مشاهدة النسخة كاملة : شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله
ابو الوليد المسلم
12-24-2025, 04:30 PM
شرح سنن النسائي
- المقدمة
- ترجمة الإمام النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
(1)
رابط تحميل الشرح الصوتي (https://archive.org/details/abad-nasai-sunnan-full)
رابط تحميل الكتاب pdf (https://ebook.univeyes.com/145865#google_vignette)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.أما بعد:فنبدأ مستعينين بالله عز وجل، متوكلين عليه، سائلين منه العون والتوفيق والتسديد، بشرح (الأربعين النووية) لـأبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى.وهذه الأحاديث الأربعون أحاديث عظيمة، وهي من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أُعطي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، حيث يأتي بالكلام القليل في المبنى ولكنه يكون واسع المعنى، فالكلمات قليلة، ولكن المعاني واسعة، فهي قواعد كلية، وقواعد عامة اشتملت عليها الأحاديث التي اختارها الإمام النووي رحمه الله تعالى. ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في حفظ أربعين حديثاً، وما جاء في ذلك فهو حديث ضعيف، وقد ذكر الإمام النووي نفسه في مقدمته للأربعين أنه لم يثبت الحديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال إن حديث: (نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، وكذلك أيضاً: (ليبلغ الشاهد الغائب) يدعوان لذلك. وإن جمع شيء من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والاشتغال به، ولفت الأنظار إليه فيه قيام بحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الاعتماد في ذلك على الحديث الضعيف المروي في ذلك.
نبذة مختصرة عن حياة الإمام النسائي
الكلام عن الكتب الستة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أرسله الله تعالى بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فدل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا في الأعوام الماضية لدراسة كتابين عظيمين, هما: كتاب الإمام البخاري، وكتاب الإمام مسلم، وهما أصح كتب الحديث وأفضلها والمقدم فيها. وبعد ذلك نبدأ -بحمد الله- متوكلين على الله، وسائلين منه العون والتوفيق، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به.
نبدأ بعد ذلك بكتاب عظيم من كتب السنة؛ من كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب الإمام النسائي ؛ السنن الصغرى, الذي يقال له: المجتبى، أو المجتنى.
وقبل أن نبدأ بدراسة الكتاب نتكلم ببعض الكلام عن المؤلف الإمام النسائي، وعن كتابه السنن، الذي هو أحد الكتب الستة المشهورة المعروفة, التي هي من كتب الأصول.ومن المعلوم أن العلماء ذكروا أن الكتب الأصول التي هي مقدمة على غيرها، والتي هي مشتملة على أكثر الأحكام، ومستوعبة لكثير من الأحاديث، هي الكتب الستة : الصحيحين, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وجامع الترمذي, وسنن ابن ماجه، فهذه ستة كتب يقال لها: الكتب الأصول ، والسادس منها وهو: ابن ماجه مختلف في عده؛ لأن للعلماء في السادس منها ثلاثة أقوال:أحد هذه الأقوال : أن السادس هو سنن ابن ماجه.والثاني: أن السادس هو الموطأ.والثالث: أن السادس هو سنن الدارمي.لكن الذي اشتهر عند كثير من العلماء, والذي عول عليه كثير منهم أن السادس هو: ابن ماجه؛ لكثرة الأحاديث الزائدة فيه على الكتب الخمسة، وقد أفردها البوصيري في كتاب سماه: (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه)، جمع الأحاديث الزائدة في هذا الكتاب على الكتب الخمسة وتكلم عليها، وهو كتاب مشهور معروف, والبوصيري هو في زمن الإمام الحافظ ابن حجر في القرن التاسع الهجري.
الإمام النسائي اسمه ونسبته
نتكلم هنا على بعض الأمور المتعلقة بالإمام النسائي
رحمة الله عليه.
فالإمام النسائي كنيته: أبو عبد الرحمن، واسمه: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني. النسائي نسبة إلى وطن، ولكن الأولى: نسبة عامة, والثانية: نسبة خاصة، فخراسان إقليم واسع، وينسب إليها: خراساني؛ نسبة إلى ذلك الإقليم الواسع، والنسائي نسبة إلى بلدة من ذلك الإقليم يقال لها: نساء، فهو ينسب نسبة عامة, ونسبة خاصة، نسبة إلى الإقليم ونسبة إلى البلدة التي هي من ذلك الإقليم، ولكن الذي اشتهر هو نسبته إلى بلدته؛ وهي: نساء، بل إن شهرته صارت بالإضافة إليها؛ لأن أصحاب الكتب الستة منهم من اشتهر باسمه كالإمام مسلم، ومنهم من اشتهر بنسبته إلى بلده كـالبخاري، والنسائي، والترمذي، ومنهم من اشتهر بكنيته كـأبي داود، ومنهم من اشتهر بنسبه أو بنسبته وهو ابن ماجه.و النسائي -كما ذكرت- نسبته إلى بلدته التي هي قرية أو بلدة من بلاد خراسان.ومن المعلوم أن العلماء عندما يترجمون للشخص يذكرون النسبة العامة والنسبة الخاصة أحياناً، كما ذكروا بالنسبة للنسائي، حيث قالوا: الخراساني النسائي، وأحياناً إذا انتقل الإنسان من بلد إلى بلد, وكان ينسب إلى بلد ثم تحول منها إلى بلد آخر, فإنه ينسب إلى الاثنتين، ولكن بـ (ثم) فيقال: فلان كذا ثم كذا، البصري ثم المدني، أو الكوفي ثم الدمشقي، أو البغدادي ثم الواسطي، يذكرون البلدين الأول والأخير, ويأتون بـ(ثم) لتبين المتقدم من المتأخر، ولتبين النسبة المتقدمة على المتأخرة.
أما إذا كانت النسبة إلى عام وإلى خاص فإنهم لا يأتون بـ(ثم)، وإنما يكتفون بأن يقولوا: الخراساني النسائي، نسبة إلى الأعم ثم نسبة إلى الأخص؛ لأنه ليست هناك مهلة ولا تفاوت، بخلاف الانتقال من بلد إلى بلد؛ فإن البلد الأول ينسب إليه على أنه المنسوب إليه أولاً، والبلد الثاني ينسب إليه آخراً، فيؤتى بـ(ثُم) التي تبين البلد المتقدم أو النسبة إلى البلد المتقدم عن البلد المتأخر.
حال الإمام النسائي في طلب الحديث
الإمام النسائي رحمة الله عليه نشأ في بلده, وأخذ الحديث عن أهل بلده، ثم رحل إلى البلاد المختلفة، وهذه طريقة المحدثين، وطريقة العلماء السابقين, أنهم يعنون بحديث أهل بلدهم ويتلقون عن الشيوخ في بلدهم الذي هم فيه، ثم ينتقلون إلى البلاد الأخرى ليأخذوا عن الشيوخ الآخرين، وفيهم من يروي الحديث بإسناد نازل؛ لأنه لم يتمكن من الرحلة، فيروي عن شيوخ من أهل بلده -الذين رحلوا وأخذوا- ما أخذوه عن غيرهم، فإذا رحل هو فإنه يحصل الإسناد العالي, ويحصل منه أحياناً التحديث بالإسناد العالي، وغالباً ما يحدث بالإسناد النازل في أول الأمر؛ حيث لم يرحل ولم يلتق بالشيوخ الذين هم أعلى من الشيوخ الذين لقيهم في بلده، فإذا رحل إلى بلدان أخرى والتقى بشيوخ أخذ عنهم شيوخه، فإنه في هذه الحالة يأتي بالإسناد العالي, ويحرص عليه.ومن المعلوم: أن الإسناد العالي أفضل من الإسناد النازل إذا كان الرجال ثقات وحفاظاً، أما إذا كان الإسناد العالي في رجاله شيء من الضعف, والإسناد النازل رجاله أقوى ورجاله مقدمون في الحفظ والإتقان والثقة والعدالة؛ فإن الإسناد النازل يكون عند ذلك أفضل من الإسناد العالي, كما ذكر ذلك العلماء.
فالإمام النسائي رحمة الله عليه أخذ عن مشايخ بلده في خراسان, ثم انتقل بعد ذلك إلى العراق, وإلى الشام, وإلى الحجاز, وإلى مصر, وجلس في آخر حياته في مصر وعاش فيها مدة طويلة، وأخذ عنه العلماء والمحدثون فيها، وكان ينتقل في البلد, وأخذ الحديث عن عدد كبير من الشيوخ في بلده وغير بلده.
ومن المعلوم: أن الرحلة عند أهل الحديث لها أهمية كبرى, ولها شأن عظيم، ويرون أن الإنسان الذي لم يرحل عن بلده, ولم يحصل إلا حديث بلده, أنه لم يحصل شيئاً يذكر، والذي يحصل إنما يكون بالتعب والنصب والكد, وقطع المسافات, وإنهاك النفس وإتعابها في سبيل الوصول إلى الحديث، وكما قال بعض العلماء وهو يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.فكانوا يتحملون المشاق, ويتجشمون الصعوبات, ويلقون المتاعب في سبيل الحصول على الأحاديث, والرحلة إلى الشيوخ للتلقي عنهم، ومنهم من يرحل من أجل حديث واحد, يذكر له أنه عند شيخ في بلد ناءٍ, فيسافر إلى ذلك البلد النائي؛ من أجل أن يظفر به، ومن أجل أن يحصل عليه، هذا كان شأنهم، وهذا كان ديدنهم رحمة الله تعالى عليهم.
مولد النسائي ووفاته ومشاركته أصحاب الكتب الخمسة من مشايخهم
الإمام النسائي رحمه الله عاش في القرن الثالث الهجري، وكل حياته في القرن الثالث الهجري، وعُمِّر طويلاً حيث بلغ عمره ثمانية وثمانين سنة، أي: أنه قارب التسعين، وكانت ولادته -على ما ذكر عنه على سبيل التقريب- في سنة مائتين وخمس عشرة، ووفاته سنة ثلاث بعد الثلاثمائة، أي: في أول القرن الرابع بعد مضي ثلاث سنوات منه، فهو معمر, وقد عاش هذه المدة الطويلة, ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عن المشايخ الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الخمسة الآخرون, وإن كانوا أقدم منه إلا أنه كما ذكرت عمر؛ لأنه ولد في أوائل القرن الثالث, وتوفي في أول القرن الرابع الهجري.وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة؛ فأولهم البخاري ؛ لأنه توفي سن مائتين وستة وخمسين، وبعده الإمام مسلم حيث توفي سنة مائتين وإحدى وستين، يعني: بعد البخاري بخمس سنوات، ثم بعده ابن ماجه حيث توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ثم أبو داود حيث توفي سنة خمس وسبعين ومائتين، ثم الترمذي حيث توفي سنة تسع وسبعين ومائتين، ثم النسائي وهو آخرهم حيث توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة.
فإذاً: هو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، وهو أيضاً متقدم؛ لأنه ليس بينه وبين مسلم في الولادة إلا عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة؛ لأن مسلماً ولد سنة مائتين وست, والنسائي ولد سنة مائتين وخمسة عشر، فهو مقارب له بالولادة, ولكنه عاش بعده اثنتين وأربعين سنة، فلهذا صار إسناده عالياً، ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عنه الشيوخ، مثل الطبراني الذي عمره مائة سنة, وقد توفي سنة ثلاثمائة وستين، أي: بعد وفاة النسائي بسبع وخمسين سنة، فهذا معمر, وهذا معمر، وهكذا يكون العلو؛ حيث يلتقي الشخص بالشخص ثم يعمر بعده، ويكون شيخه لقي المشايخ في سن مبكر، وبين ولادة هذا ووفاة هذا مدة طويلة.فإذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في القرن الثالث الهجري، وهو أزهى عصور السنة من حيث التأليف؛ لأنه ألفت فيه الكتب الستة، وألف فيه غيرها من الكتب الكثيرة من المسانيد وغيرها، ومسند الإمام أحمد يعتبر أوسع كتاب، حيث تبلغ أحاديثه أربعين ألفاً كما ذكر ذلك بعض العلماء، وهو في القرن الثالث؛ لأن وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في هذا القرن، وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، فقد عُمِّر حتى بلغ ثمانية وثمانين سنة تقريباً، وقد أخذ عن بعض شيوخ الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب وشاركهم, مثل: شيخه قتيبة بن سعيد الذي أكثر عنه، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الآخرين، فهو شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وأخذ أيضاً عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار فإن هؤلاء من صغار شيوخ البخاري، ومسلم ، والذين كانت وفاتهم قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وأخذ عنهم النسائي كما أخذ عنهم أصحاب الكتب الأخرى، فهو شارك أصحاب الكتب الأخرى الخمسة في مشايخهم, وذلك -كما ذكرت- أنه وإن تأخرت وفاته فإن ولادته متقدمة؛ لأنه كان في أوائل القرن الثالث الهجري, ووفاته في أول القرن الرابع الهجري.
يتبع
align=right][/align]
ابو الوليد المسلم
12-24-2025, 04:32 PM
شرح سنن النسائي
- المقدمة
- ترجمة الإمام النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
(2)
أشهر تلامذة النسائي الذين تلقوا عنه
النسائي أخذ عنه التلاميذ الذين كانوا في زمنه وتلقوا عنه في بلده وغير بلده، وممن اشتهر بالأخذ عنه: ابن السني ، وكذلك أبو جعفر العقيلي, وأبو جعفر الطحاوي, وغيرهم كثير، والطبراني أخذ عنه وهو من أصحاب الإسناد العالي؛ لأنه ولد سنة مائتين وستين, وتوفي سنة ثلاثمائة وستين, وعاش مائة سنة، وأدرك من حياة النسائي ثلاثاً وأربعين سنة، وعاش بعده سبعاً وخمسين سنة، فأخذ عنه وعُمِّر بعده، فصار الإسناد من طريقه من الأسانيد العالية، ولهذا يقال عن الطبراني : إنه عالي الإسناد بالإطلاق؛ لأنه عُمِّر وأخذ عن المعمرين كـالنسائي وغيره.
مكانة النسائي ومنزلته عند العلماء
يعتبر النسائي رحمة الله عليه من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين، والذي وصفه بعض العلماء بالإمامة، وأنه من أئمة المسلمين، ووصفوه بأنه أحد الحفاظ، وأنه أحد الأعلام، وأنه إمام في الجرح والتعديل، وأنه ممن يقبل قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، بل إن من العلماء من قال: إن شرطه أقوى من شرط مسلم وشرط البخاري ؛ من حيث إنه تجنب الرواية عن أشخاص, أو لين أشخاصاً روى عنهم البخاري، ومسلم ، لكن كما هو معلوم أن البخاري، ومسلم التزما الصحة وهو لم يلتزم الصحة، لكن هذا يدل على إتقانه، وعلى تحريه، وعلى أنه متمكن في علم الحديث، وعلى أنه ينتقي، فهو يدل على علو منزلته، وعلى فضله، وعلى نبله، وإن كان ما في البخاري ومسلم مقدم على ما عنده كما معروف عند العلماء، لكن مثل هذه العبارة التي جاءت عن بعض العلماء: أن له شرطاً أشد من شرط البخاري، ومسلم تدل على قيمته وعلى علو منزلته, وإن كان هذا لا يسلم به مطلقاً، وإنما قد يسلم به في الجملة، وذلك من جهة أن بعض الأشخاص الذين لينهم النسائي ولم يرو عنهم روى عنهم البخاري، ومسلم ، إلا أن هذا لا يقدح في البخاري ومسلم، أو في رجال البخاري ومسلم ، لكن يدل على قيمة منزلة النسائي وقيمة كتابه وقيمة سننه، وأنه كتاب عظيم، وأنه له شأناً كبيراً.
تأليف النسائي كتاب الخصائص في فضائل علي بن أبي طالب
الإمام النسائي رحمة الله عليه -كما قلت- عاش في مصر, وفي آخر الأمر ارتحل منها إلى الشام وجاء إلى دمشق، وحصل له فيها محنة كما ذكر ذلك بعض العلماء، وألف فيها كتاب (الخصائص), أي: خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجاء عنه أن سبب تأليفه إياه: أنه وجد أن أهل الشام عندهم حب شديد لبني أمية، ولم يجد عندهم ذكراً كبيراً لـعلي رضي الله عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب ليبين لهم فضل ذلك الإمام، وليبين الأحاديث التي وردت في فضله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد بذلك الخير، وأراد بذلك بيان فضل أهل الفضل, وميزة أهل التقدم؛ وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فألف ذلك الكتاب.ثم ألف كتاب (فضائل الصحابة)، وبدأ بفضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، ولكنه ألف كتاب (الخصائص) في دمشق ليبين فضل ذلك الإمام العظيم الذي شُغل كثير من الناس في تلك البلاد بغيره؛ وهم بنو أمية، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب يريد الخير.
موقف النسائي من معاوية رضي الله عنه
سئل النسائي عن معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فجاء عنه ما يدل على الثناء عليه, وما يدل على فضله، وجاء عنه عبارة فيها شيء من الحط من شأنه، وأوذي بسببها إن صح ذلك النقل، وأنه أوذي بسبب ما أجاب به لما سئل عن معاوية، وأنه طلب منه أن يؤلف في فضائل معاوية فقال: وأي فضائل له؟ أي: ما هي الفضائل التي لـمعاوية فيؤلف فيها؟ وذكر حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وإن صحت عنه هذه الرواية فقد جاءت عنه أيضاً رواية أخرى تدل على فضل معاوية ، وتدل على أنه واحد من الصحابة، وأن القدح في الصحابة قدح في الدين.بل إن هذا الحديث -أي: حديث: (لا أشبع الله بطنه)- يدل على فضل معاوية كما ذكر ذلك بعض العلماء.والإمام مسلم رحمه الله لما أورد هذا الحديث أورده بعدما أورد الأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم ما دعوت على إنسان, ولم يكن أهلاً لتلك الدعوة, أن يجعلها الله تعالى له طهراً وزكاءً وفضلاً).
فلما أورد الإمام مسلم رحمه الله تلك الأحاديث, عقبها بهذا الحديث ليبين أن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا تضيره هذه الدعوة، وإنما هي تنقلب دعاءً له, وتنقلب ثناءً عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنني اشترطت على ربي أنني ما دعوت على إنسان ليس بأهل لتلك الدعوة أن يجعل الله تعالى له ذلك طهراً ونقاءً).
والحديث الذي قبل هذا الحديث هو في قصة أم سليم مع اليتيمة التي كانت عندها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف البنت أنها صغيرة, ثم أتت إليه وقال لها: (من أنتِ) وأخبرته: بأنها يتيمة أم سليم ، فقال: (كبرت لا كبرت سنك) فلما أورد مسلم هذا الحديث, أورد بعده حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث ابن عباس في قصة معاوية .ثم إن معاوية رضي الله عنه كان من كتبة الوحي، وهذا من فضائله، وهو مؤتمن ائتمنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابة وحي رب العالمين، فهذا من فضائله وهذا من نبله رضي الله عنه وأرضاه.إذاً: هذه الكلمة لا تضر معاوية رضي الله عنه وإنما تنقلب مدحاً عليه، وما جاء عن النسائي جاء عنه ما يقابل تلك الكلمة، ولعله قالها ليلفت الأنظار إلى عدم الغلو في الأشخاص، وأن أهل الشام لما صار له منزلة عندهم؛ ولأنهم نشأوا لا يعرفون إلا هو, وقد مكث أربعين سنة في دمشق. عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، فنشأوا وعاشوا لا يعرفون إلا معاوية بن أبي سفيان؛ فأراد أن يأتي بهذه الكلمة حتى يقلل من الإطراء, أو من التجاوز الذي حصل من بعضهم.ثم أيضاً ذلك الحديث الذي ذكره عن معاوية هو في الحقيقة ثناء عليه، ولا يعتبر قدحاً فيه؛ لأن مسلماً رحمه الله لم يورده إلا في موطن, وأورده لبيان أن هذا مما ينفع معاوية ولا يضره، ومن قبيل ما هو منقبة لـمعاوية وليس مثلبة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه.ومن المعلوم أن الصحابة جميعاً يجب أن تمتلئ القلوب من محبتهم، وأن تنطق الألسنة بذكرهم والثناء عليهم، وألا يذكروا إلا بالجميل.
مدى صحة نسبة الإمام النسائي للتشيع وأنها سبب وفاته
وقد نسب النسائي إلى التشيع، وقيل عنه: إن عنده تشيعاً، ولعل هذا بسبب هذه الكلمة التي سمعت منه في حق معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم إن التشيع في بعض سلف هذه الأمة لا يؤثِّر؛ لأنه أحياناً يكون من قبيل تقديم شخص على شخص في الفضل على حسب ما يراه، كما يجري عند تفضيل عثمان وعلي رضي الله عنهما ، فإن المشهور عن العلماء تقديم عثمان على علي في الفضل، وبعض العلماء يقدم علياً على عثمان في الفضل، أما التقديم عليه في الخلافة فلا يقدم عليه, ولا يقدمه سلف هذه الأمة عليه، وقد قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وتقديمه عليه بالخلافة هو اعتراض على ما أجمع عليه سلف هذه الأمة، وأما التقديم بالفضل فهذا هو الذي لا يبدع من قال به، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية، فإنه قال: تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع قائله، وإنما الذي يبدع تقديمه عليه بالخلافة، هذا هو الذي يبدع من قال به، أي: من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة فهو مبتدع؛ لأنه قال قولاً يخالف ما أجمع عليه الصحابة وما اتفق عليه سلف الأمة.وأما من ناحية الفضل فإن هذا لا يؤثِّر؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل في الولاية، أي: أن الولاية قد يقدم فيها المفضول مع وجود الأفضل، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الفاضل كون غيره يقدم عليه. وبعض العلماء نسب إلى التشيع بسبب تقديمه علياً على عثمان، ومن هؤلاء الذين وصفوا بهذا: ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل، وكذلك الأعمش، وابن جرير، وعبد الرزاق ، وجماعة جاء عنهم تقديم علي على عثمان في الفضل، وهذا لا يقدح، والتشيع الذي سببه هذا لا يؤثر.وبعض ما ينسب إلى بعض الأئمة الفضلاء والعلماء المحدثين الثقات المتقنين من التشيع هذا من أسبابه، أي: تقديم علي على عثمان في الفضل، رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا لا يؤثر، ولا يعتبر صاحبه مغموزاً ولا مقدوحاً به؛ لأن جماعة من العلماء على هذا المنوال، ولا يؤثر هذا على فضلهم وعلى نبلهم، وهذه مسألة خلافية، وإن كان المعروف والمشهور عن العلماء هو تقديم عثمان على علي في الفضل، كما أنه مقدم في الخلافة، والذين قالوا بخلاف ذلك قلة، لكن قولهم لا يقدح فيهم ولا يحط من شأنهم، ولا يؤثر على نبلهم وعلى فضلهم، فهم جهابذة وحفاظ ومتقنون وعُمَد في الجرح والتعديل, ومع ذلك جاء عنهم هذا القول فنسبوا إلى التشيع بسببه، وذلك لا يقدح فيهم ولا يؤثر. والذي جاء عن النسائي من كونه تكلم بهذه الكلمة في معاوية ، فقد بين فضله في موضع آخر، وكونه ألف خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا يؤثر فيه ولا أن ننسبه إلى التشيع؛ لأن هذا لا يدل على قدح فيه، ولا يدل على غمز فيه، وإنما هذا شأنه شأن غيره ممن نسبوا إلى التشيع, ونسبتهم إلى التشيع لا تؤثر فيهم.وقيل: إن وفاته كانت بسبب إيذائه الذي حصل له في دمشق، وأنه لما قال ما قال في حق معاوية ضرب, وأنه أوذي, وأنه مرض على إثر ذلك, وأنه انتقل بعد ذلك إلى الرملة، وقيل: إلى مكة ومات بها, وأنه توفي بسبب ذلك.
وقيل: إنه توفي بسبب الإيذاء الذي حصل له من بعض الناس الذين آلمهم ولم يعجبهم ما قاله في معاوية، إن صح هذا الكلام عن الإمام النسائي رحمة الله عليه. وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث بعد الثلاثمائة ؛ أي: في أول القرن الرابع الهجري.
تأليف الإمام النسائي للسنن الصغرى ومنهجه فيه
النسائي له كتابان في السنن: أحدهما موسع, ويقال له: السنن الكبرى، والثاني مختصر ويقال له: السنن الصغرى، ويقال له: المجتبى، ويقال له: المجتنى.والكتاب الذي عول عليه العلماء واعتبروه أحد الكتب الستة هو: المجتبى الذي هو السنن الصغرى، والتي انتقاها واختارها من كتابه السنن الكبرى.وهذا الكتاب لقي - كما لقي غيره من الكتب المعتمدة الأصول- عناية فائقة من العلماء.وهذا الكتاب أي: (السنن الصغرى) -الذي هو المجتبى- أو المجتنى اختلف من الذي اجتباه أو اختصره أو انتخبه من السنن الكبرى, هل هو النسائي نفسه, أو أنه أبو بكر بن السني تلميذه وأحد رواة الكتاب عنه؟ على قولين للعلماء: القول الأول وهو المشهور:أن الذي انتخبه والذي اختاره واجتباه هو نفس المؤلف.
القول الثاني: من العلماء من قال: بأن الذي اختاره أو انتخبه واستخرجه من السنن الكبرى هو تلميذه ابن السني. ولكن المشهور هو الأول.
وقد جاء أنه لما ألف كتاب السنن الكبرى أهدى منه نسخة إلى ملك الرملة أو أمير الرملة فقال له: أكل ما فيه صحيح؟ فقال: لا، فاختار له منه السنن الصغرى الذي هو المجتبى. ويمكن أن يكون القول الثاني له حظ من النظر لا على سبيل الاستقلال، بل يحتمل أن يكون قام ابن السني بتوجيه من النسائي بأن يستخرج منه أحاديث عينها، فيكون ذلك الذي أضيف إلى ابن السني له وجه، لا على سبيل الاستقلال بل على سبيل التوجيه من الإمام النسائي.
لكن المشهور -كما عرفنا- هو أن النسائي نفسه هو الذي اختاره، وإذا كان اختاره وانتقاه بنفسه واستخرجه بنفسه, أو علم على بعض الأحاديث وأرشد بعض تلاميذه إلى استخراجها منه فيمكن أن يكون منسوباً إلى المستخرج الذي حصل بالتوجيه، ويمكن أن يكون حصل منه بنفسه، ولكن المشهور أن الذي انتخبه والذي اختاره هو الإمام النسائي نفسه.وقد جاء مكتوباً على بعض النسخ أنه من عمل النسائي، وأنه اختصار النسائي أو انتخاب النسائي نفسه. ومهما يكن من شيء فإن الكتاب اشتهر، وسواءً قام به النسائي نفسه، أو قام به تلميذه بتوجيه منه، أو بغير توجيه منه، فهو منتخب من كتاب سنن النسائي الكبرى، لكن هناك أحاديث موجودة في الصغرى وليست في الكبرى، وهذا يؤيد أن الذي قام بوضعه النسائي نفسه؛ لأن فيه أحاديث هي للنسائي يقول فيها: أخبرنا فلان عن فلان إلى آخره، وهي ليست موجودة في سنن النسائي الكبرى؛ وهذا يؤيد ويوضح أن النسائي نفسه هو الذي وضع هذا الكتاب، وهو الذي ألف هذا الكتاب؛ لأنه لو كان مجرد اختصار وانتخاب من كتاب معين ما كان يحصل فيه الزيادة -أي: في المختصر أو المنتخب- على ما كان في الأصل؛ لأن الذي يأتي إلى كتاب مؤلف وينتخب منه لا يتعدى الكتاب الذي انتخب منه ما دام أنه مجتبى منه ومجتنى منه ومنتخب منه، فهذا يؤيد أنه عمل النسائي نفسه.وقد ذكر هذا الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب (تحفة الأشراف)، وذكر بعض الأبواب الموجودة في نفس الكتاب الذي هو السنن الصغرى: باب كذا وكذا مما لم يكن في الكبرى، وأنه في الصغرى دون الكبرى.وأما كون الكبرى يكون فيها أشياء ليست في الصغرى فهذا ليس بغريب؛ لأنه هو الأصل المنتخب منه، لكن الذي يحتاج إلى أن يعرف ويحتاج إلى التنصيص عليه هو كون الصغرى فيها أشياء لا توجد في الكبرى، وهذا ما هو موجود في نفس السنن في بعض الأبواب، أنه في الصغرى وليس في الكبرى، وقد نص عليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب المزي (تحفة الأشراف) الذي قام بتحقيقه وبإخراجه ونشره.
الفرق بين حدثنا وأخبرنا عند النسائي
الإمام النسائي رحمة الله عليه في كتابه (السنن الصغرى) يستعمل عبارة (أخبرنا)، وهي التي يستعملها في هذا الكتاب، فتعبيره (بأخبرنا) يعني: لا يأتي بحدثنا وإنما يأتي بأخبرنا، و(أخبرنا) و(حدثنا) بعض العلماء يسوي بينهما ولا يفرق بينهما.
ومن العلماء من يفرق بينهما؛ فيجعل (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ، فإذا كان الشيخ يقرأ والتلاميذ يسمعون, فيعبر التلاميذ (بحدثنا)، أما إذا كان الشيخ لا يقرأ ولكنه يقرأ عليه أحد الطلاب وهو يسمع، والباقون يسمعون وهم يقرءون عليه ليأخذوا عنه؛ فإنهم يعبرون (بأخبرنا)، وهذا يسمى عرض: وهي القراءة على الشيخ، يعني: يعبرون بما قرئ على الشيخ بـ(أخبرنا)، وبما سمع من لفظ الشيخ بـ(حدثنا).
وبعض العلماء لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا)، فيستعمل (حدثنا) و(أخبرنا) فيما سمع من لفظ الشيخ وفيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، فلا يفرقون بين هذا وهذا.ومن المعلوم أن النسائي لم يكن دوماً على هذه الطريقة، أي: أنه لم يحصل منه أنه قرأ على الشيخ وهو يسمع، وأن هؤلاء الذين يروي عنهم قد قرئ عليهم وهو يسمع، ليس كذلك، بل بنى على القاعدة أو على الطريقة التي هي عدم التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وأن (أخبرنا) تستعمل فيما تستعمل فيه (حدثنا)، وأنها ليست مقصورة على ما قرئ على الشيخ وهو يسمع وهذا ما يسمى عرضاً: وهو القراءة على الشيخ. فصنيع النسائي هو ليس على طريقة التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وإنما هو على طريقة التسوية بين (حدثنا، وأخبرنا). وممن اشتهر عنه التعبير بأخبرنا: إسحاق بن راهويه الإمام المشهور المعروف، فإنه عرف عنه أنه غالباً وكثيراً ما يستعمل أخبرنا فيما يرويه عن شيوخه، ولا يستعمل حدثنا إلا قليلاً، وهذا هو المشهور عنه، ولهذا الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عندما يأتي ذكر إسحاق في شيوخ البخاري غير منسوب، ثم يلتبس ويحتمل هل هو إسحاق بن راهويه أو إسحاق بن منصور, أو غيرهم ممن يسمى إسحاق؟ يستشهد أو يستأنس بتعبيره -أي: إسحاق - بأخبرنا، إذا جاء غير منسوب وفيه: (أخبرنا) فإنه يعتبرها قرينة تدل على أنه إسحاق بن راهويه؛ لأنه عرف من عادته أنه يأتي بأخبرنا، وإن أتى بحدثنا فهو قليل ونادر بالنسبة لتعبيره بأخبرنا.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه يستعمل لفظ (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه في هذا الكتاب -الذي هو السنن الصغرى- والذي يقال له: المجبتى, ويقال له: المجتنى.
كيفية رواية النسائي عمن روى عنه ولم يقصده بالرواية
ومن مشايخه الذين روى عنهم ولكنه ما قصده في الرواية: الحارث بن مسكين ، كان بينه وبينه وحشة، وكان لا يأذن له أن يأتي لأخذ الحديث عنه، فكان يأتي ويجلس من وراء ستار ويسمع الحارث بن مسكين وهو يحدث تلاميذه، فكان النسائي يسمع منه ويحدث عنه, ولكن لا يقول: أخبرنا، ولا يقول: حدثنا؛ لأنه ما قصده بالتحديث، ولكنه سمع منه، فيأتي فيقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا، وأحياناً يقول: أخبرنا، فيحتمل أن يكون هذا الذي عبر عنه في بعض المواضع بأخبرنا أنه حصل ذلك قبل أن يمنعه من الأخذ عنه، أو أن يكون أذن له فيما بعد، فيكون هذا التنويع الذي عند النسائي في كونه أحياناً يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين ، وأحياناً ابن مسكين قال: أخبرنا، فلا يأتي بصيغة عنه؛ لا أخبرنا ولا حدثنا؛ فيحتمل أن يكون سماعه منه على حالين: حال فيها إذن، وحال فيها عدم إذن، فالذي فيها إذن هو الذي فيه التعبير بأخبرنا، والذي فيها عدم إذن وعدم سماح له بالأخذ عنه هو الذي يكون غفلاً من الصيغة التي هي: أخبرنا أو حدثنا، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، ويسوق الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من دقة النسائي ومن تحريه ومن تورعه؛ لأنه في الحال التي منعه من الرواية لم يكن يمتنع، بل يأخذ الحديث، ولكنه لا يعبر بحدثنا ولا أخبرنا، إلا ما جاء عنه في بعض المواضع ويحمل على ما ذكرت: من أنه قد يكون ذلك قبل المنع، ويمكن أن يكون في بعض الأحوال أذن له، وأنه روى على الحالين: مرة غفلاً لا يأتي بكلمة حدثنا، ولا يأتي بأخبرنا، وفي بعض الأحيان القليلة يأتي بأخبرنا، لكن هذا -كما ذكرت- يدل على ورعه وعلى دقته، وأنه في هذه الأحوال التي منع فيها من الرواية لم يمتنع من أخذ الحديث.والعلماء قد ذكروا من جملة مسائل المصطلح: من خص قوماً بالحديث فإن لغيرهم ممن لم يخص أن يروي إذا سمع, فإذا حصل منه السماع, فإنه يروي وإن لم يقصد؛ لأن الرواية مبنية على السماع وعلى تحقق الرواية سواءٌ حصل الإذن أو لم يحصل الإذن، ما دام الإذن قد حصل في الجملة لغيره من الطلاب بأن يأخذوا عنه, فإن لغيرهم أن يأخذ وإن منعه هو من الأخذ؛ لأن التحديث قد وجد، لكن العبارة التي يعبر بها هي التي يكون فيها التحرز، ويكون فيها الدقة، ويكون فيها التورع من الإتيان بلفظ يوهم خلاف الواقع. ثم إن النسائي رحمة الله عليه يأتي أحياناً بتعليقات بعد ذكر الحديث إما لبيان اسم، أو لبيان حال رجل، أو ما إلى غير ذلك، مما سيمر بنا إن شاء الله في هذا الكتاب، فهذا من عمله الذي يقوم به في كتابه زائداً على ما يورده من الأحاديث.
إيراد كلمة: (قال) قبل (حدثنا) أثناء الإسناد في سنن النسائي
أيضاً الموجود في كتاب النسائي غالباً التعبير بـ(قال) قبل (حدثنا) و(أخبرنا) في أثناء الإسناد، وهذه لا ندري هل هي من الأصل -من كتابة النسائي- أو أنها من بعض النساخ؟ لأن المعروف عند المحدثين أن كلمة (قال) تحذف قبل الصيغة في أثناء الإسناد, تحذف كتابة وينطق بها عند القراءة، كأن يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، وإن لم يكن فيه قال في أثناء الإسناد، لكن كتاب النسائي فيه ذكر كلمة قال قبل الصيغة، فيحتمل أن تكون هذه من النسائي ، ويحتمل أن تكون هذه من النساخ فيأتون بكلمة (قال) ويثبتونها، والتي اشتهر عند العلماء أنها تحذف خطاً للاختصار والتخفيف من الكتابة، وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة؛ لأن هذا مما شاع في الاصطلاح عند العلماء، بحيث تحذف كلمة (قال) قبل الصيغة خطاً وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-24-2025, 04:34 PM
شرح سنن النسائي
- المقدمة
- ترجمة الإمام النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
(3)
الكتب التي اعتنت بسنن النسائي سنداً ومتناً
إن كتاب النسائي رحمة الله عليه لم يلق عناية خاصة به، لا من حيث الرجال ولا من حيث المتون، فإنه لم يحصل له كما حصل للصحيحين، ولسنن أبي داود، ولجامع الترمذي من العناية الخاصة، ولم يحصل له عناية خاصة من حيث الشرح والاعتناء ببيان المتون وشرحها وتوضيحها، ولا كذلك فيما يتعلق بالرجال، فلم يحصل ذلك على سبيل الاستقلال، ولكنه حصل على سبيل الاشتراك مع غيره، فمن حيث المتون ومن حيث الأسانيد لقي مع غيره -لا على سبيل الاستقلال- عناية فائقة وعناية تامة.أما كونه يعتنى به بحيث يؤلف فيه مؤلفات شارحة له, أو معتنية برجاله على سبيل الاستقلال, فهذا لم يظهر شيء ولم يشتهر شيء من هذا القبيل.والسيوطي وقد كانت وفاته سنة تسعمائة وإحدى عشرة، أي: بينه وبين النسائي ما يزيد على ستمائة سنة، يقول في مقدمة كتابه (زهر الربى في شرح المجتبى): إن هذا الكتاب على عظم شأنه ما اشتهر له وما ظهر له شرح، وقد مضى على تأليفه ستمائة سنة، ويقول: إنه ما علم أنه حصل له عناية، وأنه لم يحصل له شرح يليق بهذا الكتاب -الذي هو كتاب النسائي - ومع ذلك فـالسيوطي شرحه في شرح مختصر، أيضاً لم تكن فيه العناية التامة.إذاً: فلم يحصل له من العناية ما حصل لغيره من الكتب الأخرى، اللهم إلا ابن ماجه فإنه مثله لم يحصل له عناية من حيث الشرح مثل ما حصل للكتب الأربعة الأخرى التي هي: البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود .
الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث الإسناد
أما من حيث الرجال فقد اعتني به مع غيره من الكتب، وألف مؤلفات برجال الكتب الأربعة التي هي: السنن, ومؤلفات لرجال الكتب الستة، وأما كونه يعتنى بمؤلف برجاله, فهذا لا نعلم شيئاً ظهر فيه لا مخطوطاً ولا مطبوعاً، بل وحتى الذكر، اللهم إلا نادراً في ذكر الشيوخ أو في ذكر شيوخه، أما بالنسبة لرجاله فلا نعلم فيه شيئاً، ولكنه ألف فيه مع غيره.مما ألف فيه -وهو مطبوع ومشهور, وبعضها لم يطبع- وهو أصلها كتاب: ( الكمال في أسماء الرجال)، للحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى على رأس سنة ستمائة من الهجرة، ألف كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، وهو خاص برجال الكتب الستة التي هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وهذا الكتاب لم يطبع، ولم يوجد كاملاً، وإنما يوجد منه قطع، ولكن جاء بعده أبو الحجاج المزي ، وهو شيخ ابن كثير وصهره، أي: والد زوجته، فابن كثير زوج بنت أبي الحجاج المزي المتوفى سنة سبعمائة واثنين وأربعين، ألف كتاباً سماه: (تهذيب الكمال)، اعتنى فيه عناية فائقة برجال الكتب الستة، ورجال أصحابها في الكتب الأخرى، بمعنى: أنه لا يقتصر على الكتب الستة، وإنما على رجال أصحابها.إذاً: فرجال الكتب الستة موجودون في هذا الكتاب، وهذا الكتاب موجود مخطوط, وهو مصور على النسخ الخطية، وبدئ بطباعته من مدة، وظهر منه عدة مجلدات، وهو كتاب نفيس جامع مفيد.ومن أعجب ما فيه أن مؤلفه رحمة الله عليه مع صبره وتحمله وعدم تعبه ونصبه، فإنه عندما يأتي للراوي الذي يترجم له يذكر تلاميذه وشيوخه، ويرتب التلاميذ ويرتب الشيوخ في كل ترجمة، بحيث أن الإنسان إذا أراد أن يبحث عن رجل فلا يحتاج إلى أنه يقرأ الأسماء كلها في ترجمة الرجل: شيوخه وتلاميذه، بل ينظر أول اسمه فيبحث عنه، فإذا كان سليمان مثلاً في وسط الأسماء، وإذا كان محمد في آخر الأسماء، وإذا كان إبراهيم في أول الأسماء؛ لأنه عند كل ترجمة من التراجم هذه الألوف يرتب الشيوخ في كل ترجمة على الحروف، ويرتب التلاميذ في كل ترجمة على الحروف، بحيث لا يتعب الإنسان في الأسماء الغير المرتبة، فإذا أراد أن يبحث عن رجل مباشرة يذهب إلى مكان أول اسمه فيبحث عنه، إن وجده وإلا ترك الكتاب وبحث عنه في مصدر آخر.وهذا من شدة العناية وشدة الحرص على الدقة وعلى تذليل الصعوبات أمام المشتغلين بالعلم والمنتسبين إليه، إذ يجدون الجهود التي بذلت قد حصل فيها ذلك الترتيب, وحصل فيها تلك الدقة وتلك العناية التامة.إذاً: هو كتاب عظيم، وهو أوسع من الكمال، وإن كان يسمى (تهذيب الكمال) إلا أنه أوسع منه، وليس كما يظن البعض أنه أقل منه مثل ما في تهذيب التهذيب فهو أقل من تهذيب الكمال، بل التهذيب أوسع من الكمال، ولكنه بناه على ذلك؛ لأن ذاك خدمه من حيث الترتيب ومن حيث الجمع ومن حيث الكلام، ولكن هذا من حيث التراجم والتوسع فيها وحصر الأقوال واستيعابها أوسع وأعظم من أصله الكمال.فتهذيب الكمال للمزي في أسماء الرجال مشتمل على رجال النسائي, كما اشتمل على رجال الخمسة الآخرين وهم: البخاري,و مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وكتاب تهذيب الكمال جاء بعده الحافظ ابن حجر فهذبه في كتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، لكنه اختصاراً يقال: (تهذيب التهذيب)، و(أل) في التهذيب عوض عن المضاف إليه؛ لأنها للعهد الذهني, يعني: التهذيب الذي هو تهذيب الكمال، وهذا كثيراً ما يستعمل على سبيل الاختصار، مثل ما يقال: الفتح، مثلاً: قال الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ، فبدل أن يقول: بلوغ المرام, أو يقول: فتح الباري؛ يحذف المضاف إليه ويأتي بـ(أل) عوضاً عن المضاف إليه من الأول، وهذا يذكرونه اختصاراً، ويأتي في كثير من أسماء الكتب المكونة من مضاف ومضاف إليه, فيحذفون المضاف إليه ويأتون بأل في الأول: قال الحافظ في الفتح، ذكره الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ.. وهكذا، قال عبد الغني في العمدة, يعني: عمدة الأحكام وهكذا، فيحذفون المضاف إليه ويأتون (بأل) في أول المضاف بعد حذف المضاف إليه اختصاراً فتكون للعهد الذهني، يعني: المعهود بالأذهان فالعمدة: هي المعهودة بالأذهان, أو البلوغ: هو المعهود بالأذهان، أو الفتح: هو المعهود بالأذهان الذي هو فتح الباري, وبلوغ المرام, وعمدة الأحكام.فسماه تهذيب التهذيب، حيث يأتي ببعض كلام المزي ويختصره, ويأتي ببعض ما فيه ولكن له زيادات، فعندما ينقل من كلام المزي ما يريد أن ينقل من الترجمة، يأتي بعد ذلك في آخرها فيقول: قلت، ثم يأتي بكلام لا يوجد في تهذيب الكمال.فإذاً: الزيادات التي عند الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وليست عند المزي هي ما بعد: (قلت)، أما ما قبلها فهو من كلام المزي, لكنه مختصر وليس كل كلامه، بل بعض كلام المزي ، وما بعد (قلت) هو كلام الحافظ ابن حجر الذي أتى به من كلام العلماء المتأخرين ومن استدراكاته هو واطلاعه هو، رحمة الله عليه.ثم قام وأتى بكتاب بعد هذا مختصر جداً وهو (تقريب التهذيب)، وتقريب التهذيب هذا على اختصاره يعطي القارئ رأي الحافظ ابن حجر في الشخص؛ لأنه في تهذيب التهذيب لا يستطيع أن يخرج بنتيجة من كلام الحافظ ابن حجر بأن يقول: هذا رأيه؛ لأنه يأتي بكلام المزي ثم بعد ذلك يأتي بكلام لغيره، يعني: ينقله بعد قلت، لكن عندما يقرأ الإنسان كتاب تهذيب التهذيب يطرح سؤالاً ويقول: ما هي النتيجة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر؟ وما هي الخلاصة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر في حال الرجل من الجرح والتعديل؟ هل هو ثقة, أو غير ثقة، أو أنه ضعيف، أو أي حالة من الأحوال التي يوصف بها الرجل جرحاً وتعديلاً؟ الجواب على هذا السؤال يوجد في تقريب التهذيب، أي: أن رأي الحافظ ابن حجر لا يوجد في تهذيب التهذيب, ولكن يوجد في تقريب التهذيب، فهو كتاب مختصر يأتي بالترجمة بسطر أو سطرين أو ثلاثة, وقد تصل إلى أربعة, بلفظ موجز مفيد يتبين منه رأي الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الرجل الذي ترجم له في تهذيب التهذيب.وكتاب تهذيب الكمال أيضاً اعتنى به الذهبي في كتابين؛ أحدهما: تذهيب التهذيب، لأن تلخيص ابن حجر له اسمه: (تهذيب التهذيب).وأما الذهبي فـ(تذهيب التهذيب).وله كتاب آخر خاص برجال الكتب الستة، ولا يذكر رجال الكتب الأخرى, مثل: (عمل اليوم والليلة) للنسائي, والقراءة خلف الإمام للبخاري, والأدب المفرد للبخاري ، فلا يذكر إلا رجال الكتب الستة الذين في صحيح البخاري، وصحيح مسلم, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وسنن ابن ماجه, وسنن الترمذي، ورجال هذه الكتب الستة فقط، وهذا سماه: (الكاشف في رجال الكتب الستة)، فهو خاص، بخلاف التذهيب فإنه في رجال أصحاب الكتب الستة.وكتاب الذهبي (التذهيب) قام الخزرجي -وهو من علماء القرن العاشر- بتلخيصه واختصاره في كتاب سماه: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، فهو في درجة كتاب التقريب لـابن حجر؛ لأن (التذهيب) في درجة (تهذيب التهذيب)، و(الخلاصة) في درجة (تقريب التهذيب)، الخلاصة للخزرجي ، إلا أن الخزرجي ليس مثل الحافظ ابن حجر لا يأتي برأي منه, أو بكلام منه وإنما ينقل كلام العلماء، يذكر اثنين من الشيوخ واثنين من التلاميذ ويذكر قال فيه فلان كذا، وقال فيه فلان كذا، أي: أنه ينقل بعض ما قيل فيه وبعض شيوخه وتلاميذه.هذه طريقة صاحب الخلاصة الخزرجي في كتابه: خلاصة تذهيب الكمال.فهذه الكتب اعتنت برجال الكتب الستة, ومنها سنن النسائي.إذاً: فكتاب تهذيب الكمال للمزي هو كتاب عظيم ولا يستغني عنه طالب علم، وهو موسوعة في أسماء الرجال الذين هم رجال أصحاب الكتب الستة.وينبغي أن يعلم أن سادس الكتب الستة في هذه الكتب التي قامت بخدمة هذه الكتب هو: ابن ماجه وليس الموطأ، أي: أن السادس هو ابن ماجه، فالرجال في هذه الكتب هم رجال ابن ماجه ؛ لأن سادس الكتب في هذه المؤلفات هو ابن ماجه وليس الموطأ ولا الدارمي؛ لأن صاحب الكمال لما ألف كتابه ألفه في رجال الكتب الستة على أن الكتب الستة سادسها سنن ابن ماجه وقد مشى على هذا الأساس, وجمع هذه التراجم لأصحاب هذه الكتب، وجاء بعده العلماء وبنوا على كتابه تلك الكتب المطولة والمختصرة.ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب الذي ذكرت -وهو كتاب تهذيب الكمال- يعتبر موسوعة من الموسوعات في أسماء الرجال، فإذا ضم الإنسان إليه كتاب لسان الميزان لـابن حجر جاءه مجموعة من الرجال غير ما اشتملت عليه تلك الكتب؛ لأن من شرط الحافظ ابن حجر في الميزان: ألا يأتي فيه برجل ترجم له في التهذيب، إذاً: فمعناه رجال يضمون إلى الرجال وهم رجال غير الرجال، يعني: معناه أن هذا العدد الذي في اللسان يضاف إضافة جديدة ولا تكرار فيه بين اثنين، فإذا كان الإنسان عنده تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب المبني عليه, ولسان الميزان فإنه يكون عنده عدد هائل وعدد كبير من الرجال؛ لأن تهذيب التهذيب في اثني عشر مجلداً، ولسان الميزان في ثمانية مجلدات، فيكون عشرين مجلداً فيها أسماء رجال ولا تكرار في تلك الرجال.
الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث المتن
أما فيما يتعلق بالمتون والعناية بالمتون فأيضاً قرن النسائي مع غيره، وممن اعتنى بالمتون: رزين العبدري في كتابه: التجريد، فإنه جمع متون تلك الكتب واستوعبها، ولكن سادس الكتب عنده: الموطأ، فجاء بعده ابن الأثير أبو السعادات ، فبنى عليه كتاب: جامع الأصول، بناه على كتاب رزين التجريد، ورتبه ونظمه وأتى بكتب، والكتب رتبها على الحروف، وكما قلت: هو مبني على ذلك الكتاب فالسادس هو الموطأ، وهو لا يذكر الأسانيد وإنما يذكر المتون، يقول: عن فلان, ثم يرمز للذين رووا هذا الحديث مثلاً: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والموطأ، لا يذكر ابن ماجه ؛ لأن ابن ماجه السادس بدله الموطأ.وابن الأثير هذا هو صاحب (النهاية في غريب الحديث)، والمشهور في ابن الأثير أنه فيه ثلاثة إخوة كلهم اشتهروا بابن الأثير، وكلهم يختلف عن غيره في التخصص؛ فأحدهم محدث, وهو صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وأحدهم مؤرخ، والثالث أديب وهو صاحب كتاب (المثل السائر)، فهم ثلاثة إخوة اشتغلوا في العلم، واحد منهم برز في الحديث وعنايته في الحديث، والثاني في التاريخ، والثالث في الأدب، والمشهور عندما يأتي في النقل من كتب اللغة أو في كتب الحديث عندما يقال: قال أبو السعادات, أو يقال: قال ابن الأثير، المقصود به المحدث صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وهذا الكتاب -الذي هو جامع الأصول- كتاب واسع، جمع هذه الكتب وسادسها كما ذكرت الموطأ وليس سنن ابن ماجه.ومن الذين اعتنوا بأطراف هذه الكتب وكتابه مطبوع هو كتاب: تحفة الأشراف للمزي الذي طبع في الدار القيمة في الهند، وقام بطبعه وتحقيقه: عبد الصمد شرف الدين الذي أشرت إليه، وذكر في المقدمة أن في الصغرى ما ليس في الكبرى، أي: في السنن الصغرى ما ليس في الكبرى، وهذا الكتاب -الذي هو تحفة الأشراف- يذكر فيه طرف الحديث، أي: أوله، ولكنه يذكر الإسناد، فكتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف مثل سنن النسائي، وفيه أيضاً -كما يشير إليه عبد الصمد شرف الدين- أشياء من السنن الكبرى؛ لأنه يجعله بين قوسين ويقول: في الكبرى، وليس في الصغرى.هذه من الكتب التي اعتنت بهذا الكتاب مع غيره، لكنه لم يحصل له عناية خاصة تليق به من حيث العناية بشرحه والتوسع فيه كما توسع في غيره من الكتب الأخرى كالصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:09 PM
شرح سنن النسائي
- كتاب الطهارة
- تأويل قوله عز وجل:
(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
(4)
وأول حديث بدأ به من الأحاديث الأربعين حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فقال:[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، و أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ].هكذا كما أورده النووي رحمه الله، وقد كان من عادته في كتابه هذا وفي كتابه (رياض الصالحين) أنه عندما يذكر الصحابي يذكره بكنيته، وكذلك يذكر وصفه، كما قال هنا: (عن أمير المؤمنين أبي حفص ).
تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.تأويل قوله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)].هذا هو أول كتاب النسائي أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمة الله عليه؛ كتاب الطهارة، وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر كتاب الطهارة، وإنما البدء بالترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] الآية.وعلى ذكر الكتاب فهذه تعتبر ترجمة عامة في أول الكتاب, والمقصود منها: أنه عند الوضوء لا يغمس الإنسان يده في الماء مباشرة، وإنما يغسلها خارج الإناء، ثم بعد ذلك يدخل يده في الإناء.وعلى أن كتاب الترجمة غير موجود فذكر هذه الترجمة العامة التي هي بمثابة كتاب الطهارة، وأورد تحتها حديثاً واحداً يتعلق بما يستحب أن يكون بين يدي الوضوء، إما استحباباً مطلقاً، كما إذا توضأ الإنسان ولم يقم من نوم، أو أنه واجب أو مستحب إذا كان قائماً من النوم, كما جاء في هذا الحديث هنا، فالحديث مقيد بالقيام من النوم، فتكون هذه الترجمة ترجمة عامة بمثابة قولنا: باب الوضوء، أو كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة، وأورد تحت الترجمة حديثاً واحداً يتعلق بما يكون قبل البداية بالوضوء، وهو غسل اليدين خارج الإناء قبل أن يغمس يده في الإناء الذي فيه ماء الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد هذا هو أحد شيوخه الذين أكثر عنهم، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الخمسة الآخرين، فقد رووا عنه جميعاً، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة؛ لأن الإمام أحمد وفاته سنة مائتين وواحد وأربعين، وهو سنة مائتين وأربعين، وهو من الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة، فهو شيخ للبخاري, ومسلم, وأبي داود, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.ومن المعلوم أنه يعتبر من كبار شيوخ النسائي؛ لأن النسائي ولد سنة مائتين وخمس عشرة، وشيخه هذا توفي سنة مائتين وأربعين، وعاش بعده النسائي ثلاثاً وستين سنة؛ لأنه توفي سنة ثلاثمائة وثلاث، ومن هذا يكون العلو في الأسانيد؛ يعني: كون الشخص يطول عمره, ويروي في أول حياته عن شخص أدركه في آخر حياته, وعمر بعده طويلاً فمن هنا يأتي العلو في الأسانيد، من ناحية أن التلميذ يروي عن الشيخ في آخر حياته، ويعمر ويطول عمر ذلك التلميذ فيعيش كثيراً، كالذي حصل للنسائي, فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة بعد وفاة شيخه قتيبة بن سعيد .وقتيبة هذا قيل: إنه لقب، وأن اسمه غير ذلك، قيل: اسمه يحيى, وقيل: غير ذلك، ولكنه مشهور بهذا اللقب, أو بهذا الاسم على القول بأنه اسم، وهو من الأسماء الأفراد؛ لأنه لم يسم بهذا الاسم أناس غيره هو الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال أصحاب الكتب الستة، فهو من الأسماء القليلة في الرجال.وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي البغلاني، فاسمه واسم أبيه واسم جده على صيغة واحدة، فكلها على وزن فعيل، والبغلاني نسبة إلى قرية بغلان؛ لأنها من قرى بلخ من بلاد خراسان.وهو من الثقات الأثبات، ولهذا قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة, ثبت، وقد أكثر عنه النسائي ، وروى عنه غيره من أصحاب الكتب الستة كما ذكرت ذلك.
ترجمة سفيان بن عيينة
قوله: [حدثنا سفيان].كان سفيان بن عيينة أولاً كوفياً ثم صار مكياً، ولهذا يقال في نسبته: الكوفي, ثم المكي، يعني: أن أول أمره كان بالكوفة, ثم تحول منها إلى مكة، وكلمة (ثم) يؤتى بها بين البلدان عند النسبة إذا كان في أول الأمر في بلد ثم تحول إلى بلد آخر، فيؤتى بالنسبتين مفصولاً بينهما بـ (ثم)، ومنه يعرف النسبة المتقدمة والمتأخرة؛ لأن كلمة (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي؛ لأن معناها أن الثاني عقب الأول، وأما الواو فلا تقتضي الترتيب؛ لأنه قد يذكر المتقدم قبل المتأخر، أو المتأخر قبل المتقدم، لكن إذا جاءت (ثم) فمعناها أن الذي بعد (ثم) متأخر عن الذي قبلها، فإذا قيل: الكوفي ثم المكي, فمعناه أنه كان أولاً من أهل الكوفة, ثم كان بعد ذلك من أهل مكة، ونسبته الأخيرة إلى مكة، ولهذا الإمام البخاري رحمة الله عليه لما روى في صحيحه, كان أول حديث فيه عن عبد الله بن الزبير الحميدي المكي عن سفيان بن عيينة المكي ، فأول الرجال الذين روى عنهم في كتابه من أهل مكة، فـسفيان بن عيينة هذا في آخر أمره كان من أهل مكة.والطريقة التي كانوا يعولون عليها في النسبة إذا تحول الإنسان من بلد إلى بلد, كما قال النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: إن الإنسان إذا مكث في بلد أربع سنوات صح أن ينسب إليها، وأن هذا مما يعتبرونه عند ملاحظة النسبة إذا كانت أربع سنوات فأكثر. وسفيان بن عيينة من الحفاظ، وصفه الحافظ ابن حجر في كتاب التقريب فقال: ثقة, حافظ, إمام, حجة، وفي وصف آخر: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، خمس صفات.وهو هنا جاء غير منسوب، قال: حدثنا سفيان ولكن هو يروي عن الزهري، وهو معروف بالرواية عن الزهري، ولهذا إذا أطلق غير منسوب فإنه يراد به سفيان بن عيينة؛ لكثرة روايته عنه، وسفيان الثوري روى عن الزهري وهو أقدم منه؛ لأنه مات قبله بفترة، ولكن الذي عرف بالرواية عنه وأكثر من الرواية عنه هو سفيان بن عيينة، ولهذا من الطرق عند المحدثين: أنه إذا ذكر الشخص غير منسوب وكان محتملاً لعدة أشخاص فإنه يعرف ويعين بشيخه إذا كان مكثراً عنه، ويحمل على من كان مكثراً عن الشيخ، فمثلاً: سفيان جاء هنا غير منسوب، فلم ينسب إلى ابن عيينة, ولا إلى الثوري ، وكل منهما من تلاميذ الزهري، لكن أيهما يعرف بأنه هو الذي في الإسناد؟ الجواب: يعرف بمعرفة من كان أكثر رواية وأكثر ملازمة، ولما كان سفيان بن عيينة أكثر ملازمة للزهري وأكثر رواية عنه فإنه يحمل على أنه ابن عيينة وليس الثوري، وإن كان الثوري من تلاميذ الزهري ، لكن كما هو معلوم إذا كان الشخص المهمل يدور بين شخصين وكل منهما ثقة، حتى ولو لم يعرف أيهما, فإنه لا إشكال؛ لأنه كيفما دار دار على ثقة، وإنما المحذور لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً وكان الأمر ملتبساً؛ عند ذلك قد يكون هو الضعيف فلا يعول عليه.ثم إن أسانيد سفيان بن عيينة عن الزهري عالية جداً؛ لأن الزهري توفي سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وسفيان بن عيينة أكثر من الرواية عن الزهري, وعاش بعده مدة طويلة حيث كانت وفاته سنة مائة وثمان وتسعين، فمن هنا يحصل العلو في الأسانيد. والزهري يعتبر من صغار التابعين من طبقة الأعمش, وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، فهؤلاء يعتبرون من صغار التابعين، ومع ذلك فهذا الذي توفي سنة مائة وثمان وتسعين أكثر من الرواية عن هذا الذي توفي في سنة مائة وخمس وعشرين.وابن عيينة موصوف بالتدليس قليلاً، ولهذا قال الحافظ: ربما دلس، لكن المعروف من طريقته أنه لا يدلس إلا عن ثقة.
ترجمة الزهري
قوله: [عن الزهري] هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب؛ لأن الرسول نسبه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.وهو زهري ينسب إلى جده زهرة الذي هو ابن كلاب، والذي هو أخو قصي، فهو مشهور بهذه النسبة الذي يقال له: الزهري .كما أنه اشتهر بنسبته إلى أحد أجداده وهو شهاب، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، هذا هو الذي اشتهر به.والزهري هذا هو الذي قيل: إنه أول من جمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروالزهري عاش بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ثلاثاً وعشرين سنة أو أربعاً وعشرين سنة؛ لأنه توفي -كما ذكرت- سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وأما الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فكانت وفاته سنة مائة وواحد من الهجرة. ومن المعلوم أنه أول من بدأها بطريقة رسمية، وبتكليف من ولي الأمر، أما كون الحديث يدون فالصحابة كان منهم من يدون كـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه, فإنه كان يكتب، وأبو هريرة رضي الله عنه يقول: (ما أعلم أحداً أكثر مني حديثاً إلا ما كان مع عبد الله بن عمرو, فإنه يكتب ولا أكتب) فإنهم كانوا يدونون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الزهري هو أول من قام بجمعها بتكليف من الخليفة والوالي؛ بعدما خيف اندثارها وذهابها بذهاب أهلها وذهاب حملتها ونقلتها، فأمر عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة وتدوينها وكتابتها حتى لا تموت بموت أهلها، وحتى لا تذهب بموت أهلها.و الزهري من الحفاظ, الأثبات, المتقنين، ومن المعروفين بالجد والاجتهاد في تحصيل الحديث، ولهذا ذكروا في ترجمته أنه كان يعكف على كتبه ويشتغل بها كثيراً، وكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر؛ لكثرة انشغاله بها واعتنائه بالحديث, وتدوين الحديث وعكوفه على ذلك, وهو إمام, مشهور, يعتبر من طبقة صغار التابعين.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:12 PM
شرح سنن النسائي
- كتاب الطهارة
- تأويل قوله عز وجل:
(إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
(4)
ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن
قوله: [عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من التابعين، وقيل: إن اسمه كنيته، وقيل: إنه كنية وله اسم آخر غير هذا، لكنه مشهور بهذا, وسواء قيل: إنه اسم, أو قيل: إنه كنية, فهو إنما اشتهر بهذا اللفظ الذي هو أبو سلمة .وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, بأن الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة في زمن التابعين، وكلهم في عصر واحد، وانتشر عنهم العلم, واستفاد منهم طلبة العلم، وكانت وفاتهم في حدود المائة, إما قبلها وإما بعيدها، فاشتهر في المدينة سبعة فقهاء محدثون يرجع إليهم في الفقه والحديث، ستة منهم لا خلاف في عدهم من الفقهاء السبعة، وثلاثة اختلف في عدهم.و أبو سلمة هو أحد الفقهاء على أحد الأقوال، فليس متفقاً على عده من الفقهاء السبعة، وإنما الذين اتفق على عدهم من الفقهاء السبعة, هم كما ذكرهم ابن القيم في أول إعلام الموقعين في بيتين من الشعر:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفهم: فـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم، والسابع مختلف فيه، فـابن القيم ذكر أبا بكر سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ وهو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو الذي قال عنه: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةوالقول الثاني: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في الإسناد، فهو أحد الفقهاء السبعة على قول، لكن ليس متفقاً عليه أنه من الفقهاء السبعة.والقول الثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر وابن عوف صحابي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
سبب إكثار أبي هريرة من الرواية عن النبي عليه السلام
من المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ولكنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم, وطالت حياته، والتقى بالصحابة، وكان في المدينة مقيماً, والناس يأتون إلى المدينة ويأخذون منها، فكان يأخذ عن الصحابة ويأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لازمه، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابي تحمل على أنه أخذها من الصحابة. والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي البحر, يعني: ابن عباس، ويصح أن يقال: البحر أو الحبر؛ لأنه يقال له: بحر ويقال له: الحبر.وقوله: ... كالخدري هو أبو سعيد الخدري. (وجابر وزوجة النبي) هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله، وحفظ عنهم من الحديث أكثر مما حفظ عن غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع. فهؤلاء هم رجال هذا الإسناد: قتيبة بن سعيد ، وسفيان بن عيينة ، والزهري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين. وفي أول الإسناد يقول النسائي : (أخبرنا)، وقد عرفنا أن هذه الطريقة هي التي يستعملها أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه وهي: (أخبرنا)، وذكرت سابقاً أن العلماء منهم من لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا), ويستعمل الصيغتين في السماع وفي العرض الذي هو القراءة على الشيخ، وهذا هو صنيع النسائي ، ومنهم من يفرق بينهما، فيستعمل: (حدثنا) في ما سمع من الشيخ، و(أخبرنا) في ما قرئ على الشيخ والتلميذ يسمع. و النسائي يشبه البخاري في كثرة التراجم, وكثرة إيراد الحديث على تراجم مختلفة متعددة؛ ليستدل به على الترجمة، ففيه شبه من البخاري في كثرة التراجم، ولكن النسائي قليلاً ما يستعمل كلمة: (باب)، وأكثر استعماله ذكر الترجمة بدون: (باب)، فيقول: تأويل قول الله عز وجل، وغير ذلك، بدون كلمة: (باب)، وأحياناً يأتي بكلمة: (باب) ولكن كثرة هذه التراجم, وإيراد الحديث بطرق متعددة ذلك ليستدل به على موضوعات مختلفة, يعبر عنها بتلك التراجم.
شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...)
والحديث يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) هذا هو الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة، وقد ذكرت في أول الدرس أن سنن النسائي في بعض النسخ ليس فيها ذكر كتاب، وإنما فيه ذكر هذه الترجمة التي هي تشبه الكتاب؛ لأنه قال: تأويل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6]، فهي ترجمة عامة يدخل تحتها الطهارة، ويدخل تحتها الوضوء وما يتبع الوضوء من سنن، فهي على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر: (كتاب) بمثابة الكتاب، والحديث الذي أورد تحتها هو مما يحصل عند الوضوء، وكذلك غير الوضوء؛ لأن المقصود إذا قام الإنسان من نومه فلا يغمس يده في الإناء، فلا إذا كان يريد أن يتوضأ, ولا إذا كان يريد ألا يتوضأ، يعني: لا يغمس يده في الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثاً. قوله عليه السلام: (فلا يغمس يده في وضوئه). وفي بعض الروايات: (في الإناء) يعني: الإناء الذي يتوضأ به، الإناء المشتمل على ماء الوضوء، ومن المعلوم أن الوضوء بفتح الواو لها معنىً غير معنى الوضوء بضم الواو، وهناك صيغ أخرى تشبه هذه الصيغة، فإن ما كان بفتح الواو فهو الماء الذي يراد أن يتوضأ منه، فماء الوضوء يقال له: وَضوء، وفعل الوضوء يقال له: وُضوء، كون الإنسان يأخذ, ويتوضأ, ويغسل؛ فالعملية هذه يقال لها: وُضوء بضم الواو، وأما نفس الماء الذي خصص للوضوء فيقال له: وَضوء، (دعا بوضوء) يعني: دعا بماء يتوضأ به.وفي حديث عثمان قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) المقصود به: العمل والفعل، فإذاً: وَضوء بفتح الواو يراد به الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء بالضم يراد به, فعل الوضوء، ولهذا اللفظ أشياء تماثله، مثل: السَّحور والسُّحور، فإن السَّحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسُّحور هو: الأكل، حصول الأكل، وكذلك الطَّهور مثل الوَضوء, فالطَهور والوُضوء بفتح الطاء لما يتطهر به، وبضمها فعل التطهر، كما في الحديث: (الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، وكذلك أيضاً الصَّعوط والصُّعوط لما يستصعط في الأنف، الذي هو الفعل يقال له: فعول، وكذلك الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في الفم يقال له: وَجور، والفعل يقال له: وُجور، فهذه كلمات متشابهة متماثلة، تأتي على صيغتين بالفتح وبالضم، فما كان منها بالفتح فهو اسم للشيء الذي يستعمل، وما كان بالضم فهو اسم للاستعمال.قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً) يعني: أنه يغسلها خارج الإناء، فيفرغ من الإناء على يديه فيغسلهما ثلاثاً، ثم بعد ذلك يغمس يده في الإناء ويأخذ لغسل وجهه, وغسل يديه, وغسل رجليه, ومسح رأسه؛ لأن المطلوب أن يفعل ذلك قبل أن يبدأ، وقد علل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) وهذا تعليل, يعني: احتمال أن يكون حصل لها نجاسة، والنجاسة غير متحققة، لكن هذا من الاحتياط، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحكم, هل هو للوجوب أو للاستحباب، يعني: كونها تغسل خارج الإناء وجوباً, أو استحباباً. من العلماء من قال: إنه مستحب، وأن هذا من باب الآداب والاحتياط، ومنهم من قال: إنه واجب، وأن من لم يفعل ذلك يأثم، هذا هو معنى كونه واجباً، وأما إذا كان مستحباً فإنه إذا لم يفعل ذلك فإنه لا يأثم، ولكنه خالف الأولى، ولم يحسن الأدب الذي ينبغي أن يستعمله الإنسان، وهو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والأحوط والأظهر: أن الإنسان لا يقدم على غمس يديه في الإناء عندما يقوم من النوم, إلا وقد غسلهما خارج الإناء، وأنه يأثم لو لم يفعل ذلك؛ لأن فيه مخالفة، لكن لا يقال: إن الماء يتنجس؛ لأنه ما تحقق النجاسة في اليد. وقيل في تعليل توجيه هذا: أن أهل الحجاز وبلادهم حارة, فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أن النجاسة قد تتجاوز موضع الخروج وقد لا تتعدى موضع الخروج، فالنجاسة إذا لم تتعد موضع الخروج فيكفي الاستجمار، وأما إن خرج وتجاوزه إلى مكان آخر من الجسد غير موضع الخروج فهذا يحتاج إلى الاستنجاء بالماء، فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أنه قد يتجاوز الخارج موضع العادة، فإذا استجمر الإنسان ونام وأصابه عرق, فإنه قد يلمس الموضع الذي أصابته النجاسة, فتعلق النجاسة بيده بسبب العرق الذي حصل. وقيل: إن هذا هو التوجيه، وأن هذا فيه احتمال النجاسة، يعني: إذا نام، أما إذا كان الإنسان مستيقظاً فإنه يتصرف في يده ويعرف أين تذهب، وإذا كان في يده عرق ولمس مكان الخروج أو الأماكن التي حول الخروج وقد تجاوزتها النجاسة فعلق بها شيء من النجاسة، فالإنسان في حال الاستيقاظ يدري أنه يحتاج إلى أنه يغسل؛ لأنه يعرف بأنه مس الشيء الذي هو مظنة النجاسة، أما إذا كان نائماً فإنه لا يدري، قد تكون يده ذهبت إلى ذلك المكان الذي به النجاسة، أو قد تكون به النجاسة، وقد لا تكون ذهبت، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده). ومن العلماء من يقول: إن الحكم بالوجوب مقيد بنوم الليل، ولهذا جاء التعبير بالبيات: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).ومنهم من يقول: إنه لا يتقيد بنوم الليل، بل يبقى على إطلاقه، وكلمة (بات) قد تستعمل لغير المبيت بالليل، يقال: بات فلان يعمل كذا وكذا, وقد يستعمل في النهار، يقال: بات، إذا كان مكثراً منه, أو مشتغلاً به. فمنهم من قال: إنه خاص بنوم الليل، ومنهم من يقول: إنه عام في النوم؛ لأن التعليل لا يخص نوم الليل، بل الإنسان إذا نام في الليل والنهار لا يدري أين باتت يده، ولا يدري أين ذهبت يده, فلا يكون ذلك خاصاً بنوم الليل، بل يشمل نوم الليل ونوم النهار.وكما قلت: الإنسان يأثم والطهارة تصح، والماء لا يقال: إنه تنجس؛ لأن النجاسة ما تحققت، ولكن القول الأولى والذي هو الأحوط هو أن الإنسان لا يقدم على غمسها في الإناء إذا استيقظ من النوم, إلا بعد أن يغسلها ثلاثاً كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الأسئلة
دفع إشكال أن أبا هريرة أكثر الرواة حديثاً مع كونه أسلم متأخراً
السؤال: هناك من يتكلم في مرويات أبي هريرة رضي الله عنه بسبب تأخر إسلامه، فما قولكم في هذا؟
الجواب: ما يتكلم في مرويات أبي هريرة، لكونه تأخر إسلامه إلا أهل البدع أو أهل الهوى، وإلا فإن الصحابة رضي الله عنهم والأمة قد قبلت مروياته، بل أكثر السنة من مروياته، وأكثر الأحاديث من مرويات أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والمعروف أن الذين يقدحون به هم أهل البدع, مثل: الرافضة الذين يكرهون أبا هريرة ويكرهون غيره من الصحابة، ولهذا يأتون بمثل هذا الكلام السيئ, وهو كون أبي هريرة متأخراً إسلامه وغيره من كبار الصحابة مثل أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي أقل منه حديثاً مع أنهم من أول من أسلم، ما علموا أو علموا ولكنهم تجاهلوا بقصدهم السوء والإفساد والتشويش.ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه فيه عوامل عديدة جعلت حديثه يكثر، وجعلت الناس يأخذون عنه كثيراً؛ أولاً: من ناحية تحمله، لكونه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم.أما من ناحية كثرة الرواية عنه فكونه في المدينة، وكونه عاش مدة طويلة؛ لأنه في حدود الستين كانت وفاته، يعني: عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حدود الخمسين سنة، أما أبو بكر, وعمر, وعثمان, وبعض الصحابة الذين هم أقل حديثاً منه فقد كانت وفاتهم متقدمة، ثم فيهم من كان مشغولاً بالولاية، ومشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة رضي الله عنه فما عنده إلا الأخذ والإعطاء، وعنده التحمل والتحميل، ثم كونه عاش بالمدينة، والمدينة الناس يأتون إليها، يردون ويصدرون، وإذا جاءوا يأتون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وأبو هريرة موجود في المدينة، فهذا من أسباب كثرة الرواية عنه وكثرة حديثه.والذي يتكلم فيه لا يضر أبا هريرة ، وإنما يضر المتكلم، وكما يقولون: كم من كلمة قالت لصاحبها: دعني، فالإنسان يتكلم بكلمة وكان ينبغي له ألا يتكلم بها، وكأن الكلمة تناديه وهي تقول له: دعني قبل أن ينطق بها؛ لأن النطق بها ليس بحسن، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في الحديث الصحيح: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .والحافظ ابن حجر رحمه الله لما ذكر كلام بعض الحنفية المتعصبين الذين تكلموا في حديث المصراة من أجل أنه من حديث أبي هريرة ، قال: وقائل هذا الكلام ما ضر إلا نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في رده على أبي زيد الدبوسي فقال: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:15 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(6)
- (باب السواك إذا قام من الليل) إلى (باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟)
وأما تخريج الحديث فقد خرجه جماعة كثيرون، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة: البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، بل إن المعلق على جامع العلوم والحكم -وهو الشيخ شعيب الأرناءوط - ذكر تخريجه عن تسعة عشر إماماً، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة، وفي مقدمة الذين خرجوه البخاري و مسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.والإمام النووي رحمه الله لما ذكر الحديث عازياًَ إليهما ذكر ذلك في أول الأمر فقال: (رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي ) ، ونسبته إلى الجعفي نسبة ولاء، ونسبة الولاء تكون أحياناً بالعتق، وتكون -أيضاً- بسبب الإسلام، ونسبة البخاري إلى الجعفيين نسبة ولاء بسبب الإسلام؛ لأن أحد أجداده دخل في الإسلام على يد رجل من الجعفيين، ولهذا يقولون في ترجمته: الجفعي مولاهم. وأما مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري فهو قشيري، وهو منهم نسبة أصل وليست نسبة ولاء، ولهذا يقولون عنه: القشيري من أنفسهم، فإذا كان الشخص ينسب نسبة ولاء قالوا: مولاهم. وإذا كان فيهم أصلاً أتوا بكلمة (من أنفسهم) أي أنه ينتسب إليهم نسبة أصل، وليست نسبة ولاء، فـمسلم بن الحجاج من بني قشير، وأما البخاري فنسبته إلى الجعفيين نسبة ولاء، وليست نسبة أصل. وهذا الحديث من غرائب (صحيح البخاري )، فقد جاء من طريق واحدة، فهو فرد مطلق، فرواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي ، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر الآخذون والراوون له عن يحيى بن سعيد حتى قيل: إن الذين رووه عنه يبلغون السبعين وقيل: إنهم يبلغون المائتين. وقيل: أكثر من ذلك. وهو غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يحيى بن سعيد . ومثله الحديث الذي ختم به البخاري (صحيحه)، وهو حديث أبي هريرة (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فإنه -أيضاً- غريب، فلم يروه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أبو هريرة ، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير ، ولم يروه عن أبي زرعة إلا عمارة بن القعقاع ، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل بن غزوان ، ثم انتشر بعد ذلك وكثر الآخذون والراوون له عن محمد بن فضيل بن غزوان ، ففاتحة صحيح البخاري وخاتمته حديثان من غرائب الصحيح، فلم يأتيا إلا من طريق واحدة، وقد قال الترمذي عندما خرج الحديث الأخير في جامعه -وهو: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ..)- قال: حديث حسن غريب صحيح. ويعني بقوله: (غريب) أنه جاء من طريق واحدة.وقد افتتح البخاري -رحمه الله- صحيحه بحديث عمر السابق، وكذلك الإمام النووي رحمه الله بدأ به الأربعين إشارة إلى تصحيح النية، وأن الإنسان إذا عمل عملاً فإنه يستحضر الإخلاص، ويستحضر حسن القصد، وأن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله، وابتغاء مرضاته سبحانه.فقد بدأ الأربعين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث عمر في قصة جبريل، فبدأ بأول حديث في البخاري ، وثنى بأول حديث في صحيح مسلم ، فحديث عمر الذي في قصة جبريل هو أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، وأول حديث في صحيح البخاري هو حديث (إنما الأعمال بالنيات). وقد سبق المؤلف إلى هذا الصنيع الإمام البغوي في كتابيه (شرح السنة) و(مصابيح السنة)، فإنه بدأ كلا الكتابين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث جبريل في تعليم الدين.وكذلك -أيضاً- بدأ المؤلف كتابه (المجموع شرح المهذب) بهذا الحديث؛ لأنه بعدما انتهى من المقدمة عقد فصلاً في إخلاص النية وحسن القصد، وأن يكون ذلك في الأمور الواضحة والجلية، ثم ذكر ثلاث آيات من كتاب الله، ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب (إنما الأعمال بالنيات).وقد فعل ذلك -أيضاً- بعض المؤلفين فبدءوا بما بدأ البخاري به صحيحه، ومنهم: السيوطي ، فقد بدأ كتابه (الجامع الصغير) بهذا الحديث، وكذلك: عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، فإنه بدأ بهذا الحديث، وكل هذا إشارة منهم إلى هذا الغرض النبيل الذي هو حسن القصد، والبدء بشيء يذكر الإنسان وهو يعمل عملاً ما بضرورة الإخلاص وحسن النية، وأن يريد الإنسان بعمله ذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه سبحانه وتعالى.
