السابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: إن السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: إن السابع: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال، وعبيد الله هذا من الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة.
وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه (إعلام الموقعين) عندما ذكر فقهاء الأمصار في البلاد المختلفة في العراق، والحجاز، ومصر، واليمن، وغير ذلك، وعندما جاء ذكر المدينة، وذكر الفقهاء في عصر الصحابة، والفقهاء في عصر التابعين، ذكر أن منهم الفقهاء السبعة، ولكن ذكر السابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر اشتمل ثانيهما على الفقهاء السبعة، وهو قول الشاعر:
إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه
هؤلاء هم الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين.
[عن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب].
وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، والعبادلة الأربعة يطلق على أربعة من صغار الصحابة كانوا في زمن متقارب، وفياتهم متقاربة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأيضاً ابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعائشة أم المؤمنين، قد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر
البحر الذي هو ابن عباس. يقال له: البحر، ويقال له: الحبر.
وأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبي
شرح حديث: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني إسماعيل بن محمد بن سعد: أن حميد بن عبد الرحمن أخبره: أن السائب بن يزيد أخبره: أنه سمع العلاء بن الحضرمي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً)].أورد النسائي حديث العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً)، المقصود من ذلك أن الذين هاجروا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، وتركوا مكة منتقلين إلى المدينة لنصرة الرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم يبقون على هجرتهم وفي دار هجرتهم، ولا يرجعون إلى مكة، ويقيمون بها، وإنما عليهم إذا جاءوا، وإذا أدوا النسك أن يمكثوا فيها ثلاثاً، ولا يبقوا فيها، بل يبقون في دار هجرتهم، ولا يمكثون في البلد الذي هاجروا منها، وهي: مكة؛ لأنهم تركوها من أجل نصرة دين الله عز وجل، فإذا جاءوا إليها لنسك فيمكثون بعد الحج ثلاثاً، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يكرهون أن يبقوا في مكة، ويخشون الموت بمكة، ولهذا كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، لما أصابه مرض بمكة، كان يخشى أن يموت بها، وألا يحصل له الموت في دار هجرته التي هاجر إليها.
وذكر الثلاث في هذه الترجمة إشارة إلى أن المسافر، أو الحاج إذا بقي في مكة بعد الحج ثلاثة أيام، أنه في حكم المسافر، وأنه يقصر الصلاة، لكن إذا أقام بها أربعاً وزاد على ذلك، فإنه حكمه حكم المقيم، ويكون شأنه شأن الذي أقام أكثر من أربعة أيام، أو جلس في بلد أكثر من أربعة أيام، فإنه يتم ولا يقصر، لكن إذا أقام ثلاثاً، أو أربعاً، بحيث لم يتجاوز أربعة أيام، فإن هذا مثل ما حصل قبل الحج من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه مكث في مكة أربعة أيام، فإيراد النسائي للحديث في هذه الترجمة إشارةً إلى أن المسافر، أو أن الحاج عندما يمكث في مكة بعد الحج ثلاثة أيام، أنه في حكم المسافر، وأن له أن يقصر الصلاة، وأن هذه من المدة التي إذا مكثها الإنسان فإنه يقصر ولو كان مقيماً، هذا هو مقصود النسائي من إيراد الحديث في هذا الباب.
تراجم رجال إسناد حديث: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً)
قوله: [أخبرني محمد بن عبد الملك بن زنجويه].وهو محمد بن عبد الملك بن زنجويه أو ابن زِنجويه، المحدثين يقولون: ما كان من هذا النوع بسكون الواو وضم ما قبلها، وفتح الياء وسكون الهاء، وأما اللغويون فيأتون به مختوماً بويه، الواو مفتوحة والياء ساكنة، والهاء بعدها ساكنة، (زنجويه)، (راهويه)، وغير ذلك ما كان من هذا القبيل، وأما المحدثون فيقولون، وينطقونه فيقولون: (راهويه)، و(زنجويه)، وغير ذلك، وما أشبه ذلك، واللغويون يجعلونه من قبيل ما هو مختوم بـ(ويه)، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه أو ابن زنجويه ثقة، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. لم يخرج له الشيخان، بل خرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الرزاق].
وهو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني إسماعيل بن محمد بن سعد].
هو إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه الذي يأتي ذكره كثيراً، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فهذا مثله.
[أن حميد بن عبد الرحمن].
هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبره أن السائب بن يزيد].
السائب بن يزيد، وهو صحابي صغير، حج به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره سبع سنين، وله أحاديث يرويها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ويروي هنا عن صحابي، وهو العلاء بن الحضرمي، وهو صحابي مشهور، وهو الذي تولى إمارة البحرين في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك في زمن بعض الخلفاء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-24-2026, 05:58 PM
شرح حديث: (يمكث المهاجر بمكة بعد نسكه ثلاثاً) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عبد الرحمن قال الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع في حديثه عن سفيان عن عبد الرحمن بن حميد عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يمكث المهاجر بمكة بعد نسكه ثلاثاً)].أورد النسائي حديث العلاء بن الحضرمي من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، أن المهاجر يقيم بعد قضاء النسك ثلاثاً، وحكمه حكم المسافر، يقصر الصلاة في هذه المدة.
تراجم رجال إسناد حديث: (يمكث المهاجر بمكة بعد نسكه ثلاثاً) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أبو عبد الرحمن].يعني: النسائي، والذي قال: (أخبرنا) هو ابن السني الذي روى المجتبى عنه، فهذه رواية ابن السني، الذي أظهر أبا عبد الرحمن وقال: أخبرنا أبو عبد الرحمن، وليس على وفق ما تقدم؛ لأن الذي تقدم يقول النسائي: أخبرنا فلان، فـالنسائي هو الذي يقول: أخبرنا فلان، وأما هنا فيقول ابن السني: أخبرنا أبو عبد الرحمن، لماذا؟ لأن النسائي ما قال عن الحارث بن مسكين: أخبرنا، وإنما قال: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقد سبق أن ذكرت أن النسائي له مع الحارث بن مسكين حالتان: حالة كانت تراضي بينهما، وحالة كان فيها شيء من الوحشة، فكان في إحدى الحالتين التي كان أذن له بالرواية عنه، وسمح له بحضور مجلسه، فكان يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه. النسائي نفسه يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، فيعبر النسائي بقوله: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع.
الحالة الثانية: أنه كان منع من حضور مجلسه، فكان يأتي، ويجلس من وراء الستار ويسمع، فيقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ما يقول: أخبرني؛ لأنه ما أراد إخباره، وما قصد إخباره، وما قصد أن يأخذ عنه، فمن دقة النسائي رحمه الله أنما كان من هذا القبيل يكتفي بأن يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ومن أجل هذا قال ابن السني: أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، فمن أجل هذا أُظهر اسم النسائي هنا؛ لأنه بدلاً من كونه يبدأ الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ولم يسبقها أخبرني، من أجل ذلك أظهر ابن السني اسم شيخه في هذا الإسناد، وقال: أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، هذا هو السبب الذي جعل النسائي يظهر اسمه هنا، والذي أظهره تلميذه الذي هو راوي السنن عنه، فراوية المجتبى -الذي هو السنن الصغرى- ابن السني هو الذي قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن، ولا أذكر في موضع أنه مر مثل هذا الموضع الذي فيه تسمية أبو عبد الرحمن، وكما قلت: الحارث بن مسكين مر ذكره مراراً، وفي بعضها يقول: أخبرني الحارث بن مسكين، وأحياناً يقول: أخبرنا فلان والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له، لكن كونه يأتي الحارث بن مسكين، وليس فيه ذكر: أخبرني، وليس مسبوقاً بشخص آخر من شيوخ النسائي، هذا هو الموضع الذي لعله أول موضع يمر بنا، وهذا هو وجه إظهار اسم النسائي في هذا الإسناد، والحارث بن مسكين ثقة، فقيه، مصري، قاضي مصر، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي.
[عن سفيان].
وهو سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن حميد].
وهو عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن، أي: ابن الذي في الإسناد الأول، حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهذا عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن، وكل من الأب والابن يروي عن السائب بن يزيد.
السائب بن يزيد روى عنه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وروى عنه عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، الأب والابن اشتركا في الأخذ عن السائب بن يزيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن بن حميد كأبيه ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن السائب بن يزيد عن العلاء].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث عائشة: (أنها قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي حدثنا أبو نعيم حدثنا العلاء بن زهير الأزدي حدثنا عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها: (اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت، وأفطرت وصمت، قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب علي)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما وصلت مكة قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قصرت، وأتممت، وأفطرت، وصمت، فقال: أحسنت يا عائشة، ولم يعب علي).
المقصود من إيراد الحديث: قولها فيه: (قصرت، وأتممت)، لكنه ليس واضح للترجمة؛ لأن الترجمة هي المدة التي يمكثها وله أن يقصر، وهذا ليس فيه ذكر المدة، ولا يتعلق بالمدة التي يمكثها الإنسان في البلد، وإنما كان في الطريق لما وصل إلى مكة، قالت: إنك فعلت كذا وكذا، وأنا فعلت كذا وكذا. وقد اختلف في ثبوت هذا الحديث، فمن العلماء من ضعف وتكلم فيه وقال: إنه منكر؛ لأن عائشة رضي الله عنها، ما يليق أنها تفعل فعلاً يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي معه، بحيث يفعل هو فعلاً، وهي تفعل شيئاً بخلافه، والذي ثبت عنها: أنها أتمت، ولكن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنها تأولت كما تأول عثمان، الذي مر بنا سابقاً، وأن أحسن ما قيل فيه: أنه رأى أن القصر إنما يكون فيما إذا كان سائراً، أو أنه فعل ذلك حتى لا يفهم الأعراب الذين يحضرون الموسم، أن القصر هو فرض الصلاة دائماً وأبداً، فقيل: إنها تأولت كما تأول عثمان، والذي قيل في تأولها: أنها رأت أنه لا يشق عليها، وأن القصر إنما هو من أجل المشقة، وهي ما رأت أنه ليس هناك مشقة، فتأولت هذا التأويل. وأما فعلها بحضرته ومعه عليه الصلاة والسلام، وكونها تخالفه، فهذا استبعده بعض أهل العلم، وقال: إن هذا يبعد من عائشة أن تفعل فعلاً يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً تكلم فيه من جهة عبد الرحمن بن الأسود هل سمع منها، أو لم يسمع؟ وبعض العلماء يثبت سماعه منها، وبعضهم يقول: إنه مرسل، وليس بسماع؛ لأنه لم يسمع منها، لكن بعض العلماء استبعدوا أن يكون ذلك منها مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها تفعل فعلاً يخالفه، والرسول عليه الصلاة والسلام هو القدوة والأسوة لأمته صلى الله عليه وسلم، والإتمام ثابت عنها بعد وفاته، ولهذا قال الراوي: تأولت كما تأول عثمان، وهذا هو الذي يناسب، كونها حصل منها اجتهادها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا ثابت في صحيح البخاري أنها تأولت كما تأول عثمان.
ومما أيضاً ذكر أنه جاء في بعض الروايات ولكن ليست عند النسائي أنها قالت: (في رمضان)، والرسول صلى الله عليه وسلم ما ثبت عنه أنه اعتمر في رمضان، اعتمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربع عمر وكلها في ذي القعدة، وليس منها شيء في رمضان، ولما دخل مكة عام الفتح ما دخل معتمراً، وإنما دخل وعلى رأسه المغفر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها قالت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت ...)
قوله: [أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي].هو العابد الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[عن أبي نعيم].
وهو الفضل بن دكين الكوفي، فأبو نعيم كنيته اشتهر بها، ويأتي ذكره بالكنية كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم فيقال: الفضل بن دكين، والفضل بن دكين ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وقد قيل عن الفضل بن دكين: أن فيه تشيعاً، لكن جاء عنه ما يدل على سلامته من ذلك، وأنه قال: ما كتبت عني الحفظة أنني سببت معاوية، فالذي يقول هذا الكلام يسلم الله لسانه من أن يتكلم في معاوية، هذا يدل على سلامته مما رمي به، وأن لسانه سلمه الله من أن يتكلم في صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاوية، الذي الكلام فيه عند الرافضة من أسهل ما يكون، بل الزيدية أنفسهم لا يتورعون عن أن يسبوا معاوية، إن لم يسبوا الشيخين، ويتكلموا في الشيخين، ويسبوهما، فإن سب معاوية عندهم، وعند غيرهم من أسهل ما يكون، فالذي يقول: إنه ما كتبت عليه الحفظة أنه سب معاوية. معنى هذا يدل على سلامته، وأنه على طريقة أهل السنة الذين أكرمهم الله عز وجل بسلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام جميعاً، سلم الله قلوبهم وألسنتهم من أن تكون القلوب فيها شيء على الصحابة، وألسنتهم أن تتكلم بما لا يليق في الصحابة، بل قلوبهم مليئة بحب الصحابة، وألسنتهم تذكر الصحابة بالجميل وتثني عليهم، وتترضى عنهم، وتدعو لهم، وتعرف فضلهم وسابقتهم، وأنهم وعدوا الحسنى جميعاً، كما قال الله عز وجل: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى )[الحديد:10]، وأبو نعيم هو من كبار شيوخ البخاري الذين ما أدركهم بعض الأئمة بعد البخاري؛ لأنه توفي سنة مائتين وثمانية عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، فعمره عند وفاة الفضل بن دكين ثلاث سنوات، ولهذا يروي عنه بواسطة؛ لأنه ما أدركه، فهو من كبار شيوخ البخاري المتقدمين، وممن اشتهر بـأبي نعيم : الأصبهاني صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة، فهذا متأخر، لكنه مشهور بهذه الكنية أبو نعيم. وأما أبو نعيم الفضل بن دكين الذي هو من كبار شيوخ البخاري، فكانت وفاته سنة مائتين وثمانية عشر، أو مائتين وتسعة عشر.
[حدثنا العلاء بن زهير الأزدي].
وهو الأزدي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبد الرحمن بن الأسود].
هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية الوحيدة التي أكثرت الرواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا فالذين عرفوا بكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم سبعة أشخاص: ستة رجال، وامرأة واحدة، هي أم المؤمنين عائشة، فهي من أوعية السنة، وممن حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لاسيما الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، أمور البيوت التي لا يعلمها إلا النساء فإن عائشة رضي الله عنها وأرضاها حفظت السنن الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في بيوته، وفي خارج بيوته مما يتعلق بالسنن التي لا يعلمها إلا أهل البيوت، وكذلك مما يعلمه أهل البيوت، وغير أهل البيوت، روت الكثير عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ورضي الله عنها وأرضاها.
ترك التطوع في السفر

شرح حديث ابن عمر في ترك التطوع في السفر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ترك التطوع في السفر.أخبرني أحمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو نعيم ، قال: حدثنا العلاء بن زهير، قال: حدثنا وبرة بن عبد الرحمن، قال: (كان ابن عمر لا يزيد في السفر على ركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، فقيل له: ما هذا؟ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ترك التطوع في السفر، المقصود بذلك: الرواتب التي تسبق الصلاة وتلحق الصلاة، وأما النوافل المطلقة فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يتنفل وهو على الراحلة، وقد مر بنا بعض الأحاديث التي تتعلق باستقبال القبلة عند التنقل على الراحلة، وأن هذا مما يعفى عنه، الإنسان يركب على الراحلة ويدخل في الصلاة وهو مستقبل القبلة، ثم تتجه دابته إلى الوجهة التي يريدها من أي الجهات، ويتنفل على الراحلة يوميء إيماءً وهو راكبٌ على راحلته.
المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحافظ على شيءٍ من الرواتب إلا على ركعتي الفجر والوتر، ركعتي الفجر كان يحافظ عليها دائماً وأبداً في الحضر والسفر، والوتر كذلك ما كان يتركه لا في الحضر ولا في السفر، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. فالمقصود من ترك التطوع الرواتب التي تسبق الصلاة المفروضة وتتبعها.
ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: (أنه كان لا يزيد على ركعتين في السفر)، يعني: لا يزيد على الرباعية ركعتين، فلا يصلي قبلها ولا بعدها، (فقيل له: ما هذا؟ قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع)، أي: أنه ما كان يتنفل قبل الراتبة ولا بعدها.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في ترك التطوع في السفر
قوله: [أخبرني أحمد بن يحيى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا العلاء بن زهير ].أحمد بن يحيى هو الذي تقدم، وأبو نعيم ، وكذلك العلاء بن زهير ، هؤلاء الثلاثة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
[حدثنا وبرة بن عبد الرحمن ]
وبرة بن عبد الرحمن ثقةٌ، خرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[كان ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
شرح حديث ابن عمر في ترك التطوع في السفر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا نوح بن حبيب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم، قال: حدثني أبي ، قال: (كنت مع ابن عمر في سفرٍ فصلى الظهر والعصر ركعتين، ثم انصرف إلى طنفسة له فرأى قوماً يسبحون، قال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممتها، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على الركعتين، وأبا بكر حتى قبض، وعمر وعثمان رضي الله عنهم كذلك) ].ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وقام إلى طنفسةٍ كانت له فجلس عليها، والطنفسة: بساطٌ له خمل، فرأى أناساً يسبحون، يعني: يتنفلون؛ لأن التسبيح المقصود به هنا التنفل والصلاة، يعني صلاة النافلة يقال لها: سبحة، ولهذا يقال: سبحة الضحى، يعني: نافلة الضحى، فالتسبيح يطلق ويراد به قول: سبحان الله، ويطلق ويراد به صلاة النوافل، يقال لها: سبحة، أنه يسبح يعني يتنفل، (فرأى قوماً يسبحون)، يعني: يصلون نافلة بعد الصلاة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يسبحون، يعني: يصلون، فقال: (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين).
وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان ، يعني: صحبتهم وكانوا يفعلون كذا، أي: أنهم لا يزيدون في السفر على ركعتين، يعني: لا يتمون ولا يتنفلون، وقال: (لو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممتها)، والسنة جاءت بالقصر، وأنها تصلى ثنتين، فلا ترفع إلى أربع، ولا يصلى قبلها ولا بعدها، (ولو كنت مصلياً قبلها أو بعدها لأتممتها)، لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أتم ولا أنه تنفل، مع أن الإتمام أولى من التنفل، لو كانت القضية قضية الإتيان بزيادة في الركعات ولو كان ذلك سائغاً لكان الإتمام أولى من النافلة.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في ترك التطوع في السفر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا نوح بن حبيب ]. نوح بن حبيب ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي .
[ حدثنا يحيى بن سعيد ].
هو يحيى بن سعيد القطان ، ثقةٌ ثبتٌ ناقدٌ متكلمٌ في الرجال جرحاً وتعديلاً، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عيسى بن حفص بن عاصم].
هو عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي، يعني: أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثني أبي]
أبوه حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، وهو ثقةٌ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: كنت مع ابن عمر ].
ابن عمر رضي الله عنهما مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.

ابو الوليد المسلم
03-25-2026, 09:18 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب تقصير الصلاة فى السفر
(كتاب الكسوف)
(274)

- (باب كسوف الشمس والقمر) إلى (باب الأمر بالصلاة عند الكسوف حتى تنجلي)
جعل الله تعالى خسوف الشمس والقمر آية من آياته التي يخوف بها عباده، والخسوف والكسوف لفظان بمعنى واحد، وشرع لنا وقت الخسوف أن نهرع إلى الصلاة والذكر والتسبيح حتى ينجلي، وصلاة الخسوف سنة مؤكدة لا قضاء على من فاتته.
كسوف الشمس والقمر

شرح حديث: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الكسوف، وقال: كسوف الشمس والقمر.
أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه، وسلم: (إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله تعالى، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكن الله عز وجل يخوف بهما عباده)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الكسوف، باب: كسوف الشمس والقمر. الكسوف، كسوف الشمس والقمر يقال: إن الكسوف والخسوف مترادفان، ويقال: إن الكسوف إنما يطلق على كسوف الشمس، والخسوف على خسوف القمر، وقد جاء في هذه الأحاديث إطلاق الكسوف على الشمس والقمر.
ثم أورد حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، والكسوف: هو التغير إلى السواد؛ ولهذا فإن كسوف الشمس والقمر يكون بتغير لونهما، وحصول السواد، أي: طروء التغير عليهما، وهما، أي: الشمس، والقمر (آيتان من آيات الله عز وجل يخوف الله تعالى بهما عباده) فإذا كانتا هاتان الآيتان يطرأ عليهما التغيير، والتحول من الإضاءة والإشراق إلى تغير لونهما، وكون الظلام الدامس يكون نتيجةً لحصول هذا التغير عليهما، فهذا فيه: إشارة إلى تغيير الكون، وإلى نهاية الدنيا، والله تعالى يخوف عباده بذلك
وليس كسوفهما وخسوفهما من فعلهما، أو أنه يحصل نتيجةً لموت أحد ولا لحياته، وإنما يكون بتدبير الله عز وجل، وتصرفه في هاتين الآيتين من آياته، حيث يتصرف فيهما كيف يشاء، فيبقي ضوءهما، ويجعل التغير يطرأ عليهما إذا شاء، وفي ذلك تخويف للعباد، وتنبيه لهم إلى أن يرجعوا إلى الله عز وجل، وأن يتقربوا إليه بالطاعات التي يعود عليهم نفعها في الدنيا والآخرة.
وقد أورد النسائي حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإنما يخوف الله بهما عباده)، فبين عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن الله عز وجل يجري عليهما هذا التغيير؛ لتخويف عباده، ولتنبيههم إلى أن يعودوا إليه، وأن يعلموا أن الأمر أمره، وأن كل شيء بيده، وأنه يتصرف بالمخلوقات كيف يشاء، وأن هذين المخلوقين -الشمس والقمر- اللذين في حصول نورهما المنافع الكبيرة للناس، فالله تعالى يجري عليهما هذا التغير والتأثر فتتغير الحال وتتبدل، فيكون في ذلك تخويف للعباد، وتنبيه لهم إلى أن يعبدوا الله عز وجل، ويفزعوا إليه، ويعلموا أن الأمر أمره، والخلق خلقه، وبيده الأمر، وهو المتصرف في الخلق كيف يشاء سبحانه وتعالى.
وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته)؛ لأن حصول الكسوف الذي حصل للشمس في عهده صلى الله عليه وسلم كان في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم، وكان من عادات الجاهلية أنهم يقولون: أن هذا الذي يحصل إنما يحصل لموت عظيم، فبين عليه الصلاة والسلام أن الأمر ليس كذلك، وأن الأمر إنما هو بقدرة الله، وبمشيئته، يتصرف في ملكه كيف يشاء سبحانه وتعالى، وليس هذا لموت أحد ولا لحياته، فهذا الذي كان معروفاً عند أهل الجاهلية، ثم إن هذا الكسوف كان في اليوم الذي مات ابنه إبراهيم؛ فقال هذا دفعاً لتوهم مثل ذلك مما هو معروف في الجاهلية، وأضاف إلى ذلك أيضاً ذكر الحياة؛ لأنه إذا كان هذا التغير للشمس والقمر لا يكون لموت أحد، فأيضاً كذلك لا يكون لحياة أحد، فهو لا يكون للموت ولا للحياة، ولا يكون لوجود أحد ولا لفقده، وإنما هذا كله يرجع إلى قدرة الله ومشيئته وتدبيره عز وجل، وتصرفه في الكون كيف يشاء سبحانه وتعالى.
وأُطلق على الشمس والقمر أنهما آيتان؛ لأنهما دالان على قدرة الله، وعلى ربوبيته، وعلى أنه الإله الحق الذي لا يصلح أن تكون العبادة إلا له؛ لأنه المتصرف في الخلق كيف يشاء، هو الموجد للمخلوقات، والمتصرف فيها، هو الذي يفنيها إذا شاء، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، فهما آيتان من الآيات الدالة على قدرة الله ومشيئته، وعلى أن الله تعالى يتصرف في الكون كيف يشاء سبحانه وتعالى، فالشمس والقمر والليل والنهار من آيات الله، ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ )[فصلت:37]، وهنا قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله)، أي: من آيات الله الكثيرة الدالة على ربوبيته، وعلى وحدانيته، وعلى أنه الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له سبحانه وتعالى.
قوله: [(لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته)]، وإنما يفعل الله ذلك بهما، ويجري هذا التغير عليهما؛ ليخوف بذلك عباده، فهذا هو الذي جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من بيان الحكمة في هذا التغيير من الله عز وجل لهذين النيرين، وأن الله عز وجل يخوف العباد، وأن على العباد أن يكونوا دائماً وأبداً خائفين من الله، يستفيدون من الآيات والعبر، ويستدلون بالآيات والتصرف فيها على قدرة الله وربوبيته، وعلى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وبغلان: قرية من قرى بلخ من بلاد خراسان.
[حدثنا حماد].
وحماد هنا غير منسوب، وهو يحتمل أن ابن زيد، ويحتمل ابن سلمة، لكن قتيبة لا يروي إلا عن حماد بن زيد، وليس له رواية عن حماد بن سلمة؛ ولهذا فإذا جاء حماد غير منسوب، والذي يروي عنه قتيبة فإنه يحمل على حماد بن زيد، وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال بعد ترجمة حماد بن زيد، وحماد بن سلمة كلاماً يتعلق بتمييز أحدهما عن الآخر فيما إذا أهمل ولم ينسب، وبيان من هو المراد، وذلك بذكر من لا يروي إلا عن حماد بن زيد، ومن لا يروي إلا عن حماد بن سلمة، وبذلك يعرف تمييز المهمل عند إهماله وعدم ذكر النسب، بمعرفة أن هذا الشخص لا يروي إلا عن هذا الشخص، فيتميز ويعرف المراد، وهنا حماد هو ابن زيد؛ لأن قتيبة لا يروي إلا عن حماد بن زيد، فعلى هذا يحمل ذكر حماد المهمل على أنه ابن زيد، وحماد بن زيد بن درهم ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو بصري.
[عن يونس].
هو ابن عبيد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
وهو الحسن بن أبي الحسن البصري، الثقة، الفقيه، المشهور، وهو يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكرة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو نفيع بن الحارث الثقفي وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد كل رجاله خرج لهم أصحاب الكتب الستة، من أوله إلى آخره، قتيبة بن سعيد، وحماد بن زيد، ويونس بن عبيد، والحسن البصري، وأبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل هؤلاء الخمسة خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة.
التسبيح والتكبير والدعاء عند كسوف الشمس

شرح حديث عبد الرحمن بن سمرة: (بينا أنا أترامى بأسهمٍ لي بالمدينة إذ انكسفت الشمس ... فجعل يسبح ويكبر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسبيح والتكبير والدعاء عند كسوف الشمس.

أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا أبو هشام هو المغيرة بن سلمة حدثنا وهيب حدثنا أبو مسعود الجريري عن حيان بن عمير حدثنا عبد الرحمن بن سمرة قال: (بينا أنا أترامى بأسهمٍ لي بالمدينة إذ انكسفت الشمس، فجمعت أسهمي وقلت: لأنظرنّ ما أحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في كسوف الشمس، فأتيته مما يلي ظهره وهو في المسجد، فجعل يسبح، ويكبر، ويدعو حتى حسر عنها، قال: ثم قام فصلى ركعتين وأربع سجدات)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التسبيح والتكبير والدعاء عند كسوف الشمس، والحديث المتقدم فيه: بيان حصول الكسوف، وأن الله عز وجل يخوف به عباده، ثم هذه الترجمة تتعلق بما يفعل عند الكسوف، فإنه يسبح الله ويكبر ويدعو ويصلي، والصلاة تشتمل على هذه الأمور، تشتمل على التسبيح والتكبير والدعاء، فيكون التسبيح والتكبير والدعاء في الصلاة، وبعدها إذا حصل الفراغ من الصلاة ولم يحصل التجلي، فإنه يسبح الله، ويذكر، ويدعو حتى يحصل التجلي، ولا يصلي مرة ثانية، فعندما يصلي الناس، ويخرجون من الصلاة والكسوف لا يزال قائماً ولم يحصل التجلي فإنهم يسبحون، ويذكرون الله عز وجل، ويدعونه حتى يتجلى، ولا يعيدون الصلاة، فإذاً: الأمور التي تفعل هي: صلاة، وذكر، ودعاء حتى يحصل التجلي، هذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (كنت أترامى في أسهمٍ لي، فكسفت الشمس، فجمعت أسهمي ثم قلت: لأذهبنّ لأنظر ما أحدث رسول الله)، يعني: ما الفعل الذي فعله رسول الله في هذه المناسبة؛ لأنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيعمل عملاً، وأنه سيقوم بفعل شيء، فأراد أن يعرف ما هي السنة التي تفعل عند حصول هذا الأمر الحادث الذي هو كسوف الشمس، فذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (فأتيته مما يلي ظهره وهو في المسجد، فجعل يسبح، ويكبر، ويدعو، حتى حسر)، أي: حتى حصل التجلي والانكشاف، وعادت الشمس إلى ضوئها، قال: (ثم صلى ركعتين وأربع سجدات).
قد يفهم من هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام ما بدأ بالصلاة إلا بعد ما حصل التجلي، والواقع أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل في الصلاة والكسوف موجود، أو أن الصحابي رضي الله عنه أراد أن يبين الأمور المجتمعة التي حصلت، والتي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حصل التجلي، لا أن الصلاة بدئ بها بعد التجلي، وإنما بدئ بها في حال الكسوف، والدعاء، والتكبير، والتسبيح يكون في الصلاة وبعد الصلاة إذا لم يحصل التجلي.
فالمقصود من هذا الفعل هو بيان الأمور المجتمعة التي فعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لا أنها مرتبةً هذا الترتيب الذي هو: تسبيح، ودعاء، وتكبير، ثم بعد ذلك تكون الصلاة، بل إن الصلاة، والتسبيح، والتهليل، والتكبير إنما حصلت هذه الأمور مجتمعة عندما وجد الكسوف، والصلاة كما جاء في الأحاديث إنما هي حين الكسوف، وهي يقال لها: صلاة الكسوف، وإذا حصل التجلي، وحصل الانتهاء فلا يصلي، ولو أن الناس لم يعلموا عن الكسوف إلا بعد التجلي فلا يصلون؛ لأنها سنة مؤكدة فات وقتها، فإذا كان هناك ناس نائمون، أو أنهم ما علموا عن الكسوف إلا بعد ما انتهى فإنهم لا يصلون؛ لأن الصلاة إنما هي في وقت الكسوف حتى يوجد الانكشاف والتجلي، وعود النيرين إلى ما كان عليه من الإضاءة والإشراق.
ثم قال: [(ركعتين وأربع سجدات)]، المقصود بذلك صلاة الكسوف، وهنا ليس فيه ذكر تفصيل الصلاة، وإنما فيه ذكر السجدات، وذكر الركعتين، والركعتان في كل ركعة منها ركوعان، وفي كل سجدة سجودان، فالحديث فيه ذكر الصلاة، وبعض العلماء قال: إن هذه نافلة كانت بعد التجلي، وضعف هذا بعض أهل العلم وقال: إن هذا لا يصح، ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تنفل بعد الكسوف، وإنما المقصود بذلك صلاة الكسوف، والذي دفع إلى هذا هو ذكر ثم، وأن هذا بعد التجلي، لكن كما ذكرت أن المعروف عند أهل العلم أن هذه الأمور مجتمعة عند الكسوف، وليس المقصود التقديم والتأخير، وأن الصلاة ما وجدت إلا بعد التجلي، بل الصلاة والدعاء حصلت مجتمعةً عندما حصل الكسوف، ويكون الدعاء في الصلاة وفي خارجها قبلها وبعدها، وصلاة الكسوف كما سيأتي مبينة في كل ركعة ركوعان، على خلاف المعروف في الصلوات الأخرى، فإنها تختص بهذه الكيفية، وهي أن الركعة الواحدة لها ركوعان، ويقرأ الإنسان في كل ركعة قبل الركوع الأول وبعده.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-25-2026, 09:20 PM
تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن سمرة: (بينا أنا أترامى بأسهمٍ لي بالمدينة إذ انكسفت الشمس ... فجعل يسبح ويكبر ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].
ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا أبو هشام هو المغيرة بن سلمة].
هو المغيرة بن سلمة البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن وهيب].
هو وهيب بن خالد البصري وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مسعود الجريري].
هو سعيد بن إياس البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حيان بن عمير].
هو البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن عبد الرحمن بن سمرة].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس


شرح حديث: (إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ... فإذا رأيتموها فصلوا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس.
أخبرنا محمد بن سلمة أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث: أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه عن أبيه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله تعالى، فإذا رأيتموهما فصلوا)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس. وأورد النسائي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا). المقصود من إيراد الحديث قوله في آخره: [(فصلوا)]؛ لأنه أمر بالصلاة؛ لأن الترجمة هي: الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس، وهذا في قوله: [(فصلوا)]، وفي الحديث ذكر الخسوف للشمس والقمر؛ لأنه في بعض الأحاديث سيأتي كسوف الشمس والقمر، وفي بعضها يأتي خسوف الشمس والقمر، وإطلاق الخسوف عليهما، كما أنه يأتي إطلاق الكسوف عليهما، فالرواية المتقدمة فيها كسوف الشمس والقمر، وهنا في هذه الرواية خسوف الشمس والقمر، وهذا مما يدل على أن الخسوف والكسوف يطلقان على الاثنين، وأنه يقال: خسف، ويقال: كسف، أو حصل خسوفهما، أو حصل كسوفهما، أي: الشمس والقمر، فيطلق الخسوف والكسوف على الاثنين، (إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا).
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ... فإذا رأيتموها فصلوا)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].
هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن الحارث].
هو المصري أيضاً، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه].
هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، جليل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو القاسم بن محمد، وهو ثقة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأمر بالصلاة عند كسوف القمر

شرح حديث: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ... فإذا رأيتموها فصلوا) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالصلاة عند كسوف القمر.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن إسماعيل حدثني قيس عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولكنهما آيتان من آيات الله عز وجل، فإذا رأيتموهما فصلوا)].
أورد النسائي ترجمةً أخرى وهي: باب الأمر بالصلاة عند كسوف القمر، وكل من الحديثين السابق وهذا يدلان على الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر، لكن النسائي رحمه الله أورد حديثاً منهما تحت ترجمة كسوف الشمس، وأورد الحديث الآخر عند ترجمة كسوف القمر، وهما لفظهما واحد، ومعناهما واحد؛ ولكن من أجل إيراد الطرق المتعددة، وذكر التراجم المتنوعة، والاستدلال على كل منها، وتفريقها، وتقسيمها، وإيراد الأحاديث لكل منها، وإن كان الحديث الواحد يدل على أنه يصلى عند كسوف الشمس، وعند كسوف القمر؛ لأن الحديث الأول -وهو حديث ابن عمر-: (فإذا رأيتموهما فصلوا)، وهو يتعلق بالشمس والقمر، وحديث أبي مسعود هذا أورده في كسوف القمر، وهو يتعلق بالشمس والقمر، لكن المقصود أنه يأتي بالأحاديث من طرق مختلفة، وعن صحابة متعددين، ويستدل بهذا على مسألة، وهذا على مسألة، وإن كان كل من الحديثين يدل على المسألتين، فتفريق الأحاديث من أجل تعداد الأبواب، وتكثير الأبواب، والاستدلال على المسائل المختلفة، وإن كان الحديث الواحد يدل على كل منهما جميعاً، أورد حديث أبي مسعود الأنصاري المدني رضي الله عنه، وهو بمعنى حديث ابن عمر، ودال على ما دل عليه حديث ابن عمر.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ... فإذا رأيتموها فصلوا) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].
ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثله في سنة الوفاة، وكونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة اثنان آخران وهما: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، فهؤلاء ثلاثة: محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، يروون عنه مباشرةً وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل].
هو ابن أبي خالد، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قيس].
هو ابن أبي حازم البجلي، وهو ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والمخضرم هو الذي أدرك الجاهلية أول الإسلام، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، وقيس بن أبي حازم قيل عنه: إنه هو الذي اتفق له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة، قيس بن أبي حازم، قيل: إنه لم يتفق لأحد أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة إلا هذا الرجل الذي هو قيس بن أبي حازم، هذا المخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مسعود].
هو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويقال: إنه لم يشهد بدراً، وإنما نسب إلى بدر؛ لأنه سكنها.

الأمر بالصلاة عند الكسوف حتى تنجلي


شرح حديث: (إن الشمس والقمر آيتان ... فإذا رأيتموها فصلوا حتى تنجلي) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالصلاة عند الكسوف حتى تنجلي.
أخبرنا محمد بن كامل المروزي عن هشيم عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا حتى تنجلي)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الأمر بالصلاة عند الكسوف حتى تنجلي، أي: ينجلي الكسوف ويرجع نور القمر والشمس على حالته، ثم إنه ليس المقصود بهذه الترجمة أن يصلى حتى تنجلي، بمعنى: أنهم لو صلوا وتبين أنه لم يحصل التجلي فإنهم يعيدون الصلاة، لا، بل لا تعاد الصلاة، ولكن إذا صلوا وفرغوا من الصلاة ولم يحصل التجلي، فإنهم يستمرون في دعاء الله عز وجل وذكره حتى يحصل التجلي، وإذا لم يعلموا عن الكسوف من أوله، ولكنهم علموا عنه بعد أن فرغ غيرهم في مساجد أخرى، فلهم أن يصلوا؛ لأن الكسوف لا يزال قائماً، لكن من صلى وفرغ من صلاته ولم يحصل تجلٍ لا يعيد الصلاة، وبيان أن المشروعية للصلاة إنما هي ما دام الكسوف موجوداً، فإذا انتهى الكسوف فإنه لا صلاة، لا تصلى صلاة الكسوف بعد التجلي، وما دام التجلي موجوداً فإن الصلاة مشروعة، لكنها إذا فعلت وفرغ منها قبل التجلي لا تعاد.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الشمس والقمر آيتان ... فإذا رأيتموها فصلوا حتى تنجلي) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا محمد بن كامل المروزي].
ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن هشيم].

هو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي، وذكرت فيما مضى: أن التدليس: أن يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، كعن أو قال، وأما الإرسال الخفي: فهو أن يروي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه؛ لأن الإرسال إرسالان: إرسال جلي، وإرسال خفي، الإرسال الجلي: كأن يروي عن شخص لم يدرك عصره، بأن يقول: قال فلان، أو عن فلان، وهو لم يدرك عصره، مثل التابعي الذي يقول: قال رسول الله، هذا إرسال جلي واضح، أو يكون شخص في الإسناد يروي عن شخص ما أدرك عصره، هذا يقال له: إرسال جلي، لكن إذا كان أدرك عصره ولم يعرف أنه لقيه، يكون من الإرسال الخفي؛ لأن فيه احتمال اللقيا؛ لأن التعاصر موجود؛ كونهما متعاصران، فيقال له: إرسال خفي، ولهذا الفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، فهذا هو الفرق بينهما، وهشيم بن بشير الواسطي كثير التدليس والإرسال الخفي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري عن أبي بكرة].
وقد مر ذكرهم.
شرح حديث أبي بكرة: (كنا جلوساً مع النبي فكسفت الشمس فوثب يجر ثوبه فصلى ركعتين حتى انجلت ...) من طريق رابعة
[أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد حدثنا أشعث عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكسفت الشمس فوثب يجر ثوبه فصلى ركعتين حتى انجلت)].
أورد النسائي حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكسفت الشمس فقام يجر ثوبه، يعني: قام مسرعاً، وهو كالذي قبله.

ابو الوليد المسلم
03-25-2026, 09:22 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب تقصير الصلاة فى السفر
(كتاب الكسوف)
(275)

- (باب قدر القراءة في صلاة الكسوف) إلى (باب التشهد والتسليم في صلاة الكسوف)
ورد في السنة أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في القيام من صلاة الكسوف نحواً من سورة البقرة، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه جهر بالقراءة وفي أخرى أنه أسر بها، ولهذا اختلف أهل العلم في كيفية الجمع بينهما.
قدر القراءة في صلاة الكسوف
شرح حديث ابن عباس: (خسفت الشمس فصلى رسول الله... فقام قياماً طويلاً قرأ نحواً من سورة البقرة..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قدر القراءة في صلاة الكسوف. أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (خسفت الشمس فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقام قياماً طويلاً قرأ نحواً من سورة البقرة، قال: ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله عز وجل، قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، قال: إني رأيت الجنة، أو أُريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟! قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط)].
يقول النسائي رحمه الله: باب قدر القراءة في صلاة الكسوف. المقصود من هذه الترجمة بيان أن القراءة في صلاة الكسوف تطال، وكانت صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام كنحو من سورة البقرة، بهذا المقدار أو قريباً من هذا المقدار، وهذا فيه أن صلاة الكسوف تطال فيها القراءة، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، المشتمل على كيفية على صلاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للكسوف، وأنها خسفت الشمس فصلى بهم، فقام قياماً طويلاً كنحو من سورة البقرة، ثم ركع ركوعين، ثم سجد، ثم قام وصلى الركعة الثانية فيها ركوعان، ثم سجد، وكل ركوع هو دون الذي قبله، فالركعة الثانية دون الركعة الأولى وأقل منها.
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب الناس، وقال: (إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، أو إذا رأيتم ذلك فصلوا)، ثم إنهم سألوه: قالوا: رأيناك كأنك تتناول شيئاً في الصلاة، وكان عليه الصلاة والسلام مد يده في الصلاة ليتناول شيئاً، هم يرون اليد الممدودة، ولا يرون الذي مدت إليه اليد، ورأوه تكعكع، أي: تأخر، ورجع القهقرى، فقال: إنها عرضت عليّ الجنة، وعرضت عليّ النار، ورأى عناقيد العنب متدلية في الجنة، ولما رأوه مد يده كان قد مد يده ليتناول عنقوداً من تلك العناقيد، ولكنه ترك ولم يأخذ شيئاً، قال عليه الصلاة والسلام: (ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا)، وهذا يبين لنا عظم شأن نعيم الآخرة، وأن نعيم الدنيا ليس بشيء عند هذا النعيم، ذلك أن عنقوداً من عناقيد الجنة إلى قيام الساعة، يكفي الناس، ويأكل الناس منه إلى قيام الساعة، ولكن الله عز وجل شاء أن تكون أمور الآخرة مغيبة، وأن يكون النعيم مغيباً، وأن يكون العذاب مغيباً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، وحتى يتبين أولياء الله من أعداء الله، وحتى يتبين من يصدق ومن يكذب، من يصدق أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ويستسلم لها، ويعتقد أنها حق على حقيقتها، وأنها لا بد، وأن توجد إن كانت مستقبلة طبقاً لما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهذا هو السر الذي من أجله لم يأخذ النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه قال: (لو أخذت لأكلتم ما بقيت الدنيا)، وعلى هذا تكون أمور الآخرة مشاهدة لا تكون غيبية، والله تعالى شاء أن تكون أمور الآخرة غيبة؛ حتى يتبين من يؤمن بالآخرة، ومن لا يؤمن بها، ومن يؤمن بما جاء به الوعد، والوعيد في الدار الآخرة، ومن لا يؤمن بذلك، فيتبين المصدق من المكذب، والمؤمن من غير المؤمن، فيتبين أولياء الله من أعداء الله، ورأوه تكعكع، أي: رجع القهقرى تأخر؛ لأنه رأى النار.
ثم إنه رأى أكثر أهلها النساء، فقيل: (لم يا رسول الله؟! قال: يكفرن العشير، والإحسان)، (يكفرن العشير)، أي: كفرهن هذا كفر نعمة، كفر النعم، وليس الكفر بالله عز وجل، وإنما هو كفر النعم، وعدم الشكر على النعمة، ثم بين عليه الصلاة والسلام شأن النساء غالباً، فقال: (إنك لو أحسنت إلى أحداهن الدهر)، معناه أكثرت الإحسان إليها، (ثم رأت منك شيئاً)، أي: شيئاً يسوءها في يوم من الأيام، أنكرت الجميل الماضي الكثير الذي كان في مختلف الأيام، ومختلف العصور، وقالت: ما رأيت منك خيراً قط، فهذا هو كفر الجميل، وكفر الإحسان، وكفر العشير، والعشير هو الزوج، تكفر الإحسان: تنسى معروفه، وتجحد إحسانه إليها، وهو كثير؛ لأنها رأت أمراً ساءها، أو حصل لها أمر فيه ما يسوءها، فأنكرت الماضي، وقالت: ما رأيت منك خيراً قط، فبين عليه الصلاة والسلام أن هذا من سبب العذاب في النار، لكن دخول النار في حق من كان عاصياً، ولم يتجاوز الله عنه، ويغفر له ذنبه، فإنه إذا دخل النار لا يدوم بها، ويبقى فيها بقاء الكفار، وإنما يبقى فيها المدة التي شاء الله عز وجل أن يبقاها، ثم من دخل وهو مؤمن غير كافر، وهو من العصاة، لا بد وأن يأتي عليه وقت يخرج منها، ويدخل الجنة، فلا يبقى في النار أبد الآباد إلا من كان كافراً بالله، هذا هو الذي لا سبيل له إلى الخروج من النار، ولا سبيل له إلى دخول الجنة، وأما من كان عاصياً، ولو بلغت معصيته ما بلغت من الكبائر، والذنوب، فإن أمره إلى الله عز وجل، إن شاء تجاوز عنه، ولم يعذبه، وإن شاء عذبه، ولكن لا بد، وأن يخرج من النار، ويدخل الجنة، ولو طال الأمد في النار، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها، ولا سبيل لهم إلى الخروج منها، فهذا مما اشتملت عليه خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب الناس بها بعد صلاة الكسوف، والتي ألقاها على الناس بعد صلاته الكسوف.
والمقصود من إيراد الحديث هو بيان قدر القراءة، وأنها تكون طويلة، وجاء في الحديث أنها ( كقدر سورة البقرة أو كنحوٍ من سورة البقرة).
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (خسفت الشمس فصلى رسول الله... فقام قياماً طويلاً قرأ فيه نحواً من سورة البقرة)
قوله: [محمد بن سلمة]. هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرجه حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
ولقد ذكرت فيما مضى من رجال النسائي شخصاً آخر، ولكنه متقدم بطبقة على هذا الرجل، فهو من طبقة شيوخ شيوخه، وهو محمد بن سلمة الحراني، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الحراني، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المصري.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
وبمناسبة ذكر عبد الرحمن بن القاسم، سبق أن مر بنا محمد بن حمير قريباً، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه؛ لأنه في بعض النسخ كالنسخة المصرية رمز لـابن القاسم البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وكذلك رمز لـابن حمير الطبعة المصرية، ولكن الموجود في تهذيب الكمال: التنصيص على أنه خرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه، فنص على أن ابن ماجه خرج حديثه، أي: حديث محمد بن حمير الحمصي، فهذا قريباً منه، هذا كمثله إلا أنه يزيد ابن ماجه، محمد بن حمير مثل: عبد الرحمن بن القاسم، إلا أنه يزيد ابن ماجه، أي: خرج له ابن ماجه، أو خرج حديثه ابن ماجه.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وهو الإمام مالك ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ومن المعلوم أن هؤلاء هم الأئمة الأربعة.
هناك علماء مثلهم في زمانهم، وقبل زمانهم، وهم فقهاء ومحدثون، واشتهروا بالفقه، ولكن لم يحصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة من وجود أتباعهم يعنون بفقههم، ويدونونه ويرتبونه وينظمونه، وإلا فإن هناك علماء مثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: الأوزاعي، ومثل: الليث بن سعد، ومنهم القريب من زمانهم، وهم فقهاء أجلاء معروفون بالفقه، ومعروفون بالحديث، ولكنه ما حصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء الأربعة من وجود أتباع يعنون بفقههم، ويرتبونه وينظمونه ويؤلفون فيه، وهؤلاء الأربعة، وغيرهم هم من العلماء المجتهدين الذين يجتهدون في المسألة، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور، لكن ليس لأحد أن يتعصب، ولا أن يجفو، ولا أن يكون غالياً في أحد من الأئمة، أو جافياً في حق أحد من الأئمة، وإنما يعرف قدرهم، ويعرف فضلهم، ويعرف علمهم، ويستفيد من علمهم، ويرجع إلى كتبهم، وما ألفوه، وما أُلف في مذاهبهم، ويستفيد من ذلك، فلا يتعصب ولا يجفو، لا يقول: إن الأئمة هؤلاء الحق معهم، وأن غيرهم ليس كذلك، ولا يقول: إننا لا نرجع إلى كلام الأئمة، وإنما نحن رجال، وهم رجال، لا هذا، ولا هذا، يعتنى بفقههم، ويعرف فضلهم، ويدعو لهم، ويثنى عليهم، ويذكرون بالجميل اللائق بهم، بدون إفراط أو تفريط، وبدون غلو وجفاء، ويكون الأمر كما قال ابن القيم رحمه الله، في آخر كتاب (الروح)، قال: أشار إلى أنه يعرف الإنسان فضلهم، ويرجع إلى علمهم، ويستفيد من علمهم، لا سيما إذا كانت المسألة فيها خفاء، فهو يستعين بعلمهم في الوصول إلى الدليل، وإلى معرفة الحق، لكنه إذا وصل إلى الدليل، وعرفه انتهى إلى ما تكون النهاية إليه، ثم ضرب مثلاً لذلك فقال: إنهم مثل النجم الذي يهتدى به إلى جهة القبلة، حيث يكون الإنسان في فلاة يهتدي إلى جهة القبلة عن طريق النجوم، لكن إذا وصل إلى القبلة، وصار تحت الكعبة، ما يحتاج أن ينظر في السماء يبحث عن القبلة، فالكعبة أمامه، فكذلك هؤلاء، حيث يكون الدليل واضحاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، المعول عليه الدليل، لكن إذا كانت المسألة فيها خفاء، والأمر ليس فيه وضوح، فيستفيد منهم، ويستعين بفقههم في معرفة الحق والوصول إليه، هذا هو الإنصاف، وهذا هو العدل، وهذا هو الذي فيه الأخذ بوصاياهم؛ لأن كل واحد منهم أوصى بأنه يرجع إلى الحديث، وإلى الدليل عندما يوجد للواحد منهم قول في مسألة، قد جاء الدليل على خلافه، كل واحد منهم جاء عنه كلمات مأثورة جميلة تحث على الأخذ بالدليل، وأنه إذا وجد له قول يخالف الدليل، فإن العبرة بالدليل، وليس بقوله، وأنه إذا صح الحديث فهو مذهبه.
ولهذا كان الإمام الشافعي رحمة الله عليه، في بعض المسائل التي لم يصح فيها الحديث عنده، فيعلق القول بها على صحة الحديث، يقول: إن صح الحديث قلت به، ويقول الشافعي: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس له أن يدعها لقول أحد منهم كائناً من كان، وهذا هو كلامهم، والأخذ بالدليل، والحرص على معرفة الدليل أخذ بوصاياهم، أما تقليدهم، والتعصب لهم، والنيل من غيرهم، فهذا ما لا يحمدونه هم، ولا يحمده كل منصف، وكل ذي عدل لا يحمد مثل هذا الصنيع.
الإمام مالك رحمة الله عليه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة من مذاهب أهل السنة، والإمام مالك رحمه الله جاء عنه كلمة، وكان في هذا المسجد، يقول: الكل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
والحاصل: أن الأئمة الأربعة كل واحد منهم جاء عنه كلمات مأثورة ترشد إلى الحث على اتباع الدليل، وإلى البحث عن الدليل، وإلى أنه يصار إلى الدليل، وأنه إذا وجد لواحد منهم قول يخالف، أو لا يتفق مع ما ثبت به الدليل، فإنه يحمل على أحسن المحامل، وأنه ما بلغه الحديث، أو أنه بلغه من وجه لم يصح، ولم يثبت عنده، أو غير ذلك من وجوه الأعذار التي يعتذر بها عن الأئمة، وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة قيمة سماها (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، بين فيها عظيم قدر الأئمة ومنازلهم، وتقديرهم ومعرفة فضلهم ونبلهم، والاعتذار عنهم فيما إذا وجد عن الواحد منهم قول قد جاء دليل صحيح بخلاف ذلك القول الذي قال به الإمام، وهو كتاب نفيس مع صغر حجمه، فقد أثنى عليه بعض العلماء، وهو الشيخ جمال الدين القاسمي، فإنه قال بعد أن ذكر هذا الكتاب، وأثنى عليه شيخ الإسلام لدفاعه عن الأئمة وثنائه عليهم، واحترامه لهم، قال: إن هذا الكتاب لو كان بالصين، فسافر أحد من أجل أن يظفر بنسخة منه، لكانت سفرته رابحة؛ لأنه مع قلة حجمه وصغره، معناه عظيم وواسع، فهو قليل المبنى، واسع المعنى.
وهؤلاء الأئمة الأربعة، الإمام أحمد هو آخرهم، وكانت وفاته سنة مائتين، وواحد، وأربعين، وقبله الشافعي، وكانت وفاته سنة مائتين، وأربع، وكان أحمد تلميذاً للشافعي، والشافعي قبله الإمام مالك، وهو تلميذ للإمام مالك، وكانت وفاة الإمام مالك سنة مائة واثنين وسبعين، وأول الأئمة الأربعة أبو حنيفة، كانت وفاته سنة مائة وخمسين، مات في السنة التي ولد فيها الشافعي، وهي سنة مائة وخمسين، وتوفي الشافعي وعمره أربع وخمسون سنة، يعني: ولد سنة مائة وخمسين، ومات في سنة مائتين، وأربع، فثلاثة من الأئمة بعضهم شيخ لبعض، فـمالك شيخ للشافعي، والشافعي شيخ أحمد، وقد أورد الإمام أحمد حديثاً في مسنده من روايته عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك، وهو حديث (نسمة المؤمن طائرٌ يعلق في الجنة)، وقد ذكر هذا الحديث ابن كثير في التفسير عند قول الله عز وجل: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )[آل عمران:169]، في آخر سورة آل عمران، وذكر هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: إن هذا حديث إسناده عزيز، أي: نادر، وهو من الأسانيد التي اجتمع فيها ثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة.
[عن زيد بن أسلم].
ثقة يرسل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يسار].
هو الهلالي مولى ميمونة، وهو ثقة فاضل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف

شرح حديث عائشة: (أن النبي صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني الوليد حدثنا عبد الرحمن بن نمر: أنه سمع الزهري يحدث عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، أي: يجهر فيها بالقراءة في الليل والنهار، وصلاة الكسوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت بالنهار، وقد جهر فيها بالقراءة، وأورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما خسفت الشمس صلى بهم أربع ركعات في أربع سجدات، وقد جاء في بعض الروايات: (أربع ركوعات في ركعتين، وأربع سجدات)، فالمقصود بالركوعات هي ركعتان في كل ركعة ركوعان، المجموع أربعة، والسجدات أربع، يعني: في كل ركعة ركوعان وسجدتان، فالمجموع أربع ركوعات، وأربع سجدات، ومقدار الركعات ركعتين، جهر فيها بالقراءة، وكان كلما يرفع رأسه، أي: من الركوع، سواءً الركوع الأول، أو الركوع الثاني، يقول: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد).
الحديث دال على ما ترجم له النسائي من مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، سواءً في الليل أو النهار؛ لأن كسوف الشمس الذي حصل في عهده صلى الله عليه وسلم، والذي صلى فيه صلاة الكسوف كان في النهار، وقد جهر فيه بالقراءة، كما جاء مبيناً في حديث عائشة هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-27-2026, 06:07 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى أربع ركعات في أربع سجدات، وجهر فيها بالقراءة ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو ابن مخلد الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرني الوليد].
هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، يدلس تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي..
[عن عبد الرحمن بن نمر].
هو الدمشقي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ابن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وكلاب هو أبو قصي، وأبو زهرة؛ ولهذا يقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة، ويقال له: ابن شهاب نسبةً إلى جده شهاب، وهو جد جده، وهاتان النسبتان إلى أجداده هما اللتان اشتهر بهما ذكر الزهري، فيقال: الزهري، أو ابن شهاب، وهو ثقة، فقيه، ومحدث، مكثر، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وفيه يقول السيوطي بالألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
[عن عروة].
هو ابن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهم سبعة أشخاص: ستة متفق على عدهم من الفقهاء السبعة، وواحد مختلف فيه، فالستة هم: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
[عن عائشة].
وعروة بن الزبير يروي عن خالته عائشة؛ لأن أمه أسماء بنت أبي بكر، فهو يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي من أوعية السنة وحفاظها، لا سيما الأحاديث الكثيرة فيما يكون بين الرجل، وأهل بيته، وفي غير ذلك؛ ولهذا فإن السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، ستة رجال، وامرأة واحدة، والمرأة هي عائشة، والستة هم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، هؤلاء ستة رجال وامرأة واحدة.
ترك الجهر فيها بالقراءة


شرح حديث سمرة: (أن النبي صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً ...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الجهر فيها بالقراءة.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس عن ابن عباد رجل من بني عبد القيس عن سمرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً)].
أورد النسائي ترك الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وأورد حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، وهو حديث طويل قد مر، وهنا ذكر جملةً منه، وإنه صلى بهم الكسوف لا يسمعون له صوتاً، وهذا الحديث في إسناده شخص قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وهو الذي يقبل حديثه إذا توبع، وهو لم يتابع على هذه الرواية التي فيها أنهم لا يسمعون له صوتاً؛ ولهذا أورد الحديث النسائي من أجل الاستدلال بترك القراءة، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى مرةً واحدة، وقد ثبت في الحديث الذي مضى أنه جهر في القراءة، فإذاً: هذا الحديث يكون ضعيفاً؛ لأنه أولاً: يخالف ما هو بثابت، والأمر الثاني: أن في سنده شخص لا يعول على حديثه إلا إذا توبع، وهو ثعلبة بن عباد البصري، فإنه مقبول، والمقبول لا يعول على حديثه إلا إذا توبع، فهو غير ثابت كونهم لم يسمعوا له صوتاً.
ويحتمل أن يكون سمرة ممن تأخر في الصفوف، فكان لا يسمع لتأخره، وليس ذلك لكون النبي صلى الله عليه، وسلم ما جهر، بل الجهر ثابت في حديث عائشة المتقدم، وأما ترك الجهر فليس بثابت، ولو ثبت الحديث، فإنه يكون محمولاً على أن بعضهم ممن يكون موقفه بعيداً لا يسمع القراءة، لكن من يكون قريباً فإنه يسمع القراءة.
تراجم رجال إسناد حديث سمرة: (أن النبي صلى بهم في كسوف الشمس لا نسمع له صوتاً ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور النسائي هو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو شيخ النسائي من بلدة واحدة.
[عن أبي نعيم].
هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره بها كثيراً كما هنا، وهو من شيوخ البخاري، بل من كبار شيوخ البخاري، والنسائي لا يروي عنه إلا بواسطة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود بن قيس].
هو الأسود بن قيس الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ثعلبة بن عباد].
مقبول، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سمرة].
هو سمرة بن جندب بن جنادة، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
القول في السجود في صلاة الكسوف
شرح حديث: (... وجعل يبكي في سجوده وينفخ ويقول: رب لم تعدني هذا ...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول في السجود في صلاة الكسوف. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري حدثنا غندر عن شعبة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال، قال شعبة: وأحسبه قال في السجود نحو ذلك، وجعل يبكي في سجوده، وينفخ، ويقول: رب لم تعدني هذا، وأنا أستغفرك، لم تعدني هذا، وأنا فيهم، فلما صلى قال: عرضت عليّ الجنة، حتى لو مددت يدي تناولت من قطوفها، وعرضت عليّ النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورأيت فيها أخا بني دعدع سارق الحجيج، فإذا فطن له قال: هذا عمل المحجن، ورأيت فيها امرأةً طويلةً سوداء تعذب في هرة ربطتها، فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، وإن الشمس، والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا انكسفت إحداهما، أو قال: فعل أحدهما شيئاً من ذلك، فاسعوا إلى ذكر الله عز وجل)].
أورد النسائي ما يقوله في السجود باب قوله في السجود في صلاة الكسوف أورد فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد مر قريباً، وهو مشتمل على كيفية صلاة الكسوف، وعلى جمل من خطبة رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد صلاة الكسوف، وقد مر في الرواية السابقة أنه قال: (ورأيت صاحب السبتيتين)، وهنا قال: (سارق بدنتي رسول الله عليه الصلاة والسلام)، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: لعل هذا هو المقصود بصاحب السبتيتين، وأنه سارق بدنتي الرسول صلى الله عليه وسلم اللتين بعث بهما إلى مكة، فأخذهما رجل من المشركين، وسماهما سائبتين، فهذا لعله يبين المقصود من ذلك، الذي هو صاحب السبتيتين، (سارق الحجيج، فإذا فطن له قال: هذا عمل المحجن)، يعني: المحجن هي عصا محنية الرأس، فإذا رأى متاعاً، أو كذا، مد المحجن حتى ينشب بها، فإن تفطن له الناس علق بالمحجن، وقال: هذا عمل المحجن، ورأى فيها أيضاً المرأة التي تعذب في الهرة التي حبستها حتى ماتت جوعاً، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
فالحاصل أن خطبة رسول الله عليه الصلاة والسلام مشتملة على جمل، وجاءت في أحاديث مفرقة، مثل هذه الأمور التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في النار، وحديث ابن عباس الذي مر أنه رأى النساء، يعني في النار.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وجعل يبكي في سجوده وينفخ ويقول: رب لم تعدني هذا ...)
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري]. هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، هذا الرجل ينتهي نسبه إلى المسور بن مخرمة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا يقال له: المسوري، يعني: نسبة إلى المسور بن مخرمة.
[عن غندر].
هو محمد بن جعفر البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ولقبه غندر، واسمه محمد بن جعفر، يأتي ذكره باسمه كثيراً، ويأتي ذكره بلقبه أحياناً كما هنا، هنا ذكر بلقبه، ومعرفة ألقاب المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث، فائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، الذي ما يعرف أن غندر هو محمد بن جعفر، لو وجد محمد بن جعفر في طريق، وغندر في طريق، يظن أن غندر شخص، وأن محمد بن جعفر شخص، لكن من يعرف أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه الأمر، فـغندر محمد بن جعفر البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكره يروي عن شعبة، بل يأتي أحياناً غير منسوب، اسمه محمد، ويروي عن شعبة، والمراد به غندر محمد بن جعفر، وهنا ذكره باللقب، وهو مشهور باللقب.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب].
صدوق، اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. وعادة أصحاب التراجم الذي هو تهذيب الكمال: أن الشخص إذا كان روي له في الصحيح، ولو كان مقروناً، فإنهم يرمزون له برمز صاحب الصحيح، فإن عطاء بن السائب ليس له في صحيح البخاري إلا حديث واحد مقرون، في تفسير سورة الكوثر، حديث واحد مقرون، ما ذكر وحده بل معه غيره، ورمز له بالخاء، وكذلك عاصم بن أبي النجود، عاصم بن بهدلة صاحب القراءة المشهورة، أحد القراء السبعة، قال عنه في التقريب: رمز له لأصحاب الكتب الستة، وقال: حديثه في الصحيحين مقرون، أي: أنه عندما يجد ذكره في الصحيحين، فإنما يأتي مقروناً بغيره، ولا يأتي استقلالاً، ويروى عنه استقلالاً، بل يروى عنه وعن غيره، ويقال لمن كان من هذا القبيل: حديثه في الصحيحين مقرون، أو يقال: متابعة.
[عن أبيه].
هو السائب بن مالك، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن الأشياء اللطيفة في أبيه: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه ولد له ابنه عبد الله وعمره ثلاثة عشر سنة، عمر عمرو بن العاص لما ولد له ابنه عبد الله ثلاثة عشر سنة، أي: احتلم وهو صغير، وبلغ وهو صغير، وتزوج وولد له وهو لم يبلغ الرابع عشرة والخامس عشرة من عمره.
التشهد والتسليم في صلاة الكسوف

شرح حديث: (كسفت الشمس ... ثم تشهد ثم سلم فقام فيهم...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التشهد، والتسليم في صلاة الكسوف.أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن الوليد عن عبد الرحمن بن نمر: (أنه سأل الزهري عن سنة صلاة الكسوف؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كسفت الشمس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فنادى: أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر ثم قرأ قراءةً طويلة، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً مثل قيامه، أو أطول، ثم رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ثم قرأ قراءةً طويلةً هي أدنى من القراءة الأولى، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر فسجد سجوداً طويلاً مثل ركوعه أو أطول، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فقام، فقرأ قراءةً طويلةً هي أدنى من الأولى، ثم كبر، ثم ركع ركوعاً طويلاً هو أدنى من الركوع الأول، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم قرأ قراءةً طويلةً، وهي أدنى من القراءة الأولى في القيام الثاني، ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً دون الركوع الأول، ثم كبر فرفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر فسجد أدنى من سجوده الأول، ثم تشهد، ثم سلم فقام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس، والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فأيهما خسف به، أو بأحدهما، فافزعوا إلى الله عز وجل بذكر الصلاة)].
الحديث الذي مضى أو هذه الترجمة التي هي: القول في السجود في صلاة الكسوف، المقصود منها كون النبي صلى الله عليه وسلم، قال في سجوده: (لم تعدني أن تعذبهم وأنا أستغفر)، هذا هو الذي عقد من أجله الترجمة، وهذا لا يصلح إلا لرسول عليه الصلاة والسلام، هو الذي يقول هذا الكلام، هو الذي وعد، وهو الذي قال هذا خضوعاً وابتهالاً إلى الله عز وجل، فغيره لا يقول مثل هذا الكلام، لكنه يأتي بالدعاء، والالتجاء إلى الله عز وجل وسؤاله.
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: التشهد، والتسليم في صلاة الكسوف، أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، المشتمل على تفصيل صلاة الكسوف، على الطريقة، أو على الكيفية التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عن جماعة من الصحابة، وهي ركعتان في كل ركعة ركوعان، وسجدتان، لكن في هذه الرواية زيادة: (ثم تشهد وسلم)، معناه: أن هذه الصلاة فيها تشهد، وتسليم، وعلى هذا فإن صلاة الكسوف توافق بقية الصلوات في هيئتها وكيفيتها، إلا أنها فيها ركوعان.. في كل ركعة ركوعان، وفيها إطالة القراءة، والركوع والسجود، وإلا فإنها مثل بقية الصلوات في ركوعها، وسجودها وتشهدها، وجلوسها، وسلامها، هي مثلها إلا أن الذي تخالف فيه، أو الذي جاء يخصها الإطالة، والركوع الذي هو من خصائص صلاة الكسوف، كونه يؤتى بزيادة ركوع في كل ركعة، فهذا من خصائص صلاة الكسوف.
تراجم رجال إسناد حديث: (كسفت الشمس ... ثم تشهد ثم سلم فقام فيهم ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير]. هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن الوليد].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وقد مر ذكره قريباً.
[عن عبد الرحمن بن نمر].
وقد مر ذكره.
[أنه سأل الزهري].
وكذلك الزهري قد مر ذكره.
[أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة].
قد مر ذكرهما.
شرح حديث: (صلى رسول الله في الكسوف فقام فأطال القيام ...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا موسى بن داود حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع ثم سجد فأطال السجود، ثم قام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد فأطال السجود، ثم رفع، ثم انصرف)].أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين، هذا الحديث الذي بينت فيه كيفية صلاة الكسوف، على الكيفية التي جاءت فيها الأحاديث الكثيرة، وهي في كل ركعة ركوعان وسجدتان، وهنا أورده في باب التشهد والتسليم؛ لأن فيه ذكر التسليم، والذي هو الانصراف؛ لأن الانصراف هنا التسليم، أورده من أجل ما جاء في آخره من ذكر الانصراف، ثم انصرف، أي: ثم سلم، فليس فيه ذكر التشهد، ولكن فيه ذكر الانصراف الذي هو التسليم، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، وهي التشهد والتسليم في صلاة الكسوف.

ابو الوليد المسلم
03-27-2026, 06:09 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب تقصير الصلاة فى السفر
(كتاب الكسوف)
(276)

- (باب القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف) إلى (باب الأمر بالاستغفار في الكسوف)
من يسر هذا الدين وتمامه أن الله عز وجل جعل لكلِّ نازلةٍ وحادثة ما يناسبها، ومن ذلك كسوف الشمس والقمر، فقد شرع لها صلاةً خاصة بها، يطوّل فيها القيام والركوع والسجود، ويكثر فيها من الذكر والدعاء والاستغفار، وتكون فيها خطبة يؤمر فيها بالتوبة والتذكير بوعد الله ووعيده.
القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف


‏ شرح حديث عائشة: (إن النبي خرج مخرجاً فخسف بالشمس ... فلما انصرف قعد على المنبر ...)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف. أخبرنا محمد بن سلمة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد: أن عمرة حدثته: أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مخرجاً فخسف بالشمس، فخرجنا إلى الحجرة، فاجتمع إلينا نساء، وأقبل إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ضحوة، فقام قياماً طويلاً، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع رأسه فقام دون القيام الأول، ثم ركع دون ركوعه، ثم سجد، ثم قام الثانية فصنع مثل ذلك، إلا أن قيامه، وركوعه دون الركعة الأولى، ثم سجد، وتجلت الشمس، فلما انصرف قعد على المنبر فقال فيما يقول: إن الناس يفتنون في قبورهم كفتنة الدجال)، مختصر].
يقول النسائي رحمه الله: باب قعود الإمام على المنبر في الكسوف. مراد النسائي من هذه الترجمة هو وجود الخطبة من رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد صلاة الكسوف، وقعوده على المنبر، والقعود يحتمل أن يكون جلس، ويحتمل أن يكون قائماً، أو أنه حصل منه الجلوس، ثم حصل منه القيام، والمعروف عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب قائماً، وسيأتي في الاستسقاء أنه جلس على المنبر، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يخطب قائماً، ويرفع يديه، ويبالغ في الرفع، أي: في الاستسقاء، فهنا فيه التعبير بالقعود، وهو الذي جاء في الحديث، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنه صار إلى المنبر، وخطب الناس، والمعروف من عادته عليه الصلاة والسلام في خطبته أنه كان يخطب قائماً صلى الله عليه وسلم.
وقد أورد النسائي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر في بعض الطرق المتقدمة، وأورده هنا لما اشتمل عليه من ذكر القعود على المنبر، وهو أيضاً يدل على أن الكسوف للشمس حصل في الضحى، وفيه: صفة صلاة الكسوف على الهيئة المعروفة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، التي هي ركعتان في كل ركعة واحدة ركوعان، وسجدتان، وفيه: من موضوع الخطبة: [(أن الناس يفتنون في قبورهم كفتنة الدجال)]، وقد مر أحاديث، أو طرق متعددة عن عائشة، وغيرها، وفيها جزئيات من تلك الخطبة، أو قطع من تلك الخطبة، وهي بمجموعها تكون كثيرة، ولكنها متفرقة في الأحاديث، وكل حفظ ما لم يحفظه الآخر، وكل أثبت ما لم يثبته الآخر، وبعضها اتفقت عليه الروايات، لاسيما ما جاء فيه من قوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مخرجاً فخسف بالشمس ... فلما انصرف قعد على المنبر ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة]. هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن الحارث].
هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن عمرة].
هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، تابعية أكثرت من الرواية عن عائشة، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثته أن عائشة].
هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، عرفوا بكثرة الرواية عنه عليه الصلاة والسلام، ستة رجال، وامرأة واحدة، الستة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عن الجميع، وأما المرأة فهي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وهذا الإسناد فيه ستة أشخاص، نصفه الأعلى مدنيون، وهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعمرة، وعائشة، ونصفه الأسفل مصريون، وهم: محمد بن سلمة المرادي، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، فنصفه الأدنى أو الأسفل مصريون، ونصفه الأعلى مدنيون.
كيف الخطبة في الكسوف


شرح حديث عائشة: (... إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ...) من طريق أخرى
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الخطبة في الكسوف.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام فصلى فأطال القيام جداً، ثم ركع فأطال الركوع جداً، ثم رفع فأطال القيام جداً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم رفع رأسه فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ففرغ من صلاته، وقد جلي عن الشمس، فخطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس، والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فصلوا، وتصدقوا، واذكروا الله عز وجل، وقال: يا أمة محمد! إنه ليس أحدٌ أغير من الله عز وجل أن يزني عبده، أو أمته، يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)].
أورد النسائي هذه الترجمة، وهي كيف الخطبة؟ يعني: كيف تكون الخطبة؟ وما هو موضوع الخطبة؟ على أي شيء تشتمل الخطبة؟ خطبة الكسوف كما جاء في الروايات المختلفة تتضمن ما يتعلق بالمناسبة، وهو حصول كسوف الشمس، والقمر، ولكن ذلك ليس على ما هو معتاد في الجاهلية من أنهم يعتقدون أن الكسوف لموت العظماء، وإنما هو بأمر الله عز وجل، وتدبيره، وتصرفه في الكون كيف يشاء، فإن الشمس، والقمر مخلوقان من مخلوقات الله، وآيتان من آيات الله، يصرفهم الله كيف يشاء، فهو يجعلهما مضيئين يستفيد الناس من ضوئهما، وإذا شاء أن يطرأ عليهما التغير، وتحول حالهما من إضاءة وإشراق إلى اسوداد، وعدم ظهور النور، فهو سبحانه، وتعالى على كل شيء قدير، فهو.. الخطبة تتعلق بالمناسبة، وبيان (أن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته).
وتشتمل أيضاً على بيان كونه رأى الجنة، والنار، وعرضتا عليه، وهو يصلي بالناس الكسوف، ورأى عناقيد العنب متدلية، (وأراد أن يأخذ عنقوداً فترك، ولو أخذ منه لأكل الناس ما بقيت الدنيا) إلى نهاية الدنيا، وهذا يدل على الترغيب في نعيم الآخرة، والاستعداد لذلك بالأعمال الصالحة، ثم أيضاً بيان التخويف من النار، وما شاهده فيها، وأنه رأى فيها المرأة التي تعذب بسبب الهرة التي حبستها، (لا هي أطعمتها، ولا سقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، وكذلك رأى فيها سارق المحجن، (الذي يسرق الحجيج بمحجنه، وهي العصا المحنية الرأس فإذا فطن له الناس قال: علق بمحجني، وإذا لم يتنبه إليه الناس أخذه، ومضى)، ورأى كذلك سارق بدنتي الرسول عليه الصلاة والسلام اللتين أهداهما إلى الحرم، ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي الذي سيب السوائب، ورأى فيها النساء، وأنهن أكثر أهل النار، فهذا مما اشتملت عليه خطبة رسول الله، وكذلك مما اشتملت عليه قوله: [(لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)].
وقوله: [(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)]، كما جاء في هذه الرواية، وقد سبق أن مر في بعض الروايات الأخرى، وأن فيه إثبات الغيرة لله عز وجل على وجه يليق بكماله، وجلاله، وفيه: أن الله تعالى يطلع نبيه على ما شاء من الغيب، وأنهم لو اطلعوا على ما اطلع عليه لكثر بكاؤهم، ولقل ضحكهم، وقد أطلعه الله على أمور مغيبة، ومن ذلك: أنه أطلعه على الجنة، والنار، والناس يصلون الكسوف، ورأوا اليد الممدودة يده صلى الله عليه وسلم، وقد مدها ليتناول شيئاً، ولكنهم ما رأوا الذي مدت إليه، ورأوه تأخر، ورجع القهقرى، وهو في الصلاة، وما علموا، لماذا تقهقر وتأخر؟ وقد بين ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنه تقدم ليأخذ عنقوداً، وترك، ولو أخذ لأكل الناس ما بقيت الدنيا، وتأخر لما رأى النار، وما فيها من المعذبين، ورآها يحطم بعضها بعضاً.
فهذا مما اشتملت عليه خطبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والخطبة بعد الكسوف، المناسب فيها أن يكون فيها تخويف، وأن يكون فيها تحذير من الذنوب، والمعاصي، وأن الناس يقبلون على الله عز وجل، وتذكير بالجنة، والنار، وتذكير بما اشتملت عليه خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس بعد أن صلى صلاة الكسوف.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. هو: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، ولم يظفر بهذا اللقب إلا جماعة قليلون، منهم إسحاق هذا، والثوري، وشعبة، والبخاري، والدارقطني، وآخرون هم قليلون، وصفوا بهذا الوصف الذي هو من أعلى الأوصاف، وأرفع صيغ التعديل.
[حدثنا عبدة].
هو: عبدة بن سليمان الكلابي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن عروة].
هو: هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو: عروة بن الزبير بن العوام، أحد الثقات الفقهاء، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين.
عندما يقال في مسألة من المسائل: قال بها الفقهاء السبعة، فإن المراد بهم سبعة في المدينة في عصر التابعين، منهم عروة بن الزبير هذا، وهم ستة متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه، عروة بن الزبير هذا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، والكتاب اسمه إعلام، وليس أعلام، ليس كتاب تراجم حتى يقال له: أعلام، وإنما هو إعلام وإخبار الموقعين، أي: المفتين المخبرين بشرع الله، والمبينين لشرع الله، ولهذا ذكر في أوله جماعة من المعروفين بالفتوى من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتابعين ومن بعدهم في الأقطار المختلفة في الحجاز، واليمن، والشام، والعراق، ومصر، فذكر الفقهاء في تلك البلاد، ولما جاء عند المدينة ذكر الفقهاء من الصحابة، وذكر الفقهاء في عصر التابعين، وذكر الفقهاء السبعة في المدينة، وذكرهم، وسابعهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، سابع الفقهاء السبعة على ما ذكره ابن القيم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثم ذكر بيتين من الشعر، البيت الثاني يشمل الفقهاء السبعة، وهو قول الشاعر:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
والسابع هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على أحد الأقوال، وحديث عروة بن الزبير بن العوام أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن خالته عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.
شرح حديث سمرة: (أن النبي خطب حين انكسفت الشمس ...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد عن سمرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب حين انكسفت الشمس، فقال: أما بعد)].أورد النسائي حديث سمرة بن جندب، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(أما بعد)]، والحديث سبق أن مر، وفيه: ثعلبة بن عباد البصري، وهو مقبول، وروايته لا يعول عليها إلا إذا اعتضد، لكن [(أما بعد)]، هذا هو المعروف في خطب رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: [(أما بعد)]، إذا حمد الله، وأثنى عليه، قال: [(أما بعد)]، ثم أتى بما يريده من الكلام الذي هو موضوع الخطبة، فالحديث ضعيف الإسناد، ولكن قول: [(أما بعد)]، في الخطب، هذا هو المعروف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في خطبه: [(أما بعد)]، أي: بعد أن يذكر الحمد، والثناء على الله عز وجل بما هو أهله، الذي هو مقدمة الخطبة، وافتتاح الخطبة، عندما يدخل في الموضوع يقول: [(أما بعد)]، فإنه كذا وكذا.
تراجم رجال إسناد حديث سمرة: (أن النبي خطب حين انكسفت الشمس ...)
قوله: [أخبرنا ابن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا أبو داود الحفري].
هو عمر بن سعد الكوفي، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود بن قيس].
هو الأسود بن قيس الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ثعلبة بن عباد].
هو ثعلبة بن عباد البصري، وهو مقبول، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.
وعباد بكسر العين، وحذف الفتحة والتشديد الذي على الباء، وهي عِباد.
[عن سمرة].
هو سمرة بن جندب، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-27-2026, 06:12 PM
الأمر بالدعاء في الكسوف


شرح حديث أبي بكرة: (كنا عند النبي فانكسفت الشمس ... فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بالدعاء في الكسوف.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يزيد وهو ابن زريع حدثنا يونس عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فانكسفت الشمس، فقام إلى المسجد يجر رداءه من العجلة، فقام إليه الناس، فصلى ركعتين كما يصلون، فلما انجلت خطبنا فقال: إن الشمس، والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتم كسوف أحدهما فصلوا، وادعوا حتى ينكشف ما بكم)].
أورد النسائي، وهو الدعاء في الكسوف، فالمقصود من هذا: أنه عندما يحصل الكسوف يحصل الدعاء في الصلاة وفي غير الصلاة، وقد أورد النسائي حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كسفت الشمس قام يجر رداءه من العجلة، هذا فيه أن جر الرداء كان عندما قام مسرعاً من العجلة، وإذا ردائه يسحب، يعني يصل إلى الأرض؛ لأنه قام مسرعاً، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه النهي عن جر الثياب، وعن إطالة الثياب، وقال: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار)، ولكن قوله هنا: [(من العجلة)]، يفيد بأن هذا الجر حصل بسبب العجلة، فصاحب الرداء عندما يقوم يكون طرفه في الأرض، فيسحبه حتى يتناوله بعد ذلك، ويجعله على كتفيه، وينتهي الجر، لكن كونه أسرع، وقام مسرعاً، ورداؤه غير مستقر على كتفيه، صار يجره، ولهذا قال: [(من العجلة)]، أي: يجر رداءه من العجلة، وليس معناه أنه كان يطيل الرداء، وأنه يجر رداءه، وأن عادته كذلك، لا، وإنما كما هو معلوم عندما يكون الإنسان جالساً، ثم يكون الرداء غير مستقر عليه، ثم يقوم مسرعاً، فإنه يكون طرفه يسحب في الأرض حتى يتناوله، ويجعله مستقراً على كتفيه، وهنا قوله: [(من العجلة)]، يفيد بأن هذا الجر حصل لهذه المناسبة المفاجأة التي حصل فيها حصول الكسوف، وأنه قام مسرعاً عليه الصلاة والسلام، ثم صلى بالناس وخطبهم الخطبة، وذكر أنه إذا حصل أنهم يصلون، ويدعون حتى ينكشف ما بهم، والمقصود من ذلك إثبات الدعاء في الكسوف، في الخطبة، وفي غير الخطبة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة: (كنا عند النبي فانكسفت الشمس ... فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، وهو لقبه، وهو محدث، ناقد، ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يزيد وهو ابن زريع].
ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن زريع) الذي قالها من دون عمرو بن علي؛ لأن عمرو بن علي ما زاد في روايته على قوله: يزيد، لكن النسائي، أو من دون النسائي هو الذي أتى بكلمة (هو ابن زريع) وذكر نسبه، وهو أنه ابن زريع، وأتى بكلمة (هو) حتى يعلم بأنها ليست من التلميذ، وإنما زادها من دون التلميذ، وهذا من عناية المحدثين، ودقتهم، وأنهم إذا زادوا شيئاً من أجل التوضيح، فيأتون بالشيء الذي يدل على أنه ليس من التلميذ، ولو أن من دون التلميذ أتى به، قال: يزيد بن زريع لفهم أن هذا كلام التلميذ، والتلميذ هذا ما قال: يزيد بن زريع، قال: يزيد فقط، لكن من دونه أتى بالتوضيح وأتى بكلمة (هو)، ومثلها كلمة (يعني) التي تأتي في بعض الروايات.
[حدثنا يونس].
هو ابن عبيد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، البصري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكرة].
هو نفيع بن الحارث، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأمر بالاستغفار في الكسوف


شرح حديث أبي موسى: (خسفت الشمس فقام النبي فزعاً ... فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بالاستغفار في الكسوف. أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي عن أبي أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: (خسفت الشمس فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً يخشى أن تكون الساعة، فقام حتى أتى المسجد، فقام يصلي بأطول قيام، وركوع، وسجود، ما رأيته يفعله في صلاته قط، ثم قال: إن هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكره، ودعائه، واستغفاره)].
أورد النسائي، هذه الترجمة وهي: الاستغفار في الكسوف، الاستغفار هو من الدعاء؛ لأن الدعاء عام ويدخل فيه الاستغفار؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وطلب المغفرة دعاء، وهنا جاء التنصيص عليه من ذكر الخاص بعد العام، ولهذا جاء في الحديث نفسه: (ذكر الله، ودعائه، واستغفاره)، واستغفاره هو من ضمن الدعاء، إلا أن الدعاء عام، والاستغفار خاص، وهو جزء منه، فهذه الترجمة بعد الترجمة السابقة أخص منها؛ لأن الدعاء يشمل الاستغفار، وغير الاستغفار، وأما الاستغفار هو نص في الاستغفار، وهو طلب المغفرة من الله عز وجل.
وقد أورد النسائي فيه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الذي فيه: أنه لما انكسفت الشمس قام مسرعاً يخشى أن تكون الساعة، قامت، وأن الساعة ستقوم، وقوله: [(يخشى أن تكون الساعة)]، يحتمل أن يكون هذا عن علم عن رسول الله، وأنه يخشى، ويكون ذلك قبل أن يعلم بالأمور التي تكون بين يديها، ومعلوم أنها لم تقع، ومثل ذلك ما جاء في قصة الدجال عندما قال: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا) كذا، (وإن لم يخرج فكل حجيج نفسه)، معناه أن الرسول ما كان يدري شيئاً عن وقت خروجه، ثم إنه أُطلع على ذلك، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عنده علم بتلك المقدمات التي تكون بين يدي الساعة وهي لم تقع، ويحتمل أن يكون هذا الراوي أو الصحابي، ظاناً، ومعلوم أن ظنه منه، ولا يلزم أن يكون ما ظنه صحيحاً، فقد يظن شيئاً ولا يكون صحيحاً، والرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يخشى أن تقوم الساعة، فهو يحتمل أن تكون الخشية حصلت من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبي موسى على علم بذلك، أو أنه حصل منه الظن، أنه يخشى أن تكون الساعة، ثم صلى بالناس، وخطبهم، وقال: (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره)، والمقصود من الترجمة هو قوله: [(واستغفاره)]، وهو من ذكر الخاص بعد العام الذي هو الاستغفار.
تراجم إسناد حديث أبي موسى: (خسفت الشمس فقام النبي فزعاً ... فإذا رأيتم من ذلك شيئاً فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره)
قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي]. هو الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أبي أسامة].
هو حماد بن أسامة، مشهور بكنيته أبو أسامة، وكنيته توافق اسم أبيه، وقد عرفنا فيما مضى أن هذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهي معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف، بأن يظن أن ابن صحفت إلى أبو، فيما إذا قيل: حماد بن أسامة أو حماد أبو أسامة. فهو مشهور بالكنية أبو أسامة، واسمه حماد بن أسامة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن بريد].
هو ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، يخطئ قليلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، وقد أورد الحافظ ابن حجر ترجمته في مقدمة الفتح، وذكر ما قيل فيه، وقال: إن أحمد قال: له أحاديث مناكير، ثم قال الحافظ ابن حجر: والإمام أحمد، وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة، وليس إذا قيل: له مناكير، معناه أن حديثه منكر، وإنما يأتي بأحاديث هي من قبيل الفرد المطلق، ومن المعلوم أن الفرد المطلق إذا كان صاحبه ممن يحتمل تفرده، فإنه يعول عليه، وإنما الذي لا يفيد هو من لا يعول عليه عند التفرد، يحتاج إلى من يعضده، فقوله: له مناكير، قال الحافظ ابن حجر: الإمام أحمد، وغيره يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة، يعني ليس معناه أن الحديث منكر، وأن أحاديثه تكون منكرة، وإنما هذا اصطلاح لبعض المحدثين، ومعرفة الاصطلاح، أو اصطلاحات المحدثين هذه مهمة؛ لأن من لا يعرف يعتبر هذا تضعيف، مع أنه ليس بتضعيف، وإذا فهم أن المراد بالمناكير الأفراد المطلقة، فمعناه ليس تضعيفاً، المنكر هو مخالفة الضعيف للثقة، هذا هو المنكر في الاصطلاح المشهور، لكن يأتي ذكر الأحاديث المناكير، وله أحاديث مناكير، وليس معنى ذلك أنها منكرة بحيث أنه لا يعول عليها، وإنما هي أفراد مطلقة، أي: تفرد بأحاديث، ومن المعلوم أن الثقة إذا تفرد بأحاديث، وهو يعتمد عليه، فتفرده لا يؤثر، وكم من حديث في الصحيح هو من الغرائب في الصحيح، أي: التي جاءت من طريق واحد، وأقرب مثالاً على ذلك: فاتحة البخاري، وخاتمة البخاري، أول حديث في صحيح البخاري وآخر حديث في صحيح البخاري، فإنهما غريبان، ما جاء إلا من طريق واحد، (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، هذا ما جاء إلا عن عمر، ولا رواه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، وما رواه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، وما رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم انتشر بعد يحيى بن سعيد الأنصاري حتى قيل: إنه بلغ إلى سبعين، أو سبعمائة أخذوا عن يحيى بن سعيد الأنصاري، فكثر بعد ذلك، لكن من فوق هو غريب، معناه أنه فرد جاء من طريق واحد ما جاء بأكثر من طريق، آخر حديث في البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، جاء عن أبي هريرة، ولا روى عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، ورواه عن أبي زرعة إلا عمارة بن القعقاع، يعني: ما جاء إلا من طريق واحد، فهذان الحديثان، وهما فاتحة البخاري، وخاتمة البخاري، هما من الأحاديث الغريبة، الأفراد المطلقة، من الأفراد المطلقة لما ما جاءت إلا من طريق واحد، ومنها حديث: (النهي عن بيع الولاء وهبته)، أيضاً ما جاء إلا من طريق واحد عن ابن عمر، وكذلك حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، هو في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر، لكنه في غير الصحيح موجود عن أبي هريرة، ولهذا لما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: وهذا من غرائب الصحيح، وقد خلى منه مسند الإمام أحمد على سعته، وقد خلى منه، أي: حديث ابن عمر مسند الإمام على سعته، مسند الإمام أحمد، فيه أربعون ألف حديث، وليس فيه حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس).
حكم التفرد والإتيان بالغرائب إذا كان الراوي ممن يحتمل تفرده
فالحاصل أن الأفراد المطلقة هذه ليست ضعيفة، ولا يضعف من تفرد بها، وإنما الأفراد، والغرائب تؤثر إذا كان الشخص لا يحتمل تفرده، ولا يعول عليه منفرداً، هذا بريد بن عبد الله بن أبي بردة في ترجمته هذه الكلمة، وهذا من الاصطلاح، ومن جنس ذلك كلمة (لا بأس به) عند يحيى بن معين، تعادل ثقة، وهذا اصطلاح يحيى بن معين يختلف عن غيره، وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق عند غير يحيى بن معين، وأما عند يحيى بن معين فتعادل ثقة، والحاصل أن الاصطلاح إذا عرف ما يظن تضعيف، أو أنه تقليل من قيمة الشخص، لا يؤثر ذلك، بريد بن عبد الله بن أبي بردة يروي عن جده أبي بردة؛ لأن بريد هو حفيد أبي بردة الذي يروي عنه هنا؛ لأنه بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى، فهي رواية حفيد عن جده، وذلك الجد يروي عن أبيه الذي هو أبو موسى الأشعري؛ لأن أبا بردة هو ابن أبي موسى الأشعري، وبريد هو حفيد أبي بردة؛ لأن بريد اسم أبيه عبد الله، فهو يروي عن جده أبي بردة بن أبي موسى، فهي من رواية حفيد عن جد، وذلك الجد يروي عن أبيه، فهو من رواية الأبناء عن الآباء، فيه رواية حفيد عن جد، ورواية ابن عن أبيه، هذا الإسناد، فيه رواية حفيد عن جده، ورواية ابن عن أبيه، فالحفيد هو بريد، والجد هو أبو بردة، والابن الذي يروي عن أبيه أبو بردة، والأب الذي يروي عنه الابن هو أبو موسى الأشعري، وأبو بردة اسمه قيل: عامر، وقيل: الحارث، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي موسى الأشعري].
وهو: عبد الله بن قيس، مشهور بكنيته أبو موسى الأشعري، اسمه عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة


فضل العالم على العابد
السؤال: فضيلة الشيخ، ما صحة ما يروى: نوم العالم أفضل من عبادة الجاهل؟الجواب: لا أعلم عن هذا شيئاً، لكن الذي جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه اشتمل على خمس فضائل من فضائل أهل العلم، يقول في هذه الجمل الخمس: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، وهذه القطعة موجودة في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، الذي أوله: (من نفس عن مسلمٍ كربة)، وآخره: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وفي أثنائه (ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، أما حديث أبي الدرداء فأوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً)، وقد شرحه ابن رجب في جزء الذي هو حديث أبي الدرداء، (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء -هذه الثالثة-، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، والخامسة: وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذه بحظٍ وافر)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)، هذا يبين فضل العلم على العبادة، وذلك أن العلم فيه العبادة على بصيرة، وفيه معرفة الحق، والهدى ليصير الإنسان في نفسه على هدى، وليدل غيره على بصيرة، ويدعو غيره على بصيرة، كما قال الله عز وجل: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )[يوسف:108]، أما العابد فنفعه يخصه، ولا يتعداه إلى غيره؛ لأن صلاته له ما يتعدى نفعها، وأما العلم فنفعه يتعدى، أولاً: كون الإنسان يعبد الله على بصيرة، وأيضاً كونه يدعو غيره على بصيرة، وإذا دعا غيره على بصيرة، واستفاد من دعوته، وتوجيهه، وإرشاده، فيكتب له مثل أجور الذي استفاد من علمه، وتوجيهه، وإرشاده، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: (من دعاء إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً).
مدى محرمية الأبناء لخالة أبيهم
السؤال: فضيلة الشيخ، هل أبنائي محرماً لخالتي أخت أمي؟
الجواب: خالة الإنسان خالة لأبنائه، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته، كلهم مهما نزلوا فهي خالة لهم، ومن تكون خالةً لك فهي خالةً لجميع ما تحدر منك، سواءً من أبنائك، أو بناتك.
معنى قعود النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر
السؤال: فضيلة الشيخ، نرجو منكم إعادة شرح قعود النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر؟ الجواب: أنا أقول: إن ذكر القعود هنا في صلاة الكسوف ليس بواضح، وكذلك مثل ما جاء في الاستسقاء: أنه جلس على المنبر، وإنما يمكن أن يكون المراد به أنه صار على المنبر، كونه عبر بالقعود، لا يلزم منه أن يكون ذلك عن جلوس، وقد يحتمل أن يكون عن جلوس، لكن الواضح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب قائماً، ورفع يديه، حتى رؤي بياض إبطيه، وحول رداءه، واستقبل القبلة، كل هذا يفيد أنه كان عن قيام، وليس عن جلوس.