السواك إذا قام من الليل
شرح حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك إذا قام من الليل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) ].هنا أورد النسائي رحمة الله عليه عدة أبواب تتعلق بالسواك، وأولها: باب السواك إذا قام من الليل.أي: أنه يُستحب السواك إذا قام الإنسان من نوم الليل؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ومن المعلوم أن السواك فيه تطهير وفيه تنظيف، ومن المعلوم أن الطهارة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو متعين والسواك من الأمور المستحبة للصلاة ولغير الصلاة.وهذه الترجمة تتعلق بما إذا قام من الليل فإنه يستاك؛ وذلك لأن الإنسان إذا نام هذه المدة الطويلة فإنه يمسك فيها عن الحركة وعن الكلام, فيحصل شيء من الروائح التي تتصاعد من الجوف، فإذا أتى بعد النوم بالسواك يكون في ذلك تنظيف وتطهير وحصول رائحة طيبة بدل الرائحة الكريهة التي جاءت بعد طول المكث، فشرع الاستياك عند القيام من النوم؛ لتحقيق هذه المصلحة, وتحصيل هذه الفائدة.وكما جاء في الحديث الذي سيأتي: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) يعني: فيه تطهير للفم وتنظيف له, وإبقاء على الأسنان نظيفة وحصول الرائحة الطيبة بسبب الاستياك، فمشروعية السواك في هذا الوقت تحقق هذه المصلحة, وتحقق هذه الفائدة التي يستفاد حكمها من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وقوله: (يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك؛ ويدلك أسنانه بالسواك؛ حتى تذهب الرائحة الغير الحسنة, ويحل محلها الرائحة الطيبة.وكلمة (كان) تستعمل غالباً لما حصلت المداومة عليه، وكان يفعل كذا؛ معناه: أنه يداوم عليه؛ لكن هذا ليس بمطرد، فقد تأتي (كان) ولا تفيد المداومة، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، فقولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) تعني: مرة واحدة، وليست مرات كثيرة؛ لأن الرسول ما حج حجات كثيرة حتى يقال: إنه في كل حجة من الحجات عندما يريد أن يطوف بالبيت بعدما يتحلل التحلل الأول أنها كانت تطيبه.فهذا يدل على أن (كان) قد تأتي أحياناً ولا يراد بها المداومة، مثل هذا الموضع الذي لا يقبل المداومة، ولا مجال للمداومة فيه؛ لأنه ما حصل إلا مرة واحدة منها.أما بالنسبة للعمرة أو للإحرام فالرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر مرات، لكنه ما حج إلا مرة واحدة، فقولها: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) أي: أنها ما طيبته إلا مرة واحدة، لكن الغالب على (كان) هو استعمالها فيما يفيد المداومة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد].وقتيبة بن سعيد هو شيخه في الإسناد الأول، وهنا ذكر الحديث عن شيخين هما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الإمام المعروف, وقتيبة بن سعيد ، ولا أعرف طريقة النسائي عندما يروي الحديث عن شيخين؟ ولا اللفظ لأيهما؟ أما البخاري فقد عرف أن طريقته إذا أورد الحديث عن شيخين فاللفظ الذي يذكره للثاني منهما وليس للأول، أما النسائي فأورد الحديث عن شيخين, ولكن حتى الآن لا ندري ما هي طريقة النسائي في صاحب المتن من شيوخه الذين يذكرهم ويقرن بينهم؟ ولا ندري لأيهم اللفظ؟ وإسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي , وهو: ابن راهويه ، وهو إمام من الأئمة الحفاظ المتقنين، وله مسند فيه أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف من طريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنه عندما يأتي إسحاق غير منسوب يحتمل ابن راهويه ويحتمل غيره، فإذا كان الحديث أو الإسناد فيه تعبير بأخبرنا, فإنه غالباً ما يكون ابن راهويه؛ لأنه معروف من عادته أنه يعبر بأخبرنا، وقد يستعمل (حدثنا)، لكن هذا هو الغالب على عادته.[عن جرير].وجرير هنا غير منسوب، وهو جرير بن عبد الحميد وهو من الثقات, الحفاظ.[ عن منصور].هو ابن المعتمر وهو من الثقات, الحفاظ.[عن أبي وائل].هو شقيق، وهو معروف, مشهور بكنيته , ومشهور باسمه، ولهذا أحياناً يأتي ذكره أبو وائل بالكنية، وأحياناً يأتي باسمه فيقال: شقيق، وهو هو، إلا أنه أحياناً يذكر باسمه وأحياناً بكنيته، وهذه من الأمور المهمة كون الإنسان الذي عرف بكنيته يعرف باسمه أو العكس؛ حتى إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته لا يقال: هذا غير هذا، بل يعلم أن هذا هو هذا، ولكنه مرة جاء في الإسناد مذكوراً بالاسم، ومرة جاء في الإسناد مذكوراً بالكنية.[ عن حذيفة ].هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين، وهو الذي كان يقال له: صاحب السر أي: الذي أسر له بالمنافقين، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
كيف يستاك
شرح حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن، وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ).هنا أورد النسائي رحمة الله عليه: باب كيف يستاك.أورد فيه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو (أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن, وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ) والمقصود بـ(يستن) أي: من الاستنان, وهو افتعال من الأسنان؛ يعني: أنه يحرك أو يدير السواك على أسنانه؛ لتحصل النظافة والنقاء، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه يخبر بأنه دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعمل هذا العمل, الذي هو الاستياك.قال: (وطرف السواك على لسانه وهو يقول: عأ عأ) ، وفي رواية للبخاري: (أع أع) ، وهناك أيضاً روايات أخرى, وكلها تحكي الصوت الذي يخرج من الفم؛ بسبب دخول السواك فيه.والحديث جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...)
قوله: [حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد].هو شيخ النسائي، أحد الثقات، وحماد بن زيد شيخ شيخه، وهو أيضاً من الحفاظ، الثقات، المتقنين، وهو أحد الحمادين المشهورين بالحديث، وهما: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد هو الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وروى عنه البخاري كثيراً، وأما حماد بن سلمة فقد روى له البخاري في التعاليق، وروى عنه الباقون.وبعض العلماء يفضل حماد بن سلمة على حماد بن زيد؛ وذلك لأن نسب حماد بن زيد بن درهم، وحماد بن سلمة بن دينار؛ أي: أن أحدهما وهو حماد بن سلمة جده دينار ، وحماد بن زيد جده درهم ، فبعض العلماء يقول في ترجيح أو تقديم حماد بن سلمة على حماد بن زيد : الفرق بينهما كالفرق بين الدينار والدرهم، فكلهم من الثقات الأثبات، إلا أن الإمام البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة إلا في التعليقات, ولم يرو عنه في الأصول.وأما حماد بن زيد فقد روى عنه الجميع، فقد روى عنه البخاري في الأصول وأكثر عنه، وجاء في صحيح البخاري عنه أحاديث كثيرة.[عن غيلان بن جرير].هو غيلان بن جرير الضبي وهو أيضاً من الثقات.[عن أبي بردة].هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو مشهور بكنيته، ويقال: إن اسمه عامر، وقيل: الحارث، ولكنه مشهور بكنيته وهي: أبو بردة، ولم يشتهر باسمه, ويأتي كثيراً يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري.[عن أبي موسى الأشعري].هو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أحد الصحابة الأجلاء المشهورين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وقد علم من طريقة المحدثين أنه إذا كان الرجل ممن تشرف بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم, فإنهم لا يضيفون إليه شيئاً أكثر من كونه صحابياً، إلا إذا أرادوا أن يبينوا كونه مكثراً, أو كونه بدرياً، أو كونه من أهل بيعة الرضوان، أو ما إلى ذلك من الصفات، أما من حيث التعديل والتوثيق فلا يحتاجون إلى تعديل أو توثيق؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد عدلهم وأثنى عليهم في كتابه, وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين بعد أن حصل لهم التعديل, وحصل لهم الثناء من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.ولهذا يكفي عن الصحابي أن يقال: إنه صحابي، وإذا كان مجهولاً ولا يعرف شخصه، ولكن عرف بأنه صحابي، فإن ذلك أيضاً لا يؤثر، بخلاف الجهالة في غير الصحابة فإنها تؤثر، ولا يعول على الإسناد، أما بالنسبة للصحابة فالمجهول فيهم لا تؤثر فيه الجهالة، ويكفي أن يقول التابعي: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما الذين يحتاجون إلى معرفة, ويحتاجون إلى تعديل وتوثيق فهم من دون الصحابة، أما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهم لا يحتاجون إلى هذا، بل يكفي الواحد منهم أن يقال: إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا عند التراجم يقال عنه: صحابي، ولا يضاف إليه شيء آخر بأن يقال: ثقة, أو أن يقال: متقن, أو أن يقال: حافظ, أو أن يقال: كذا، فهؤلاء أبداً لا يحتاجون إلى شيء منه بعد تعديل الله عز وجل لهم وثنائه سبحانه وتعالى، وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:17 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(7)
- (باب السواك إذا قام من الليل) إلى (باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟)
هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟
شرح حديث أبي موسى الأشعري: (أقبلت إلى النبي ومعي رجلان من الأشعريين... ورسول الله يستاك...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى وهو ابن سعيد حدثنا قرة بن خالد حدثنا حميد بن هلال حدثني أبو بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: (أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل العمل، قلت: والذي بعثك بالحق نبياً ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: إنا لا، أو لن نستعين على العمل من أراده، ولكن اذهب أنت، فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل رضي الله عنهما)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث الذي هو عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ويرويه عنه ابنه أبو بردة ، ويحكي فيه أبو موسى الأشعري أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو واثنان من الأشعريين من جماعته وبني قومه، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأبو موسى يمشي في الوسط بينهما، حتى وصلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووجدوه يستاك، فلما دخلوا عليه كل واحد من الأشعريين اللذين على يمينه وعلى يساره طلب العمل؛ يعني: طلب منه أن يوليه على عمل من الأعمال.وأبو موسى رضي الله عنه خشي أن يظن أنه جاء قصده قصدهم، وأنهم متفقون، وأن هذين هما اللذان تكلما، فأراد أن يدفع عن نفسه ما قد يظن من أنه جاء للقصد الذي قصداه، وأنه يريد الذي أراداه، فأقسم قائلاً: (والذي بعثك بالحق نبياً ما أطلعاني على ما في أنفسهما) وأنه ما يدري عن هذا القصد الذي أبدياه للرسول صلى الله عليه وسلم، فدافع عن نفسه وأبعد التهمة عن نفسه؛ لأنهم جاءوا سوية وهو وسطهم، وهم من جماعة واحدة، واثنان طلبا العمل، فالثالث إذا سكت فسوف يظن أن الطريق واحدة، وأن المهمة واحدة، وأن القصد متحد، وهم أشعريون، وأبو موسى في الوسط، فأراد أن يبرئ نفسه، وأن يبرئ ساحته من أن يظن به ذلك؛ لوجود هذه القرائن المتعددة.وفيه دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لأن الرسول ما استحلفه، وما طلب منه أن يحلف، ولكنه حلف للتأكيد بدون أن يستحلف، فهو دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم حلف كثيراً على أمور دون أن يستحلف، والمقصود من ذلك تأكيد الكلام الذي يحلف عليه، وكثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف ويقول: (والذي نفسي بيده)، (والذي نفس محمد بيده)، فهذا من جملة الأدلة الدالة على جواز الحلف من غير استحلاف.وفيه أيضاً دليل على أن الإنسان إذا كان هناك مظنة لأن يتهم في شيء فإنه يبادر إلى نفي التهمة عنه، ونفي ما قد يقع في النفس في حقه؛ لأن أبا موسى رضي الله عنه وأرضاه لما كانت القرائن قائمة على أنه قد يظن به ذلك الشيء الذي حصل من الاثنين بادر في دفع ذلك الذي قد يظن في حقه, وأقسم على ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولما طلبا العمل أبدى ما في نفسه, وأنه ما كان فكر في الذي فكرا فيه، وأنه لا يعلم ما في أنفسهما، وأن هذا شيء ما تواطأ معهما عليه، وأنهما لم يطلعاه على ما في أنفسهما. وقوله: (إنا لا، أو لن نولي هذا العمل أحداً طلبه) فيه دليل على أن من يحرص على العمل لا ينبغي أن يمكن منه، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام النهي عن سؤال الإمارة, وقال: (إنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)؛ لأن الحرص على الشيء قد يكون الدافع له الرغبة في الظهور، والرغبة في الولاية، فيكون في ذلك محذور، وإذا كان الإنسان ما طلب الشيء ثم إنه ابتلي به وكلف به، فإنه حري أن يعان عليه؛ لأنه ما شغل باله, وما أشغل نفسه في البحث عنه وفي تحصيله.فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين أن من طلب العمل, وأراد العمل لا يولى العمل، وأنه لا يستعان به في العمل، وإنما يستعان بالذي ما طلبه حيث يكون كفؤاً، فهو الأولى به والأحق به، ولهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما ولى الذين طلباه وولى الذي لم يطلبه وهو أبو موسى الأشعري، وقال: (إنا لا نستعين على هذا الأمر بأحد أراده، ولكن اذهب أنت إلى اليمن) فأرسله إلى اليمن، ثم أردفه بـمعاذ بن جبل رضي الله عنه ,كما جاء ذلك مبيناً في الصحيحين وفي غيرهما.والحديث في الصحيحين من طرق، وفي البخاري في مواضع متعددة مطولاً ومختصراً، وفي بعضها: أنه كان جعل اليمن مخلافين؛ يعني: قسمين، قسم ولايته لـأبي موسى , وقسم ولايته لـمـعاذ بن جبل ، فكان أبو موسى أو معاذ ينصب خيمة في طرف المخلاف الذي هو وال عليه, وكان الثاني عندما يأتي يتجول في مكان ولايته ويؤدي عمله يأتي ويزور صاحبه في مكان ولايته.وقوله: (إنا لا أو لن نستعين على هذا العمل بأحد أراده) هذا شك من الراوي (لا أو لن)؛ لأن الرسول قال أحدهما، قال: لن نولي, أو: لا نولي، فهو أتى به هنا على الشك إما (لا أو لن) نولي أو نستعين على هذا العمل بأحد أراده.ففيه دليل على تقديم من لم يحرص على الولاية، وأنه هو الأحق، وأنه هو الأولى، وهو الحري بأن يعان، بخلاف من كان حريصاً وراغباً, فإنه قد يكون له أهداف غير المصالح العامة وإفادة المسلمين.
حكم الاستياك بحضرة الناس
والمقصود من إيراد الحديث هنا هو الذي ترجم له النسائي قال: باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ ومحل الشاهد من ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستاك لما جاءه هؤلاء الثلاثة من الأشعريين، وهو مطابق للترجمة من حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإمام استاك بحضرة ثلاثة من رعيته، ففي هذا دليل على جواز مثل ذلك، وأنه لا بأس به، وأنه كونه يحصل الاستياك في الأماكن العامة لا بأس بذلك، لكن ترجمة النسائي بكون الإمام يستاك بحضرة الرعية يستشعر منه أنه ليس على إطلاقه؛ بمعنى: أنه ليس كل واحد يستاك في أي مكان يكون فيه اجتماع؛ لأن قوله: (هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟) يشير إلى أن ذلك سائغ في حق من لا يستقذر ذلك منه، كأن يكون المتبوع وحوله الأتباع، وكون ذلك يحصل منه ليس مثل كونه يحصل من غيره، فتعبير النسائي بقوله: هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ ولم يقل: هل يستاك الإنسان بحضرة الناس؟ حتى يكون عاماً، وإنما أتى به مطابقاً لما حصل, ومطابقاً لما وقع وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإمام كان يستاك بحضرة بعض الرعية، فمن العلماء من أخذ من ذلك الجواز على سبيل العموم, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بحضرة الناس، ومنهم من رأى أنه يقيد في حق من لا يعاب ذلك عليه وهو المتبوع بحضرة الأتباع، والإمام بحضرة الرعية، ولهذا النسائي قال: باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ومن المعلوم أن التراجم أحياناً يؤتى بها على سبيل العموم حيث يكون الأمر واضحاً، وأن هذا لا يخص من حصل منه، وأنه للجميع، وأحياناً قد يكون الأمر خاصاً لا يتعدى إلى الغير, ولا يقاس الغير عليه، كما فعل البخاري رحمه الله في بعض التراجم التي فيها: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم زار أحد أصحابه, وقد أغمي عليه، فتوضأ ثم أخذ فضل وضوئه ورشه عليه فأفاق)، فترجم له البخاري قال: باب صب فضل وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم على الإنسان، فأتى بالترجمة مضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن التبرك إنما هو بالرسول صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد من الناس أن يفعل كما فعل الرسول إذا زار مريضاً يتوضأ ثم يرش عليه من فضل وضوئه؛ لأنه لا يتبرك به، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يتبرك بفضل وضوئه، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يأخذون شعره وفضل وضوئه, وكذلك يحرصون على لمس جسده حتى يصيبهم عرقه صلى الله عليه وسلم يتبركون به، بل كانوا يأخذون نخامه عليه الصلاة والسلام ويدلكون بها جلودهم رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأن التبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم جاءت به أحاديث كثيرة، ولم يأت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم تبركوا بأحد من كبار أصحابه كـأبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وأخذوا فضل وضوئهم، أو أخذوا نخامهم، أو تبركوا بعرقهم، وما حصل منهم هذا، فعلم أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي ترجم له البخاري في كونه صب على المريض من وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم ترجمة مطابقة؛ لأنه لا يلحق به غيره، ولا يتبرك بأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشياء التي تخرج منه، مثل: البصاق, ومثل: العرق، وكذلك ما يتساقط من جسده من فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام من شعره، فهذا لا يقاس عليه غيره، ولا يلحق به غيره عليه الصلاة والسلام، ولهذا أجمع الصحابة على هذا, وتركوا صنع ذلك مع غير الرسول صلى الله عليه وسلم.أما هذه الترجمة فهي محتملة هل هي خاصة بالإمام؟ أو له ولغيره؟ لأن مسألة الاستياك قد تكون كما خصص النسائي الترجمة في الإمام بحضرة الرعية، وقد تكون عامة، وأن الرسول فعل هذا ليقتدى به، لكن إذا كان هناك استقذار من بعض الناس في المجالس العامة, وفي غير الأماكن التي وردت مشروعية السواك فيها, فقد يكون له وجه، وليس الأمر في ذلك بالواضح باختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك, كما كان الأمر واضحاً بالاختصاص بالتبرك بفضل وضوئه، وبما يسقط من جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري: (أقبلت إلى النبي ومعي رجلان من الأشعريين... ورسول الله يستاك...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس, وهو من رجال الكتب الستة، وهو من الحفاظ النقاد، وهو من المعروفين بالجرح والتعديل. [حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان ، وهو أيضاً من الذين يعول عليهم في الجرح والتعديل، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو من الحفاظ, المتقنين، وهو من رجال الكتب الستة، وهو وعبد الرحمن بن مهدي ممن عرفوا بالتقدم والتعويل عليهم في الجرح والتعديل، ولهذا لما ذكر الذهبي في كتابه (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) ذكر أناساً على مختلف الأزمان، فذكر يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا اجتمعا على تعديل شخص فتعديلهم له أهميته ومنزلته، وإذا اجتمعا على جرح شخص قال الذهبي : فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أن كلامهم أصاب المحك، وأصاب الهدف، فأثنى عليهما ثناءً عظيماً.ويحيى بن سعيد القطان هو من شيوخ شيوخ النسائي ، وكذلك أصحاب الكتب الستة هو من شيوخ شيوخهم، وهناك من هو في زمانه ومن طبقته وهو يحيى بن سعيد الأموي وهما في طبقة واحدة، ويحصل اللبس بينهما، ولكن يعرف ذلك بالشيوخ والتلاميذ، ويعرف ذلك أيضاً بكون الأموي يروي عنه ابنه سعيد ، وهو معروف بالرواية عنه، فإذا روى سعيد بن يحيى عن يحيى بن سعيد فهو الأموي ؛ يعني: عن أبيه، فهما اثنان في طبقة واحدة، وهما من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.وهناك اثنان بهذا الاسم: يحيى بن سعيد، ولكنهما في طبقة صغار التابعين، وهما يحيى بن سعيد التيمي , ويحيى بن سعيد الأنصاري فهؤلاء في طبقة عالية، وهي طبقة صغار التابعين، ولا يلتبس هذان بهذين؛ لأن بينهما تفاوتاً في الطبقات، ولكن الالتباس فيما إذا لم تحصل النسبة بين يحيى بن سعيد الأموي , ويحيى بن سعيد القطان ، وكذلك بين يحيى بن سعيد الأنصاري , ويحيى بن سعيد التيمي، وهما من صغار التابعين، فعندما يأتي ذكر يحيى بن سعيد في طبقة شيوخ شيوخ البخاري , ومسلم , وأبي داود , والترمذي , وابن ماجه لا يفكر بأنه يحيى بن سعيد الأنصاري أو يحيى بن سعيد التيمي ؛ لأن هؤلاء في طبقة عالية، وهذه هي فائدة معرفة الطبقات وهي كون الإنسان يعرف أزمان العلماء وطبقاتهم, وأن هذا في الوقت الفلاني, وهذا في الوقت الفلاني، وهذا متقدم, وهذا متأخر، فهذا هو الذي يجعل الإنسان يعرف من يصلح أن يكون هو فلان ومن لا يصلح؛ لأن الإنسان الذي لا يعرف الطبقات يمكن أن ينقدح في باله عندما يأتي من شيوخ شيوخ البخاري يحيى بن سعيد يمكن يأتي في باله التيمي , أو الأنصاري ، لكن الذي يدري أن الأنصاري أو التيمي من طبقة صغار التابعين, وأنهم في زمن متقدم لا يلتبس عليه الأمر، بل لو حصل انقلاب في الإسناد أو حصل تقديم وتأخير يعرف أن هذا خطأ، أو أن المقصود بهذا فلان أو فلان، لكن الإنسان الذي لا يعرف قد يجعل المتقدم متأخراً والمتأخر متقدماً.[حدثنا قرة بن خالد].وهذا أيضاً من الثقات الأثبات.[حدثنا حميد بن هلال].وهو كذلك أيضاً من الثقات.والطريق إلى معرفة الطبقات هي: كثرة المراس، وكثرة التأمل, ومعرفة الأشخاص, ومعرفة التابعين، وأتباع التابعين, ومن يكون بعدهم, ومن يكون متأخراً, ومن يكون متقدماً، فهذا لا يعرف إلا بكثرة المراس, وملاحظة من يكون متقدماً، ومعرفة الأزمان، ومعرفة تاريخ الوفاة, ومعرفة تاريخ الولادة، ومعرفة أن هذا يروي عن هذا، وهذا لا يروي عن هذا، وهذا متقدم على هذا، ومتأخر عن هذا، وأن هذا يأتي في طبقة التابعين وهذا في طبقة أتباع التابعين، وهذا في طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهذا في طبقة شيوخ شيوخهم، وهكذا يعرف بهذه الطريقة.وقوله: (وهو ابن سعيد) هذه الطريقة وهي: أن الشخص إذا جاء في الإسناد الاسم غير مستوفى فيأتي بما يوضحه، مثاله قال: يحيى وهو ابن سعيد، وكلمة (هو ابن سعيد)، هذه لا يقولها عمرو بن علي؛ لأن عمرو بن علي هو تلميذ يحيى بن سعيد ينسبه كما يريد، تارة يقول: حدثنا يحيى ، وعندما يريد أن يوضح يقول: يحيى بن سعيد؛ لأنه هو الذي يأتي بنسبه كاملاً أو ناقصاً، لكن من تحته ومن وراءه إذا وجد شيخه, أو شيخ شيخه ذكر الاسم على صيغة معينة، ليس له أن يزيد في الإسناد فيقول: يحيى بن سعيد؛ لأنه لو زاد لظن أن تلميذه هو الذي قال هذا الكلام، فيكون قوله ما لم يقل، فعندما يريد من تحت التلميذ أن يأتي بما يلحق فيقول: (هو) أو (يعني)؛ حتى يفهم بأن هذا ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، فهذا لا يكون إلا من النسائي, أو ممن دون النسائي، فكلمة: (هو ابن سعيد), هو الذي يمكن أن يقول هذا الكلام، أما تلميذ يحيى بن سعيد القطان الذي هو عمرو بن علي الفلاس , فلا يقول: (هو)؛ لأنه يمكنه أن يذكر نسبه، لكن من دونه إذا أراد أن يوضح ذلك الرجل بما يعينه ويوضح من هو لا يأتي به دون أن يأتي بما يدل على ذلك بكلمة: (يعني: فلاناً), أو (هو: ابن فلان). نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم! على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:19 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(8)
- باب الترغيب في السواك
- باب الإكثار في السواك
وقد ذكر بعض أهل العلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث التي يدور عليها الدين.فمن العلماء من قال: إن الدين يدور على حديثين: حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). ومنهم من قال: إنه يدور على ثلاثة. وأضاف إلى الأولين حديث النعمان بن بشير (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وقال بعضهم: إنها أربعة. واختلفوا بعد ذلك، فمنهم من جعل الرابع حديث: (الدين النصيحة)، ومنهم من جعله حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة). ومنهم من قال: خمسة. والأحاديث التي وردت في ذلك بعد حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) منها الأحاديث التي أشرت إليها سابقاً، ومنها حديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ومنها حديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، ومنها حديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ومنها حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وكل هذه الأحاديث التي ذكر الحافظ ابن رجب آثاراً عن السلف في أن الدين يدور عليها هي من جملة الأحاديث التي اشتملت عليها (الأربعون النووية)، وهي من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الترغيب في السواك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الترغيب في السواك.أخبرنا حميد بن مسعدة و محمد بن عبد الأعلى عن يزيد وهو ابن زريع حدثني عبد الرحمن بن أبي عتيق حدثني أبي سمعت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ].
شرح حديث: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
أورد النسائي رحمه الله باب: الترغيب في السواك، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب) وهذا فيه ترغيب في السواك؛ لأن كونه يوصف بأنه مطهرة للفم, وأنه مرضاة للرب, معناه أنه مرغب فيه، وهو يفيد الترغيب في الاستياك.ثم أيضاً في هذا الحديث دليل على أن الأحكام الشرعية تجمع في فوائدها بين المصالح الدنيوية والأخروية؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مطهرة للفم, مرضاة للرب) فيه مصلحة عاجلة وآجلة، أي: مصلحة دنيوية, ومصلحة أخروية.فقوله: (مطهرة للفم) فهذه مصلحة دنيوية, وهي مصلحة عاجلة، فيها فائدة صحية, وهي كون الإنسان إذا استاك فإنه يطهر فمه وينظفه, ويحصل في ذلك الطهر والنقاء في فمه، فتكون فيه النظافة وتكون فيه الرائحة الطيبة، فإذاً هذه فائدة عاجلة دنيوية يحصلها الإنسان في الوقت الحاضر الذي يفعل فيه هذه السنة.والمصلحة الأخروية في قوله: (مرضاة للرب) أي: فيه اكتساب رضا الله عز وجل, وتحصيل رضا الله سبحانه وتعالى، وذلك من جهتين:من جهة أن السواك فعله سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل السنة فيه تحصيل رضا الله عز وجل.ثم من جهة أخرى: أن الإنسان إذا كان في الصلاة, فهو يناجي الله سبحانه وتعالى, فيكون على حالة طيبة وعلى هيئة حسنة. ففيه رضا الرب سبحانه وتعالى من جهة فعل السنن، ومن جهة أن الإنسان عندما يناجيه في الصلاة يكون على حالة طيبة وعلى هيئة حسنة.فهذا الحديث دليل واضح الدلالة على أن أحكام الشريعة فيها الجمع بين تحصيل الفوائد العاجلة والآجلة، الدنيوية والأخروية، وهذا من أوضح ما يدل على ذلك.ويماثل هذا الحديث في الدلالة على هذا المعنى -وهو: الجمع بين المصالح الدنيوية والأخروية- ما جاء عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي الطعنة التي نال الشهادة بها, وهو يصلي بالناس الصبح, ومات على إثر تلك الطعنة، عاش أياماً، وكان يغمى عليه ويفيق, والناس يزورونه ويثنون عليه، وكان ممن زاره شاب جاء وأثنى عليه وقال: (هنيئاً لك يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم وليت فعدلت ثم شهادة، قال: وددت أن يكون ذلك كفافاً لا عليَّ ولا لي)، ثم لما ولى الغلام الذي قال هذا الكلام وإذا ثوبه يمس الأرض، فقال: (ردوا عليَّ الغلام، فلما رجع إليه قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك, فإنه أبقى لثوبك, وأتقى لربك)، فأرشده عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى هاتين الفائدتين: العاجلة والآجلة، الدنيوية والأخروية.فقوله: (فإنه أبقى لثوبك) هذه فائدة دنيوية, وهي: أن الثوب لا يتسخ، لأنه إذا نزل وهو في الأرض تعرض للأوساخ فاتسخ، فقال: إنك إذا رفعته تحصل هذه الفائدة وهي أن ثوبك يبقى نقياً، ولا يكون عرضة للأوساخ، فهذه هي الفائدة العاجلة.وقوله: (أتقى لربك) فهذه فائدة آجلة، وأيضاً تكون عاجلة في نفس الوقت؛ لأن تقوى الله عز وجل فيها الفوائد في الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، ويقول: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29] فأرشده أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه إلى هاتين الفائدتين، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب)، فقول عمر رضي الله عنه: (فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك) فيه الجمع بين المصالح الدنيوية والمصالح الأخروية.ثم كون عمر رضي الله عنه وأرضاه قال هذا الكلام لهذا الشاب, وقد أثنى عليه الشاب ذلك الثناء، وهو في حالة شديدة يغمى عليه ويفيق، وكان الصحابة يسقونه الماء فيخرج من جوفه؛ لأن أمعاءه مقطعة، يسقونه اللبن فيخرج من جوفه, ويغمى عليه ويفيق, ومع ذلك لم يشغله ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما جعله يسكت على هذا الأمر من الأمور التي فيها مخالفة السنة، فكون عمر رضي الله عنه ينبه على مثل هذا الأمر, وهو في هذه الحالة, يدلنا على أن أمور الشريعة, وأمور الدين كلها لباب وأنه ليس فيها قشور ولباب كما يظنه بعض من يخطئ في التعبير, ويقول: إن بعض أحكام الشريعة لباب وبعضها قشور، وأن بعض الناس يشتغل بالقشور ويترك اللباب، فكل الشريعة لباب ليس فيها قشور، وعمر رضي الله عنه وأرضاه نبه هذا الشخص إلى أن يرفع ثوبه وهو في حالة شديدة وفي شدة من المرض رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد أثنى عليه ذلك الرجل ثناءً عظيماً, ومع ذلك ما شغله ما هو فيه من الحال عما لا يصلح السكوت عليه، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على نفع الناس، وعلى توجيه الناس، وعلى إرشاد الناس ودلالتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر، رضي الله تعالى عن عمر, وعن الصحابة أجمعين.
تراجم رجال إسناد حديث: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى].هذان من رجال مسلم.[عن يزيد وهو ابن زريع].وهو من رجال الكتب الستة, وهو من الثقات الأثبات.(وهو: ابن زريع)، يقال فيه: (هو ابن فلان)! على أن هذه التسمية جاءت ممن هو دون محمد بن عبد الأعلى, وحميد بن مسعدة، وليست منهما؛ لأن هذه التسمية جاءت ممن دون التلاميذ، وأما التلاميذ فينسبون شيخهم ويأتون به كما يريدون من تطويل النسب أو اختصار النسب. [حدثني عبد الرحمن بن أبي عتيق].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عن أبي بكر , وعن الصحابة أجمعين, وعبد الرحمن هذا منسوب إلى جده؛ لأن أبا عتيق هي كنية جده محمد بن عبد الرحمن ، فهو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق.وعبد الرحمن لم يرو عنه من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، ولم يرو عنه غيره, ولهذا يقال: هو من أفراد النسائي، فليس عند البخاري, ولا عند مسلم, ولا عند أبي داود , ولا عند الترمذي , ولا عند ابن ماجه هذا الحديث، يعني: من هذا الطريق، بل انفرد به النسائي ، وقد جاء هذا الحديث عند الإمام أحمد وعند غيره ولكن من طرق أخرى, وكذلك من هذا الطريق، لكن عبد الرحمن هذا ممن لم يرو عنه من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ، وقد روى عنه البخاري في الأدب المفرد, وروى عنه النسائي ، فهو من أفراد النسائي.وقد ذكر المزي في التهذيب أن له حديثاً في السواك، وهذا يوهم منه أنه ليس له في النسائي إلا حديث واحد، فكونه يقال: له حديث واحد في السواك, معناه: أنه ما روى عنه إلا حديثاً واحداً، وهذا هو الحديث في السواك، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، والمقبول هو: الذي يقبل حديثه عند المتابعة، أما إذا تفرد فإنه لا يقبل حديثه، ولكنه هنا توبع، وقد جاء الحديث من طريقين عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الذي هو أبو عبد الرحمن، جاء من غير طريق ابنه عبد الرحمن، وهو هنا قد توبع.وجاء الحديث أيضاً من طرق أخرى، وجاء أيضاً عن جماعة من الصحابة، وله شواهد عن غير عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولهذا فالحديث صحيح، وقد ذكر ذلك الشيخ الألباني في إرواء الغليل، وذكر الذين خرجوا الحديث، وأن الحديث لم يرد من هذه الطريق وحدها, وإنما ورد من طرق متعددة, فقد توبع عبد الرحمن ، وأيضاً له شواهد عن جماعة من الصحابة، وقد أخرجه ابن خزيمة, وابن حبان في صحيحيهما، وأخرجه الإمام أحمد في المسند، والحديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.أما الذي يروي عنه عبد الرحمن فهو أبوه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأبوه عبد الله يروي عن عائشة عمة أبيه؛ لأن عائشة هي عمة محمد بن عبد الرحمن, وأخوها هو عبد الرحمن بن أبي بكر ، وابنه محمد .إذاً: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن يروي عن عمة أبيه عائشة ، ولهذا يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها.وعبد الله هذا من الثقات، وله رواية في الصحيحين أو في أحدهما، ويقال عنه: إنه صاحب مزاح، وذكر الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب: أنه دخل على عمته عائشة وهي مريضة في مرض موتها وقال: كيف تجدينك جعلني الله فداك؟ فقالت: أجدني ذاهبة، قال: فلا إذاً. يعني: لا يريد أن يكون فداها ما دام هناك موت، وهذا من مزاحه.وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها هي التي برأها الله عز وجل من فوق سبع سماوات، وأنزل براءتها مما رميت به من الإفك في كتابه العزيز في آيات تتلى من سورة النور، وهي ذات المناقب والفضائل، وهي أكثر نساء هذه الأمة حديثاً رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ومع نبلها وفضلها كانت تتواضع، ولما أنزل الله تعالى في شأنها ما أنزل قالت: (كنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله تعالى بها، وما كنت أظن أنه ينزل في آيات تتلى، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى في آيات تتلى)، فـالصديقة بنت الصديق تبلغ الغاية في الكمال, ولكنها مع ذلك تتواضع لله عز وجل هذا التواضع فرضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي كما مر أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذين جمعهم السيوطي في قوله في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي وزوجة النبي في هذا البيت يقصد بها عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
الإكثار في السواك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإكثار في السواك.أخبرنا حميد بن مسعدة و عمران بن موسى قالا: حدثنا عبد الوارث حدثنا شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أكثرت عليكم في السواك) ].
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:21 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(9)
- باب الترغيب في السواك
- باب الإكثار في السواك
شرح حديث: (قد أكثرت عليكم في السواك)
يقول الإمام النسائي رحمة الله عليه: باب الإكثار في السواك، يعني: الإكثار في تأكيده, والحث عليه, والترغيب فيه, وذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله -وهو: باب الترغيب في السواك- لأن هذا مما يؤكد ذلك ومما يوضحه، وهذا من الإكثار فيه، يعني: كون الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب) هذا فيه ترغيب فيه, وحث عليه، ففيه مناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله مما يحقق المعنى الذي اشتمل عليه هذا الباب وهو: باب الإكثار في السواك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أكثر على أصحابه في السواك وفي تأكيده، وفي كثرة الأخبار والأحاديث التي جاءت عنه عليه الصلاة والسلام في الإرشاد إليه, والترغيب فيه والحث عليه.وقد أورد الإمام النسائي تحته حديثاً واحداً, وهو عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (قد أكثرت عليكم في السواك)، ومعنى هذا: أنه عليه الصلاة والسلام أكثر عليهم في تأكيده, وفي إيراد الأحاديث والأخبار التي ترغب فيه، فهذا هو معنى الإكثار في السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.والنسائي رحمة الله عليه كما عرفنا من عادته, أو من طريقته: أنه يشبه البخاري في كثرة التراجم والإتيان بأحاديث تأتي من طرق متعددة ليستدل بها على موضوع يترجم له, ويأتي بالحديث ليستدل به على موضوع الترجمة، ومما يوضح هذا: أن الإنسان إذا نظر في التراجم وأرقام الأحاديث, يجد أن أرقام الأحاديث قريبة من أرقام التراجم، ويجد أن أرقام الأحاديث متطابقة مع أرقام التراجم، بمعنى: أن كل باب تحته حديث، وفيما يأتي في الباب الواحد أكثر من حديث، لكن مهما يكن من شيء فإن الإنسان إذا نظر في أرقام الأحاديث وأرقام التراجم, يجد أن أرقام التراجم قريبة من أرقام الأحاديث، وهذا معناه أن الإمام النسائي يورد الأحاديث ليستدل بها على موضوعات، وغالباً ما يكون الموضوع أو الباب يأتي تحته حديث واحد؛ لأن مقصوده من هذا العمل وهذا الأسلوب هو معرفة الفقه وما يستنبط من الأحاديث، وهو بهذا أراد أن يكون كتابه كتاب رواية ودراية, كما كان صحيح البخاري كذلك كتاب فقه كما أنه كتاب حديث، والفقه إنما هو بكثرة التراجم، بل إن بعض التراجم يوردها ويأتي بالحديث ليستدل به عليها, ويكون فهمها دقيقاً كما في الترجمة التي بعد هذه الترجمة، فإن إيراد الترجمة وإيراد الحديث المستدل به عليها يعد من الفهم الدقيق, ومن جودة الفهم، وكونه يستنبط من الأحاديث معاني يستدل بالأحاديث عليها لا تظهر إلا بالتأمل وبإمعان النظر، فهذا دال على فقهه, وعلى دقته, وعلى جودة فهمه رحمة الله عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (قد أكثرت عليكم في السواك)
قوله: [حدثنا حميد بن مسعدة وعمران بن موسى]. حميد بن مسعدة سبق أن مرت بنا ترجمته في بعض الأحاديث التي مرت، وهو من رجال مسلم, وروى عنه الأربعة.أما عمران بن موسى فهو من رجال النسائي , والترمذي , وابن ماجه، وقد ذكر عنه الحافظ في التقريب أنه صدوق وحميد بن مسعدة الذي قرنه معه هو من رجال الإمام مسلم , والحديث رواه البخاري وقد رواه من هذا الإسناد من طريق عبد الوارث عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ، ولكنه رواه من طريق شيخ آخر غير هذين؛ لأن هذين الموجودين ليسا من رجال البخاري , لا حميد بن مسعدة -لأنه من رجال مسلم فقط، وليس له رواية في البخاري- ولا عمران بن موسى ، لأنه ليس من رجال الشيخين، وإنما هو من رجال النسائي , والترمذي , وابن ماجه ، ولكن البخاري رواه من طريق أحد مشايخه وهو: أبو معمر.أما عبد الوارث الذي يروي عنه حميد بن مسعدة وعمران بن موسى، فهو: ابن سعيد العنبري التميمي البصري، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، وقد جاء ذكره كثيراً في الكتب الستة، وعبد الوارث جاء هنا ذكره غير منسوب، لكن هو عبد الوارث بن سعيد.والذين روي عنهم في الكتب الستة ممن يسمون عبد الوارث أربعة: فيهم من لم يرو عنه النسائي ، وفيهم من روى عنه النسائي وحده، وفيهم من روى عنه أصحاب الكتب، وفيهم من روى عنه النسائي ولكنه متأخر عن هذه الطبقة, وهي طبقة شيوخ شيوخ النسائي وكذلك غيره من أصحاب الكتب؛ لأنه متقدم الذي هو عبد الوارث بن سعيد.إذا أراد الإنسان أن يعرف هذا الشخص الغير منسوب, فكيف يعرف من هو من هؤلاء الأربعة؟ يمكن للإنسان أن يعرف هؤلاء الأشخاص بمعرفة من خرج عنهم، فيهم واحد خرج عنه أبو داود، إذاً: هذا لا يفكر بأنه هذا الموجود؛ لأنه من رجال أبي داود فقط, والحديث في النسائي، إذاً: ليس للنسائي عنه رواية، فلا يكون هو المقصود، وإنما يبحث عن غيره.وهناك آخر يقال له: عبد الوارث, وهو أول الأشخاص الذين جاء ذكرهم في التقريب, وروى عنه النسائي وحده، لكنه في ترجمته روى له حديثاً واحداً في متعة الحج، إذاً: ليس هو هذا؛ لأنه روى عنه حديثاً واحداً في متعة الحج, وهذا روى عنه في السواك، إذاً: هو غير ذاك؛ لأن ذاك ما أكثر عنه النسائي، بل روى عنه حديثاً واحداً في متعة الحج، والحديث الذي معنا في السواك.بقي اثنان وهما: عبد الوارث بن سعيد العنبري, وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث حفيد عبد الوارث بن سعيد ، ابن ابنه، وهذا الحفيد من طبقة متأخرة، بل هو من طبقة شيوخ النسائي، والذي معنا من طبقة شيوخ شيوخه، إذاً: يستبعد، فلا يقال: إنه هذا؛ لأن النسائي يروي عنه مباشرة, وهذا الذي في الإسناد من طبقة متقدمة، من طبقة شيوخ شيوخه، إذاً: هو عبد الوارث بن سعيد .وإذا نظرنا في ترجمة شعيب بن الحبحاب نجد أنه روى عنه عبد الوارث بن سعيد ، وإذا نظرنا في ترجمة عبد الوارث بن سعيد وجدنا أنه روى عن شعيب بن الحبحاب , وفي الإسناد هنا يروي عن شعيب بن الحبحاب .إذاً: تبين من هذا أن الذي روى له النسائي ، وهذا الذي جاء ذكره غير منسوب هو: عبد الوارث بن سعيد الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وهو المشهور, والثقة الثبت, وهو الذي يأتي ذكره كثيراً في أسانيد الكتب الستة عبد الوارث بن سعيد العنبري التميمي .لكن من ينظر في التقريب يجد إشكالاً في ترجمته، وهو أنه قيل فيه: إنه من الطبقة الثامنة، وقيل: توفي سنة ثمان ومائة، ومن المعلوم أن الطبقة الثامنة لا تكون وفاتهم في سنة مائة وثمان، بل مائة وثمان هي من الطبقة الثالثة, أو الرابعة, أو الخامسة، وأما الثامنة فلا تكون في هذه السنة، فالذي ينظر في هذا الأمر يجد إشكالاً، لكن إذا بحث في الكتب الأخرى مثل التهذيب, وجد أنه توفي سنة ثمانين ومائة، فذاك خطأ، وفي الطبعة المصرية الأولى: توفي سنة ثمان ومائة، وقيل فيه: من الثامنة، ومن الثامنة لا تناسب ثمان ومائة، وإنما يناسبها ثمانين ومائة.[حدثنا شعيب بن الحبحاب].يقولون في ضبطه: إنه بالمهملتين وبالمعجمتين، يعني: الحاء جاءت مرتين، والباء جاءت مرتين، فهو شعيب بن الحبحاب ، وهو من رجال البخاري ، وقد روى الحديث عبد الوارث عن شيخه شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو من الثقات، وكذلك عبد الوارث هو من الثقات، وكل منهما من رجال البخاري.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك رضي الله عنه هو أحد الصحابة المشهورين، ولما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات بعد الهجرة، ثم إنه خدمه عشر سنوات، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة المال والولد، وعاش قريباً من المائة أو زاد على المائة، وكانت وفاته قيل: سنة اثنتين وتسعين, أو ثلاث وتسعين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل: إنه قد جاوز المائة تقريباً، ومن المعلوم أنه كان قبل الهجرة عمره عشر سنوات, وتوفي سنة اثنتين وتسعين أو ثلاث وتسعين، يعني: فوق المائة بقليل، وقد كثر ماله وولده بدعوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من المكثرين من الصحابة، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث، والذين ذكرهم السيوطي في الألفية في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبي
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:24 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(10)
- باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم
- باب السواك في كل حين
قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) قصر وحصر، و(إنما) تأتي لهذا الغرض، وكذلك كون المبتدأ والخبر يأتيان محليان بالألف واللام، فذلك من هذا القبيل، مثل (الدين النصيحة)، ومثل: (الحج عرفة)، ومثل (الأعمال بالنيات)، وقد جاء في بعض الراويات بدون (إنما)، وذلك بلفظ (الأعمال بالنيات)، وكل منهما يفيد الحصر والقصر.والأعمال هنا مطلقة، فقد حليت بالألف واللام للاستغراق، وقيل: إن المقصود من ذلك الأعمال التي هي قربة؛ فإنها لا تعتبر إلا بنياتها، ولا يعول عليها إلا بنياتها، وكل عمل فيها لا بد فيه من نية، وإذا خلا من النية فإنه لا عبرة به، والنية تأتي لتمييز العبادات بعضها عن بعض، ولتميز العبادات عن العادات، ولتمييز العبادات عن العادات.فمنهم من قال: إن المقصود به العموم، ويدخل في ذلك القُرَب وغير القُرَب، فأما القرب فأمرها معلوم، وأما غير القرب من الأمور التي يفعلها الناس -كالأكل والشرب والنوم والجماع وما إلى ذلك- إذا حسن المرء قصده فيها، ونوى بذلك التقوي على طاعة الله عز وجل فإن الله تعالى يأجره، كما جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم إذا لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)، وقد جاء في ذلك حديث [ نية المؤمن خير من عمله ] ولكنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.و(النيات) جمع نية، والمراد بها القصد، والألف واللام في (النيات) بدل من الضمير (الهاء)، ومعنى ذلك أن أصل العبارة هكذا (الأعمال بنياتها)، أي: الأعمال معتبرة بنياتها. فحذف المضاف إليه -وهو الهاء- وأتي بـ(أل) مكانه، فصارت العبارة (الأعمال بالنيات).وهذا الاختصار يأتي كثيراً في الاستعمال، ولا سيما في أسماء الكتب، فيقولون -مثلاً-: البلوغ. ويعنون (بلوغ المرام)، ويقولون: النيل. ويعنون (نيل الأوطار)، وهكذا، فيأتون بالمضاف ويحذفون المضاف إليه، ويجعلون (أل) قائمة مقامه، فالألف واللام هنا عوض عن المضاف إليه، فالمراد: الأعمال بنياتها.فالمقدر الذي يتعلق به الجار والمجرور هو (معتبرة)، أي: الأعمال معتبرة بالنيات. فهي بدون نية غير معتبرة، فالإنسان إذا كان عليه غسل جنابة فاغتسل للتبرد أو للجمعة ولم ينو رفع الحدث فإنه باقٍ على حدثه، ولو صلى لم تصح صلاته، وعليه الغسل للجنابة وإعادة الصلاة ولو كان قد تنظف؛ لأن هذه عبادة، ولا بد في العبادة من نية، وليس المقصود مجرد النظافة فقط، بل هي عبادة تفتقر إلى نية.إذاً: فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: (معتبرة)، أو (نافعة)، أو (مقبولة) أو ما إلى ذلك من العبارات المناسبة.
الرخصة في السواك بالعشي للصائم
شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في السواك بالعشي للصائم.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ].أورد النسائي رحمة الله عليه هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم، يعني: آخر النهار، بعد الزوال؛ لأن بعد الزوال اختلف فيه العلماء؛ منهم من قال: بأنه لا يستاك بعد الزوال، ومنهم من قال: بأنه يستاك، والذين قالوا: بأنه لا يستاك, استدلوا بأحاديث ضعيفة، واستدلوا أيضاً بالفهم من حديث صحيح؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) والخلوف هو: الرائحة التي تنبعث من الفم بعد طول المكث بدون أكل, فينبعث من معدته روائح وأبخرة تكون غير حسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله) قالوا: وهذا يذهب الخلوف، إذاً: لا يستاك.وبعض العلماء يقول: إنه يستاك، ويستدل على هذا بالحديث الذي معنا, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).والنسائي رحمه الله عقد هذه الترجمة وليس في الحديث ذكر الصيام, وإنما فيه ذكر الصلاة؛ لكن لما كان السواك مرغباً فيه عند كل صلاة, ومن الصلوات صلاة العصر التي تقع في العشي وبعد الزوال, فهي داخلة تحت هذا الحديث، فبعمومه يدل على أن الصائم يستاك في المساء، وأنه لا بأس به، وأنه لا مانع منه؛ مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).إذاً: هذا يدل على مشروعية الاستياك للصائم في العشي؛ أي: في آخر النهار، وأنه لا مانع منه، والدلالة واضحة.وهذا من الاستدلال والفهم الدقيق؛ لأن الحديث ما جاء فيه ذكر صيام، وإنما فيه الحث على السواك عند كل صلاة، (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ومن بين الصلوات: صلاة العصر، فهي داخلة تحت هذا الحديث، ومن المعلوم أن الإنسان يكون في بعض الأيام صائماً, فهذه الحالة داخلة تحت هذا العموم، فلا بأس ولا مانع من الاستياك للصائم في العشي.وهذه الترجمة هي استنباط من الحديث دقيق، وهو يدل على فقه هذا الرجل, وعلى دقة فهمه, وحسن استنباطه، وقد أشار إلى هذا السندي في حاشيته، وأن هذا فيه دقة فهم, وحسن استنباط.وقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يدل على قاعدة من قواعد أصول الفقه وهي: الأصل في الأوامر أن تكون للوجوب، ولا تكون لغير الوجوب إلا لقرينة ولصارف يصرفها عن الوجوب؛ فالأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب، ويصار إلى غير الوجوب لقرينة, أو صارف يصرفه عن ذلك، ووجه الاستدلال على هذه القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد أمرهم بالسواك ورغبهم في السواك، إذاً: المقصود من ذلك أمر الإيجاب، وهذا الذي لم يحصل، أما أمر الاستحباب فهو موجود، ولو كان المقصود به الاستحباب ما أنيط الامتناع منه بالمشقة وقد جاء فعله، والمستحب ليس فيه مشقة؛ لأنه جائز الترك، والإنسان إذا تركه فليس عليه شيء؛ لكن الذي فيه مشقة هو الوجوب.والرسول صلى الله عليه وسلم فعله -وهو القدوة والأسوة- وأرشد إليه، بل وقد جاء الحث عليه في قوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وجاء: (قد أكثرت عليكم في السواك)، وجاءت أحاديث كثيرة تدل على الترغيب في السواك.وهذا الحديث يدل على شفقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أمته، وكونه يعز عليه أي شيء فيه عنتها -أي: مشقتها- كما قال الله عز وجل عنه: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[التوبة:128] فمن رحمته وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه أنه لم يأمرها بالسواك أمر إيجاب عند كل صلاة خشية المشقة التي تحصل لها بذلك، وهو من أدلة شفقته على أمته، وكونه يشق عليه كل ما فيه عنت لها, ومشقة عليها، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، ومن ذلك: صلاة الليل؛ لما صلى بالناس في رمضان وخرج من حجرته، وصلى الناس بصلاته, وفي الليلة الثانية تتابعوا وزادوا، فلما رآهم كثروا لم يخرج من منزله, فجعلوا ينتظرونه، فأخبرهم بأنه قد علم مكانهم؛ ولكنه خشي أن يفرض عليهم، فلم يفعل ذلك؛ وكل ذلك من حرصه وشفقته على أمته.وكذلك نهيهم عن الوصال، فقالوا: ( إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم ) كل هذا من حرصه على أمته وشفقته عليها، والأحاديث الدالة على هذا الخلق الكريم من النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه كثيرة جداً.قوله: ( لولا أن أشق على أمتي ). الأمة أمتان: أمة إجابة، وأمة دعوة. فأمة الدعوة: كل الثقلين الجن والإنس من حين بعثوا إلى قيام الساعة، فالدعوة موجهة إلى كل إنسي وجني من حيث بعث رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، هذه أمة دعوة.أما أمة الإجابة: فهم الذين وفقهم الله تعالى لإجابة هذه الدعوة, والدخول في الدين الحنيف، والدخول في طاعة الله وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ومن المعلوم أن الذين يقومون بفعل الأوامر وامتثالها إنما هم المسلمون -وهم أمة الإجابة الذين أجابوا الدعوة- لكن لا يعني هذا أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، فهم مخاطبون بالفروع والأصول، وهي مسألة أصولية: هل الكفار مخاطبون بأصول الشريعة فقط, أو أنهم مخاطبون بأصولها وفروعها؟ وأصح الأقوال: أنهم مخاطبون بالأصول والفروع؛ لكن الفروع لا تصح منهم إلا إذا سبقتها الأصول، وهم مؤاخذون على ترك الفروع والأصول، ومعاقبون على ترك الفروع والأصول، ولو أتوا بالفروع دون الأصول لكانت مردودة عليهم، كما قال الله عز وجل: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ))[الفرقان:23].و(عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وكان يقري الضيف, ويكثر الإحسان, هل ذلك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).ومن المعلوم أن الأعمال الحسنة لا تفيد الكافر يوم القيامة؛ لكن يستفيد منها في الدنيا؛ بأن تعجل له طيباته في الحياة الدنيا, وينال نصيبه منها، وإذا انتهى من هذه الحياة فلا يجد إلا النار، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فالدنيا هي جنة الكافر؛ لأنه لا يعرف اللذة ولا يعرف المتعة إلا في الحياة الدنيا، وإذا مات ليس عنده إلا النار, والعياذ بالله.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(11)
تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو شيخ النسائي، وهو شيخ أصحاب الكتب الستة -كما ذكرت ذلك من قبل- روى عنه الجميع، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي البغلاني ، وهو من الثقات الحفاظ.[عن مالك بن أنس].هو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين، والإسناد الذي يكون من طريقه عن نافع عن ابن عمر يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، فأصح الأسانيد عند البخاري : مالك عن نافع عن ابن عمر ، فهو إمام من أئمة المسلمين، وهو الذي كان في هذه المدينة المباركة، ويكنى بـأبي عبد الله .وبالمناسبة: فإن الأئمة الثلاثة كلهم يقال لهم: أبو عبد الله؛ مالك، والشافعي، وأحمد، كل منهم كنيته أبو عبد الله.[عن أبي الزناد].أبو الزناد هذا قيل: إنه لقب على هيئة الكنية, وعلى صيغة الكنية، واسم صاحب اللقب: عبد الله بن ذكوان, وكنيته أبو عبد الرحمن ، وهو من الثقات.[عن الأعرج]. الأعرج لقب، واسم صاحب اللقب: عبد الرحمن بن هرمز ، وهو أيضاً كذلك من رجال أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو ممن اشتهر بلقبه، ويأتي أحياناً باللقب, وأحياناً بالاسم.ومن المعلوم أن معرفة الألقاب مهمة لطالب العلم، وفائدتها: أنه إذا وجد الحديث من طريقين؛ مرة بلقب الأعرج , ومرة باسم عبد الرحمن بن هرمز لا يظن أن هذا غير هذا، وإنما يعرف أن هذا هو هذا، لكنه مرة يأتي بالاسم ومرة يأتي باللقب. [عن أبي هريرة].هو أحد الصحابة المكثرين، بل هو أكثر الصحابة حديثاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وجاء في بعض الروايات: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) أي: عند الدخول فيها، وفائدة الاستياك عند كل صلاة: أن الإنسان يكون طيب الفم طيب الرائحة وهو يناجي الله عز وجل، وقيل: إنه عند كل صلاة سواءً كانت فريضة أو نافلة, فإذا كانت النافلة غير متصلة فإنه يستاك في بدايتها، أما إذا كانت النوافل متصلة فلا يحتاج الأمر إلى تكرار السواك بين كل ركعتين، وإنما يكون عند ابتداء الصلوات سواءً كانت فريضة أو نافلة. قيل: وحكمته أن الإنسان يكون طيب الرائحة وهو يتلو القرآن في صلاته، ويناجي الله عز وجل في صلاته, ويكون على هيئة حسنة, وعلى هيئة طيبة.وكما هو معلوم فالسواك جاء في مواضع كثيرة، بل الترجمة التي بعد هذا أنه في كل حين، وليس له وقت معين، وإنما الإنسان يتسوك متى شاء، وليس مقيداً بوقت معلوم؛ لكن ما جاء في تحديده في مواضع فإنه يتأكد في المواضع التي حدد فيها.
السواك في كل حين
شرح حديث عائشة في ابتداء النبي بالسواك إذا دخل البيت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السواك في كل حين.أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى وهو ابن يونس عن مسعر عن المقدام وهو ابن شريح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (قلت لـعائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب السواك في كل حين، يعني: أنه ليس له وقت محدد، أو أنه يمنع في بعض الأوقات، وإنما السواك في كل حين إلا في المواضع التي يؤمر الإنسان فيها بالإمساك، كالصلاة وكحال الخطبة، فهذه لا يستاك الإنسان فيها، وإنما يهدأ ويسكن، أما في غير ذلك فالأمر واسع. وكذلك في الأماكن القذرة والأشياء التي ما يتأتى السواك فيها، وإنما يستاك في غالب الأحوال ولا يمتنع منه إلا في بعض الأحوال، وهنا قال: باب السواك في كل حين، يعني: أنه لا يتقيد بوقت معين، أو أنه خاص بوقت معين، ولما ذكر الترجمة التي قبلها وهي: السواك بالعشي للصائم, وأنها تكون عند كل صلاة, وفيه التقييد بالصلوات؛ أتى بترجمة تبين أن الأمر ليس مقصوراً عند كل صلاة؛ بل يمكن أن يكون في غير أوقات الصلوات, وفي الأوقات الأخرى التي لم يأت ذكرها في هذا الحديث.وأورد فيه حديث عائشة أن شريح بن هانئ سألها رضي الله عنها: (بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل منزله؟ قالت: بالسواك) فهذا يدلنا على حرص سلف الأمة على معرفة أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته, وسؤالهم أمهات المؤمنين عن أعماله في بيته، وأنهن المرجع في ذلك.وشريح يسأل هذا السؤال: (بأي شيء كان يبدأ إذا دخل منزله؟ قالت: بالسواك) فهو يدل على أن السواك يكون في كل حين، والرسول صلى الله عليه وسلم يدخل منزله في أوقات مختلفة، فيدل على فعله في أوقات مختلفة، ثم أيضاً يدل على مشروعيته, وعلى استحبابه عند دخول المنزل كما فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يمكن أن يقال: إنه من السنن المهجورة التي هجرها الناس, والتي غفل عنها الناس، وقد قال بعض العلماء: السواك عند دخول المنزل لا يكاد يذكر في كتب الفقهاء الذين عنوا بجمع المسائل المختلفة.ومطابق� � الحديث للترجمة من ناحية تكرر حصول دخول المنزل في أوقات مختلفة, وفي أوقات عديدة، في الليل والنهار، فأول عمل يعمله صلى الله عليه وسلم إذا دخل منزله أنه يستاك، وقد قيل في تعليل هذا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي النوافل إلا في البيت، فإذا صلى بالناس خرج وتنفل في بيته، ويدخل منزله آتياً من الصلاة ومن غير الصلاة، وهذا هو الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم, فأول عمل يبدأ به إذا دخل منزله أن يستاك، وقيل: إنه ينزل عليه الوحي, وهو يريد إذا أتاه الملك ليتلو عليه القرآن، ولينزل عليه القرآن، ويقرأ القرآن مع الملك, أن يكون على هذه الهيئة الحسنة، قيل هذا, وقيل غير ذلك, والله تعالى أعلم؛ لكن يدلنا على أن هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكرر ذلك منه يدل على مشروعيته، وعلى أنه من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ابتداء النبي بالسواك إذا دخل البيت
قوله: [أخبرنا علي بن خشرم].هذا من شيوخ الإمام مسلم ، وروى عنه الإمام مسلم .[حدثنا عيسى وهو ابن يونس].كلمة: (وهو ابن يونس) مثل ما تقدم في الأحاديث الماضية: أنه يأتي بها غير التلميذ من أجل أن يوضح؛ لأن تلميذه ذكر اسم شيخه غير منسوب، لكن من جاء بعده أراد أن يوضح هذا الشخص, فأتى بكلمة: (هو) حتى يتبين أن هذه النسبة زيدت ممن دون التلميذ لتوضيح هذا الشخص المهمل، ولم تضف بدون (هو), أو (يعني)؛ لأنها لو أضيفت لظن أن هذا كلام التلميذ، والتلميذ إنما أتى بالاسم دون النسب، فعندما يأتي من دون التلميذ بكلمة: (هو) يتبين أنه زادها من دون التلميذ للإيضاح والبيان, وذهاب الالتباس والاحتمال, وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، هو من الثقات الأثبات. [عن مسعر].هو: ابن كدام ، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد أطلق هذا الوصف على جماعة منهم: الثوري ، ومنهم: مسعر بن كدام البصري .[عن المقدام وهو ابن شريح].هو: المقدام بن شريح بن هانئ وهو أيضاً من الثقات، روى عنه الإمام مسلم ، وهو يروي عن أبيه شريح بن هانئ ، وكذلك أيضاً روى عنه الإمام مسلم والأربعة، والبخاري في الأدب المفرد, وأيضاً عن أبيه مثله, وهو من المخضرمين؛ والمخضرمون هم: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما حصل لهم الشرف في لقيه وصحبته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فيقال له: مخضرم؛ لأنه أدرك الزمنين: زمن الجاهلية وزمن الإسلام, ولم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، مثل: الصنابحي الذي كان وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ولما بلغ الجحفة وهو في الطريق إلى النبي صلى الله عليه وسلم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما بينه وبينه إلا شيء يسير؛ فقالوا في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، فهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.[قلت عائشة].هي أم المؤمنين، وهي -كما عرفنا- الصحابية التي أكثرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:30 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(12)
- (باب الإبعاد عند إرادة الحاجة) إلى (باب القول عند دخول الخلاء)
قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يعني أن الإنسان يحصل من الثواب والأجر على نيته؛ فإن العمل لا بد فيه من نية، والإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب ما نواه.ثم إن هاتين الجملتين (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قاعدتان عامتان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعدهما مثالاً يوضح المقصود، وأن الأمر يتبع النية، وأنه متعلق ومرتبط بها، وذلك المثال هو الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). أي: إذا كان قصده حسناً -وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من أجل أن يأتي بشعائر دينه، ومن أجل أن يحافظ على دينه، ومن أجل أن يتعلم الدين وأن يتفقه فيه- فهجرته إلى الله ورسوله.فإن قيل: الأصل في الشرط والجزاء أنهما يكونان متغايرين، فيقال: (من جد وجد، ومن زرع حصد)، فالجزاء غير الشرط، وهنا اتحد الجزاء مع الشرط، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)! فالجواب أنّ الجزاء وإن كان هنا نفس الشرط إلّا أن الحكم يختلف باختلاف المتعلق، فقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي: نية وقصداً، (فهجرته إلى الله ورسوله) أي: ثواباً وأجراً. فبهذا يختلف الشرط والجزاء، فالأول يتعلق بالنية والقصد، والثاني يتعلق بالثواب والأجر.فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صدر هذا التمثيل الشيء الذي فيه أجر وثواب، وهو كون الإنسان يريد بعمله وجه الله عز وجل والدار الآخرة.وأما إذا كانت الهجرة من أجل غرض دنيوي من تجارة أو زواج فقد قال فيها عليه الصلاة والسلام: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فلم يقل: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها وإنما جاء بلفظ عام ليبين أن من هاجر لشيء فإن هجرته إلى ما هاجر إليه، فإذا كان من أمور الدنيا لتحصيل المال، أو تحصيل الزواج أو غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه، فأتى بالجواب بلفظ عام؛ لأن أغراض الناس ومقاصدهم في أعمالهم المتعلقة بالدنيا لا تنحصر، فجاء بالجواب بلفظ يشمل كل شيء يقصد به الإنسان شيئاً من الدنيا. وأيضاً ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثال ليوضح به أن من يكون قصده حسناً فله الثواب والأجر، ومن كان قصده غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه.
الإبعاد عند إرادة الحاجة
شرح حديث عبد الرحمن بن أبي قراد: (خرجت مع رسول الله... وكان إذا أراد الحاجة أبعد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإبعاد عند إرادة الحاجة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد حدثني الحارث بن فضيل وعمارة بن خزيمة بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه أنه قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد) ].يقول الإمام النسائي رحمة الله عليه: الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، وأورد تحت هذه الترجمة حديثين، أحدهما: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد، والثاني: حديث المغيرة بن شعبة، وهذا أول باب يورد فيه النسائي أكثر من حديث؛ لأن الأبواب الماضية كانت الأحاديث فيها بعدد الأبواب، وفي هذا الباب ستتغير أرقام الأحاديث مع أرقام الأبواب بزيادة حديث في هذا الباب، وسبق أن أوضحت أن طريقة الإمام النسائي تشبه طريقة البخاري من حيث كثرة الأبواب, وإيراد الموضوعات والاستدلال بالأحاديث عليها، ولهذا كثرت عنده الأبواب؛ لأن كتابه يشبه كتاب البخاري من حيث إنه يجمع بين الرواية والدراية؛ الرواية في إيراد الأحاديث بأسانيدها ومتونها، والدراية بإيراد التراجم التي تورد تحتها الأحاديث, وهي مستنبطة من الأحاديث، والكتابان كل منهما كتاب رواية ودراية.والحديث الأول من الحديثين في هذا الباب: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد).(وكان إذا أراد الحاجة) يعني: أراد أن يقضي حاجته (أبعد)، يعني: ذهب بعيداً عن أعين الناس حتى لا يراه الناس، قيل: إن المفعول: نفسه، يعني: أبعد نفسه عن الناس، أو أبعد ما يخرج منه عن الناس، فيكون المفعول محذوفاً.وعبد الرحمن بن أبي قراد يقول: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء) يعني: إلى مكان قضاء الحاجة، ثم وصف عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أراد الحاجة أبعد، يعني: هذا شأنه وهذا هديه عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا خرج لقضاء حاجته يذهب بعيداً عن أعين الناس حتى لا يراه الناس وهو يقضي حاجته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والخلاء يعبر به عن قضاء الحاجة، وعن موضع قضاء الحاجة، فيقال له: الخلاء؛ لأنه غالباً ما يذهب الناس إلى الخلاء، أي: الأماكن الخالية، فيعبر عن قضاء الحاجة بالخلاء؛ لأنه غالباً تقضى الحاجة في الخلاء في ذلك الزمان.وعبد الرحمن بن أبي قراد هذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه مقل من الحديث، يقال: إنه ليس له عند أصحاب الكتب إلا هذا الحديث، رواه النسائي, ورواه ابن ماجه ، فهم الذين رووا عنه من أصحاب الكتب الستة، وقد رووا عنه هذا الحديث الواحد، فهو مقل من الحديث.أما حديث المغيرة بن شعبة الذي سيأتي فهو عند جماعة من أصحاب الكتب الستة، وليس كهذا، وصاحبه المغيرة بن شعبة روى أحاديث كثيرة ، أما عبد الرحمن بن أبي قراد فلم يرو عنه إلا النسائي, وابن ماجه , وليس له عندهم إلا هذا الحديث الواحد.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن أبي قراد: (خرجت مع رسول الله... وكان إذا أراد الحاجة أبعد)
قوله: [حدثنا عمرو بن علي].هو: الفلاس الذي سبق أن مر ذكره، وهو من النقاد المعروفين بنقد الحديث، وهو من رجال الكتب الستة.[عن يحيى بن سعيد].وهو: يحيى بن سعيد القطان ، وهذا أيضاً من الثقات الأثبات، ومن رجال الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو الذي سبق أن ذكرت أن الذهبي في كتابه: (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) ذكر اثنين وهما: عبد الرحمن بن مهدي , ويحيى بن سعيد القطان, فقال: هذان إذا جرحا شخصاً فهو لا يكاد يندمل جرحه، معناه: أن جرحهم مصيب، وأنهما أصابا الهدف فيما قالاه عن الرجل.فـيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إمامان من أئمة الجرح والتعديل، وهما من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهما من أئمة الجرح والتعديل.وعندنا عمرو بن علي الفلاس، ويحيى بن سعيد القطان وهما من أئمة الجرح والتعديل، وكل منهما روى عنه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد].الخطمي نسبة إلى بطن من الأنصار، ولهذا يقال له: الخطمي الأنصاري، فهو أنصاري خطمي، فالخطمي نسبة خاصة, والأنصاري نسبة عامة.قال عنه الحافظ : إنه صدوق، وروى عنه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وليس له رواية في الصحيحين. [حدثني الحارث بن فضيل وعمارة بن خزيمة]. الحارث بن فضيل هذا ثقة, روى عنه الإمام مسلم ، وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه .وعمارة بن خزيمة بن ثابت روى عنه أصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة، قال عنه الحافظ : إنه ثقة، وأما ذاك فهو مثله من رجال أصحاب السنن الأربعة، ولكن وصفه بأنه صدوق، يعني: أنه دون عمارة بن خزيمة بن ثابت.والحارث من رجال مسلم ، والثاني من رجال أصحاب السنن الأربعة، مثل الأول الذي هو أبو جعفر الخطمي .فالأول الذي هو: أبو جعفر الخطمي هو من رجال أصحاب السنن الأربعة، إلا أن هذا صدوق وذاك ثقة، وأبو جعفر الخطمي وصف بأنه صدوق وهو دون الثقة، وأما عمارة بن خزيمة بن ثابت فهذا وصف بأنه ثقة، وكل من الاثنين من رجال السنن الأربعة.
شرح حديث: (إن النبي كان إذا ذهب المذهب أبعد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد، قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره، فقال: ائتني بوضوء فأتيته بوضوء، فتوضأ ومسح على الخفين).إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ ].أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وفيه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)، يعني: إذا ذهب لقضاء حاجته، وقيل: إن المذهب يراد به: الخلاء، ونحوها من الألفاظ التي يراد بها مكان قضاء الحاجة، فإذا ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة أبعد، يعني: ذهب بعيداً عن أعين الناس.ثم إن المغيرة بن شعبة قال: (إنه ذهب لحاجته وقال: ائتني بوضوء، فلما قضى حاجته توضأ ومسح على خفيه عليه الصلاة والسلام)، ثم ذكر النسائي تعليقاً بعد ذكر الحديث بين فيه نسبة رجل في الإسناد ما جاء منسوباً، وهو: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ ، فهذا لم ينسبه شيخه، وهو ما ذكر نسبه في الإسناد فقال: هو ابن فلان، وإنما لما فرغ من إيراد الحديث قال: هو فلان بن فلان، وهذه الكلمة يمكن أن تكون في الغالب من أحد تلاميذه؛ لأنه ذكر أنه فلان بن فلان، وهم ذكروا الذي قال هذا، وأحياناً يقولون: قال أبو عبد الرحمن ، فيحتمل أن تكون منه، ويحتمل أن تكون من بعض تلاميذه، وهذا أول موضع يعلق فيه النسائي عقب الفراغ من الحديث، وهو أحياناً يعلق ويعقب بتعليقات خفيفة قصيرة كهذا. وهو أول حديث يأتي مكرراً في باب من أبواب النسائي، أو في ترجمة من تراجم النسائي .وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ هو من رجال الكتب الستة، ومن الثقات.وحديث المغيرة بن شعبة هو مثل الحديث الأول، إلا أنه هنا قال: (كان إذا ذهب المذهب أبعد)، ثم أتى بعد ذلك بهذه القصة التي حصلت له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أمر بأن يأتيه بوضوء، يعني: الماء الذي يتوضأ به.وسبق أن ذكرت: أن الوضوء من الألفاظ التي تأتي مفتوحة الأول ومضمومة الأول، ولكل منهما معنى، فهي في حال الفتح اسم للماء الذي يتوضأ به، وفي الضم اسم للفعل الذي هو الوضوء، وهو أخذ الإنسان الماء ليغسل وجهه, ويغسل يديه، فهذا الفعل يقال له: وضوء -بالضم- وأما الماء الذي يعد للتوضؤ منه, يقال له: وضوء - بالفتح- وهذا له أمثلة تماثله، مثل: الطَّهور والطُّهور، والسَّحور والسُّحور، واللَّدود واللُّدود، والوَجور والوُجور، وألفاظ على هذا المنوال، فما كان بالفتح فهو اسم للشيء المستعمل، وما كان بالضم فهو اسم لطريقة الاستعمال، أو للفعل الذي هو الاستعمال.وهذا الحديث رواه غير النسائي، فقد رواه أبو داود وهو أول حديث في سننه، لكنه عنده مختصر، وليس مطولاً في ذكر قصة الخفين وكونه معه، وإنما بين أنه كان يبعد ويذهب بعيداً إذا أراد قضاء الحاجة، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فحديث المغيرة هو أول حديث في سنن أبي داود, والترمذي , والنسائي , وابن ماجه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان إذا ذهب المذهب أبعد ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: السعدي ، وهو الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من شيوخ الإمام مسلم ، ويروي عنه مسلم كثيراً، والبخاري , والنسائي , والترمذي .[عن محمد بن عمرو].هو: ابن حلحلة ، ويروي عنه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير .[عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو الذي سبق أن مر بنا في أول حديث، وقلنا: إن بعض العلماء قال: إنه سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو من رجال الجماعة.[عن المغيرة بن شعبة].المغيرة بن شعبة هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أميراً على البصرة وعلى الكوفة، وكان كذلك من الصحابة المشهورين، وكذلك أيضاً من الشجعان، وفيه صفات حميدة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الرخصة في ترك الإبعاد عند إرادة الحاجة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في ترك ذلك.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائماً، فتنحيت عنه، فدعاني، وكنت عند عقبيه حتى فرغ، ثم توضأ ومسح على خفيه) ].
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:32 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(13)
شرح حديث حذيفة: (كنت أمشي مع رسول الله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً...)
ذكر النسائي رحمه الله: الرخصة في ترك ذلك.الضمير أو الإشارة ترجع إلى الترجمة السابقة، يعني: ترك الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، كان هديه صلى الله عليه وسلم أنه يبعد ويذهب في مكان بعيد عند قضاء الحاجة، ولكنه جاء عنه ما يدل على ترك ذلك في بعض الأحيان، ولهذا ذكر الترجمة الأولى: الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، وهنا قال: (الرخصة في ترك ذلك)، يعني: ترك الإبعاد، وكونه لا يذهب إلى مكان بعيد في بعض الأحيان.ثم أورد تحته حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فأراد حذيفة أن يذهب، فدعاه فجاء إليه, وجعله يقف وراء عقبيه)، يعني: وراءه؛ ليستره.قوله: (ثم توضأ ومسح على خفيه)، فالحديث مطابق لما ترجم له من حيث إنه ما ذهب إلى مكان بعيد كما كان هذا شأنه، وعادته عليه الصلاة والسلام، ولعله ألجأته الحاجة إلى هذا العمل الذي عمله، وهو كونه يبول في هذا المكان، وأيضاً كونه بال قائماً، وهذا ليس من عادته عليه الصلاة والسلام، وإنما فعله أو جاء عنه في هذه المرة.واختلف العلماء في حكم البول قائماً، فمن العلماء من قال: إنه لا يبول إلا في حال الجلوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك في هذه المرة إلا لأمر اقتضى ذلك، قيل: إنه لألم في صلبه، وقيل غير ذلك، ومنهم من قال: إنه فعله مرة على خلاف عادته لبيان الجواز، وهذا هو الذي ذكره النووي ورجحه الحافظ ابن حجر أن الرسول فعله لبيان الجواز، ولعل الحاجة ألجأته إلى أن يفعل ذلك في هذا المكان، وأن يفعل ذلك قائماً؛ لأن المكان قد لا يكون مناسباً لأن يجلس فيه، لكن مهما يكن من شيء فإن ما قاله النووي وما قاله الحافظ ابن حجر من أن هذا يدل على الجواز عند الحاجة لا بأس به، وقد جاء في بعض الأحاديث عن عائشة أنها تنكر أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً، ومن المعلوم أن هذا هو المعروف من هديه الذي تعرفه أمهات المؤمنين، وأما هذه فهي حالة خاصة عرفها حذيفة رضي الله عنه وشاهدها ورواها، وفعله صلى الله عليه وسلم هذا دال على الجواز عند الحاجة، وأن هذا خلاف الأصل، والأصل هو أن يكون البول عن جلوس، وإذا دعت الحاجة إلى أن يحصل البول عن قيام، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.و (سباطة القوم)، قيل: هي المكان الذي ترمى فيه الكناسة والأشياء التي تخرج من البيوت، فتجعل في مكان ويرمى بعضها فوق بعض، فيقال لها: سباطة، فالرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً في هذا المكان، وحذيفة رضي الله عنه أراد أن يذهب، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاه، ولعله يكون دعاه بالإشارة أو دعاه بالكلام، وإذا كان دعاه بالكلام فيدل على جواز الكلام عند قضاء الحاجة إذا اقتضى الأمر ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (كنت أمشي مع رسول الله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسكون الياء أو فتحها، والمعروف عند أهل اللغة أنهم يقولون: راهويه - بالسكون-، والمحدثون يقولون: راهويه - بالفتح-، وكل من اللفظين يصلح، وفي بيت من أبيات ألفية ابن مالك:ذا إن بغير ويه تم أعرباويه, يعني: نفطويه، راهويه، عمرويه، ألفاظ كثيرة تأتي على هذا.وإسحاق بن إبراهيم هذا إمام من أئمة الحديث، وله كتاب مسند، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وكلهم رووا عنه، فهو شيخ لهم جميعاً، شيخ للبخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي, وأبي داود ، وأما ابن ماجه فإنه لم يرو عنه. وهو إمام، جليل، فقيه, محدث، ومن طريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه، وفي طريقة النسائي أنه يعبر بـ(أخبرنا)، أيضاً.وذكرت أن الحافظ ابن حجر في فتح الباري عندما يذكر البخاري إسحاق غير منسوب، وهو يحتمل غيره, يستأنس إذا كان يعبر بـ(أخبرنا) أن يجعلها قرينة تدل على أنه ابن راهويه ؛ لأن هذه عادته أنه لا يستعمل إلا (أخبرنا) ولكن وجد عنه في بعض الكتب وفي بعض الروايات: حدثنا، ولكن هذا غالب على طريقته، والبخاري له عدة شيوخ يقال لهم: إسحاق منهم: إسحاق بن منصور، وإسحاق بن راهويه، فكلهم يقال لهم: إسحاق، فأحياناً يقول: حدثنا إسحاق ويسكت، فلا يدرى من هو، فهو إذا كان إسحاق هذا قال: أخبرنا - فيجعلها ابن حجر قرينة على أنه ابن راهويه. [أخبرنا عيسى بن يونس].وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وسبق أن مر بنا، وهو أخو إسرائيل بن أبي إسحاق، وهو من رجال الجماعة.[حدثنا الأعمش].هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه: الأعمش ، وأحياناً يأتي ذكره باسمه: سليمان ، وقد يكون في الحديث الواحد يأتي من عدة طرق في بعضها يقال: سليمان ، وفي بعضها يقال: الأعمش ، ولكنه مشهور كثيراً بلقبه، وهو أيضاً معروف ومشهور بالتدليس، وهو الذي مثل به العراقي للمدلسين في الصحيح، قال: وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتشيعني: فـالأعمش من المعروفين بالتدليس، والأعمش هذا لقبه، وذكرت فيما مضى: أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي ما يعرف يظن أن هذا غير هذا، والذي يعرف إذا وجد سليمان في بعض الروايات، أو وجد الأعمش في بعض الروايات يقول: هذا هو هذا. ولكن الذي لا يدري ولا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان شخص آخر، لكن من يعرف لا يلتبس عليه الأمر، وإنما يعرف بأن هذا لقب، وهذا اسم. قوله: [عن شقيق].هو: ابن سلمة أبو وائل ، وهو كثيراً ما يأتي بكنيته، وأحياناً يأتي باسمه، وهنا جاء باسمه، وسبق أن مر بنا في بعض الأحاديث أبو وائل ، فهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه.ومعرفة الكنى أيضاً لها فائدة عظيمة وهي: أن الذي -أيضاً- لا يعرف يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة بكنيته ومرة باسمه.وهو من المخضرمين؛ من الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من المعمرين؛ لأنه عاش مائة سنة، وكانت وفاته في خلافة عمر بن عبد العزيز ، على رأس المائة، وعمره مائة سنة، ومعناه أنه أدرك عشر سنوات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمر حتى كانت وفاته سنة مائة وواحد، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات الذين أكثر عنهم البخاري ، وأكثر عنهم أصحاب الكتب.[عن حذيفة]. حذيفة بن اليمان سبق أن مر، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب السر، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين.وهذا الحديث لو لم يوجد إلا عند النسائي ، ولم يوجد عند غيره مصرحاً بالتحديث، فإنه يكون من الأحاديث المتوقف فيها، التي إذا وجد شيء يعضدها ارتقت إلى الحسن لغيره؛ لأن حديث المدلس متوقف فيه، لكن الحديث موجود في الصحيحين.
القول عند دخول الخلاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول عند دخول الخلاء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)].
شرح حديث أنس في القول عند دخول الخلاء
أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: القول عند دخول الخلاء، يعني: ما الذي يشرع أن يقوله؟ وما الذي يستحب أن يقوله من أراد أن يدخل الخلاء لقضاء حاجته؟ وما هو الدعاء المأثور الذي يدعو به ويقوله عند إرادته الدخول؟ وهو ما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا دعاء كان يدعو به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عند إرادة دخول الخلاء، فيستحب قوله، ويستحب الدعاء به اقتداءً بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، الخبث: جمع خبيث، وهو بضم الباء، والخبائث: جمع خبيثة، فعلى هذا يكون المراد بالخبث والخبائث: شياطين الجن ذكورهم وإناثهم، فالخبث للذكور والخبائث للإناث، فيكون الإنسان تعوذ من الخبث الذين هم الذكور، والخبائث اللاتي هن الإناث، وشرع هذا عند دخول الخلاء؛ لأن الشياطين غالباً يكونون في الأماكن القذرة، وفي الأماكن الكريهة، فهي أماكنهم التي تناسبهم، ولهذا شرع عند دخول الخلاء هذا الدعاء الذي به الاستعاذة منهم.وفي بعض الروايات: الخبُث، والمراد بالخبُث: الشر، وعلى هذا فيكون التعوذ من الشر وأهله، ويمكن أيضاً أن تكون الخبُث يراد بها الخبْث؛ لأنه يأتي ما كان بهذه الصيغة -مضموم العين- أيضاً يأتي ساكنها، والمراد به الجمع، يعني: يؤتى به مضموماً، ويؤتى به مسكناً للتخفيف؛ فعلى هذا يكون المراد به: الخبث، على أنه جمع، على لغة التخفيف في الخبث، وعلى هذا يمكن أن يراد بها: الشر، ويمكن أن يراد بها: أنها مخبثة من الخبث، وهو جمع خبيث.الحاصل: أن رواية خبث -بالضم- هي واضحة في الجمع، ولا معنى لها غير الجمع، وأما الخبث -بالسكون- فهي تصلح لأن تكون جمعاً مخففاً من الخبث، وأن تكون اسماً بمعنى الشر وليست جمعاً.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في القول عند دخول الخلاء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب].إسحاق بن إبراهيم هو المتقدم في الإسناد الذي قبله وهو ابن راهويه .وإسماعيل الذي يروي عنه إسحاق هو: إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، وهو من الثقات الأثبات، وهو مشهور بالنسبة إلى أمه فيقال: ابن علية ، وهناك عدد ينسبون إلى أمهاتهم وهم مشهورون بهذا، وهم: ابن علية , وابن بحينة وابن أبي ابن سلول ، فـسلول أمه، وكان إسماعيل بن علية يكره أن يقال له: ابن علية ، ولهذا بعض المحدثين - وأظنه الشافعي - كان يقول: حدثني إسماعيل الذي يقال له: ابن علية ، فهو مشتهر بهذه النسبة.والطريقة عند ذكر مثل هذه النسبة: أنه عندما ينسب إلى أبيه، ثم ينسب إلى أمه، فكلمة (ابن) لا تعرب كإعراب (ابن) التي قبلها، مثلاً: قال إسحاق بن إبراهيم ، لا يؤتى بألف مع ابن، لكن لو جاء عن ابن عباس ، وما جاء اسم قبله، فلا تأت ابن بدون ألف، بل لا بد أن تأتي الألف، لكن إذا قلت: عبد الله بن عباس فلا تأت بالألف التي هي همزة الوصل؛ لأن كلمة (ابن) إذا كانت بين علمين الأول منسوب للثاني فإنك تحذف الألف، فلو أتيت بـ(ابن) في أول الكلام أو في أول السطر فإنك تأتي بها بالألف، فعندما تقول: قال إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، فلا تأت بالألف, لأن (ابن) هذه ترجع إلى إسماعيل، ولا ترجع لـإبراهيم ، ولهذا ترفع، يقال: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية؛ لأن مقسم ليس ابن علية، وإنما إبراهيم هو ابن علية، ولهذا تأتي الألف.ثم أيضاً من حيث الإعراب ما تعرب إعراب الاسم الذي قبلها، وإنما تعرب إعراب الاسم الأول الذي نسب إلى علية، فالذي نسب إلى علية هو إسماعيل، وليس إبراهيم ولا مقسم ؛ لأن علية اسم أم إسماعيل، فإذا قلت: قال إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية ؛ فابن ترجع لـإسماعيل الأول، ولا ترجع لـمقسم ؛ لأن علية ليست أم مقسم حتى يكون مجروراً، وإنما ترجع إلى إسماعيل الذي هو الأول.
إذاً: هنا شيئان يلاحظان في مثل هذا، وهما: الإعراب، فإنه يعرب إعراب الاسم الأول، وأيضاً الألف تثبت.وإسماعيل بن علية من رجال الجماعة، وإسحاق بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وأما الباقون الذي هم ابن علية , وعبد العزيز بن صهيب, وأنس ، فهؤلاء روايتهم عند أصحاب الكتب كلها.وهذا الحديث من الأحاديث العالية عند النسائي ، فهو رباعي، وهذا أعلى ما يكون عند النسائي ، والنسائي ما عنده ثلاثيات، فبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: إسحاق بن إبراهيم, وإسماعيل بن علية, وعبد العزيز بن صهيب, وأنس بن مالك رضي الله عنه.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:35 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(14)
- باب النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة
الهجرة لغة:
الترك. وتكون الهجرة من بلد الخوف إلى بلد الأمن، مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة، فإنها هجرة من بلد خوف إلى بلد أمن، وتكون من بلد شرك إلى بلد إسلام، كالهجرة من مكة -قبل الفتح- إلى المدينة، فإن المهاجرين تركوا بلادهم، وتركوا أموالهم، وتركوا دورهم، ومتاعهم من أجل نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا جمع الله للمهاجرين بين الهجرة والنصرة في قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، وبهذا كانوا أفضل من الأنصار؛ لأنهم عندهم النصرة التي عند الأنصار، وزادوا بالهجرة التي ليست عند الأنصار، فالمهاجرون أنصار، وزيادة على ذلك هم مهاجرون، والأنصار أنصار فقط، والذين جمعوا بين الهجرة والنصرة أفضل من الذين حصلوا النصرة فقط.والهجرة من مكة انتهت بفتح مكة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فهي باقية ومستمرة إلى قيام الساعة.
فوائد في معرفة رجال الإسناد عند النسائي
أذكر هنا شيئين يتعلقان بمعرفة رجال الإسناد عند النسائي: أحدهما: أنه مر ذكر محمد بن منصور في أحد الأسانيد الماضية، وما ذكرت من المراد، أو من هو محمد بن منصور .والنسائي له شيخان كل منهما اسمه محمد بن منصور، أحدهما: محمد بن منصور بن ثابت الخزاعي, الملقب الجواز ، وهو ثقة، وقد روى له النسائي وحده، والثاني: محمد بن منصور بن داود الطوسي, نزيل بغداد، وقد روى له النسائي و أبو داود ، وكل من هذين الاثنين يروي عن سفيان بن عيينة ، فاتفق أن النسائي روى عنهما، وأنهما رويا عن ابن عيينة ، وكل منهما ثقة، إلا أن الثاني - الذي هو الطوسي, نزيل بغداد، وصف مع كونه ثقة بأنه عابد، والأمر محتمل لأن يكون هذا أو هذا، لكن جرت العادة عند المحدثين أنهم يستأنسون بقرائن، ومن هذه القرائن: أن يكون الشخص معروفاً بالإكثار عن الشيخ الذي روى عنه فيحمل عليه، أو يكون له به علاقة غير ذلك كأن يكون من أهل بلده، ومن المعلوم أن المكي هو وابن عيينة من بلد واحد؛ لأن ابن عيينة مكي, ومحمد بن منصور الخزاعي الجواز المكي هو أيضاً مكي مثل سفيان بن عيينة ، فإذاً: كونه من أهل بلده يقوي جانب أن يكون هو المكي الجواز، ومهما يكن من شيء سواءً كان هذا أو هذا لا يؤثر؛ لأن كلاً منهما ثقة، والإشكال لو كان أحدهما ضعيفاً، عند ذلك يأتي الإشكال، أما ما دام أن كلاً منهما ثقة، فسواءً كان هذا أو هذا فالنتيجة واحدة من حيث الثبوت، فـالطوسي ثقة, والمكي ثقة، لكن من حيث الاحتمال الأقرب وكون أحدهما عنده جانب مرجح، والمكي عنده جانب مرجح وهو كونه من أهل بلد شيخهما سفيان بن عيينة؛ لأنه مكي، هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: هو أنه في بعض الأسانيد التي مضت وردت رواية النسائي عن شيخين هما: محمد بن سلمة و الحارث بن مسكين يرويان عن ابن وهب ، وذكرت فيما مضى أن طريقة البخاري عندما يروي عن شيخين فإن اللفظ يكون للأخير منهما، هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري ، وقد ذكر هذا ابن حجر في فتح الباري عند حديث جابر بن عبد الله : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر.. ) الحديث، فقال عند شرح هذا الحديث: وقد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا روى الحديث عن شيخين فإن اللفظ يكون للثاني، قال: والدليل على هذا أنه وجد في صحيح البخاري حصول الإسناد عن شيخه الأول فقط بلفظ مغاير للذي أورده عنهما. أما النسائي فقد قلت: إننا لا نعلم اصطلاحه، وقد مَرَّت بعض الأحاديث التي يروي فيها عن شيخين, ولكن لا نعلم أيهما له اللفظ، لكنه في هذا الموضع قال: واللفظ له، يعني: الحارث بن مسكين ، فعين من له اللفظ، وهذه طريقة الإمام مسلم ؛ أنه عندما يذكر الشيوخ المتعددين يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان، ويذكر عدداً من مشايخه ثم يقول: واللفظ لفلان، فعرف من له اللفظ بالتنصيص عليه، والنسائي هنا عرف من له اللفظ بالتنصيص عليه، حيث قال: واللفظ له، والضمير يرجع لـلحارث بن مسكين الذي هو شيخه الثاني. إذاً: وجد عند النسائي في بعض الأسانيد ما يعين من له اللفظ، وهو التنصيص عليه بقوله: واللفظ له، أي: للثاني، وهذا لا إشكال فيه، فإذا وجد التنصيص فلا يحتاج إلى معرفة اصطلاح. ويمكن أن يتبين في الأحاديث التي سبق أن مرت ولم ينص على من له اللفظ أن يأتي الحديث في موضع آخر عن شيخ واحد -الأول أو الثاني- ثم يقارن بين اللفظ الذي هناك واللفظ الذي مضى، وعند حصول المقارنة يعرف من له اللفظ، فيمكن أن يعرف اصطلاح النسائي، وحتى الآن لا نعرف للنسائي اصطلاحاً يحدد من له اللفظ إلا إذا وجد التنصيص عليه كما ذكر هنا.
النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة
شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة.أخبرنا يحيى بن درست أخبرنا أبو إسماعيل وهو القناد حدثني يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه) ].يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه) ، فـالنسائي قيد الترجمة بقوله: النهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة، وتقييده يفيد بأن الأمر يتعلق بقضاء الحاجة كما هو نص الحديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه) ، فقوله: (بال أحدكم) معناه: أن النسائي اعتبرها قيداً له مفهوم؛ لأن النهي جاء عند قضاء الحاجة، وهو ترجم للنهي عند قضاء الحاجة، ما قال: النهي عن مس الذكر باليمين وسكت، وإنما قال: عند قضاء الحاجة.و السندي في تعليقه على الحديث قال: ولا مفهوم لهذا القيد بقوله: (إذا بال أحدكم) ، فيجوز أن يمسك الذكر باليمين في غير حال قضاء الحاجة، قال: لأنه إذا كان النهي عن مسه باليمين عند قضاء الحاجة فعند غيرها من باب أولى، وهذا ليس بواضح كونه أولى؛ لأنه كما هو معلوم أن اليد اليسرى جاءت السنة بأنها تستعمل في الأشياء غير الطيبة وغير الحسنة، مثل: المخاط، ومثل: مسك الذكر عند قضاء الحاجة؛ لأنه عند قضاء الحاجة تكون عرضة للنجاسة، فالنهي عن مس الذكر باليمين جاء حتى لا تتعرض للنجاسة، ومن المعلوم أن الامتخاط باليد اليسرى شيء مستقذر, فلا تستعمل له اليمين، لكن لو أن إنساناً لمس أنفه بيمينه عند غير الامتخاط فلا مانع منه، وهذا يمكن أن يكون مثله، وأنه إذا كان لغير قضاء حاجة وغير عرضة للنجاسة فالأمر يختلف ويكون له مفهوم؛ لأن النص إنما جاء بذكر هذا القيد: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)، فقول السندي: بأنه عند غير قضاء الحاجة من باب أولى غير واضح وغير مسلم، بل عند قضاء الحاجة فيه شيء مستقذر وهو حصول النجاسة، واليمين تنزه عن مثل هذا؛ لأنها تستعمل في أمور طيبة، وتلك تستعمل في ضدها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(15)
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)
قوله: [أخبرنا يحيى بن درست ].يحيى بن درست من شيوخ النسائي , قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، وأخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه .[أخبرنا أبو إسماعيل]. وهو: القناد ، وهذه تماثل ما سبق أن نبهت عليه مما يأتي ذكره في الأسانيد (هو: فلان), أو (يعني فلاناً)؛ لأن اللفظ الذي قاله يحيى بن درست: حدثنا أبو إسماعيل ، هذه عبارته، ولم يقل: القناد ، وإنما قال: أبو إسماعيل ، فالذي دون تلميذه عندما يريد أن يوضح هذا اللفظ الذي ليس فيه إلا الكنية لا يقول: أبو إسماعيل القناد ويسكت؛ لأنه لو قالها لظن أن يحيى بن درست هو الذي قالها؛ لأنه ليس هناك ما يبين أنه هو أو غيره، لكن يقول: هو: ابن فلان، أو يقول: يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، أو يعني: فلان الفلاني، هذا هو المقصود من قوله: هو، فلا يقال: لم جاءت هو؟ ولماذا ما قيل: أبو إسماعيل القناد بدون هو؟ قلنا: حتى يبين أن هذا التوضيح ليس من التلميذ؛ لأن التلميذ ما يحتاج أن يوضح بـ (هو)، فالتلميذ يمكن ينسب شيخه إلى الجد العاشر إذا أراد، فيقول: حدثنا فلان بن فلان بن فلان، لكن غيره ممن هو دونه إذا ساق اللفظ وأراد أن يوضح يأتي بـ (هو فلان)، أو إذا فرغ من آخر الحديث يقول: قال فلان: هو كذا وكذا, مثلما حصل من النسائي في إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ ؛ فشيخه قال: حدثنا إسماعيل ، فلما فرغ من سياق حديث المغيرة بن شعبة الذي مر قريباً: (كان إذا ذهب المذهب أبعد) قال النسائي: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ.وأبو إسماعيل اسمه إبراهيم بن عبد الملك القناد ، وهو صدوق، وروى له النسائي والترمذي ، يعني: الذين رووا عن الشيخ الأول رووا بنفس ابن ماجه ، لأن هنا رواه عنه اثنين من الثلاثة الذين رووا عن تلميذه، يعني: ثلاثة من الأئمة خرجوا للتلميذ, واثنين من الثلاثة خرجوا للشيخ، الثالث الذي هو الترمذي خرج لـيحيى بن درست ولم يخرج لشيخه أبي إسماعيل القناد . [ حدثني يحيى بن أبي كثير ].يحيى بن أبي كثير اليمامي نسبة لليمامة، وكلمة (اليمامي) تتحرف وتتصحف مع اليماني، ومثلما قلت فيما مضى: البصري والمصري يصير بينهما شيء من التصحيف لقربهما، فهنا اليماني واليمامي يحصل بينهما شيء من التصحيف، فهو اليمامي نسبة لليمامة، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو الذي خرج عنه الإمام مسلم الكلمة المشهورة في الصبر على طلب العلم، وعلى أنه لا يحصل العلم إلا من يتعب، فلما أورد الإمام مسلم من طرق عديدة حديث عبد الله بن عمرو في بيان أوقات الصلاة أتى بعده بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قال النووي : إنه لما ذكر هذه الطرق الكثيرة التي ما يحصلها إلا من يتعب، وما يجمعها إلا من يتعب، نبه إلى أن العلم لا يحصل إلا بالتعب، يقولون: ملء الراحة لا يدرس بالراحة، ملء الراحة شيء قليل لا يدرس بالراحة كون الإنسان ما يتعب، وإنما من يتعب هو الذي يحصل، فمن جد وجد.فمن أراد أن يحصل فليتعب، أما من يريد أن يحصل بلا تعب فهذا لا يحصل شيئاً؛ لأنه بلا شيء لا يحصل شيئاً، بل يحصل الشيء بالتعب ويحصل بالنصب، كما قال الشاعر:لولا المشقة ساد الناس كلهمأي: لولا المشقة لصار كل الناس سادة، فلا يتميز السادة عن غيرهم من أهل السؤدد وأهل النبل وأهل الشرف إلا بالصبر على التعب، فليس كل أحد يحصل السؤدد، وإنما يحصله من يصبر على التعب، كما قال الشاعر:وإذا كانت النفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام[ أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه ].عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري هو من رجال الجماعة, وهو ثقة. [عن أبيه ].وهو أبو قتادة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الفرسان الشجعان رضي الله تعالى عنه، وذكر الخزرجي في الخلاصة - وهو كتاب من ميزته أنه إذا ترجم للصحابي يذكر عدد ما له من الأحاديث في الكتب الستة، وعدد الذي اتفق البخاري ومسلم عليه منها، وما انفرد به البخاري, وما انفرد به مسلم - قال: له في الكتب مائة وسبعون حديثاً، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثمانية، وهذه الفوائد المشابهة لهذه الفائدة يمكن للإنسان أن يحصلها من خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي.
حديث: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن هشام عن يحيى -هو ابن أبي كثير- عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ]. هنا أورد النسائي حديث أبي قتادة رضي الله عنه من طريق أخرى ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ، وهو مثل الذي قبله لم يختلف عنه في اللفظ، هناك يقول: (إذا بال أحدكم) وهنا يقول: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه).قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].هناد بن السري هو من شيوخ الإمام مسلم ، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، وقد خرج له الإمام مسلم وأصحاب السنن الأربعة والبخاري في خلق أفعال العباد، والرمز لهذا التخريج هو: ع خ، فهذه هي طريقة الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب، لكن الرموز هذه أحياناً يحصل بها خطأ، فـالسيوطي في كتابه الجامع الصغير يرمز للصحيح والضعيف برموز، وأحياناً تنعكس الرموز فيصير الضعيف صحيحاً والصحيح ضعيفاً بسبب الرمز، ولو جاءت الكلمة كاملة زال الإشكال، لكن الرمز يؤدي أحياناً إلى الخطأ، لكن الإنسان إذا رجع إلى تهذيب الكمال للمزي الذي هو الأصل يجد أن الأسماء ينص عليها دون رموز، يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان، فعندما يكون هناك لبس أو تضارب فيمكن للإنسان أن يرجع إلى الأصل الذي هو تهذيب الكمال للمزي ؛ لأنه لا يستعمل الرموز لمن خرج له أصحاب الكتب، وإن كان يرمز لهم عند الشيوخ والتلاميذ، فهو في الترجمة أحياناً يرمز عند شيوخ التلميذ فوق الاسم، لكن في الآخر يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان.[ عن وكيع ].وهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي ، وهو إمام, ثقة، ثبت، وهو من رجال الجماعة.] عن هشام [.وهو: هشام الدستوائي، أو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة ومن رجال الجماعة.] عن يحيى بن أبي كثير [.وهذا ملتقى الإسناد مع الإسناد الذي قبل هذا، يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:40 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(16)
- باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً
- باب البول في البيت جالساً
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبول جالساً في الأغلب من أحواله كما جاء ذلك في حديث عائشة، ولكنه كان ربما بال قائماً كما روى ذلك حذيفة رضي الله عنه وأرضاه.
الرخصة في البول في الصحراء قائماً
شرح حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في البول في الصحراء قائماً.أخبرنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) ]. قال النسائي : الرخصة في البول في الصحراء قائماً، وسبق أن مر أنه قال: ترك ذلك في البيوت، يعني: ترك البول قائماً، ولعل هذه الترجمة وهي قوله: (الرخصة في البول في الصحراء قائماً) يعني: أن هذا يكون في الصحراء، ويكون في غير البيوت، وأما البيوت فإن الإنسان يجلس فيها؛ لأن البيوت غالباً ما تكون الأماكن المعدة فيها صلبة، فقد يتطاير البول على الإنسان، وأما في الصحراء وفي الأماكن الخالية فالأرض تكون رخوة، والبول إذا وقع على الأرض الرخوة يكون آمناً مما إذا وقع على شيء صلب من حيث التناثر والتطاير؛ لكن إذا احتيج إلى ذلك في البيوت لا سيما في وجود المغسلات ووجود الأشياء التي يدخل الإنسان فيها, أو يأمن من أن يذهب شيء من بوله على ثيابه، فإنه لا بأس به. وحديث حذيفة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) يعني: أنه في غير البيوت، وطبعاً هو ليس في الصحراء، ولكنه خارج البيوت؛ يعني: وافق الصحراء بأنه خارج البيوت سواء كان قريباً أو بعيداً، ومعلوم أن سباطة القوم تكون قريبة من فناء القوم ومن دار القوم، والسباطة هي: محل الكناسة, أو هي: نفس الكناسة التي يخرجها أهل البيت ويضعونها في فناء دارهم، فأضيفت إليهم لإخراجهم إياها من بيوتهم، ولكونهم مختصين بها أضيفت إليهم إضافة اختصاص.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً)
قوله: [ أخبرنا مؤمل بن هشام ].قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، وخرج له البخاري, وأبو داود, والنسائي . [ حدثنا إسماعيل ].هو: ابن علية؛ لأنه يروي عن شعبة ، فـإسماعيل هو: ابن علية ، وابن علية سبق أن عرفناه وأنه ثقة، وهو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو من الثقات, الأثبات، وهو من رجال الجماعة، ولا يلتبس بابنه إبراهيم ؛ لأن ابنه إبراهيم من المبتدعة, وهذا من أهل السنة، وكل منهما يقال له: ابن علية، فإذا جاء ذكر ابن علية في أمور مبتدعة، أو في ذكر أهل البدع، أو في ذكر الأمور الشاذة في المسائل الخلافية فالمراد به: الابن إبراهيم ، أما إذا ذكر في أمور محمودة، وذكر في الحديث، وفي رجال الحديث وكذلك ذكر في أهل السنة فالمراد به: الأب الذي هو إسماعيل بن إبراهيم ابن علية .و إبراهيم بن إسماعيل ترجم له الذهبي في الميزان, وقال: جهمي هالك، وفي مسائل الفروع يأتي ذكر ابن علية أيضاً، ففي مسألة حكم الإجارة ابن رشد في بداية المجتهد قال: وخالف فيها ابن علية, والأصم، فخالف فيها ابن علية وقال: الإجارة لا تجوز، وهذا شذوذ، والذي قال هذه المقالة هو هذا الابن الجهمي الهالك، المشهور بـابن علية. والأصم هو: أبو بكر الأصم ، وهو أيضاً من أهل البدع, وعندما يأتي ذكر الأصم فالمراد به: أبو بكر .وهناك شخص مشهور بالاسم وهو أبو العباس من شيوخ الحاكم وهو من الثقات، فإذا جاء في شيوخ الحاكم الأصم فالمراد به: أبو العباس ، وإذا جاء في المبتدعة وفي أهل البدع من يقال له: الأصم، أو في المسائل الشاذة في مسائل الفقه، فالمراد به: أبو بكر ، وهو الذي أنكر الإجارة, وأنكر الشفعة أيضاً، وقال: الشفعة لا تجوز، حتى قال عنه بعض العلماء -ولا أدري من هو-: وأنكرها الأصم؛ لأنه عن فهمها أصم. حدثنا [ شعبة ].شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وصفه الثوري بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والثوري أيضاً من أمراء المؤمنين في الحديث، وهذه الصفة من أعلى صفات التعديل؛ لأن من أعلى صفات التعديل هذا الوصف: أمير المؤمنين في الحديث، أو إليه المنتهى في التثبت، أو غير ذلك من العبارات، ولـمحمد الحبيب الشنقيطي منظومة في أمراء المؤمنين في الحديث، نظمهم في منظومة قصيرة مطبوعة، ومنهم: شعبة , وسفيان الثوري ، وهو ثقة, ثبت, حافظ, حجة، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[ عن سليمان ].سليمان هو: سليمان بن مهران الأعمش ، يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره بلقبه كما مر بنا فيما مضى، فأحياناً يقال: سليمان ، وأحياناً يقال: الأعمش .[ عن أبي وائل ].أبو وائل هو: شقيق بن سلمة ، وشعبة من رجال الجماعة ، والأعمش من رجال الجماعة ، وأبو وائل من رجال الجماعة، وهو مخضرم كما سبق أن عرفنا ذلك، وأنه أدرك عشر سنوات من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز وعمره مائة سنة؛ لأنه ولد في أول الهجرة ومات عند نهاية القرن الأول، فالقرن الأول هو مدة حياته، وهو مخضرم؛ أي: أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم.[ عن حذيفة ].وحذيفة مر ذكره، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب السر رضي الله تعالى عنه.
حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت أبا وائل يقول: إن حذيفة رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) ].هنا أتى النسائي بحديث حذيفة من طريق ثان، وهذا من الأبواب التي كرر فيها الحديث، وأتى فيها بأكثر من طريق، وكما قلت: الأكثر عنده أنه يأتي في الترجمة بحديث واحد، ولكنه في بعض المواضع يأتي بأكثر من حديث كما هنا، وكما سبق أن مر في الإبعاد عند قضاء الحاجة حيث ذكر حديثين: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد ، وحديث المغيرة بن شعبة ، وهنا ذكر حديث حذيفة: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً ).قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار لقبه بندار ، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة، وروى عنه النسائي أيضاً بواسطة كما سبق أن ذكرت ذلك عند ذكر ترجمة يعقوب بن إبراهيم الدورقي أنه شيخ لأصحاب الكتب الستة, ومات سنة مائتين واثنين وخمسين، ويماثله في الوفاة في هذه السنة وفي كونهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة: محمد بن بشار الملقب بندار، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، فكل من الثلاثة شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنتين وخمسين.[ حدثنا محمد ].المقصود به محمد بن جعفر الذي هو: غندر ، ومحمد بن بشار يروي عنه كثيراً، ومحمد بن جعفر أيضاً يروي عن شعبة كثيراً، وهو شيخه هنا، وكل من الاثنين: محمد بن بشار وشيخه محمد بن جعفر من رجال أصحاب الكتب الستة، وهما أيضاً من الثقات.وبمناسبة ذكر محمد بن بشار البخاري لم يرو في صحيحه بلفظ المكاتبة عن شيخ من شيوخه إلا عن محمد بن بشار في موضع واحد، قال: كتب إلي محمد بن بشار. و محمد بن جعفر الملقب غندر ، مر بنا ذكره بلقب غندر ، وهنا جاء ذكره باسمه غير منسوب ولكنه واضح؛ لأن تلميذه محمد بن بشار وشيخه شعبة ، وهذا مكثر في الرواية عنه، وهذا أيضاً مكثر في الرواية عن شعبة .[ حدثنا شعبة ].أمير المؤمنين في الحديث، وهو من رجال الكتب الستة، فـمحمد بن بشار من رجال الكتب الستة، ومحمد بن جعفر من رجال الكتب الستة، وشعبة من رجال الكتب الستة.[ عن منصور ].هو: منصور بن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة، وهو قرين لـسليمان ، ولهذا في الحديث الذي سيأتي جاء ذكر الاثنين: منصور , وسليمان ، منصور الذي هو ابن المعتمر ، وسليمان الذي هو الأعمش ، بينما في الإسناد الأول ذكر سليمان ، وهذا الإسناد ذكر منصور ، وفي الإسناد الثالث ذكر الاثنين: سليمان بن مهران الأعمش ومنصور بن المعتمر وهما قرينان في طبقة واحدة.[ سمعت أبا وائل ].أبو وائل الذي عرفناه في الإسناد الأول.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:43 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(17)
- باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً
- باب البول في البيت جالساً
حديث: (إن النبي مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله حدثنا بهز حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً). قال سليمان في حديثه: ومسح على خفيه، ولم يذكر منصور المسح ].هنا ذكر النسائي الحديث من طريق ثالثة، رواها شعبة عن منصور بن المعتمر وسليمان بن مهران الأعمش ، فهنا قرنهما، ثم ذكر ما اتفقا عليه وهو: ( أن الرسول مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً )، ثم ذكر أن سليمان الذي هو الأعمش عنده زيادة وهي: ( أنه توضأ ومسح على خفيه ), ولم يذكر منصور المسح، والإسناد كما عرفنا يلتقي بـشعبة ، وقبل شعبة سليمان بن عبيد الله .قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله ].هو: سليمان بن عبيد الله بن عمرو الغيلاني، صدوق، روى له مسلم , والنسائي .[ حدثنا بهز ].هو: بهز بن أسد العمي، وهو من الثقات الأثبات، بل قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وهذه من أقوى صيغ التعديل، وتعتبر في الطبقة الأولى من صيغ التعديل؛ لأنه يدل على المبالغة في الوصف، لم يقل: ثبت فقط, أو: ثقة ثبت، بل قال: إليه المنتهى في التثبت؛ يعني: أنه في القمة، لا يسأل عنه؛ لأنه وصل القمة في التثبت، وهو من رجال الجماعة.
البول في البيت جالساً
شرح حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في البيت جالساً.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً ) ].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: باب البول في البيت جالساً، وكأن هذه الترجمة تقابل الترجمة السابقة: الرخصة في البول في الصحراء قائماً. وأورد حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً)، وقيد الترجمة في البيت أو في البيوت؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها إنما بينت ما كان معروفاً من عادته، وهي تعلم عادته في البيت؛ لكن غيرها علم ما لم تعلم، وهو حذيفة، حيث كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ( فأتى إلى سباطة قوم فبال قائماً ) فـعائشة نفت على حسب علمها، وكذلك أيضاً كلامها يفيد الملازمة والمداومة.ومن المعلوم أن المعروف من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، والغالب على فعله هو الجلوس عند قضاء الحاجة، لا في الصحراء ولا في البيوت؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى الصحراء ويبول جالساً، وكان يذهب إلى الخلاء، وأصحابه يذهبون معه, ويجلس ويقضي حاجته، ثم يأتي إليهم, ويتوضأ عليه الصلاة والسلام، وحذيفة رضي الله عنه وأرضاه رأى وشاهد هذه الحالة، فكلام عائشة محمول على ما تعلم، وعلى ما كان الغالب على عادته، ولهذا عبرت بـ (كان): (ما كان يبول إلا جالساً)، وما رواه حذيفة حالة نادرة, وحالة خاصة، وقد علم وشاهد ما شاهد، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحمل ما جاء عن عائشة على أنه مبني على المعروف من عادته، وعلى ما يكون في البيوت، وأما بالنسبة للبول قائماً، فعلى ما كان نادراً من فعله وفي خارج البيت، ولهذا بوب في البول في الصحراء قائماً: الرخصة في البول في الصحراء قائماً، وهنا قال: البول في البيت, أو في البيوت جالساً.
تراجم رجال إسناد حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو: السعدي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم.وبالمناسبة: معرفة الرجال تثبت في الأذهان، عندما يتكرر ذكرهم, ويعرف حالهم, وما قيل فيهم، ويتكرر أن هذا في طبقة شيوخ النسائي, وشيوخ مسلم، وهذا في زمن متقدم، وهذا في طبقة التابعين، فعندما تتكرر الأسماء على الإنسان تثبت في ذهنه, وتعلق في ذهنه، ويعرف أن هذا متقدم, وهذا متأخر، وعلي بن حجر جاء ذكره كثيراً عند النسائي، وأكثر عنه مسلم في الرواية.[ أخبرنا شريك ].هو: شريك بن عبد الله القاضي النخعي، وهو صدوق، تكلم في حفظه لما ولي القضاء، وساء حفظه.[ عن المقدام بن شريح ].و المقدام روى له البخاري تعليقاً، ومسلم والأربعة؛ لكن مسلم روى له متابعة.والحديث ليس ضعيفاً، فالحديث صحيح، وإلى الآن ما أتينا إلى أول حديث ضعيف عند النسائي، فكل ما مضى صحيح. وبالمناسبة: إذا قيست الأحاديث الضعيفة نجد أنها قليلة، وفي هذا المجلد الذي معنا ألف ومائة وسبعة وسبعون حديثاً، وإذا رجعت إلى كتاب الألباني صحيح سنن النسائي في هذا المقدار تجد الضعيف خمسين حديثاً في المجلد بأكمله. إذاً: فالأحاديث الضعيفة قليلة.والمقدام بن شريح بن هانئ سبق أن مر بنا هو وأبوه، وكل منهما يروي عن عائشة، فالحديث الذي مر بنا عن عائشة من طريق المقدام عن أبيه شريح، وشريح يروي عن عائشة، يقول: (سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل عند دخوله البيت؟ قالت: كان يبدأ بالسواك)، فالذي سألها شريح بن هانئ، وكل من الاثنين روى له مسلم , والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين، وقد عرفنا فيما مضى أنها أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(18)
باب البول إلى سترة يستتر بها - باب التنزه عن البول
من آداب قضاء الحاجة ألا يبول الإنسان إلا إلى سترة، ويجب عليه أن يتنزه من البول لئلا يصيبه منه شيء، فعامة عذاب القبر بسببه.
البول إلى سترة يستتر بها
شرح حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة
قال المصنف رحمه الله: [ باب البول إلى سترة يستتر بها.أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه أنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كهيئة الدرقة، فوضعها ثم جلس فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره)].يقول الامام النسائي رحمه الله: باب: البول إلى سترة يستتر بها. هذه التراجم معقودة لبيان أن الإنسان إذا كان في غير البيوت، وفي غير الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة، أنه يستتر بشيء، مثل: مكان مرتفع, أو حصاة كبيرة, أو مكان منخفض، إذا نزل فيه استتر عن الناس، أو شجرة من الأشجار الكثيرة التي ليس لها ظل, والتي لا يتأذى الناس بقضاء الحاجة تحتها، أو بشيء يكون معه كما في الحديث الذي أورده المصنف؛ لأنه استتر بشيء معه كهيئة الدرقة، وهي: الترس، وهي تتخذ من الجلود.يقول النسائي رحمه الله: أخبرنا هناد بن السري بإسناده إلى عبد الرحمن بن حسنة قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كهيئة الدرقة، فوضعها أمامه وبال إليها). يعني: جعلها سترة له. وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في باب الاستتار، أنه إذا بال الرجل يتخذ سترة يستتر بها عند البول، وكونه معه مثل هيئة الدرقة، فوضعها وبال إليها، يعني: اتخذها سترة، فهذا يدلنا على أن الإنسان يتخذ سترة تستره عن الناس، حتى لا يراه أحد وهو يقضي حاجته، وقد كشف عورته. وكما قلت: الاستتار يكون إما بشجرة لا يتأذى بقضاء الحاجة في ظلها إذا كان لها ظل، أو تكون شجرة ليست عالية ولا يستظل بها، أو يكون بحصاة كبيرة، أو منخفضاً من الأرض، أو تلاً مرتفعاً، فيكون أمامه حتى إذا مر أحد لا يراه، وهذا هو المقصود من التراجم.والفائد� � من ذلك كما هو معلوم: عدم تعرض الإنسان لأن يرى عورته ممن مر أو اجتاز أو جاء من أمامه، فيمنعه ذلك الساتر الذي اتخذه, أو يكون معه شيء كما في الحديث الذي معنا، حيث اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام سترة كهيئة الدرقة، وهو مصنوع من جلد، ونصبه أمامه واستتر به، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله في الحديث: (فقال بعض القوم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟). يعني: ما أصاب صاحب بني إسرائيل من العذاب، أي: ما حصل له، و(صاحب) يجوز فيه الرفع ويجوز النصب، أصاب صاحب -بالنصب- بني إسرائيل، يعني: من العذاب، فيكون الفاعل محذوفاً، وهو العذاب الذي جاء بيانه في آخر الحديث، ثم بين عليه الصلاة والسلام ما حصل لصاحب بني إسرائيل، أنهم كانوا إذا أصابهم شيء من النجاسات قرضوه بمقاريض، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، فإنهم حصل لهم تكاليف أشد مما حصل لنا، فنهاهم أن يفعلوا هذا الفعل الذي جاء في شرعهم, فعذب في قبره.وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قال هذه المقالة منافق، وقيل: إنه ليس بمنافق وإنما هو مؤمن، ولكنه قال ذلك تعجباً من شيء حصل على خلاف ما ألفوه واعتادوه في الجاهلية من كونهم يبولون قائمين، وكونهم لا يعرفون هذه العادة، وهي غريبة عليهم فتعجبوا، وقد جاء في بعض الطرق في سنن أبي داود: فقلنا، بإضافة القول إليهم، وهذا يدل على أنه ليس بمنافق، ولا معترض على شرع الله، ولكنه حصل شيء غير مألوف لهم في الجاهلية أن يروا الرجل يبول جالساً، بل المألوف أن المرأة هي التي تبول وهي جالسة، فقال هذه المقالة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أو ما علم)، يعني: أن مثل هذا الكلام وإن كان لم يصدر من منافق معترض على شرع الله، وإنما حصل للتعجب من شيء على خلاف ما ألفوه، وعلى خلاف ما اعتادوه؛ ففي ذلك تنبيه على خطورة مثل هذا الكلام، وإن كان صاحبه لا يريد الاعتراض على شرع الله عز وجل، وإن كان قد قاله لكونه على خلاف العادة، فإن العادات وما ألفه الناس يطرح عندما تأتي السنة، وعندما تأتي الشريعة؛ لأن الشريعة كما هو معلوم قد جاءت ناقلة عن أشياء كانوا عليها في الجاهلية، وجاءت مقررة لأشياء كانوا عليها في الجاهلية، ولا يعترض على الشرع.وفي الحديث ما حصل لهذه الأمة من التخفيف عليها، وقد جاء في القرآن في آخر سورة البقرة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286]، وفي كل منها يقول الله: (قد أجبت)، يعني: أنه قد غفر وأنه قد أجاب هذه الدعوة، ولن تحصل هذه الأشياء التي كانت على من قبلنا،حيث كانوا يقرضون النجاسة بالمقاريض، ولا يغسلونها! أما نحن فبحمد الله يسر الله لنا، فيكفي أن نغسل النجاسات بالماء.
إثبات عذاب القبر
ثم أيضاً يدل على إثبات عذاب القبر ما جاء به القرآن، وجاءت به السنة في أحاديث كثيرة، منها: هذا الحديث، ومنها: الحديث الذي بعد هذا، وهو حديث صاحبي القبرين اللذين قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول).وفي السنة أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، وكذلك جاء في الحديث: أن الإنسان في قبره عندما يعذب، يصرخ وتخرج منه صيحة يفزع لها كل من كان على وجه الأرض، حتى الحيوانات نفسها تسمع ما يجري في القبور، فالله تعالى أطلعها على ذلك؛ لأنها غير مكلفة، أما الجن والإنس فهم مكلفون، فحجب الله ذلك عنهم حتى يبقى من علوم الغيب, يتميز به من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن، من يصدق ومن لا يصدق؛ لأنه لو انكشف الغيب لما حصل المراد من بيان من يكون من أولياء الله، ومن يكون من أعداء الله، فمن الناس من لا يؤمن إلا بشيء يشاهده ويعاينه، ومن الناس بمجرد ما يسمع الخبر عن الله وعن رسوله يقول: آمنا وصدقنا، ومن المعلوم أن من معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تصديقه فيما أخبر، فكل ما جاء عنه من خبر فالواجب التصديق، ولا تقاس أمور البرزخ وأمور القيامة على أمور الدنيا، فكل ما جاء في الكتاب وصح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب التصديق به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فكل هذه نصوص دالة على عذاب القبر.وجاء في القرآن إثبات عذاب القبر في قصة آل فرعون، كما قال الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، معناه: قبل قيام الساعة، وقبل البعث، فإذا قامت الساعة وحصل البعث فإنهم ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وفي هذا إثبات لعذاب القبر، وأن الكفار يعذبون في قبورهم. قوله عليه الصلاة والسلام: ( أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره ).المقصود من التمثيل: أن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن الأمر بالمعروف في شريعتهم، وهو كونهم يقرضون ذلك بالمقاريض، فعذب في قبره؛ لأنه حصل منه النهي عن فعل ما أُمروا به والذي في الحديث وإن كان لم يعترض على شرع الله، وإنما حصل ذلك له لكونه على خلاف شيء معتاد, فقال ما قال، لكن الواجب هو الحذر من مثل ذلك، وإذا وجد شيء في الشرع مخالف لما عليه العادة، فلا يكون هناك ما يستغرب؛ لأن الشريعة ناقلة للناس عما كانوا عليه، ومقرة لبعض ما كانوا عليه. أما ناقلة لبعض ما كانوا عليه، فمثل: ما حرمت من أشياء كثيرة كانت موجودة في الجاهلية، وأمّا ما أقرت فمثل: بيع المضاربة, فقد كان موجوداً في الجاهلية، فأقره الإسلام, وأجمع المسلمون عليه، ومثل: وجود الولي في الزواج، وأن الزوج يأتي إلى الولي ويخطب البنت منه، فهذه من الأشياء التي كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام.فإذا كان الأمر على خلاف العادة، فإنه لا ينبغي إظهار مثل هذا الشيء الذي قد حصل؛ لأنه قد يؤول الأمر بالإنسان إلى محذور، فيحصل له مثل ما حصل لصاحب بني إسرائيل, الذي أشار إليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة
قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].سبق أن مر بنا، وهو كوفي ثقة، روى له مسلم , والأربعة , والبخاري في خلق أفعال العباد كما ذكرنا ذلك فيما مضى. وهناد بن السري كنيته أبو السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، يعني: اسم أبيه متفق مع الكنية، والفائدة من هذا النوع هي حتى لا يظن التصحيف، فإنه إذا كان معروفاً بالنسبة فتركت النسبة وجيء بالكنية؛ فالذي لا يعرفه يظن أن هذا تصحيف، ويظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فلو جاء في بعض الأسانيد: حدثنا هناد أبو السري، فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري، ويعرف أن اسمه هناد بن السري فسيقول: أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فتكون خطأ, فتحذف ويجعل مكانها: (ابن) ، لكن الذي يعلم أن هذا الراوي قد وافقت كنيته اسم أبيه لا يلتبس عليه هذا، فإن جاء هناد بن السري فهو صواب، وإن جاء هناد أبو السري فهو صواب أيضاً؛ لأنه ابن السري وأبو السري، فهذا النوع من أنواع علوم الحديث ينصون عليه، وأنواع علوم الحديث كثيرة، وابن الصلاح في المقدمة جمع منها شيئاً كثيراً، والذين جاءوا بعده أضافوا إضافات ما ذكرها ابن الصلاح، وكلها من أنواع علوم الحديث.[ عن أبي معاوية].هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي ، محمد بن خازم بالخاء والزاي، وهو كوفي, ومن رجال الجماعة، وهو ثقة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث الأعمش، وهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه، وهنا الكنية فقط، أبو معاوية، ويأتي في بعض الأسانيد: حدثنا محمد بن خازم، ومعرفة الكنى هي من أنواع علوم الحديث، وفائدتها كما ذكرنا سابقاً: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا جاء مرة بالاسم ومرة بالكنية فيقال: هذا غير هذا، فالذي يعرف أن هذا كنيته كذا، يعلم أنه جاء مرة بالكنية ومرة بالاسم، ولا يلتبس عليه، فهو شخص واحد، مرة جاء باسمه ومرة جاء بكنيته، وأبو معاوية كوفي، كما أن تلميذه هناد بن السري كوفي أيضاً.[ عن الأعمش ].الأعمش كما مر بنا في مواضع هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو كوفي أيضاً، فكل الثلاثة من الكوفة، والأعمش مشهور باسمه ومشهور بلقبه، يأتي في بعض المواضع: سليمان, كما مر بنا، ويأتي في بعض المواضع: الأعمش، ومعرفة الألقاب للمحدثين فائدتها: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا جاء مرة الأعمش، ومرة سليمان بن مهران, فالذي لا يعرف أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش فإنه يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران.[ عن زيد بن وهب ].زيد بن وهب هذا تابعي, مخضرم، وهو ثقة جليل, كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وهو من رجال الجماعة، ومعنى هذا أن عندنا في الإسناد بعد هناد : أبو معاوية ثم الأعمش ثم زيد بن وهب، فهؤلاء من رجال الجماعة، أما الأول فمن رجال الجماعة إلا البخاري؛ فإنه لم يرو له في الصحيح، وإنما خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.أما عبد الرحمن بن حسنة الصحابي، فهو لم يخرج له أصحاب الكتب الستة إلا هذا الحديث, خرجه النسائي , وأبو داود ، وابن ماجه . ومثله عبد الرحمن بن أبي قراد الذي مر بنا قريباً، والذي يروي عنه شريح بن هانئ، الذي روى عن عائشة أنه سألها: (بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل المنزل؟ قالت: بالسواك)، ليس له إلا ذلك الحديث الواحد، فهو مقل.
التنزه عن البول
يتبع
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(19)
- باب البول في الإناء - باب البول في الطست
ينبغي للإنسان أن يتحرز من البول قدر استطاعته، فإذا كان يشق عليه أن يذهب لقضاء حاجته في مكان مناسب فإنه بإمكانه أن يبول في طست ونحوه، فهو أدعى للمحافظة على الطهارة والنظافة.
البول في الإناء
شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البول في الإناء.أخبرنا أيوب بن محمد الوزان حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب البول في الإناء، أي: عند الحاجة إلى ذلك، وقد أورد في هذه الترجمة حديث أميمة بنت رقيقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير)، وجاء في سنن أبي داود: ( أن ذلك كان بالليل ).وفي الحديث: جواز مثل ذلك عند الحاجة، وفيه اتخاذ السرير؛ لأنه هنا قال: (يضعه تحت السرير)، ففيه اتخاذ الأسرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ السرير، وجاء ذلك في أحاديث غير هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)
قوله: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان].هذا أحد الثقات، خرج له أبو داود, والنسائي, وابن ماجه , وأيوب بن محمد الوزان يروي عن شيخه أزهر.قوله: [حدثنا حجاج].حجاج جاء ذكره هنا غير منسوب، وفي المصطلح إذا جاء الرجل غير منسوب, يسمى هذا النوع من أنواع علوم الحديث: المهمل؛ يعني: مهمل من النسبة، وهو غير المبهم؛ لأن المبهم مثل إذا قيل: رجل, أو: عن رجل، هذا يقال له: مبهم، وأما إذا سمي ولم ينسب, فهذا يقال له: مهمل، والمهمل يحتاج إلى معرفته لا سيما إذا كان هناك من يماثله، ومن يسمى بهذا الاسم حجاج. وعند النسائي وعند غيره عدد يقال لهم: حجاج، وهم في طبقات مختلفة، وفيهم من هو في هذه الطبقة، لكن الطريق إلى معرفة الرجل المهمل، ومعرفة نسبته وتمييزه عن غيره ممن يشاركونه في الاسم بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، معرفة كونه روى عنه فلان الفلاني، وروى هو عن فلان، وفي ترجمة تلميذه الذي روى عنه, وهو أيوب بن محمد الوزان، ذكر أنه روى عن حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد تعين هذا المهمل، وكذلك في ترجمة ابن جريج ذكروا في ترجمته أنه روى عنه حجاج بن محمد المصيصي، وما ذكروا في ترجمته من اسمه حجاج ممن روى عنه إلا حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد عرف هذا المهمل واتضح بمعرفة الشيوخ والتلاميذ.و حجاج بن محمد المصيصي من رجال الجماعة، وهو من الثقات الأثبات.وبالمناسبة: سبق أن مر في الحديث السابع عشر؛ وهو حديث المغيرة بن شعبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)، والذي قال فيه هناك: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، ويروي عن محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو يوجد في طبقة واحدة اثنان: محمد بن عمرو بن حلحلة, ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وسبق أن قلت لكم: إنه ابن حلحلة ؛ لأنه في ترجمة إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، قيل: إنه يروي عن محمد بن عمرو بن حلحلة، وعن محمد بن عمرو بن علقمة، ولكن في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه روى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وما ذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن حلحلة، فإذاً: يكون محمد بن عمرو بن علقمة وليس محمد بن عمرو بن حلحلة؛ لأنه ما ذكر في تهذيب الكمال من تلاميذ أبي سلمة بن عبد الرحمن: محمد بن عمرو بن حلحلة، وإنما ذكر محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن عمرو بن حلحلة كما عرفنا سابقاً هو ثقة، وأما محمد بن عمرو بن علقمة فهذا قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق له أوهام، وقد خرج أحاديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. قلت هذا بمناسبة الكلام على حجاج بن محمد المصيصي.[ قال ابن جريج ].هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة.[ أخبرتني حكيمة بنت أميمة ].هي حكيمة بنت أميمة، تروي عن أمها أميمة بنت رقيقة، وهذه الأسماء الثلاثة كلها مصغرة، كلها على صيغة فعيلة: حكيمة , وأميمة , ورقيقة، كلها على صيغة واحدة, وعلى صيغة فعيلة.أما حكيمة بنت أميمة التي يروي عنها ابن جريج، فقد روى لها أبو داود , والنسائي. والحافظ في التقريب في ترجمتها قال: لا تعرف، وفي تهذيب التهذيب ذكر أن ابن حبان أوردها في كتابه الثقات، وجاء أيضاً أن ابن حبان خرج حديثها في صحيحه، لكن ابن حبان كما هو معلوم من طريقته في الثقات أنه قد يذكر في الثقات من يذكره في الضعفاء، ولهذا فإن توثيقه وحده فيه نظر عند بعض العلماء، وإن كان بعضهم يعتبره.أما أمها أميمة فهي صحابية، والصحابة كما هو معلوم لا يسأل عنهم، ولا يحتاج إلى معرفتهم، بل الرجل المبهم, أو المرأة المبهمة إذا ذكر أنه من الصحابة فذلك كاف في قبول حديثه؛ لأن الصحابة لا يسأل عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأن الله تعالى عدلهم، وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون إلى تعديل المعدلين بعد ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم، وغيرهم هم الذين يحتاجون إلى التوثيق والتعديل والتجريح، وأما الصحابي فيكفيه نبلاً وشرفاً وفضلاً أن يوصف بأنه صحابي.والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود, وفي صحيح النسائي، وقال عنه: حسن صحيح ، ولا أدري وجه حكمه عليه بالصحة، هل هو لكونه له طرق وشواهد أخرى لا ندري عنها أو أنه اعتبر توثيق ابن حبان؟!وهذه أول شخص يمر بنا في سنن النسائي, يقال: إنه لا يعرف، ويقال فيه: إنه مجهول.
البول في الطست
شرح حديث عائشة في البول في الطست
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في الطست.أخبرنا عمرو بن علي أخبرنا أزهر أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي، لقد دعا بالطست ليبول فيها, فانخنثت نفسه وما أشعر، فإلى من أوصى؟).أزهر هو: ابن سعد السمان ].هنا أورد النسائي هذا الباب، وهو: باب البول في الطست، والطست: إناء، وجاء حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرض الذي توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، وأنها انخنثت نفسه؛ بمعنى: أنه ارتخى وحصل الموت وما تشعر بأنه مات؛ يعني: رأت حصول الارتخاء في جسده، وخرجت نفسه عليه الصلاة والسلام وهو على صدرها، ومقصودها من هذا: أنها كانت على علم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وأنها لا يخفى عليها شيء من أحواله في مرضه، وقد قالت هذا الكلام بمناسبة أنها سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لـعلي، وذلك بعدما وجد الشيعة والمتشيعون، ووجد منهم الكلام، ومن المعلوم أن هذا حصل في زمن علي، ومعلوم أن عائشة رضي الله عنها عاشت بعد علي مدة طويلة، وعلي توفي سنة أربعين، وهي عاشت بعده ما يقرب من ثمانية عشرة سنة، فمعنى ذلك: أنه وجد في ذلك الزمان الشيعة، فهي لما سمعت أنه أوصى لـعلي، ولعل ذلك كان في مرض موته؛ بينت الحالة التي كان عليها في مرض موته، وأنها كانت على علم به، وأنها كانت ملازمة له، وأنه في الوقت الذي خرجت روحه كان على صدرها، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، فانخنثت نفسه؛ أي: ارتخت أعضاؤه بسبب الموت, وما تشعر أنه مات، كما جاء في بعض الروايات: ( وما أشعر أنه مات )، قالت: فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! تنكر على هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة. ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أوصى لا لـأبي بكر ولا لـعلي ولا لغيرهما، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا، مثل ما جاء في حديث عمر في قصة وفاته لما قيل له: استخلف، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني؛ يعني: أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير؛ يعني: رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرسول لم يستخلف؛ يعني: ما عين أحداً بالاسم، ولم يقل: فلان الخليفة بعدي، ولكنه جاء عنه ألفاظ، وأمور مشعرة وموضحة بأن الأحق بالأمر من بعده أبو بكر، بل قد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـعائشة: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب له كتاباً فإني أخشى أن يقول قائل أو يتمنى متمن، ثم قال: ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر )؛ يعني: ما أنا بحاجة إلى الكتاب، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم، ولا يحتاج الأمر إلى كتاب.فهذه إشارة واضحة جلية بأن الله تعالى قدر بأنهم سيجتمعون على هذا الرجل، وأنه يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ولم يقل: الخليفة بعدي أبو بكر، ولكنه جاء عنه شيء يدل على أنه الأولى، وأن هذا الأمر سيتم برضا من المسلمين، وباتجاه من المسلمين، وباجتماع من المسلمين عليه دون أن يكون هناك نص؛ لأنه لو كان هناك نص فليس هناك مجال للرأي ولا للاختيار، لكن لما لم يكن هناك نص، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم؛ فمعنى هذا: أنه برضا وباتجاه منهم، وبرغبة منهم.وكذلك في مرض موته عليه الصلاة والسلام أمر أبا بكر بأن يصلي بالناس، ولما راجعت حفصة, وعائشة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولهذا اعتبروا هذا دليلاً وإشارة قوية إلى أنه الأحق من بعده بالأمر، ولهذا قال له عمر: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟!).وكذلك أيضاً ما جاء عنه في مرض موته، وقبل أن يموت بخمس، كما جاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -خمس ليال فقط- يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).فكونه صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة في حق أبي بكر قبل أن يموت بخمس، هذا فيه إشارة إلى أنه الأولى من بعده بالأمر.وكذلك الحديث الذي فيه: ( أنها جاءته امرأة وواعدها أن تأتيه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئتك فلم أجدك؟ تريد: الموت. فقال: ائتي أبا بكر ).والحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر )، كل هذه أدلة، لكن ليس هناك نص يقول: الخليفة بعدي فلان بن فلان، ولما وجد من يقول هذه المقالة من الشيعة في زمن الصحابة، وأن هذا حصل في مرض الموت، قالت: كيف هذا والرسول صلى الله عليه وسلم دعا بالطست ليبول فيه في مرضه، فانخنثت نفسه فما أشعر؛ يعني: ما أشعر أنه مات، وقد مات بهذا الانخناث، وهو ارتخاء الأعضاء، فمات عليه الصلاة والسلام فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! ومعناه أنه لم يحصل شيء من ذلك.ثم أيضاً من ما يدل دلالة واضحة: أن علياً رضي الله عنه وأرضاه ما قال: إنني صاحب الأمر، وأن الرسول أوصى إلي، وما أظهر هذا للناس، وما قال هذا للناس، ولما تولى الخلافة ما قال: إنني أنا كنت وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حصل لي ما أستحق إلا الآن، وقبل ذلك أخذ مني، ولم تنفذ وصية رسول الله.ثم أيضاً الرافضة الذين قالوا هذا الكلام في حق علي, هم ذموه من حيث أرادوا أن يثنوا عليه؛ لأنهم وصفوه بأنه غير شجاع، مع أنه معروف بالشجاعة والقوة، ووجه ذلك: أنه سكت وما تكلم، وما طالب بحقه، وما أظهر وصيته، وما قال: إنني أنا الوصي، فكيف تولون غيري؟ فهل الرجل الشجاع المعروف بشجاعته وقوته، وأنه لا تأخذه في الحق لومة لائم يسكت عن شيء أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذا فيه ذم لـعلي رضي الله عنه من الرافضة؛ لأنه لو كان هناك شيء من ذلك لطالب به ولم يسكت.وفي وقت اجتماع السقيفة لما ذهبوا يتفاوضون -الأنصار والمهاجرون- ما قال أحد منهم: ليس هناك حاجة للكلام، الرسول وصى لـعلي.فكل هذه أدلة تدل على بطلان هذا الكلام الذي يقوله الرافضة في حق علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.المقصود من الحديث: ذكر الطست، وأنه كان يريد أن يبول فيه لمرضه، وهذا هو المقصود من إيراد النسائي الحديث في: باب البول في الطست.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في البول في الطست
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ]. هو: الفلاس, الذي مر ذكره في مرات عديدة، ومعرفة الرجال بالمناسبة تحصل بالتكرر، كونه يتكرر الإنسان مثل: عمرو بن علي الفلاس مر بنا كثيراً؛ يعني: ما أخذنا إلا تقريباً ثلاثين حديث ومع ذلك جاء ذكره في عدة مواضع، وكلها يقول فيها النسائي: حدثنا عمرو بن علي؛ يعني معناه: أنه من طبقة النسائي، وكذلك هو من شيوخ البخاري، وهو من رجال الجماعة، وهو من الأئمة النقاد، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[ أخبرنا أزهر ].أزهر هاهنا غير منسوب، لكن نسبه النسائي في آخر الحديث قال: قال الشيخ، وهذه العبارة في الغالب أنها من تلاميذ النسائي.قال الشيخ: أزهر هو: ابن سعد السمان؛ لأن أزهر مهمل غير منسوب، فـالنسائي في آخر الحديث نسبه مثلما فعل في حديث السابع عشر -الذي أشرت إليه قبل قليل- حيث قال: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، فرجل مهمل نسبه، فهذه إحدى الطرق التي يوضح بها الشخص: إما يذكر في آخر الحديث، أو في أوله، لكن يقول: هو ابن فلان، إذا أتى به في الإسناد فيحتاج إلى أن يقول من دون التلميذ: هو ابن فلان، لا يصلح أن يقول: فلان بن فلان، والتلميذ ما قال هذا الكلام.فهنا طريقتان: إحداهما: أن يؤتى بالتوضيح في السند، لكنه يؤتى به (هو) أو بكلمة: هو ابن فلان, أو فلان بن فلان. الطريقة الثانية: بعدما ينتهي الحديث يقول فيه مثلاً المصنف: فلان هو ابن فلان، كما فعل النسائي هنا.وأزهر بن سعد السمان هذا من الثقات، وهو بصري، وخرج له أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه .[ أخبرنا ابن عون ].هو: عبد الله بن عون البصري أبو عون، كنيته أبو عون، وهذه مثل ما سبق أن ذكرت في هناد بن السري أن كنيته أبو السري، فهو نوع من أنواع علوم الحديث التي ذكرها ابن الصلاح، وهي أن منها: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذكرتُ أن فائدة معرفة ذلك: حتى لا يظن التصحيف. فمثلاً: هناد بن السري لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري يقول: (ابن) صحفت إلى (أبو) لكن الذي يعرف أن كنيته أبو السري، وأبوه اسمه السري إن جاء ابن السري صواب، وإن جاء أبو السري صواب، والذي لا يعرف هذا يظن أن الموضع الآخر تصحيف، فالذي لا يعرف أن كنيته أبو السري، لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري، قال: (أبو) هذه غلط مصحفة عن (ابن). فمثله ابن عون، هو أبو عون، وافقت كنيته اسم أبيه، وهذه فائدة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وعبد الله بن عون بصري، وهو من الثقات الأثبات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
ترجمة إبراهيم والأسود النخعيان
قوله: [ عن إبراهيم ].إبراهيم هذا يروي عن الأسود، وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الفقيه, المشهور, الثقة, الحافظ، مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث، ولم ينسب، وإن وجد من يوافقه؛ لأنه معروف بالرواية عن الأسود، وهو ابن أخته؛ لأن الأسود الذي هو شيخه خاله، فـإبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي يروي عن خاله الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وإبراهيم من الثقات, ومن الفقهاء المعروفين بالفقه.
أول من أتى باصطلاح: (ما لا نفس له سائلة)
ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) فائدة تتعلق بـإبراهيم النخعي وفقهه؛ فمن المعلوم أن الفقهاء عندما يأتي ذكر الحيوانات التي ليس فيها دم يعبرون عنها: بما لا نفس له سائلة؛ يعني: ليس فيه دم، مثل الذباب والجراد وغيرها من الأشياء التي ليس فيها دم، فيعبرون عنها: ما لا نفس له سائلة، لا ينجس الماء إذا مات فيه، ويأتون بذلك عند حديث غمس الذباب الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).واستنبطوا من هذا: أن الذباب قد يكون الماء حاراً، وإذا غمس يموت الذباب، والذباب لا دم له، فإذاً: لا ينجس الماء؛ لأن الرسول أرشد إلى استعماله، وأنه لا يراق ويشرب؛ يعني: أنه يغمس, والمقصود من الغمس: الإصلاح، حتى ما إن يضع الداء يأتي الدواء حتى يقضي على الداء؛ (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، فيذكرون عند هذا هذه الفائدة.ابن القيم قال عن إبراهيم النخعي، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء؛ يعني: هذا التعبير عن الجراد والذباب وغيرها مما لا دم فيه بأنه يقال فيه: ما لا نفس له سائلة، أول من عبر هذا التعبير: إبراهيم النخعي.وبعض الناس يقول: إن هذا حديث -أي: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه- بل ابن القيم نفسه وقع فيه في كتاب (الروح)؛ لأنه لما جاء عند ذكر الروح والنفس والفرق بينهما، وهل الروح هي النفس، والنفس هي الروح؟ قال: إن الروح تطلق على النفس، وتطلق إطلاقات أخرى.والمقصود بالروح والنفس هي: هذا الجسم الذي يكون في الإنسان فتكون به الحياة، وإذا قبض مات، يقال له: روح إذا له نفس، قال: خرجت روحه وخرجت نفسه، لكن كلمة النفس تأتي لمعاني أخرى لا تأتي لها الروح، ومن ذلك: الدم؛ لأنه يقال للدم: نفس ولا يقال له: روح.والروح تأتي لمعاني أخرى مثل: الوحي ومثل كذا، وهي لا تطلق عليها النفس، فلما ذكر النفس قال: وفي الحديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إن مات فيه. هذا في كتاب الروح، فالوصف الذي قاله في كتاب (زاد المعاد): أول من حفظ عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهذا يستدل به على أن تأليفه لكتاب الروح متقدم، وقبل أن يكون عنده التمكن من التحقيق الذي هو معروف عنه؛ لأن كتاب (الروح) فيه أشياء غريبة على ابن القيم، والكلام موجود في كتاب الروح، فكونه يذكر في كتاب الروح أن هذا حديث، وفي كتاب زاد المعاد يقول: إنه من أوليات إبراهيم النخعي، وأنه أول من عبر بهذه العبارة، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، هذا يدل على أن كتاب (الروح) متقدم، وأنه فيه أشياء تدل على كونه في بداية التأليف، وبداية الاشتغال بالتأليف، فتكون الكتب الأخرى التي فيها التحقيق مثل: كتاب (زاد المعاد) وغيره تختلف؛ لأن ذاك لا شك أنها خطأ، لأنه لا يوجد حديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات.. لا وجود لهذا الحديث أصلاً، وهو نفسه قال: إن هذا من أوليات إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي مات بعد التسعين بقليل.الحاصل أن إبراهيم النخعي هذا فقيه, وهو كوفي، كما أن خاله الأسود كوفي، وهو من رجال الجماعة، وهو محدث فقيه، ثقة حافظ.[ عن الأسود ].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي, وهو خال إبراهيم كما ذكرت، وهو من المخضرمين، ومن كبار التابعين، ومعلوم أن المخضرمين هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومنهم: قيس بن أبي حازم الذي يقال: إنه اتفق له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة، فـالأسود بن يزيد هذا من المخضرمين، وهو ثقة فقيه, من رجال الجماعة.قوله: [ عن عائشة ].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة ويليه ابن عمروأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(20)
- (باب كراهية البول في الجحر) إلى (باب السلام على من يبول)
من آداب قضاء الحاجة ألا يقضي الإنسان حاجته في جحر أو في ماء راكد، أو مستحم، ولا يسلم على غيره، ولا يرد السلام.