ابو الوليد المسلم
03-27-2026, 06:15 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الإستسقاء)
(277)

كتاب الاستسقاء - (باب متى يستسقي؟) إلى (باب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء)

كتاب الاستسقاء، متى يستسقي الإمام



شرح حديث: (جاء رجل فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الاستسقاء، متى يستسقي الإمام.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله عز وجل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال: اللهم على رؤوس الجبال والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب الاستسقاء، النسائي رحمه الله ذكر الكسوف، وصلاة الكسوف من الصلوات التي تحصل بمناسبات غير معلومة، وإنما بوجود الكسوف، فشرعت الصلاة، فأتى النسائي رحمه الله بكتاب الكسوف، ثم عقبه بكتاب الاستسقاء، وهي أيضاً صلاةً ليست ثابتة معلومة، وإنما تأتي على حسب الأحوال والمناسبات، حيث يكون الجدب، وحيث يكون القحط، يحصل الاستسقاء، فأورد النسائي رحمه الله هذا الكتاب مع الكتاب السابق؛ لأنها كلها تتعلق بمناسبات غير ثابتة، وليست في أوقات معينة، وإنما أوقاتها على حسب المناسبات، حيث يوجد الكسوف توجد الصلاة، وحيث يوجد القحط توجد الصلاة، والاستسقاء هو: طلب السقي، وهو دعاء الله عز وجل بأن يسقي الناس، وأن ينزل عليهم الغيث، هذا هو المراد بالاستسقاء، طلب السقي.
ثم أورد النسائي باب متى يستسقي الإمام، وأورد فيه حديث أنس بن مالك: أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا في خطبة الجمعة، لما طلب منه رجل أن يستسقي، وذكر الأمور التي وقع فيها الناس، والتي هي حاصلة، وهي أنها هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فطلب منه أن يستسقي، فرفع يديه عليه الصلاة والسلام ودعا، وسأل الله عز وجل أن يسقي الناس، وهذا هو الاستسقاء.
فمتى يستسقي الإمام؟ إذا وجدت الحاجة التي تدعو إلى ذلك، وهي القحط والجدب، فإنه عند ذلك يحصل الاستسقاء، ويحصل استسقاء الإمام، والاستسقاء يكون في خطبة الجمعة، ويكون بالإتيان بالصلاة التي هي صلاة الاستسقاء، والخطبة فيها ودعاء الله عز وجل، والحديث الذي أورده النسائي يتعلق بخطبة الجمعة، وأن الاستسقاء فيها يكون عند الحاجة.
أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً دخل والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، فسلم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا، هلكت الأموال، وانقطعت السبل)، يعني: هلكت الأموال لحصول القحط والجدب، بمعنى: أنها لم تجد شيئاً تأكله، فكان ذلك سبباً في هلاكها وموتها، قلة الطعام، وقلة الرعي، (وانقطعت السبل)، ما كان عند الإبل القدرة بسبب الهزال، وعدم وجود الطعام، فلا يتمكنون من السفر عليها، والانتقال من مكان إلى مكان لجلب الأرزاق، ولجلب الطعام، وما يحتاج الناس إليه، فالسبل انقطعت لضعف الرواحل، وعدم قدرتها على قطع المسافات، مع عدم وجود ما يقيتها، وهلكت الأموال بسبب قلة الطعام، وقلة الرعي، وأن ذلك كان من أسباب موت تلك الأموال التي هي الإبل والبقر والغنم، (فادع الله أن يغيثنا)، فرفع يديه رسول الله عليه الصلاة والسلام ودعا، وأنزل الله عز وجل الغيث، واستمر من الجمعة إلى الجمعة، والأمطار تتوالى، والأمطار تهطل على المدينة، فلما جاءت الجمعة الثانية، وكان عليه الصلاة والسلام يخطب يوم الجمعة، دخل رجل وقال: (يا رسول الله! تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، وهلكت الأموال)، فادع الله أن يمسك عنا الماء، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا وقال: (اللهم على الآكام، والأودية، ومنابت الشجر)، وفي بعض الروايات: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب، والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)، فقوله: (تهدمت البيوت) يعني: بسبب توالي الأمطار عليها، وكونها من الطين الذي إذا كثر عليه المطر ذاب، وحصل التهدم بسبب كثرة ما يقع، وما ينزل من المطر، لكونه استمر أسبوعاً كاملاً، (وهلكت الأموال) بسبب حصول البرد الذي يحصل مع كثرة الأمطار، وذلك البهائم وعدم تمكنها من الخروج لترعى، وانقطعت السبل، ما يأتي بالأرزاق والأموال، ويجلبها عليهم لتوالي نزول الأمطار، وكثرة نزوله، فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل الله عز وجل (فانجابت السحب عن المدينة كانجياب الثوب عن صاحبه)، أي: مثل ما ينزع الثوب عن صاحبه، ولا يبقى عليه إذا نزع، فكذلك انجابت السحب عن المدينة، فلم يكن عليها شيء.
الحاصل: أن الترجمة وهي: متى يستسقي الإمام، هي عند الحاجة إذا طلب السقي، وأنها تكون بالجمعة، وبغير الجمعة، أي: صلاة الاستسقاء، وفيه حصول جواز الكلام من الإمام، ومن يكلمه الإمام؛ لأن هذا الرجل خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم وناداه، فطلب منه أن يدعو، فهذا فيه جواز الكلام مع الإمام، وكلام الإمام مع المأمومين؛ لأن هذا الحديث فيه حصول الكلام من المأمومين أو بعض المأمومين مع الإمام، وذلك سائغ، وأما كلام الإمام فقد جاء في أحاديث أخرى التي فيها: (أن رجلاً دخل ولم يصل ركعتين، فقال له الرسول: أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين)، وفيه أنه عندما يحصل الشدة، والقحط، والجدب، يفزع إلى الله عز وجل بالدعاء، وكذلك أن خطبة الجمعة يستسقى بها، ويحصل الاستسقاء بخطبة الجمعة؛ لأن الحديث يتعلق بخطبة الجمعة؛ ولأنه كان في خطبة الجمعة، وفيه حصول استجابة الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام، حيث أنزل الله الغيث، وأنزل المطر، وتوالت الأمطار، من الجمعة إلى الجمعة أسبوعاً كاملاً، ثم طلب منه أن يدعو بإمساك الماء، فلم يدع بإمساك الماء، وإنما سأل سؤالاً فيه أدب، وفيه الاحتياج إلى الله عز وجل، وأن يجعل الأمطار لا تكون على المدينة، وإنما تكون على الآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، وفي بعضها قال: (اللهم حوالينا ولا علينا)، فهذا من الأدب في الدعاء، وأن الله عز وجل ليس من المناسب أن يطلب منه الإمساك، وأن يقول: اللهم أمسك عنا المطر، اللهم أوقف عنا المطر، وإنما يدعو بهذا الدعاء الذي فيه الأدب، والاحتياج إلى الله عز وجل، (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب، والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)، والآكام، قيل: هي الأماكن المرتفعة الجبل الصغير، أو التل، أو من الرمل، أو المكان المرتفع من الأرض، فهذه يقال لها: آكام.
قوله: [عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله عز وجل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال: اللهم على رؤوس الجبال والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب)].
فانجابت السحب على المدينة انجياب الثوب، وهذا بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام، دعا أولاً وكان ليس هناك أي قزعة في السماء، فتلبدت السماء بالغيوم، ونزل المطر وهم لم يصلوا إلى بيوتهم، بل وهم في المسجد، واستمرت حتى الجمعة الثانية، ولما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجعله الله عز وجل على الآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، انجابت عن المدينة، وتفرقت، وتقطعت تلك السحب حتى صارت السماء صحواً، وكان ذلك (كانجياب الثوب)، أي: كما ينزع الثوب عن صاحبه، فيبقى ليس عليه شيء، انجابت تلك السحب عن المدينة حتى لم يكن عليها شيء، وإنما السماء بادية لها.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، يروي عن..
[عن مالك].
هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، المشهور، الإمام، الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن شريك].
هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر وهو صدوق، يخطئ، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه، هؤلاء هم: الذين أخرجوا لـشريك بن عبد الله بن أبي نمر، وهو غير شريك بن عبد الله القاضي؛ لأن هذا طبقته متقدمة يروي عن الصحابة، وأما شريك القاضي فهو متأخر، من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، يروي عنه قتيبة، ويروي عنه غيره، فهو متأخر الطبقة عن هذا، أما هذا فهو متقدم، هذا الذي هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر متقدم يروي عن أنس بن مالك، وهو من التابعين، يروي عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي روى حديث المعراج الطويل، الذي أورده البخاري في آخر الصحيح، وكان فيه أوهام، لأنه انفرد بها عن غيره، وتعتبر من أوهامه، وقد ذكرها ابن حجر، وذكرها ابن كثير، في تفسير سورة الإسراء في أولها؛ وهو من أحاديث البخاري التي وجد فيها أوهام، وأنكرت على شريك هذا، وهي من الأحاديث التي ليس عنها جواب في صحيح البخاري؛ لأن أكثر الأحاديث التي انتقدت على البخاري أجيب عنها، والحق في أغلبها مع البخاري، لا مع من اعترض عليه وانتقده، ولكن هذا الحديث مما انتقد، ولم يكن له جواب؛ لأن شريكاً انفرد بأمور لم يتابع عليها، فعدت من أوهامه، وقد جمعها ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء، وكذلك أشار إليها الحافظ ابن حجر وذكرها غيره، ومسلم رحمه الله ما أورد حديث شريك، بل أورد حديث أنس، من طريق ثابت البناني، ثم ذكر الإسناد من طريق شريك، ولم يذكر لفظه، بل قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، على حديث ثابت البناني؛ لأنه ما أورد لفظ شريك بن عبد الله بن أبي نمر، بل أورد رواية ثابت البناني عن أنس، وأحال عليها عندما جاء في رواية شريك، ولم يذكر لفظها، وأما البخاري فساقها بلفظ شريك بن عبد الله بن أبي نمر هذا، وصار فيها أوهام اختص بها، فاعتبرت من أغلاطه، وأوهامه، أي: أوهام شريك.
[عن أنس بن مالك].
وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة تميزوا عن غيرهم من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالإكثار من رواية الأحاديث، عنه عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
وهذا الإسناد من رباعيات النسائي؛ لأن أعلى ما يكون عند النسائي الأسانيد الرباعية التي يكون فيها بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وكانت وفاة النسائي سنة ثلاثمائة وثلاث، استكمل القرن الثالث، ومات في أوائل الرابع، وبينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أعلى ما يكون أربعة أشخاص، وهذا من الأسانيد العالية عند النسائي التي هي أعلى ما يكون، والنسائي، ومسلم، وأبو داود أعلى ما عندهم الرباعيات، هؤلاء الثلاثة من الأئمة الستة، أعلى ما عندهم الرباعيات، والبخاري عنده ثلاثيات، اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، بين البخاري، وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام ثلاثة أشخاص، وكانت وفاة البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، والترمذي، عنده حديث واحد ثلاثي، وأما ابن ماجه، فعنده خمسة أحاديث ثلاثية، كلها بإسناد واحد وهو ضعيف؛ لأن الخمسة كلها بإسناد واحد، فإذاً: أصحاب الكتب الستة، ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، البخاري، والترمذي، وابن ماجه، وثلاثة ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، وهم مسلم، وأبو داود، والنسائي.

خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء
شرح حديث: (إن رسول الله خرج إلى المصلى يستسقي ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء. أخبرني محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا المسعودي عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم قال سفيان: فسألت عبد الله بن أبي بكر، فقال: سمعته من عباد بن تميم يحدث أبي: أن عبد الله بن زيد الذي أري النداء قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين )، قال أبو عبد الرحمن: هذا غلطٌ من ابن عيينة، وعبد الله بن زيد الذي أُري النداء هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم].
أورد النسائي: خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء، أي: مصلى العيد، مصلى الاستسقاء أو مصلى العيد، الأماكن التي تكون في الخلاء، وتكون مواضع يصلى بها الاستسقاء، ويصلى بها العيدين، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المصلى وقلب رداءه، وصلى بالناس ركعتين، ففيه الخروج إلى المصلى، وأنه يستحب الخروج إلى المصلى، حيث يحصل التمكن من ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى المصلى للاستسقاء، كما أنه يخرج إلى المصلى للعيدين، ففيه أنه كما يستسقى في خطبة الجمعة، كذلك يستسقى في الخروج إلى المصلى، وإيجاد الصلاة المشروعة للاستسقاء، وحصول الدعاء في الخطبة، كما يدعى في خطبة الجمعة يدعى في خطبة الاستسقاء، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا وهذا، استسقى في خطبة الجمعة، واستسقى في خروجه إلى المصلى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والحديث من رواية عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وليس من رواية عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أُري الأذان، هو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وأما عبد الله بن زيد بن عاصم، فهذا شخص آخر غير ذاك، وهذا مما يسمونه في علم المصطلح المتفق والمفترق، وهي: أن تتفق أسماء الرواة، أو أسماء آبائهم، وتختلف أشخاصهم.
والحديث جاء عند النسائي في هذا الإسناد أنه عبد الله بن زيد الذي أري الأذان؛ ولهذا عقب عليه النسائي: بأن هذا خطأ من ابن عيينة؛ لأن الذي أُري الأذان ليس هذا، وإنما هو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وإنما هذا الذي روى حديث الاستسقاء هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، هذا غير ذاك، ولهذا قال: هذا خطأً من ابن عيينة، أخطأ فنسب هذا الذي روى حديث الاستسقاء أنه عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان، وليس الواقع كذلك، بل الذي أُري الأذان هو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم، الذي يروي عن عباد بن تميم، وهو ابن أخيه لأمه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:27 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله خرج إلى المصلى يستسقي ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو الجواز المكي، ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي، المكي، وهو ثقة، حجة، فقيه، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. يروي عن أبي بكر.
[عن المسعودي].
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي الكوفي، وهو صدوق، اختلط قبل موته، وقال عنه الحافظ: ضابطه أنما حدث عنه في بغداد فبعد الاختلاط، ومن المعلوم أن المختلط: ما حدث عنه بعد الاختلاط، فإنه لا يعول عليه، وما حدث عنه قبل الاختلاط، فهو المعول عليه، وما جهل، هل كان بعد الاختلاط أو قبله؟ فإنه أيضاً لا يعول عليه، ولا يعتمد على شيء مما رواه، إلا إذا عُرِف أنه قبل الاختلاط؛ لأنه يكون بذلك سلم مما حصل له، وهو الاختلاط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي بكر].
هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وقيل: اسمه كنيته أبو بكر، لا يعرف له اسم، بل هذا الذي يعرف به، وقيل: إن كنيته أبو محمد، واسمه أبو بكر، أي: بلفظ الكنية، وكنيته أبو محمد، وقيل: إن كنيته واسمه سواء، فهو أبو بكر اسم وكنية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عباد بن تميم].
هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال سفيان: فسألت عبد الله بن أبي بكر].
ثم ذكر إسناداً آخر عن سفيان يرويه عنه محمد بن منصور، نا سفيان، أخبرنا سفيان، وكلمة (نا) إذا جاءت فهو يشير إلى اختصار أخبرنا، أخبرنا سفيان.
قال سفيان: سألت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ لأن الذي روى عنه في الإسناد السابق هو: أبو بكر، يروي سفيان عن المسعودي عن أبي بكر، وهنا يروي سفيان عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، قال: سألت عبد الله بن أبي بكر:
فقال: سمعته من عباد بن تميم يحدث أبي]، كلمة (عن) زائدة، يحدث أبي؛ لأن الإسناد الذي مضى أبو بكر، يروي عن عباد بن تميم، وهنا عبد الله بن أبي بكر، يروي عن عباد بن تميم، عن الذي يروي عن أبيه، ولكنه سمعه يحدث أباه، كان عباد بن تميم يحدث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعنده ابنه عبد الله، فكل منهما أخذ الحديث، فالحديث جاء من طريقين: من طريق سفيان عن المسعودي عن أبي بكر بن حزم عن عباد بن تميم، والطريق الثانية: سفيان يرويه عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم، أي: أعلى من الطريق السابقة؛ لأن الطريق السابقة بين سفيان وبين عباد شخصان، وهنا بين سفيان، وبين عباد شخص واحد، ومن الطريق الثانية التي أخرجها البخاري كما رواها عن علي بن المديني، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، فهي عالية، أعلى من الطريق الأولى التي فيها المسعودي، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهو يروي عن ابن تميم، وهنا يلتقي الإسنادان؛ لأن الإسنادين التقيا عند عباد بن تميم، وعلى هذا، فأبو بكر بن محمد بن حزم، وابنه عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، كل منهما اشتركا في الرواية عن عباد بن تميم بن غزية المازني.
[عن عبد الله بن زيد بن عاصم].
صحابي مشهور، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهذا اللفظ الذي ورد قال: (سمعته يحدث أبي)، فيه أن الراوي عندما يسمع غيره يحدث غيره، فإنه يمكن أن يروي عنه، ولو لم يكن يحدثه هو، بل سمعه يحدث غيره، فيروي عنه، ولو كان المقصود بالتحديث هو ذاك، أو الذي يحدث الآخر؛ لأن عباد بن تميم يحدث أبا بكر وابنه حاضر، فروى عن عباد بن تميم، وسمعه يحدث أباه، وقد سبق أن مر بنا: أنه لا يلزم في الرواية، أن يكون المحدث أراد أو قصد تحديث الذي يروي عنه، بل إذا سمعه يحدث غيره، فله أن يروي عن غيره، فقد سبق بنا قصة الحارث بن مسكين، مع النسائي، وأن للنسائي مع الحارث بن مسكين حالتان: حالة كان بينه وبينه تراضي، فكان يسمح له بأن يأخذ عنه، وأن يحضر مجلسه، ويحدث عنه، فكان يقول: أخبرنا، يقول النسائي عندما يروي ما كان من هذا القبيل: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وكان في وقت من الأوقات، حصل بينه وبينه شيء من سوء التفاهم والوحشة، فمنعه أن يحضر مجلسه، فكان يأتي، ويجلس وراء الستار، ويسمع الحديث، فيحدث عنه، ولكنه لا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصد إخباره، وإنما يقول: الحارث بن مسكين، قراءةً عليه وأنا أسمع، وقد سبق أن مر بنا قريباً الإسناد الذي فيه من هذا القبيل، والذي قال فيه أبو بكر بن السني: قال أبو عبد الرحمن، قال: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع؛ لأن هذه الحالة من الحالات التي ما كان أُذن له، لكن من حيث الرواية يجوز لمن سمع محدثاً يحدث أن يأخذ عنه، يقول: سمعت فلان يقول: كذا وكذا، أو قال: فلان كذا، وإن لم يقصد تحديثه، ما دام أنه وجد السماع، وحصل السماع، فهنا يقول: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي، ما كان يحدثه وإنما يحدث أباه، وهو روى بالإسناد، وهو الذي اعتمده البخاري، وهي رواية عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن تميم، وأنه سمعه يحدث أباه.

الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها إذا خرج
شرح حديث: (خرج رسول الله متضرعاً متواضعاً متبذلاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور ومحمد بن المثنى عن عبد الرحمن عن سفيان عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: أرسلني فلان إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء؟ فقال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متضرعاً، متواضعاً، متبذلاً، فلم يخطب نحو خطبتكم هذه، فصلى ركعتين)].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: باب الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها إذا خرج، وكذلك غيره يخرجون كذلك؛ لأن الأشياء التي يفعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام يقتدى به فيها، إلا إذا عرف أنها من خصائصه، فعند ذلك لا يتابعه غيره في ذلك، والحال التي يكون عليها كونه يخرج متواضعاً، متخشعاً، متبذلاً، أي: لا يكون لابساً الألبسة التي فيها الهيئة والجمال والزينة، هذا هو معنى التبذل، وكونه متبذلاً، هذا بيان للحالة، أو مقصود الحالة التي يكون عليها عندما يخرج في الاستسقاء.
ثم أورد النسائي حديث ابن عباس أن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال: أرسلني فلان إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، وهنا أبهمه وقال: فلان، وهذا يسمى المبهم، وهو: أن يقال: فلان أو يقال: رجل، وأما المهمل أن يذكر اسمه، ولكنه لا ينسب، مثلما إذا قيل: سفيان، ولم يقال: ابن عيينة، ولا الثوري، هذا يقال له: مهمل، وأما إذا ذكر شخص بغير لفظ يدل عليه، ليس فيه ذكر اسمه، وإنما قيل: رجل، أو فلان، أو امرأة، أو ما إلى ذلك، هذا يسمى المبهم، وقد جاء في بعض الروايات، أنه الوليد بن عقبة أمير المدينة أرسله إلى ابن عباس يسأله؛ ولهذا جاء في بعض الروايات عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة أنه قال: سألت ابن عباس، وفي بعضها قال: أرسلني فلان إلى ابن عباس أسأله، وكلها صحيحة؛ لأنه هو الذي سأله، وتولى المباشرة للسؤال؛ ولهذا قال: سألته، وقد أُرسل ليسأل، فكونه أرسله، وفي بعضها أنه قال: إني سألته ولم يقل: أرسلني، فالنتيجة واحدة، هو: وجود السؤال منه، ولكنه مندوباً عن غيره أو موكلاً في السؤال ليسأل ابن عباس، فسأله، فأجابه بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج (متضرعاً، متواضعاً، متبذلاً، فلم يخطب نحو خطبتكم هذه، فصلى ركعتين).
قوله: [(فصلى ركعتين)].
والمقصود هنا بيان الهيئة التي يكون عليها، وهو إنه متضرع، متواضع، متبذل، وهو المقصود من إيراد هذا الحديث، والحديث، سيأتي من طرق أخرى، وفيه أنه دعا، واستسقى عليه الصلاة والسلام.

تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رسول الله متضرعاً متواضعاً متبذلاً ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور ومحمد بن المثنى].هو المروزي الملقب بـالكوسج، وهو ثقة، حافظ، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود، والذين في الكتب الستة ممن يقال له: إسحاق بن منصور شخصان، هذا الذي هو: الكوسج، وإسحاق بن منصور السلولي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومحمد بن المثنى].
هو العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، ومثله محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن].
هو ابن مهدي البصري، ثقة، ناقد، عالم بالرجال والعلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، إمام، حجة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة].
هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، وهو مقبول، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[قال: أرسلني فلان إلى ابن عباس].
هو يروي عن ابن عباس؛ لأنه هو الذي سأل ابن عباس أما فلان الذي لم يذكره، سواءً عرف، أو لم يعرف؛ لأنه ليس من رواة الإسناد؛ لأن الإسناد: هو إسحاق يروي عن ابن عباس، وهو الذي سأله، وهو الذي حدث عن ابن عباس، وإنما ذاك هو كان السبب في السؤال، أو هو الذي أرسل من أجل السؤال، وهو الذي سأله والذي أجابه، أجاب ابن عباس فسمع الجواب، فهو يحدث عن ابن عباس، وقد سمع منه الجواب الذي أجاب به عندما سئل عن الهيئة، أو الحالة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خرج يستسقي.
وعبد الله بن عباس، هو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحديث من رواية هشام بن إسحاق، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وجاء من طرق أخرى ما تشهد له، فهو حديث ثابت، ومعتبر؛ لأنه قد توبع على ذلك، ووجد ما يعضده، والمقبول حديثه يقبل إذا اعتضد، وإذا جاء ما يشهد له.
شرح حديث: (أن رسول الله استسقى وعليه خميصة سوداء ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز عن عمارة بن غزية عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء)].أورد النسائي هذا الحديث عن عبد الله بن زيد بن عاصم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة سوداء)، فهذا يبين الهيئة التي كان عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، والخميصة هي: كساء، وهنا قال: سوداء، فهذا يبين اللباس الذي كان على رسول الله عليه الصلاة والسلام لما خرج يستسقي، الحديث الأول بين أنه كان متخشعاً، متضرعاً، متواضعاً، متبذلاً وهنا قال: (عليه خميصة سوداء).

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله استسقى وعليه خميصة سوداء ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[حدثنا عبد العزيز].
هو ابن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة بن غزية].
لا بأس به، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وكلمة لا بأس به كما ذكر ذلك الحافظ في التقريب تعادل صدوق، ومثلها لا بأس به، وليس به بأس، هذه في درجة واحدة، وهي دون الثقة، ممن يكون حديثه إذا انفرد حسناً لذاته.
[عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد].
وقد مر ذكرهما.

باب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء

شرح حديث: ( خرج رسول الله متبذلاً متواضعاً متضرعاً فجلس على المنبر ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء. أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: (سألت ابن عباس عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء؟ فقال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً متضرعاً، فجلس على المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: جلوس الإمام على المنبر في الاستسقاء، أي: كون الاستسقاء فيه خطبة، تشتمل على الذكر والدعاء وطلب السقي، وقد أورد فيه النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي فيه: أن إسحاق بن عبد الله بن كنانة سأل ابن عباس، وهنا قال: سألت ابن عباس، وهناك قال: أرسلني فلان أسأل ابن عباس، وهنا ما ذكر المرسل، وإنما قال: إنني سألت ابن عباس، فقال: (إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج متواضعاً، متضرعاً، متبذلاً، فجلس على المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، وصلى ركعتين كصلاة العيد)، وهذا فيه بيان أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين، وهنا قال: جلس على المنبر، ويحتمل أن يكون المقصود: من ذلك كونه كان على المنبر وخطب، ويحتمل أن يكون الجلوس المعروف من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب قائماً، أن خطبه التي تكون في المجامع العامة مثل الجمع، ومثل التي يجتمع فيها الناس، أنه يكون قائماً حتى يراه الناس صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهنا قال: جلس فيحتمل أن يكون المقصود: بالجلوس معناه، وأنه جلس على المنبر، وأن يكون أنه صار على المنبر وخطب الناس.
تراجم رجال إسناد حديث: ( خرج رسول الله متبذلاً متواضعاً متضرعاً فجلس على المنبر...)

قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد].
هو محمد بن عبيد بن محمد المحاربي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا حاتم بن إسماعيل].
صدوق يهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن إسحاق عن أبيه عن ابن عباس].
وقد مر ذكر الثلاثة. فهشام مقبول، حديثه عند أصحاب السنن الأربعة، وأبوه صدوق، حديثه عند أصحاب السنن الأربعة.

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:29 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الإستسقاء)
(278)

(باب تحويل الإمام ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء) إلى (باب كيف يرفع يديه في الاستسقاء؟)


شرع للمسلم عند انقطاع المطر أن يصلي صلاة الاستسقاء، وقد كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يفعلها؛ فكان إذا خطب بالناس استقبل القبلة ودعا، وحول ظهره ورداءه، ورفع يديه حتى يرى بياض إبطيه.
تحويل الإمام ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء

شرح حديث: (خرج مع رسول الله يستسقي فحول للناس ظهره ودعا ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تحويل الإمام ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء.
أخبرني عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم أن عمه حدثه أنه: (خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي، فحول رداءه وحول للناس ظهره ودعا، ثم صلى ركعتين فقرأ فجهر)].
يقول النسائي رحمه الله: باب تحويل الإمام ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء. ويريد بهذه الترجمة رحمه الله تعالى أن الإمام عندما يخطب الناس ويذكرهم في الاستسقاء يتحول إلى القبلة، ويحول رداءه إذا أراد أن يدعو، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه: [أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فحول رداءه وحول للناس ظهره ودعا، ثم صلى ركعتين وقرأ فجهر]. فالحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف من جهة أنه يستقبل القبلة، ويستدبر المأمومين، ويدعو، وعند هذه الحال يحول رداءه، فيجعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين. ففيه: مشروعية التحول إلى القبلة، واستقبالها في الدعاء. وفيه: تحويل الرداء؛ وجعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين بدون تنكيس، وإنما بتحويل ما يكون على اليمين على الشمال، وما كان على الشمال على اليمين. وفيه: أن صلاة الاستسقاء ركعتين، وأن فيها قراءة، ويجهر بالقراءة، وصلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد. وفيه: أنه بعدما استسقى ودعا، وحول إلى الناس ظهره، وحول رداءه، أنه صلى ركعتين.
وهذا قد يفهم منه أن صلاة الاستسقاء إنما تكون بعد الدعاء، وبه قال بعض العلماء، ومنهم من يقول: بأن صلاة الاستسقاء تقدم على الخطبة كما يكون في العيدين، ومعلوم أن الحديث الذي فيه عن أبي سعيد الخدري، وإنكاره على مروان أنه قدم الخطبة على الصلاة، فهذا اللفظ في هذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أن صلاة الاستسقاء تؤخر فيها الصلاة عن الدعاء والخطبة، ومن العلماء من قال: إن الصلاة تقدم كما هو بالنسبة للعيدين، ولكن هذا الذي جاء في هذا الحديث يدل على الجواز.
تراجم رجال إسناد حديث: (خرج مع رسول الله يستسقي فحول للناس ظهره ودعا ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان]. هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. أي: أخرج له أصحاب السنن إلا الترمذي.
[حدثنا الوليد].
هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، المشهور بـابن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي وزهرة أخوان، وهما أبناء كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، وأيضاً مشهور بالنسبة إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو جد جده، والزهري محمد بن مسلم ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بتدوين السنة، وفيه يقول السيوطي في الألفية:
أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب آمر له عمر
والمراد بالتدوين: التدوين بتكليف من ولي الأمر، وإلا فإن التدوين بجهود فردية، وبأعمال شخصية كان موجوداً من قبل، فإن الصحابة فيهم من كان يكتب، وكذلك في التابعين قبل خلافة عمر بن عبد العزيز، ولكن الذي فعله عمر هو اجتهاد السلطان ولي الأمر، وتكليفه لبعض الناس بأن يقوم بجمع السنة، وكان عمر بن عبد العزيز قد كلف الزهري بهذه المهمة العظيمة.
[عن عباد بن تميم].
هو عباد بن تميم المازني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن عمه].
هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري، وهو عمه أخو أبيه لأمه؛ أخو تميم لأمه، فهذه هي جهة العمومة التي بينه وبينه، وقد مر في الأحاديث التنصيص على اسمه، وهو أنه يروي عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وهنا قال: عن عمه، والمراد به: عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو صحابي مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

تقليب الإمام الرداء عند الاستسقاء
شرح حديث: (أن النبي استسقى وصلى ركعتين وقلب رداءه) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله: [تقليب الإمام الرداء عند الاستسقاء.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وصلى ركعتين، وقلب رداءه)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي تقليب الإمام الرداء عند الدعاء عند الاستسقاء، والمراد من هذه الترجمة: تحويل الرداء بحيث يكون ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه الذي تقدم، ولكنه أورده من طريق أخرى، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج للاستسقاء صلى ركعتين، وحول رداءه ودعا.
وقيل: إن هذا العمل فيه تفاؤل بأن يقلب الله من حال إلى حال؛ أي: من حال الجدب والقحط إلى الخصب والرخاء، والحديث دال على ما ترجم له المصنف من التحويل، وقلب الرداء، وجعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي استسقى وصلى ركعتين وقلب رداءه) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا قتيبة]. هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هنا غير منسوب، وهو يسمى المهمل في علم المصطلح؛ كونه يذكر الشخص ولا ينسب، فيكون محتملاً لعدة أشخاص، وسفيان هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة لا يروي إلا عن ابن عيينة، ولا يروي عن الثوري، ليس له روايةً عن الثوري، وليس الثوري من مشايخه، والثوري متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة مائة وواحد وستين، وقتيبة ولد سنة مائة وخمسين في السنة التي مات فيها أبو حنيفة، وولد فيها الشافعي، وأما سفيان بن عيينة فكانت وفاته بعد التسعين ومائة؛ مائة وسبع وتسعين، أو قريب من ذلك، فهو عندما يأتي قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة، ولا يراد به الثوري، فالإهمال ليس فيه إشكال ولا فيه لبس؛ لأن قتيبة ليس من مشايخ الثوري، بل من مشايخ ابن عيينة، وسفيان بن عيينة الهلالي المكي ثقة، ثبت، حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي بكر].
هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عباد بن تميم].
قد سبق أن مر بنا هذا الإسناد، وأن سفيان روى الحديث من طريقين: من طريق عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم، ومن طريق أبي بكر الذي هو والد عبد الله، وكل من أبي بكر وابنه عبد الله يرويان عن عباد بن تميم، وعباد بن تميم وعمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني مر ذكرهما.


متى يحول الإمام رداءه
شرح حديث: (خرج رسول الله فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة ...) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله: [متى يحول الإمام رداءه. أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عباد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة)].
أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي متى يحول رداءه في الاستسقاء؟ أي: ما هو الوقت الذي يحول فيه الرداء؟ أو ما هي الحالة التي يحول عندها الرداء؟ وأورد فيه حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني من طريق أخرى، وفيه أنه استسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة؛ أي: أنه عندما استقبل القبلة وتحول من جهة المأمومين إلى جهة القبلة، وحول إليهم ظهره، في تلك الحال حول رداءه، إذاً: حول رداءه عندما استقبل القبلة، وولى ظهره للمأمومين، فهذه هي الحال التي تحول فيها الرداء، أو الوقت الذي يحول فيها الرداء، بحيث يجعل ما على اليمين على الشمال، وما على الشمال على اليمين.
تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رسول الله فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة ...) من طريق ثالثة

قوله: [أخبرنا قتيبة].
مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، الإمام المشهور، أحد الثقات الأثبات، الذي قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: رأس المتقنين؛ أي: أنه قمة في الإتقان والحفظ، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
ومذاهب أهل السنة أربعة، ليس من مذاهب أهل الحق سوى هذه الأربعة، التي تنتسب إلى السنة، وليس وراءها مذاهب أخرى؛ كمذاهب المبتدعة الآخرين الذين يقولون: إن مذاهبهم مثل مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، لا، ليس الأمر كذلك، بل هذه مذاهب أهل السنة، أي: الأئمة الذين جمعت مذاهبهم وأقوالهم، ولا يعني ذلك أن غيرهم من الأئمة والعلماء ليسوا من أهل الاجتهاد، وليسوا من أهل العلم، بل ما أكثر العلماء في زمانهم، وقبل زمانهم، الذين هم مثلهم، ولكن الفرق بين هؤلاء وغيرهم: أن هؤلاء حصل لهم أتباع عنوا بفقههم، وتركيبه، وتنظيمه، وأما غيرهم فما حصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء، وإلا فإن الكل أئمة أجلة منهم: سفيان الثوري، ومنهم إسحاق بن راهويه، ومنهم الليث بن سعد، ومنهم الأوزاعي، فهم أئمة كثيرون، وهم من أهل الاجتهاد، وأهل الفقه.
وإنما قيل لهذه المذاهب الأربعة: المذاهب الأربعة؛ لأن الأئمة الأربعة حصل لهم أتباع عنوا بفقههم، ولكن لا يعني أن الحق لا يعدوهم، وأنه يجب أو يلزم تقليد واحد منهم، بل الواجب هو البحث عن الحق، والبحث عن الدليل، والسؤال عن الدليل، وهذا به الأخذ بوصايا الأئمة الأربعة؛ لأن كل واحد منهم حث على أن تتبع السنة، وإذا وجد له قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فإن العبرة بالحديث وليس بقوله.
فكل واحد من الأئمة جاء عنه نصوص جميلة، نصوص واضحة جلية يوصون بها باتباع السنن، والأخذ بما ثبتت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكان مما نقل عن الإمام الشافعي رحمة الله عليه أنه قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، لكن لا يعني هذا أن يحصل جفاء للأئمة، وإعراض عن فقههم، والنيل منهم، أبداً، وإنما الواجب هو محبتهم، والثناء عليهم، وتقديهم، وإجلالهم، والاستفادة من علمهم، ومعرفة أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، من اجتهد منهم فأصاب فله أجران: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة، ومن اجتهد منهم فأخطأ، فخطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده، هذا هو الواجب في حق الأئمة، لا غلو، ولا جفاء، لا يقال: إن مذهب فلان هو الحق الذي لا شك فيه، وأنه هو الذي معه الدليل، وأنه هو قوله الذي يعتمد وغيره ليس كذلك، لا يقال هذا، وإنما يقال: كل واحد منهم يخطئ ويصيب، فالحق وسط بين الإفراط والتفريط، فطرفا الحق وسط بينها، هذا هو الواجب في حق الأئمة رحمة الله عليهم.
ولهذا يقول الطحاوي رحمة الله عليه في عقيدة أهل السنة: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. فقوله: فأهل الخبر والأثر -الذين هم المحدثون- أو من أهل الفقه والنظر -الذين هم الفقهاء- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
ثم إن الذي يذكرهم بسوء، ويجفو فيهم، ويتكلم فيهم بما لا ينبغي، هذا لا يضرهم شيء، وإنما يضر نفسه، ويجني على نفسه، ويجلب الإثم على نفسه، وإنما الحق هو الاعتدال والتوسط؛ محبتهم، وتقديرهم، وإجلالهم، والرجوع إلى كتبهم، والاستفادة من علمهم.
والإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه كان يحدث في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان مما قاله: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المعصوم، هو الذي لا بد من توحيده في المتابعة.
ويقول شارح الطحاوية: إن هناك توحيدين لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول، وتوحيد المرسل، توحيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، وتوحيد المرسل وهو الله عز وجل بالعبادة، وإخلاص العبادة لله عز وجل، وهذا هو معنى الكلام المأثور عن بعض العلماء: أن دين الإسلام مبني على ركنين أساسيين لا بد منهما: أن تكون العبادة لله خالصة، وأن تكون لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام موافقة، وهذا هو معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، وذلك بإخلاص العبادة لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، فهو الذي يجب اتباعه، والأخذ بما جاء عنه، وأن الحق معه، وأنه هو المعصوم عليه الصلاة والسلام، إذاً: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول، وتوحيد المرسل؛ توحيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، وتوحيد المرسل -وهو سبحانه وتعالى- بإفراده بالعبادة وحده لا شريك له.
[عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم].
قد مر ذكرهم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:32 PM
رفع الإمام يده
شرح حديث: (رأى رسول الله في الاستسقاء ... ورفع يديه) من طريق الرابعة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع الإمام يده.أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو تقي الحمصي حدثنا بقية عن شعيب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله تعالى عنه أنه: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء استقبل القبلة، وقلب الرداء، ورفع يديه)].
النسائي أورد هذه الترجمة، وهي رفع اليدين في الاستسقاء؛ أي: أنه يرفع يديه في الاستسقاء عندما يدعو، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه من طريق أخرى، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين استسقى قلب رداءه، واستقبل القبلة، ورفع يديه، ففيه دليل على رفع اليدين في الاستسقاء في الدعاء، وأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه بذلك، وهذا من المواطن التي ترفع فيها الأيدي في الدعاء، وفيه أيضاً الذهاب إلى المصلى، وكان لا يرفع يديه في خطبة الجمعة عليه الصلاة والسلام، ولكنه عندما استسقى في الجمعة، وفي خطبة الجمعة، رفع يديه، فدل هذا على أنه عند الاستسقاء، سواءً كان في خطبة الجمعة، وسواءً كان ذلك في الدعاء في المصلى، فترفع الأيدي، وأن ذلك سنة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (رأى رسول الله في الاستسقاء ... ورفع يديه) من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو تقي الحمصي].صدوق ربما وهم، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا بقية].
هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن شعيب].
هو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه].
هؤلاء الثلاثة مر ذكرهم.
كيف يرفع
شرح حديث: (... فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض أبطيه)
قال المصنف رحمه الله: [كيف يرفع.أخبرنا شعيب بن يوسف عن يحيى بن سعيد القطان عن سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه)].
أورد النسائي هذه الترجمة: كيف يرفع؛ أي: كيف يرفع اليدين في الاستسقاء، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم رافعاً يديه إلا في الاستسقاء، فإنه رفعهما حتى رؤي بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على ثبوت رفع اليدين في الاستسقاء، وعلى بيان الكيفية، وأنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه.
وقوله: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستسقاء] أي: هذا فيه نفي رفع اليدين في غير الاستسقاء، ولكنه قد جاء في أحاديث كثيرة ثبوت رفع اليدين في مواضع، فيمكن أن يوفق بين ما جاء في هذا الحديث، وبين ما جاء في غيره: أن أنساً رضي الله تعالى عنه قال: [كان لا يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستسقاء أن النفي] هنا على اعتبار علمه، وأنه لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وغيره علم رفع اليدين في مواضع جاءت في الأحاديث المختلفة المتعددة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيحمل النفي على حسب علمه، ولا ينافي كون غيره أثبت ذلك، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فيحمل على هذا.
أو يحمل على أن أنساً رضي الله عنه لم يرد بقوله: [كان لا يرفع يديه]، مجرد الرفع، وإنما أراد الوصف الذي أشار إليه بقوله: [فإنه كان يرفعهما]، أي: أنه يبالغ في رفعهما، فيكون النفي محمولاً على نفي الصفة الخاصة، وليس لمجرد الرفع، وبهذا يوفق بين هذا الحديث وغيره من الأحاديث، ثم أيضاً دعاء الاستسقاء جاء فيه صفة تخصه، فلعل هذا أيضاً مما أشار إليه أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عندما يرفع يديه في الأدعية المختلفة فيجعل بطونها إلى السماء، وأما في الاستسقاء فإنه يجعل ظهورها إلى السماء وبطونها إلى الأرض، فتكون على هذا الدعاء في الاستسقاء ورفع اليدين في الاستسقاء، له خصيصة يتميز بها عن سائر الأدعية، وذلك أنه لم يثبت في حديث من الأحاديث أن ظهور الأكف تكون إلى السماء، وبطونها إلى الأرض إلا في الاستسقاء، فيكون هذا مما لم يحصل، ولم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا في الاستسقاء، فتكون الهيئة الخاصة هي التي أشار إليها أنس بن مالك رضي الله عنه؛ أي: المبالغة في الرفع.
ولعل آخر الحديث يشعر إلى ما أراده أنس بن مالك من النفي؛ لأن قوله: [فإنه كان يرفع حتى يرى بياض إبطيه]، يوضح أنه يقصد أن النفي لهذه الهيئة، وإلا كان يمكنه أن يقول: أنه ما كان يرفع يديه إلا في الاستسقاء، ولكنه قال: فإنه كان يرفع حتى كذا، إذاً هو يشير إلى هيئة خاصة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه)
قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف]. هو النسائي، أي: هو من بلد النسائي، وهو شيخ النسائي، وهو من أهل بلده، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن يحيى بن سعيد القطان].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو محدث، ثقة، ثبت ،ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وكلامه في الرجال كثير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، كثير التدليس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهو من أثبت الناس في قتادة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث آبي اللحم: (أنه رأى رسول الله عند أحجار الزيت يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن يزيد بن عبد الله عن عمير مولى آبي اللحم عن آبي اللحم رضي الله تعالى عنه أنه: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو)].أورد النسائي حديث آبي اللحم الغفاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام: [أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحجار الزيت يستسقي وهو مقنعٌ يديه يدعو]، يعني: رافع يديه يدعو، فالشاهد للترجمة قوله: [يكفيه يدعو] وهو مقنع.
تراجم رجال إسناد حديث آبي اللحم: (أنه رأى رسول الله عند أحجار الزيت يستسقي وهو مقنع بكفيه يدعو)
قوله: [أخبرنا قتيبة].
قد مر ذكره.
[حدثنا الليث].
هو ابن سعد المصري، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد بن يزيد].
هو الجمحي المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن أبي هلال].
هو مصري أيضاً، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن عبد الله].
هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، وهو ثقة مكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو كثيراً ما يأتي ذكره منسوباً إلى جده الهاد، فيقال: ابن الهاد، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأحاديث: ابن الهاد، وأحياناً يأتي ذكره باسمه واسم أبيه، كما جاء هنا..
[عن عمير مولى آبي اللحم].
هو صحابي شهد خيبر، وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن آبي اللحم].
آبي اللحم، كلمة (آبي) هذه على وزن فاعي؛ أبى يأبى فهو آب على وزن فاعي آبي، وهو بمعنى: من يأبى الشيء لا يريده، ويمتنع منه، ويقال له: آبي اللحم، يعني إنه لا يريد اللحم، أو ممتنع عن اللحم، وقالوا في سبب تسميته: أنه كان يأبى اللحم الذي يذبح للأصنام، فقيل له: آبي اللحم، وصار لقباً له، واسمه خلف، وقيل: غير ذلك، وهو غفاري، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

شرح حديث: (فرفع يديه حذاء وجهه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن سعيد وهو المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه سمعه يقول: (بينا نحن في المسجد يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! تقطعت السبل، وهلكت الأموال، وأجدب البلاد، فادع الله أن يسقينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حذاء وجهه، فقال: اللهم اسقنا! فوالله ما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر حتى أوسعنا مطراً، وأمطرنا ذلك اليوم إلى الجمعة الأخرى، فقام رجلٌ لا أدري هو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: استسق لنا أم لا، فقال: يا رسول الله! انقطعت السبل، وهلكت الأموال من كثرة الماء، فادع الله أن يمسك عنا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا، ولكن على الجبال، ومنابت الشجر، قال: والله ما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئاً)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: [أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، وطلب منه أن يستسقي، فرفع يديه قبل وجهه، واستسقى]، ومحل الشاهد قوله: [حذاء وجهه]؛ لأن فيه كيفية رفع اليدين، أو الدلالة على ما ترجم له، وهي: كيف يرفع، ثم إن الله أنزل المطر، وهم في المسجد، واستمر المطر إلى الجمعة الأخرى، حتى لما كان يخطب في الجمعة الثانية، وإذا رجل يقول: [ادع الله أن يمسك السماء عنا]، وقال: [لا أدري هل هو الرجل الأول أو غيره؟] فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [اللهم حوالينا ولا علينا، ولكن على الجبال، ومنابت الشجر]، فهذا فيه الأدب في الدعاء، ما قال: اللهم أمسك عنا الماء، وإنما قال: [اللهم حوالينا ولا علينا]، يعني: المطر يبقى وينزل، ولكنه ما يكون على بلدنا، وإنما يكون في البراري والفلوات، وعلى منابت العشب، وعلى بطون الأودية والآكام، ومنابت الشجر، فهذا هو الأدب مع الله عز وجل، وكون الإنسان لا يستغني عن رحمة الله، وعن فضل الله، لا يطلب رفعه، ولكنه يقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على بطون الأودية، ومنابت الشجر.
فتقطع السحاب، وتقشع، وصارت السماء صحواً بعد أن دعا رسول الله عليه الصلاة والسلام في الجمعة الثانية، والحديث سبق أن مر، ولكنه أورده هنا من أجل الاستدلال به على الرفع، وأنه قبل وجهه عندما رفع يديه يستسقي في خطبة الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث (فرفع يديه حذاء وجهه ...)
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].
هو التجيبي المصري، ولقبه زغبة، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[أخبرنا الليث].
قد مر ذكره.
[عن سعيد وهو المقبري].
سعيد هو ابن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر].
شريك بن عبد الله بن أبي نمر صدوق يخطئ، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه]
قد مر ذكره.

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:35 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الإستسقاء)
(279)
- (باب ذكر الدعاء) إلى (باب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء)


ذكر الدعاء

شرح حديث: (أن رسول الله قال: اللهم اسقنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الدعاء.أخبرنا محمد بن بشار حدثني أبو هشام المغيرة بن سلمة حدثني وهيب حدثني يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم اسقنا)].
يقول النسائي رحمه الله: ذكر الدعاء، أي: ذكر الدعاء في الاستسقاء، أي: صيغته ولفظه، أو ما ورد فيه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من الأدعية، هذا هو المقصود بهذه الترجمة، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام استسقى فقال: (اللهم اسقنا).
قوله: (اللهم اسقنا)، هذا دعاء، وهو دعاء بطلب السقيا، وهذا هو الذي يطابق، ويوافق الاستسقاء؛ لأن الاستسقاء هو: طلب السقيا، كما أن الاستغفار طلب المغفرة، وما إلى ذلك، فالألف والسين والتاء تدل على الطلب، فالاستسقاء هو طلب السقيا.
والسقيا: الغيث، ونزول المطر، الذي منه يشرب الناس، وتشرب دوابهم، وينبت النبات، وينبت فيه العشب والكلأ الذي يكون للمراعي، وينبت فيه الزرع الذي هو قوت الناس، فكل هذا يدخل تحت هذا الطلب الذي هو: (اللهم اسقنا).
و(اللهم) هي بمعنى يا الله، ولكن الياء حذفت من الأول، وعوض عنها الميم التي في الآخر، فيقال: اللهم، يعني بدل (يا ألله اسقنا)، (اللهم اسقنا)، فيا اللهم اسقنا بمعنى: يا الله.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قال: اللهم اسقنا)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو البصري، الملقب بندار، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وبدون واسطة، وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ويشاركه في سنة الوفاة، وفي كونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى العنزي، فهؤلاء ثلاثة ماتوا في سنة واحدة، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو هشام المغيرة بن سلمة].
هو بصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني وهيب].
هو ابن خالد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني يحيى بن سعيد].
هو الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن أنس بن مالك.
وأنس بن مالك من صغار الصحابة، الذين عمروا وأدركهم صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي روى عنه البخاري الحديث الأول في صحيحه: (إنما الأعمال بالنيات)، الذي هو فرد إلى يحيى بن سعيد؛ لأنه رواه عن عمر رضي الله عنه، ورواه عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وهو من كبار التابعين، ورواه عن علقمة بن وقاص الليثي محمد بن إبراهيم التيمي، وهو من أوساط التابعين، ورواه عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو من صغار التابعين، فالحديث اجتمع فيه ثلاثة من التابعين: واحد من الكبار، وواحد من أوساطهم، وواحد من صغارهم.
[عن أنس بن مالك].
وأما أنس بن مالك رضي الله عنه فهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، خدمه عشر سنوات، منذ قدم رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة حتى توفاه الله، وأكثر من الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء سبعة، عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين.

شرح حديث: (اللهم أسقنا) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر سمعت عبيد الله بن عمر، وهو العمري عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام إليه الناس فصاحوا فقالوا: يا نبي الله! قحطت المطر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، قال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، قال: وأيم الله ما نرى في السماء قزعةً من سحاب، قال: فأنشأت سحابة فانتشرت، ثم إنها أمطرت، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى وانصرف الناس، فلم تزل تمطر إلى يوم الجمعة الأخرى، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه فقالوا: يا نبي الله! تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، فادع الله أن يحبسها عنا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فتقشعت عن المدينة، فجعلت تمطر حولها، وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل)].هنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، الذي فيه استسقاء الرسول عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة، وأنه كان يخطب، فطلب منه الناس أن يستسقي، وأن يطلب من الله عز وجل أن يسقيهم، وأن ينزل عليهم الغيث؛ لأنه قد حصل القحط، وانقطاع السبل، وهلاك الأموال بسبب قلة الأمطار التي يحصل معها الجدب، وعدم النبات في الأرض، فلا يستطاع أن يسافر على الإبل، لوجود الجدب في الطريق، وعدم وجود شيء يقيتها وينفعها، فاستسقى عليه الصلاة والسلام في خطبته، ثم أنزل الله عز وجل المطر، وتجمعت السحاب، واستمر نزول المطر إلى الجمعة الثانية، ولما خطب عليه الصلاة والسلام في الجمعة الثانية، طلبوا منه أن يسأل الله عز وجل أن يحبس المطر عنهم، وقالوا: إنها تهدمت البيوت، أي: من كثرة المطر، فسأل الله عز وجل أن يجعلها حواليهم ولا عليهم، فقال: (اللهم حوالينا ولا علينا)، وهذا من آدابه عليه الصلاة والسلام في السؤال، فلم يسأل الله عز وجل أن يمسك الماء، وأن يحبس الماء عنهم، وإنما طلب منه أن يصرف ذلك عن المدينة، وعن بيوتها وبنائها، وأن يكون ذلك في منابت الشجر، وفي بطون الأودية، وحواليهم ولا عليهم، فانقشعت تلك السحب، وتمزق السحاب وتفرق، وصار يمطر حوالي المدينة، ولا يمطر عليها، وصار الذي فوق المدينة صحو، والذي حواليها سحاب يمطر، حتى قال: (فنظرت إليها وإذا هي مثل الإكليل)، الإكليل هو: المحيط بالشيء، ويكون في وسط الدائرة، أي: أن السحاب صارت حوالي المدينة، من جميع جوانبها كالدائرة حولها، والمدينة ليس عليها شيء من السحاب، وهذا هو المقصود بالإكليل، ولهذا يقال لما يوضع على الرأس مما يحيط بجوانبه: إكليل، وكذلك يقال في الورثة: (كلالة) الذين هم من ليس له ولد ولا والد، قالوا: لأن الورثة أحاطوا به كإحاطة الإكليل؛ لأنهم ليسوا من أصول ولا فروع، وإنما هم حواشي وجوانب أحاطوا به من جهاته المختلفة، شاركوا الميت في أبيه، أو في أبي أبيه، فصاروا محيطين به.
وفي هذا الحديث بيان أن الصحابة سألوا منه عليه الصلاة والسلام الدعاء، وأن يستسقي، وفي بعض الطرق التي تقدمت، والتي ستأتي أنه شخص واحد الذي طلب الدعاء، وطلب الاستسقاء من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيحتمل أن يكون واحد بدأ، والباقون تكلموا معه مؤيدين ومقرين بما طلب، وأن هذا هو الواقع، فيكون نسب إلى الشخص في بعض الأحيان؛ لأنه هو الذي بدأ هذا، ونسب إلى الجميع؛ لأنهم وافقوه، وأقروه، ولم يعترضوا عليه؛ لأن هذا أمر مشترك، وحاجة الجميع إليه، والقحط قد حصل، وهم يطلبون الغيث والاستسقاء، فيكون هذا هو التوفيق بين ما جاء في بعض الروايات، من ذكر الواحد، وما جاء في بعضها، من ذكر الجماعة.

تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم أسقنا) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].
هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وقد مر ذكر محمد بن عبد الأعلى يروي كثيراً عن خالد بن الحارث البصري، لعل جلَّ ما ورد أو إن جل ما ورد فيه محمد بن عبد الأعلى، يروي عن خالد بن الحارث البصري، لكنه يأتي يروي عن غيره كما هنا.
[حدثنا المعتمر].
هو ابن سليمان بن طرخان التيمي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وليس في رجال الكتب الستة، من يسمى (معتمراً) سواه، فهو الذي يسمى بهذا الاسم وحده، ممن هم من رجال الكتب الستة، أما بالنسبة لغير الرواة، يعني مثل الآباء، فهناك منصور بن المعتمر، وهو كوفي من طبقة الأعمش.
[سمعت عبيد الله بن عمر وهو العمري].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ينتهي نسبه إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويقال له: العمري، وكلمة (العمري) هذه ليست مما جاء عن المعتمر بن سليمان، بل الذي أتى بها هو من دون المعتمر بن سليمان، أتى بها للتوضيح والبيان، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، هو الذي يقال له: المصغر؛ لأن له أخاً اسمه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، ويقال له: المكبر، ذاك ضعيف، وأما المصغر فهو ثقة.
وحديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم ذكره.

شرح حديث: (اللهم أغثنا) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا شريك بن عبد الله عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحابة ولا قزعة، وما بيننا وبين سلعٍ من بيت ولا دار، فطلعت سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت وأمطرت، قال أنس: ولا والله ما رأينا الشمس سبتاً، قال: ثم دخل رجلٌ من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله! عليك، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: سألت أنساً: أهو الرجل الأول؟ قال: لا)].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه من طريق أخرى، وقد تقدم هذا الحديث الذي فيه ذكر السؤال من رجل دخل المسجد، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي، وقد تقدم ذكره فيما يتعلق برفع اليدين في الاستسقاء، وفي الدعاء في الاستسقاء، وهنا أورده لبيان الدعاء الذي كان يدعو به رسول الله عليه الصلاة والسلام في الاستسقاء، ومنه قوله: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وقد مر فيما مضى أنه قال: [(اللهم اسقنا)]، وأنشأ الله عز وجل سحابة، وما كان في السماء من سحابة ولا قزعة، وهي: القطع الصغيرة من السحاب، فأنشأ الله سحابةً مثل الترس، قيل: إن التشبيه إنما هو في الاستدارة والكثافة، وقيل: إنه في الصغر، أي: في صغرها، وإنها سحابة صغيرة مستديرة مثل الترس، فلما كانت في الوسط توسعت، وامتدت حتى تلبدت السماء بالغيوم، وأمطرت، واستمر المطر إلى الجمعة الأخرى، ثم طلب رجل من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو بأن يمسكها، أي: يحبس السماء عنهم؛ لأنه قد حصل لهم أضرار باستمرار نزوله وهطوله، فرفع يديه إلى السماء وقال: [(اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)]، فتقطع ذلك السحاب، وطلعت الشمس، وصار المطر حوالي المدينة، وليس على المدينة بدعاء رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالحاصل: أن الحديث مشتمل على الدعاء في صلاة الاستسقاء.

تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم أغثنا) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا علي بن حجر]. هو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم.
[حدثنا إسماعيل بن جعفر].
إسماعيل بن جعفر البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شريك بن عبد الله].
هو ابن أبي نمر، وليس شريك بن عبد الله القاضي؛ لأن شريك بن عبد الله القاضي، متأخر في الطبقة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، يعني: قتيبة، شيخ النسائي، يروي عن شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، فـشريك بن عبد الله هذا طبقته عالية، وهو يروي عن الصحابة، يروي عن أنس بن مالك، فهو شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وقد مر ذكره في بعض الروايات عن أنس رضي الله تعالى عنه، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر صدوق يخطئ، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[عن أنس بن مالك رضي الله عنه].
وقد مر ذكره.
وهذا الإسناد من الرباعيات عند النسائي؛ لأن فيه علي بن حجر يروي عن إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن جعفر يروي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر يروي عن أنس بن مالك، فهؤلاء أربعة بين النسائي، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي، ليس عند النسائي أعلى من الرباعيات، وأصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وهم: البخاري، عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي، وعنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه، وعنده خمسة أحاديث ثلاثية كلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فليس عندهم ثلاثيات أصلاً، بل أعلى ما عندهم الرباعيات.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:37 PM
شرح حديث: (خرج رسول الله يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو ثم صلى ركعتين)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة بعد الدعاء.حدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا اسمع عن ابن وهب عن ابن أبي ذئب ويونس عن ابن شهاب أخبرني عباد بن تميم: أنه سمع عمه -وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي، فحول إلى الناس ظهره يدعو الله، ويستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، قال ابن أبي ذئب في الحديث: وقرأ فيهما)].
وهنا أورد النسائي الصلاة بعد الدعاء، أي: الصلاة للاستسقاء بعد الدعاء. المقصود من هذه الترجمة: أي: بيان صلاة الاستسقاء، وأنه يصلى للاستسقاء، ويدعى في الاستسقاء، والترجمة هنا على أن الصلاة بعد الدعاء، أي: بعد أن يدعو الإمام ويستسقي تحصل الصلاة، وبهذا استدل بعض أهل العلم كما تقدم، وبعضهم يقول: إن صلاة الاستسقاء هي مثل صلاة العيد، وصلاة العيد مقدمة على الخطبة، ويقول: إن ما جاء في بعض الأحاديث من قوله: [(ثم صلى)]، أن هذا لبيان الجواز، وأنها ليست كالعيد، يعني: الصلاة قبل الخطبة، فقد أنكر أبو سعيد الخدري على مروان بن الحكم، كونه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي، ثم يخطب، فمن العلماء من قال: إن صلاة الاستسقاء هي مثل صلاة العيد في جميع أفعالها وصفاتها، إلا أنها خطبة واحدة، بخلاف صلاة العيد فإنها خطبتان.
ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً يستسقي، فحول إلى الناس ظهره يدعو الله، ويستقبل القبلة، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين)].

تراجم رجال إسناد حديث: (خرج رسول الله يستسقي فحول إلى الناس ظهره يدعو ثم صلى ركعتين)
قوله: [حدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه]. ثنا الحارث بن مسكين، وهذه صيغة مختصرة لـ(حدثنا)، والصيغ التي تختصر عند العلماء هي: حدثنا وأخبرنا، فإن حدثنا تختصر إلى ثلاث صيغ، فيقال فيها: دثنا، ويقال: ثنا، ويقال: نا، وأما أخبرنا فيقال فيها: أنا، وأبنا، وأخنا، وأما غيرها فإنها لا تختصر، لا أنبأنا ولا غيرها، فمن المباحث التي مرت بنا في كتابة الحديث في ألفية السيوطي أن هاتين الصيغتين هما اللتان حصل لهما الاختصار في الحروف، والرمز لبعض الحروف عن الكل، فدثنا، وثنا، ونا لحدثنا، وأنا، وأرنا، وأبنا، وأخنا، هذه لأخبرنا، وهنا قال: حدثنا.
ثم المعروف في اصطلاح كثير من المحدثين التفريق بين حدثنا وأخبرنا، وأن حدثنا تستعمل فيما إذا سمع من لفظ الشيخ، وإذا قرئ على الشيخ فيقال: أخبرنا، لكن بعض العلماء يسوي بين التحديث والإخبار، فيأتي بأخبرنا، وحدثنا، في مقام السماع، كما هو الكثير عند النسائي، أكثر ما عند النسائي أخبرنا، وهنا قال: (حدثنا)، مع أن الذي حصل هو قراءة عليه؛ لأنه قال: قراءةً عليه وأنا أسمع، يعني: ما حدث هو وسمعوا منه، فهذا على الاصطلاح الذي هو التسوية بين حدثنا وأخبرنا، وبعض المحدثين وبعض العلماء، يسوي بينهما، فيستعمل حدثنا فيما إذا كان سمع من لفظ الشيخ، ويستعمل أخبرنا فيما سمع من الشيخ، ومنهم من يفرق بين حدثنا فيطلقه على ما سمع من لفظ الشيخ، وأخبرنا على ما قرئ على الشيخ وهو يسمع، وهذا الذي معنا من هذا القبيل، مما فيه لفظ التحديث، ولكنه ليس في السماع، وإنما هو في القراءة على الشيخ.
وأنا ذكرت لكم فيما مضى أن النسائي أحياناً يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه، وأحياناً يقول: قال الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقد مر بنا قريباً، حديث قال فيه أبو بكر بن السني، الذي هو راوية كتاب النسائي، يقول: قال أبو عبد الرحمن، -يعني: النسائي-: قال الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، يعني ما قال: أخبرنا، وإنما قال: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، والحارث بن مسكين، مصري ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي ذئب ويونس].
ابن أبي ذئب، هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأما يونس، فهو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، يعني: أن الحارث بن مسكين يروي عن شيخين.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عباد بن تميم].
هو عباد بن تميم بن غزية المازني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم المازني].
وهو أخو أبيه لأمه، وهو أخو تميم، يعني: عبد الله، وتميم أخوان من أم، وعبد الله بن زيد بن عاصم صحابي مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال ابن أبي ذئب في الحديث: وقرأ فيهما].
لأن الحديث جاء من طريق شخصين، عبد الله بن وهب، يروي عن ابن أبي ذئب، وعن يونس بن يزيد الأيلي، هذا اللفظ الذي ذكره، الأول هو لفظ يونس، وأما ابن أبي ذئب، فعنده زيادة ليست عند يونس، وهي: أنه قرأ فيهما.

كم صلاة الاستسقاء
شرح حديث: (أن النبي خرج يستسقي فصلى ركعتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم صلاة الاستسقاء:أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد عن يحيى عن أبي بكر بن محمد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي فصلى ركعتين، واستقبل القبلة)].
وهنا أورد النسائي هذه الترجمة: كم صلاة الاستسقاء، أي: كم ركعات صلاة الاستسقاء؟ هي ركعتان، المقصود منه أنها ركعتان، ثم أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أنه خرج يستسقي وصلى ركعتين، أي: عدد الركعات اثنتان، ولهذا قال: كم؟ والمقصود منه: بيان العدد، ليس المقصود الكيفية، وإنما المقصود عدد الركعات، وأنها ركعتان، هذا هو المقصود من هذه الترجمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي خرج يستسقي فصلى ركعتين...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، الثقة، الناقد، المتكلم في الرجال كثيراً، جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان، وهو كذلك ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكر بن محمد].
هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو بكر قيل: إنها هي اسمه، وأنه ليس له اسم، وقيل: إن اسمه وكنيته واحد، وقيل: إن كنيته أبو محمد، واسمه أبو بكر، فهو من الأسماء التي على صيغة الكنى، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عباد بن تميم].
مر ذكره، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن زيد].
الذي هو عمه أخو أبيه لأمه، وقد مر ذكر عباد وعمه عبد الله بن زيد.


كيف صلاة الاستسقاء
شرح حديث: (... فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف صلاة الاستسقاء.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة عن أبيه قال: (أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء؟ فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً، فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم هذه)].
هنا أورد النسائي كيف صلاة الاستسقاء، الترجمة السابقة هي لعدد الركعات، كم يصلي؟ ركعتين، وهنا: لبيان الكيفية، بعد أن أثبت أنها ركعتان، عقد هذه الترجمة، لبيان كيفية صلاة هاتين الركعتين، وأنها كالعيد، يعني يعمل فيها ما يعمل في صلاة العيد.
وأورد النسائي حديث عبد الله بن عباس: أن إسحاق بن عبد الله بن كنانة أرسله أمير من الأمراء، إلى ابن عباس يسأله، وقال: ما منعه أن يسألني؟ ثم أجابه، أي: أجاب الرسول الذي أرسل إليه، وهو إسحاق بن عبد الله بن كنانة، بقوله: (خرج الرسول صلى الله عليه وسلم متضرعاً، متخشعاً، متضرعاً، متبذلاً، وصلى ركعتين كصلاة العيد، ولم يخطب كخطبتكم هذه).
تراجم رجال إسناد حديث: (... فصلى ركعتين كما يصلي في العيدين ...)

قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان]. هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له شيئاً.
[قال: حدثنا وكيع].
هو ابن الجراح الكوفي، ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
وسفيان هنا غير منسوب مهمل، والمراد به الثوري؛ لأن وكيعاً إذا روى عن سفيان غير منسوب، فالمراد به الثوري؛ لأنه مكثر من الرواية عنه، وليس ابن عيينة؛ لأنه مقل من الرواية عنه، وإذا جاء مهملاً حمل على من للراوي أو للتلميذ إكثار عنه، ثم أيضاً: هو من أهل بلده من الكوفة، يعني: سفيان الثوري كوفي، ووكيع بن الجراح كوفي، فهو مكثر عنه، ومن أهل بلده، ولهذا قال الحافظ في فتح الباري: عندما يأتي وكيع يروي عن سفيان، وهو غير منسوب فهو الثوري؛ لأنه معروف بالإكثار عن الثوري، ومقل من الرواية عن ابن عيينة، وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها.
[عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة].
مقبول، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة، وهو الذي أرسله أمير من الأمراء، ليسأل ابن عباس، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستسقاء، وأبوه إسحاق صدوق، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[إلى ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم من صغار الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء العبادلة الأربعة إذا قيل: العبادلة الأربعة، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، مثل عبد الله بن زيد بن عاصم هذا، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن أبي بكر، وكثير من الصحابة يسمون عبد الله، إلا أن لقب العبادلة الأربعة يطلق على أربعة من صغار الصحابة، عاشوا وأدركهم من لم يدرك كبار الصحابة، وهم هؤلاء الأربعة، وابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين أشرت إليهم قريباً.
والحديث سبق أن مر بنا، وهذا مقبول جاء ما يعضده، وأنه يرتفع إلى الحسن.


الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء
شرح حديث: (أن النبي خرج فاستسقى فصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ...) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج، فاستسقى، فصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة)].
هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، أي: أن القراءة يجهر فيها؛ لأنه أثبت فيما مضى أنها ركعتان، وأنها كصلاة العيد، وهنا أثبت بأن القراءة يجهر بها، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه فيه التنصيص على ذلك، وأنه جهر فيهما بالقراءة، يعني: صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، فهو دال على ما ترجم له المصنف.
قوله: [محمد بن رافع].
هو النيسابوري القشيري، فهو -أي: محمد بن رافع- مثل مسلم في النسب، وفي البلد، فـمسلم قشيري، وهو قشيري، وأيضاً هو نيسابوري، ومسلم نيسابوري، وهو من شيوخ الإمام مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، ومن طريقه أخرج صحيفة همام بن منبه، فمسلم في صحيحه روى أحاديث كثيرة من صحيفة همام، فكل ما رواه مسلم من الصحيفة من طريق شيخه محمد بن رافع القشيري النيسابوري، وأما البخاري ينسب إلى الجعفيين، وهو مولىً لهم، ولهذا عندما يذكر بعض العلماء، البخاري، ومسلم، ومنهم ابن الصلاح لما ذكرهم في المقدمة، قال عند ذكر البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردبة البخاري الجعفي مولاهم، ومسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري القشيري من أنفسهم، معناه: أنه منهم أصلاً، من القبيلة أصلاً، ونسباً، ونسلاً، وليس مولى.
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً، وهذا مثل إسحاق بن راهويه، وإسحاق بن راهويه أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا يحيى بن آدم].

هو يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان الثوري، وقد تقدم ذكره.
[عن ابن أبي ذئب].
وقد مر ذكره.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن عباد بن تميم عن عمه]
وهو عبد الله بن زيد بن عاصم.
وقد مر ذكر هؤلاء.

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الإستسقاء)
(280)

- كتاب الاستسقاء - (باب القول عند المطر) إلى (باب رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر)


من شكر الله سبحانه على نعمة المطر ألا ينسب نزوله إلى الكواكب، وإنما يقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فإذا نزل المطر شرع للمسلم أن يقول: اللهم صيباً نافعاً، وإذا اشتد نزوله شرع للإمام سؤال الله رفعه، ويقول: اللهم حوالينا لا علينا.
القول عند المطر شرح حديث: (اللهم اجعله صيباً نافعاً ...)

يقول المصنف رحمه الله تعالى: [القول عند المطر. أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمطر قال: اللهم اجعله صيباً نافعاً)].
يقول النسائي رحمه الله: القول عند المطر؛ أي: ما يقال عند نزول المطر، أو الدعاء الذي يشرع، أو الذكر الذي يذكر عند نزول المطر. وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا نزل المطر: اللهم اجعله صيباً نافعاً]؛ أي: يدعو بأن يجعل الله هذا المطر الذي نزل صيباً نافعاً، فهذا مما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يقوله الإنسان عند نزول المطر، وهو أن يدعو بهذا الدعاء، وقد جاء في بعض الأحاديث الثناء على من قال: (مطرنا بفضل الله ورحمته) كما جاء في الحديث الذي قال الله عز وجل: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)، ففيه مدح من يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، وأن ذلك اعتراف من الإنسان بالتفضل من الله عز وجل عليه، وبرحمته بإنزال المطر، فذلك مما يقال عند نزول المطر، والذي أورده النسائي، هذا الحديث المشتمل على هذا الدعاء: [اللهم اجعله صيباً نافعاً].
تراجم رجال إسناد حديث: (اللهم اجعله صيباً نافعاً ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسعر].
هو ابن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المقدام بن شريح].
ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو شريح بن هانئ الكوفي، وهو ثقة كذلك، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السن الأربعة، وهو مخضرم، أي: من الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرو النبي صلى الله عليه وسلم.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك في قرآن يتلى في سورة النور، وقد حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي من أوعية السنة وحفظتها، لا سيما الأحاديث التي تتعلق بين الرجل وأهل بيته، والتي لا يطلع عليها إلا النساء، فهذا مما حفظته، وكذلك حفظت غيره، فهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة رجال، وامرأة واحدة؛ فالستة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، والمرأة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
وابن القيم رحمه الله لما ذكر في كتابه جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، عند ذكر الآل، ذكر ترجمةً مختصرة لكل أمهات المؤمنين، ذكر لها بمناسبة ذكر الآل، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ترجمةً مختصرة، ولما جاء عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ذكر شيئاً من تواضعها، ومع علو منزلتها، ورفعة مكانتها، رضي الله عنها وأرضاها، وذكر مما جاء في تواضعها: أنها لما أنزل الله عز وجل براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى في أوائل سورة النور، قالت: كنت أقول في نفسي: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام يرى في منامه رؤيا يبرئني الله بها، قالت: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى، يعني ما كنت أظن أنه ينزل فيّ قرآن؛ لأنني أهون من ذلك، تقول هذا تواضعاً منها رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا، -ورؤيا الأنبياء وحي- لكن الله عز وجل أنزل فيها قرآن يتلى، فكانت من تواضعها تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله عز وجل فيّ آيات تتلى، ابن القيم رحمه الله يعلق على هذا فيقول: أين هذا ممن يصوم يوماً من الدهر، أو يصلي ركعةً من الليل، ثم يقول: أنا كذا، وأنا كذا، وأنا كذا، يعني يذكر أعماله، وهذه أم المؤمنين يحصل لها ما يحصل من الشرف، ثم تقول هذه المقالة الدالة على تواضعها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وكتاب (جلاء الأفهام) بالمناسبة هو من خير ما ألف في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان ما جاء فيها من الأحاديث، وما اشتملت عليه من الفقه، وما يستنبط منها من الأحكام، وهو كتاب واسع ومفيد اسمه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام).
وقد ذكر السخاوي في كتابه (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم)، ذكر في آخره جملة من الكتب التي ألفت في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فذكرها، وهي عدة، وخامسها في الذكر كتاب ابن القيم (جلاء الأفهام)، ثم قال بعد أن ذكرها قال: وفي الجملة فخامسها هو أفيدها وأعظمها فائدة، يعني: كتاب ابن القيم؛ لأن ترتيبه الخامس بين الكتب التي ذكرها في آخر كتابه (القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع صلى الله عليه وسلم)، وهو كتاب مفيد في بابه، ومن أحسن الكتب التي ألفت في موضوعه، واسمه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم).


كراهية الاستمطار بالكوكب
شرح حديث: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون: الكوكب وبالكوكب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية الاستمطار بالكوكب. أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب)].
أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: كراهية الاستمطار بالكوكب؛ أي: إضافة المطر إلى الكوكب، وحصول المطر من الكوكب.
وإضافة المطر إلى الكوكب ينقسم إلى قسمين: إضافة إليه على أن الكواكب لها تأثير، وأنها مؤثرة، فهذا كفر مخرج من الملة، فمن يجعل الكواكب مؤثرة، وأنها لها تأثير في الحوادث، ونزول المطر، فهذا كفر؛ لأن فيه إضافة الفعل إلى غير الله سبحانه وتعالى، وأن الكواكب مؤثرة، بل المؤثر هو الله عز وجل.
وأما إذا أريد به إضافته إلى حصول المطر من الله عز وجل في نوء كذا، أي: في النوء الفلاني، وفي وقت طلوع النجم الفلاني، فهذا ليس كفراً مخرجاً من الملة، ولكنه فيه كفر النعمة، والأولى للإنسان ألا يأتي بذلك، وإنما يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته كما جاء في الحديث: (مطرنا بفضل الله ورحمته)، وإن قال: تفضل الله علينا في المطر في الوقت الفلاني، أو في الشهر الفلاني، لا بأس بذلك، المهم أن يضيف الأمر إلى تفضل الله، وأنه حصل في الوقت الفلاني إذا أراد أن يذكر ذلك.
قوله: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب]، يعني: المقصود من ذلك: نعمة المطر؛ لأن الحديث يتعلق بإنزال المطر؛ لأنهم يضيفون ذلك إلى الكوكب، فالحديث قدسي من الأحاديث القدسية التي فيها الكلام مضاف إلى الله عز وجل من جهة أنه هو المتكلم به.
والحديث القدسي هو: ما يأتي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مسنداً إياه إلى الله عز وجل؛ بأنه يضيفه إلى الله عز وجل، وأن يسبقه قول: قال الله عز وجل، أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه أنه قال، فهذا هو الحديث القدسي، وهل هو من كلام الله عز وجل أو من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم؟ معلوم أن الضمائر تفيد أنه الله تعالى هو المتكلم به؛ لأنه قال: [أصبح من عبادي]، ولا يقول أحد: أصبح من عبادي إلا الله سبحانه وتعالى؛ لأن العباد عبيد الله، وهم مضافون إلى الله، فإذا قال: أصبح من عبادي، معنى هذا أنه كلام الله؛ لأنه قال: عبادي.
لكن هذا هو نفس الكلام لفظه كلام الله؟ لو علمنا بأن الحديث هو كما نطق به رسول الله عليه الصلاة والسلام، نقول: هو كلام الله، أما والحديث تدخله الرواية بالمعنى، وتأتي الألفاظ فيه مختلفة، والرواة يأتون به بصيغ متعددة، فإنه لا يقال: إنه كلام الله وقد تعددت صيغه، وتعددت ألفاظه، وقد دخلته الرواية بالمعنى، لكن الحروف أو الضمائر هي ترجع إلى الله عز وجل، فلو تحقق بأن اللفظ لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يدخله رواية بمعنى، يقال: كلام الله، ولكن حيث توجد الألفاظ للحديث الواحد بألفاظ متعددة، هذا يفيد بحصول الرواية بالمعنى، وإذا دخلته الرواية بالمعنى فلا يقال: إن لفظه كلام الله، ما دام دخلته الرواية بالمعنى؛ بخلاف القرآن، فإن القرآن لفظه كلام الله سبحانه وتعالى ومعناه أيضاً، وليس كلامه الألفاظ دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، بل حروفه ومعانيه كلام الله عز وجل، وقاله الله عز وجل.
قوله: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين، يقولون: الكوكب وبالكوكب].
أي: يضيفون ذلك إلى غير الله عز وجل، وقد ذكرت أن فيه تفصيلاً بين أن يكون إسناد التأثير إلى الكواكب، فهذا كفر بالله، مخرج من الملة، وإذا أريد به إضافته إلى الله عز وجل، ولكنه حصل في الوقت الفلاني، وفي النوء الفلاني، فإن هذه العبارة خلاف الأولى، والأولى أن يقال كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي الذي جاء عن زيد بن خالد الجهني، وكان في عام الحديبية: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب).
تراجم رجال إسناد حديث: (ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين يقولون: الكوكب وبالكوكب)

قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو].هو عمرو بن سواد ابن الأسود بن عمرو المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مصري أيضاً.
[أخبرني يونس].
هو ابن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقيه، من صغار التابعين وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، في عصر التابعين، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة في عصر التابعين في المدينة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال؛ قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
[عن أبي هريرة].
رضي الله عنه هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.
وهذا الإسناد فيه ستة أشخاص؛ ثلاثة مصريون، وثلاثة مدنيون، فنصفه الأسفل مصريون، ونصفه الأعلى مدنيون، فـعمرو بن سواد، وعبد الله بن وهب، ويونس بن يزيد الأيلي المصري هؤلاء ثلاثة مصريون، ونصفه الأعلى مدنيون؛ وهم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأبو هريرة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-29-2026, 03:44 PM
شرح حديث: (... ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد الجهني قال: (مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألم تسمعوا ماذا قال ربكم الليلة؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفةٌ منهم بها كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذاك الذي آمن بي وكفر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب)].أورد النسائي حديث زيد بن خالد الجهني، وهو: زيد بن خالد الجهني، وليس يزيد، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمعنى الذي قبله، قال: [ألم تسمعوا ما قال الله عز وجل الليلة؟].
وفي قوله: [الليلة]، ما قال الله: الليلة، وهذا يدل على أن الله تعالى يتكلم إذا شاء كيف شاء، وأن كلام الله عز وجل لا ينحصر، وليس له بداية، وليس له نهاية، فكلام الله غير محصور بكلام معين محدد؛ لأن الله لا بداية لكلامه، ولا نهاية لكلامه، فهو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، فكلامه غير منحصر، والله عز وجل يتكلم إذا شاء كيف شاء ومتى شاء، تكلم بلا بداية، ويتكلم بلا نهاية، كلم موسى في زمانه، وسمع موسى كلام الله من الله، وقال الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النساء:164]، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gif وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الأعراف:143]، فقال: سمع كلام الله من الله، وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، وفرض الله عليه خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس، فهو كليم كما أن موسى كليم، وهو خليل كما أن إبراهيم خليل، فاجتمع فيه ما تفرق في غيره، عليه الصلاة والسلام.
وكذلك جاء في الحديث: [ألم تسمعوا ما قال الله في هذه الليلة؟]، يعني: هذه الليلة قال كذا وكذا؛ تكلم بهذا الكلام في تلك الليلة التي نزل فيها المطر، قال: [ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح طائفةٌ منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا فأما من آمن بي وحمدني على سقياي].
وجاء في بعض الروايات: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب)، وقد ذكرت أن الإيمان بالكوكب فيه تفصيل؛ فإذا كان قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان للتأثير، وأسند التأثير إلى الكواكب، فهذا هو الكفر المخرج من الملة، وإن كان المطر من الله، ولكن الله تعالى جعله ينزل في الزمن الفلاني، وفي الكوكب الفلاني، ووجود الكوكب الفلاني، فهذه العبارة؛ وهي قوله: [مطرنا بنوء كذا وكذا]، هي خلاف الأولى، وخير منها وأفضل أن يقول الإنسان: مطرنا بفضل الله ورحمته، وإن قال: في الشهر الفلاني أو في النوء الفلاني، ما فيه بأس، بعد أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك الذي كفر بي وآمن بالكوكب) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة ليس له رواية عن سفيان الثوري، وإنما كل ما يأتي عن سفيان فالمراد به: ابن عيينة، وليس لـقتيبة رواية عن الثوري، بل قتيبة عمره لما مات الثوري عشر سنوات، ويمكن أن يروي من عمره عشر سنوات، كما عرفنا أن بعض الصحابة توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وفيهم من عمره ثمان سنوات، ومع ذلك له رواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن يمكن أن يكون هذا في بلد وهذا في بلد، وهذا صغير وما حصل له يلتقي بهذا الشيخ، فلم يأخذ عنه، لكن المعروف أن قتيبة ما روى عن سفيان الثوري، فكل ما جاء قتيبة عن سفيان فالمراد به ابن عيينة، وابن عيينة قد مر ذكره.
[عن صالح بن كيسان].
هو صالح بن كيسان المدني، وهو ثقة، ثبت، فاضل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الله].
هو ابن عتبة بن مسعود الذي مر ذكره قريباً.
[عن زيد بن خالد الجهني].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث: (لو أمسك الله المطر عن عباده ... يقولون: سقينا بنوء المجدع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عتاب بن حنين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أمسك الله عز وجل المطر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفةٌ من الناس كافرين، يقولون: سقينا بنوء المجدع)].أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [لو أمسك الله المطر عن عباده خمس سنين، ثم أنزله عليهم، لأصبح طائفةٌ منهم به كافرين يقولون: مطرنا بنوء المجدع] والمجدع: نجم من النجوم، اسمه مجدع، والحديث بهذا اللفظ فيه ذكر الخمس السنين، وفيه ذكر تسمية النوء الذي قالوا: مطرنا بنوء كذا، هذا مما جاء في هذه الطريق، ولكن الطرق الأخرى -التي في الصحيحين وفي غيرها- ليس فيها ذكر هذه التسمية؛ الذي هو النوء، وذكر الخمس السنين، وإنما فيها: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر)، كما جاء في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)، فهذا هو الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وأما هذه الرواية فقد جاءت من طريق رجل لا يقبل حديثه إلا إذا اعتضد، ووجد له متابع، وليس له متابع، فتكون هذه الرواية غير صحيحة؛ لأنه لم يأت متابع له فيما جاء فيه من هذه الألفاظ؛ التي هي: نوء كذا، وكونه خمس سنين، هذا ما جاء إلا من هذه الطريق، ولكن إضافة المطر إلى النوء جاء في الأحاديث الصحيحة التي مرت.

تراجم رجال إسناد حديث: (لو أمسك الله المطر عن عباده ... يقولون: سقينا بنوء المجدع)

قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء].
هو البصري، وهو لا بأس به، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.
وكلمة (لا بأس به) تعادل صدوق، أي: أن حديثه مما يكون حسناً لذاته؛ لأن صدوق، ولا بأس به، وليس به بأس هي في درجة واحدة، إلا عند يحيى بن معين فإنها تعادل ثقة، وهذا من اصطلاحه هو، أما في اصطلاح المحدثين فإن كلمة (لا بأس به) عندهم تعني: من يقل عن الثقة، ولكن حديثه معتمد، وحديثه من قبيل الحسن، فهو مثل صدوق عندهم.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة، وقد مر ذكره.
[عن عمرو].
هو عمرو بن دينار، وهذا الذي هو عبد الجبار بصري نزل مكة، فهو أصله بصري، ولكنه نزل مكة، يروي عن سفيان بن عيينة وهو مكي، وسفيان يروي عن عمرو وهو ابن دينار، وهو مكي، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عتاب بن حنين].
هو أيضاً مكي، مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن أبي سعيد الخدري].
هو سعد بن مالك بن سنان، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صحابي مشهور، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.


مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره
شرح حديث: (... اللهم حوالينا ولا علينا ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس قال: (قحط المطر عاماً، فقام بعض المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم في يوم جمعة، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال، قال: فرفع يديه، وما نرى في السماء سحابة، فمد يديه حتى رأيت بياض إبطيه يستسقى الله عز وجل، قال: فما صلينا الجمعة حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله، فدامت جمعة، فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله! تهدمت البيوت، واحتبس الركبان، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لسرعة ملالة ابن آدم، وقال بيديه: اللهم حوالينا ولا علينا، فتكشطت عن المدينة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره، والمقصود بالمسألة: كونه يسأل الله عز وجل ويدعوه أن يمنع المطر عنهم، وأن يجعله فيما حواليهم، والمقصود بالمسألة السؤال، أي: سؤال الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي فيه: أنهم لما قحطوا، وحصل الجدب، وطلب بعض المسلمين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو، فرفع يديه ودعا، وأنزل الله الغيث، ومطروا وهم في المسجد، وكثر المطر، حتى أهم الشاب القريب الدار رجوعه إلى المنزل، فهو يجد صعوبة في كونه ينزل؛ من تتابع المطر وكثرة هطوله، يعني أهمه ذلك، ويجد فيه مشقة كونه يصل إلى البيت مع كثرة المطر وشدة هطوله، واستمر المطر إلى الجمعة الأخرى، ثم طلب منه بعض المسلمين أن يدعو لهم برفع المطر ومنعه، فرفع يديه ودعا وقال: [اللهم حوالينا ولا علينا]، [فتكشطت]، يعني: تقطعت، وانزاحت السحب عن المدينة، حتى صارت حولها كما جاء مبيناً في بعض الروايات المتقدمة: فصار كالإكليل، يعني: محيطاً بالمدينة السحب، تمطر حواليها ولا تمطر عليها.
والمقصود من ذلك: أنه عندما يكثر المطر، ويحصل للناس ضرر بكثرته، فإن الإمام يدعو بهذا الدعاء الذي دعا به الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول: [اللهم حوالينا ولا علينا].

تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم حوالينا ولا علينا ...)

قوله: [أخبرنا علي بن حجر].
هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا إسماعيل].
هو ابن جعفر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهناك إسماعيل بن علية؛ لأن هذا من شيوخه إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن علية الذي هو: علي بن حجر، فإذا كان الأمر كذلك: فـإسماعيل بن علية هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، البصري، وهو ثقة، يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر
شرح حديث: (فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الإمام يديه عن مسألة إمساك المطر.أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبو عمرو الأوزاعي عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (أصاب الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابيٌ فقال: يا رسول الله! هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما نرى في السماء قزعة، والذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، حتى صارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي، ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجود)].
هنا أورد النسائي رفع الإمام يده في مسألة إمساك المطر؛ لأن الترجمة السابقة: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره.
وقوله: [والذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال].
أي: كان يرفع يديه فما أنزلهما حتى نزل المطر.

ابو الوليد المسلم
03-30-2026, 11:06 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة الخوف)
(281)
كتاب صلاة الخوف [1]
فرض الله الصلاة على عباده بالتعيين، ولا تسقط عن أحد مهما كانت حالته، حتى في حالة الخوف والقتال فإنها تؤدى على اختلاف أحوال القتال ومواجهة العدو.

صلاة الخوف
شرح حديث حذيفة بن اليمان: (صلى رسول الله صلاة الخوف بطائفة ركعة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب صلاة الخوف.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع أخبرنا سفيان عن الأشعث بن أبي الشعثاء عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان ومعنا حذيفة بن اليمان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فوصف فقال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بطائفةٍ ركعةً صف خلفه، وطائفةٍ أخرى بينه وبين العدو، فصلى بالطائفة التي تليه ركعة، ثم نكص هؤلاء إلى مصاف أولئك، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب صلاة الخوف. وصلاة الخوف جاءت فيها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام على صفات متعددة، سواء كان الناس حاضرين أو مسافرين، فإن صلواتهم معلومة كيفيتها، وأما في حال الخوف فقد جاءت صفتها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على أوجه مختلفة، وحصلت في مناسبات متعددة، ومن العلماء من فضل كيفية على كيفية، ومنهم من قال: إنها كلها سائغة، وإنما في كل حال ما يناسبها من الكيفيات التي ثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكانت هذه الكيفيات تنقسم إلى قسمين: أحدها: إذا كان العدو بينهم وبين القبلة، والحالة الثانية: إذا كان في جهة أخرى غير القبلة، أي: يكون من ورائهم، ولكل صفة فيما إذا كان العدو في جهة القبلة أو في غير جهتها.
وقد أورد النسائي تحت هذا الكتاب عدة أحاديث، ولم يعقد أبواباً تحت هذا الكتاب، بل أورد سبعةً وعشرين حديثاً مسرودة، ليس فيها أبواب كعادته في بقية الكتب المتقدمة التي يكون كل كتاب تحته أبواب، هنا سرد الكيفيات، وأتى بالأحاديث المشتملة على الكيفيات دون تبويب لها، وقد أورد النسائي في أولها حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وكانوا في طبرستان ومعهم سعيد بن العاص الأمير، فسأل: من يعلم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، ثم وصفها، فبين أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس، وجعلهم طائفتين: طائفة يصلون وراءه، وطائفة يبقون تجاه العدو يحرسون إخوانهم، ويعرفون حركات العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا وصاروا مكان أولئك الذين يحرسون مواجهين للعدو، وجاءوا أولئك الذين لم يصلوا فصلوا معه ركعة، أي: أن كل طائفة منهم صلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، الطائفة الأولى التي كانت معه صلت معه الركعة الأولى، ثم ذهبت، وبقيت في مقام الذين لم يصلوا معه أولاً، فجاء أولئك الذين كانوا يحرسون، والنبي عليه الصلاة والسلام في الركعة الأولى، فصفوا معه، وصلى بهم الركعة الثانية.
وظاهر الحديث أن كلاً منهم اكتفى بركعة، وجاء في الرواية الأخرى: (أنهم لم يقضوا)، وهذا يوضح اكتفاءهم بركعة، وأن كل طائفة من الطائفتين صلت ركعة ولم تقضِ، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس ركعتين، فهذه إحدى الكيفيات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعضها، أي: بعض الروايات أو بعض الكيفيات أن كل طائفة تقضي ركعة كما يأتي في بعض الأحاديث، أي: أن الطائفة الأولى صلت معه ركعة، ثم أتمت لنفسها وذهبت، والطائفة الثانية جاءت معه في الركعة الثانية وصلت معه، ولما جلس للتشهد أتمت لنفسها، أي: الركعة الثانية، ثم سلم بها، وهذه الرواية فيها الإطلاق، والتي بعدها من حديث حذيفة فيها التصريح بأنهم لم يقضوا، أي: أن كل واحد منهم، أو كل طائفة منهم صلت ركعةً واحدة.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان: (صلى رسول الله صلاة الخوف بطائفة ركعة ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أرفع صيغ التعديل وأعلاها.
[حدثنا وكيع].
هو ابن الجراح الرؤاسي، الكوفي، وهو، ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عن سفيان].
وسفيان غير منسوب، والمراد به سفيان الثوري؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن سفيان الثوري، وهو من أهل بلده، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، وهو ليس من أهل بلده؛ ولأن ابن عيينة مكي، وأما الثوري فهو كوفي، ووكيع بن الجراح كوفي، فإذا جاء سفيان غير منسوب يروي عنه وكيع فالمراد به: الثوري؛ لأنه معروف بالإكثار من الرواية عنه، وأما ابن عيينة فهو معروف بالإقلال من الرواية عنه، وهذا من بلده الذي هو: سفيان الثوري، وذاك ليس من بلده الذي هو: سفيان بن عيينة، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان مع شيخه في بلد واحد، فإنه يكون كثير الاتصال به، وكثير الأخذ عنه، بخلاف ما إذا كان في بلد آخر، فإنه لا يلتقي به إلا زائراً، أو يلتقي به في بعض الأحيان، فيحمل على من له به كثرة اتصال، ووكيع ممن أكثر عن الثوري، وأقل الرواية عن ابن عيينة، وهذا ما يسمى: المهمل في علم المصطلح، أي: أن الشخص لم ينسب، ويحتمل عدة أشخاص، فإنه يحمل على من للتلميذ به خصوصية، وذلك إذا كان يكون من أهل بلده، أو مكثراً من الرواية عنه.
وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الأشعث بن أبي الشعثاء].
هو الأشعث بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
أبوه سليم، أي أن: أبا الشعثاء، هو سليم، وابنه: أشعث بن سليم، ويقال له: أشعث بن أبي الشعثاء، يذكر منسوباً إلى أبيه مكنى، ومنسوباً إلى أبيه باسم أبيه، وهنا جاءت الرواية منسوباً إلى أبيه مكنى، أشعث بن أبي الشعثاء، والطريقة التي ستأتي أشعث بن سليم، وأشعث بن سليم هو أشعث بن أبي الشعثاء.
[عن الأسود بن هلال].
ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن ثعلبة بن زهدم].
مختلف في صحبته، وقال عنه العجلي: إنه تابعي، ثقة، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي.
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث حذيفة بن اليمان: (أيكم صلى مع رسول الله صلاة الخوف؟ ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني أشعث بن سليم عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم قال: (كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقال: أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا. فقام حذيفة فصف الناس خلفه صفين، صفاً خلفه وصفاً موازي العدو، فصلى بالذي خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا)].أورد النسائي حديث حذيفة رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو مثل الطريق السابقة، إلا أن الطريق السابقة فيها حكاية صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم ووصفها، وأما هذه فإنه صلى بهم صلاة الخوف على وفق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مثل السابقة، إلا أن فيها التصريح بأنهم لم يقضوا، أي: أن كل جماعة صلوا ركعة ولم يحصل منهم قضاء.

تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان: (أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي، هو الفلاس، وهو ثقة ناقد متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو الثوري، وقد مر ذكره.
[حدثني أشعث بن سليم].
هو أشعث بن أبي الشعثاء وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.
[ثعلبة بن زهدم].
ثعلبة بن زهدم، وحذيفة، مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شاهد لحديث حذيفة من رواية زيد بن ثابت في كيفية صلاة الخوف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني الركين بن الربيع عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل صلاة حذيفة)].أورد النسائي زيد بن ثابت رضي الله عنه في صفة صلاة الخوف، ولكنه لم يذكر المتن، بل أحال على حديث صلاة حذيفة، وهو الحديث المتقدم قبل هذا، الحديث الذي فيه صلاة حذيفة بالناس صلاة الخوف بطبرستان، حيث صلى بهم، ولم يذكر لفظ حديث زيد بن ثابت، بل أحال على حديث حذيفة في صلاته بالناس الخوف في طبرستان، بخلاف الحديث الأول، فإن فيه لم يصل حذيفة، وإنما وصف صلاة الخوف، والحديث الثاني الذي تقدم، فيه أنه صلى بهم صلاة الخوف على وفق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكلمة: (مثل)، تعني: الموافقة، والمماثلة، ومعناه: أن لفظه على وفق، وعلى مثل ما حصل من حذيفة في صلاته بالناس الخوف في طبرستان، وعند المحدثين فرق بين مثله ونحوه، إذا قالوا: مثله أو قالوا: نحوه، فإن (مثله) تعني: المطابقة، وأما (نحوه) تعني: الاتفاق في المعنى، وإن حصل الاختلاف في الألفاظ، هذا هو الفرق بين (مثله) و(نحوه).
تراجم رجال إسناد شاهد لحديث حذيفة من رواية زيد بن ثابت في كيفية صلاة الخوف
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد القطان].
وقد مر ذكرهما.
[حدثنا سفيان].
وقد مر ذكره أيضاً.
[حدثني الركين بن الربيع].
ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن القاسم بن حسان].
مقبول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن زيد بن ثابت].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد كتبة الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والحديث في سنده القاسم بن حسان، وهو مقبول، وحديثه يعتبر عند المتابعة، ومن المعلوم: أن حديث حذيفة المتقدم هو مثله، كما لم يذكر المتن هنا، وأحيل فيه إلى حديث حذيفة، فهذا الذي جاء من طريقه جاء من طريق غيره، وهو ثابت من طريق غيره، وكونه مقبول، فإنه يعتمد على حديثه عند المتابعة، وقد جاء ما يشهد له ويؤيده من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه المتقدم، والذي أحيل إليه عند انتهاء الإسناد في هذا الحديث، وأحيل بمتنه على أنه مثل حديث حذيفة في صلاته بالناس صلاة الخوف، وهو الحديث المتقدم قبل هذا.
شرح حديث ابن عباس: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً ... وفي الخوف ركعة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الذي تقدم في السفر، وتقدم في بعض المواضع، وأتى به هنا في الخوف من أجل ما جاء فيه أن صلاة الخوف ركعة، قال: [(فرض الله على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة)]. وهذا فيه دليل على أن صلاة الخوف في بعض صورها، وفي بعض أحوالها، تكون ركعةً واحدة، ومن العلماء من قال: أنها ركعة، أي: تكون مع الإمام، لكن الحديث فصل في صلاة الحضر وأنها أربع، والسفر وأنها ركعتان، والخوف بأنها ركعة، وهذا يفيد بأنها ركعة واحدة وليست ركعةً مع غيرها، وأنها يدركها مع الإمام، وركعةً أخرى يقضيها، وإنما تكون ركعةً واحدة عند الحاجة، وعندما يقتضي الأمر أن تصلى على هذه الكيفية، وعلى هذه الصفة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما واضح الدلالة على ذلك.
وقد جاء في بعض الروايات المتقدمة في حديث حذيفة أن كل طائفة صلت ركعةً واحدة وأنها لم تقض، والذين يقولون: بأنها لا تكون ركعةً واحدة، وإنما يضم إليها غيرها، يقولون في قوله: إنها ركعة واحدة، وأنهم لم يقضوها على أساس أنها مستقلة، بل يضم إليها ركعة، ولكنها لا تقضى قضاءً مستقلاً، بمعنى أنهم يعيدونها، ثم هذه الأحاديث التي مرت، والتي ستأتي، وهي في صلاة الخوف، كلها تدل على لزوم صلاة الجماعة، وأن هذا من الأدلة الدالة على وجوبها، إذا كان الخوف مع شدة حاجة الناس إلى الاستعداد للعدو، وإلى مقابلته، وملاقاته، ومع ذلك ما تركت صلاة الجماعة مع شدة الخوف، قالوا: وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة، وهو من أدلة وجوبها، وهو من أوضح الأدلة الدالة على وجوبها، وأنها مع شدة الخوف، ومع حاجة الناس إلى الاستعداد للعدو، لم تترك صلاة الجماعة، بل أتي بها، لكن على هيئة مخصوصة بينتها الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

يتبع

ابو الوليد المسلم
03-30-2026, 11:08 PM
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (فرض الله الصلاة على نبيكم في الحضر أربعاً ... وفي الخوف ركعة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وبغلان: قرية من قرى بلخ من بلاد خراسان.
[حدثنا أبو عوانة].
هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهناك من اشتهر بكنية أبي عوانة شخص متأخر، وهو: أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال لكتابه: الصحيح، ويقال له: المسند، ويقال له: المستخرج، فهو مشهور بكنيته أبي عوانة، وهذا مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري.
[عن بكير بن الأخنس].
ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. أي: ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا الترمذي.
[عن مجاهد].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، عالم بالتفسير والعلم، مشتهر بأنه عمدة في التفسير، وأنه من أهل العلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
شرح حديث : (أن رسول الله صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني أبو بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ولم يقضوا)].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو مثل الحديث الذي تقدم عن حذيفة وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما، في أن الرسول صلى الله عليه وسلم صف الناس صفين: صفاً يصلون وراءه، وصفاً تجاه العدو، وكان العدو في غير جهة القبلة، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء أولئك الذين هم مقابلون للعدو، وصلوا معه الركعة الثانية، ولم يقضوا، فهو مثل حديث حذيفة، ومثل حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى بذي قرد وصف الناس خلفه صفين ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كل واحد من أصحاب الكتب الستة روى عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن بشار توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثله في تاريخ الوفاة، وفي كونه أيضاً شيخاً لأصحاب الكتب الستة: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، فإن هؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان، قد تقدم قريباً مراراً.
[عن سفيان].
هو سفيان الثوري، وقد تقدم أيضاً.
[حدثني أبو بكر بن أبي الجهم].
هو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم ينسب إلى جده، واسم أبيه عبد الله، وقوله: ابن أبي الجهم، نسبةً إلى جده، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عبيد الله بن عبد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الثقفي، أحد الثقات الفقهاء، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، هو أحد هؤلاء الفقهاء السبعة باتفاق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (قام رسول الله وقام الناس معه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير عن محمد عن الزبيدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام الناس معه، فكبر وكبروا، ثم ركع وركع أناس منهم، ثم سجد وسجدوا، ثم قام إلى الركعة الثانية، فتأخر الذين سجدوا معه وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وسجدوا، والناس كلهم في صلاةٍ يكبرون، ولكن يحرس بعضهم بعضاً)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، فإنهم يصلون مع الإمام جميعاً، ويكونون صفين، يقومون معه جميعاً، وإذا ركع فإنهم يركعون جميعاً، وإذا سجد يسجد معه الصف الأول، ويبقى الصف الثاني يحرس، وإذا فرغ أهل الصف الأول معه، فإنهم يسجدون، ثم بعد ذلك يتقدمون ويصلون الركعة الأولى مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين وراءهم يكونون مثلهم -الذين تأخروا- وكلهم في صلاة يكبرون، ولكنهم يحرس بعضهم بعضاً، وفي الأخير يسلم بهم جميعاً، بمعنى أن العدو في جهة القبلة، ويصفون صفين: صف إذا سجد يسجدون معه، والذين وراءهم واقفين، فإذا فرغ، وقام فإنهم يسجدون، أي: الصف المؤخر، الذين كانوا واقفين عندما سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصف المقدم، ثم إذا قاموا تقدموا، وتأخر أولئك، فإذا ركع الركعة الثانية وسجد، فالصف الأول الذي كان مؤخراً يسجد معه ويركع، والصف الذي كان مقدماً ثم صار مؤخراً، عندما يخلصون من السجود يسجدون لأنفسهم، ثم يجلسون جميعاً للتشهد ينتظرون التسليم، فيسلم بهم، هذا فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، بمعنى أنهم في حال السجود لا يسجدون جميعاً، وإنما يكون بعضهم يحرس وبعضهم يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (قام رسول الله وقام الناس معه ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].
هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن محمد].
هو محمد بن حرب الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبيدي].
هو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. ومحمد بن الوليد الزبيدي الحمصي من أثبت أصحاب الزهري.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود].
وقد مر ذكره.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.
وهذا الحديث فيه ستة أشخاص، ثلاثة حمصيون في أول السند، وثلاثة مدنيون فيما يليه، عمرو بن كثير، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الذي هو الزبيدي، هؤلاء الثلاثة حمصيون، والزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعبد الله بن عباس مدنيون، ابن عباس كان آخر أمره في الطائف، وتوفي في الطائف رضي الله تعالى عنه.
شرح حديث: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم حدثني عمي حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين كصلاة أخراسكم هؤلاء اليوم، خلف أئمتكم هؤلاء، إلا أنها كانت عقباً، قامت طائفة منهم وهم جميعاً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسجدت معه طائفةٌ منهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاموا معه جميعاً، ثم ركع وركعوا معه جميعاً، ثم سجد فسجد معه الذين كانوا قياماً أول مرة، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين سجدوا معه في آخر صلاتهم، سجد الذين كانوا قياماً لأنفسهم، ثم جلسوا فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتسليم)].أورد النسائي حديث ابن عباس، وهو مثل الرواية السابقة فيما إذا كان العدو بينهم وبين القبلة، فتصلي الطائفة الأولى التي في الصف الأول معه، والثانية تحرس، ثم إذا قاموا سجدت الطائفة الثانية لأنفسهم، وإذا فرغوا، قاموا وتقدموا إلى الصف الأول، وصاروا وراء الإمام، وتأخر الصف الأول، ثم سجد معه الذين ما سجدوا معه في الأولى، والذين كانوا معه في الأولى تأخروا إلى الصف الثاني، سجدوا لأنفسهم بعد أن فرغ من السجود، وجلس معه الصف الأول، ثم جلسوا جميعاً في التشهد، ثم جمع بهم في التسليم، يعني: سلم بهم جميعاً، فدخلوا بالصلاة وهم معه، إلا أن بعضهم يحرس، وبعضهم يصلي، ثم بعد ذلك سلم بهم جميعاً.
فهذه الرواية هي مثل الرواية التي قبلها، وهي صفة الروايتين واحدة فيما إذا كان العدو بين الناس وبين القبلة.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم].هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، والبخاري، وأبو داود، والترمذي.
[حدثنا عمي].
هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي].
وهو أبو الثاني وجد الأول، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، وهو صدوق، مدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهنا قد صرح بالتحديث.
[عن داود بن الحصين].
ثقة إلا في عكرمة، وهو يروي عن عكرمة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، لكن كما هو معلوم أن هذه الطريق، والطريق الآخر الذي قبله هو مثله، من حيث وصف الصلاة، وأنه ما جاء من هذه الطريق وحدها التي فيها رواية داود عن عكرمة، بل الطريق الأول التي مضت هي طريق أخرى، فإذاً: لا يؤثر عليه ما قيل: أن في روايته عن عكرمة.
[عن عكرمة].
هو مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.