كراهية البول في الجحر
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كراهية البول في الجحر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قالوا لـقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهة- قال: يقال: إنها مساكن الجن) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: كراهية البول في الجحر، وأورد فيه حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قيل لقتادة -وهو راوي الحديث عن عبد الله بن سرجس - : وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهية؟- قال: يقال: إنها مساكن الجن).هذا الحديث أورده النسائي تحت هذه الترجمة, وهي قوله: كراهية البول في الجحر، ومن المعروف أن التراجم التي مضت يصرح فيها النسائي بلفظ النهي: النهي عن كذا، وهنا في هذه الترجمة قال: كراهية البول في الجحر، فلعل ذلك إما لكون الحديث لا يخلو من مقال، أو لكون المقصود من ذلك: أن هذا من الآداب التي ينبغي التأدب بها، ولا يكون المقصود منه التحريم، أو أنه جرى على طريقة المتقدمين الذين يطلقون المكروه على كل ما كان ممنوعاً ولو كان محرماً، كما جاء في القرآن بعد ما ذكر الله عز وجل في سورة الإسراء أموراً من الكبائر، وفي آخرها قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38]، والحديث يدل على النهي، أو على كراهية البول في الجحر، وما ذكره قتادة أنه يقال: إنها مساكن الجن، فهذا تعليل.وهناك تعليل آخر: أن الجحر إذا بال فيه الإنسان قد يحصل فيه إيذاء لبعض الهوام والحيوانات التي فيه؛ فيكون قد آذاها، وأيضاً عرَّض نفسه للضرر؛ بأن يخرج عليه ما كان في ذلك الجحر بسبب بوله فيه، وقد يكون حية وقد يكون غير ذلك، فيفزعه ذلك فيقوم ويصيب البول ثيابه وجسده بسبب فزعه, فيتأذى بذلك هو، ويؤذي تلك الدواب بفعله ذلك.والحديث فيه كلام من حيث إن قتادة اختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، وأيضاً مع كونه مختلفاً في سماعه منه هو أيضاً مدلس، وقد عنعن في روايته عن عبد الله بن سرجس ، لكن وإن كان الحديث فيه مقال إلا أنه لا ينبغي أن يبول الإنسان في الجحر؛ لما يترتب على ذلك من الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار)، فالإنسان لا يعرض نفسه للضرر، ولا يجلب الضرر لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بال في جحر فإنه يؤذي تلك الدواب التي فيه، وأيضاً هو يتسبب في جلب الضرر لنفسه، فالكراهية -وإن كان في الحديث مقال- هي من حيث ما يترتب على ذلك من المضرة له ولغيره.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)
قوله: [ حدثنا عبيد الله بن سعيد ].هو شيخ النسائي، وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر ، وقد خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي ، ولم يخرج له الباقون من أصحاب السنن.[حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي].الدستوائي ، سبق أن مرَّ بنا قريباً، وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وأما هذا فهو ابنه معاذ بن هشام ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق كما قال ذلك الحافظ ابن حجر ، وربما وهم, أو له أوهام، يروي عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة ثبت, من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب كما سبق أن مرَّ بنا ذكره فيما مضى.[عن قتادة].هو: ابن دعامة السدوسي ، وهو ثقة حافظ، وهو يدلس، وهو من رجال الجماعة، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن عبد الله بن سرجس ، والمقال الذي في الإسناد من حيث روايته عن عبد الله بن سرجس ؛ لأن سماعه منه مختلف فيه، ومع ذلك أيضاً هو مدلس، وقد عنعن، فالحديث فيه مقال من أجل هذا.[عن عبد الله بن سرجس].أما عبد الله بن سرجس فهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يروي عنه هذا الحديث، وحديثه عند مسلم والأربعة، وله سبعة عشر حديثاً في الكتب، انفرد مسلم بحديث منها، وليس له في البخاري شيء.
النهي عن البول في الماء الراكد
شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البول في الماء الراكد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن البول في الماء الراكد)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: النهي عن البول في الماء الراكد، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد)، والحديث رواه مسلم في صحيحه. والنسائي عبر بالنهي بخلاف الترجمة السابقة، ولعل الفرق في ذلك هو ما ذكرته من قبل: أن الحديث هناك فيه مقال، أما الحديث هنا فهو صحيح وثابت، وقد رواه مسلم في صحيحه، فهناك عبر بالكراهية، وهنا عبر بالنهي.والحديث يدل على تحريم البول في الماء الراكد؛ ذلك لأنه يفسده، أو يجعله قذراً في حق من يعلم أنه بيل فيه، ثم أيضاً إلف البول في الماء الراكد واعتياد ذلك إلف لما هو أمر سيء, ولو كان الماء كثيراً؛ لأن من اعتاد أن يبول في الماء الكثير الذي لا تضره النجاسة فقد يبول في الماء القليل الذي تضره النجاسة، وكون الماء الراكد مستقراً فإنه يتأثر بما يقع فيه، بخلاف الماء الجاري، كمياه الأنهار التي تجري فإن الماء يذهب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يبول فيه إلا إذا اضطر إلى ذلك، أما أن يكون في سعة وعنده اليابسة, ثم يذهب ويبول في الماء، ولو كان جارياً فلا ينبغي للإنسان أن يفعله، أما إذا اضطر إلى ذلك فلا مانع، والماء الجاري ليس كالماء الراكد، فلا يتأثر بالبول فيه كما يتأثر به الماء الراكد إلا إذا كان الماء قليلاً؛ فإن النجاسة تؤثر في الماء القليل والماء الكثير، في الراكد والجاري إذا كان قليلاً جداً.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)
قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].وهو الذي مر ذكره مراراً وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني .[ حدثنا الليث ].والليث يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الليث بن سعد الفهمي المصري ، وهو ثقة ثبت, فقيه، إمام مشهور معروف بالفقه, ومعروف بالحديث، وهو من رجال الكتب الستة، خرج له الجماعة، وقد أفرد الحافظ ابن حجر له ترجمة في رسالة خاصة موجودة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية , ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وكتب الفقه؛ لأنه محدث فقيه، رحمة الله عليه.[ عن أبي الزبير ].أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق يدلس.[ عن جابر ].هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو أحد الصحابة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين يأتي ذكرهم مراراً في الكتب، وقد ذكر صاحب الخلاصة: أن له ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين، فهو مكثر .
كراهية البول في المستحم
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية البول في المستحم. أخبرنا علي بن حجر أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)].ذكر النسائي رحمه الله: كراهية البول في المستحم، وأورد فيه حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)، عبَّر النسائي هنا بالكراهية، ولعل ذلك أيضاً مثل ما ذكرت من قبل؛ لأن إسناد الحديث فيه كلام من جهة أن الحسن مدلس، ومعروف بالتدليس والإرسال، وقد روى عن عبد الله بن مغفل بالعنعنة، فقال: عن عبد الله بن مغفل، فالإسناد فيه مقال، لكن عند أبي داود حديث آخر, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول أحد في مستحمه)، ولهذا الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي صحح الجملة الأولى, وهي: (لا يبولن أحد في المستحم)، دون قوله: (فإن عامة الوسواس منه)؛ لأن الجملة الأولى جاءت في حديث في سنن أبي داود ، ولم تأت الجملة الثانية التي هي التعليل: (فإن عامة الوسواس منه) فرواية الحسن هنا جاء ما يؤيدها، وما يدل على ثبوتها وصحتها من طريق أخرى غير طريق الحسن ، لكنها ليست بطول رواية الحسن ، وإنما هي في جزئه الأول دون الجزء الثاني.والنهي عن البول في المستحم, قال بعض العلماء: إن المقصود من ذلك: ما إذا كان المستحم يستقر فيه البول لكون المكان صلباً، أو فيه شيء لا يذهب معه البول، أو يكون رخواً بأن يكون تراباً يشرب البول، ولا يبقى للبول أثر إلا رطوبة ذلك التراب، أو ليس فيه منفذ يجري فيه البول، فإذا كان المكان رخواً وشرب البول, وذهب البول ولم يبق له وجود، أو كان هناك منفذ كالبالوعة يذهب فيه البول ولا يستقر، فإن هذا لا مانع منه، قالوا: لأن المحذور من ذلك أنه إذا كان البول موجوداً ثم استحم؛ فإن هذا البول المجتمع يتطاير ويحصل منه الرشاش إلى جسده؛ فيؤدي ذلك إلى الوسواس، هل وقع عليه بول أم لا؟! ففسروا الحديث بما كان من هذا القبيل، أما إذا ذهب البول ولم يبق له وجود؛ فإن هذا لا يؤثر؛ لأن المحذور هو انتقال البول، والبول لا ينتقل إلا إذا كان موجوداً، أما إذا ذهب مع المنفذ أو الأرض الترابية وذهب البول فيها, ولم يبق للبول وجود؛ فإن هذا المحذور قد زال.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)
قوله: [ حدثنا علي بن حجر ].وهو: السعدي، وقد سبق ذكر علي بن حجر مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وفي نسخة التقريب المصرية بدل الترمذي أبو داود ، وهذا ليس موجوداً في الخلاصة, ولا تهذيب التهذيب، بل لم ينص عليه في تهذيب الكمال؛ لأن في تهذيب الكمال ذكر الذين رووا عنه وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي، ولم يذكر أبا داود ، فما في ذلك من الرمز لـأبي داود في نسخة التقريب المصرية خطأ، والصواب: الترمذي . وعلي بن حجر ثقة, حافظ. [ أنبأنا ابن المبارك ].وابن المبارك يأتي لأول مرة، وهو: عبد الله بن المبارك المروزي ، وهو إمام، جليل, ثقة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت, إمام, جواد, مجاهد, جمعت فيه خصال الخير، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن معمر ].وهو: ابن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة.[ عن الأشعث بن عبد الملك ].قال هنا: ابن عبد الملك ، وفي رجال النسائي أشعث بن عبد الملك , وأشعث بن عبد الله ، وفي بعض نسخ النسائي في هذا الإسناد: أشعث بن عبد الله ، وفي نسخ الآخرين الذين هم أصحاب السنن الباقون: الترمذي, وأبو داود , وابن ماجه قالوا في الإسناد: أشعث بن عبد الله، وفي إحدى نسخ النسائي : أشعث بن عبد الله ، وفي تهذيب الكمال لما ترجم لـمعمر بن راشد ذكر: أنه روى عن أشعث بن عبد الله ، ولم يذكر: أشعث بن عبد الملك ، وكل هذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، أولاً: كون إحدى النسخ فيها أشعث بن عبد الله ، وكون الكتب الأخرى التي فيها هذا الحديث نفسه, ومن هذا الطريق, كلهم ينصُّون على أنه أشعث بن عبد الله ، وفي ترجمة معمر بن راشد في تهذيب الكمال ذكر: أن من شيوخه أشعث بن عبد الله ؛ فهذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، فمعنى ذلك أن الذي في النسخة الموجودة معنا ليس صواباً، وإنما الصواب كما في النسخة الثانية من جهتين: من جهة أن معمر بن راشد ما ذكر المزي في شيوخه أشعث بن عبد الملك ، وثانياً: أن الذين رووا الحديث مع النسائي, وهم أصحاب السنن الباقون كلهم نصوا في الإسناد على أنه ابن عبد الله ، والحديث مخرجه واحد، فإذاً: هو ابن عبد الله . وابن عبد الله هذا ذكر الحافظ ابن حجر: أنه من رجال الأربعة، ومن رجال البخاري تعليقاً.فالصحيح: أنه ابن عبد الله وليس ابن عبد الملك ، وهو صدوق.[ عن الحسن ].وهو ابن أبي الحسن ، وأبوه اسمه يسار ، ولكنه مشهور بكنيته، ولهذا يقال له: الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو إمام مشهور, ثقة حافظ، وكان يدلس ويرسل، معروف بالتدليس والإرسال، وهنا الحديث عنعنه عن عبد الله بن مغفل ، فهو محتمل الضعف، بل لا يعتبر ثابتاً لمجرد هذا، ولكن كما ذكرت: أن في سنن أبي داود حديثاً آخر صحيحاً؛ فيعتبر المقدار الذي يوافقه من حديث الحسن ثابتاً، أما ما جاء في آخره فهذا مما لم يأت إلا في هذا الحديث، ولهذا كما قلت: اعتبر الألباني الجملة الأولى صحيحة من أجل الحديث الثاني، والجملة الثانية ضعيفة؛ لأنها ما جاءت في الحديث الآخر.[ عن عبد الله بن مغفل ].أما عبد الله بن مغفل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج له أصحاب الكتب الستة، وفي الخلاصة ذكره على طريقته، وذكر عدد ما له, وما اتفق عليه من أحاديثه, وما انفرد البخاري به, وما انفرد به مسلم.
السلام على من يبول
شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السلام على من يبول.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة قالا: أخبرنا سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام)]. يقول النسائي رحمة الله عليه: السلام على من يبول، يعني: ما ورد في السلام على من يبول، وذكر الأمر مطلقاً، ما ذكر نهياً ولا كراهية ولا أمراً، وإنما قال: السلام على من يبول، مقصوده من ذلك: ما ورد فيه، وبيان حكمه، وقد أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام). وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عليه ليبين له أن السلام على من يبول لا ينبغي، فتركه الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي أن يسلم على من يبول؛ لأن من يبول ليس له أن يذكر الله عز وجل، ومن المعلوم أن السلام فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، وهو من الذكر والدعاء، والإنسان الذي يبول يسكت ولا يتكلم، إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى أن يتكلم من أجل حاجة اقتضت ذلك، أما أن يدعو وأن يذكر الله عز وجل -ومن ذلك السلام ورد السلام- فإنه لا يفعله، قالوا: وعدم إجابته له إنما هي تأديب له, وتنبيه له على ألا يعود.والحديث رواه مسلم وبعض الأئمة.
تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)
قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].محمود هذا يأتي ذكره لأول مرة في شيوخ النسائي ، وهو من شيوخه, وشيوخ أصحاب الكتب إلا أبا داود ، فإنه لم يخرج له, ولم يرو عنه شيئاً، فهو شيخ لأصحاب الكتب الخمسة، وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وأما الإمام أبو داود فلم يخرج له شيئاً، ولم يرو عنه في كتبه، وهو ثقة. [ حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة ].زيد بن الحباب هو صدوق يخطئ في حديثه عن سفيان الثوري ، وشيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد هو سفيان الثوري ، وقد قالوا: إنه يخطئ في حديثه عن الثوري ، وهذا منه، لكنه مقرون بـقبيصة ، وقبيصة صدوق ربما خالف، لكن اجتماعه مع زيد بن الحباب الذي في حديثه شيء عن سفيان يجعل الشيء الذي في حديثه عنه لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد بالرواية عنه، وإنما شاركه غيره فيها وهو قبيصة . وقبيصة هنا مهمل لم ينسب، وقبيصة يطلق على جماعة، ومن المعلوم أن الطريقة التي يعلم بها تعيين المهمل وتمييزه: أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، ومن خرجوا له، وإذا رجعنا إلى ترجمة محمود بن غيلان في تهذيب التهذيب فنجد أنه روى عن قبيصة بن عقبة ، وما ذكر أنه روى عن شخص آخر يقال له: قبيصة، إذاً: فقد عرف المهمل، وذلك بالرجوع إلى الشيوخ والتلاميذ، لكن يبقى لو أنه روى عن قبيصة وهما اثنان مثلاً، فأيهما هو هذا أو هذا؟ هذا يحتاج إلى تمييز، يمكن أيضاً أن ينظر فيمن هو أكثر ملازمة، ومن هو أكثر أخذاً، وهذه الطريقة التي يميز بها أحد الاثنين المشتبهين اللذين لا يدرى أيهما هو أهذا أم هذا؟ لكن هنا ليس هناك تعدد فيمن روى عنه محمود بن غيلان ممن يقال له: قبيصة، لا يوجد إلا واحد، وهو قبيصة بن عقبة.وقبيصة بن عقبة من رجال الجماعة، وربما وهم.أما زيد بن الحباب فهو من رجال مسلم والأربعة.[ أخبرنا سفيان ].سفيان غير منسوب، ما قيل: سفيان الثوري ولا سفيان بن عيينة ، لكن زيد بن الحباب ذكروا بأنه يروي عن سفيان الثوري ، وفي حديثه عنه شيء، إذاً: عرف هذا المهمل الذي هو سفيان, وأن المقصود به الثوري ، وليس المقصود به ابن عيينة ؛ لأن زيد بن الحباب إنما روى عن سفيان الثوري . والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي ، وهو ثقة كما ذكرت سابقاً عند ذكر سفيان بن عيينة: أن ابن حجر لما ذكر كلاً منهما ذكر فيه عدة صفات، فقال: ثقة, حافظ, فقيه, إمام, حجة، فذكر خمس صفات، وزاد في الثوري أنه قال: عابد، وسفيان الثوري إمام في الحديث والفقه، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث، وشعبة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وبعض العلماء جعل سفيان أعظم وأقوى وأمكن من شعبة ؛ وذلك بسبب أنهم عدوا ما أخطأ به هذا وما أخطأ به هذا؛ فكان ما أخطأ به سفيان أقل مما أخطأ به شعبة ، فصار سفيان أرجح من شعبة وإن كان كل منهما في القمة، لكن يميزون الشخص على الشخص بقلة خطئه في حديثه، ويقارنون بين الخطأ عند هذا وهذا، فإذا رأوا واحداً منهما أقل اعتبروه أمكن، وإذا كان أكثر من الثاني وإن كان قليلاً اعتبروه دونه.وحديث الثوري هو عند الجماعة, وحديثه عندهم كثير.[ عن الضحاك بن عثمان ].وهو: الضحاك بن عثمان أبو عثمان ، وهو من رجال مسلم والأربعة , كـزيد بن الحباب، وهو صدوق ربما يهم. [ عن نافع ].ونافع هو: مولى ابن عمر ، وهو الإمام المشهور الذي مر ذكره، وهو من الثقات, الحفاظ, المتقنين، بل هو أحد رجال السلسلة الذهبية عند البخاري حيث يقول: أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـنافع هو أحد السلسلة التي يقول عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد ، فهو في القمة، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[ عن ابن عمر ].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب المعروف بكثرة الحديث، وهو أحد السبعة المكثرين من الصحابة الذين تجاوز حديثهم الألف، والذين يعتبرون أكثر من غيرهم حديثاً في الكتب، وقد قال في الخلاصة: إن له ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً في الكتب الستة، اتفق البخاري ومسلم على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بواحد وثمانين ، وانفرد مسلم بواحد وثلاثين حديثاً، فهو مكثر، وهو من صغار الصحابة، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) يعني: أذن له بأن يكون في جملة المقاتلين، وهذا يدلنا على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حب الخير، والحرص على الجهاد، وأن الواحد الصغير يأتي ويرجو أن يؤذن له، فيعرض في المرة الأولى ويقال له: صغير, فيرجع، وفي المرة الثانية يكون قد بلغ فيؤذن له، وكانوا يحرصون على الجهاد في سبيل الله، وكانوا يقدمون أنفسهم وهم لم يصلوا إلى أن يكونوا ممن يؤذن لهم، فابن عمر لم يؤذن له؛ لأنه لم يبلغ الخامسة عشرة، وفي الخندق بلغ الخامسة عشرة فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم.وهو من صغار الصحابة، فإذا كان عمره يوم الخندق خمس عشرة سنة، والرسول عاش بعدها خمس سنين فمعناه: أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة رضي الله عنه، وهو من المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وإذا قيل العبادلة الأربعة فالمراد بهم صغار الصحابة: ابن عمر , وابن عمرو , وابن الزبير , وابن عباس ، هؤلاء هم العبادلة وليس فيهم ابن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي قبلهم بمدة طويلة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هم فتأخرت وفاتهم، فمنهم من توفي في حدود الستين، ومنهم من توفي بعد ذلك فوق السبعين.قد يقال: من المعلوم أن رد السلام واجب من الواجبات وهنا ما رد عليه.فالجواب أشرت إليه، وهو: أنه أراد التنبيه إلى أنه لا يسلم على من يبول، ولو سلم عليه لا يرد؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، ورد السلام من ذكر الله؛ والسلام من أسماء الله عز وجل، وهو دعاء للمسلم، وهو لا يدعو لنفسه ولا لغيره وإنما يسكت، ولا يذكر الله وهو يقضي حاجته.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:52 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(21)
باب رد السلام بعد الوضوء - باب النهي عن الاستطابة بالعظم
لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى آداب كثيرة، ومن ذلك: أنه أرشدهم إلى تجنب الاستطابة بالعظم؛ لأنه طعام إخواننا من الجن، وكذلك مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله عدم رد السلام أثناء قضاء الحاجة؛ لكونه ذكراً، ولا يجوز الذكر أثناء قضاء الحاجة.
رد السلام بعد الوضوء
شرح حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رد السلام بعد الوضوء.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول؛ فلم يرد عليه حتى توضأ، فلما توضأ رد عليه) ].هنا أورد النسائي ترجمة أخرى وهي: رد السلام بعد الوضوء، والمقصود من ذلك: ما جاء في رد السلام بعد الوضوء، وأورد فيه حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول, فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه السلام).وهذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء من جهة أنه من رواية الحسن وهو البصري ، فقد رواه بالعنعنة، وهو يدلس ويرسل، وتكلم فيه بعض العلماء لهذه العلة، والشيخ الألباني قال: إن الكلام في رواية الحسن إنما هو عن الصحابة، أما روايته عن التابعين - وهنا يروي عن حضين أبي ساسان وهو تابعي - فلا تكون من هذا القبيل، وقال: إن للحديث شاهداً من طريق آخر فيه كلام، ولكنها تشهد لهذه الطريق التي جاءت من طريق الحسن، واعتبر الحديث صحيحاً، وقال: إنه يدل على أن رد السلام على غير طهارة مكروه، أو أنه خلاف الأولى، ومن باب أولى أن تكون قراءة القرآن كذلك، ومن المعلوم أن قراءة القرآن جائزة وسائغة إلا في حال الجنابة، فهو الذي يمنع من قراءة القرآن، أما غيره فإنه يقرأ القرآن وإن كان على غير وضوء ما دام أنه ليس جنباً، فله أن يقرأ القرآن وله أن يذكر الله عز وجل.فهذا الحديث أولاً فيه كلام في ثبوته، وإذا ثبت فيكون المراد منه: الإشارة إلى أن الأولى في السلام وفي ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن أن يكون على طهارة، ولكنه لا يدل على التحريم، وأن ذلك غير سائغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يرد وهو على غير طهارة، واتبع ما هو الأولى, وإلى ما هو الأفضل، وأما أن يكون حراماً والإنسان لا يذكر الله إلا على طهارة، أو لا يقرأ القرآن إلا وهو على وضوء؛ فهذا ليس بواضح.إذاً: فالحديث إذا ثبت ليس فيه إلا الإشارة إلى الأولوية وإلى الأفضل والأكمل، لا على التحريم والمنع، وقد عرفنا الحديث الذي مضى الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، وقالوا: إن هذا فيه تأديب له، وفيه تنبيه له إلى أن الذي يبول لا يسلم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه وهو يبول لما سلم عليه؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، والسلام فيه ذكر لله عز وجل، والحديث هذا لا يتعارض مع ذاك إلا من ناحية أن الفرق بينهما: أن الكل فيه سلام إلا أن الأول ما فيه رد والثاني فيه رد بعد الوضوء وبعد الفراغ من البول، ولا شك أن ذكر الله عز وجل وكون الإنسان يكون على طهارة أولى، لكن كونه ممنوعاً, وكونه لا يسوغ فهذا ليس بواضح من الحديث إذا صح الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].ومحمد بن بشار هو بندار ، وقد مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى: أن محمد بن بشار الملقب بندار ، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة وهي :سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري -الذي هو أول أصحاب الكتب موتاً- بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخه الذين كانت وفاتهم قريبة من وفاته، وأما كبار شيوخه الذين أدركهم في صغره وفي كبرهم وماتوا في وقت مبكر, مثلاً: سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشرة, أو ما كان قريباً من ذلك؛ فهؤلاء شيوخه الكبار، وأما شيوخه الصغار الذين هم مقاربون له في الطلب، ووفاتهم قريبة من وفاته؛ لأن أكثر حياته وهو مدرك لهم، أو كل حياته وهو مدرك لهم؛ لأنه ما بينه وبينهم إلا أربع سنوات، وأما الكبار الذين ماتوا سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشر, فهؤلاء بينه وبينهم عشرات السنين في الوفاة.فـمحمد بن بشار لقبه بندار ، وهو شيخ لأصحاب الكتب، وهو من الثقات الحفاظ. [ حدثنا معاذ بن معاذ ].وهو: معاذ بن معاذ البصري ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة. [ حدثنا سعيد ].وفي بعض النسخ: شعبة بدل سعيد ، لكن إذا رجعنا إلى ترجمة معاذ بن معاذ في تهذيب التهذيب، واستعرضنا شيوخه نجد أن فيهم: سعيد بن أبي عروبة , وليس فيهم شعبة ، فعرفنا أنه سعيد وليس شعبة الذي جاء ذكره في بعض النسخ.وفي شيوخ معاذ بن معاذ ممن يسمى سعيداً واحد، وهو: سعيد بن أبي عروبة , وهو ثقة, حافظ, إلا أنه كثير التدليس, واختلط أيضاً, وهو من رجال الجماعة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث قتادة ، وهذا معناه: أنه متمكن في حديث قتادة .[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي الذي مر بنا قريباً في حديث البول في الجحر، وقيل له: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنه يقال: إنها مساكن الجن. وهو من رجال الجماعة، وهو حافظ متقن، وهو من الحفاظ المتقنين، وهو مدلس. [ عن الحسن ].وهو الحسن البصري بن أبي الحسن ، وهو ثقة, إمام, إلا أنه يرسل ويدلس، وهو من أصحاب الكتب الستة.فعندنا في هذا الإسناد: محمد بن بشار , ومعاذ بن معاذ, وسعيد بن أبي عروبة، وقتادة، والحسن البصري ،كل هؤلاء من رجال الجماعة، والخمسة كلهم من رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن حضين أبي ساسان ].وأبو ساسان هذا لقب وليست كنيته، يقال: كنيته أبو محمد , ولقبه أبو ساسان ، وهو على صيغة الكنية، وهذا مثل أبي الزناد الذي يروي عن الأعرج فهو لقب وليس بكنية، وهذا مثله فـأبو ساسان لقب وليس بكنية، يعني: ليس له ابن اسمه ساسان، وإنما يلقب أبا ساسان ، وهو ثقة من الثانية، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.وكونه لا يوجد إلا في مسلم فهذا غلط واضح؛ لأن الحديث في النسائي ، فهو من رجاله، فأنا كنت أظن أن رمز الميم هذه أربعة، يعني: أنه من رجال الأربعة، ولكن بعدما رجعت إلى الكتب الأخرى التي تترجم له في الخلاصة وفي غيرها وإذا هي: ميم دال سين قاف، يعني: مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، فالنسبة أو الرمز له هنا بالميم وحدها هذا لا شك أنه غلط، وهذا في الحقيقة من معايب الرموز في بعض الأحيان، وكما قلت لكم: المزي رحمة الله عليه لا يرمز للشخص الذي يترجم له، وإنما يذكر بعدما يدخل في الترجمة الذين خرجوا له بأسمائهم، فلان وفلان وفلان، فهذه طريقة المزي، ولكنه يرمز للشيوخ والتلاميذ عندما يقول: روى عن فلان وفلان وفلان فيذكر فوق الاسم رمز من خرج له، ولكن الشخص الذي يترجم له لا يرمز له، وإنما يأتي في آخر ترجمته ويقول: روى عنه فلان وفلان وفلان، ويذكر أصحاب الكتب الذين خرجوا حديثه بأسمائهم، بالألفاظ لا بالرموز، فالرمز خطأ واضح؛ لأن الحديث في النسائي فالإنسان عندما يجد الميم يعرف أن الأمر غلط واضح. [ عن المهاجر بن قنفذ ].والمهاجر بن قنفذ صحابي، ويقال: إن المهاجر وقنفذ لقبان، وأنهما ليسا اسمين، لكنهما مشهوران، ولهذا يذكرون الترجمة باسم المهاجر بن قنفذ ؛ لأنه مشتهر بذلك، سواء كان لقباً أو اسماً، لكن يقال: إنهما لقبان, واسمه عمرو بن خلف ولكنه مشهور بـالمهاجر بن قنفذ ، ويذكرون ترجمته في حرف الميم في المهاجر ولا يذكرونه بـعمرو بن خلف، وهو الصحابي الذي يروي الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
النهي عن الاستطابة بالعظم
شرح حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالعظم. أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ].يقول النسائي رحمة الله عليه: النهي عن الاستطابة بالعظم.الاستطاب� � المراد بها: الاستنجاء أو الاستجمار، وهي: إزالة النجاسة وتطييب محلها وتطييب موضعها، فقيل لها الاستطابة؛ لأن فيها إزالة النجاسة, وجعل محلها نزيهاً نظيفاً، فهذه هي الاستطابة، وهي تكون بالحجارة وتكون بالماء.وهذه الترجمة هي النهي عن الاستطابة بالعظم، وقد أورد النسائي فيها: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ، وهو مشتمل على النهي عن الاستطابة بالعظم والاستطابة بالروث، وقد عقد ترجمة أخرى تتعلق بالاستطابة بالروث وأتى بحديث آخر يدل على ما دل عليه هذا الحديث، وهذا من طريقة النسائي رحمة الله عليه في إيراده الأحاديث المختلفة التي تشتمل على موضوعات، ويستدل على كل موضوع منها بالحديث، إما أن يكون الحديث واحدا ويأتي من طريقين، أو يكون الحديث جاء عن جماعة من الصحابة, فيورده عن صحابي في موضع ويورده عن صحابي آخر في موضع آخر.والنهي عن الاستطابة بالعظم عللها بعض العلماء بأن العظم قد يكون نجساً فتكون الاستطابة به بنجاسة، وهذا على أنه عظم ميتة، وهذا على القول بأن عظم الميتة تحله النجاسة، وفيه خلاف بين العلماء.ومنهم من قال: إنما نهي عنه لملاسته وكونه أملس -أي: العظم- فلا يحصل منه الإنقاء والتنظيف.ولكن التعليل الأوضح هو: الذي جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه لما سئل عنها قال: (إن العظم طعام إخوانكم من الجن) فهذا هو الذي يدل على الحكمة, وعلى وجه المنع أنه طعام إخواننا من الجن، فالاستنجاء به أو الاستطابة به تقذره عليهم، فنهي عن الاستنجاء به، وقد جاء ذلك مبيناً في بعض الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)
قوله: [ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ]. وهذا يأتي لأول مرة، اسم هذا الرجل الذي هو من شيوخ النسائي لم يسبق ذكره في الأحاديث الماضية، وهو مصري، وكنيته أبو الطاهر ، وقد روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً، وكثيراً ما يقول مسلم : حدثنا أبو الطاهر بن السرح، فكثيراً ما يذكره مسلم بكنيته، وأحياناً ينسبه مع كنيته، وهو مصري, ثقة, أكثر عنه الإمام مسلم كما ذكرت، وقد خرج حديثه مسلم, والنسائي كما هو موجود عندنا، وكذلك أبو داود وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي ، وهو شيخ لهؤلاء الأربعة الذين هم: مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، فهو شيخ لهم رووا عنه وأخذوا عنه.[ أنبأنا عبد الله بن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، المشهور الذي هو محدث وفقيه، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأحاديث، وكثيراً ما يأتي ذكره في كتب الفقه، فهو ثقة ثبت، وهو محدث وفقيه، وهو مصري أيضاً كتلميذه أحمد بن عمرو بن السرح، فهما مصريان، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [ أخبرني يونس ].وهو: يونس بن يزيد الأيلي هذا أيضاً مر بنا ذكره، وهو ثقة ومن رجال الجماعة أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وابن شهاب مر ذكره مراراً، وهو المحدث, الفقيه, المعروف بجلالته وإمامته، وهو أول من جمع السنن بتوجيه وأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروذكرت فيما مضى: أن ابن شهاب مشهور بنسبتين: بنسبته إلى شهاب وهو من أجداده وليس هو جده القريب، وإنما هو جد من جملة أجداده الذين هم في عمود نسبه، وكذلك أيضاً الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب بن مرة بن غالب بن لؤي ، يجتمع مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، وزهرة أخو قصي ، وهذا زهرة بن كلاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وسبق أن ذكرت لكم نسبه إلى زهرة، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، فهذا هو النسب الذي ينسب إليه بالنسبة الأولى. فهو ينسب إلى زهرة, ويقال له: الزهري، وينسب إلى جده, فيقال: ابن شهاب ، فأكثر ما يأتي ذكره ولا يكاد يعرف في الأسانيد إلا بهذين اللفظين: ابن شهاب, أو الزهري ، وهو محمد بن مسلم، ويوافقه في هذا الاسم من المحدثين: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس ، وهو مكي يوافقه في اسمه واسم أبيه، هذا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله وهذا محمد بن مسلم بن تدرس.[ عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي ].وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي ، وأبو عثمان بن سنة هذا روى عنه الزهري كما هو هنا، وقد ذكر عنه الحافظ في التقريب أنه مقبول، ورمز بأن حديثه خرجه النسائي, وابن ماجه في التفسير، ورمز له بـ(س) للنسائي , وبفاء وقاف لـابن ماجه في التفسير؛ لأن القاف لـابن ماجه والفاء للتفسير، فإذا رمز له بالفاء والقاف معاً مقرونتان فهو ابن ماجه في التفسير.وكونه مقبولاً، فمن يوصف بأنه مقبول لا يقبل حديثه إلا إذا اعتضد، وإذا توبع أو شاركه غيره. ومن المعلوم أن الاستنجاء بالعظم والروث جاء فيه أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما، فإذاً الحديث ثابت؛ لأنه لم يتفرد به، بل جاء من طريق غيره فيكون الحديث ثابتاً, فإنه لم ينفرد، بل جاء عن جماعة من الصحابة، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة عن أن يستطاب بالعظم والروث، ومن ذلك الحديث الذي بعد هذا.وما أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن, لأنهم لا يرمزون له بالفاء والقاف إلا إذا كان ليس في السنن، لأنه إذا كان في السنن فإنهم يكتفون به عنده، ولو كان عنده في خارجها، ولكن إن لم يرو له في السنن أتوا بالرمز له، وأنا لا أدري إذا كان خرج له ابن ماجه في السنن.[ عبد الله بن مسعود ].أما عبد الله بن مسعود فهو: ابن غافل الهذلي ، وهو من هذيل، ومن المهاجرين ومن السابقين الأولين، وهو من أهل العلم من علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعاً، وقد خرج حديثه الجماعة، وقد ذكر في الخلاصة أن له ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، وانفرد مسلم بخمسة وثلاثين، فهو قد روى الكثير، ولكنه ما عد من السبعة المكثرين؛ لأنه دونهم وإن كان قد روى الكثير من الأحاديث، لأن ثمانمائة حديث شيء كثير، ولكن ذكر السبعة الذين تكرر ذكرهم لكونهم قد زاد حديثهم على الألف، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فقد روى هذه الأحاديث الكثيرة, ولكنه ما عد فيمن بلغوا الغاية في الكثرة، حيث جاوز حديثهم الألف.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:54 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(22)
باب النهي عن الاستطابة بالروث - باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار
من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند قضاء الحاجة ألا يستجمر بالروث والرمة، لأنها لا تطهر موضع النجاسة؛ ولأنها طعام دواب الجن. ومن الآداب كذلك ألا يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن بها يكون الإنقاء والإيتار.
النهي عن الاستطابة بالروث
شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالروث.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن سعيد عن محمد بن عجلان أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) ].أورد النسائي هذه الترجمة: باب النهي عن الاستطابة بالروث؛ لأن الترجمة السابقة: النهي عن الاستطابة بالعظم، وهنا النهي عن الاستطابة بالروث، وكان بإمكانه أن يقول: النهي عن الاستطابة بالعظم والروث ثم يأتي بالأحاديث التي وردت في هذا وفي هذا، لكنه أراد أن يعدد المسائل الفقهية، والمسائل التي يستدل عليها، وأن يفرد كل مسألة بحديث، فمن أجل هذا فعل هذا، وإلا كان بإمكانه أن يضم، لكنه هذه طريقته -كما قلت لكم سابقاً- وهي مثل طريقة البخاري , وكتابه كتاب دراية كما أنه كتاب رواية: ففيه فقه وحديث، فيه سنة وما يستنبط من السنة الذي هو الفقه، والفقه في التراجم، ويقولون عن البخاري : إن فقهه في تراجمه، وكذلك يقال في النسائي أيضاً: إن فقهه في تراجمه، بل إنه يشبه البخاري في الدقة في التعبير, وفي الدقة في وضع الترجمة، ومما يدل عليه ما سبق أن مر من الأمثلة، وأوضحها الترجمة التي سبق أن مرت: الرخصة في الاستياك بالعشي للصائم، ويورد تحتها حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، النسائي أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الترجمة وحديث أبي هريرة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما بعده من بيانه للأمور التي هي آداب قضاء الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد) بل هو أعظم من الوالدين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يجب أن يكون أحب إلى كل مسلم من والديه وأولاده والناس أجمعين؛ لما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، فهو عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهو عليه الصلاة والسلام أحرص وأعظم من الوالدين في التعليم والبيان؛ لأنه أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً, وأكملهم بياناً, وأفصحهم لساناً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكنه قال هذا التمهيد؛ لأن من شأن الوالد أن يكون حريصاً على تعليم ولده كل شيء، حتى الأمور التي يحتاج إليها مما يستحيا من ذكرها.فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يبين لهم كل ما يحتاجون إليه، وأن الوالد هذا شأنه أن يحرص على تعليم ولده كل ما يحتاج إليه، ولو كان من الأمور التي يُستحيا منها، ومن ذلك: ما يتعلق بقضاء الحاجة, وما إلى ذلك.ثم بين عليه الصلاة والسلام ما بهذا التمهيد، فقال: ( إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، يعني: عند قضاء الحاجة لا يستقبل القبلة -أي: لا يتجه إلى الكعبة وهو يقضي حاجته- ولا يستدبرها، وقد مرت الأبواب في موضوع الاستقبال والاستدبار، لكن المقصود من إيراد الحديث هو ما يأتي من ذكر الروث والرمة.( ولا يستنجي بيمينه )؛ أي: لا يستعمل اليمين وهو يستنجي، وإنما يستعمل اليسار، وهذا سبق أن مر في أبواب عدم الاستنجاء باليمين والنهي عن ذلك.( وكان يأمر بثلاثة أحجار عند الاستنجاء )؛ أي: أمر بأخذ ثلاثة أحجار يستنجي بها عندما ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالحجارة، ويكون ذلك ثلاثاً، والأمر بالثلاثة ليكون جامعاً بين الإيتار والإنقاء؛ لأن الثلاثة تنقي وأيضاً هي وتر، وقد جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الإيتار في الاستنجاء، وهنا ذكر أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار؛ لكونها وتراً، ولكونها تنقي ويحصل بها الإنقاء والتنظيف والتطهير والتطييب الذي عبر عنه بالاستطابة. (ونهى عن الروث والرمة) هذا هو محل الشاهد من النهي عن الاستطابة بالروث والرمة.والرمة: هي العظم، وقيل أن المراد بها: العظم البالي، قالوا: وإذا كان النهي ورد وإن كان بالياً فإن غيره من باب أولى، وقد جاء الحديث بالإطلاق في ذكر العظم، فسواء كان موصوفاً بأنه بالٍ أو غير بال كل ذلك يدخل تحت العظم المنهي عنه في الاستعمال، وقد عرفنا ما يتعلق بالاستنجاء بالعظم في الباب الذي قبل هذا، أما ما يتعلق بالروث -وهو الذي ترجم له في هذا الحديث- فقد جاءت أيضاً السنة في بيان الحكمة في المنع منه في الحديث الذي ورد فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فقال: ( إن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث طعام دوابهم ).فإذاً: التعليل الواضح الذي جاء به الحديث الصحيح أن النهي لحكمة وهي: عدم إفساد الطعام على الجن وكذلك عدم تلويث وتقذير الطعام الذي هو لدواب الجن, كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والعظم البالي هو: العتيق القديم الذي يؤكل ومضى عليه مدة طويلة حتى صار يتفتت. أما الاستقبال والاستدبار في غير قضاء الحاجة ما أعلم أن شيئاً يمنع منه، لا عند النوم ولا عند الجلوس، فكون الإنسان يمد رجله إلى القبلة لا أعلم شيئاً يمنع منه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث
قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد ذكرت لكم قبل مدة: أن الدورقي يعقوب بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، وذكرت لكم: أن هناك شخصين يماثلانه بكونهم شيوخ لأصحاب الكتب، وبكونهم ماتوا معه في سنة واحدة -وهي سنة مائتين واثنين وخمسين- وهما: محمد بن بشار الملقب بـبندار، ومحمد بن المثنى الملقب بـالزمن ، فإن هذين مع هذا الذي هو يعقوب كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنين وخمسين، بل إن الاثنين الآخرين -وهما: محمد بن المثنى , ومحمد بن بشار- اتفقا في شيء أكثر من هذا؛ فإنهما اتفقا في سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وهم في طبقة واحدة من البداية حتى النهاية، حتى قال الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان؛ أي: لا أحد منهما يسبق الآخر، فكل واحد منهما بجوار الآخر.[ حدثنا يحيى يعني: ابن سعيد ].يحيى بن سعيد ، هو: ابن سعيد القطان الإمام, المحدث, الناقد الذي هو إمام في الجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة، وقد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به عن الذهبي, ومعه شخص آخر يشاركه فيها؛ وهو عبد الرحمن بن مهدي ، يقول الذهبي عنهما في كتاب من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: إنهما إذا جرحا شخصاً؛ فإنه لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما إذا جرحاه؛ فإن جرحهما أصاب الهدف، وهذا يدل على تمكنهما، وأنهما إذا اجتمعا على شخص فمعنى ذلك: أنه يتمسك بكلامهما؛ لأن جرحهما لا يكاد يندمل إذا جرحا شخصاً واتفقا على جرحه.وذكرت أيضاً: أن هذا الشخص يأتي في طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد؛ لأنه من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة, وهو يحيى بن سعيد الأموي ولكن الإكثار من الرواية هو عن القطان . ثم أيضاً من علامة الأموي أنه يروي عنه ابنه سعيد ، فإذا جاء في الإسناد: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي؛ فالمقصود به: الأموي ، أو قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن سعيد؛ فالمقصود به الأموي ، أما يحيى بن سعيد القطان فهو أكثر رواية وأكثر شهرة. وقوله: (يعني) هذا مثل (هو) الذي ذكرته فيما مضى، فإن هذه اللفظة (هو) و(يعني) يأتون بها؛ لأن التلميذ الذي هو يعقوب بن إبراهيم عندما روى عن شيخه يحيى اكتفى بكلمة (يحيى) ما قال: يحيى بن سعيد، فالذين جاءوا بعده -النسائي ومن دون النسائي- أرادوا أن يوضحوا يحيى فقالوا: (يعني ابن سعيد) فكلمة (يعني) قالها من دون الدورقي ، وفاعلها الدورقي ؛ لأن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الدورقي، والذي دون الدورقي أتى بكلمة (يعني) فهو قائلها، وليس قائلها الدورقي؛ لأن الدورقي لا يحتاج أن يقول: (يعني)، بل يقول: فلان بن فلان ويذكر اسمه إلى عشرة أجداد، فكلامه لا يحتاج إلى كلمة (هو) ولا يحتاج إلى كلمة (يعني).[ عن محمد بن عجلان ].محمد بن عجلان، هذا يأتي لأول مرة؛ ما سبق أن جاء ذكره في الأحاديث الماضية، ومن الأشياء اللطيفة التي ذكروها في ترجمته، قالوا: إن أمه حملت به أكثر من ثلاث سنوات؛ أي: بقي في بطنها أكثر من ثلاث سنوات. وهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة وهذا منها، وقد روى له البخاري تعليقاً, ومسلم, والأربعة رووا عنه. لكن -كما عرفنا- حديث العظم والروث جاء في أحاديث ثابتة، فلا يؤثر كونه اختلط في حديث أبي هريرة.
ترجمة القعقاع بن حكيم وأبي صالح
[ أخبرني القعقاع ].القعقاع هذا أيضاً يأتي لأول مرة ذكره في رجال النسائي، والقعقاع في رجال النسائي شخصان هما: القعقاع بن حكيم، والقعقاع بن اللجلاج، وهما في طبقة متقاربة، إلا أن ابن اللجلاج مجهول، وانفرد بالإخراج له النسائي. وأما ابن حكيم فهو ثقة. فكيف نعرف الاسم المبهم المهمل الذي ما نسب هنا؟ نقول: الحديث رواه أبو داود ورواه ابن ماجه ، وفي أسانيد ابن ماجه ذكر مرتين، وعند أبي داود من طريقه كلها يقول: القعقاع بن حكيم، ففي هذه الطرق الثلاث: طريق عند أبي داود، وطريقان عند ابن ماجه يقولون فيها: القعقاع بن حكيم، إذاً: عرف المقصود والمعني هنا بأنه القعقاع بن حكيم.والقعقاع بن حكيم ثقة، روى عنه البخاري في الأدب المفرد، وروى عنه مسلم والأربعة، فهو مثل ابن عجلان إلا أن ابن عجلان في الصحيح تعليقاً، وهذا روى عنه في الأدب المفرد. وكتاب الأدب المفرد كتاب مستقل، قيل: إنه سمي بالأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن في داخل الصحيح كتاباً اسمه كتاب الأدب، وخارج الصحيح كتاباً اسمه الأدب المفرد، إذاً: فهو كتاب مستقل سماه: الأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن جملة كتب البخاري في صحيحه سبعة وتسعين كتاباً، وأحد هذه الكتب السبعة والتسعين كتاب الأدب، فسمي كتاب الأدب المفرد لكي لا يلتبس بكتاب الأدب في داخل الصحيح.[عن أبي صالح ]. أبو صالح هو: السمان، ويقال له: الزيات، واسمه ذكوان الزيات, أو ذكوان السمان، وأحياناً يأتي ذكره باسمه فيقال: ذكوان، وأحياناً يأتي ذكره بكنيته -وهو كثير كما هنا- أبو صالح، وسمي بـالسمان؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, وكثيراً ما يروي عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، لكن البخاري ما خرج لـسهيل بن أبي صالح، فليس من رجاله؛ لكن روى عن أبيه كثيراً. أما مسلم فقد أكثر من الرواية عن سهيل عن أبيه، فـسهيل بن أبي صالح عن أبيه موجود بكثرة في صحيح مسلم .[عن أبي هريرة ].أبو هريرة جاء ذكره كثيراً فيما مضى، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فالمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة هو نفسه جاء في صحيح البخاري عنه يقول: (لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب). لكن أجاب العلماء عما وجد من كثرة حديث أبي هريرة وقلة حديث عبد الله بن عمرو -حيث كان دون ما رواه أبو هريرة- بأجوبة عديدة؛ منها: أن أبا هريرة كان مقيماً في المدينة، وكانت المدينة يرد إليها الناس فيصدرون منها، ومن المعلوم أن من كان في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء الناس من خارجها إليها أنفس ما عندهم أن يبحثوا عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويلتقوا بهم ويتلقوا عنهم العلم، فكثر الآخذون عنه، وهو أيضاً يأخذ عن الصحابة الذين يأتون، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، فهو إما أن يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان ملازماً من حين أسلم في عام خيبر للرسول صلى الله عليه وسلم في بقية حياته، وكان مقيماً في المدينة.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا له كان يحفظ كل ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يسمعه من غيره رضي الله عنه وأرضاه.
النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار
شرح حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: ( قال له رجل: إنَّ صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟! قال: أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، هذه الترجمة عقدها النسائي بالرغم من أن الحديث الذي قبله مشتمل على ما استندت عليه هذه الترجمة، أو يدل على هذه الترجمة، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستنجى بثلاثة أحجار )، لكن هنا أورد هذه الترجمة المشتملة على النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأورد فيها حديث سلمان: (أنه قال له رجل: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟!) وهذا الرجل جاء في بعض الطرق عند ابن ماجه أنه من المشركين، وقال هذا على سبيل الاستهزاء, أو على سبيل العيب؛ لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما قابل ذلك الكلام بالذم أو التوبيخ، بل قابله بالإثبات, وأن هذه ممدحة ومحمدة، وهو أن ديننا كامل، وأن كل شيء علمناه حتى عند قضاء الحاجة، فما حصل تقصير في شيء ونقصان في شيء، بل الشريعة كاملة غاية الكمال، حتى أدب قضاء الحاجة علمنا إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما رد عليه سلمان (قال: نعم) فما قابله بالتوبيخ, أو السب, أو الشتم، أو قال: كيف تستهزئ؟ بل قال: نعم، علمنا كيف نقضي الحاجة؟! وكيف نجلس؟ ولا نفعل كذا ولا كذا.. إلى آخره، وكل هذه من آداب قضاء الحاجة. وهذا مما يستدل به أهل السنة -وكثيرا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- في بيان العقيدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه في أمور العقيدة، وقال: كيف يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الناس دون أن يبين لهم أمور العقيدة, وتركهم يخوضون ويتخرصون فواحد يقول: المراد كذا والمراد كذا، والرسول ما بين لهم المراد؟ فكيف يبين الرسول عليه الصلاة والسلام آداب قضاء الحاجة ولا يبين أمور العقيدة؟! هذا كلام يعقل؟! وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية وفي غيرها، وبين فيه كمال الشريعة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها في العقائد كما بينها في الأحكام، بل بيانها في العقائد أتم وأكثر.ثم قال: كيف يعقل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس أمور قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان, ثم لا يبين للناس أمور العقيدة؟ بل من باب أولى تبيينه، وهذا هو الذي وقع وحصل، فهذا المشرك أتى بهذه الكلمة يريد أن يستهزئ؛ ولكنه قوبل بعكس ما يريد، وأن هذه محمدة وليست مذمة؛ لأن شريعتنا كاملة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء، وهذا هو شأنه, وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم )، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة.( أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، يعني: أننا إذا جلسنا لقضاء الحاجة لا نتجه إلى الكعبة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.( أو نستنجي بأيماننا )؛ أي: أن ننزه اليمين عن أن تتعرض للنجاسات، وإنما نخص الشمال بذلك، فنجعل الشمال هي التي تتولى هذه المهمة، ولا نستنجي باليمين، وهذا من آداب قضاء الحاجة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم.( أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار )؛ لكي يكون هناك شيئان: الإنقاء -وهو: التنظيف , والتطهير, والتطييب- والإيتار؛ لأن الثلاثة وتر، ومن المعلوم أن الحجر الواحد وتر، لكن ذكرت الثلاثة الأحجار ليحصل مع الإيتار الإنقاء؛ وهو حصول التطهير والتنظيف.
تراجم رجال إسناد حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه عند المحدثين، وابن راهويه عند أئمة اللغة يعبرون براهويه, يقولون: إنه مختوم بـ(ويه)، يعني: الأسماء المختومة بـ(ويه)، كـ(نفطويه), (سيبويه), (راهويه)، أما المحدثون فإنهم ينطقون بها على أنها راهويه.و إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ويستدلون بها على تمييزه عمن يشابهه في الاسم، فالمعروف عن ابن راهويه أنه يقول: أخبرنا، ولا يستعمل حدثنا، وقد استعمل حدثنا لكنها بندرة، ويماثله في هذه الطريقة النسائي الذي معنا، فكل ما عندنا (أخبرنا).وبعض العلماء يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ فيجعلون (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ عندما يقرأ وهم يسمعون، فعند التعبير يقول: حدثنا، أما إذا كان الشيخ يسمع وواحد يقرأ فالسامعون عندما يتحملون عنه وعندما يروون عنه يقولون: أخبرنا، ومن العلماء من لا يفرق بينهما؛ مثل: النسائي , وابن راهويه، فهم يستعملون أخبرنا فيما سمعه وفيما قرئ على شيخه وهو يسمع.وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. فأصحاب الكتب الخمسة: الشيخان البخاري ومسلم، وأبو داود, والترمذي، والنسائي كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ للخمسة، أما ابن ماجه فلم يرو عنه شيئاً ولم يخرج له شيئاً، وهو ثقة, حافظ, كما عرفنا ذلك فيما مضى. [ أخبرنا أبو معاوية ].أبو معاوية هذا سبق أن مر ذكره، وقلنا: إنه مشهور باسمه ومشهور بكنيته؛ ولكن كنيته أكثر، واسمه محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير, وهو من رجال أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].الأعمش، هو سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وتأتي الرواية عنه باسمه، كما تأتي الرواية بلقبه، فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، ويقال: الأعمش؛ ولكن بكلمة الأعمش لا يلتبس بغيره، وهو من رجال الجماعة, وهو ثقة.[ عن إبراهيم ].إبراهيم أيضاً سبق أن مر بنا، وهو: ابن يزيد بن قيس بن أسود النخعي، وهو محدث, فقيه، وسبق أن ذكرت لكم فائدة معروفة مشهورة بالإضافة إليه، وقيل: إنها من أولياته، فهو أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فصاروا يتداولونها ويعبرون بها. وما لا نفس له مثل الذباب, والجراد, وهذه الحشرات, التي ليس فيها دم، و(ما لا نفس)، يعني: ليس له دم، فهذه كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, فقيه. [ عن عبد الرحمن بن يزيد ].سبق أن مر بنا أن إبراهيم النخعي يروي عن الأسود بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، وهما خالان له؛ لأنه يروي عن خاليه: الأسود , وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس النخعيين.وسبق أن مر بنا روايته عن خاله الأسود , وهنا يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد، فهما أخوان يروي عنهما ابن أختهما إبراهيم بن يزيد النخعي.وعبد الرحمن بن يزيد ثقة، خرج حديثه الجماعة مثل أخيه الأسود بن يزيد، كل منهما من رجال الجماعة، وكل منهما من الثقات الحفاظ. [ عن سلمان ].سلمان هو: الفارسي رضي الله عنه، وقد أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو الذي أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الخندق بحفر الخندق، وحديثه في الكتب الستة، وله في الكتب الستة ستون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:56 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(23)
(باب الرخصة في الاستطابة بحجرين) إلى (باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها) -
الدين الإسلامي دين يسر، لم يقصد المشقة في التكليف، بل شرع الرخص والبدائل، فمن ذلك أنه يجوز للإنسان أن يستعمل الأحجار بدل الماء في الاستجمار، مع مراعاة طهارتها.ويصح الاستنجاء بحجر له ثلاثة أطراف بشرط الإنقاء، ويسن في ذلك أيضاً الإيتار.
الرخصة في الاستطابة بحجرين
شرح حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الاستطابة بحجرين.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله رضي الله عنه يقول: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، وأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيت بهن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس).قال أبو عبد الرحمن: والركس طعام الجن].يقول النسائي رحمه الله: الرخصة في الاستطابة بحجرين.بعد أن ذكر النسائي ما تقدم من الترجمة التي فيها النهي عن الاستنجاء أو الاستطابة في أقل من ثلاثة أحجار، أورد هنا هذه الترجمة: الرخصة في الاستطابة بحجرين، يعني: في النقصان عن الثلاثة، وأورد في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فجاء بحجرين ولم يجد الثالث، وأخذ روثة، وأتى بالحجرين والروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروث وقال: إنه ركس ) ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليه: والركس طعام الجن.ومحل الشاهد من إيراد الحديث: كون النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحجرين وألقى الروثة؛ يعني: أنه اكتفى بحجرين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه طلب الثالث بدل الروثة التي رماها وألقاها.وقول عبد الله بن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط)، أي: ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو: في الخلاء، وقد تقدم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ذهب أبعد المذهب )، يعني: يذهب بعيداً من أجل قضاء حاجته؛ حتى لا يكون في مرأى من الناس، وكان معه عبد الله بن مسعود في هذه المرة، فطلب منه أن يأتيه بثلاثة أحجار؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن الاستطابة لا تكون إلا بثلاثة أحجار، كما سبق أن تقدم ذلك في حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.وابن مسعود رضي الله عنه نفذ ما أمر به، إلا أنه لم يجد حجراً ثالثاً، فاجتهد وأخذ مكانه روثة وأتى بها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وعلى ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحجرين، فإذا صح أنه طلب الثالث لا يكون هناك وجه للاستدلال بهذا الحديث على الاكتفاء بحجرين.وقوله: (إنها ركس) فسرها العلماء: بأنها نجس، فقد قيل في بعض الروايات: (إنها روثة حمار) ومن المعلوم أن روث الحمار نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه بوله وروثه نجس، أما ما يؤكل لحمه كالإبل، والبقر، والغنم؛ فإن أبوالها وأرواثها طاهرة، وليست بنجسة.أما قول أبي عبد الرحمن: ( الركس طعام الجن )، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد أغرب النسائي ففسر الركس: بطعام الجن، يعني: أن هذا يتوقف على معرفته في اللغة، ولم يأت في اللغة: أن الركس يطلق على طعام الجن، فلو جاء شيء من هذا لكان له وجه، ولكن كما عرفنا في ما مضى أن العلة في عدم الاستنجاء بالروث: أنه طعام دواب الجن كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فالعظم طعام الجن، والروث طعام دواب الجن، فلعل أبا عبد الرحمن يريد هذا، ولكن التفسير بالركس وأنها طعام الجن هذا -كما قال الحافظ ابن حجر- يحتاج إلى ثبوت ذلك في اللغة.أما كون الروث منه ما هو طعام لدواب الجن فهذا قد جاء في الحديث، والمقصود من ذلك هو ما كان طاهراً، كأرواث الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها هي التي تكون طاهرة. أما الأرواث النجسة، فالنجس لا يستعمل، ولا يجوز استعماله لنجاسته، وأما هذه الأرواث التي هي أرواث الإبل، والبقر، والغنم التي يؤكل لحمها، وغيرها مما يؤكل لحمه؛ فإن العلة فيها، والحكمة فيها ما جاء في الحديث الصحيح: أنها طعام دواب الجن.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو: أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، نسبة إلى رها وهي بلد، وهو ثقة حافظ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وحديثه عند النسائي فقط، فهو أحد شيوخ النسائي فهو من رجال النسائي فقط.[حدثنا أبو نعيم].أبو نعيم هو: الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، حافظ، ثبت، من الحفاظ الأثبات، وهو من كبار شيوخ البخاري، ولهذا لم يدركه النسائي؛ لأن من الشيوخ من روى عنهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، مثل ما ذكرنا في ما مضى: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والثلاثة ماتوا سنة مائتين واثنين وخمسين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فأدركهم النسائي وغيره وروى عنهم، وأما أبو نعيم فهو من كبار شيوخ البخاري الذي أدركه البخاري في صغره؛ لأن أبا نعيم توفي سنة مائتين وثمانية عشر أو مائتين وتسعة عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، وكان عمره خمس أو أربع سنوات، فلم يدركه؛ لذلك يروي عنه بواسطة.وهناك من يشاركه في الشهرة بهذه الكنية؛ وهو: أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة، وصاحب الكتب الكثيرة، إلا أن ذاك متأخر جداً؛ لأنه توفي سنة أربعمائة وثلاثين، وهذا متقدم، وكلاً منهما يكنى بأبي نعيم، فالذي لا يعرف الأزمان يمكن أن يقع في باله هذا المعنى، فمعرفة الأزمان، ومعرفة الطبقات، ومعرفة المتقدم والمتأخر هذا يأمن معه من حصول الغلط الفاحش الذي قد يحصل، أو الظن الذي قد يحصل ممن لا يعرف.وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري ما عيب عليه شيء إلا أنه يتشيع، هذا هو الذي عيب عليه، ولهذا لما أورد الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري الأشخاص الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري -وقد ذكرهم على حروف المعجم- وأجاب عن الانتقاد الذي انتقد إليه بأنواع من الأجوبة، فقال: إما أن يكون الشخص مثلاً تكلم فيه في شخص، وهو حديثه في البخاري ليس عن الشخص المتكلم فيه، أو أنه شورك، وأنه لم ينفرد مثلاً بالرواية، أو لغير ذلك من الأسباب، ولكن الذي قاله عن الانتقاد في أبي نعيم الفضل بن دكين، لما ذكره وذكر الثناء عليه، فقال: الثناء عليه يذكر، قال: وما عيب عليه إلا أنه يتشيع، ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. أي: أنه حفظ لسانه عن أن يتكلم في معاوية.ومن المعلوم أن الرافضة والشيعة أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، فالكلام في معاوية سهل ميسور عندهم، حتى الزيدية -الذين يقال: إنهم أعقل الشيعة- من السهل عليهم القدح في معاوية والكلام في معاوية. وهذا الذي قُدح فيه بأنه يتشيع، جاءت عنه هذه العبارة الجميلة؛ وهي قول الحافظ ابن حجر عنه: ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. والحفظة: الملائكة التي تكتب الحسنات والسيئات، والذين يكتبون الأقوال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فقوله: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية يدلنا على سلامته من هذا الذي وصف به، وهو التشيع، ولكن لعل التشيع الذي وصف به من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه المسألة جاءت عن بعض السلف وعن أئمة كبار، ومثل هذا لا يقدح في الرجل، ولا يبدع من يقول به، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، قال: إن تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع من قال به؛ يعني: ليست من المسائل التي يبدع بها، وإنما الذي يبدع بها من قال: إنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على الصحابة الذين قدموا عثمان على علي.أما أن يقدم علي على عثمان في الفضل، فمن المعلوم أن الولاية لا يلزم فيها أن يقدم الفاضل على المفضول، بل يمكن أن يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه قد يقوم في المفضول من حيث تدبير الأمور، وسياسة الأمة؛ لخبرته ولمعرفته بالسياسة والإمارة أكثر من الفاضل، قيقدم من هو مفضول على من هو فاضل.أما العيب والقدح والذي يبدع من يقول به هو تقديم علي بالخلافة؛ لأن معنى ذلك: أن الصحابة الذين اتفقوا عليه أن فعلهم غلط، وأنهم مخطئون، وأنهم أجمعوا على الخطأ، وهذا لا شك أنه أمر قبيح، فلعل ما نقل عنه أو ما ذكر عنه من هذا القبيل، وهذه الكلمة التي ذكرها عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري كلمة عظيمة تدل على سلامته في هذا الباب؛ لأن الشيعة من السهل عليهم ومن أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، ولهذا يقولون: إن معاوية يعتبر كالوقاية لأصحاب الرسول، لأن من اجترأ عليه يجترئ على غيره؛ لأن من تكلم فيه يمكن أن يتكلم في غيره، ومن لم يتكلم فيه صان لسانه -من باب أولى- عن الكلام في الأشخاص الذين لا يُذكرون إلا بالجميل، وهم أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.
ترجمة زهير بن معاوية وأبي إسحاق السبيعي
قوله: [عن زهير].هو: زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو من رجال الجماعة أيضاً، وهو ثقة، حافظ، وهو من الحفاظ المتقنين، إلا أنه قيل: إن روايته عن أبي إسحاق كانت في آخر حياة أبي إسحاق، وأبو إسحاق اختلط في آخر أمره، وفي آخر حياته، فالكلام الذي في زهير بن معاوية؛ أن في روايته عن أبي إسحاق شيئاً؛ لأنه روى عنه بآخره بعد ما اختلط، فروايته عن أبي إسحاق فيها كلام، والحديث الذي معنا من روايته عن أبي إسحاق السبيعي، ولكن زهيراً لم ينفرد بالرواية عن أبي إسحاق، بل تابعه غيره على هذه الرواية، حيث جاءت من طرق عن أبي إسحاق من غير طريق زهير.إذاً: لم ينفرد زهير بن معاوية في الرواية عن أبي إسحاق السبيعي، وإنما شاركه غيره، ولهذا البخاري أورد الحديث في صحيحه، فقال: حدثنا أبو نعيم ثم ساقه بإسناده إلى آخره بنفس اللفظ الموجود في النسائي.قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود.. إلى آخر الحديث بنفس اللفظ الذي ساقه به النسائي، إلا أن النسائي -كما هو معلوم- ما أدرك أبا نعيم، فرواه عنه بواسطة أحمد بن سليمان الرهاوي.فإذاً: ما ذكر من الوهن في رواية زهير عن أبي إسحاق زال بوجود من شاركه في الرواية عنه، وأنه لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه، وإنما رواه عن أبي إسحاق غيره من العلماء.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وهو ثقة حافظ ثبت، وهو من المكثرين من الحديث ومن رواية الحديث، وقد تغير بآخره، وكما عرفنا رواية زهير عنه بعد الاختلاط، ولكنه توبع، وأيضاً هو مدلس.[ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه].أبو عبيدة المراد به: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق يروي هذا الحديث من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود عن ابن مسعود.فإذاً: الطريقان التي روى بهما أبو إسحاق : إحداهما عالية، والثانية نازلة؛ لأن رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، ليس بينه وبين ابن مسعود إلا ابنه أبو عبيدة، وأما روايته عن عبد الرحمن بن الأسود فبينه وبين ابن مسعود اثنان: عبد الرحمن بن الأسود وأبوه الأسود، فالأولى: عالية، والثانية: نازلة، إلا أن الأولى منقطعة؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، على خلاف بين العلماء، ويقول الحافظ ابن حجر: الراجح أنه لم يسمع من أبيه، وعلى هذا تكون الرواية منقطعة، فلما كان أبو إسحاق يروي الحديث من طريقين ذكر الطريق الأولى ثم أضرب عنها بذكر رواية عبد الرحمن؛ لأن رواية أبي عبيدة منقطعة، مع أنها عالية الإسناد، وانتقل إلى الرواية التي هي متصلة ولا انقطاع فيها؛ وهي رواية أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود. قال: (ليس أبو عبيدة ذكره لي) يعني: في رواية هذا الحديث، وإن كان ذكره في طريق أخرى أو في حديث آخر أو من طريق آخر، ولكنه هنا لا يريد أن يروي الحديث من طريق أبي عبيدة وإن كانت عالية، وأضرب عنها إلى طريق عبد الرحمن بن الأسود المتصلة وإن كانت نازلة.فـأبو عبيدة هذا ثقة، وهو لم يسمع من أبيه، وحديثه في السنن الأربعة، وليس له رواية في البخاري، وإنما هنا ذُكر ذكراً؛ لأنه قال: (ليس أبو عبيدة ذكره) إذاً: هو ليس من رجال الإسناد الذين يسند إليهم الحديث هذا، وإنما الذي يسند إليه في الحديث هذا عبد الرحمن بن الأسود؛ لأن قوله: ( ولكن عبد الرحمن بن الأسود )، يعني: هو الذي ذكر لي هذا الحديث.وهنا الرواية ليست بالتحديث، ولكن البخاري رحمه الله لما ذكر الحديث أورد طريقاً أخرى من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق يروي عن أبيه عن أبي إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن، فصرح بالتحديث في الطريق الثانية التي أوردها البخاري بعدما أورد هذه الطريق، فالبخاري أورد طريقاً معلقة من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، ولكنه قال: حدثني عبد الرحمن، يعني: يقولها أبو إسحاق.فإذاً: صرح بالتحديث في هذه الطريق الأخرى التي ذكرها البخاري بعد هذه الطريق التي هي موافقة للطريق التي ذكرها النسائي هنا.
ترجمة عبد الرحمن بن الأسود
قوله: [عن عبد الرحمن بن الأسود].هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن الأسود بن يزيد الذي سبق أن مر بنا ذكره، الذي يروي عنه إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن الأسود، والأسود وعبد الرحمن هما خالان لـإبراهيم النخعي ويروي عنهما، والأسود يروي عنه أخوه عبد الرحمن أيضاً كما ذكروا في ترجمته.إذاً: عندنا عبد الرحمن اثنان: أخو الأسود، وابن الأسود، والذي معنا ابن الأسود، والذي سبق أن مر بنا عبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، والأسود بن يزيد يروي عنه أخوه عبد الرحمن، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن فهنا يروي عنه ابنه عبد الرحمن، ويروي عنه ابن أخته إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن خاليه الأسود، وعبد الرحمن، وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو يأتي لأول مرة، وهو يروي عن أبيه، وهو ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة.[عن أبيه].أبوه هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو من المخضرمين، وقد سبق أن مر ذكره، وهو محدث فقيه يروي عن كبار الصحابة؛ لأنه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً: هذا الإسناد: أحمد بن سليمان الرهاوي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، وهو كوفي، عن أبيه الأسود وهو كوفي، عن ابن مسعود وهو كوفي، فكل رجاله كوفيون إلا أحمد بن سليمان شيخ النسائي فإنه رهاوي.
الرخصة في الاستطابة بحجر واحد
شرح حديث: (إذا استجمرت فأوتر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استجمرت فأوتر)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وأورد تحت هذه الترجمة حديث سلمة بن قيس: (إذا استجمرت فأوتر)، وأخذ من هذا أن أقل الوتر واحد؛ لأنه قال: (إذا استجمرت فأوتر).وقوله: (إذا استجمرت فأوتر) يعني: إذا أخذ الحجارة ليستجمر بها فإنه يوتر، يعني: بواحدة، أو ثلاثة، أو خمسة، وقد جاء في حديث سلمان المتقدم: ( وألَّا يستطيب بأقل من ثلاثة أحجار، ونهانا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ).وهنا النسائي استنبط من هذا الحديث: الاكتفاء بحجر واحد، ومن المعلوم أن المقصود هو الإنقاء مع الإيتار، وإذا حصل الإيتار بأن يكون حجراً كبيراً فيستعمله من جهات مختلفة ومن جهات متعددة؛ فإنه يحصل المقصود، ولكن كون الإنسان يحرص على أن يأتي بالثلاثة الأحجار، هذا هو الذي فيه قطع الشك باليقين، وإزالة الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، وإن كان يحصل الإنقاء بحجر كبير له شعب متعددة، كل شعبة بمثابة الحجر الصغير، ولكن كون الإنسان إذا كان في الخلاء واستنجى بالحجارة، فإنه يستعمل ثلاثة أحجار، وإن استعمل حجراً كبيراً يعادل ثلاثة أحجار، ويحصل به الإنقاء؛ فإن ذلك يكفي، ويدخل تحت عموم هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استجمرت فأوتر)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال الجماعة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرة، وهو محدث فقيه، وإمام جليل، وله مسند، ومن طريقته -كما عرفنا- أنه يستعمل لفظ (أخبرنا) كما يستعملها النسائي.[ أخبرنا جرير].هو: جرير بن عبد الحميد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات.[عن منصور].هو منصور بن المعتمر، وهو من الثقات أيضاً، ومن رجال الجماعة، وقد سبق أن مر، وهو الذي يأتي ذكره مع الأعمش، وقد مر في بعض الأحاديث أنه يروي هو وإياه أحاديث يقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم) فقال سليمان: (أنه مسح على خفيه)، ولم يذكر منصور المسح. فهو من طبقة الأعمش، وقد جاء ذكرهما معاً في بعض الأحاديث المتقدمة.[عن هلال بن يساف].هو: هلال بن يساف وهو ثقة، روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سلمة بن قيس].هو صحابي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل عنهم، ويكفي كل واحد منهم أن يقال: إنه صحابي، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أن يتكلم فيه بشيء؛ لأنه ليس هناك وصف أفضل من هذا الوصف، ولهذا لا يحتاج معه إلى غيره بأن يقال: هو ثبت، أو حافظ أو ما إلى ذلك، إلا إذا كان له بعض الصفات التي يتميز بها يمكن أن تذكر، أما من ناحية التعديل فلا يحتاج أحدهم إلى تعديل بعد أن أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم.وله سبعة أحاديث، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء هم الذين خرجوا حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه.
الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها
شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها فإنها تجزي عنه)].يقول النسائي رحمة الله عليه: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.ومقصود النسائي من هذه الترجمة: أن الحجارة يمكن أن يستغنى بها عن غيرها، ويكتفى بها عن غيرها، وهو الماء، وأنه لا يتعين الماء لإزالة ما يخرج أو أثر ما يخرج، وإنما يمكن أن يكتفى بالحجارة، وإذا استعمل الماء فهو أولى؛ لأن الماء يزيل ما كان في محل الخروج أو ما تجاوز محل الخروج، بخلاف الحجارة فإنها تزيل ما كان في محل الخروج، أما لو انتشر الخارج إلى أماكن أخرى خارج محل الخروج؛ فإنه يحتاج في ذلك إلى الماء، ولا يستغنى عن الحجارة في ذلك.إذاً: الحجارة يمكن أن يكتفى بها عن الماء، ولكن إذا وجد الماء فاستعماله أولى من استعمال الحجارة؛ لأنه يزيل ما يكون على محل الخروج وما تجاوز محل الخروج، بخلاف الاستجمار؛ فإنه يمكن أن يكتفى به فيما إذا لم يتجاوز الخارج محل العادة، فلو انتشر عن محل الخروج فإنه لا بد فيه من الماء.إذاً: فمقصود هذه الترجمة أنه لا يتعين الماء، ولكن إذا وجد ما يقتضيه بأن تجاوز الخارج موضع العادة -أي: موضع الخروج- فعند ذلك لا بد من استعمال الماء، ولا يكفي استعمال الحجارة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، وليستطب بها، فإنها تجزي عنه)، يعني: فإنها تجزي عن الماء، وتغني عن الماء وتكفي، ولا يحتاج إلى غيرها، لكن إذا كانت النجاسة تجاوزت محل الخارج فلا بد من إزالة النجاسة، فالنجاسة إذا جاوزت محل الخروج فلا بد من إزالتها بالماء، وأما إذا لم يتجاوز الخارج موضع الخروج؛ فإنه لا يحتاج إلى الاستنجاء، ويكفي الاستجمار بالحجارة عن الماء.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو: قتيبة بن سعيد الذي تكرر ذكره، وهو الذي جاء في أول حديث من سنن النسائي: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وكلهم رووا عنه، وأخرجوا حديثه بدون واسطة، فهو شيخ لهم جميعاً، وهو ثقة ثبت.[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم].وأبو حازم هو: سلمة بن دينار فـعبد العزيز هو: ابن سلمة بن دينار، ولكن أباه مشهور بالنسبة، وهو مشهور بالنسبة إلى أبيه مكنى، فهو عبد العزيز بن أبي حازم، وهو من رجال الجماعة خرجوا حديثه، وهو صدوق، وأبوه سلمة بن دينار أبو حازم ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة، خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.إذاً: فعندنا قتيبة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو حازم، هؤلاء كلهم من رجال الكتب الستة.[عن أبيه].هو: أبو حازم يروي عن مسلم بن قرط، ومسلم بن قرط هذا قال عنه ابن حجر في التقريب: إنه مقبول، وذُكر أن ابن حبان وثقه وذكره في الثقات، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي.ومن المعلوم أن المقبول لا يحتج بحديثه إلا إذا وجد ما يعضده ويساعده، والحديث ما جاء إلا من طريق مسلم بن قرط هذا، ولكن وجد له شواهد من حديث غير عائشة، منها ما هو بمعناه، ومنها ما هو بلفظه أو قريب من لفظه عن بعض الصحابة، فتكون هذه شواهد له، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً وحسناً باعتبار أن هذا المتن أو هذا المعنى لم ينفرد به، وإنما جاء عن غيره، فهو ثابت لا من هذه الطريقة وحدها؛ لأن من وصف بأنه مقبول لا بد من اعتماد روايته في وجود ما يساعده ويؤيده، وهنا وجد ما يساعده ويؤيده من الشواهد عن بعض الصحابة؛ عن أبي أيوب وسلمان، وقد ذكرها الشيخ الألباني في إرواء الغليل.فإذاً: الحديث ثابت لا من هذه الطريق، ولكن بضميمة غيرها إليها، وضم الشواهد عن بعض الصحابة، فقد رووا ما يشهد لهذا الحديث الذي جاء من طريق مسلم بن قرط، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عروة].هو: عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من المكثرين من الرواية عن خالته عائشة وعن غيرها، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين تقدم ذكرهم بمناسبات مختلفة عند ذكر جماعة منهم.