الأسئلة
حكم استعمال العطور الممزوجة بالكحول
السؤال: فضيلة الشيخ! حفظكم الله، ما حكم استعمال العطور التي امتزجت بشيء من الكحول، يقال: إنها نوع من الخمر؟الجواب: هذه المسألة كان الشيخ الأمين الشنقيطي يحرم استعمالها ويمنع ذلك، وقد ذكر هذا في كتابه: (أضواء البيان) الذي يسمى: الكلونيا، ومن العلماء من يرى أنه لا بأس به، لكن كما هو معلوم الطيب الطيب -والحمد لله- كثير، أي: الذي لا شبهة فيه كثير، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلا ما لا يريبك)، فالشيء الذي فيه شبهة يستغنى عنه، وهناك من الطيب ما يغني عنه.

مدى صحة الحكم على عيسى عليه السلام بأنه صحابي
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يعد نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام من الصحابة؟الجواب: عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام رآه رسول الله عليه الصلاة والسلام لما عرج به إلى السماء بروحه وجسده؛ لأنه رفع بروحه وجسده عليه الصلاة والسلام، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى هو النبي عليه الصلاة والسلام، ورأى رسول الله عليه الصلاة والسلام عيسى بن مريم وهو في هذه الحياة، أي: بروحه، وجسده الذي سينزل في آخر الزمان ويموت، فهو نبي من أنبياء الله، ولكن من حيث رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق عليه بعض العلماء أنه صحابي بمعنى: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن به، وصدق به، وفي آخر الزمان عندما ينزل يحكم بشريعته كما ثبتت بذلك الأحاديث، لكن كما هو معلوم: عنده ما هو أكمل من الصحبة، وما هو أفضل من الصحبة، وهي النبوة والرسالة، لكن بعض العلماء ذكره، ولهذا بعضهم يذكره في كتب الصحابة.

أولوية التقديم عند التعارض بين المرفوع الضعيف والموقوف الصحيح
السؤال: فضيلة الشيخ! حديثان متعارضان: أحدهما مرفوع ولكنه ضعيف، والثاني موقوف ولكنه صحيح، فأيهما يقدم؟الجواب: كما هو معلوم: إذا كان حديثاً ضعيفاً فهو غير ثابت، أي: إذا كان ذلك الضعف لا ينجبر، ولا يحتمل، فيعتبر غير ثابت، وأما الحديث الموقوف فهو كلام صحابي، معناه: إذا انتهى الحديث إليه فهو يعتبر كلام صحابي، إلا أن يكون من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، ولا مجال للاجتهاد فيها، فهذا يقولون عنه: مرفوع حكماً، وليس مرفوعاً تصريحاً، هذا إذا كان الحديث موقوف على صحابي، ولكنه من الأمور الغيبية، إلا إذا كان الشخص معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإن هذا يحتمل أن يكون مما أخذه من أخبار بني إسرائيل، إذا كان بالأمور الغيبية.
الحاصل: أنه إذا كان الحديث في إسناده ضعيف، والضعف شديد فإنه يعتبر غير ثابت، وذاك الموقوف إذا كان الإسناد صحيح، إن كان مما للرأي فيه مجال، فهو قول صحابي، وثابت إليه، وإن كان مما ليس للرأي فيه مجال، وليس الصحابي معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فيكون له حكم الرفع، ولهذا المرفوع يقولون عنه: مرفوعاً تصريحاً ومرفوعاً حكماً، المرفوع تصريحاً: أن يقول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، والمرفوع حكماً: أن يقول قولاً لا مجال للرأي فيه، وليس معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، فإنه يعتبر مرفوعاً حكماً إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.

مدة القصر في السفر إذا زاد على أربعة أيام
السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرت أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة تسعة عشر يوماً في تبوك، فما هو التوفيق؟ جزاكم الله خيراً.الجواب: أنا ذكرت فيما مضى أن ما جاء من إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح، وما جاء بإقامته في تبوك، وهو يقصر الصلاة في مكة، وفي تبوك، لم يكن هناك شيء يدل على أنه عازم على الإقامة هذه المدة عند دخوله مكة، أو وصوله إلى تبوك، لا يوجد ما يدل على هذا، ومن المعلوم: أن المسافر إذا لم يكن عنده عزم على الإقامة، ولا يدري متى تنتهي إقامته في البلد، أي: ما عنده عزم على مدة معينة، فإنه يقصر ولو طالت المدة، ولو بلغت أكثر من هذه المدة، ما دام أنه ما كان عنده عزم للإقامة، مثل: إنسان عنده شغل، ولا يدري متى ينتهي شغله، كل يوم يقول: ينتهي، كل يوم يقول: ينتهي، يستمر يقصر، ولو طالت المدة، لكن إذا كان هناك عند الدخول ووصول البلد عنده عزم على الإقامة هذه المدة، في مكة، ما عندنا ما يفيد بأن الرسول لما دخل مكة عزم على الاقامة تسعة عشر يوماً، وليس عندنا شيء يوضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما وصل تبوك كان سيبقى فيه هذه المدة، فهذا مجهول، ومن المعلوم أن المدة إذا كانت مجهولة أمام الإنسان، وليس عنده عزم على إقامة مدة معينة، أنه يقصر، ولو طالت المدة، مثل ما حصل لبعض الصحابة، كانوا يسافرون ويقصرون الشهرين، وذلك فيما جاء عن ابن عمر في أذربيجان لما كان الثلج موجوداً، وكانوا كل يوم ينتظرون الثلج يذوب، ويمشون، ويقصرون، وتتواصل الأيام حتى تبلغ شهرين، فإذاً: المدة التي عُرف أن النبي علي الصلاة والسلام عزم على إقامتها عند وصوله إلى البلد في حجة الوداع، لما دخل مكة في اليوم الرابع، وهو باق فيها إلى أن يذهب إلى الحج في اليوم الثامن، معنى هذه إقامة محققة عند الدخول؛ لأنه أمامه الحج، وسيخرج من مكة للحج، معناه: أقام في البلد أربعة أيام، فمن هنا قال جمهور العلماء: على أن الإقامة تكون إذا نوى الإنسان أكثر من أربعة أيام، فإنه لا يعتبر مسافراً، بل يعتبر حكمه حكم المقيم، وإن كانت إقامته في حدود أربعة أيام فأقل، فحكمه حكم المسافرين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في الأربعة الأيام التي كان فيها بمكة من يوم أربعة إلى يوم ثمانية.

ابو الوليد المسلم
03-30-2026, 11:10 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة الخوف)
(282)
صلاة الخوف لها كيفيات كلها واردة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: أن تقوم طائفة مع الإمام وطائفة تكون بإزاء العدو، فيصلي بالذين معه ركعة، ثم يذهبون فتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ثم تقضي كل طائفة ركعة ركعة.
تابع صلاة الخوف(2)
شرح حديث سهل بن أبي حثمة: (أن رسول الله صلى بهم صلاة الخوف فصف صفاً خلفه ...)

يقول المصنف رحمه الله تعالى في كتاب صلاة الخوف: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فصف صفاً خلفه، وصفاً مصافو العدو، فصلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعةً ركعة)].هذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله في كتاب الخوف، وقد مر جملة من الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك، وهذا الحديث عن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى فيهم صلاة الخوف، وجعلهم صفين: صفاً وراءه، وصفاً في مواجهة العدو، وصلى بالذين معه ركعة، ثم انصرفوا، وذهبوا إلى مواجهة العدو، وجاء الذين كانوا في المواجهة، وصلوا معه الركعة الثانية، ثم قضوا، أي: بعد أن سلم بالطائفة الأخيرة، قضى كل واحد ركعةً ركعة، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعتين، وكل واحد منهم صلى ركعةً ركعة، فكان لكل واحد منهم ركعتين، أي: أن الذين ذهبوا كانوا لم تكمل صلاتهم، والذين كانوا معه وسلم، صلوا ركعةً بعد أن سلم بهم، فيكون كل من المأمومين صلى ركعتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالجميع ركعتين.
قوله: [(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فصف صفاً خلفه، وصفاً مصافو العدو، فصلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعةً ركعة)].
أي: أن المأمومين كل واحد منهم قضى ركعةً ركعة، وهذه صفات من صفة صلاة الخوف، وقد تقدمت صفة عن حذيفة، وزيد بن ثابت، وفيه: أنهم لم يقضوا، وفي هذا الحديث أن كل واحد منهم قضى ركعةً ركعة، فهذه تعتبر من صفات صلاة الخوف، وأن الإمام يصلي بهم ركعتين بكل طائفة ركعة، ثم كل واحد منهم يصلي لنفسه ركعةً ركعة، ومعنى ذلك أنهم يتناوبون، بمعنى: أن الذين كانوا معه يقومون ويصلون ركعة، ثم الذين في مواجهة العدو يصلون ركعة، وليس معنى ذلك أنهم يصلون جميعاً ركعة ركعة يقضون؛ لأنه لو كان الأمر كذلك، فإنه يكون العدو ليس في مواجهته إلا الإمام الذي فرغ من صلاته وأتمها.
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن أبي حثمة: (أن رسول الله صلى بهم صلاة الخوف فصف صفاً خلفه ...)

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي، هو: الفلاس، وهو ثقة، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان، وهو ثقة، ناقد أيضاً متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو ثقة، فقيه من فقهاء التابعين، ومن الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن صالح بن خوات].
وهو الأنصاري، المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سهل بن أبي حثمة].
وهو الأنصاري المدني، وهو صحابي صغير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد كل رجاله خرج لهم في الكتب الستة، عمرو بن علي الفلاس يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري يروي عن شعبة بن الحجاج الواسطي يروي عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، يروي عبد الرحمن عن أبيه القاسم، وأبوه القاسم يروي عن صالح بن خوات، وصالح بن خوات يروي عن سهل بن أبي حثمة، هؤلاء السبعة كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع: (أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: (أن طائفةً صفت معه، وطائفةٌ وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم)].وأما الحديث الذي قبل هذا: [(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فصف صفاً خلفه، وصفاً مصافو العدو، فصلى بهم ركعة، ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة، ثم قاموا فقضوا ركعةً ركعة)].
هذا حديث آخر عمن صلى خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام صلاة الخوف، يعني: عن رجل من الصحابة لم يسم هنا، والإسناد الأول: فيه سهل بن أبي حثمة، ولكنه من صغار الصحابة، فالذي يظهر أنه ليس ممن حضر الصلاة، والصغير لا يشارك في الغزو، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يقر من كان عمره أربع عشرة سنة، عن المشاركة في الغزو كما حصل من ابن عمر، قال: عرضت إليه يوم أُحد وأنا ابن أربعة عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق، فأجازني، فتلك صفة أخرى غير هذه الصفة التي هي: عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة؛ لأن تلك ليس فيها أنه ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم، وإنما ذهب أولئك، ثم أولئك جاءوا وصلوا، ثم صلى كل جماعة منهم ركعةً ركعة، أما هذه الصيغة أو هذه الصفة من صلاة الخوف، فالرسول صلى الله عليه وسلم جعلهم صفين: صفاً تجاه العدو، وصفاً وراءه، فالذين صلوا وراءه صلى بهم ركعة، ثم قام للركعة الثانية، وهم أتوا بالركعة الباقية عليهم، وسلموا، وذهبوا، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم لما وقف في الركعة الثانية، وقد فرغ من الأولى، هم قاموا وصلوا الركعة الثانية، وسلموا وانصرفوا، وبقي الرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ثم جاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم الركعة الثانية، ولما فرغ منها وجلس للتشهد، هم قاموا وأتوا بالركعة الثانية التي عليهم، ثم تشهدوا وسلم بهم، يعني: فسلم بالطائفة الأخيرة، لكن كل طائفة صلت معه ركعة، وأتمت لنفسها ركعة، وصار كل واحد من الطائفتين، ذهب وقد فرغ من صلاته.
والراوي الصحابي الذي صلى مع رسول الله لم يسمه صالح بن خوات، فقد ذكر الحافظ في بلوغ المرام: أن عند ابن مندة في المعرفة: عن صالح بن خوات عن أبيه؛ لأنه هنا مهمل، ولكن الحافظ ابن حجر لما ذكر الحديث عن طريق صالح بن خوات، عمن صلى خلف رسول الله صلاة الخوف، قال: وفي المعرفة ابن مندة: عن صالح بن خوات عن أبيه، لا أدري عن إسناد تلك الرواية التي في المعرفة لـابن مندة، لكن كما هو معلوم الصحابي جهالته كالعلم به، لا تؤثر جهالته؛ ما دام عرف أنه صحابي، فالصحابة عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله عليه الصلاة والسلام، فهم لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين، وتوثيق الموثقين بعد أن عدلهم رب العالمين، ورسوله الأمين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا نجد أن غير الصحابة لابد من معرفته، ومعرفة شخصه، وحاله، والصحابة يكفي أن يقال عن الشخص: أنه صحابي، وإن لم يذكر اسمه، فالجهالة فيهم لا تؤثر، وإنما الجهالة تؤثر في غيرهم، ولهذا فإن المجهول منهم كالمعلوم.
تراجم إسناد حديث صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع: (أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو ...)

قوله: [أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد بن رومان].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن صالح بن خوات].
وقد مر ذكره.
[عمن صلى خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام].
وهو صحابي لم يسم، وعرفنا أن عدم تسميته لا تؤثر، وذكرت أن في المعرفة لـابن مندة كما ذكر الحافظ ابن حجر بعد سياقه الحديث، قال: وفي المعرفة لـابن مندة: عن صالح بن خوات عن أبيه، فمعنى هذا يكون أبوه هو الذي صلى خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن كما ذكرت الصحابي الذي صلى، سواءً علم أو لم يعلم، لا يؤثر على الرواية شيئاً؛ لأن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (أن رسول الله صلى بإحدى الطائفتين ركعة ...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انطلقوا فقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعةً أخرى، ثم سلم عليهم، فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم، وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، في صفة صلاة الخوف، وهو مثل الصفة التي مرت عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة، أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم فجعلهم صفين: صفٌ في مواجهة العدو، وصف وراءه، فصلى بالذين وراءه ركعة، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أولئك الذين في مواجهة العدو، وجاء أولئك وصلى بهم الركعة الثانية، ثم سلم، وبعد أن سلم قام كل طائفة منهم وصلوا ركعة، أي: الركعة التي بقيت عليهم، صلوها بالتناوب، أي: ما صلوا جميعاً، وإنما هؤلاء صلوا على حدة، وهؤلاء صلوا على حدة، أي: قضوا ما فاتهم، وهذه الصفة مثل الصفة التي مرت عن صالح بن خوات الأولى التي عن سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى بإحدى الطائفتين ركعة ...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود]. هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدته: ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر مكنىً بعد اسمه، أو ذكر منسوباً بعد اسمه، فإن قيل: إسماعيل بن مسعود، أو إسماعيل أبو مسعود، كل ذلك صحيح، ومن لا يعرف أن كنيته أبو مسعود، يظن أنه لو قيل: إسماعيل أبو مسعود، أن (ابن) صحفت وتحولت إلى (أبو)، مع أن الكل صحيح، إن قيل: ابن مسعود فهو إسماعيل ابن مسعود، وإن قيل: أبو مسعود فهو إسماعيل أبو مسعود.
[عن يزيد بن زريع].
هو يزيد بن زريع البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا معمر].
هو ابن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو تابعي جليل، من صغار التابعين، ومحدث، فقيه، وثقة مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم].
هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعن عبد الله بن عمر، وسالم هذا من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وأبوه عبد الله بن عمر، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، إذا قيل: العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله، والمقصود بالعبادلة أنهم اشتهروا بهذا اللقب، وهم من صغار الصحابة، ومتقاربون في سنة الوفاة، ولهذا أدركهم من لم يدرك كبار الصحابة.
وممن يسمى عبد الله من الصحابة كثير منهم: عبد الله بن قيس الأشعري أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق، وابنه عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن مسعود، كثير يسمون عبد الله، ولكن لقب العبادلة الأربعة اشتهر به هؤلاء الأربعة الذي هم من صغار الصحابة، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة، هؤلاء السبعة هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
زوجة النبي عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
يتبع

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:29 PM
شرح حديث ابن عمر: (غزوت مع رسول الله قبل نجد فوازينا العدو وصففناهم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد عن بقية عن شعيب حدثني الزهري حدثني سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: (غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فوازينا العدو وصففناهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، فقامت طائفةٌ منا معه، وأقبل طائفةٌ على العدو، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ركعة، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا، فكانوا مكان أولئك الذين لم يصلوا، وجاءت الطائفة التي لم تصل فركع بهم ركعة وسجدتين، ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقام كل رجل من المسلمين فركع لنفسه ركعة وسجدتين)].هذه صفة أخرى عن عبد الله بن عمر، وقد مرت هذه الصفة عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلهم صفين: صف في مواجهة العدو، وصف وراءه، فصلى بالذين معه ركعة، ثم انصرفوا، وقاموا مقام الذين في مواجهة العدو، وجاء أولئك وصلوا معه الركعة الثانية، ثم سلم، ولما سلم قام كل رجل من المسلمين فصلى ما بقي له، أي: صلى ركعة، فهذه من صفات صلاة الخوف، وهي أنه يصلي بكل طائفة ركعة، وتصلي الطائفة الأولى ركعة ثم تذهب، وبقي عليهم ركعة من صلاتهم، ثم تأتي الطائفة الثانية وتصلي معه ركعة، ثم يسلم، ثم بعد ذلك يصلي كل واحد ركعة ركعة.
لكن هل يصلي كل واحد على حدة أو يصلون جماعة؟ لأنه قال: كل واحد من المسلمين، أو كل رجل من المسلمين، وهذا يحتمل أن يكون معناه: أنهم صلوا مجموعتين، وأن ما منهم من أحد إلا وقد صلى ركعة قضاءً، ويحتمل أن يكون كل واحد صلى على حدة، لكن الأظهر والله أعلم كما جاء: أن كل طائفة صلت ركعة، فيحتمل أن يكون هذا، ويحتمل أن يكون هذا، لكن الذي هو واضح أن كل طائفة صلت معه ركعة، ثم كل قضى ركعة، وهل قضوا مجتمعين، أي: كل طائفة على حدة أو كل واحد على حدة؟ من المعلوم أنه لا بد من تقسيمهم إلى مجموعة تكون تجاه العدو، ومجموعة تقضي، ولو صلوا جميعاً في وقت واحد، ما حصل المقصود من تقسيمهم إلى مجموعتين؛ لأنه لا يبقى أحد في مواجهة العدو إلا الإمام؛ لأنه هو الذي قضى صلاته، والباقون يقضون ما فاتهم من الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (غزوت مع رسول الله قبل نجد فوازينا العدو وصففناهم ...)
قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].
هو كثير بن عبيد الحمصي وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن بقية].
هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن شعيب].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني الزهري حدثني سالم بن عبد الله عن أبيه ].
وقد مر ذكرهم.
وهذا الإسناد ستة أشخاص، نصفه الأسفل شاميون، والنصف الأعلى مدنيون.
شرح حديث ابن عمر: (كبر النبي وصف خلفه طائفة منا ...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي عن عبد الله بن يوسف أخبرنا سعيد بن عبد العزيز عن الزهري كان عبد الله بن عمر يحدث أنه صلى صلاة الخوف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كبر النبي صلى الله عليه وسلم، وصف خلفه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفةٌ على العدو، فركع بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعةً وسجدتين، ثم انصرفوا وأقبلوا على العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل مثل ذلك، ثم سلم، ثم قام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعةً وسجدتين)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وهي مثل الطريق السابقة، وهما مجموعتان، صلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعة، وسلم، ثم قام كل رجل من الطائفتين وصلى لنفسه ركعة، فهي مثل الطريق السابقة التي قبلها.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (كبر النبي وصف خلفه طائفة منا ...) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي]. هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن عبد الله بن يوسف].
هو عبد الله بن يوسف التنيسي، المصري، وتنيس هي قرية من قرى مصر، يقال له: التنيسي نسبة خاصة، ويقال له: المصري نسبة عامة، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[أخبرنا سعيد بن عبد العزيز].
هو سعيد بن عبد العزيز الدمشقي، وهو ثقة، إمام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن عبد الله بن عمر].
وهنا الزهري يروي عن عبد الله بن عمر، وقد ذكر ابن السني بعد الحديث الذي يليه -وهو مثله في الإسناد- أن الزهري سمع من عبد الله بن عمر حديثين، وليس هذا مما سمعه، فيكون فيه انقطاع، ويكون فيه واسطة، ومن المعلوم أن الواسطة التي بينه وبين عبد الله بن عمر هو سالم بن عبد الله بن عمر كما جاء في الإسناد السابق، والزهري قيل عنه: إنه يدلس نادراً، فيكون من هذا القبيل؛ لأن فيه واسطة، ولم يسمع هذا الحديث منه، وإن كان سمع من ابن عمر حديثين، لكن هذا ليس مما سمعه، وإنما سمعه بواسطة، والواسطة هي ما جاء في الإسناد الذي قبل هذا، وقد ذكر ذلك بعد الحديث الذي يليه، قال أبو بكر بن السني: الزهري سمع من ابن عمر حديثين ولم يسمع هذا، فيكون هذا مما فيه انقطاع، وسمعه بالواسطة، لكن الواسطة هي: سالم، والحديث يعتبر صحيحاً؛ لأنه عرفت الواسطة، وهو: سالم بن عبد الله بن عمر، وهو الحديث الذي قبل هذا، أو الرواية التي قبل هذا، وكونه حصل فيه تدليس، وقد عرفت الواسطة، وأنها سالم بن عبد الله بن عمر كما بينت ذلك الرواية السابقة، وقد قالوا في ترجمة الزهري: إنه يدلس نادراً، وليس كثير التدليس.
شرح حديث ابن عمر: (صلى النبي صلاة الخوف قام فكبر فصلى خلفه طائفة منا ...) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني عمران بن بكار حدثنا محمد بن المبارك حدثنا الهيثم بن حميد عن العلاء وأبي أيوب عن الزهري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، قام فكبر، فصلى خلفه طائفةٌ منا، وطائفةٌ مواجهة العدو، فركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا، ولم يسلموا، وأقبلوا على العدو، فصفوا مكانهم، وجاءت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى بهم ركعةً وسجدتين، ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أتم ركعتين وأربع سجدات، ثم قامت الطائفتان، فصلى كل إنسانٍ منهم لنفسه ركعةً وسجدتين)، قال أبو بكر بن السني: الزهري سمع من ابن عمر حديثين، ولم يسمع هذا منه].أورد النسائي طريق أخرى عن طريق الزهري عن ابن عمر، وهي مثل الطريقة السابقة، وفيها الانقطاع بين الزهري وبين عبد الله بن عمر، وقول ابن السني بعده: إن الزهري سمع من ابن عمر حديثين وليس هذا منه، أي: فهو مما حصل فيه التدليس، والانقطاع، ولكن الواسطة تبينت من الطريق السابقة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (صلى النبي صلاة الخوف قام فكبر فصلى طائفة منا ..) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرني عمران بن بكار].
هو عمران بن بكار الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا محمد بن المبارك].
هو الصوري، نزيل دمشق، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الهيثم بن حميد].
صدوق، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[عن العلاء وأبي أيوب].
العلاء هو ابن الحارث، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن.
وأما أبو أيوب فهو مجهول، خرج حديثه النسائي وحده.
وفي التقريب: أبو أيوب يروي عن الزهري مجهولاً، خرج حديثه النسائي وحده. وكما هو معلوم جهالته لا تؤثر؛ لأنه قد ذكر معه شخص آخر، وهو صدوق، فجهالته لا تؤثر؛ لأنه ليس الاعتماد عليه، وإنما الاعتماد على صاحبه الذي روى معه، والذي قد روى عنهما الهيثم بن حميد، وهما رويا عن الزهري، فجهالة أبي أيوب هذا لا تؤثر؛ لأن العمدة العلاء بن الحارث.
[عن الزهري عن عبد الله بن عمر].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث ابن عمر: (صلى الرسول صلاة الخوف في بعض أيامه ...) من طريق رابعة

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى حدثنا يحيى بن آدم عن سفيان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفةٌ معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعةً ركعة)].أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى مثل ما تقدم، وهو أنه جعلهم طائفتين: طائفة وجاه العدو، وطائفة صلوا معه ركعة، ثم انصرفوا، ووقفوا مكان أولئك الذين هم في مواجهة العدو، وجاءت الطائفة الثانية وصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعةً ركعة، وهذا الأظهر فيه، أن كل طائفة صلت ركعة، ويحتمل أن يكون كل واحد صلى ركعة، لكنهم كما هو معلوم منقسمون إلى قسمين، وليس القضاء منهم جميعاً في آن واحد، وفي وقت واحد؛ لأن ذلك يلزم منه انكشاف ما في جهة العدو، وأنه ليس في مواجهة العدو إلا الإمام الذي فرغ من الصلاة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلى الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه ...) من طريق رابعة

قوله: [أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى].ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[موسى بن عقبة].
هو موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، فقيه، إمام في المغازي، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
وقد مر ذكره.
الأسئلة


حكم السترة في الصلاة وضابطها
السؤال: فضيلة الشيخ! هل السترة واجبة أم لا؟ وهل السترة بالنعلين تجوز؟الجواب: السترة فيها خلاف بين العلماء، جمهورهم على أنها مستحبة، وبعض العلماء قال بوجوبها، والإنسان يحرص عليها، سواءً كانت واجبة أو مستحبة، ومن يقول بوجوبها يرى أنه يتعين ذلك، وليس له أن يترك اتخاذ السترة، ومن يقول: بأنها مستحبة، يرى أن الأفضل فعلها، وإن لم يفعلها فإنه لا يحصل له إثم؛ لأنه لم يترك أمراً واجباً، وأما السترة، فهي تكون في شيء شاخص، مثل: العمود، أو مثل مؤخرة الرحل، أو شيء يلفت نظر الذي يمر، وإن لم يجد جاء في بعض الأحاديث أنه يخط خطاً حتى يكون علامة لمن يمر فيعرف أن هناك سترة أمام من يصلي، ولو لم يكن هناك سترة فإن المار يترك مقدار ثلاثة أذرع من قدم المصلي، ويمر من وراء ذلك.
رفع اليدين في الدعاء
السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو القول الشافي في رفع اليدين للدعاء؟ وجزاكم الله خيراً.الجواب: ما عرف أنه جاء فيه رفع اليدين فإنه يشرع فيه رفعهما؛ مثل الاستسقاء، والوقوف على الصفا وعلى المروة، فإن الإنسان عندما يدعو يرفع يديه، فالمواضع التي ورد في السنة التنصيص على رفع اليدين فيها ترفع اليدين فيها، والمواضع التي لم ترد مع كثرتها وتكرراها فإنها لا ترفع، مثل: بعد الصلوات الخمس، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس في الصلوات الخمس دائماً، ومع ذلك ما أثر عنه أنه رفع يديه ولا مرةً واحدة، فإذاً: لا ترفع اليدين بعد الصلوات الخمس؛ لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه مع كثرة الصلوات التي صلاها بالناس، مثل الخطبة خطبة الجمعة، على كثرة خطبه في الناس فما كان يرفع يديه، وإنما كان يشير بإصبعه كما جاء ذلك في حديث عمارة بن رويبة: (أنه لما رأى الرجل الذي كان رفع يديه، قال: ما زاد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن أشار بإصبعه)، معناه: أنكر كونه يرفع يديه؛ لأنه شيء تكرر وكثر فعله وهي الخطبة، ومع ذلك ما كان يرفع يديه.
إذاً: لا ترفع اليدين إلا إذا استسقى في الخطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له الرجل، (هلكت الأموال، وانقطعت السبل، ادع الله أن يغيثنا، رفع يديه ودعا)، وقبل ذلك ما كان يرفع يديه.
فإذاً: المواضع التي جاء فيها الرفع ترفع فيها الأيدي، والمواضع التي ما جاء فيها الرفع -وهي كثيرة ومتكررة- فلا ترفع، والذي ليس من هذا ولا من هذا، الأمر في ذلك واسع، يعني إذا رفع فهو مناسب؛ لأنه جاء في الحديث الرفع مطلقاً، مثل: (أن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً)، أن يردهما خاليتين، وهذا يفيد بأن الشيء المطلق للإنسان أن يرفع يديه، والشيء الذي تكرر من الرسول صلى الله عليه وسلم وما رفع يديه فلا ترفع اليدين فيه، والشيء الذي ثبت عنه رفع اليدين ترفع الأيدي فيه.
إذاً: المسألة فيها تفصيل على ثلاثة أحوال: الذي جاء في ثبوت الرفع ترفع، والذي تكرر ولم يأت فيه الرفع فلا ترفع، مثل: الخطبة، ومثل: بعد الصلوات الخمس، والدعاء المطلق كون الإنسان أراد أن يدعو لنفسه في وقت من الأوقات فإنه يرفع يديه، أو بعد النوافل، فله أن يرفع يديه.
مراسلة المخطوبة وإهداء الهدايا لها
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز للرجل قبل عقد الزواج أن يهدي للمرأة هدايا؟ وهل يجوز أن يراسلها؟الجواب: قبل أن يتم العقد بينهما هي أجنبية، لكن كونه يرسل لها شيئاً، أو يرسل لأهلها شيئاً، من أجل تمهيد للزواج، وإن لم يكن حصل العقد أو دفع المهر، أو يقدم لهم شيئاً فلا بأس أنه يعطيهم، لكن كونه يكلمها ويخاطبها، أو يراسلها فالذي ينبغي ألا يفعل ذلك؛ لأنها أجنبية، ولا يدرى هل يتم بينهما زواج أو لا يتم؟ فقد لا يتم الزواج، وتصير المسألة حصول اتصال مع أجنبية، لكن إذا عقد أصبحت زوجة له، فيكلمها ويلتقي بها.
المراد بقول ابن عباس: ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين
السؤال: فضيلة الشيخ! ما معنى قول ابن عباس: ما كانت صلاة الخوف إلا سجدتين كصلاة أحراسكم هؤلاء؟الجواب: سجدتين يعني ركعتين، ما كانت صلاة الخوف إلا ركعتين كالحرس، أي: حرس الأئمة والأمراء.
القراءة في صلاة الخوف بين الجهرية والسرية
السؤال: فضيلة الشيخ! هل القراءة في صلاة الخوف جهراً أم سراً؟الجواب: كما هو معلوم فإن الصلاة الجهرية تكون جهرية، والسرية سرية.
نسيان تكبيرة الإحرام والدخول في الصلاة بنية تكبيرة الانتقال
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم من نسي تكبيرة الإحرام، ومن نواها للانتقال دون الإحرام، فهل تجزئه؟الجواب: إذا لم ينو تكبيرة الإحرام لم يدخل في الصلاة، بل الدخول في الصلاة هو بتكبيرة الإحرام، وبنية الدخول في الصلاة، فلا تجزئ تكبيرة الركوع عن تكبيرة الإحرام، لكن تكبيرة الإحرام تجزئ عن تكبيرة الركوع في قول بعض أهل العلم؛ لأنها فرض.

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:32 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة الخوف)
(283)


كتاب صلاة الخوف [3]


إن من سماحة هذا الدين ويسره أن شرع الله عز وجل لعباده صلاة الخوف، والتي تختلف عن بقية الصلوات، فإنه يتسامح فيها ما لا يتسامح في غيرها من الحركة والتنقل، وهذا يبين يسر هذا الدين، وأن العبد يتعلق بربه في حال الأمن والخوف.
صفة صلاة الخوف
شرح حديث أبي هريرة: (عام غزوة نجد قام رسول الله لصلاة العصر وقامت معه طائفة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب صلاة الخوف: [حدثنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ح، وأخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا أبي حدثنا حيوة وذكر آخر حدثنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة رضي الله تعالى عنه: (هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم. قال: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر، وقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعاً؛ الذين معه والذين يقابلون العدو، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة، وركعت معه الطائفة التي تليه، ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا، وسجدوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هو، ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى، وركعوا معه، وسجد، وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا، وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعاً، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان)].وهذا مثل الحديث المتقدم، إلا أن فيه أنه قال: (ثم)، ويحتمل أن يكون قبل السلام، مثل الصفة الأولى التي جاءت عن طريق صالح بن خوات: أنه ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، لكن تلك إحدى الطرق التي مرت، وهي: أن كل طائفة تصلي ركعة ركعة، وذلك بعد سلام الإمام، يعني: فهذه الطائفة الأولى قضت الركعة التي عليها، قبل أن تذهب، وسلمت، والطائفة الثانية، جاءت وصلت معهم الركعة الثانية وقضت الركعة التي عليها.

شرح حديث أبي عياش الزرقي: (... فصلى بهم رسول الله العصر فصفهم صفين خلفه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب صلاة الخوف: [أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت مجاهداً يحدث عن أبي عياش الزرقي قال شعبة: كتب به إلي، وقرأته عليه، وسمعته منه يحدث، ولكني حفظته، قال ابن بشار في حديثه: حفظي من الكتاب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مصاف العدو بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، قال المشركون: إن لهم صلاة بعد هذه، هي أحب إليهم من أموالهم، وأبنائهم، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، فصفهم صفين خلفه، فركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فلما رفعوا رءوسهم سجد بالصف الذي يليه، وقام الآخرون، فلما رفعوا رءوسهم من السجود سجد الصف المؤخر بركوعهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تأخر الصف المقدم، وتقدم الصف المؤخر، فقام كل واحد منهم في مقام صاحبه، ثم ركع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً، فلما رفعوا رءوسهم من الركوع، سجد الصف الذي يليه وقام الآخرون، فلما فرغوا من سجودهم، سجد الآخرون، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم)].فهذا الحديث -حديث أبي عياش الزرقي رضي الله تعالى عنه- اشتمل على صفة صلاة الخوف، فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، وقد مرت هذه الصفة في بعض الأحاديث عن غير أبي عياش الزرقي، وهذه الصفة هي: إذا كان العدو في جهة القبلة، والتي جاءت في حديث جابر فيما مضى وغيره، هي: أن النبي عليه الصلاة والسلام صفهم صفين، ودخل في الصلاة، ودخلوا معه جميعاً، ثم إنه كبر، وكبروا معه جميعاً، ثم ركع، وركعوا معه جميعاً، ثم رفع، وقاموا معه جميعاً، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وأولئك بقوا على ما هم عليه، أي: الصف المؤخر، ثم لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه إلى الركعة الثانية، سجدوا لأنفسهم، ثم قاموا، وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، وصلى بهم الركعة الثانية، ثم إنه عمل في الركعة الثانية، كما عمل في الركعة الأولى، ركع، وركع معه الصف الذي يليه، ثم رفعوا جميعاً، ثم سجد، ومعه الصف الذي يليه، ولما استقروا جالسين، سجد أولئك السجدتين، فالصف المقدم تأخر، والصف المؤخر تقدم، وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه الركعة الأولى وركعوا، ثم إنه سجد، ومعه الصف الأول الذي كان مؤخراً في الأول، ثم إنه لما جلس سجد الذين كانوا قائمين في الصف الثاني، ثم إنه سلم بهم جميعاً، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل منهم ركعتان، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الصفة التي مرت في حديث جابر وغيره، يعني: فيما إذا كان العدو في جهة القبلة؛ فإنهم يكونون مع النبي عليه الصلاة والسلام في الركوع، ولكنهم يختلفون في السجود، يسجد الذين وراءه، والصف المؤخر يقضون لأنفسهم، وهكذا، فتكون الركعتان للمأمومين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كل منهم صلى ركعتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين.
تراجم رجال إسناد حديث أبي عياش الزرقي: (... فصلى بهم رسول الله العصر فصفهم صفين خلفه ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار].
محمد بن المثنى هو الملقب الزمن العنزي، كنيته أبو موسى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، ومثله: محمد بن بشار الشيخ الثاني، فإنه أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، وهذان الشيخان للنسائي، وهما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، جميعاً ماتا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهما من صغار شيوخه، وكانا متماثلين، قيل: إنهما متفقان في سنة الولادة، وفي سنة الوفاة، وفي التلاميذ، والشيوخ، وكونهم من أهل البصرة، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة، ومثلهما: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وأيضاً توفي في السنة التي مات فيها محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
[عن محمد].
محمد غير منسوب، وهو محمد بن جعفر، الملقب غندر، وإذا جاء محمد، يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن بشار، أو محمد بن المثنى، وهو غير منسوب، فإن المراد به محمد بن جعفر، الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو بصري أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت مجاهداً].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عياش الزرقي].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي.
شرح حديث أبي عياش الزرقي: (... فصلى بنا رسول الله صلاة العصر ففرقنا فرقتين ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر وعلى المشركين يومئذ خالد بن الوليد، فقال المشركون: لقد أصبنا منهم غرة، ولقد أصبنا منهم غفلة، فنزلت صلاة الخوف بين الظهر والعصر، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ففرقنا فرقتين: فرقة تصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفرقة يحرسونه، فكبر بالذين يلونه، والذين يحرسونهم، ثم ركع، فركع هؤلاء وأولئك جميعاً، ثم سجد الذين يلونه وتأخر هؤلاء والذين يلونه، ثم سجد الذين يلونه، وتأخر هؤلاء الذين يلونه، وتقدم الآخرون، فسجدوا، ثم قام فركع بهم جميعاً الثانية بالذين يلونه وبالذين يحرسونه، ثم سجد بالذين يلونه، ثم تأخروا فقاموا في مصاف أصحابهم، وتقدم الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، فكانت لكلهم ركعتان ركعتان مع إمامهم، وصلى مرة بأرض بني سليم)].لعلها: (هؤلاء الذين يلونه)؛ لأن هؤلاء الذين يلونه، هم الذين تأخروا، يعني (الواو) ليس واضحاً ورودها هنا، يعني: أن هؤلاء الذين في الصف الأول هم الذين سجدوا معه، فهم الذين يلونه، وأولئك تقدموا، إلا إذا كان العطف لشيء على مثله فيمكن، مثلما إذا اختلف اللفظ، يمكن العطف على اختلاف اللفظ، وإن كان المعنى واحداً، مثل قول الشاعر:
وألفى قولها كذباً وميناً
الكذب هو المين، والمين هو الكذب، لكن الذي يبدو أن الواو زائدة، يعني: تأخر هؤلاء الذين يلونه، أي الذين سجدوا معه.
أورد النسائي حديث أبي عياش الزرقي رضي الله عنه، وهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه: تقدماً وتأخراً عند السجود، يعني: أن الذين كانوا تقدموا تأخروا، ففيه زيادة عمل، عما كان في الرواية السابقة؛ لأن الرواية السابقة ليس فيها تقدم وتأخر إلا مرة واحدة، وأما هذه الصفة وهذه الرواية، ففيها تقدم وتأخر آخر، يعني: في حال الجلوس؛ لأن الذين كانوا في الركعة الأولى متأخرين وتقدموا في الركعة الثانية، تأخروا عند السجود، وتقدم الذين كانوا متأخرين فصارت النهاية أن الذين كانوا أولاً في البداية، كانوا أولاً في النهاية، ولا أدري، والحديث الراوي له أبو عياش الزرقي، وكان على المشركين خالد بن الوليد، وكل العدو في جهة القبلة، فإن كانت مرة ثانية، فالأمر واضح، وإن كانت مرة واحدة، فإن فيها اختلافاً، والصفة الأولى هي المطابقة لحديث جابر في صفة صلاة الخوف، فيما إذا كان العدو في جهة القبلة.
وكذلك غيره فيما تقدم من الروايات، وهو أنه لا يكون هناك تقدم وتأخر إلا مرة واحدة، ما في تقدم وتأخر مرتين، لكن هذه الرواية فيها التقدم والتأخر مرتين، فإن كانت قصة أخرى فالأمر واضح، وتكون هذه صفة وتلك صفة، وإن كانت قصة واحدة، فإن الرواية الأولى هي التي تؤيدها الرواية الأخرى الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، في بيان صلاة الخوف، فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، وهي مثل الصفة الأولى؛ لحديث أبي عياش الزرقي رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي عياش الزرقي: (... فصلى بنا رسول الله صلاة العصر ففرقنا فرقتين ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، لقبه الفلاس، وهو ثقة، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الرجال: قال الفلاس كذا، وثقه الفلاس، ضعفه الفلاس، وأحياناً يأتي عمرو بن علي كما هنا، وهو بصري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد].
هو عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا منصور عن مجاهد عن أبي عياش].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث أبي بكرة: (أن النبي صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود واللفظ له قالا: حدثنا خالد عن أشعث عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالقوم في الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين، ثم سلم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم أربعاً)].أورد النسائي حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، وهو يشتمل على صفة من صفات صلاة الخوف، وهي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قسم أصحابه قسمين، أو جعلهم مجموعتين: مجموعة صلى بهم ركعتين، ثم سلم، ثم جاءت المجموعة الثانية، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم صلى مرتين، بالطائفة الأولى صلى الفرض، وبالطائفة الثانية صلى النفل، وهذا من أدلة صحة صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن المجموعة الثانية مفترضون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم متنفل؛ لأن الذي صلاها بالجماعة الأولى هي الفرض، فصلاته الثانية نفل، فهذا من أوضح الأدلة على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.
ومنها: حديث معاذ رضي الله عنه، أنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء، ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، وهو متنفل وهم مفترضون، فهذان الحديثان، حديث معاذ في صلاته بأصحابه بعد أن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وحديث أبي بكرة هذا، في إحدى صفات صلاة الخوف، يدل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.
إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم هنا صلى مرتين: مرة بالطائفة الأولى، وهو مفترض صلى بهم ركعتين وسلم، ثم ذهبوا، وجاء أولئك فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فصار متنفلاً في صلاته بالطائفة الثانية، فهذه إحدى صفات صلاة الخوف.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة: (أن النبي صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم ...)

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود].
محمد بن عبد الأعلى، هو البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وإسماعيل بن مسعود، هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
واللفظ له، أي: لـإسماعيل بن مسعود.
[حدثنا خالد].
هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو ابن عبد الملك الحمراني، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحسن].
هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكرة].
وهو: نفيع بن الحارث، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث جابر: (أن النبي صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضا ركعتين، ثم سلم)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو مثل حديث أبي بكرة المتقدم، يعني: يشتمل على بيان صفة صلاة الخوف، على الصفة التي جاءت في حديث أبي بكرة، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين، ثم سلم، فهو دال على ما دل عليه حديث أبي بكرة.

تراجم رجال إسناد حديث جابر: (أن النبي صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ...)

قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هو الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، والترمذي.
[حدثنا عمرو بن عاصم].
صدوق، في حفظه شيء، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد بن سلمة].
هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو ابن أبي الحسن البصري، وقد تقدم ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
[عن جابر بن عبد الله].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر وجابر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر فالخدري وجابر وزوجة النبي

شرح حديث سهل بن أبي حثمة: (يقوم الإمام مستقبل القبلة وتقوم طائفة منهم معه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف قال: (يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة قبل العدو ووجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، ويركعون لأنفسهم، ويسجدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مقام أولئك، ويجيء أولئك فيركع بهم، ويسجد بهم سجدتين، فهي له اثنتان، ولهم واحدة، ثم يركعون ركعة ركعة، ويسجدون سجدتين)].أورد النسائي حديث سهل بن أبي حثمة، وهو مشتمل على صفة صلاة الخوف، وقد مرت هذه الصفة، وهي: أنه يجعل أصحابه طائفتين: طائفة يصلون معه، وطائفة يصلون تجاه العدو، فالطائفة التي تصلي معه، تذهب وتقف في مواجهة العدو، ويأتي الذين في مواجهة العدو، ويصلون معه الركعة الثانية، ثم يسلم، ثم تقوم كل طائفة تصلي ركعة ركعة، هذه هي إحدى صلاة الخوف، وقد مرت هذه الصفة في بعض الأحاديث السابقة.

تراجم رجال إسناد حديث سهل بن أبي حثمة: (يقوم الإمام مستقبل القبلة وتقوم طائفة منهم معه ...)

قوله: [أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي].
هو الفلاس، الذي تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا قريباً.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، الثقة، المتكلم في الرجال، جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
هو الأنصاري المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن القاسم بن محمد].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن صالح بن خوات].
هو صالح بن خوات الأنصاري المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سهل بن أبي حثمة].
هو صحابي صغير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:39 PM
شرح حديث جابر: (أن النبي صلى بأصحابه صلاة الخوف فصلت طائفة معه ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الأعلى حدثنا يونس عن الحسن حدث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الخوف، فصلت طائفة معه، وطائفة وجوههم قبل العدو، فصلى بهم ركعتين، ثم قاموا مقام الآخرين، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، ثم سلم)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، الذي فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قسم أصحابه مجموعتين، فصلى بالمجموعة الأولى، ثم ذهبت إلى مواجهة العدو، وجاءت الطائفة الثانية، وصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فليس فيه ذكر التسليم مع الطائفة الأولى، وإنما فيه أنه صلى بهم ركعتين، ثم ذهبوا، ثم جاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم.
وحديث جابر المتقدم يقول: إنه صلى بهم ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين، ثم سلم، فيحتمل أن يكون هذا مثل ذاك، ويكون مختصراً من المتقدم، الذي فيه ذكر السلام مرتين، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، كل طائفة على حدة ركعتين ثم سلم، أي: يسلم مع كل طائفة، بحيث يكون صلى ركعتين وسلم، ثم صلى ركعتين وسلم، فكان له صلاة فريضة، وصلاة نافلة، ويحتمل أن يكون صلى أربعاً، ويكون ركعتين للأولين ثم سلموا، ثم ركعتين للطائفة الأخيرة ثم سلم بهم، فإذا كان الحديث اختصاراً للأول وهو واحد، فيكون مشتملاً على صفة واحدة، وإلا فإنه يكون مشتملاً على صفة جديدة، وهي: أنه يكون صلى أربعاً: الطائفة الأولى صلت معه ركعتين، والطائفة الثانية صلت معه ركعتين، فتكون صلاته واحدة، ومحتمل أن يكون اختصاراً للحديث المتقدم عن جابر.

تراجم رجال إسناد حديث جابر: (أن رسول الله صلى بأصحابه الخوف فصلت طائفة معه ...) من طريق أخرى

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
هو الفلاس، وقد تقدم.
[حدثنا عبد الأعلى].
هو ابن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يونس].
هو ابن عبيد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن حدث جابر].
وقد مر ذكرهما.
شرح حديث أبي بكرة: (أن النبي صلى صلاة الخوف بالذي خلفه ركعتين والذين جاءوا بعد ركعتين ...) من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاءوا بعد ركعتين، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، ولهؤلاء ركعتين ركعتين)].أورد النسائي حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وهو مثل حديث جابر الذي قبله، ويقال فيه، ما قيل في حديث جابر؛ لأن حديث أبي بكرة الذي مر قبل حديث جابر المتقدم، فيه: أنه صلى ركعتين ثم سلم، ثم صلى ركعتين ثم سلم، وهنا صلى ركعتين، وما ذكر السلام، ثم صلى ركعتين ثم سلم، فإذا كان مختصراً للحديث الذي قبله، فيكون صفة صلاة الخوف واحدة، وإن كان ليس اختصاراً له، وإنما هي صفة أخرى، فيكون معناه: أنه صلى أربعاً، ولكل طائفة من الذين صلوا وراءه ركعتين، فتكون للنبي صلى الله عليه وسلم أربعاً، وهي صلاة واحدة فرض، ولكل طائفة من أصحابه ركعتين.

تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة: (أن النبي صلى صلاة الخوف بالذي خلفه ركعتين والذين جاءوا بعد ركعتين ...) من طريق أخرى

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد].
وقد مر ذكرهما.
[حدثنا الأشعث].
هو ابن عبد الملك الحمراني، وقد تقدم ذكره.
[عن الحسن عن أبي بكرة].
وقد مر ذكرهما.

الأسئلة

العلة من الوضوء من لحم الإبل دون الغنم
السؤال: ما معنى هذا الحديث: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، فتوضأ من لحوم الإبل)، لأي سبب يتوضأ من لحوم الإبل؟
الجواب: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالتفريق بين الإبل والغنم، وأن الإبل يتوضأ الإنسان من أكل لحمها، والغنم هو مخير: إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ، أما التعليل: فالله تعالى أعلم، الواجب هو اتباع الدليل إذا جاء، سواء عرفت العلة أو لم تعرف، لكن إذا بحث عن العلة ووجد تعليلاً، فيزيد الأمر وضوحاً وجلاءً، وإلا فإنه لا يثني الإنسان عن أن يأخذ بالدليل، وإن لم يعرف الحكمة؛ لأن الإنسان عليه أن يستسلم وينقاد، ولو لم يعرف الحكمة، والدليل على هذا: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما قبل الحجر الأسود قال: (أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)، القضية هي قضية اتباع وانقياد لما جاء عن الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يتوقف الأمر على معرفة الحكمة ومعرفة العلة.
ومن العلماء من علل بأن الإبل فيها شدة، فيكون الوضوء فيه تخفيف لهذه الشدة التي فيها، ومن المعلوم: أن أهل الغنم، معروفون بالسكينة والوقار، وأما أهل الإبل فعندهم الشدة والغلظة، يعني: أهل الإبل، فيهم من صفات الإبل، وأما الغنم ففيها خفة وسهولة ليس فيها شدة، فالذي يرعاها يكون به شيء من صفاتها، يعني: من ناحية السهولة واللين وعدم الشدة.
فالحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من لحم الإبل؟ فقال: (توضأ)، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم؟ فقال: (إن شئت فتوضأ، وإن شئت لا تتوضأ)، وهذا يدلنا على ثبوت هذا الحكم، وهو: وجوب الوضوء من لحم الإبل، أما لحم الغنم، فالإنسان بالخيار: إن شاء توضأ، وإن شاء لم يتوضأ.
حكم رفع اليدين في الدعاء

السؤال: هل من السنة رفع اليدين في الدعاء؟
الجواب: هذا السؤال مطلق، ورفع اليدين في الدعاء له ثلاث حالات: حالة عرف فيها رفع اليدين، وثبت في مواطن، مثل: الاستسقاء، وكون الإنسان على الصفا والمروة، فإن هذا مما ورد فيه رفع اليدين، فترفع فيه اليدان.
والحالة الثانية: الأمور التي وقعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة، ولم يشاهد ولا في مرة واحدة أنه رفع يديه، فهذا لا ترفع منه اليدان، مثل: بعد الصلوات الخمس، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه الصلوات الخمس، ولم يذكر أنه رفع يديه بعد الصلوات الخمس في الدعاء.
فإذاً: السنة أنه لا ترفع اليدان في هذا الموطن، وكذلك في خطبة الجمعة -على كثرة خطبه عليه الصلاة والسلام ودعائه- فما كان يرفع يديه عليه الصلاة والسلام في الخطبة؛ ولهذا عمارة بن رويبة الصحابي، لما رأى أميراً من الأمراء يرفع يديه وهو في الخطبة، أنكر عليه وقال: (ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشار بإصبعه)، يعني: عند التشهد يشير بأصبعه، فهذا يدل على: أن في خطبة الجمعة لا ترفع الأيدي، وبعد صلاة الفرض كذلك لا ترفع الأيدي.
أما الأمور الأخرى المطلقة مثل: كون الإنسان يريد أن يدعو لنفسه، فإنه له أن يرفع يديه، وله ألا يرفع يديه، وكذلك بعد النوافل، الإنسان إذا تنفل وأراد أن يرفع يديه فله أن يرفع يديه، وله ألا يرفع يديه.
إذاً: المسألة فيها تفصيل: ما جاء فيه الرفع ترفع فيه الأيدي، وما عرف حصوله بكثرة منه عليه الصلاة والسلام ولم ينقل عنه ولا مرة واحدة أنه رفع يديه، يترك فيها الرفع، وما كان غير ذلك، مما هو مطلق، فإن شاء رفع، وإن شاء لم يرفع، والرفع جاء ما يدل على الترغيب فيه في قوله: (إن الله يستحي إذا رفع عبده يديه أن يردهما صفراً)، أي: خاليتين.

حكم صلاة الجنازة على الغائب وعلاقتها بالبدعة
السؤال: ما حكم صلاة الجنازة على الغائب مع قول بعض الناس: إنها بدعة؟
الجواب: صلاة الجنازة على الغائب فيما إذا كان الشخص في بلاد كفار ولم يصل عليه، فإنه يصلى عليه صلاة الغائب، مثلما حصل من صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على النجاشي.
ومن العلماء من رأى أنه يقتصر على مثل هذه الصورة، ومن العلماء من رأى أن من يكون له فضل وشأن، فإنه يصلى عليه صلاة الغائب؛ إظهاراً لشأنه وفضله، ويستدلون على ذلك بقصة النجاشي، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم صلى عليه، وفي ذلك إظهار لفضله؛ لأنه قام بجهود عظيمة، وكان يكتم إسلامه، وقام بجهود عظيمة في نصرة المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة عندما آذاهم أهل مكة، فإنهم هاجروا إلى الحبشة مرتين، وقد لقوا منه كل تأييد ومناصرة، ولم يسمع كلام الكفار الذين ذهبوا إليه وأرادوا منه إرجاعهم، فالمسألة خلافية كما ذكرت، فمنهم من يرى الاقتصار على من لم يصل عليه فيصلى عليه صلاة الغائب؛ لأنه ما صلي عليه، ومنهم من يرى أنه من يكون له شأن وفضل فإنه يصلى عليه، وإن كان قد صلي عليه.
حكم أطفال الأنابيب
السؤال: ما حكم أولاد الأنابيب، أو توليد الأنابيب؟
الجواب: هذه أشياء جديدة لا أستطيع أن أقول فيها شيئاً، لكن الذي أستطيع أن أقوله: أنه إذا كان الماء من غير الزوج ووضع في المرأة، فإن ذلك لا يجوز، أما إذا كان ماء الرجل نفسه أخذ ثم أدخل بهذه الطريقة التي يذكرونها، فأنا لا أستطيع أن أقول فيه شيئاً، والأولى أن لا يفعل، لكن لا أستطيع أن أقول: إنه حرام.

حكم توليد البهائم بالحقن
السؤال: ما حكم توليد البهائم بالحقن؟
الجواب: لا بأس بذلك، يعني: كون اللقاح يوضع فيها بواسطة الحقن، لا بأس فيه.
مدى احتمال أن الطائفة الأولى في حديث سهل بن أبي حثمة أتموا لأنفسهم
السؤال: الحديث الذي رواه سهل بن أبي حثمة، هل يحتمل أن الطائفة الأولى لما صلى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم ركعة، أتموا لأنفسهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قائم، ثم جاءت الطائفة الأخرى؟
الجواب: آخر الحديث يفيد أنه قضى كل منهم ركعة ركعة، فالطائفة الأولى: قضت الركعة التي عليها وسلمت، والطائفة الثانية: جاءت وصلت معه الركعة الثانية، وقضت الركعة التي عليها.
كيفية الجمع بين كيفيات صلاة الخوف المختلفة
السؤال: كيف نجمع بين هذه الكيفيات المختلفة في صلاة الخوف؟ وما الواجب إذا كنا في مثل هذا المجال وبأي صفة نأخذ؟
الجواب: صفات صلاة الخوف كل ما ثبت منها يصح الأخذ به، إلا أن بعض العلماء اختار بعض الصفات، مثل صفة حديث صالح بن خوات، وحديث سهل بن أبي حثمة: أنه صلى بهم، ثم بعدما ركع الركعة الأولى أتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، ثم جاءت الطائفة الثانية مع الركعة الثانية، وثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم، بعض العلماء يرجح بعض الصفات، لا على أساس أن غيرها غير سائغ، بل هذا في اختيار بعض الصفات، ومن المعلوم أن هذا فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة، أما إذا كان في جهة القبلة فالصفة واحدة.
ما يلزم من جماع المرأة بعد الطواف وقبل السعي في العمرة
السؤال: إذا جامع المعتمر زوجته بعد الطواف، وقبل السعي، فما الذي عليه وعليها إذا كانت معتمرة مثله؟
الجواب: إذا كان قبل السعي ما أستطيع أن أقول فيه شيئاً.

الفرق بين المبتدع والجاهل في أمور الدين
السؤال: ما الفرق بين المبتدع والجاهل في أمور الدين؟
الجواب: المبتدع هو: الذي يعمل بالبدعة التي هي محدثة في الدين، ومن المعلوم: أن منهم من يكون عنده علم، ومنهم من يكون عنده جهل، وكل منهم على بدعة، إلا أن هذا عالم، وذاك جاهل، والشاعر يقول:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
كل منهم على شر، إلا أن بعضهم أشر من بعض.

مدى اعتبار أولاد الزوجة محارم لزوجات الأجداد
السؤال: هل يكون أبناء زوجتي محرم لزوجة جدها لأبيها؟
الجواب: أولاد الأولاد -يعني: جميع الأولاد، آباؤهم، وأجدادهم- سواء من جهة الأم، أو من جهة الأب، هم محارم لزوجات الأجداد، سواء جده من أمه، أو جده من أبيه؛ لأنه داخل تحت قوله: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النساء:22]، فهم آباء، فسواء كانوا من جهة أمه، أو من جهة أبيه، المقصود أن أولاد المرأة، أو أولاد الرجل يكونون محارم لزوجات أجدادهم.
والعكس كذلك، يعني: أولاد أولاد البنات، وأولاد الأبناء، كلهم إذا كان الجد من جهة الأم، ومن جهة الأب لا ينكح زوجاته؛ لأنه داخل تحت قوله: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gif وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النساء:23]؛ لأنهم من الأبناء، وهذه وعكسها كلها تعتبر محرمية حاصلة.
حكم الجهر في صلاة الوتر
السؤال: هل يجهر في صلاة الوتر؟
الجواب: صلاة الليل يجوز فيها الجهر، ويجوز فيها الإسرار، والوتر من صلاة الليل، لكن إذا كان الجهر يتأذى به أحد فإنه لا يجهر، وإذا كان لا يتأذى به أحد فإن الأولى أن يجهر.

حكم المسح على الوجه بعد الدعاء
السؤال: في المواضع التي ثبت فيها رفع اليدين في الدعاء هل له أن يمسح وجهه بيديه بعد الدعاء؟
الجواب: لم يثبت المسح، ترفع الأيدي ثم تنزل بدون مسح، وقد ورد فيه حديثان ضعيفان.

حكم تقبيل أيدي وأرجل الوالدين وذي الفضل والعلم
السؤال: ما حكم تقبيل رجلي الوالدين، وأهل العلم والفضل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء إليه يهوديان فسألاه سؤلات فأجابهما، فقبلا يده ورجلاه، رواه أحمد، والنسائي، والترمذي، بأسانيد صحيحة، وصححه الترمذي، وفي حديث وفد عبد القيس؟
الجواب: هذا ثابت نعم، حديث عبد القيس، أنهم قبلوا رجليه عليه الصلاة والسلام، وكما هو معلوم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يختلف عن غيره، من جهة عصمته عليه الصلاة والسلام، وكونه لا يحصل منه الاغترار، وغيره يخشى عليه من أن يغتر بنفسه، لا سيما ما هو معروف عند كثير من الناس الذين استسهلوا تقبيل الأيدي، ولا يعرفون إلا أن يمدوا أيديهم للناس ليقبلونها، فإنه يحصل لهم اغترار بذلك، فتقبيل اليد جائز، والرجل الأولى أن لا تقبل، ولا نقول: إنها حرام، وحتى اليد الأولى أن لا تقبل؛ لأن هذا يحصل فيه في الغالب الاغترار ممن يفعل معه ذلك، والغلو ممن يفعل ذلك، وهذا هو المعروف عند من ينتسب إلى التصوف، ومن يعرفون بالبدع، هذا ديدنهم، وهذا شأنهم، لا يعرفون إلا أن يمدوا أيديهم للناس.
حكم دم ما يؤكل لحمه
السؤال: هل دم ما يؤكل لحمه يكون نجساً؟
الجواب: نعم، الدم نجس، وإنما الذي يكون طاهراً هو البول والروث، يعني: ما يؤكل لحمه، يكون روثه وبوله طاهراً، وأما الدم فإنه يكون نجساً، ولو كان مما يؤكل لحمه.
الإشارة بالأصبع عند لفظ الجلالة في قراءة القرآن في الصلاة
السؤال: هل يشار بالإصبع عند قراءة سورة فيها لفظ الجلالة في صلاة الفرض؟
الجواب: لا أعرف شيئاً يدل على هذا.
حكم الاعتقاد بنفع الدواء مع الاعتقاد بأن الله تعالى هو الشافي

السؤال: هل الاعتقاد بأن الدواء يشفي، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى هو الشافي يؤثر؟
الجواب: الأسباب تنفع بإذن الله، والناس ما يفعلون الأسباب إلا وهم يرجون ويؤملون الشفاء، لكن كما هو معلوم وراء الدواء ما هو أعظم منه، وهو توفيق الله عز وجل، وكون الدواء يفيد، ويحصل له ثمرة، وإلا فإنه قد يوجد الدواء ولا توجد الثمرة والنتيجة المطلوبة والمرجوة، لكن الإنسان يتعاطى الدواء، وقد شرع له ذلك، وهو جائز، ولكن لا يعول على الأسباب، ولا يقول: الأسباب هي كل شيء، ويغفل عن الله، بل يعتقد أنه لا ينفع شيء إلا بإذن الله، وبتوفيق الله عز وجل، ولهذا يقولون: الاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، يعني: الإنسان الذي لا يأخذ بالأسباب ويمحوها، فهذا نقص في العقل، ويقول: إن كان الله مقدراً لي أن يعطيني شيئاً فسيأتي أحد ويطرق الباب، ويعطيني الذي كتبه الله لي، وإن كان الله لم يكتب لي شيئاً فلن يأتيني، وهذا نقص في العقل وسفه، بل الإنسان يخرج ويفعل الأسباب، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)، وقال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)، قال: (احرص على ما ينفعك)، يعني: افعلوا السبب، وقال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فالطيور لا تجلس بأوكارها وتقول: إذا الله مقدر يعطينا، وإنما تخرج في الصباح خماصاً خاوية البطون، وترجع بطاناً ممتلئة البطون، فمحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، يعني: كون أن هذا سبب مؤثر، ويغفل عن الله عز وجل، هذا معناه: تعويل على غير الله، وغفلة عنه سبحانه وتعالى.
معنى قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)
السؤال: ما معنى قوله تعالى: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[ق:16]؟
الجواب: للعلماء أو للسلف فيها معنيان، وكل منهما صحيح، أحدهما: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[ق:16]، يعني: بالعلم، وليست الذات حالة في المخلوق، ولهذا قال: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[ق:16]، فأول الآية يرشد إلى هذا، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[ق:16].
والقول الثاني، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gif وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[ق:16]، المقصود بذلك قرب الملائكة، وأنها تكون قريبة من الإنسان، والناس لا يرونها، وهو مثل قول الله عز وجل في آخر سورة الواقعة: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الواقعة:85]، أي: الملائكة التي تقبض الروح، وإتيان الضمير في بعض المواضع بالجمع مضافاً إلى الله عز وجل، ويراد به الملائكة جاء ما يدل عليه، وهذا منه، ومن ذلك قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifيُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[هود:74]، يعني: المجادلة إنما هي للملائكة التي جاءت على إبراهيم، فقال: (يجادلنا)، أي: يجادل رسلنا، فالذي ورد فيه شيء يدل على أنه يراد به ملائكة الله عز وجل مثل هذه المواضع، والتي يرشد إليها ما ذكرته، هذا من أقوال السلف في هذه المسألة.

حكم طلاق الحائض
السؤال: ما حكم الشرع في رجل أوقع يمين الطلاق على زوجته وهي حائض؟
الجواب: المعروف أن الطلاق في الحيض يقع، وبعض العلماء يرى أنه لا يقع؛ لأنه لا يجوز الطلاق فيه، لكن الذي يظهر أنه يقع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في قصة عبد الله بن عمر قال: (مره فليراجعها)؛ لأن المراجعة تعني: أنه حصل أو وقع الطلاق.

مدى ثبوت سماع الحسن البصري من جابر رضي الله عنه
السؤال: هل سمع الحسن البصري من جابر رضي الله عنهما؟
الجواب: لا أتذكر، لكن هذا الحديث صحيح، وأنا لا أذكر الجواب على هذا السؤال من حيث أن سماع الحسن من جابر رضي الله عنه مختلف فيه.

تطبيق قاعدة الجمع بين الروايات المتحدة ثم الترجيح على روايات صلاة الخوف
السؤال: القاعدة عند أهل العلم: أنه إذا اتحدت مخارج الروايات، فالواجب الجمع إذا أمكن، ثم الترجيح وإلا التوقف، فهل تطبق هذه القاعدة هنا في هذا الباب؟
الجواب: المعلوم أن هذه صفات، وكل صفة تعتبر مستقلة، فلا ترجح صفة على صفة، بمعنى: أن الصفة هذه تلغى، لا، بل كل صفة تثبت، فإنها تعتبر حقاً، والأخذ بها أخذ بالدليل، والاختلاف فيها من اختلاف التنوع، يعني: هذا نوع، وهذا نوع، مثل ألفاظ التشهد، وألفاظ الأذان، وألفاظ الاستفتاح؛ لأنها كلها ثابتة، من أتى بهذا أصاب، ومن أتى بهذا أصاب، فهذا من جنسه، وصلاة الخوف ثبتت من أوجه كلها صحيحة، وأي وجه منها أخذ به فقد أخذ بالدليل، إلا أن بعض العلماء يفضل أو يرجح أو يختار بعض الصفات على بعض؛ لكونها أقل حركة وأقل عمل مثل: حديث صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فإن بعض العلماء يرجح هذه الصفة؛ لأنها أقل من غيرها يعني: ذهاباً وإياباً ... إلى آخره.
وهذا فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة، أما إذا كان العدو في جهة القبلة فالصفة معروفة.
أما إذا اتحد المخرج فالجمع ممكن، أنا قلت: أنه في قضية حديث أبي بكرة، الذي جاء من طريقين، وحديث جابر الذي جاء من طريقين، أنه صلى بطائفة ركعتين ثم سلم، وطائفة ركعتين ثم سلم، وحديث أبي بكرة كذلك، ثم جاء الحديث عن جابر، أنه صلى بطائفة ركعتين ثم ذهبت، وصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، وما ذكر السلام في موضع واحد، وحديث أبي بكرة كذلك، أقول: محتمل هذا، ومحتمل هذا، وإذا كانت إحدى الطريقتين مختصرة، فتكون الصفة واحدة، ولا تكون صفتين.
حكم زواج الرجل من زوجة زوج أمه
السؤال: تزوج زيد بأم خالد، فهل يجوز لخالد أن ينكح زوجة زيد بعد موت زيد، علماً بأن لزيد زوجتين؟
الجواب: زوجات الزوج ليس للابن علاقة بهن، يعني: كونه ابن زوجة، فله أن يتزوج زوجة زوج أمه؛ لأنه ليس من محارمها، وهي أجنبية منه، بل يمكن أيضاً أن يجمع بين بنت الرجل ومطلقته؛ لأنه ليس هناك مانع يمنع من هذا، فكونه يأخذ بنت رجل، ويأخذ مطلقته، أو التي توفى عنها، فيجمع بينها وبين بنت جارتها، لا مانع يمنع من هذا.

ضوابط تكفير المعين
السؤال: نرجو ذكر ضوابط تكفير المعين.
الجواب: التكفير هذا من أصعب ما يكون الكلام فيه؛ لأن أمره خطير، وأمره ليس بالهين، ومن المعلوم أن التكفير الضابط فيه: أنه يكفر على حسب الدليل، من كفَّره الله ورسوله عليه الصلاة والسلام فهو كافر، ومن ثبت تكفيره عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام فهذا هو الذي يكفر، وهناك خلاف بين العلماء: هل يعذر بالجهل، أو لا يعذر بالجهل إذا حصل أمر مكفر؟ من العلماء من يقول: إنه لا يعذر بالجهل، ومنهم من يقول: يعذر بالجهل، لكن مسائل التكفير هذه من أصعب وأخطر ما يكون، والكلام فيها ليس بالهين.

تكرار الطهارة من النجاسة عند تعسر الحصول على الماء
السؤال: من المعلوم: أن الطهارة من شروط صحة الصلاة، وهناك من يعيش بعيداً عن مصادر المياه، ويتعسر عليه الحصول على الماء إلا للأكل والشرب، وكثير من النساء ذوات الأطفال يصيبهن بول الصبيان في البدن، والثوب فتمتنع من الصلاة، لما يتبادر إلى ذهنهن من أن الصلاة على غير طهارة تأثم بها، فما حكمهن، علماً بأن التطهر بالتكرار يعني: تصاب بالنجاسة ثم تتطهر، وقد تتطهر في اليوم مرات، ثم يحصل لها التنجس؟
الجواب: الماء إذا كان موجوداً ووجدت النجاسة فإنها تزال بالماء ولو تكرر ذلك، كلما تكررت النجاسة يكرر الغسل، لأنه إذا وجد نجاسة ثم غسلت، ثم جاءت النجاسة فإنها تحتاج إلى غسل آخر وهكذا.
وأما إذا كان الماء غير موجود فإنه: يشرع التيمم، ويصلي الإنسان على حسب حاله، ولا يجوز له أن يؤخر صلاة عن وقتها بحجة أن الماء غير موجود، بل إن كان موجوداً فإنه يأتي به ويتوضأ ويصلي، وإن كان غير موجود فإنه يتيمم ويصلي، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها؛ لكون الماء غير موجود، بل يتيمم ويصلي.

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:41 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(284)



كتاب صلاة الخوف [3]
كتاب صلاة العيدين - إلى (باب ترك الأذان للعيدين)



للمسلمين يومان يفرحون فيهما، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى، وشرع في هذين العيدين صلاة معينة، وأمر بالخروج لها كل من الرجال والنساء والصبيان والعواتق حتى الحيض لكن يعتزلن المصلى، وليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة، وليس لأحدٍ أن يصلي قبل الإمام.

صلاة العيدين

شرح حديث: (كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب صلاة العيدين.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال: كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى)].
يقول النسائي رحمه الله تعالى: كتاب العيدين. هذا الكتاب يتعلق بيومين في السنة هما عيد الأضحى وعيد الفطر، وقد جعلهما الله عز وجل بعد إتمام مناسك وإتمام شعائر من شعائر الدين، فجعل عيد الفطر بعد إكمال شهر رمضان، وجعل عيد الأضحى بعد حصول الحج وبعد الوقوف بعرفة الذي هو الركن الأعظم في الحج والذي له وقت معين لا يتقدم فيه ولا يتأخر، وجعل الله عز وجل عيد الأضحى بعد يوم عرفة الذي هو أفضل أيام السنة والذي صيامه يكفر السنة الماضية والسنة الآتية.
فإذاً هذان العيدان جُعلا بعد إتمام شعيرتين عظيمتين وهما الصيام والحج، وأضيفا إلى الأضحى وإلى الفطر، فأضيف إلى الفطر للإشارة إلى أن هذا العيد شكر لله عز وجل على إتمام شهر رمضان، وعلى حصول الفطر من شهر رمضان، وعلى توفيق الله عز وجل لإكمال هذا الشهر، صيامه وقيامه، فهو يفطر هو أول يوم من شوال، وهو عيد الفطر شكراً لله عز وجل على هذه النعمة، ولهذا قيل له: عيد الفطر.
وكذلك عيد الأضحى؛ لأن فيه قيام غير الحجاج بالتقرب إلى الله عز وجل بالذبائح والأضاحي كما يتقرب الحجاج إلى الله عز وجل بالذبح في يوم النحر والأيام التي بعده هدياً، فالحجاج يتقربون إلى الله بذبح الهدي. وغير الحجاج يتقربون إلى الله عز وجل بذبح الأضاحي، فأضيف العيد إلى الأضحى؛ لأنه اليوم الذي يحصل فيه ذبح الإبل، والبقر والغنم تقرباً إلى الله عز وجل في ذلك الموسم، وفيه مشابهة للحجاج الذين يتقربون إلى الله عز وجل بذبح الهدي.
فإذاً: كلا العيدين جاءا بعد إتمام شعيرة من شعائر الدين هي ركن من أركان الإسلام، فعيد الفطر جاء بعد إكمال شهر رمضان الذي هو ركن من أركان الإسلام، وعيد الأضحى جاء بعد الإتيان بالحج الذي هو ركن من أركان الإسلام.
وليس للمسلمين أعياد سوى هذين العيدين فلذلك حرم صيامهما، فهذان اليومان لا يجوز صيامهما مطلقاً، وأما أيام التشريق فكذلك لا يجوز صيامها إلا أنه يستثنى من لم يجد الهدي فإنه يصوم هذه الأيام الثلاثة، لكن يوم العيد لا يصام أبداً ولا حتى لمن لم يجد الهدي، وإنما أيام التشريق هذه يصومها من لم يجد الهدي كما جاء في الحديث (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)، فإنه لمن لم يجد الهدي أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فيصوم هذه الأيام الثلاثة التي هي أيام التشريق.
وقد كان أهل الجاهلية لهم عيدان يلعبون فيهما، ومن المعلوم أن أهل الجاهلية كانوا على أمور يعتقدونها وأمور اعتادوها، والإسلام قد جاء بإقرار بعض الأمور التي كانت في الجاهلية، وجاء بإنكار وإبطال أمور كانت معلومة في الجاهلية.
وأما الأعياد فقد كان في الجاهلية عيدان، لكن الله عز وجل بعد أن أرسل رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل عليه الوحي وجاء هذا الدين الحنيف شرع لعباده يومين هما يوما شكر لله عز وجل، لكن ليسا كما هما في الجاهلية مجالاً للعب، وإنما هما مجال للشكر وحمد الله عز وجل وفرح وسرور بإتمام العبادة وبالإتيان بالعبادة.
وبالنسبة للعب يمكن الأطفال الصغار أن يلعبوا وأن يمكنوا من اللعب وأن يوسع عليهم في هذين اليومين بحيث يلعبون الألعاب التي ليس فيها محذور، وقد جاء فيما يتعلق بالنسبة للأطفال والأولاد وحصول اللعب منهم أحاديث تدل على جوازه، وأما بالنسبة للكبار فإن شأنهم الجد وشأنهم الفرح والسرور بإكمال الصيام وبإكمال هذه العبادة، فإن الله عز وجل وفقهم لأن تأتي هذه المناسبة وقد أدوا الصيام وحصلوا الحج، فيأتي التقرب إلى الله عز وجل بالهدي والأضاحي هذا شأن الكبار، فليس شأنهم أن يلعبوا وأن يلهوا وأن يتخذوا من العيد فرصة للسهو، واللهو، والغفلة، وإنما هذا شأن الصغار يمكن أن يمكنوا من اللعب فيما ليس فيه محذور.
وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا، وهو أنه كان لهم في الجاهلية -يعني قبل أن يبعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام- عيدان يلعبون فيهما، وأن الله تعالى أبدلهم في الإسلام بخير من هذين العيدين وهما عيد الأضحى وعيد الفطر، وليس للمسلمين سوى هذين العيدين.
تراجم رجال إسناد حديثhttps://forum.ashefaa.com/images/smilies/frown.gifكان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى)
قوله:
[علي بن حجر].
علي بن حجر هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[عن إسماعيل].
هو ابن جعفر، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه].
هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خدمه عشر سنين منذ قدم المدينة عليه الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله، وكان من صغار الصحابة، وقد عاش وعُمّر وأدركه صغار التابعين، وهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وعائشة أم المؤمنين.
وهذا الإسناد من رباعيات النسائي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى ما عند النسائي الرباعيات -أي بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه أربعة أشخاص- وليس عنده ثلاثيات، وهذا الإسناد سبق أن مر بنا في الحديث ألف وخمسمائة وستة وعشرين بنفس الرجال علي بن حجر عن إسماعيل عن حميد عن أنس، وذكرنا فيما مضى أن إسماعيل بن جعفر، وهو إسماعيل بن جعفر وليس إسماعيل بن علية ذكر ذلك المزي في تحفة الأشراف، وجعل هذين الحديثين كليهما من ضمن الأحاديث التي رواها إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس، وهما متقاربان -يعني في الموضع- واحد منهما ليس بينه وبين الثاني إلا حديثان، وهما من جملة أحاديث جاءت بإسناد واحد.


الخروج إلى العيدين من الغد
شرح حديث أنس في الخروج إلى العيدين من الغد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخروج إلى العيدين من الغد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى القطان حدثنا شعبة حدثنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له: (أن قوماً رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا بعدما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي الخروج إلى العيد من الغد، يعني أنه إذا ما حصل معرفة العيد إلا بعدما مضى جزء من الوقت بحيث لا يتيسر مع ذلك الاستعداد والخروج له في يومه ضحى أو في أول وقته، فإن الناس يخرجون من الغد ويصلون صلاة العيد، ولكنهم يفطرون إذا تبين أن الهلال قد رئي البارحة ولم يبلغهم الخبر إلا في الضحى أو في النهار؛ لأنه ليس لهم أن يصوموا ذلك اليوم ولو كانوا دخلوا فيه جاهلين بأن الهلال قد رئي فإنهم إذا علموا يفطرون.
ومثل ذلك لو كان في أول الشهر ما علموا دخول شهر رمضان إلا في النهار فإنهم يمسكون ولا يأكلون بقية اليوم، ويقضون ذلك اليوم الذي ما بلغهم الخبر إلا بعد طلوع الفجر وبعد أن دخل وقت الصيام فإنهم يصومون ويمسكون ويمتنعون عن الأكل والشرب، ولو كانوا أكلوا في أول ذلك اليوم؛ لأن اليوم الواحد من أيام الشهر له حرمته فيمتنع من الأكل والشرب فيه.
ومثل ذلك المسافر، إذا كان مسافراً فله أن يأكل ويشرب، فإذا وصل إلى البلد فعليه أن يمسك ولو كان قد أكل وشرب لما كان مسافراً، فيمسك بقية اليوم عندما يصل إلى البلد، ويكون من الحاضرة وليس من المسافرين.
فالرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يفطروا وأن يخرجوا ويصلوا صلاة العيد من الغد، وهذا يدل على أهمية صلاة العيد وعلى أنه إذا حصل فوات الوقت فإنها لا تترك وإنما يؤتى بها من الغد، وهذا يدلنا على تأكدها.
وحكم صلاة العيد اختلف فيه العلماء، منهم من قال: إنها فرض كفاية، ومنهم من قال: إنها فرض عين. والقول بأنها فرض عين قول قوي قال به شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال به بعض أهل العلم وعليه أدلة، وهذا الحديث مما يدل على أهمية الصلاة وعلى عظم شأنها وأنه لو فات الوقت الذي تؤدى به في نفس اليوم، فإنها يؤتى بها من الغد، ومن الأدلة على أنها فرض عين الحديث الذي سيأتي والذي فيه الأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور والحيض، النساء، يخرجن ويحضرن الخير ودعوة المسلمين، وتعتزل الحيض المصلى، قالوا: فلما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج ذوات الخدور -وهن البنات اللاتي لم يتزوجن- والعواتق -وهن اللواتي قاربن البلوغ-، وكذلك الحيض اللاتي ليس عليهن صلاة، ولكنهن يخرجن إلى صلاة العيد ويحضرن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى.
وكذلك ما جاء من أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة وحضر الإنسان العيد، له أن يتخلف عن الجمعة، قالوا: وهذا مما يوضح القول بوجوبها وجوب عين؛ لأنه لو لم تكن كذلك ما كان العيد يغني عن حضور الجمعة، لأن الجمعة فرض، فرض عين، ولما كان العيد يغني عنها لمن حضره، فقالوا: هذا مما يؤيد ومما يقوي أن يكون فرض عين.
الحاصل أن جمهور العلماء قالوا: إنه فرض كفاية، وبعض أهل العلم قال: إنه فرض عين والقول بأنه فرض عين، قول قوي، ومهما يكن من شيء حتى على القول بأنه فرض كفاية فإنه تنبغي العناية والاهتمام وعدم التخلف عن صلاة العيد، وكما قلت: الأدلة واضحة وهي التي أشرت إليها، وخاصة كون حضور العيد يغني عن حضور الجمعة، ولو لم يكن واجباً ما أغنى، أي ما يغني شيء غير واجب عن واجب، فهذا مما استدل به بعض أهل العلم على أنه فرض عين.
وعلى كل حال، في هذا تأكيد الحرص على صلاة العيد والمحافظة عليها والعناية بها وكونها يؤمر بها حتى النساء ولا سيما الصغيرات البالغات: أو القريبات من البلوغ، وأنهن يؤمرن بالذهاب إلى الصلاة، أي صلاة العيد، وكذلك الحيض يخرجن ويعتزلن المصلى.
وحديث عمومة أو أبي عمير بن أنس بن مالك، وهم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، جاء في بعض الأحاديث عمومة له من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو تابعي يروي عن صحابة مبهمين وغير مسمين، والجهالة في الصحابة لا تؤثر وإبهام الصحابة لا يؤثر؛ لأنهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الخروج إلى العيدين من الغد
قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي هو الفلاس البصري، وهو ثقة، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد القطان].
يحيى بن سعيد القطان وهو كذلك ثقة، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، بصري، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
شعبة وهو ابن الحجاج الواسطي البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو بشر].
أبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية، واسم والده إياس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عمير بن أنس].
هو أبو عمير بن أنس بن مالك، قيل اسمه: عبد الله، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عمومة له].
عن عمومة له من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم لم يسموا، وعلمنا أن إبهام الصحابة لا يؤثر، الإبهام وجهالة العين وعدم معرفة الشخص في غير الصحابة هي التي تؤثر، أما الصحابة فالمجهول منهم في حكم المعلوم والجهل فيهم لا يؤثر؛ لأنهم عدول جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم.
خروج العواتق وذوات الخدور في العيدين
شرح حديث أم عطية في إخراج النساء لصلاة العيد واعتزال الحيض المصلى
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب خروج العواتق وذوات الخدور في العيدين.أخبرنا عمرو بن زرارة حدثنا إسماعيل عن أيوب عن حفصة قالت: (كانت أم عطية رضي الله تعالى عنها لا تذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قالت: بأبا، فقلت: أسمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا؟ فقالت: نعم بأبا، قال: لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، ويشهدن العيد ودعوة المسلمين، وليعتزل الحيض المصلى)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي خروج العواتق وذوات الخدور في العيدين، أي في صلاة العيدين، أورد فيه حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام أُمر بإخراج العواتق وذوات الخدور والحيض وأن يعتزل الحيض المصلى، ففيه تأكيد الذهاب إلى العيدين حتى من المخبئات، ومن ذوات الخدور والعواتق، ومن الحيض اللاتي لا يصلين، ولكن يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى، وهذا يدل على تأكد هذه الصلاة، بل من العلماء من قال بوجوبها عيناً كما أشرت.
والعواتق قيل: هن اللاتي قاربن البلوغ، وذوات الخدور قيل: هن البالغات، أو هن اللاتي لسن مثل غيرهن من الكبار اللاتي يخرجن كما يردن، بل وضعهن يختلف، فهن من ملازمات البيوت، والباقيات في البيوت، لكن أمرن أو أمر بإخراجهن، أو أرشد عليه الصلاة والسلام إلى خروجهن وأن يشهدن العيد، وكذلك الحيض، وهن لا يصلين، لكن يحضرن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى فلا يكن مع المصليات، وإنما يكن خارج المصلى الذي يصلى فيه، فإن كان محاطاً بسور، فإنهن يكن من وراء السور وعند الباب، وإن كان غير مسور وإنما هي صحراء، فإنهن لا يكن مع النساء، وإنما يكن معتزلات. أي: متأخرات عن النساء بينهن فاصل، بحيث لا يكن مع الطاهرات المصليات.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-01-2026, 08:44 PM
تراجم رجال إسناد حديث أم عطية في إخراج النساء لصلاة العيد واعتزال الحيض المصلى
قوله:
[أخبرنا عمرو بن زرارة].
هو عمرو بن زرارة النيسابوري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا إسماعيل].
إسماعيل هو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حفصة بنت سيرين].
وهي تابعية، ثقة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.
[عن أم عطية].
هي نسيبة بنت كعب الأنصارية، صحابية مشهورة، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.
اعتزال الحيض مصلى الناس
شرح حديث أم عطية في إخراج النساء لصلاة العيد واعتزال الحيض المصلى من طريق أخرى
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اعتزال الحيض مصلى الناس.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد قال: (لقيت أم عطية فقلت لها: هل سمعتِ من النبي صلى الله عليه وسلم وكانت إذا ذكرته قالت: بأبا قال: أخرجوا العواتق، وذوات الخدور، فيشهدن العيد ودعوة المسلمين، وليعتزل الحيض مصلى الناس)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اعتزال الحيض المصلى، أي: إذا خرجت الحيض لحضور العيدين، فإنها تشهد الخير ودعوة المسلمين، ولكنها تعتزل المصلى، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بخروج النساء، وأن الحيض يعتزلن المصلى فلا يكن مع المصليات، وإنما ينحزن إلى جانب بحيث يتميزن عن المصليات، ولا يختلطن بهن، ولا يكن معهن، ولكنهن يشهدن الخير ودعوة المسلمين.
وفي الحديث أن أم عطية كانت إذا ذكرت الرسول صلى الله عليه وسلم قالت: بأبا: أو بأبي، وليس المقصود بذلك الحلف وإنما المقصود التفدية أي هو مفدي بأبي، إلا أنها تجعل بدل الياء ألفا، تقول: بأبا أي: بأبي معناه مفدي بأبي، وكانوا إذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام يفتدونه، أي: يذكرون تفديته بآبائهم، وأمهاتهم، هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وأم عطية هي منهم، ولكنها كانت تقول: بأبي، والمقصود من ذلك: هو مفدي بأبي وليس حلفاً بأبيها أو قسماً بأبيها، وإنما هي تفدية، وهذه العبارات يستعملونها ولو كان الأبوان قد ماتا، فهذه عبارات درجت على ألسنتهم واعتادوها.
وكذلك أيضاً من بعدهم -من بعد الصحابة- كانوا يستعملون ذلك عندما يأتي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً يقولون: فداه أبي وأمي، أو هو مفدي بأبي وأمي، ومن المعلوم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام محبته مقدمة على محبة الأب والأم، وعلى محبة الناس جميعاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، لماذا؟ لأن النعمة التي ساقها الله على يديه، أعظم من النعمة التي ساقها الله للإنسان على يد أبويه، وهما سبب وجوده، وهما اللذان ربياه، ونشأه، ولكن النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي نعمة الإسلام، هذه أعظم النعم وأجل النعم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، أي: حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من أصوله، ومن فروعه، ومن الناس أجمعين؛ لأن النعمة التي حصلت للمسلمين على يديه لا يماثلها نعمة، ولا يدانيها نعمة، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا استعمال التفدية له عليه الصلاة والسلام واضحة جلية من حيث أن محبته مقدمة على محبة الأب والأم، وعلى محبة الناس أجمعين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والحديث مثل الذي قبله إلا أن النسائي رحمه الله أورده من طريق أخرى من أجل الاستدلال به على اعتزال الحيض المصلى، مع أن الحديث السابق دال على ذلك، ولكن عادة النسائي مثل طريقة البخاري ويأتي بالحديث من طرق متعددة ليستدل به على مسألة من المسائل، فمن أجل عناية النسائي بالتبويب والاستدلال على المسائل كان النسائي يأتي بالحديث الواحد ويضع أبواب متعددة، ولكنه عندما يأتي بالحديث يأتي به بإسناد آخر في الغالب، مثل البخاري يأتي به بإسناد آخر، وقد يأتي بإسناد واحد ولكنه قليل وقد قيل: إن الأحاديث التي أوردها البخاري بمتن واحد وإسناد واحد ما تصل إلى خمسة وعشرين، أي في حدود هذا العدد أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين حديثاً بإسناد واحد ومتن واحد، فـالنسائي طريقته مثل طريقة البخاري، يأتي بالأبواب ويأتي بالأحاديث من طرق أخرى، وأحياناً يأتي بالحديث بنفس الطريق ويكرره بنفس الطريق. تراجم رجال إسناد حديث أم عطية في إخراج النساء لصلاة العيد واعتزال الحيض المصلى من طريق أخرى
قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن عيينة، وسفيان غير منسوب، وكلما جاء سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة وليس المراد به الثوري: وليس لـقتيبة رواية عن الثوري: وإنما روايته عن ابن عيينة، إذ أن عمره لما مات الثوري تسع سنوات، فـقتيبة ولد سنة مائة واثنتين وخمسين والثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، فعمره حين وفاة الثوري تسع سنوات، فكلما جاء سفيان مهملاً غير منسوب والراوي قتيبة فالمراد به ابن عيينة.
وسفيان بن عيينة الهلالي المكي، هو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
أيوب وهو ابن أبي تميمة السختياني، وقد مر ذكره.
[عن محمد].
محمد وهو ابن سيرين، والسابق مروي عن حفصة وهنا الرواية عن محمد وهو ابن سيرين البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أم عطية].
وقد مر ذكرها.
الزينة للعيدين
شرح حديث عمر في الزينة للعيدين

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الزينة للعيدين. أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: (وجد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حلة من استبرق بالسوق، فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه، فتجمل بها للعيد، والوفد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له، فلبث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج، فأقبل بها حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، قلت: إنما هذه لباس من لا خلاق له، ثم أرسلت إلي بهذه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعها وتصب بها حاجتك)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الزينة للعيدين -أي التجمل ولبس الثياب الجميلة للعيد- وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن عمر رضي الله عنه رأى حلة من ديباج -وهو حرير- فأتاه بها وقال: ابتع -أي اشتري- تتجمل بها للعيد وللوفد محل الشاهد هنا يتجمل للعيد، وهذا شيء مستقر ومعلوم عندهم وهو التجمل للعيد والرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ما أشار من حيث التجمل، ولكنه بين له أن هذا اللباس -أي الحرير- لا يلبسه إلا من لا خلاق له في الآخرة؛ لأن الحرير لا يجوز لبسه للرجال والذي يلبسه في الدنيا لا خلاق له في الآخرة، معناه أنه لبس لباساً وقد جعله الله عز وجل لباساً في الجنة، ولباساً في الآخرة، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الحج:23]، فحرم عليهم -أي: الرجال- لبس الحرير في الدنيا، ولهذا قال: [(من لا خلاق له في الآخرة)]، الذي يتعجل الطيبات، ويلبس الشيء الذي حرم عليه لبسه وهو لباس أهل الجنة، فقال: [(إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة)]، ولكن محل الشاهد كون الرسول أقره وما قال: لا يتجمل للعيد أو لا يحتاج، بل هذا كان شيئاً معتاداً ومستقراً عندهم، فأقره على أصل العرض الذي عرضه عليه، ولكنه بين أن هذا اللباس -أي الحرير- لا يجوز لبسه؛ لأنه حرير ولبس الحرير لا يجوز للرجال، والنبي عليه الصلاة والسلام أخذ ذهباً وحريراً وأشار بهما وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام جاءته ألبسة من حرير فأعطى عمر فقال: يا رسول الله إنك قلت: إنما يلبس هذا من لا خلاق له وأنت أعطيتني إياه؟ فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام: بأن يبيعه وليصيب به حاجته، أي أنه يستفيد من قيمته ولا يلبسه هو، وليس معنى ذلك أنه إذا أعطي شيئاً لا يجوز له لبسه فلا يجوز له تملكه بل له أن يتملكه مثلما يتملك الذهب ولا يلبسه، فيملك الحرير ولكنه لا يلبسه؛ لأنه يمكن أن يبيعه ويستفيد من قيمته.
الحاصل أن الحديث دال على ما ترجم له المصنف من حصول التجمل للعيد .
تراجم رجال إسناد حديث عمر في الزينة للعيدين

قوله:
[أخبرنا سليمان بن داود].
سليمان بن داود وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن ابن وهب].
وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني يونس بن يزيد].
هو يونس بن يزيد الأيلي، ثم المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[وعمرو بن الحارث].
وهو ثقة، فقيه، مصري، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو ثقة، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفقيه، وهو من صغار التابعين، ومما ذكر في ترجمته: أنه كان يقبل على كتبه وعلى العلم ويشتغل به وكانت له زوجة فكانت تقول له: والله لهذه الكتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر. معناه أنه يشتغل بها ويعنى بها، فكان معنياً بالعلم رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم عن أبيه].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، من فقهاء التابعين، وقد عُدَّ من الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وهو فقيه، محدث، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الصلاة قبل الإمام يوم العيد
شرح حديث أبي مسعود في الصلاة قبل الإمام يوم العيد

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة قبل الإمام يوم العيد.أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأشعث عن الأسود بن هلال عن ثعلبة بن زهدم: (أن علياً رضي الله تعالى عنه استخلف أبا مسعود رضي الله تعالى عنه على الناس فخرج يوم عيد فقال: يا أيها الناس إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة قبل الإمام يوم العيد. مقصود النسائي من هذه الترجمة: أن العيد تصلى جماعة، والإمام هو الذي يتولى الصلاة بالناس، ولا يصلي أحد قبل صلاة الإمام، لا في المصلى ولا في غير المصلى، وإنما الإمام هو الذي يصلي أولاً، ومن فاتته الصلاة فإنه يمكن أن يصلي، لكن لا يصلى قبل صلاة الإمام، وقد أورد النسائي حديث أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه: (أن علياً استخلفه يوم عيد، فخرج، وقال: أيها الناس، إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام).
قوله: [(من السنة)]، أي: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابي إذا قال: من السنة كذا أو السنة كذا فهي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا هو المقصود بالسنة عند إطلاقها، أي تنصرف إلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، مثلما جاء عن ابن عباس قيل له: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين وإذا صلى وراء إمام مقيم أتم؟ قال: تلك السنة)، أي تلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود في الصلاة قبل الإمام يوم العيد
قوله:
[أخبرنا إسحاق بن منصور].
إسحاق بن منصور وهو إسحاق بن منصور الكوسج المروزي، لقبه الكوسج، وهناك شخص آخر يقال له: إسحاق بن منصور السلولي، ولكنه لا يلتبس بهذا؛ لأن السلولي متقدم على الكوسج هذا بطبقة، وكانت وفاته سنة مائتين وأربع من الهجرة، وخرج له أصحاب الكتب الستة ولكن بواسطة، فـالسلولي أعلى طبقة من الكوسج.
[عن عبد الرحمن].
عبد الرحمن وهو ابن مهدي البصري، وهو ثقة، ثبت، عارف بالرجال والعلل متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأشعث].
هو الأشعث بن أبي الشعثاء الكوفي المحاربي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود بن هلال].
الأسود بن هلال ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن ثعلبة بن زهدم].
ثعلبة بن زهدم، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي، ثقة، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن أبي مسعود].
أبو مسعود وهو عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وأما علي رضي الله عنه فهو ليس من رجال الإسناد هنا، وإنما ذكر لأنه هو الذي استخلف أبا مسعود فخطب أو فكان مما قاله هذه الكلمة: أنه ليس من السنة أن يصلي أحد قبل الإمام.
ترك الأذان للعيدين
شرح حديث جابر: (صلى بنا رسول الله في عيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الأذان للعيدين.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب ترك الأذان للعيدين، أي أنه ليس في صلاة العيدين أذان، فلا يؤذن لها ولا ينادى لها بشيء، وإنما إذا بلغ الناس العيد -عيد الفطر- وعلموا ذلك فإنهم من الغد يخرجون لصلاة العيدين ويفطرون بدون أذان.
ومثل ذلك: الاستسقاء، ليس فيه أذان، وإنما الناس يخبرون بأنهم يخرجون في يوم من الأيام، وأما الكسوف، فإن لها أذان؛ لأنه شيء ما يعلم وإنما يطرأ فينبه الناس للكسوف، فينادى: الصلاة جامعة، والعيد لا يحتاج إلى أذان، فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج بلا أذان، ولا إقامة، فصلى قبل الخطبة، فدل هذا على أن السنة أن لا يؤذن ولا يقام لصلاة العيد.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (صلى بنا رسول الله في عيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة)