ابو الوليد المسلم
12-25-2025, 11:59 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(24)
- باب الاستنجاء بالماء - النهي عن الاستنجاء باليمين
جاءت الشريعة المطهرة لترفع من مكانة الإنسان وقيمته، وترشده إلى الوسائل التي من خلالها يستطيع أن يطهر نفسه من النجاسات، وكيفية الاستنجاء من هذه الأدران، وعلمتنا بعض الآداب عند قضاء الحاجة وعند الشرب، وأن نستعمل اليد اليمنى في الأمور المحمودة والطيبة، واليد اليسرى في عكس ذلك، وتجنب التنفس في الإناء؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في تقذره وعدم الشرب منه.
الاستنجاء بالماء
شرح حديث أنس في الاستنجاء بالماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستنجاء بالماء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء)].ثم أورد النسائي الاستنجاء بالماء؛ لأنه هناك ذكر الاستطابة، والاستطابة كما سبق أن عرفنا: هي إزالة النجاسة وتطهير محلها؛ يعني: بحيث يكون محلها طيباً بعدما كان فيه قذر ونجاسة. وأما الاستنجاء فهو مأخوذ من النجو وهو القطع، ومن المعلوم أن الماء هو الذي يقطع النجاسة ويزيلها، بخلاف الحجارة؛ فإنها لا تقطع، ولكنها قد يُكتفى بها؛ وقد لا يكتفى بها، يعني: إذا تجاوز الخارج محل الخروج بأن انتشر البول على غير محله من الذكر فهذا لا بد له من الماء، وأما إذا كان مجرد مكان الخروج فإن الحجارة تكفي، أما الماء فهو الذي يقطع نهائياً ويزيل، ويغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره في إزالة النجاسة كلياً، ولكن الحجارة قد تجزئ فيما إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، كما في الترجمة السابقة: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها؛ يعني: دون الماء، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا تجاوز محل الخروج فلا بد من الماء.فالاستنجا� � هو: من النجو وهو القطع، وهو قطع أثر الخارج بالماء، بحيث يكون طاهراً ونظيفاً، وخالياً من النجاسة.ثم أورد النسائي حديث: أنس بن مالك وهو في الصحيحين -يعني جاء في الصحيحين وفي غيرهما- يقول: (كنت إذا دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء).فقوله: (أحمل أنا وغلام نحوي)؛ يعني: مقارب لي، وكلمة نحوي؛ يعني: مشابه لي، ومقارب لي؛ يعني: أنه صغير مثله يقاربه في السن، والغلام قيل: إنه هو الصغير الذي يميز، وقيل: إنه إلى حد البلوغ، وقيل: إلى أن يلتحي؛ فهذه أقوال متعددة، ولكن قول أنس: (نحوي)، معناه: أنه مماثل له، ومعلوم أن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة.قوله: (غلام نحوي)؛ يعني: أنه في حدود هذه السن؛ قد يكون في آخر أمره، وقد يكون في أول أمره.(إداوة)؛ يعني: إناء من جلد، أو وعاء من جلد.(من ماء)، يعني: مملوء بالماء، أي: فيه ماء، (إداوة من ماء)؛ أي: وعاء من جلد فيه ماء.(فيستنجي بالماء) هذا هو محل الشاهد؛ الاستنجاء بالماء، (فيستنجي بالماء)؛ يعني: يستعمله لإزالة ما يخرج، وما يحصل من أثر الخارج.فالحديث فيه: الاستنجاء بالماء، وفيه: خدمة الأحرار؛ لأن أنس بن مالك وهذا الذي معه كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، وهم من الأحرار، ففيه: خدمة الأحرار.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الاستنجاء بالماء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم مر ذكره مراراً، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وقلت لكم: إن المحدثين يقولون: راهويَه، واللغويين يقولون: راهويْه؛ يعني: مختوم بويه، وهو من الثقات الأثبات، ومن الفقهاء، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه كما عرفنا ذلك فيما مضى، وقد رووا عنه مباشرة، فكل واحد منهم خرج حديثه، وكل واحد منهم يعتبر إسحاق شيخاً له.فأصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه هم من تلامذته، أما ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً، وذكرنا فيما مضى أن من عادته وطريقته: أنه يستعمل (أخبرنا) كما هو موجود هنا، فيقول: أخبرنا. والنسائي هذه طريقته يقول: أخبرنا، وطريقة إسحاق بن راهويه كذلك يقول: أخبرنا؛ وهذه العادة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وقال: الذي عرف بالاستقراء أن من عادته أنه يستعمل أخبرنا، حتى إن الحافظ ابن حجر إذا روى ابن ماجه عن شخص اسمه إسحاق ولم ينسبه، يستدل على أنه ابن راهويه بتعبيره بـ(أخبرنا)، كما ذكر هذا في مواضع، أحد هذه المواضع كما في الجزء السادس صفحة أربعمائة وواحد وتسعين عند حديث نزول عيسى بن مريم من السماء؛ حيث ينزل حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ففي إسناد هذا الحديث ذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث الذي جاء عن إسحاق غير منسوب، قال ابن ماجه : حدثنا إسحاق، وما قال: ابن راهويه، ولكن ابن حجر عندما شرح الحديث جزم بأنه ابن راهويه، وذكر الدليل على ذلك: أنه من عادته أن يستعمل أخبرنا، وذكر أدلة أخرى أيضاً تدل على أنه ابن راهويه، ولكن هناك بعض المواضع جاءت عنه -كما دونتها عندي- يقول فيها: (حدثنا) وهذا قليل ونادر، وأما الغالب عليه فهو استعمال (أخبرنا) كما ذكره الحافظ.قوله: [أخبرنا النضر].والنضر يأتي لأول مرة في رجال النسائي، والنضر يطلق على جماعة، ولكن المزي في تهذيب الكمال في الذين رووا عن شعبة ممن يقال لهم: النضر، لم يذكر إلا النضر بن شميل. فإذاً: الراوي عن شعبة في هذا الإسناد الذي لم ينسب هو النضر بن شميل.والنضر بن شميل ثقة ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ويطلقون على الرجل الذي يذكر ولا ينسب: المهمل، ومعرفة المهمل يكون بالرجوع إلى شيوخه وإلى تلاميذه.وكما ذكرت: الحديث في سنن النسائي، ورجال النسائي وغير النسائي من أصحاب الكتب وهم موجودون في تهذيب الكمال، وتهذيب الكمال يذكر الشيوخ، والتلاميذ، ويستقصيهم على حروف المعجم؛ فيذكر الشيوخ على حروف المعجم، والتلاميذ على حروف المعجم في كل ترجمة، فعندما ذكر الذين أخذوا عن شعبة لم يذكر فيهم ممن يسمى النضر إلا النضر بن شميل.فإذاً: النضر المهمل هنا هو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة[ أخبرنا شعبة]. وهو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الكتب الستة، فكلهم خرجوا حديثه.[عن عطاء بن أبي ميمونة].وعطاء بن أبي ميمونة هذا من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه الجماعة إلا الترمذي فإنه لم يخرج حديثه. وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فقد خرجوا حديثه. إذاً: عندنا في الإسناد إسحاق روى له الجماعة إلا ابن ماجه ، وعطاء بن أبي ميمونة روى له الجماعة إلا الترمذي، والباقون خرج حديثهم أصحاب الكتب جميعاً.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، التي تقول فيه للنساء: (مرن أزواجن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله). قولها: (إن النبي كان يفعله)؛ يعني: يستطيب بالماء، ويستنجي به، والمقصود من ذلك: إرشادها للنساء أن يذكرن أزواجهن بما هو الأفضل والأكمل، لا أن غيره لا يجزئ، بل إن هذا هو الأولى؛ الذي هو الماء، أما غيره فإنه يجزئ عنه، فهو يجزئ عن غيره، وغيره قد يجزئ وقد لا يجزئ، كما ذكرت ذلك من قبل فيما إذا تجاوز المحل الخارج فهنا لازم من الماء، وإذا لم يتجاوز فإنه تكفي الحجارة.وقولها: (إني أستحييهم منه) يعني: أنها تستحي أن تتكلم معهم، وأن تبدأهم بمثل ذلك، لكن كونها تأمر النساء بأن يذكرن أزواجهن، وأن يتحدثن مع أزواجهن، وأن يروين عنها هذا الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فليس فيه حياء، لكن ليس ذلك على سبيل اللازم، وأنه متعين، بل هو إرشاد إلى ما هو الأولى والأكمل.
تراجم رجال إسناد حديث: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء..)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره كثيراً في الأسانيد بهذه الكنية: أبو عوانة، في الصحيحين وفي غيرهما، وهو ثقة، ثبت، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكانت وفاته بعد المائة والسبعين؛ مائة وأربعة وسبعين أو خمسة وسبعين، وهناك شخص يقال له: أبو عوانة مشهور بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج، أو المسند أو الصحيح، يقال له: صحيح أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، وقد طبع منه بعض الأجزاء، وهو مشهور بكنيته، وهو شخص آخر غير هذا، وهو يعقوب بن إسحاق الإسفراييني المتوفي سنة ثلاثمائة وستة عشر، وهو صاحب هذا الكتاب الذي له ثلاثة أسماء، يقال له: مسند؛ لأنه مسند؛ حدثنا فلان إلى آخر الإسناد، ويقال له: مستخرج؛ لأنه مستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: صحيح؛ لأنه مبني على صحيح مسلم.إذاً: أبو عوانة الذي معنا هو من طبقة شيوخ ابن ماجه، ومسلم، وهو من طبقة شيوخ شيوخهم؛ لأنه يروي عن قتيبة، عن أبي عوانة، فـأبو عوانة في القرن الثاني الذي هو اليشكري، وهو من رجال الجماعة، أما أبو عوانة الإسفراييني صاحب المستخرج، فقد توفي في القرن الرابع سنة ثلاثمائة وستة عشر.ومعرفة الأسماء المتشابهة إذا تذكرها الإنسان يسلم من الخطأ الفاحش؛ لأن بعض الناس الذي لا يدري يمكن أن يقع في باله أبو عوانة الذي هو صاحب الصحيح، وصاحب الصحيح هو متأخر؛ يعني: وفاته كان في القرن الرابع الهجري بعد النسائي بثلاث عشرة سنة.[عن قتادة ].وهو: ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر، وحديثه في الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ. [عن معاذة].هي: معاذة بنت عبد الله العدوية، وهي ثقة، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، فهي من الراويات اللاتي خرج عنهن أصحاب الكتب، ولا نقول: من رجال الجماعة؛ لأنها امرأة، ولكن نقول: هي من الراويات اللاتي خرج لهن أصحاب الكتب الستة، وهي من الثقات، وهي التي جاءت في حديث في الصحيحين أنها سألت عائشة قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنتِ؟ قالت: لا، ولكني أسأل)، وكانت السائلة هي معاذة العدوية التي سألت عائشة هذا السؤال، فهي تروي عن عائشة، وحديثها في الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة تقدم ذكرها مراراً.
النهي عن الاستنجاء باليمين
شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه)].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن الاستنجاء باليمين. وهذه الترجمة أوردها النسائي، وأورد تحتها أحاديث، ومقصوده من ذلك: بيان أن اليد اليمنى لا تستعمل عند قضاء الحاجة، وإنما التي تستعمل الشمال، فلا يمس الذي يقضي حاجته ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه؛ معناه: أنه لا يستعمل اليمين عند قضاء الحاجة، وإنما يستعمل الشمال.وقد أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه).فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في إنائه)، يعني: عندما يريد التنفس، يبعد الإناء عن فمه، ويزيحه عن فمه، ويتنفس خارج الإناء، وهذا من آداب الشرب: أن الإنسان لا يتنفس في الإناء، وإنما يشرب بدون تنفس يخرج على الماء، فإذا احتاج إلى التنفس فإنه يقطع الشرب ويزيل الإناء عن وجهه، ثم يتنفس، ثم يعود إلى الشرب.وإنما نهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه قد يخرج شيء من أنف الإنسان، فيكون سبباً في تقذره، وكذلك غيره إذا رآه يتنفس، ويخرج نفسه إلى الماء وهو بحاجة إلى الشرب بعده فإنه قد لا يقبل إذا حصل منه ذلك. وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه)، اليمنى لا تستعملها عند قضاء الحاجة، لا للاستنجاء ولا للمس، بحيث تكون بعيدة عن مس الذكر، والاستنجاء عند قضاء الحاجة، وإنما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي عن التنفس في الإناء، وبين النهي عن مس الذكر باليمين، والاستنجاء باليمين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذكر آداب الشرب، وذكر آداب الاستنجاء، فناسب الجمع بين هذه الأمور؛ لأنها عند دخوله وعند خروجه، وعند شربه لا يتنفس وهو عند الشرب، وعند خروجه لا يستعمل اليمين.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وإسماعيل بن مسعود هذا من شيوخ النسائي، وهو بصري ثقة، ويكنى بـأبي مسعود؛ يعني: وافقت كنيته اسم أبيه، ومن أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه من الرواة هي كوننا نعرف الرجل إذا كانت وافقت كنيته اسم أبيه حتى لا يظن التصحيف؛ وسبق أن مر لهذا نظائر، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وكذلك عدد كبير يأتي ذكرهم من الرواة، وافقت كناهم أسماء آبائهم.وإسماعيل هذا من رجال النسائي فقط، خرج له النسائي وحده، ولم نخرج له أصحاب الكتب الباقين.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو بصري ثقة، وهو من رجال الجماعة. [عن هشام].وهو: ابن أبي عبد الله الدستوائي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة.[عن يحيى].وهو: ابن أبي كثير الذي سبق أن مر ذكره، والأحاديث كلها وهذا الحديث تدور عليه؛ يعني: طرق هذا الحديث -الذي هو حديث النهي- من حديث أبي قتادة عن ابنه عبد الله، عن يحيى كلها تأتي عن يحيى بن أبي كثير وتتفرع عنه، وقد سبق أن مر بنا الحديث فيما مضى عن أبي معاوية، عن يحيى بن أبي كثير، وأما هنا عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير.ويحيى بن أبي كثير هذا ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن ذكرت لكم أنه قال كلمة عظيمة في بيان طلب العلم، والحث عليه، والصبر عليه، قد ذكرها مسلم عنه في صحيحه، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسد. هذه كلمة جميلة من كلمات هذا الرجل الذي هو يحيى بن أبي كثير.قوله: [ عن عبد الله بن أبي قتادة].وعبد الله بن أبي قتادة، ثقة من رجال الجماعة، وسبق أن مر ذكره.قوله: [عن أبيه].وأبوه هو: أبو قتادة الأنصاري، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسبق أن مر ذكره. وعلى هذا؛ فإن رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة إلا إسماعيل بن مسعود شيخ النسائي؛ فإنه من رجال النسائي وحده، والباقون من رجال الجماعة، وكلهم من الثقات، إسماعيل بن مسعود، ثم بعده خالد بن الحارث، ثم بعده هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثم يحيى بن أبي كثير، ثم عبد الله بن أبي قتادة، كل هؤلاء من الثقات، وكلهم خرج حديثهم الجماعة، إلا شيخ النسائي؛ فإنه لم يخرج له إلا النسائي.
شرح حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن ابن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه)].ثم أورد النسائي هذا الحديث؛ حديث أبي قتادة من طريق أخرى، إلى يحيى بن أبي كثير، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه ).وهذه الرواية مطلقة؛ وهي قوله: (وأن يمس ذكره بيمينه)، ليس فيها: عند قضاء الحاجة، بخلاف الرواية السابقة، وكذلك الرواية التي سبقت فيما مضى.ومن العلماء من قال: إن المطلق محمول على المقيد؛ يعني: معناه أن النهي إنما هو عند قضاء الحاجة، ووجه هذا: أن الأحاديث كلها تدور على يحيى بن أبي كثير، وكل الطرق تأتي عنه، والقصة واحدة، والحديث واحد، إذاً: فالتي فيها التقييد وأن النهي عن مس الذكر عند قضاء الحاجة، تقيد الرواية المطلقة، فيحمل المطلق على المقيد، فيكون النهي في هذا محمولاً على ما جاء من التقييد؛ لأن الحديث واحد، وهو جاء عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبي قتادة.وذكرت في ما مضى: أن السبب في هذا أن قضاء الحاجة تكون اليد اليمنى عرضة للنجاسة، ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بأن تُستعمل اليمين في الأمور المحمودة، والأمور الطيبة، والشمال تستعمل بخلافها، فالنهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة؛ لما فيه من التعرض للنجاسة.ومن العلماء من قال: إن النهي يكون على إطلاقه، وأنه إذا نهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة فهو عند غير قضاء الحاجة من باب أولى، وذكرت فيما مضى: أن هذه الأولوية ليست واضحة؛ لأن النهي عند قضاء الحاجة إنما هو لخوف النجاسة، وأما إذا لم يكن هناك قضاء حاجة فليس هناك ما يدل على الأولوية؛ يعني: أن مسه عند عدم الحاجة من باب أولى؛ لأن هناك مظنة نجاسة، وهنا ليس فيه مظنة نجاسة، ومن المعلوم أن الإنسان يستنثر بيساره، ولا يستنثر بيمينه؛ يعني: عندما يخرج ما في أنفه يخرجه باليسار، ولا يخرجه باليمين، لكن كونه يلمس أنفه بيمينه في غير حاجة الاستنثار ليس فيه مانع، فكذلك مس ذكره بيمنيه في غير قضاء الحاجة لا يكون ممنوعاً، فمن العلماء من حمل المطلق على المقيد، ومنهم من قال: إنه يكون مطلقاً، ويقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث طلق بن علي سأله عن مس الذكر؟ قال: (هل ينقضه؟ قال: هل هو إلا بضعة منك)؛ معناه: أن اللمس كما يكون بالشمال يكون باليمين، وأطلق هنا في السؤال، وأطلق في الجواب.وقوله: (وأن يستطيب بيمينه)؛ يعني: يستنجي بيمينه، أو يستجمر بيمينه، فكلها لا تكون باليمين، وإنما تكون بالشمال.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في النهي عن الاستنجاء باليمين من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بصري، صدوق من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، يعني الخمسة رووا عنه مباشرة، وابن ماجه ما خرج له في صحيحه شيئاً.[حدثنا عبد الوهاب].هو: ابن عبد المجيد الثقفي، وهو من الثقات ومن رجال الجماعة.[عن أيوب].وهو: ابن أبي تميمة السختياني، وهو من الثقات الأثبات، ومن رجال الجماعة.[عن يحيى بن أبي كثير].وعند يحيى بن أبي كثير، التقى الإسناد مع الأسانيد السابقة ومع الطرق السابقة؛ لأنها كلها تدور على يحيى بن أبي كثير وهي أسانيد حديث أبي قتادة يرويه عن ابن أبي قتادة عبد الله، وعبد الله يرويه عن أبيه أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:01 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(25)
تابع باب النهي عن الاستنجاء باليمين - باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء
من آداب قضاء الحاجة دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء لإزالة ما علق بها من أوساخ ونجاسات، وينوب عنها مواد الغسل الحديثة من الصابون وغيره.
تابع النهي عن الاستنجاء باليمين
شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف واللفظ له عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه، أنه قال: (قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة، قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، ويستقبل القبلة، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)].أورد النسائي: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه قال المشركون: (نرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، فقال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن نستقبل القبلة) يعني: عند قضاء الحاجة، (ألّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، فحديث سلمان هذا سبق أن تقدم فيما مضى، وأورده هنا من أجل ما اشتمل عليه مما ترجم له وهو: المنع من الاستنجاء باليمين.والمشرك� �ن قالوا لـسلمان الفارسي رضي الله عنه: (نرى صاحبكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة)، وكأنهم قالوا هذا على سبيل العيب، فـسلمان رضي الله عنه وأرضاه، لم يقل: إنكم تعيبون، وسب، وعاب، وذم، وإنما أثبت هذا الذي قالوه، وبين أن هذا من محاسن هذه الشريعة ومن كمالها، وفيه بيان أن نبينا عليه الصلاة والسلام بين لنا كل شيء حتى آداب قضاء الحاجة، فما تركها دون أن يبينها لنا، فصار ذلك على سبيل المدح، وعلى سبيل بيان كمال هذه الشريعة، وبيان كمال نصح الذي جاء بها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنه بين للناس ما يحتاجون إليه.وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم)، وقد بين عليه الصلاة والسلام أصول الدين وفروعه، وبين للناس ما يحتاجون إليه، وهذا الحديث- كما سبق أن ذكرت فيما مضى- يستدل به أهل السنة والجماعة على المؤولين في آيات الصفات، والذين يقولون: إنه ليس لله يدان حقيقيتان، وإنما المراد باليد النعمة، أو القدرة، ويقولون: الاستواء هو الاستيلاء، ويقولون: إن كذا هو كذا، ويأتون بمعان لآيات وأحاديث الصفات، فيستدل عليهم أهل السنة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان فكيف يبين آداب قضاء الحاجة ويترك أمر الأصول والعقيدة غير مبين، ويجعل الناس يتخرصون، فهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، والمراد كذا، والمراد كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين ذلك على قولهم وعلى زعمهم، بل النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه، والرسول صلى الله عليه وسلم خاطب أناساً عرباً، فهموا ما خوطبوا به.وقد قال ابن القيم: إن من قال: إن عقيدة السلف التفويض في المعاني، وأنهم لا يعرفون المعاني فإنه قد جهل مذهب السلف، ونسبهم إلى الجهل، جهل مذهبهم وجهلهم بأن قال: إنهم جهال لا يعرفون معاني ما خوطبوا به، وأيضاً كذب عليهم إذ أضاف إليهم شيئاً ما قالوه.إذاً: فمعاني الآيات وأحاديث الصفات فهمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم ممن سار على منوالهم، كما جاء عن الإمام مالك حيث قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
تراجم رجال إسناد حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف].عمرو بن علي هذا هو: الفلاس الذي مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الحفاظ النقاد، المعروفين بالكلام في الرجال والجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة.أما شعيب بن يوسف شيخ النسائي فهو ثقة، خرج له النسائي فقط، فهو من رجال النسائي، وهو من الثقات.قوله: (واللفظ له) يعني لما ذكر شيخين بين أن هذا اللفظ هو لفظ شعيب، وليس لفظ عمرو بن علي؛ لأنه كما هو معلوم أن الرواة يختلفون في سياق الحديث، فيكون فيه اختلاف في التعبير، فقال: هذا اللفظ الموجود هو لفظ شعيب، وسبق أن ذكرت أن النسائي أحياناً يذكر شيخين، لكن ما يبين لمن له اللفظ، وأحياناً يبين ذلك، وقد مر بنا في مواضع تبيين من له اللفظ وهو للثاني منهما، يقول: واللفظ له، فأظنه يرجع إلى أقرب مذكور، أما مسلم فهذه طريقته، فإنه يذكر عدداً من الشيوخ ثم يقول: واللفظ لفلان، حدثنا فلان، وفلان، وفلان، واللفظ لفلان؛ يعني مثل طريقة النسائي فهذه مثلها في الجملة، أما البخاري فقد ذكرت فيما مضى أن عادته أنه لا يذكر: واللفظ لفلان، ولكن الذي عرف بالاستقراء من صنيعه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر: أن اللفظ المذكور هو للشيخ الثاني من شيخيه، قال الحافظ ابن حجر: هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع البخاري، وقد ذكر هذه الفائدة في شرح حديث جابر بن عبد الله: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب مسيرة شهر) عند شرح هذا الحديث بين هذه الفائدة وهي أنه قد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه عندما يذكر شيخين فإن اللفظ الذي يذكره يكون للثاني منهما، قال: والدليل على هذا: أن الأول الذي ما ذكر اللفظ له يأتي به في موضع آخر من الصحيح، ولفظه يختلف عن اللفظ الذي أثبته، فإذاً: يكون هو للثاني لا للأول. أما النسائي: فكونه يذكر اثنين من شيوخه ولا يذكر من له اللفظ لا أدري ما هي طريقته، هل اللفظ للثاني، أو اللفظ للأول؟ ولعله يتبين لنا فيما ندرسه من الأحاديث في المستقبل ما يفيد طريقته، أو يرشد إلى طريقته رحمه الله.[عن عبد الرحمن بن مهدي].و عبد الرحمن بن مهدي هذا يأتي ذكره لأول مرة، لكن جاء ذكره فيما مضى مقروناً مع يحيى بن سعيد القطان بمناسبة ذكر الذهبي للاثنين، وأنهما إمامان من أئمة الجرح والتعديل، وأنهما إذا اتفقا على جرح شخص فمعناه: أنه لا يسأل عن جرحه، وأنهما أصابا الهدف، وعبر عن ذلك بعبارة جميلة حيث قال: إذا اتفقا على جرح شخص، فلا يكاد يندمل جرحه. هذا كلام الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل.و عبد الرحمن بن مهدي هذا هو إمام، قال عنه الحافظ: ثقة، حجة، حافظ، عارف بالرجال والعلل، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان].و سفيان هذا غير منسوب، جاء في الإسناد غير منسوب، وفي ترجمة عبد الرحمن بن مهدي روى عن سفيان بن عيينة وروى عن سفيان الثوري، ولهذا قالوا: روى عنه السفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وروى عنه الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة. وفي ترجمة كل من سفيان بن عيينة وسفيان الثوري قالوا: رويا عن الأعمش وعن منصور، الذي روى عنهم هنا في الإسناد.إذاً: سفيان هنا محتمل لأن يكون هذا وهذا، لكن أيهما بالنسبة للتلاميذ، فـعبد الرحمن بن مهدي موجود هنا وهو تلميذ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وأنا أقول روى عنه السفيانان.ولم يتبين لي أو ما تمكنت في البحث أن أعرف أي الاثنين هو. وقد ذكرت فيما مضى أن الطريقة التي يعرف بها أي الاثنين يعتبر هو المراد عند الإطلاق فيما إذا كان الاثنان تلميذين لشخص، فإن ذلك المبهم يعرف بمن يكون أكثر رواية وأكثر ملازمة. فمن ناحية الملازمة وأيهما أكثر رواية لا أعرف ذلك حتى الآن، ولكن كما ذكرت: أن عبد الرحمن يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن الأعمش وعن منصور، فيحتاج معرفة أيهما أكثر ملازمة، ومن يكون أكثر رواية، وهذا ما لم أتوصل إليه الآن، ولعلي أبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.[عن الأعمش].وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وقد مر ذكره وهو من رجال الجماعة، فالسفيانان هما من رجال الجماعة أيضاً، الذي يحتمل أن يكون هذا أو هذا فكل منهما من رجال الجماعة، ومنصور بن المعتمر أيضاً كذلك من رجال الجماعة، وهما في طبقة واحدة: منصور، والأعمش، وقد سبق أن مر ذكرهما معاً، وسليمان الأعمش يأتي ذكره بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وقد ذكرت ذلك فيما مضى مراراً. [عن إبراهيم].وهو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الذي سبق أن مر ذكره، وهو يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد هنا؛ يعني: إبراهيم النخعي يروي عن خاليه: الأسود بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن، وقد سبق أن مرت روايته عن الأسود بن يزيد فيما مضى.[عن سلمان].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق أن مر الحديث عنه، ومر ذكر ما له من الأحاديث، وسلمان هو الذي يقول فيه الشاعر وهو يبين فضل الإسلام، وأن من كان قد ظفر بالإسلام وهداه الله للإسلام، فهو الذي ظفر بكل خير، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك النسيب أبا لهبفـأبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذا النسب وهذا القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينفعه، وإنما هذا الرجل الفارسي الذي ليس من العرب وليس من قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم رفعه الله تعالى بالإسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).وقد وضع الشرك -أي: حط الشرك هذا، ورفع الإسلام هذا-، فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إنسان من الفرس، لكن الله تعالى رفعه بالإسلام.
دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء
شرح حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء.أخبرن� � محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يده بالأرض)].يقول النسائي رحمه الله: باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء. والمقصود من ذلك: هو التحقق من إزالة ما علق بها وما باشرته من النجاسة، فيكون ذلك زيادة في التحقق والاطمئنان إلى ذهاب ما علق بها.ومن المعلوم أن هذا فيما إذا كان الإنسان يستنجي على الأرض، أو في مكانه تراب، أما حيث لا يكون ذلك فإنه يمكن أن يكون بعد الاستنجاء فيغسل إما بالصابون، أو بغير الصابون، وبذلك يحصل التحقق من النظافة بعد مباشرتها للاستنجاء.وأورد النسائي فيه: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما استنجى دلك يديه بالأرض)، قوله: (فلما استنجى) يعني: لما استنجى قبل الوضوء دلك يديه بالأرض؛ يعني: بعد الاستنجاء وعند الاستنجاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي توضأ فلما استنجى دلك يده بالأرض)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي].ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي هو: ثقة حافظ، قال عنه الحافظ في التقريب: خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا وكيع].وهو: ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو ثقة، حافظ، إمام، من المتمكنين، ومن الثقات المعروفين، ومن المؤلفين والمصنفين في الحديث، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية. [عن شريك].وهو: ابن عبد الله القاضي النخعي وأيضاً سبق أن مر ذكره أيضاً في الأحاديث الماضية، وهو صدوق يخطئ، واختلط بعد أن ولي القضاء، وقد خرج له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم والأربعة. [عن إبراهيم بن جرير].وهو: إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي ، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن أبي زرعة].وهو: ابن عمرو بن جرير البجلي؛ يعني: ابن أخي الذي قبله؛ لأن إبراهيم بن جرير عم أبي زرعة بن عمرو بن جرير، الراوي عنه عمه؛ لأن عمراً وإبراهيم أخوان، وأبو زرعة هذا ثقة، من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب. وأبو زرعة هذه كنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، ولكنه مشهور بكنيته، وأبو زرعة من التابعين، بل هو من كبار التابعين، وهو يروي عن عدد من الصحابة، وهو في القرن الأول، ويوافق أبا زرعة في هذه الكنية عدد من العلماء والمحدثين، ومن هؤلاء الذين يوافقونه في الاشتهار بهذه الكنية: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي. وأبو زرعة الرازي هو أحد الحفاظ النقاد الذين لهم كلام كثير في الجرح والتعديل، وابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل كثيراً ما ينقل عن أبيه أبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويأتي ذكرهما كثيراً مقرونين في الكلام في الرجال، وكثيراً ما يذكرهما ويقرن بينهما عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل، فيقول: عن أبيه وعن أبي زرعة.إذاً: فهو مشهور بالجرح والتعديل، وقد خرج له مسلم حديثاً واحداً في الدعاء رواه عنه مباشرة، واسمه عبيد الله بن عبد الكريم وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين، بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات؛ لأن مسلماً توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وأبو زرعة الرازي توفي سنة أربع وستين ومائتين.وأبو زرعة الدمشقي أيضاً مشهور بهذه الكنية، وهو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي، وهو محدث مؤرخ، له تاريخ دمشق، وهو من الثقات الحفاظ، وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين ومائتين، فأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي كلاهما من علماء القرن الثالث.وممن اشتهر بكنية أبي زرعة من المتأخرين: ابن العراقي ولي الدين الذي يأتي النقل عنه كثيراً في كلام السيوطي في حاشيته على النسائي حيث يقول: قال الشيخ ولي الدين، فـولي الدين أبو زرعة بن العراقي هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين أيضاً كنيته أبو زرعة، وهو مشتهر بهذه الكنية، يقال: أبو زرعة العراقي، ويقال له: ولي الدين، ولأبيه: زين الدين الذي هو عبد الرحيم صاحب الألفية، وصاحب الكتب، وأيضاً هذا المؤلف الذي هو ابنه يكنى أبا زرعة، وقد توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة، وكنيته أبو زرعة العراقي أو ابن العراقي. فهذان مشهوران بهذه الكنية وهي: أبو زرعة.ومن المعلوم أن أزمانهم متفاوتة، فـأبو زرعة بن جرير من التابعين ومن كبارهم، فهو يروي عن الصحابة ويروي كثيراً عن أبي هريرة، ويأتي ذكره في الصحيحين وهو الراوي عن أبي هريرة آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فإن هذا الحديث يرويه أبو زرعة عن أبي هريرة، وهو كما ذكرت من رجال الجماعة وهو متقدم.أما الرازي والدمشقي فهما في القرن الثالث، ومسلم روى عن أبي زرعة الرازي حديثاً واحداً، وروى عنه أيضاً بعض أصحاب الكتب، أما أبو زرعة الدمشقي فلم يخرج له إلا أبو داود.[عن أبي هريرة].و أبو هريرة هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وسبق أن مر ذكره مراراً.
شرح حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن الصباح حدثنا شعيب؛ يعني: ابن حرب حدثنا أبان بن عبد الله البجلي حدثنا إبراهيم بن جرير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى الخلاء فقضى الحاجة، ثم قال: يا جرير! هات طهوراً، فأتيته بالماء، فاستنجى بالماء وقال بيده، فدلك بها الأرض).قال أبو عبد الرحمن: هذا أشبه بالصواب من حديث شريك، والله سبحانه وتعالى أعلم].ذكر النسائي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخلاء، وقضى حاجته ثم قال: ( هات طهوراً فأتاه بالماء فاستنجى ودلك بيده على الأرض ) وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا، لكون المصنف مراده من ذلك الاستدلال على دلك اليد بعد الاستنجاء، وهو دال على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم قبله.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فاستنجى بالماء، وقال بيده فدلك بها الأرض)
قوله: [أخبرنا أحمد بن الصباح].وهو شيخ النسائي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.يعني: ثلاثة في هذين الإسنادين كلهم من رجال البخاري، وأبي داود، والنسائي: شيخ النسائي في الإسناد الأول، وشيخه، وشيخ شيخه في الإسناد الثاني، فشيخ النسائي في الإسناد الأول: محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي وأحمد بن الصباح، وشعيب بن حرب هؤلاء الثلاثة كلهم من الثقات.[حدثنا شعيب؛ يعني ابن حرب].و شعيب بن حرب كما قلت: هو ثقة، وقد خرج حديثه الثلاثة: البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا أبان بن عبد الله].وأبان بن عبد الله البجلي صدوق، فيه لين، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثنا إبراهيم بن جرير].و إبراهيم بن جرير وهو الراوي عن ابن أخيه في الإسناد الأول، فهنا إبراهيم بن جرير يروي عن أبيه جرير، وهو صدوق قيل: إنه لم يسمع من أبيه، قال الحافظ: وقد جاء أنه صرح بالتحديث عن أبيه، قال: وهذا إنما هو من غيره؛ يعني: العهدة، أو الغلط من غيره؛ يعني: ممن هو دونه هو الذي غلط فنسب إليه التحديث، وإلا فإن روايته عنه بالعنعنة وهو لم يسمع منه، بل هو يرسل عنه، وقد جاء في بعض المواضع التصريح بالتحديث عن أبيه، وسبق أن عرفنا أنه خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن أبيه].وهو: جرير بن عبد الله البجلي، وهو والد إبراهيم هذا الذي روايته عنه مرسلة وليست متصلة، وجرير من الصحابة المشهورين، وكان كبيراً في قومه، ووجيهاً في قومه، ولما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعه روى عنه كما في الصحيحين قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) وقد قالوا: إنما بايعه على النصح لكل مسلم؛ لأنه كان كبيراً في قومه، وكان عليه الصلاة والسلام عندما تحصل المبايعة يخص بعض الأشخاص بما يمكن أن يفيد فيه، ولما كان جرير كبيراً في قومه، وزعيماً في قومه، وله تأثير فيهم كان مما بايعه عليه: النصح لكل مسلم، حتى يجد ويجتهد في الدعوة إلى الإسلام وفي النصح للمسلمين، قالوا: هذا من وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم عندما بايعه، بايعه على النصح لكل مسلم، وهو الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لهدم ذي الخلصة، فهدمها ومعه جماعة من قومه (أحمس) وهم من بجيلة، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ولقومه، وهو الذي كان لا يثبت على الخيل، ولما أراد أن يرسله قالوا له: إنه لا يثبت فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعد ذلك لا يتحرك من الخيل ويثبت عليها بعد أن دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان رضي الله عنه جميلاً وسيماً، وكان يوصف ويلقب بأنه يوسف هذه الأمة؛ يعني لجماله وحسنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقد قال في الخلاصة: إن له مائة حديث، اتفق البخاري، ومسلم على ثمانية منها، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث.والنسائي لما أورد الحديثين قال بعد الحديث الأخير: وهذا أشبه بالصواب؛ يعني: كونه أشبه بالصواب من حديث جرير؛ يعني الحديث متقدم؛ لأن عنده حديثين: حديثاً عن أبان عن إبراهيم، وحديث عن شريك عن إبراهيم قال: وهذا الحديث يعني: حديث أبان أشبه بالصواب من حديث شريك؛ أي: أنه من مسند جرير، وقد قال بعض العلماء: إن الحديثين لا تنافي بينهما، بل يمكن أن يكون الحديث عن إبراهيم من طريقين بإسنادين، بإسناد عن ابن أخيه أبي زرعة عن أبي هريرة، وبإسناد آخر عن أبيه جرير بن عبد الله، فلا تنافي بين الإسنادين، ولا محذور فيهما، فيمكن أن يكون الحديث عند إبراهيم بن جرير من طريقين: من مسند أبي هريرة، ومن مسند جرير بن عبد الله البجلي.ومن المعلوم أن إبراهيم لم يسمعه من أبيه، وروايته عنه مرسلة، لكن إذا ضم إليه الحديث المتقدم فإنه يرتقي إلى درجة الاحتجاج، ويزول عنه ذلك المحذور الذي هو الإرسال، فإذا ضم الحديثان بعضهما إلى بعض فيكون الحديث حسناً، ويكون حجة فيحتج به.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:03 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(26)
باب التوقيت في الماء - باب ترك التوقيت في الماء
من حرص الشريعة على الطهارة أن فرقت بين الماء القليل والماء الكثير، فجعلت الماء القليل يتأثر بالنجاسة ولو لم تظهر عليه, وأما الكثير فإنه لا ينجس حتى يظهر أثر النجاسة في لونه أو طعمه أو ريحه، كما أنه من القواعد الشرعية المهمة أن أدنى المفسدتين ترتكب لأجل دفع أعظم المفسدتين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بترك الأعرابي يتم بوله في المسجد.
التوقيت في الماء
شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التوقيت في الماء.أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ]. يقول النسائي رحمه الله: باب التوقيت في الماء, والمقصود من ذلك: التحديد، يعني: ما هو مقدار الماء الذي إذا وقعت فيه النجاسة تؤثر فيه؟ وما هو الذي لا تؤثر فيه النجاسة؟وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تنتابه السباع والدواب، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).فالرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تأتي إليه السباع فتشرب منه وتخوض فيه، فهل ينجس أو لا ينجس؟ فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام ببيان تحديد للماء إذا بلغه لا تؤثر فيه النجاسة، وإذا نقص عنه وقل عنه فإن النجاسة تؤثر فيه.والمقصود من هذا: أن الماء إذا بلغ أكثر من قلتين فإذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فإنه يكون طاهراً ولو وقعت فيه النجاسة، أما إذا غيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه يكون نجساً، وقد جاء في ذلك حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ولكن جاء في ذكر تغير الطعم واللون والريح زيادة على هذا الحديث جاء زيادة: (إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه) وهذه الزيادة في أحد رواتها ضعف، ولكن العلماء أجمعوا عليها، فهي محل إجماع من العلماء، يعني: ما تقتضيه هذه الزيادة، وما تدل عليه الزيادة هو محل إجماع، فلا خلاف بين العلماء أن النجاسة إذا وقعت في الماء, وأثرت فيه لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يعتبر نجساً.والحديث الذي معنا يدل على أن ما قل عن القلتين, ولم يبلغ القلتين فإنه يكون نجساً, ولو لم يتغير لونه وطعمه وريحه؛ لوقوع النجاسة فيه، ولا يحتاج الأمر فيه إلى التغير، وما زاد على القلتين، وهو الماء الكثير لا تؤثر فيه النجاسة ما لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا وقعت فيه وهو دون القلتين فإنه ينجس وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا غيرت لونه وطعمه وريحه وهو قليل فهو مثل الكثير، وأما إذا لم تغير فحديث القلتين هذا يدل على أنه ينجس، وقد جاء في بعض روايات حديث القلتين بدل (لم يحمل الخبث)، (لم ينجس).وحديث القلتين رواه أصحاب السنن الأربعة, والإمام أحمد, والدارمي وغيرهم، وصححه جماعة من أهل العلم منهم: الطحاوي, وابن خزيمة, وابن حبان, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر، فكل هؤلاء صححوا الحديث.وأما ابن القيم فإنه في كتابه تهذيب السنن ضعفه، وأطال الكلام في تضعيفه، وبيان ضعفه، وأنه لم يثبت، وقد أعل بالاضطراب، يعني: أن الوليد بن كثير أحد رواته قالوا: إنه اضطرب، فكان يرويه مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعض الطرق عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفي بعضها عن عبيد الله بن عبد الله، قالوا: وهذا اضطراب يؤثر فيه، والذين صححوه قالوا: إن الاضطراب لا يؤثر؛ لأن هؤلاء ثقات، وسواءً كان عن هذا أو هذا ، وممن صححه من المتأخرين: الشيخ الألباني في إرواء الغليل، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي، وقد قال الشيخ أحمد شاكر: إن ما ذكر من اضطراب الوليد بن كثير فيه وأنه يرويه أحياناً كذا وأحياناً كذا، قال: إنه يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن الزبير، وكل منهما يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قالوا: وهذا لا يؤثر ولا يعتبر اضطراباً.وقوله: (لم يحمل الخبث) يعني: أنه يدفع الخبث عن نفسه, ويأبى النجاسة، إذا بلغ هذا المقدار، وهو بمعنى: (لم ينجس) في الرواية الأخرى، وفي بعض الروايات: (لم ينجس) ، وفي بعضها: (لم يحمل الخبث)، وهي بمعنى هذه، ومعناها: أنه يدفع النجاسة ولا تؤثر فيه النجاسة إذا كان كثيراً، هذا هو معنى (لم يحمل الخبث).والقلتان قيل في تقديرهما: إنهما بمقدار خمس قرب، وقيل غير ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)
قوله: [ أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث ].أما هناد بن السري فهو: هناد بن السري أبو السري، وذكرنا: أن كنيته توافق اسم أبيه، وذكرنا فيما مضى: أنه خرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وخرج له مسلم, والأربعة.وأما الحسين بن حريث، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فقد خرج له البخاري, ومسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه ، ويماثله أحد الرواة الذين خرج عنهم أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه , وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه، فهذا مثل هذا، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[ عن أبي أسامة ].وأبو أسامة هذه كنية، وصاحب هذه الكنية حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي كثيراً بالكنية، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وكنيته أبو أسامة، وهو من جنس هناد بن السري، كنيته توافق اسم أبيه، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه هذا من أنواع علوم الحديث, حتى لا يظن التصحيف فيما لو جاء بدل (ابن)، (أبو) فإن هذا صحيح وهذا صحيح، فهو حماد أبو أسامة وحماد بن أسامة، وهو من الثقات, ومن رجال أصحاب الكتب.[ عن الوليد بن كثير ].أما الوليد بن كثير فقد خرج حديثه أصحاب الكتب، وقال الحافظ عنه: إنه صدوق، وقد جاء في الإسناد عنه في بعض الروايات: محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعضها: محمد بن جعفر بن الزبير، وكل من الاثنين ثقة، وكل منهما من رجال الجماعة، محمد بن جعفر بن الزبير مدني، وهذا مكي، فسواءً كان هذا أو هذا لا يؤثر، فـالوليد بن كثير روى عن هذا وعن هذا.[ عن محمد بن جعفر ].الذي يروي عنه محمد بن جعفر، هو في بعض الروايات: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد أخرج النسائي في كتاب المياه هذا الحديث من طريق الحسين بن حريث؛ لأن النسائي روى هنا عن شيخين: هناد بن السري والحسين بن حريث، وفي أبواب المياه أورده عن الحسين بن حريث بنفس الإسناد، إلا أنه قال هناك: عبيد الله بن عبد الله، وقال: محمد بن جعفر بن الزبير، نص على ابن الزبير، وأما هنا فقال: عبد الله بن عبد الله، وقد ذكرت لكم أن الشيخ أحمد شاكر قال: إن الوليد بن كثير يروي عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، وأن كلاً منهما يروي عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.وعبد الله بن عبد الله بن عمر هو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، مثل: الحسين بن حريث لم يخرج له ابن ماجه, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.أما أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر الذي جاء ذكره في بعض الروايات، فخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.وأما عبد الله بن عمر راوي الحديث، وصحابي الحديث، مر ذكره مراراً، وأنه أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إن الحديث لم ينفرد به الوليد بن كثير، بل جاء من يرويه غير الوليد بن كثير، جاء من طرق أخرى غير طريق الوليد بن كثير، فالحديث صحيح, صححه جمع من أهل العلم كما ذكرت لكم, فقد صححه الطحاوي, وابن حبان, وابن خزيمة, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر العسقلاني، ومن المعاصرين: الشيخ الألباني, والشيخ أحمد شاكر.
ترك التوقيت في الماء
شرح حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ترك التوقيت في الماء.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن أعرابياً بال في المسجد، فقام عليه بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, لا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه).قال أبو عبد الرحمن: يعني: لا تقطعوا عليه ].ثم ذكر النسائي ترك التوقيت في الماء؛ يعني: أنه ذكر في الباب الأول التوقيت في الماء، وأنه يكون قلتين، وأن ما زاد عليه لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً, فهذا بالإجماع, أما إذا نقص عن القلتين فإنه لا يحمل الخبث، يعني: لا يدفع النجاسة عن نفسه، ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ولوغ الكلب قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) يعني: أن الماء صار نجساً، ثم أيضاً الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب, أو إحداهن بالتراب، فإذا كان قليلاً تؤثر فيه النجاسة, ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً.وهنا قال: ترك التوقيت في الماء، ثم أورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عرابياً دخل المسجد فبال, فقام إليه بعض القوم -يزجرونه ويمنعونه وينكرون عليه- فقال: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ أمر بدلو من ماء فصب عليه) ثم إن أبا عبد الرحمن النسائي فسر قوله: (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله؛ يعني: دعوه يكمل البول، هذا هو معنى: لا تزرموه، أي: دعوه يعني: اتركوه.المقصود من هذا: أنه لما وجد البول وحصلت المضرة فإن المضرة لا تدفع بمضرة أضر منها؛ لأنه لو منعوه, أو استمروا في زجره وقام فإنه سيقع البول في أماكن متعددة في المسجد لا ينتبه لها وسيقع على جسده, وعلى ثيابه, وعلى أماكن في المسجد لا يهتدى إليها، بخلاف لو ترك يكمل بوله ثم يصب عليه ماء، فإن النجاسة تكون محصورة ومعروف مكانها، فيصب عليها الماء فتطهر الأرض.ولهذا فالحديث يدل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي: أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما؛ يرتكب أخف الضررين إذا وجد ضرران وحصلا، ولا بد من أحدهما، فارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما هو المطلوب، وهذا هو الذي تقتضيه قواعد الشريعة، وهذا الحديث يدل لهذه القاعدة؛ لأنه لما وجد البول حصل ضرران، وقوع البول في المسجد ضرر، وقطعه فيه ضرر آخر، وهو أن هذا الرجل عندما يمنع ويزجر يصيب البول ثيابه وجسده ويقع في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فكونه يستمر في بوله وينتهي من البول أولى من كونه يقطع عليه فعله، ثم ينجس ثيابه وجسده, وتقع النجاسة في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فهذا دليل لهذه القاعدة وهي ارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، وعند وجود الضررين يرتكب أخفهما ويدفع أشدهما.ومن أمثلة هذه القاعدة: قول الله عز وجل: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا [الأنعام:108]، فلما كانت مسبة المسلمين لمعبودات الكفار ولمن يعبدهم الكفار حقاً ومصلحة, لكن قابلتها مفسدة أشد منها، وهي: كون المشركين يسبون الله فإنه لا تسب آلهتهم لئلا يسبوا الله، فسب آلهتهم مصلحة، ولكن إذا ترتب عليها مفسدة أكبر فإنها تترك، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة أخرى من قواعد الشريعة، وهذه الآية تدل عليها.أما الحديث الذي معنا فهو يدل على أنه إذا وجد ضرران فإنه يترك أشدهما بارتكاب أخفهما، وارتكاب الأخف هو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الأعرابي يبول حتى يفرغ، والأشد الذي ترك هو أنه بالإضافة إلى ما حصل من نجاسة في المسجد يضاف إلى ذلك وقوع قطرات من البول في أماكن من المسجد لا يهتدى إليها، وكذلك وقوعها على جسده وعلى ثيابه، وهذه مفسدة أكبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ارتكاب المفسدة الأخف في سبيل التخلص من المفسدة الأكبر.وفي الحديث دليل على أن الأرض تطهر إذا وقعت فيها النجاسة بصب الماء عليها، وأنه لا يحتاج إلى حفر الأرض، وإلى حفر التراب، ونزع التراب الذي وقعت عليه النجاسة وإخراجه من المسجد، وإنما يكفي أن يصب عليه ماء، فإنه يطهر بذلك.ومقصود النسائي من قوله: ترك التوقيت في الماء، أنه في الترجمة الأولى قال: إن الماء إذا كان دون القلتين تؤثر فيه النجاسة، وهنا دلو من ماء صبت على نجاسة فلم ينجس ذلك الماء الذي أضيف إلى تلك النجاسة بسبب اتصاله بالنجاسة، وإنما طهرها، ففيه عدم التوقيت بالقلتين, وهذا فيه دليل على أن النجاسة إذا كانت في الأرض فماء قليل أكثر من النجاسة يصب عليها يطهرها، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من قلتين تصب عليها حتى تطهر، وإنما يصب عليها دلواً من ماء، وهو دون القلتين بكثير، ومع ذلك تطهر النجاسة، ولم يحصل التطهير بقلتين فأكثر، وإنما حصل التطهير بما دون القلتين، وهو صب الماء على الأرض التي وقعت فيها النجاسة، بحيث يكاثر عليها الماء، ويكون الماء أكثر من النجاسة التي وقعت في الأرض، فتصب عليها فيطهرها.وفي الحديث: بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الرفق بأمته عليه الصلاة والسلام، فإنه رفق بهذا الأعرابي وأمر بالرفق به، وفي بعض الروايات: (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).وهذا بالنسبة للأرض، فقد دل الحديث على أنها تطهر بصب الماء عليها، أما لو أن إنساناً بال في إناء، أو في قدر, ثم أتي بدلو من ماء وصب على هذا البول، فلا يقال: إنه طاهر؛ لأنه يحمل الخبث, فهناك فرق بين وقوع النجاسة في الماء, وصب الماء على النجاسة, والبلاط أيضاً يصب عليه ماء يكاثر ثم يزول ويطهر, لكن لو أن إنساناً بال في قدر وصبينا عليه دلواً فلا نقول: إن هذا الدلو الذي صببناه يصير طاهراً؛ لأنه خالطته النجاسة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصب عليه)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ]. هو قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره مراراً في الأسانيد المتقدمة، وهو من رجال الجماعة، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ حدثنا حماد].وهنا حماد غير منسوب، والذي اشتهر بهذا اثنان، وهما في طبقة واحدة: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة، ولهذا يقولون في بعض الرواة عندما يترجمون لهم: روى عن الحمادين، أو روى عنه الحمادان؛ إذا كان هو تلميذاً لهما. وهنا جاء مهملاً؛ لأنه قال: حماد غير منسوب، فيحتمل أن يكون حماد بن زيد، ويحتمل أن يكون حماد بن سلمة، ولكن حماد بن سلمة قالوا عنه: هو أثبت الناس في حديث ثابت، وهنا يروي عن ثابت البناني، فهو حماد بن زيد. وهذا النوع يسمونه: المتفق والمفترق. ولكن إذا حصلت تسميته في بعض الطرق فهو المعول عليه؛ لأن من طرق معرفة المهمل أن يسمى في بعض الطرق، فإذا كان مسمى عند البخاري, ومسلم فهو المعتبر، وهو: حماد بن زيد ، وحماد بن زيد سبق أن مر بنا ذكره، وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة, ثبت, حافظ, من رجال الجماعة.وأما حماد بن سلمة فقد سبق أن ذكرت لكم أنه مماثل لـحماد بن زيد أنه ثقة, ثبت, حافظ، إلا أن الحافظ أشار إلى أنه عابد؛ الذي هو: حماد بن سلمة، أضاف إليه وصف كونه عابد، ولكن البخاري لم يخرج له إلا تعليقاً، وخرج له مسلم, والأربعة, ولم يخرج له البخاري إلا تعليقاً، بخلاف حماد بن زيد؛ فإنه خرج له أصحاب الكتب كلهم, والبخاري خرج له في الصحيح.فالذي في الإسناد حماد بن زيد وليس حماد بن سلمة؛ لكونه مسمىً ومنسوباً عند البخاري, ومسلم في إسناديهما.وهذا -كما قلت- يسمى المتفق والمفترق، أن تتفق أسماء الرواة, أو أسماؤهم مع أسماء آبائهم, وتختلف أشخاصهم، فإذا اتفق الراويان في الاسم، واختلفا في اسم الأب، أو اتفقا في الاسم واسم الأب واختلفا في الجد, فهذا يسمونه المتفق والمفترق، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو من الثقات، وهو من رجال الجماعة، وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وقد مر ذكره مراراً في الأحاديث الماضية.وهذا الإسناد: قتيبة عن حماد عن ثابت عن أنس هو أقصر الأسانيد، أومن أقصر الأسانيد التي هي عند النسائي؛ لأن أقصر الأسانيد عند النسائي الرباعيات، فليس عنده أحاديث ثلاثيات، فهذا من أقصر الأسانيد عنده.
حديث: (بال أعرابي في المسجد فأمر النبي بدلو من ماء فصب عليه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا عبيدة عن يحيى بن سعيد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (بال أعرابي في المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهي بمعنى الطريق السابقة: (أن رجلاً بال في المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)، فهو بمعنى الحديث المتقدم، والصحابي واحد. قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو المتقدم في الإسناد الذي قبله، وفي أول إسناد عند النسائي؛ لأن أول حديث عند النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد، وقد جاء ذكره كثيراً في الأسانيد، وهنا في هذين الطريقين شيخ النسائي فيهما قتيبة بن سعيد. [حدثنا عبيدة].هو عبيدة بن حميد بن صهيب، وليس عُبيدة كما في بعض النسخ مضبوط بضم العين , فهذه النسخة التي معنا هو ليس عبيدة وإنما هو عبيدة، بل ليس في رجال النسائي شخص يقال له: عبيدة، بالضم، فكل من عند النسائي فهو عبيدة، بالفتح. وعبيدة بن حميد بن صهيب هذا صدوق, نحوي, ربما أخطأ, أخرج له البخاري والأربعة, ولم يخرج له مسلم. [عن يحيى بن سعيد].هو: الأنصاري، وعبيدة هذا ذكروا في ترجمته أنه روى عن قتيبة، وروى عنه قتيبة، وروى هو عن يحيى بن سعيد الأنصاري. و يحيى بن سعيد الأنصاري هو المدني الثقة الذي خرج حديثه الجماعة، وهو من طبقة التابعين؛ لأنه يروي عن أنس بن مالك وفي طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان.فـيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي هما في طبقة التابعين، ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة شيوخ شيوخ البخاري، يعني: شيوخ البخاري يروون عنهم، فهناك أربعة أشخاص من رواة الصحيحين، وهما اثنان في طبقة، واثنان في طبقة، يحيى بن سعيد القطان, ويحيى الأموي في طبقة شيوخ شيوخ الشيخين، ويحيى بن سعيد الأنصاري , ويحيى بن سعيد التيمي هذان في طبقة التابعين، في طبقة متقدمة.
حديث: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال... ثم أمر بدلو فصب عليه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال، فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركوه، فتركوه حتى بال، ثم أمر بدلو فصب عليه) ].أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد غير الطريق الأولى؛ لأن الطريق الأولى عن قتيبة عن عبيدة بن حميد، وهنا عن سويد بن نصر عن عبد الله وهو ابن المبارك.والحديث هو الحديث السابق من طريق أخرى؛ حديث بول الأعرابي في المسجد، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب دلو من ماء عليه. قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله ].سويد بن نصر المروزي ثقة، خرج حديثه الترمذي , والنسائي، ويقال: إنه راوية عبد الله بن المبارك، ولهذا لما أبهم عبد الله هنا عرف بأنه عبد الله بن المبارك؛ لأنه هو الراوي عنه، وهو راويته الذي هو سويد بن نصر، وهما مروزيان: عبد الله بن المبارك المروزي وسويد بن نصر المروزي. فإذاً: عبد الله هذا المهمل الذي لم يسم هو عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك قد مر بنا ذكره، وقال عنه الحافظ : إنه ثقة, حافظ, حجة, جواد, مجاهد، جمعت فيه خصال الخير. هذا ما يتعلق بهذا الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهذه الطرق الثلاثة التي ذكرها النسائي هي لحديث أنس بن مالك.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:05 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(27)
تابع باب ترك التوقيت في الماء - باب الماء الدائم
الماء بطبيعته يحتوي على قوة دافعة للنجاسة، ولهذا جعله الشرع مزيلا للنجاسات؛ ولكن هذا الماء يتأثر بالنجاسة إذا وردت عليه؛ ولهذا نهى الشرع عن البول في الماء الدائم الذي لا يتحرك حتى لا يتأثر بالنجاسة الواردة عليه، خاصة إذا كان الماء دون القلتين.
تابع ترك التوقيت في الماء
شرح حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك التوقيت في الماء.أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ].فهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هو أحد الأحاديث التي أوردها النسائي في باب: ترك التوقيت في الماء، وعرفنا في الدرس الفائت المراد بالتوقيت، وأنه التحديد الذي يفصل به بين الماء القليل والماء الكثير؛ الماء الكثير الذي لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً، والماء القليل الذي تؤثر فيه ولو لم تغير له طعماً ولا لوناً ولا ريحاً.وقد عرفنا أن التوقيت, أو التحديد, أو التفريق بين الماء القليل والكثير جاء في حديث ابن عمر : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ، وأن ترك التوقيت جاء في هذا الحديث، أي: بالنسبة لتطهير الأرض المتنجسة ببول أو غيره مما هو نجس؛ فإنها تطهر بصب الماء عليها، ولو لم يكن ذلك الماء الذي يصب كثيراً يبلغ القلتين فأكثر؛ فإن الماء القليل الذي هو دون القلتين كالدلو إذا صب على بول حصل في الأرض حصل له التطهير، وعلى هذا فيكون مثل هذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، بمعنى: أن دلواً من ماء إذا صب على نجاسة في الأرض فإنه يطهرها، ولا يقال: إن الماء قليل فيتنجس؛ لكونه باشر النجاسة في الأرض, لأنه قليل فتؤثر فيه النجاسة, فإن البول أو النجاسة إذا كانت على الأرض صب عليها ماء بمقدار الدلو, كما جاء في هذا الحديث: أن أعرابيا بال في أرض المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه، فحصل له التطهير بذلك، فلو أنه لا يحصل التطهير إلا بالقلتين فأكثر لكان صب دلو على بول أصاب الأرض يجر النجاسة من البول إلى الماء؛ لكن الذي جاء في الحديث هو التطهير، وأن الأرض تطهر.ومعنى هذا: أن الماء إذا وقع على النجاسة، أو صب على النجاسة التي في الأرض فإنه يطهرها.أما العذرة فإنها تزال, ثم يصب على مكانها، والبول يصب عليه الماء وبذلك يحصل التطهير، وهذا هو معنى قول النسائي : ترك التوقيت في الماء، بمعنى, أن ماءً دون القلتين صب على نجاسة في الأرض فحصلت لها الطهارة، ولم يحصل لهذا الماء القليل الذي صب على نجاسة في الأرض أن انتقلت النجاسة إلى الماء, فصار الماء متنجساً كما كانت الأرض متنجسة، بل النجاسة التي على الأرض زالت بالماء الذي صب عليها, وهو دون القلتين.وقد عرفنا أن كون الماء يرد على النجاسة فيما إذا كان على الأرض أنه يطهرها، وليس معنى ذلك أنه كلما ورد ماء على نجاسة يطهرها؛ فإنه لو كان البول في القدر, ثم صب عليه دلو من ماء فإن الماء ينجس، ولا يقال: إنه يكون طاهراً، بخلاف البول إذا كان على الأرض, ثم صب عليه دلو, فإنها تطهر الأرض بذلك.إذاً: فلا يقال: إن ورود الماء على النجاسة مطلقاً يطهرها، بل يطهرها إذا كانت على الأرض، وأما إذا ورد الماء عليها وهي في قدر والماء قليل, فإن الماء يتنجس تبعاً للنجاسة التي في القدر.وحديث أبي هريرة هذا مثل حديث أنس بن مالك الذي تقدم من ثلاث طرق عنه، وكلها تدور على أن أعرابياً جاء وبال في المسجد، والناس تناولوه، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعوه ويتركوه، ثم إنه أرشدهم بأن يصبوا عليه دلواً من ماء, فحصل التطهير للأرض بذلك.فحديث أبي هريرة هذا يقول فيه: (جاء أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس) يعني: تكلموا عليه وصاحوا به؛ لأنه حصل منه أمر منكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فقد عرفنا أن هذا الحديث يدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: وهي أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، فإذا اجتمع ضرران: خفيف وأشد؛ فإنه إذا كان لا بد من ارتكاب واحد من الضررين, فيرتكب الأخف في سبيل التخلص من الأشد، وهنا لما وجد البول في المسجد, تعارض ضرران: أحدهما: أن المسجد حصلت له نجاسة، وذلك بحصول هذا البول من الأعرابي. والضرر الثاني: أنه إذا صيح به ومنع, فإنه يحصل بالإضافة إلى البول الذي حصل في الأرض أن تتنجس ثيابه ويتنجس جسده، ثم يقع على أماكن من المسجد قطرات من البول لا يهتدى إليها حتى تطهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ارتكاب الضرر الأخف, في سبيل التخلص من الضرر الأكبر.وفيه -كما عرفنا- رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته. وكذلك أيضاً في هذا الحديث قوله: (إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين) التنبيه إلى هذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أرسل أحداً يوصيه بالرفق ويقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنما بعثتم ميسرين) إما أن يكون معناه: أنهم مبعوثون منه ومأمورون منه بالتيسير وعدم التعسير، والرفق وعدم الشدة، حيث يتطلب الأمر ذلك. فإذاً كونهم بعثوا لأنهم مأمورون منه بأن يأمروا بالمعروف, وينهوا عن المنكر, لكن بالرفق واللين وبالتي هي أحسن.ويحتمل أن يكون المراد: ما ذكره الله عز وجل بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وأن هذا وصفهم وهذا شأنهم، وأن الله تعالى جعلهم كذلك، ومطلوب منهم أن يكونوا كذلك.وهذا التعليل: وهو قوله: (فإنما بعثتم) قاله بمناسبة كونهم تناولوه, وتكلموا عليه بشدة, وصاحوا به، فقال: (دعوه وأهريقوا عليه دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم].عبد الرحمن بن إبراهيم هذا هو الملقب بـدحيم الدمشقي، وهو من رجال البخاري , وأبي داود , والنسائي , وابن ماجه ، يعني: لم يخرج له مسلم , ولا الترمذي ، ولقبه دحيم، وهذا اللقب من الألقاب التي تشتق من الأسماء، وتؤخذ من الأسماء؛ لأن الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء، فـعبد الرحمن أخذ منها دحيم.ومن أمثلة ذلك: عبدان الذي كان يأتي ذكره كثيراً في أسانيد البخاري ، تقول البخاري : حدثنا عبدان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، فـعبدان لقب لـعبد الله بن عثمان المروزي، وأخذ من اسمه عبد الله : عبدان. وكذلك هدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم ، اسمه هدبة ولقبه هداب ، يعني: مأخوذ من الاسم، يعني: تجد اللقب منحوتاً من الاسم ومأخوذاً من الاسم ويدل على الاسم، وأحياناً تكون الألقاب لا علاقة لها بالأسماء، مثل: الأعرج والأعمش ، فـالأعمش سليمان بن مهران ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .ودحيم هذا دمشقي, خرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلماً والترمذي, وهو أحد الثقات.[عن عمر بن عبد الواحد].عمر بن عبد الواحد هو شيخ دحيم هذا وهو دمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة من الثقات، وقد خرج له الذين خرجوا لـدحيم إلا شخصاً واحداً، وهو البخاري ، فالأول خرج عنه الأربعة: البخاري , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، والثاني: خرج له الثلاثة من الأربعة الذين خرج منهم البخاري , فلم يخرج له إلا ثلاثة من أصحاب السنن، وهم: أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، وهو أحد الثقات، وهو دمشقي كالذي قبله، كتلميذه عبد الرحمن بن إبراهيم.[عن الأوزاعي].والأوزاعي هو إمام أهل الشام، وفقيه أهل الشام، ومحدث أهل الشام المعروف، الذي إذا ذكر الشام وذكر المحدثون فيها والفقهاء, ففي طليعة من يذكر: الأوزاعي ، وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي ، وكنيته أبو عمرو، وأبوه عمرو، وجده يعرف بـأبي عمرو .إذاً: الأوزاعي وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا من الأنواع الذي ذكرته مراراً أنه من أنواع علوم الحديث: أن تتفق كنية الراوي مع اسم أبيه، وأن فائدة معرفة ذلك: دفع التصحيف فيما لو جاء في الإسناد: حدثنا عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي بدلاً من عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وإن جاء ابن عمرو فهو على الصواب. وهو من الثقات, الأثبات, الحفاظ، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن الوليد].محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو شامي أيضاً، إذاً: فالأربعة الذين مضوا كلهم من أهل الشام: عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم , وعمر بن عبد الواحد , والأوزاعي , ومحمد بن الوليد بن عامر الزبيدي فهؤلاء كلهم من أهل الشام، وهو ثقة ، وهو من رجال الجماعة إلا الترمذي ، مثل الأول، إلا أنه أضيف إليه مسلم ، يعني: الأول الذي هو دحيم خرج له الأربعة ويضاف إلى الأربعة مسلم عند هذا. إذاً: فـالترمذي لم يخرج لـعبد الرحمن دحيم ، ولا خرج لشيخه عمر بن عبد الواحد ، ولا خرج لـمحمد بن الوليد الزبيدي ، فهؤلاء الثلاثة لم يخرج لهم الترمذي.[عن الزهري].والزهري هو الإمام المشهور الذي جاء ذكره مراراً وتكراراً، والذي ذكرت لكم أنه مشهور بلفظين: إما الزهري, وإما ابن شهاب، والزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب أخي قصي بن كلاب ، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن زهرة أخو قصي ، وقصي وزهرة ابنا كلاب بن مرة ، أو ابن شهاب وهو جد من أجداده، وقد عرفنا فيما مضى أنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى أحد أجداده، وهو شهاب ، ومشهور بالنسبة إلى جده الأعلى وهو زهرة بن كلاب ، فيقال له: الزهري, ويقال له: ابن شهاب ، وهو أحد الأئمة الحفاظ المعروفين المشهورين في المدينة.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، الذين إذا جاءت مسألة من المسائل واتفقوا عليها قالوا: قال بها الفقهاء السبعة، يعني: اكتفاءً بهذا اللفظ دون أن يفردوا أسماءهم، كما يقال في أربعة من الصحابة: العبادلة الأربعة، ويقال: الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب الأربعة: أبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد. والفقهاء السبعة، هذا لفظ مجمل يشمل هؤلاء جميعاً، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا أحدهم، وقد ذكرتهم لكم مراراً، وأن ابن القيم جمعهم في بيت من الشعر، وذكر قبله بيتاً تمهيدياً، قال في البيتين:إذا قيل من في العلم سبحة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعبيد الله هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .[عن أبي هريرة].وأبي هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين وصفوا بأنهم مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيوله في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، وانفرد مسلم بثلاثة وتسعين، فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
الماء الدائم
شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الماء الدائم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) .قال عوف: وقال خلاس : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].أورد النسائي الماء الدائم، أي: ما يتعلق به من حيث البول والاغتسال أو الوضوء، وقد أورد فيه النسائي حديثين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يتوضأ منه). والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يغتسل منه).هذا الحديث من هذين الطريقين فيه النهي عن البول في الماء الدائم، وحصول التوضؤ منه، وكذلك الاغتسال منه، والمقصود من ذلك: الماء القليل؛ لأن الماء القليل إذا حصل البول فيه نجسه، فلا يتوضأ منه هو ولا غيره؛ لأنه إذا وقعت فيه النجاسة وهو قليل فإنه ينجس, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح كما عرفنا ذلك.وفائدة معرفة الماء القليل والكثير: أن الماء الكثير لا يتنجس إلا إذا تغير لونه, أو ريحه, أو طعمه بالنجاسة، وأما القليل فإنه يتنجس بالنجاسة, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح، فالماء القليل إذا بال فيه الإنسان تنجس وبذلك يحرم نفسه من الوضوء منه، ويحرم غيره من الوضوء منه؛ لأنه صار نجساً بوقوع النجاسة فيه, ومن المعلوم أن الذي يرفع الحدث ولا ينجس إلا بالتغير هو الماء الكثير، وأما الماء القليل فينجس وإن لم يتغير.إذاً: فكون الإنسان يبول ثم يحرم نفسه منه، معناه: أن هذا لا يفعله إنسان عاقل؛ لأنه يضيع هذه الفائدة, ويضيع هذا الماء, ويحرم نفسه ويحرم غيره منه, وهذا لا يفعله إنسان عاقل، فنهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم إن قوله: (يغتسل) مرفوع، يعني: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم هو يغتسل، أو ثم هو يبول، معناه أنه في نهاية أمره وآخر أمره يحتاج إلى الماء فيكون قد أفسده على نفسه، ويكون هو الذي جنى على نفسه؛ بحيث إذا احتاج إلى الماء للوضوء أو الاغتسال لم يجد إلا الماء الذي نجسه فيكون قد حال بينه وبين استعماله ببوله فيه، وقد جاء النهي عن البول دون ذكر الاغتسال، وجاء النهي عن الاغتسال دون ذكر البول، وهذا يدل على أنه لا يبال فيه, ولا يغتسل فيه.وفي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ), دون أن يذكر معه وضوءاً أو غسلاً، وجاء في الحديث أيضاً: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) يعني: نهي عن الاغتسال بمفرده، وهذا إنما هو في الماء القليل، أما الماء الكثير فيختلف حكمه عن الماء القليل؛ ولكن الذي ينبغي أن يتجنب البول في الماء الراكد ولو كان كثيراً, إلا إذا كان هناك حاجة تقتضيه, أو أمر يدعو إليه، وإلا فما دام أن في الأمر سعة, فعليه أن يبول في غير الماء، لكن التنجيس لا يكون إلا للماء القليل، وأما الكثير فإنه لا تؤثر فيه النجاسة، ولكن فيه تقذير له على غيره، مثل ما جاء في الحديث الآخر الذي سبق: (أنه لا يتنفس في الإناء)؛ لأنه قد يترتب على ذلك أن غيره يستقذره, وهو بحاجة إلى الماء، فتنفسه فيه يجعل غيره يعزف عنه ولا تقبله نفسه، ولا تشتهيه نفسه.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: ابن راهويه الحنظلي ، وقد عرفنا أنه أحد الثقات الأثبات، وأنه خرج له الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا عيسى بن يونس].وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هذا قد مر، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[حدثنا عوف].عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو أحد الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب. [عن محمد].وهو ابن سيرين ، وهو أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. فرواة هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه لم يخرج له ابن ماجه ، وأما الباقون فخرج حديثهم أصحاب الكتب. وبعد أن ذكر الإسناد قال: وقال عوف ، يعني: عوف الأعرابي وهو في الإسناد الأول؛ لأن الحديث فيه طريقان إلى عوف ، أحد الطريقين: عن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، والطريق الثاني: عن خلاس بن عمرو عن أبي هريرة. قوله: [مثله]. وكلمة: (مثله) يقصدون بها: المماثلة في المتن، يعني: أن رواية عوف عن خلاس عن أبي هريرة مثل رواية عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، ورواية ابن سيرين موجودة بنفس المتن، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) ، ورواية خلاس عن أبي هريرة هي مثلها تماماً.وهذا هو الفرق بين: (مثله) و(نحوه)؛ لأنه إذا جاء التعبير بنحوه معناه أنه ليس اللفظ مطابقاً، وإذا قيل: مثله فاللفظ مطابق؛ فإذا ذكر الإسناد بعد الإسناد والمتن, ولم يذكر المتن في الثاني, وقيل: مثله معناه أنه مطابق للمتن الأول, ومماثل له تماماً، وأما إذا قيل: نحوه فإن معناه: أن المعنى واحد؛ ولكن فيه اختلاف في الألفاظ، فهذا هو معنى نحوه، إذاً فمثله تعني: المطابقة والمماثلة في اللفظ. ونحوه تعني: المطابقة في المعنى, مع عدم الاتفاق في اللفظ.[ وقال خلاس ].هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، ويقال: إنه كان على شرطة علي رضي الله تعالى عنه.
حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) .قال أبو عبد الرحمن : كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار].ثم ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى, الأول: فيه ذكر الوضوء, والثاني: فيه ذكر الاغتسال، وكلاهما فيه رفع حدث، يعني: الحدث الأصغر, والحدث الأكبر. قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].ويعقوب بن إبراهيم هو: الدورقي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ, وهو من رجال الجماعة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وأخذوا عنه. [حدثنا إسماعيل]. هو ابن علية ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية ، المشهور بــابن علية نسبة إلى أمه، وقد مر ذكره، وهو أحد الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن عتيق].ويحيى بن عتيق ثقة، وقد خرج حديثه البخاري تعليقاً, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه. [عن محمد بن سيرين].ومحمد بن سيرين أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهنا الإسناد مثل الإسناد الأول، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال النسائي في آخره: كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار، فلا أدري ما المقصود من هذا؟ يعني: هل أنه كان يأخذ على الحديث أجراً؟ لا أدري ماذا يريد النسائي بقوله هذا الكلام؟!
مسألة أخذ الأجرة على الحديث
مسألة أخذ الأجرة على الحديث, هذه من المسائل التي تكلم فيها العلماء في حق من يأخذ على الحديث أجراً، وقد قالوا: إنه إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يأخذ، وقد ذكروا في بعض ما انتقد على بعض العلماء أخذ الأجر على الحديث، وأذكر منهم: الحارث بن أبي أسامة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان، وغيره: أنه كان يأخذ على الحديث أجراً، فعابوا عليه كونه يأخذ على الحديث أجراً، ولكن قال: واعتذروا له أنه كان فقيراً كثير البنات، فكان بحاجة إلى ذلك.ومن المعلوم أنه إذا احتاج إلى ذلك، وكان الأمر يتطلب أنه يجلس يحدث ويترك العمل -لأنه إما أن يجلس للتحديث, أو يترك التحديث ويبحث عن عمل- فإذا لم يتمكن من أن يبحث عن عمل، واضطر إلى أن يأخذ؛ فإن هذا لا بأس به للحاجة وللضرورة التي تقتضي ذلك.
تحديد (سفيان) الوارد في سند حديث سلمان: (... إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة...)
مر بنا فيما مضى إسناد حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: ( قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة... ) برقم تسعة وأربعين، وقد مر في موضعين, والكلام في الموضع الثاني الذي فيه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور و الأعمش وذكرت فيما مضى: أنني لم أتمكن من معرفة أي السفيانين؛ لأنه هنا غير منسوب، و عبد الرحمن بن مهدي في ترجمته في تهذيب التهذيب يقول: روى عن السفيانين.إذاً: عبد الرحمن يروي عن الاثنين: سفيان بن عيينة و سفيان الثوري ، وفي ترجمة سفيان الثوري روى عن الأعمش وعن منصور ، وفي ترجمة ابن عيينة روى عن الأعمش وعن منصور .فإذاً: بالنسبة للشيوخ والتلاميذ ليس هناك اختصاص؛ لأن عبد الرحمن يروي عن الاثنين، والاثنان يرويان عن منصور و الأعمش ، فليس هناك اختصاص؛ بحيث إن هذا من التلاميذ وهذا ليس من التلاميذ.إذاً: ما هي الطريقة التي يعرف بها أحدهما من الآخر؟قيل: إما أن يكون بملازمة، أو بكثرة رواية، ولكن الذي أفهمه الآن, ولم يتضح لي غيره: لما كان عبد الرحمن بن مهدي بصري, والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان الثوري كوفي, والأعمش كوفي, ومنصور كوفي ، إذاً: هم من أهل بلده، و سفيان بن عيينة مكي، فإذاً الأقرب أن يكون سفيان الثوري ، وقد ذكر لي بعض الطلاب هنا: أنه رأى في السنن الكبرى للنسائي أنه قال: رواه الثوري عن منصور و الأعمش ، وأنا بحثت في النسائي في الكبرى فما اهتديت إليه، فإن كان موجوداً, فليدلني على المكان الذي وجده فيه في السنن الكبرى، وإذا تبين بالتنصيص عليه فهذا يوضح الأمر ويبينه أكثر، ولكن كون سفيان الثوري من أهل الكوفة, والأعمش من أهل الكوفة, ومنصور بن المعتمر من أهل الكوفة, و عبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة, والبصرة قريبة من الكوفة, وسفيان بن عيينة من أهل مكة, فهذا يشعر ويستأنس به على أن المقصود هو: سفيان الثوري ، وإذا وجد أن سفيان الثوري هو الذي يروي هذا الحديث في كتب أخرى تبين هذا, فيكون الأمر أوضح وأوضح.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:07 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(28)
(باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)
جعل الله تعالى الماء طاهراً مطهراً إذا كان باقياً على أصل خلقته، ومن هذا ماء البحر، فهو مع ملوحته وطعمه المتغير إلا أنه طاهر مطهر، وكذلك ماء الثلج وماء البرد وإن كان متجمداً إلا أنه طاهر مطهر.
ماء البحر
شرح حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ماء البحر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].يقول النسائي رحمه الله: باب في ماء البحر.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .هذه الترجمة معقودة لبيان حكم التوضؤ بماء البحر، وأنه طهور يتوضأ به كما يتوضأ بالمياه الأخرى، وأن ماء البحر كغيره من المياه, فهو طهور يحصل به التطهر.وسأل هذا الرجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر هل يتوضئون منه؟ وكان عندهم شك في عدم طهوريته، ولعلهم فهموا ذلك، أو ظنوا ذلك من كونه مغايراً لسائر المياه في ملوحته الخاصة، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الذي وقع في نفوسهم من التردد بماء البحر؛ لمغايرته لسائر المياه بملوحته الشديدة، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).ولم يجب النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: نعم، مع أنه يكفي في الجواب أن يقول: نعم؛ لأن السؤال: أنتوضأ بماء البحر؟ فالجواب يكون: نعم، لكنه عدل عليه الصلاة والسلام إلى التنصيص على طهوريته؛ لأنه لما رأى هذا التردد فيهم أراد أن يبين لهم أنه طهور، وأن وصف الطهورية موجود فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) .ثم قوله: (هو) الضمير يرجع إلى مكان البحر, وليس إلى الماء؛ لأنه لو كان يرجع إلى الماء لكان سياق الكلام: ماء البحر طهور ماؤه، وهذا لا يستقيم، ولكن المقصود منه: المكان الذي فيه البحر.ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا التردد منهم في طهوريته, بين أمراً آخر قد يترددون فيه، وهو حل الميتة، فأضاف عليه الصلاة والسلام في الجواب بيان حكم آخر وهو: حل ميتة البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) المقصود بالميتة: الحيوانات التي لا تعيش إلا فيه، هذا هو المقصود من الميتة التي تكون حلالاً، وهذا واضح، ولا يدخل فيه ما لو جاءت حيوانات البر وماتت في البحر, فإنها وإن قيل: إنها ميتة بحر إلا أنها لا يشملها الحديث؛ لأن الحديث يشمل ما لا يعيش إلا بالماء، هذا هو الذي يكون ميتته حلالاً.أما ما مات فيه من الحيوانات التي لا تعيش فيه وهي التي تعيش في البر، وقعت في البحر فماتت فيه فهي وإن صدق عليها أنها ميتة بحر؛ لأنها ماتت في البحر إلا أنها ليست الميتة التي عناها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه حكمها واحد، سواءً ماتت بماء البحر أو ماتت بماء غير ماء البحر فهي حرام.وقد بين عليه الصلاة والسلام هذا الحكم في هذا الحديث الذي لم يسأل عنه, ولكنه أضافه في الجواب؛ لأن المقام يقتضيه، وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قالوا: في الحديث دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر وكان هناك شيء يقتضي المقام إضافته في البيان فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب وأضاف إلى الجواب أمراً يقتضيه المقام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الجماعة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن مالك].إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الإمام المشهور، العلم الذي قال عنه البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر .[عن صفوان بن سليم].ثقة, خرج حديثه الجماعة.[عن سعيد بن سلمة].ثقة, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار].ثقة, خرج حديثه الأربعة, وهو كتلميذه الذي روى عنه وهو سعيد بن سلمة ، كل من الاثنين روى لهم أصحاب السنن الأربعة, ولم يرو لهم البخاري , ومسلم .والحديث صحيح، وهو من الأحاديث الصحيحة التي صححها البخاري وهي خارج الصحيح، وهنا يدل على أن البخاري ليس كل ما كان صحيحاً يودعه في كتابه الجامع الصحيح، فإنه إنما أودع بعض الصحيح, ولم يودع كل الصحيح، ولهذا فإن حديث أبي هريرة في الوضوء بماء البحر صححه البخاري ، ونقل عن البخاري تصحيحه ومع ذلك لم يورده في صحيحه.وقد صححه كثيرون من أهل العلم، وابن حجر العسقلاني في ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا في تهذيب التهذيب عزا تصحيحه إلى عشرة من المحدثين, وسرد أسماءهم: فلان, وفلان, وفلان، ثم قال: وآخرون، بعدما سرد عشرة أسماء من المحدثين صححوا حديث أبي هريرة هذا قال: وآخرون؛ يعني: أنه صححه غير العشرة هؤلاء الذين سماهم، ومنهم: الطحاوي , الترمذي , ابن خزيمة , وابن حبان , وعدد كبير من المحدثين صححوا هذا الحديث.
الوضوء بالثلج
شرح حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالثلج.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].أورد النسائي باب: الوضوء بالثلج، وأورد بعده ترجمة: باب: الوضوء بماء الثلج، والمقصود من هذا: بيان أن الثلج طاهر مطهر، وماؤه إذا ذاب فهو أيضاً طهور مطهر، وأنه تحصل الطهارة به ويتوضأ به.وهنا قال: الوضوء بالثلج؛ ومعنى هذا: أن الإنسان إذا استعمل الثلج في الوضوء سواء كان الثلج جامداً ,أو غير جامد, كالذي يسقط ويركب بعضه على بعض, فيكون مثل القطن، والناس يخوضون فيه ويمشون في هذا الثلج الذي بعضه فوق بعض؛ فإنه تحصل الطهارة بالثلج، فلو أن إنساناً استعمل قطعة من الثلج وأجراها على جسده وذابت وهو يتوضأ بها فإن الوضوء بذلك صحيح؛ لأنه وضوء من ماء.وأورد فيه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر في صلاته - في الصلاة الجهرية- سكت هنيهة, ثم بدأ في القراءة، فسأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول بين التكبير والقراءة؟) يعني: بين تكبيرة الإحرام والقراءة؛ لأنه يسكت بينهما، فسأله ما الذي يقوله في ذلك، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن أمور الدين، وأنهم قاموا بنقل الشريعة والبحث عما يحتاج الناس إليه, حيث سأل أبو هريرة هذا السؤال لرسول الله عليه الصلاة والسلام, فأخبره عليه الصلاة والسلام بأنه يقول هذا الدعاء: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) . فهذا دعاء من أدعية الاستفتاح، ومن أدعية الاستفتاح: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض). ومنها: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، فهذه أنواع من الاستفتاحات، وكلها حق، وكل ما ثبت منها فهو حق لا تعارض بينها، وإذا أخذ بهذا أو بهذا أو بهذا فكله حق، فالأخذ بأي واحد منه حق، والاختلاف فيه اختلاف تنوع، وكون الواحد يختار هذه الصيغة وهذا يختار هذه الصيغة, فلا يقال: إنهم مختلفون اختلاف تضاد؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت، فأي واحد منها يحصل به المقصود، فالخلاف فيه خلاف تنوع، ليس خلاف تضاد، خلاف التضاد: هو الذي فيه نفي وإثبات في شيء واحد, مثل: أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ فأحدهم يقول: ينقض, والآخر: يقول: لا ينقض، فهذا خلاف تضاد، وأيضاً واحد يقول: إنه لا تصلح الصلاة لمن أكل لحم إبل حتى يتوضأ، والآخر يقول: لا ينقض الوضوء بل يصلي ولا يتوضأ، فهذا اختلاف تضاد.واختلاف التضاد هو الذي يسوغ فيه الاجتهاد، فللمجتهد المصيب أجران, وللمجتهد المخطئ أجر واحد، أما اختلاف التنوع فكله حق؛ لأن كله ثابت عن رسول الله، فهو أنواع، فهذا اختار هذا, وهذا اختار هذا، لكن ليس اختلاف تضاد، والتضاد نفي وإثبات، وتحليل وتحريم، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فهذا اختلاف التضاد، أما اختلاف التنوع فهو مثل: اختلاف أنواع التشهد، فهذا ثابت، وهذا ثابت، وهذا ثابت، فإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، ومثله ألفاظ الأذان,كل هذا مما ثبتت فيه السنة من أي لفظ صح وثبت, فإن الأخذ بأي واحد منها حق.والرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب، والمقصود منه ما جاء في آخره: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) فإذاً: هذا يدل على أن الثلج طهور يطهر به، والمقصود من ذلك: أن الذنوب ينقى منها ويطهر منها, ويتخلص منها, كما يحصل التطهير الحسي، والتطهير المحسوس بالماء والثلج والبرد، يحصل التنقية بها، قيل: وإنما نص على البرد والثلج وهي باردة؛ لأن الذنوب تؤدي إلى النار، والنار فيها الحرارة , وفيها الإحراق، فناسب أن يأتي ذكر التطهير بالثلج والبرد وهما باردان.والمقصود من إيراد النسائي للحديث: هو الإشارة إلى أن التطهير الشرعي الحسي يكون بالثلج, ويكون بالبرد, ويكون بالماء، وأنه يحصل به التطهير، وأن الثلج مثل الماء السائل يحصل به التطهير وإن كان جامداً، وإن كان أيضاً غير جامد, ولكنه ليس ذائباً.
تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من رجال البخاري , ومسلم , والترمذي, والنسائي .[أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر ذكره مراراً، هو الذي روى عنه علي بن حجر السعدي ، وكذلك فإنه نسب في الذين روى عنهم علي بن حجر ، وهو ثقة, وهو من رجال الجماعة, وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن عمارة بن القعقاع].هو: عمارة بن القعقاع الضبي ثقة, خرج حديثه الجماعة، وهو من رجال الكتب الستة، وهو الذي يروي عن أبي زرعة ، وقد روى عنه هنا, وروى عنه في صحيح البخاري حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن..) من رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وهو آخر حديث في صحيح البخاري بهذا الإسناد.[عن أبي زرعة].هو: ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي حفيد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن جرير , وسبق أن مر بنا ذكره فيما مضى في رواية عمه إبراهيم بن جرير عنه في حديث مضى، يروي فيه إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.وأبو زرعة هذا معروف بكنيته، وهو من التابعين الذين رووا عن الصحابة، وقد ذكرت فيما مضى أنه يوافقه في هذه الكنية بعض المحدثين الذين اشتهروا برواية الحديث من المتقدمين والمتأخرين: أبو زرعة الرازي , وأبو زرعة الدمشقي، أبو زرعة الرازي هو: عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة مائتين وأربع وستين بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً في الدعاء، أظنه: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء).وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي ، اسمه واسم أبيه مثل الأوزاعي ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو ، وهما من أئمة أهل الشام إلا أن الأوزاعي متقدم في القرن الثاني، والدمشقي متأخر في القرن الثالث، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وعشرين, ولم يخرج له إلا أبو داود في سننه, وأما الرازي فقد خرج له مسلم وبعض أصحاب السنن كما ذكرت ذلك فيما مضى.ومن المتأخرين الذين اشتهروا بـأبي زرعة : ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الأثري أبو زرعة ، ويقال له: ولي الدين ، ولأبيه: زين الدين ، وكنيته أبو زرعة الذي هو أحمد بن الحسين ، وهو مشهور بذلك، ومشهور بهذه الكنية، وهو متأخر؛ لأنه في القرن التاسع، وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين، فهؤلاء يوافقون أبا زرعة ابن عمرو بن جرير في هذه الكنية.وأما صحابي الحديث فهو الصحابي الذي تكرر في الأحاديث، وذكرنا في الدرس الماضي أن له في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً.
الوضوء بماء الثلج
شرح حديث: (...اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء بماء الثلج.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء الثلج، فهناك الوضوء بالثلج, وهنا بماء الثلج؛ يعني: الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء سائل؛ لأنه إذا كان في حال كونه ثلجاً ليس سائلاً حتى يذوب، فإذا ذاب صار ماءً, فيقال له: ماء ثلج، والترجمة السابقة فيها ذكر الثلج دون الماء، والمقصود بها: التوضؤ بالثلج، وكما قلت لكم كون الإنسان إذا كان الثلج بعضه فوق بعض فيأخذ منه ويتوضأ فهو يتوضأ بماء، وكذلك لو أخذ قطعة من الثلج جامدة فجعل يجريها على جسده, وهي تذوب ويتوضأ بها فهو وضوء بالثلج، وكل ذلك وضوء بالماء.أما هذه الترجمة فهي: وضوء بماء الثلج؛ يعني: الماء السائل الذي ذاب، فالثلج عندما ينزل في الليل في الأماكن التي تنزل فيها الثلوج ويركب بعضها فوق بعض قد يصل أحياناً إلى متر في الارتفاع عن الأرض، ويسد الطرق ولا يستطيعون المشي؛ لأنهم لا يعرفون أثر الطريق؛ لأنه قطعة مثل الزرع مرتفع عن الأرض، فيصل أحياناً إلى متر، فإذا طلعت عليه الشمس ذاب وصار ماء، فإذا ذاب وصار ماءً فهذا هو مقصود النسائي بالترجمة: الوضوء بماء الثلج، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) , وهو مثل ما تقدم في حديث أبي هريرة : (بالثلج والماء والبرد) .
تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي ابن راهويه , الذي تقدم ذكره كثيراً، والذي ذكرنا فيما مضى عن الحافظ ابن حجر أنه يقول: يعبر بـ(أخبرنا) ولا يعبر بـ(حدثنا) وأنه خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وقد خرجوا عنه ورووا عنه مباشرة، وهو فقيه, محدث, حافظ, ثقة.قوله: [أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، ومر في مواضع متعددة فيما مضى.قوله: [عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير ، وهو من الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، وهو يروي عن أبيه.قوله: [عن عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير هو أحد الثقات الأثبات, الذين خرج لهم الجماعة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يتكرر ذكرهم في الأسانيد، والذين قال عنهم ابن القيم :إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين الذين كانوا في عصر التابعين، والذين يرجع الناس إلى علمهم وإلى فقههم، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قالوا: وهذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، بدل ما يسردون أسماءهم يكتفون بأن يقولوا: الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة].عائشة أم المؤمنين, تقدم ذكرها مراراً.
الوضوء بماء البرد
شرح حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البرد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا معاوية بن صالح عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: شهدت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: باب: الوضوء بماء البرد، ولم يأت بذكر ماء البرد, ولكنه جاء في الحديث البرد، والذي يناسبه تماماً في المطابقة هو الحديث الذي قبله، وهو قوله: (بماء الثلج والبرد) حديث عائشة ، لكن كما هو معلوم أن الثلج هو ماء إلا أنه ماء متجمد، فيصدق أن يقال عليه: ماء برد، ويصدق أن يقال عليه: برد؛ لأنه لا فرق بين تسميته ماء برد؛ لأنه يطلق على ذائبه وعلى جامده، هو أيضاً ماء وإن كان جامداً, فالبرد في حال قبل ذوبانه , فالذي يطابق الترجمة الحديث الذي قبله؛ لأن فيه ماء البرد وماء الثلج، لكن كونه أتى بماء البرد وأتى بهذا الحديث الذي فيه برد فلا فرق بين البرد وماء البرد، فالنتيجة واحدة، كله طهور، سواءً كان في حال ذوبانه وكونه سائلاً, أو كونه جامداً عند نزوله من السماء قبل أن يذوب، كل ذلك يقال له: ماء برد, كما يقال له: برد.والمقصود من ذلك: الوضوء به، وأن الوضوء يكون بالبرد كما يكون بالثلج، وهو طهور مطهر, يحصل به التطهر ويحصل به التوضؤ، ومن أجل ذلك عقد له هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء البرد، وأورد حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه شهد صلاة جنازة على ميت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا: (واغسله بالماء والثلج والبرد) .
تراجم رجال إسناد حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله ].هارون بن عبد الله البغدادي, شيخ النسائي , وهو ثقة، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا معن ].هو ابن عيسى ، وهو من أجل أصحاب الإمام مالك ، وهو ثقة, حافظ, ومن رجال الجماعة.[ حدثنا معاوية بن صالح ].هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة.[ عن حبيب بن عبيد ].هو حبيب بن عبيد الرحبي, وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة، وهو ثقة. [ عن جبير بن نفير ].وهو من التابعين المخضرمين، وهو من الثقات، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة, مثل تلميذه الذي روى عنه وهو حبيب بن عبيد ، كل من الاثنين خرج لهم البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة.[ عن عوف بن مالك] .هو عوف بن مالك الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد جاء في بعض طرق الحديث أن عوفاً لما سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للميت قال: (تمنيت أن أكون أنا الميت).وعوف بن مالك ذكر عنه في الخلاصة: أن له في الكتب سبعة وستين حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:10 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(29)
(باب سؤر الكلب) إلى (باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب)
لقد حضت الشريعة على الطهارة والنظافة والبعد عن النجاسة, ومن ذلك أنها أمرت بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب.
سؤر الكلب
شرح حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سؤر الكلب.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ].يقول النسائي رحمه الله: سؤر الكلب.السؤر في الأصل هو: البقية، وذلك عندما يحصل الأكل, ثم يبقى فضلة، فالفضلة يقال لها: سؤر، ولهذا يقولون: إن كلمة (سائر) في اللغة لا تستعمل إلا بمعنى الباقي، وقد قال بعضهم: إنها لا تكون بمعنى الجميع، ولهذا يأتي كثيراً في الاستعمال عند ذكر الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: فصلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، يعني: على باقيهم. والجوهري في الصحاح يقول: إن سائر تكون بمعنى الجميع، ولا يلزم أن تكون بمعنى الباقي.والمقصود من الترجمة هو بيان حكم سؤر الكلب، وهو ما يبقى في الإناء إذا شرب منه فما حكمه؟ وحكمه: أنه نجس وتجب إراقته، ثم يغسل الإناء الذي شرب فيه الكلب، ويغسل سبع مرات، ولو لم يمس لسانه الإناء, وإنما ولغ في الماء الذي في الإناء, ولكن النجاسة تنتقل إلى سائره.وقد أورد النسائي في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) فجاء في هذه الطريق بلفظ الشرب، وجاء في بعض الطرق الأخرى بلفظ الولوغ، والشرب كما هو معلوم واضح بأن المراد به فيما إذا شرب، أما الولوغ فإنه يشمل الشرب وغير الشرب، بمعنى: أن يدخل لسانه في الماء ويحركه سواء شرب, أو لم يشرب، هذا يقال له: ولوغ.والحكم كما جاء في الحديث: أن الولوغ- وهو: إدخال الكلب لسانه في الماء وتحريكه فيه, سواء شرب منه أو لم يشرب- فإنه ينجسه، وتجب إراقته، وذلك فيما إذا كان الإناء صغيراً، والماء قليلاً. وأما الماء الكثير وهو ما فوق القلتين فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك فيما مضى لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهنا التعبير بالإناء في الغالب أن المقصود به إناء يكون صغيراً ولا يبلغ القلتين، ولهذا فإن النجاسة تؤثر فيه، وينجس الماء بوجود النجاسة فيه.إذاً: فلفظ الشرب كما جاء في هذا الحديث ليس الأمر خاصاً بالشرب, وأنه لو أدخل لسانه ولم يشرب فإن الحكم يختلف, لا، بل لو أدخل لسانه ولم يشرب, فإن النجاسة حاصلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) لأن لفظ الولوغ يشمل الشرب وغير الشرب، والحديث جاء بذكر الشرب وجاء بذكر الولوغ، فلا تنافي بين ذكر الشرب وذكر الولوغ؛ لأن الشرب بعض ما يندرج تحت الولوغ، فالولوغ أعم من الشرب، والشرب جزء من الولوغ.إذاً: فالحكم لا يختص بالشرب، بل بالولوغ, شرب أو لم يشرب، تحصل النجاسة وتجب إراقة الماء، ويجب غسل الإناء سبع مرات.والحديث دل على أنه يجب غسل الإناء سبع مرات، وهذا جاء في هذه النجاسة الخاصة، وهي ولوغ الكلب في الإناء فإنه ينجسه، وتطهيره يكون بغسله سبع مرات، وما جاء في بعض الروايات من الأمر بالإراقة، وفي بعض الروايات: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) يدل على أنه يتنجس، وأن الأمر بالغسل سبعاً إنما هو للنجاسة، وليس لمجرد التعبد كما قال ذلك بعض العلماء؛ لأن الأمر بالإراقة يدل على النجاسة، وقوله: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) يدل على النجاسة. إذاً: فيجب الغسل سبع مرات.وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) هذا القيد لا مفهوم له، أنه لا يغسل إلا إذا كان الإناء للإنسان، أما إذا كان لغيره فلا, هذا لا مفهوم له, سواء كان له أو لغيره، وإنما هذا جرى على الغالب من أن الإنسان يكون إناؤه معه، وكونه يكون معه إناء غيره فهذا قليل وليس له مفهوم، بمعنى أن هذا الحكم يختص فيما إذا كان الإناء له، أما إذا كان الإناء لغيره فيختلف، لا مفهوم لهذا القيد في الإضافة في قوله: (إناء أحدكم).وكذلك في قوله: (فليغسله) أيضاً لا مفهوم له، فيمكن أن يغسله غيره، وليس بلازم أن يغسله هو بنفسه، فقوله: (فليغسله) ليس الأمر متعيناً بأن يكون الغسل من صاحب الإناء، بل المطلوب هو غسله سبع مرات، سواءً كان ذلك بفعله أو بفعل غيره، وليس له مفهوم, بمعنى: أن صاحبه هو الذي يتولاه, كما جاء في لفظ الحديث: (فليغسله)؛ لأن المطلوب هو التطهير، والمطلوب الغسل، وليس المطلوب أن يتولاه بنفسه، فلو قام غيره بالنيابة عنه أو أعطى غيره ليغسله فإن الطهارة تحصل، والمقصود يحصل.قوله: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)، لفظ الكلب هذا لفظ عام يشمل جميع الكلاب، فجميع الكلاب تدخل فيه سواءً كانت كلاب صيد، أو كلاب ماشية، أو كلاب زرع, التي أذن في استعمالها، أو من الكلاب التي لم يؤذن باستعمالها؛ لأن (أل) في الكلب للجنس، أي: لجنس الكلاب، وليس المقصود من ذلك كلاباً معينة, أو الكلاب التي جاء الشرع في الإذن باستعمالها وهي: للزرع, وللصيد, وللماشية، فكل الكلاب هذا حكمها, وهذا شأنها، ولا يختص الأمر بنوع منها دون نوع، بل هو عام في جميع الكلاب.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني من رجال الجماعة، وهو ثقة حافظ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين صار لهم مذاهب, واعتني بفقههم وبجمعه, وصار لهم أصحاب يدونون مذاهبهم ويعتنون بها، فهو أحد الأئمة الأربعة، وهو محدث فقيه، ومن أجلة العلماء وكبارهم، وقد قال البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـهذه عند البخاري السلسلة الذهبية التي تعتبر أصح الأسانيد، ومالك هو أحد رجالها رحمة الله عليه.[عن أبي الزناد].أبو الزناد سبق أن مر بنا ذكره أيضاً وهو عبد الله بن ذكوان ، وأبو الزناد هذا لقب بصيغة الكنية، وهو من الثقات, الحفاظ, ومن رجال الجماعة.[والأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز ، مشهور بلقبه، ويأتي ذكره أحياناً باللقب, وأحياناً بالاسم، فيقال: عبد الرحمن بن هرمز ، ويقال: عبد الرحمن ، ويقال: الأعرج .وقد سبق أن عرفنا أن من الأمور المهمة في علوم الحديث: معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما لو ذكر باسمه في بعض المواضع, وذكر بلقبه في بعض المواضع، فالذي لا يدري أن الأعرج كنية لــعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص آخر غير عبد الرحمن بن هرمز.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وقد سبق أن مر ذكره مراراً.إذاً: فهؤلاء الخمسة من رجال الإسناد: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج , وأبو هريرة كلهم حديثهم في الكتب الستة، والأربعة الأول الذين هم: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج كلهم من الثقات الحفاظ.أما الصحابي فلا يحتاج إلى أن يقال فيه: ثقة، بل يكفيه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين, بعد أن أثنى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام على الصحابة، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إن فلاناً صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إنه من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد عرفنا فيما مضى: أن كل راو لا بد من معرفته، وإذا كان مجهولاً لا يعرف, فإنه لا يحتج به ولا يعتد به, حتى يعرف وتعرف عدالته. وأما الصحابة رضي الله عنهم فالمجهول فيهم عمدة يعول عليه, ويقبل ما جاء عنه, ولو لم يذكر اسمه، فإذا جاء في الإسناد: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى أن يعرف اسمه، فيكفي أن يقال: إنه صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما غيرهم فلا بد من معرفة أشخاصهم، ولا بد من معرفة أحوالهم، ولا بد من توثيقهم وتعديلهم وتجريحهم، وأما الصحابة فإنهم لا يتكلم في عدالتهم ولا في توثيقهم؛ لأن ثناء الله عز وجل عليهم, وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتاجون معه إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج قال ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات). أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد بن سعد أنه أخبره هلال بن أسامة أنه سمع أبا سلمة يخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].هنا ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى من غير طريق مالك ، وفيها: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ، وفي رواية مالك: (شرب) وهنا جاءت بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أن الولوغ أعم من الشرب، فلو أدخل لسانه في الماء وحركه فيه, فإنه قد حصلت فيه النجاسة, سواء شرب أو لم يشرب.إذاً: فهذه الرواية وهي: (إذا ولغ الكلب) تدل على عموم الحكم في حال شرب الكلب أو عدم شربه فيما إذا ولغ, بأن أدخل لسانه في الماء وحركه فيه، فهو يشمل الحالتين, وهو أعم من الشرب.والحديث هو بلفظ الحديث المتقدم، إلا أنه بلفظ الولوغ، فلا فرق بينهما إلا بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أنه أعم مما تقدم.وقوله: (أخبرني إبراهيم بن الحسن). كثيراً ما يأتي النسائي ويقول: أخبرنا، وهنا قال: أخبرني، فما الفرق بين أخبرني وأخبرنا؟ أو حدثني وحدثنا؟الفرق بينهما: أن أخبرني وحدثني تستعمل فيما إذا حصل للراوي وحده، وليس له مشارك حين الأخذ من الشيخ؛ وأما إذا كان هو وغيره أخذوا عن الشيخ, فإنه يقول: حدثنا وأخبرنا، وأما إذا أخذ وحده وسمع وحده، أو قرأ على الشيخ وحده؛ فإنه في هذه الحال يقول: أخبرني أو حدثني، هذا هو الفرق بين لفظ الجمع ولفظ الإفراد؛ لأن لفظ الإفراد معناه: أنه تحمل وحده، ولفظ الجمع أنه تحمل مع غيره.
تراجم رجال إسناد طريقي حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع فرات)
قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن].هو أبو إسحاق المصيصي ، وهو ثقة, خرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه لم يخرج له في السنن وإنما خرج له في التفسير.[عن حجاج].حجاج هو الذي سبق أن مر بنا ذكره, وهو ابن محمد المصيصي ، وذاك أبو إسحاق المصيصي، فكلهم ينسبون إلى المصيصة، وحجاج بن محمد المصيصي هو المعني هنا؛ لأن حجاجاً هنا مهمل لم ينسب، ولكنه في شيوخ إبراهيم بن الحسن ما ذكروا إلا الحجاج بن محمد المصيصي ، وكذلك أيضاً ذكروا في تلاميذ الحجاج بن محمد المصيصي : إبراهيم بن الحسن أبا إسحاق المصيصي .وقد عرفنا فيما مضى: أن الحجاج بن محمد المصيصي ثقة, خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ثقة, فقيه, فاضل وكان يدلس، وهنا الحديث فيه التصريح بالإخبار؛ لأنه جاء في الإخبار قال: أخبرني الذي هو ابن جريج ، يقول: أخبرني زياد بن سعد ، فقد صرح بالإخبار وهو من رجال الجماعة، وابن جريج من رجال الجماعة. [عن زياد بن سعد].و زياد بن سعد من أصحاب مالك ، وقال ابن عيينة عنه: إنه أثبت أصحاب مالك ، وهو ثقة, من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب.[أن ثابتاً مولى عبد الرحمن].وهو ثابت بن عياض الأحنف الأعرج مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، يقال له: العدوي نسبة إلى بني عدي وهذه النسبة نسبة ولاء، فأحياناً يقولون: مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وأحياناً يقولون: العدوي مولاهم، يعني: مولى بني عدي, لأن بني عدي يقال لهم: العدويون، ويقال للواحد منهم: العدوي، ويقال: العدوي مولاهم أي: نسبة ولاء، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري, ومسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه قد مر ذكره.أما الإسناد الثاني فهو مثل هذا الإسناد، إلا أنه يختلف عنه في شخصين، أحدهما: هلال بن أسامة ، والثاني: أبو سلمة.قوله: [عن هلال بن أسامة].هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هنا منسوب إلى جده، وأحياناً تأتي النسبة إلى الجد، وهو ثقة من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أبي سلمة].وأبو سلمة هو الذي مر بنا مراراً وفي أول حديث من أحاديث النسائي, هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات الحفاظ، وهو أحد الفقهاء السبعة على قول كما عرفنا ذلك فيما مضى.والنسائي أورد الطريق الأولى التي هي من طريق ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وهي عالية بالنسبة للطريق الثانية؛ لأن زياد بن سعد في الأولى بينه وبين أبي هريرة واحد، وهو: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وفي الطريق الثانية زياد بن سعد بينه وبين أبي هريرة اثنان وهما: هلال بن علي بن أسامة وأبو سلمة ، فتعتبر طريقاً نازلة؛ لأن رجالها أكثر، والوسائط بين زياد بن سعد وبين أبي هريرة اثنان في الطريق الثانية وواحد في الطريق الأولى، فالطريق الأولى يقال لها: عالية بالنسبة للطريق الثانية.وأما قوله: (مثله) فقد عرفنا فيما مضى أن المراد بها: أن المتن مماثل للمتن الذي قبله، فالمتن هو: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) ، هذا هو متن الإسناد الثاني، واكتفى بكلمة (مثله)؛ لأنها تؤدي ذلك المعنى فيما لو ساقه بلفظه وحروفه؛ فإن لفظ المماثلة يقتضي المساواة، بخلاف لفظ (نحو) فإنه لا يقتضي المساواة، بل يوافق في المعنى ويخالف في اللفظ، ويكون هناك تفاوت في الألفاظ، فهذا هو الفرق بين كلمة (مثله), وكلمة (نحوه), إذا جاءت محالاً فيها إلى متن سابق.ويمكن أن يكون المقصود من ذلك: وجود تعدد الطرق إلى أبي هريرة ، وأنه جاء عن أبي هريرة من طريقين: طريق ثابت , وطريق هلال بن علي بن أسامة .
الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب
شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) .قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله: (فليرقه) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة أيضاً من طريق أخرى، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات) فهو مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة: (فليرقه).ثم قال النسائي: (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على لفظ: (فليرقه)، وهذه اللفظة وهي (فليرقه) تدل على أن الماء الذي يلغ فيه الكلب يكون نجساً، وأنه يراق؛ لأن إراقته تدل على نجاسته، إذ لو كان منتفعاً به ويمكن أن يتطهر به لما أمر بإراقته، ففيه دليل على نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وأن لعابه نجس، وأنه إذا صار في الماء فإنه ينجسه، وهذا فيما إذا كان قليلاً، وأما إذا ولغ في ماء كثير وهو ما فوق القلتين, فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك، إلا إذا غيرت له لوناً أو طعماً أو ريحاً، ومن المعلوم أن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير، فهذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب قد لا يتغير بمجرد أن يكون أدخل لسانه فيه.إذاً: فما دون القلتين وهو الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغير له طعماً أو ريحاً أو لوناً، فإنه يتأثر بالنجاسة وينجس, ولا يجوز استعماله في الطهارة، ولا يجوز التطهر به واستعماله؛ لأنه نجس.إذاً: فالأمر بالإراقة يدل على النجاسة، ويدل على أن النجاسة إذا وقعت في سائل أنها تنتشر؛ لأنه كما هو معلوم أنه أمر بالإراقة, ثم أمر بغسل الإناء بعد أن أريق منه الماء؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء، فيدل على أن النجاسة تنتشر في السائل، وأنها تصل إلى ما لم تباشره النجاسة، ومعلوم أن الولوغ إنما هو في الماء، فالماء أمر بإراقته وأمر أيضاً بغسله؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء, فوجب غسله.وقول النسائي : (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر) علي بن مسهر ثقة، وهي زيادة من الثقة, فتكون مقبولة، ثم إن الحافظ ابن حجر قد ذكر أنه وجد له متابع، لكن بطريق غير صحيح، ووجد متابع بإسناد صحيح, ولكنه موقوف وليس بمرفوع، ولكن لو لم يحصل المتابع, فعلي بن مسهر ثقة, يعتبر ما جاء عنه ثابتاً، وتعتبر زيادة من ثقة, فتكون مقبولة، وهي تدل على نجاسة الماء، وعلى إراقته لنجاسته.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)
قوله: [أخبرنا: علي بن حجر].علي بن حجر بن إياس السعدي، تقدم ذكره مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وهو من الثقات الحفاظ.[عن علي بن مسهر].علي بن مسهر أحد الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رزين وأبي صالح عن الأعمش].الأعمش هو: سليمان بن مهران ، وقد تقدم ذكره مراراً، والأعمش هو لقب يلقب به سليمان بن مهران ، وهو مشتهر بهذا اللقب، وكثيراً ما يأتي ذكره بلقبه، ويأتي أيضاً ذكره باسمه كما سبق أن مر بنا ذلك، ويقال فيه ما ذكرت قريباً بالنسبة للأعرج: أن هذه من الألقاب التي يحتاج إلى معرفتها حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه. ويروي الأعمش (عن أبي رزين وأبي صالح) .وأما أبو صالح فهو ذكوان السمان، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من الثقات, ومن رجال الكتب الستة، واسمه ذكوان ، وكنيته أبو صالح، ولقبه السمان، وأحياناً يقال: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت, ويجلب السمن, ويبيعهما فلقب بـالزيات ولقب بـالسمان، واسمه ذكوان ، ويأتي كثيراً ذكره بكنيته.وفي صحيح مسلم أسانيد كثيرة عنه من رواية ابنه سهيل عنه؛ سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأما البخاري فإنه لم يخرج لابنه سهيل شيئاً، وإنما خرج لـأبي صالح .وأما أبو رزين فهو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم والأربعة.
تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب
شرح حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)
قال المصنف رحمه الله: [باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب:أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن المغفل: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب )].أورد النسائي: باب: تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، وأورد فيه حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب).هذه الترجمة معقودة لتتريب الإناء الذي يلغ فيه الكلب عند غسله, وهو أنه يعفر بالتراب, ويغسل بالتراب غسلة واحدة، والتتريب ثبت في هذا الحديث, وهو عند مسلم في صحيحه، وجاء هنا بلفظ الثامنة، وهذا فيه مغايرة لما تقدم من الروايات من أن الغسل إنما هو سبع، وليس بثمان، غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب: (أولاهن بالتراب) ، وفي بعضها: (إحداهن بالتراب) ، ورواية (إحداهن) مجملة، و(أولاهن) محددة، فيكون العبرة بالأولى، وأما الثامنة فإنها تحمل على الأولى، ولكن يقال لها: ثامنة باعتبار أنه يستعمل التراب, ثم يستعمل بعده الماء الذي يباشر التراب, فتكون الغسلة الأولى معها تراب، فيكون غسله بالماء سبع مرات أولاهن بالتراب، فتكون سبعاً, ولكن لما كانت الغسلة الأولى فيها تراب وفيها ماء صارت بمثابة اثنتين، والحديث الآخر قال: (سبعاً أولاهن بالتراب) فهي واحدة من سبع، فتكون رواية الثمان محمولة على الأولى المكونة من شيئين: تراب, وماء، ثم استعمال التراب في الغسلة الأولى هو المناسب؛ لأنه أولاً يباشر ما حصل من الكلب، ثم أيضاً لو كانت الثامنة تراباً لاحتيج إلى أن يأتي بعدها ماء، ولكن جاءت الروايات الأخرى الصحيحة مبينة أن الأولى من السبع بالتراب، فتكون رواية الثامنة محمولة عليها، ويكون على هذا لا بد من السبع, ولا بد من التتريب.وبعض العلماء قال: إنه يغسل سبعاً ولا يترب، وهذا هو مذهب المالكية، وقد قال القرافي وهو من المالكية: وقد صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعجب منهم -أي: المالكية- كيف لم يقولوا به! وقد قال هذا القرافي فيما نقله الحافظ ابن حجر عنه في فتح الباري. إذاً: فلا بد من الغسل سبعاً, يعني: لا بد من التسبيع, ولا بد من التتريب، يعني: في الأولى.
تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ].وهذا قد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه مسلم, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه, وأبو داود لم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.[ قال: حدثنا خالد ].هو ابن الحارث الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الثقات وخرج حديثه الجماعة، وهو هنا مهمل لم ينسب، ولكن جاء في ترجمة محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أنه روى عن خالد بن الحارث، يعني: ما ذكر في شيوخه في تهذيب الكمال من يسمى خالداً سوى خالد بن الحارث ، وقد سبق أن مر ذكر هذا الرجل فيما مضى، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً ذكروا في تلاميذه: خالد بن الحارث، وشعبة هو أحد الثقات الأثبات, الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب يدل على المبالغة في التعديل، فقول: أمير المؤمنين في الحديث، إليه المنتهى في التثبت، هذه صيغ يقال عنها: إنها من أعلى الصيغ وأقواها، ولا تحصل لكل أحد، وإنما تحصل للنوادر والقلة من الرجال، فـشعبة بن الحجاج أحد الذين وصفوا بهذا الوصف, وهو من رجال الجماعة، وحديثه في الكتب الستة.[عن أبي التياح]. هذه كنيه اشتهر بها يزيد بن حميد الضبعي، خرج حديثه الجماعة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو مشهور بكنيته أبي التياح.[قال: سمعت مطرفاً].هو ابن عبد الله بن الشخير ، وهو أحد الثقات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو فاضل.[عن عبد الله بن مغفل].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أصحابه أجمعين، وقد مر بنا ذكر هذا الصحابي فيما مضى، وقد ذكرنا فيما مضى: أن له ثلاثة وأربعين حديثاً, اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث، كما جاء في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(30)
(باب سؤر الهرة) إلى (باب سؤر الحائض)
هناك حيوانات نهينا عن أكل لحمها لنجاسته مثل: الهرة والحمار الأهلي، ولكن لا بأس من استعمال سؤر هذه الحيوانات، ويدخل في هذا أيضاً سؤر الحائض من أكل أو شراب فلا مانع من الأكل والشرب من سؤر الحائض؛ لما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها.
سؤر الهرة
شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة
قال المصنف رحمه الله: [ سؤر الهرة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك: أن أبا قتادة دخل عليها ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات )]. يقول النسائي رحمة الله عليه: سؤر الهرة. بقية الماء الذي يشرب منه, يقال له: سؤر؛ لأن السؤر بمعنى الباقي، فباقي الشيء إذا أكل منه أو شرب منه يقال لذلك الباقي: سؤر، وقد عرفنا سابقاً أن كثيراً من العلماء رأوا أن السؤر لا يكون إلا بمعنى الباقي، وأن بعض أئمة اللغة نقلوا أن السؤر يكون بمعنى الجميع -ومثله السائر يكون بمعنى الجميع- وأكثرهم قالوا: إنه لا يطلق إلا على البقية. وهذه الترجمة -وهي سؤر الهرة- أورد النسائي تحتها حديث أبي قتادة الأنصاري رضى الله تعالى عنه: أنه كان يتوضأ بماء أو سكب له ماء ليتوضأ به، فجاءت هرة لتشرب فأمال إليها الإناء حتى شربت، وتوضأ بسؤرها وبهذا الماء الذي شربت منه، وكانت كبشة بنت كعب بن مالك -وهي زوجة ابنه عبد الله بن أبي قتادة- تنظر إليه وإلى فعله كأنها مستغربة ومتعجبة من الفعل، فلما رآها تنظر إليه ذلك النظر قال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! قالت: نعم. فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). فالمقصود من إيراد الحديث: هو تمكين أبي قتادة لتلك الهرة من الشرب من ذلك الإناء أو من ذلك الوضوء الذي قدم له ليتوضأ منه، وبين وجه استناده إلى هذا العمل -وهو تمكين الهرة من أن تشرب من ماء وضوئه- بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين والطوافات)، والمقصود من هذا أن الماء الذي تشرب منه الهرة طاهر، وأنه لا يتنجس بشرب الهرة منه، وأن ذلك السؤر الذي يبقى بعد شربها لا يقال: إنه متنجس، بل يقال: إنه طاهر ويجوز أن يتوضأ منه. والله عز وجل خفف على الناس؛ فجعل ما يحصل من هذه الدواب التي تكون مع الناس كثيراً والتي لا ينفكون عنها غالباً أنها لا تنجس ما تمسه وما تصيبه، والماء الذي تشرب منه أو الطعام الذي تأكل منه لا يقال: إنه نجس؛ بل هو طاهر؛ لهذا الحديث الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). وتعليل النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنما هي من الطوافين) هذا فيه الإشارة إلى التخفيف، وإلى أن الله تعالى لم يجعل على الناس من حرج في دينهم، فهذه الدواب التي تكون معهم في البيوت كالهرة، فإن ما تشرب منه أو تأكل منه لا يقال: إنه متنجس فيراق ويتلف، وإنما هو طاهر يمكن استعماله، ويسوغ استعماله لمن أراد ذلك. وقوله: (إنما هي من الطوافين والطوافات)، قيل: إنه تشبيه لها بالخدم الذين يطوفون على الناس في الخدمة وأنهم لا ينفكون عنهم، فهذه مماثلة لهم في عدم انفكاكها، فيسر الله عز وجل وخفف على الناس، ولم يشق عليهم، وجعل ما تصيبه تلك الدواب -التي هي الهرة- لا يؤثر شيئاً على ما تصيبه من مأكول أو مشروب؛ بل هو طاهر لدخول ذلك تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).
تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، ولهذا نجد أن في الأحاديث السابقة أحاديث عديدة كلها من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب ومنهم النسائي.[ عن مالك ].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وهو من الأئمة الكبار، ومن أهل الحفظ والإتقان، ومن المعروفين بالإمامة، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة الذين اعتني بفقههم، ودون فقههم، وصار لهم أصحاب عنوا بما جاء عنهم من المسائل الفقهية ودونوها، وهو إمام جمع بين الحديث والفقه، فهو محدث كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد في كتب السنة، وهو فقيه كما هو معلوم من كتابه الموطأ، وكما هو موجود في المسائل التي تنقل عنه وتعزى إليه في المسائل الفقهية، وعند ذكر الخلاف في المسائل وأراء العلماء يذكرون قوله ويذكرون كلامه في المسائل.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق من الثقات الحفاظ، ومن أهل المدينة، وخرج حديثه أصحاب الكتب -كما سبق أن مر بنا ذلك- وهو ثقة.[ عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ].حميدة بنت عبيد بن رفاعة هي زوجة إسحاق، وهو يروي عنها، قال عنها الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، ومعنى هذا: أنه يقبل حديثها إذا اعتضد، ومن العلماء من قبل حديثها بدون البحث عن المعتضد وقالوا: لأنه من رواية مالك ، وبعض العلماء يقول: ما يأتي عن طريق مالك فإنه حجة، لكن المعروف عند المحدثين والمعروف من قواعدهم أن من يكون كذلك فإنه لابد من معرفة منزلته من القبول أو الرد، أو صحة حديثه أو ضعفه، وقد ذكر بعض العلماء أن الحديث له شواهد من غير هذا الطريق، فيكون الحديث ثابتاً لا بمجرد هذا الإسناد وحده، ولكن بالطرق الأخرى التي جاءت معاضدة ومؤيدة له.[ عن كبشة بنت كعب بن مالك ].قيل: إنها صحابية، ومن المعلوم أن الصحابة لا يسأل عنهم، ولا يحتاجون إلى شيء أكثر من أن يوصف الواحد منهم بأنه صحابي، فإذا ما حصل على هذا الوصف فإنه حصل على أعلى المراتب، وأفضل المراتب التي هي وصف الصحبة التي لا يعادلها شيء والتي لا يماثلها شيء، ولهذا لا يحتاج إلى أن يذكر بعدها توثيق ولا تعديل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاج بعد ثناء الله عليهم وثناء رسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً ما حصل لهم من الثناء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وكبشة تروي عن والد زوجها أبي قتادة ؛ لأنها زوجة عبد الله بن أبي قتادة ، فإذاً: هي تروي عن والد زوجها أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.[ أن أبا قتادة ].أبو قتادة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بجهاده، وكونه من الفرسان الشجعان، وقد تقدم ذكره في بعض الأحاديث الماضية.وفيما يتعلق بـحميدة وكبشة فهما من رواة أصحاب السنن الأربعة؛ يعني: ليس لهما رواية في الصحيحين، وإنما روايتهما في السنن الأربعة، وخرج حديث هاتين الراويتين: حميدة وكبشة أصحاب السنن الأربعة. أما أبو قتادة الأنصاري فخرج حديثه أصحاب الكتب، فحديثه موجود في الكتب الستة.إذاً: هؤلاء الرواة الأربعة: قتيبة بن سعيد , ومالك بن أنس , وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبو قتادة الأنصاري ، هؤلاء الأربعة حديثهم في الكتب الستة، وأما المرأتان المذكورتان في الإسناد فحديثهما في كتب السنن الأربعة.
سؤر الحمار
شرح حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الحمار.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس ، قال: أتانا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سؤر الحمار، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة غزوة خيبر وما حصل فيها من إقدامهم على ذبح الحمر الأهلية وطبخها، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع أكلها، وأنهم كفئوا القدور ورموا ما فيها وغسلوها، وجاء في النداء: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وجاء في بعض الروايات: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وهذا الحديث جاء في قصة خيبر وفي تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وأن ذلك حرم في تلك السنة، وأن الصحابة لما أقدموا على طبخها وجعلها في القدور والإيقاد عليها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع ذلك، فبادروا إلى إكفاء القدور وإلى غسلها.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) قوله: (إنها) يرجع إلى لحومها أو إلى الحمر نفسها، وقيل في معنى (رجس) أنها بمعنى القذر، وقيل: إنها بمعنى النجس. والدليل على ذلك أنهم لما أكفئوا القدور غسلوها، يعني: من النجاسة، ومن المعلوم أنهم لما ذبحوها صارت ميتة، ومن المعلوم أن ما لم يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه حلاً؛ لأن ما يؤكل لحمه إذا ذكي صار طيباً ولم يكن نجساً، أما إذا مات فإنه يكون ميتاً ويكون نجساً، أما ما لا يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه طهارة، بل ذبحه وموته حتف نفسه سيان؛ لا فرق بين أن يموت بنفسه أو يموت بذبح الناس له, أو بقتل الناس له، فإنه لا فرق بين هذا وهذا بخلاف ما يؤكل لحمه؛ فإنه فرق بين أن يموت حتف نفسه وبين أن يموت بفعل الناس؛ ولهذا لما طبخوا اللحم الذي ذبحوه فهو ميتة؛ لأنه في معنى الميتة، ولا فرق بينه وبين الميتة؛ لأن الذكاة لا تؤثر فيه طهارة وحلاً، فأكفئوا القدور وغسلوها، يعني: غسلوها من ذلك النجس ومن ذلك القذر الذي هو لحوم الحمير.وأما فيما يتعلق بسؤر الحمار وكونه يشرب من الماء فلا يدل على نجاسته أو على أن ما يشرب منه الحمار يكون نجساً؛ لأن الحمار مثل الهرة، ولا فرق بين الحمار والهرة؛ فالهرة حرام أكلها والحمار حرام أكله، فشرب الهرة وشرب الحمار من ماء قليل لم يبلغ القلتين لا يؤثر فيه نجاسة، ولا يقتضي الأمر بإراقته، وهو مما يبتلى به الناس، بل من ذلك: عرق الحمار عندما يركبه الإنسان، فإنه لا يؤثر في الراكب، ولا يقال: إنه نجس فيغسل الإنسان ما أصابه من عرق الحمار، فإنهم كانوا يركبون الحمير ويستعملونها للركوب، ويعرقون عليها وتعرق أجسادها ويصيبهم عرقها، وما أمروا بأن يزيلوا ذلك الشيء الذي أصابهم من عرقها، فكذلك ما يحصل من سؤرها فهو مثل سؤر الهرة، فلا يقال: إنه ينجس، ولا يقال: إنه يحرم استعماله وتجب إراقته كما في سؤر الكلب الذي جاء الأمر بإراقته، وجاء الأمر بغسله سبع مرات لكونه نجساً، ولكون نجاسته مغلظة لا تحصل الطهارة إلا بسبع مرات, وبالتتريب مع واحدة من السبع، وهي الأُولى كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وإنما جاء في هذا الحديث أن ما يقتضي منعه وما يقتضي نجاسته وعدم طهارته هو لحومها؛ فإنها نجسة سواء ذبحت أو ماتت حتف نفسها، ولا يجوز استعمالها، وإذا وضعت في شيء فإنه يغسل بعد وضع ذلك اللحم فيه من أجل النجاسة. وقوله: (إن الله ورسوله ينهيانكم) في الرواية الأخرى، الأمر من كونه بالتثنية واضح، ولكن يرد عليه إشكال وهو ما جاء في قصة الخطيب الذي كان يخطب وقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث التي فيها ذكر التثنية وفق العلماء بينها وبين حديث الخطيب أو قصة الخطيب بأن مقام الخطبة يقتضي الإيضاح والبيان ولا يقتضي الاختصار، بخلاف غير ذلك مما جاءت به الأحاديث، فإن مجيئها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة يدل على أنها سائغة وأنها جائزة، لكن الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم أن ما حصل من الخطيب خلاف ما يقتضي الإيضاح والبيان والتفصيل وعدم الإجمال الذي يكون الناس بحاجة فيه إلى التفصيل والإيضاح.وعلى رواية الإفراد: (إن الله ينهاكم ورسوله عليه الصلاة والسلام) باعتبار أنه مبلغ؛ لأن النهي إنما هو من الله، والتشريع إنما هو من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ لأمر الله ولشرع الله، فهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما يتكلم به فهو وحي من الله عز وجل، وما يحصل منه من التحليل والتحريم إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.فإذاً: الضمير في الإفراد يرجع إلى الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام هو مبلغ، ويكون شأنه أن الأمر من الله والتبليغ من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا جاء إضافة القول الذي هو القرآن إليه باعتبار التبليغ، كما جاء إضافته إلى جبريل في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، فيراد بالرسول الكريم جبريل، وجاءت في سورة الحاقة ويراد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، والمقصود من ذلك: أن قولهما مبلغين لا منشئين ومبتدئين، وإنما الابتداء هو من الله عز وجل؛ فهو الذي تكلم به، وهو الذي بدأ منه الكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم وجبريل إنما بلغا كلام الله عز وجل، فإضافته إليهما إضافة تبليغ وإيصال إلى الناس.وهنا إضافة النهي إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يحصل منه التشريع، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد ].هو المقرئ المكي، وقد سبق أن مر ذكره، وقد روى له النسائي وابن ماجه من أصحاب الكتب.[ حدثنا سفيان ].هذا مهمل، وهو يحتمل عند الإطلاق: الثوري , ويحتمل ابن عيينة ، لكن المراد به: سفيان بن عيينة ، والدليل على ذلك أنه جاء في بعض الطرق عند البخاري مسمى، قال: حدثنا ابن عيينة ، ففيه تسمية ابن عيينة ، فعرف أن سفيان بن عيينة هو هذا المهمل الذي لم ينسب. وأمر آخر يدل على ذلك: وهو أن محمد بن عبد الله بن يزيد مكي، وابن عيينة مكي، فلو لم يأت ما يدل على تسميته في بعض الطرق لكان تقديم سفيان بن عيينة هو الأظهر وهو الأقرب؛ لكونهما من بلد واحد، لكن الأمر لا يحتاج إلى هذا لوجود التصريح بتسميته, وأنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق عند الإمام البخاري في إسناد الحديث نفسه.وسفيان كما عرفنا سابقاً هو من رجال الجماعة.[ عن أيوب ].هو ابن أبي تميمة السختياني ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأيوب بن أبي تميمة اسمه: كيسان السختياني ، وهو أيضاً من الحفاظ الثقات، وهو أيضاً من رجال الجماعة.[ عن محمد ].هو ابن سيرين ، وقد مر ذكر محمد بن سيرين ، وهو من الثقات الحفاظ العباد، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مر ذكره كثيراً في الأحاديث السابقة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبمناسبة ذكر سفيان بن عيينة في الإسناد سبق أن مر بنا إسناد فيه رواية -وهو التاسع والأربعون- عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان ، وسفيان يروي عن الأعمش ومنصور ، وقد عرفنا فيما مضى أن عبد الرحمن روى عن السفيانين، والأعمش ومنصور روى عنهما السفيانان، فكيف نعرف أيهما سفيان؟ عبد الرحمن بن مهدي بصري، وسفيان الثوري كوفي، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخا السفيانين -هما: منصور والأعمش- من أهل الكوفة، فـالثوري أقرب، لكن قد وجد ما يوضح ذلك في التسمية، ففي حديث السنن الكبرى للبيهقي عندما ذكر حديث سلمان الفارسي الذي روي من هذه الطريق التي أشرت إليها قال: ورواه الثوري عن منصور عن الأعمش ، فذكره وفيه زيادة: ( ولا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار ) التي هي موجودة في نفس الحديث، فتبين بهذا أن سفيان الذي لم ينسب هو سفيان الثوري وليس سفيان بن عيينة ؛ لوجود التصريح به في سنن البيهقي، وهو في الجزء الأول في صفحة مائة وواحد من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد دلنا على هذا أحد الطلبة الذي اطلع على ذلك وأخبرني، واطلعت عليه ووجدته كذلك.ثم لو لم يوجد هذا التصريح فإن سفيان الثوري أقرب من جهة ما أشرت إليه أن سفيان الثوري من أهل الكوفة، والشيخان اللذان يروي عنهما السفيانان هما من أهل الكوفة، وعبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة، والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً كون سفيان الثوري لو لم يأت لكان أقرب؛ لكونهما من أهل بلد واحد، ومعلوم أن أهل البلد يلازم بعضهم بعضاً، والملازمة تكون بين أهل البلد بخلاف الذي يكون من بلد آخر، فإنه لا يحصله إلا برحلة وبسفره وما إلى ذلك، بخلاف الساكن هو وإياه في بلد واحد يلقاه كل يوم أو يلقاه كل أسبوع أو يلقاه مراراً وتكراراً، فإن هذا يكون أقرب من غيره ممن لا يلقاه إلا بسفر أو بمناسبة أو في أوقات متباعدة. ومن الأشياء التي ننبه عليها: أنه سبق أن مر بنا يحيى بن عتيق في أحد الأسانيد الماضية، وأنا قلت فيما يتعلق في النسائي : وهو روى عنه، والحافظ رمز له بأنه روى عنه البخاري تعليقاً, ومسلم وأبو داود والنسائي ، ومسلم روى له حديثاً واحداً؛ وهو الحديث الذي فيه: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) كما ذكر ذلك صاحب الجمع بين رجال الصحيحين حيث قال: روى عنه فلان، يعني: في هذا الحديث، فهو من رجال مسلم، وقد روى عنه هذا الحديث الذي هو: ( لا هامة ولا صفر )، وهو يحيى بن عتيق .وزياد بن سعد الذي مر ذكره سابقاً، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب، وقلت وهو سبق لسان: إنه أثبت أصحاب مالك والصحيح أنه أثبت أصحاب الزهري وليس أصحاب مالك، قال سفيان بن عيينة الذي هو من أصحاب الزهري : هو أثبت أصحاب الزهري ؛ يعني: زياد بن سعد ، من دون أنه أثبت أصحاب مالك، فليحذف لفظ مالك، ويثبت مكانها الزهري.
سؤر الحائض
شرح حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الحائض.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاه حيث وضعت وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض).هنا أورد النسائي: باب سؤر الحائض، وهو بقية ما تأكل، وأن ذلك لا بأس به، وأن كونها حائضاً ومتصفة بهذا الوصف لا يقتضي الامتناع عن مؤاكلتها وعن مجالستها ومساكنتها، والإسلام جاء في هذا الأمر وسط بين ما عند اليهود وما عند النصارى، فاليهود والنصارى في طرفين والإسلام وسط بينهم؛ فاليهود عندهم أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها وإنما يعتزلونها، والنصارى على عكسهم يبالغون في مخالطتها حتى أنهم يجامعونها، فهؤلاء ضدان: إفراط وتفريط، فهؤلاء أفرطوا حيث تجنبوها نهائياً حتى في المؤاكلة، وهؤلاء فرطوا حتى بلغ الأمر بهم إلى أنهم يجامعونها، والإسلام جاء في أنها لا تجامع ولكنها تؤاكل وتشارب، ويحصل الاختلاط بها والاتصال بها ومباشرتها في غير الجماع، فلما كانت الحائض فيها هذا الوصف -الذي تمتنع فيه من الصلاة وتمتنع من الصيام- وبسبب ذلك الدم الذي حصل لها، وكان اليهود والنصارى فيها على طرفي نقيض، جاء الإسلام في التوسط بين هذين، فمنع من مجامعتها ومن الاستمتاع بها في الجماع، وأباح ما عدا ذلك من مؤاكلتها ومخالطتها. وقد أورد النسائي في هذا حديث عائشة رضي الله عنها الذي يوضح هذا المعنى، وهو أنها قالت: (كنت أتعرق العرق) يعني: العظم الذي عليه لحم أو بقية لحم، يعني: تمسك العظم وتأكل منه، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العرق الذي هو العظم الذي به بقية اللحم فيضع فمه في المكان الذي وضعت فيه فمها، ومعناه: أن سؤرها وما مس فمها مسه فم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك كانت تشرب من إناء فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منها الإناء ويضع فمه في المكان الذي كانت تضع فمها في الإناء؛ لأن المكان التي تشرب منه مكان معين، فكان يتعمد ويأخذ الإناء ويضع فمه في المكان، لا في أي مكان من الإناء، وإنما في نفس المكان التي وضعت فيه فمها، فهذا يدل على ما ترجم له النسائي من أن الحائض وإن كانت لها أحكام تخصها، وفيها هذا الوصف الذي تمتنع فيه من الصلاة ومن الصيام، فإن ذلك لا يقتضي منابذتها وعدم مجالستها والاختلاط بها.والعرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم قليل، وقد جاء في الحديث الذي في قصة المنافقين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً) ثم قال: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، يعني: لو يعلم أن في المسجد لحماً يؤكل، ويكون عظماً عليه بقية لحم يوجد في المسجد لجاء إلى المسجد ليأخذ نصيبه من اللحم ومن هذا العظم الذي عليه بقية لحم، لأن همهم الدنيا ولو كان ذلك الذي يحصلونه من الدنيا تافهاً وقليلاً، ولا يهتمون في أمور الآخرة، ولا يعنون فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، ولهذا قال: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، لكن همهم الدنيا، فلو كان في المسجد لحم يوزع أو لحم يؤكل، وكان ذلك اللحم تافهاً ويسيراً، وهو عظم عليه بقية لحم لشهد الواحد منهم العشاء لينال نصيبه من اللحم. وأما النصيب الذي هو في الآخرة، والذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبوا)، ولهذا تثقل عليهم الصلوات, والصلوات كلها ثقيلة، ولكن العشاء والفجر أشد، ولهذا قال: ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء )، يعني: كلها ثقيلة ولكن هذه أثقل من غيرها؛ لأن العشاء في أول الليل في وقت كان الناس فيه في تعب وبحاجة إلى النوم، والفجر تكون في آخر الليل الذي فيه الناس مستغرقين في النوم، فطاب لهم الفراش وارتاحوا في النوم. والمقصود من قوله: (عرقاً) في حديث: ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً ) أي: عظم عليه بقية لحم سمين، فيتعرق العظم، وينهش منه ويأكل منه بأسنانه، لا يقطع بيده ويأكل وإنما يضع العظم ويقربه إلى فمه، وينهش منه ويأكل منه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)
قوله: [خبرنا عمرو بن علي]عمرو بن علي هو الفلاس البصري, المشهور بالمحدث الثقة، وهو من أئمة التجريح والتعديل، وكثير ذكر كلامه في الرجال في التعديل والتوثيق والتجريح، فهو من الحفاظ ومن أئمة الجرح والتجريح، وأحاديثه في الكتب الستة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة في كتبهم. [حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي ، وعبد الرحمن هو أحد الحفاظ الثقات، ومن أئمة الجرح والتعديل، وهو من رجال الكتب الستة.[عن سفيان].سفيان هذا غير منسوب، ما جاء أنه ابن عيينة ولا الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة كما سبق أن عرفنا ذلك في الحديث الذي نبهت عليه قبل قليل, والذي يروي فيه سفيان عن الأعمش ومنصور، وهنا سفيان يروي عنه عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرحمن بن مهدي روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن الذي يروي عنه سفيان هو المقدام بن شريح ، والمقدام بن شريح ما روى له ابن عيينة، وإنما ذكروا في تهذيب الكمال أن الذي روى عنه هو الثوري، وما ذكر أن سفيان بن عيينة روى عنه.فإذاً: سفيان يكون هو الثوري من جهة أن المقدام بن شريح لم يذكر في من روى عنه ابن عيينة، وأيضاً المقدام بن شريح كوفي، وسفيان الثوري كوفي. فإذاً أولاً: ما جاء أن سفيان بن عيينة روى عن المقدام بن شريح، وأيضاً سفيان الثوري هو من أهل الكوفة والمقدام بن شريح بن هانئ من أهل الكوفة، فإذاً سفيان هذا المهمل هو الثوري وليس ابن عيينة.[عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة].المقدام قد تقدم ذكره مراراً، وأبوه هو شريح بن هانئ وقد سبق أن مر ذكر شريح في الرواية عن عائشة، وشريح من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها هي أم المؤمنين وهي إحدى الصحابيات، وهي معروفة بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:14 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(31)
(باب وضوء الرجال والنساء جميعًا) إلى (باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء)
أجاز الشرع استعمال الماء الفاضل عن المرأة بعد اغتسالها من الجنابة بالنسبة للرجل أو العكس، هذ وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام المقدار الكافي من الماء الذي يتوضأ به وهو المد والذي يُقدر بملء كفي الرجل المتوسط.
وضوء الرجال والنساء جميعاً
شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الرجال والنساء جميعاً.أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا معن، حدثنا مالك (ح) وحدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع ، عن ابن القاسم حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب وضوء الرجال والنساء جميعاً، يعني: مجتمعين، يجتمع الرجل والمرأة في الوضوء من إناء واحد، هذا يغترف وهذا يغترف من الإناء، فهذا هو المقصود بالترجمة، و(جميعاً) هي حال، والمراد بها: أنهم يتوضئون مجتمعين، يعني: حال كونهم مجتمعين. ثم أورد النسائي حديث: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، يعني: مجتمعين، فهي حال من الواو في: (يتوضئون) وليس للتأكيد وإنما هي للحال، يعني: يتوضئون مجتمعين، أي: لا يكون توضؤهم كل واحد على حدة، بل يحصل منهم الاجتماع. وقوله: (كان الرجال والنساء يتوضئون)، كان واسمها وخبرها، الرجال والنساء اسم ويتوضئون خبر، ثم: (جميعاً) حال، كان الرجال والنساء يتوضئون مجتمعين، يعني: في حال اجتماعهم، والمقصود من ذلك: أن هؤلاء الذين يتوضئون مجتمعين هم المحارم، فالرجل مع زوجته، أو الأخ مع أخته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، ليس المقصود أن جنس الرجال مع جنس النساء ولو كان بعضهم أجانب عن بعض، وإنما إذا كان بعضهم محارم لبعض، ومن العلماء من قال: يحتمل أن يكون هذا قبل فرض الحجاب، وأنهم رجال ونساء ليس بعضهم محرماً لبعض، ويكون هذا قبل الحجاب، لكن الأظهر والأقرب أن المقصود بهم المحارم، وأن هذا في جميع الأحوال؛ لأنه إذا قيل: قبل الحجاب، يعني أنهم يتركون ذلك بعد الحجاب، ولكن المقصود من ذلك: أن المحارم يتوضأ بعضهم مع بعض، الرجل مع زوجته، والأخ مع أخته، والرجل مع بنته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، أي: يكون في حق المحارم وليس في حق الأجانب.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)
قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].(أخبرني) سبق أن ذكرت أن الفرق بينها وبين (أخبرنا): أن (أخبرني) يستعملها الراوي إذا كان سمع وحده من شيخه، أو أخذ وحده عن شيخه، تحمل وحده سواءً كان عن طريق السماع أو القراءة، فيقول: حدثني أو أخبرني، معناه أنه ليس معه أحد عندما حدثه شيخه. أما: حدثنا وأخبرنا, فإنهم يستعملونها فيما إذا كان الرجل تحمل ومعه غيره؛ بأن يكون الشيخ لم يحدث شخصاً واحداً، وإنما حدث جماعةً من الطلاب أخذوا عنه في وقت واحد، وكل واحد منهما يعبر فيقول: حدثنا أو أخبرنا، يعني: هو وغيره، هذا هو الفرق بينهما في اصطلاح المحدثين.[حدثني مالك ].
فـالنسائي له طريقان في هذا الحديث:
طريق يرويها عن هارون بن عبد الله عن معن بن عيسى عن مالك ، والطريق الثانية: عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك ، معناه أن الطريقين يلتقيان عند مالك وهذا هو أول موضع يستعمل فيه النسائي التحويل، يعني: يأتي (ح) وحدثنا، أو (ح) وأخبرنا، أو (ح) وفلان في المواضع الكثيرة التي مضت، والأحاديث العديدة التي مضت كلها ليس فيها تحويل؛ والسبب أن النسائي لا يستعمل التحويل كثيراً, وهو نفس السبب الذي كان عند البخاري؛ لأن البخاري كان يأتي بالأحاديث من طرق مختلفة على الأبواب ليستدل به على موضوعات، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن يحتاج إلى التحويل من يجمع الطرق في مكان واحد، كما يفعل الإمام مسلم ، أما البخاري فكان لا يحتاج إلى التحويل؛ لأنه يأتي بالحديث في سبعة مواضع أو في ثمانية مواضع، وكل موضع يأتي بطريق غير الطريق الأولى، فلا يحتاج إلى أن يستعمل التحويل، ولكنه استعمله قليلاً ومثله النسائي، لما كان من النسائي في طريقته أنه يستعمل التراجم كثيراً، وكثيراً من المواضع لا يأتي في الباب إلا حديثاً واحداً، ولهذا فإن أرقام الأبواب ليست بعيدةً عن أرقام الأحاديث، فبينهما شيء من التقارب بكثرة الأبواب، فمن أجل ذلك لا يحتاج إلى التحويل ولا يستعمل التحويل، وإنما يستعمله قليلاً، وهنا بدأ لأول مرة في كتابه السنن يستعمل التحويل. والمقصود من التحويل هو: الإتيان بكلمة (ح) والمقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنها لو لم تأت الـ (ح) لكانت الواو التي بعدها تعطف على الذي قبلها، ومعلوم أن الذي قبلها متقدم على الذي بعدها، فالذي قبلها مالك ، والذي بعدها الحارث بن مسكين ، فلو لم يأت هذا التحويل لظن أن الإمام مالك يروي عن الحارث بن مسكين ، والحارث بن مسكين متأخر عن الإمام مالك، فيروي عن الإمام مالك بواسطة، ولا يروي عنه مباشرة. إذاً استعمال التحويل فائدته هي الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أن الشيخ بعدما يذكر مسافة من الطريق، يرجع ويأتي بطريق آخر، ثم الطريقان يلتقيان عند مكان واحد، ثم ينطلقان بطريق واحد، فهنا الآن إسنادان: هارون عن معن ، والحارث بن مسكين عن ابن القاسم ، ومعن وابن القاسم يرويان عن مالك ، ثم تتحد الطريق: مالك عن نافع عن ابن عمر.إذاً هذه هي فائدة التحويل، فلو لم تأت (ح) التحويل هذه لالتبس أو لظن القلب، أو التقدم والتأخر فيكون المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً، وتكون الأسماء متداخلة بعضها مع بعض، أما الإتيان بهذه الـ (ح) فإنها تفصل وتميز، وتدل على أن المؤلف أو أن المحدث وقف في إسناده الأول ورجع لينشئ إسناداً جديداً يتلاقى مع إسناده الأول، ثم يتحدان بعد ذلك إلى أن يصل السند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يأتي التحويل ويستمر الإسناد، ثم يأتي بإسنادٍ آخر يكمله إلى النبي عليه الصلاة والسلام.[ هارون بن عبد الله ]. أما هارون بن عبد الله فقد سبق أن مر ذكره مراراً , وهو هارون بن عبد الله البغدادي أبو موسى, الملقب بـالحمال، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وهو ثقة.[ عن معن ].وهو ابن عيسى الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من أصحاب مالك ، بل قال أبو حاتم الرازي : إنه أثبت أصحاب مالك ، وسبق أن مر بنا في زياد بن سعد أنه أثبت أصحاب الزهري ، كما قال ابن عيينة: أنه أثبت أصحاب الزهري ، فـمعن بن عيسى هذا هو أثبت أصحاب مالك , ومعن بن عيسى هذا من الثقات الحفاظ، وهو من رجال الجماعة. أما الطريق الثاني: فهي الحارث بن مسكين ، وهنا ما قال: أخبرني الحارث بن مسكين ، وسبق أن مر في بعض الطرق أنه قال: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وجميع ما جاء عن الرواية عن الحارث بن مسكين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يأتي: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقيل في تفريق النسائي بين هاتين الحالتين: أن الحارث بن مسكين كان قد منع النسائي من الرواية عنه، فكان يأتي ويختفي في مكان لا يراه النسائي، بحيث إذا حدث النسائي أو قرأ على النسائي أحد يسمع، فأحياناً يقول: أخبرني، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، لا يقول: أخبرني لأنه منعه من أنه يروي عنه، فهو لا يعبر بـ(أخبرني)؛ لأنه منعه من الرواية عنه، ولأنه لو قال: أخبرني لكان معناه أنه يحدثه، فقالوا في الفرق بينهما: أنه لعله منعه أولاً ثم أذن له بعد ذلك، فكان يروي أحياناً بأخبرني حيث كان مأذوناً له، وأحياناً لا يعبر بـ(أخبرني) حيث سمع قراءةً عليه وهو يسمع وهو غير مأذون له، فهو لا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين ما أراد أن يحدثه، بل منعه أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً من وراء ستار، فيسمع القارئ يقرأ عليه، ثم هو يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ما يقول: أخبرني، وفي المواضع التي مرت يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، هذا هو الفرق بين الحالين اللتين حصلتا للرواية عن الحارث بن مسكين فإنه أول ما حصل الالتقاء به فإنه منعه.[ وحدثنا الحارث بن مسكين ].الحارث بن مسكين هو من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه النسائي وابن ماجه .[ عن ابن القاسم ].أما ابن القاسم فهو: عبد الرحمن بن القاسم المصري , الفقيه المشهور الذي اعتنى بجمع مسائل الإمام مالك وفقهه، وهو من أصحاب مالك وهو مشهور عند ذكر أقوال الإمام مالك في المسائل الفقهية، وكذلك أيضاً هو يروي عنه الأحاديث كما هو هنا، وقد سبق أن مر بنا, وهو من الثقات، وقد خرج حديثه البخاري والنسائي , وأبو داود في المراسيل، يعني: ما خرج له في السنن، وإنما خرج له في كتابه المراسيل.وفي نسخة التقريب كما سبق أن نبهت عليه قال: البصري، والبصري والمصري متقاربتان من حيث الرسم ولهذا يحصل تصحيف بينهما؛ فأحياناً يكون هو المصري, ويقال له: بصري، وأحياناً يقال: هو مصري ويقال له: بصري، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية قال عنه: البصري، وهو ليس بصرياً وإنما هو مصري، ولكن لتقارب اللفظين يحصل التصحيف بينهما، فيطلق على المصري في بعض الأحيان بصرياً تصحيفاً، ويطلق على البصري مصرياً تصحيفاً. ثم الطريقان عن: معن بن عيسى وابن القاسم هما طريقان يلتقيان عند الإمام مالك ، ثم يتوحد الطريق بعد ذلك إلى نهايته عن الإمام مالك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك سبق أن مر ذكره مراراً، وهو المحدث الفقيه إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المعروف الذي له أصحاب اعتنوا بجمع حديثه وفقهه، وكتابه الموطأ جمع فيه بين الفقه والحديث، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].و نافع هو مولى ابن عمر ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه في الكتب الستة.[عن ابن عمر].و ابن عمر سبق أن مر ذكره، وأنه أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد الذي فيه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر هو الذي يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، وأما عند غيره فهناك طرق أخرى أو أسانيد أخرى يقال عن كل واحدٍ منها: إنه أصح الأسانيد.