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة، وقد مر ذكره.
[حدثنا أبو عوانة].
حدثنا أبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عوانة، وهذا غير أبي عوانة المتأخر الذي هو صاحب المستخرج على صحيح مسلم؛ لأن ذاك متأخر، وهذا متقدم، هذا من طبقة شيوخ شيوخ مسلم، وشيوخ البخاري.
[عن عبد الملك بن أبي سليمان].
عبد الملك بن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عطاء].
هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].
وهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(285)
كتاب صلاة العيدين - (باب الخطبة يوم العيد) إلى (باب القراءة في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية)


الخطبة يوم العيد
شرح حديث البراء بن عازب في الخطبة يوم العيد
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخطبة يوم العيد.أخبرنا محمد بن عثمان حدثنا بهز حدثنا شعبة أخبرني زبيد سمعت الشعبي يقول: حدثنا البراء بن عازب عند سارية من سواري المسجد، قال: (خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نذبح، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم يقدمه لأهله، فذبح أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله عندي جذعة خير من مسنة، قال: اذبحها ولن توفي عن أحد بعدك)].
يقول النسائي رحمه الله تعالى: الخطبة يوم العيد، أي: الخطبة مشروعة يوم العيد، فيبدأ بالصلاة ثم يؤتى بالخطبة، فهي سنة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس يوم العيد ثم خطب، فقال: [(إن أول شيء نبدأ به الصلاة ثم نذبح، فمن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم يقدمه إلى أهله)]، أي أن وقت الذبح إنما يبدأ بعد الفراغ من الصلاة، ولا يجوز للإنسان أن يذبح الأضاحي قبل الصلاة، وإذا كان ذبحها قبل الصلاة فهي ليست أضحية وإنما تعتبر طعاماً قدمه إلى أهله كالطعام الذي يقدمه لهم في الأيام المختلفة من أيام السنة؛ لأنه لا يعتبر قربة ولا يعتبر أضحية إلا إذا ذبح بعد صلاة عيد الأضحى.
ثم إن واحداً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أبو بردة بن نيار كان قد ذبح قبل الصلاة ولما سمع كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته قال: (إن عندي عناقاً هي خير من مسنة)، يعني أنه يريد أن يذبحها بدل تلك الذبيحة التي ذبحها قبل الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (اذبحها ولن توفي عن أحد بعدك)، وفي بعض الروايات: (ولن تجزئ عن أحد بعدك)، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص له أن يذبح هذه الذبيحة التي هي دون الإجزاء -بمعنى أن يذبح جذعة من المعز وهي لم تبلغ سن الأضحية- فهذا حكم خاص بـأبي بردة بن نيار؛ لأنه ذبح قبل أن يعلم الحكم، ولما علم الحكم في الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين له أنه إنما ذبح كما جاء في بعض الروايات (لتكون أضحيته أول لحم يقدم بعد الصلاة)؛ لأن الذي دفعه إلى المبادرة أن الناس قد اشتهوا اللحم، فعندما يأتون من الصلاة وإذا اللحم قد فرغ منه وقد طهي فيقدمه فتكون أضحيته أول شيء يؤكل، فعلم في الخطبة أن الذبح قبل الصلاة ليس أضحية وإنما هو ذبيحة كالذبائح التي تكون في أيام السنة.
فقال: (إن عندي عناقاً) يعني يمدحها ويثني عليها، وإنها خير من مسنة أفتجزئ لو ذبحتها بدل الذبيحة التي ذبحتها قبل الصلاة؟ قال: (نعم ولن توفي عن أحد بعدك)، وفي بعض الروايات: (ولن تجزئ -يعني تقضي- عن أحد بعدك)، معنى هذا: أن من ذبح قبل الصلاة غير هذا الرجل ثم احتاج إلى أن يأتي بشيء بدل فإنه لا يجزئه إلا ما يجزئ في الأضحية، وهي ما تم لها سنة من المعز بخلاف الضأن فإن الضأن يجزئ في الأضحية ما له ستة أشهر وهو الجذع، ولكن الجذع من المعز لا يجزئ والجذع من الضأن يجزئ كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

العمل إذا وقع غير مطابق للسنة لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً
ثم إن هذا الحديث يدل على أن العمل إذا فعل غير مطابق للسنة فإنه لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً، وهذا يبين لنا أن ما يفعله بعض من يأتي بالأمور المبتدعة ويقول: إنما نفعل ذلك تقرباً إلى الله عز وجل، ففعله ذلك لا ينفع؛ لأن العمل إذا لم يكن مطابقاً للسنة فإنه لا يعتبر، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض العلماء أنه قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة فإنه لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً.ويوضح هذا: الأثر الذي جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وذلك أن أبا موسى جاء إلى باب عبد الله بن مسعود وإذا الناس مجتمعون عند بابه ينتظرون خروجه ليرافقوه إلى المسجد وليسألوه عن العلم وليتعلموا منه، فجاء أبو موسى وقال: أخرج أبو عبد الرحمن ؟ قالوا: ما خرج، ولما خرج أبو عبد الرحمن قال له: إنه حصل كذا وكذا، وإن في المسجد أناساً يتحلقون ومعهم حصى وفي كل حلقة واحد يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة، كبروا مائة، فقال: ماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً ولكن أنت تراهم، فلما ذهب إليهم قال: ألا قلت لهم: عدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. فجاء إليهم ووقف عليهم وقال: ما هذا؟ إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو أنكم مفتتحوا باب ضلالة؟! -أي واحدة من اثنتين: إما هذه وإما هذه- قالوا: سبحان الله، يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: وكم من مريد للخير لم يصبه. يعني أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة فإنه لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً.
وهذا صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ذبح أضحيته قبل الصلاة، وكان قصده أن الناس قد احتاجوا اللحم واشتهوا اللحم، فإذا فرغوا من الصلاة وإذا أضحيته قد فرغ من طبخها فيقدمها فتكون ذبيحته أو أضحيته أول شيء يؤكل، وهذا قصد طيب، ولكن لما كان الفعل غير مطابق للسنة -وهو أن الذبح وقع قبل وقته- لم يعتبر هذا العمل الذي عمله، وصارت شاته شاة لحم وليست شاة أضحية التي هي قربة يتقرب بها إلى الله عز وجل، فهذا الحديث أو هذه القصة تدل دلالة واضحة على هذا المعنى، وهو أن العمل من شرط قبوله: أن يكون مطابقاً للسنة.
ومن المعلوم أن دين الإسلام بني على أساسين: أن يكون العمل لله خالصاً، وأن يكون على سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن اختل واحد منهما فإنه لا يقبل العمل وإن كان خالصاً لله؛ لأنه مبني على بدعة وليس على سنة، ولو وقع العمل مطابقاً للسنة، ولكن أشرك مع الله غيره فإنه أيضاً لا يقبل؛ لأنه لم يخلص لله ولم يفرد الله عز وجل به، بل جعل مع الله شريكاً فيه، فلا بد في العمل المقبول عند الله أن يكون لله خالصاً وأن يكون لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطابقاً وموافقاً، ولهذا جاء، عن الفضيل بن عياض رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الملك:2]، فقال: العمل الأحسن هو ما كان خالصاً صواباً، فالخالص ما كان لله والصواب ما كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والدليل على أن العمل إذا كان غير مطابق للسنة يكون غير معتبر قوله عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وهذا لفظ متفق عليه من حديث أم المؤمنين عائشة، وفي رواية عنها في صحيح مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وهذا أعم من الأول؛ لأنه -أي من عمل عملاً- سواءً كان هو المحدث له أو مسبوقاً إلى إحداثه ولكنه تابع غيره فيه، فمن عمل عملاً أعم ممن أحدث في أمرنا؛ لأنه يشمل ما إذا كان الذي عمله محدثاً له أو كان متابعاً لغيره فيه، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية لـمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
والحديث فيه مشروعية الخطبة للعيد، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب للعيد وخطبته قبل الصلاة، وأن مما تشتمل عليه الخطبة في عيد الأضحى بيان أحكام الأضاحي وما يتعلق بها، كما أن صلاة عيد الفطر يكون فيها بيان شيء من أحكام العيد وشيء مما يتعلق بزكاة الفطر وإظهار شكر الله عز وجل على نعمة إتمام الصيام وعلى أداء تلك العبادة العظيمة التي هي الصيام.
فهذا الحديث كان أو الخطبة كانت يوم عيد أضحى، فكان في بيانه عليه الصلاة والسلام في خطبته شيء يتعلق بالأضاحي وبأحكام الأضاحي ووقت الأضحية -أي: ابتدائه- وأما نهايته فهو آخر أيام التشريق الثلاثة؛ لأن أيام الذبح أربعة: يوم العيد وثلاثة أيام من بعد يوم العيد التي هي أيام التشريق.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في الخطبة يوم العيد
قوله:
[أخبرنا محمد بن عثمان].
وهو محمد بن عثمان الثقفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا بهز].
وهو بهز بن أسد العمي البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني زبيد].
زبيد، وهو ابن الحارث اليامي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت الشعبي].
الشعبي، هو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو ثقة، فقيه، وإمام مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي تؤثر عنه الكلمة المشهورة في بيان حقيقة الرافضة وبعدهم عن الحق والصواب، وهي أن اليهود والنصارى فاقوا الرافضة بخصلة -أي تميزوا عليهم وصاروا أحسن منهم وهم يهود ونصارى أحسن من الرافضة في خصلة من الخصال- وهي أن اليهود لو قيل لهم: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب موسى، والنصارى لو قيل لهم: من خير أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب عيسى، والرافضة لو قيل: من شر أهل ملتكم؟ لقالوا: أصحاب محمد. فهذا حال الصحابة عندهم وأنهم شر هذه الملة، وهذا الكلام الذي قاله الشعبي، قاله في رافضي له شعر يقطر من الحقد، والذم، والشتم، والعيب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصيدة طويلة، يقول فيها هذا المعنى الذي قاله الشعبي، فهو يقول في قصيدته:
أهم خير أمة أخرجت للناس هيهات ذاك بل أشقاها
فسبب الكلام الذي قاله الشعبي، هو ما قاله هذا الرافضي الخبيث، وكان مما قاله وهو دال على منتهى وقاحته وخبثه في بيت من أبيات تلك القصيدة الخبيثة: إن سورة براءة لم تأت في أولها بسملة؛ لأنه ذكر فيها أبو بكر. يعني: هذا هو السبب الذي لم يبسمل في سورة براءة في أولها، ونقول: إن أبا بكر رضي الله عنه ذكر فيها لكن بأحسن الذكر، سماه الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأطلق الله عليه هذا الوصف حيث قال: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifإِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[التوبة:40]، يعني: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبه، فسماه الله صاحب رسول الله وأطلق عليه أنه صاحب رسول الله، وهو وصف حصل من الله تبارك وتعالى لـأبي بكر رضي الله عنه.
ثم أيضاً قال: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifثَانِيَ اثْنَيْنِ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[التوبة:40]، يعني: أن الله عز وجل ثالثهما كما جاء في الحديث عندما جاء الذين يبحثون عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغار، ووقفوا عند باب الغار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يرون أقدامهم، فقال أبو بكر: (لو أبصر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فأبو بكر ذكر بأحسن الذكر وأثني عليه وصارت هذه من أجل مناقبه ومن خير مناقبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا الخبيث يقول: إن سورة براءة أخليت من البسملة؛ لأن أبا بكر ذكر فيها.
الحاصل: أن سبب هذه الكلمة المأثورة عن الشعبي هو ما قاله رافضي في قصيدته.
أهم خير أمة أخرجت للناس هيهات ذاك بل أشقاها
أي بل أشقى أمة أخرجت للناس والعياذ بالله، وهذا هو الضلال وهذا هو العمى، والمسلم عندما يسمع مثل هذا الكلام يحمد الله عز وجل ويشكره، ويكثر من الدعاء بأن يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gif رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[آل عمران:8] لا شك أن هذا من زيغ القلوب وهذا من الخذلان وهذا من الحرمان، أن تلوك الألسنة أعراض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين اختارهم الله لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام والجهاد معه والذب عنه ونشر الدين، وكونهم الواسطة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الناس، ولم يعرف حق وهدى إلا عن طريقهم، ثم يأتي من خذله الله ويقول مثل هذا الكلام الوقح الساقط الهابط الذي يدل على أن من قاله قد بالغ في الجناية على نفسه وألحق الضرر أو سعى في إلحاق الضرر الكبير على نفسه، نسأل الله السلامة والعافية.
عامر بن شراحيل الشعبي هو الذي قال هذه الكلمة، وقد ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في أول كتاب منهاج السنة، وكما قلت: سبب هذا الكلام الذي قاله هو ما تفوه به ذلك المخذول في تلك القصيدة، ومنها ذلك البيت الذي فيه ذم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ووصفهم بأنهم أشقى هذه الأمة والعياذ بالله، وبهذا يصدق قول الشعبي: إن اليهود والنصارى فاقوا الرافضة، أولئك قالوا: أصحاب موسى هم خير أمتهم، والنصارى قالوا: أصحاب عيسى خير أمتهم، وهذه الأمة التي وفقها الله عز وجل -وهم من سار على نهج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم- يقولون: خير هذه الأمة أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مثلما قالت اليهود والنصارى عن أصحاب النبيين الكريمين موسى وعيسى، يقول أهل السنة والجماعة -أهل الحق-: إن أصحاب رسول الله هم خير هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فخير الأمة بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله؛ لأن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، وخير هذه الأمة أصحاب رسول الله، أما أولئك المخذولون فيقولون: إنهم شر أهل الملة والعياذ بالله.
وحديث الشعبي أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
والبراء بن عازب، صحابي ابن صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:47 PM
صلاة العيدين قبل الخطبة
شرح حديث ابن عمر في صلاة العيدين قبل الخطبة
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة العيدين قبل الخطبة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة بن سليمان حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر رضي الله عنهما كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب صلاة العيدين قبل الخطبة، أي أن الصلاة تسبق الخطبة، هذه هي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأورد حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة)]، فهذا يدل على أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخليفتين الراشدين من بعده أنهم كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة العيدين قبل الخطبة

قوله:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
إسحاق بن إبراهيم هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.
[أخبرنا عبدة بن سليمان].
عبدة بن سليمان، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبيد الله].
عبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، الذي يقال له: العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر].
عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هو صحابي جليل، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
صلاة العيدين إلى العنزة
شرح حديث: (أن رسول الله كان يخرج العنزة يوم الفطر... فيصلي إليها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة العيدين إلى العنزة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج العنزة يوم الفطر ويوم الأضحى يركزها فيصلي إليها)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة في العيدين إلى العنزة -أي إلى سترة- والعنزة هي عصا في رأسها حديدة تغرز في الأرض فتكون قائمة وتكون سترة للإمام، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى عنزة، وفي العيدين الأضحى والفطر، كان يخرج معه العنزة ليجعلها سترة له.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يخرج العنزة يوم الفطر... فيصلي إليها)
قوله:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
وقد مر ذكره.
[أخبرنا عبد الرزاق].
هو ابن همام الصنعاني، وهو ثقة، حافظ، مصنف، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
وهو ابن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
وهو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.
عدد صلاة العيدين
شرح حديث عمر في عدد صلاة العيدين
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب عدد صلاة العيدين.أخبرنا عمران بن موسى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سفيان بن سعيد عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ذكره عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: (صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام ليس بقصر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب عدد صلاة العيدين -أي: عدد ركعاتها، وأن صلاة العيدين ركعتان- وأورد فيه حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: [(صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم)]، والحديث سبق أن مر، وفيه رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر، وقد قال النسائي فيما مضى: إنه لم يسمع منه. لكن هذا الحديث جاء أنه سمعه منه، والحديث واضح الدلالة على الترجمة من جهة أن صلاة العيد ركعتان، الأضحى ركعتان، والفطر ركعتان، وقد تقدم الحديث في الجمعة وتقدم في القصر في السفر.
تراجم رجال إسناد حديث عمر في عدد صلاة العيدين
قوله:
[أخبرنا عمران بن موسى].
وهو البصري، وهو صدوق، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا يزيد بن زريع].
هو يزيد بن زريع البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان بن سعيد].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن زبيد].
وهو ابن الحارث اليامي، وقد تقدم ذكره قريباً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه].
وهو أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
القراءة في العيدين بقاف واقتربت
شرح حديث أبي واقد الليثي في القراءة في العيدين بقاف واقتربت
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في العيدين بقاف واقتربت.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثني ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله، قال: (خرج عمر رضي الله تعالى عنه يوم عيد فسأل أبا واقد الليثي رضي الله تعالى عنه: بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في هذا اليوم؟ فقال: بقاف، واقتربت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي القراءة في صلاة العيدين بقاف واقتربت الساعة وانشق القمر، وأورد فيه حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في العيد بسورة قاف واقتربت الساعة وانشق القمر. وهاتان السورتان اشتملتا على بيان المبعث والمعاد وعلى ذكر أخبار الأمم الماضية -يعني إحدى السورتين اشتملت على أخبار الأمم الماضية على سبيل التفصيل، وسورة قاف ذكرتها على سبيل الإجمال- فمن أجل ذلك كان عليه الصلاة والسلام بقراءته لهاتين السورتين يذكر الناس بما اشتملتا عليه من العبر ومن الأحكام ومن التذكير بالوعد والوعيد وذكر ما يحصل بعد الموت وما حصل للأمم السابقة التي كذبت الرسل وكيف آل أمرها إلى أن أهلكت؛ لأنها لم تستجب للرسل، فهاتان السورتان مشتملتان على أمور عظيمة، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهما في العيدين.
تراجم رجال إسناد حديث أبي واقد الليثي في القراءة في العيدين بقاف واقتربت
قوله:
[محمد بن منصور].
هو الجواز، الأغلب أنه الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ضمرة بن سعيد].
وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عبيد الله بن عبد الله].
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين.
[عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه].
وعمر رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي عن الذي كان يقرؤه صلى الله عليه وسلم في العيدين؟ وهذا الإسناد فيه أن عبيد الله يروي عن عمر، وعمر سأل أبا واقد الليثي، لكن قيل: إن عبيد الله لم يدرك عمر ولم يسمع منه، فنقول: جاء في صحيح مسلم أن عبيد الله يروي عن أبي واقد وهو الذي يحكي أن عمر سأله، فعن أبي واقد الليثي. قال: سألني عمر عن كذا. هذا هو الذي في صحيح مسلم، يعني أنه من رواية عبيد الله عن أبي واقد، فعلى هذا يكون الحديث متصلاً كما هو في صحيح مسلم.
ثم الحديث معلوم لأن عمر رضي الله عنه كان قد حضر صلاة العيد مراراً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يسأل أبا واقد الليثي عما كان يقرؤه الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وقد أجيب عن هذا الاستشكال: بأن عمر رضي الله تعالى عنه أراد أن يختبر أبا واقد ليعلم ماذا عنده لا أن عمر لا يعلم ذلك الحكم، أو أنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهاتين السورتين وبسبح اسم ربك الأعلى والغاشية وأراد من غيره أن يحدث بشيء يوافقه ويتفق مع ما عنده، أو أنه نسي وأراد أن يتثبت، أو لغير ذلك من الأسباب فسؤال عمر يحتمل كذا، ويحتمل كذا، ويحتمل كذا؛ لأنه كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكون قريباً منه ويسمع الخطبة ويسمع الصلاة وما يجري في الصلاة وما يحصل في الصلاة.
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن أبي واقد].
هو أبو واقد الليثي فقيل: اسمه الحارث بن عوف، وقيل غير ذلك، وهو صحابي مشهور بكنيته، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
القراءة في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية
شرح حديث: (أن رسول الله كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك وهل أتاك حديث الغاشية)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأ بهما)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي القراءة في صلاة العيدين بسبح والغاشية، وأورد فيه حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في العيدين والجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعت الجمعة والعيد فكان يقرأ فيهما، يعني يصلي العيد ويقرأ فيه بهاتين السورتين: سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، ثم بعد ذلك عندما تأتي الجمعة يقرأ فيها بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية.
فالحديث دال على أنه يقرأ في الجمعة وكذلك في العيدين هاتين السورتين.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك وهل أتاك حديث الغاشية...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عوانة].
وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عوانة.
[عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].
هو إبراهيم بن محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبيه].
وهو محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[حبيب بن سالم].
وهو مولى النعمان بن بشير وكاتبه، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن النعمان بن بشير].
وهو صحابي ابن صحابي، وهو من صغار الصحابة، توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(286)
- كتاب صلاة العيدين - (باب الخطبة في العيدين بعد الصلاة) إلى (باب قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان)


دلت السنة على كون خطبة العيد بعد الصلاة، والناس مخيرون بين الجلوس لسماع الخطبة والانصراف، كما أنه يستحب التزين للعيد وللخطبة، ويكون الخطيب قائماً وبارزاً للناس، مع جواز أن يخطب متكئاً على شخص آخر، وأن يخطب من على الناقة، وله أن يعظ النساء بما يخصهن.

الخطبة في العيدين بعد الصلاة
شرح حديث ابن عباس: (أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله فبدأ بالصلاة قبل الخطبة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخطبة في العيدين بعد الصلاة.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت أيوب يخبر عن عطاء سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: (أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب)].
يقول النسائي رحمه الله تعالى: الخطبة في العيدين بعد الصلاة. المقصود من الترجمة بيان أن موضع الخطبة في العيدين إنما هو بعد الصلاة وليس قبل الصلاة، وقد أورد النسائي فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب)، فإنه واضح الدلالة على الترجمة وأن الصلاة تقدم والخطبة تؤخر.
وقوله: (أشهد)، فيه تأكيد الخبر الذي أخبر به والحديث الذي رواه، ولا يحتاج الأمر إلى ذكر (أشهد) بل مجرد إخبار الصحابي كاف في ذلك، ولكن ذكر الشهادة فيه زيادة توضيح وزيادة تحقيق.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (أشهد أني شهدت العيد مع رسول الله فبدأ بالصلاة قبل الخطبة...)
قوله:
[أخبرنا محمد بن منصور].
محمد بن منصور وهو الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[عن سفيان].
وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، حجة، ثبت، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
أيوب وهو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
وهو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما].
وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام صحابي ابن صحابي، أبوه العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله هو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وهم من صغار الصحابة، والذين يسمون باسم عبد الله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرون، لكن لقب العبادلة الأربعة أطلق على هؤلاء الأربعة، وإلا فــعبد الله بن قيس هو أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وأبو بكر اسمه عبد الله بن عثمان.
وابن عباس هو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء سبعة معروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث البراء بن عازب: (خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن الشعبي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة)].ثم أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وهو أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خطبنا يوم العيد بعد الصلاة)، وهو واضح الدلالة على الترجمة أن الخطبة في العيد تكون بعد الصلاة، فهو مثل حديث ابن عباس، كل منهما يدل على أن الخطبة في العيد تكون بعد الصلاة، ومن ذلك أيضاً ما جاء عن أبي سعيد في قصة إنكاره على مروان بن الحكم لما أراد أن يخطب يوم العيد قبل الصلاة فأنكر ذلك عليه، وجلس أبو سعيد وصلى معه ولم يترك حضور الصلاة مع أن فيه مخالفة للسنة من جهة أنه قدم الخطبة على الصلاة.
وحديث أبي سعيد مثل حديث أبي هريرة والبراء كلها تدل على أن الخطبة يوم العيد تكون بعد الصلاة وليست قبل الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب: (خطبنا رسول الله يوم النحر بعد الصلاة)

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان هي قرية من قرى بلخ، وبلخ إحدى المدن الكبيرة في خراسان، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الأحوص].
وأبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي الأحوص وكانت وفاته سنة مائة وتسع وسبعين أي في السنة التي مات فيها الإمام مالك، وقتيبة ممن عمر وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين وولادته سنة مائة وخمسين وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة والتي ولد فيها الشافعي، وقد روى عن أبي الأحوص الذي توفي في السنة التي مات فيها مالك وهي سنة مائة وتسعة وسبعين، أي أن عُمْر قتيبة عند وفاة أبي الأحوص تسع وعشرون سنة.
[عن منصور].
وهو منصور بن المعتمر الكوفي هو ثقة من أقران الأعمش، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الشعبي].
الشعبي هو عامر بن شراحيل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
البراء بن عازب صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين
شرح حديث: (أن النبي صلى العيد وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف...)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين.حدثنا محمد بن يحيى بن أيوب حدثنا الفضل بن موسى حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن السائب رضي الله تعالى عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف، ومن أحب أن يقيم للخطبة فليقم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين، المقصود من ذلك أن حضور الخطبة والجلوس للاستماع لها ليس بواجب وإنما مستحب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خيّر بين الجلوس والانصراف، وكونه خير بين الجلوس والانصراف يدل على أن الحضور ليس بلازم.
وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن السائب رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى العيد خطب الناس وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف ومن أحب أن يقيم للخطبة فليقم)، أي من أحب أن ينصرف ولا يجلس لسماع الخطبة فله ذلك ومن أحب أن يبقى فله أن يبقى. ولا شك أن البقاء خير من الانصراف، ولكن لما وجد التخيير فيه دل على أنه غير واجب، وهذا من جنس التخيير باليوم الثالث من أيام التشريق، يعني هو مخير، من أراد أن يتعجل تعجل ومن أراد أن يتأخر تأخر لكن التأخر أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام تأخر، فدل هذا على أن الجلوس أو البقاء في اليوم الثالث عشر أنه مخير فيه كما جاء في القرآن لكن التأخر أفضل من التعجل؛ لأنه زيادة عمل وزيادة قربة إلى الله عز وجل، وفيها زيادة الأجر، والنبي عليه الصلاة والسلام تأخر وما تعجل، فكذلك من أراد أن ينصرف في الخطبة يوم العيد فله أن ينصرف وليس عليه بأس، ولكن من بقي فلا شك أنه أفضل وهو أولى.
هذا الحديث يدل على أن مما تشتمل عليه الخطبة يوم العيد بيان شيء من أحكام العيد وما يتعلق بيوم العيد؛ لأن هذا من البيان وقت الحاجة، فلابد في خطبة الأضحى أن تشتمل على بيان الأضاحي وما يتعلق بذلك، وفي خطبة عيد الفطر أن تشتمل على بيان ما يتعلق بزكاة الفطر من رمضان، وكذلك لابد أن تشتمل كل منهما على الوصايا والتذكير، ثم أيضاً لابد من بيان الأحكام المتعلقة بالعيد وبالخطبة كما أنه عليه الصلاة والسلام بين أن حضور الخطبة ليس بواجب ولكنه مستحب.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى العيد وقال: من أحب أن ينصرف فلينصرف...)

قوله:
[محمد بن يحيى بن أيوب].
وهو محمد بن يحيى بن أيوب المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا الفضل بن موسى].
الفضل بن موسى هو المروزي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
ابن جريج وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
وهو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن السائب المكي].
وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
الزينة للخطبة للعيدين
شرح حديث أبي رمثة: (رأيت النبي يخطب وعليه بردان أخضران)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الزينة للخطبة للعيدين.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبيه عن أبي رمثة رضي الله تعالى عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وعليه بردان أخضران)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي الزينة للخطبة في العيد، ومن المعلوم أن الخطبة في العيد لا تتميز بشيء عن صلاة العيد، وإنما التجمل للعيد للخروج إلى الصلاة وللخطبة، وقد مر في حديث عمر رضي الله عنه الذي فيه أنه عرض عليه أن يشتري له حلة من ديباج ليتجمل فيها للعيد وللوفد، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما يلبس هذا من لا خلاق له)؛ لأنها من حرير، لكنه أفاد التجمل للعيد وأما الخطبة فليس لها شيء يخصها؛ لأن من ذهب للعيد وصلى فلباسه في ذهابه واحد للخطبة ولغير الخطبة ولا يخص الخطبة، ولكن الحديث أخبر بأنه رآه وهو يخطب وعليه بردان أخضران.
الحاصل أنه أخبر عن كونه رآه؛ لأنه واقف يخطب ورأى لباسه عليه الصلاة والسلام فأخبر عن الشيء الذي رآه وشاهده وعاينه في حال الخطبة، لكن الحكم في الحقيقة لا يخص الخطبة، والزينة لا تكون للخطبة، وإنما الزينة للعيد، والعيد فيه الخطبة وفيه الصلاة، والحديث سبق أن مر في التجمل للعيد.
وقد أورد النسائي حديث أبي رمثة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم العيد وعليه بردان أخضران)، الحديث واضح الدلالة على التجمل، وكما قلت: لا يخص الخطبة بل التجمل لصلاة العيد، والذهاب للعيد فيه صلاة وفيه خطبة واجتماع بالناس.
تراجم رجال إسناد حديث أبي رمثة: (رأيت النبي يخطب وعليه بردان أخضران)

قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
وهو محمد بن بشار البصري الملقب بندار، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكل من أصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة فهو شيخ لهم جميعاً، وهو من صغار شيوخ البخاري، توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، قيل: إن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين ومحمد بن بشار توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ويماثله في سنة الوفاة شيخان آخران لأصحاب الكتب الستة، وهما محمد بن المثنى العنزي الملقب بـالزمن ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأيضاً هذان توفيا في السنة التي مات فيها محمد بن بشار، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، فهؤلاء الثلاثة محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، اتفق أنهم توفوا في سنة واحدة، وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، واتفقوا في أنهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل واحد من أصحاب الكتب الستة روى عن هؤلاء الثلاثة: محمد بن المثنى، محمد بن بشار، يعقوب بن إبراهيم الدورقي.
[حدثنا عبد الرحمن].
عبد الرحمن وهو ابن مهدي البصري، وهو ثقة، إمام، عارف بالرجال والعلل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال عنه الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال عنه وعن يحيى بن سعيد القطان: إنهما إذا جرحا شخصاً أو اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. يعني: أنهما يصيبان وأن كلامهما فيه معتمد.
[حدثنا عبيد الله بن إياد].
وهو عبيد الله بن إياد بن لقيط السدوسي، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبيه].
الأب إياد بن لقيط السدوسي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وهو مثل ابنه أي الذين خرجوا لـعبيد الله بن إياد، هم الذين خرجوا لأبيه إياد، البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، أي: ما خرج لهما البخاري في الصحيح، ولا ابن ماجه، والباقون خرجوا للاثنين للابن والأب.
[عن أبي رمثة].
وأبو رمثة وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، أخرج له أبو داود، والنسائي، والترمذي.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:52 PM
الخطبة على البعير
شرح حديث أبي كاهل الأحمسي: (رأيت النبي يخطب على ناقة وحبشي آخذ بخطام الناقة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخطبة على البعير.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي كاهل الأحمسي قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقة وحبشي آخذ بخطام الناقة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الخطبة على البعير، وفي هذا دليل على أن الخطبة تكون على مكان مرتفع سواءً كانت على بعير أو كانت على منبر، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه أنه خطب على المنبر، وجاء أنه خطب على بعير، وهذا فيه جواز الخطبة على البعير.
وأورد النسائي فيه حديث أبي كاهل الأحمسي رضي الله تعالى عنه، قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقة، وحبشي آخذ بخطام الناقة)، والحبشي قيل: إنه بلال صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث ليس فيه تنصيص على العيد وذكر العيد، لكن فيه تنصيص أو دليل على أن الخطبة تكون على مكان مرتفع، وأنه يجوز أن تكون على دابة كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي كاهل الأحمسي: (رأيت النبي يخطب على ناقة وحبشي آخذ بخطام الناقة)
قوله:
[أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].
يعقوب بن إبراهيم وهو الدورقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي مر ذكره قريباً مع محمد بن بشار، وأنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، وأنه توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
[حدثنا ابن أبي زائدة].
ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني إسماعيل بن أبي خالد].
وهو إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أخيه].
وأخوه مبهم، وهذا يسمى المبهم أي: الذي لم يسم، وإسماعيل بن أبي خالد له أربعة إخوة هم أشعث، وسعيد، والنعمان، وخالد لكن الذي ذكر أنه روى عنه حديث الخطبة في العيد هو سعيد بن أبي خالد، وهو صدوق، أخرج له النسائي، وابن ماجه.
[عن أبي كاهل].
وأبو كاهل الأحمسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل: إن اسمه قيس بن عائذ، اخرج حديثه
النسائي، وابن ماجه.


قيام الإمام في الخطبة
شرح حديث: (كان رسول الله يخطب قائماً ثم يقعد قعدة ثم يقوم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام الإمام في الخطبة.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن سماك قال: (سألت جابراً رضي الله تعالى عنه: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً؟ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد قعدة ثم يقوم)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الخطبة قائماً، وأورد فيه حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً، ثم يقعد قعدة، ثم يقوم. أي: فيخطب الخطبة الثانية، والحديث مطلق ليس فيه التنصيص على العيد، ولكنه فيه الخطبة عن قيام، وهذا هو المعروف عنه عليه الصلاة والسلام، أو الغالب عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب قائماً، وقد جاء في بعض الأحوال أنه قعد على المنبر، أو جلس على المنبر، في الكسوف، وفي الاستسقاء، أي: ذكر القعود، والجلوس.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يخطب قائماً ثم يقعد قعدة ثم يقوم)

قوله:
[أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
وهو ابن مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سماك].
عن سماك بن حرب، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان
شرح حديث جابر في قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان حدثنا عطاء عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (شهدت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، فلما قضى الصلاة قام متوكئاً على بلال، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ الناس وذكرهم، وحثهم على طاعته، ثم مال، ومضى إلى النساء ومعه بلال، فأمرهن بتقوى الله، ووعظهن، وذكرهن، وحمد الله وأثنى عليه، ثم حثهن على طاعته، ثم قال: تصدقن؛ فإن أكثركن حطب جهنم، فقالت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين: بم يا رسول الله؟ قال: تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير، فجعلن ينزعن قلائدهن، وأقراطهن، وخواتيمهن يقذفنه في ثوب بلال يتصدقن به)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان، وأورد فيه حديث جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب، وهو متكئ على بلال، فهذا فيه الدلالة على ما ترجم له المصنف، من خطبة الإمام وهو متكئ على غيره، وقد أورد النسائي حديث جابر رضي الله عنه الذي قال فيه: شهدت العيد مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فصلى قبل الخطبة، أي: بدأ بالصلاة، وهذا فيه دليل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، من أن الصلاة تكون قبل الخطبة، وكان مما اشتملت عليه خطبته أنه ذكر الناس ووعظهم، وهذا فيه دليل على أن الخطبة في العيدين تشتمل على تذكير وعلى عظات يذكر بها الناس، ويخوفهم بها، ففيه الترغيب وفيه الترهيب وفيه بيان طرق الخير والحث عليها وبيان شيء من أنواع الشر والتحذير منها، هذا مما يشمله الوعظ والتذكير.
وقوله (فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة)، يعني أنه ما كان لها أذان ولا إقامة.
قوله: (فلما قضى الصلاة قام متوكئاً على بلال فحمد الله وأثنى عليه).
(قام متوكئاً على بلال)، يعني خطب الناس وهو متوكئ على بلال، وهذا هو محل الشاهد من حديث الترجمة وهو متوكئ على إنسان.
وقوله: (ثم مال إلى النساء)، يعني: ذهب إليهن ووعظهن وذكرهن، وذلك لأن أماكنهن بعيدة وقد لا يسمعن الخطبة، وفي هذا دليل على جواز مثل هذا العمل إذا كان هناك أمر يقتضيه بكونه لا يحصل السماع، وأما في هذا الوقت مع وجود مكبرات الصوت فإن القريب والبعيد يسمع بحمد الله فلا يحتاج إلى مثل هذا العمل، الذي هو الذهاب لتذكير النساء أو وعظهن، وإنما يمكن أن يكون لهن نصيب في الخطبة أو يذكرن في الخطبة، لكن تخصيصهن أو الذهاب إليهن ليس هناك حاجة إليه مع وجود مكبرات الصوت.
ومن العلماء من قال: إن هذا خاص به وأنه ليس لأحد أن يذهب إليهن. ومنهم من قال: إن غيره يكون كذلك، وهذا هو الأصل؛ لأنه لا يقال بالتخصيص أو أن أفعاله خاصة به إلا بدليل وإلا فإن أفعاله الأصل فيها التشريع حتى يأتي دليل يدل على الخصوصية به عليه الصلاة والسلام وأنه لا يشاركه في هذا الحكم أحد، لكن الأمر كما أشرت وهو عند الحاجة أما عند وجود المكبرات فليس هناك حاجة تدعو إليه.
قوله: (وحثهن على الصدقة، وقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم)، وهذا يدل على أن الصدقة تكون سبباً في السلامة من عذاب النار، ولهذا لما قال: (إنهن أكثر حطب جهنم)، أرشدهن إلى شيء يكون سبباً في سلامتهن من جهنم وهو الصدقة، ولهذا جاء في الحديث: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، يعني الصدقة فيها السلامة ولو كانت قليلة، ما دام أن الإنسان لا يجد غيرها: أو لا يجد إلا شيئاً قليلاً فيتصدق مما أعطاه الله ومما يقدر عليه، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[البقرة:286]، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifلِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الطلاق:7].
ولما قال: (تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم قامت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين)، وسفلة قيل: إنها التي ليست من علية النساء، وجاء في بعض الأحاديث سطة النساء، يعني أنها في وسط النساء أو من أوساط النساء.
وقوله: (سفعاء الخدين)، فيه بيان أن خديها كانا بارزان، وهذا مما يستدل به من يقول: أن المرأة لا تغطي وجهها بل لها أن تكشفه، وقد أجاب عنه بعض أهل العلم القائلين بأن المرأة تغطي وجهها: أن هذا يمكن أن يكون قبل مشروعية الحجاب، أو أنه كان ذلك بعده ولكن عندما قال عليه الصلاة والسلام: إنهن أكثر حطب جهنم حصل فزع فأرادت أن تسأل فسألت ووجهها مكشوف، فهذه القضية حالة معينة أجيب عنها، إما باحتمال أنه قبل أن يشرع الحجاب، أو أنه حصل الانكشاف بسبب ما حصل من الفزع عندما قال: (إن أكثركن حطب جهنم).
قوله: (سفعاء الخدين)، أي: السفع هو السواد، والذي هو فيه شيء يغاير اللون، فقالت: (بم يا رسول الله؟) يعني: ما هو السبب؟ ما الذي جعل النساء يكن أكثر حطب جهنم؟ فقال: (تكثرن الشكاة وتكفرن العشير) العشير هو الزوج، والكفران: أنه إذا أحسن إليها وأكثر إحسانه إليها ثم غضبت عليه أو كان في نفسها عليه في يوم من الأيام نسيت كل ما تقدم من الإحسان وقالت: ما رأيت منك خيراً قط كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات، فهذا من كفران العشير. وقد مر قوله عليه الصلاة والسلام عندما سئل أيكفرن بالله؟ (قال: يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً -يعني يسوءها- قالت: ما رأيت منك خيراً قط).
قوله: (فجعلن ينزعن قلائدهن وأقراطهن).
ثم هؤلاء الصحابيات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن بادرن إلى الصدقة ولم ينتظرن الذهاب للبيوت، بل جعلن يلقين من خواتيمهن وأقراطهن وقلائدهن، وهذا فيه دليل أيضاً على أنه يجوز أن تخرج المرأة في العيد وعليها الزينة -التي هي الذهب- ولكنها تكون مغطاة لا يطلع عليها أحد ولا يراها الناس؛ لأنهن جعلن يلقين من قلائدهن التي على رقابهن وأقراطهن التي في آذانهن وخواتمهن التي في أصابعهن، فهذا فيه مبادرتهن إلى الخير وحرصهن عليه.
وفيه أيضاً دليل على أن المرأة تتصرف في مالها بغير إذن زوجها؛ لأن النساء جعلن يتصدقن ما أخرن هذا حتى يذهبن، ويستأذن الأزواج، فدل هذا على أن المرأة تتصرف في مالها بدون إذن زوجها، لكن إذا تصرفت بإذنه ومشورته لا شك أن هذا أطيب في العشرة، وقد يكون في ذلك مصلحة لها فيما إذا استشارت زوجها، وأشار عليها بشيء ينفع، لكن الحديث واضح الدلالة على أنها تتصرف في مالها بغير إذن زوجها، جعلن يلقين من أقراطهن وخواتمهن -والخواتيم وهي محلقة؛ لأنها على الإصبع وعلى قدر الإصبع- فجعلت الواحدة تنزع خواتمها من إصبعها، وتلقيه في الثوب الذي وضع لوضع الصدقة فيه.

تراجم رجال إسناد حديث جابر في قيام الإمام في الخطبة متوكئاً على إنسان

قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي هو الفلاس البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
وهو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان].
وهو عبد الملك بن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عطاء عن جابر].
وقد مر ذكرهما.
الأسئلة
حكم الذهب المحلق للنساء
السؤال: ما حكم الذهب المحلق للنساء؟
الجواب: كما هو معلوم الذهب المحلق وردت نصوص في النهي عنه وقابلها نصوص دالة على استعمال المحلق، وقابلها أيضاً نصوص عامة تشمل المحلق وغير المحلق، فتكون أحاديث النهي عنه في مقابل الأحاديث الأخرى الدالة على استعمال المحلق مرجوحة، يعني: عند الجمع بينها وعند المعارضة فيما بينها، ومن الأحاديث الدالة على جواز استعمال الذهب المحلق حديث المسكتين التي على المرأة التي قال لها: أتؤدين زكاة هذا؟
التفضيل للصحابة يكون بالجملة
السؤال: هل تفضيل الصحابة في الجملة أم بالأعيان؟
الجواب: الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم المعروف عن أهل السنة، أو بل هو كالإجماع من أهل السنة على أن تفضيل الصحابة تفضيل الجميع على غيرهم، أي: أن أي فرد من أفراد الصحابة يعتبر أفضل من أي فرد ممن جاء بعدهم، هذا معنى التفضيل، تفضيل الجميع، أي: أن واحد منهم أفضل ممن جاء بعدهم وهذا هو القول المشهور عند أهل السنة، وقد جاء عن ابن عبد البر أو ذكر عن ابن عبد البر الأندلسي حافظ المغرب في زمانه المتوفى سنة أربعمائة وثلاث وستين أنه كان يقول: إن التفضيل في الجملة وليس بالجملة، يعني: ليس للجميع وإنما هو في الجملة، معناه: جملة الصحابة أفضل ممن بعدهم، ومعنى هذا: أنه قد يأتي من غير الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة -أي التفضيل ليس للجميع وإنما هو للمجموع- لكن المشهور عن مذهب أهل السنة والمعروف عن أهل السنة والذي لا نعلم من قال بخلافه إلا ابن عبد البر، هو أن التفضيل للجميع، ولهذا لا يحتاجون إلى أن يبحثوا عن توثيق شخص ما دام عرف أنه صحابي، يكفيه أن يقال: إنه صحابي؛ لأن الصحبة لا يعدلها شيء ولا يماثلها شيء.
العمل بدلالة ظاهر اللفظ
السؤال: ماذا تعني هذه العبارة: إذا جاء اللفظ في القرآن والسنة ولم يرد عن السلف تفسيره بما يخالف ظاهره فالأصل أن نبقيه على ظاهره، واعتقدوا ما يدل عليه؟
الجواب: كما هو معلوم الأصل في الخطاب أنه على حسب ما تقتضيه اللغة؛ لأنهم خوطبوا بلسان عربي مبين، ولهذا فإن الرجوع إلى لغة العرب، والمعاني التي تحتملها لغة العرب، هذا هو المطلوب وهذا هو الأصل، هذا هو معنى هذه العبارة، يعني أن الأصل هو أنه يرجع إلى اللغة، لكن كما هو معلوم إذا فسر، أو إذا جاء شيء يضاف إلى الله مثل الصفات فإنه على ما يليق به، لا ينقدح في الذهن شيء لا يليق بالله عز وجل كالتشبيه؛ لأن ما يضاف إلى الله عز وجل يخصه وما يضاف إلى المخلوقين يخصهم ولا يشبه شيء من صفات الله شيئاً من صفات المخلوقين، بل صفاته تليق به وصفات المخلوقين تليق بهم.
بين الدعاء والقضاء
السؤال: قرأت في كتاب أن الدعاء له مع القضاء ثلاث حالات؛ الأولى: أن يكون الدعاء أقوى من القضاء فيصرفه الله به. والثانية: أن يكون مساوياً له فيعتلجان إلى يوم القيامة. والثالثة: أن يكون الدعاء أضعف فيخفف وطأته على الإنسان فما صحة هذا الكلام؟
الجواب: والله ما أعلم هذا كلام لا يصلح إلا عن طريق الوحي.

ابو الوليد المسلم
04-02-2026, 10:54 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(287)

- كتاب صلاة العيدين - (باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة) إلى (باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة)


من الأحكام المتعلقة بصلاة العيد أن يخطب الإمام في الناس بعد الصلاة، ويكون حال الخطبة قائماً، مستقبلاً الناس بوجهه، ويشرع له في ذلك أن يعظهم ويذكرهم في أمور الدنيا والآخرة، ويحثهم على النفقة والتصدق، ويشرع للمصلين أثناء ذلك الجلوس للإنصات للخطبة؛ إلا أن ذلك ليس على سبيل الوجوب كما في الجمعة.
استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة
شرح حديث أبي سعيد الخدري في استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز عن داود عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى إلى المصلى فيصلي بالناس، فإذا جلس في الثانية وسلم قام فاستقبل الناس بوجهه والناس جلوس، فإن كانت له حاجة يريد أن يبعث بعثاً ذكرها للناس وإلا أمر الناس بالصدقة، قال: تصدقوا، ثلاث مرات، فكان من أكثر من يتصدق النساء)].
يقول النسائي رحمه الله: استقبال الإمام الناس بوجهه في الخطبة -أي خطبة العيد- المقصود من هذه الترجمة: أن الإمام يخطب الناس في العيدين، وهو قد استقبلهم بوجهه، أي: استدبر القبلة واستقبلهم، وأورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان في عيد أضحى أو فطر، خرج فصلى بالناس، فإذا فرغ من الصلاة قام واستقبل الناس بوجهه، ثم خطبهم، وإذا كان يريد أن يبعث بعثاً، فإنه يذكره لهم، وإلا فإنه يأمرهم بالصدقة، وكان من أكثر من يتصدق النساء.
هذا الحديث دال على ما ترجم له المصنف من جهة استقبال الناس بوجهه في الخطبة، ودال على شيء مما تشتمل عليه الخطبة في العيد إذ أنه عليه الصلاة والسلام إذا كان يريد أن يبعث بعثاً فإنه يخبرهم أو يخبر الناس بهذا الذي هو عازم عليه وذلك في الخطبة، وكذلك كان يحثهم على الصدقة، ودل الحديث على أن من أكثر من يتصدق النساء، والسبب في ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الأحاديث لما خطب الرجال ذهب إلى النساء ووعظهن وذكرهن، وقال: (تصدقن يا معشر النساء فإنكن أكثر حطب جهنم، فقيل له: يا رسول الله لم؟ قال: لأنهن يكثرن الشكاية ويكفرن العشير فجعلن يلقين بأقراطهن وخواتيمهن وقلائدهن)، فحث النبي عليه الصلاة والسلام النساء على الصدقة وبيانه أن الصدقة من أسباب الخلاص من النار ومن أسباب الفكاك من النار هو السبب في كثرة صدقة النساء.
وقد جاء في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أي ولو كان بشيء يسير فيجود الإنسان بما يجد، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifلِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الطلاق:7] يتصدق الإنسان على قدر طاقته، ولهذا قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، أي ولو كانت الصدقة قليلة، فمن لم يجد ولا شيئاً قليلاً يتصدق به فبكلمة طيبة -يعني أنه يجيب ويعتذر بعذر حسن- وقد جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والكلمة الطيبة صدقة).

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في استقبال الإمام المناسب بوجهه في الخطبة

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبغلان هي قرية من قرى بلخ، وبلخ هي إحدى المدن الكبيرة في خراسان.
[حدثنا عبد العزيز].
عبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي، وهو صدوق، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن داود].
هو داود بن قيس المدني، وهو ثقة، فاضل، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عياض بن عبد الله].
هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته ونسبته، بكنيته: أبي سعيد، وبنسبته: الخدري وهي: نسبة إلى بني خدرة، وهم بطن من الأنصار، واسمه: سعد بن مالك بن سنان، صحابي، جليل، مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء سبعة هم أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ومنهم أبو سعيد الخدري الذي معنا في الإسناد.
الإنصات للخطبة
شرح حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإنصات للخطبة.أخبرنا محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب؛ فقد لغوت)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي الإنصات للخطبة، وأورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)]، وليس فيه التنصيص على العيدين لكنه لما جاء مطلقاً أورده النسائي للاستدلال به، ومن المعلوم أن خطبة العيد ليس الجلوس لها لازماً كما سبق أن مر بنا التخيير في الجلوس للخطبة وعدم الجلوس، ولكن الجلوس كما عرفنا هو الأولى وهو الأفضل؛ لأنه إذا خير بين شيئين وأحدهما أكمل وأفضل من الثاني فإنه ينبغي أن يختار الأكمل، لكن من لم يختر ما هو الأولى والأفضل فإنه لا إثم عليه.
والحديث دال على الإنصات في الخطبة وهذا استدلال من حيث العموم لأن الجلوس للخطبة ليس بلازم، لكن يمكن أن يقال: إن من جلس فإن عليه أن يستمع وأن لا يتشاغل عنها بشيء، وأما من قام وذهب: فإن له حق الذهاب وليس بملزم أن يبقى لكنه إذا بقى فإنه ينصت، والحديث جاء في بعض الروايات منصوصاً فيها على الجمعة (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت).

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قلت لصاحبك: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)
قوله:
[أخبرنا محمد بن سلمة].
محمد بن سلمة هو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[والحارث بن مسكين].
والحارث بن مسكين، وهو ثقة، فقيه، مصري، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].
يعني أن أخذه عن الحارث بن مسكين إنما هو عن طريق القراءة عليه وهو يسمع، فليس هو القارئ وإنما هو سامع وقت القراءة.
ثم قال: (واللفظ له) أي للشيخ الثاني وهو الحارث بن مسكين، وليس للشيخ الأول الذي هو: محمد بن سلمة، وهما مصريان أي شيخا النسائي مصريان محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، لكن اللفظ هو للشيخ الثاني منهما، وهذه طريقة النسائي أنه عندما يكون الحديث عن شيخين وفيهما الحارث بن مسكين فإن اللفظ يكون للحارث بن مسكين.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
مالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو إمام متقن، قال عنه الحافظ ابن حجر: رأس المتقنين. معناه: أنه متمكن في الإتقان، وأنه قمة في الإتقان والحفظ، رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن كلاباً هو أبو قصي وأبو زهرة، فيلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب، فيقال: ابن شهاب، وهو ثقة، فقيه، وإمام مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن المسيب].
ابن المسيب هو سعيد بن المسيب الإمام المشهور، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إن السابع هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن أبي هريرة ].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصحابي الجليل المشهور، المكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً يرويه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروفون بكثرة الحديث سبعة ذكرتهم قريباً، وأولهم وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
كيف الخطبة؟
شرح حديث جابر في كيفية الخطبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الخطبة؟أخبرنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول: صبحكم مساكم، ثم قال: من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فإلي أو علي، وأنا أولى بالمؤمنين)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي كيف الخطبة؟ أي: كيفية الخطبة وصفة الخطبة، والذي ذكره النسائي هو المقدمة التي يأتي بها عليه الصلاة والسلام في الخطبة، ثم بعد ذلك يذكر الناس بما يريد أن يذكرهم به، ويعظهم ويبلغهم ما يريد أن يبلغهم إياه، لكن كان من هديه عليه الصلاة والسلام في الخطبة أنه يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي عليه، وهاتان الجملتان فيهما: أن الهداية والإضلال بيد الله عز وجل، وأن من هداه الله عز وجل فهو المهتدي، ومن يضلله فهو الذي لا يكون له ولي مرشد، كما قال عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الكهف:17]، فالأمر بيده، وقد قدر الله عز وجل مقادير الخلائق، وكتب من هو شقي، ومن هو سعيد، فمن اهتدى، فالله تعالى هو الذي هداه، ومن ضل، فالله تعالى هو الذي أضله، وليس له هاد يهديه إذا كان الله قد كتب غوايته وضلالته وشقاوته.
ثم يقول: إن أصدق الحديث كلام الله، أي: كلام الله عز وجل الذي تكلم به هو وحيه الذي أوحاه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، وخير الهدي هدي محمد عليه الصلاة والسلام -الهدي- أي الطريقة، والمنهج، والمسلك الذي يسار عليه وهو مسلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال عنه عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين)، يعني: طريقته، ومنهجه الذي كان عليه عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي فيه السلامة، وفيه العصمة، وفيه النجاة، وفيه الفوز بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنه سار إلى الله عز وجل على بصيرة، وسار على هدى، وعلى صراط مستقيم؛ لأنه أخذ بخير الهدي الذي هو هدي محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: (وشر الأمور محدثاتها)، لما بين أن خير الهدي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، بين أن شر الأمور محدثاتها، يعني ما كان محدثاً في دين الله وليس له أصل في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فهذا هو المحدث وهذا هو البدعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: [(فإن شر الأمور محدثاتها)]، ثم قال: [(وكل محدثة بدعة)]، يعني كل محدثة في دين الله عز وجل فهي بدعة.
ليس في الدين بدعة حسنة

قوله: (وكل بدعة ضلالة)، وهذا يدلنا على أن كل البدع ضلالة، وليس في الإسلام بدعة حسنة كما يقول البعض، فهذا العموم الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (كل بدعة ضلالة)، يدلنا على أن البدعة في الدين أيّ بدعة فإنها ضلالة، ولا يقال: إن هناك بدعة حسنة كما قاله بعض أهل العلم الذين قالوا: إن البدعة تجري عليها الأحكام الخمسة الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه وما إلى ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل بدعة ضلالة) يعني: كل شيء لم يكن على هدي رسول الله فإنه ضلالة، وقد أوضح ذلك بقوله: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وهو متفق عليه من حديث عائشة وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهذا انفرد به مسلم من حديث عائشة، ورواية مسلم أعم من الرواية المتفق عليها؛ لأن من عمل عملاً أعم من أن يكون هو المحدث له أو تابعاً لغيره أو مقلداً لغيره في أمر محدث.فقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن كل بدعة ضلالة). يدلنا على أن البدع كلها ضلالة وليس في الإسلام بدعة حسنة، وما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام الذي رواه مسلم في صحيحه: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها)، ليس معنى ذلك أنه يحدث في دين الله أمراً ليس له أساس من الدين فيكون مأجوراً عليه ومن يتابعه أيضاً يلحقه أجره، بل المقصود من ذلك ما جاء في نفس الحديث وهو سبب الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أناس يظهر عليهم الفقر والحاجة الشديدة وجوههم شاحبة وثيابهم بالية والنبي عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله عز وجل: بالمؤمنين رءوف رحيم، فدخل بيوته وخرج وجعل يدخل ويخرج ويسأل: هل في بيوته شيء من أجل أن يعطيهم إياه؟ فلم يجد شيئاً في بيوته عليه الصلاة والسلام، فحث على الصدقة، فقام واحد من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأتى بصرة من الدراهم فوضعها، ثم تتابع الناس وراءه، فقال عليه الصلاة والسلام عند ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها)، معناه: أن هذا الشخص الذي أتى بهذه الصرة، وسبق إلى التصدق بها، والناس تابعوه، هذا هو الذي سن في الإسلام سنة، ومن المعلوم: أن الصدقة مأمور بها، والإنسان إذا أكثر من الصدقة، فإنه فيه زيادة الأجر والثواب، وإظهارها إذا كان سيترتب عليها اقتداء، وحصول فوائد للمحتاجين، فإن ذلك أفضل من إخفائها، وإخفاؤها إذا كان ما يترتب عليه شيء من الفوائد أولى من إظهارها، وعليه يحمل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيهم: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
فالجمع بين الحديثين: الحديث الذي فيه مدح من أظهر الصدقة والثناء عليه وأنه سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه اقتدي به، وكان إظهاره الصدقة في مجال يناسب أن غيره يقتدي به؛ لأجل ذلك قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، أي أن هذا الرجل سبق إلى خير وتصدق بشيء كثير فتوبع على ذلك فله أجره وأجر من اقتدى به، وأما إذا لم يكن هناك أمر يقتضي إظهار الصدقة، كأن لا يتابع ولا يكون فيه تشجيع للغير على المتابعة، ولا على الإكثار من الصدقة فإن إخفاءها يكون أفضل، وبهذا يجمع بين الحديثين: الحديث الذي في مسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة)، والحديث الذي في الصحيحين وهو حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وفيهم (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
إذاً قوله عليه الصلاة والسلام: (كل بدعة ضلالة)، هو على عمومه ولا يقال: إن هناك بدعة حسنة؛ لأن الشيء الذي لم يكن له أساس من الدين ولم يأت به هدي سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام فهو مردود على صاحبه ولو كان قصد صاحبه حسناً، وقد مر بنا قريباً، وسيأتي أيضاً حديث خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم العيد في قوله: (من ذبح قبل الصلاة فإن شاته شاة لحم) -يقصد الأضاحي- فإن أحد الصحابة وهو أبو بردة بن نيار كان قد ذبح أضحيته قبل الصلاة، وأراد من ذلك أن يسبق إلى تقديم اللحم للناس وهم محتاجون إليه في ذلك اليوم، والنبي عليه الصلاة والسلام بين في خطبته: (أن من ذبح قبل الصلاة أن شاته شاة لحم)، فلم تعتبر ذبيحة أبي بردة أضحية؛ لأنها لم تقع على الوجه الذي شرعه رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو أن تكون بعد الصلاة.
قال بعض العلماء في شرح هذا الحديث، وقد نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة أنه لا يعتبر ولو كان قصد صاحبه حسناً؛ لأن هذا الصحابي الجليل قصده حسن، ومع ذلك صارت شاته شاة لحم، وكذلك أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما جاء إلى المسجد وفيه أناس متحلقون، وفي كل حلقة رجل ومعهم حصى، يقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، فإذا فرغوا قال: هللوا مائة فيهللون مائة، ويعدون بالحصى، ثم يقول: كبروا مائة فيكبرون مائة ويعدون بالحصى، فوقف على رءوسهم وقال: يا هؤلاء، إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو أنكم مفتتحو باب ضلالة -واحدة من اثنتين- قالوا: سبحان الله. يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير -يعني قصدنا طيب- قال رضي الله عنه: وكم من مريد للخير لم يصبه، فالخير وإصابة الخير إذا كان على وفق السنة أما إذا كان على خلاف السنة، فإنه يكون بدعة، وصاحبه لا يحصل من ورائه خيراً.
فقوله رضي الله عنه: (وكم من مريد للخير لم يصبه) يفيد ويدل على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل خيراً فليكن على وفق السنة بأن يكون على وفق ما جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الملك:2]، قال: العمل الأحسن: ما كان خالصاً صواباً؛ فالخالص ما كان لله والصواب ما كان على السنة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-03-2026, 10:14 PM
شرطا قبول العمل الإخلاص والمتابعة

شرطان في قبول أي عمل، وهما الأساس، وهما القاعدتان اللتان انبنى عليهما دين الإسلام، وهما أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذا كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً -أي مبتدعاً- فإنه يكون مردوداً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) فلا بد أن يكون العمل خالصاً وأن يكون صواباً، وإن كان العمل صواباً على السنة ولكن ما أريد به وجه الله وما أخلص لله، فإنه يكون أيضاً مردوداً على صاحبه، فلا بد من الإخلاص، ولا بد من المتابعة، ولهذا قال في شرح الطحاوية: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول، وتوحيد المرسل، توحيد المرسل سبحانه وتعالى بالإخلاص وإفراد العبادة له، وتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، وأن يسير على نهجه، ويسير على طريقته التي هي خير الهدي كما في الحديث الذي معنا: [(وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)].ثم قال: (وكل ضلالة في النار)، يعني: أنها تؤدي بصاحبها إلى النار، وهذا يدلنا على خطر البدع وأنها تؤدي بأصحابها إلى عذاب النار والعياذ بالله.
قوله: (ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين)، ويشير بأصبعيه، والمراد بإشارته صلى الله عليه وسلم، الإشارة إلى قربها، وأن المدة التي بين بعثته، وبين قيام الساعة أنها قريبة، وأنها قليلة، وأن بعثته عليه الصلاة والسلام دليل على قرب الساعة؛ لأنه هو آخر الأنبياء، ولا نبي بعده، فالساعة تقوم في أمته التي هي آخر الأمم، وتقوم على شرار أمته كما جاء في الحديث: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد)، فإن الساعة تقوم على أناس لا خير فيهم لا يقال فيهم: الله، أي لا يذكرون الله، إذ تخرج ريح تقبض روح كل مسلم ومسلمة، ولا يبقى إلا أناس لا خير فيهم وعليهم تقوم الساعة، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي تعقبه الساعة؛ لأنه هو آخر الأنبياء، وهو خاتم النبيين، وخاتم المرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين.
والأنبياء السابقون بشروا بمحمد عليه الصلاة والسلام، ومعنى ذلك أن الساعة لا تأتي إلا بعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاء هو وبعثه الله ما بقي إلا هذه الأمة التي هي أمته عليه الصلاة والسلام، وعلى آخرها تقوم الساعة، ولهذا قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، ويشير بأصبعيه، أي: إشارة إلى التقارب الذي يكون بين بعثته وبين قيام الساعة.
وهذا فيه التنبيه إلى أن كل إنسان عليه أن يستعد لها وأن يتهيأ لها، ومن المعلوم أن كل إنسان تقوم قيامته إذا مات، فما دام على قيد الحياة فهو في الدنيا، وإذا مات قامت قيامته وانتقل إلى الدار الآخرة، أو انتقل إلى أول الدار الآخرة؛ لأن القبر ليس دار عمل وإنما هو دار جزاء، فالجزاء في القبر، ويكون بعد القبر، ويدخل الإنسان في الجزاء من حينما يموت؛ لأنه في حياته الدنيا في دار العمل، وإذا مات دخل في دار الجزاء؛ فإنه يعذب في قبره، أو ينعم في قبره على ما حصل له في الدنيا من عمل صالح، أو عمل سيئ، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الزلزلة:7-8].
ومن لم يدرك الساعة وتقوم عليه الساعة في نهاية الدنيا فإن ساعته هي بموته، وبحصول موته؛ لأنه ينتهي من الدنيا بموته فيدخل في الدار الآخرة، فيجازى على عمله، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: [(بعثت أنا والساعة)]، أي قيامها التي تقوم على الناس وبها تنتهي الدنيا، وإلا فإن كل من مات قامت قيامته، وانتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أثر ذكره البخاري في صحيحه عنه، قال رضي الله عنه: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل). وغداً يبدأ بالموت يعني اليوم ينتهي بالموت. وإذا مات الإنسان قامت قيامته، وبعد ذلك دخل إما في النعيم وإما في العذاب والعياذ بالله، فيصل إليه نعيم الجنة، وهو في قبره، ويصل إليه عذاب النار، وهو في قبره كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويل الذي فيه: (أنه إذا كان من المؤمنين يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، وإذا كان بخلاف ذلك يفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها) معنى ذلك أنه يعذب في النار، وهو في قبره وينعم في الجنة وهو في قبره.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وارتفع صوته، واشتد غضبه كأنه نذير جيش يقول: صبحكم ومساكم)، معنى ذلك أنه يذكر بالساعة ويذكر بالموت وما بعد الموت، وإذا تذكر الإنسان الموت فإنه يستعد له بالأعمال الصالحة، ولهذا في الحديث المتفق عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وسأله وقال: (يا رسول الله متى الساعة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا أعددت لها؟) -فلفت نظره إلى أمر مهم، وهو الاستعداد للموت والاستعداد لما بعد الموت فوفق ذلك الرجل- فقال: (أعددت لها حب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب). قال أنس رضي الله تعالى عنه: فوالله ما فرحنا بشيء بعد الإسلام أشد منا فرحاً بهذا الحديث)، يقول: والله ما فرحنا بشيء بعد نعمة الإسلام؛ لأن أعظم النعم هي: نعمة الإسلام، لا يماثلها نعمة، ولا يساويها نعمة، فكان فرحهم بهذا الحديث؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (المرء مع من أحب، ثم قال أنس رضي الله عنه: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم بحبي إياهم وإن لم أعمل مثل أعمالهم)، هذا كلام أنس بن مالك رضي الله عنه يبين مدى فرحه وفرح الصحابة بهذا الحديث، فما دام المرء مع من أحب، فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وهذا يدلنا على عظم شأن هذين الرجلين ومنزلتهما في نفوس الصحابة؛ لأن أنساً رضي الله عنه الذي خدم رسول الله عليه الصلاة والسلام ولازمه عشر سنين في المدينة قال هذه المقالة: فأنا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب أبا بكر وأحب عمر رضي الله عنهما، فـأنس قال هذا الكلام وهو من الصحابة في حق هذين الرجلين يدلنا على مكانتهما في نفوس الصحابة، فكيف بمن يكون في قلبه غل على الصحابة وحقد على الصحابة، وقلبه يتأجج غيظاً وحقداً على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا شك أن هذا علامة الخذلان والحرمان، والله عز وجل يعلمنا في كتابه العزيز الدعاء الذي في أول سورة آل عمران: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifرَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[آل عمران:8].
وقوله: (صبحكم الجيش ومساكم)؛ لأنه يحصل الاستعداد لذلك الجيش في كونه يصبح أو يمسي، ومعناه: أن يكون المجاهد في سبيل الله على استعداد، ومعنى هذا التمثيل أن كونه يذكر الساعة ويذكر ما بعد الموت فالأمر يحتاج إلى استعداد، وإلى تهيؤ للدار الآخرة، كما أن الذي ينذر الجيش، ويقول: صبحكم ومساكم، فالعدو وصل إليكم، استعدوا له، فالموت مثله، والاستعداد للموت يكون بالأعمال الصالحة، والاستعداد للجيش العتاد والعدة لملاقاته وللانتصار عليه والقضاء عليه.
ثم قال: (من ترك مالاً، فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فإلي أو عليّ، وأنا أولى بالمؤمنين).
(من ترك مالاً فلأهله)، يعني ورثته يرثونه، فمن ترك مالاً، فهو لأهله يرثونه، [(ومن ترك ديناً أو ضياعاً فلي أو عليّ، أنا أولى بالمؤمنين)]، أي أن من ترك ديناً فإنه صلى الله عليه وسلم يتولى قضاءه، أو ترك ضياعاً، -أولاداً فقراء يحتاجون إلى رعاية ويحتاجون إلى نفقة وليس هناك من ينفق عليهم- فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر بأنه يقوم بذلك، وكان في أول الأمر، إذا كان شخص عليه دين، فإنه يمتنع من الصلاة عليه، يريد من ذلك أن يحذر الناس من أن يلجموا أنفسهم بديون، وليبين لهم خطر الدين، وعظم شأنه، وأن شأنه ليس بالهين، وأنه من أشد الأمور التي على الإنسان أن يحرص على التخلص منها؛ لأن الإنسان ليس أمامه بعد ذلك إلا الحسنات والسيئات كما جاء في حديث المفلس: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم عنده، ولا متاع، قال عليه الصلاة والسلام: المفلس من يأتي يوم القيامة..)، هذا مفلس الذي ليس عنده درهم ولا متاع، لكنه مفلس في الدنيا، ولكن المفلس الحق هو مفلس الآخرة، (الذي يأتي يوم القيامة بصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، ثم يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)، فكان عليه الصلاة والسلام يمتنع من الصلاة على من عليه دين أولاً، ويريد الناس أن يحذروا التورط في الديون، وأن الإنسان لا يقدم على الدين إلا لضرورة قصوى، وقد هم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يترك الصلاة على من عليه دين، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه لما جيء بالرجل قال: (هل عليه دين؟ قالوا: عليه ديناران. قال: صلوا على صاحبكم)، معناه أنه لا يريد أن يصلي عليه، قال أبو قتادة: (علي الديناران يا رسول الله -أي أتحملهما-، فتقدم وصلى عليه)، ولكن بعد أن فتح الله عليه الفتوح وجاءت الأموال وجاءت الغنائم كان يقول هذا الكلام صلوات الله وسلامه وبركاته عليه: (ومن ترك ديناً أو ضياعاً، فإلي وعليّ، أنا أولى بالمؤمنين)، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما بين الله عز وجل ذلك في كتابه العزيز، صلوات الله وسلامه وبركاته على من هو بالمؤمنين رءوف رحيم.

تراجم رجال إسناد حديث جابر في كيفية الخطبة
قوله:
[أخبرنا عتبة بن عبد الله].
وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[أخبرنا ابن المبارك].
ابن المبارك، وهو: عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
وهو ابن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر بن محمد].
وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو إمام من أئمة أهل السنة يعول أهل السنة على حديثه، وعلى فقهه، وعلى ما يثبت عنه، مما يتفق مع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقدرونه قدره، ويعرفون منزلته كما يعرفون لأهل البيت منزلتهم، فإنهم يتولون أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم ويحبونهم، والمؤمن التقي من أهل البيت يحبونه لإيمانه ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ومن كان من أهل البيت ليس على الهدى وليس على طريق الاستقامة فلا ينفعه قربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي ينفع هو العمل الصالح، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، يعني من بطأ به عمله يعني عن دخول الجنة، لم يسرع به نسبه إليها؛ لأن العبرة على الأعمال، وعلى التقوى كما قال الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الحجرات:13]، لكن من حصل له الإيمان والتقى وكان من أهل البيت، فإن عنده شرف الإيمان وشرف النسب، فيحب لإيمانه ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن كان بخلاف ذلك فإنه يبغض على ما عنده من المعصية، وإذا كان كافراً فكذلك يبغض لكفره كـأبي لهب عم الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو كافر وقد نزل فيه سورة تتلى، فقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام مع موته على الكفر لا ينفعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، ويقول الشاعر:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ووضع الشرك النسيب أبا لهب
أبو لهب نسبه نسب شريف، ولكن الشرك هو الذي وضعه، وأما سلمان فهو من فارس، ولكن رفعه الله بالإسلام، وأعزه الله بالإسلام، وأما هذا الذي هو عم الرسول صلى الله عليه وسلم خذله الله بالشرك، والكفر بالله عز وجل.
فـجعفر بن محمد إمام من أئمة أهل السنة، وهو صدوق، فقيه، إمام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
محمد بن علي، وهو: الملقب الباقر، وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وأهل السنة الجماعة يقولون في هذين الإمامين المقالة الحسنة؛ لأنهما من بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وهما من أبناء الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ينتهي نسبهما إلى فاطمة ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيعرفون قدرهم، ويعرفون لأهل البيت فضلهم، وينزلونهم المنازل التي يستحقونها، وهذا هو طريق الاعتدال، وطريق الاستقامة، وهي أن يعطى الإنسان حقه، فلا ينزل به عن حقه، ولا يرفعه عن ما يستحقه.

بيان غلو الرافضة في أهل البيت والفرق بينهم وبين أهل السنة في ذلك
وهذان الإمامان هما من أئمة أهل السنة، وهما إمامان من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، والرافضة تجاوزوا فيهم الحدود ووصفوهم بصفات لا يجوز أن يوصف بها بشر، ولا يجوز أن تضاف إليهم ولا إلى غيرهم من البشر، ومن ذلك ما جاء في كتاب الكافي من عبارات في أبواب متفرقة، تشتمل على الغلو المتناهي في الأئمة الاثني عشر، ومن جملة ما يقول صاحب الكافي في أبواب كتابه: باب إن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنهم جعفر بن محمد وأبوه محمد، وهما من الاثني عشر.ويقولون أيضاً أو يقول صاحب الكتاب: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم، فهو باطل، يعني الذي خرج من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وسائر الصحابة أنه باطل، والحق لا يكون إلا عن طريق الأئمة الاثني عشر؛ هذا من الغلو، بل هذا رفض للشريعة؛ لأن الشريعة كتاب وسنة، وهي التي جاء بها أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين تلقوها عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وجاء في كتابه: أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، وباب أن الأئمة عندهم الكتب المنزلة على المرسلين، وأنهم يعرفونها بلغاتها. يعني: الكتب المنزلة على المرسلين هي موجودة عند الأئمة الاثني عشر وهذا غلو وتناهي.
وهذا من كلام المتقدمين، أما المتأخرون المعاصرون، فإن زعيمهم الخميني الذي هلك قبل سنوات، يقول: في كتابه (الحكومة الإسلامية)، وهو كتاب يوزع في كثير من بلاد العالم بواسطة الرافضة، يشتمل على قول الخميني: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والأئمة هم الاثنا عشر، وهذان الإمامان اللذان معنا هما من الأئمة الاثني عشر، وهذا كلام الرافضة فيهم، أما أهل السنة فيقولون فيهم القول الجميل.
والقول المعتدل، فلا يغالون فيهم ولا يجفونهم، وأما أولئك فيتجاوزون الحدود، ويصفونهم بصفات لا يجوز أن يوصفوا بها، ولا يليق أن يوصف بها مخلوق.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، أبوه عبد الله بن حرام استشهد يوم أحد، فهو صحابي ابن صحابي، وجابر هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين مر ذكرهم قريباً.
وهذا الإسناد الذي هو جعفر عن أبيه عن جابر، هو الإسناد الذي جاء في صحيح مسلم، حديث جابر، وهو حديث طويل من أطول الأحاديث في صحيح مسلم مشتمل على صفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من أطول ما روي في صفة حجه عليه الصلاة والسلام.
حث الإمام على الصدقة في الخطبة
شرح حديث أبي سعيد في حث الإمام على الصدقة
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا داود بن قيس حدثني عياض عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد، فيصلي ركعتين، ثم يخطب فيأمر بالصدقة، فيكون أكثر من يتصدق النساء، فإن كانت له حاجة، أو أراد أن يبعث بعثاً، تكلم وإلا رجع)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: حث الإمام على الصدقة في الخطبة، أي: في خطبة العيد، أورد فيه حديث أبي سعيد الذي تقدم أولاً، والذي أورده هناك للاستدلال به على استقبال الإمام الناس في الخطبة؛ هنا أورده من طريق أخرى للاستدلال به على الحث على الصدقة في الخطبة، والحديث قد مر.

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في حث الإمام على الصدقة
قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
عمرو بن علي هو الفلاس، المحدث الناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، ناقد، من المتكلمين في الرجال جرحاً وتعديلاً.
[عن داود بن قيس].
الذي مر ذكره قريباً.
[عن عياض].
هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد مر ذكره قريباً أيضاً.
[عن أبي سعيد].
أبو سعيد كذلك مر ذكره قريباً.

شرح حديث ابن عباس في خطبته للعيد

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا يزيد وهو ابن هارون أنبأنا حميد عن الحسن: (أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما خطب بالبصرة، فقال: أدوا زكاة صومكم، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: من هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر، أو شعير)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكان خطب بالبصرة فقال: (أدوا زكاة صومكم، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض)، يعني: كأن فيهم من يجهل هذا الذي أوصى به، أو هذا الذي أرشد إليه ابن عباس، فقال: (من هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا علموا إخوانكم، فإنهم لا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم، فرض زكاة الفطر على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير، نصف صاع من بر، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير).
النسائي أورد الحديث في الحث على الصدقة لكن الحديث هو في الزكاة الواجبة وهي زكاة الفطر، أما الحث على الصدقة إنما يكون في المستحبة والمندوبة، كحث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة فجعلن يتصدقن من أقراطهن، وخواتيمهن، وقلائدهن، فالصدقة غير الواجبة يحث الناس عليها ويرغبون فيها، ولكن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو عبد، كل مسلم تجب عليه زكاة الفطر، فالذي يحث عليه في الخطبة إنما هو الصدقة التي هي النافلة والتي فيها الإحسان إلى الناس، ومن المعلوم: أن الخطبة في العيدين تبين بها أحكام العيد، وفي عيد الأضحى تبين فيه أحكام الأضاحي وكذلك ما يتعلق بالعيد، وفي عيد الفطر تبين زكاة الفطر وأحكام زكاة الفطر، فالذي ذكره هنا الحث على الصدقة في الخطبة، الذي يناسبه الحديث الأول وأما هذا الحديث فإنه يتعلق بالواجبة، لكن كما هو معلوم أن الخطبة أيضاً تشتمل على بيان أو الأمر بأداء الواجب وبفعل الواجب الذي هو زكاة الفطر.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في خطبته للعيد

قوله:
[أخبرنا علي بن حجر].
علي بن حجر وهو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا يزيد هو ابن هارون].
يزيد بن هارون، وهو ثقة، متقن، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وكلمة (وهو ابن هارون)، الذي قالها من دون علي بن حجر.
[أنبأنا حميد].
حميد وهو ابن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وهو ابن عبد المطلب وابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الأسئلة
إطلاق لفظ صدقة على الزكاة الواجبة
السؤال: هل يطلق على الزكاة الواجبة أنها صدقة؟
الجواب: الصدقة تطلق على الفرض والنفل، كما ورد في الحديث: (إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، هذه واجبة يطلق عليها صدقة، لكن الزكاة في الغالب تطلق على الفريضة، ولهذا يأتي في الكتب كتاب الزكاة، وتقرن مع الصلاة كما في قوله تعالى: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[البينة:5]، أي المفروضة، ولا شك أن الواجبة، والمستحبة التي هي الزكاة، فيها تزكية المال، وفيها تزكية النفس، لكن الغالب أن الزكاة تطلق على الفريضة والصدقة تطلق على الفريضة والنافلة.
المقصود بزكاة الصوم زكاة الفطر
السؤال: ما معنى قول ابن عباس: أدوا زكاة صومكم؟
الجواب: قوله: أدوا زكاة صيامكم بين لهم أنها زكاة الفطر، وهو يدل على أن خطبة العيد لابد أن تشتمل على أحكام يوم العيد مثل زكاة الفطر، وأنها واجبة على الجميع وأن الذي لا يأتي بها يأثم.
تارك الصلاة لا تقضى عنه الصلاة ولا الصيام إذا مات

السؤال: شيخنا الله يحفظكم، هؤلاء مجموعة من الإخوة لهم أخ كان يحفظ القرآن، ويصلي، ويحافظ على الصلاة في المسجد، ثم سافر إلى فرنسا، وبعد هذا ترك الصلاة، والصيام، ولم يصم رمضان، ويسألون الآن في هذا الأخ، لما توفي ترك مالاً، ونحن إخوانه من أم، ونريد أن نقضي عنه بالإطعام، وكذلك الصلاة، هل يمكن أن نصلي عنه؟
الجواب: إذا كان تاركاً للصلاة لم يصل أبداً ومات على ذلك، فإنه كما هو معلوم والعياذ بالله ترك الصلاة كفر على القول الراجح من أهل العلم، أي إذا كان تركها تهاوناً وتكاسلاً، فالصلاة لا تقضى عن أحد، فلا يصلي أحد عن أحد، وكذلك الصيام لا يقضى عنه ما دام أنه لا يصلي فلا يصام عنه.
لا يجوز إعداد الطعام للمفطر عمداً في رمضان
السؤال: هناك أخت أعدت لأخيها طعاماً في رمضان وهي لا تعلم أنها تأثم بذلك فماذا عليها؟
الجواب: لا شك أنها أخطأت، ولا شك أنه تعاون على الإثم والعدوان، وعليها أن تستغفر الله عز وجل وتتوب مما حصل منها.

قول ابن عباس: (كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير) لا يعني أن يأتي بالتكبير بعد الصلاة مباشرة

السؤال: حديث عبد الله بن عباس الذي في صحيح مسلم قال: (كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير) فهل التكبير بعد الفريضة مباشرة.الجواب: لا. ليس بعد الفريضة مباشرة إنما يقول بعدها: أستغفر الله، أستغفر الله، هذا الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما التكبير فهو موجود لكن بعد سبحان الله، والحمد لله، ثلاثاً وثلاثين فيكبر ثلاثاً وثلاثين.

كفارة اليمين تعطى للفقراء
السؤال: هل كفارة اليمين، تحل لأهل البيت؟
الجواب: كفارة اليمين لا تحل لأهل البيت إنما تعطى للفقراء والمساكين.
وجه حل الصدقة لأهل البيت

السؤال: هل فطرة رمضان تحل لأهل البيت؟
الجواب: أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الصدقة كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن ذكر بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، أن عدم حل الصدقة لأهل البيت حيث يكون هناك لهم حق يعطون إياه من الخمس لكن حيث لا يكون كذلك، أي من كان منهم فقيراً قال: فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة؛ لأن منعهم من ذلك الحق الذي كانوا يعطون منه وهو الخمس خمس الغنيمة، يجعلهم مفتقرين إلى الزكاة، فقال بعض أهل العلم: بجواز إعطائهم إياه.
وأما كفارة اليمين إذا كانوا فقراء ومساكين تصلح لهم، يعني مثلما يعطون من الزكاة يعطون من الكفارة إذا كانوا فقراء ومساكين.

ابو الوليد المسلم
04-03-2026, 10:17 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(288)
- كتاب صلاة العيدين - (تابع باب حث الإمام على الصدقة في الخطبة) إلى (باب ذبح الإمام يوم العيد وعدد ما يذبح)
لصلاة العيد أحكام وآداب، ومن ذلك أن يخطب الإمام قائماً مقتصداً، ويجلس بين الخطبتين ساكتاً، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن احتاج إلى أن يذهب إلى النساء فعل، ووعظهن، وأمرهن بالصدقة، ويستحب ذبح الأضاحي في المصلى قريباً منه، لورود ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.

تابع حث الإمام على الصدقة في الخطبة
شرح حديث البراء بن عازب في ذبح أبي بردة بن نيار قبل الصلاة وأمر النبي له في ذلك

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن الشعبي عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة، ثم قال: من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم. فقال أبو بردة بن نيار: يا رسول الله، والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، عرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلت فأكلت، وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك شاة لحم، قال: فإن عندي جذعة خير من شاتي لحم، فهل تجزي عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)].فالترجمة هي: حث الإمام في الخطبة على الصدقة، وقد مر فيه حديثان، حديث واضح في الدلالة على الترجمة، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام حث على الصدقة. والحديث الثاني يتعلق بزكاة الفطر، وليس بواضح في الحث على الصدقة، وهو من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، في زكاة الفطر أنها واجبة.
وأما هذا الحديث: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، فهو بهذا اللفظ، وهذا السياق، ليس فيه شيء يتعلق بالحث على الصدقة، وإنما فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب الناس يوم الأضحى وقال: [(من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل الصلاة، فتلك شاة لحم)]، هذا الحديث فيه بيان النبي عليه الصلاة والسلام لشيء من أحكام عيد الأضحى؛ لأن الخطبة في عيد الأضحى، فكان مبيناً لأحكام الأضحية، وبداية وقتها، وأنه يكون بعد الصلاة، وأنه لا يجوز قبل الصلاة، وأن من ذبح قبل الصلاة، فشاته شاة لحم، وكان من بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أبو بردة بن نيار رضي الله تعالى عنه، وكان قد ذبح أضحيته قبل الصلاة، وحرص على أن يقدم اللحم لأهله ولجيرانه، فأكل، وأطعم قبل الصلاة، فلما سمع خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عمله غير مطابق لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، عند ذلك سأل الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: إنه ذبح أضحيته قبل الصلاة، وإنه أكل وأطعم أهله وجيرانه، وكان قصده بذلك حسناً، وهو: الإحسان إلى أهله، وإلى جيرانه حيث ذبح قبل الصلاة، لكن ذبيحته ما كانت في الوقت المشروع، وهو بعد صلاة العيد، فعندما علم أن الشاة شاة لحم أخبر بالذي جعله يذبح قبل الصلاة، وبين قصده الحسن الذي دفعه إلى ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: [(شاتك شاة لحم)]، يعني: مثلما قال في الجملة العامة الأولى: [(من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل الصلاة، فشاته شاة لحم)]، فعندما علم أن أضحيته لم تعتبر؛ لأنها أتي بها قبل الوقت قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (إن عندي عناقاً هي تعدل شاتين)، يعني: أنها سمينة وهي: جذعة من المعز، (فهل تجزي عني)، يعني: تقضي عني تلك الذبيحة التي ذبحتها قبل الصلاة، وتنوب عنها؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: [(نعم، تجزي عنك ولن تجزي عن أحد بعدك)]، تجزي، يعني: تقضي عنك، ولن تجزي عن أحد بعدك، وهذا حكم خاص بهذا الرجل.
ومن المعلوم: أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لواحد خطاب للجميع، وحكمه لواحد حكم للجميع، وهذا هو الأصل، وهذه هي القاعدة، ولهذا لما قبل الرجل الأجنبية، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، نزل عليه قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[هود:114]، قال: (ألي هذا وحدي يا رسول الله، قال: بل لأمتي كلهم)، فخطاب النبي عليه الصلاة والسلام لواحد خطاب للجميع، إلا إذا جاء دليل خاص يدل على أن الحكم يخص ذلك الرجل، فعند ذلك يقتصر الحكم عليه، وهذا من هذا القبيل؛ لأنه جاء نص يدل على أن إجزاء العناق، وحصول الأضحية بالعناق، وهي: الجذعة التي لم تكمل سنة من المعز، أن ذلك خاص بـأبي بردة بن نيار، قضاءً لأضحيته التي ذبحها قبل الصلاة، وذلك الحكم لا يكون لغيره، وعرفنا ذلك من قوله: [(ولن تجزي عن أحد بعدك)]، يعني: أن العناق، والجذعة من المعز لا تجزي عن أحد بعدك.
ومن المعلوم: أن الجذع من الضأن يضحى به، ولكن الذي لا يضحى به، ولا تجزئ التضحية به، هو الجذع من المعز، وهو الذي لم يكمل سنة.
الحاصل أن قوله عليه الصلاة والسلام: [(ولن تجزي عن أحد بعدك)]، يدلنا على أن هذا حكم خاص بهذا الرجل، وأنه لا يتعداه إلى غيره.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في ذبح أبي بردة بن نيار قبل الصلاة وأمر النبي له في ذلك

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو الأحوص].
وهو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته.
[عن منصور].
وهو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، من أقران الأعمش، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الشعبي].
وهو عامر بن شراحيل، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء].
هو البراء بن عازب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

القصد في الخطبة
شرح حديث جابر بن سمرة: (كنت أصلي مع النبي فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القصد في الخطبة.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: (كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القصد في الخطبة، يعني: الاعتدال والتوسط، وعدم تقصيرها جداً، أو تطويلها جداً، وإنما تكون قصداً، أي: معتدلة متوسطة، ليس فيها مضرة بطولها، ولا يترتب عليها مضرة، لما يحصل فيها من الطول لو طولت، ولا يكون فيها قصور أو إقلال لها لو قللت، وإنما تكون قصداً، وهذا هو المقصود بهذه الترجمة.
وقد أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً.
قال: (كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً).

تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة: (كنت أصلي مع النبي فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً)

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة، مر ذكره.
[حدثنا أبو الأحوص].
وقد مر ذكره أيضاً في الإسناد الذي قبل هذا.
[عن سماك].
وهو سماك بن حرب، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جابر].
هو جابر بن سمرة بن جنادة، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الجلوس بين الخطبتين والسكوت فيه
شرح حديث جابر بن سمرة: (رأيت رسول الله يخطب قائماً ثم يقعد قعدة لا يتكلم فيها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجلوس بين الخطبتين والسكوت فيه.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يقعد قعدة لا يتكلم فيها، ثم قام فخطب خطبة أخرى، فمن أخبرك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قاعداً فلا تصدقه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الجلوس بين الخطبتين والسكوت فيه. وأورد فيها حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، وهو حديث مطلق، ولكنه أورده في كتاب العيدين، لدلالته من حيث الإطلاق على ما ترجم له المصنف، وأخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجلس بين الخطبتين جلوساً لا يتكلم فيه، ثم يأتي بالخطبة الثانية.
قال: (ثم قام فخطب خطبة أخرى، فمن أخبرك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب قاعداً فلا تصدقه)، أي: أنه كان يخطب عليه الصلاة والسلام قائماً، ويقول أيضاً -أي: جابر بن سمرة -: (فمن أخبرك أنه يخطب قاعداً فلا تصدقه)؛ لأنه خبر غير مطابق للواقع، بل الواقع من فعله عليه الصلاة والسلام، والحاصل من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يخطب قائماً.
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة: (رأيت رسول الله يخطب قائماً ثم يقعد قعدة لا يتكلم فيها ...)

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
قتيبة، وقد مر ذكره.
[حدثنا أبو عوانة].
وأبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو متقدم؛ لأنه من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وقد اشتهر بكنيته أبي عوانة، وممن اشتهر بهذه الكنية أيضاً شخص متأخر، وهو أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم، والذي يقال لكتابه: الصحيح، ويقال له: المستخرج، ويقال له: المسند، ثلاثة أسماء كلها تطلق على كتاب أبي عوانة: المستخرج على صحيح مسلم.
[عن سماك عن جابر].
وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها


شرح حديث جابر بن سمرة في القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها

قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر الله، وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الخطبة الثانية، أي: اشتمالها على شيء من القرآن، وقد أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب قائماً، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات من القرآن، ويذكر الله عز وجل، وكانت خطبته قصداً، وصلاته قصداً)، والمقصود من الحديث هو: أنه يقرأ آيات من القرآن في الخطبة الثانية، أي: يذكر بما اشتمل عليه كتاب الله عز وجل من العبر والعظات، ويقرأ شيئاً من القرآن في الخطبة، وقد سبق أن مر أنه كان يقرأ قاف في خطبته، أي: في الجمعة، وأن إحدى الصحابيات قالت: (ما حفظت قاف إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة).
تراجم رجال إسناد حديث جابر بن سمرة في القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها

قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
وهو محمد بن بشار البصري الملقب بندار، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا عبد الرحمن].
وهو ابن مهدي البصري، وهو ثقة، إمام، عارف بالرجال والعلل، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
وهو ابن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سماك عن جابر].
وقد مر ذكرهما.

نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة
شرح حديث بريدة بن الحصيب في نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو تميلة عن الحسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخطب، إذ أقبل الحسن، والحسين عليهما السلام، وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل وحملهما، فقال: صدق الله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين يمشيان ويعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى نزلت فحملتهما)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، يعني: ينزل لأمر من الأمور يقتضي ذلك.
الحديث سبق أن أورده النسائي في كتاب الجمعة، وقد أورده هنا في كتاب العيدين، مبيناً أن الخطبة في العيد مثل الخطبة في الجمعة، وأنه إذا حصل أمر يقتضي النزول قبل أن يكمل الخطبة، ثم يرجع لإكمالها، فإنه لا بأس بذلك، وقد أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب، فأقبل الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما، وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رآهما نزل وذهب إليهما وحملهما، ثم صعد بهما على المنبر، وأكمل خطبته عليه الصلاة والسلام، ولكنه عندما صعد، بين سبب نزوله وقال: صدق الله، إنما أموالكم، وأولادكم فتنة، رأيت هذين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى نزلت، أي: فنزل وحملهما، وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام ورأفته، وشفقته، ورحمته بالصغار وبالكبار، وهو كما وصفه الله عز وجل بقوله: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifبِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[التوبة:128]، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
والحديث سبق أن مر، وعرفنا أن فيه دلالة على أن الإنسان عندما يوجد شيء يصدق عليه شيء مما جاء في القرآن، فإنه يقول: صدق الله؛ لأن قوله: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gif إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[التغابن:15]، هذا منها؛ لأن كونه رأى هذين الابنين يمشيان ويعثران، فمحبته، وشفقته، ورحمته، جعلته ينزل ويحملهما، فهذا يدلنا على أنه عندما يأتي شيء يراد أن يستدل عليه وعلى وقوعه بالقرآن، لكونه وقع مطابقاً لما جاء في القرآن، فإنه يقول: صدق الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رآهما ثم لم يصبر، لأن الأولاد فتنة، فنزل وحملهما، فقال عليه الصلاة والسلام: (صدق الله، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifإِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[التغابن:15])، وهذا هو السبب الذي جعله ينزل، وهذا مثال من أمثلة ما اشتمل عليه القرآن من فتنة الأولاد، وحبهم، والشفقة عليهم، والإحسان إليهم.
إطلاق لفظ عليه السلام على غير الرسول صلى الله عليه وسلم
وكلمة: (عليه السلام)، أو (عليهما السلام) ليست لأحد غير الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي توجد في بعض الكتب أنه يقال عند بعض أهل البيت كـفاطمة رضي الله تعالى عنها، وعلي رضي الله عنه، والحسن، والحسين رضي الله تعالى عنهما، يقال: عليه السلام أو عليهما السلام أو عليهم السلام، وهذا الذي يأتي ذكره بعد أسمائهم ليس واضحاً أن هذا من لفظ الحديث أو أن الذي قاله من ذكر الحسن، والحسين؛ لأن الغالب أن هذا من نساخ الكتب، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمة الله عليه في تفسير آية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gif إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الأحزاب:56]، فإنه ذكر عند تفسير هذه الآية: أنه يأتي ذكر الصلاة، أو ذكر عليه السلام عند ذكر علي، أو ذكر أحد من أهل البيت، وقال: إن هذا من عمل نساخ الكتب، فهذا هو من عملهم، وليس ذلك من فعل الصحابة، أو من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما إذا كان اللفظ جاء في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا من عمل النساخ، ومن المعلوم: أن الصلاة على غير الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى غير الأنبياء، اختلف في جوازها، فمن العلماء من قال بجوازها إذا لم يكثر، ولم يتخذ شعاراً لبعض الناس، أو يقصد بها بعض الصحابة دون بعض، ولا يكون شيئاً مألوفاً مثلما يؤلف مع النبي عليه الصلاة والسلام فيقال عن غيره: صلى الله عليه وسلم، كما يقال عنه: صلى الله عليه وسلم، فالأصل أنه جائز، لكن كونه يخص بها أناساً معينين، أو يخص بها أحداً بعينه دون غيره، فإن هذا ليس له أساس، وإنما يسوى بين الصحابة، والذي درج عليه السلف الترضي عن الصحابة جميعاً، والترحم على من بعدهم، والصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصلاة على غير الأنبياء جائزة، لكن بتلك القيود التي أشرت إليها، والتي ذكرها بعض أهل العلم.
تراجم رجال إسناد حديث بريدة بن الحصيب في نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة

قوله:
[أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].
وهو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، مثل محمد بن بشار الذي مر ذكره قريباً، ومثل: محمد بن المثنى الزمن، الذي هو قرين لـمحمد بن بشار، وهو مثل هؤلاء الثلاثة: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهم جميعاً توفوا في سنة واحدة، وهي: سنة اثنتين وخمسين ومائتين، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.
[حدثنا أبو تميلة].
وهو يحيى بن واضح المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مذكور بكنيته.
[عن الحسين بن واقد].
وهو الحسين بن واقد المروزي، وهو ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن بريدة عن أبيه].
وهو عبد الله بن بريدة، وبريدة له ابنان: سليمان، وعبد الله، لكن الحديث سبق أن مر، وقد سماه في إسناد النسائي: عبد الله؛ لأنه في الإسناد السابق قال: عن عبد الله بن بريدة، وهنا لم يعينه ولم يسمه، وعلى هذا فليس هو: سليمان، بل هو عبد الله، وعبد الله هو مروزي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه بريدة بن الحصيب].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن بريدة وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
موعظة الإمام النساء بعد الفراغ من الخطبة وحثهن على الصدقة
شرح حديث ابن عباس في موعظة الإمام النساء بعد الفراغ من الخطبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [موعظة الإمام النساء بعد الفراغ من الخطبة وحثهن على الصدقة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثنا عبد الرحمن بن عابس سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال له رجل: (شهدت الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا مكاني منه ما شهدته، يعني: من صغره، أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تهوي بيدها إلى حلقها تلقي في ثوب بلال)].
الترجمة هي: موعظة الإمام النساء بعد الخطبة، وحثهن على الصدقة، أي: تخصيص النساء بالموعظة، وذلك لبعدهن، فالنبي عليه الصلاة والسلام بهذه المناسبة ذهب إليهن، لاسيما وأنه في تلك المناسبة أمر بإخراج النساء العواتق، وذوات الخدور، وحتى الحيض يخرجن للعيد، ويعتزلن المصلى، فأراد أن يخصهن بموعظة لاجتماعهن، ولبعدهن عن سماع الخطبة.
وقد مر الحديث وعرفنا أن من العلماء من قال: إن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، ومنهم من قال: إنه ليس من خصائصه، بل لغيره من الأئمة أن يذهبوا إلى النساء، ويعظوهن، ويذكروهن، لكن كما هو معلوم: سماع الخطب في هذا الوقت بواسطة مكبرات الصوت لا يحتاج معه إلى إفراد، أو للذهاب إلى النساء، وتخصيصهن بالموعظة، بل يمكن أن تشتمل الخطبة على عظة النساء، والرجال يسمعون، والنساء يسمعن، وكل يسمع مع وجود هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها على الناس في هذا الزمان، ووجود هذه الوسائل التي يحصل بها إبلاغ الصوت، وإيصال الصوت إلى أماكن بعيدة.
فأورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وفيه أنه شهد الخطبة، وكان قريباً من رسول الله عليه الصلاة والسلام لقرابته منه، ولكونه صغيراً، ويمكن للصغير أن يذهب، ويقرب من غيره، بخلاف الكبير؛ لأن الصغار رغبتهم في القرب فيما إذا كان هناك أمر يقتضيه، وأمور تجمع الصغار إلى ذلك، ومن المعلوم: أن الصغار مواقفهم متأخرة، وصفوفهم متأخرة، لكن لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكونه من أهل بيته، ولكونه صغيراً، قرب من النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرف ما جرى، وحتى ذهب أيضاً معه لما ذهب إلى النساء، فأخبر بما شاهده وعاينه، وكان من ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام أنه ذهب إلى النساء، ووعظهن، وحثهن على الصدقة، فجعلت النساء تهوي بأيديهن إلى حلوقهن لتأخذ القلائد فتضعها، وإذا كانت الحلق فإن المقصود من ذلك المحلق، يعني: يدخل في ذلك الخواتم، ويدخل في ذلك الأسورة، وما إلى ذلك من الأشياء المحلقة، والمقصود: أنهن بادرن إلى نزع ما عليهن من الذهب، أو نزع شيء مما عليهن من الحلي، ذهباً أو فضة، وجعلن يلقين في ثوب بلال يتصدقن، مبادرة منهن إلى ما دعاهن إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد قال لهن: [(إنكن أكثر حطب جهنم)]، وسبب ذلك: إكثارهن الشكاية وكفرهن العشير، فبادرن بالصدقة، وهذا فيه دليل على أن الصدقة سبب في السلامة من عذاب النار، ويدل لذلك الحديث المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، والحديث سبق أن مر، وهو مشتمل على عدة أمور ذكرناها فيما مضى، وأورده هنا من أجل الاستدلال به على تخصيص الإمام النساء بموعظة، وأن من ما تشتمل عليه موعظته: حثهن على الصدقة التي هي سبب في السلامة من النار.
وقوله: [(أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت)]، ما أعلم أنه يراد به العلم الذي يستعمل في الجهاد في سبيل الله، أي: الراية، وإنما كأن مقصوده شيء يدل على علامة مكان العيد أو مصلى العيد، وهو عند دار كثير بن الصلت.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-03-2026, 10:19 PM
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في موعظة الإمام النساء بعد الفراغ من الخطبة

قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
هو الفلاس البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو الثوري، وقد مر ذكره.
[حدثنا عبد الرحمن بن عابس].
هو عبد الرحمن بن عابس النخعي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، هذا هو الذي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[سمعت ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
الصلاة قبل العيدين وبعدها
شرح حديث: (أن النبي خرج يوم العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة قبل العيدين وبعدها.أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس أخبرنا شعبة عن عدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الصلاة قبل الخطبة وبعدها في العيدين، والمقصود من هذا: أنه لا يشرع للإنسان أن يصلي قبل صلاة العيد، ولا بعد صلاة العيد؛ لأنه ليس لها سنة، لا قبلها ولا بعدها.
وقد أورد النسائي حديث ابن عباس، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى العيدين، ولم يصل للعيد قبلها ولا بعدها، يعني لم يتنفل قبلها ولا بعدها، أي: في موضعها؛ لأن هذا هو الذي شوهد وعوين، أنه لم يحصل منه صلاة، لا قبل صلاة العيد، ولا بعدها، فهذا يدلنا على أنه لا يشرع لصلاة العيد نافلة، لا أن تكون قبلها ولا أن تكون بعدها.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي خرج يوم العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها)
قوله:
[أخبرنا عبد الله بن سعيد بن الأشج].
هو أبو سعيد الكندي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن إدريس].
وهو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا شعبة].
وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عدي].
هو عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وقد مر ذكره.
ذبح الإمام يوم العيد وعدد ما يذبح شرح حديث أنس: (خطبنا رسول الله يوم أضحى، وانكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذبح الإمام يوم العيد وعدد ما يذبح.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا حاتم بن وردان عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى، وانكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما)].
أورد النسائي: ذبح الإمام يوم العيد وعدد ما يذبح، والمقصود من ذلك أن الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو وجود التضحية منه، وعدد ما ذبحه صلى الله عليه وسلم، فأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
قال: (خطبنا يوم أضحى، وانكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما)، محل الشاهد: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذبح كبشين، يعني: فوجد منه الذبح، وعدد الذي ذبح، وأنهما كبشان أملحان، والأملح قيل: هو الذي فيه بياض ولكن السواد أكثر من البياض، وقيل: إنه الأبيض الناصع البياض.
والحديث دال على مشروعية الأضحية، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين، وقد جاء أن واحداً له، والثاني لمن لم يضح من أمته عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (خطبنا رسول الله يوم أضحى وانكفأ إلى كبشين أملحين)
قوله:
[أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا حاتم بن وردان].
حاتم بن وردان بصري ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[عن أيوب].
هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك رضي الله عنه].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

شرح حديث: (أن رسول الله كان يذبح أو ينحر بالمصلى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث عن كثير بن فرقد، عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذبح أو ينحر بالمصلى)].أورد النسائي تحت هذه الترجمة، حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وهو دال على الشق الأول من الترجمة وهو: ذبح الإمام، وأما عدد ما يذبح فليس فيها تنصيص عليه، وإنما التنصيص على العدد في الحديث السابق حديث أنس، وأما هنا ففيه حصول الذبح، وفيه أيضاً مكان الذبح، وأنه ذبح في المصلى، أي: قريباً منه، وليس في نفس المصلى؛ لأن مكان المصلى لا يلوث بالدماء والفرث، والنبي عليه الصلاة والسلام قال في حق النساء: (ولتعتزل الحيض المصلى)، أي: لئلا يلوثنه، فقوله: (في المصلى)، أي: في مكان قريب منه، وليس معناه أنه في المكان الذي يصلى فيه.
وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر المشتمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح في المصلى أو نحر، والنحر يكون للإبل، والذبح يكون لغير الإبل، ويجوز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر؛ لأن النحر يكون في الإبل في اللبة التي تحت الرقبة عند ملتقى الرقبة باليدين، ذاك هو مكان النحر، وأما الذبح فهو فصل الرأس من الرقبة، فيجوز في حق الإبل أن تذبح، بأن يفصل رأسها من رقبتها، وكذلك يجوز في الغنم والبقر أن تنحر، لكن الأصل أن النحر للإبل، والذبح للبقر والغنم، ويجوز العكس، ولهذا قال: (نحر أو ذبح)، وهو شك من الراوي، هل قال نحر أو ذبح.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يذبح أو ينحر بالمصلى)
قوله:
[أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو مصري، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن شعيب].
شعيب، وهو: ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن الليث].
هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، ثبت، فقيه، إمام مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن كثير بن فرقد].
كثير بن فرقد ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[عن نافع].
ونافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
حكم تقسيم لحم الأضحية
السؤال: فضيلة الشيخ، هل تقسيم لحم الأضحية واجب؟
الجواب: ليس بواجب، ولكن الأضاحي والهدي السنة فيها أن الإنسان لا يستأثر بها كلها، ولو أطعمها كلها فإن ذلك جائز، لو تصدق بها كلها فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهديه وهو في المدينة فيذبح ويوزع، ولا يأكل منه شيئاً؛ لأنه كان يبعث به، والسنة أن يأكل، ويهدي، ويتصدق، فيكون جمعاً بين أن يأكل بنفسه، وأن يهدي، وأن يتصدق.

صلاة تحية المسجد إذا كانت صلاة العيد فيه
السؤال: إذا كانت صلاة العيد في المسجد فهل يصلي تحية المسجد؟
الجواب: إذا كانت صلاة العيد في المسجد، فإن المسجد تصلى فيه تحية المسجد؛ وليست هذه للعيد؛ لأن الإنسان إذا دخل المسجد يصلي، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين، فهذه ما يقال: إنها سنة للعيد، فالعيد ليس له سنة، وإنما هذه تحية المسجد التي إذا دخل الإنسان صلاها.
القصاص على من قتل شخصاً أراد قتله
السؤال: أراد رجل قتل آخر، ولكن الآخر تقدم عليه وقتله، فهل عليه قصاص أم لا؟
الجواب: إذا ثبت أنه أراد قتله، وأنه دافع عن نفسه، ولا يندفع إلا بالقتل؛ لأنه إذا كان يندفع بغير القتل فلا يجوز له أن يقتل، ومثل هذا لا بد فيه من تحقق، وتوفر هذه الأمور، التي هي كونه لا يندفع إلا بالقتل؛ لأنه إذا كان لا يندفع إلا بالقتل وقتله فليس عليه قصاص، ولكن ثبوت هذا يحتاج إلى بينة وبرهان.
العيد له خطبتان كالجمعة
السؤال: هل تجوز خطبة واحدة يوم العيد؟
الجواب: العيد له خطبتان كالجمعة، ولا نعلم دليلاً يدل على أن العيد له خطبتان بالنص، ولكن النسائي أورد الأحاديث التي تتعلق بالجمعة في العيد، والأحاديث التي فيها إطلاق؛ للاستدلال أو الإشارة إلى أن الجمعة مثل العيد في عدد الخطب، ولا أعلم أن هناك خلافاً في أن العيد لها خطبتان.

الحث على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: نطلب بيان أهمية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث نلاحظ أنه رغم تكرار اسمه عليه الصلاة والسلام قليل من يصلي عليه، وهل تجوز الصلاة عليه سراً في النفس؟
الجواب: نعم تجوز الصلاة سراً، لكن كون الإنسان يظهر منه شيء بحيث يذكر الغير، وينبه الغير من غير أن يرفع الصوت، وإنما بحيث يسمعه من حوله بدون تشويش، وبدون ترتب المضرة، يعني: من حيث رفع الصوت رفعاً شديداً يكون فيه لفت نظر، وإزعاج؛ لا شك أن هذا هو الذي ينبغي، وإن صلى سراً حصل المقصود، يعني: بينه وبين نفسه بأن يتلفظ، وليس المعنى أنه يصلي في قلبه، وإنما يحرك شفتيه، ويحرك لسانه، وإن لم يسمعه أحد، لكن لو أسمع من هو حوله حتى يذكره وحتى ينبهه فإن هذا لا شك أنه أحسن وأولى.
ومن المعلوم أن الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم ورد فيها أحاديث تدل على فضلها، وعلى عظيم أجرها، الله عز وجل أمر بها في كتابه العزيز، وأخبر في آية كريمة جمعت بين خبر وأمر، خبر في أولها وأمر في آخرها، أخبر الله عن نفسه، وعن ملائكته، بأنهم يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الأحزاب:56]، هذا خبر، ثم أمر في آخرها: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الأحزاب:56]، فالله تعالى أمر المؤمنين وناداهم بوصف الإيمان، بعد أن أخبرهم أنه يصلي عليه، وأن ملائكته تصلي عليه صلى الله عليه وسلم.
ثم السنة جاء فيها أحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها قوله في صحيح مسلم: (من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشراً)، وكذلك جاءت أحاديث خارج الصحيحين، فيها ما هو ثابت، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة).
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ)، ولهذا كان العلماء المحدثون يوصون بالصلاة والسلام عليه عند ذكره، وعند كتابة الحديث، فإنه يكتب صلى الله عليه وسلم أو عليه الصلاة والسلام، ولا يهملها، ولا يختصرها، بأن يرمز لها ببعض الحروف، كص، أو صلعم، وإنما يأتي بها كاملة: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كلما صلى الإنسان عليه صلاة واحدة، فإن الله تعالى يصلي عليه بها عشراً، فهو عمل يسير قليل، ومع ذلك فيه ثواب جزيل وعظيم.
ثم أيضاً هذا من حق النبي عليه الصلاة والسلام علينا، وقد منَّ الله علينا بنعمة الإسلام التي ساقها لنا على يديه، فمن حقه علينا أن نصلي ونسلم عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
تعليم المرأة للرجال
السؤال: إذا لم يكن في القرية عالم إلا امرأة صالحة فقيهة، فهل لها أن تعلم الرجال أمور دينهم؟
الجواب: إذا اضطر إلى ذلك فتعلمهم، ولكن من وراء حجاب، مثلما النساء تتعلم من وراء حجاب، كذلك الرجال يتعلمون منها من وراء حجاب إذا اضطروا إليها.
تعليم البنات كيفية الصلاة أو الوضوء بدون استتار
السؤال: هل يجوز تعليم البنات بدون استتار إذا احتاج الأمر إلى ذلك لتطبيق كيفية الصلاة أو الوضوء؟
الجواب: الكيفية كما هو معلوم ما تكون مع الستار، تكون بالمشاهدة والمعاينة، ومن المعلوم: أن التعليم بالفعل يكون من الرجال للرجال، ومن النساء للنساء، لكن إذا كان التعليم بواسطة هذه الوسائل التي ترى صورته، ولا يرى هو، فهذا إذا احتيج إلى ذلك، واضطر إلى ذلك، يمكن أن يأتي بالصلاة، وتشاهد عن طريق الصورة لا عن طريق المشاهدة، والمعاينة.
رواية سعيد بن جبير عن الصحابة
السؤال: رواية سعيد بن جبير عن الصحابة متصلة أم منقطعة؟
الجواب: رواياته عن ابن عباس متصلة، لكن هل كل رواياته عن الصحابة متصلة؟ أنا لا أدري، لكن الحديث الذي معنا عن ابن عباس -وهو صحابي- روايته عنه متصلة.
القصر والجمع في سفر النزهة
السؤال: هل يجوز للمسافر للنزهة أن يقصر ويجمع الصلاة؟
الجواب: نعم، المسافر ولو كان للنزهة، ولو كان للسياحة، له أن يقصر، إذا سافر السفر الذي تقصر معه الصلاة، وكذلك له أن يجمع.
المسح على الخف المخرق
السؤال: الخف إذا كان به خروق هل يجوز المسح عليه؟
الجواب: إذا كانت الخروق يسيرة يجوز أن يمسح عليها، وأما إذا كانت كثيرة، بحيث يكون وجوده مثل عدمه لكثرة خروقه، وأن أكثر الرجل يكون باد، فهذا يصير مثل النعل، يعني: وجوده مثل عدمه.

هل ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يصلون الرواتب في المسجد؟
السؤال: هل ثبت أن الصحابة كانوا يصلون الرواتب في المسجد النبوي؟
الجواب: لا أدري عن الصحابة، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في بيته، وقد قال: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، وقد مر بنا في حديث الجمعة: أنه إذا صلى في المسجد يصلي أربعاً، وإذا صلى في بيته يصلي ركعتين، لكن فعل الصحابة، وكونهم يصلون الرواتب في المسجد لا أدري.

حكم استعمال الذهب المحلق للنساء
السؤال: كثر الحديث في مسألة الذهب المحلق، فما هو القول الفصل في ذلك؟
الجواب: الذهب المحلق كغيره من غير المحلق، هو للنساء سائغ وجائز، والدليل عليه الأحاديث العامة، والأحاديث الخاصة، والعامة: هي التي فيها إحلاله للنساء مطلقاً، كما (أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ذهباً وحريراً وقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها)، هذان حرام أي: الذهب، وكذلك بالنسبة للمحلق، المرأة التي جاءت وعليها مسكتان من ذهب قال: (أتؤدين زكاة هذا؟)، فكانت لابسة، وأما ما ورد من ما يتعلق بالنهي عن المحلق، فإن تلك الأحاديث في مقابلة تلك الأحاديث التي هي أرجح منها، وأقوى منها، تكون عندها بمثابة الشاذ في مقابل ما هو أصح منه، وما هو أولى منه.
الصلاة والتسليم على غير نبينا من الأنبياء
السؤال: هل يقال في الأنبياء: صلى الله عليهم وسلم مثل نبينا عليه الصلاة والسلام أو يقال: عليهم السلام؟
الجواب: نعم. يقال: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام، مثلما يقال لنبينا: عليه الصلاة والسلام.
دفع المهر لمن راجع في العدة
السؤال: شخص طلق امرأته ولم يأخذ منها شيئاً، ولكن قال لها: إن تزوجتِ رجلاً تعطيني حقي الذي دفعته إليكِ، ثم راجعها في العدة، فهل يحتاج إلى مهر وشهود أم لا؟
الجواب: إن كان راجعها في العدة فهي زوجته، ولا تحتاج إلى مهر؛ لأنها رجعية، والعقد لا يزال إلى أن تنتهي من العدة، ولا تطلق منه ولا تبين منه إلا إذا خرجت من العدة، فما دام أن الطلاق رجعي فإن إرجاعه إياها لا يحتاج إلى مهر، لكن لو أنها خرجت من العدة، فإنه لا بد أن يخطبها، ويكون واحداً من الخطاب، فإذا رغبت به فلابد أن يكون هناك مهر، وإذا أراد أن يتزوجها يدفع لها مهراً، لكن ما دام أنه أرجعها في العدة، فإنها زوجته، والعدة تحتاج إلى إشهاد، حتى يعلم الناس أن ذلك الطلاق نسخ بالرجعة.
دخول الحائض مصلى العيد قبل الصلاة
السؤال: هل للحائض أن تدخل مصلى العيد قبل الصلاة؟
الجواب: ما تدخل مصلى العيد، ولكنها تكون متأخرة عن مصلى العيد، أي بمكان قريب منه، ليس في المصلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولتعتزل الحيض المصلى).
الحلف ووضع اليد على المصحف
السؤال: الحلف على المصحف جائز أم لا؟
بأن يضع يده على المصحف ويقول: والله العظيم وكتابه الكريم أقول الحق، ولا شيء غير الحق؟
الجواب: لا أدري، قضية كونه يضع يديه في المصحف، أنا ما أعرف شيئاً يدل على هذا.
خطبة الكسوف والاستسقاء خطبة واحدة
السؤال: كم خطبة للاستسقاء؟
وهل للكسوف خطبة؟الجواب: مر بنا أن الكسوف له خطبة واحدة، وأن الاستسقاء له خطبة واحدة أيضاً.
رواية عبد الرحمن بن مهدي عن السفيانين

السؤال: لماذا لا يكون عبد الرحمن بن مهدي في الإسناد يروي عن سفيان بن عيينة بدل سفيان الثوري ؟
الجواب: عبد الرحمن بن مهدي في طبقة سفيان بن عيينة، يعني: هو متأخر، مثل سفيان بن عيينة، وهل روى عن سفيان بن عيينة ؟ لا أدري؛ لأنه يمكن أن يروي القرين عن قرينه.
الرأي في الجماعات الإسلامية المعاصرة

السؤال: ما رأيكم في الجماعات الإسلامية المعاصرة؟
الجواب: هذا سؤال طويل عريض، أستطيع أن أقول إجمالاً: ما كان على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهذا هو المنهاج القويم، والصراط المستقيم، وما كان بخلاف ذلك فهو مباين لهذه الطريق، ولكنه متفاوت قرباً وبعداً، فكل من كان أقرب إلى هذه الفرقة التي هي: على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهي أسهل وأخف، وكل من كان أبعد يكون أسوأ.
الإمارة في الحضر
السؤال: ما حكم الإمارة في الحضر؟.
الجواب: كما هو معلوم: الإمارة إنما يحتاج إليها في السفر، وأما في الحضر فأمير البلد هو الذي يكون أميراً للناس، وأما إذا حصل التفرق فالثلاثة يجعلون واحداً منهم أميراً، بحيث يرجعون إليه في النزول، وهذه الإمارة كما هو معلوم المقصود منها أن يرجع إليه، بدلاً من أن يكون كل له رأي ويختلفون، يرجعون إلى رأي الأمير في نزولهم، وسفرهم، وغير ذلك، وأما في الحضر فأمير البلد هو أمير الناس.
وليس لأحد أن يؤمر أحداً عليه وإنما أمير البلد هو أمير الناس، وإذا كان الإنسان في بلد كفار والمسلمون مجتمعون فيه فيمكن أن يجعلوا لهم أميراً يرجعون إليه ويستفيدون منه، لكن لا تجري له أحكام الإمارة والولاية، يعني: كونه يقيم الحدود، ويفعل الأشياء التي لا يفعلها إلا السلطان، لكن يمكن أنه يرجع إليه في الأمور التي يحتاج الناس إليه فيها.

ابو الوليد المسلم
04-04-2026, 11:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب صلاة العيدين)
(289)
- كتاب صلاة العيدين - (باب اجتماع العيدين وشهودهما) إلى (باب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد)



لقد جاءت السنة ببيان الحكم الشرعي فيما لو اجتمع العيد والجمعة، فمن تيسير الله تعالى على عباده أن من حضر العيد رُخص له في التخلف عن شهود الجمعة ويصليها في بيته ظهراً، وذلك لأن مصلحة الاجتماع قد حصلت بالاجتماع للعيد، ويرخص للجواري في الغناء والضرب بالدفوف يوم العيد.
اجتماع العيدين وشهودهما
شرح حديث النعمان بن بشير في اجتماع العيد مع الجمعة وشهودهما

قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتماع العيدين وشهودهما.أخبرنا محمد بن قدامة عن جرير عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: قلت عن أبيه، قال: نعم عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة، والعيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم قرأ بهما)].
يقول النسائي رحمه الله: اجتماع العيدين وشهودهما، يريد بالعيدين: العيد السنوي الذي هو: الأضحى، أو الفطر، وعيد الأسبوع الذي هو: الجمعة، هذا هو المراد بالعيدين اللذين يجتمعان؛ لأن الجمعة هي يوم عيد الأسبوع، وقد شرع للناس فيها تلك الصلاة الخاصة، التي هي ركعتان ويسبقها خطبتان، وشرع للناس في السنة عيدان هما: عيد الأضحى وعيد الفطر، فإذا صار يوم عيد الأضحى، أو عيد الفطر، يوم جمعة، يكون قد اجتمع عيدان.
وقد أورد النسائي حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الجمعة، بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وكذلك في العيد، وإذا اجتمعا فإنه يقرأ فيهما جميعاً)، يعني: يصلي العيد، ثم يصلي الجمعة، ويقرأ فيهما بهاتين السورتين، يعني: سورة سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية.
فالحديث يدل على أنه عندما يجتمع العيدان، عيد السنة وعيد الأسبوع، بأن يكون يوم عيد الفطر أو عيد الأضحى يوم الجمعة، فيكون قد اجتمع عيدان، وحينئذ يقرأ في كل من صلاتي العيد وصلاة الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وأيضاً يدل على شهودهما، وهو أن الإنسان عندما يجتمع يوم عيد ويوم جمعة يصلي العيد، ثم يصلي الجمعة، يحضر صلاة العيد في المصلى، وإذا جاء وقت الجمعة يحضرها، فهذا هو المقصود بقوله: شهودهما.
وهذا هو الذي يقتضيه الحديث، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث، فهو يدل على أنه إذا وافق العيد يوم الجمعة، فإن من صلى العيد ينبغي له أن يحضر الجمعة، لكن وردت بعض الأحاديث الدالة على أن من حضر العيد فإنه يرخص له أن يتخلف عن الجمعة، لكن يصليها ظهراً، فالتجميع يحصل؛ ولكن لا يلزم كل أحد أن يحضر كسائر الأيام؛ لأن الجمعة يلزم حضورها؛ لكن إذا اجتمع عيد السنة مع عيد الأسبوع فإن من حضر العيد يرخص له أن يتخلف عن حضور الجمعة، لكن حضورها مع حضور العيد هو الأولى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع بينهما بأن يصلي العيد ثم يصلي الجمعة، ولكنه جاء عنه أن من أراد أن يحضر يحضر، وأن من أراد أن يتخلف فله ذلك، لكن لا بد أن يصلي ظهراً؛ لأن اليوم والليلة فيها خمسة فروض، لا يسقط فرض منها في أي حال من الأحوال.

تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير في اجتماع العيدين وشهودهما
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وهو المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن جرير].
هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].
وهو إبراهيم بن محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إبراهيم بن محمد بن المنتشر أبوه محمد بن المنتشر.
والذي قال عن أبيه هو محمد بن قدامة، أي: أن إبراهيم يروي عن أبيه، والذي سأل هو محمد بن قدامة شيخ النسائي، والمسئول هو شيخه جرير، لما حدثه عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قال له محمد بن قدامة: عن أبيه؟ قال: نعم، ومحمد بن المنتشر، وابنه إبراهيم بن محمد بن المنتشر، كل منهما ثقة، وكل منهما خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب بن سالم].
وهو مولى النعمان بن بشير وكاتبه، وهو لا بأس به، وهو بمعنى: صدوق، وهي تعادل صدوق، فحديثه يعتبر حسناً، إذا جاء منفرداً وليس له ما يعضده فإنه يكون من قبيل الحسن، وهو الذي خف ضبطه عن أن يكون ثقة، وكان دونه، ولكن حديثه معتمد ومقبول. لكن في اصطلاح يحيى بن معين إذا قال: (لا بأس به)، فهي تعادل عنده ثقة، وهذا اصطلاح خاص بـيحيى بن معين؛ لأن كلمة (لا بأس به) عند يحيى بن معين توثيق، تعادل ثقة عند غيره، فإذا جاء أو وجد في ترجمة بعض الأشخاص الثقات الأثبات كلمة (لا بأس به)، فلا يستغرب ذلك؛ لأن كلمة (لا بأس به) في اصطلاح يحيى بن معين بمعنى: ثقة، لكن في اصطلاح غيره هي بمعنى: صدوق، أي: ممن خف ضبطه، ونقص عن درجة الثقة، لكن حديثه معتبر، وحديثه مقبول، وهو يعتبر من قبيل الحسن، وإذا وجد ما يعضده ينتقل أو يرتقي من الحسن لذاته إلى الصحيح لغيره.
وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن النعمان بن بشير].
وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وهو من صغار الصحابة، توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، وقد تحمل الحديث عن رسول الله، وروى أحاديث بلفظ (سمعت)، عبر فيها بقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ممن تحمل في صغره، وأداه في حال كبره، وهذا معتمد، ومعتبر عند المحدثين أن الراوي الصغير يتحمل في حال الصغر، ويؤدي في حال الكبر، وكذلك الكافر إذا أسلم يتحمل في حال كفره، ثم إنه بعدما يسلم، يتحدث عن أشياء حصلت، أو سمعها في حال كفره، فالعبرة بوقت الأداء، لا بوقت التحمل، فإذا كان مسلماً وكبيراً في حال التأدية، فإن حال التحمل لا تؤثر، إذا كان تحمل وهو كافر، أو تحمل وهو صغير؛ لأن الأحاديث التي تحملها النعمان بن بشير رضي الله عنه، تحملها وهو صغير؛ لأن عمره حين وفاة النبي عليه الصلاة والسلام كان ثمان سنوات، وقد روى أحاديث منها ما قال فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها الحديث المشهور المتفق على صحته: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، وهو حديث عظيم، قال فيه النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعض الأحاديث التي يرويها صغار الصحابة هي مراسيل، ولكن مراسيل الصحابة حجة، ومعتمدة؛ لأنهم غالباً لا يروون إلا عن الصحابة، وإذا رووا عن غير الصحابة بينوا ذلك، فلا محذور في رواياتهم إذا رووا أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم صغار، وليست مشتملة على: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تكون من قبيل المرسل الذي أخذ عن الصحابة، لكن إذا قال (سمعت)، فإنه ليس هناك واسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والنعمان بن بشير رضي الله عنه وعن أبيه صحابي ابن صحابي، وهو صاحب القصة المشهورة، وهي: أن أمه طلبت من أبيه أي: بشير أن يعطيه شيئاً، وأن يخصه به، وأن ينحله نحلة يتميز بها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره وقال: (أكل ولدك أعطيته مثل هذا؟ قال: لا)، يقوله لوالد النعمان بن بشير، فقال: (لا تشهدني على جور، أشهد على هذا غيري، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، فإن هذا الخطاب لـبشير والد النعمان، والذي أعطي المنحة بطلب من والدته، فهو صحابي ابن صحابي، وحديثه في الكتب الستة.
الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد
شرح حديث زيد بن أرقم في صلاة النبي العيد أول النهار وترخيصه في الجمعة عند اجتماعهما
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبي رملة قال: (سمعت معاوية رضي الله تعالى عنه سأل زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنهما: أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين؟ قال: نعم، صلى العيد من أول النهار ثم رخص في الجمعة)].
أورد النسائي بعدما أورد اجتماع العيدين، أي: الجمعة وعيد الأضحى، أو الفطر وشهودهما، وأنه يصلى العيد ويصلى الجمعة، ويجمع بين صلاة العيد، وصلاة الجمعة في نفس اليوم، ولا تسقط صلاة الجمعة بل تصلى، ولكن لا يلزم كل أحد بحضورها، بل من شهد العيد، فإنه يرخص له في التخلف عن الجمعة في ذلك اليوم؛ لأنه حصل الاجتماع العام.
الدليل على وجوب صلاة العيد

وهذا مما استدل به بعض أهل العلم على وجوب صلاة العيد، وأنها فرض عين؛ لأنه لما رخص لمن شهد العيد أن يتخلف عن الجمعة، مع أن الجمعة فرض، ويلزم كل إنسان أن يحضرها، لما رخص لمن شهد العيد، أن يتخلف عنها، فهم منه أنها فرض عين، أو استدل به بعض العلماء على أنها فرض عين؛ لأنه لو لم تكن فرض عين، ما كان يغني حضور العيد عن حضور الجمعة، لكن لما كان حضور العيد يغني عن حضور الجمعة في ذلك اليوم، استدل به بعض أهل العلم على وجوب صلاة العيد وجوباً عينياً وليس كفائياً، والمسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من قال: إنها فرض عين، ومنهم من قال: إنها فرض كفاية، لكن الذين قالوا: بأنها فرض عين استدلوا بهذا الحديث الذي فيه أن من حضر العيد يرخص له أن يتخلف عن الجمعة، فلولا أن العيد فرض عين ما كان لمن حضرها أن يتخلف عن الجمعة، إذ لو لم تكن كذلك، لما أغنى حضورها عن حضور الجمعة، لكن لما كان حضورها يغني عن الجمعة، دل على أنها فرض عين.ومما يستدلون به على ذلك: الحديث الذي مر بنا، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج العواتق، وذوات الخدور، وكذلك الحيض، يخرجن إلى المصلى، ويعتزلن المصلى، يحضرن الخير، ودعوة المسلمين، فهذا الحديث يدل على التخلف عن صلاة الجمعة لمن حضر العيد.
وفي هذا الحديث أن معاوية رضي الله عنه سأل زيد بن أرقم: (أشهدت عيدين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قال: نعم، فصلى العيد في أول النهار ثم رخص في الجمعة)، يعني: رخص لمن حضر العيد أن يتخلف عن الجمعة، لكن لا يعني أن الجمعة تترك، بل يجمع الإمام، وقد جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما صلى العيد: (إنا مجمعون، فمن أراد أن يحضر فليحضر، وإلا فإنه لا شيء عليه) فأخبرهم بأنه يجمع، وأنه سيصلي الجمعة، وبين أن من أراد أن يتخلف، فإن له حق التخلف؛ لأنه قد حضر العيد، فقال: رخص في الجمعة، يعني: في التخلف عنها، وليس معنى تركها عدم إيجابها أو عدم فعلها، بل تفعل، وتصلى لكن من تأخر عنها لا يعاتب، ومن فقد في الجمعة لا ينكر عليه، ولا يقال له: لماذا لم تحضر، وقد حضر العيد؛ لأن الرخصة جاءت بذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
إذاً: الحديث دال على أن من حضر العيد، فإنه يرخص له في التخلف عن الجمعة، وأما الجمعة فإنها تقام، والذي يرخص فيه ليس تركها وإلغاؤها نهائياً وعدم وجوبها، وأن الناس يصلون ظهراً مكانها، ولكن من حضر العيد من أفراد الناس فله أن يتخلف عن الجمعة، وليس بملزم بحضور الجمعة في ذلك اليوم، ولا ينكر على من تخلف عنها.
وأما كون الجمعة لا تصلى أصلاً، أو أنها لا تصلى الظهر أصلاً، فهذا ليس بصحيح، بل الجمعة تصلى في الجملة، ويجوز التخلف عنها، وأما الظهر فإنها لا تسقط، وإنما يصليها الإنسان إن لم يحضر الجمعة، وكذلك المساجد التي لا يجمع فيها، لهم أن يصلوا فيها ظهراً، ولكن لا تترك صلاة الظهر، وبعض العلماء نقل عنه سقوط صلاة الظهر، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الصلوات الخمس في اليوم والليلة مفروضة، لا يسقط منها فرض واحد في أي يوم من الأيام، دائماً وأبداً، والذي جاء فيه الترخيص ليس ترك الظهر، وإنما هو ترك الجمعة لمن حضر العيد.

تراجم رجال إسناد حديث زيد بن أرقم في صلاة النبي العيد أول النهار وترخيصه في الجمعة عند اجتماعهما
قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
وهو الفلاس البصري، وهو ثقة، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].
وهو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو أيضاً ثقة، عارف بالرجال، والعلل، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
وهو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عثمان بن المغيرة].
وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن إياس].
وهو إياس بن أبي رملة، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، لكن الحديث ثابت؛ لأنه جاء عن جماعة من الصحابة، وجاء من طرق متعددة، فالترخيص في الجمعة لمن حضر العيد لم يكن المستند عليه هذه الطريق، وهذا الإسناد، وإنما جاء من طرق أخرى، ومن أحاديث جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، ومنهم: زيد بن أرقم: هذا الذي معنا في الإسناد، وكذلك غيرهم.
[سأل زيد بن أرقم].
معاوية رضي الله عنه، جاء ذكره في الإسناد لأنه هو الذي سأل، لكن إياس بن أبي رملة هو الذي يروي عن زيد بن أرقم، وكان سبب التحديث بذلك: سؤال معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، فهو سأل زيد بن أرقم رضي الله عنه، فأجابه بأنه حضر العيد، وأنه شهد عيدين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي: الجمعة والأضحى، وأنه رخص لمن حضر العيد أن يتخلف عن الجمعة.
وزيد بن أرقم صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عباس في الاكتفاء بصلاة العيد عند اجتماعها مع الجمعة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى، ولم يصل بالناس يومئذ الجمعة، فذكر ذلك لـابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: أصاب السنة)].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وذلك أن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه في عهده اجتمع عيدان: عيد السنة، وعيد الأسبوع، فخرج للناس وصلى بهم العيد لما تعالى النهار، يعني: لما ارتفع النهار، وأطال الخطبة، ثم نزل، ولم يصل بالناس يومئذ الجمعة، وهذا فعل ابن الزبير، لكن كونه مرفوعاً؛ لأنه جاء عن ابن عباس عندما سئل أنه قال: أصاب السنة.
وليس معنى هذا أن الناس تركوا الصلاة، وأنه لم يصل لهم، بل الصلاة لا تسقط، الظهر لا تسقط، والجمعة كذلك لا تسقط عن البعض، وإنما يرخص لمن تأخر، وقد قال ابن عباس: أصاب السنة، وابن عباس رضي الله عنه، هو الذي روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما اجتمع عيدان قال: (إنا مجمعون، فمن حضر العيد وأراد أن يحضر الجمعة فليفعل، وإلا فإنه لا حرج عليه)، يعني: أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص في التخلف عن الجمعة يوم العيد لمن حضر العيد، وابن عباس نفسه هو الذي روى الحديث عن رسول الله، وأنه قال: إنا مجمعون، فمن شاء أن يجمع معنا فليفعل، ومن شاء أن يتأخر فله أن يتأخر، وإلا فإنا مجمعون، أي: من أراد أن يحضر معنا يحضر، ومن أراد أن يتخلف فإنه لا شيء عليه.
فالذي جاء عن ابن عباس هو: الترخيص في التخلف عن الجمعة لمن حضر العيد، وليس معنى ذلك أنها تترك الصلاة، أي: الجمعة، ولا أنها تترك صلاة الظهر أيضاً، فمن حضر الجمعة فقد أدى ما عليه، ومن لم يحضر الجمعة، فيتعين عليه أن يصلي الظهر؛ لأن الظهر لا تسقط بأي حال من الأحوال؛ لأن الصلاة فرضت في اليوم والليلة خمس مرات، وفي الحديث: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، ولم يأت نص واضح صريح بأن الظهر تسقط، وأن الجمعة تسقط، وإنما جاء أن الجمعة تسقط عمن حضر العيد، لكن الفرض الذي يكون لمن يصلي وحده، أو لمن لا يجمعون، هو صلاة الظهر، وصلاة الظهر لا بد منها لمن لم يصل الجمعة، ومن فاتته الجمعة فإنه يصلي ظهراً، ولا يسقط الظهر بأي حال من الأحوال.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-04-2026, 11:52 PM
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الاكتفاء بصلاة العيد عند اجتماعها مع الجمعة
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، وهو: الملقب بندار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة, رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الحميد بن جعفر].
وهو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن وهب بن كيسان].
وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة، من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما ابن الزبير رضي الله تعالى عنه فمجيئه في الإسناد لأنه هو الذي صلى بالناس، وخطب الناس، وسئل ابن عباس عن فعله فقال: أصاب السنة. إذاً: الفعل فعل ابن الزبير ولكن إضافته إلى الرسول ورفعه إليه، هو من قول ابن عباس.
إذاً: الذي روى عن ابن عباس، هو وهب بن كيسان، والحديث متصل من وهب بن كيسان إلى ابن عباس وابن الزبير، هو السبب الذي جعل ابن عباس يحدث بهذا الحديث؛ لأنه لما سئل قال: أصاب السنة، والسنة إذا جاء إطلاقها من الصحابي، وكذلك من غيره فإنه يراد بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأصاب السنة أي: سنة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ضرب الدف يوم العيد
شرح حديث عائشة في ضرب الدف يوم العيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ضرب الدف يوم العيد.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن جعفر عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها جاريتان تضربان بدفين، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهن فإن لكل قوم عيداً)].
أورد النسائي: [ضرب الدف يوم العيد]، والمقصود من هذه الترجمة: أن العيد يرخص فيه باللعب، أو يمكن الصغار من اللعب الذي لا محذور فيه، وكذلك أيضاً بضرب الدف، وكذلك بالغناء، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه دليل على جواز ضرب الدف في العيد، ولكن من النساء الصغيرات، ومن الجواري الصغيرات؛ لأن هذا الفعل إنما هو فعل جاريتين صغيرتين، هما دون البلوغ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أنكر عليهما أبو بكر، وانتهرهما، قال عليه الصلاة والسلام: [(دعهما فإن اليوم يوم عيد)]، ومعناه: أنه يرخص لمثلهن بأن يأتين بمثل هذا الذي أتين به، وهو الضرب بالدف، وكذلك الغناء، كما جاء عن الجاريتين نفسهما، أنهما كانتا تغنيان، وسيأتي.
فالحديث دال على جواز ضرب الدف في العيد، ولكن ليس لكل أحد، وإنما هو للجواري الصغيرات.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ضرب الدف يوم العيد

قوله:
[أخبرنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن جعفر].
وهو غندر، الملقب بـالبصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
وهو معمر بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، إمام، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وهي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي روت الحديث الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللعب بين يدي الإمام يوم العيد
شرح حديث عائشة في اللعب بين يدي الإمام يوم العيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اللعب بين يدي الإمام يوم العيد.أخبرنا محمد بن آدم عن عبدة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (جاء السودان يلعبون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عيد، فدعاني، فكنت أطلع إليهم من فوق عاتقه، فما زلت أنظر إليهم حتى كنت أنا التي انصرفت)].
[اللعب بين يدي الإمام يوم العيد] أورد فيه النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، أن السودان، وهم الحبشة كانوا يلعبون بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم بالحراب والدرق، وهي من وسائل الحرب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم، وجاءت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وجعلت تنظر، وأقرها رسول الله، أو رخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنظر، فجعلت تنظر من فوق عاتقه صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه دليل على نظر المرأة إلى الرجال.
قال العلماء: إن نظر عائشة رضي الله عنها إلى الرجال وهم يلعبون، يحتمل: أن يكون لأنها صغيرة، وأنها كانت دون البلوغ، ويحتمل أن ذلك كان قبل أن ينزل القرآن بغض الأبصار من قبل الرجال عن النساء، ومن قبل النساء عن الرجال، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النور:30]، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[النور:31]، ويحتمل أن يكون ذلك بعد، ولكن إنما هو النظر إلى أشخاصهم من بعد، وليس النظر إلى وجوههم، وإلى مقاطعهم، وإنما إلى قصدهم وتحركاتهم.
فالعلماء أجابوا عن نظر عائشة بهذه الأجوبة: إما أن يكون ذلك لكونها دون البلوغ، فلا يسوغ للمرأة أن تنظر إلى الرجال، أو أن ذلك كان قبل نزول المنع، والأمر بغض الأبصار من قبل الرجال، وكذلك من قبل النساء، أو لأنه بعد ذلك، ولكن النظر لم يكن إليهم، وإنما إلى أشخاصهم، كما ينظر إلى الأشخاص من بعد، فإن ذلك ليس كالنظر إلى وجوههم، أو ما يحصل من التلذذ من نظر المرأة إلى الرجل، وما إلى ذلك، بهذه الأجوبة أجاب العلماء عما حصل من عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ثم أيضاً: الحديث يدل على حصول اللعب، فقد جاء في بعض الروايات، كما سيأتي أنه كان في المسجد، والمساجد كما هو معلوم تصان عن اللعب ولا تمتهن، لكن قال العلماء: إن هذا شيء نادر، وإنه لا يحصل دائماً، وإنما على ندرة، وأيضاً يكون في أمور تتعلق بالحرب، وليس من قبيل اللهو الذي لا خير فيه، وإنما هو تدرب، وإتيان بشيء هو مطلوب في الحرب، وفيه استعداد للحرب، فليس من قبيل اللعب المجرد، الذي لا قربة فيه، ولا يترتب عليه فائدة شرعية، بل هذا من قبيل الاستعداد للحرب، بهذا أجاب العلماء عن حصول لعبهم في المسجد، وكان ذلك بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام.
ولهذا أنكر بعض الصحابة كما سيأتي فعلهم هذا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال للذي أنكر ذلك كما سيأتي: دعهم، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم، لكنه نادر، وليس بكثير الاستعمال في المسجد، وليس أيضاً من اللعب الذي هو لهو لا فائدة من ورائه، أو لا قربة من ورائه، بل هو من قبيل الاستعداد للحرب، ومن قبيل الوسائل التي هي من وسائل الحرب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اللعب بين يدي الإمام يوم العيد

قوله:
[أخبرنا محمد بن آدم].
هو محمد بن آدم بن سليمان الجهني، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن عبدة].
هو عبدة بن سليمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه عروة عن عائشة].
وقد مر ذكرهما.


اللعب في المسجد يوم العيد ونظر النساء إلى ذلك
شرح حديث عائشة: (رأيت رسول الله يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اللعب في المسجد يوم العيد ونظر النساء إلى ذلك.أخبرنا علي بن خشرم حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [اللعب في المسجد يوم العيد، ونظر النساء إلى ذلك]، وأورد فيها حديث عائشة رضي الله عنها، وهو المتقدم إلا أن فيه بيان أنها صغيرة، وأنها قالت: اقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو، أي: أنه يتسامح في حقها ما لا يتسامح في حق الكبيرات، يعني: أنه تراعى حالها لصغرها، فتمكن من مشاهدة مثل هذا اللعب، وهذا يبين أنها كانت صغيرة، وقد مر أن بعض العلماء أجاب أنها صغيرة دون البلوغ، كما مرت الإجابات الأخرى التي هي: كونها أيضاً قبل نزول آية المنع، والأمر بغض الأبصار، وكذلك أيضاً الجواب الثالث وهو: نظر النساء إلى قصدهم وحركاتهم، لا إلى وجوههم، يعني: أنه نظر من بعد، هذه هي الأوجه الثلاثة التي ذكرناها من قبل، لكن الحديث يشير ويبين من كلام عائشة، نفسها أنها كانت صغيرة السن، وأن الصغيرة تكون حريصة على اللهو وعلى اللعب، فيتسامح في حق الصغار ما لا يتسامح في حق غيرهم، ولهذا الجاريتان اللتان كانتا تغنيان وتضربان بالدف رخص لهما، ولم يمنعهما رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال لـأبي بكر: دعهما، معناه أن الصغيرة يرخص لها في بعض الأحوال، ما لا يرخص في غيرها من الأحوال.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (رأيت رسول الله يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد ...)
قوله:
[أخبرنا علي بن خشرم].
وهو علي بن خشرم المروزي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.
وعلي بن خشرم هذا معمر من المعمرين، وقد ذكر في ترجمته أنه قال: صمت ثمانية وثمانين رمضاناً، أي: ثمانية وثمانون عاماً وهو يصوم رمضان، فهو من المعمرين.
[حدثنا الوليد].
وهو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، كثير التدليس، والتسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأوزاعي].
وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الدمشقي، فقيه الشام، ومحدثها، إمام، مشهور بالفقه، والحديث، وهو مثل الليث بن سعد في مصر، وسفيان الثوري في الكوفة، يعني أنهم محدثون، فقهاء، مشهورون في تلك البلدان.
وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي مشهور بنسبته الأوزاعي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه أبو عمرو وأبوه عمرو، ومن أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع: ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بلقبه أحياناً، فإن من لا يعرفه إلا بنسبه، يظن أنه لو قيل: عبد الرحمن أبو عمرو، أن (أبو) مصفحة عن (ابن)، لكن كلها صواب، إن قيل: عبد الرحمن بن عمرو فهو عبد الرحمن بن عمرو، وإن قيل: عبد الرحمن أبو عمرو، فهو عبد الرحمن أبو عمرو لأن كنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن عروة عن عائشة].
وقد مر ذكرهم.
شرح حديث أبي هريرة في ترخيص النبي للحبشة باللعب في المسجد بعد زجر عمر لهم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (دخل عمر رضي الله تعالى عنه والحبشة يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر، فإنما هم بنو أرفدة)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن عمر رضي الله عنه دخل والحبشة يلعبون في المسجد، يعني: في يوم العيد، فزجرهم عمر، وهذا يدل على أن مثل هذا العمل غير مألوف، وأنه نادر؛ لأن عمر رضي الله عنه كذلك زجرهم، وكذلك الذي مر بالنسبة للجاريتين اللتين كانتا تغنيان، وتضربان بالدف، فأبو بكر زجرهما، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعهما)، فدل هذا على أن مثل هذا العمل غير مألوف، وأنه ينكر، ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه، دل على جوازه، ولكن في بعض الأحيان، وفي مناسبات نادرة، وليس دائماً وأبداً، ولهذا أنكر عمر رضي الله عنه وأرضاه صنيعهم هذا، والرسول قال له: (دعهم فإنما هم بنو أرفدة)، وبني أرفدة، قيل: إنه جد للحبشة، وقيل: إنه لقب على الحبشة.

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ترخيص النبي للحبشة باللعب في المسجد بعد زجر عمر لهم
قوله:
[أخبرنا إسحاق بن موسى].
وهو ثقة، متقن، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري، ولا أبو داود.
[حدثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري].
وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
[عن سعيد بن المسيب].
وهو من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو وعروة بن الزبير من الفقهاء السبعة.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحاب الرسول حديثاً.
الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد
شرح حديث عائشة في الترخيص للجواري في الغناء وضرب الدف يوم العيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد.أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة أنه حدثه: أن عائشة رضي الله تعالى عنها حدثته: (أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه دخل عليها وعندها جاريتان تضربان بالدف وتغنيان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه، وقال مرة أخرى: متسج ثوبه، فكشف عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر، إنها أيام عيد، وهن أيام منى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [الرخصة في الاستماع إلى الغناء، وضرب الدف يوم العيد]، وأورد فيه حديث عائشة، وهو الذي تقدم ذكره في ضرب الدف، أورده هنا من أجل الغناء، وأنه رخص فيه في يوم العيد، ولكن للجواري الصغيرات وليس للكبيرات، ولهذا أبو بكر رضي الله عنه أنكر على تلك الجواري؛ لأن هذا غير مألوف، وغير معروف، وهو من الأمور المنكرة، ويعلمون أن الغناء لا يجوز، ولما رأى هذا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وظن أنه نائم، وأن هذا من غير علمه، أنكر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مسجى في ثوبه، أو متسج ثوبه، أي: متغط، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال: (دعهما، إنها أيام عيد)، ودل هذا على جواز مثل هذا يوم العيد، ولكن في حق الجواري الصغيرات، يرخص لهن بضرب الدف، ويرخص لهن بالغناء الذي لا محذور ولا ريبة فيه، وليس فيه ما لا يصلح، وقالوا: إنه غناء مثل الحداء، أي: إنشاد الشعر على طريقة تشبه حداء الإبل.
قوله: (وهن أيام منى)، يعني: كان عيد أضحى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأيام منى أي: الذي هو يوم العيد، والأيام التي بعده التي هي أيام التشريق.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الترخيص للجواري في الغناء وضرب الدف يوم العيد

قوله:
[أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله].
هو أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[حدثني أبي].
وهو حفص بن عبد الله النيسابوري، وهو صدوق أيضاً، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني إبراهيم بن طهمان].
وهو ثقة يغرب، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك بن أنس].
مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، الذي قال عنه الحافظ: رأس المتقنين وكبير المتثبتين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن عروة عن عائشة].
وقد مر ذكر هؤلاء.

ابو الوليد المسلم
04-04-2026, 11:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(290)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك


بيّن شرعنا الحكيم أن صلاة الإنسان في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة فإنها تؤدى في المسجد، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترك البيوت بلا صلاة كالمقابر.

الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك
شرح حديث: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك.أخبرنا العباس بن عبد العظيم حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن الوليد بن أبي هشام عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)].
يقول النسائي رحمه الله: كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، مراد النسائي رحمه الله بهذه الترجمة هو: بيان الأحكام التي دلت عليها الأحاديث المتعلقة بالنوافل، التي هي غير المكتوبة؛ لأن الفرائض التي فرضها الله عز وجل هذه صلوات مكتوبة، ولما ذكر الصلاة المكتوبة، وذكر كذلك جملة من الكتب المتعلقة بالصلوات التي تأتي في أوقات معينة، كالاستسقاء، والعيدين، والكسوف، أتى بالتطوع الذي هو قيام الليل والنوافل في النهار، وأتى بقيام الليل، لأن هذا هو اللفظ الذي يأتي كثيراً مع الأحاديث المتعلقة بصلاة الليل، فيقال فيه: قيام الليل، والمراد بالترجمة مطلقاً هو النوافل، وهي غير الفرائض، سواءً كانت في الليل أو في النهار، إلا أن الغالب على صلاة الليل يقال لها: قيام الليل، فمن أجل ذلك جمع بين ذكر الليل، وذكر النهار بذكر القيام مع الليل، وذكر التطوع مع النهار، وإن كان كله يقال له: تطوع، حتى قيام الليل، هو من قبيل التطوع؛ لأنه غير الفريضة، وهو مما سوى الفرائض.
وقد أورد النسائي باب الحث على الصلاة في البيوت، والفضل في ذلك، أي: ترغيب، وبيان الفضل الذي يترتب على هذا العمل، وبيان فضل ذلك العمل الذي هو الصلاة في البيوت، وقد أورد النسائي، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)]، صلوا في بيوتكم، أي: النوافل التي هي سوى الفرائض، وأما الفرائض فإنها تصلى في المساجد، والمسلم يخرج من بيته إلى المساجد ليؤدي هذه الصلوات المفروضة، التي فرضها الله عز وجل على عباده، في اليوم والليلة خمس مرات، فقد بنيت المساجد لأداء الصلوات الخمس، ولإقامة ذكر الله عز وجل، وأما التطوع فإنه في البيوت أفضل.
والنبي عليه الصلاة والسلام قال: [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)]، والمقصود من قوله: [(صلوا في بيوتكم)]، أي: النوافل وليست الفرائض؛ لأن الفرائض، قد هم النبي عليه الصلاة والسلام بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في المساجد، وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة، وأنه يجب على المسلم، أن يخرج من بيته ليصلي الجماعة، وإنما الصلاة المطلوبة في البيوت هي النوافل، ولما قال عليه الصلاة والسلام: [(صلوا في بيوتكم، قال: ولا تتخذوها قبوراً)]، فالمراد بقوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، بعد قوله: [(صلوا في بيوتكم)]، هو بيان أن البيوت لا تشبه بالمقابر، وتكون شبيهة بالمقابر إذا خلت من الصلاة، لأن المقابر لا يصلى فيها، فلا تتخذ البيوت مثل المقابر لا يصلى فيها، وهذا يدل على أن المقابر لا يصلى فيها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بالصلاة في البيوت، نهى أن تتخذ قبوراً، بأن تكون شبيهة بالمقابر التي ليست محلاً للصلاة، التي لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها، أي: النوافل أو الفرائض، لا تتخذ المقابر مواضع للصلاة، وأما صلاة الجنازة على القبور، أو على القبر بعد الدفن لمن لم يصل عليه، فإن هذا جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا ينافي ذلك، النهي عن اتخاذ البيوت مقابر، يعني: وأنها لا تشبه بالمقابر بحيث لا يصلى فيها، وكذلك ما جاء من النهي عن الصلاة إلى القبور، والجلوس عليها، لا ينافي ذلك؛ لأن هذه صلاة خاصة تتعلق بالميت، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى على القبر بعد دفنه، فدل هذا على أن صلاة الجنازة، تختلف عن الصلوات الأخرى التي هي: فرائض أو نوافل، [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)].
ثم أيضاً قيل: إن المراد بقوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، أي: لا يكون لكم فيها شأن إلا النوم، وأن تكونوا تتخذوا هذه المساكن للنوم فقط، وليس لها نصيب من العبادة، فيكون شأن البيوت تشبه المقابر، من حيث أنها تتخذ أمكنة للنوم فقط، والنوم أخو الموت، والنوم هو الموتة الصغرى، والله عز وجل يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الزمر:42]، يعني: يتوفاها في منامها، https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifفَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الزمر:42]، والنوم أخو الموت، ولهذا قد جاء أن أهل الجنة لا ينامون، وهم لا يذوقون فيها الموت، أي: الموت مطلقاً، سواءً الموت الذي هو الموت الأكبر، أو الموت الأصغر الذي هو مؤقت، والذي هو: خروج الروح لفترة مؤقتة، ففسر النهي عن اتخاذ البيوت مقابر، أي: لا تتخذ أماكن للنوم فقط، كما تتخذ المقابر للموتى، فتكون البيوت أماكن للموت الأصغر، والمقابر أماكن للموت الأكبر، وإنما يكون للبيوت نصيب من الصلاة.
وقيل أيضاً: إن قوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، أي: لا تدفنوا الموتى في البيوت، لا تتخذوها أماكن للدفن، بل الموتى يدفنون في غير البيوت؛ لأن الدفن في البيوت هو بناء على القبور، والبناء على القبور لا يجوز، وإنما الدفن يكون في المقابر ولا يكون في البيوت؛ لأن البيوت ليست أماكن للدفن.
وما جاء من كون النبي عليه الصلاة والسلام دفن في بيته، هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وجاء أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، فهو دفن حيث مات عليه الصلاة والسلام، ودفنه في بيته من خصائصه، ودفن أبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما معه في المكان الذي دفن فيه، ولهذا عمر رضي الله عنه، لما طعن، ومكث أياماً، كان مما عمله، أو مما أراده في تلك الفترة، أنه أرسل إلى أم المؤمنين عائشة يطلب منها أو يستأذن منها، أن يدفن مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ولما جاء الذي ذهب لاستئذانها، وأخبره بذلك فرح، ولورعه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، خشي أن تكون عائشة رضي الله عنها أجابت استحياء منه ما دام موجوداً، وأنه يمكن أن يتغير رأيها إذا مات؛ لأنها أخبرت بأنها قد هيأت لنفسها مكاناً تدفن فيه مع زوجها صلى الله عليه وسلم، وأبيها رضي الله تعالى عنه، وقالت: إنها تؤثره به، فخشي أن يكون هذا الإذن حياءً منه لما كان حياً، وأنه إذا مات يمكن أن يتغير رأيها، فأوصى بأنه إذا مات وحمل، يذهب به إليها، وتستأذن، فإن أذنت دفن، وإلا دفن مع المسلمين، أي معناه: أنه يدفن في المقابر التي يدفن فيها الموتى ولا يدفن في البيت وما قال: ادفنوني في بيتي، وإنما قال: ادفنوني مع المسلمين في مقابرهم.
وعلى هذا فإن قوله: [(ولا تتخذوها قبوراً)]، يصلح فيه المعنى الذي جاء ذكره هنا، من حيث أنها لا تتخذ مشبهة بالمقابر، فلا يصلى فيها، وأيضاً لا تكون مشبهة بالمقابر، بحيث ما تتخذ إلا للنوم، وهو الموتة الصغرى، وأيضاً لا تتخذ أماكن للدفن؛ لأن الدفن لا يكون في البيوت، وإنما يكون في المقابر، وما جاء من دفنه عليه الصلاة والسلام في بيته، فإن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)

قوله:
[أخبرنا العباس بن عبد العظيم].
هو العباس بن عبد العظيم العنبري البصري، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء].
هو عبد الله بن محمد بن أسماء بين عبيد الضبعي البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي].
يروي عن عمه جويرية بن أسماء؛ لأن عبد الله بن محمد بن أسماء، أبوه: محمد، وهو أخو جويرية، وأسماء والد جويرية ووالد محمد، فـعبد الله بن محمد، يروي عن عمه جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أي: فيه زيادة: ابن ماجه للذين خرجوا لابن أخيه عبد الله بن محمد، وجويرية بن أسماء، اسمه واسم أبيه، مما اتفق أن يكون من أسماء النساء، لأن جويرية من أسماء النساء، وأسماء من أسماء النساء، فهو وأبوه اتفقا أن تكون أسماؤهم من جنس أسماء النساء.
[عن الوليد بن أبي هشام].
صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن نافع].
هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].
وهو أحد العبادلة الأربعة، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هؤلاء أربعة يقال لهم: العبادلة الأربعة؛ لأنهم في سن متقارب، وهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا، وأدركهم من لم يدرك الكبار من الصحابة، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، لكن لقب العبادلة الأربعة، على هؤلاء الأربعة الصغار من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وممن يسمى عبد الله من أصحاب رسول الله غير هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله أبي بكر، كثيرون يسمون باسم عبد الله، لكن الذين أطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من الصحابة، هم هؤلاء الأربعة من أصحابه الكرام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد قيل: إن عبد الله بن مسعود هو أحد العبادلة الأربعة، لكن الصحيح أنه ليس منهم؛ لأنهم متقاربون في السن، وعاشوا في وقت واحد، وهم من صغار الصحابة، وأما ابن مسعود، فهو من المهاجرين الأولين، وهو أيضاً من المتقدمين، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، أي: في خلافة عثمان، وأما هؤلاء فقد عاشوا بعده في حدود ثلاثين سنة، أو أكثر من ثلاثين سنة، فأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، ولم يدرك كبار الصحابة، فلهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة.
وأيضاً عبد الله بن عمر، هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء سبعة، هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يرو أحد من الصحابة مثلما روى هؤلاء السبعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

يتبع

ام هُمام
04-05-2026, 09:45 PM
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:25 PM
بارك الله فيك

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:27 PM
شرح حديث: (... أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عفان بن مسلم حدثنا وهيب سمعت موسى بن عقبة سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي، حتى اجتمع إليه الناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه نائم، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنعكم؛ حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)].أورد النسائي حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام، اتخذ حجرة من حصير، يعني: تكون كالستار، يحتجزها أي: اقتطعها من المسجد، بحيث يصلي فيها، ولعل اتخاذه ذلك لضيق المكان في داخل منزله عليه الصلاة والسلام، ولما علم الصحابة رضي الله عنهم بصلاته، جاءوا، وصلوا معه، عليه الصلاة والسلام، ثم صلوا معه مرة أخرى، ثم لما رآهم تتابعوا، وأعلم بعضهم بعضاً، وكثروا لم يخرج في ليلة، وقد انتظروا خروجه عليه الصلاة والسلام، وظنوا أنه نائم، فجعل بعضهم يتنحنح، أي: ينبه الرسول صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم، فيصلي بهم كما صلى بهم في تلك الليالي السابقة، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان نائماً، ولكنه لم يخرج خشية أن يفترض عليهم قيام الليل، وكان هذا في رمضان، وهذا هو الأصل في صلاة التراويح.
لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليال في آخر الشهر، ولما رآهم تتابعوا، وكثروا، خشي أن يفرض عليهم، فترك ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من شفقته على أمته، وحرصه على دفع المشقة عنها، وأن تكلف بما فيه مشقة عليها، فخشي أن يفرض ذلك، أي: صلاة الليل أو قيام رمضان، فأخبرهم بأنه يعلم بمكانهم، وأنهم حضروا، ولكن منعه من ذلك خشية افتراضه عليهم، أي: قيام رمضان، وهذا من شفقته على أمته عليه الصلاة والسلام، وحرصه على دفع العنت والمشقة عنها.
ثم قد يقال: كيف يقول النبي: [(إني خشيت أن يفرض)]، وهو عليه الصلاة والسلام، لما عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وكانت خمسين أولاً، ثم خففت إلى خمس، وصارت خمساً في العمل وخمسين في الأجر، وقال: ما يبدل القول لدي، يعني: أنها تقف عند هذا الحد، فكيف يزاد شيئاً يفرض، وقد خففت الخمسين إلى خمس؟
والجواب عن هذا: أنه لا يختلف؛ لأن الخمس في اليوم والليلة، يعني فرضها في اليوم والليلة هذا هو الذي لا يحصل فيه زيادة؛ لأن الله تعالى خفف، لكن كونه يحصل في السنة يعني: في رمضان يفرض عليهم صلاة التراويح، وهذا لا ينافيه، كونه خفف عنهم في اليوم والليلة؛ لأن التخفيف كان عن اليوم والليلة، أما كونه يحصل لهم في شهر من السنة أن يفرض عليهم شيء، فهذا هو الذي خشيه الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم إن أبا بكر رضي الله عنه، مدة خلافته الوجيزة سنتان وأشهر، لم يجمع الناس على صلاة التراويح، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وإرجاعهم إلى حظيرة الإسلام، وإلى ما كانوا عليه في زمنه عليه الصلاة والسلام، ولما جاء عمر رضي الله عنه، أعاد للناس الصلاة التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه تركها خشية أن تفرض؛ لأن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم قد زال؛ ولأنه لا فرض بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما توفي رسول الله استقرت الشريعة، فالفرائض فرائض، والنوافل نوافل، فما هناك شيء يخشى بعد وفاته، وإنما الخشية في حياته، فما زال الوحي ينزل، وبعد وفاته زال ذلك الذي خشيه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاده عمر رضي الله عنه، وجمع الناس على صلاة التراويح؛ لأنه زال الشيء الذي من أجله ترك الصلاة بهم صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان.
قوله: [(فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)]، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، يعني: إلا المكتوبة فإنها في المسجد أفضل، بل هي واجبة في المسجد، وهذا فيه الحث على الصلوات في البيوت، وبيان أن الصلاة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد.
صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد النبوي لمن صلى فيه
ثم أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)]، وهو في مسجده عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت الصلاة في البيوت أفضل من الصلاة في مسجده، ومع أن الصلاة في مسجده بألف صلاة، فهذا يدلنا على أن الصلاة لمن صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن صلاته في بيته أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأجرها أعظم من الصلاة في مسجده، ومن صلى في مسجده فله أجر النافلة بألف نافلة، والفريضة بألف فريضة، لكن النافلة في البيت، لمن صلى في المسجد، أفضل من صلاة النافلة في مسجده صلى الله عليه وسلم، أما من لا يصلي الفرائض في مسجده عليه الصلاة والسلام، وإنما يصليها في مساجد أخرى، فلا يقال: إن صلاته في بيته، أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما أدى الفريضة في مسجده عليه الصلاة والسلام، حتى يريد أن يصلي في مسجده النوافل، وإنما تكون أفضل من صلاته في مسجده الذي صلى فيه الفريضة، لا يقال: إن من صلى في بيته في المدينة أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: النوافل، ولكن من صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمكن من أن يصلي النوافل في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه تركها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)]، فإن الصلاة في بيته أفضل من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هذا في مسجده، ومعه أناس أرادوا أن يصلوا في مسجده نافلة، خشي أن تفترض عليهم.ومن العلماء من قال: إن صلاة الليل مطلقاً في البيوت أفضل، حتى صلاة التراويح، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ترك ذلك خشية أن يفترض قال: [(صلوا في بيوتكم فإن الصلاة في البيوت أفضل)]، لكن لما أعاد عمر رضي الله عنه تلك الشعيرة؛ لأنه زال الزمن أو انتهى الزمن الذي يخشى منه فرضها، أو يخشى فيه فرضها، فإن الاجتماع لصلاة التراويح، وحضور صلاة التراويح في المساجد أفضل؛ لأنها صارت شعيرة من شعائر الإسلام، وهي إظهارها جماعة في المساجد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بهم، وترك تلك الصلاة خشية أن تفترض، ثم أرشدهم إلى أن يصلوا في البيوت؛ لأنه يخشى أن تفترض عليهم هذه الصلاة، لكن لما جمع عمر الناس على صلاة التراويح، فإن جماعة من أهل العلم قالوا: إن صلاة التراويح في المساجد أفضل من صلاتها في البيوت؛ لأن هذه شعيرة من شعائر الإسلام، أي: كونه يصلى، ويجتمع لهذه الشعيرة، ولهذه الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)

قوله:
[أخبرنا أحمد بن سليمان].
هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عفان بن مسلم].
هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، ثبت، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا وهيب].
هو وهيب بن خالد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت موسى بن عقبة المدني].
ثقة، فقيه، إمام في المغازي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا النضر].
هو سالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بسر بن سعيد].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن ثابت].
وزيد بن ثابت، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكاتب الوحي، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... عليكم بهذه الصلاة في البيوت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير حدثنا محمد بن موسى الفطري عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما صلى قام ناس يتنفلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بهذه الصلاة في البيوت)].أورد النسائي حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، ولما صلى، رآهم يتنفلون بعد الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: [(عليكم بهذه الصلاة في البيوت)]، وهذا يدل على تفضيل النوافل في البيوت على غيرها، وهو داخل تحت عموم قوله: (فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)؛ لأن هذه من جملة النوافل، والحديث عام: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل كل ما عدا الفرائض؛ لأن قوله: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل تلك وغيرها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينبههم على أن صلاتهم النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، وإلا فإن قوله: (فإن صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل جميع النوافل وتدخل فيها هذه النافلة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... عليكم بهذه الصلاة في البيوت)
قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
هو الملقب بندار، وهو بصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير].
صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا محمد بن موسى الفطري].
صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة].
ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو إسحاق بن كعب بن عجرة، وقد قال عنه الحافظ: إنه مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن أبيه كعب بن عجرة].
هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصحابي مشهور، وهو صاحب القصة المتعلقة بفدية حلق الرأس، في حق من كان محرماً إذا احتاج إلى حلق رأسه، وأنه يكون عليه فدية، فـكعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه هذا، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
والإسناد فيه إسحاق بن سعد، وهو مجهول الحال، لكن كما علمنا أنه وجدت أحاديث أخرى تدل على ما دل عليه، فهو يعتبر ثابتاً.

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:29 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(291)
كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام قيام الليل؛ فكان يصلي إحدى عشرة ركعة ثم يوتر بثلاث ركعات، وكان لا يقوم الليل كله، بل يقوم وينام.

قيام الليل
شرح حديث: (... فقام نبي الله وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام الليل.أخبرنا محمد بن بشار حدثني يحيى بن سعيد عن سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام: (أنه لقي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فسأله عن الوتر؟ فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: عائشة رضي الله تعالى عنها، ائتها فسلها، ثم ارجع إلي، فأخبرني بردها عليك، فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً فأبت فيها إلا مضياً، فأقسمت عليه فجاء معي، فدخل عليها فقالت لـحكيم: من هذا معك؟ قلت: سعد بن هشام، قالت: من هشام ؟ قلت: ابن عامر، فترحمت عليه وقالت: نعم المرء كان عامر، قال: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أليس تقرأ القرآن؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فهممت أن أقوم، فبدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام نبي الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أليس تقرأ هذه السورة: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حولاً، حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله عز وجل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان الفريضة، فهممت أن أقوم، فبدا لي وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله عز وجل لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، يجلس فيذكر الله عز وجل، ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعد ما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أحب أن يدوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم، أو مرض، أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة كاملة حتى الصباح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان، فأتيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحدثته بحديثها، فقال: صدقت، أما أني لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة. قال أبو عبد الرحمن: كذا وقع في كتابي، ولا أدري ممن الخطأ في موضع وتره عليه السلام)].
أورد النسائي: باب قيام الليل؛ وهي: صلاة الليل، وهي من النوافل التي هي غير الرواتب، أو الراتبة التي تكون بعد صلاة العشاء، هذا يقال له: قيام الليل، وأورد تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها الذي فيه: أن سعد بن هشام بن عامر، جاء إلى ابن عباس يسأله عن الوتر؟ فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، قال: عائشة، اذهب إليها.
فقوله: [ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض]، هذا فيه الدلالة على أن الإنسان إذا سئل عن شيء، وهو يعلم أن غيره يكون أعلم منه، وعنده الإجابة الشافية الكافية، فإنه يدله عليه، ويحيله إليه، ويشير بالذهاب إليه؛ لأن ابن عباس رضي الله عنه أرشد هذا الرجل إلى أن يسأل عائشة، وقال: إنها أعلم أهل الأرض؛ وذلك لأن صلاة الليل إنما تكون في البيوت وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم هم أعلم الناس بما يحصل منه، وبأفعاله التي تكون في البيوت، فذهب إلى حكيم بن أفلح، وطلب منه أن يذهب معه إليها، فامتنع وقال: [إنني كنت نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين فأبت إلا المضي]، يعني: من ذلك ما جرى من الحروب، ومن الاختلاف الذي حصل بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فامتنع، فألح عليه، وأقسم عليه أن يذهب، فذهب؛ أقسم عليه فبر بقسمه، وذهب، وإن كان لا يريد الذهاب إليها؛ للسبب الذي ذكره وأشار إليه، ولما ذهب كانت تعرف حكيماً، سألته: [من هذا الذي معك؟] لأن هذا الذي جاء يسأل، هو الذي يسأل عنه، وكأنه طلب منه أن يذهب؛ لأنه على علم أنها على معرفة به، وأنها تعرفه، أي: تعرف حكيم بن أفلح، فقال: [سعد بن هشام، قالت: ومن هشام؟ قال: ابن عامر، فترحمت على عامر وأثنت عليه]، وهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا حضر إليه أحد لا يعرفه، أنه يسأل عنه حتى يعرفه، وحتى يكون هناك تعارف، وحتى لا يكون جاء، ويسأل، ويذهب وهو لا يعرف، وإنما سألت عنه: [من هذا الذي معك؟ فأخبرها بأنه سعد بن هشام]، وهذا فيه دليل على أن مثل ذلك سائغ، وأنه هو الذي ينبغي، ومثل هذا ما جاء في حديث جابر الطويل في قصة حجة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث في إسناده أن محمد بن علي بن الحسين جاء ومعه أربعة أشخاص إلى جابر وقد عمي وكبر، فجاءوا وجلسوا إليه، وأرادوا أن يسألوه، فسأل عن أسمائهم واحداً واحداً، وهم خمسة، حتى عرف أن فيهم محمد بن علي بن الحسين، فقربه إليه؛ لأنه يريد أن يحدثه، ففتح أزارره ووضع يده على صدره، وجعل يحدثهم بالحديث الطويل حديث جابر.
فمحل الشاهد من إيراد ذلك: أنه شبيه بالذي حصل من عائشة؛ من سؤالها عن الرجل الذي لا تعرفه، وأنه ينبغي للإنسان عندما يأتي إليه أحد فإنه يسأل عنه؛ حتى يكون على علم، وحتى يعرف، وحتى في المستقبل لا يحتاج إلى أن يسأل عنه، كما كان حكيم بن أفلح معروفاً عندها، فلم تحتج إلى السؤال عنه، فيكون هذا الشخص عندما يأتي مرة أخرى لا تحتاج إلى السؤال عنه، ولو جاء وذهب وهي لا تعرف اسمه بقي مجهولاً عندها.
فسألوها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: [أليس تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلقه القرآن] ومعنى خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام: أنه يطبق ما جاء في القرآن من الأخلاق، والأعمال، والنهي والأمر فيتأدب بآداب القرآن، ويتخلق بالأخلاق التي جاءت في القرآن، ويمتثل الأوامر التي جاءت في القرآن، وينتهي عن النواهي التي جاءت في القرآن، فكان خلقه القرآن.
ومن الأمثلة التي توضح هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل عليه: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[النصر:1-3]، قالت: (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، بعد أن أنزلت عليه هذه السورة، إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن)، يعني: ينفذ القرآن؛ لقوله: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[النصر:3]، ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تنفيذاً لقوله: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[النصر:3]، فكان عليه الصلاة والسلام يطبق ما أُمر به من التسبيح، والاستغفار بقوله في الركوع والسجود: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي.
قوله: [يتأول القرآن]، أي: يطبقه وينفذه؛ لأن التأويل هو ما يؤول إليه الشيء؛ لأن التأويل يأتي بمعنى التفسير، ويأتي بما يؤول إليه الأمر من الحقيقة، ويأتي بمعنى التأويل الذي هو معروف، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنىً بعيد عن ظاهره، والذي هو تأويل المتأولين الذين يصرفون النصوص عما تدل عليه، إلى معاني بعيدة لا تدل عليها، فقوله: [يتأول القرآن]، أي: ينفذ القرآن.
فهذا مثال من أمثلة ما جاء في هذا الحديث أن خلقه القرآن، أي: يمتثل ما جاء في القرآن فعلاً وتركاً، ويتخلق بأخلاق القرآن، ويتأدب بآداب القرآن، فكان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام، وقد وصفه الله عز وجل في القرآن بأنه على خلق عظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل وصلاته الوتر

قوله: [فهممت أن أقوم، فبدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم]، فسألها عن قيام رسول الله عليه الصلاة والسلام؟فقالت: [أليس تقرأ هذه السورة: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifيَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[المزمل:1]؟ إن الله عز وجل أنزل على رسوله أول هذه السورة، فكان يقوم، وكذلك أصحابه يقومون سنة، حتى تورمت أقدامهم، ثم إن الله عز وجل خفف عنهم فأنزل آخر السورة التي فيها التخفيف]، والتي فيها بيان أن قيام الليل صار تطوعاً بعد أن كان فريضة، فخفف الله تعالى عن نبيه عليه الصلاة والسلام، وصار تطوعاً وفريضة، وكان عليه الصلاة والسلام يقوم الليل وهو تطوع، ولهذا لما قالت له عائشة وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه: ( كيف تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً )، يعني: فمن شكر الله عز وجل على أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أنه كان يتقرب إليه بالعبادة، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه؛ فلأنه يحب أن يكون عبداً شكوراً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فصار قيام الليل أولاً فرضاً عليه صلى الله عليه وسلم، ثم إنه كان تطوعاً في حقه، وفي حق أمته، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
قال: [فهممت أن أقوم فبدا لي وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم]، وهذا هو الذي كان سأل به ابن عباس أولاً عنه، وأرسله إلى عائشة للسؤال عنه، وقال: إنها أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها صاحبة البيت، وصلاة الليل إنما تكون في البيت، والوتر إنما يكون في البيت، فهي أعلم، وأدرى من غيرها.
قال: [قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله عز وجل لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي ثمان ركعات].
قوله: [يا أم المؤمنين]، هذا من الأدب، والتأدب مع أمهات المؤمنين، بحيث يخاطبونهن بهذا الوصف الذي وصفهن الله تعالى به، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الأحزاب:6]، فهن أمهات المؤمنين، فكانوا يخاطبونها: يا أم المؤمنين، أو يقول بعضهم: يا أماه؛ لأنه من المؤمنين وهي أمه، فمنهم من يقول: يا أماه، ومنهم من يقول: يا أم المؤمنين، وهذا من الأدب مع زوجات رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كان يخاطبونهن بقولهم: يا أم المؤمنين.
ثم أيضاً هي في جوابها كانت تقول: يا بني! وهذه أيضاً من العبارات التي يقولها الكبير للصغير، بحيث يقوله له: يا بني، وهذا فيه عطف، ورفق، وإحسان، وأسلوب حسن يبعث في نفس الصغير الفرح والسرور، فكانت تقول له كما جاء في الحديث: يا بني، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول لـأنس: يا بني.
وكان صغار الصحابة يقولون لكبارهم: يا عم، وإن كان ليس من قرابته، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوم بدر، أنه قال: (فنظرت فإذا عن يميني وشمالي شابان صغيران، فالتفت إليه أحدهما وقال: يا عم، أتعرف أبا جهل ؟ قال: وماذا تريد منه؟ قال: إنه كان يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن رأيته لن يفارق سوادي سواده حتى يموت الأقرب منا أجلاً). يعني: إما أنا وإلا هو، فالتفت إلى الثاني وقال له: يا عم، وسأله نفس السؤال، شابان صغيران هما من الأنصار وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين، وكل واحد منهما يقول له: يا عم، فهذا فيه دليل على أن الصغير يخاطب الكبير بقوله: يا عم، وإن لم يكن ليس من قبيلته، وليس من قرابته؛ لأن هؤلاء من الأنصار، وعبد الرحمن من المهاجرين وكانا يقولان له: يا عم، فمثل هذه من الآداب والأخلاق التي تكون في التخاطب؛ الكبير يقول: يا بني، والصغير يقول: يا عم، وكذلك كانوا يخاطبون أمهات المؤمنين بقولهم: يا أم المؤمنين، أو يا أماه.
قالت: [كنا نعد له سواكه وطهوره]، الطهور: هو الماء الذي يتطهر به، أي: يتوضأ به، وهي من الألفاظ التي يفرق بين فتح أولها وضمه، بالفاء وبالعين، يعني: الطهور بالفتح: يراد به الماء الذي يتوضأ به، والطهور بالضم: المراد به الوضوء الذي هو الفعل، أي: الحركة التي هي أخذه وغسل الوجه، هذا يقال له: طُهور، ما يقال له: طَهور، وأما الماء الذي يتوضَأ به يقال له: طَهور، كما يقال: وَضوء ووُضوء. ومثله: سَحور وسحور؛ السَّحور هو الطعام الذي يقدم ليؤكل آخر الليل لمن يريد أن يصوم، والسُّحور هو الأكل، أي: كون الإنسان يأخذ ويتناول، هذا يقال له: سحور بالضم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-05-2026, 10:32 PM
ومثله: الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في فم المريض؛ يقال له: وَجور، والوضع بالفعل يقال له: وُجور.
وكذلك الصَّعوط والصُّعوط الذي يوضع في الأنف، يعني يقال له: صَعود نفس المسحوق أو الشيء الذي يوضع في الأنف، يقال له: صَعوط، ونفس الوضع يقال له: صُعوط، فالطَّهور والطُّهور، والسَّحور والسُّحور، والوَضوء والوُضوء، والوَجور والوُجور، والصَّعوط والصُّعوط، كلها من الألفاظ التي يفرق بين فتح أوله وضمه، فما كان مفتوحاً يراد به العين أو الشيء الذي يستعمل، يعني كما هنا الطَّهور هو الماء؛ يعدون له ماء يتوضأ به إذا قام، وسواكه حتى يتسوك ويستاك عند وضوئه، وعند قيامه من الليل عليه الصلاة والسلام.
قالت: [فيبعثه الله عز وجل لما شاء من الليل]، يعني: يقيمه من النوم، يقال له: بعث هنا؛ لأن النوم أخو الموت، والله عز وجل يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الزمر:42]، يعني: يبعثه مثلما يبعث الأموات، فالموت الذي هو الخروج من هذه الحياة بالبعث، والنشور، كذلك عندما يوقظ الله الإنسان ويجعله يستيقظ يقال له: بعث؛ لأنه مثل ذلك البعث؛ لأن هذا انتهاء تلك النومة أو هذه الموتة، وذاك انتهاء ذلك الموت بخروجه، فأطلق عليه بعث؛ لأنه بعث من نوم، فيبعث الناس من قبورهم فيحيون، بعد أن كانوا أمواتاً، فيحيون عند النفخ في الصور النفخة الثانية، وهنا إذا شاء الله عز وجل أن يبعثه بعثه.
ومنه ما جاء في حديث علي رضي الله عنه لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علي، وفاطمة وقال: (ألا تقومان فتصليان؟ فقالا: إنما أنفسنا بيد الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا)، يعني: أنهم ينامون، والله إذا شاء أن يبعثهم من نومهم.. (فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب وهو يضرب يده على فخذه ويقول: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54]).
قالت: [فيتسوك ويتوضأ ويصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، يجلس فيذكر الله عز وجل ويدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، ثم يصلي ركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني].
ذكرت له وتر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ثمان لا يجلس إلا في آخرها، فيجلس ويذكر الله عز وجل، ويسلم تسليماً يسمعهم إياه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يقوم ويأتي بركعة، فتلك إحدى عشرة ركعة، فهذا هو وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: صلاته في الليل، والتي آخرها ركعة واحدة توتر تلك الركعات.
وقد قال النسائي في آخر الحديث: [ولا أدري ممن الخطأ في بيان موضع وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم]، ومقصوده هذه الجملة؛ لأن الذي جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام يصلي ثماني ركعات، كما جاء في بعض الروايات، ثم يجلس يذكر الله عز وجل، ثم يقوم ولا يسلم، ثم يأتي بركعة، ثم يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، فهذه إحدى عشر ركعة؛ تسع كانت متصلة، وهو قائم فيها، وركعتين وهو جالس، فالخطأ الذي أشار إليه كون الركعتين التي صلاهما وهو جالس، كانتا قبل الوتر، وإنما المحفوظ والمعروف أنهما بعد الوتر.

وتر النبي عندما كبر في السن أو أصابه طارئ منعه منه
قالت: [فلما أسن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني].يعني: أنه لما أسن، وتقدمت به السن عليه الصلاة والسلام، صلى سبعاً، أي: وتراً، ثم صلى ركعتين وهو جالس، وهذا ليس فيه خطأ؛ لأن الركعتين وهو جالس جاءت بعد الوتر، وإنما الخطأ في الجملة التي تقدمت؛ وهي أن الركعتين التي صلاهما وهو جالس قبل أن يأتي بركعة الوتر، وهذا أقل ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام؛ أنه أوتر بسبع، هذا أقل شيء حصل منه، وأكثر شيء جاء عنه أنه صلى ثلاث عشرة ركعة.
قوله: [وكان عليه الصلاة والسلام إذا صلى صلاة أحب أن يدوم عليها]، يعني: أنه يداوم على الصلاة التي يصليها، فكان يصلي إحدى عشرة ركعة، ولكنه لما كبر صلى سبعاً، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يداوم على الشيء، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل).
وقول عائشة رضي الله عنها: [وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا شغله عن قيام الليل نوم أو مرض أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة]، هذا يدلنا على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يداوم على صلاة الليل، ويداوم على قيام الليل، وأنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وكان يداوم على ذلك، وكان من هديه أنه إذا عمل عملاً داوم عليه عليه الصلاة والسلام، وإذا شغله شاغل عن قيام الليل من نوم أو وجع أو مرض، فإنه يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة؛ قضاءً، أي: يقضي الإحدى عشرة ركعة، ولكنه لا يصليها إحدى عشرة كما كانت، فيصلي الوتر في النهار، وإنما يصلي مقدار تلك الركعات وزيادة ركعة، حتى يكون أتى بالمطلوب وزيادة، وحتى لا يكون أتى بالوتر في النهار.
وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا نسي وتره، أو نام عن وتره، أو شغله شاغل عن وتره، ولم يذكره حتى طلع الفجر، فإنه يقضيه في النهار ويزيد إليه ركعة، فإن كان من عادته أنه يصلي ثلاث ركعات، فإنه يصلي أربعاً، وإن كان من عادته أن يصلي خمس ركعات، فيصلي ستاً، وإن كان من عادته أن يصلي سبعاً، فيصلي ثمان ركعات في النهار، وإن كان من عادته أن يصلي تسعاً، فيصلي عشراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من عادته أنه يصلي إحدى عشرة ركعة، فكان يصلي اثنتا عشرة ركعة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهذا يدلنا على أن الراتبة الفائتة تقضى إذا فاتت؛ لأن قضاءها فيه ملازمة لها، بخلاف ما لو فاتت وتركها ولم يقضها، فإنه قد يجر إلى تساهل، لكن إذا فاتته يقضيها، ومعناه: أنه مداوم عليها، وملازم لها، ولو فاتته ما يتخلى عنها، بل يقضيها.
ومثل ذلك الرواتب التي قبل الصلوات وبعد الصلوات، إذا حرص على أدائها في وقتها، وإذا فاتته أو انشغل عنها، فإنه يقضيها، لا شك أن هذا هو الأولى، وهو الأكمل، وليس بلازم، لكن هذا هو الأولى وهو الأفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقضي صلاة الليل إذا فاتته، أو إذا شغل عنها؛ بأن يصلي من النهار اثنتا عشرة ركعة، وكان عليه الصلاة والسلام شغل عن ركعتي الظهر اللتين بعد الظهر فقضاها بعد العصر، وكان يداوم على ذلك، ولكنه لما سئل: هل نقضيهما إذا فاتتنا؟ يعني بعد العصر. قال عليه الصلاة والسلام: لا. فدل هذا على أن هذا من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
كيفية عبادة النبي صلى الله عليه وسلم
قوله: [ولا أعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة] يعني: إنما كان عليه الصلاة والسلام ينام ويقوم، ولا يكون ليله كله قيام، وليس كله نوم، بل قيام ونوم، كان يقوم وينام، فلا يصلي الليل كله، ولا يترك الصلاة مطلقاً، بل يصلي وينام، وهذا هديه عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما بلغه أن جماعة من أصحابه واحد منهم قال: أنا أصوم الدهر أبداً، وواحد قال: أنا أقوم الليل، وواحد قال: لا أتزوج النساء، فبلغه ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه بلغني كذا وكذا، أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فكان عليه الصلاة والسلام يحصل منه العمل والاستراحة، ولم يكن يصلي الليل كله، ولا يصوم باستمرار ويواصل الصيام، وإنما كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، ويتزوج النساء، هذا هديه عليه الصلاة والسلام، فكان لا يقرأ القرآن في ليلة عليه الصلاة والسلام.قوله: [ولا قام ليلة كاملة حتى الصباح]، يعني: أنه يحصل منه صلاة، ويحصل منه نوم، فليس كل ليله صلاة، وليس كل ليله نوم، بل ليس كل ليله صلاة، وليس كل نهاره صوم، بل يصلي وينام، ويصوم ويفطر عليه الصلاة والسلام، فما قام ليلة حتى الصباح؛ يعني: أنه يصلي وينام، يجمع بين هذا وهذا.
قوله: [وما صام شهراً كاملاً إلا رمضان]، يعني: أنه ما كان يصوم شهراً كاملاً إلا رمضان، وكان أكثر ما كان يصوم في شعبان، وكذلك في المحرم، فأكثر صومه في ذلك، ولكن لم يكن يصوم الشهر كله، بل جاء عنه أو عن بعض الصحابة: ( أنه كان يصوم حتى يقولون: لا يفطر، ويفطر حتى يقولون: لا يصوم )، فمعناه أنه أحياناً يكثر الصيام من الشهر، وأحياناً يقل الصيام من الشهر، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقت، أما أني لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة].
إن ابن عباس لما سأله سعد بن هشام، ودله على عائشة، طلب منه أن يعود إليه ويخبره بجوابها له، ولما رجع إليه وأخبره وقص عليه الحديث الذي سمعه منها، قال: [صدقت، ولو كنت أدخل عليها لذهبت إليها وسمعته منها مشافهة]؛ ولعل كونه لا يدخل عليها، لكونه حصل بينه وبينها شيء، يعني: أغضبها عليه، وإلا فإن سعد بن هشام الذي ذهب إليها، وسمع منها مشافهة، مثله ابن عباس لو لم يكن هناك شيء يحول بينه وبين الذهاب إليها، ولعله صار في نفسها عليه شيء لأمر أغضبها عليه، فكان لا يذهب إليها لسبب ذلك، ويحصل أحياناً من بعض الصحابة أن يحصل بعض الكلمات التي تجعل البعض يتألم منها، وأذكر من الأمثلة: أن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه، كانت عائشة رضي الله عنها تنفق كثيراً، ولا يبقى في يدها شيء، فقال كلمة آلمتها وغضبت عليه، ومنعته من أن يأتي إليها، قال عنها: تستحق أن يحجر عليها، فغضبت عليه غضباً شديداً، كونه يقول هذه الكلمة، فيمكن أن يكون ابن عباس حصل بينه وبينها شيء مثل هذا الكلام، أو ما إلى ذلك، فصار لا يذهب إليها، ولكن مع وجود ما يحصل بينهم من الشيء الذي قد يمنع من الذهاب في بعض الأحيان، ما كانوا يتقاطعون أو في قلوبهم شيء، بل ابن عباس لما جاءه سعد دله عليها، وقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض؟ أم المؤمنين عائشة، اذهب إليها، ثم طلب منه أن يعود ويخبره بالحديث الذي تحدثه به، رضي الله تعالى عن عائشة، وعن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
أما قول أبي عبد الرحمن: (لا أدري ممن الخطأ في موضع وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فإنه سبقت الإشارة إليه عند بيان أو عند ذكر قيامه الليل، وأنه لما ذكرت له الحديث، قالت: (إنه يقوم ثمان ركعات لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ثم يجلس يذكر الله تعالى ويثني عليه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا إياه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يسلم، ثم يقوم ويأتي بركعة)، هذا الذي جاء عند النسائي، وعند مسلم بيان الوتر أنه قبل الركعتين التي وهو جالس، يعني نفس الحديث موجود عند مسلم، إلا أن فيه بيان موضع الوتر، وأنه قبل الركعتين؛ الركعتين كانت في الآخر وليست في الأول. فإذاً: موضع الوتر هل هو قبل الركعتين وهو جالس أو بعدها؟ عند النسائي جاء أن الركعتين قبل، والوتر جاء بعدها، وعند مسلم أنه أتى بالوتر ثم أتى بالركعتين وهو جالس.
قال النسائي: وجدت في كتابي هكذا، يعني: أن الركعتين وهو جالس كانتا قبل ركعة الوتر التي هي الأخيرة، وفي بعض الأحاديث: أنه كان بعدها، وهذا هو المحفوظ والمشهور، فقال: إن هذا خطأ، والموجود ما أدري ممن الخطأ؟ يعني من أي الرواة حصل الخطأ في بيان موضع وتره؟ هل هو قبل الركعتين وهو جالس أو بعده؟ لأنه هنا الخطأ في كون الركعتين قبل الوتر، ولهذا فيما يتعلق بالسبع الركعات صار الوتر قبلها، يعني عند النسائي نفسه في الحديث هذا: أن الركعتين وهو جالس كانتا بعد الركعة التي هي الوتر، صلى سبعاً، ثم صلى بعدها ركعتين وهو جالس، يعني صلى الوتر ثم أتى بالركعتين وهو جالس، فـالنسائي رحمه الله تعالى قال: وجدت في كتابي هكذا، ولا أدري ممن الخطأ في بيان موضع وتره عليه الصلاة والسلام؟ التي هي في الركعة الأخيرة.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فقام نبي الله وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثني يحيى بن سعيد].
هو القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زرارة].
هو زرارة بن أوفى، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ: إنه مات فجأة في الصلاة، وقد ذكر ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifفَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[المدثر:8-9]، قال: إن زرارة بن أوفى وكان أميراً كان يصلي بالناس الفجر، فقرأ المدثر، ولما جاء عند هذه الآية بكى وشهق ثم وقع ثم مات. يعني: مات وهو يصلي بالناس وهو يقرأ سورة المدثر.
[عن سعد بن هشام].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاسيما الأمور التي تتعلق بالبيوت، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو سعيد الخدري، وأم المؤمنين عائشة، وقد جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:
والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر
وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
فالبحر هو ابن عباس، وزوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 08:11 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(292)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً - باب قيام شهر رمضان


من حكمة الله عز وجل أنه فضل بعض العبادات في أزمنة وأوقات معينة، ومن ذلك قيام الليل، فمع أنه مستحب طوال أيام السنة؛ إلا أن لقيام رمضان مزية خاصة؛ إذ من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وقد أمّ النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد في بعض أيام العشر الأواخر ثم ترك خشية أن يفرض ذلك على الأمة، وهذا من رحمته بأمته صلى الله عليه وسلم.

ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً
شرح حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من قام رمضان إيماناً واحتساباً.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ثواب من قام رمضان، والمقصود من هذه الترجمة: بيان الأجر، أو المثوبة التي يثيب الله بها من يقوم رمضان إيماناً واحتساباً، وقد جاء في الحديث أن هذا الثواب هو مغفرة ما تقدم من ذنبه، يعني: ثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.
وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فثوابه أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، وذكر هنا (قيام رمضان) ففيه ثواب من قام رمضان في قيام الليل؛ لأن قيام الليل يكون مطلقاً في جميع أيام السنة، الصلاة في رمضان وفي غير رمضان كلها يقال لها: قيام ليل، لكن هذا يتعلق بقيام رمضان، ليس في قيام السنة كلها، وإنما الحديث يتعلق بقيام رمضان، وهو جزء من السنة، ولكن فيه ثواب خاص، وأجر خاص، وهو أن (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وهذا حديث أبي هريرة: (من قام رمضان)، لكن هذا القيام يكون مشتمل على أمرين: أن يكون إيماناً، وأن يكون احتساباً، يعني: إيماناً، تصديقاً، اعترافاً، أو إيماناً بأنه من خير الأعمال، وأنه أفضل الأعمال وليس فرضاً، ولكنه من أعظم القربات عند الله عز وجل، ومن خير القربات عند الله سبحانه وتعالى، وتصديقاً بوعد الله، واحتساباً، أي: ابتغاء وجه الله، أي: ما كان دفعه إلى ذلك رياء، وإنما يريد الثواب من الله وحده، ويريد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فالقيام الذي هذا ثوابه أن يكون مقيداً بهذين القيدين: أن يكون إيماناً، يقومه إيماناً واحتساباً، وثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)
قوله:
[أخبرنا قتيبة عن مالك].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو معمَّر من المعمرين، ولهذا أدرك مالكاً وروى عنه، ومالك توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وقتيبة توفي سنة مائتين وأربعين وعمره تسعون سنة، أي: أنه لما توفي مالك عمره تسع وعشرون سنة، وقد عاش بعد مالك مدة طويلة، حيث كانت وفاته سنة مائتين وأربعين، ولهذا أدرك المتقدمين، وهذا هو السبب الذي يجعل بعض الرواة يكون من طبقة، ثم يدرك أكثر من طبقة، الطبقات الاثني عشر التي ذكرها ابن حجر، يعني أحياناً يعني يكون الشخص قد عُمِّر، فيكون أدرك عدة طبقات، مثل الأحاديث الثلاثية التي عند البخاري، ثلاثة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الطبقات تكون اثنا عشر، لكن تتداخل بسبب كون الإنسان يصير معمَّر، فيدرك من لم يدرك غيره، فيكون مثلاً شخص في الطبقة العاشرة يروي عن شخص في الطبقة السابعة، أو في الطبقة الثامنة، فيكون فيه طبقتين أو ثلاث، أي راحت بسبب طول العمر الذي حصل للراوي، فـقتيبة روى عن أبي الأحوص سلام بن سليم، وقد توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وعن مالك، وقد توفي أيضاً سنة مائة وتسع وسبعين، فـقتيبة أدرك المتقدمين؛ لأنه قد عُمِّر.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وقد ذكرت مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة: أن معنى كون أنه وجد أربعة مذاهب من مذاهب أهل السنة، لا يعني أنه لا يوجد أئمة لهم أقوال، ولهم اجتهادات سوى هؤلاء، بل غيرهم كثير قبلهم وفي زمنهم وبعدهم وقبلهم، فقبلهم من التابعين الذين عرفوا بالفقه، وفيهم الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وكذلك في زمانهم، مثل: الليث بن سعد، ومثل: الأوزاعي، ومثل: الثوري، كل هؤلاء أناس عرفوا بالفقه والاجتهاد، لكن هؤلاء الأربعة صار لهم أتباع عنوا بفقههم، بتنظيمه وجمعه وترتيبه، والتأليف فيه، وشرحه وما إلى ذلك، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة، وإلا فإنه لا يعني أن غيرهم ليس كذلك، بل فيه علماء مثلهم في زمانهم وقبل زمانهم، وبعيد زمانهم مجتهدون.
من المعلوم أن كل واحد من الأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة المسلمين، يحترمون ويقدرون، ويثنى عليهم، ويترحم عليهم، ويدعى لهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن الأخذ به متعين، وفي الأخذ به أخذ بوصاياهم؛ لأن كل واحد منهم أوصى بأنه إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف قوله، فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا فيه اتباع للدليل، وفيه أخذ بوصاياهم هم أنفسهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، حيث أوصى كلاً منهم، بأنه يصار إلى الدليل، وقد نقل الشافعي رحمة الله عليه، الإجماع فقال: (أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان)، فالإجماع على أن السنة تقدم على كل شيء، إذا ثبتت فيتعين الأخذ بها، ولا يقدم عليها قول أحد كائناً من كان.
فالإنسان يكون فيهم معتدلاً، لا يغلو ولا يجفو، لا يغلو يقول: أن أقوالهم هي الصواب، أو قول واحد منهم هو الصواب، ومذهبه هو المذهب الحق، وقوله هو المقدم على غيره، ولا يجفى بأن يقال: لا نرجع إلى فقههم، ولا إلى كلامهم، ولا إلى ما كتب عنهم، كلا هذين الطرفين مذمومان: الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، والحق هو الاعتدال والتوسط، فيثنى عليهم، ويحترمون ويقدرون، ويرجع إلى كلامهم ويستفاد من علمهم، لكن إذا وجد الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الأخذ به هو المتعين، وقد ضرب لذلك ابن القيم رحمه الله مثلاً، في آخر كتاب الروح، فقال بعد أن ذكر إنه يثنى عليهم، ويستفاد من علمهم، ويرجع إلى كلامهم، قال: لكن إذا وجد الدليل فإنه يصار إليه، وقال: مثلهم مثل النجم، فإن الإنسان يهتدي به إلى القبلة، حيث لا يكون عارفاً بالقبلة، لكنه إذا وصل إلى القبلة وصار تحت الكعبة، فإنه لا يبحث عن الكعبة عن طريق النجوم؛ لأن الكعبة أمامه، فكذلك الإنسان إذا ما ظهر له الدليل، وما عرف الدليل، يرجع إلى كلام الفقهاء، وإلى كلام العلماء، لكن إذا وقف على الدليل، ليس لأحد قول مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول: إنهم مثل النجوم يهتدى بهم إلى القبلة، حيث لا يعرف الإنسان القبلة ولا جهة القبلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وصارت الكعبة أمامه، لا يحتاج أن يبحث في السماء عن القبلة، القبلة أمامه، فكذلك عندما يشكل الحق في المسألة يبحث، يرجع إلى كلام الفقهاء، ويعرض مآخذهم، وأدلتهم، وتعليلاتهم، واستنباطاتهم، وما عندهم من الأدلة، فإذا وجد الدليل فإنه يصير إليه.
والإمام مالك رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ينسب إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة بن كلاب، مشهور بنسبتين: بنسبته إلى زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، وإلى جده شهاب الذي هو جد جده، فيقال له: ابن شهاب، وهو ثقة، إمام، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد بن عبد الرحمن].
هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
رضي الله تعالى عنه، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق، أكثر أصحابه حديثاً عنه عليه الصلاة والسلام.
حديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن مالك قال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)].أورد حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى اللفظ السابق أو بمثل اللفظ السابق، (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهو مشتمل على ما ترجم له المصنف، مثل الذي قبله تماماً، المتن واحد، ولكن السياق والطريق يختلف.
قوله:
[أخبرنا محمد بن إسماعيل أبو بكر].
هو الطبراني، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء].
هو ابن عبيد الضبعي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا جويرية بن أسماء الضبعي].
صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وذكرت في درس مضى: أن جويرية بن أسماء اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء؛ لأن جويرية من أسماء النساء، وأسماء من أسماء النساء، وهذا اسمه واسم أبيه متفق مع أسماء النساء، جويرية بن أسماء.
[عن مالك قال الزهري].
وقد مر ذكرهما.
[أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهم إلا أبا سلمة، فإن أبا سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.


قيام شهر رمضان
شرح حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام شهر رمضان.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت إن يفرض عليكم، وذلك في رمضان)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قيام رمضان، أي: مشروعيته واستحبابه، وقد أورد النسائي فيه حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة في رمضان، فجاء أناس وصلوا معه، ثم في الليلة الثانية والثالثة، ثم بقي في بيته بعد ذلك ولم يخرج، وكانوا ينتظرونه، وقد مر في بعض الروايات من حديث عائشة: أن بعضهم كان يتنحنح، يعني: يريدون أن ينبهوه إذا كان نائماً؛ حتى يخرج فيصلي بهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم وقال: (إنني علمت مكانكم، ولم يمنعني إلا أنني خشيت أن يفترض عليكم، وذلك في رمضان)، بين لهم أن هذا إنما حصل في رمضان، فخشي أن يفترض عليهم قيام رمضان.
والحديث قد مر فيما مضى، قلنا فيه: أن صلاة التراويح إنها سنة، وأنها تشرع جماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكنه خشي أن تفترض فتركها، ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب زمن التشريع، ولم يكن هناك فرض وإيجاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشريعة استقرت بوفاته عليه الصلاة والسلام، والمحذور الذي كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم زال بوفاته، وفي زمن عمر رضي الله عنه، جمع الناس على صلاة التراويح، فدل هذا على أن صلاة التراويح سنة، وأنها مستحبة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلها أياماً، ولكنه تركها خشية أن تفترض على أمته، وهذا من شفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
يتبع

ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 08:13 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ...)
قوله:
[أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب].
وقد مر ذكرهم.
[عن عروة].
هو ابن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة المعروفين في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها.
شرح حديث: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه، قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة، ثم لم يصل بنا، ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر، فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور)].أورد النسائي حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما بقي سبع من الشهر قام وصلى)، وصلى الناس بصلاته، ثم لم يصل في الليلة السادسة الباقية، أو في الليلة السادسة، أي: السادسة من ما بقي، (ثم صلى في الليلة الخامسة)، ثم لم يقم بعدها بليلة، ثم عندما بقي الليلة الرابعة، قام وصلى بهم (وجمع أهله ونساءه حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح) وهو السحور، يعني: معناه أنه يطيل إلى الفجر وأنهم ما يتسحرون، فقال يعني: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: قال أبو ذر: فقلت: (لو نفلتنا بقية ليلتنا)، يعني: لو أنك أكملت الليلة بنا مصلياً، فقال عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه الذي تريدونه هو حاصل، الذي تريدونه من الأجر هو حاصل بأنكم قمتم معي حتى انصرفت، (ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، وهذا يدل على أن الإنسان عندما يصلي التراويح في رمضان، فإنه يستمر مع الإمام حتى ينتهي من صلاته، مهما صلى من الركعات، إن كان يصلي إحدى عشر، يستمر معه حتى يصلي إحدى عشر، وإن كان يصلي إحدى وعشرين، يستمر معه حتى يصلي إحدى وعشرين، وإن كان يصلي ثلاثين، يستمر معه حتى يصلي ثلاثين؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، يعني: معناه أن هذا الأجر يحصل لمن استمر مع الإمام حتى انصرافه، والمراد بانصراف الإمام: انتهاء الصلاة التي جمع الناس لها، أو التي فيها التجميع.
وبعض الناس يفهم خطأ، فيما إذا كان هناك إمامان يتناوبان، واحد يصلي مقدار من الركعات، واحد يصلي خمس، والثاني يصلي خمس فيصلي مع الإمام الأول الخمس، ثم يقول: إنه قام مع الإمام حتى انصرف، الإمام الأول ما انصرف، وإنما تحول من كونه إمام، إلى كونه مأموم، وهو باق في الصف، لكن يعقبه أحد في القراءة يعني وينوب عنه بحيث يصلي بقية الصلوات ويقرأ مكانه، فلا يقال: إن الإمام انصرف، وإنما المقصود بالانصراف هو انصراف الناس، وانتهاء الصلاة التي يصلونها، هذا هو الانصراف، ما هو انصراف إمام كان يصلي ثم تأخر، وصار واحد يعقبه.
الحاصل: أن قيام رمضان، وكذلك قيام الليل مطلقاً، ليس فيه حد محدود ثابت لا يتغير ولا يتبدل، الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يزيد على إحدى عشر، لكنه ما منع الزيادة على إحدى عشر، وقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، معناه الأمر في ذلك واسع، لكن لا شك أن الأولى هو الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا ما فعل الأولى، وصلي صلاة يعني سائغة جائزة في التراويح، وهي أكثر من إحدى عشر، فإن الذي ينبغي للإنسان أن يستمر مع الإمام حتى ينصرف، ولو كان أنه يرى أن الأفضل هو إحدى عشر، حتى يحصل هذا الأجر الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة).
تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر: (صمنا مع رسول الله في رمضان فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل الأول)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو أبو قدامة السرخسي، وهو ثقة، مأمون سني، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، مأمون، سني. وقال: سني لأنه أظهر السنة في بلده، أظهر السنة ونشرها في بلده فقيل له: سني لهذا، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا محمد بن فضيل].
هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو صدوق رمي بالتشيع، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، رمي بالتشيع، لكن نقل الحافظ ابن حجر عنه في ترجمته في مقدمة الفتح، نقل عن بعض العلماء بإسناده إليه، أنه قال كلمة تدل على سلامته من ما نسب إليه، وأنه على طريقة أهل السنة، وليس على طريقة الرافضة أو الشيعة، وذلك أنه قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. وهذا كلام لا يقوله من خذل بأن يترحم على عثمان، بل هذا شأن أهل السنة، وأهل الإنصاف، وأهل التوفيق، أنهم يترحمون على خيار الأمة، وعلى سادات الأئمة، وعلى أئمة الأئمة، الخلفاء الراشدون الهادون المهديون الذين هم أفضل هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وخير الأمم، فكونه يترحم على عثمان، ويدعو على من لا يترحم على عثمان، بأن لا يرحمه الله.. رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه، يدعو له، ويدعو على من لا يدعو له، هذا من أهل السنة.
فإذاً: ما نسب إليه من التشيع لا يضره، وقد يكون ذلك التشيع الذي نسب إليه من قبيل ما لا يضر، مثل تقديم علي على عثمان في الفضل وليس في الخلافة؛ لأن تقديم علي على عثمان في الفضل، هذه من المسائل التي لا يبدع من يقول بها، وإنما الذي يبدع من يقول بها: أنه أولى منه بالخلافة؛ لأن الصحابة اتفقوا على تقديم عثمان على علي، فمن رأى أنه أولى منه فقد اعترض على فعل الصحابة، وخالف طريقة الصحابة.
أما مسألة الفضل، وكون علي أفضل، فهذا قول قال به بعض أهل السنة، وإن كان جمهور أهل السنة على خلافه، بل جمهور أهل السنة على أن تقديمهم في الفضل كتقديمهم في الخلافة، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يفضلونه ويخيرونه، حيث يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وينصون على أن عثمان هو الثالث في الفضل، كانوا يخيرون فيقولون: فلان خير ثم فلان ثم فلان ثم فلان، فأهل السنة والمشهور عند أهل السنة أن عثمان أفضل من علي، لكن بعض أهل السنة مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير يعني يقولون بتفضيل علي على عثمان، ومثل: هذا لا يضر صاحبه، ولا يبدع صاحبه؛ لأنه وإن كان أفضل منه على قول هؤلاء، فإنهم لا يقولون بأنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل على رأي هؤلاء، يعني ليس معناه أنه إذا قدم مفضول على فاضل، معناه أنه يصير أولى منه، وأنه يعني يعترض على الصحابة، لا، ما يعترضون على الصحابة، ولا يقولون: بأنه أولى منه بالخلافة هؤلاء، وإنما يقولون: أفضل منه، لكن قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأن الولاية يعني يولى فيها من يكون أصلح، ولا يلزم أن يولى من يكون خير، ومن يكون أفضل في العبادة، وأفضل في الدين؛ فإنه إذا كان البعض أفضل في التدبير، وفي الأمور التي يحتاج فيها في الولاية، فإنه تراعى المصلحة في ذلك، فتقديم علي على عثمان في الفضل عند هؤلاء، لا يعني أنه أولى منه بالخلافة؛ لأنه معلوم أنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل.
ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر عمرو بن العاص في جيش فيه أبو بكر، وعمر ولا يعني أن عمرو أفضل من أبي بكر، وعمر، ولما أمره فرح وظن أن هذا التأمير له تفضيل، فقال: (من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر )، يعني ليس معناه أنه لما أمره أنه صار له ميزة على غيره، فقد يؤمر المفضول، مع وجود الفاضل، وأسامة بن زيد لما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم في الجيش الذي جهزه، وأمره وهو صغير، لا يعني ذلك أنه أفضل من غيره، وإنما لأمر اقتضى ذلك، فقد يولى المفضول مع وجود الفاضل.
إذاً: ما جاء عن بعض السلف مثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، ومثل: الأعمش، ومثل: ابن جرير، وغيرهم من أن علياً أفضل من عثمان، هذا قول قال به بعض السلف، ولا يضر صاحبه شيئاً، ولا يؤثر في الرواية، فلعل محمد بن فضيل تشيعه من هذا القبيل، هذا التشيع الذي نسب إليه من هذا القبيل، وقد قال هذه الكلمة التي تدل على سلامته من البدعة، ومن سلوك مسالك أهل البدعة، قال: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم عليه. يدعو له ويدعو على من لا يدعو له؛ لأن (لا رحم الله) دعاء عليه، دعاء على من لم يترحم على عثمان، رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان، ونحن نقول كما قال محمد بن فضيل: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. رضي الله عن عثمان ولا رضي الله عمن لا يترضى عن عثمان.
[عن داود بن أبي هند].
ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الوليد بن عبد الرحمن].
هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جبير بن نفير].
هو جبير بن نفير الحمصي، وهو ثقة، جليل، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم: جبير بن نفير هذا، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: عبد الرحمن الصنابحي، ومنهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، جماعة وصفوا بأنهم مخضرمون، أي: أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام.
[عن أبي ذر].
هو أبو ذر جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (قمنا مع رسول الله في شهر رمضان ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني نعيم بن زياد أبو طلحة سمعت النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما على منبر حمص يقول: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمونه السحور)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وهو بمعنى الحديثين قبله كون النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة ثلث الليل، ومرة نصف الليل، ومرة أكثر من ذلك، وأنهم في الليلة الأخيرة خشوا أن يفوتهم السحور، وهو دال على قيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليالي من رمضان، وعرفنا أنه جاء في بعض الروايات: أنه ما منعه من أن يواصل بهم إلا خشية أن يفترض عليهم.

تراجم رجال إسناد حديث: (قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ..)

قوله:
[أخبرنا أحمد بن سليمان].
ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا زيد بن الحباب].
صدوق يخطئ في حديث الثوري، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أخبرني معاوية].
هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني نعيم بن زياد].
وهو: نعيم بن زياد أبو طلحة، ثقة يرسل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[سمعت النعمان بن بشير].
هو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار الصحابة حيث توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات.
الأسئلة




الأمور الغيبية إذا ثبتت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنها تكون معتبرة
السؤال: فضيلة الشيخ، أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس، قرأت في تفسير ابن كثير بأن حرباً قامت بين الملائكة والجن فأسرت الملائكة إبليس، فلما وجه الله الخطاب للملائكة، كان عندهم فلم يسجد، فما صحة هذا الكلام؟
الجواب: كما هو معلوم هذا الكلام يبدو من لفظه أنه غير مستقيم، وفي الغالب أن هذا من الإسرائيليات التي في تفسير ابن كثير، وإبليس هو ليس من الملائكة، وإنما هو من جنس آخر وهم الجن، وهو أبو الجن، وأصل الجن، وقد جاء في القرآن أن الجن خلقوا من مارج من نار، وجاء في صحيح مسلم : (أن الملائكة خلقوا من نور)، الملائكة خلقوا من نور، (والجان خلقوا من نار)، فأصله غير أصلهم، ومادته غير مادتهم، ولكنهم متفقون بأننا لا نراهم، لا الملائكة، ولا الجن، يعني: كلهم من الجنس المستتر عنا الذي لا نراه، ولا يعني كونه أمر، وأنه جاء أمر الملائكة وأنهم سجدوا إلا إبليس، أن يكون منهم، بل هو من جنس آخر، فهو إما أن يكون يعني.. فالاستثناء يكون منقطع، يعني أنه من جنس آخر، من غير جنسهم، أو أنه ذكر معهم تبعاً لهم، وإن لم يكن منهم، وأنه أمر بالسجود كما أمروا، وهو ليس من الملائكة ولكنه من جنس يشبه جنس الملائكة في أنهم يستترون عنا، وأننا لا نراهم وهم يروننا، الملائكة يروننا ولا نراهم، والجن يروننا ولا نراهم، وأما هذا فظاهره كونه حصل حرب بين الجن والملائكة، وأن الملائكة أسروا إبليس وكذا، يعني هذا لفظه يدل على ما فيه.
ومثل هذا من الأمور الغيبية التي لا يلتزم شيء منها، ولا يصدق شيء منها، إلا إذا ثبت عن طريق الإسناد، إذا ثبت بإسناد صحيح، عند ذلك يعتبر، إذا ثبت بإسناد صحيح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه يكون معتبراً، وإلا فإنه من جنس الإسرائيليات التي تذكر في الكتب وتنقل عن بني إسرائيل.
صلاة الوتر بعد الجمع مع صلاة المغرب

السؤال: كنت مسافراً فصليت المغرب والعشاء في الحرم المكي جمع تقديم، فهل لي أن أوتر بعد الصلاة؟
وهل فعلي هذا صحيح؟
الجواب: نعم، إذا كان الإنسان سيسافر بعد المغرب، فإنه إذا صلى الإمام المغرب وفرغ منها، يقوم ويصلي العشاء جمعاً، وإذا أوتر وصلى الوتر بعد ذلك، فإن له ذلك؛ لأن الوتر يبدأ بصلاة العشاء، يعني صلاة الليل تبدأ بالانتهاء من صلاة العشاء، ولو قدمت مع المغرب؛ لأنه يعتبر صلى العشاء، فله أن يوتر، ولو كان ذلك في وقت المغرب؛ لأنه ما دام قدمها فله أن يصلي وتره بعدها.

ابو الوليد المسلم
04-07-2026, 08:15 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(293)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الترغيب في قيام الليل - باب فضل صلاة الليل



الإسلام يدل على كل فضيلة وينهى عن كل رذيلة، ومن الفضائل التي يدل عليها قيام الليل، فقد حث الشرع الحكيم على فعل ذلك الأمر لأن فيه شرفاً للمؤمن، ومنجاة من النار.

الترغيب في قيام الليل
شرح حديث: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد ... فإن صلى انحلت العقد كلها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الترغيب في قيام الليلأخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقدٍ يضرب على كل عقدةٍ ليلاً طويلاً، أي: ارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة أخرى، فإن صلى انحلت العقد كلها، فيصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)].
يقول النسائي رحمه الله: الترغيب في قيام الليل، والترغيب في قيام الليل هو: الحث عليه، وبيان فضله، وأهميته، وقد أورد النسائي عدة أحاديث في هذه الترجمة، أولها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد، فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدةٌ أخرى، فإذا صلى انحلت العقد كلها، فيصبح طيب النفس نشيطاً، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).
قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا نام أحدكم يعقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد)، الشيطان قيل: إنه هو إبليس الذي هو رأس الشياطين، وأصل الشياطين، وأبو الشياطين، وقيل: إنه من جنوده، أي: هؤلاء الذين يعقدون على رءوس الناس، وقيل: إنه القرين الذي يكون مع الإنسان، وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينٌ من الجن، وقرين من الملائكة)، أي فيه قرين من الجن، وقرين من الملائكة، فالقرين من الجن يثبطه، ويجره إلى الشر، والقرين من الملائكة بخلافه، فالشيطان قيل فيه: إنه إبليس، وقيل: إنه من جنود إبليس، وقيل: إنه القرين الذي يكون مع كل إنسان، والذي جاء ذكره، وبيانه في صحيح مسلم، وقوله: (يعقد على رأس أحدكم ثلاث عقد)، معلومٌ أن هذا مما ثبت في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من فعل الشياطين، وكل ذلك حقيقة، ونحن لا نعرف الكيفية التي يتم بها ذلك؛ لأننا لا نعرف كيفية الشياطين فلا نعرف كيفية عملهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بين أنه يضرب.
قوله: [(على كل عقدة ليلاً طويلاً أي ارقد)].
[(ليلاً طويلاً)]، يعني: أنه بقي ليلٌ طويلٌ، فأنت نم، ولا تقم، فإذا استيقظ الإنسان، ولم يسترسل في النوم، ولم يستسلم لما رغبه فيه الشيطان من الإخلاد به إلى الراحة، وإلى الاستغراق في النوم، بأن قام ثم ذكر الله عز وجل عند قيامه، فإنه تنحل عقدة من العقد الثلاث، ثم إذا توضأ استعداداً للصلاة فإنها تنحل العقدة الثانية، فإذا صلى انحلت العقد كلها، وصار على هيئةٍ لا تناسب الشيطان، ولا يريدها الشيطان؛ لأن الشيطان يريد من الإنسان أن يستغرق في نومه، وأن يبقى في نومه، وأن يأخذه بالكسل والخمول، وألا يأخذ بالجد والنشاط، والحرص على طاعة الله عز وجل، ثم يصبح وهو على هذه الحال طيب النفس نشيطاً، أي: عنده طمأنينة، وراحة في النفس، وهدوء، وانشراح صدر، ونشاط، وقوة، والله عز وجل يقول: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifأَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[الرعد:28]، فهو عندما يقوم، ويذكر الله ويتوضأ ويصلي، كل هذا مما لا يريده الشيطان، وكل هذا مما يسوء الشيطان، وإلا لم يحصل منه ذلك، بل بقي في نومه مستغرقاً، فإنه يقوم خبيث النفس كسلان، عكس ذاك الذي كان طيب النفس نشيطاً، فهذا بضده تماماً؛ لأن هذا ما عنده لا ذكرٌ لله، ولا وضوء، ولا صلاة، وإنما قام، وعليه الكسل والخمول، وقد يكون يؤدي به ذلك أيضاً إلى تأخير صلاة الفجر، لا سيما إذا تأخر في النوم، فإنه يسترسل فيه، ويستغرق فيه، ويكون فيه شيءٌ من صفات المنافقين التي قال فيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً).
فالحديث فيه الترغيب في قيام الليل، والتحذير من أن يستولي الشيطان على الإنسان، وأن تكون النتيجة أن يصبح خبيث النفس كسلان، ولا يكون نشيطاً طيب النفس؛ لأنه أتى بما تنحل به العقد الثلاث التي عقدها الشيطان على رأس الإنسان.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نام أحدكم عقد الشيطان على رأسه ثلاث عقد ... فإن صلى انحلت العقد كلها ...)
قوله:
[أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد].
هو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ المكي، ثقةٌ، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن عيينة، وهو هنا غير منسوب، وهو يحتمل إذا جاء إطلاقه هكذا، يحتمل أنه ابن عيينة، ويحتمل أنه الثوري، لكن هنا لا يحتمل الثوري، بل هو ابن عيينة؛ لأن محمد بن عبد الله بن يزيد توفي سنة ست وخمسين ومائتين، والثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، أي: أن الذي يمكنه أن يروي عنه هو ابن عيينة الذي توفي سنة سبع وتسعين ومائة، ولا ندري متى ولد؟ محمد بن عبد الله بن يزيد، لكن المدة التي بين وفاة الثوري، وبين وفاة محمد بن يزيد هي ست وتسعون سنة، فمعنى هذا إذا كان عمره فوق المائة بكثير يمكن أنه يروي عن الثوري، فالثوري توفي مائة وواحد وستين، وهذا توفي مائتين وست وخمسين، أي: بين وفاتيهما ستٌ وتسعون سنة، فلا يتأتى الرواية عنه إلا لو كان معمراً كثيراً، والذي ذكروا في ترجمته أنه روى عن ابن عيينة، وهو الذي توفي قبل المائتين بقليل.
فإذاً سفيان هنا المهمل المراد به سفيان بن عيينة الهلالي المكي، وهو أيضاً كونه من بلده، وهما من بلدٍ واحد، وسفيان بن عيينة ثقةٌ، ثبتٌ، إمامٌ، فقيهٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هو عبد الله بن ذكوان المدني، كنيته أبو عبد الرحمن، وأما أبو الزناد فهو لقبٌ على صيغة الكنية؛ لأن اللقب قد يأتي على صيغة الكنية، ويأتي على صيغة النسب، وهنا لقبٌ على صيغة الكنية، وهو ثقةٌ، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً مشهورٌ بلقبه واسمه عبد الرحمن بن هرمز، يأتي ذكره باللقب كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم، والنسب كما يأتي في بعض الأسانيد، وهو مشهورٌ بلقبه الأعرج، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث، وقيل في فائدة معرفتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه ثم ذكر بلقبه، فمن لا يعرف أن عبد الرحمن بن هرمز يلقب بـالأعرج، فإن وجد عبد الرحمن بن هرمز في إسناد، والأعرج في إسناد آخر، ظن أن الأعرج شخص آخر غير عبد الرحمن بن هرمز، لكن إذا عرف أن عبد الرحمن بن هرمز يلقب بـالأعرج، فلا يلتبس عليه كونه يأتي في بعض الأسانيد عبد الرحمن بن هرمز وفي بعضها الأعرج.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثرهم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، فهؤلاء سبعةٌ من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عنه، وأكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وأبو هريرة أسلم في السنة السابعة، ولازم النبي عليه الصلاة والسلام، وتحمل عنه الكثير، وصار حديثه أكثر من حديث من كان متقدم الإسلام، وذلك له أسباب منها: ملازمته للنبي عليه الصلاة والسلام، ومنها: دعوة النبي عليه الصلاة والسلام له بأن يحفظ ما يسمعه كما جاء ذلك في بعض الأحاديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا له، ومنها أيضاً: كونه ممن مكث في المدينة وعمر، والمدينة كانت يفد إليها الناس، فيلتقون بمن هو في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويأخذون منه، ويأخذ منهم، إذا كانوا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يأخذ منهم الأحاديث، ومن المعلوم أن بعضها مما سمعه، ومما شاهده، وبعضها مما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن شيءٍ سابق، أو أنه سمعه من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلك من قبيل مراسيل الصحابة.
الحاصل أن كثرة أحاديثه لا إشكال فيها، وذلك للأمور التي أشرت إليها من الملازمة، ومن الدعوة الكريمة من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن ملازمته للمدينة ومكثه فيها، وكونه معمراً، ويفد إليه من يفد إلى المدينة، ويلتقي به من يأتي إلى المدينة، فيأخذ منه ويعطيه، فصار حديثه كثيراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

شرح حديث: (ذكر عند رسول الله رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)].ثم أورد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو أنه ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بات ليلةً حتى أصبح، فقال عليه الصلاة والسلام: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، معناه: أنه ذم لصنيعه، وتحذير من صنيعه، وقيل في الذي نام عنه: إنه نام عن صلاة العشاء، وقيل: إن المقصود إنه نام عن صلاة الليل، وهذا هو الذي أورده من أجله النسائي هنا، يعني فعل النسائي، وإيراده الحديث في هذا الموطن أو في هذا الباب باب الترغيب في قيام الليل، يفيد أن النوم إنما هو عن قيام الليل، وليس عن صلاة العشاء.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (ذلك رجل بال الشيطان في أذنيه)، هذا أيضاً على حقيقته، والشيطان كما هو معلوم يحرص على الحيلولة بين الإنسان وبين ما يعود عليه بالخير، أي: أن ذلك الرجل الذي نام، ووصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه بال الشيطان في أذنيه، أنه استغرق في النوم، وتمكن منه، ولم يهتم بأمر الصلاة حتى انقضى الليل دون أن يصلي، ولا مانع من أن يكون هذا الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة؛ لأن الشيطان كما هو معلوم يأكل، ويشرب، وينكح، ويبول، فهو حق على حقيقته، وهذا من عمل الشيطان في إيذاء الإنسان، والحيلولة بينه وبين ما يعود عليه بالخير، وذلك بأن يبول في أذنه، وذكر الأذن، ولم تذكر العين؛ لأن الأذن هي محل الإحساس، وسماع الحركة والأصوات، وكون الإنسان يتنبه، فإذا حصل للأذن شيء يجعل الإنسان لا يحس، ويستغرق في نومه، ولو وجد عنده شيءٌ من الحركة ما تنبه، فمعناه أن الشيطان بال في أذنه فصار لا يتنبه، وليس له إحساس، فجاء ذكر الأذن ولم يأت ذكر العين؛ وذلك لأن النوم يكون بإغماض العين، إلا أن الإحساس إنما هو في الأذن، فمن أجل ذلك جاء ذكر البول من الشيطان في الأذنين؛ لأنه إذا تمكن الشيطان من إيذائه فيهما ومن بوله فيهما، فإنه لا يحس، ولا يتنبه، ولا يستيقظ، ولو صار عنده شيءٍ ينبهه.
تراجم رجال إسناد حديث: (ذكر عند رسول الله رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ...)
قوله:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
هو ابن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي، وهو ثقةٌ، ثبت، مجتهد، إمامٌ، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[أخبرنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي البصري، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة الكوفي، وهو مشهورٌ بكنيته أبو وائل، ويأتي ذكره بالكنية وذكره بالاسم، فيقال أحياناً: شقيق بن سلمة، وأحياناً يقال: شقيق فقط، وأحياناً يقال: أبو وائل كما هنا، أي: بالكنية فقط، وهو ثقةٌ مخضرم، أي: ممن أدرك الجاهلية والإسلام، ولم ير النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن مسعود].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من علماء الصحابة وفقهائهم وكبارهم، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وبعض العلماء قال: إنه من العبادلة الأربعة، وليس كذلك، بل العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وكانوا في سنٍ متقارب وهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن الزبير، إذاً: العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم هؤلاء، وليس ابن مسعود منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، وأما أولئك فإنهم متأخرون بعده بمدة، فـابن مسعود توفي سنة اثنين وثلاثين وأولئك بعد الستين أو قريباً من ذلك، فإذاً: عاشوا مدةً طويلة بعد ابن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع، وحديث عبد الله بن مسعود عند أصحاب الكتب الستة.
حديث: (يا رسول الله! إن فلاناً نام عن الصلاة البارحة...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد حدثنا منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إن فلاناً نام عن الصلاة البارحة حتى أصبح، قال: ذاك شيطانٌ بال في أذنيه)].ثم أورد حديث ابن مسعود من طريقٍ أخرى، وهو مثل الذي قبله تماماً.
قوله:
[أخبرنا عمرو بن علي].
هو الفلاس البصري، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد].
هو عبد العزيز بن عبد الصمد العمي البصري، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا منصور عن أبي وائل عن عبد الله].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

شرح حديث: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثنا القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)].ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (رحم الله امرءاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء)، يعني: برفق، يعني: حتى يحصل لها النشاط، وتتنبه وتقوم، وعلى العكس أيضاً، (رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، فهو دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام بالرحمة لمن يكون كذلك، وفيه حثٌ على قيام الليل، بل وفيه كون الرجل يحث أهله، والمرأة تحث زوجها، وتساعده ويساعدها على القيام في الليل بالصلاة، مع الأخذ بالأسباب التي تنشط، والتي تجعل الإنسان يتنبه، وهو نضح الماء في الوجه، ويكون ذلك برفقٍ ولين، وليس بشدةٍ يحصل معها الإزعاج كما هو واضح.
الحاصل أن الحديث فيه الترغيب في قيام الليل، بل وفيه حث من قام أن يقيم أهله، أو من قامت أن تقيم زوجها، وهذا من التعاون على البر والتقوى، ومن التعاون على الخير.
تراجم رجال إسناد حديث: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى..)

قوله:
[أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].
هو الدورقي، وهو ثقةٌ، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، المحدث، الناقد، الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا القعقاع].
هو القعقاع بن حكيم المدني، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان، مشهورٌ بكنيته أبو صالح، واسمه ذكوان، ولقبه السمان، يأتي ذكره بالكنية، ويأتي ذكره بالاسم، وهو ثقةٌ، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 10:31 PM
شرح حديث علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن علي بن حسين أن الحسين بن علي رضي الله عنه أخبره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ قلت: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54])].أورد النسائي حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام طرقه، وفاطمة وقال لهما: ألا تقومان فتصليان؟ فقال علي رضي الله عنه: إنما أنفسنا بيد الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فلما قال علي رضي الله عنه ذلك، انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، قال علي: رأيته يضرب فخذه بيده ويقول: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54]). محل الشاهد من الحديث كون النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى علي، وفاطمة ليلاً وطرق عليهما الباب، وقال لهما: (ألا تصليان)، أي: ألا تصليان الليل، وفي ذلك حث على قيام الليل، وترغيب في قيام الليل، وكون الرجل يرشد أهله، وذويه، وأقاربه إلى هذا العمل الخير.
وقول علي رضي الله تعالى عنه: (إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثها بعثها)، يعني: أنهما ينامان، والنائم قد قبضت نفسه، وإذا شاء الله عز وجل أن يبعثه من نومه بعثه، وهذا فيه أن النوم أو القيام من النوم يقال له: بعث؛ لأن النوم أخو الموت، والموت يكون فيه بعث، والنوم يكون فيه بعث، أي بعثٌ من ذلك الموت الأصغر الذي هو النوم، وقد جاء في الحديث: (النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة)، ففيه ذكر البعث، وقد جاء في القرآن الكريم: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الزمر:42]، يعني: يتوفاها في حال النوم فيقبضها، ثم يعيد النفس إلى الجسد إذا كان في العمر بقية، وإذا كان الأجل انتهى، فإن النفس تقبض في ذلك النوم ثم لا تعود، ولهذا قال: https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الزمر:42]، التي انتهى أجلها بهذه النومة، وقبضت الروح، لا تعود، والتي في الأجل بقية، يعيدها الله عز وجل حتى تستكمل الأجل.
الحاصل أن النوم، والقيام منه يطلق عليه أنه بعث، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف وهو يقول: (https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54])، يعني هذا فيه إشارة إلى ما حصل من علي رضي الله عنه من هذا الكلام الذي هو فيه جدل، ثم أيضاً هذا فيه دليلٌ على قول النبي صلى الله عليه وسلم: (https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54])، ويستشهد بالآية التي في سورة الكهف وهي في الكفار، وهذا يفيد أن اللفظ يمكن أن يستعمل بعمومه، ولو كان أصل وروده في القرآن إنما يراد به الكفار، فيمكن أن يتمثل به، وأن يستشهد به في حق من هو مسلم؛ لأن عموم اللفظ يقتضيه، وإن كان الأصل في ذكره في القرآن إنما هو الكفار، فهذا يدل على أن مثل ذلك سائغ، وأن اللفظ العام الذي كان أصل مجيئه إنما هو في حق الكفار، أنه يجوز استعماله في حق المسلمين إذا وجد منهم ذلك الشيء الذي ينطبق عليه ذلك العموم.

تراجم رجال إسناد حديث علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ ...)

قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبتٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري، ثقةٌ، فقيه، إمام أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عقيل].
هو عقيل بن خالد بن عقيل المصري، هو بالتصغير وجده بالتكبير، وهو من قبيل المؤتلف والمختلف، عُقيل، وعَقيل؛ لأن الرسم واحد والحروف واحدة، والفرق إنما هو بالشكل، والحركات، عقيل بن خالد بن عقيل المصري، فهو بالتصغير، وجده بالتكبير، وهو من قبيل المؤتلف والمختلف، اتفقت الألفاظ في الرسم، واختلفت في النطق، والصيغة، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وهو ثقةٌ، فقيه، مكثرٌ من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن الحسين].
هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لقبه زين العابدين، وهو ثقةٌ، ثبت، فقيه، عابد مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن الحسين بن علي أخبره].
هو الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته، وهو من صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن أبي طالب].
هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، ذي المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، وهو أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقد ورد في كتب السنة فضائل كثيرة ثابتة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي دالةٌ على فضله، ونبله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وهذا الإسناد اجتمع فيه ثلاثة من أئمة أهل السنة الذين يحبهم أهل السنة، ويقدرونهم، ويعرفون فضلهم، ويتولونهم، وتمتلئ قلوبهم من محبتهم، ولا يغلون فيهم ولا يجفون، بل هم معتدلون متوسطون، لا غلوٌ، ولا جفاء، بل يحبونهم لإيمانهم وتقواهم، ولقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهؤلاء الثلاثة هم من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، الذين يغلون فيهم، وينزلونهم منازل لا يستحقونها، ولا يرضونها هم لأنفسهم، والتي جاء في كتبهم المعتمدة عندهم ألفاظ فيها الغلو الشديد، والمبالغة الشديدة، وإضافة إليهم شيء لا يرضونه، ومن ذلك ما جاء في كتاب الكافي للكليني من أبواب تشتمل على أحاديث ينسبونها إلى الأئمة الاثني عشر، ومن هذه الأبواب: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، وباب أنه ليس شيء من الحق إلا ما كان من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، ومقتضى هذا الكلام أن كل ما جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة، أنه مرفوضٌ مردود، بل إن القرآن نفسه إنما جمعه أبو بكر ثم عثمان، فالمصحف الذي بأيدي الناس هو من جامع عثمان رضي الله تعالى عنه، وعلى هذا فالقرآن ما خرج من عند أهل البيت، وما خرج من عند الأئمة، بل الذي جمعه أولاً أبو بكر الصديق ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فلا شك أن هذا من أبطل الباطل، وهذا فيه قدحٌ في المنقول؛ لأن القدح في الناقل قدحٌ في المنقول، ما دام أن الصحابة لا يؤخذ ما جاء عن طريقهم، وأنه لا يؤخذ إلا ما جاء من طريق الإثني عشر، وأن كل شيءٍ لم يخرج من عندهم فهو باطل، أي: أن كل ما جاء عن أبي بكر، وعمر، وعثمان وغيرهم من الصحابة، فإنه باطل؛ لأنه ما خرج من الأئمة الاثني عشر، هذا هو معنى هذا الباب المشتمل على بعض الأحاديث المكذوبة، ومن ذلك أيضاً الباب الذي يقول فيه: بابٌ أن الأئمة يعلمون الكتب المنزلة على المرسلين كلها، وأنهم يعرفونها بلغاتها، يعني معناه كل كتابٍ أنزله الله فهو موجودٌ عند الأئمة الاثني عشر، وأنهم يعرفون كل اللغات التي نزلت بها الكتب، هذا كله غلوٌ وإطراء لا يرضاه الأئمة، والله لا يرضونه، والله لو سمعوه لتبرءوا منه، لكن هكذا شأن الكذابين يكذبون على الأئمة، وهذا الشيء لا تقبله العقول، ولا يتفق، ولا يؤيده النقل ولا العقل، فهذا من جملة غلوهم، وهذا من كلام المتقدمين الذي هو الكليني، وهذه أبوابه.
أما المتأخرون المعاصرون، فأكبر زعيم عندهم هو الخميني، وقد قال في كتابه الحكومة الإسلامية في حق الأئمة الإثني عشر: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، وإن من ضروريات مذهبنا، يعني: من الأمور البديهية الضرورية، أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل، يعني معناه: أنهم يفضلون على الملائكة المقربين، وعلى الأنبياء المرسلين، هذا هو معنى هذه الكلمة، وهذا هو الغلو الذي ليس وراءه غلو، أما أهل السنة فليس عندهم لا غلوٌ ولا جفاء، بل يحبون الجميع، ويتولون الجميع، ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من كان منهم مؤمناً تقياً يحبونه لإيمانه، وأيضاً يحبونه لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو مذهب أهل السنة حق اعتدال، توسط، لا غلوٌ ولا جفاء، لا إفراطٍ ولا تفريط، ينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، فلا يتجاوزون الحدود ولا يقصرون عما يليق بهم وما ينبغي أن يضاف إليهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

شرح حديث علي: (دخل عليّ رسول الله وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة ...) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد حدثني عمي حدثني أبي عن ابن إسحاق حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن محمد بن مسلم بن شهاب عن علي بن حسين عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوياً من الليل، فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقظنا فقال: قوما فصليا، قال: فجلست وأنا أعرك عيني وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، قال: فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول ويضرب بيده على فخذه: ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54])].أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من طريقٍ أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه زيادة وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد أيقضهما أولاً ثم رجع وصلى، ولم يسمع لهما حساً، ما سمع حركة، فرجع إليهما وإذا هما أيضاً على نومتهما، فقال لهما ما قال، فقام علي رضي الله عنه وجعل يعرك عيناه، يعني: على إثر النوم، وقال هذا الذي قاله، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم يضرب يده على فخذه ويقول: (https://audio.islamweb.net/audio/sqoos.gifوَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا https://audio.islamweb.net/audio/eqoos.gif[الكهف:54]).
تراجم رجال إسناد حديث علي: (دخل عليّ رسول الله وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة ...) من طريق ثانية
قوله:
[أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم].
هو عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثني عمي].
هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبي].
هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، وهو ثقة، حجة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. يروي..
[عن ابن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المطلبي المدني، وهو صدوقٌ يدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني حكيم بن حكيم].
هو حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، وهو صدوقٌ، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد بن مسلم بن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد مر ذكره.
[علي بن الحسين].
علي بن الحسين، وأبوه الحسين، وأبوه علي بن أبي طالب، وقد مر ذكرهم.
هذا الإسناد تساعي، أي: من أطول الأسانيد عند النسائي، وأطولها عنده العشاري، قد مر بنا أحاديث في فضل (قل هو الله أحد)، وفيه عشرة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتساعي بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، وهذا الإسناد منها، وهي من الأسانيد النازلة، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وأنزل الأسانيد عند النسائي العشاريات، فالعشاري الذي هو عشرة أشخاص، وهذا من هذا القبيل.
فضل صلاة الليل
شرح حديث: (... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الليل. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل قيام الليل، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل)، قوله: (وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل)، هذا هو مقصود النسائي من إيراد الحديث في الترجمة؛ لأنه يدل على فضل قيام الليل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنه أفضل النوافل بعد الفرائض)، لا سيما إذا كان في آخر الليل، وهو: الثلث الآخر من الليل؛ لأنه الوقت الذي ينزل الله عز وجل فيه إلى السماء الدنيا، فيقول: (هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه سؤله؟ هذا من كذا هل من كذا)، فالحديث دالٌ على فضل قيام الليل، ودالٌ على أنه أفضل الصلاة بعد الفريضة كما هو نفس الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودالٌ أيضاً على أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، أي: الصيام فيه، وفيه يوم عاشوراء، وصيام يوم قبله أو يوم بعده، وهو من أفضل الصيام، وأفضل منه صيام يوم عرفة لغير الحجاج؛ لأنه قد جاء في فضل صيام عرفة أنه (يكفر السنة الماضية والآتية، وأما يوم عاشوراء فإنه يكفر السنة الماضية)، فصيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، والنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله المحرم)، أي: كونه يصام في شهر المحرم، وفي هذا الحديث الدلالة على أن خير الصيام بعد صيام رمضان الصيام في شهر الله المحرم.
ومن المعلوم كما مر بنا قريباً أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، وأنه كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، عليه الصلاة والسلام، وكلمة المحرم هي: بالألف واللام، ولا يصلح أن يؤتى به بدون ألفٍ ولام، بل الألف واللام ملازمةٌ له، والإتيان به بدون ألف ولام خطأ، فلا يأتي في اللغة إلا وفيه الألف واللام كما جاء في هذا الحديث، وفيه أيضاً إضافته إلى الله عز وجل حيث قال: (شهر الله المحرم)، وقيل: إنه لم يأت إضافة شهرٍ إلى الله غير هذا الشهر، وقيل: إن السبب في ذلك أنه من الأشهر الحرم، ولفظه أو لفظ اسمه يشعر بالتحريم، وأنه محرم، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة التي هي: رجب الفرد، ويقال له: الفرد؛ لأنه شهرٌ من الأشهر الحرم وحده، ليس بجواره شهرٌ من أشهر الحرم، وأما الثلاثة الباقية فهي مسرودة بعضها وراء بعض، ولهذا يقال: ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فرد، ثلاثةٌ سرد، يعني: مسرودة، وهي: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، شهر الحج، وشهر قبله، وشهر بعده، وشهر رجب الذي هو في وسط السنة، وفي أثناء السنة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)

قوله:
[أخبرنا قتيبة بن سعيد].
وقد مر ذكره قريباً.
[حدثنا أبي عوانة].
هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقةٌ، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهورٌ بكنيته أبو عوانة.
[عن أبي بشر].
هو أبو بشر جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد بن عبد الرحمن].
قال هنا: [هو ابن عوف]، وليس ابن عوف بل هو حميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكر ابن عوف هنا وهم، وقد ذكر المزي في تحفة الأشراف الحديث تحت ترجمة حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة، وليس له، أي: حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة إلا هذا الحديث، أما حميد بن عبد الرحمن بن عوف فله أحاديث كثيرة في الكتب الستة، وقد ذكرها المزي في تحفة الأشراف متتابعة وهي كثيرة، لكن حميد بن عبد الرحمن الحميري ذكر له هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو عند مسلم وقد نسبه بأنه الحميري، وكذلك الحافظ ابن حجر نص في تعليقه على تحفة الأشراف بأن الوهم ممن دون النسائي، يعني: الذي أضاف هو ابن عوف هو من دون النسائي؛ لأنه جاء في غير نسخة ابن السني بدون ابن عوف، إذاً الخطأ ممن هو دون النسائي، فقوله هنا: هو ابن عوف، هذا خطأ، بل هو الحميري؛ وهذا يبين لنا ما سبق: أن كلمة هو ابن فلان، يمكن أن يزيدها من دون النسائي، وسبق أن مر بنا: أن النسائي يقال في بعض شيوخه: هو ابن فلان، ومعلومٌ أن النسائي لا يقول: هو ابن فلان، بل الذي يقوله من دون النسائي؛ لأن التلميذ لا يقول عن شيخه: هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد، فوجود شخص في شيوخ النسائي يقال فيه: هو ابن فلان، معلوم أن هذا ليس كلام النسائي، بل هو كلام من دون النسائي، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة، وقد مر ذكره.
حديث: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية: أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: قيام الليل، وأفضل الصيام بعد رمضان: المحرم)، أرسله شعبة بن الحجاج].ثم أورد النسائي طريقاً أخرى، وفيها حميد بن عبد الرحمن، قال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من قبيل المرسل، وقال: إنه أرسله شعبة، أي: إن رواية الإرسال جاءت من طريق شعبة؛ لأن جعفر بن أبي وحشية جاء عنه الإسناد الذي قبل هذا وهو موصول، وأما هذه الطريقة الثانية جاءت من طريق جعفر بن أبي وحشية، لكن عن طريق شعبة، فالإرسال من هذه الطريق التي فيها رواية شعبة، وأما رواية غيره ففيها الوصل، وإضافته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلاً وليس مرسلاً.
قوله:
[أخبرنا سويد بن نصر].
هو المروزي، وهو ثقةٌ، أخرج له الترمذي، والنسائي.
[أخبرنا عبد الله].
هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، جوادٌ، مجاهدٌ، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملةً من خصاله الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقةٌ، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية].
وقد مر ذكر جعفر، وقد سمي هنا في هذا الإسناد، وأما في الإسناد السابق فهو لم يسم.
[أنه سمع حميد بن عبد الرحمن].
وهنا ما نسبه، ما قال: الحميري، ولا قال: ابن عوف، وقد مر ذكره.

ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 10:33 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(294)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب فضل صلاة الليل في السفر - باب وقت القيام
لقيام الليل مزية عظيمة حيث ورد في السنة أن الله يحب العابد الذي آثر القيام على النوم رغم عنائه في السفر، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ويحب من العمل أدومه.
فضل صلاة الليل في السفر
شرح حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الليل في السفر.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعياً عن زيد بن ظبيان رفعه إلى أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ يحبهم الله عز وجل: رجلٌ أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلفهم رجلٌ بأعقابهم فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله عز وجل والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به، نزلوا فوضعوا رءوسهم، فقام يتملقني، ويتلو آياتي، ورجلٌ كان في سرية فلقوا العدو فانهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له)].
يقول النسائي رحمه الله: باب فضل صلاة الليل في السفر، المقصود من هذه الترجمة: كون الإنسان يقوم الليل وهو مسافر.
فأورد فيه النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه في قصة الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل، وهم: رجلٌ سأل قوماً لم يسألهم إلا بالله، لم يسألهم بقرابةٍ بينه وبينهم، فمنعوه فتخلف رجلٌ من أعقابهم، أو بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم تلك العطية إلا الله، والذي أعطاه، الله تعالى هو الذي يعلم، ومن الخلق ذلك الذي أعطى هذا السائل.
فأحد الثلاثة الذين يحبهم الله هو المعطي وليس السائل، كما قد يتوهم من الحديث، بل الذي أعطى سراً، ولم يعلم بعطيته إلا الله عز وجل وذلك المعطي، هذا هو أحد الثلاثة الذين يحبهم الله، وليس الذي سأل بالله، والتقدير الذي يناسب: معطي رجلٍ سأل بالله كذا.
فأحد الثلاثة هو المعطي وليس السائل، و(اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، فذاك المعطي الذي أعطى هذا الرجل الذي سأل بالله عز وجل ولم يسأل بقرابة فمنعوه، هو ذلك الذي تخلف منهم، وصار في أعقابهم، فأعطاه سراً بينه وبينه لم يطلع على ذلك إلا الله عز وجل، وذلك المعطي الذي أعطاه.
وقومٌ كانوا في سرية يسيرون في الليل، فلما تعبوا من السفر، واحتاجوا إلى النوم، وصار النوم لا يعدله شيءٍ عندهم، وضعوا رءوسهم وناموا، وقام هو يتملق، ويسأل الله عز وجل، ومعنى (يتملق الله) أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه في الدعاء.
فأحد الثلاثة هو هذا العابد الذي كان مع أولئك القوم السائرين، ولما طال سفرهم أو طال سيرهم في الليل، واحتاجوا إلى الرقاد، لما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا، وأما هو فبقي يصلي ويتملق الله عز وجل، أي: يتودد إليه، ويدعوه، ويلح عليه ويسأله، فذاك الرجل هو ممن يحبه الله عز وجل.
وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، فيكون التقدير: عابد قوم، أي: الأول معطي رجل، والثاني من الثلاثة عابد قومٍ كانوا سائرين فلما ناموا جعل يصلي، ويسأل الله عز وجل ويتملقه ويدعوه، ويتودد إليه، ويطلب منه عطفه وجوده، وكرمه.
والثالث رجلٌ كان في سرية يجاهد في سبيل الله، (فانهزموا فأقبل بصدره).
قوله: [(فأقبل بصدره)]، أي: تأكيد لإقباله؛ لأن الصدر هو مقدم الإنسان، وهو الذي يكون عند الإقبال، لكن هذا من باب التأكيد، وهو مثل (يطير بجناحيه)، والطائر لا يطير إلا بجناحيه، فهذا مقبلٌ بصدره، يعني: صدره مقبلٌ به، وصدره أمامه، فلا يكون إلا أمامه، فمعناه أنه مقبلٌ غير مدبر، ومنه قول الشاعر يعني يمدح قبيلته وجماعته:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدماء
أي معناه: أنهم إذا جرحوا أو كلموا يكونون مقبلين غير مدبرين، فدماءهم تقطر على أقدامهم، وليست تقطر على أعقابهم هاربين، بأن يلحقهم العدو، ويجرحهم من الخلف، فتقطر دماءهم على أعقابهم من الوراء، وإنما تقطر دماؤهم على أقدامهم من الأمام؛ لأنهم مقبلين غير مدبرين.
فهذا مقبلٌ بصدره، يقاتل حتى يفتح له أو يقتل، هذا هو متن الحديث، ومحل الشاهد منه الثاني من الثلاثة، وهو: عابد القوم الذين كانوا يسيرون في الليل، ولما كان النوم أغلى شيءٍ عندهم ولا يعدله شيء عندهم، وإذا قورن بشيءٍ صار النوم هو المقدم، فلما وصلوا الأرض وضعوا رءوسهم وناموا في الحال، وأما هو فأقبل يصلي، ويتعبد، ويسأل الله عز وجل، ويتملقه ويتودد، ويستعطف، ويسأل، ويرجو، ويلح، فهذا هو محل الشاهد لصلاة الليل في السفر.
تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة يحبهم الله عز وجل ... فقام يتملقني ويتلو آياتي)
قوله:
[أخبرنا محمد بن المثنى].
هو الملقب بـالزمن، كنيته أبو موسى، وهو بصريٌ ثقةٌ، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بأربع سنوات، فـالبخاري توفي سنة ستٍ وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومات معه في تلك السنة محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهما أيضاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاتهم في سنةٍ واحدة هؤلاء الثلاثة.
[حدثنا محمد].
محمد هنا غير منسوب، والمراد به ابن جعفر الملقب غندر، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة أو يروي عنه محمد بن المثنى أو محمد بن بشار، فالمراد به غندر الذي هو محمد بن جعفر البصري الملقب غندر، وهو ثقةٌ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقةٌ، وهو من أقران الأعمش، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت ربعياً].
هو ربعي بن حراش الكوفي، وهو ثقةٌ، ثبتٌ، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن ظبيان].
مقبولٌ، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن أبي ذر الغفاري].
هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والحديث في إسناده زيد بن ظبيان، وهو مقبول، والمقبول حديثه يعتبر إذا توبع، وهو لم يتابع، فالحديث غير صحيح، ولهذا ضعفه الشيخ الألباني وجعله من ضمن ضعيف سنن النسائي، لكن جاء في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته وهو في السفر أينما توجهت، يستقبل القبلة عندما يريد أن يبدأ بالصلاة، ثم تتجه راحلته إلى الجهة التي يريد، فيصلي، وكان لا ينزل إلا إذا حان وقت الفريضة، فإنه ينزل ويصلي، وأما النوافل فإنه كان يصليها وهو على راحلته، ومن ذلك صلاته في الليل، فإنه كان يصلي وهو على راحلته، أي: النوافل، متجهاً أينما توجهت به راحلته إلى الوجهة التي يريد.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-08-2026, 10:35 PM
وقت القيام
شرح حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت القيام: أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر هو ابن المفضل حدثنا شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق قال: قلت لـعائشة رضي الله تعالى عنها: (أي الأعمال أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم. قلت: فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)].
يقول النسائي رحمه الله: باب وقت القيام، أي: وقت قيام الليل، أورد النسائي فيه حديث عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: (أي العمل أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قالت: العمل الدائم)، أي: الذي يداوم عليه هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وهو الأحب إلى الله، وكل ما كان أحب إلى رسول الله فهو أحب إلى الله، وما كان أحب إلى الله فهو الأحب إلى رسول الله، ولا يكون الأحب إلى رسول الله يختلف عن الأحب إلى الله، ولهذا فالحديث الموضوع الذي يقال فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ فأسكني في أحب البلاد إليك)، فإن هذا موضوع، والأحب إلى رسول الله هو الأحب إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام بين أن مكة هي: أحب البلاد إلى الله، فلما خرج مهاجراً التفت إليها وقال: (أما إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أنني أخرجت لما خرجت)، فالحديث الذي عكس هذا، أو لا يتفق مع هذا، أو يخالف هذا من جهة، وفيه أيضاً بيان مخالفة ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم لما يحبه الله من جهة، (أنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ، فأسكني أحب البلاد إليك)، معناه: الأحب إلى الله غير الأحب إلى رسول الله، وهذا خطأ، وهذا غير صحيح.
فإذاً فيه محظورٌ من جهتين: من جهة أنه مخالف لما جاء في الحديث الصحيح الثابت وهو: (أن مكة أحب البلاد إلى الله)، يعني: ذاك الحديث يدل على أن أحب البلاد إلى الله المدينة، وفيه أيضاً من المخالفة أن الأحب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام غير الأحب إلى الله، ومن المعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبة الله، وما كان إلى الله تعالى أحب فهو إلى رسوله أحب؛ لأن محب الرسول صلى الله عليه وسلم تابعةٌ لمحبة الله، لا يكون الله تعالى يحب شيئاً والرسول يحب خلافه أو يحب غيره، وما كان إلى الله أحب فهو إلى رسوله عليه الصلاة والسلام أحب، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، فالعمل الدائم هو الأحب إلى الله، وهو الأحب إلى رسوله الله.
لماذا كان العمل الدائم هو الأحب إلى الله؟ لأن العمل الدائم يكون الإنسان على عبادة دائماً وأبداً، وعلى صلةٍ وثيقة بالله، ما يكون ينشط في بعض الأحيان ثم يكسل في أحيانٍ أخرى، فقد يأتيه الموت وهو في حال الغفلة والكسل، والإعراض، ولكنه إذا كان دائماً في عبادة ولو كانت قليلة، فإنه إذا مات يموت على خير؛ لأنه ملازم للعبادة، فأي وقتٍ يموت، يموت وهو مداوم على العبادة، ولهذا يقول الله عز وجل: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[آل عمران:102]، المقصود بقوله: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[آل عمران:102]، يعني: داوموا على الإسلام، والتزموا بالإسلام، وبأحكام الإسلام؛ لأنكم إذا كنتم كذلك إذا جاءكم الأجل يأتيكم وأنتم على حالة طيبة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يعلم متى يموت حتى يحسن في حال موته، وقد يأتيه الموت فجأة ولا يستطيع أن يتكلم، ولا يستطيع أن ينطق، لكن إذا كان الإنسان مداوم على عبادة، وملتزم بعبادة، فإنه أي وقتٍ يأتيه الموت يموت وهو مداومٍ على العبادة، بخلاف الذي ينشط في بعض الأحيان، ويهمل في بعض الأحيان، فإن هذا غير مداوم على العبادة، وقد يأتيه الموت في حال السهو والغفلة، ومثل هذه الآيات الكريمة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ضمن حديثٍ طويل: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، فقوله: (فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)، هو من جنس قوله: https://audio.islamweb.net/audio/sQoos.gifوَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ https://audio.islamweb.net/audio/eQoos.gif[آل عمران:102]، يعني معناه: أنه يداوم على الإيمان، ويداوم على الطاعة، حتى إذا جاءه الأجل يأتيه وهو على حالةٍ طيبة.
إذاً قول عائشة رضي الله عنها: (أحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم)، أي: الذي يداوم عليه الإنسان، وقد مر في حديث عائشة الطويل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أحب أن يداوم عليه، ثم قالت: وكان إذا شغله عن صلاة الليل مرضٌ أو وجعٌ أو شيءٌ آخر، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة)، يقضيها؛ لأنه يحب أن يداوم على العمل، ولا يتركه إذا فات، بل يقضيه؛ لأنه مداومٌ عليه وملازمٌ له، فأحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم، وهو أيضاً أحب إلى الله، بل محبة الله، ومحبة الرسول متلازمتان، فالرسول صلى الله عليه وسلم يحب ما يحبه الله، ومحبته تابعةً لمحبة الله، وأما المسلمون فعلامة كون الإيمان تمكن من القلوب: أن تكون محبتهم تابعةٌ لمحبة الله ورسوله، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، معناه: أن المحبة إنما هي في الله، ومن أجل الله، تابعةٌ لما يحبه الله، يحب الله ورسوله، ويحب ما يحبه الله ورسوله، ويحب من يحبه الله ورسوله، فيحب من يحبه الله ورسوله من الأشخاص، ويحب ما يحبه الله ورسوله من الأعمال.
قوله: [(أي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)]، الصارخ هو: الديك، الديك إذا صوت، وأذن ووجد منه الصياح الذي هو الأذان يقوم فقد جاء في بعض الأحاديث أنه من كل الليل صلى، صلى من أوله، ومن وسطه، ومن آخره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان يعلم من نفسه أنه ينام، وأنه يخشى ألا يستيقظ، فإنه يصلي قبل أن ينام ما أراد أن يصلي ويوتر، وقد أوصى بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام أبا هريرة، وأبا الدرداء، فجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، معناه: يصلي صلاته في الليل ويوتر قبل أن ينام، وجاء في حديث أبي الدرداء: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد)، كما في صحيح مسلم، وحديث أبي الدرداء في صحيح مسلم وتعبيره: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة في الصحيحين وتعبيره: (خليلي)، (أوصاني خليلي)، وأما أبو الدرداء فيقول: (أوصاني حبيبي صلى الله بثلاث)، وفيه حديث أبي هريرة: (أن أوتر قبل أن أنام)، وحديث أبي الدرداء: أن أوتر قبل أن أرقد.
الحاصل أن الإنسان على حسب ما يتيسر له، إذا كان يتمكن من القيام في آخر الليل، فصلاته في آخر الليل أفضل، وإن كان لا يتمكن فإنه يصلي الليل قبل أن ينام، ويوتر قبل أن ينام، وهذا هو ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه أبي هريرة، وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (... فأي الليل كان يقوم؟ قالت: إذا سمع الصارخ)
قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].هو ابن صدران، وهو صدوقٌ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[عن بشر هو ابن المفضل].
هو بشر بن المفضل، وكلمة: بشر التلميذ الذي أتى بها هو محمد بن إبراهيم البصري، أما من دونه النسائي أو غير النسائي من دون النسائي، فهم الذين قالوا: هو ابن المفضل؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد، فلان ابن فلان ابن فلان، ويمكن يأتي بستة أسماء، أو يأتي بجده السادس أو السابع، مثل ما يفعل النسائي أحياناً يجيء سطر كامل كله نسب لشيخٍ من شيوخه، مثل عمرو بن عثمان، ومثل عمرو بن سواد، فإنه أحياناً يطول في نسبهم فيأتي خمسة أسماء أو ستة أسماء لهما، وأما غير التلميذ فهو الذي إذا أراد أن يزيد ما يوضح به، أتى بكلمة هو: ابن فلان، ولا يلزم أن تكون ممن دون التلميذ فقط، بل قد تكون ممن دونه بكثير، وقد سبق أن مر بنا أو مر بنا قريباً الحديث الذي فيما مضى الذي فيه: حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف، والذي ذكرت أن الحافظ ابن حجر قال: إنها وهمٌ، والوهم فيها ممن دون النسائي؛ لأنه وجد في نسخ النسائي التي ليست من رواية ابن السني ما فيها ابن عوف، وابن عوف جاء في رواية ابن السني، فالزيادة ممن دون النسائي، مع أن زيادة ابن عوف في أعلى الإسناد، لكن الذي زادها من أجل التوضيح هو من دون النسائي؛ لأن نسخة غير ابن السني أو الروايات التي هي غير روايات ابن السني ليس فيها ابن عوف، ليس في هذه الزيادة، إذاً هذه الزيادة ممن دون النسائي.
الكلام على نعيم بن زياد وعمرو بن سواد الواردان في بعض أسانيد النسائي
وبالمناسبة سبق أن مر بنا شخصان: أحدهما نعيم بن زياد الأنماري أبو طلحة، وذكرت لكم أن في التقريب الرمز بالدال والسين، أي: روى له أبو داود، والنسائي، وذكر بعض الإخوان أنه رمز له بالفاء، أي: أبو داود في التفرد، والنسائي، والموجود في نسخة التقريب الطبعة المصرية، وكذلك في نسخة تهذيب التهذيب، موجودٍ د س، لكن الموجود في تهذيب الكمال، والذي هو ليس بالرمز ولكنه بالحروف وبالكتابة، قال: أخرج له أبو داود في التفرد، والنسائي، وكما قلت لكم كثيراً: إذا حصل إشكال في الرموز يعني عند التقريب أو التهذيب، فإنه يرجع إلى تهذيب الكمال الذي فيه التنصيص وليس الترميز، التنصيص على الأسماء، يقول: أخرج له فلان وفلان وفلان، ويسميهم، أو الجماعة إلا فلان، أما يعني التقريب وتهذيب التهذيب، فإنها بالرموز، والرمز أحياناً يكون فيه شيء من التصحيف، لكن الكتابة هذه هي التي تعتبر معتبرة، فيؤمن فيها تصحيف الرموز، فإذاً نعيم بن زياد أبو طلحة الرمز له ف وس، (ف) أبو داود في التفرد، و(س) الذي هو النسائي، وقد مر بنا قريباً لعله في الإسناد ألف وستمائة وخمسة. وفيه شخصٌ آخر أيضاً سبق أن مر بنا وهو عمرو بن سواد، وفي نسخة التقريب موجود البصري، وهو المصري، وأنا قد سبق أن صححتها عندي، والدليل على أنه المصري يعني عدة أمور:
الأمر الأول: أن نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة خلاصة التذهيب فيها المصري.
والأمر الثاني: أنه يروي عن ابن وهب، بل قالوا في ترجمته: أنه راوياً لـابن وهب، وابن وهب مصري، فهو راوٍ له، وما دام راوية له فهو مصري؛ لأن معناه: أنه معه وملازمٌ له، وهو في مصر، ثم أيضاً ذكروا أن ابن يونس ذكر ترجمة له، وابن يونس صاحب تاريخ مصر، مصري، فيكون مصرياً، وهذه الأمور التي ذكرتها توضح كونه مصرياً من جهة أن الذين نصوا عليه غير التقريب، تهذيب التهذيب، وخلاصة التذهيب، وكونه روايته عن ابن وهب كثيرة، وكونه راوياً لـابن وهب كما قالوا في ترجمته، وكونه أيضاً في تاريخ مصر مترجم له، كل هذا يبين أنه مصري وليس بصري، والتصحيف بين المصري، والبصري يحصل لتقاربهما، البصري، والمصري، يحصل التصحيف فيما بينهم، مثل ما يحصل التصحيف بين النجاري، والبخاري، فيأتي في التقريب: الأنصاري البخاري، وهي الأنصاري النجاري، يعني نسبةٌ عامة ثم نسبةٌ خاصة، وقد مر بنا قريباً: أن الصحابة والتابعين ما فيهم أحد ينسب إلى بخارة، وإنما من يأتي من الصحابة ومن التابعين، كلمة بخارة فهي تصحيف في الغالب، لا سيما إذا كان من الأنصار، فإنه يقال فيه: نجاري، ويأتي في التقريب في مواضع عديدة التصحيف بين هاتين الكلمتين: البخاري، والنجاري، فيقال: الأنصاري البخاري، وهي النجاري ليس البخاري، لكن الاشتباه، والائتلاف، والاختلاف بين هاتين الكلمتين.

ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 09:40 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(296)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب إحياء الليل - باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل


كان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته إحياء الليل، فكانت صلاته على حالات متفاوتة، فتارة يقوم أول الليل، وتارة وسطه، وتارة آخره وهي الأكثر، وكان يصلي وينام، ويحب من العمل أدومه وإن قل.
إحياء الليل
شرح حديث: (إنها صلاة رغب ورهب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إحياء الليل. أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا أبي وبقية قالا: حدثنا ابن أبي حمزة حدثني الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن خباب بن الأرت عن أبيه رضي الله تعالى عنه -وكان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (أنه راقب رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة كلها حتى كان مع الفجر، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته جاءه خباب فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، لقد صليت الليلة صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي عز وجل فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة؛ سألت ربي عز وجل: أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي عز وجل: أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها)].
يقول النسائي رحمه الله في هذه الترجمة: باب إحياء الليل، أي: إحياؤه بالصلاة، وذكر الله عز وجل، وقد أورد النسائي فيه حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه، وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وعُذب في الله، قال: لأرقبن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الليلة، أي: أنه استعد لينظر إلى ما يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم في ليلة من الليالي، (فرآه صلى، ولما فرغ من صلاته جاء إليه وسأله، وقال: إنك صليت صلاةً ما رأيتك صليت نحوها، قال: أجل، إنها صلاة رغبٍ ورهب)، يعني: رغبة إلى الله ورهبة منه، وقال: إنني سألته ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني الثالثة، سأله ألا يهلك أمته بما أهلك به الأمم قبلها، وألا يظهر عليهم عدواً يستأصلهم، أو يقضي عليهم، أو يتولاهم، وسأله ألا يلبسهم شيعاً، فأعطاه الأولى والثانية، ولم يعطه الثالثة، الأولى أعطاه، بألا يهلك أمته كما أهلك الأمم التي عوجلت بالعذاب في الدنيا، وأهلكت جميعها، فهذه الأمة لا تعذب جميعاً، ولا يهلكها الله عز وجل كما أهلك الأمم قبلها، بل إن الله عز وجل شاء أن تبقى هذه الأمة وأن تستمر، وألا يحصل لها هلاك عام؛ لأن هذه الشريعة عامة شاملة خالدة، فشاء الله تعالى أن تبقى، وشاء أن يبقى أهلها، ولم يشأ أن يهلكهم، كما أهلك الأمم قبلهم، ولهذا لما أوذي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر في مكة، وخرج مهموماً مغموماً بعد أن آذاه قومه، خرج إلى الطائف، وأوذي في الطائف، جاءه جبريل وقال: (إن هذا ملك الجبال يستأذنك بأن يطبق عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة-، فقال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)، فلم يستعجل، وصبر واحتسب عليه الصلاة والسلام، وتحقق له ما أراده وما رجاه، فإن الله عز وجل فتح مكة له، ودخل أهلها في دين الله، وخرج من أصلابهم أناس يعبدون الله عز وجل، ويحملون هذا الدين الحنيف، الذي جاء به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
وأعطاه الثانية وهي: ألا يظهر عليهم عدواً، بحيث يقضي على المسلمين، وتكون الولاية له على المسلمين، ولا يقام شرع الله عز وجل في الأرض، فجعل الخير باقياً، وجعل من هذه الأمة أمة قائمة على أمر الله، لا يضرها من خذلها، ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ولا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله)، فأعطاه هذه الثانية.
والثالثة وهي: (ألا يلبسهم شيعاً)، وأن لا يحصل الاختلاف والاقتتال، الذي يكون بين هذه الأمة، فلم يعطه إياها؛ ولهذا وجد بين المسلمين الاختلاف والاقتتال، فالحديث اشتمل على هذه الأمور الثلاثة، وقد بين عليه الصلاة والسلام أنه أعطي اثنتان ومنع الثالثة، والحديث فيه صلاة الليل وقيام الليل، وفيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على معرفة أحواله وأفعاله، وكون الواحد منهم يرقبه، وينظر ماذا يصنع، مثل ما فعل ابن عباس لما جاء وبات عند خالته ميمونة، لينظر إلى ماذا كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا خباب عزم على أن ينظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يصنع، فوجده صلى هذه الصلاة التي سأله عنها، فأخبره بأنها صلاة رغب ورهب، وأنه سأل الله عز وجل فيها هذه الأمور الثلاثة، فأعطاه اثنتين ومنعه الثالثة، ففيه إحياء الليل، أي: إحياء بعضه بالصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنها صلاة رغب ورهب ...)
قوله: [أخبرنا: عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا أبي].
يروي عن أبيه عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وهو حمصي مثل ابنه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أي: الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه، إلا أنه هو ثقة، وابنه صدوق.
[وبقية].
صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا ابن أبي حمزة].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، من أثبت الناس في الزهري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، إمام، فقيه، ثقة، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل].
وفي نسخة: عبد الله بن عبد الله، وقال الحافظ ابن حجر: إنه شخص واحد، اختلف في اسمه، أحياناً يأتي عبيد الله، وأحياناً يأتي عبد الله، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[عن عبد الله بن خباب بن الأرت].
هو المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن أبيه].
هو خباب بن الأرت صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن السابقين الأولين، وممن عذب في الله، وممن شهد بدراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الاختلاف على عائشة في إحياء الليل
شرح حديث: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله الليل ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل. أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أبي يعفور عن مسلم عن مسروق ، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الاختلاف على عائشة، في حديث أو في أحاديث إحياء الليل، أورد فيه النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها إذا دخلت (أحيا الليل، وجد وشد المئزر)، ففي هذا أنه يخص الليالي العشر الأخيرة من رمضان بأعمال، وذلك أنه كان يجد فيها ويحيي الليل، وقيل: إن شد المئزر كناية عن عدم إتيان النساء، وقيل: إنه للجد في العبادة والطاعة، وقيل: لهما جميعاً، أي: أنه كان لا يشتغل في حاجة النساء، وكان يجتهد في العبادة في تلك الليالي العشر؛ وذلك لأن الليالي العشر فيها ليلة القدر التي هي: خير من ألف شهر، فكان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها من الشهر، وعائشة رضي الله عنها، تخبر عن حاله عليه الصلاة والسلام، وأنه يحيي الليل، ويجد، ويشد المئزر عليه الصلاة والسلام، وفي هذا إحياء الليل، أو إحياء كثير من الليل.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان إذا دخلت العشر أحيا رسول الله الليل ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد].هو المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي، وابن ماجه.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، مكثر من الرواية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي يعفور].
هو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم].
هو ابن صبيح الكوفي، مشهور بكنيته أبي الضحى، يأتي ذكره بها كثيراً، ويأتي ذكره بالاسم كما هنا أتى باسمه غير منسوب، وهو المهمل، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق التي حفظت الكثير من السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، هؤلاء سبعة معروفون بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (كان رسول الله ينام أول الليل ويحيي آخره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخاً صديقاً فقلت: (يا أبا عمرو! حدثني ما حدثتك به أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: قالت: كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)]. أورد النسائي في نفس الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها، وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)، وهذا في بعض الأحيان؛ لأننا سبق أن عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يروه مصلياً إلا رأوه، ولا أرادوا أن يروه نائماً إلا رأوه، بمعنى: أنه ينام من أول الليل ومن وسطه وآخره، ويصلي من أول الليل ووسطه وآخره، معناه: أنه ليس هناك وقت من الأوقات يكون النبي صلى الله عليه وسلم ثابتاً عليه: مصلياً أو نائماً، بل يصلي من أول الليل ومن وسطه ومن آخره، لكن كثيراً ما يصلي من آخره عليه الصلاة والسلام.
وقول عائشة رضي الله عنها: (أنه كان ينام أول الليل، ويحيي آخره)، يعني: أنه في غالب أحواله أو في كثير من أحواله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه ليس دائماً وأبداً، كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث التي مرت معنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله ينام أول الليل ويحيي آخره)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو المخرمي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، همدان: نسبة عامة، وسبيع: نسبة خاصة؛ لأن سبيعاً بطن من همدان، فينسب نسبةً خاصة غالباً فيقال: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود بن يزيد].
هو ابن يزيد النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أبو عمرو الذي قال عنه أبو إسحاق: إنه كان أخاً لي صديقاً، يعني: أخاً في الله، وبينه وبينه صداقة، وأنه سأله عما يعلمه عن صلاة رسول الله، وأن يحدثه بما حدثته به أم المؤمنين، عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ( كان ينام أول الليل، ويحيي آخره )، أي: أن ذلك في أكثر أحواله، وليس ذلك دائماً وأبداً كما عرفنا، وأبو إسحاق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. والأسود بن يزيد بن قيس أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وقد مر ذكرها.
شرح حديث عائشة: (لا أعلم رسول الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن إسحاق حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلةً حتى الصباح، ولا صام شهراً كاملاً قط غير رمضان)].أورد النسائي حديث عائشة، وهو قطعة أو جزء من حديثها الطويل، الذي سبق أن مر عن سعد بن هشام، وسؤاله إياها، وكان معه حكيم بن أفلح، والحديث طويل سبق أن مر، وهذا جزء منه؛ أتى به هنا من أجل أنها لا تعلم أنه أحيا ليلةً إلى الصباح، معناه: أنه يصلي وينام، ليس إحيائه الليل كله، ولا ينام الليل كله، وإنما يقوم وينام كما أخبر عن هديه عليه الصلاة والسلام لما بلغه أن رجالاً قال واحد منهم: (أنا أصوم الدهر أبداً ولا أفطر، وقال واحد منهم: أنا أصلي الليل فلا أنام، وقال آخر: أنا لا أتزوج النساء، فلما بلغه خبرهم، قال عليه الصلاة والسلام: أما إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، أما إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فهديه عليه الصلاة والسلام توسط واعتدال، لا إفراط ولا تفريط، فما كان يقوم الليل كله، وما كان يترك القيام، بل كان يصلي وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ومحل الشاهد من إيراد الحديث: أنها ما كانت تعلم أنه قام ليلةً حتى الصباح، بل كان يصلي وينام عليه الصلاة والسلام، بعض ليله صلاة، وبعض ليله نوم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وكذلك أيضاً، أخبرتْ بأنه ما قرأ القرآن كله في ليلة، وكذلك ما صام شهراً كاملاً إلا رمضان، ولكن محل الشاهد هو أنه ما صلى ليلةً حتى الصباح.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 09:42 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (لا أعلم رسول الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا قام ليلة حتى الصباح ...)

قوله: [أخبرنا هارون بن إسحاق].صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.
[حدثنا عبدة بن سليمان].
هو البصري وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة]
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن زرارة بن أوفى].
هو البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن هشام بن عامر].
ثقة، أخرج حديثه أيضاً أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة رضي الله عنها].
وقد مر ذكرها.

شرح حديث: (عليكم من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا شعيب بن يوسف عن يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة، لا تنام، فذكرت من صلاتها، فقال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله عز وجل حتى تملوا، ولكن أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وعندها امرأة، فذكرت من صلاتها وأثنت عليها، وقال عليه الصلاة والسلام: مه، عليكم من العمل ما تطيقون)]، وفيه أنه أرشد إلى الرفق، وعدم الانقطاع في العبادة؛ لأن الانقطاع في العبادة، قد يترتب عليه تفويت مصالح أخرى، وقد يترتب عليه ملل، ثم يكون الترك، لكن إذا كان العمل ملازماً عليه، ومداوماً عليه، وهو قليل، فإنه خير من كثير يُقدم عليه ثم ينقطع عنه، ولهذا يقولون: قليل تداوم عليه، خير من كثير تنقطع عنه، فالعمل الدائم هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الأحب إلى الله كما جاء في هذا الحديث: (أحب إلى الله من العمل أدومه)، وفي بعض الروايات: (وإن قل)، أي: وإن كان قليلاً، وقد مر بنا قريباً الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن عائشة لما سئلت عن أحب الأعمال إلى الله؟ قالت: الدائم)، أي: الذي يداوم عليه، فهنا الأحب إلى الله العمل الدائم، والأحب إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، العمل الدائم، كما جاء ذلك في حديث مضى في هذه السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: [(عليكم من العمل ما تطيقون)]، أي: ما تقدرون عليه، وما لا يحصل معه ملل، ولا يحصل معه أمور تفضي إلى التخلي عن العبادة بسبب الملل، وقال: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)، والحديث سبق أن مر بنا، وليس فيه وصف الله بالملل، فالله تعالى لا يمل، فقوله: [(حتى تملوا)]، يعني: حتى لو حصل منهم الملل، فإن الله لا يمل، وليس معنى ذلك أنهم إذا ملوا مل، فالله تعالى لا يوصف بالملل.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: [(وإن أحب العمل ما داوم عليه صاحبه)]، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، أي: بانقطاع العبادة، والاشتغال بها، وكون الإنسان يتعب نفسه، ويتسبب في فوات مصالح أخرى، فالله عز وجل الأحب إليه غير ذلك، وهو: العمل الدائم ولو كان قليلاً، أما الإكثار من العمل، ثم يعقبه الملل أو السأم، ثم الترك، فهذا لا ينبغي للمسلم أن يحصل ذلك منه، وإنما يداوم على العمل الصالح، ولو كان قليلاً، ولا يكثر العمل في وقت ما، فيكون ذلك سبباً في تفويت فوائد أخرى، أو إلحاق ضرر به، يمنعه من القيام بهذا الذي أراده أو الذي قصده، من إكثار العمل، ومن تكثيره.
تراجم رجال إسناد حديث: (عليكم من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا ...)

قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف].هو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، وقد مر ذكره.
[عن هشام].
هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أبي].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام هذا، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم من الفقهاء السبعة، والسابع منهم، فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن عائشة].
و عائشة، وقد مر ذكرها.
شرح حديث: (... ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن موسى عن عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: لـزينب تصلي فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه [(أنه رأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين في المسجد، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا لـزينب تصلي، وإذا حصل منها تعب تعلقت به، فقال: حلوه -يعني: أزيلوه- ثم قال: ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)].
يعني: يقعد عن الصلاة، أو يمكن أن يصلي وهو جالس؛ لأن صلاة النافلة يجوز للإنسان أن يصليها وهو جالس، لكن على النصف من صلاة القائم، لكن العمل أو الصلاة الطويلة التي تثمر التعب، وتفوت مصالح، غيرها أولى منها، كما سبق أن مر في الحديث الذي قبل هذا، وإنما يصلي الإنسان نشاطه، وإذا فتر فإنه يقعد، أي: لا يستمر في الصلاة، وإن صلى جالساً، فإن ذلك سائغ؛ لأن صلاة النافلة جائزة عن جلوس مع القدرة على القيام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد)
قوله: [أخبرنا عمران بن موسى].صدوق، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن عبد الوارث].
هو عبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد العزيز].
هو عبد العزيز بن صهيب البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (أفلا أكون عبداً شكوراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن منصور واللفظ له، عن سفيان عن زياد بن علاقة سمعت المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه يقول: (قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)].أورد النسائي في نفس الترجمة حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام قام حتى تفطرت قدماه)]، يعني: صلى من الليل وقام حتى تفطرت قدماه، [(فقيل له: كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فكان جوابه عليه الصلاة والسلام أن قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)]، أي: أن كون الله عز وجل غفر له، ورفع منزلته، جعله يقبل على العبادة، وذلك شكراً لله عز وجل أن جعله كذلك، أي: جعله مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا مما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الحرص على طاعة الله عز وجل، وعلى شكر الله عز وجل على ما أنعم به عليه، وشكره لله عز وجل بطاعته، يعني: يشكره على نعمه، وعلى الإحسان إليه بأن يتقرب إليه بالعبادة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أفلا أكون عبداً شكوراً)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن منصور واللفظ له].قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ومحمد بن منصور الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة، الاثنان يرويان عن سفيان، وهو ابن عيينة، وقد عرفنا فيما مضى أن قتيبة لا يروي إلا عن ابن عيينة، لا يروي عن الثوري شيئاً، وأما محمد بن منصور، فإنه يروي عن سفيان الثوري، وعن ابن عيينة، إلا أنه عند الإطلاق فإنه يصرف إلى ابن عيينة؛ لأنه مكي كما أن ابن عيينة مكي، ومما زاد الأمر وضوحاً بأنه ابن عيينة كون قتيبة روى أيضاً معه الحديث، وقتيبة لا يروي إلا عن ابن عيينة ولا يروي عن الثوري، كل ما جاء قتيبة يروي عن سفيان، فالمراد ابن عيينة ولا يراد به الثوري؛ لأن الثوري توفي سنة مائة وواحد وستين، وقتيبة ولد سنة مائة وخمسين، وهي السنة التي مات فيها أبو حنيفة، وولد فيها الشافعي، أي: إن عمر قتيبة حين وفاة الثوري، إحدى عشر سنة، وقد عمر قتيبة فكان عمره تسعين سنة، عاش إلى سنة مائتين وأربعين، وروايته عن سفيان بن عيينة، الذي عاش بعد الثوري سبعاً وعشرين سنة؛ لأنه توفي سنة مائة وسبع وتسعين، فكل ما جاء قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة.
[عن زياد بن علاقة].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[سمعت المغيرة بن شعبة].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث: (كان رسول الله يصلي حتى تزلع قدماه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا صالح بن مهران -وكان ثقة- حدثنا النعمان بن عبد السلام عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تزلع -يعني: تشقق- قدماه)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وهو: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي حتى تزلع -أي: تشقق- قدماه)، وهذا من جنس حديث المغيرة الذي تقدم أنه صلى حتى تفطرت قدماه عليه الصلاة والسلام.
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].
هو الفلاس البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ناقد متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً.
[حدثنا صالح بن مهران، قال: وكان ثقة].
أي: الذي يقول هذا هو الفلاس، يعني عن صالح بن مهران وكان ثقة، أي: صالح بن مهران ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا النعمان بن عبد السلام].
ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة؛ لأنه في ترجمة النعمان بن عبد السلام قال: روى عن سفيان الثوري، وروى عنه أبو سفيان صالح بن مهران الأصبهاني، وروى عنه، يعني: جملة الذين رووا عنه أبو سفيان صالح بن مهران الأصبهاني، وسفيان بن سعيد بن مسروق ثقة، ثبت، حجة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم بن كليب].
صدوق رمي بالإرجاء، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو كليب بن شهاب، وهو أيضاً صدوق، أخرج حديثه البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة على الإطلاق.
الأسئلة


إخراج الزكاة من صندوق للإقراض والتوفير
السؤال:
نحن زملاء في العمل، وعملنا صندوقاً يساهم فيه كل عضو من المشتركين بما شاء من الأسهم، وقيمة كل سهم مائتي ريال، فإذا كان هذا الصندوق يترك فيه المال مدة سنة، ثم يقرضون منه من شاء إلى حد خمسة عشر ألفاً، فيصبح الصندوق للقرض والتوفير، وكل عضو يستطيع استرداد ماله حينما يكون في الصندوق مال أو ينتظر حتى يجتمع المال، فهل في الصندوق زكاة؟ وكيف استخراجه؟
الجواب:
إذا كان الأمر كما ذكر في السؤال، أن كل واحد يضع مقداراً من المال في هذا الصندوق، وهم باقون على أملاكهم، ترجع إليهم أملاكهم إذا أرادوا، ويقرضون منها، فكل واحد باق على ملكه؛ لأنه لم يخرج من ملك الواحد، يعني: ليس تبرعاً، أي: تبرع به بحيث أنه يخرج من ملكه، ما دام أن الملك باق، وأنه لم يخرج من ملكه ما أخرجه ووضعه في الصندوق، وإنما هو للتوفير، ولإقراض من يحتاج إلى إقراضه، إذاً: المال باق على ملك المالكين، فهو يمكن أن يضمه إلى ماله، أي: المقدار الذي وضعه في الصندوق، عندما يخرج الزكاة يحسب الذي عنده، ويحسب الذي له في الصندوق أو الذي وضعه في الصندوق، ويخرج زكاة الجميع؛ لأن الكل ماله، أكثر ما في الأمر أن هذا المال في حوزته، وذاك وضع في ذلك الصندوق الذي قصد منه التوفير والإقراض عندما يحتاج أحد إلى إقراض.

ابو الوليد المسلم
04-09-2026, 09:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(297)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك


جاءت روايات كثيرة تبين كيفية صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الليل، وأنها بكيفيات متعددة؛ فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى جالساً ركع جالساً، وأحياناً يصلي قاعداً فإذا بقي قدر ثلاثين أو أربعين آية قام وقرأ وهو قائم ثم ركع.

كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك

شرح حديث: (كان رسول الله يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يفعل إذا افتتح الصلاة قائماً، وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن بديل وأيوب عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً)].
يقول النسائي رحمه الله: كيف يفعل الركوع إذا صلى قائماً وذكر اختلاف الناقلين عن عائشة في ذلك.
ومراد النسائي رحمه الله من هذه الترجمة؛ هو: أنه إذا افتتح الصلاة قائماً، فإنه يركع وهو قائم، وإذا صلى وهو جالس، فإنه يركع ويسجد وهو جالس، أي: إن ركوعه وسجوده عن جلوس، إذا صلى جالساً، وركوعه وسجوده عن قيام إذا صلى قائماً، وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، [أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ليلاً طويلاً] يعني: أنه يصلي وقتاً كبيراً من الليل، وكان هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صلى قائماً ركع وهو قائم؛ أي: ركع عن قيام، وإذا صلى وهو جالس ركع وهو جالس، أي: ركع عن جلوس.
فهذا هو معنى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو يدل على أن صلاة النافلة يمكن للإنسان أن يصلي وهو قائم، ويمكن أن يصلي وهو جالس، وقد جاء في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الإنسان إذا صلى النافلة وهو جالس، فأجره على نصف أجر القائم، وهذا فيما إذا كان قادراً، وأما إذا كان مريضاً، فإنه يكتب له في حال مرضه ما كان يكتب في حال صحته وعافيته؛ وذلك للحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) بمعنى: أن الأمور التي كان يفعلها في حال الإقامة ولم يتمكن منها في حال السفر، فالله تعالى يكتبها له، وكذلك الأعمال التي يعملها في حال الصحة ولم يتمكن منها في حال المرض، فالله تعالى يكتبها له في حال مرضه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي ليلاً طويلاً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هنا حماد غير منسوب، وإذا جاء حماد غير منسوب فالمراد به ابن زيد؛ لأن قتيبة لا يروي إلا عن حماد بن زيد، وليس له عن حماد بن سلمة رواية، فإذا أهمله قتيبة فالمراد به حماد بن زيد.
وقد ذكر الحافظ المزي في آخر ترجمة حماد بن سلمة، وبعد ترجمة حماد بن زيد؛ لأن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة ترجمتهما متجاورتان؛ ولأن السين بعد الزاي، فـحماد بن زيد، ثم حماد بن سلمة، بعد ذكر ترجمة حماد بن سلمة ذكر بياناً فيما إذا كان مهملاً، فإنه إذا روى عنه فلان، وفلان، وفلان، فإنه يكون فلاناً، وإذا روى عن فلان يكون فلاناً، فذكر عدة أشخاص إذا كانوا هم التلاميذ، فإن من كان الراوي عن فلان أو فلان أو فلان مثلاً يعني: هو حماد بن زيد، وإذا كان فلان أو فلان، فهو حماد بن سلمة، وممن ذكره يروي عن حماد بن زيد: قتيبة، وأنه إذا جاء قتيبة يروي عن حماد غير منسوب، فالمراد: ابن زيد، وحماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بديل وأيوب].
بديل هو ابن ميسرة البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
وأيوب هو أيوب بن أبي تميم السخسياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو عبد الله بن شقيق العقيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وعبد الله بن شقيق هذا هو تابعي، جليل، وهو الذي روي عنه الكلمة المأثورة الذي يقول فيها: لم يكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، ولهذا وصفه النووي في رياض الصالحين فقال: عن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته.
[عن عائشة].
أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، التي رُميت بما رُميت به من الإفك، وأنزل الله تعالى براءتها بآيات تتلى من كتاب الله عز وجل، فمن رماها بعد ذلك بالإفك، أو أضاف الإفك إليها، فهو كافر بالقرآن، ومكذب بالقرآن؛ لأن الله عز وجل أنزل آيات تتلى في سورة النور، عشر آيات تتعلق ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي ممن حفظ الله بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها من أوعية السنة، وهي واحدة من سبعة أشخاص عُرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، وهم ستة رجال وامرأة واحدة هي: عائشة رضي الله عنها؛ وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس، وجابر بن عبد الله الأنصاري وهؤلاء ستة، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
حديث: (... فإذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم أخبرنا وكيع حدثني يزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قائماً وقاعداً فإذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، وإذا افتتح الصلاة قاعداً ركع قاعداً)].هنا أورد حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله؛ كان إذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، أي: عن قيام، وإذا افتتح الصلاة جالساً ركع جالساً، أي: ركع عن جلوس، وهو مثل الذي قبله.
قوله:
[أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم].
صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي.
[أخبرنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني يزيد بن إبراهيم].
هو التستري نزيل دمشق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
هو محمد بن سيرين البصري، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله عن عائشة].
عبد الله بن شقيق، وعائشة قد مر ذكرهما.
شرح حديث عائشة: (أن النبي كان يصلي وهو جالس... قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن القاسم عن مالك حدثني عبد الله بن يزيد وأبو النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو جالس، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو: [أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو جالس، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام، فقرأ وهو قائم، ثم ركع، ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك]، وهذا يدل على أنه إذا صلى جالساً أنه يركع وهو قائم؛ لأنه كان يصلي وهو جالس، ثم بعد ذلك إذا بقي من قراءته مقدار ثلاثين آية، قام وركع وهو قائم، فهذا لا ينافي الحديث المتقدم من الطريقين؛ وهما: إذا صلى قائماً ركع عن قيام، وإذا صلى جالساً ركع عن جلوس؛ لأنه أحياناً يفعل هذا، وأحياناً يفعل هذا، فإذا صلى جالساً ركع عن جلوس وأحياناً يركع عن قيام، وإذا بقي ثلاثين آية -كما في الحديث هذا- فإنه يقوم، ويقرأها وهو قائم، ثم يركع عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن بعض أحواله هكذا.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أن النبي كان يصلي وهو جالس... قام فقرأ وهو قائم ثم ركع ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة، ثبت، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، فقيه، أخرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة بمذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عبد الله بن يزيد].
هو عبد الله بن يزيد المخزومي المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأبو النضر].
هو سالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال، والستة المتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أما السابع، ففيه ثلاثة أقوال، فقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد ذكرهم ابن القيم رحمة الله عليه في أول كتابه إعلام الموقعين، وهو إعلام بكسر الهمزة مصدر أعلم إخبار، إخبار الموقعين عن رب العالمين، أي: المفتين الذين يكتبون الفتاوى ويوقعون عليها عن الله عز وجل، يخبرون عن شرع الله سبحانه وتعالى، فهو كتاب إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم حتى يقال له: أعلام الموقعين، وإنما هو كتاب فقه، ومشتمل على إخبار الموقعين عن رب العالمين، وقد أورد في أوله جملة من الفقهاء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم في كل بلد من البلدان في الحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وعندما جاء إلى المدينة، وذكر الفقهاء في عصر الصحابة، والفقهاء في عصر التابعين، ذكر أن من الفقهاء في المدينة في عصر التابعين سبعة اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، وقد ذكرهم، وجعل السابع فيهم: أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر، اشتمل الثاني منهما على بيان السبعة، وسابعهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهذان البيتان هما قول الشاعر:
إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة؟
فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة
وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد تقدم ذكرها.
شرح حديث: (... فكان يصلي وهو جالس ... قام فقرأ بها ثم ركع) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عيسى بن يونس حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى جالساً حتى دخل في السن، فكان يصلي وهو جالس، يقرأ، فإذا غبر من السورة ثلاثون أو أربعون آية، قام، فقرأ بها، ثم ركع)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى جالساً إلا لما تقدمت به السن فإنه كان يصلي جالساً وإذا غبر من السورة ثلاثون آية يعني: بقي قام، فقرأ بها، ثم ركع)، و(غبر) هذه من الأضداد، تأتي بمعنى: الماضي، وتأتي بمعنى: الباقي، أو الذي يأتي، فهي من الألفاظ التي تأتي على الأضداد مثل: قرء، فإنه يأتي بمعنى: الحيض وبمعنى: الطهر، وهما ضدان، و(غبر) يأتي بمعنى الماضي وبمعنى المستقبل، وهما ضدان، ومثل: (عسعس) يأتي بمعنى: أقبل، وأدبر، وهما ضدان، فهناك كلمات يقال لها: من الأضداد، وقد ألف فيها مؤلفات، وهذا منها، ومنه كتاب الحافظ الذهبي (العبر في أخبار من غبر) يعني: أخبار من مضى؛ لأنه يتعلق بأخبار الماضين، والذي معنا هنا من قبيل الباقي وليس من قبيل الماضي؛ لأنه قال: (فإذا غبر ثلاثون آية، قام، وقرأها) يعني: إذا بقي ثلاثون آية، قام، وقرأها عن قيام، ثم ركع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الحاصل: أن هذا مثل الرواية السابقة إلا أن فيها زيادة؛ (أنه كان يفعل ذلك لما أسن، أنه كان يصلي جالساً فإذا بقي مقدار ثلاثين آية، قام، وقرأها، ثم ركع عن قيام وكان صلى جالساً)، وكما قلت: هذه الرواية والتي قبلها يوفق بينها وبين الروايتين السابقتين؛ بأنه أحياناً يركع عن جلوس إذا صلى جالساً، وأحياناً يركع عن قيام إذا صلى جالساً؛ لأنه يقوم إذا بقي مقدار ثلاثين آية، فيقرؤها ويركع عليه الصلاة والسلام.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 05:43 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (... فكان يصلي وهو جالس ... قام فقرأ بها ثم ركع) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن راهوية الحنظلي المروزي وهو ثقة، ثبت، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا عيسى بن يونس].
هو ابن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل بن يونس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن عروة].
هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه]
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، من الفقهاء السبعة المعروفين في عصر التابعين والذي مر ذكرهم قريباً، وهو من الستة المتفق على عدهم من الفقهاء السبعة كما أشرت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مر ذكرها.
شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ وهو قاعد فإذا أراد أن يركع قام ...) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا الوليد بن أبي هشام عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهو قاعد فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية)].هنا أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى وهي مثل الطريقين السابقتين؛ وهو أنه كان يصلي وهو جالس فإذا بقي مقدار ما يقرأ إنسان (أربعين آية) قام، وفي بعض الروايات (ثلاثين)، ولا تنافي بين ذكر الأربعين وذكر الثلاثين، فأحياناً يكون هكذا، وأحياناً يكون هكذا، وهو ما يكون في حدود هذا المقدار بين الثلاثين والأربعين، فإذا بقي هذا المقدار قام، وقرأه، وركع عن قيام صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ وهو قاعد فإذا أراد أن يركع قام ...) من طريق ثالثة

قوله:
[أخبرنا زياد بن أيوب].
هو البغدادي وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له مسلم، ولا ابن ماجه، وكان أحمد يلقبه: شعبة الصغير يعني: شعبة بن حجاج، ومعناه: أنه يشبه شعبة في الحفظ والإتقان، ولقبه دلويه.
[حدثنا ابن علية].
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بالنسبة إلى علية أمه، فقال له ابن علية.
[حدثنا الوليد بن أبي هشام].
صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي بكر بن محمد].
هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، وهو ثقة، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرة].
هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وهي ثقة، أكثرت من الرواية عن عائشة، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مر ذكرها.
شرح حديث: (... فيصلي ثمان ركعات يخيل إلي أنه يسوي بينهن في القراءة والركوع والسجود ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي عن عبد الأعلى حدثنا هشام عن الحسن عن سعد بن هشام بن عامر قال: (قدمت المدينة، فدخلت على عائشة رضي الله عنها، قالت: من أنت؟ قلت: أنا سعد بن هشام بن عامر قالت: رحم الله أباك قلت: أخبريني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وكان، قلت: أجل، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل صلاة العشاء، ثم يأوي إلى فراشه، فينام، فإذا كان جوف الليل قام إلى حاجته وإلى طهوره، فتوضأ، ثم دخل المسجد، فيصلي ثمان ركعات، يخيل إلي أنه يسوي بينهن في القراءة، والركوع، والسجود، ويوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه، فربما جاء بلال فآذنه بالصلاة قبل أن يغفى، وربما يغفى، وربما شككت أغفى أو لم يغف حتى يؤذنه بالصلاة، فكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسن ولحم، فذكرت من لحمه ما شاء الله، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس العشاء، ثم يأوي إلى فراشه، فإذا كان جوف الليل قام إلى طهوره وإلى حاجته، فتوضأ، ثم يدخل المسجد فيصلي ست ركعات، يخيل إليّ أنه يسوي بينهن في القراءة، والركوع، والسجود، ثم يوتر بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يضع جنبه، وربما جاء بلال، فآذنه بالصلاة قبل أن يغفى، وربما أغفى، وربما شككت أغفى أم لا، حتى يؤذنه بالصلاة قالت: فما زالت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وقد مر حديث في أول الكتاب -الذي هو: كتاب قيام الليل، وتطوع النهار- من طريق سعد بن هشام بن عامر هذا الذي جاء، وطلب من حكيم بن أفلح أن يذهب معه إلى أم المؤمنين عائشة، وسألته عن هذا من هو الذي معك؟ قال: إنه سعد بن هشام، فقالت: ابن هشام قال: ابن عامر قالت: رحم الله أباك، ثم إنه سألها عدة أسئلة عن خلقه، وعن صلاته في الليل، وعن وتره، وهذه الطريق مختصرة عن الطريق السابقة، وفيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء، ثم ينام، ثم يقوم في جوف الليل، فيصلي ثمان ركعات، يخيل لـعائشة أنها متساوية في القراءة، والركوع، والسجود، ثم يأتي بركعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ولما أسن كان ينام بعد صلاة العشاء، ويستيقظ في جوف الليل، ويقضي حاجته ويتوضأ، ثم يصلي ستاً، ويصلي بعدها ركعة يوتر بها، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فهذه صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قائماً ويصلي جالساً، كان يصلي الليل جالساً، وقائماً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه الرواية تختلف عن الرواية السابقة التي فيها أنه حصل فيها شيء من الخطأ أي: السابقة؛ وهي: أنه كان بعد أن يصلي ثماني ركعات يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يوتر بركعة، فيكون إحدى عشر، فجعل الثنتين وهو جالس متوسطة بين الثمان وبين الوتر، ولا شك أن تلك خطأ، كما قال النسائي نفسه قال: ولا أدري ممن الخطأ، وأما هذه الرواية فهي سليمة من الخطأ؛ لأن الوتر جاء بعد الثمان، يعني: صلاته تسع ثم أتى بركعتين وهو جالس، وبعدما أسن صلى ستاً، ثم صلى ركعة، ثم ركعتين وهو جالس.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فيصلي ثمان ركعات يخيل إلي أنه يسوي بينهن في القراءة والركوع والسجود ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الأعلى].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[حدثنا هشام].
هو هشام بن حسان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[سعد بن هشام بن عامر].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مر ذكرها.