فضل الجنب
شرح حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الجنب. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرته: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد)].قال النسائي: باب فضل الجنب، أي: ما يبقى منه من الماء؛ فالفضلة التي تبقى بعد أن يغتسل يقال له: فضل؛ لأن الفضل هو الزائد الذي يزيد على ما يستعمل أو على الحاجة, هذا هو المقصود بالفضل هنا: الزيادة التي تبقى بعد اغتسال الجنب. قوله: باب فضل الجنب، يعني: ما يبقى بعد اغتساله فإن حكمه أنه ماءٌ طاهر يجوز ويمكن استعماله، وأن كون الجنب يغترف من إناء ويغتسل من إناء يتناول منه فما يبقى بعده يمكن أن يستعمل؛ لأنه طهور، ولا يقال: إنه ماء مستعمل؛ لأن الماء المستعمل هو: الذي يتساقط من الأعضاء، فهذا هو الذي رفع به الحدث، فلا يرفع بهذا المتساقط حدثاً آخر، أما الإناء الذي يؤخذ منه ويغترف منه ثم يبقي بقية، فهذا شأنه كشأن غيره من المياه، ماء اغترف منه جنب واغتسل وبقي منه بقية في الإناء، فإن لغيره أن يأتي ويغترف منه ويغتسل. النسائي أورد في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كنت أغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد). هذا اللفظ مطابقته للترجمة فيها دقة، أو فيها شيء من الخفاء، ووجهها: أنه إذا كان كل واحد منهما يغترف، فمن ينتهي منهما أولاً، فإن الآخر يكون قد استعمل ذلك الفضل الذي بقي من الأول؛ لأنه إذا انتهى واحد منهما معناه: أن الثاني استعمل البقية التي بقيت على اغتسال الأول أو على اغترافه، فهو يدل على الترجمة ويطابقها من هذه الناحية؛ لأن الإنسان عندما يسمع الحديث وعندما يرى الترجمة يقول: ليس هناك تطابق، وليس هناك واحد يستعمل فضل الثاني، لكنه جاءت أحاديث صريحة في هذا في صحيح مسلم : (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة )، فهذا هو الواضح فيما يطابق الترجمة.وأما هذا الحديث فهو يدل على الترجمة من حيث أن من فرغ منهما أولاً فإن الثاني الذي لم يفرغ يكون قد استعمل الفضل، أي: استعمل الزيادة التي بقيت بعد فراغ الجنب الأول الذي فرغ قبل صاحبه، وهذا سائغ كما هو معلوم، وهو أيضاً يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة من كونهم يتوضئون جميعاً الرجال والنساء، لكنه أفرد الحديث بترجمة مستقلة وأتى بفضل الجنب ليستدل به على موضوع آخر غير موضوع اجتماع الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد.الترجمة السابقة كانت في الوضوء، أي: كله في رفع الحدث، سواءً اغتسال أو وضوء، كله في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، والترجمة السابقة فيها الاشتراك، وهذه الترجمة أيضاً فيها الاشتراك، إلا أن النسائي أتى بالترجمة الثانية ليستدل على موضوع آخر وهو استعمال الفضلة واستعمال البقية، والحديثان يدلان على المرتبتين: قضية اشتراك الرجال والنساء، وقضية استعمال الفضلة، ولكن النسائي أتى بترجمتين, وأتى بالحديثين ليستدل على كل موضوع بحديث مستقل. واغتسال الرجال والنساء هذا متفق عليه ومجمع عليه، واغتسال النساء بفضلة الرجال أيضاً حكي الإجماع عليه، أما اغتسال الرجال بفضلة النساء فهذا فيه خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء على جوازه، وأن الرجل يغتسل بفضل اغتسال المرأة، فما يبقى بعد اغتسالها فللرجل أن يغتسل به، ومن العلماء من قال: إنه لا يغتسل بفضل المرأة إذا خلت به، فإذا خلت بالماء واستعملته فإنه لا يستعمله، ويستدلون على ذلك بحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض كتب السنن أنه قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)، وقد صححه بعض العلماء لكن بعضهم ضعفه، واعتبرت الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على الجواز مطلقاً، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة ).ومن العلماء من قال: إن المقصود بالمنهي عنه إنما هو الماء المستعمل, وهو المتساقط من الأعضاء، وهذا ليس بواضح، أو قيل: إنه للكراهة لا للتحريم، فيكون التفريق بينهما: أن ما جاء من الأحاديث الدالة على الفعل يدل على الجواز، وما جاء من المنع يدل على الكراهة.وقول عائشة رضي الله عنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهما يغتسلان من إناء واحد: (دع لي) معناه: أنها تشترك معه في الاغتسال، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في قضية الاشتراك, وقضية اغتسال الرجال بفضل النساء، ومنه الحديث الذي في صحيح مسلم: اغتساله عليه الصلاة والسلام بفضل ميمونة، وهذا واضح الدلالة على ذلك، وكما قلت: بعضهم ضعف الحديث الذي فيه المنع، وبعضهم حمله على الكراهة، وبعضهم حمله على أنه متساقط من أعضائها، وهذا ليس بواضح كونه متساقطاً من أعضائها، يعني: معناه أنها تتوضأ مثلاً لتغتسل في طست, ثم الماء الذي يتساقط يأتي بعدها من يستعمله، هذا ليس واضحاً تفسيره, أو حمله على هذا المعنى، لكن يمكن أن يكون هذا ضعيفاً، وإذا كان صحيحاً فيحمل هذا على الكراهة وهذا على الجواز.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ]. قتيبة هذا هو: ابن سعيد الذي أكثر عنه النسائي، يعني مر ذكره كثيراً في الأسانيد الماضية يروي عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو من رجال الكتب الستة كما سبق.[حدثنا الليث ]. هو الليث بن سعد المصري، الفقيه المحدث الذي يعتبر فقيه مصر، وإذا ذكر الفقه في مصر يأتي في مقدمة من يذكر بالفقه الليث بن سعد ، وكما ذكرت لكم فيما مضى فقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في رسالة، وبين كثيراً من مناقبه وفضائله وفقهه، وحديثه في رسالة مستقلة اسمها: الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية، وهي موجودة ومطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وأذكر أنه قال: أنه لا يعلم مسألة شذ فيها أو قال قولاً يخالف غيره فيها، إلا في مسألة واحدة وهي: ميتة الجراد، فكان يقول بحرمتها. [عن ابن شهاب ]. هو الزهري الذي ذكرت فيما مضى أنه يأتي بصيغتين: بصيغة ابن شهاب ، وبصيغة الزهري ، هكذا يأتي ذكره في الأسانيد؛ لأنه اشتهر بنسبته إلى جده زهرة ، وبنسبته إلى جدٍ من أجداده اسمه شهاب ، وسبق أن ذكرت لكم نسبه وأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وزهرة أخو قصي بن كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلتقي نسب الزهري مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في جد الرسول صلى الله عليه وسلم كلاب الذي هو أبو قصي وأبو زهرة. وهو ينسب إلى زهرة بن كلاب, فيقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة الذي هو أخو قصي بن كلاب. وأما شهاب فهو كما ترون جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ، يعني جد جده؛ لأن جده الأول: عبيد الله ، وجده الثاني: عبد الله ، وجده الثالث: شهاب ، فهو جد جده، وهذا معناه أنه ينسب إلى واحدٍ من أجداده الذي هو جد جده؛ لأنه اشتهر بهذين الوصفين. وهو من الحفاظ الثقات، وممن خرج حديثه الجماعة، وقد ذكرت لكم فيما مضى أنه هو أول من قام بجمع السنة وجمع الحديث بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله بصفة رسمية، وإلا فإن جمعه بصفة فردية موجود من قبل؛ لأن بعض الصحابة كان يكتب وكان يجمع، وكذلك غيرهم كان يكتب لنفسه، لكن كونه يجمع بتكليف من الدولة وبتكليف من الخليفة فإن هذا لم يحصل إلا في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وكان الذي كلف بهذا هو الزهري ، ولهذا يقول السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمر [عن عروة ]. هو ابن الزبير بن العوام ، وهو من الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين والذين يرجع الناس إلى فقههم وإلى علمهم، وهم جمعوا بين الفقه والحديث، فهم محدثون فقهاء، ويقال لهم: الفقهاء السبعة، وفي المسائل التي يتفقون عليها يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فيأتي في بعض المسائل التي يطلق عليهم فيها فيقول: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وأن ابن القيم ذكرهم في أول إعلام الموقعين؛ لأن كتاب ابن القيم إعلام الموقعين بدأه بذكر فقهاء الأمصار والذين يرجع إليهم في الفتوى، والذين هم يوقعون, يعني: يخبرون بحكم الله عز وجل؛ لأن اسم الكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، فهو إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم، وإنما هو إخبار من العلماء عن شرع الله عز وجل وعن أحكام الشريعة، وذكر في أوله جملةً من المفتين الذين يرجع إليهم في الفتوى، ولما ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين، ذكر أن ممن اشتهر في المدينة من التابعين الفقهاء السبعة، وذكرهم ثم ذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، ولا أدري لمن هذين البيتين، هل هما له أو لغيره، وأنه أوردهما غير عاز لهما، وغير ذاكر أنهما من شعره، وإنما ذكر اشتمال هذين البيتين على الفقهاء السبعة، لذلك يقول: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمٌسعيدٌ أبو بكر سليمان خارجة[ عن عائشة ]. هي أم المؤمنين، وهي خالة عروة، يعني: هو يروي عن خالته؛ لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر ، فهو يروي عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها مر ذكرها مراراً وتكراراً، وذكرت أنها أحد الصحابة السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم ستة من الرجال وواحدةٌ من النساء، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنسٌ والبحر كـالخدريوجابرٌ وزوجة النبي
القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء
شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)].أورد النسائي باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وفي بعض النسخ: في الوضوء، يعني: المقدار من الماء الذي يكفي للوضوء, وأورد تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)، والمكوك قيل: إنه المد الذي هو ربع الصاع؛ لأن الصاع مكون من أربعة أمداد، وجاء في بعض الأحاديث أنه يغتسل بالصاع، فالصاع أربعة أمداد، يعني هنا المكاكي خمسة، فمعناه زيادة على الصاع على تفسير المكوك بالمد، فيكون معناه خمسة أمداد، يعني: صاع ومد، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع)، وقد جاءت الروايات تختلف في بعض التقادير، وهذا إنما هو في بيان ما حصل في بعض أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام، كلٌ يحكي ما كان يعلمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بهذا المقدار، أو أنه حصل التوضؤ بهذا المقدار. والمكوك قيل: إن المراد به المد الذي هو ربع الصاع، والمد يقدرونه بأنه بمقدار ملء اليدين المتوسطتين يعني بمقدار -مثلاً- ملء اليدين المتوسطتين من التمر أو من البر أو ما إلى ذلك، يعني يكون الصاع أربع مرات من هذا المقدار، لكن إذا نظرنا للصاع الذي هو موجود عندنا والذي هو قريب من صاع النبي صلى الله عليه وسلم أو مثله، فنجد أن أربع أوراد بأيدينا لا تصل إلى ملئه، ولعل السبب في هذا والله أعلم أن المتقدمين كانت أيديهم أكبر، والناس فيما بعدهم كانوا بخلاف في الصاع، ولهذا الذين حكوا ذلك في الماضي إنما يحكون عن واقع أيديهم، ومن المعلوم أنه قد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فكان ستين ذراعاً فنقص الحجم ومقدار الناس عن تلك المقادير في الأزمان المختلفة، فيحتمل أن يكون الأمر أنه حصل النقصان أيضاً بعد ذلك الزمن، فصار مقدار الكف أو مقدار ما يكون في الكفين أربعة مما يكون في كفيهم, يعني: يملأ الصاع، وأربعةً مما يكون في أيدينا لا يملأ الصاع، فلعل هذا هو السبب.وقوله: (مكاكي)، في بعض الروايات في صحيح مسلم : (مكاكيك)، فأبدلت الكاف الأخيرة ياء, ثم أدغمت ياءً في ياء فصارت مكاكي.
تراجم رجال إسناد حديث: ( كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ]. وهو عمرو بن علي الفلاس بن بحر بن كنيز البصري, الذي سبق أن مر ذكره تكراراً ومراراً، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين, ومن أئمة الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي ذكره في الكلام في الرجال, قال فيه الفلاس: كذا، وقال فيه الفلاس: كذا، وهو من رجال الكتب الستة؛ بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما سبق أن ذكرت فيما مضى؛ لأن أصحاب الكتب الستة كلهم يروون عنه مباشرةً، فكل واحد يقول: أخبرنا عمرو بن علي ؛ لأنه شيخ لهم جميعاً.[حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر]وعبد الله بن عبد الله بن جبر, ويقال: ابن جابر أيضاً، فهو أحياناً يأتي في بعض الأسانيد ابن جبر، وفي بعضها ابن جابر، ولا تنافي بينها؛ لأنه يقال له: ابن جبر، ويقال له: ابن جابر، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. [سمعت أنس بن مالك]. و أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المكثرين الذين مر ذكرهم مراراً، وهو أحد السبعة الذين أشرت إليهم آنفاً المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:17 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(32)
تابع باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء - باب النية في الوضوء
نية المؤمن أبلغ من عمله، وعلى حسب نيتك تنال أجرك، ومن شرط العبادة النية، والوضوء عبادة تفتقر إلى نية تميزه عن غسل الأعضاء لأجل التبرد ونحوه، ومما ينبغي في الوضوء الاقتصاد بالماء وعدم الإسراف.
القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء
شرح حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي وهي أم عمارة بنت كعب، أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتي بماءٍ في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: وأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) ].هنا أورد النسائي حديثاً آخر في الترجمة السابقة: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وكلمة (الرجل) هذه لا مفهوم لها، فالمرأة كذلك، بمعنى: أن المرأة لا تختلف في الحكم فتكون أكثر أو أنقص؛ لأن الأحكام للرجال والنساء سواء، فإذا جاء شيء يخص الرجال خص الرجال، وإذا جاء شيء يخص النساء خص النساء، وأما حيث لا يأتي ما يدل على التخصيص فإن الحكم لا فرق فيه بين الرجال والنساء. إذاً: فذكر الرجل في الترجمة لا مفهوم له، وإنما جرى على الغالب من أن الذكر يكون للرجال، وقد جاءت الأحاديث على هذا المنوال؛ يذكر الرجل فقط والأحكام لا تخص الرجال، وإنما هي للرجال والنساء، مثل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فكذلك المرأة داخلة في هذا الحديث، فإذا كانت امرأة تصوم صوماً فلتصمه؛ لأن القضية ليست خاصة بالرجال، فذكر الرجل لا مفهوم له، فأحياناً يأتي ذكر الرجال ليس للتخصيص؛ وإنما لكون ذكرهم يأتي في الغالب، ولكون الخطاب معهم.وقد أورد النسائي تحته حديث أم عمارة الأنصارية بنت كعب -ويقال: إن اسمها نسيبة -: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأوتي بماءٍ في إناءٍ قدر ثلثي مدٍ)، والحديث الأول فيه ذكر المكوك؛ والمكوك هو المد، وهنا مقدار ثلثي المد، والرسول صلى الله عليه وسلم الغالب عليه أنه كان يتوضأ بالمد، ولكن قد ينقص عنه -كما جاء في هذا الحديث- وقد يزيد. وفي الاغتسال كان يغتسل في الصاع، وقد يزيد كما جاء في حديث الخمسة الأمداد؛ لأن الخمسة هي صاع ومد؛ لأن الصاع أربعة أمداد، فخمسة: صاع ومد، يعني: وضوءه واغتساله هو في هذه الحدود، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. محمد بن بشار لقبه بندار، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وذكرت أن محمد بن بشار أحد رجال الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرةً، ويشابهه ويماثله شخصان سبق أن ذكرتهما فيما مضى، وهما من رجال أصحاب الكتب الستة، بل هما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ومات الثلاثة في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، وكلٌ منهم شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، وهم: محمد بن مثنى الملقب بـالزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهذان مع محمد بن بشار ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم من صغار شيوخ البخاري. وذكرت فيما مضى: أن محمد بن مثنى قد وافق محمد بن بشار بأنه ولد معه في سنةٍ واحدة، ومات معه في سنةٍ واحدة، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما أنه قال: وكانا كفرسي رهان؛ أي: ما كان أحد يسبق الثاني، فالولادة واحدة، والوفاة واحدة، ولهما نفس الشيوخ والتلاميذ. و محمد بن بشار من الثقات, ولقبه بندار. [عن محمد].محمد هنا غير منسوب، وقال عقبه: حدثنا محمد ثم ذكر كلمةً معناها، لا أدري ماذا يريد بهذه الكلمة؟ ومن المعلوم أن الذي يذكر ليس محمد المروي عنه الذي لم ينسب؛ لأن محمداً هو الذي قال: حدثنا محمد، يعني: ابن جعفر، فهو ليس الذي ذكر هذا، وإنما الذي ذكر قبله، إما أن يكون محمد بن بشار هو الذي ذكر هذه الكلمة، والنسائي هو الذي قال: ثم ذكر كلمة معناها؛ لأن الذي قال: حدثنا محمد هو محمد بن بشار، ثم ذكر أيضاً محمد بن بشار كلمةً معناها، ما فهمت هذه الكلمة التي قال: كلمة معناها، فلا أدري ماذا يريد بها؟ هل محمد بن بشار ذكر كلمةً أخرى وراء محمد، فقال: غندر أو قال: ابن جعفر، أو قال كلمةً أخرى؟وأبو داود ذكر محمد بن جعفر, فقال: حدثنا محمد بن جعفر، يعني: سماه ونسبه هناك، وأما النسائي فهو في السنن الكبرى قال مثل ما قال هنا، يعني: قال: ثم ذكر كلمةً معناها، بهذا اللفظ. إذاً: فـمحمد المذكور هنا هو ابن جعفر الذي هو غندر، وهو معروف بالرواية عن شعبة، وأيضاً محمد بن بشار كثير الرواية عن محمد بن جعفر، وكثيراً ما يأتي إذا جاء ذكر محمد غير منسوب, والراوي محمد بن بشار، فالمقصود به: محمد بن جعفر الذي هو غندر، وهذه الكلمة التي جاءت هنا لا أفهم لها معنى، ما أدري ماذا يراد بها؟ لا أدري هل هذا وضعها، أو أن فيها تصحيف، أو فيها زيادة ونقصان؟ [حدثنا محمد]. هو غندر، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة ].هو ابن الحجاج وقد مر ذكره، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث. [عن حبيب ].حبيب هو ابن زيد الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[سمعت عباد بن تميم].هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية].هي: أم عمارة بنت كعب الأنصارية ، ويقال: اسمها نسيبة، وهي صحابية، وهي تروي هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد خرج حديثها أصحاب السنن الأربعة.هنا يقول: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي، وفي سنن النسائي الكبرى: عباد بن تميم يحدث عن جدته، وفي سنن أبي داود : عباد بن تميم يحدث عن جدته، وهي جدة لهما جميعاً، فكل منهما صحيح، فما جاء فيه جدتي فالمتكلم هو حبيب بن زيد ، وهي جدة حبيب بن زيد، وما جاء فيه ضمير الغائب إذا قال حبيب بن زيد: عن تميم عن جدته، فالضمير يرجع إلى تميم فهي أم تميم والد عباد. وهي أم عبد الله بن زيد بن عاصم راوي حديث الوضوء، وهو أخوه لأمه؛ لأن عبد الله بن زيد بن عاصم أخو تميم بن غزية من أمه، فهي جدة لـعباد؛ لأنها أم لـتميم والده، وهي أيضاً جدة لـحبيب بن زيد . وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال: أنها والدة حبيب بن زيد الأكبر، وجدة حبيب بن زيد الأصغر، وقال: إنه روى عنها، يعني: حفيدها عباد بن تميم، وروى حبيب بن زيد عن مولاة جدته أم عمارة، يعني: فهي جدةٌ للاثنين، فما جاء في بعض الأسانيد من ذكر جدتي، والضمير يرجع إلى المتكلم وهو حبيب بن زيد صحيح، وما جاء من ضمير الغيبة والضمير يرجع إلى عباد بن تميم فهو صحيح أيضاً. ففي سنن النسائي الكبرى, وفي سنن أبي داود: عباد يحدث عن جدته، وفي السنن الصغرى عندنا: يقول حبيب بن زيد عن عباد بن تميم: سمعته يحدث عن جدتي، فكل من الضميرين صحيح؛ لأنها جدة للجميع، جدة لهذا، وجدة لهذا.[قال شعبة: (فأحفظ أنه غسل ذراعيه)]. يعني أنه روى عن حبيب بن زيد أنه غسل ذراعيه ودلكهما، وأنه مسح باطن أذنيه, ولم أحفظ أنه مسح ظاهرهما، يعني: أنه ما حفظ في روايته عن حبيب بن زيد، (أنه مسح ظاهرهما)، لكن قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن المسح للأذنين يكون لباطنهما ولظاهرهما؛ فتكون السبابة في داخل الأذن في باطنها، والإبهام تمسح ظاهرها، فالسبابة تمسح داخل الأذن، والإبهام تمسح ظاهر الأذن، وقد جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالذي ذكر شعبة أنه لم يحفظه في هذا الحديث هو ثابتٌ في بعض الأحاديث الأخرى.
النية في الوضوء
شرح حديث: ( إنما الأعمال بالنية...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النية في الوضوء.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك، ح وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك -واللفظ له- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)].يقول النسائي رحمه الله: باب: النية في الوضوء، ويريد بهذه الترجمة أن الأعمال لا بد فيها من النيات، وأنها تكون معتبرةً بالنيات، وقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). وهذا الحديث حديث عظيم، يدل على أن الأعمال تعتبر بنياتها، وأن الإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب النية التي ينويها بالتقرب إلى الله عز وجل. والوضوء هو من الأعمال التي تدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنية)، وفي بعض الروايات: (بالنيات)، ولا تنافي بين النية والنيات؛ لأن النية بالإفراد يراد بها جنس النيات، وعلى هذا تتفق مع لفظ الجمع في رواية: (إنما الأعمال بالنيات). وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: أنه يحصل الأجر والثواب، ويحصل الجزاء على حسب نيته، فالجملة الأولى: تدل على أن الأعمال إنما تعتبر بنياتها، والجملة الثانية تدل على ما يترتب عليها من الجزاء، وأن لكلٍ من الجزاء والثواب ما نواه، وأن جزاءه على نيته، وثوابه على نيته. ثم أيضاً من المعلوم أن الأعمال منها ما يكون عبادةً وقربةً في أصله؛ كالوضوء, والصلاة وغيرها، ومنها ما يحصل الأجر فيه والثواب إذا حصلت النية فيه؛ كالأكل, والشرب, والإنفاق على الأولاد، فهذه أمور يقوم بها الإنسان، منها ما هو لازمٌ لنفسه، ومنها ما هو لازمٌ لمن يعول، ولكنه يثاب على ذلك إذا نوى، وإذا احتسب الأجر والثواب عند الله، وأما إذا لم يفكر ولم يدر في خلده التقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل، فإنه لا يحصل من ورائه شيئاً، وإنما يحصل الثواب والجزاء على العمل الذي هو مباح أو واجب، كالإنفاق على الأولاد، وكالأكل والشرب، فإذا نوى القربة ونوى التقرب إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يأجره على ذلك. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب أمثلة ونماذج متفرعة عن هذه القاعدة -التي هي قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى)- فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)، تقابل: (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (فهجرته إلى الله ورسوله)، تقابل (وإنما لامرئ ما نوى). فقوله: ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله )، يعني: أن عنده قصداً حسناً، وعنده نية طيبة، (فهجرته إلى الله ورسوله) يقابل قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: فيحصل الأجر والثواب لنيته, وعلى تقربه إلى الله عز وجل، فالجملة مكونة من شرط وجزاء، والشرط يرجع للجملة الأولى التي هي النية، والجزاء يرجع للجملة الثانية التي هي حصول الثواب على الأعمال، أو ترتب الثواب على الأعمال.وقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، اتحد الشرط والجواب، والأصل التغاير بينهما، فهنا حصل الاتحاد، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، وإنما يتضح الفرق بينهما والمغايرة بينهما بالتعلق، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وجزاءً، فإذاً كل من الاثنين له متعلق وله تعلق، وبه يحصل التغاير، يعني: فليس الشرط والجزاء متحدين تماماً، ولكن بينهما فرق. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً ومثالاً فيما كان فيه القصد حسناً، والثواب على ذلك طيباً وعظيماً, ذكر مثالاً آخر يتعلق بغير ذلك, فقال: (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو لامرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: من كان قصده الدنيا, فإنه يحصل الدنيا التي أرادها إن شاء الله عز وجل أن يحصلها، ولكن ليس هناك ثواب، ولا هناك أجر؛ لأن النية إنما كانت للدنيا ولم تكن للآخرة؛ لأنه لم يهاجر ابتغاء وجه الله عز وجل، ولنصرة دين الله عز وجل، وإنما هاجر لحظٍ دنيوي، ولرغبةٍ دنيوية، فنصيبه وتعلقه إنما هو في الدنيا.إذاً: هذا الحديث حديث عظيم، ابتدأ به البخاري صحيحه، فهو أول حديث في صحيح البخاري، وإنما ابتدأ به؛ لأن كل عمل إنما هو معتبر بالنية، فلكونه مشتمل على هذه القاعدة وعلى هذا الأساس افتتح به الإمام البخاري صحيحه، وجعله أول حديث في صحيحه، وتبعه على ذلك بعض العلماء، والنووي لما جمع أربعين حديثاً من جوامع الكلم، جعل أول حديث في الأربعين, أول حديث في صحيح البخاري، وجعل ثاني حديث في الأربعين أول حديث في صحيح مسلم الذي هو حديث عمر: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر...)، وهو جبريل.ثم إن إسناد هذا الحديث، يقول فيه النسائي: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم حدثني مالك، ثم قال: ح، وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك واللفظ له، ثم اتحدت الطرق الثلاث عند يحيى بن سعيد الأنصاري، واتحدت إلى عمر. فإذاً: الحديث جاء من عند النسائي بثلاث طرق، كلها تتلاقى عند يحيى بن سعيد الأنصاري، الطريق الأولى: يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد، والطريقة الثانية: الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك، والطريق الثالثة: سليمان بن منصور عن عبد الله بن المبارك، ثم الثلاثة: حماد ومالك وعبد الله بن المبارك كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذه الطرق الثلاث منها طريقان عاليتان الأولى والثالثة، والطريق الثانية نازلة؛ لأن الطريق الأولى والثالثة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري اثنان، والطريقة الثانية الوسطى بين النسائي ويحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط، الذين هم: الحارث بن مسكين، وابن القاسم، ومالك، فهي ثلاث طرق؛ طريقان عاليتان ليس بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري فيهما إلا اثنان، وطريقٌ نازلة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما الأعمال بالنية...)
قوله: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي ].هو بصري، ثقةٌ، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري شيئاً. [ عن حماد ].هنا حماد غير منسوب، وهو يحتمل: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد؛ لأنه جاء في السنن الكبرى للنسائي تسميته، وأنه حماد بن زيد، ثم أيضاً في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد وما روى عن حماد بن سلمة، ولم يُذكر في مشايخه حماد بن سلمة، وبمثل هذه الطريقة يتضح معرفة الاثنين اللذين يحتمل أن يكون هذا أو هذا؛ بمعرفة الطرق الأخرى، أو قد يصرح به في بعض الطرق كما هنا.الطريقة الثانية: الحارث بن مسكين، وهنا قال: والحارث بن مسكين، ولم يقل: أخبرنا ولا أخبرني، وقد ذكرت سابقاً أن الحارث بن مسكين منع النسائي أن يروي عنه, فكان يأتي ويختفي من وراء الستار ويسمع, ثم يروي، ولكنه ما يقول: أخبرني؛ لأنه ما أراده في التحديث، فيقول: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالتحديث، بل منعه من أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً، ومن وراء الستار يسمع. وقد جاء في بعض الطرق كما مر بنا في النسائي أنه يقول: أخبرنا، إذاً: فقد قصده بالسماع، فيحتمل أن يكون أذن له فيما بعد، فصار يقول: أخبرني، فالحالات التي كان سمع فيها وهو ممنوع، وإنما سمع من وراء الستار دون أن يعلم الحارث بن مسكين ما يقول فيها: أخبرني، والحالات التي يكون حصل له إذن فيها يقول: أخبرني الحارث بن مسكين. و حماد بن زيد الذي ذكرته في الإسناد في الطريق الأولى هو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.وأما الحارث بن مسكين فقد عرفنا أنه ثقةٌ، وأنه خرج حديثه أبو داود, والنسائي.[ عن ابن القاسم ].هو عبد الرحمن كما سبق أن عرفنا ذلك، وهو صاحب الإمام مالك الفقيه المشهور، الذي عُني بجمع مسائل الإمام مالك الفقهية، وكذلك روى الحديث عنه -كما هنا- وكما مر بنا في طرق متعددة يروي فيها عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك الأحاديث، فهو معنيٌ بجمع فقه الإمام مالك، وهو أيضاً يروي الأحاديث عن الإمام مالك، وهو ثقة, روى له البخاري، وروى له النسائي، وأبو داود في كتاب المراسيل, كما سبق أن عرفنا ذلك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، الإمام المشهور، المحدث, الفقيه، الذي هو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، والذي له أصحاب عنوا بفقهه، فصار فقهه مدوناً بعناية أصحابه بذلك، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أحد الأفراد الذين قال عنهم البخاري: إن إسنادهما أصح الأسانيد؛ وهو مالك عن نافع عن ابن عمر. فهذا هو الطريق الثاني، وفيه ثلاثة، فالطريق الأول فيه اثنان، والطريق الثالث ففيه اثنان كذلك.[أخبرنا سليمان بن منصور ].هو البلخي، وهو ثقةٌ, لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، فهو شيخٌ للنسائي، ولم يرو عنه الباقون، وهو من الثقات، وهو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب بـزرغندة.[ أنبأنا عبد الله بن المبارك ].هو عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام, المشهور, المحدث، الذي ذكره في التقريب الحافظ ابن حجر فقال: ثقة، حافظ، حجة، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير. والنسائي لما ذكر الطرق الثلاث إلى حماد بن زيد، وإلى مالك، وإلى عبد الله بن المبارك قال: واللفظ له، يعني: اللفظ لـعبد الله بن المبارك، فليس هذا لفظ مالك ولا لفظ حماد بن زيد، وإنما هو لفظ عبد الله بن المبارك، فذكر ثلاثةً من الرواة، وعين من له اللفظ منهم، يعني: لفظ الحديث الموجود هو لفظ عبد الله بن المبارك؛ ومعناه: أن لفظ مالك ولفظ حماد بن زيد ليس بهذا اللفظ الموجود، بل يختلف عنه شيئاً ما، وأما اللفظ المزبور الموجود, فهو لفظ عبد الله بن المبارك، وهنا تلتقي الطرق الثلاث، وتتحد عند يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنها ثلاث طرق من النسائي: طريقٌ فيها شخصان، ثم طريق فيها ثلاثة، ثم طريق فيها اثنان، ثم تلتقي عند يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تتحد في طريق واحد.[ عن يحيى بن سعيد ].هو يحيى بن سعيد الأنصاري, المدني، سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن محمد بن إبراهيم ].هو محمد بن إبراهيم التيمي, المدني، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن علقمة بن وقاص ].هو علقمة بن وقاص الليثي، وهو أيضاً ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
قوله: [ عن عمر بن الخطاب ].هذا أول حديث يأتي لـعمر رضي الله عنه، وعمر أمير المؤمنين، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين؛ لأن أبا بكر يسمى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما ولي عمر وكان خليفة لـأبي بكر، ولو أضيف إلى أبي بكر لطالت الإضافات، فيقال: خليفة خليفة رسول الله، فأطلق عليه أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل من وطأ على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين وبعد أبي بكر، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه المناقب الكثيرة، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى له قصراً في الجنة، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً -يخاطب عمر- إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، يعني: أن عمر بن الخطاب لا يجتمع هو والشيطان في طريق، فإما عمر وإما الشيطان، فإذا سلك عمر طريقاً هرب منه الشيطان.فهو صاحب المناقب الكثيرة، وقد تولى الخلافة بعد أبي بكر، ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وفي عهده فتحت الفتوح، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الوقت؛ دولة فارس والروم، وأخذت كنوز كسرى وقيصر، وأحضرت إلى عمر في المدينة، وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتحقق على يديه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله)، فقد أنفقت في سبيل الله على يد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأحاديثه خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثاً.ومن الملاحظ الذي يلبس به بعض المخذولين، يقولون: كيف يكون أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي أحاديثهم قليلة، وأبو هريرة أحاديثه كثيرة، مع أن هؤلاء أسلموا في أول من أسلم، وأبو هريرة ما أسلم إلا في السنة السابعة عام خيبر، ومع ذلك تكون أحاديثه بالآلاف، وهؤلاء أحاديثهم بالمئات؟! فبعض المخذولين المرذولين يلبس ويشوش على من لا يفهم من أهل السنة بمثل هذا الكلام، ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حصل له أمور جعلته يكثر حديثه منها:أولاً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك. وثانياً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له دعوة ما نسي شيئاً بعدها. ثالثاً: كونه عمِّر وعاش بعد الخلفاء الراشدين مدةً طويلة.رابعاً: أنه كان موجوداً في المدينة والناس يوفدون ويردون على المدينة، فيأخذ ويعطي، فكثر حديثه.وأما الخلفاء الراشدون: أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وعمر رضي الله عنه تولى الخلافة ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وكان مشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة فكان متفرغاً، ما عنده إلا الأخذ والإعطاء في الحديث، ثم كان مقيماً في المدينة، والمدينة يفد لها الناس صادرين وواردين، فيأخذون ما عنده ويعطونه ما عندهم، فكثر حديثه، وصار أن ما وجد عنه من الكثرة لا مجال فيها لتلبيس الملبسين، ودجل الدجالين، وما يحوكه المغرضون الذين يريدون أن يشوشوا على بعض أهل السنة، وعلى بعض الناس في الطعن في أبي هريرة ورواية أبي هريرة، وما إلى ذلك مما يريدونه من السوء، من القصد السيئ.
غرابة سند حديث: (إنما الأعمال بالنيات)
هذا الحديث هو من الأحاديث الغريبة التي هي من غرائب الصحيح؛ يعني: ما جاءت إلا من طريق واحد؛ لأن هذا الحديث -(إنما الأعمال بالنيات)- ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وفي الإسناد الذي معنا ثلاثة رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري : حماد بن زيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ورواه جمع كثير انتشر واتسع بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو حديث غريب من غرائب الصحيح، ومن المعلوم أن الصحيح لا يشترط فيه تعدد الطرق، فيكفي الطريق الواحدة إذا كان رجالها ثقات, وكان متصلاً، فإنه يكفي في الصحة.فأول حديث في صحيح البخاري حديث ما جاء إلا من طريق واحدة، وآخر حديث في البخاري كذلك؛ وهو حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب فرد من غرائب الصحيح، ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ولم يروه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير إلا عمارة بن القعقاع، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل، ثم كثر رواته عن محمد بن فضيل بن غزوان.والغريب والفرد هو: الذي جاء من طريق واحد؛ لأن الأحاديث أو أقسام الأحاديث عند المحدثين أربعة أقسام: غريب، وعزيز، ومشهور، ومتواتر، فالغريب: ما جاء من طريق واحدة، ويقال: له فرد. والعزيز: ما جاء من طريقين؛ يعني: يجيء عن صحابيين، ثم هكذا يتسلسل عن اثنين. والمشهور: ما جاء عن ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. والمتواتر: ما رواه جمعٌ كثير تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستندهم الحس. إذاً: الغريب هو: ما جاء من طريق واحد، فإذا كان رجاله ثقات وهو متصل؛ فإنه يكون صحيحاً كما في هذا الحديث الذي هو فاتحة صحيح البخاري ، وحديث أبي هريرة الذي هو خاتمة صحيح البخاري.ويكون عزيزاً إذا كان فيه صحابيان، ومشهوراً إذا كان فيه ثلاثة صحابة، وهكذا، ولكن ليس لازماً أن يتصل إلى المخرج هكذا، يعني: مثل ما هو موجود عندنا، ليس هو فرداً إلى النسائي، وإنما هو فرد إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اتسع بعد ذلك.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:19 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(33)
باب الوضوء من الإناء - باب التسمية عند الوضوء
المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومنها: تفجر الماء ونبوعه من بين أصابعه الشريفة، حتى استطاع الصحابة أن يتطهروا بهذا الماء النابع من بين أصابعه، وكفاهم جميعا مع كثرة عددهم.
الوضوء من الإناء
شرح حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء من الإناء.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضئوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الوضوء من الإناء، وأورد تحته حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه وقد حانت صلاة العصر، فالتمسوا الماء فلم يجدوا، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بوَضوء في إناء -يعني: قليل- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، حتى توضئوا جميعاً ) أي: من هذا الماء القليل الذي بارك الله تعالى فيه بملامسة النبي صلى الله عليه وسلم له، ودعائه عليه الصلاة والسلام، فكثر الماء ببركة ملامسته للماء القليل، وكثره الله عز وجل حتى كفى الفئام الكثيرة من الناس.وهذا الحديث هو من أحاديث دلائل النبوة، ومن الأدلة الدالة على صدقه عليه الصلاة والسلام؛ حيث إن الله عز وجل يجري على يديه هذه الخوارق من العادات؛ فهنا ماء قليل يدخل يده في الإناء, فيتفجر الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام حتى يستفيد الناس جميعاً، وحتى يتوضأ الناس جميعاً من أولهم إلى آخرهم، ولم يبق أحد بحاجة إلى الوضوء.ومحل الشاهد منه: الوضوء من الإناء، فالرسول صلى الله عليه وسلم توضأ من الإناء، والصحابة توضئوا من هذا الإناء الذي فيه ماء قليل, وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، وبارك الله تعالى فيه، حتى كفى الفئام من الناس، وحتى كفى هذا العدد الكبير من الناس.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه
قوله: [أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكر قتيبة مراراً وتكراراً، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات, الأثبات، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وفي الحديث المتقدم مر ذكره.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق هو أحد الثقات الأثبات, وهو من أهل المدينة، وحديثه في الكتب الستة، وقد سبق أن مر ذكره، بل سبق أن مر قريباً مثل هذا الإسناد تماماً.[ عن أنس ].هنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة يروي عن عمه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وعبد الله بن أبي طلحة الذي هو والد إسحاق هو الذي حنكه الرسول صلى الله عليه وسلم حين ولد، فبعدما وقع في قصة مجيء أبي طلحة إلى أم سليم، وكان لهما ولد، وكان مريضاً، وفي الوقت الذي جاء كان قد مات، وهي لم تخبره بموته، وتجملت وصنعت له طعاماً وأكل ثم جامعها، وقد سألها قبل ذلك عن الولد فقالت: إنه أهدأ ما يكون، وقد سكنت نفسه -وهي صادقةٌ فيما قالت- فهو فهم أنه شفي من المرض، وأنه هدأ نفسه، يعني: كان ثائر النفس من شدة المرض، وأنه هدأ نفسه، وهي تريد أنه هدأ نفسه أي: ذهبت النفس، وأنه استراح ليس فيه حركة، وهو يفهم أنه في راحة، فلما جامعها وأصبح، مهدت لذلك وقالت: أرأيت لو أن أناساً عندهم عارية، فردت العارية إلى صاحبها ما شأنهم؟ ثم قالت: إن ابنك قد مات، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حصل، فقال: (بارك الله لكما)، فنشأ عن ذلك الوقاع الذي حصل ولد وهو عبد الله هذا، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحنكه، وعبد الله صار له عدد من الأولاد وفيهم خير، ومن أهل علم، وفيهم إسحاق هذا الذي يروي عن أنس بن مالك الذي هو أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أم عبد الله هي أم سليم أم أنس بن مالك، وإسحاق كما ذكرت هو من رجال الجماعة, ومن الثقات الأثبات, يروي عن أنس بن مالك، وأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر ذكره في أحاديث عديدة، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرت ذلك فيما مضى.
شرح حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا ماءً، فأتي بتور فأدخل يده، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: حي على الطهور، والبركة من الله عز وجل)، قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجعد قال: قلت لـجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وخمسمائة ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو بمعنى حديث أنس بن مالك المتقدم: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بوضوء، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا، فأتي بتور فيه ماء -والتور هو الإناء، ويقال: مثل الطست- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، فتوضئوا جميعاً وناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حي على الطهور والبركة من الله)، يعني: هذا الماء الذي هو قليل، وهو طهور يتوضأ به، بارك الله تعالى فيه حتى كثر وكفى الفئام من الناس.ثم ذكر الأعمش -وهو أحد رواة الأحاديث- أنه روى عن سالم بن أبي الجعد قال: ( كم كنتم يومئذ؟ قالوا: كنا ألفاً وخمسمائة )، وكان هذا في غزوة الحديبية، وهذا حديث آخر غير حديث عبد الله؛ لأن جابراً يروي هذا الحديث، وعبد الله بن مسعود يروي هذا الحديث، فإذاً: هذان حديثان: حديث عن جابر، وحديث عن عبد الله بن مسعود، وهذا الحديث -كما ذكرت في الحديث السابق- من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وهو أن الماء القليل يكون في إناء، ثم يبارك الله فيه فيكفي لألف وخمسمائة من الناس يتوضئون منه؛ لأن الأصل أن هذا الإناء يكفي لوضوء شخصٍ واحد، لكن أنزل الله تعالى فيه البركة، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، حتى كفى ألفاً وخمسمائة من الناس توضئوا منه، فهو من دلائل نبوته الكثيرة، وهو من الأحاديث العديدة الدالة على ما ساقه الله على يديه من الخوارق للعادات.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه
قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].طريقة النسائي -كما هو معلوم- المطردة في هذا الكتاب وغيره من كتبه أنه يقول: (أخبرنا). وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو محدث, فقيه، وقد خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرةً إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وهو الذي سبق أن ذكرت أن من عادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في روايته عن شيوخه.[أخبرنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام الصنعاني، المحدث, الفقيه, المشهور، ويأتي ذكره عند النسائي لأول مرة، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، هو أحد الثقات الحفاظ، ورحل العلماء إليه في اليمن لأخذ الحديث عنه، وكان مكثراً من الرواية في الحديث. وقيل عنه: إنه تشيع، لكن تشيعه هو من جنس -كما ذكرت سابقاً- تقديم علي على عثمان في الفضل، وتقديم علي على عثمان في الفضل لا يؤثر، ولا يبدع من قال به، وفيه جماعة من السلف يقولون بذلك، منهم: عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وعدد يقولون بهذا، وإن كان المشهور عند أهل السنة تقديم عثمان على علي في الفضل كما أنه مقدم عند الجميع في الخلافة، التقديم بالخلافة فما أحد يقول من أهل السنة: إن علياً أولى منه؛ لأن الصحابة اتفقوا على ذلك، فمن قال: بأن علياً أولى، فمعناه: أنه قال قولاً يخالف ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ضلال بلا شك، ولهذا قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، أما تقديمه عليه بالفضل فقد جاء عن بعض السلف، لكن لا يبدع من يقول به، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، وقال: إن هذا لا يؤثر ولا يضر، ولا يبدع من يقول به، وإنما الذي يبدع فيها مسألة الخلافة؛ لأن معنى من قال بها أنه خالف ما عليه الصحابة، وخالف ما أطبق عليه الصحابة، وأجمع عليه الصحابة من تقديم عثمان على علي، والمشهور عن أهل السنة أن عثمان هو المقدم في الفضل كما هو المقدم في الخلافة، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا؛ لأنهم كانوا في عهدهم يقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، يعني: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.[أخبرنا سفيان، عن الأعمش]. سفيان هنا مهمل لم ينسب، وعبد الرزاق روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، والسفيانان رويا عن الأعمش، فإذاً : بالنسبة للشيوخ والتلاميذ فـالأعمش شيخ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق تلميذ لـسفيان بن عيينة ولـسفيان الثوري، فإذاً :كيف يعرف أيهما؟ نقول: من المعلوم أن سفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، والأعمش كوفي، فإذاً: الأقرب والأظهر أن يكون هو سفيان الثوري، مع أننا ما وجدنا شيئاً يدلنا على تسمية سفيان وتعيينه، هل هو الثوري أو ابن عيينة؟ لكن كون الثوري من أهل الكوفة، والأعمش من أهل الكوفة، ومن المعلوم أن العلماء إذا كانوا في بلد يكون اتصالهم بهم أكثر، والأخذ عنهم أكثر، بخلاف من لا يلقاه إلا في سفر عارض طارئ فترة ثم ينقطع، فإن من كان من أهل بلده، ومن كان يلتقي به مراراً وتكراراً يكون أقرب إلى أن يكون هو المعني، فإذاً :كون سفيان الثوري من أهل بلد الأعمش الذي هو (شيخه) فإنه يدل على أن سفيان الذي لم ينسب هنا هو الثوري.والأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، والأعمش لقب له، وهو يأتي باسمه ويأتي بلقبه، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن إبراهيم ]. إبراهيم هو: ابن يزيد النخعي الكوفي، الإمام, المشهور والمعروف بالفقه والحديث، فقد سبق أن مر ذكره فيما مضى.[عن علقمة].علقمة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: علقمة بن قيس النخعي، صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعلقمة هذا هو عم الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد؛ لأن يزيد الذي هو والد الأسود وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس هو أخو علقمة، فهو عمٌ لـعبد الرحمن، وعم للأسود بن يزيد بن قيس، وعلقمة هذا من الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن مسعود].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وكان متقدم الوفاة -توفي سنة اثنين وثلاثين- ولهذا فإنه لا يعتبر من العبادلة الأربعة، فإذا ذكر في الصحابة العبادلة الأربعة فليس فيهم ابن مسعود، وإنما هم صغار الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة، وليس فيهم عبد الله بن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنين وثلاثين، وأما هؤلاء فتأخرت وفاتهم؛ منهم من فوق السبعين ومنهم قبل ذلك، فهم يعتبرون من صغار الصحابة، وكانوا في عصرٍ واحد، وطالت حياتهم بعد وفاة عبد الله بن مسعود؛ ولهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة، وعبد الله بن مسعود ليس واحداً منهم، رضي الله تعالى عن الجميع، وحديثه في الكتب الستة كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وفي إسناد الحديث المتقدم قال الأعمش: حدثني سالم بن أبي الجعد، -وهذه طريق أخرى غير الطريق الأولى- قال: سألت جابراً -والسائل هو سالم بن أبي الجعد-: ( كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفاً وخمسمائة ). وسالم بن أبي الجعد هو من أهل البصرة، وهو من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. وجابر بن عبد الله هو: جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وحديثه في الكتب الستة.
التسمية عند الوضوء
شرح حديث: (... توضئوا باسم الله...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسمية عند الوضوء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت وقتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مع أحدٍ منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول: توضئوا باسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم، قال ثابت: قلت لـأنس: كم تراهم؟ قال: نحواً من سبعين ).يقول النسائي رحمه الله: باب التسمية عند الوضوء، يعني: في ابتداء الوضوء، عندما يبدأ الإنسان في الوضوء، أو يريد أن يتوضأ يسمي الله عز وجل، وقد أورد النسائي هذه الترجمة لبيان مشروعية التسمية، وأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ( أن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام طلبوا الوضوء، فقال عليه الصلاة والسلام: هل أحد معه ماء؟ فأوتي بماء ووضع يده فيه وقال: توضئوا باسم الله، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضئوا جميعاً )، ثم قال ثابت البناني -وهو أحد الراويين اللذين رويا عن أنس هذا الحديث-: (كم تراهم)؟ يعني: هؤلاء الصحابة الذين توضئوا. قال: (نحواً من سبعين). والمقصود من إيراد الحديث: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله)، فهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا؛ وهو للاستدلال به على مشروعية التسمية عند الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا باسم الله)؛ أي: مبتدئين باسم الله، أو قائلين: باسم الله، وهو يدل على هذا، وقد ورد حديث صريح في المسألة؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وقد تكلم فيه، ولكن طرقه كثيرة، ويقوي بعضها بعضاً، ولهذا فإن بعض العلماء قال: بأنه مستحب، وبعضهم قال: بأنه واجب مع الذكر، أما إذا لم يذكر ونسي فإنه لا شيء عليه في ذلك، وقال السندي في حاشيته: لعل النسائي لم يذكر هذا الحديث لما فيه من الكلام، وأتى بهذا الحديث المشتمل على التسمية، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله).ولفظ (الوضوء) الذي في الحديث: (أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبوا الوضوء) هو بفتح الواو، وقد عرفنا فيما مضى أن ما كان مفتوحاً من هذا اللفظ فالمراد به الماء الذي يتوضأ به، وإذا كان مضموماً فالمراد به الفعل الذي هي التوضؤ، فكون الإنسان يتوضأ بالفعل، هذا يقال له: وضوء، والماء الذي يستعمل في الوضوء يسمى وَضوءاً.وهذا الحديث أيضاً من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ حيث يبارك الله عز وجل بالماء القليل الذي يضع يده فيه فيكفي الفئام من الناس، ويكفي الأعداد الكبيرة من الناس، فإن هذا الحديث يقول فيه أنس: إنهم كانوا (نحواً من سبعين)، وقد عرفنا سابقاً ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة )، يعني: في الحديبية، وجاء في بعض الطرق: ( ولو كنا مائة ألف لكفانا )، فهذه الأحاديث هي من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، حيث تقع أمور خارقة للعادة يجريها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، فهنا ماء قليل يكون في إناء فيبارك الله تعالى فيه؛ حيث يضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يده فيه، فيتفجر الماء من بين أصابعه ويفور حتى يكفي الأعداد الكبيرة الهائلة من الناس، فهو من دلائل نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
تراجم رجال إسناد حديث: (... توضئوا باسم الله ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وهو محدث, فقيه، إمام، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنهم رووا عنه مباشرةً، وهو من شيوخهم جميعاً إلا ابن ماجه فإنه لم يرو عنه شيئاً، ولم يخرج عنه شيئاً، وهو من الحفاظ والثقات, المتقنين المؤلفين، ولـإسحاق بن راهويه مسند، وعادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما كانت هذه طريقة النسائي، حيث يقول عن شيوخه: أخبرنا، وكذلك إسحاق بن راهويه يقول عن شيوخه: أخبرنا.[أنبأنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام بن نافع الصنعاني، الإمام المشهور, الذي رحل الناس إليه في اليمن، وأخذوا الحديث عنه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا معمر ]. هو ابن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، وهو شيخ لـعبد الرزاق، روى عنه عبد الرزاق كثيراً من الأحاديث، وكثيراً ما يأتي في الصحيحين رواية عبد الرزاق عن معمر، بل إن صحيفة همام بن منبه التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام؛ لأن الصحيفة كلها بهذا الإسناد: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي في مسند الإمام أحمد كلها، وهي ضمن مسند أبي هريرة، ويفصل بين كل حديث وحديث بقوله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؛ أي: يأتي بإسناد واحد في أولها ثم يفصل بين كل حديث وحديث بهذه الجملة. والبخاري ومسلم انتقيا من هذه الصحيفة؛ فأحاديث اتفقا على إخراجها، وأحاديث منها انفرد بإخراجها البخاري، وأحاديث منها انفرد بإخراجها مسلم، وقد ذكرت فيما مضى أن هذا من أوضح الأدلة التي استدلوا بها على أن البخاري ومسلماً لم يقصدا استيعاب الصحيح، ولم يريدا جمع الأحاديث الصحيحة كلها، وأنه لا يقال: إنهما أرادا ذلك؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد منها ما هو موجود عند البخاري , ومسلم، ومنها ما هو موجود وعند البخاري وحده ومنها ما هو موجود عند مسلم وحده، فلو كانت القضية جمع الأحاديث الصحيحة لاستوعباها، وإنما ذكرا بعضها اتفاقاً، وكل واحد منهما أخذ ما لم يأخذ الآخر، وتركا منها أشياء ليست عندهما، فإذاً: هذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري , ومسلماً ما أرادا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ولا تخريج كل الأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة، وليست كل الأحاديث الصحيحة، ولهذا فإن استدراك الحاكم عليهما لا وجه له؛ لأنهما ما أرادا الاستيعاب، فإلزامهم بأن هذا على شرطهم وما خرجوه ليس بلازم لهما؛ لأنهما لم يلتزما حتى يلزما، ولم يلتزما حتى يقال: فاتهما.وهنا قتادة معطوف على ثابت؛ لأن معمراً روى عن ثابت وعن قتادة، وكل من الاثنين يروي عن أنس بن مالك، فـقتادة مجرور، لكونه ممنوعاً من الصرف فيكون مفتوحاً, لكن لا يكون مضموماً؛ لأنه سيكون معطوفاً على معمر، ومن المعلوم أن قتادة متقدم وفاته قبل العشرين ومائة، وأما عبد الرزاق فولادته بعد العشرين ومائة، فهو ما أدرك زمانه.[عن ثابت وقتادة].ثابت هو ابن أسلم البناني الذي سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب.وقتادة هو ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من الثقات، ومن رجال الكتب الستة، خرجوا حديثه جميعاً.[عن أنس].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره مراراً، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال ثابت: قلت لـأنس: (كم تراهم) يعني: تظنهم، وقوله: (نحواً) يدل على أن القضية ظن وليست علم؛ لأن ترى بالفتح بمعنى العلم، وأما تُرى بالضم فهي بمعنى الظن, وهي المطابقة لقوله: (نحواً من سبعين). أقول: هما قضيتان: القضية التي يرويها أنس، وقضية صلح الحديبية التي فيها حديث جابر الذي قال: (كنا ألفاً وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا)، هذه مسألة أخرى. وحصول دلائل النبوة، وحصول هذه الخوارق للعادات جرت في قصص متعددة وفي أحوال مختلفة، جمعها الذين عنوا بدلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: أبي نعيم, ومثل: البيهقي، وإسماعيل الأصبهاني، والفريابي، وغيرهم كثير، وكتبهم اسمها: دلائل النبوة، فيجمعون مثل هذه الأحاديث التي فيها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ودلائل نبوته، والخوارق للعادات التي أجراها الله تعالى على يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ومن الكتب: (دلائل النبوة للبيهقي)، و(دلائل النبوة) لـأبي نعيم الأصبهاني، و(دلائل النبوة) لـإسماعيل الأصبهاني الذي هو قوام السنة، وكذلك (دلائل النبوة) للفريابي، وغيرهم ألفوا في هذا، وقد عنوا بجمع ما كان من هذا القبيل.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:21 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(34)
(باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء) إلى (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً)
جاء في شرعنا الحنيف جواز صب الماء على الرجل وهو يتوضأ، لا سيما إذا كان كبيراً في قومه، وليس ذلك مما يذم به فاعله، كما أنه يجوز الوضوء مرة مرة، أو مرتين مرتين, أو بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين، أو بعضها مرتين وبعضها ثلاثاً.
صب الخادم الماء على الرجل للوضوء
شرح حديث المغيرة في صبه الماء على رسول الله ليتوضأ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوءأخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول : (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)، قال أبو عبد الرحمن: لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. هنا أورد النسائي رحمه الله باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء. هذه الترجمة أوردها النسائي ليبين أن مثل هذا العمل لا بأس به، يعني : كون الإنسان يخدم غيره فيصب عليه الماء وهو يتوضأ، وقد فُعِل به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما حصل من المغيرة في هذا الحديث؛ لأنه قال: (سكبت له وضوءه)، فكان مثل هذا العمل سائغاً وجائزاً، ولا بأس به، وإنما الذي لا يصلح هو كونه يوضأ؛ بحيث يصب على وجهه ويغسله, ثم يغسل يديه، هذا هو الذي لا يفعل إلا عند العجز للحاجة والضرورة، أما مع القدرة فلا يفعل؛ لأنه لم يأت شيء يدل عليه.وفي هذا استخدام الأحرار، وأنه لا بأس بذلك، لا سيما إذا أرادوا ذلك ورضوا به، ووافقوا عليه، وإن لم يكن ذلك الغلام مولى له، بل هو حر يخدم غيره، ،كأنس بن مالك رضي الله عنه خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات وهو من الأحرار.[عن عروة بن المغيرة: أنه سمع أباه يقول: (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)].وفي الحديث المسح على الخفين، وسيأتي الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه )، يعني: في تلك الحالة التي خدمه فيها المغيرة، حيث صب عليه الماء.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صبه لماء على رسول الله ليتوضأ
قوله: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين]. وسليمان بن داود يأتي ذكره لأول مرة في الأسانيد، وهو سليمان بن داود المهري المصري أبو الربيع، وقد روى عنه النسائي , وأبو داود، ولم يخرج له الباقون، وهو ثقةٌ، والحارث بن مسكين سبق أن مر ذكره مراراً، وقلنا : إنه أحياناً يقول : أخبرنا الحارث بن مسكين، وأحياناً يعطفه على غيره ولا يصرح بأخبرنا عند ذكره، وذكرت السبب في ذلك وهو: أنه كان يمنع النسائي من أن يأخذ عنه، فكان النسائي يختفي من وراء الستار ويسمع ويروي عنه , ولكن لا يقول: أخبرني، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع . ولكنه جاء في بعض الأحاديث كما مر يقول النسائي: (أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع )، وعلى هذا يكون حصل له إذن بعد المنع، ويكون في كل حالة يروي على حسب ما اتفق له، ففي الحالة التي منع فيها لا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالإخبار، وفي الحالة التي أذن له يقول فيها: أخبرني. والحارث بن مسكين من الثقات، وهو قاضٍ في مصر، وروى له أبو داود , والنسائي مثل سليمان بن داود الذي قبله؛ لأن كلاً منهما خرج له النسائي , وأبو داود، ولم يخرج لهما الباقون.[قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له].يعني: هذا اللفظ الموجود الذي أثبته في نهاية الحديث ونهاية الإسناد هو لفظ الحارث بن مسكين، وليس لفظ سليمان بن داود؛ يعني: أن سليمان بن داود رواه بالمعنى، وأما الحارث بن مسكين فهو بهذا اللفظ الموجود، وهو كثيراً ما يأتي ويقول: واللفظ له، هذا يتكرر في سنن النسائي في غالب المواضع التي مرت.[عن ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري , المحدث , الفقيه، والإمام المشهور، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، مكثر من رواية الحديث. [عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث]. إذاً: عبد الله بن وهب يروي عن ثلاثة أشخاص، روى عنه في هذا الحديث أو في هذا السند اثنان مصريان، وهو مصري، ويروي هو عن ثلاثة: عن مالك بن أنس، وعن يونس بن يزيد الأيلي، وعن عمرو بن الحارث المصري، يروي عنهم جميعاً، والثلاثة يروون عن الزهري.ومالك بن أنس سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة، وهو الإمام المشهور، وحديثه في الكتب الستة.ويونس بن يزيد الأيلي أيضاً مر ذكره، وهو من الثقات، من رجال أصحاب الكتب الستة.وعمرو بن الحارث المصري هو أيضاً من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره هنا لأول مرة.[عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد سبق ذكره مراراً، وهو من الحفاظ، ومن الفقهاء، وهو أول من قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله -كما سبق أن مر ذلك- وحديثه في الكتب الستة، وهو معروف بفضله، وبعلمه، وبعلو منزلته، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أكثر ما يأتي ذكره في أسانيد كتب السنة.[عن عباد بن زياد].عباد بن زياد ثقة، ويأتي ذكره لأول مرة، وقد خرج له مسلم , وأبو داود, والنسائي؛ يعني: مثل الذين خرجوا لشيخي النسائي في هذا الحديث وهم: الحارث بن مسكين، وسليمان بن داود المصري أبو الربيع يضاف إليهم الإمام مسلم، فهؤلاء الثلاثة خرجوا لـعباد بن زياد. وهذا هو أخو عبيد الله بن زياد الأمير المشهور، وهذا أيضاً تولى الإمارة، كان والي سجستان. [عن عروة بن المغيرة بن شعبة]. عروة بن المغيرة بن شعبة هو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة.[عن المغيرة بن شعبة]. أما المغيرة بن شعبة فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بدهائه، وبفطنته، وبقوته، وشجاعته رضي الله عنه وأرضاه، وقد تولى إمارة البصرة، وإمارة الكوفة، وكان من الذين جاهدوا في سبيل الله.وقد ذكر البخاري في صحيحه قصة له مع الفرس، وأنهم لما ذهبوا إليهم طلبوا واحداً يتكلم معهم , فكلمهم المغيرة، فذكر كلاماً عظيماً يبين فيه حالهم قبل الإسلام، وأن الله عز وجل أرسل لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنهم آمنوا به، وأن الله تعالى أعزهم به، وأن من أطاعهم فإنه يسلم، ومن لم يدخل في هذا الدين فإنهم يجاهدونه حتى يملكهم الله رقابهم، وحتى يدخلوا في دين الله عز وجل، قال هذه المقالة العظيمة كما ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه، وهذا من قوته، وعزة نفسه، وشجاعته، وصدعه بالحق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وله في الكتب مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. [قال أبو عبد الرحمن : لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. يعني: أن الذين ذكروا في الإسناد عروة بن المغيرة هم الاثنان الآخران اللذان هما : عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد الأيلي، أما الإمام مالك فهو لم يذكر عروة بن المغيرة.
الوضوء مرةً مرة
شرح حديث ابن عباس في الوضوء مرةً مرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرةً مرة.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: الوضوء مرةً مرة. والمقصود من ذلك : بيان أن الوضوء يصح أن يكون مرة مرة؛ بمعنى: أنه يغسل كل عضو مرة واحدة، يغسل وجهه مرة واحدة، ويغسل يديه إلى المرفقين مرة واحدة، ويمسح رأسه -ومسح الرأس لا يتكرر- ويغسل رجليه مرة واحدة، وهذا هو أقل شيء يجزئ.وجاء عنه: (مرتين مرتين)، وجاء عنه: (ثلاثاً ثلاثاً)، وجاء أيضاً غسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثاً، أو بعضها مرة وبعضها مرتين، كل هذا جاء وبابه واسع. وترجم النسائي هنا باب: الوضوء مرة مرة، وأورد فيه حديث ابن عباس أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة).قوله رضي الله عنه: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فيه بيان حرص الصحابة على تعليم السنن، وتعليم الناس أحكام الدين، وأنهم كانوا يفعلون ذلك بدون أن يطلب منهم ذلك، بل إن ابن عباس قال : ألا، وهذه المقصود منها التنبيه؛ يعني: يعرض عليهم وينبههم حتى يستعدوا, وأن يتهيئوا، ثم قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟).وهذا من فضلهم ونبلهم وحرصهم على الخير، وحرصهم على بيان السنن وإيصالها إلى الناس، فهم الحريصون على كل خير، والسابقون إليه، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إنه: (توضأ مرةً مرة) فهذا معناه في بعض الأحوال، وليس دائماً وأبداً، بل أكثر الأحوال أنه كان يتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً)، ولكن كونه يفعله (مرةً مرة) فهو دال على الجواز، لكن لا بد من الاستيعاب، ومن التحقق من أن الماء في هذه المرة أصاب جميع أعضاء الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الوضوء مرة مرة
قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى يأتي لأول مرة ذكره، وهو رفيق محمد بن بشار الذي هو بندار، قد سبق ذكره مراراً, أما محمد بن المثنى هذا يقال له : الزمن , وهو العنزي، وهو من الثقات , الحفاظ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه جميعاً، وخرجوا حديثه، ورووا عنه مباشرةً، كما رووا عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فهؤلاء الثلاثة شيوخٌ لأصحاب الكتب الستة، والثلاثة كانت وفاتهم في سنة واحدة، وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخ البخاري. [حدثنا يحيى]. هو ابن سعيد القطان، الإمام المشهور, المحدث، الإمام في الجرح والتعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن الثقات، الحفاظ، سبق أن الذهبي قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما أصابا الهدف في جرحهما.وقد جاء الحديث في سنن ابن ماجه، وصرح فيه بـالقطان، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، يعني: سماه. وأما النسائي فاكتفى بقوله : يحيى، وذكرت -فيما مضى- أن أحسن طريقة يمكن أن يعرف بها الرجل المبهم هو: أن يتتبع طرق الحديث في الكتب، فإذا وجد في بعضها التصريح بتسميته زال الإشكال، وعرف من هو، وأما إذا لم يعرف مصرحاً به في بعض الأسانيد, فعند ذلك ينظر في الشيوخ والتلاميذ, وقد ذكرت -فيما مضى- أن في طبقة يحيى بن سعيد القطان: يحيى بن سعيد الأموي، لكن يحيى بن سعيد الأموي غالباً ما يروي عنه ابنه سعيد، وهنا في هذا الإسناد -الذي معنا- جاء التصريح في سنن ابن ماجه باسمه ونسبه, وأنه يحيى بن سعيد القطان.وهنا يروي عن سفيان، وسفيان -كما عرفنا- المشهور بذلك اثنان : سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن جاء في بعض الطرق عند الترمذي في الجامع تسميته أنه الثوري، فهو الذي روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم.وسفيان الثوري من رجال الجماعة، ومن الثقات, الحفاظ، المتقنين، بل هو أحد الذين وصفوا بذلك الوصف العظيم الذي هو: أمير المؤمنين في الحديث، بل من العلماء من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وذكرت لكم وجه التقديم؛ لأنهم إذا أرادوا أن يقارنوا بين الثقتين, وأيهما أحفظ, فإنهم يعدون أخطاءهم القليلة، فمن وجدوا خطأه أقل اعتبروه أحفظ، وإن كان خطؤهم جميعاً قليلاً، لكن هذه عند المقارنة بين المبرزين وبين المتفوقين، فهذه هي الطريقة التي كانوا يميزون بها بين المتفوقين في الحفظ. [حدثنا زيد بن أسلم]. زيد بن أسلم هو من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، وهو مدني. [عن عطاء بن يسار]. عطاء بن يسار هذا أيضاً من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين، وقد سبق ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـأبي العباس، وقد ذكرت لكم -فيما مضى- أن بعض العلماء يقول: ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا اثنان: هما ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي .محمد بن المثنى، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان الثوري، وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار وابن عباس، وهؤلاء جميعاً ممن خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة. والحديث الذي مر معنا ليس بموقوف, بل يعتبر مرفوعاً؛ لأنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ثم توضأ مرة مرة).
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
شرح حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب : (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما توضأ ثلاثاً ثلاثاً، يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم)].هنا ذكر النسائي رحمه الله باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. يعني: كونه يغسل كل عضو ثلاث مرات، فيغسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ويمسح رأسه مرةً واحدة؛ لأن المسح لا يتكرر، وإنما هو مرة واحدة؛ لأنه لو كرر لصار غسلاً، وهو مسح وليس بغسل، ويغسل الرجلين ثلاث مرات، فالوضوء ثلاثاً ثلاثاً لما يغسل، وأما ما يمسح فإنما يكون مرة واحدة، وهذا هو الغالب على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو إسباغ الوضوء، ولا يزيد على ذلك.(أن عبد الله بن عمر توضأ ثلاثاً ثلاثاً يسند ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: هذا الفعل الذي فعله ثلاثاً ثلاثاً يسنده ويضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس هذا موقوفاً على ابن عمر، وإنما هو مرفوع؛ لأن معنى (يسنده) أي: يرفعه للرسول صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر ثقة، وخرج حديثه الترمذي , والنسائي، وهو يروي عن عبد الله بن المبارك، بل هو راويته، ولهذا فالمواضع التي مر فيها سويد عن عبد الله، ولم تنسب، فهو عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهو مروزي، كما أن عبد الله بن المبارك مروزي، فهما من بلد واحد.وأما عبد الله بن المبارك فحديثه عند أصحاب الكتب الستة، قال عنه الحافظ في التقريب : ثقة، حافظ، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير.[أخبرنا الأوزاعي]. هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، وكنيته أبو عمرو، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن كنيته أبو عمرو وأبوه عمرو، وهو عبد الرحمن إمام أهل الشام، وإذا ذكر الحديث والفقه بالشام، فالذي يتبادر إلى الأذهان : الأوزاعي؛ لأنه معروف في الحديث والفقه في الشام، فهو محدث الشام وفقيهها، وهو معروفٌ بفقهه وحديثه وكثرة روايته، وكثرة ما يضاف إليه من مسائل الفقه رحمة الله عليه، وحديثه في الكتب الستة، وهو أحد الحفاظ, الثقات, المتقنين المعروفين، المبرزين.[حدثني المطلب بن عبد الله].المطلب بن عبد الله بن حنطب قال عنه في التقريب : إنه صدوق كثير التدليس والإرسال، وقد روى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة.وهنا هذا اللفظ يحتمل الإرسال والتدليس؛ لأن التدليس يكون فيما إذا سمع من الشخص وروى عنه مدلساً بـ (عن) أو (قال)، أما الإرسال بالمعنى الواسع الأعم فهو: أن يكون سماعه لم يثبت عنه وإنما يرسل إليه، وهو أن يقول لمن لم يلقه : قال فلان، سواءً كان معاصراً له أو لم يعاصره.والعبارة هذه: (أن عبد الله بن عمر) ليس فيها ذكر تحديث، ولا ذكر سماع، ولا ذكر اتصال، فهو محتمل، لكن الوضوء ثلاثاً ثلاثاً جاء عن عدد كبير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وكلها ثابتة، ولو لم تأت لكان الأمر محتملاً الضعف.وابن عمر رضي الله عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وقد مر ذكره مراراً.
ابو الوليد المسلم
12-26-2025, 12:25 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(35)
باب صفة الوضوء، غسل الكفين - باب كم تغسلان
من الآداب الشرعية التي دلت عليها السنة استحباب غسل اليدين ثلاثاً قبل البدء بغسل المفروض في الوضوء؛ حفاظاً على نقاوة الماء، وحتى لا يتغير بما يكدره مما كان عالقاً في اليدين قبل غسلهما.