الأسئلة

الفرق بين علو الله تعالى وارتفاعه وبين علوه واستوائه
السؤال: فضيلة الشيخ، ما الفرق بين علو الله تعالى وارتفاعه، وبين علوه واستوائه؟ وهل ورد عن السلف تفسير الاستواء بالجلوس؟ وهل يصح هذا التفسير؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب: ما نعرف أنه جاء عن السلف تفسير الاستواء بالجلوس، وإنما عبارة السلف التي جاءت في تفسير الاستواء أربع وهي: علا، وارتفع، وصعد، واستقر، قد ذكرها ابن القيم في نونيته، وأن عباراتهم أربع هي هذه الأربع، وليس فيها ذكر الجلوس، وأما استواء الله عز وجل وعلوه، فالاستواء من صفات الأفعال، وهو استوى بعد خلق السماوات والأرض كما جاء في القرآن الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الفرقان:59] وأما العلو: فهو من صفاته الملازمة له التي لا تتعلق بالمشيئة والإرادة، فهو عال، ومن صفات ذاته العلو، وإنما الذي يتعلق بالمشيئة هو الاستواء؛ لأنه من صفات الأفعال، وأما العلو فليس من صفات الأفعال، بل هو من صفات الذات.
التفصيل في زكاة المشاريع الاستثمارية قبل استلام رأس مالها
السؤال: فضيلة الشيخ، رجل أخذ مشروع عمل، ولم يدفع له المال إلا بعد ثلاث سنوات فهل الزكاة عليه أو على أهل المشروع؟ وهل يزكي هذا المال لثلاث سنوات إن كان عليه زكاة؟
الجواب: هو إذا ملكه فإنه إذا حال عليه الحول يزكيه، وإذا كان ملكه إياه من قبل وإنما أخره عند صاحبه الذي كان له عليه الحق، وهذا الشخص مليء، ويمكنه أن يعطيه متى أراد، ولكنه من طلب منه ذلك، فإنه يزكيه، ولو لم يقبضه؛ لأن الدين الذي على مليء مثل المال الذي في حوزة الإنسان؛ فإنه يحسبه مع ماله ويزكيه، وأما إذا كان غير مليء معسر، فإنه لمرة واحدة؛ لأنه ما دام أنه معسر قد لا يحصل عليه أبداً، فقد يكون معناه: أنه يصير من جملة الشيء الذي هو ميئوس منه.
كيفية الجلوس في الصلاة
السؤال: فضيلة الشيخ، ما هي كيفية الجلوس في الصلاة؟
الجواب: الجلوس في الصلاة الذي ورد، والذي جاءت به الأحاديث هو التورك والافتراش؛ الافتراش يكون بين السجدتين، ويكون في التشهد الأول، أو في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد، والتورك يكون في التشهد الثاني من الصلاة التي فيها تشهدان، كالمغرب، والعشاء، والظهر، والعصر، فإن التورك يكون في التشهد الثاني من الصلاة ذات التشهدين، والمسألة خلافية بين العلماء منهم من قال: بالافتراش مطلقاً، ومنهم من قال: بالتورك مطلقاً، ومنهم من فصل، والتفصيل الذي ذكرت هو الأظهر، وهو الأرجح.
أما بالنسبة للمريض فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] يفعل الذي يستطيع، إذا كان يستطيع أن يفعل هذا التفصيل يفعل، وإذا كان لا يستطيع الافتراش يتورك، أو لا يستطيع التورك يفترش.
حكم استقدام عمال من الكفار في بلاد المسلمين
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز عقد الإجارة لبعض الممرضات الذميات داخل المدينة أو خارجها جنب الجامعة الإسلامية؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.
الجواب: أولاً: مجيء الكفار للجزيرة العربية، فقد جاء في السنة بأنه لا يسوغ، ولا يكون ذلك إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئ إليه، فاستقدام عمال، وما إلى ذلك ممن يقوم مقامهم المسلمون، فإن هذا ليست من الضرورة، وهذا لا يجوز للناس المستقدمين أن يستقدموا الكفرة، وإنما يستقدموا المسلمين إذا كان هناك أمر يقتضي الاستقدام، وضرورة تلجئ إليه، والناس توسعوا في مسألة الاستقدام، وصار عندهم ترف فيما يتعلق بالاستقدام، وصاروا لا يحركون ساكناً إلا بعمال، وحتى البيوت كثر فيها العمال، فمثل هذا فيه محاذير، وفيه مفاسد كثيرة، ولو لم يكن فيه من المفاسد إلا كون المرأة تأتي بدون محرم، وهو خلاف السنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم) وأما بالنسبة للكافرات والكفار فلا يجوز استقدامهم للجزيرة إلا لضرورة تلجئ إلى ذلك، والناس توسعوا في هذا من غير ضرورة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (أمرت أن أخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً) والحديث في صحيح مسلم .
كيفية قنوت الوتر ووقته
السؤال: فضيلة الشيخ، هل القنوت في الوتر بعد الركوع أم قبله، وما هي كيفيته؟
الجواب: قنوت الوتر يكون قبل الركوع وبعده، وكيفيته كما هو معلوم: فإنه يرفع اليدين في القنوت في الوتر، وأما في النوازل فقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام رفع اليدين، فيدعو بالدعاء الوارد، وكذلك أيضاً إذا دعا بشيء من الأدعية لا بأس بذلك؛ لأنه جاء عن بعض الصحابة أنهم كانوا يضيفون أدعية على ما جاء في حديث تعليم القنوت للحسن بن علي رضي الله تعالى عنه.
حكم حلق الشعر الذي تحت الذقن
السؤال: فضيلة الشيخ، ما حكم حلق الشعر الذي تحت الذقن، هل يعد من اللحية أم لا؟
الجواب: ليس للإنسان أن يتعرض لحلق وجهه، يعني: شعر لحيته وما يتصل بها إلا الشارب، فإنه يقصره ولا يحلقه، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قرب الموس من اللحية فإنه يأكلها.
الجمع بين قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) وبين صلاته بعد الوتر ركعتين
السؤال: كيف يجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) وبين أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر؟
الجواب: هذا قيل عنه: أنه ليبين الجواز وأن ذلك جائز، ولكن كون الإنسان يجعلها وتراً هذا هو الأصل، وإذا صلى بعد الوتر شيئاً من الصلوات فإنه جائز، وإذا استيقظ في آخر الليل وأراد أن يصلي وقد أوتر فله أن يصلي، لكن لا يوتر مرة أخرى، فهذا العمل الذي عمله الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على جواز مثل ذلك العمل الذي قد يحتاج الإنسان إليه.
حكم رفع اليدين في تكبيرات الجنازة
السؤال: فضيلة الشيخ، هل رفع اليدين في الجنازة أفضل أم لا؟
الجواب: رفع اليدين في تكبيرات الجنازة جاءت السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر مرفوعاً، وجاء عنه موقوفاً، والمرفوع فيه زيادة ثقة فيؤخذ بها، والسنة ثابتة في الرفع، فإذا أتى الإنسان بالرفع فقد أصاب السنة.
عدد من سموا بأمير المؤمنين

السؤال: فضيلة الشيخ، عن ذكر من سموا بأمير المؤمنين بالحديث وكم عددهم جزاكم الله خيراً؟
الجواب: ما أستطيع حصرهم، لكن أذكر منهم البخاري، والدارقطني، وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وقد جمعهم محمد حبيب الشنقيطي في قصيدة لكنه ذكر فيها أناساً قد تكلم فيهم، ومنهم عبد العزيز بن محمد الدراوردي الذي هو صدوق يخطئ، ذكره من بينهم، فهو جمعهم، وفيهم من لا يسلّم، ولعله قال ذلك بعض الناس وما التفت إلى الذي قيل فيه من التضعيف، لكن مثل من قيل فيه صدوق يخطئ أو كذا لا يصلح أن يوصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، أنا ما أتذكرهم، لكن هذا الذي أذكر منهم.
حكم الأذان للمرأة
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يشرع للمرأة أن تؤذن للنساء؟
الجواب: ليس على النساء أذان ولا إقامة.
نواقض الإسلام

السؤال: ما هي نواقض الإسلام؟
الجواب: نواقض الإسلام يمكن للإنسان أن يقرأ في كتب الفقه حكم المرتد، فإنهم يذكرون صيغاً عديدة، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ذكر عشرة منها مطبوعة ومنتشرة يمكن للإنسان يطلع عليها، ويمكن أن يرجع إلى باب حكم المرتد من كتب الفقه، فيجد أسماء كثيرة، وألفاظاً كثيرة يوصف من قالها بأنه مرتد وأنه كافر والعياذ بالله.
حكم إيصال الماء تحت الذقن عند غسل الوجه
السؤال: هل يجوز إيصال الماء تحت الذقن في الوضوء عند غسل الوجه؟
الجواب: لا، الوجه هو ما تحصل به المواجهة، ومن السنة تخليل اللحية، وليس بواجب، وإنما يغسل ما تحصل به المواجهة، وتخليل اللحية مستحب، أي: كونه يدخل أصابعه وهي مبلولة بين الشعر، لكن كونه يغسل من داخل ليس هذا داخل في الوضوء.

ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 05:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(298)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب صلاة القاعد في النافلة، وذكر الاختلاف على أبي إسحاق في ذلك


جاء الشرع الحكيم بالتوسعة على المكلفين في جواز أداء صلاة النافلة قاعداً بغير عذر، على أن لفاعله نصف أجر القائم، ترغيباً في الإكثار من صلاة النافلة، كما أن من صلاها قاعداً لعذر فله الأجر كاملاً.
صلاة القاعد في النافلة وذكر الاختلاف على أبي إسحاق في ذلك
شرح حديث: (... وما مات رسول الله حتى كان أكثر صلاته قاعداً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة القاعد في النافلة وذكر الاختلاف على أبي إسحاق في ذلك. أخبرنا عمرو بن علي عن حديث أبي عاصم حدثنا عمر بن أبي زائدة حدثني أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع من وجهي وهو صائم، وما مات حتى كان أكثر صلاته قاعداً، ثم ذكرت كلمة معناها: (إلا المكتوبة) وكان أحب العمل إليه ما دام عليه الإنسان، وإن كان يسيراً) خالفه يونس رواه عن أبي إسحاق عن الأسود عن أم سلمة].
يقول النسائي رحمه الله: صلاة القاعد في النافلة، وذكر اختلافه على أبي إسحاق في ذلك، المقصود من هذه الترجمة أن الصلاة عن الجلوس في النافلة أن ذلك سائغ وجائز، ولو كان قادراً، إلا أن الأولى للإنسان مع القدرة أن يصلي عن قيام؛ لأنه أكمل وأفضل؛ ولأن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم في الأجر، فالصلاة عن قيام هي الأفضل والأكمل، أما إذا كان صلى قاعداً لمرضه وهو لا يستطيع أن يصلي قائماً، فله مثل أجر القائم، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).
الحاصل: أن صلاة القاعد في حال المرض، هو القيام بما يقدر عليه الإنسان، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (صل قائماً فإن لم تستطع، فقاعداً فإن لم تستطع، فعلى جنب) قال ذلك لـعمران بن حصين رضي الله تعالى عنه.
وقد أورد النسائي حديث عن عائشة، وعن أم سلمة، وعن حفصة رضي الله تعالى عنهن في ذلك، وأولها حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: (ما كان يمتنع من وجهي وهو صائم) أي: أنه ما كان يمتنع من تقبيلها وهو صائم، بل كان يقبل وهو صائم عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن التقبيل للصائم، إذا كان الإنسان يملك نفسه، ولا يخشى أن يترتب عليه ما يفسد الصيام، فإن ذلك سائغ، ولا بأس به.
قالت: (وما مات حتى كان أكثر صلاته قاعداً) عليه الصلاة والسلام، وهذا في آخر أمره عليه الصلاة والسلام إما للمرض وإما لوجود مشقة، وإن كان قادراً فليبين الحكم للأمة وهو الجواز، والنبي عليه الصلاة والسلام ما فعل ذلك إلا في آخر عمره عليه الصلاة والسلام، فمع عدم القدرة الأمر في ذلك واضح، وقد عرفنا الدليل الذي يدل عليه ومع القدرة فهو يبين للناس الجواز، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
(ثم ذكرت كلمة معناها: إلا المكتوبة)، يعني: النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يصلي المكتوبة إلا قائماً، والمقصود: أن الذي كان يفعله إنما هو في النافلة، وأما المكتوبة فكان لا يصليها إلا عن قيام عليه الصلاة والسلام، إلا إذا مرض فإنه يصليها عن جلوس كما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام في آخر حياته، حيث صلى بالناس جالساً، وأبو بكر عن يمينه يصلي بصلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والناس يصلون بصلاة أبي بكر.
قالت: (وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه الإنسان وإن كان يسيراً ). يعني: ولو كان الذي يداوم عليه يسيراً، فإن هذا هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والأحب إلى رسول الله هو الأحب إلى الله كما جاء في الحديث: (وإن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) ولا يقال: إن الأحب إلى رسول الله يختلف عن الأحب إلى الله، وأن الله تعالى يكون شيء إليه أحب، ويكون غيره أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل محبته تابعة لمحبة الله، وما كان إلى الله أحب، فهو إلى رسوله عليه الصلاة والسلام أحب.
ومما يذكر هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر من مكة إلى المدينة، لم يهاجر إلى المدينة لأنها أفضل من مكة، بل جاء عنه ما يدل على أن مكة أفضل، حيث قال عندما هاجر كما جاء في الحديث الصحيح: (إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أنني أخرجت لما خرجت) وهذا يدل على أن مكة أحب البلاد إلى الله عز وجل، وهناك حديث موضوع بخلاف هذا، وفيه أن الأحب إلى رسول الله غير الأحب إلى الله، وهو الحديث الذي يقال فيه: (إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ، فأسكني بأحب البقاع -أو البلاد- إليك) وهي المدينة، فهذا فيه أن الأحب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مكة، وأن الأحب إلى الله المدينة، وهذا حديث موضوع من جهة أن فيه المخالفة بين ما يحبه الله وما يحبه الرسول وهذا ليس بصحيح، بل الأحب إلى الله هو الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والأمر الثاني: أنه يخالف نص الحديث الثابت الصحيح الذي يدل على أن مكة هي أحب البلاد إلى الله (إنك أحب بلاد الله إلى الله) فالأحب إلى الله هو الأحب إلى رسول الله، وفي الحديث الذي معنا أن أحب العمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم ولو كان يسيراً، والحديث الصحيح الذي مر بنا فيه: (عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) وإنما كان العمل الدائم، ولو كان قليلاً أحب إلى الله، وأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه دائم ومستمر، ولأن الإنسان يفعل ذلك في أيامه ولياليه، فهو مستمر على القليل، بخلاف الإنسان الذي يهمل، ثم ينشط في بعض الأحيان، وكثير من الأحيان يهمل ويغفل، فالأجل قد يوافيه وهو في حال الغفلة، لكنه إذا كان على عمل دائم مستمر عليه، فإنه على خير، والأجل إذا وافاه يوافيه وهو على عمل دائم وعلى عمل مستمر، ويقولون: قليل تداوم عليه خير من كثير تنقطع عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وما مات رسول الله حتى كان أكثر صلاته قاعداً ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس المحدث، الثقة، المتكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، ويأتي ذكره في كتب التراجم يوثق ويجرح، فيقال: وثقه الفلاس، ضعفه الفلاس قال فيه الفلاس: كذا، أو يقول فيه عمرو بن علي: كذا لقبه الفلاس البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حديث أبي عاصم].
هو النبيل، أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري الملقب النبيل، وهو من كبار شيوخ البخاري، والنسائي يروي عنه بواسطة، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عمر بن أبي زائدة].
صدوق، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثني أبو إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، ينسب إلى قبيلة همدان نسبة عامة، وينسب إلى سبيع، وهو مشهور بالنسبة إلى سبيع، وهم بطن من همدان وهي نسبة خاصة، فهو: أبو إسحاق السبيعي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والمخضرم: هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء يقال لهم: المخضرمون، منهم: الأسود بن يزيد بن قيس، ومنهم: أبو وائل شقيق بن سلمة، ومنهم: الصنابحي، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: المعرور بن سويد، وهم عدد يزيدون على العشرين جمعهم الإمام مسلم رحمه الله.
[عن عائشة].
هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق التي حفظت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما السنن المتعلقة بالبيوت التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنها من أوعية العلم، ممن حفظ الله تعالى بها السنة، وهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
ثم قال: [خالفه يونس رواه عن أبي إسحاق عن الأسود عن أم سلمة].
هنا ذكر النسائي رواية أخرى عن أبي إسحاق عن الأسود عن أم سلمة، وسيأتي بيانها في الإسناد التالي الذي فيه هذه الطريق التي أشار إليها.
شرح حديث: (ما قبض رسول الله حتى كان أكثر صلاته جالساً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن سلم البلخي حدثنا النضر أخبرنا يونس عن أبي إسحاق عن الأسود عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته جالساً إلا المكتوبة) خالفه شعبة وسفيان وقالا: عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة].أورد النسائي حديث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو مثل حديث عائشة، أنه (ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته جالساً إلا المكتوبة)، يعني: في آخر عمره عليه الصلاة والسلام، وجاء في حديث حفصة أنه قبل أن يموت بعام، وهذا يبين أنه كان في آخر حياته عليه الصلاة والسلام كان كذلك، يعني: أن النوافل أكثر ما كان يصليها وهو جالس، وأما المكتوبة فإنه يصليها وهو قائم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

تراجم رجال إسناد حديث: (ما قبض رسول الله حتى كان أكثر صلاته جالساً ...)

قوله: [أخبرنا سليمان بن سلم البلخي].ثقة، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا النضر].
هو النضر بن شميل، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يونس].
هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو صدوق، يهم قليلاً، وقد أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ويونس بن أبي إسحاق هو أبو إسرائيل وأبو عيسى الذين يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد هذا أبوهم يونس بن أبي إسحاق.
[عن أبي إسحاق عن الأسود عن أم سلمة].
أبو إسحاق، والأسود، قد مر ذكرهما، وأم سلمة هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
ثم ذكر بعد هذه الطريق طريقين: إحداهما من طريق شعبة، والثانية من طريق سفيان، وهما مخالفان في الرواية لهذه الطريقة السابقة، والطريقة الأولى هي طريق شعبة.
وجه المخالفة من حيث الرواية، هذا رواه عن طريق أم سلمة، وهذا رواه عن طريق عائشة، والمخالفة ليست مخالفة تؤثر، بل هما حديثان، إلا أن أبا إسحاق رواه من طريقين: عن الأسود عن عائشة، وعن الأسود عن أم سلمة، وهما حديثان كل منهما صحيح.
حديث: (ما مات رسول الله حتى كان أكثر صلاته قاعداً ...) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة عن أبي إسحاق سمعت أبا سلمة عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته قاعداً إلا الفريضة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل)].أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله، فيه (وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل). وهذه الطريق فيها بالإضافة إلى أنه كان يصلي في آخر عمره أكثر صلاته النافلة وهو قاعد إلا المكتوبة، فإنه يصليها عن قيام، وفيه بالإضافة إلى ذلك أن أحب العمل إليه الأدوم وإن كان قليلاً.
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
هو إسماعيل بن مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
وقد مر ذكره.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين في المدينة على أحد الأقوال في السابع.
[عن أم سلمة].
وقد مر ذكرها.
هذه طريق شعبة، فيها أن أبا إسحاق يرويه من طريق أبي سلمة، والطريق السابقة: أبو إسحاق يرويه من طريق الأسود عن أم سلمة، وهذا يرويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها.
حديث: (ما مات رسول الله حتى كان أكثر صلاته قاعداً إلا المكتوبة) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد حدثنا يزيد حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (والذي نفسي بيده، ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته قاعداً إلا المكتوبة، وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه وإن قل) خالفه عثمان بن أبي سليمان، فرواه عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها]. وهذه الطريق مثل الطريق السابقة، من حيث رواية أبي إسحاق؛ لأنها عن أبي سلمة عن أم سلمة، ولهذا قال: خالفه شعبة، وسفيان، رووه عن طريق أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة، يعني: رواية سفيان، ورواية شعبة متفقتان في رواية أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، والمتن هو المتن الذي قبل هذا.
قوله: [أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد].
هو عبد الله بن عبد الصمد الموصلي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا يزيد].
يزيد هنا غير منسوب، ولا أدري من هو، ولم يذكر المزي في ترجمة عبد الله بن عبد الصمد في شيوخه من يسمى يزيد، وفي ترجمة سفيان الثوري، ذكر في تلاميذه ثلاثة ممن يسمونه يزيد، وهم: يزيد بن أبي حكيم، ويزيد بن هارون الواسطي، ويزيد بن زريع البصري، فهؤلاء الثلاثة الذين يروون عن سفيان كلهم ثقات.
فإذا كان أحد هؤلاء الثلاثة الذين يروون عن سفيان الثوري فكيفما دار الحديث، فهو دار على ثقة سواء يكون هذا، أو هذا، أو هذا.
[حدثنا سفيان].
هو ابن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق عن أبي سلمة عن أم سلمة].
وقد مر ذكرهم.
ثم ذكر المخالفة، وقال: [خالفه عثمان بن أبي سليمان فرواه عن أبي سلمة عن عائشة].
ثم ذكر طريقاً أخرى، ليس فيها أبو إسحاق، وإنما فيها: عثمان بن أبي سليمان عن أبي سلمة عن عائشة.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-10-2026, 05:50 PM
شرح حديث: (أن النبي لم يمت حتى كان يصلي كثيراً من صلاته وهو جالس) من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن محمد عن حجاج عن ابن جريج أخبرني عثمان بن أبي سليمان أن أبا سلمة أخبره أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كان يصلي كثيراً من صلاته وهو جالس].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وقد مر من طريق أبي إسحاق، وهذه ليست من طريق أبي إسحاق، وقد ذكر في الترجمة، واختلاف الناقلين عن أبي إسحاق أي: ليس في جميع الطرق التي جاءت في هذا الباب، وإنما في أكثرها، أنها جاءت من طريق أبي إسحاق، وكلها طرق صحيحة ثابتة ولا تنافي بينها، وهذه طريق أخرى عن عائشة رضي الله عنها، ليست من طريق أبي إسحاق، وهي مثل التي قبلها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يمت حتى كان أكثر صلاته قاعداً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي لم يمت حتى كان يصلي كثيراً من صلاته وهو جالس) من طريق رابعة

قوله: [أخبرنا الحسن بن محمد]. هو الحسن بن محمد الزعفراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حجاج].
هو: حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عثمان بن أبي سليمان].
هو عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم النوفلي المكي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه.
[أن أبا سلمة أخبره أن عائشة].
وقد مر ذكرهم.
شرح حديث عائشة: (هل كان رسول الله يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث عن يزيد بن زريع أخبرني الجريري عن عبد الله بن شقيق قلت لـعائشة رضي الله تعالى عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم بعدما حطمه الناس].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن عبد الله بن شقيق سألها [أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً؟ قالت: نعم بعدما حطمه الناس]، يعني: بعدما كبر، وكثرت مشاغله، وأثقال الناس عليه وهذا في آخر حياته كان كذلك، أي: أنه يصلي قاعداً، فالمقصود من ذلك: أنه بعدما كبر، وثقلت أحماله وحطمه الناس، وليس معنى حطمه الناس أنه حصل له شيئاً يؤذيه أو ما إلى ذلك من الناس، وإنما بانشغاله بهم واهتمامه بهم، بقيامه بالأعباء الجسيمة والعظيمة، التي انشغل بها، فصار في آخر حياته يصلي وهو قاعد، يعني: ليس دائماً وإنما في كثير من أحيانه عليه الصلاة والسلام وذلك إنما هو في النافلة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (هل كان رسول الله يصلي وهو قاعد؟ قالت: نعم ...)

قوله: [أخبرنا أبو الأشعث].هو أحمد بن المقدام، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن يزيد].
هو يزيد بن زريع البصري وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني الجريري].
هو سعيد بن إياس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو عبد الله بن شقيق العقيلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[قلت لـعائشة].
وقد مر ذكرها.

شرح حديث حفصة: (ما رأيت رسول الله صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة عن حفصة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في سبحته قاعدا قط حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي قاعدا يقرأ بالسورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها)].أورد النسائي حديث حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، أنها ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في سبحته -يعني: نافلته؛ لأن السبحة هي النافلة- إلا قائماً، حتى كان قبل موته بعام، فكان يصلي جالساً، وكان يقرأ السورة، فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها أي: بسبب الترتيل، حتى تكون أطول من أطول منها بسبب ترتيله في القراءة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا الحديث يبين أن كونه يصلي قاعداً، أن ذلك كان في السنة التي بقيت من عمره عليه الصلاة والسلام؛ لأن حفصة تقول: ما رأيته يصلي قائماً إلا قبل موته بعام.
تراجم رجال إسناد حديث حفصة: (ما رأيت رسول الله صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام ...)

قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن السائب بن يزيد].
صحابي صغير، حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره سبع سنوات، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن المطلب بن أبي وداعة].
صحابي، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حفصة].
هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه رواية ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض، وهم: السائب بن يزيد، والمطلب بن أبي وداعة، وحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
الأسئلة


حكم مداومة الشبع في الطعام
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يختص القول بأن المداومة على الشبع حرام؟ وهل هذا القول له أصل في السنة؟
الجواب: لا أعلم شيئاً يدل على تحريم الشبع يعني عند الأكل، وكون الإنسان يأكل، ويشبع لا أعلم شيء يدل على تحريمه.
حكم الوتر بركعة واحدة فقط
السؤال: فضيلة الشيخ! رجل تعود في صلاة الوتر أنه يصلي واحدة، فهل عليه من إثم في ترك ثلاث ركعات أو أكثر كما ورد؟ أرجو الإفادة؟.
الجواب: ليس عليه إثم، ولكنه ترك الأفضل والأولى، والأولى للإنسان أن لا يوتر بواحدة فقط لا يسبقها ركعتان أو أربع ركعات، وإذا أوتر بركعة، فذلك سائغ، ولا مانع منه، وقد جاء ما يدل عليه في السنة في صحيح البخاري عن معاوية رضي الله عنه أنه كان يوتر بواحدة، فقيل لـعائشة قالت: إنه لفقيه يعني: أنه لا بأس بذلك، ولا مانع منه، ولكن كونه يضاف إليها ركعتان، أو أربع، أو أكثر من ذلك قبلها لا شك أنه هو الأولى، والأكمل، والأفضل.
استواء الرجال والنساء في الصلاة قياماً أو قعوداً
السؤال: فضيلة الشيخ! يقولون إن صلاة المرأة وهي قاعدة أفضل، وذلك لأنه أستر لها، فما وجه ذلك؟ وهل يصح أن تصلي قاعدة؟
الجواب: في الفريضة لا يجوز لها أن تصلي وهي قاعدة بل هي مثل الرجال، وكذلك بالنسبة للنافلة هي حكمها حكم الرجال، ولا أعلم شيئاً يدل على أنها تصلي وهي جالسة، والأحكام التي تثبت في الرجال تثبت لها، إلا إذا جاء شيء يدل على تمييزها عن الرجال بشيء من الأحكام، أو تمييز الرجال على النساء بشيء من الأحكام، فعند ذلك يصار إلى ما جاءت به الأدلة من التمييز، وإلا فإن الأصل هو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، وعدم التفريق في الأحكام.
وبالنسبة للفريضة: كل يجب عليه أن يصلي قائماً، وأما بالنسبة للنافلة فالكلام الذي قلته آنفاً هو في حق الرجال والنساء، من صلى قاعداً لمرضه فهو مأجور مثل أجر القائم، ومن صلى قاعداً مع صحته وعافيته فعمله صحيح وله مثل أجر نصف القائم.
منتهى وصول الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسراء ومعنى سدرة المنتهى
السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو منتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء؟ وهل تجاوز سدرة المنتهى؟ وما هي سدرة المنتهى؟ أفتونا جزاكم الله خير.
الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم تجاوز السماء السابعة ورأى سدرة المنتهى، ولا ندري إلى أي شيء انتهى بعد ذلك، وأما سدرة المنتهى، فهي: شجرة يقال لها: سدرة المنتهى.
مدى صحبة محمود بن لبيد
السؤال: فضيلة الشيخ! محمود بن لبيد هل هو صحابي أم لا؟
الجواب: نعم، هو صحابي صغير.
حكم الهجوم الانتحاري على العدو
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز الهجوم الانتحاري على العدو؟ بقصد تكبيده في الأرواح والأموال بعدم القدرة عليه عدةً وعدداً.
الجواب: ليس للإنسان أن يقتل نفسه، إذا وجد الجهاد في سبيل الله ليجاهد في سبيل الله، ولكن ليس له أن يلقي بنفسه إلى التهلكة.

حكم الأذان من الشريط للصلاة المكتوبة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز الأذان من الشريط للصلاة المكتوبة؟
الجواب: ليس للناس أن يتخذوا الأشرطة ليؤذن بواسطتها، وإنما يؤذن مؤذن بصوته، وبنفسه، لا يعتمد الناس على أشرطة، فيفتحونها أمام المكبر ويترك الأذان؛ لأن الأصل هو هذا، وليس هناك ما يقتضيه أو ضرورة تلجئ إليه، وما دام المصلون، ولو كان رجلاً واحداً فإنه يؤذن لنفسه، وليس عن طريق الأشرطة؛ لأن هذا فيه كسل وفيه خمول، وفيه استهانة بالقيام بهذه الشعيرة، ومن المعلوم: أن الأذان له صفة معلومة، وله هيئة، وفيه التفات عند الحيعلة يعني: حي على الصلاة حي على الفلاح، ومثل هذا لا يوجد الأذان في الشريط.
الجمع بين جواز الزواج بالكتابية وتحريم الزواج بالمشركة مع وقوع أهل الكتاب في الشرك
السؤال: فضيلة الشيخ، لقد أباح الشارع التزوج بالكتابيين، فهل يدخل في ذلك من يحمل عليه وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]؟ مع العلم، أن هذا الصنف يحكم عليه بالشرك، فقد قال الله تعالى: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة:221]؟
الجواب: أحل الله تعالى الزواج من الكتابيات، وأباحه؛ لأنهن لهن الارتباط بالدين، وإن كان ذلك الدين حصل فيه تحريف، وحصل فيه تبديل، لكن من يرتبط بدين، ومن ينتمي إلى دين جاء من عند الله، فلا شك أنه خير ممن لا ينتمي إلى دين أصلاً، وإن كان الكل كفاراً، يعني: اليهود والنصارى كفار، والمشركون الذين هم عبدة الأوثان، كفار، والله عز وجل يقول: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين َ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:1] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] وقد قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، فالكفر ملة واحدة، لكن الله عز وجل ميز بين اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، فأحل نساءهم، وأحل لنا ذبائحهم، ولم يحل لهم نساءنا، ومن المعلوم: أن الكتابية كافرة فهو يتزوجها على أنها كافرة، وليست مسلمة، والله عز وجل قال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30]، عندهم شرك، وهم كفار لكن ليسوا مثل عبدة الأوثان، الذين ما ينتمون إلى السماء، ولا ينتمون إلى الديانات التي جاءت من عند الله، ولهذا صار بعض الكفار أقرب من بعض، ولهذا المسلمون، فرحوا بانتصار الروم على الفرس؛ لأن أولئك مجوس وعبدة أوثان، وأما الروم فينتمون إلى دين، وبعض الشر أهون من بعض، وبعض الكفر أهون من بعض، وإن كان الكل في النار، والكل خارج عن الإسلام، لكن الكفار ليسوا على حد سواء، بعضهم أشد من بعض وأخبث من بعض، ولهذا نجد الفرق بين ملك الفرس وملك الروم، ملك الفرس، مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه، وأما ملك الروم فاحترم هذا الكتاب، واحتفظ به، وقدره، وجمع جماعة حوله لما كان أبو سفيان وجمع معه في الشام.
ولهذا: فيه كفار يصدون عن سبيل الله، وكفار لا يصدون عن سبيل الله، والذي يصد عن سبيل الله أشد من الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله، والله يقول: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ [النحل:88].
لكن مما هو معلوم: هن وإن أحللن لنا إلا أن نكاح المسلمات أولى من نكاح الكتابيات، وإن كان ذلك سائغاً إلا أن نكاح المسلمة أولى.
سماع الموتى في قبورهم
السؤال: فضيلة الشيخ! هل الأموات يسمعون في قبورهم دائماً؟
الجواب: أقول: ما نعلم أنهم يسمعون كل شيء، وأنهم يسمعون دائماً، لكن ورد في السنة ما يدل على أن الكفار الذين هم كفار قريش، الذين قتلوا في بدر وأودعوا في القليب، أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاطبهم وكلمهم، فكان يكلمهم، فقيل: تكلمهم وهم نتنى قد جيفوا؟ قال: لستم أسمع لما أقول منهم، وهذا يفيد بأن الله عز وجل أسمعهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانوا أموات؛ لأن في ذلك زيادة تكبيت لهم.

ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 05:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(299)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد) إلى (باب فضل السر على الجهر)


من رحمة الله بهذه الأمة أن خفف عنهم ما لم يخفف عن غيرهم من الأمم، ومن ذلك أن المصلي إذا كان شق عليه القيام دون ضرر كبير فله أن يصلي قاعداً وله نصف أجر القائم، وله أن يضطجع إذا شق عليه القعود، ومن كرمه سبحانه أن يكتب عمل المسافر والمريض تاماً إذا كان محافظاً ومداوماً عليه أثناء عافيته وحضره.

فضل صلاة القائم على صلاة القاعد

شرح حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً، فقلت: حدثت أنك قلت أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم وأنت تصلي قاعداً، قال: أجل، ولكني لست كأحد منكم)].
فيه أن من أحوال أفعاله عليه الصلاة والسلام أنه يفعل الشيء للتشريع، ولبيان الحكم بأنه جائز، وأنه سائغ، وأنه ليس بممنوع، ولكن أجره عظيم عند الله عز وجل، في جميع الأحوال حالة قعوده، وحالة قيامه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، وقيل له سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، من أقران الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن يساف].
هو هلال بن يساف الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي يحيى].
هو مصدع الأعرج، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي مشهور، وحديثه عنه أصحاب الكتب الستة، والحديث الذي معنا أخرجه مسلم في صحيحه، وهو من رواية أبي يحيى مصدع الأعرج، وهو مقبول في رأي الحافظ ابن حجر وأنه يحتاج إلى متابعة.
فضل صلاة القاعد على صلاة النائم
شرح حديث: (... ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة القاعد على صلاة النائم.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الذي يصلي قاعداً؟ قال: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم، المقصود بالنائم هو: المضطجع، وليس النائم الذي هو النوم المعروف؛ لأن مثل هذا لا يصلي وليس من أهل الصلاة يعني: في حال نومه، وإنما المقصود من ذلك أنه مضطجع أي: كشأن النائم الذي يضطجع، هذا هو المقصود من الترجمة وبالحديث الذي تحت هذه الترجمة: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم.
وقد أورد النسائي فيه، حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما (أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة القاعد فقال: من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر صلاة القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)، فالحديث دال على ما دلت عليه الترجمة السابقة، من جهة تفضيل صلاة القائم على صلاة القاعد، وفيه أيضاً تفضيل صلاة القاعد على صلاة النائم، أي: المضطجع الذي يصلي مضطجعاً، وبعض أهل العلم قال: إن هذا الحديث بعمومه يدل على أن النوافل تصلى حتى في حال النوم، وأنه إذا صلى متنفلاً مضطجعاً فإن صلاته تصح بهذا الحديث، وأنها على النصف من صلاة القاعد، ومن المعلوم أن القاعد على النصف من صلاة القائم فتكون على الربع من صلاة القائم التي هي: صلاة المضطجع.
ومن العلماء من قال: إن الحديث ليس بما يتعلق بالنسبة للنافلة وإنما هو في الفريضة، وقالوا: إنه لم يعهد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل ذلك أبداً، ولا على أحد من أصحابه أنهم كانوا يصلون مضطجعين، وقالوا: إن هذا الحديث يحمل على صلاة الفريضة، وأن المقصود بذلك: أن الذي يصلي مضطجعاً مع قدرته على الجلوس ولكنه يشق عليه، فإن من يصلي قاعداً مع مشقة القعود عليه فله أن يصلي نائماً -أي: مضطجعاً- فهو أعظم أجراً ممن صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس مع المشقة، وكذلك قالوا بالنسبة للقاعد أن من عنده قدرة على القيام ولكنه يشق عليه أن يقوم ولكنه تحامل وقام وصلى مع مشقته عليه فإنه يكون أعظم أجراً ممن صلى جالساً، مع حصول المشقة عليه في القيام، فيكون من صلى جالساً مع أنه قادر على أن يصلي قائماً مع المشقة فإنه أجره على النصف من صلاة القائم الذي تحامل وقام للصلاة مع المشقة، وكذلك النائم الذي هو: المضطجع، إذا كان قادراً على القعود، ولكنه لم يكلف نفسه مع وجود المشقة عليه، فإن أجره على النصف من أجر القاعد الذي هو مثله ولكنه تحمّل المشقة وصلى قاعداً، مع وجود المشقة فإنه يكون أعظم أجراً ممن صلى مضطجعاً، مع أنه قادر على القيام أو على الجلوس مع وجود المشقة.
وقالوا في الحديث الذي أورده البخاري في صحيحه: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) أن المقصود منه الذي اعتاد شيئاً في حال الصحة، ولكنه لم يتمكن منه في حال المرض فإنه يكتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وهو مثل ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وفيه أن ابنه أبا بردة بن أبي موسى سافر هو ويزيد بن أبي كبشة، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة أفطر فإنني سمعت أبا موسى يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).
والحديث الذي ذكرته في البخاري، يدل على أن من كان يفعل شيئاً وعجز عنه في حال مرضه وكان يعمله في حال صحته فإن الله تعالى يكتب له مثل ما كان يعمل وهو مقيم، لكن لا شك أن من كان قادراً على الجلوس، ولكن عليه مشقة لا تلحق به ضرراً ثم إنه صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس لا شك أنهما ليسوا سواء، الذي جلس مع حصول المشقة والذي صلى مضطجعاً مع قدرته على الجلوس مع المشقة، قالوا: وعلى هذا يحمل ما جاء في هذا الحديث على أن المراد به من يكون في الفرائض، ويكون قادراً على الجلوس مع المشقة وصلى في حال الاضطجاع.
وأكثر العلماء قالوا أن الحديث لا يحمل على المتنفل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما علم عنه أنه صلى ولو مرة واحدة في حال اضطجاعه متنفلاً، وكذلك لم يعلم عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم فعلوا ذلك أي: الصلاة النافلة في حال الاضطجاع، قالوا: والحديث محمول على الفريضة وأن المقصود به هو من يشق عليه الجلوس ويقدر عليه، ولكنه صلى مضطجعاً فهو يكون على النصف من أجر من كان مثله، ولكنه تحمل المشقة التي لا يلحقه بها ضرر كبير، وصلى جالساً فالمضطجع على النصف من أجر الجالس.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ومن صلى نائماً فله نصف أجر صلاة القاعد)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة البصري، وهو صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن حبيب البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب، وأصحاب السنن.
[عن حسين المعلم].
هو حسين بن ذكوان المعلم البصري، وهو ثقة ربما وهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن بريدة].
هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمران بن حصين].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو نجيد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
كيف صلاة القاعد
شرح حديث عائشة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف صلاة القاعد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الحفري عن حفص عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ. والله تعالى أعلم].
أورد النسائي كيف يصلي القاعد، أي: كيف حاله في حال القيام، أو ما هي هيئته في حال القراءة، وكيف يكون الجلوس الذي هو بدل القيام، وهذه المسألة ذكر الحافظ ابن حجر ثلاثة أقوال لأهل العلم:
فقال: منهم من قال: أنه يصلي متربعاً، ومنهم من قال: إنه يصلي مفترشاً، ومنهم من قال: إنه يصلي متوركاً، قال: وبكل واحداً منها ورد أحاديث، لكن أنا ما وقفت على هذه الأحاديث التي أشار إليها، والحاصل أنه ذكر أن الهيئة فيها ثلاثة أقوال، والحديث الذي أورده المصنف وهو: حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً) الحديث واضح الدلالة على أنه يصلي متربع، أو أن المصلي في حال جلوسه الذي هو بدل القيام يصلي متربعاً، والنسائي رحمه الله ذكر أن هذا الحديث عنده شك في صحته، وفي ثبوته، وقال: لا أحسبه إلا خطأ، وهو لا يرويه إلا أبو داود، والشيخ الألباني ذكر هذا الحديث في تعليقه على صحيح ابن خزيمة، والحديث أورده ابن خزيمة في صحيحه من هذه الطريق التي هي طريق أبي داود الحفري، وقال الألباني: إن الإسناد صحيح، وأن هذا الظن من النسائي لا يضعف به الحديث مع وجود صحة الإسناد، وثبوت الإسناد، فمجرد الظن لا يجعل الحديث يكون ضعيفاً.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً)

قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو الحمال البغدادي لقبه الحمال، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبي داود الحفري].
هو عمر بن سعد بن عبيد الحفري، والحفر هي: محلة في الكوفة - بفتح الحاء والفاء -، ينسب إليها فيقال له الحفري، قال الحافظ عنه في التقريب: إنه ثقة، عابد، وأخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حفص].
هو حفص بن غياث، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو عبد الله بن شقيق العقيلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي حفظ الله تعالى بها سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ستة رجال، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
كيف القراءة بالليل

شرح حديث عائشة: (كيف كانت قراءة النبي بالليل ... ربما جهر وربما أسر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف القراءة بالليل. أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل يجهر أم يسر؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل ربما جهر، وربما أسر).
أورد النسائي كيف القراءة في الليل أي: هل تكون جهراً أو تكون سراً؟ يعني: التي هي صلاة النوافل أو صلاة الليل النافلة هذا هو المقصود بالسؤال؛ لأن المقصود القراءة في صلاة الليل التي هي من النوافل، يعني: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل؟ هل كان يسر أو كان يجهر؟ قالت: كل ذلك فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام ربما جهر وربما أسر، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، في بعض أحواله يسر وفي بعض أحواله يجهر، وهو يدل على أن كل ذلك سائغ، وأن كلاً منهما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الحديث الذي بعد هذا الذي فيه الإشارة إلى تفضيل الإسرار على الجهر، ومن المعلوم أن المصلي في الليل إذا كان يؤذي بقراءته أحداً فإنه لا يجهر بالقراءة، فإنه ليس له أن يجهر بالقراءة مع وجود حصول الأذى على أحد من الناس بسبب قراءته الجهرية التي جهر بها، وإذا كان ليس هناك من يتأذى بجهره فإنه يجهر، وأما من حيث بيان الحكم الشرعي فالحديث دال على أن كلاً من هذا وهذا قد جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وجد منه الجهر في بعض الأحوال، ووجد منه الإسرار في بعض الأحوال.
يتبع

ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 05:58 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل... ربما جهر وربما أسر)

قوله:
[أخبرنا شعيب بن يوسف].
هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، ثبت، عارف بالرجال والعلل، متكلم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير الحمصي، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن أبي قيس].
ثقة أخرج له البخاري في الأدب، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عائشة].
رضي الله تعالى عنها وأرضاها وقد مر ذكرها.
فضل السر على الجهر
شرح حديث: (... والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فضل السر على الجهر.أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال حدثنا محمد يعني: ابن سميع حدثنا زيد يعني: ابن واقد عن كثير بن مرة أن عقبة بن عامر رضي الله عنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة، والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل السر على الجهر في صلاة الليل، مع أن كل منهما سائغ وكل منهما جائز وكل منهما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث السابق، إلا أن الإسرار قد يكون أولى من جهة البعد عن الرياء، وكونه لا يكون هناك مجال للرياء، والنبي عليه الصلاة والسلام قاس ذلك على الصدقة، وأن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة، والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة.
ومن المعلوم أن الجهر بالصدقة والإسرار بالصدقة، كل منهما أفضل في بعض الأحيان، فالجهر بالصدقة أفضل فيما إذا كان يقتدى به ويتبع في ذلك كما جاء في قصة الرجل الذي تصدق بصرة وتبعه الناس بالتصدق، فقال عليه الصلاة والسلام على إثره عند ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) وجاء عنه ما يدل على فضل الإسرار بالصدقة، وذلك في حديث السبعة الذين (يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وفيهم رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
والإسرار فيه أيضاً السلامة والبعد عن الرياء، ولكن إذا كان الإنسان ليس عنده أحد وأراد أن يجهر حتى يكون أنشط له في الصلاة، فإن ذلك لا محذور فيه، من جهة أن ليس هناك أحد يسمعه، وقد يدخل في الرياء، أو قد يكون فيه إلحاق ضرر به من حيث أنه يؤذي بقراءته أحداً، فإذا جهر مع كونه لا يسمعه أحد؛ لأنه أنشط له في مواصلة الصلاة وفي الاستمرار في الصلاة، فلا شك أن ذلك حسن، وإذا أسر فإن ذلك أيضاً جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والحديث واضح الدلالة على فضل الإسرار بالصلاة يعني: صلاة الليل أي: القراءة، ومن المعلوم كما ذكرت أن فيه البعد عن الرياء، وملاحظة الناس.
تراجم رجال إسناد حديث: (... والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة)

قوله:
[أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال].
هو دمشقي، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا محمد يعني: ابن سميع].
هو محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع الدمشقي، وهو صدوق يخطئ ويدلس، وحديثه أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا زيد يعني: ابن واقد].
وفي بعض النسخ يزيد وهو خطأ، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن كثير بن مرة].
ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عقبة بن عامر رضي الله عنه].
هو عقبة بن عامر الجهني، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

الأسئلة

إمامة الرجل بالمرأة وموقعها من ذلك
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز صلاة الرجل وزوجته أو أمه معاً مع أن كل واحد منهما يصلي لنفسه دون الجماعة؟
الجواب: على كل كون الرجل يؤم المرأة جائز ولكنها تصف وراءه ولا تصف بجواره؛ لأن الصف بالجوار هو خاص بالرجال إذا كان واحداً فإنه يكون عن يمينه، وأما إذا كانت امرأة فإنها تصف وراءه، ولا تصف بجواره؛ لأن موقف المرأة وراء الرجل وليس بجواره، ويدل على ذلك ما جاء في الحديث الذي فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى وراءه أنس ومعه غيره وامرأة وراءهم تصلي وراءهم، فدل هذا على أن موقفها أنها تكون وحدها وأنها تصف وحدها، وليست كالرجال الذين لا يجوز لهم أن يصفوا وحدهم إلا للضرورة، بل صلاة الفذ المنفرد خلف الصف لا تصح، هذا إذا كان رجل، وأما إذا كان امرأة وهي وحدها فإنها تصف وحدها، وليس لها أن تصف مع الرجال لا في صفهم ولا بجوار الإمام، ومن المعلوم أن هذا حتى مع المحارم، يعني: المرأة لا تصف بجوار زوجها والأم لا تصف بجوار ابنها، والأخت لا تصف بجوار أخيها وهكذا، فموقف المرأة وراء الرجل إذا كان واحداً، يعني: هو صف وهي صف.

أكثر مدة النفاس
السؤال: فضيلة الشيخ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته يقول: متى يصلح للرجل أن يأتي زوجته إذا سقط جنينها قبل أربعين يوم، وأيضاً النفاس قبل أربعين يوماً فهل يمتنع الزوج إلى تمام هذه المدة أم لا؟
الجواب: النفاس نهايته أربعون، وما زاد على الأربعين فإنه لا يعتبر نفاساً، وعلى المرأة أن تغتسل عند تمام الأربعين، وتعمل الأمور التي تعملها قبل ولادتها، وأما إذا انقطع الدم قبل الأربعين فهي طاهرة، عليها أن تغتسل وتصلي، ويجامعها زوجها، وتعمل الأعمال التي تعملها النساء الطاهرات، لكن إن عاودها الدم في الأربعين فإنها ترجع إليه، ولكن في حال الطهر الذي حصل في أثناء الأربعين، فإنها تغتسل عند الانقطاع وهي في الأربعين، ثم تصلي وتعمل الأعمال التي تفعلها الطاهرات اللاتي لسن حيض ولا نفساء، فنهاية النفاس أربعين، وإذا طهرت المرأة قبل الأربعين فإنها تغتسل وتصلي، وإن عاد عليها الدم في الأربعين عادت إلى الجلوس.
السقط قبل نفخ الروح والحكم المترتب على ذلك

السؤال: فضيلة الشيخ! هل العلقة قبل نفخ الروح فيها امتناع أيضاً كوقت النفاس؟
الجواب: لا، هذا ما فيها نفاس، يعني: إذا سقط يعني: حصول السقط يعني لا سيما إذا كان قبل بلوغ نفخ الروح فيه، بكونه سقط قطعاً من لحم أو شيء من الدم، فإن هذا ما يقال له نفاس، هذا لا يقال له نفاس وإنما هذا دم فساد.

كيفية التخلص من الحسد والرياء
السؤال: فضيلة الشيخ، لا يخفى عليكم أن الحسد من أمراض القلوب، فكيف أتخلص منه وكيف أتخلص من الرياء أرجو الإفادة؟
الجواب: الحسد لا شك أن أمره خطير، ويكون في النفوس المريضة، والإنسان لا يحسد أحداً على ما أتاه الله، وإنما يسأل الله عز وجل من فضله، والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الغير، وتمنى أن النعمة تزول عن من أعطاه الله عز وجل هذه النعمة، وأما كونه يتمنى أن يكون له مثل فلان، ليحسن، وليتصدق فهذا يقال لها غبطة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين) يعني: لا غبطة، يعني: هذا الشيء الذي يغبط به، وأما الحسد المذموم الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، فهو الذي يتمنى زوال النعمة على الغير لحقد في نفسه، ولسوء في نفسه يحسد غيره على ما أعطاه الله عز وجل من النعم.
وطريقة التخلص من ذلك أن الإنسان يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسأل الله من فضله، ولا يتمنى زوال النعمة عن الغير، ويبعد هذا البلاء عن نفسه، عن طريق ذكر الله عز وجل، وعن طريق كون الإنسان يعلم أن الله عز وجل هو المعطي المانع، وأن الله عز وجل هو الذي يعطي ويمنع، وأن من أعطاه الله مالاً فقد أعطاه إياه، وتفضل عليه فلا يتمنى زواله.
أما الحسد الذي هو: بمعنى الغبطة فهذا لا بأس به، وهو أن يرى إنساناً عنده مال، ويتصدق منه، وينفق ويقول، يعني: يود أن له مثله حتى يفعل مثل ما يفعل هذا لا بأس به.
وأما الرياء، فهو: أنه يعمل الأعمال من أجل رؤية الناس، ومن أجل أن يحمده الناس، وهذا ينافي الإخلاص، ولـابن القيم رحمه الله، كلمة جيدة وفائدة عظيمة ذكرها في كتابه الفوائد، وأنا نقلتها عنه في الفوائد المنتقاة في فتح الباري وكتب أخرى، وهي من أحسن الكلام، وأجمل الكلام، يقول: أنه لا يجتمع في القلب الإخلاص، ومحبة المدح والثناء، إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب، والحوت، إنهما لا يجتمعان، يعني: كون الإنسان يخلص ويحب أن يحمده الناس وأن يثنوا عليه وأن يمدحوه، ثم ذكر قال: أن الإنسان إذا ابتلي بشيء من ذلك، فطريق الخلاص منه، أن يعلم أنه ليس هناك أحد ينفع مدحه، وليس هناك أحد يضر ذمه إلا الله عز وجل، فالذي مدحه الله هو الممدوح، والذي ذمه الله هو المذموم، وأما غيره فلا يضر ذمه، ولا ينفع مدحه.
محبة مدح الناس وثناءهم قال: فتقبل إلى الطمع فتذبحه بسكين اليأس، وتقبل إلى مدح الناس وثناؤهم، فتزهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، وهذا هو الذي يجعل الإنسان يزهد في المدح والثناء، ويعلم أنه ليس هناك أحد ينفع مدحه إلا الله، وليس هناك أحد يضر ذمه إلا الله سبحانه وتعالى، فهي فائدة نفيسة جداً موجودة في كتاب الفوائد لـابن القيم، وهي في الفوائد المنتقاة في فتح الباري وكتب أخرى.
الضابط فيما يرد على النفس تجاه مدح الناس له

السؤال: فضيلة الشيخ، فيه ضابط، أنه قد يرد في النفس أحياناً أن الإنسان يعمل عملاً، ويحب أن يحمد عليه أو شيء مثل هذا؟
الجواب: يبعد هذا عن نفسه، لكن إذا حصل منه العمل، ومدحه الناس عليه، وما كان فعله ليمدح، فهذا هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل قال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن)، يعني: كون الإنسان يعمل العمل وهو ما يريد أن الناس يمدحونه، ولكنهم أثنوا عليه وذكروه، وقال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن).
الدعاء بعد الصلاة ورفع اليدين
السؤال: فضيلة الشيخ، ما حكم رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة ومسحهما على الوجه، وهل يجهر في الدعاء بصورة الجماعة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الجواب: الذكر بعد الصلاة جاءت السنة برفع الصوت به، يعني: بحيث يسمعه الناس ويسمع الناس بعضهم بعضاً، لكن لا على طريقة الصوت الجماعي، بل كل يرفع صوته بالذكر لنفسه، فيتفقون ويختلفون، يعني: ما هم كلهم يقولون بصوت واحد، يعني: هناك واحد يقول لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، وواحد يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كل يذكر من قبله، وليس بصوت واحد؛ لأن هذا لم يؤثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وأما رفع اليدين بالذكر بعد المكتوبة، فهذا من المواضع التي لم تأت بها السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام على كثرة صلاته بالناس الجماعة، ما عهد عنه ولا مرة واحدة أنه رفع يديه، فدل هذا على أن اليدين لا ترفعان في هذا الموطن؛ لأنه على كثرة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالناس في جماعة ما أحد منهم روى عنه أنه رفع يديه في يوم من الأيام، فدل هذا على أن السنة هي عدم رفع اليدين في الذكر أو في الدعاء بعد الصلاة.
وأما قضية مسح الوجه باليدين بعد رفعهما بالدعاء، فلم تثبت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما ورد فيه أحاديث ضعيفة لا تثبت، فالإنسان إذا رفع يديه حيث يسوغ له أن يرفعهما فإنه ينزلهما دون مسح الوجه بهما.
رد السلام من الميت على من سلم عليه بين خصوصيته بالرسول وعموم الموتى
السؤال: فضيلة الشيخ، هل رد السلام خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أم يرد السلام كل ميت إذا سلم عليه؟
الجواب: في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ورد ما يدل عليه: (ما من مسلم يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد عليه السلام) وأما بالنسبة لغيره فالله تعالى أعلم.

طلب تدريس العقيدة وعلة الشيخ في عدم تدريسها

السؤال: فضيلة الشيخ، نرجو من سماحتكم التفضل بتدريس كتاب في العقيدة وذلك يكون مرة أو مرتين في الأسبوع؛ لأن ذلك مهم جداً بالنسبة لنا بتزويدنا بالدعوة لما نرجع إلى بلادنا، وجزاكم الله خيراً على اهتمامكم؟
الجواب: أولاً: الدروس يعني: التي يرغب فيها كثيرة، يعني: فيه من يرغب في العقيدة وفيه من يرغب في الفقه، وفيه من يرغب في الأصول، وفيه من يرغب بكذا، ومن المعلوم أن الأيام التي ندرسها هي هذه الأيام الستة وخمسة منها للحديث وواحد منها للمصطلح، ومن المعلوم أن الإتيان بمثل دروس أخرى، طبعاً يحصل معها التأخر الطويل في الكتب الطويلة مثل هذه التي هي كتب الحديث فالاستمرار على ما نحن فيه، فيه الخير إن شاء الله، وبالنسبة للعقيدة عندما تمر الأحاديث نتعرض للذي تدل عليه أو تشتمل عليه مما يتعلق بالعقيدة، وكذلك بعد الدروس عندما ينتهي الدرس وتأتي الأسئلة يمكن على الإنسان أن يسأل في العقيدة وتحصل الفائدة دون أن يكون هناك تأثير على أن نمشي كثيراً في كتب الحديث التي هي كثيرة وطويلة.
الاستدلال بنجم معين على نزول المطر وعلاقته بالنهي الوارد في حديث: (مطرنا بنوء كذا)
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا قال الإنسان بعد ما رأى نجماً قد ظهر في الأفق: إن موسم الأمطار هذه السنة كثير جداً يقول ذلك عن علم وتجارب عنده، فهل هذا يكون شركاً أصغر مثل قول الصحابي: مطرنا بنوء كذا وكذا؟.
الجواب: يعني: النجوم أظن النجوم تظهر في الأفق دائماً وأبداً فهي موجودة، فليست دليل على وجود المطر، والله عز وجل قدر أن المطر يكون في أوقات، وقد مر بنا الحديث الذي فيه أنه إذا أضاف المطر إلى الكواكب، وأنها مؤثرة، وأن المطر بتأثير الكواكب، فهذا كفر، وهو مخرج من الملة، وأما إذا قال: مطرنا بنوء كذا، يعني في النوء الفلاني وفي الوقت الفلاني فهذا كفر دون كفر، وكان الأولى بالإنسان أن يضيف ذلك إلى فضل الله ورحمته ويقول: مطرنا بفضل الله ورحمته في الوقت الفلاني، يعني: إذا أراد أن يقول في الوقت الفلاني، يعني: يأتي بفضل الله ورحمته، مطرنا بفضل الله ورحمته في الزمن الفلاني، أما إذا أضاف المطر إلى الكواكب وإلى تأثير الكواكب وأن هذا من فعل الكواكب فهذا شرك في الربوبية.

مدى صحة إمامة النساء لجماعة النساء
السؤال: فضيلة الشيخ، هل تصح إمامة النساء لجماعة النساء؟
الجواب: نعم تصح إمامة المرأة للنساء، المرأة تؤم النساء لا بأس.
مدى جواز الجمع بين الاستجمار والاستنجاء

السؤال: هل يجب مسح الفرج عند الانتهاء من البول أو يكفي غسله؟
الجواب: الاستنجاء والاستجمار يكون بهما التنزه عند قضاء الحاجة، فإذا استجمر بالحجارة، ولم يتعد الخارج موضع العادة فإنه يحصل بذلك الإنقاء، وإن تجاوز محل العادة فلا بد من الاستنجاء بالماء، وإذا استعمل الماء ولم يستعمل الحجارة، يعني أتى بالشيء الذي به التمام والكمال، لكن الاستجمار إذا وجد حيث لا يوجد الماء ولم يتجاوز الخارج موضع العادة فإنه يكفي.
مدى قبول رواية ابن إسحاق صاحب السيرة عند المحدثين

السؤال: فضيلة الشيخ، ما حكم حديث ابن إسحاق صاحب السيرة إذا انفرد، وهل يكون ذلك الحكم واحداً في أحاديث السيرة وفي أحاديث الأحكام؟
الجواب: ابن إسحاق ليس فيه إلا التدليس، فإذا صرح بالسماع فإن حديثه معتمد، وإن صار مدلساً أي: حديثه مدلساً ولم يأت ما يدل على التصريح بالسماع، فإنه يكون فيه التوقف الذي يكون في غيره.

ابو الوليد المسلم
04-11-2026, 06:01 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(300)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب تسوية القيام والركوع ... - باب كيف صلاة الليل


من تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علم مدى شكره وعبادته وخشوعه لله عز وجل، وأنه كان دائم الصلة بالله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قيامه بالليل، فقد كان يقوم الليل بطوال السور من القرآن، ويطيل الركوع والسجود، وصلاة الليل تكون مثنى مثنى، فإذا خشي المصلي طلوع الفجر أوتر بركعة.
تسوية القيام والركوع، والقيام بعد الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين في صلاة الليل

شرح حديث: (... فكان ركوعه نحواً من قيامه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تسوية القيام والركوع، والقيام بعد الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين في صلاة الليل.أخبرنا الحسين بن منصور حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة عن المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة فمضى، فقلت: يركع عند المائتين فمضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى فافتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فقال: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، فكان قيامه قريباً من ركوعه، ثم سجد فجعل يقول: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريباً من ركوعه)].
فيقول النسائي رحمه الله: التسوية في القيام في الركوع، والقيام بعد الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين في صلاة الليل، أي: التسوية بين هذه الأفعال في صلاة الليل، فأورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في الليل (فافتتح البقرة فقال: فقلت: يركع عند المائة)، أي: قلت في نفسي، يعني: ما تكلم بهذا، وإنما قوله قلت في نفسي، يعني: ما حدثته نفسه بأنه يركع عند المائة، أي: عند مائة آية، (ثم قلت: يركع عند المائتين) يعني: قال في نفسه، يعني: حدثته نفسه بأنه يركع عند المائتين فمضى حتى أكملها (ثم أفتتح النساء فأكملها)، (ثم افتتح آل عمران)، قرأ ثلاث سور (مترسلاً إذا مر بتسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع نحواً من ذلك)، يعني: نحواً من قيامه، أي: أنه أطال الركوع حتى صار قريباً ونحواً من ذلك القيام الطويل، ثم رفع وقام بعد ركوعه فأطال قريباً من ركوعه.
ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم إنه قام قياماً طويلاً قريباً من ركوعه، (ثم إنه سجد وقال: سبحان ربي الأعلى)، وأطال في السجود حتى (كان قريباً من ركوعه).
الحاصل أن النسائي قال: التسوية بين هذه الأفعال، والحديث فيه أنه (نحواً) من ذلك، يعني: معناه أنه قريباً، أو أن فيه شيء من التقارب بين هذه الأفعال، التي هي: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع، وإن كان الغالب على فعله عليه الصلاة والسلام أن الإطالة إنما هي في القيام، ولكنه أحياناً كان يطيل الركوع، والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين حتى تكون هذه الأفعال بعضها قريباً من بعض.
ثم إن في قوله أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، يدل على أن الترتيب بين السور ليس بمتعين، يعني: فكونه يقدم سورة على سورة، ولهذا اختلف العلماء في ترتيب السور، هل هو واجب أو بالنص أو أنه بالاجتهاد؟ فبعض العلماء قال: أنه بالنص ومنهم من قال: إنه بالاجتهاد من الصحابة؛ وذلك لأن مصاحف الصحابة متنوعة في ترتيب السور وتقديم بعضها على بعض، لكن المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه، كان على هذا الترتيب الذي هو: البقرة ثم آل عمران ثم النساء، وجواز قراءة بعض السور وتقديم بعضها على بعض بمعنى أنه تقرأ السورة المتأخرة ثم يقرأ بعدها سورة متقدمة جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها هذا الحديث ومنها الحديث الذي سبق أن مر بنا في قصة الرجل الذي كان يقرأ قل هو الله أحد بعد ما يقرأ الفاتحة أو يقرأ شيء من القرآن أو يقرأ سورة من القرآن يختم بـ(قل هو الله أحد)، ومن المعلوم أن سورة: (قل هو الله أحد) ليس بعدها في المصحف إلا سورة (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس)، فمعنى هذا: أنه لا بد وأن يقرأ شيئاً من السور المتقدمة على (قل هو الله أحد)، وهذا يدل على جواز تقديم قراءة السور بعضها على بعض، وإن كان الأولى هو أن ترتب كما هو موجود في المصحف، لكن الجواز جائز، وهذا الذي في الحديث الذي معنا يدل عليه، وكذلك حديث قصة الرجل الذي كان يقرأ ويختم بـ(قل هو الله أحد).
أيضاً فيه دليل على أن صلاة النافلة، ولا سيما صلاة الليل، أن المصلي إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، يعني: سأل الله الجنة، أو سأل الله من فضلة إذا كان شيء يتعلق بالجنة سأل الجنة، وإذا كان شيء من فضل الله عز وجل سأل الله من فضله، وكذلك إذا مر بتعوذ تعوذ، يعني: ذكر النار أو ما إلى ذلك يتعوذ بالله من عذاب النار، أو يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه الجمل تدل على أن ذلك سائغ، ولكن يكون في الذي ورد فيه وهي النوافل.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فكان ركوعه نحواً من قيامه...)

قوله:
[أخبرنا الحسين بن منصور].
هو النيسابوري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن نمير].
هو عبد الله بن نمير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب اشتهر به سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ومعرفة ألقاب المحدثين، نوع من أنواع علوم الحديث فائدة معرفة هذا النوع أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه وذكر بلقبه، فمن لا يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان بن مهران شخص آخر.
[عن سعد بن عبيدة].
هو سعد بن عبيدة الكوفي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن المستورد بن الأحنف].
ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن صلة بن زفر].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان، صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً ...) من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا النضر بن محمد المروزي ثقة حدثنا العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد الأنصاري عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً، ثم جلس يقول: رب اغفر لي رب اغفر لي.. مثلما كان قائماً، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال إلى الغداة)، قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث عندي مرسل وطلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئاً وغير العلاء بن المسيب قال: في هذا الحديث عن طلحة عن رجل عن حذيفة].ثم أورد النسائي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى وهو مختصر وفيه أنه قال في ركوعه: (سبحان ربي العظيم، مثل ما كان قائماً) وقوله: (مثل ما كان قائماً)؛ لأنه مختصر، يعني: ما ذكر القيام لكنه ذكر الركوع وأنه مثل القيام.
قوله: [(ثم جلس يقول: رب اغفر لي.. رب اغفر لي..)].
(ثم جلس) أي: بين السجدتين، يقول: (رب اغفر لي رب اغفر لي).
قوله: [(ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً)].
(ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً)، وهذا مثل الذي قبله من حيث أن فيه كما قال النسائي : التسوية بين الأفعال، يعني: بين القيام والركوع، والسجود والجلوس بين السجدتين والقيام بعد الركوع، فأنه يسوى بينها أو يقارب بينها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك أحياناً، وأحياناً تكون الإطالة للقيام والركوع والسجود والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين يكون بعضها قريب من بعض، وكذلك التشهد يكون أطول، وقد جاء في بعض الأحاديث أن ركوعه وسجوده، وقيامه كذا قريب من السواء ما خلا القيام والجلوس، أي: القيام في الصلاة والجلوس الذي هو للتشهد فإنها تكون أطول.
قوله: [(فما صلى إلا أربع ركعات حتى أتاه بلال للغداة)].
أي: لصلاة الفجر، يعني: معناه أنه وصل طلوع الفجر فصلى أربع ركعات، فكان يطيل القراءة والذي صلاه أربع ركعات، وعند ذلك جاءه بلال للغداة أي: لصلاة الصبح.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فركع فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً ...) من طريق أخرى

قوله:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].
هو ابن مخلد بن راهوية الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، إمام، مجتهد، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث ،وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.
[حدثنا النضر بن محمد المروزي].
هو في الإسناد ثقة، والحافظ ابن حجر قال: صدوق، ربما يهم، وحديثه أخرجه أبو داود في المسائل، والنسائي.
[حدثنا العلاء بن المسيب].
ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي.
[عن عمرو بن مرة].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طلحة بن يزيد الأنصاري].
ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه].
هو صحابي ابن صحابي حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقال النسائي عقب الحديث: هذا الحديث عندي مرسل، طلحة بن يزيد لا أعلمه سمع من حذيفة شيئاً، وغير العلاء بن المسيب يقول عن طلحة عن رجل عن حذيفة، وقوله: مرسل، يعني: أن طلحة لم يسمع من حذيفة، وأنه بينه وبينه واسطة كما في الطريق الثانية.
فهذا يفيد بأن فيه واسطة، والنسائي يقول: إنه لا يعلم أن طلحة سمع من حذيفة شيئاً، وغير العلاء يقول: عن طلحة عن رجل عن حذيفة، وعلى هذا ففيه واسطة، وهنا قال: مرسل على الاصطلاح العام الذي فيه أن الشخص إذا روى عن من لم يلقه، أو لم يدرك عصره، أو أدرك عصره، ولكنه لم يسمع منه شيئاً فهذا المرسل الخفي بهذا المعنى، وإلا فإن المشهور في المرسل ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا، وهنا الصحابي مذكور ولكن الكلام في رواية ذلك الرجل الذي هو طلحة عن حذيفة، هل روى عنه بواسطة أو بغير واسطة، النسائي يقول: إنه لا يعلم أنه سمع منها شيئاً وغير العلاء بن المسيب يجعل بينه وبينه واسطة، فهذا الذي جعل النسائي يقول: إنه مرسل، لكن وإن كان هذا الاحتمال قائماً فهناك شواهد تدل على ما دل عليه الحديث، فهو ثابت وإن كان فيه ما قال النسائي.
كيف صلاة الليل
شرح حديث: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف صلاة الليل.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر، وعبد الرحمن قالا: حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء أنه سمع علياً الأزدي أنه سمع ابن عمر رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث عندي خطأ والله تعالى أعلم].
ثم أورد النسائي: كيف صلاة الليل، أي: كيف تكون، هل تصلى ركعتين ركعتين، أو تجمع الركعات؟ النسائي هنا اقتصر على ذكر الأحاديث التي فيها ذكر أن (صلاة الليل مثنى مثنى)، ولا شك أن كون صلاة الليل مثنى مثنى هذا هو الأولى وهو الأفضل وهو الثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قوله؛ لأن قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) هذا قول، وحديث ابن عباس الذي سبق أن مر بنا قريباً عندما بات عند خالته ميمونة (صلى ثنتين ثم اثنتين ثم اثنتين) حتى عد ست مرات اثنتين، أي: اثنا عشر، ثم أتى بركعة، فمعنى هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا الذي أرشد إليه بقوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) فهو ثابت من قوله ومن فعله، ولكن جاء في بعض الأحاديث وقد مر بنا بعضها قريباً، أنه صلى ثمانياً لم يجلس إلا في آخرهن، معناه أنه وصلها هذه الثمانية أو الثمان ركعات جعلها موصولة، وعلى هذا فالفصل ثابت من فعله وقوله، والوصل ثابت من فعله عليه الصلاة والسلام، فكل منهما سائغ إلا أن الفصل هو الأولى وهو الأفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد الأمة إليه، وقد فعله أيضاً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولأنه أيضاً أرفق بالإنسان وأمكن له بأن يستريح بين الركعتين أو بين كل ركعتين إذا كان بحاجة إلى الراحة، بخلاف ما إذا كانت مسرودة، وكانت عديدة متوالية فقد يكون على الإنسان فيها مشقة، ولكن إذا كان يسلم من كل ركعتين، فإن في ذلك فوائد، وفي ذلك مصلحة، وهو أيضاً كما أشرت المتفق مع فعله وقوله عليه الصلاة والسلام.
ثم أورد النسائي في هذا الباب حديث ابن عمر من طرق عديدة، وكلها تشتمل على أن صلاة الليل مثنى مثنى، وأنه إذا خشي الصبح يوتر بركعة، والحديث الأول منها قال فيه: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فأضاف إلى ذلك النهار، وقال النسائي عقبه: هذا الحديث خطأ، والذي أراده من قوله خطأ ذكر النهار؛ لأن هذا لم يأت بالروايات الكثيرة التي جاءت عن ابن عمر ذكر النهار، بل الروايات المتعددة التي جاءت عنه فيها ذكر الليل فقط، أن (صلاة الليل مثنى مثنى)، وقد قال الترمذي: أنه اختلف فيه الرواة، فمنهم من رفعه ومنهم من وقفه، وهذا الإسناد قد تكلم فيه النسائي وأعله، وقال: إنه خطأ، والخطأ فيه زيادة النهار، والترمذي قال: إنه رواه بعضهم مرفوعاً، ورواه بعضهم موقوفاً.
ومن المعلوم أن صلاة الليل، والنهار هي مثنى مثنى يعني: يصلى ركعتين، ولهذا جاء في الحديث: (إذا دخل أحد المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) التي هي أقل شيء، فالأصل أن الصلوات اثنتين اثنتين، وقد جاء في الليل الوصل في بعض الأحوال من النبي عليه الصلاة والسلام فدل على جوازه، ودل أيضاً على أن الأولى هو الفصل بين كل ركعتين، بأن يصلي ركعتين ثم يجلس ويسلم، وبعض أهل العلم صحح هذا الحديث، ومنهم الشيخ الألباني فإنه صحح الحديث عند النسائي، وعند ابن ماجه، وقال: إنه صحيح، وكما قلت: أن الإنسان يصلي ركعتين ركعتين في الليل والنهار، وحصول ذلك لا شك أنه أرفق، ولا شك أنه أولى للإنسان.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)

قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
هو بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا محمد بن جعفر].
هو غندر الملقب غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[و عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، عارف، بالرجال والعلل، متكلم بالرجال جرحاً وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن يعلى بن عطاء].
هو يعلى بن عطاء الليثي، وهو ثقة أخرج له من البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع علياً الأزدي].
هو علي بن عبد الله الأزدي، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[أنه سمع ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، صحابي ابن صحابي وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-12-2026, 05:06 PM
شرح حديث: (سأل رجل رسول الله عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى..) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن منصور عن حبيب عن طاوس قال: قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وفيه أنه سأله رجل عن صلاة الليل فقال: (مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فواحدة) يعني: فأت بركعة واحدة توتر بها ما مضى من تلك الركعات، فإذا خشيت الصبح فواحدة، وهذا يدل على أن الوتر يكون في آخر الليل فيما إذا كان الإنسان يتمكن من الصلاة في آخر الليل، فإن الوتر يكون في آخر صلاته في آخر الليل، وأما إذا كان يخشى أن لا يقوم في آخر الليل، فإنه يأتي بصلاته قبل أن ينام، ثم بعد ذلك يوتر كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة، وأبا الدرداء رضي الله تعالى عنهما، أوصاهم بثلاث وصايا، ومنها الوتر قبل النوم، وإذا كان الإنسان سيصلي في آخر الليل، فإنه يؤخر الوتر إلى آخر الليل، وصلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي الصبح أتى بركعة يوتر بها ما مضى.
تراجم رجال إسناد حديث: (سأل رجل رسول الله عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى..) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].هو المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب].
هو حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس كثير التدليس والإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس].
هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[قال: قال ابن عمر].
وقد تقدم ذكره.

شرح حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن عثمان، ومحمد بن صدقة قالا: حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله إلا أن الأولى فيها أنه كان سئل وهنا ليس فيه ذكر السؤال، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة) فهو مثل الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق ثالثة

قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[ومحمد بن صدقة].
هو الحمصي وهو صدوق، أخرج له النسائي وحده.
[قال: حدثنا محمد بن حرب].
هو محمد بن حرب الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبيدي].
هو محمد بن وليد الحمصي وهو ثقة، ثبت، من أثبت الناس في الزهري، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو: من صغار التابعين وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره.
حديث: (سمعت رسول الله على المنبر يسأل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى ...) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن ابن أبي لبيد عن أبي سلمة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يسأل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة)].ثم أورد حديث ابن عمر وهو مثل الذي قبله إلا أن فيه أنه سمعه وهو: على المنبر وهو يسأل عن صلاة الليل فقال: (مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة) فالحديث يعني لفظه هو اللفظ المتقدم.
قوله:
[حدثنا محمد بن منصور].
هو محمد بن منصور الجواز المكي، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا سفيان].
هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي لبيد].
هو عبد الله بن أبي لبيد، وهو ثقة، أخرج له الجماعة إلا الترمذي.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع؛ لأن الأقوال الثلاثة في السابع، سالم الذي مر ذكره، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والثالث هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأما الستة غير هؤلاء الثلاثة فهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

حديث: (أن رجلاً سأل رسول الله عن صلاة الليل قال: مثنى مثنى ...) من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا موسى بن سعيد حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا الحسن بن الحر حدثنا نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أخبرهم: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل قال: مثنى مثنى، فإن خشي أحدكم الصبح فليوتر بواحدة)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، والمتن هو: مثل المتن في الطرق السابقة.
قوله:
[أخبرنا موسى بن سعيد].
صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس].
هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي اليربوعي، ثقة، حافظ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية بن حديج الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الحسن بن الحر].
ثقة، فاضل، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[حدثنا نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].
وقد تقدم ذكره مراراً.

حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق سادسة وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)].
قوله:
[أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري، الفقيه، المحدث، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.
وهذا من الرباعيات عند النسائي وهو من أعلى الأسانيد التي عند النسائي؛ لأن أعلى ما عنده الرباعيات وهذا رباعي، يروي فيه قتيبة عن مالك ومالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق سابعة وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (سأل رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف صلاة الليل؟ فقال: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)].
قوله:
[أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة].
صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عثمان].
هو ابن سعيد بن كثير بن دينار وهو: حمصي، والد عمرو، الذي مر ذكره قريباً عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، هذا أبوه، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه مثل الذين أخرجوا لابنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن شعيب].
هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، يروي عنه الزهري وهو من أثبت الناس في الزهري وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وقد مر ذكره.
[عن سالم عن عبد الله بن عمر].
وقد مر ذكرهما.
حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق ثامنة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن يحيى حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن أخي ابن شهاب عن عمه أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أخبره: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)]. قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى].
هو ابن عبد الله الذهلي النيسابوري، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا يعقوب بن إبراهيم].
هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن أخي ابن شهاب].
هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن أخي الزهري، يعني ذاك محمد بن مسلم، وهذا محمد بن عبد الله بن مسلم يعني: عبد الله، ومحمد أخوان، وهذا ابن أخيه ابن أخ الزهري، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمه].
هو محمد بن مسلم وقد مر ذكره.
[أخبرني حميد بن عبد الرحمن].
هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الله بن عمر].
وقد تقدم.
حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى ...) من طريق تاسعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن الهيثم حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن ابن شهاب حدثه أن سالم بن عبد الله وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قام رجل فقال: (يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)].وهذا المتن أيضاً مثل المتون السابقة.
قوله: [أخبرنا أحمد بن الهيثم].
صدوق، أخرج له النسائي وحده.
[حدثنا حرملة].
هو حرملة بن يحيى التجيبي، وهو صدوق، أخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وذاك أيضاً مصري، وحديثه في الكتب الستة.
[أخبرني عمرو بن الحارث].
هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، أيضاً أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن ابن شهاب حدثه أن سالم وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهم.
الأسئلة

تعليق التميمة مع اعتقاد النفع والضر وعلاقتها بالشرك
السؤال: فضيلة الشيخ، الحديث الذي أورده الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوقيت عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرقى والتمام والتولة شرك) فهل هذا شرك أكبر، فمتى يكون الشرك أكبر ومتى يكون أصغر؟
الجواب: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) إذا كان علقها معتقداً بأنها تنفع، وأنها تضر بنفسها وبذاتها فلا شك أنه شرك أكبر إذا كان معتقد أن هذه تنفع، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) فإذا كان اعتقد فيها هذا الاعتقاد فهو شرك أكبر.

رواية الزهري عن ابن عمر بدون واسطة وغيره من الصحابة بين النفي والإثبات

السؤال: فضيلة الشيخ، هل الزهري روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهل روى عن غيره من الصحابة؟
الجواب: الزهري من صغار التابعين، فالظاهر ما أدرك ابن عمر؛ لأن ابن عمر توفي سنة أظن 73 أو كذا، والزهري 125هـ يعني: ما أعلم، ما أدري هل أدركه أو ماذا، ما أدري عمر الزهري هل هو معمر.
لكن أظنه سمع من ابن عمر حديثين؛ لأنه مر بنا قريباً أنه قال: أبو عبد الرحمن في الزهري أظن لعله عن ابن عمر لم يسمع إلا حديثين وليس هذا منها، فعلى هذا يكون معمر وأدركه إذا كان هذا هو، وهو مر بنا قريباً في كتاب الصلاة باب صلاة الخوف.

ابو الوليد المسلم
04-12-2026, 05:13 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(301)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب الأمر بالوتر) إلى (باب وقت الوتر)


صلاة الوتر من السنن المؤكدة، وقد حث الشارع على فعلها قبل النوم لمن لا يثق بقيامه آخر الليل، ونهى عن فعل وترين في ليلة واحدة، والليل كله وقت للوتر غير أن آخره أفضل.
الأمر بالوتر
شرح حديث: (يا أهل القرآن أوتروا ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالوتر. أخبرنا هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عاصم وهو ابن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: (أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أهل القرآن! أوتروا فإن الله عز وجل وتر يحب الوتر)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الأمر بالوتر، المقصود من هذه الترجمة: بيان أن الوتر أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر أمر ندب واستحباب، والوتر من آكد السنن، بل جاء عن بعض أهل العلم كالإمام أحمد رحمة الله عليه أنه قال: (إن الذي لا يصلي الوتر رجل سوء) والنبي عليه الصلاة والسلام ما ترك الوتر لا في حضر، ولا في سفر، ولا في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على تأكده، وعلى أن المسلم لابد أن يحرص عليه كما يحرص على الرواتب بصورة خاصة، وعلى النوافل الأخرى التي هي دونها.
وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه [(أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتر وقال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)]، فكان يوتر عليه الصلاة والسلام، والمراد من الوتر ما بعد صلاة الليل التي هي: موضع القراءة، والتي فيها المجال لقراءة القرآن، وختامها الوتر الذي هو: ركعة يوتر بها ما مضى كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى).
وقوله عليه الصلاة والسلام: [(أوتروا يا أهل القرآن)] خص أهل القرآن؛ لاشتغالهم بالقرآن، ولحرصهم على تلاوة القرآن، فإن صلاة الليل فيها مجال واسع لقراءة القرآن، وتدبر القرآن، والتأمل في القرآن، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإن الله وتر يحب الوتر)، فمن أسمائه الوتر، ويحب الوتر، وهذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الإيتار في الصلاة، وأمره أهل القرآن أن يوتروا، هذا مما يحبه الله عز وجل؛ لأن هذا من الأعمال الصالحة التي يحبها الله، بل إن هذا من آكد النوافل وأهمها كما أشرت.
وقوله: [(إن الله وتر)] هو: من أسمائه سبحانه وتعالى، فالوتر هو: الواحد بذاته، وبصفاته، وبأفعاله سبحانه وتعالى، والله عز وجل يحب مقتضى أسمائه، ولهذا جاء في متون كثيرة فيها ذكر أسماء الله عز وجل وفيها محبته لمقتضى أسمائه مثل: (إن الله جميل يحب الجمال)، إن الله محسن يحب الإحسان، إن الله رفيق يحب الرفق، وهنا (إن الله وتر يحب الوتر)، فمقتضى أسمائه سبحانه وتعالى مثل ما جاء في هذه الأسماء التي فيها ذكر اسم الله، ثم تعقيبه بكون الله عز وجل يحب مقتضى ذلك الاسم وهذا من هذا القبيل (فإن الله وتر يحب الوتر).
تراجم رجال إسناد حديث: (يا أهل القرآن أوتروا ...)
قوله:
[أخبرنا هناد بن السري].
هو أبو السري الكوفي ،وكنيته توافق اسم أبيه، فـأبوه السري وكنيته أبو السري، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع أن لا يظن التصحيف، فيما لو كان معروفاً عند البعض بنسبه دون كنيته، فإذا وجده مكنى بدل النسبة بأن كان يعرف أنه هناد بن السري، فوجده هناد أبو السري فيظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، لكن إذا عرف أن الاسم وافق الكنية، أو أن الكنية توافق الاسم، فإنه لا يلتبس عليه الأمر، سواء جاء هناد بن السري أو جاء هناد أبو السري؛ لأن كل ذلك صواب، وكل ذلك حق.
وهناد بن السري الكوفي ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو من المعمّرين توفي سنة 238هـ وعمره إحدى وتسعون سنة، وهو في الطبقة العاشرة، ويروي عن أبي بكر بن عياش، وهو في الطبقة السابعة، ومن هاهنا يأتي اختصار الطبقات، وكون الشخص يروي عن طبقة متقدمة عنه بطبقتين لكونه معمراً؛ لأنه توفي سنة 238هـ وعمره عند وفاته إحدى وتسعون سنة، فقد أدرك المتقدمين لأنه عاش طويلاً، وهذا مثل قتيبة بن سعيد الذي مر بنا ذكره وأنه توفي 240هـ وولد سنة 150هـ فأدرك المتقدمين، ومن هنا يكون اختصار الطبقات وكون الإنسان يروي لطبقة ثم يروي عن طبقة متقدمة، مثل هذا في العاشرة يروي عن شخص في الطبقة السابعة، وسبب ذلك كون الإنسان عمر وأدرك المتقدمين.
[عن أبي بكر بن عياش].
هو الكوفي وهو ثقة، تغير أخيراً، وكتابه صحيح، وقد أخرج له مسلم في مقدمة الصحيح، والبخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
ثم إن رواية مسلم في المقدمة عنه لا يعني كونه فيه شيء عند مسلم؛ فكم من راوٍ لم يخرج له مسلم، أو خرج له في المقدمة، مع أنه من الثقات الأثبات، ومن هؤلاء عبد الله بن الزبير المكي، شيخ البخاري الذي روى عنه أول حديث في صحيحه: (إنما الأعمال بالنيات) قال: حدثنا عبد الله بن الزبير، فـعبد الله بن الزبير هذا خرج له مسلم في المقدمة وما خرج له في الصحيح، فلا يعني أنه ضعيف عنده، وإنما لعله هكذا اتفق له أن روى عنه شيئاً في المقدمة، ولا يعني أنه إذا لم يرو عنه في الصحيح يكون فيه شيء.
وهناك أئمة ثقات أثبات ما خرج لهم في الصحيحين، ومنهم: أبو عبيد القاسم بن سلام، فإن هذا ما خرج له في الصحيحين، وهو إمام جليل، وعالم كبير، وذلك أن صاحبي الصحيح لم يلتزما إخراج كل صحيح، ولم يلتزما الرواية عن كل ثقة، أو الإخراج عن كل ثقة، فكم من حديث صحيح لا يوجد في الصحيحين، وكمن ثقة لا يوجد له رواية في الصحيحين.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي نسبة خاصة، والهمداني نسبة عامة، ينسب إلى قبيلة في اليمن، وسبيع بطن من همدان، ولهذا اشتهر بالنسبة إلى هذه النسبة الخاصة، وهو: مشهور بـأبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
هو عاصم بن ضمرة، وهو الكوفي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن علي].
هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وأبو السبطين الحسن، والحسين رضي الله تعالى عنه وعنهما وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (الوتر ليس بحتم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن أبي نعيم عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه قال: (الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم).أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه أنه قال: (الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا يبين أن الأمر في قوله: (أوتروا) في حديث علي المتقدم، أنه ليس للوجوب وليس للفرض والحتم، وإنما هو للندب والاستحباب المؤكد؛ لأن تعقيب ذلك الحديث لهذا الحديث هو قوله: (إن الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة) هذا يفيد أن الأمر بقوله: (أوتروا) ليس للوجوب وللحتم، وكلام علي رضي الله عنه يبين هذا حيث قال: (إن الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) فهو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام بل من السنن المؤكدة التي جاء الحث عليها، والترغيب فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه ليس من الأمور التي أوجبها الله عز وجل كالصلوات الخمس؛ فإن الذي أوجبه الله في اليوم والليلة خمس صلوات، ولم يوجب سواها، ولكن الوتر متأكد ومن آكد السنن.
ومن المعلوم أن السنن سياج للفرائض، ومن تهاون بالسنن تهاون بالفرائض، والسنن يكمل بها الفرض، إذا حصل فيها نقص، وخلل فإنه يكمل من النوافل، وقد سبق أن مر بنا الحديث: (إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن أحسن فيها وإلا يقول الله عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به) والحديث في سنن النسائي، فهي وقاية وسياج للفرائض؛ حيث إنه من يحافظ عليها فهو محافظ على الفرائض من باب أولى، ومن تهاون بها فإنه قد يتهاون في الفرائض، ثم أيضاً تكمل بها الفرائض كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قوله: [(سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم)] معلوم أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام يدخل تحتها كل ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي: تأتي بمعنى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والحديث كل ذلك يقال له سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما بلغه أن جماعة من أصحابه تكلموا في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقالوها، وقال واحد منهم: أنا أصوم الدهر أبداً فلا أفطر، وقال الثاني: أنا أقوم الليل فلا أنام، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأنام وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، المراد بالسنة الطريقة، وطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم هي كل ما جاء به القرآن والسنة، فالسنة تطلق إطلاقاً عاماً يشمل الكتاب والسنة، ومنه ما جاء في هذا الحديث في قوله: (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، فليس مني) أي: من رغب عن طريقتي التي هي: السير على منهاج الكتاب والسنة، فليس منه صلى الله عليه وسلم.
وتأتي السنة يراد بها الحديث، كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث فإنه يقال له سنة، ومن أمثلة ذلك ما يأتي في كتب الفقه، والحديث، وفي شروح الحديث، عندما يأتي مثلاً يقول: دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فإذا جاءت السنة معطوفة على الكتاب الذي هو القرآن، فالمراد بها: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قول، أو فعل، أو تقرير، أو وصف خلقي أو خلقي، كل هذا يقال له سنة، أي: كل حديث عنه فإنه يطلق عليه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، يعني: يريد بذلك السنة، ومن المعلوم أن الوحي وحيان: وحي متعبد بتلاوته، ومتعبد بالعمل به، ووحي متعبد بالعمل به، ذاك الذي تعبد بالتلاوة، والعمل القرآن، والذي تعبد بالعمل به هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وتأتي السنة في مقابل البدعة، ولهذا يأتي عند أهل السنة كتب عديدة باسم السنة يريدون بها بيان العقيدة، وبيان ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته، والتابعين، في العقيدة، فيطلقون على ذلك سنة، ويريدون بذلك في مقابل البدعة، فالسنة يعني: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم في باب العقائد هذا يقال له سنة، ولهذا يأتي كتب كثيرة باسم السنة، كالسنة للإمام أحمد، والسنة لـعبد الله بن الإمام أحمد، والسنة لـابن أبي عاصم، أو السنة لـمحمد بن نصر المروزي، والسنة للطبراني، كلها بلفظ السنة، وكلها في العقيدة.
وفي اصطلاح الفقهاء هي: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، ويطلبه الشارع طلباً غير جازم، معناه: أنه ليس على الحتم وإنما على الاستحباب، هذا يقال له سنة، مثل المستحب والمندوب، يستحب كذا يندب كذا يسن كذا، هذا هو معناه عند الفقهاء.
وقوله هنا: (ولكنه سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام) هو من السنن التي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه كما جاء في أول الأثر عن علي أنه قال ليس بحتم، ولكنه من السنن التي هي مندوبة، ويرغب فيها وفيها أجر عظيم، بل هي من آكد السنن ومن أهمها التي لم يتركها النبي عليه الصلاة والسلام لا في حضر، ولا في سفر.
تراجم رجال إسناد حديث: (الوتر ليس بحتم ...)
قوله: [أخبرني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي الكوفي البصري، وهو المشهور أبوه بـابن علية، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده، ومحمد هذا، وأبوه من الثقات، وأبوه مشهور بـابن علية، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وهناك ابن لـإسماعيل أخ لـمحمد هذا ولكنه من المبتدعة ومن أهل الضلال، وقد قال عنه الذهبي في الميزان: جهمي هالك، وهو: إبراهيم بن إسماعيل، ويأتي ذكره في مسائل الفقه الشاذة، يقولون: قال فيها ابن علية كذا، فالمراد: بـابن علية هنا إبراهيم، وقد ذكره ابن رشد في بداية المجتهد عند الإجارة وذكر أنه خالف فيها ابن علية والأصم وقالوا: أنها لا تجوز الإجارة، وابن علية المراد به هو هذا إبراهيم، وأما الأصم فالمراد به أبو بكر بن كيسان الأصم المعتزلي، وليس أبو العباس الأصم شيخ الحاكم؛ لأن ذاك ثقة، ولكن المقصود أبو بكر بن كيسان الأصم المعتزلي.
[عن أبي نعيم].
هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد قيل عنه أنه يتشيع، لكن نقل الحافظ ابن حجر عنه في مقدمة الفتح أنه قال كلمة تدل على بعده عن مذهب الشيعة وعن طريقة الشيعة، وهي: قوله رحمة الله عليه: (ما كتبت عليّ الحفظة أنني سببت معاوية)، ومن المعلوم: أن سب معاوية من أسهل الأمور عند الرافضة، بل وعند الشيعة من الزيدية الذين هم أخف من الرافضة كلهم يسبون معاوية ويشتمون معاوية، وهذا الفضل بن دكين أبو نعيم الذي قيل أنه يتشيع، يقول: (ما كتبت عليّ الحفظة أنني سببت معاوية)، وهذا يدل على سلامته، وعلى استقامته، وعلى بعده عن الانحراف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، والفضل بن دكين أبو نعيم حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وقد اشتهر بهذه الكنية شخص متأخر مؤلف من المؤلفين، صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة وهو أبو نعيم الأصبهاني المتوفى سنة ثلاثين بعد الأربعمائة، فذاك متأخر وأما هذا متقدم، بل هذا من كبار شيوخ البخاري، ولهذا النسائي لا يروي عنه إلا بواسطة، وأما البخاري فهو يروي عنه مباشرة، وهو من كبار شيوخه الذين ما أدركهم النسائي.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-12-2026, 05:21 PM
الحث على الوتر قبل النوم

شرح حديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: النوم على وتر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحث على الوتر قبل النوم. أخبرنا سليمان بن سلم ومحمد بن علي بن الحسن بن شقيق عن النضر بن شميل حدثنا شعبة عن أبي شمر عن أبي عثمان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: النوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الحث على صلاة الوتر قبل النوم، المراد بهذا هو من يعرف من نفسه أنه لا يستيقظ، أو يخاف أن لا يستيقظ في آخر الليل، فإن المستحب في حقه، والذي ينبغي في حقه، أن يوتر قبل أن ينام حتى لا يطلع عليه الفجر وهو لم يوتر، أما إذا علم من نفسه أنه يقوم آخر الليل، فإنه يؤخر الوتر إلى آخر الليل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، وهذا يدلنا على أن من وثق بأنه يقوم آخر الليل فإنه يؤخر الوتر إلى آخر الليل، وأما من خشي أن لا يقوم فإنه يوتر قبل أن ينام، وقد جاء في ذلك أحاديث منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا الذي قال فيه: (أوصاني خليلي)، وهذا هو الذي فيه بيان الحث؛ لأن هذا فيه وصية، أي: معناه: أن فيه حث على الوتر قبل النوم، ولكنه يحمل ما على إذا كان الإنسان يخشى أن لا يستيقظ، أما إذا طمع بأن يستيقظ في آخر الليل، فإنه يجعل الوتر في آخر الليل، ولا يجعله في أول الليل.
قوله: [(أوصاني خليلي)] هذا كلام أبي هريرة رضي الله عنه، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) فهذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اتخذ خليلاً، وأبو هريرة يقول: (أوصاني خليلي) ولا تنافي بين الحديثين؛ لأن النفي إنما هو من جانب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما اتخذ خليلاً من أمته، وأما قوله: [(أوصاني خليلي)] فهذا من جانب أبي هريرة رضي الله عنه، وأنه أطلق على النبي صلى الله عليه وسلم أنه خليله.
فإذاً أبو هريرة يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم خليله وقال: (أوصاني خليلي)، والنبي صلى الله عليه وسلم ما اتخذ أبا هريرة، ولا غيره خليلاً، ولو كان متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذ أبا بكر خليلاً كما ثبت في ذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذاً لا تنافي بين ما جاء في هذا الحديث وبين حديث: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
قوله: [(النوم على وتر)]، يعني: أنه ينام وقد أوتر، وهذا كما قلنا فيما إذا كان يخشى أن لا يستيقظ (النوم على وتر وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى).
وجاء أيضاً عن أبي الدرداء رضي الله عنه في صحيح مسلم، وحديث أبي هريرة متفق عليه، وأما حديث أبي الدرداء فقد أخرجه مسلم وهو مثل حديث أبي هريرة، ولكنه يقول: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث) يعني: عبر بحبيبي، وأبو هريرة عبر بخليلي، (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أرقد).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: النوم على وتر ...)
قوله:
[أخبرنا سليمان بن سلم].
هو سليمان بن سلم البلخي، وهو ثقة أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[و محمد بن علي].
هو محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة، أخرج له الترمذي، والنسائي.
[عن النضر بن شميل].
ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي شمر].
هو أبو شمر الضبعي البصري، وهو مقبول، أخرج له مسلم، والنسائي.
[عن أبي عثمان].
هو أبو عثمان النهدي وهو عبد الرحمن بن مل (مَل أو مِل أو مُل) مثلث الميم، وهو ثقة، ثبت، مخضرم، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة على الإطلاق حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: الوتر أول الليل ...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة ثم ذكر كلمة معناها: عن عباس الجريري سمعت أبا عثمان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: الوتر أول الليل، وركعتي الفجر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو: مثل الذي قبله مشتمل على الوصايا الثلاث التي أوصى النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة بها، والمقصود منه الجملة الأولى وهي: كونه يوتر في أول الليل.
قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا محمد].
وهو غير منسوب يروي عن شعبة والمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر، وكلما جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة، ويروي عن محمد بن بشار، أو محمد بن المثنى، فالمراد به محمد بن جعفر الملقب غندر البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو ابن الحجاج، وقد مر ذكره.
[ثم ذكر كلمة معناها: عن عباس الجريري].
يعني: معناها: أن قوله عن عباس الجريري، أنه ما أتقن الكلمة التي قالها عندما ذكر الاسم أو الصيغة التي هي عنه، ولهذا قال معناها عن عباس الجريري، وعباس هو: عباس بن فروخ الجريري وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا عثمان عن أبي هريرة].
وقد مر ذكرهما.

نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوترين في ليلة

شرح حديث: (لا وتران في ليلة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوترين في ليلة. أخبرنا هناد بن السري عن ملازم بن عمرو حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق قال: (زارنا أبي طلق بن علي رضي الله تعالى عنه في يوم من رمضان فأمسى بنا وقام بنا تلك الليلة، وأوتر بنا ثم انحدر إلى مسجد فصلى بأصحابه حتى بقي الوتر، ثم قدم رجلاً فقال له: أوتر بهم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا وتران في ليلة)].
ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوترين في ليلة، والمقصود من هذا: أن الوتر في الليلة الواحدة يكون مرة واحدة ولا يتكرر، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث الذي أورده هنا طلق بن علي: [(لا وتران في ليلة)]، وكان عليه الصلاة والسلام كما سبق أن مر بنا في حديث عائشة، أنه إذا شغله عن وتره، وصلاته في الليل وجع، أو مرض، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، يعني: أنه يقضيه، ولكنه يقضيه مشفوعاً لا يقضيه وتراً، فالليلة الواحدة لا يؤتى فيها بالوتر أكثر من مرة واحدة، ومن أوتر أول الليل ثم استيقظ في آخر الليل، فإن له أن يصلي ما أمكنه ولكن لا يوتر مرة أخرى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا وتران في ليلة).
وأورد النسائي حديث طلق بن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال عنه ابنه قيس: أن أباه زارهم وأنه صلى بهم وأوتر بهم، ثم انحدر إلى مسجد فصلى بأصحابه، ولما بقي الوتر قدم واحداً منهم وقال: أوتر بهم فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(لا وتران في ليلة)] هو لا يوتر؛ لأنه قد أوتر قبل ذلك، فهو لا يكرر الوتر، ثم استدل بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: (لا وتران في ليلة) أي: أن طلق بن علي رضي الله تعالى عنه أوتر بالجماعة الأولى التي زارهم، ثم لما ذهب إلى ذلك المسجد وصلى بأصحابه ولم يبق إلا الوتر قدم شخصاً ليوتر بهم، ثم بين السبب في كونه، لا يوتر بهم لأنه قد أوتر من قبل، وقال: فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(لا وتران في ليلة)].
والحديث واضح الدلالة على الترجمة، وعلى أنه لا يجوز للإنسان أن يوتر مرتين، وأنه إن كان يثق من نفسه أنه يقوم آخر الليل فليجعل الوتر آخر الليل، وإن كان لا يثق فليوتر أول الليل، لكن إن قام فليصلِ ما شاء لكن لا يوتر مرة أخرى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(لا وتران في ليلة)] وكلمة: [(لا وتران في ليلة)] الأصل أن يقال: لا وترين في ليلة، لكن قيل هذه على لغة بعض العرب الذين ينصبون المثنى بالألف بدل الياء.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا وتران في ليلة)

قوله:
[أخبرنا هناد بن السري].
وقد مر ذكره قريباً ،كوفي، ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ملازم بن عمرو اليمامي].
نسبة إلى اليمامة، صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة، وفي نسخة التقريب: اليماني، كما قلت أن كلمة اليمامي واليماني يكون التصحيف فيما بينها، مثل البخاري والنجاري متقاربة يكون التصحيف فيما بينها، وهنا في ترجمة ملازم في نسخة التقريب المصرية قال: اليماني، وهو: اليمامي وليس اليماني، بل هو منسوب لليمامة.
[حدثني عبد الله بن بدر].
هو اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن قيس بن طلق].
هو قيس بن طلق اليمامي أيضاً، وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن طلق بن علي].
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ممن وفد إلى النبي عليه الصلاة والسلام من الوفود التي وفدت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بل وفد إليه في وقت مبكر، فإنه جاء عنه أنه قال: (جئت وهم يؤسسون المسجد)، يعني: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في أول السنة الأولى من سني الهجرة، فإنه قال: (قدمت وهم يؤسسون المسجد)، وذلك في حديث طلق بن علي مع بسرة بنت صفوان الذي تقول فيه: (من أفضى إلى ذكره فليتوضأ) وحديث طلق بن علي يقول: (وهل هو إلا بضعة منك)، فهو متقدم الوفادة، وحديث بسرة فيه الأمر بالوضوء وذاك متقدم، وطلق بن علي أيضاً جاء عنه أنه ممن روى حديث: (الوضوء من مس الذكر)، وطلق بن علي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج له أصحاب السنن الأربعة، وعلى هذا فهذا الإسناد الذي معنا فيه أربعة من اليمامة، وكل منهم خرج له أصحاب السنن الأربعة، وهم ملازم بن عمرو، وعبد الله بن بدر، وقيس بن طلق، وطلق بن علي، أربعة من اليمامة وكل واحد من هؤلاء الأربعة أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث: (فإذا كان من السحر أوتر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت الوتر. حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان ينام أول الليل، ثم يقوم فإذا كان من السحر أوتر، ثم أتى فراشه، فإذا كان له حاجة ألم بأهله، فإذا سمع الأذان وثب، فإن كان جنباً أفاض عليه من الماء وإلا توضأ ثم خرج إلى الصلاة)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: وقت الوتر، ووقت الوتر هو الليل كله، كما جاء في الأحاديث، وهذا الحديث فيه الوتر بآخر الليل، هذا الحديث الذي أورده النسائي ،حديث عائشة الأول أنه أوتر في آخر الليل في السحر، قالت أنه ينام، ثم يستيقظ ويصلي. فإذا جاء السحر أوتر، ثم نام، فإن كان له حاجة من أهله ألم بها -يعني: كناية عن الجماع- ثم إذا جاء الوقت وثب مسرعاً، فإن كان عليه جنابة، اغتسل وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة، والحديث دال على أن الوتر يكون من أوقاته السحر، بل أفضل أوقاته أن يكون في آخر الليل لمن تمكن من القيام آخر الليل.
تراجم رجال إسناد حديث: (فإذا كان من السحر أوتر ...)
قوله:
[حدثنا محمد بن المثنى].
هو العنزي الملقب بالزمن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا محمد].
هو ابن جعفر، الملقب غندر وقد مر ذكره قريباً.
[حدثنا شعبة].
كذلك مر ذكره.
[عن أبي إسحاق].
وقد مر ذكره.
[عن الأسود بن يزيد].
هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها بآيات تتلى من سورة النور، فمن رماها بالإفك فإنه كافر مكذب بالقرآن، وبما أنزله الله على محمد عليه الصلاة والسلام، من هذه الآيات العشر التي تتلى في سورة النور، وهي: من أوعية السنة، وحفاظها، ولا سيما ما يتعلق بأحكام البيوت التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإنها روت الكثير عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة.
شرح حديث: (أوتر رسول الله من أوله وآخره وأوسطه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوله، وآخره، وأوسطه، وانتهى وتره إلى السحر)].وهذا فيه بيان وقت الوتر، وأن الليل كله وقت للوتر، أول الليل وأوسطه وآخره، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتر في أول الليل، وأوتر في وسطه، وأوتر في آخره، فدل هذا على أن الليل كله وقت للوتر، فإنه أوتر في أول الليل وأوسط الليل وأوتر في آخر الليل، وانتهى وتره إلى السحر، أي: أنه كان في آخر أمره عليه الصلاة والسلام أنه كان يوتر في السحر كما دل عليه الحديث المتقدم، الذي جاء عن عائشة أنه كان ينام، ثم يستيقظ، ثم يصلي ويوتر في السحر، ثم ينام بعد ذلك، فالحديث دال على أن الليل كله وقت للوتر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، وهذا، وهذا.

شرح حديث: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك)].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بذلك)، وهذا فيه بيان أن الوتر يكون في آخر صلاة الليل، سواء كانت الصلاة في أول الليل أو وسطه أو آخره، فإن صلاة الليل تختم بالوتر، والتفصيل كما ذكرت آنفاً من وثق من نفسه أن يقوم فليوتر آخر الليل، ومن لم يثق فإنه يوتر قبل أن ينام كما أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الصحابيين الكريمين أبا هريرة وأبا الدرداء رضي الله تعالى عنهما والله أعلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً ...)
قوله:
[أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الليث بن سعد المصري].
ثقة، ثبت، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع مولى ابن عمر].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر].
رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي وأحد العبادلة الأربعة وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي مر ذكرهم قريباً، وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه من الرباعيات؛ لأن بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص: قتيبة، والليث، ونافع، وابن عمر.

ابو الوليد المسلم
04-13-2026, 10:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(302)
- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - (باب الأمر بالوتر قبل الصبح) إلى (باب كم الوتر؟)


الأمر بالوتر قبل الصبح


شرح حديث: (أوتروا قبل الصبح)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالوتر قبل الصبح. أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أخبرنا محمد وهو ابن المبارك حدثنا معاوية وهو ابن سلام بن أبي سلام عن يحيى بن أبي كثير أخبرني أبو نضرة العوقي أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوتر فقال: أوتروا قبل الصبح)].
يقول النسائي رحمه الله: باب الأمر بالوتر قبل الصبح، أي: أن الوتر آخر وقته طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فقد انتهى وقته، وقد سبق أن مر في بعض الأحاديث: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى) (خشي أحدكم) معناه: أنه كاد أن يظهر عليه الصبح فإنه يصلي ركعة قبل أن يظهر الصبح لتوتر له ما مضى.
وقد أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الوتر فقال: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: أن نهاية وقته وهو: طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر وظهر الصبح فقد انتهى وقته، فهو يصلى قبل هذا الوقت، ولهذا قال: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: قبل أن يطلع الصبح أي: الفجر، هذا هو نهاية وقت الوتر، وقد مر بنا أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتر من أول الليل ومن وسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر، ومر في الأحاديث الماضية أنه إذا خشي الصبح فإنه يأتي بركعة توتر ما مضى، وهذا يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: [(أوتروا قبل الصبح)] أي: قبل أن يخرج وقت الوتر الذي هو طلوع الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث: (أوتروا قبل الصبح)

قوله: [أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم].ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[أخبرنا محمد وهو ابن المبارك].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو: ابن المبارك) الذي قالها هو النسائي أو من دون النسائي.
[حدثنا معاوية وهو ابن سلام بن أبي سلام].
هو معاوية بن سلام بن أبي سلام أبو سلام، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (هو ابن سلام بن أبي سلام) هذه الذي زادها من دون تلميذه محمد بن المبارك، فالذي قالها هو: عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أو من دونه.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، هو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أبو نضرة].
هو أبو نضرة العوقي، وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مذكور بكنيته أبي نضرة.
[أنه سمع أبا سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مذكور بكنيته، ونسبته، بكنيته أبي سعيد وبنسبته الخدري، وهو: بيت من بيوت الأنصار، وهو من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء السبعة عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

شرح حديث: (أوتروا قبل الفجر) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن درست حدثنا أبو إسماعيل القناد حدثنا يحيى وهو: ابن أبي كثير عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوتروا قبل الفجر)].أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى وهو بلفظ الطريقة السابقة: [(أوتروا قبل الفجر)] أي: قبل خروج الفجر الذي به ينتهي الليل، والذي به يبدأ الصيام في حق من يريد أن يصوم، فنهاية الليل تكون بطلوع الفجر، ولهذا الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فالوتر هو: عند طلوع الفجر ينتهي، وبعد ذلك يُقضى، ولكن يُقضى بعد طلوع الشمس كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث (أوتروا قبل الفجر) من طريق أخرى

قوله:
[أخبرنا يحيى بن درست].
هو يحيى بن درست البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا أبو إسماعيل القناد].
هو إبراهيم بن عبد الملك وهو صدوق في حفظه شيء، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن أبي كثير، وقد مر ذكره.
[عن أبي نضرة عن أبي سعيد].
وقد مر ذكرهم.

الوتر بعد الأذان

شرح حديث ابن مسعود: (هل بعد الوتر أذان؟ قال: نعم وبعد الإقامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوتر بعد الأذان.أخبرنا يحيى بن حكيم حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه: (أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه فجاء فقال: إني كنت أوتر، قال: وسئل عبد الله هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإقامة، وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى)].
أورد النسائي الوتر بعد الأذان يعني: قضاءً، أي: بعد أذان الصبح قضاءً وليس أداءً؛ لأن الأداء إنما هو ينتهي بطلوع الفجر، وهذه الترجمة يراد بها الوتر بعد الأذان قضاءً، وقد أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي فيه أنه سئل عن الوتر بعد الأذان قال: (نعم وبعد الإقامة)، ثم حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن صلاة الصبح وقام بعد طلوع الشمس وصلى، أي: أنه قضاها بعد طلوع الشمس، أي: بعد خروج وقتها، فكذلك الوتر يُقضى بعد خروج وقته، هذا هو وجه استدلال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على ما استدل به وهو قضاء الوتر بعد الأذان.
وقال أيضاً: وبعد الإقامة، وليس المقصود أنه بعد الإقامة يقوم يوتر؛ لأنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ولعل المقصود من ذلك أنه يقضيها بعد الصلاة، وابن مسعود رضي الله عنه ما عنده مستند كما يظهر إلا القياس على قضاء الصلاة بعد خروج وقتها، فقاس الوتر بأنه يُقضى بعد خروج وقته وذلك بعد الأذان، لكن الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما مر في حديث عائشة، أنه كان يقضيه ضحى، ولكنه يقضيه مشفوعاً وليس وتراً؛ لأنه كان من عادته أنه يصلي إحدى عشرة ركعة من الليل، فإذا شغله عنها وجع أو غيره فإنه يصلي من الضحى أو من النهار اثنتي عشرة ركعة أي: قضاء، وهذا يدلنا على أنه من فاته الوتر فإنه يقضيه في الضحى مشفوعاً وليس وتراً، عدد الركعات وزيادة ركعة واحدة.
وعمرو بن شرحبيل تأخر في الخروج إليهم فقالوا له في ذلك فقال: إنه يوتر، وكان هذا بعد الأذان، ثم أسند إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن الوتر بعد الأذان قال: (نعم وبعد الإقامة)، ثم حدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه نام عن صلاة الصبح، وقام بعد طلوع الشمس فصلاها أي: قضاءً، فكذلك يقاس على ذلك، أن الوتر يقضى بعد خروج وقته.
لكن القضاء ينبغي أن يكون في الوقت الذي كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الضحى، أي: يصلي مقدار ما كان يصليه من الليل ويزيد على ذلك ركعة واحدة تشفع ذلك العدد.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (هل بعد الوتر أذان؟ قال: نعم وبعد الإقامة)
قوله:
[أخبرنا يحيى بن حكيم].
ثقة، حافظ، عابد، مصنف، وقد أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].
هو إبراهيم بن محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو محمد بن المنتشر الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.
[عن عمرو بن شرحبيل].
هو عمرو بن شرحبيل الكوفي الهمداني، ثقة، مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[عن عبد الله بن مسعود].
هو أوتر بعد الأذان، وأخبر بأن ابن مسعود سئل عن الوتر بعد الأذان فقال: نعم وبعد الإقامة، ثم حدث ابن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه نام عن صلاة الصبح، ولما قام بعد طلوع الفجر صلاها أي: قضاءً، فيقاس على ذلك قضاء الوتر، ولكن ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من صلاتها من النهار، وأنه يدفعها بحيث يكون المقدار الذي كان يصليه وزيادة ركعة هذا هو الذي يدل عليه فعله الذي هو نص في الموضوع، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فاستدلاله إنما هو استنباط وقياس.
الوتر على الراحلة

شرح حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوتر على الراحلة. أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن الأخنس عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)].
أورد النسائي الوتر على الراحلة، أي: وهو راكب، ولا يلزم أن ينزل إذا كان يصلي في السفر، وهذا لا يكون إلا في السفر؛ لأن صلاة النافلة إنما تكون في السفر على الراحلة، وكذلك الوتر إذا صلى في الليل على الرواحل فإنه يوتر في نهاية صلاته ولا ينزل لأن يأتي بالوتر، وهذا مما يستدل به على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يتنفل يوتر على الراحلة، ولا ينزل إلا لأداء الصلوات المفروضة، فإنه ينزل ويصلي على الأرض ولا يصلي وهو راكب على الدابة كشأنه في النوافل، وإنما كان صلاته على الراحلة متنفلاً وليس مفترضاً، وكونه يصلي الوتر على الراحلة يفيد أنه من جملة النوافل، وليس من جملة الأشياء الواجبة، بل من جملة ما هو مندوب، بل هو من المندوبات المتأكدة المستحبة المؤكدة، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلا للفريضة.
وكما قلت: هذا إنما هو في السفر، ليس للإنسان أن يتنفل وهو راكب في الحضر، وإنما التنفل على الراحلة وهو راكب إنما يكون في السفر، هذا هو الذي ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن النزول للنوافل وإطالة النوافل يفوت معه المقصود من السير، بخلاف الإنسان الذي هو في البلد فإنه ليس مثل المسافر الذي يريد أن يقطع المسافة، فهو لو نزل، وجلس يصلي، وأطال الصلاة يفوت عليه الوقت، لكن الذي في البلد في أي وقت يشاء ينهي هذا الركوب الذي هو عليه ويصلي متنفلاً على الأرض، لكن في حال السفر لا سيما مع طول المسافة، ومع كثرة الصلاة وإطالة الصلاة، فلو نزل ذهب عليه الليل وهو يصلي في الأرض ولم يقطع مسافة، فجاء في السنة بأن الإنسان يتنفل وهو راكب على دابته.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر على الراحلة)
قوله:
[أخبرنا عبيد الله بن سعيد].
هو السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، ناقد، متكلم في الرجال جرحاً، وتعديلاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن الأخنس].
هو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وقد مر ذكره.
شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب أخبرني عبد الله بن محمد بن علي حدثنا زهير عن الحسن بن الحر عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يوتر على بعيره ويذكر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)].أورد حديث ابن عمر، وأنه كان يوتر على البعير، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، يعني: أنه يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام بفعله هذا، فهو أوتر على بعيره اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يوتر على البعير، يعني: لا يحتاج إلى أن ينزل فيوتر على الأرض إذا كان يتنفل وهو راكب، فإنه يوتر وهو راكب، ولا ينزل للوتر كما ينزل للفريضة، بل النزول إنما هو للفرائض وليس للنوافل بما فيها الوتر.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير) من طريق ثانية
قوله:
[أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].
هو الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.
[أخبرني عبد الله بن محمد بن علي].
هو النفيلي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، هو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن بن الحر].
ثقة، فاضل، أخرج حديثه أبو داود في القدر، والنسائي.
[عن نافع عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-13-2026, 10:29 PM
حديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا مالك عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سعيد بن يسار قال لي ابن عمر رضي الله عنهما: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير)].أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيه أن النبي صلى عليه وسلم كان يوتر على البعير وهو مثل الذي قبله.
قوله:
[أخبرنا قتيبة].
هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مالك بن أنس].
هو إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكر].
هو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.
[عن سعيد بن يسار].
ثقة، متقن، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.
كم الوتر

شرح حديث: (الوتر ركعة من آخر الليل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كم الوتر.أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي التياح عن أبي مجلز عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر ركعة من آخر الليل)].
أورد النسائي ترجمة: باب كم الوتر، أي: ما هو مقدار الوتر، ومقداره ركعة، يعني: أقله ركعة واحدة يأتي بها في آخر الليل، فلو أنه نام، واستيقظ، وبقي مقدار ركعة قبل الفجر فإنه يأتي بركعة، وكذلك لو أراد أن يوتر بركعة من أول الليل أو من وسطه، أو آخره، فإن هذا هو أقل الوتر، لكن الذي ينبغي للإنسان أن لا يقتصر عليها، وإنما يضيف إليها ركعتين، ويزيد على ذلك ما شاء، وحصول الوتر بركعة واحدة أو أداء الوتر بركعة واحدة سائغ جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه هذا الحديث: [(الوتر ركعة من آخر الليل)] وهذا فيما إذا كان يثق بقيامه، أما إذا كان لا يثق بقيامه، ويخشى أن لا يستيقظ فإنه يوتر قبل أن ينام ،كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أوصى بعض أصحابه بالوتر قبل النوم، وهذا محمول على ما إذا لم يتمكن من القيام، أو يخشى أن لا يقوم.
تراجم رجال إسناد حديث: (الوتر ركعة من آخر الليل)
قوله:
[أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله].
هو الذهلي النيسابوري، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا وهب بن جرير].
هو وهب بن جرير بن حازم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
وقد مر ذكره.
[عن أبي التياح].
هو يزيد بن حميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مجلز].
هو لاحق بن حميد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
وقد مر ذكره.

حديث: (الوتر ركعة من آخر الليل) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى ومحمد قالا: حدثنا، ثم ذكر كلمة معناها شعبة عن قتادة عن أبي مجلز عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر ركعة من آخر الليل)].أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله تماماً، وأن الوتر ركعة من آخر الليل، فالمتن هو المتن.
قوله:
[أخبرنا محمد بن بشار].
هو الملقب بندار البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا يحيى ومحمد].
هو ابن سعيد القطان، ثقة، ثبت، مر ذكره قريباً، ومحمد هو ابن جعفر الملقب غندر البصري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا، ثم ذكر كلمة معناها شعبة].
هي كلمة (حدثنا) جاءت قبل ذكر الكلمة التي أشار إلى معناها، وقال بعد ذلك: شعبة عن، فلا أدري ما المقصود من قوله بمعناها إلا أن يكون متردداً، هل ذكر بالاسم الذي هو شعبة، أو ذكر بالكنية، أو ذكر بلفظ آخر، يعني: هل ذكر باسمه، أو بكنيته، أو بلفظ آخر غير هذا، وهو مشهور باسمه شعبة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ومما يذكر أن شعبة إذا روى عن مدلس فتدليسه مأمون؛ لأنه لا يروي عن شيوخ مدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، أو ما كان مسموعاً لهم، إلا ما كان مسموعاً لهم، فإذا جاء شعبة يروي عن مدلس، فيحمل على أنه متصل وأن شيخه أُمن تدليسه؛ لأنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم.
[عن أبي مجلز عن ابن عمر].
وقد مر ذكرهما.

شرح حديث: (الوتر ركعة من آخر الليل) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسن بن محمد عن عفان حدثنا همام حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً من أهل البادية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، قال: مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وفيه (أن رجلاً من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل) أي: أن الوتر ركعة واحدة يوتر بها ما مضى أو يؤتى بها وحدها ليس قبلها شيء.
تراجم رجال إسناد حديث: (الوتر ركعة من آخر الليل) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا الحسن بن محمد].هو الحسن بن محمد الزعفراني، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن.
[حدثنا عفان].
هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة،
[حدثنا همام بن يحيى البصري].
هو ثقة أيضاً ،حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا قتادة].
وقد مر ذكره.
[عن عبد الله بن شقيق].
هو العقيلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما].
وقد مر ذكره.
الأسئلة

أفضل وقت قضاء لسنة الفجر لمن فاتته

السؤال: فضيلة الشيخ، إذا فات الإنسان صلاة سنة الفجر فأيهما أفضل أن يصليها بعد الفريضة، أم في الضحى؟
الجواب: نعم، جاءت السنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفريضة، وهو إن كان وقت نهيٍ إلا أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الإقرار، حيث أقر رجلاً صلاها بعد صلاة الصبح، فأقره على ذلك، فدل على أن الإتيان بها سائغ، وأنها مستثناة مما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا صلاة بعد الفجر حتى طلوع الشمس)، وكذلك إذا صلاها في الضحى فإن ذلك حسن، والأمر فيه الجواز، إن صلاها بعد الفجر فقد جاء في السنة ما يدل عليه، وإن صلاها في الضحى فإن ذلك سائغ.
حكم استبدال علبة الحليب بعلبة العصير
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يستبدل علبة حليب بعلبة عصير من البرتقال بحجمٍ واحد وبسعرٍ واحد؟
الجواب: إذا كان اشترى وكما هو معلوم هذا مبذول يعني: سواء هذا وهذا كله معروض كله للبيع، لكن أن يكون على علم هذا أفضل، حتى يعلم بأنه باعه ثم يجد هذا ناقص، ولا يدري أنه أرجع ذاك وأخذ بدله، فيكون عن إذنه وإلا فإن الأمر في ذلك واضح، الكل معروض للبيع.
معنى قول ابن مسعود: (وبعد الإقامة)
السؤال: ما معنى قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (وبعد الإقامة) مع أنه إذا أقيمت الصلاة المكتوبة فلا صلاة غيرها؟
الجواب: أنا أجبت على هذا، وقلت: لعل المقصود من ذلك بعد الصلاة؛ لأن بعد الإقامة ليس للإنسان أن يصلي شيئاً من النوافل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، لكن لعل المقصود من ذلك أنه بعد الصلاة وليس والناس في الصلاة.

مدى صحة أن عائشة كانت تصلي الوتر ما بين الأذان والإقامة
السؤال: فضيلة الشيخ، ذكر ابن حزم في المحلى أثراً عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت توتر ما بين الأذان والإقامة، فهل يصح هذا الأثر عنها، وهل هذا الأثر يعارض قولها عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاته قيام الليل أنه كان يشفع في صلاته إذا قضاها؟
الجواب: لا أدري هل هذا ثابت عنها أو لم يثبت، لا علم لي بهذا، وروايتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي بالوتر إذا لم يتمكن من أدائه في الليل أنه يؤديه في الضحى، ويضيف إلى ذلك ركعة حتى لا يكون أوتر في النهار هذا هو المعتبر وهو المعتمد، وذاك لا أدري هل هو صحيح أو غير صحيح.
حكم صلاة الفريضة على المركبات الحديثة وعلاقة ذلك بالطائرة
السؤال: فضيلة الشيخ، هل للمسافر أن يصلي فريضة على مركبه كالباصات وغيرها؟
الجواب: ليس للإنسان أن يصلي على السيارة الفريضة وهو راكب، وإنما عليه أن ينزل ويصلي بالأرض، ومن المعلوم أن السيارة تختلف عن الطائرة؛ لأنه إذا خشي فوات الوقت فإنهم ينزلون ويصلون، وأما الطائرة فالنزول ليس متيسر إلا في المطار الذي هي متجهة إليه، فإذا كان سيخرج الوقت عليه لو أخرها حتى النزول فإنه يصليها على حسب حاله في الطائرة؛ لأن الصلاة لا تؤخر عن وقتها.
كيفية الركوع والسجود إذا صلى على الدابة أو السيارة
السؤال: وهل إذا صلى النافلة في السيارة يركع ويسجد أم يكتفى بالإيماء؟
الشيخ: طبعاً التكبير لا بد منه، وإنما الركوع والسجود يكون بالإيماء، والسجود أخفض من الركوع، هذا على الدابة، وأما على السيارة إذا كان فيه مكان للإنسان أن يركع ويسجد فليركع ويسجد، وأما إذا كان لا يستطيع وإنما جالس في مقعد ما فيه ركوع ولا سجود ما فيه إلا إيماء فإنه يومئ إيماء.
حكم صلاة من وجد على ثوبه أثر الاحتلام
السؤال: فضيلة الشيخ، لو أن رجلاً استيقظ من نومه وصلى، وبعد الصلاة تبين له أن في ثوبه أثراً ظاهراً من الاحتلام فما الحكم هل يعيد الصلاة أم لا؟
الجواب: إذا كان أنه علم بأنه حصل منه احتلام ووجد الماء فإن عليه الاغتسال، وعلى هذا يكون صلى وهو جنب، إذا كان حصل، أو تذكر في النوم أنه حصل له احتلام، ثم بعد ذلك وجد الماء فإن عليه الاغتسال، يجب عليه أن يغتسل، وصلاته التي صلاها عليه أن يعيدها بعد الاغتسال، مثل ما لو صلى الإنسان وهو على غير وضوء فإن عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة.
صلاة الفريضة على الطائرة لمن خشي خروج وقتها

السؤال: فضيلة الشيخ، أحسن الله إليك، عندما تكون مسافراً بالطائرة وخشيت فوات وقت الفجر هل تصلي وأنت على المقعد على حالك، أم تنتظر حتى تنزل من الطائرة وتصليها بعد طلوع الشمس؟ رأيت كثيراً من الناس يفعل ذلك أفيدونا.
الجواب: أنا أجبت على هذا السؤال، وقلت: إذا كان أن الإنسان سيعلم من حيث الزمن أن الطائرة لا تصل للمطار الذي هو متجه إليه إلا بعد خروج الوقت فإنه لا يؤخر الصلاة عن وقتها بل يؤديها على حسب حاله، فإن كان في الطائرة مكان يركع فيه ويسجد فإنه يصلي في ذلك المكان، وإن كان ما فيه إلا مقعده فإنه يصلي على مقعده بالإيماء على حسب حاله.. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها بحجة أنه لا يستطيع أن يركع ويسجد، بل عليه أن يصلي على حسب حاله.
حكم الوضوء للطواف
السؤال: فضيلة الشيخ، هل يشترط الوضوء للطواف؟
الجواب: نعم، الطواف يشترط فيه الوضوء، الإنسان يكون على طهارة؛ لأن الطواف عبادة وصلاة، إلا أنه حل للناس أن يتكلموا فيه ليس كالصلاة، ثم في ختامه ركعتان ركعتا الطواف.
حكم الوتر

السؤال: نرجو من سماحتكم أن تعيدوا لنا خلاف أهل العلم في حكم الوتر، هل هو الوجوب أم مستحب؟
الجواب: بعض أهل العلم قال بوجوبه، وجمهور العلماء قالوا: إنه ليس بواجب، وقد مر بنا حديث علي رضي الله عنه أنه قال: (إن الوتر ليس بحتم كهيئة الفريضة ولكنه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) ثم أيضاً ما جاء في الحديث حديث الصلوات الخمس، يعني: كونها كانت خمسين، ثم خففت إلى خمس فقال: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق:29] قال: هن خمس في العمل وخمسون في الأجر، فالذي فرضه الله عز وجل في اليوم والليلة، خمس صلوات ليس أكثر من ذلك، والوتر على قول الجمهور أنه سنة مؤكدة، بل هو من آكد السنن، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتركه لا في حضر، ولا السفر هو وركعتا الفجر، وبعض أهل العلم قال بوجوبه، والصحيح أنه ليس بواجب، ولكنه مؤكد، يعني: سنة مؤكدة من آكد السنن، ومن العلماء من قال: (إن الذي لا يصلي الوتر رجل سوء) وهو الإمام أحمد رحمة الله عليه.
المفاضلة بين البقاء بعد الفجر في المسجد لصلاة الضحى أو الذهاب مع الجنازة
السؤال: فضيلة الشيخ، أيهما أفضل الجلوس بعد صلاة الفجر لصلاة ركعتي الضحى أم الذهاب مع الجنازة؟
الجواب: على كل كلها خير، وكلها فيها أجر عظيم، والأمر في ذلك واسع.

تأخير الوتر إلى ما بعد طلوع الشمس إذا أذن الفجر والشخص لم يوتر
السؤال: فضيلة الشيخ، إذا شخص سمع أذان الفجر هل يوتر بعده أم ينتظر حتى تطلع الشمس؟
الجواب: لا، إذا وجد الأذان وهو لم يأت بركعة الوتر فإنه يؤخر ذلك إلى ما بعد طلوع الشمس.
حكم صلاة النافلة على الراحلة جماعة

السؤال: فضيلة الشيخ، هل يجوز صلاة النافلة على الراحلة جماعة مثل قيام الليل؟
الجواب: صلاة النافلة على الرواحل كما هو معلوم لا تتأتى جماعة، وإنما كل يصلي على حدة.
هل مني الإنسان طاهر أم نجس؟
السؤال: فضيلة الشيخ، هل مني الإنسان طاهر أم نجس؟
الجواب: مني الإنسان طاهر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يصيبه في ثوبه فيفركه إذا احتاج الأمر إلى ذلك.

ابو الوليد المسلم
04-13-2026, 10:31 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(303)

- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب كيف الوتر بواحدة - باب كيف الوتر بثلاث

صلاة الليل مثنى مثنى، فإن خشي الإنسان الصبح أوتر بواحدة، ويجوز له أن يصلي ثلاث ركعات مسرودة بتسليمة واحدة، ويجوز أن يسلم بعد ركعتين ويصلي واحدة ويسلم، وهذا كله فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف الوتر بواحدة


‏ شرح حديث: (... فاركع بواحدة توتر لك ما قد صليت)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الوتر بواحدة.أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع بواحدة توتر لك ما قد صليت)].
يقول النسائي رحمه الله: كيف الوتر بواحدة، أي: كيف يكون الوتر بواحدة، ومن المعلوم أن الوتر يكون بركعة، ويكون أكثر من ذلك، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع واحدة توتر لك ما صليت)، وهذا فيه بيان أن الركعة التي يكون بها الوتر، والتي تختم بها صلاة الليل، تكون واحدة، أي: أنها بعدما يسلم من الركعتين اللتين قبلها، يقوم فيصليها ثم يسلم، فتكون تلك الركعة مستقلة عما قبلها، أي: ركعة منفردة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الليل مثنى مثنى)، أي: اثنتين اثنتين، فإذا أردت أن تنصرف، يعني: تنتهي من صلاة الليل، تأتي بركعة توتر لك ما قد صليت، يكون ما صليته بعد أن كان شفعاً يكون وتراً بهذه الركعة الواحدة التي أوترت بها ما مضى، أو جعلت بها ما مضى من الشفع وتراً.
وقد جاء أيضاً بيان ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس الذي تقدم، والذي فيه مبيته عند خالته ميمونة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وأنه لما قام النبي عليه الصلاة والسلام يصلي من الليل، وقام وصلى معه، قال: فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، حتى عد ست مرات ركعتين، ثم قال: ثم صلى ركعة.
إذاً: الوتر بركعة واحدة مستقلة قبله سلام، وفي نهايتها سلام، جاء من فعله، ومن قوله، من فعله عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث ابن عباس عندما بات عند خالته ميمونة، ومن قوله في هذا الحديث الذي هو حديث عبد الله بن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع واحدة توتر لك ما قد صليت).

تراجم رجال إسناد حديث: (... فاركع بواحدة توتر لك ما قد صليت)

قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان ].هو ابن عبد الجبار المرادي المصري، صاحب الإمام الشافعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وهذا هو ربيع بن سليمان المرادي، وهو ابن عبد الجبار، وهو المصري، ويتفق معه في الاسم واسم الأب، ربيع بن سليمان بن داود، وهو أيضاً مصري من أهل بلده، وهو من شيوخ النسائي أيضاً، لكن الذي يبدو أنه عند الإطلاق يريد المرادي صاحب الإمام الشافعي، ابن عبد الجبار، بدليل أنه أحياناً عندما يذكر الأول يذكر جده فيقول: الربيع بن سليمان بن داود، كما سيأتي في بعض الأسانيد.
[حدثنا حجاج بن إبراهيم].
ثقة، فاضل، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن الحارث].
هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه أيضاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[يروي عن أبيه].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، فقيه، من فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين، هو أحد الستة الذين متفق على عدهم في الفقهاء السبعة؛ لأن السابع فيهم فيه ثلاثة أقوال، ومنهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد، هؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن ابن عمر ].
رضي الله تعالى عنهما هو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، تميزوا عن غيرهم من الصحابة بكثرة الحديث عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة واحدة) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة، حدثنا خالد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة واحدة)].أورد النسائي رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [(صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة واحدة)]، يعني: في آخر صلاة الليل، مثنى مثنى، والوتر ركعة واحدة يأتي بها الإنسان مضمومة إلى ما قبلها، ويكون ذلك العدد وتراً، ويجوز أن يوتر بركعة واحدة ليس قبلها شيء، لكن لا ينبغي للإنسان أن يقتصر على ركعة واحدة، مع أنه سائغ، لكن الأولى الزيادة عليها.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة واحدة) من طريق ثانية

قوله:
[أخبرنا قتيبة].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد بن زياد ].
هو خالد بن زياد الأزدي الترمذي، وهو صدوق، أخرج له الترمذي، والنسائي، وقد بلغ عمره مائة سنة، وهو من المعمّرين، وقتيبة أيضاً مثله من المعمرين بلغ عمره تسعين سنة، ولهذا فالإسناد رباعي، بين النسائي فيه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص.
[عن نافع].
و نافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[ عن ابن عمر ].
مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
وهذا الحديث هو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي ليس عنده ثلاثيات، أعلى ما عنده الرباعيات، فالرباعيات كثيرة عند النسائي وهذا الإسناد رباعي، قتيبة يروي عن خالد بن زياد، وخالد يروي عن نافع، ونافع يروي عن ابن عمر.
وأصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين عندهم ثلاثيات البخاري عنده في صحيحه اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، ولكنها كلها بإسناد واحد وهو ضعيف.
أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم شيء من الثلاثيات.
شرح حديث: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، حدثني مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)].أورد حديث ابن عمر رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر له ما قد صلى)، أي: يكون العدد وتراً بعد أن كان شفعاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة ...) من طريق ثالثة

قوله:
[أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين].
محمد بن سلمة، هو المرادي المصري، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهناك محمد بن سلمة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، وهو يروي عنه بواسطة، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه مباشرة فهو المصري، وإذا جاء يروي عنه بواسطة فهو الباهلي، وقد توفي سنة مائتين وأربع، أي: أنه لا يروي عنه إلا بواسطة.
والحارث بن مسكين المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].
وكثيراً ما يأتي النسائي في روايته عن الحارث بن مسكين أن يقول: قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، فسماعه أو روايته أو أخذه عن الحارث بن مسكين وهو يسمع القارئ يقرأ عليه، ثم أيضاً يجعل اللفظ له، عندما يروي عنه وعن غيره يقول: واللفظ له، أي: للحارث بن مسكين، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن ابن القاسم].
هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو ثقة، فقيه، حديثه أخرجه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.
[حدثني مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو مولى عبد الله بن عمر، وقد مر ذكره.
[وعبد الله بن دينار].
هو عبد الله بن دينار العدوي مولى عبد الله بن عمر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعندكم (وعبدُ الله)، وهي: خطأ، بل هي (عبدِ الله) يعني: معطوف على نافع، يعني: أن مالكاً يروي عن شخصين هما: نافع، وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، أي: شيخ مالك فيه شخصان، وكل منهما يروي عن ابن عمر، نافع وعبد الله بن دينار، وهي: مذكورة (عبد الله) بالضم، أي: معناه كأنه معطوف على مالك، وأن عبد الرحمن بن القاسم يروي عنه، وليس الأمر كذلك، بل مالك يروي عن نافع وعبد الله، فتكون (عبد الله) مجرورة وليست مرفوعة، معطوفة على نافع.
والحديث في البخاري، مالك عن نافع، وعبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
[عن عبد الله بن عمر].
وقد مر ذكره.
شرح حديث: (صلاة الليل ركعتين ركعتين فإذا خفتم الصبح فأوتروا بواحدة) من طريق رابعة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، حدثنا محمد يعني: ابن المبارك، حدثنا معاوية وهو ابن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ونافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: (صلاة الليل ركعتين ركعتين، فإذا خفتم الصبح فأوتروا بواحدة)].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو نفس الذي قبله، (صلاة الليل ركعتين ركعتين)، وهو بمعنى: (مثنى مثنى)، تصلي ثنتين ثم ثنتين ثم ثنتين، وإذا أرد أن ينتهي أو خشي الصبح، فإنه يوتر بركعة واحدة، سواء أراد أن ينتهي كما مر في الحديث الذي يقول: فإذا أردت أن تنصرف، أو خشي الصبح، فإنه يأتي بركعة يضيفها إلى ما مضى، فيكون العدد وتراً بعد أن كان شفعاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة الليل ركعتين ركعتين فإذا خفتم الصبح فأوتروا بواحدة) من طريق رابعة

قوله:
[أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم ].
هو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن محمد يعني: ابن المبارك].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة (يعني: ابن المبارك) هذه قالها من دون عبيد الله، وهو النسائي أو من دون النسائي؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع فاعله ضمير مستتر يرجع إلى تلميذ ذلك الرجل، وهو هنا عبيد الله، أما قائلها فهو النسائي أو من دونه، وهو يريد أن يبين أن محمداً الذي ذكره عبيد الله غير منسوب، أن المراد به محمد بن المبارك، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية وهو ابن سلام].
أيضاً محمد بن المبارك قال (عن معاوية) فقط، وما زاد عليها (ابن سلام) فهي ممن دونه، أي: من دون محمد بن المبارك إما عبيد الله أو من دونه هو الذي قال: هو، فهذا الإسناد فيه العبارتان اللتان يؤتى بهما للتوضيح، وهما: كلمة (يعني)، وكلمة (هو ابن فلان)؛ لأنهم يأتون بهاتين العبارتين، إما بكلمة (يعني)، أو بكلمة (هو ابن فلان)، إذا أرادوا أن يوضحوا اسم شخص، ويزيدوا على كلام التلميذ، أتوا بكلمة (يعني)، أو كلمة (هو)، فإذاً الإسناد الواحد هذا جمع فيه بين اللفظين اللذين هما: (يعني)، و(هو ابن فلان).
ومعاوية بن سلام بن أبي سلام أبو سلام، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ عن يحيى بن أبي كثير اليمامي ].
وهو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، فقيه، ومن فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع كما أشرت آنفاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[و نافع عن ابن عمر ].
قد مر ذكرهما.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 08:15 PM
شرح حديث: (كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرحمن، حدثنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، ثم يضطجع على شقه الأيمن)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: [(أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)]. أي: يصلي ركعة واحدة في آخرها يوتر بها ما مضى، (ثم يضطجع على شقه الأيمن)، محل الشاهد منه قوله: (ثم يوتر منها بركعة واحدة، ثم يضطجع على شقه الأيمن)، وكيفية هذه الإحدى عشرة ركعة جاء بيانها في حديث ابن عباس: ركعتين ثم ركعتين. ثم ركعتين، وجاء في حديث عائشة الذي سيأتي: (يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)، إلا أنه هنا قال: أنه يوتر منها بواحدة، أي: مستقلة منفردة، بعدما يسلم من الركعتين قبلها، يقوم فيصلي ركعة واحدة ثم يسلم منها، فيكون العدد بهذه الركعة مضمومة إلى ما سبق، يكون وتراً بعد أن كان شفعاً.
وقوله: [(ثم يضطجع على شقه الأيمن)]، قال الشيخ الألباني: إن هذه الزيادة شاذة، وأن المحفوظ أنها بعد صلاة الصبح، بعد ركعتي الصبح، أنه كان يضطجع، لكن إذا كان المقصود بالاضطجاع هو ما جاء في حديث عائشة الذي جاء في حديث مضى قريباً، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام ينام ثم يقوم فيصلي، ويوتر ثم يضطجع، فإن كان له حاجة لأهله ألم بها، ثم إذا جاء الصبح وثب، فإن كان عليه جنابة اغتسل، وإلا توضأ وخرج للصلاة، فإن كان المقصود من ذلك النوم الذي يكون منه بعد الصلاة، وأنه يضطجع بعد ما ينتهي من صلاة الليل، وبعد ما ينتهي من الوتر، فهو على بابه، وهو متفق مع الرواية الأخرى، وأما قضية الاضطجاع فهو مشهور في الروايات بعد صلاة الصبح، ويحتمل أن يكون شاذاً إذا كان يراد به أنه خطأ عن صلاة الصبح، وإذا كان المقصود منه النوم الذي يكون بعد الوتر كما جاء مبيناً في الأحاديث، فلا يكون شاذاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].هو الكوسج المروزي، لقبه الكوسج، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود. وفي رجال الكتب الستة شخص آخر اسمه إسحاق بن منصور السلولي، ولكنه متقدم عن هذا بطبقة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، فهذا من جنس محمد بن سلمة المرادي، والباهلي، يعني: إسحاق بن منصور الكوسج والسلولي، والكوسج من شيوخه، والسلولي من شيوخ شيوخه.
[أخبرنا عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، ثقة ثبت، عارف بالرجال والعلل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا مالك].
وهو مالك بن أنس، وقد مر ذكره قريباً.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبيد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وينسب إلى جده شهاب، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، وهو ثقة، فقيه، مكثر من رواية رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين الذين ذكرتهم قريباً، وأشرت إليهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة ].
هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستة رجال وامرأة واحدة وهي عائشة، وقد مر ذكرهم قريباً.
كيف الوتر بثلاث


‏ شرح حديث: (... ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الوتر بثلاث.أخبرنا محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، حدثني مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره، أنه سأل عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنام ولا ينام قلبي)].
أورد النسائي رحمه الله كيف الوتر بثلاث؟ لما ذكر كيف الوتر بواحدة، وأنه يؤتى بها مستقلة، بعدما يسلم من الركعتين قبلها، يدخل في تلك الركعة، ثم يسلم منها، فالوتر بواحدة يكون بأن يصليها مفردة، ثم بعد ذلك قال: كيف الوتر بثلاث، والمقصود أنه يصلي ثلاثاً متصلة لا يسلم بينها، ولا يجلس بينها، ليس كهيئة المغرب، وإنما ثلاث مسرودة متوالية على نسق لا يجلس إلا في آخرهن ثم يسلم.
وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أنها (سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالـت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)، ومحل الشاهد قوله: (ثم يصلي ثلاثاً)، فيحتمل أن تكون مسرودة، وهذا هو الذي عقد النسائي له الترجمة، ويحتمل أن تكون اثنتين على حدة، ثم واحدة على حدة، ومثل ذلك أيضاً قولها: (يصلي أربعاً ثم يصلي أربعاً)، فمعناه: أن الأربع الأولى متماثلة، ثم الأربع الثانية متماثلة، ولا ينفي أنه كان يسلم بينهن؛ لأنها ذكرت أربعاً في تشابهها وتماثلها، ثم أربعاً في تشابهها وتماثلها، ثم ثلاثاً، لكن على أحد الاحتمالين أن الثلاث مسرودة، هذا هو مراد النسائي بالترجمة، (كيف الوتر بثلاث؟) ولأنه جاء حديث في النهي عن أن تشبه الصلاة بصلاة المغرب، يعني: بحيث أنه يصلي ركعتين ثم يجلس للتشهد، ثم يقوم للركعة الثالثة، فتكون الهيئة كهيئة المغرب، لكن إذا أتى بها الثلاث متصلة، فهذا هو الذي عناه النسائي، وأراده النسائي بقوله: كيف الوتر بثلاث.
مع أن فيه احتمالاً آخر كما أشرت، في الثلاث أن يسلم من ركعتين، ثم يقوم للركعة الثالثة، وإنما ذكر الثلاث لتشابهها، والأربع التي قبلها لتشابهها، والأربع التي قبلها لتشابهها، ويحتمل أن تكون الأربع مسرودة مع بعض، وأن يكون فيه سلام بين كل ركعتين، وكذلك الأربع الثانية يحتمل أن تكون مسرودة، وأن يكون سلام بعد الركعتين الأوليين.
وقول عائشة رضي الله عنها: [(ما كان يزيد في رمضان ولا غيره)]، هذا يدل على أن هذا الذي كان يفعله عليه الصلاة والسلام في رمضان وغيره، وأنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، وجاء أنها ثلاث عشرة ركعة، وجاء أنه لم ينقص عن سبع ركعات عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الحديث لا يدل على عدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، بل قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فإن هذا يدل على جواز الزيادة؛ لأنه يدل على أن الإنسان يصلي ما شاء من الليل، ركعتين ركعتين وهكذا، فإذا خشي الصبح أتى بركعة، فمعنى هذا أنه يمكن أن يزيد على إحدى عشرة ركعة، وعلى هذا فإن الإنسان في رمضان عندما يصلي الإمام أكثر من إحدى عشرة ركعة، فإن الذي ينبغي له أن يستمر معه حتى ينتهي، سواء صلى عشرين أو ثلاثين أو أقل أو أكثر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة)، فهذا هو الذي ينبغي للإنسان، أن يتابع الأئمة عندما يصلون أكثر من إحدى عشرة ركعة؛ لأن الزيادة على إحدى عشرة ركعة سائغة وجائزة؛ لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح)، ولا شك أن الأولى هو ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن إذا فعل أمراً فإنه جائز ولا مانع منه، فإن الأولى للإنسان أن يتابع الإمام حتى يحصل الأجر الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة).
تراجم رجال إسناد حديث: (... ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ...)
قوله:
[أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين].
قد مر ذكرهما قريباً.
[عن ابن القاسم].
قد مر ذكره أيضاً.
[حدثني مالك].
كذلك مر ذكره.
[عن سعيد بن أبي سعيد].
هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقد مر ذكره قريباً.
[أنه سأل عائشة].
وقد مر ذكرها قريباً.
شرح حديث: (كان عليه الصلاة والسلام لا يسلم في ركعتي الوتر)
وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، أن عائشة رضي الله تعالى عنها حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها: [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر]، أي: حتى يضم إليها الثالثة، يعني: إذا أوتر بثلاث، فإنه لا يسلم بعد الركعتين حتى يضم الثالثة، فيصلي ثلاثاً مسرودة، ويسلم بعد الثالثة، فيكون الوتر بثلاث، وهذا هو وجه إيراد الحديث في هذه الترجمة، كان لا يسلم من ركعتي الوتر، بل يضيف إليها الثالثة ويسلم بعد الثالثة؛ لأنه لو سلم بعد ركعتي الوتر، فإنه يكون بذلك قد أوتر بواحدة، والمقصود من الترجمة هو الإيتار بثلاث، وهذا في بعض الأحوال، فلا ينافي ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه يصلي واحدة، وأنه يصلي ركعتين ثم يسلم ثم واحدة ثم يسلم، كما جاء في حديث ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة، وأنه صلى ثنتين ثم ثنتين ثم واحدة، المقصود من هذا أنه إذا أوتر بثلاث لا يسلم بعد الركعتين، وإنما يسلم بعد الثالثة، أما إذا أوتر بواحدة، فإنه يكون قد سلم من ركعتين قبلها، ثم صلى الركعة الأخيرة التي هي الوتر مستقلة.
والشيخ الألباني قال: إن هذا الحديث شاذ، وقال: ليس المقصود منه ركعتي الوتر، أي: الركعتين اللتين قبل الوتر، وإنما المقصود من ذلك الركعتان الأوليان كما جاء مبيناً في بعض الروايات، وأنه كان يواصل الثمان، يعني: ثمان ركعات بتسليم واحد، ثم يجلس في الركعة الأخيرة، يعني: بعد الثامنة، ثم يأتي بالركعة الأخيرة التي هي التاسعة التي يكون بها الوتر.
ومن المعلوم أن قوله في الحديث: (لا يسلم بعد الاثنتين)، هو من جنس قوله: (ثم ثلاثاً)، التي هي قبلها، وعلى هذا فلا يكون من قبيل ما هو شاذ، بل هو مثل الرواية السابقة التي قبل هذه الرواية، والإيتار بواحدة جاءت به السنة، والإيتار بثلاث مسرودة جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فبعض أحواله أنه يصلي واحدة، وهو الغالب، وبعض أحواله أنه يصلي ثلاثاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان عليه الصلاة والسلام لا يسلم في ركعتي الوتر)

قوله:
[أخبرنا إسماعيل بن مسعود].
هو إسماعيل بن مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي.
[حدثنا بشر بن المفضل].
وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من أثبت الناس في قتادة.
[عن قتادة ].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زرارة].
هو زرارة بن أوفى البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي توفي وهو يصلي بالناس الصبح، وقد قال عنه ابن حجر: مات فجأة في الصلاة، وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره، عند قول الله عز وجل: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر:8-9]، قال: إن زرارة بن أوفى كان أميراً على البصرة، وكان يصلي بالناس الصبح، وعندما جاء عند هذه الآية: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8]، شهق، ثم وقع مغشياً عليه فمات رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعد بن هشام].
هو سعد بن هشام بن عامر، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أن عائشة].
قد مر ذكرها.
الاسئلة

أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى ومعانيه

السؤال: فضيلة الشيخ، ما هو الإلحاد في أسماء الله تعالى وما أنواعه؟
الجواب: الإلحاد في أسماء الله عز وجل يكون بصرفها عما تدل عليه إلى ما لا تدل عليه، الذي هو تأويلها، وتأويل معانيها، وصرفها عما تدل عليه إلى معان لا تدل عليها، ويكون أيضاً بتسمية أو اشتقاق أسماء للآلهة منها، مثل اللات من الإله، والعزى من العزيز، فإن هذه من الإلحاد في أسماء الله عز وجل، وهناك أيضاً أنواع أخرى فسر بها الإلحاد في أسماء الله عز وجل ما أتذكرها، لكن أذكر منها هذين الاثنين.

معنى اسم الجبار المسمى به الله تعالى

السؤال: هل الجبار اسم من أسماء الله تعالى، وما معنى هذا الاسم؟
الجواب: الجبار جاء في القرآن: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23]، فهو من أسماء الله عز وجل، والجبار هو الذي عظم وقصم المتجبرين الذين يتطاولون على مقامه سبحانه وتعالى وعلى صفاته.

معنى حديث: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره)

السؤال: حديث: (لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره)، هل المعنى أنه لا يمنعه من إلصاق جداره بجداره؟ أرجو بيان صورة المعنى.
الجواب: لا، ليس المعنى أنه لا يلصق جداره بجداره، وإنما المقصود أن الجار الذي بنى من قبل، واحتاج جاره إلى أن يضع الخشبة على جدار جاره، أنه لا يمنعه من أن يضع خشبه عليه، أما إذا بنى هذا جداراً، وهذا بنى جداراً، فأي مانع يمنع؛ فكونه يبني بجواره، ليس هناك إلا البناء بجواره إذا بنى، لكن إذا لم يبن فالحديث يدل على أنه إذا ما بنى، وأراد أن يغرز الخشب في جداره، أن له ذلك، لكن هذا يحمل على ما إذا كان الجدار يتحمل، أما إذا كان الجدار لا يتحمل، فلا يغرز الخشب به، ويترتب على ذلك سقوط الجدار وانهدامه، فإذا كان الجدار يتحمل ويطيق أن يوضع عليه خشب الجار، فهذا هو معنى الحديث.
والنهي هنا للتحريم، المنع طبعاً هو نهي للإنسان، ولهذا أبو هريرة جاء عنه التأكيد في ذلك والتشديد في ذلك، قال: ما لي أراكم عنها معرضين.

قيمة الدية بالإبل وتقديره بالعملة العصرية

السؤال: الإبل التي تكون ديات للجروح والقتل، كيف تقدر بالفلوس؟ وكم قيمة الواحد من الإبل في هذا الوقت؟
الجواب: ما أدري كيف يقدرونها، هذا يرجع إلى أهل الخبرة، وإلى أهل الاختصاص، أنا ما أدري كيف تقوم، وكيف تقدر، وما قوامها.

الفرق بين الحمر الأهلية والحمر الوحشية

السؤال: ما الفرق بين الحمر الأهلية والحمر الوحشية؟ وهناك حمير تعيش في الجبال، ما إن ترى الإنسان حتى تفر منه.
الجواب: الحمر الأهلية كما هو معلوم هي الإنسية التي يعرفها الناس، وأما الوحشية فهي التي من صيد البر، يعني: نوع من الصيد يكون في الجبال، ويكون في غيرها، لكن إذا كانت الحمر الأهلية صارت في الجبال، وتوحشت ما يقال: إنها حمر وحشية، وإنما المقصود تلك الحمر التي لا تألف الناس، ولا تعيش مع الناس.

كيفية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه

السؤال: فضيلة الشيخ، ما الكيفية الصحيحة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه؟الجواب: يقف عند القبر الشريف مستقبل القبر مستدبر القبلة، فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإن أضاف إلى ذلك قوله: صلى الله وسلم وبارك عليك، وجزاك أفضل ما جزى نبياً عن أمته، فإن ذلك سائغ؛ لأن المزور يدعى له ولا يدعى، والسلام دعاء، والصلاة دعاء.
فإن قال قائل: وهل يشرع تكرار زيارته صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب: لا تشرع؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، يعني: المقصود من هذا أنها لا تكرر الزيارة؛ لأن ذلك من اتخاذه عيداً، ثم أيضاً هناك شيء يغني عن تكرار الزيارة، وهو أن الإنسان يصلي ويسلم عليه في أي مكان، والملائكة تبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم السلام كما جاء في هذا الحديث.

ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 08:19 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(304)


كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب ذكر الاختلاف في خبر أبي بن كعب في الوتر - باب ذكر الاختلاف على أبي إسحاق في حديث ابن عباس في الوتر



حض الشارع على المحافظة على النوافل، ورتب الأجور العظيمة عليها، ومن أعظمها وآكدها الوتر، وقد داوم الرسول صلى الله عليه وسلم عليه، فلم يتركه في سفر أو حضر، وقد ورد فصل الوتر ووصله مع ما قبله.

ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي بن كعب رضي الله عنه في الوتر


‏ شرح حديث: (أن رسول الله كان يوتر بثلاث ركعات كان يقرأ في الأولى: (سبح اسم ربك الأعلى)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي بن كعب رضي الله عنه في الوتر.أخبرنا علي بن ميمون حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان عن زبيد عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث ركعات كان يقرأ في الأولى بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات يطيل في آخرهن].
يقول النسائي رحمه الله: ذكر اختلاف الناقلين لحديث أبي بن كعب في الوتر، وهو تابع للباب المتعلق بالإيتار بثلاث، وقد مر الوتر بواحدة، ثم بثلاث، وسيأتي فيما هو أكثر من ذلك، والمقصود من الثلاث التي يؤتى بها مسرودة، أو يؤتى بها مفصولة، اثنتين وبعدهما تشهد وسلام، ثم بعد ذلك الركعة الثالثة المفردة المستقلة، وقد جاء في بعض الروايات للحديث: أنه لا يسلم إلا في آخرهن، أي: في آخر الثلاث، فعلى هذا يكون من قبيل الإيتار بثلاث مسرودة، متصل بعضها ببعض يكون السلام في آخرها.
وأورد النسائي حديث أبي بن كعب من طرق، أولها هذه الطريق التي فيها أنه كان يوتر بثلاث يقرأ في الأولى: بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، ويقنت قبل الركوع، يعني: في الوتر، والقنوت يكون قبل الركوع، ويكون بعده، وكان بعد فراغه من الوتر يقول: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات ويطيل في آخرهن، أي: المرة الأخيرة من الثلاث يمدها، ويطيل فيها فيقول: سبحان الملك القدوس، يعني: يطيل فيها عن الأولى والثانية.

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يوتر بثلاث ركعات كان يقرأ في الأولى: (سبح اسم ربك الأعلى)

قوله:
[أخبرنا علي بن ميمون].
هو الرقي، وهو ثقة، أخرج له النسائي، وابن ماجه.
[حدثنا مخلد بن يزيد].
صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن زبيد ].
هو ابن الحارث اليامي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، عابد، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن عبد الرحمن].
هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الرحمن بن أبزى، وهو صحابي صغير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بن كعب].
صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والحديث من رواية صحابي عن صحابي، صحابي صغير هو عبد الرحمن بن أبزى، وصحابي كبير مشهور هو أبي بن كعب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ(سبح اسم ربك الأعلى) من طريق ثانية

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]].أورد النسائي حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبلها من حيث أنه يقرأ في الأولى بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ)قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، وهو: مختصر عن الذي قبله؛ لأن الذي قبله في ذكر القنوت، وفي ذكر: سبحان الملك القدوس بعد السلام والفراغ من الوتر، وفيه أيضاً: أنه يطيل في آخرهن، أي: آخر التسبيحات الثلاث، وهذا مختصر ليس فيه إلا ذكر ما يقرأ في الركعة الأولى، والثانية، والثالثة.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ في الركعة الأولى من الوتر بـ(سبح اسم ربك الأعلى) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه المروزي، ثقة، ثبت، حجة إمام فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.
[حدثنا عيسى بن يونس].
هو عيسى بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن أبي عروبة].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب].
وقد مر ذكرهم.

شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في الوتر: سبح اسم ربك الأعلى ...) من طريق ثالثة

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن موسى أخبرنا عبد العزيز بن خالد حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الركعة الثانية: بـ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، ولا يسلم إلا في آخرهن ويقول يعني: بعد التسليم: سبحان الملك القدوس ثلاثاً].أورد النسائي حديث أبي بن كعب من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله من حيث القراءة في الأولى بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]، وفيه أنه لا يسلم إلا في آخرهن، أي: أنها ثلاث مسرودة، وفيه أنه يقول بعد الفراغ من الصلاة: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقرأ في الوتر: سبح اسم ربك الأعلى ...) من طريق ثالثة

قوله:
[أخبرنا يحيى بن موسى].
هو يحيى بن موسى البلخي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[أخبرنا عبد العزيز بن خالد].
هو عبد العزيز بن خالد بن زياد الترمذي، وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي، وأبوه مر ذكره في الإسناد الرباعي الذي فيه قتيبة يروي عن خالد بن زياد الترمذي، فذاك ثقة، وهذا مقبول.
[حدثنا سعيد بن أبي عروبة].
وقد مر ذكره.
[عن قتادة].
وقد مر ذكره.
[عن عزرة].
هو عزرة بن تميم البصري، وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب].
وقد مر ذكرهم.
وفي الإسناد مقبولان أحدهما: عبد العزيز بن خالد بن زياد، والثاني: عزرة بن تميم البصري، وقد عرفنا أن المقبول هو الذي يعتمد حديثه عند المتابعة، وإذا لم يتابع فإنه لا يعتمد حديثه، ومن المعلوم أنه مر طريقان هما مثل هذه الطريق، من حيث ما اشتملت عليه، فالحديث له ما يعضده، أو هذا الإسناد له ما يعضده من الأسانيد الأخرى التي جاءت للحديث نفسه، وهو: حديث أبي بن كعب من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى.


ذكر الاختلاف على أبي إسحاق في حديث سعيد بن جبير
يتبع

ابو الوليد المسلم
04-14-2026, 08:21 PM
شرح حديث: (كان رسول الله يوتر بثلاث يقرأ في الأولى: (سبح اسم ربك الأعلى) ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاختلاف على أبي إسحاق في حديث سعيد بن جبير.أخبرنا الحسين بن عيسى حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث يقرأ في الأولى بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]. أوقفه زهير].
أورد النسائي اختلاف الناقدين، أو ذكر الاختلاف على أبي إسحاق في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الوتر، أي: الوتر بثلاث، ومن المعلوم أن الثلاث في هذا الحديث وفي الذي قبله، أنها تابعة لركعات قبلها، مثل ما جاء في حديث عائشة المتقدم: لما سئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: ما كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. هذه الثلاث التي هي آخر الصلاة هي التي يحصل الإيتار بها، إن كانت مسرودة، أو كانت مفرقة اثنتين ثم سلام ثم واحدة، فتكون الواحدة هي التي توتر ما مضى.
وحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، مثل حديث أبي بن كعب المتقدم، من حيث أنه يقرأ في الأولى بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1]، وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1].
ثم أشار إلى أن زهيراً وقفه على ابن عباس، وذكر الطريق التي فيها كون زهير أوقفه، وهي الطريق التي تليها، فإنه ذكر الإسناد وفيه زهير، وفيه أن ذلك من فعل ابن عباس، أنه هو الذي أوتر بثلاث، والأول موصول إلى رسول الله ومرفوع إلى رسول الله، هذه الطريقة التي معنا مرفوع فيها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والطريقة الثانية موقوفة.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يوتر بثلاث يقرأ في الأولى: (سبح اسم ربك الأعلى) ...)

قوله:
[أخبرنا الحسين بن عيسى].
صدوق، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
[حدثنا أبي أسامة].
هو حماد بن أسامة، أبو أسامة حماد بن أسامة، مشهور بكنيته، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد مر بنا جملة من الأسماء، أو من الرواة الذين توافق كنيتهم أسماء آبائهم، ومنهم: هناد بن السري، ومنهم: الأوزاعي، ومنهم: إسماعيل بن مسعود، أشخاص كثيرون توافق كناهم أسماء آبائهم، وفائدة معرفة هذا النوع أن لا يظن التصحيف فيما إذا أتي بـ(أبي) بدل (ابن)، فإن من لا يفهم يظن أن (أبا) قد صحفت عن (ابن).
وحماد بن أسامة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زكريا بن أبي زائدة].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، همدان نسبة عامة، وسبيع نسبة خاصة؛ لأن سبيع جزء من همدان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
هو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهو: أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فهم يطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين يسمون بعبد الله من أصحابه كثيرون، ولكن الذين اشتهروا بلقب العبادلة هؤلاء الأربعة، وهم من صغار الصحابة، وإلا فإن الذين يسمون بعبد الله كثيرون، منهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله أبو بكر عبد الله بن عثمان، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقد كانوا في سن واحد متقارب، وأدركهم من لم يدرك كبار الصحابة الذين تقدمت وفاتهم.

شرح أثر ابن عباس: (أنه كان يوتر بثلاث ...)

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يوتر بثلاث: بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، و(قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1] و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1]].ثم أورد النسائي الأثر عن ابن عباس، وأن ابن عباس كان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى: بـ(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى )[الأعلى:1]، وفي الثانية: بـ(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ )[الكافرون:1] وفي الثالثة: بـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )[الإخلاص:1] والطريقة الأولى فيها رفعه من ابن عباس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وطريق فيها وقفه على ابن عباس، والذي أوقفه زهير يروي عن أبي إسحاق، والذي وصله زكريا بن أبي زائدة يروي عن أبي إسحاق، والرفع ثابت كما في هذا الحديث نفسه، وكما في حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، فإنه مثل حديث ابن عباس المرفوع.

تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس: (أنه كان يوتر بثلاث ...)

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].
هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا أبو نعيم].
هو أبو نعيم الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ومشهور بكنيته أبو نعيم، واسمه: الفضل بن دكين، ووصف بأنه يتشيع، ولكن جاء عنه عبارة تدل على سلامته من ذلك المذهب الذي هو التشيع، وهي قوله: (ما كتبت عليَّ الحفظة أني سببت معاوية)، وهذا يدلنا على سلامته مما نسب إليه من البدعة التي هي التشيع؛ لأن من يقول هذا الكلام بعيد غاية البعد أن ينسب إلى هذا المذهب؛ لأن لعن معاوية، وسب معاوية، وشتم معاوية من أسهل الأشياء عند أولئك القوم الذين ضلوا عن سواء السبيل، بل إن الزيدية الذين هم أخص الشيعة، وأسهل الشيعة، يسبون معاوية، ويشتمون معاوية، فسب معاوية، وشتم معاوية من أسهل الأشياء، وأبو نعيم يقول: (ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية).
[حدثنا زهير].
هو ابن معاوية بن حديج الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق السبيعي، وقد مر ذكره.
[عن سعيد بن جبير عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهما.


الأسئلة


‏ كيفية السلام في الوتر بثلاث

السؤال: فضيلة الشيخ، هل السلام في ثلاث ركعات من الوتر بسلام واحد، في وسطها قعدة؟
الجواب: لا، ما فيه، متصلة، لا تشبه بالمغرب، ورد حديث على أنها لا تشبه بالمغرب، والمغرب فيه تشهد بين الثنتين والثالثة.

مدى أفضلية الطهارة لدراسة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

السؤال: فضيلة الشيخ، هل يشترط لدراسة حديث النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء أم هو أفضل؟
الجواب: ما يشترط، لكن لا شك أن الإنسان إذا كان على طهارة لا شك أنه أحسن، وأكمل، وأفضل.

معنى حديث عائشة: (أتنام قبل أن توتر)

السؤال: فضيلة الشيخ، في حديث عائشة: (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقلت يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟) الحديث. السؤال: ما معنى قول عائشة: ثم يصلي ثلاثاً، ثم سؤالها: أتنام قبل أن توتر؟
الجواب: قوله: يصلي ثلاثاً التي هي الوتر، يعني: إما مسرودة، أو أنها مفرقة ثنتين وواحدة، إلا أنها خفيفة ليست مثل الأربع الأولى والأربع الثانية التي يحصل بها الإيتار ويقرأ فيها بـhttps://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/52.jpgسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى https://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/53.jpg[الأعلى:1]، وhttps://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/52.jpgقُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ https://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/53.jpg[الكافرون:1] وhttps://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/52.jpgقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ https://majles.alukah.net/imgcache/2021/07/53.jpg[الإخلاص:1].
أما إن كان سؤالها: أتنام قبل أن توتر؟ تقصد بهذا كونه ينام أول بعد صلاة العشاء، ثم يقوم ويصلي، قالت: (أتنام قبل أن توتر؟ قال: إن عيني تنام ولا ينام قلبي)؛ لأنه مر في بعض الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء ثم ينام، ثم يقوم.

معنى قول عائشة: (لا يسلم في ركعتي الوتر)

السؤال: ما معنى حديث عائشة في قولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يسلم في ركعتي الوتر، فهل في ركعتي الوتر سلام؟
الجواب: المقصود الركعتين اللتين بعدهما الثالثة، والمقصود من ذلك أنها تكون مسرودة الثلاث، لا يسلم إلا في آخرهن، لكن هذا في بعض الأحوال، وبعض الأحوال أنه كان يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي واحدة، كما جاء عن ابن عباس في قوله: أنه صلى اثنتين ثم اثنتين ثم اثنتين ثم واحدة.

معنى: (إن عيني تنام وقلبي لا ينام)

السؤال: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (إن عيني تنام ولا ينام قلبي)؟
الجواب: أنه ليس كغيره، هذه من خصائصه عليه الصلاة والسلام، أنه عندما تنام عيناه لا ينام قلبه، ومعنى ذلك أنه لا يحصل منه الحدث في حال النوم مثلما يحصل من غيره؛ لأنه عنده إحساس، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.

حكم دعاء (سبحان الملك القدوس) بعد الوتر

السؤال: دعاء (سبحان الملك القدوس) بعد الوتر مستحب؟
الجواب: نعم هو مستحب، وهو ذكر ليس دعاء؛ لأن الدعاء طلب وسؤال، وهذا ما فيه طلب ولا سؤال، وإنما هو ثناء وذكر لله عز وجل.

كيفية صلاة الأربع في قيام الليل في حديث عائشة

السؤال: هل معنى قول عائشة رضي الله عنها: (كان يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن) أنها متصلة؟
الجواب: يحتمل أن تكون الأربع مسرودة، ويحتمل أن تكون ثنتين ثنتين، ولكن هذه الأربع متماثلة، وأنها تختلف عن الأربع التي بعدها، يعني: فالوصل والفصل، الوصل ثابت من فعله عليه الصلاة والسلام، والفصل ثابت من قوله وفعله، والفصل أولى من الوصل، ثنتين ثنتين ثنتين ثم واحدة، هذا هو الأولى؛ لأنه الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه، وأما الوصل فقد فعله وما أرشد إليه، وكل ذلك سائغ إلا أن الفصل أولى من الوصل.

ابو الوليد المسلم
04-16-2026, 08:58 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب قيام الليل وتطوع النهار)
(305)


باب ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في حديث ابن عباس في الوتر - باب ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب في الوتر




ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الليل سبعاً، وتسعاً، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وكان غالب أحواله إحدى عشرة، ولما أسن صار يصلي سبعاً.

ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الوتر


‏ شرح حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم قام من الليل فاستن ... ثم أوتر بثلاث وصلى ركعتين ..)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الوتر.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا معاوية بن هشام حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن أبيه عن جده رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قام من الليل فاستن ثم صلى ركعتين، ثم نام ثم قام فاستن ثم توضأ فصلى ركعتين، حتى صلى ستاً، ثم أوتر بثلاث وصلى ركعتين)].
ثم ذكر النسائي اختلاف الناقلين على حبيب بن أبي ثابت، في حديث ابن عباس في الوتر، وأورد فيه حديث ابن عباس من طرق، أولها هذه الطريق الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من نومه فاستن، أي: استاك وصلى ركعتين، ثم نام ثم قام، واستن، وتوضأ وصلى ركعتين حتى صلى ستاً، ثم صلى ثلاثاً، وصلى ركعتين، وفيه ذكر أنه صلى ثلاثاً التي أوتر بها.

تراجم رجال إسناد حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم قام من الليل فاستن ... ثم أوتر بثلاث وصلى ركعتين ...)

قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].
هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري شيخ الإمام مسلم، وقد أكثر مسلم من الرواية عنه، وهو من بلده ومن قبيلته؛ لأن مسلم قشيري، ونيسابوري، ومحمد بن رافع نيسابوري قشيري، فهو من أهل بلد الإمام مسلم، ومن قبيلة الإمام مسلم التي هي: قشير، ولهذا عندما يذكرون الإمام مسلم ونسبته إلى قبيلته فيقولون: القشيري من أنفسهم، يعني: أن نسبته إلى قشير نسبة أصل ونسب، بخلاف البخاري، فإنهم إذا قالوا: الجعفي قالوا: مولاهم، ليست نسبته نسبة نسب، ولكنها نسبة ولاء؛ لأن أحد أجداد البخاري أسلم على يدي أحد الجعفيين، فقيل له: الجعفي، أي: جده، نسبة إلى ذلك الشخص الذي أسلم على يديه، فكان ينسب إليهم، فهو ونسله يقال لهم: الجعفيين ولاء، فإذا ذكروا نسبة البخاري إلى الجعفيين قالوا: مولاهم، يعني نسبته نسبة ولاء، والولاء يكون بالحلف، ويكون بالإسلام، ويكون بالعتق، فيقال: مولى للمولى بالحلف، والمولى بالإسلام، ومنه نسبة البخاري إلى الجعفيين، فإنها ولاء بالإسلام، ونسبة إلى العتق، رقيق يعتق فينسب إلى من أعتقه ولاء، فيقال: مولاه أو مولى آل فلان. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
[حدثنا معاوية بن هشام].
صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا سفيان].
هو الثوري، وقد مر ذكره.
[عن حبيب بن أبي ثابت].
ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن علي].
هو محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو علي بن عبد الله بن عباس، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه عبد الله بن عباس].
وقد مر ذكره.

شرح حديث: (... فقام فتوضأ واستاك ... وصلى ركعتين وأوتر بثلاث) من طريق ثانية

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا حسين عن زائدة عن حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقام فتوضأ واستاك وهو يقرأ هذه الآية حتى فرغ منها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190]، ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ واستاك، ثم صلى ركعتين، ثم نام، ثم قام فتوضأ واستاك، وصلى ركعتين وأوتر بثلاث].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهي مثل الذي قبلها، يعني: صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم صلى ثلاثاً، والطريق الأولى أنه صلى ركعتين يعني: بعد الوتر بثلاث، صلى ركعتين، وفيه أنه نام بعد الركعتين، ثم نام مرة أخرى بعد الركعتين، ثم نام، ثم أوتر بثلاث.

تراجم رجال إسناد حديث: (... فقام فتوضأ واستاك ... وصلى ركعتين وأوتر بثلاث) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].
هو الرهاوي، ثقة، حافظ، أخرج له النسائي وحده، وقد مر ذكره آنفاً.
[حدثنا حسين].
هو حسين بن علي الجعفي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة البصري، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ عن حصين ].
هو حصين بن عبد الرحمن الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.

طريق ثالثة لحديث: (استيقظ رسول الله صلى الله فاستن) وتراجم رجال إسنادها

وقال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن جبلة حدثنا معمر بن مخلد ثقة حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن. وساق الحديث].أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وفيه الإحالة على الطريق التي قبلها: أنه استيقظ واستن، ثم ساق الحديث الذي هو كونه قام، واستاك، وتلا الآيات من آخر سورة آل عمران، وصلى ركعتين ثم نام، ثم صلى ركعتين ثم نام، ثم صلى ركعتين ثم نام، ثم قام وصلى ثلاثاً، يعني: هذا الحديث الطريق الأخرى: أنه قام واستن، وساق الحديث، أي: كالرواية التي قبله.
قوله: [أخبرنا محمد بن جبلة].
صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا معمر بن مخلد].
ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا عبيد الله بن عمرو].
هو الرقي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد].
هو زيد بن أبي أنيسة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن ابن عباس].
وقد مر ذكرهم.

شرح حديث: (كان رسول الله يصلي من الليل ثمان ركعات ويوتر بثلاث ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الوتر.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر النهشلي عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن الجزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثمان ركعات، ويوتر بثلاث، ويصلي ركعتين قبل صلاة الفجر). خالفه عمرو بن مرة فرواه عن يحيى بن الجزار عن أم سلمة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم].
فهذا الحديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ثمان، ثم يوتر بثلاث، ثم يصلي ركعتين قبل صلاة الصبح. فيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إحدى عشرة ركعة، يصلي ثمانياً ثم يصلي ثلاثاً، فيكون مجموع صلاته في الليل إحدى عشرة ركعة، ثمان منها، إما متصلة، وإما مفصولة، وثلاث منها إما متصلة بحيث لا يسلم إلا في آخرها، وإما أنه يسلم بعد الاثنتين، ثم يأتي بالركعة على حدة، وكل ذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يأتي بثلاث لا يسلم إلا في آخرها، وليس هناك تشهد بين الثانية والثالثة، وإنما هي ثلاث مسرودة، وكذلك يأتي باثنتين يتشهد ويسلم، ثم يأتي بركعة مستقلة، فهذا من هديه عليه الصلاة والسلام، وعمله في قيام الليل، والوتر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي من الليل ثمان ركعات ويوتر بثلاث)

قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].
هو البغدادي الحمال، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[يروي عن يحيى بن آدم].
هو ابن سليمان الكوفي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بكر النهشلي].
هو عبد الله بن قطاف أبو بكر النهشلي، وهو صدوق، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لم يخرج له البخاري، ولا أبو داود.
[عن حبيب بن أبي ثابت].
هو حبيب بن أبي ثابت الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يرسل ويدلس.
[عن يحيى الجزار].
وصدوق، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هؤلاء هم العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو سعيد، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عن الجميع.

شرح حديث: (كان رسول الله يوتر بثلاث عشرة ركعة ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن حرب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بتسع). خالفه عمارة بن عمير فرواه عن يحيى بن الجزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها].وهذا أيضاً حديث عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، أي: جملة صلاة الليل التي نهايتها الوتر، ويطلق الوتر على الثلاث، وعلى الركعة الأخيرة، وعلى صلاة الليل كلها؛ لأنها وتر وليست بشفع؛ لأنها قد ختمت بوتر، فتقول أم سلمة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر وضعف أوتر بتسع)، وقوله: [(ثلاثة عشرة ركعة)] مع أن المعروف، أو الكثير في الروايات أنه يصلي إحدى عشرة ركعة، وقيل: إن التوفيق بين الروايتين أن المراد بهاتين الثنتين التي هي مكملة للثلاث عشرة ركعة بعد الحادية عشرة، هي ركعتان خفيفتان يبدأ بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الليل، وقيل غير ذلك، والثلاث عشرة ركعة هي أكثر ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه يفعله، فأكثر ما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فعله في قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وأقل ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه صلى في الليل سبع ركعات، وهذا عندما كبر صلى تسعاً، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه صلى سبعاً.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يوتر بثلاث عشرة ركعة ...)

قوله: [أخبرنا أحمد بن حرب].
هو أحمد بن حرب الموصلي، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا أبو معاوية].
هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وهو مشهور بكنيته أبو معاوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
هو عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى الجزار عن أم سلمة].
وقد مر ذكرهما.

شرح حديث: (كان رسول الله يصلي من الليل تسعاً ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا حسين عن زائدة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن يحيى بن الجزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل تسعاً، فلما أسن وثقل صلى سبعاً)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وأنه كان يصلي تسعاً، يعني: في بعض أحواله، ويصلي إحدى عشرة، ويصلي ثلاث عشرة، ويصلي سبعاً، في بعض أحواله، فأقل شيء جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى من الليل سبعاً، وأكثر شيء جاء عنه أنه صلى ثلاث عشرة، وأكثر ما ورد عنه أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وجاء عنه أنه يصلي تسعاً، كما جاء في هذا الحديث، والمقصود أن هذا في بعض أحواله أنه يصلي تسعاً، ويصلي إحدى عشرة، ويصلي ثلاث عشرة، ولما أسن كان يصلي سبعاً.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي من الليل تسعاً ...)

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].
هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.
[حدثنا حسين].
هو ابن علي الجعفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان].
هو الأعمش، سليمان بن مهران الكاهلي، يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره باللقب الأعمش، يأتي أحياناً هكذا وأحياناً هكذا، ومعرفة ألقاب المحدثين هي نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى، يظن أن هذا شخص وهذا شخص، مثلما هنا جاء ذكر الأعمش في الإسناد الذي قبل هذا، وجاء ذكر سليمان في هذا الإسناد، وسليمان هو: الأعمش، والأعمش هو: سليمان، ذكر باسمه مرة وذكر بلقبه مرة، فمن لا يعرف يظن أن الشخص الواحد شخصين، الأعمش شخص، وسليمان شخص، والذي يعلم بأن الأعمش لقب، وصاحب اللقب هو سليمان بن مهران، يذكر باسمه أحياناً، ويذكر بلقبه أحياناً، لا يلتبس عليه الأمر.
[عن عمارة بن عمير].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى عن عائشة].
وقد مر ذكرهما.


ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب رضي الله عنه في الوتر


‏ شرح حديث: (الوتر حق فمن شاء أوتر بسبع ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب رضي الله عنه في الوتر.أخبرنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثني ضبارة بن أبي السليك، حدثني دويد بن نافع، أخبرني ابن شهاب، حدثني عطاء بن يزيد عن أبي أيوب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة)].

أورد النسائي ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب في الوتر، وقد جاء من طرق متعددة، منها ما هو مرفوع، ومنها ما هو موقوف على أبي أيوب، والطريق الأولى من هذه الطرق هي هذه الطريق التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة)، وهذا يدلنا على أن أمر الوتر واسع، وأنه يمكن للإنسان أن يوتر بواحدة، وهي أقل شيء، ويمكن أن يوتر بثلاث، ويمكن أن يوتر بخمس، ويمكن أن يوتر بسبع.
وقوله: [(الوتر حق)]، استدل بعض أهل العلم بهذا القول على وجوب الوتر، وأما جمهور العلماء، يقولون: أن المقصود بقوله (حق)، أي: أنه مشروع ثابت، وهو من آكد السنن المستحبة، وقد عرفنا في الدروس الماضية جملة من النصوص الدالة على أنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب، ومنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوتر على الراحلة، وكان من هديه ألا يصلي الفرائض إلا وهو نازل على الأرض، لا يصلي الفرض وهو راكب على الدابة، بل كان ينزل إذا أراد أن يصلي الفريضة، وأما بالنسبة للنوافل ولصلاة الليل والوتر، فإنه يوتر وهو على دابته وعلى راحلته صلى الله عليه وسلم.
وفيه أن الوتر أمره واسع، من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بواحدة، والسبع تكون متصلة، وكذلك الخمس تكون متصلة، والثلاث تكون متصلة، وكلها يقال لها: وتر.

يتبع

ابو الوليد المسلم
04-16-2026, 09:01 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (الوتر حق فمن شاء أوتر بسبع ...)

قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].
هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثنا بقية].
هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني ضبارة بن أبي السليلك].
قد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مجهول، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[حدثني دويد بن نافع].
مقبول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي ، وابن ماجه.
[أخبرني ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، تابعي من صغار التابعين، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عطاء بن يزيد].
هو عطاء بن يزيد الليثي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي أيوب].
هو أبو أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد الأنصاري، مشهور بكنيته أبي أيوب، صحابي جليل مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والإسناد فيه شخص مجهول، وفيه شخص مقبول، لكن الحديث قد جاء من طرق متعددة، فهو ثابت، يعني: كونه من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بواحدة.

شرح حديث (الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ...) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي حدثنا الأوزاعي حدثني الزهري حدثنا عطاء بن يزيد عن أبي أيوب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوتر حق، فمن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة)].أورد النسائي حديث أبي أيوب من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله إلا أنه ليس فيه ذكر الإيتار بسبع، إنما فيه الإيتار بخمس، والإيتار بثلاث، والإيتار بواحدة، وهو مثل الذي قبله دال على أن الوتر يكون بخمس، ويكون بثلاث، ويكون بواحدة، وهو دال على أن الوتر يكون ركعة واحدة ليس معها شيء، وهذا هو أقل ما يكون من الوتر، يكون واحدة ثم يكون ثلاث، ثم يكون بخمس، ثم يكون بسبع، ثم يكون بتسع، ثم يكون بإحدى عشرة، ثم يكون بثلاثة عشرة، ويكون بأكثر من ذلك.

تراجم رجال إسناد حديث (الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ...) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد].
صدوق، عابد، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[أخبرني أبي الوليد بن مزيد]
ثقة، ثبت، أخرج حدثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وكنيته أبو عمرو، فقيه الشام، ومحدثها، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه.
[حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب].
وقد مر ذكرهم.

شرح أثر أبي أيوب: (الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ..) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الهيثم بن حميد حدثني أبو معيد عن الزهري حدثني عطاء بن يزيد: أنه سمع أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه يقول: الوتر حق، فمن أحب أن يوتر بخمس ركعات فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل].أورد النسائي هذا الأثر عن أبي أيوب رضي الله عنه، وهو من قوله، وموقوف عليه، ليس مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: الوتر حق، فمن شاء أن يوتر بخمس فليفعل، ومن شاء أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن شاء أن يوتر بواحدة فليفعل.

تراجم رجال إسناد أثر أبي أيوب: (الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ..)

قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود].
هو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وهو غير الربيع بن سليمان بن عبد الجبار، صاحب الشافعي الذي مر ذكره قريباً، والذي يكون عند الإطلاق يراد به صاحب الشافعي؛ ولهذا فإنه هنا ذكر جده الذي هو: الربيع بن سليمان الجيزي فقال: الربيع بن سليمان بن داود ؛ لأن الغالب عليه عندما يطلق الربيع بن سليمان، وكلاهما من شيوخه الجيزي وابن عبد الجبار، ينسب الجيزي كما هنا، حيث ذكر جده داود، الربيع بن سليمان بن داود، وهو الجيزي المصري، ثقة أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن يوسف].
هو عبد الله بن يوسف التنيسي المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
[حدثنا الهيثم بن حميد].
صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[حدثني أبو معيد].
هو حفص بن غيلان، وهو صدوق، أخرج له النسائي، وابن ماجه، وهو مشهور بكنيته أبو معيد.
[عن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب].
وقد مر ذكرهم.

شرح أثر أبي أيوب: (من شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بخمس ....) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن شاء أومأ إيماء].أورد النسائي هذا الأثر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو مثل الذي قبله، إلا أن الذي قبله من شاء أوتر بخمس، وهنا بسبع وخمس وثلاث وواحدة وإيماء.
قال في هذا الأثر: [من شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن شاء أومأ إيماء]. فهو مثل ما تقدم من كون الإنسان يوتر بما شاء، إما سبعاً، وإما خمساً، وإما ثلاثاً، وإما واحدة.
وفي هذا يقول في آخره: [ومن شاء أومأ إيماء]، ولا أدري ما المراد بهذا لأن الوتر سواء يكون سبعاً أو خمساً أو ثلاثاً أو واحدة إذا كان الإنسان راكباً، فإنه ليس أمامه إلا الإيماء، وليس عنده إلا الإيماء، فلا أدري ما المقصود من قوله: [ومن شاء أومأ إيماء].
فإذا كان المقصود في حالة المرض، فكذلك الفرض يومئ إيماء، وهذا ما يرجع إلى المشيئة، هذا يعني ليس أمام الإنسان إلا هذا.

تراجم رجال إسناد أثر أبي أيوب: (من شاء أوتر بسبع ومن شاء أوتر بخمس ...)

قوله: [أخبرنا الحارث بن مسكين].
هو الحارث بن مسكين المصري، ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عن سفيان].
هو ابن عيينة الهلالي المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
يروي عن الزهري، والذي يروي عن الزهري هو: ابن عيينة ؛ لأن سفيان الثوري ليس معروفاً بالرواية عن الزهري، وقد أكثر عنه هو ابن عيينة، وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض المواضع في فتح الباري: أن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة.
[عن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب].
وقد مر ذكرهم.


الأسئلة

‏ مدى تأثير مخالفة عمرو بن مرة في حديث ابن عباس: (يصلي من الليل ثمان ركعات)

السؤال: من قولهم في حديث ابن عباس في السواك خالفه عمرو بن مرة هل الاختلاف عموماً مذموم هنا أم لا؟
الجواب: ليست القضية قضية الاختلاف المذموم، وإنما قضية أن هذا رواه في هذا الطريق، وهذا رواه بهذا الطريق، وهذا الاختلاف لا يؤثر، لأن كل الطرق صحيحة، الطريق التي هي من طريق عمرو بن مرة صحيحة، والطريق التي قبلها صحيحة، وكل الطرق صحيحة ثابتة، وهذا الخلاف لا يؤثر، وإنما بيان أن هذا رواه من هذا الطريق، وهذا رواه من هذا الطريق، فهذا رواه عن الزهري من طريق، وهذا رواه عن الزهري من طريق آخر.
ويقول ابن حجر: رمي بالغلو في التشيع، ومن المعلوم أن هذا ليس له علاقة بالبدعة، هذا المروي ليس له علاقة بالتشيع.

الكلام حول عزرة بن عبد الرحمن

السؤال: يا شيخ بالنسبة لـعزرة؟
الجواب: هو عزرة بن عبد الرحمن، هو الذي روى عن قتادة، وروى عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، أما عزرة بن تميم، فقد روى عنه قتادة، ولم يرو عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، فعلى هذا الذي كتب منكم عن عزرة بن تميم، يبدل بـعزرة بن عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

الضابط في ثوب الشهرة

السؤال: فضيلة الشيخ! ما هو الضابط في ثوب الشهرة؟ وهل يعتمد على نية الشخص أم على نوع اللباس، جزاكم الله خيراً؟
الجواب: ما أعرف هذا إلا أن يكون شيئاً اشتهر وتميز وصار له ميزة على غيره؛ لأن هذا هو معنى الشهرة.

أكثر وأقل ما ورد عن رسول الله في صلاة الوتر

السؤال: ما أقل الوتر الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بثلاث عشرة ركعة؟
الجواب: نعم أنا قلت: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء عنه سبع، وجاء عنه تسع، وجاء عنه إحدى عشرة، وجاء ثلاث عشرة، أقل شيء جاء عنه سبع، وأكثر شيء جاء عنه ثلاث عشرة، هذا هو الذي ثبت من فعله، وأما الذي ثبت من قوله: فهو واحدة، أقل شيء واحدة؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر بثلاث، ومن شاء أن يوتر بواحدة)، فأقل شيء جاء من قوله: واحدة، وأقل شيء في فعله سبع.

معنى قولهم: فلان أثبت الناس في فلان والمراد بالسفيانين

السؤال: ما معنى قولهم: فلان أثبت الناس في فلان؟ وهل يوجد سفيانان أقران غير الثوري وابن عيينة يحصل بينهما التباس؟
الجواب: ما أعرف، المعروف أنه إذا قيل: السفيانان، أو روى عنه السفيانان، هما: الثوري، وابن عيينة، أيضاً يقال: الحمادان، والسفيانان، كثيراً ما يأتي ذكرهما في التلاميذ والشيوخ: روى عن السفيانين وعن الحمادين، أو: روى عنه السفيانان، والحمادان، سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، هذان هما اللذان يأتي ذكرهما مثنيان في التلاميذ والشيوخ، عندما يأتي في تراجم بعض الرجال.
وأما قولهم: فلان أثبت الناس في فلان فمعناه أن روايته لحديث فلان متقن، وهو أثبت الناس في حديثه، وأحفظ الناس لحديثه.

حكم الجلوس على مشط القدم (الإقعاء)

السؤال: هل يجوز الجلوس على مشط القدم في الصلاة؟ وهل في ذلك سنة؟
الجواب: الجلوس على مشط القدم، ما المقصود بمشط القدم؟
إذا قصد الإقعاء الذي يكون بين السجدتين، بحيث يجلس على عقبيه، يعني: يضع أصابعه على الأرض موجهة إلى القبلة، والقدمان منصوبتان وإليته عليهما، فهذا نوع من الإقعاء، وقد جاء في بعض الأحاديث: أن الجلوس بين السجدتين يكون بهذه الكيفية.

تخصيص الاستسقاء بيوم الإثنين والخميس

السؤال: هل هناك شيء في تخصيص الاستسقاء في الاثنين والخميس؟
الجواب: ما أعلم شيئاً يخصص الاستسقاء بيوم الاثنين ويوم الخميس، بل كل الأيام هي أوقات للاستسقاء.

أنواع العلل التي يعل بها الحديث

السؤال: كيف يمكن بالطرق معرفة علة الحديث إذا كان صحيح السند، فهل تكون العلة في المتن أو ماذا؟
الجواب: العلة كما هو معلوم هي علة عامة وعلة خاصة، العلة العامة كل أنواع الضعف يقال له: علة، ولهذا يأتي في بعض الأحيان: أعل بالإرسال أعل بالوقف أعل بالانقطاع، أعل بكذا أعل بكذا، هذه علة عامة، وهناك علة خاصة، وهي: التي يكون الحديث معها غير ثابت مع ظهور قوة الإسناد واتصاله وسلامته في الظاهر، وهي التي تأتي في تعريف الصحيح، ما روي بنقل عدل تام الضبط، متصل الإسناد، غير معلل ولا شاذ، يعني: علة خفية يطلع عليها بعض الجهابذة النقاد، بأن يكون فيه وهم أو خطأ، مع أن ظاهر الإسناد السلامة، لكن يكون في نفس السند علة خفية، وكذلك الشذوذ أيضاً فإنه يكون مع سلامة الإسناد فيه شذوذ، وهذا يكون في المتن؛ لأن رواية تخالف رواية؛ فرواية تحكي شيئاً معيناً، ثم تأتي رواية ثقة مخالفة لرواية ثقات، فيكون الإسناد ظاهره الصحة، ولكنه من حيث المتن شاذ غير محفوظ، وهذا مثل قصة صلاة الكسوف، فإنها جاءت من طرق ثقات: أن كل ركعة فيها ركوعان، وجاء من طريق بعض الثقات أن كل ركعة فيها ثلاثة ركوعات، مع أن الكل يحكي صلاة واحدة معينة، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، فالإسناد الذي فيه الثلاث صحيح من حيث الرجال، لكن فيه وهم، وفيه خطأ، وهو ذكر الثلاثة الركوعات، فالمحفوظ الركوعان، والشاذ الثلاثة الركوعات.
ومثل حديث: السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فإن أكثر الطرق فيها: (ولا يسترقون)، وفي طريق عند مسلم: (لا يرقون)، فرواية (يرقون) هذه شاذة، والمحفوظة رواية: (يسترقون)، ومما يوضح عدم صحتها، بالإضافة إلى أن فيه ثقة خالف ثقات، يعني: ثقات رووها: يسترقون، وثقة رواها: يرقون، يضاف إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم رقي عليه الصلاة والسلام، فقوله: (لا يرقون)، الرسول صلى الله عليه وسلم قد رقي.

ذم التعصب للشيوخ

السؤال: ما رأيكم فيمن يتعصب لشيخه؟
الجواب: التعصب مذموم، فلا يتعصب لأحد من الناس، وإنما الذي يعول على كلامه، ويؤخذ بكلامه، ويعظ على كلامه بالنواجذ، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، والذي هو معصوم فيما يبلغه عن الله عز وجل، أما غيره من الناس، فإنه يخطئ ويصيب، لكنه لا يعدم الأجر أو الأجرين، إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، فالتعصب لشيخ أو لإمام أو لأحد من الناس مذموم، وصاحبه مذموم.

ضابط النوم الذي ينقض الوضوء

السؤال: رجل أغمض عينيه ولكنه يشعر بنفسه وهو مستلقي، فهل ينتقض وضوءه؟
الجواب: إذا كان شعر بأنه قد نام وهو مضطجع فوضوءه انتقض.

حكم تلقيح الخنزير للبقرة

السؤال: إذا حصل تلقيح بين البقرة والخنزير -وهذا موجود في بعض الدول- فما حكم أكل لحمها وشرب لبنها وغير ذلك من المنافع منها، وقد ظهر هذا في بعض البلاد؟
الجواب: اللقاح من الخنزير للبقرة، أو من الثور إلى الخنزير ما ندري عنه.

قتل الحشرات المؤذية بالمبيدات

السؤال: هل على قتل الحشرات بفليت أو غيره جناح أم لا؟
الجواب: أبداً، ليس فيه شيء، التي تؤذي لا مانع من قتلها بهذه المبيدات التي تبيد، وليس فيه بأس.

سبب النكارة أو الشذوذ في متن الحديث مع صحة الإسناد

السؤال: ما السبب في نكارة متن أو شذوذه مع صحة الإسناد؟
الجواب: السبب هو الخطأ، يعني: كونه غير محفوظ فحصل فيه وهم وخطأ، هذا هو سببه، يعني: كونه ثقة خالف ثقات، أو ضعيف خالف ثقة؛ لأن المنكر مخالفة الضعيف للثقة، والشاذ مخالفة الثقة للأوثق.