صفة الوضوء، غسل الكفين
شرح حديث المغيرة في صفة الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صفة الوضوء، غسل الكفين. أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر بن المفضل حدثنا ابن عون عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة وعن محمد بن سيرين عن رجل حتى رده إلى المغيرة قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا من حديث ذا, أن المغيرة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر, فقرع ظهري بعصا كانت معه، فعدل وعدلت معه حتى أتى كذا وكذا من الأرض، فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني، ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه، فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه وذراعيه، وذكر من ناصيته شيئاً وعمامته شيئاً -قال ابن عون: لا أحفظ كما أريد- ثم مسح على خفيه، ثم قال: حاجتك؟ قلت: يا رسول الله! ليست لي حاجة، فجئنا وقد أم الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح، فذهبت لأوذنه فنهاني، فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا)].يقول النسائي رحمه الله في صفة الوضوء وبدأ بغسل اليدين؛ وذلك أن اليدين عندما يريد الإنسان أن يتوضأ يغسلهما أولاً خارج الإناء إذا كان يتوضأ من إناء، فإذا غسلهما خارج الإناء بعد ذلك يدخل اليد اليمنى في الإناء، ويخرج منها الماء الذي يغسل به أعضاءه. وقد أورد النسائي في ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه, (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر)، وكان هذا في غزوة تبوك كما سبق (وكان يمشي، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وقرب منه، وقرع ظهره بعصا) يعني: لمسه بها، يريد أن ينبهه على أن يتبعه من دون أن يتكلم معه، وليس المراد من ذلك الضرب، فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، وذهب وراءه، وكان على بعيره، وهذا على بعيره، ثم أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم ذهب حتى توارى، يعني: أبعد.ثم إنه جاء بعد أن قضى حاجته وقال: (هل معك ماء؟ فقال: نعم وإذا معه سطيحة، فأفرغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه ووجهه)، وهذا هو محل الشاهد؛ يعني: أول شيء عمله أنه غسل يديه، والمقصود من غسل اليدين: غسل الكفين، وليس غسل اليدين الذي هو أحد أركان الوضوء؛ لأن غسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، ثم غسل وجهه، ولما أراد أن يغسل يديه، وإذا عليه جبة شامية ضيقة الكمين، فلم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يحسرها، وأن يخرج ذراعيه مع فتحاتها المخصصة لليدين، فأخرجهما من تحت الجبة؛ يعني: عليه ألبسة أخرى غير الجبة، وليس معنى ذلك أنه ليس عليه إلا الجبة، وأنه أظهر يديه من تحت الجبة فينكشف ما تحت الجبة، لا، وإنما عليه غير ذلك، فأخرج اليدين من تحت الجبة وغسل وجهه وذراعيه.وذكر الغسل هنا، وقد ذكره قبل، وكأنه بدأ بغسل الوجه، ثم أراد أن يغسل اليدين فلم يتمكن، فأخرج يديه من تحت الجبة وأعاد غسل وجهه؛ يعني: أنه كرر غسل الوجه، ثم غسل ذراعيه.والمقصود من غسل الذراعين: غسلهما إلى المرفقين، ويدخل أيضاً في ذلك اليدان اللتان غسلتا أولاً؛ لأن غسل اليدين الذي يكون بعد الوجه إنما يكون لكامل اليد إلى المرفقين. (وذكر من ناصيته شيئاً، ومن عمامته شيئاً)؛ يعني: أنه مسح على الناصية والعمامة، والعمامة إذا كانت مشدودة، ومحكم شدها على الرأس، وخلعها يكون فيه مشقة؛ فإنه يمسح عليها وعلى الناصية؛ أي: ما ظهر من الناصية من الرأس مما لم تغطه العمامة. أما إذا كان الرأس غير مغطى، أو كانت تغطيته بشيء ليس فيه صعوبة، مثل الألبسة التي علينا كالغتر، فإزالتها ومسح الرأس متعين، وإنما العمامة التي يمسح عليها هي التي تكون محكمة ومشدودة، ويكون المسح عليها مثل المسح على الخفين. قال ابن عون: (لا أحفظ كما أريد) يعني: أنه ما حفظ أو ما ضبط هذا الحديث؛ لأنه ذكره عن راويين، ولم يميز حديث هذا من هذا؛ فمزج بين الروايتين دون أن يعرف أن هذه اللفظة لفلان وهذه اللفظة لفلان، ولكن المجموع هو للاثنين؛ إما مجتمعين، وإما أن هذه اللفظة لواحد، وهذه اللفظة لواحد. (ثم مسح على الخفين) يعني: كان عليه الخفان عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الروايات: (أن المغيرة أهوى لينزعهما، قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).والحديث جاء في الصحيحين وفي غيرهما، إلا أنه ليس في الصحيحين ذكر العمامة والناصية.قوله: (حاجتك، فقلت: ليست لي حاجة) يعني: هل تريد شيئاً؟ فقال: (ليس لي حاجة). قال: (ثم جئنا)؛ يعني: جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من قضاء حاجته وقد تأخر، وإذا مجتمع الناس والجيش الذين كانوا معه في الطريق إلى تبوك يصلون ويؤمهم عبد الرحمن بن عوف ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة، وقد صلى الناس ركعة، فأراد المغيرة أن يخبر عبد الرحمن بن عوف وهو في الصلاة بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، فأرشده بأن يدعه وألا ينبهه، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى ودخل مأموماً وراء عبد الرحمن بن عوف وصلى الركعة الباقية، ولما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة وقضيا الركعة الباقية عليهما، وكانت الصلاة صلاة صبح.وهذا الحديث يدل على أن الجماعة إذا تأخر عليهم الإمام، ورأوا أنهم يؤدون الصلاة ولا ينتظرونه -يعني إذا طال انتظاره- أن ذلك لا بأس به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك. [(فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني)]؛ أي أناخ راحلته وكان راكباً عليها، وذهب حتى توارى؛ أي: ذهب بعيداً، و(كان عليه الصلاة والسلام إذا ذهب المذهب أبعد), كما عرفنا ذلك في أول كتاب السنن، فمن الأبواب والتراجم التي بدأ بها النسائي: الإبعاد عند قضاء الحاجة، وهنا يقول المغيرة: (حتى توارى) يعني: حتى اختفى عنه.[(ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه)] بمعنى: أنه يصب عليه - كما فعل أنس رضي الله عنه في الحديث الذي مضى- ليغسل ويتوضأ، وأن هذا سائغ -أي: إحضار الماء للمتوضئ، وصبه عليه، والمتوضئ يوضئ نفسه - وقد جاءت به السنة، أما كونه يوضئ غيره؛ يغسل وجهه، ويغسل يديه ورجليه فهذا لم تأت به السنة، إلا إذا كان هناك ضرورة تقتضي هذا، فلا بأس بذلك.[(فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)].لو لم يأت نص على المضمضة والاستنشاق في بعض الأحاديث لما دخلت، ولكن لما جاء ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق تدخل في الوجه، وأنها من ضمنه؛ اعتبرت من الوجه، لكنها قبله.وأبو بكر رضي الله عنه -كما هو معلوم في مناسبات- ذات مرة كان في أول الصلاة، فجاء الرسول وتقدم، فالتفت أبو بكر وإذا الرسول خلفه، فقال له: مكانك، ثم إنه تقهقر وتقدم الرسول وصلى، فلم يكن إماماً للرسول صلى الله عليه وسلم، والمرة الثانية لما كان يصلي بالناس في مرض موته عليه الصلاة والسلام، فجاء وجلس على يسار أبي بكر، فصار الرسول هو الإمام وأبو بكر واقف عن يمينه يبلغ الناس، أي: الرسول يكبر وأبو بكر يكبر يبلغ الناس، فلم يؤم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي أمَّه في ركعة واحدة هو عبد الرحمن بن عوف كما جاء في الصحيحين وغيرهما، ولهذا أبو نعيم في معرفة الصحابة، كان من عادته إذا بدأ بالترجمة للصحابي يأتي بكلام مسجوع، فيه ثناء على ذلك الصحابي، وذكر شيء من مناقبه، ثم بعد ذلك يبدأ بذكر الأحاديث التي تتعلق به بأسانيده، فقال عن عبد الرحمن بن عوف: إمام المصطفى. وكما هو معلوم الغسل يتكرر، وأكثر المعروف من فعل الرسول وعادته أنه يكرر الغسل للوجه، ولليدين، وللرجلين، يعني: أكثر ما كان يفعل الرسول أنه يغسل ثلاثاً ثلاثاً، فيمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم غسل مرة واحدة، ثم بعد ذلك لما نزع الجبة وأخرج يديه من تحتها غسل وجهه، فيكون كرر الغسل؛ لأنه أول غسل، أي: بدأ بالغسل قبل أن ينزع الجبة، وبعد ذلك غسل الوجه بعد أن أخرجهما من الجبة, ومعناه: أنه كرر غسل الوجه.(فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا) أي: ما فاتنا وسبقنا، فأول صلاة المسبوق ما يدركه؛ لأنه إذا جاء مع الإمام وهو يصلي فيعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه بعد فراغ إمامه آخر صلاته، والحديث ورد في ذلك: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فكلمة: (فأتموا) واضحة في أن ما يأتي به الإنسان بعد السلام هو آخر الصلاة، وليس أول الصلاة، ورواية: (أتموا)، أكثر رواة وأصح؛ وجاء في رواية: (اقضوا)، و(اقضوا) أيضاً تتفق مع (أتموا)؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الإتمام، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12]، يعني: أتم خلقهن، فتتفق رواية: (اقضوا)، مع رواية: (أتموا).وبعض العلماء يقول: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه أول صلاته، ويستدل برواية: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)، يعني: أن الذي أدركه هو آخر الصلاة، والذي يقضيه هو أول الصلاة، لكن القول بأن ما يدركه أول الصلاة، وما يقضيه آخر الصلاة متفق مع رواية: (فأتموا). والمحصل: أنه لو دخل الإنسان في الصلاة، فأول ما يفعله يكون أول صلاته، وليس آخر صلاته، وهنا يقول: (فصلينا ما أدركنا)، فيكون أول صلاتهم، (وقضينا ما سبقنا)، يعني: أننا أتينا بالذي سبقنا به والذي فاتنا، فيكون هو آخر الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صفة الوضوء
قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].هو: محمد بن إبراهيم بن صدران البصري المؤذن، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ورمز لكونه من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، بدون ابن ماجه، فهؤلاء خرجوا حديثه ورووا له في كتبهم. [عن بشر بن المفضل].بشر بن المفضل هو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، و(إليه المنتهى) هذه من صيغ التعديل القوية الرفيعة؛ أي: من أرفع وأعلى صيغ التعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن عون].هو عبد الله بن عون، وهو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عامر الشعبي].عامر يأتي لأول مرة، وهو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو مشهور باسمه وبنسبته التي هي الشعبي، وأحياناً يأتي بـالشعبي، وأحياناً يأتي بـعامر، وهو ابن شراحيل، وهو من الثقات، الحفاظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن المغيرة].هو عروة بن المغيرة بن شعبة، وقد سبق ذكره، وأنه ثقة من رجال الجماعة.[عن المغيرة].يعني: عن أبيه المغيرة، وأبوه المغيرة سبق ذكره، وحديثه في الكتب الستة، وذكر عن ابن عون طريقين، هذه هي الطريق الأولى: ابن عون يروي عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة، وطريق أخرى: عن ابن عون يرويها عن محمد بن سيرين عن رجل عن المغيرة. وابن سيرين من الثقات، الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.والرجل المبهم هنا ذكر الحافظ ابن حجر في باب المبهمات في آخر التقريب وتهذيب التهذيب أن اسمه: عمرو بن وهب الثقفي. ابن حجر في آخر كتاب التقريب، وآخر كتاب التهذيب ذكر أسماء المبهمين بترتيب أسماء الذين رووا عنهم؛ يعني الآن هنا محمد بن سيرين هو الراوي عن المبهم، وذكر أسماء الرواة عن المبهمين على حروف المعجم، فيقول مثلاً: ذكر محمد بن سيرين، ثم المواضع التي جاء ذكر من يروي عنه مبهماً، ومنها هذا الموضع، قال: روى عن رجل عن المغيرة في المسح على الخفين، وقال: هو عمرو بن وهب، وكان قد قال: إنه لم يستقص في هذا الباب كل من أبهم في الكتب الستة، وإنما ذكر من سمي أو من عرف اسمه، أما من لم يذكر اسمه ولم يوقف على اسمه فإنه لا يذكره في هذا الباب.إذاً: المبهم هنا هو عمرو بن وهب الثقفي، قال عنه في التقريب: إنه ثقة، وقد خرج له البخاري في القراءة خلف الإمام، وخرج له النسائي. والمحصل أنه لا يؤثر ذكر إبهامه بعد أن عُلم وعرف، ومن المعلوم أنه لو لم يكن معلوماً، أو لم يكن الرجل معروفاً، فإن الحديث من هذا الطريق الموجودة لا يعول عليها، باعتبار أن كل لفظ منه يحتمل أن يكون من المبهم، لكن الحديث موجود من طرق أخرى في الصحيحين وفي غيرها.
كم يغسلان
شرح حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم يغسلان.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان - وهو ابن حبيب- عن شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً)].هنا ثم ذكر النسائي باب: كم يغسلان؛ يعني: الكفين؛ لأن هذه الترجمة تابعة للترجمة التي قبلها، والضمير في التثنية فيها يرجع إلى الكفين اللذين هما موضوع الترجمة السابقة، وهو: غسل الكفين، وهنا المقصود من ذلك عدد الغسلات، كم تغسل الكفان إذا أراد الإنسان أن يبدأ بالوضوء؟ ثم أورد حديث أوس بن أبي أوس أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثاً)، و(استوكف) قيل: هو من الوكف؛ وهو تقاطر الماء، ومنه وكف الماء إذا نزل من السطح؛ يعني: تقاطر الماء، وقالوا: إن المراد بذلك من استوكف؛ يعني: أنه غسل يديه وغسل أعضاءه حتى تقاطر منها الماء.ثم قيل: معناه: أنه غسل يديه خاصة، وقيل: إن معناه ما هو أوسع من ذلك؛ يعني: أنه فعل الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ويدخل ضمن ذلك غسل اليدين، أي: غسل اليدين أولاً، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، وغسل الرجلين، هذه كلها تثلث، وأما مسح الرأس فلا يكرر. وقد جاء في بعض الروايات أو بعض الأحاديث أنه أفرغ على يديه ثلاثاً، وهو حديث عثمان الذي سيأتي بعد هذا، وهو واضح في غسل يديه ثلاثاً؛ لأنه قال: (أفرغ على يديه ثلاثاً)، يعني: من الإناء، فهذا هو الذي فيه النص على الغسل، وأما هنا فقال: (استوكف ثلاثاً)، فهو يشمل اليدين وغير اليدين.
تراجم رجال إسناد حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة]. حميد بن مسعدة قيل عنه في التقريب: إنه صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان وهو ابن حبيب].كلمة: هو ابن حبيب أتى بها من دون تلميذ سفيان؛ لأن تلميذ سفيان لا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يشاء، ولكن إذا كان تلميذه أتى بكلمة واحدة ليس لمن دونه أن يضيف إليها شيئاً؛ لأنه لو أضاف إليها شيئاً لظن أن هذا اللفظ كله لفظ التلميذ، ولما كان الأمر يحتاج إلى بيان، ولكن أتوا بما يدل على أن البيان ممن دون التلميذ، ولهذا يقولون: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، وهكذا من الصيغ التي تستعمل.وسفيان بن حبيب ثقة، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم، ولا البخاري في الصحيح. [ عن شعبة ].هو شعبة بن الحجاج الذي يروي عنه سفيان بن حبيب، هذا هو الإمام المشهور, المحدث المعروف بإمامته، ومعرفته بالجرح والتعديل، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.[ عن النعمان بن سالم ].النعمان بن سالم هو الطائفي، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ابن أوس بن أبي أوس ].هو ابن أوس بن أبي أوس، وابن أوس جاء هنا بهذا اللفظ (عن ابن أوس بن أبي أوس) وجاء في تحفة الأشراف أنه قال: عن النعمان بن سالم (عن ابن ابن أوس) يعني: أنه حفيد؛ وهذا هو المتفق مع جده؛ لأنه قال: عن جده، يعني: ابن ابن أوس، والجد هو أوس، وعلى ما هو موجود هنا مستقيم ليس فيه إشكال، فـابن أوس ابنه يروي عن جده، وهو منسوب إلى جده، ولم ينسب إلى أبيه. وهذا شيء معروف يأتي في التراجم أن الإنسان ينسب إلى جده، وكثيراً ما ينسب الإنسان إلى جده. مثاله: الزهري يقال له: ابن شهاب، وشهاب هذا من أجداده، وهذا جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فــشهاب جد وعبيد الله هو جد الزهري، إذاً: هناك مسافة في نسبه.فإذاً: لا تنافي بين هذا وهذا، فكونه قال: عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده معناه: أنه منسوب إلى جده، أو كما عند المزي في تحفة الأشراف: عن ابن ابن أوس بن أبي أوس، ذكر (ابن) مرتين يعني: أنه حفيد، وذكر أيضاً المزي في تحفة الأشراف قال: المحفوظ أنه عن ابن عمرو بن أوس، يعني: ذكر أبا الراوي عن جده وهو عمرو بن أوس، عن ابن عمرو بن أوس ولم يذكر اسم الراوي الذي هو الحفيد، ولكنه ذكر اسم الأب، وقال: إنه المحفوظ؛ لأنه قال: إن بعض الرواة روى عن عبد الرحمن أو عثمان بن عمرو. وفي سنن البيهقي: عن النعمان بن سالم عن ابن عمرو بن أوس عن جده أوس فهنا ذكر أباه وأنه عمرو، وأنا لم أتحقق من معرفة هذا الراوي الذي هو الحفيد وعن اسمه، حتى الآن لم أقف على تعيينه على التحديد، وعلى ما قيل فيه، وطبعاً هو الراوي وليس الراوي أباه؛ لأن أباه ليس من الرواة، وإنما الراوي هو الحفيد، والألباني في صحيح سنن النسائي قال: إنه صحيح الإسناد، ولكن تعيين هذا الشخص باسمه، ومن هو هذا الحفيد وماذا قيل فيه لم أقف عليه، ولعلي أتمكن من ذلك في المستقبل وأنبه عليه إن شاء الله.وأما أوس بن أبي أوس الراوي فهو صحابي الحديث الذي يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ فاستوكف ثلاثاً).ثم ما يدل عليه الحديث من التثليث سواءً كان لليدين أو لجميع الأعضاء, جاء في بيانه أحاديث صحيحة غير هذا الحديث المجمل، ومنها: حديث حمران عن عثمان الذي بعد هذا، غسل يديه ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، فالتثليث موجود ثابت لأعضاء الوضوء كلها، إلا المسح على الرأس. وأما غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم فبعض العلماء قال بالوجوب، وبعضهم قال بالاستحباب، ولكن بالنسبة للغسل أو بالنسبة للوضوء ليس واجباً الغسل ثلاثاً، لا لليدين ولا لسائر الأعضاء، بل يكفي مرة مرة كما عرفنا ذلك، والزائد على ذلك مستحب.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:00 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(36)
(باب المضمضة والاستنشاق) إلى (باب المبالغة في الاستنشاق)
إن الهدي المنقول عن صاحب الشريعة مداومة المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وأنهما تكونان باليد اليمنى، وجاءت التوسعة في كيفيتهما وصلاً وفصلاً، مع الإشارة إلى قاعدة سد الذرائع في نهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق حتى لا يترتب عليه إفساد صومه.
المضمضة والاستنشاق
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة والاستنشاق.أخبر� �ا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان قال: (رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه اليمنى إلى المرفق ثلاثاً, ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي, ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا, ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه)].هنا أورد النسائي باب المضمضة والاستنشاق، وأورد تحتها حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الذي يرويه عنه حمران بن أبان. وقد (أفرغ على يديه ثلاثاً)، وهذا النص صريح في الترجمة السابقة، لكن هنا تفصيل: أفرغ على يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، يعني: غسلهما خارج الإناء ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق، ولم يذكر التثليث، لكنه جاء في بعض الروايات. ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويده اليمنى ثلاثاً، ثم اليد اليسرى ثلاثاً، ومسح على رأسه، وغسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم رجله اليسرى ثلاثاً، ثم قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه).إذاً: فالحديث دال على مشروعية المضمضة والاستنشاق، ومن العلماء من قال باستحباب ذلك، ومنهم من قال بالوجوب، والأظهر هو القول بالوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين كيفية الوضوء، وبين كيفية ما جاء في آية المائدة في الوضوء بفعله، وأيضاً جاء الأمر بالمضمضة والاستنشاق، وأن يبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً.
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي
قوله: [خبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله].وهو ابن المبارك، وإذا جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله فهو ابن المبارك؛ لأنه راويته. وعبد الله بن المبارك الإمام، المحدث، المشهور، الذي قال عنه في التقريب: إمام، حافظ، ثقة، عالم، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير. وحديثه في الكتب الستة كما عرف.[عن معمر]ومعمر هو: ابن راشد الأزدي نزيل اليمن، وهو الذي يروي عنه عبد الرزاق بن همام كثيراً، وصحيفة همام بن منبه المشتملة على مائة وأربعين حديثاً تقريباً بإسناد واحد: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فـمعمر بن راشد الأزدي هذا هو أحد الثقات، الحفاظ، وحديثه في الكتب الستة .[عن الزهري].هو الإمام، المشهور، وهو من رجال الكتب الستة كما عرفنا ذلك. [عن عطاء بن يزيد الليثي].عطاء بن يزيد الليثي هو من الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حمران].وحمران يأتي لأول مرة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن عفان].وعثمان بن عفان رضي الله عنه هو أمير المؤمنين، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالث الخلفاء الراشدين، وهو صهر الرسول صلى الله عليه وسلم على ابنتيه رقية وأم كلثوم، وصاحب المناقب الكثيرة، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه تستحي منه الملائكة)، وهو من أصحاب الأموال التي استفاد منها أصحابها؛ حيث كان ثرياً، جهز جيش العسرة في غزوة تبوك، جهز فيه ثلاثمائة بعير بأحمالها وعتادها، وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها وقفاً للمسلمين، ومناقبه كثيرة جمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عن الجميع.
بأي اليدين يتمضمض؟
شرح حديث عثمان في صفة الوضوء من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بأي اليدين يتمضمض؟أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن شعيب هو ابن أبي حمزة عن الزهري أخبرني عطاء بن يزيد، عن حمران: (أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل من رجليه ثلاث مرات، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا, ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: بأي اليدين يتمضمض، لما ذكر الترجمة السابقة التي فيها المضمضة والاستنشاق، وأنها مشروعة، ذكر بعد هذه الترجمة باب: بأي اليدين يتمضمض، أي أنه يأخذ ماءً ليتمضمض به بأي اليدين، هل هو باليمنى أو باليسرى؟ وقد أورد حديث حمران عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والمشتمل على بيان أن الماء للمضمضة يؤخذ باليد اليمنى، فقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عثمان الذي سبق ذكره، وفي الباب الذي قبل هذا الباب أورده من طريق أخرى. قال: إن عثمان رضي الله عنه دعا بوَضوء، يعني: دعا بماء يتوضأ به.والوَضوء بالفتح هو: الماء المستعمل الذي يتوضأ به. وأما الوُضوء بالضم فهو: فعل الوضوء، فقد جاء ذكر اللفظين في هذا الحديث ذكر الوَضوء في أوله، ثم قال: (من توضأ وضوئي)، يعني في آخر الحديث، قال (وضوئي).وعثمان رضي الله عنه لما دعا بوضوء أفرغ على يديه فغسلهما ثلاثاً خارج الإناء، ثم أدخل يده اليمنى في الماء وأخذ ماءً للمضمضة, فتمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلاً من رجليه ثلاث مرات، ثم قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: ( من توضأ مثل وضوئي هذا, ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه ).فحديث عثمان رضي الله عنه مشتمل على بيان كيفية الوضوء، وأورده هنا من أجل بيان اليد التي يحصل بها أخذ الماء للمضمضة، وأنها اليمنى كما صرح به في هذا الحديث.قال في آخره: ( من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين )، يدل على أن الوضوء يستحب أن يصلى بعده ركعتان سنة الوضوء، ثم قال: (من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه).وفيه بيان الإقبال على الصلاة وصرف ما يشغل عنها، وإذا هجم على الإنسان هاجس أو خاطر فإنه يدفعه ويكون مقبلاً على صلاته، وبهذا يغفر له ما تقدم من ذنبه، والمراد بالذنوب التي تغفر: الصغائر، أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة، فإذا تاب وصلى الركعتين وقد تاب من جميع الذنوب، فإنها تغفر الذنوب بتوبته وبصلاة هاتين الركعتين، أما الصغائر فإنها تغفر باجتناب الكبائر، وتغفر أيضاً بفعل الصالحات كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في الحديث الآخر: (الصلوات الخمس, والجمعة إلى الجمعة, ورمضان إلى رمضان, كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة الوضوء من طريق أخرى
قوله: [ أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة ].وهو حمصي، خرج له النسائي وحده، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق.[ عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي ].وهو أيضاً حمصي كما أن تلميذه حمصي، وعثمان هذا ثقة، خرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ومسلم ولا الترمذي، وهو ثقة، عابد، ويروي عن شيخه شعيب بن أبي حمزة.[عن شعيب هو ابن أبي حمزة].وشعيب بن أبي حمزة هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويقال: إنه من أثبت أصحاب الزهري، وهؤلاء الثلاثة يأتي ذكرهم لأول مرة في سنن النسائي، وهم: أحمد بن محمد بن المغيرة وعثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة، وكلهم من أهل حمص. [عن الزهري].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الذي هو أبو قصي بن كلاب. وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات، الحفاظ، المعروف بالفقه والحديث.[أخبرني عطاء بن يزيد].هو الليثي كما ذكر قبل، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حمران].هو ابن أبان مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عن عثمان وعن الصحابة أجمعين، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات، وهو الذي يروي عن عثمان بن عفان صفة الوضوء التي فعلها عثمان وقال: إنه يتابع فيها وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: إن الرسول توضأ وضوئي هذا، ثم قال: ( من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه ).قال في الرواية السابقة: (نحو وضوئي)، وفي هذه قال: (مثل وضوئه).معلوم أن (المثل) يعني: معناه المشابهة والمطابقة، وأما (نحو) فإنها المقاربة، يعني: قريب منه، قريب من أن يشبهه، هذا هو المراد بـ(نحو) والمراد بـ(مثل). ومن المعلوم أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه توضأ وضوءاً تابع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل كما عمل رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن الحديث مخرجه واحد، فإحدى الروايتين إنما هي بالمعنى.
اتخاذ الاستنثار
شرح حديث: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اتخاذ الاستنثار.أخبرن� � محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد ح وأخبرنا الحسين بن عيسى حدثنا معن عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اتخاذ الاستنثار، يعني: فعله في الوضوء، والاستنثار هو: إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله فيه بالاستنشاق؛ وذلك لتنظيفه وإخراج ما فيه من وسخ، والاستنشاق هو: إدخاله وجذبه بريح الأنف، فالاستنشاق والاستنثار يتعلقان بالأنف، وتقدم ذكر المضمضة والاستنشاق، وهنا قال: اتخاذ الاستنثار .وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)، فقوله: (فليجعل في أنفه ماء)، هو الاستنشاق، ثم قال: (ثم ليستنثر)، هو إخراجه من الأنف، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، أي: كونه دالاً على فعل الاستنثار.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].النسائي له شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة، وقد مر ذكر رواية النسائي عن محمد بن منصور قبل هذا الحديث، وذكرت أن الأقرب والأظهر منهما: أنه محمد بن منصور المكي الملقب بـالجواز، فهو أقربهما؛ وذلك أنه مكي وسفيان بن عيينة مكي، ومن المعلوم أن من يكون له علاقة بشيخه إما أن يكون معروفاً بإكثار الرواية، أو لكثرة الاتصال والعلاقة به، فإنه إذا أُهمل يكون تعيينه بمعرفة هذه الملابسات، وهذه العلاقة التي يتميز بها عن زميله وقرينه في الطلب. ومحمد بن منصور الثاني فهو طوسي كوفي، فيكون الأقرب والأظهر في التعيين بأن يكون المكي الملقب بـالجواز وهو شيخ النسائي في هذا الحديث، وفيما يأتي من الأحاديث في الرواية عن سفيان بن عيينة ويكون غير موضح بأنه الجواز؛ فإنه يحمل عليه. محمد بن منصور الجواز خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب سواه.[سفيان].سفيان المهمل هنا هو ابن عيينة، وكل من محمد بن منصور، وابن عيينة مكي.إذاً: فـسفيان الذي أهمل هنا ولم يذكر هو ابن عيينة، وقد سبق أن مر ذكره، وأنه من الثقات، الحفاظ، ثقة، حافظ، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو الزناد].هو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب على صورة الكنية وليست كنيته، وكنيته أبو عبد الرحمن، ولقبه أبو الزناد، وهو من الثقات، الحفاظ، وحديثه مخرج في الكتب الستة.[أخبرنا الحسين بن عيسى].ثم قال: ح، و(ح) هذه معناها التحويل من إسناد إلى إسناد، وقد ذكرت فيما سبق أن النسائي يقل من استعمالها ولا يكثر منها، وأن عمله يشبه عمل البخاري؛ لأنه قليل التحويل؛ حيث لا يحتاج إليه، وكذلك النسائي قليل التحويل؛ لأنه لا يحتاج إليه، وذلك أنه يكثر الأبواب، ويأتي بالأحاديث بطرق مختلفة للاستدلال بها على موضوعات في تراجم، وهذا يفيد أنهما عمدا إلى أن يكون كتاباهما كتابي فقه وحديث، وكتابي رواية ودراية، فكان الحديث الذي يأتي بطرق مختلفة يذكرانه في مواضع متعددة من أجل الاستدلال به على موضوعات مختلفة، بخلاف مسلم؛ فإنه يذكر الأحاديث في مكان واحد فيحتاج إلى أن يستعمل التحويل. وهنا يقول: ح، وفائدة ذكر (ح): حتى لا يظن أن الأسانيد متصل بعضها ببعض من حيث أن ما يكون بعدها يكون سابقاً لما قبلها؛ لأنها تعني الرجوع إلى بدء إسناد آخر؛ لأن أبا الزناد يروي عن الأعرج، والأعرج يروي عن أبي هريرة، والذي بعد (ح) يروي عنه النسائي، فهو إشارة إلى رجوع إلى شيخ آخر، وإلى ابتداء إسناد جديد، فكلمة (ح) تشعر بهذا وتدل عليه. والحسين بن عيسى هو الطائي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو صدوق، صاحب حديث؛ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، يعني مثل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فإن ابن ماجه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا معن].معن هو: ابن عيسى الذي تقدم ذكره، وأنه أثبت أصحاب مالك، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة الذي تقدم ذكره كثيراً، وحديثه في الكتب الستة.[عن أبي الزناد].فالإسناد الأول عالي، والإسناد الثاني نازل؛ لأن الأول بين النسائي وبين أبي الزناد واسطتان هما شيخه محمد بن منصور وسفيان بن عيينة، والثاني بينه وبينه ثلاثة، الحسين بن عيسى الطائي ومعن بن عيسى والإمام مالك، فهو نازل.[الأعرج].فهو لقب لـعبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور به، يأتي ذكره كثيراً بلقبه، كما يأتي ذكره باسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، من رجال أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكره مراراً وتكراراً .في الإسناد المتقدم صحابي الحديث عثمان بن عفان، وأحاديثه في الكتب مائة وستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، وانفرد مسلم بخمسة، أما أبو هريرة فقد سبق أن عرفنا ما له من الأحاديث، وأنها أكثر من خمسة آلاف حديث.
المبالغة في الاستنشاق
شرح حديث: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المبالغة في الاستنشاق.أخبرن� � قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)].هنا أورد النسائي بعد اتخاذ الاستنثار: المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق هو إدخال الماء للأنف بجذبه بالنفس بريح الأنف، والاستنثار هو إخراجه، وهنا الترجمة: المبالغة في الاستنشاق إلا في حال الصيام، وأورد تحتها حديث: لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وإسباغ الوضوء يكون بتثليثه، بحيث يأتي به ثلاثاً ثلاثاً، وأيضاً بدلك الأعضاء باليد حتى يحصل التنظيف، وحتى يحصل التمكن وتكرر وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، فهذه هي المبالغة في الوضوء.وكذلك أيضاً كونه يشرع عند غسل اليدين والرجلين، أيضاً يشرع في العضد وفي الساق، بمعنى: أنه يتجاوز المرفقين والكعبين قليلاً بحيث يدخل فيما بعدهما، وهذا هو أقصى ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ حيث كان يدخل فيهما ويتجاوز الكعبين والمرفقين، ويبدأ بما وراءهما ولا يتعدى ذلك كثيراً، فهذا هو إسباغ الوضوء.والمبالغ� � في الاستنشاق, يعني: جذبه بقوة، لكن استثني من ذلك حال الصيام؛ لأن حال الصيام قد يؤدي إلى وصول ودخول الماء في الفم عن طريق الأنف، ولهذا قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا فيه سد الذرائع؛ لأنه لما كان المبالغة في الاستنشاق ذريعة إلى وصول الماء إلى الحلق عن طريق الاستنشاق، استثنى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في حال الصيام؛ حيث قال: (إلا أن تكون صائماً)، وقد جمع ابن القيم من أدلة سد الذرائع تسعة وتسعين دليلاً أوردها في كتابه إعلام الموقعين، وقال: إن هذا العدد يوافق ما جاء في الحديث من ذكر أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحصاها دخل الجنة).
تراجم رجال إسناد حديث: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)
قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].قتيبة بن سعيد مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الكتب الستة، وهو من الثقات، الحفاظ.[ حدثنا يحيى بن سليم ].هو يحيى بن سليم الطائفي، صدوق، سيء الحفظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن إسماعيل بن كثير ].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وتعليقاً في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة.ثم حول الإسناد فقال: [ وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو الحنظلي المعروف بابن راهويه، وهو من الثقات الحفاظ، ومن الفقهاء، وله كتاب مسند، وطريقته أنه يستعمل لفظ ( أخبرنا ) كما يستعملها النسائي، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[أخبرنا وكيع]. هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، والرؤاسي نسبة إلى قبيلة، والكوفي نسبة إلى بلد، فيقال له: الرؤاسي، ويقال له: الكوفي، وهو محدث، وصاحب تصانيف، وهو من الثقات، الحفاظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سفيان ]. وسفيان هنا غير منسوب، ووكيع يروي عن سفيان الثوري كثيراً، ويروي عن سفيان بن عيينة قليلاً، والأظهر أنه الثوري؛ لأنه أولاً من أهل بلده، أي: من الكوفة، وأيضاً هو معروف بإكثار الرواية عنه وقليل الرواية عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء وكيع عن سفيان غير منسوب فالمراد به سفيان الثوري، وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري الجزء الأول صفحة (204) في إسناد فيه رواية وكيع عن سفيان، وقال: إن القاعدة: أنه إذا كان اثنان متفقان في الاسم، فيحمل على من يكون له خصوصية، بأن يكون مكثراً، قال: وسفيان الثوري له خصوصية، ووكيع له خصوصية بـسفيان الثوري؛ لأنه مكثر عنه.[ عن أبي هاشم ]. أبو هاشم هذا هو إسماعيل، في الطريق الأولى إسماعيل بن كثير ، وكنيته أبو هاشم، ذكره في الإسناد الأول باسمه، وذكره في الإسناد الثاني بكنيته، ولهذا كما قلت: إن معرفة كنى المحدثين مهمة؛ لأن الذي لا يعرف يظن أن أبا هاشم شخص آخر غير إسماعيل بن كثير الموجود في الإسناد الأول، وإذا كان الإنسان يعرف أن إسماعيل بن كثير كنيته أبو هاشم، فإذا جاء مرة في الإسناد باسمه، ومرة في إسناد بكنيته، لا يظن أنه اثنين، وإنما يعرف أنه واحد.أي: الإسناد الثاني أنزل من الأول؛ لأن الأول فيه بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير واسطتان، هما: قتيبة ويحيى الطائفي، والطريق الثاني: فيها إسحاق بن إبراهيم ووكيع وسفيان الثوري، ثلاثة، فهو نازل عنه.[عن عاصم بن لقيط].هو عاصم بن لقيط بن صبرة، وعاصم هذا ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه لقيط بن صبرة صحابي خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.وإذاً هذا الإسناد فيه ثلاثة كلهم روى عنهم البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهم عاصم، وأبوه لقيط، وإسماعيل بن كثير.[عن لقيط بن صبرة].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنه هو أبو رزين العقيلي، وسبق أن مر بنا واحد من التابعين كنيته أبو رزين، وهو مسعود بن مالك الأسدي، وهذا صحابي كنيته أبو رزين، وهو لقيط بن صبرة، وله أربعة وعشرون حديثاً، وليس فيها شيء في الصحيحين.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:08 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(37)
باب الأمر بالاستنثار - باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم
من رحمة الشريعة أنها جاءت بتحقيق المصالح للعباد، ومن ذلك أن أمرت بالاستنثار وهو: إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله، لتنظيفه حساً كالحال في الوضوء، ومعنىً في حق من قام من النوم مع بيان العلة من كون الشيطان يبيت على خياشيمه.
الأمر بالاستنثار
شرح حديث: (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأمر بالاستنثار:أخبر� �ا قتيبة عن مالك (ح) وأخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر) ].يقول النسائي رحمه الله: الأمر بالاستنثار، وهذه الترجمة هي المتعلقة بالاستنثار، وعرفنا فيما مضى أن الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله بواسطة جذبه بريح الأنف وهو ما يسمى بالاستنشاق، وهذه الترجمة معقودة لبيان الأمر بالاستنثار في الوضوء، ومن المعلوم أن المضمضة والاستنشاق مطلوبة في الوضوء، والاستنشاق يكون معه الاستنثار، وكل من المضمضة والاستنشاق واجب عند بعض العلماء، ومستحب عند بعضهم. وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر)، وهذا اللفظ مشتمل على الأمر، وهو ما ترجم به المصنف؛ لأنه قال (من توضأ فليستنثر)، فهو أمر بالاستنثار، وقوله عليه الصلاة والسلام: (ومن استجمر فليوتر)، أمر بالإيتار عند الاستجمار، وسبق في الأبواب الماضية بيان الإيتار عند الاستجمار، وأن ذلك سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أنه ورد في كثير من الأعمال الأمر بالإيتار، والإرشاد إليه، وهذا منه، وقد تقدم ذكره، وقد أعاد المصنف هذا الحديث من أجل اشتماله على الأمر بالاستنثار، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (من توضأ فليستنثر)، وحقيقة الاستنثار إخراج الأوساخ التي تكون في الأنف.
تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ فليستنثر ومن استجمر فليوتر)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلْخ، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره في الأحاديث كثيراً؛ لأن النسائي رحمه الله مكثر من الرواية عن شيخه قتيبة بن سعيد، وقتيبة بن سعيد يروي عن الإمام مالك. والإمام مالك بن أنس هو إمام دار الهجرة، وأحد الحفاظ، وأحد الأئمة في الدين، وممن جمع بين الفقه والحديث، فهو محدث فقيه، وله مذهب اشتهر وانتشر بعناية أتباعه وتلاميذه ومن جاء بعدهم، فإنهم عنوا بجمع فقهه، وبالتأليف فيه ونشره، وهو محدث، كثيراً ما يروي عنه أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره في الأسانيد، وهو أحد السلسلة التي قال فيها الإمام البخاري: إنها أصح الأسانيد، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر، وكتابه الموطأ جمع فيه بين الفقه والحديث. [ (ح) وأخبرنا إسحاق بن منصور].حرف (ح) هذا عرفنا فيما مضى أنه للتحويل من إسناد إلى إسناد، وذلك أن المصنف عندما يذكر إسناداً لا يريد أن يستمر فيه إلى النهاية، ولكن يريد أن يعطف عليه إسناداً آخر، ويذكر له شيخاً آخر، ثم يسند عن هذا الشيخ، ويلتقي الإسنادان الأول والثاني عند شخص معين، وقد يكون أحد الإسنادين عالياً، والثاني نازلاً، وقد يكونانِ متساويين. وأتى بالواو بعد حرف الحاء؛ لأن الإسناد الثاني معطوف على الإسناد الأول، والذي بعد (ح) يعتبر شيخٌ للمصنف. والإسنادان يلتقيان عند الإمام مالك، فالإسناد الأول: يروي فيه النسائي عن شيخه قتيبة بن سعيد عن مالك، والإسناد الثاني: يروي عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، فيكون مالك هو ملتقى الإسنادين، إلا أن الإسناد الأول عال؛ لأن ليس بين النسائي وبين مالك فيه إلا شخص واحد؛ وهو قتيبة بن سعيد. والإسناد الثاني نازل بالنسبة للإسناد الأول؛ لأن بين النسائي وبين الإمام مالك شخصين هما: إسحاق بن منصور، وعبد الرحمن بن مهدي.[أخبرنا إسحاق بن منصور ].إسحاق يأتي ذكره لأول مرة في سنن النسائي، وإسحاق بن منصور يلقب بـالكوسج، وهو ثقة ثبت، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له شيئاً، وهو شبيه بـإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، الذي خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، وهو من الحفاظ، وهو من تلاميذ الإمام أحمد، وممن عني بجمع مسائله، وكذلك تتلمذ على إسحاق بن راهويه، وله عنه مسائل.[حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي، وابن مهدي إمام من أئمة الحديث، وهو من الثقات الحفاظ الأثبات، وقد قال عنه الحافظ ابن حجر: إنه عارف بالرجال والحديث، فهو ممن له كلام في بيان أحوال الرجال. وكما ذكرت أن الذهبي ذكر عنه وعن يحيى بن سعيد القطان: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص، فهو لا يكاد يندمل جرحه، بمعنى: أنهما أصابا الهدف في جرحهما إياه، وهو ممن خرج حديث أصحاب الكتب الستة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس، وقد سبق ذكره.[عن ابن شهاب].هو الزهري، وكما ذكرت مراراً وتكراراً أن الزهري مشهور بصيغتين: إحداهما: الزهري، وهي نسبة إلى جده زهرة بن كلاب. والثانية: ابن شهاب، وهو نسبة إلى جد من أجداده؛ وهو جد جده، شهاب يعتبر جد الزهري هذا؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب جد لـعبيد الله، ولكنه مشتهر بالنسبة إلى جده شهاب، كما أنه مشتهر بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب الذي يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، وهو من الأئمة الحفاظ، وممن خرج حديث أصحاب الكتب الستة، وهو الذي أول من قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، والذي قال فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمر[عن أبي إدريس الخولاني].أبو إدريس الخولاني يأتي ذكره لأول مرة، وهو محدث، فقيه، وهو من محدثي أهل الشام وفقهائها، واسمه عائذ الله، وهو مشهور بكنيته أبو إدريس، وهو معدود في كبار التابعين، وممن روى عن كبار الصحابة، وهو من الثقات، الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. هو الصحابي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فإن الذين عرفوا بكثرة الحديث من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم سبعة، وأكثرهم حديثاً أبو هريرة، والسبعة هم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والحبر كالخدريوجابر وزوجـة النبيوأحاديثه زادت على خمسة آلاف حديث كما ذكر.
شرح حديث: (إذا توضأت فاستنثر وإذا استجمرت فأوتر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فاستنثر، وإذا استجمرت فأوتر) ].هنا أورد النسائي حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فاستنثر، وإذا استجمرت فأوتر)، وهو بمعنى: حديث أبي هريرة المتقدم؛ لأن كلاً منهما مشتمل على الأمر بالاستنثار، وهو ما ترجم له المصنف، وهذا الحديث فيه الأمر بالاستنثار، كما أن حديث أبي هريرة فيه الأمر بالاستنثار.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا توضأت فاستنثر وإذا استجمرت فأوتر)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو شيخه في الحديث الذي قبل هذا. [حدثنا حماد ]. وحماد هنا غير منسوب، وهو يحتمل أن يكون حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد وليس حماد بن سلمة؛ لأن قتيبة إنما روى عنه، ولم يرو عن حماد بن سلمة، فالأمر فيه واضح؛ من جهة أن حماداً هذا المهمل الذي لم ينسب هو حماد بن زيد بن درهم، الذي هو أحد الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والمحصل أنه إذا ذكر حماد غير منسوب، فيحتمل هذا ويحتمل هذا، ولكن ذلك يعرف فيما إذا كان بعض التلاميذ ما روى إلا عن أحدهما كما هنا - فإن قتيبة لم يرو إلا عن حماد بن زيد - فيحمل عليه. فهذه قاعدة: كل ما جاء قتيبة عن حماد فإنه لا يراد به إلا حماد بن زيد. وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال فصلاً عقب ترجمة حماد ذكر فيه تعيين أحدهما عندما لا ينسب؛ وذلك باعتبار التلاميذ، فإن أحدهما يكون مشتركاً، فبعض التلاميذ يروي عن الاثنين، وعلى هذا يحمل على من كان مكثراً عنه، وبعض التلاميذ يروي عن حماد بن زيد، وبعضهم يروي عن حماد بن سلمة، وقد ذكر في هذا الفصل من الذي يروي عن حماد بن زيد، ومن الذي يروي عن حماد بن سلمة عندما لا ينسب أحدهما، فهو فصل مهم؛ لأن الالتباس فيهما كثير، فاحتاج إلى أن ينبه على ذلك. [عن منصور].هو ابن المعتمر، وقد سبق ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن هلال بن يساف].هلال بن يساف، بكسر الياء، ويقال: إساف بالهمزة، وهو ممن خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة، وهو ثقة، وقد سبق ذكره فيما يتعلق بالإيتار عند الاستجمار.[ عن سلمة بن قيس].سلمة بن قيس صحابي، سبق أن مر ذكره في نفس الحديث، فيما يتعلق في ذكر الإيتار عند الاستجمار.
الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم
شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم.أخبرنا محمد بن زنبور المكي حدثنا ابن أبي حازم عن يزيد بن عبد الله أن محمد بن إبراهيم حدثه عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: الأمر بالاستنثار عند القيام من النوم، وقد أورد النسائي فيها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه)، ففيه: الأمر بالاستنثار، ولكنه هنا مقيدٌ بالوضوء، يعني: إذا استيقظ أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه. وجاء في بعض طرق هذا الحديث عند الإمام مسلم، ليس فيه ذكر الوضوء، وإنما هو مطلق، وجاء هنا مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، بمعنى: أن الإنسان إذا قام من نومه يتوضأ ويستنثر. وعلل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإن الشيطان يبيت على خيشومه)، والخيشوم هو الأنف، وقيل: أعلى الأنف. ثم قيل: إن هذا مطلق لكل نائم، كما يقتضيه غير هذا الحديث، وقيل: أنه يخص منه من يكون حصل منه الاحتراز من الشيطان في قراءة آية الكرسي، وما جاء في ذلك، فإن في حديث أبي هريرة في قصة آية الكرسي، وتعليم الشيطان، وتنبيه الشيطان له على ذلك بقوله: ( لا يقربك شيطان ). أعني الشيطان الذي كان يأخذ من الصدقة التي كان موكلاً بها أبو هريرة، ثم قال: هل أعلمك شيئاً ينفعك الله تعالى به؟ فأرشده إلى قراءة آية الكرسي، وأنه لا يقربه شيطان، فمن العلماء من قال: إن هذا في حق من لم يكن له احتراز، وقيل: إن هذا على عمومه، وأن القرب يتفاوت، والرسول صلى الله عليه وسلم علل الأمر في هذا الحديث بقوله: (فإن الشيطان يبيت على خيشومه)، ومعنى هذا: أن الاستنثار فيه تخليص وتنظيف لهذا المكان الذي بات فيه الشيطان.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاث مرات...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن زنبور المكي].محمد بن زنبور المكي هذا صدوق له أوهام، كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، ولم يخرج له من أصحاب الكتب إلا النسائي، وزنبور لقب لأبيه، واسم أبيه جعفر، ولكنه لقب بـزنبور، فهو منسوب إلى أبيه بلقب أبيه، محمد بن زنبور. ] حدثنا ابن أبي حازم[. ابن أبي حازم هو عبد العزيز، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن يزيد بن عبد الله].يزيد بن عبد الله هو ابن الهاد، وهو يأتي ذكره لأول مرة، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة مكثر، يعني: مكثر من رواية الحديث، وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة، ويقال له: ابن الهاد، يعني: هذا لقب وصف به جده أسامة، قيل: لأنه كان يوقد النار في الطريق ليستدل بها السراة في الليل على الطريق ويهتدوا بها، فقيل له: الهاد، أي: الهادي لذلك، ولهذا اشتهر أبناؤه بالإضافة إليه بلقبه، ويقال: ابن الهاد، وهو ثقة، مكثر، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن محمد بن إبراهيم].هو محمد بن إبراهيم التيمي، وهو ثقة، وحديثه في الكتب الستة، وقد سبق ذكره في حديث عمر بن الخطاب: (إنما الأعمال بالنيات)، فإن يحيى بن سعيد الأنصاري يروي ذلك الحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي، ومحمد بن إبراهيم التيمي يروي عن علقمة بن وقاص الليثي، وعلقمة بن وقاص الليثي عن عمر. [حدثه عيسى بن طلحة].عيسى بن طلحة يأتي لأول مرة، وهو عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وأبوه طلحة بن عبيد الله التيمي أحد العشرة المبشرين بالجنة، وابنه عيسى وهو من الثقات، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وطلحة بن عبيد الله صاحب رسول الله له عدة أولاد سماهم بأسماء الأنبياء، ومنهم هذا الذي هو عيسى على اسم عيسى ابن مريم عليه السلام. [عن أبي هريرة].أبو هريرة قد سبق ذكره كثيراً، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:11 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(38)
(باب بأي اليدين يستنثر؟) إلى (باب عدد غسل الوجه)
يستحب في الأشياء التي يستقذر منها أن يستعمل معها اليد اليسرى، ومن ذلك الاستنثار، هذا ويجب غسل الوجه كما بين ذلك الكتاب والسنة، ويستحب غسله ثلاثاً، ويجوز الاقتصار على مرة أو مرتين.
بأي اليدين يستنثر
شرح حديث علي في الاستنثار باليد اليسرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بأي اليدين يستنثر؟أخبرنا موسى بن عبد الرحمن حدثنا حسين بن علي عن زائدة حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه (أنه دعا بوضوء فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب بأي اليدين يستنثر؟سبق فيما مضى أن الاستنشاق هو: إدخال الماء إلى الأنف، وجذبه إلى داخله بواسطة ريح الأنف، وأما الاستنثار: فهو إخراجه منه، وسبق أيضاً أن المضمضة والاستنشاق تكونان باليمين؛ أي: أنه يأخذ الماء للمضمضة والاستنشاق بيمينه؛ فالماء الذي يذهب به إلى فمه للمضمضة، وإلى أنفه للاستنشاق يكون باليد اليمنى، أما الاستنثار الذي هو إخراجه من الأنف فيكون باليد اليسرى، وهذه الترجمة التي معنا معقودة لبيان أن الاستنثار يكون باليد اليسرى؛ لأنه يشبه الامتخاط؛ وهو إخراج المخاط من الأنف، وهو إنما يكون بالشمال؛ لأن الشمال تكون للأشياء المستقذرة، وأما اليمين فتكون للأشياء التي بخلاف ذلك.وأورد النسائي للاستدلال على هذه الترجمة حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه مختصراً؛ لأن حديث علي رضي الله عنه مشتمل على بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام تفصيلاً، ولكنه جاء في بعض الروايات مختصراً؛ للاستدلال به على بعض المسائل كالحال هنا؛ لأنه اختصر فيه على المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وعلي رضي الله عنه دعاء بوضوء، وهو الماء الذي يتوضأ به، فتوضأ وضوءاً كاملاً، ولكن الراوي هنا اختصر على جزء منه، وهو ما يتعلق بالمضمضة والاستنشاق؛ حيث تمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، فعل ذلك ثلاث مرات.والمقصود هنا من إيراد الحديث في هذه الترجمة قوله: (ونثر بيده اليسرى)؛ أي: أن الاستنثار يكون باليد اليسرى، والرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق ثلاث مرات، والاستنثار إنما يكون بعده، وعلي رضي الله عنه وأرضاه توضأ وضوءاً وصف فيه صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وفي آخره قال: (هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم)، فهذه الإشارة راجعة إلى كيفية الوضوء الكاملة، وهنا اختصر على جزء منها وهو الاستنثار باليسرى، وأورد بعده هذه الجملة؛ ليبين أنه مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وطهور بالضم؛ أي: فعله، ومثله: وضوء؛ لأن الطهور والوضوء من الألفاظ التي إذا كانت مفتوحة الأول فإنها تكون للماء المستعمل الذي يحصل به الوضوء، وإذا كانت مضمومة الأول فإنه يراد بها الفعل نفسه، وكما ذكرت -فيما مضى-: أن هناك كلمات تشابه هذه الكلمتين، وذلك مثل: الوُجور، الوَجور وهي لما يوضع في الفم، واللدود، والصعود وهي لما يوضع في الأنف، والطهور والوضوء والسحور، فكل هذه ألفاظ إذا فتحت فهي اسم للشيء الذي يستعمل، وإذا ضمت فهي اسم للعمل وللفعل.
تراجم رجال إسناد حديث علي في الاستنثار باليد اليسرى
قوله: [ أخبرنا موسى بن عبد الرحمن].هو ابن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي، ويقال له: المسروقي نسبة إلى جده مسروق، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه . [حدثنا حسين بن علي].هو حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، عابد، وهو كوفي أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن زائدة].هو ابن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا خالد بن علقمة ].هو خالد بن علقمة الكوفي، ويلقب بأبي حية، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وهو مثل الأول الذي هو ابن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي، إلا أن الأول خرج له الترمذي، وهذا خرج له أبو داود.[عن عبد خير].هو عبد خير بن يزيد الهمداني الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين؛ والمخضرمون: هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ بهم الإمام مسلم إلى عشرين نفساً، ومنهم: عبد خير هذا، ومنهم: الصنابحي الذي قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما بلغ الجحفة قادماً إلى المدينة جاءه الخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: معرور بن سويد، ومنهم: قيس بن أبي حازم، ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة وغيرهم، كلهم يقال لهم: مخضرمون؛ أي: أنهم أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنهم لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وروايتهم عن كبار الصحابة. [عن علي].هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وصهره، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين ابني النبي عليه الصلاة والسلام، وهو صاحب المناقب الجمة الكثيرة، والخصال الحميدة، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
غسل الوجه
شرح حديث علي في غسل الوجه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: غسل الوجهأخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير: (أتينا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد صلى؟ فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع به وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يديه فغسلها ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، ويده الشمال ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب غسل الوجه.وغسل الوجه هو أول فروض الوضوء التي بينها الله عز وجل بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وهنا عقد هذه الترجمة لغسل الوجه، وأورد تحتها حديث علي المشتمل على صفة الوضوء كاملة، ولكنه أورد الحديث بكماله للاستدلال به على غسل الوجه؛ لأن الحديث يدل عليها وعلى غيرها.وأورد فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن عبد خير يروي فيه (أن علياً رضي الله عنه صلى ثم دعا بطهور) أي: دعا بوضوء، (قالوا: ما يصنع به وقد صلى؟) أي: قالوا ذلك في أنفسهم، أو فيما بينهم؛ يعني: إما كل واحد في نفسه قال هذا الكلام، أو أنهم فيما بينهم تكلموا؛ لما دعاء بالوضوء؟ يعني: فيما بينهم يتسارون، قالوا ذلك؛ لأن الأصل أن الوضوء قبل الصلاة، فقالوا: (ما يريد إلا ليعلمنا)، أي: أن هذا الفعل الذي قصده وأراده بعد أن فرغ من الصلاة ما فعله إلا ليعلمنا كيفية وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، هكذا فهموا من عمله، وأن هذا يكون بعد الصلاة؛ لأنه لو كان قبلها فسيكون في وقته المناسب الذي لا يُستغرب، ولكن كونه يكون قد صلى، ثم يدعوا بماء ويتوضأ أمام الناس إنما يكون قصده أن يعلم الناس كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام.وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على بيان السنن، وإيضاحها للناس، وتعليمهم إياها ولو لم يسألوا، فهذا يدل على ما كانوا عليه من الفضل، وعلى الصدق والإخلاص، وعلى قيامهم بتبليغ سنة الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول والفعل؛ أحياناً يكون بالقول، وأحياناً يكون بالفعل، وأحياناً يكون بالقول والفعل؛ لأن هنا علياً رضي الله بين ذلك بالفعل، ثم بين ذلك بالقول بعد الفعل فقال: (من سره...) وهذا هو الذي به تبين أن الحديث مرفوع؛ لأن فعل علي هذا العمدة فيه ما أخذه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما توضأ وهم يشاهدون ويعاينون قال رضي الله عنه: (من سره أن يعلم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو هذا). (فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يديه فغسلها ثلاثاً).هذا فيه أيضاً ما تقدم في الأحاديث السابقة: أنه عندما يريد الوضوء من إناء لا يغمس يده في الإناء ابتداءً، وإنما يفرغ عليها من الإناء فيغسلها خارج الإناء، وبينا -كما سبق- أن هذا مستحب إلا فيما إذا كان في القيام من النوم، فإن فيه خلاف؛ هل هو واجب أو مستحب؟ أما هنا فهو مستحب؛ كونه يغسلها خارج الإناء هو للاستحباب؛ حتى إذا وجد فيها وسخ زال خارج الإناء لا في داخله، ثم بعد ذلك يغمس يده اليمنى، ويخرج منها الماء لإكمال بقية أعضاء الوضوء.(ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء) أي تمضمض واستنشق ثلاثاً من الكف الذي يأخذ به الماء؛ وهي اليد اليمنى، ثم قيل: إن المقصود من ذلك: أن المضمضة والاستنشاق من كف واحدة؛ بمعنى أنه أخذ ماءً فوضع بعضه في فمه فتمضمض به، وبعضه رفعه إلى أنفه فاستنشقه، ثم استنثره، وهذا فيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وقد جاء في بعض الروايات: (أنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً)، فيكون معناه: أنها تفصل المضمضة عن الاستنشاق بأن يكون لكل منهما غرفة؛ لأن الغرفة لهذا غير الغرفة لهذا، وكل هذا صحيح، والأمر فيه واسع. (ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، ويده الشمال ثلاثاً)، الغسل لليدين لكاملهما؛ يعني: بما في ذلك الكف الذي غسله خارج الإناء في البداية؛ لأن ذاك لتنظيفه عن أن يكون به وسخ، أما غسله هنا فهو غسل الواجب الذي هو فرض من فروض الوضوء، فهو يغسل اليدين كاملتين من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلتان؛ لأن الغاية داخلة في المغيا، فالمرفقان مغسولتان مع اليدين. (ومسح برأسه مرة واحدة)، هذا المسح جاء مبين في بعض الروايات؛ أنه يبدأ من مقدم رأسه حتى ينتهي إلى مؤخره، ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه، ففي الحديث قال: ( أقبل بهما وأدبر)؛ يعني: يذهب بهما إلى مؤخر الرأس ثم يأتي بهما إلى مقدم الرأس.وقوله: (ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً).علي رضي الله عنه صرح بالغسل، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غسلهما، وهذا أمير المؤمنين علي الذي تزعم الرافضة بأنهم من أتباعه ومن أحبابه، ويقولون: بأن فرض الرجلين المسح وليس الغسل، فهم في الحقيقة مخالفون لـعلي رضي الله عنه، وإنما الذين يتبعونه ويحبونه ويحبون الصحابة جميعاً هم أهل السنة والجماعة، الذين وفقهم الله عز وجل للحق والهدى والسداد، وأما الرافضة المخذولون فإنهم غلوا في علي وبعض أهل البيت، وجفوا في حق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.ثم أيضاً من علامة هذه الأمة يوم القيامة أنهم يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء، ومن المعلوم أن التحجيل إنما يكون بغسل أعضاء الوضوء -اليدين والرجلين- ويأتون غراً محجلين من أثر الوضوء ومن علامات الوضوء، وكل هذا يبين أن الفرض للرجلين إنما هو الغسل، وليس المسح الذي تزعمه الرافضة.وما يذكر عن ابن جرير الطبري أنه كان يرى المسح وليس الغسل فإن هذا لم يصح عنه، وإنما الذي جاء عنه هو واحد من الرافضة اسمه: أبو جعفر محمد بن جرير، وافق ابن جرير الطبري في كنيته وفي اسمه واسم أبيه، وذاك الرافضي أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم، وقد ذكر الذهبي، وابن حجر العسقلاني في اللسان، والميزان ترجمة الاثنين: الإمام من أهل السنة، وابن جرير الرافضي الذي هو صاحب الكلام في هذه المسألة، فالمصيبة أو البلية التي حصلت أن ظن بعضهم أن ابن جرير الطبري هو الذي يُحكى عنه المسح في الرجلين، وفي الحقيقة إنما هو ذاك الرافضي.ومن المعلوم أن الرافضة عقيدتهم في الأصول مباينة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وأعظم ما ابتلوا به أنهم أخذوا دينهم من الأئمة الإثني عشر، أولهم علي رضي الله عنه، وآخرهم صاحب السرداب، فعقيدتهم مأخوذة من هؤلاء، وما جاء عن الصحابة لا يعولون عليه؛ لأنهم يعولون على ما جاء عن المعصومين، وهم الأئمة الاثنا عشر، فعقائدهم وأصولهم وفروعهم مأخوذة من هذا المنهج.إذاً: فهم مباينون لأهل السنة تمام المباينة؛ ولهذا فهم يبغضون الصحابة ويسبونهم، وفي مقدمتهم أبو بكر, وعمر, وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع. وقد قال أبو زرعة الرازي، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، وكلامه موجود في الكفاية للخطيب البغدادي: (إذا رأيتم من ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, فاعلموا أنه زنديق، وذلك أن الكتاب حق، والرسول حق، وإنما بين لنا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة)، وكلامه في غاية الوضوح؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، والكتاب والسنة إنما عرفناهما عن طريق الصحابة، فإذا قدح القادح في الصحابة فقد قدح في الكتاب والسنة.
تراجم رجال إسناد حديث علي في غسل الوجه
قوله: [ أخبرنا قتيبة].قتيبة هذا تكرر ذكره في سنن النسائي كثيراً، وهو أول شيخ روى عنه في سننه، وكثير من الأسانيد التي مرت بنا جاء فيها ذكر قتيبة بن سعيد، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو عوانة].هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته، ومن الأمور المهمة في معرفة علوم الحديث: معرفة أصحاب الكنى، وفائدة هذه المعرفة: ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين؛ إذا ذكر مرة بكنيته، ومرة باسمه، فالذي لا يعرف أن الوضاح بن عبد الله اليشكري كنيته أبو عوانة، لو جاء أبو عوانة في إسناد، والوضاح بن عبد الله في إسناد آخر، يظن أن هذا غير هذا. وقد مر بنا قريباً أبو هاشم إسماعيل بن كثير، في إسنادين متجاورين؛ في أولهما اسمه، وفي الثاني كنيته، فالذي لا يعرف الكنية لهذا الرجل يظن أن أبا هاشم غير إسماعيل بن كثير. وأبو عوانة هذا هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وذكرت -كما سبق- أن من العلماء المحدثين من يوافقه في الشهرة وفي الكنية، وهو أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني صاحب المسند، أو المستخرج، أو الصحيح، يقال له ثلاثة أسماء؛ المستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، وكانت وفاته سنة 316هـ؛ لأنه متأخر عن هذا، فإن هذا في القرن الثاني، وذاك وفاته في القرن الرابع الهجري، فإذا قيل: صحيح أبي عوانة، أو أخرجه أبو عوانة، أو رواه أبو عوانة، فالمراد به يعقوب بن إسحاق، أما إذا جاء في أثناء أسانيد الأحاديث في الكتب الستة، فالمراد به الوضاح بن عبد الله اليشكري، الذي يروي عنه قتيبة بن سعيد في هذا الإسناد.والإسنا� � الذي قبل هذا مسلسل من رواة الكوفيين؛ لأن كله كوفيون من أوله إلى آخره، قال فيه: موسى بن عبد الرحمن، وهو كوفي، يروي عن حسين بن علي الجعفي، وهو كوفي، يروي عن زائدة بن قدامة، وهو كوفي، وزائدة يروي عن خالد بن علقمة، وهو كوفي، يروي عن عبد خير، وهو كوفي، يروي عن علي، وهو كوفي، فيقال: مسلسل بالرواة الكوفيين، والمسلسل عند العلماء هو: الذي يتفق الرواة في الإسناد في صفة كما في الإسناد السابق، أو يكون كلهم مثلاً مصريين، أو مسلسل بصيغة من الصيغ، أو بأي صفة من الصفات يتصل بها الرواة.أما الإسناد الذي معنا؛ فـقتيبة بن سعيد يروي عن أبي عوانة، وأبو عوانة يروي عن خالد بن علقمة، وعند ذلك يتلاقى مع الإسناد السابق.[ عن خالد بن علقمة ]. هو خالد بن علقمة الكوفي صدوق، وهو من رجال أبي داود، والنسائي، وابن ماجه .وعبد خير ثقة، ومن أصحاب السنن الأربعة، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
عدد غسل الوجه
شرح حديث علي في عدد غسل الوجه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: عدد غسل الوجه.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله وهو ابن المبارك عن شعبة عن مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه: (أتي بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بتور فيه ماء، فكفأ على يديه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق بكف واحد ثلاث مرات، فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، وأخذ من الماء فمسح برأسه -وأشار شعبة مرة من ناصيته إلى مؤخر رأسه، ثم قال: لا أدري أردهما أم لا؟- وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره). وقال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب خالد بن علقمة وليس مالك بن عرفطة ]. هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب عدد غسل الوجه؛ لأنه في الترجمة الأولى لغسل الوجه، وهي مشتملة على أن الوجه يغسل ثلاث غسلات، وهنا أتى بالترجمة من أجل عدد غسلات الوجه، وأنها ثلاث غسلات، فأورد حديث علي بطريق أخرى؛ ليستدل به على العدد، وهو مشتمل على ما ترجم له، والأول استدل به على أصل الغسل وهو مشتمل عليه، إلا أنه على عادته -كما عرفنا- يعدد التراجم، ويأتي بأحاديث تحتها، وتكون تلك الأحاديث بينها فروق؛ إما في الإسناد، أو في المتون، أو فيهما جميعاً. وهنا الحديث فيه تفاوت في الإسناد، وفيه أيضاً تفاوت في المتن، وكل من الاثنين يدل على غسل الوجه ثلاثاً، إلا أن الترجمة الأولى لأصل غسل الوجه، والثانية لعدد غسلات الوجه، ومن المعلوم أن التثليث في غسل أعضاء الوضوء جاءت به السنة، وهو أفضل صفات الوضوء وأكملها؛ وهي: ثلاثاً ثلاثاً، ويجوز اثنتين اثنتين، ويجوز مرة مرة، وقد جاءت بذلك كله السنة، كما يجوز التفاوت؛ بأن يكون بعضها يغسل مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، فكل هذا سائغ وجائز، وقد جاءت به السنة، لكن أكملها أن يكون الغسل ثلاثاً.
تراجم رجال إسناد حديث علي في عدد غسل الوجه
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، راوية عبد الله بن المبارك، ويلقب بـالشاه، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله].هو ابن المبارك، هو من دون سويد بن نصر، كما سبق أن عرفنا ذلك؛ لأن سويد بن نصر لا يحتاج أن يقول هو، وإنما يقول: فلان وينسبه كما يشاء، لكن لما كان سويد بن نصر تلميذه ذكره باسمه فقط، ولم يذكر اسم أبيه، فالذي دونه إما النسائي، أو من دون النسائي، قالوا: هو ابن فلان من أجل الإيضاح والبيان.وعبد الله بن المبارك هو أحد الأئمة الكبار، والثقات الحفاظ، وممن جمعوا بين العلم والعبادة، وقد قال عنه الحافظ في التقريب كما ذكرت مراراً قال: حافظ، متقن، حجة، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، فهو ثناء عظيم على هذا الإمام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة].هو ابن الحجاج، وأمير المؤمنين في الحديث، ومن الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى وأرفع صيغ التعديل، وأمراء المؤمنين في الحديث جمعهم بعض العلماء المتأخرين -وهو محمد بن الحبيب الشنقيطي- ونظمهم في أبيات، ومنهم شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغيرهم.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:13 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(39)
- باب صفة الوضوء - باب عدد غسل اليدين
بين الشرع صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وكيفيته، وما يتعلق به من المسائل والأحكام، وقد نقل الصحابة ذلك كله، وكان من طرائقهم لتعليم الناس تطبيق الوضوء بالفعل، حتى يكون أبلغ في البيان والاتباع.
صفة الوضوء
شرح حديث علي في صفة الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صفة الوضوءأخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج قال ابن جريج: حدثني شيبة أن محمد بن علي أخبره قال: أخبرني أبي علي، أن الحسين بن علي قال: (دعاني أبي علي بوضوء فقربته له، فبدأ فغسل كفيه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في وضوئه، ثم مضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم مسح برأسه مسحة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم قام قائماً فقال: ناولني، فناولته الإناء الذي فيه فضل وضوئه، فشرب من فضل وضوئه قائماً، فعجبت، فلما رآني قال: لا تعجب، فإني رأيت أباك النبي صلى الله عليه وسلم يصنع مثل ما رأيتني صنعت، يقول لوضوئه هذا وشرب فضل وضوئه قائماً).يقول النسائي رحمه الله: باب صفة الوضوء.وأورد فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من إحدى الطرق التي جاءت عن الإمام علي رضي الله عنه، والتي هي مشتملة على بيان صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الطريق التي أوردها النسائي هنا هي من طريق أهل البيت، وهي من طريق محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر، عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.والحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: إن أباه علي رضي الله عنه أمره: بأن يأتي له بوضوء، فجاء بالوضوء فأفرغ على يديه من الإناء ثلاث مرات، فغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم مسح برأسه واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم قام وطلب منه أن يناوله ما بقي من الماء، فشرب وهو قائم، فرآه الحسين، وظهر له منه التعجب من صنيعه، وهو أنه شرب قائماً، فقال: لا تعجب، فإن أباك النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وشرب قائماً، ويشير بذلك إلى صفة الوضوء، وإلى كونه شرب من بقية وضوئه قائماً ،ولكونه عليه الصلاة والسلام توضأ هذا الوضوء الكامل، الذي ثلث فيه الأعضاء، إلا الرأس فإنه جاء فيه أنه مسح مرة واحدة، ثم شرب وهو قائم، وقال: إن أباك النبي عليه الصلاة والسلام فعل مثل ما صنعت، مشيراً إلى فعله الوضوء، وإلى شربه قائماً بعد أن فرغ من الوضوء.وهذه الكيفية التي جاءت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، مشتملة على صفة الوضوء، وعلى أكمل صفاته، وهي التثليث في الأعضاء المغسولة من البداية حتى النهاية إلا ما يمسح فإنه أشار إلى مسحه مرة واحدة.وهذه الصفة التي هي التثليث هي أكمل صفات الوضوء، ولا يزاد عليها، وإنما يقتصر على هذا العدد، ولا يتجاوزه بإضافة غسلات أخرى أكثر من الثلاث؛ لأنه هو الذي جاء في السنة.ومما اشتملت عليه هذه الكيفية التي جاءت عن أمير المؤمنين علي، ويرويها عنه ابنه الحسين بن علي، وعلي بن الحسين يروي عن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي يروي عن أبيه علي بن الحسين، فهذا الإسناد الذي فيه أربعة من أهل البيت، ومن أئمة أهل البيت، علي، وابنه الحسين، وابن ابنه علي بن الحسين، وابن ابن ابنه محمد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عن علي ورحمة الله على الجميع، بهذه الكيفية مشتملة على أن علياً رضي الله عنه حكى كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ورجله اليسرى بعد ذلك إلى الكعبين ثلاثاً، وحدد ذلك بالكعبين، وأن الرجل الواحدة لها كعبان، وهذا يدلنا على ما ذهب إليه أهل السنة قاطبة، من أن فرض الرجلين، إنما هو الغسل وليس المسح، بخلاف ما عليه الرافضة الذين يقولون: إن فرضهم المسح وليس الغسل، فهذا علي وأبنائه يروون عنه، مسلسل بأربعة من أهل البيت، فهذه هي السنة، وأن الرجلين مغسولتان إلى الكعبين، وحديث علي رضي الله عنه يقول: غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين، ففيه أن لكل رجل كعبان، وأن نهاية الغسل إنما هو الكعبان، ففرض الرجلين هو الغسل إلى الكعبين، وليس المسح إلى كعب واحدة، وهي التي تكون في ظهر القدم.وهذه الصفة كما يرويها علي يرويها غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ويل للأعقاب من النار).والأعقاب: هي مؤخرة القدم، حيث ينبو عنها الماء، فإنه رأى جماعة من أصحابه يتوضئون، وإذا ببعض الماء قد نبأَ عن أجزاء من العقب، فقال عليه الصلاة والسلام: (ويل للأعقاب من النار)، وهذا يدلنا على أن فرض الرجلين الغسل وليس المسح.ثم أيضاً ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أمتي يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء) يعني: هذا الماء الذي أصاب الأقدام، والأرجل، وأصاب الأيدي، يكون علامة لهم يوم القيامة يعرفون بها، والرافضة يخالفون هذه السنة، وهذا الفرض الذي رواه الإمام علي رضي الله عنه، ورواه غيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويقعون في ما حذر منه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: (ويل للأعقاب من النار)، ويعملون على أن لا يكون الواحد منهم ممن يأتي يوم القيامة غراً محجلاً، وهي علامة أمة محمد عليه الصلاة والسلام، والتي يعرف أصحابه بها؛ ذلك لأنهم لا يغسلون أرجلهم.ثم إنه ورد في بعض طرق الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام، يذاد عن حوضه أناس، فيقول: (أصحابي أو أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، ويجعلون هذا حجة في أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده ارتدوا، أو فسقوا، أو ما إلى ذلك مما يقولونه، وهم في الحقيقة حقيقون وحريون بأن يذادوا عن الحوض؛ لأنهم لا يغسلون أرجلهم، وليست فيهم علامة أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وهي أنهم يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء.فهذا الحديث الذي جاء عن علي رضي الله عنه واضح الدلالة على ما كان عليه أهل الحق، أهل السنة والجماعة، المتابعين للنبي عليه الصلاة والسلام، والذين يحبون رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويحبون أصحاب رسول الله جميعاً، ويحبون من كان من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، من الصحابة، يحبونه لصحبته ولقرابته، وكذلك من كان من أهل بيته من الأبرار الأتقياء، يحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.أما من كان من أهل البيت بعيداً عن الحق والهدى؛ فإن هذا يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وهو حديث صحيح, رواه الإمام مسلم في صحيحه ضمن حديث طويل.
تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة الوضوء
قوله: [ أخبرنا إبراهيم بن الحسن المقسمي].وهو إبراهيم بن الحسن المصيصي، ويقال له: المقسمي كما ذكره النسائي هنا، وقد تقدم ذكره مراراً، يروي عنه النسائي، ويقول فيما مضى: أخبرنا إبراهيم بن الحسن، وهنا زاد المقسمي، وهو المصيصي، وهو ثقة، خرّج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.وحجاج هنا غير منسوب، وهو: حجاج بن محمد المصيصي، الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، في أحاديث يروي فيها إبراهيم بن الحسن عنه، والاثنان مصيصيان، فـإبراهيم بن الحسن المصيصي، وشيخه حجاج بن محمد أيضاً مصيصي، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ قال ابن جريج].هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، مشهور، وقد مر ذكره فيما مضى أنه يروي عنه حجاج بن محمد المصيصي، فـعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي هو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة. [ حدثني شيبة ].وشيبة هذا غير منسوب، وهو شيبة بن نصاح المدني، وهو ثقة، لم يخرج له من أصحاب الكتب إلا النسائي، كما أنه لم يخرج له النسائي إلا هذا الحديث الواحد، فلا يأتي ذكر هذا الرجل في سنن النسائي إلا في رواية هذا الحديث عن علي في بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، فهو ممن انفرد النسائي بالإخراج له.[ أن محمد بن علي أخبره ].وهو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو ثقة فاضل، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الأئمة الإثني عشر عند الرافضة الذين يبالغون في الغلو بهم، بل يرفعونهم فوق منازل الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، وهذه المقالة ليست مما يضاف إليهم؛ يعني: مما أضيف إليهم، أو اُلصق بهم، وهم براء منه، فإنه موجود، فهذا الكلام موجود في كتاب زعيم كبير لهم في هذا العصر، هلك قبل ثلاث سنوات، وهو: الخميني، فإنه قال في كتابه: (الحكومة الإسلامية)، وفي صفحة (52) من نفس الكتاب، يقول: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.فهذا كلام الخميني الموجود في كتابه الذي هو معروف ومشاهد، ومنتشر في أرجاء الأرض، فهذا الكتاب مشتمل على هذا الكلام الذي يرفع فيه الأئمة الإثني عشر فوق منزلة الملائكة والأنبياء، وإذا كان هذا كلام زعيمهم الكبير، ومرجعهم الأعلى، وآيتهم العظمى؛ فإذاً الأتباع تبعاً لهذا المتبوع الذي هذا كلامه، وهذا افتراؤه في غاية البطلان.] أخبرني أبي علي [.أبوه علي، وهو زين العابدين علي بن الحسين، وهو من فضلاء أهل البيت، ومن خيارهم، ومن زهادهم وعبادهم، وهو ثقة، وحديثه في الكتب الستة. [ أن الحسين بن علي قال ].وعلي بن الحسين يروي عن أبيه الحسين بن علي سبط رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو أحد السبطين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة)، كما جاء في ذلك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهو ابن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ابن بنته، وابن البنت ابن، وعلي رضي الله عنه قال له: إن أباك النبي صلى الله عليه وسلم، قال له لما رآه يتعجب من شربه قائماً، قال: إن أباك النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، والحسين هو أحد الصحابة الكرام، والصحابة كما عرفنا لا يحتاجون إلى أن يقال في واحد منهم: ثقة، أو هو كذا، يكفيه شرفاً وفضلاً أن يقال: إنه صاحب رسول الله، وهذا جمع بين الصحبة والقرابة والبنوة من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو صحابي، سبط، وهو ممن شهد له بالجنة. [ دعاني أبي علي ].وعلي أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان، أفضل ممن مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، ولهذا قالوا في ترجمته لما قتل في عام (40): وهو خير الأحياء من بني آدم على وجه الأرض؛ يعني: في زمان وفاته، وفي وقته الذي كان الخليفة فيه، لم يكن في زمان خلافته من هو أفضل منه، ممن هو على بني آدم؛ لأنه لا يسبقه بالفضل إلا أبو بكر، وعمر، وعثمان، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وهو صهر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزوج ابنته فاطمة، وهو أول من أسلم من الصبيان، وترعرع في حضن الرسول عليه الصلاة والسلام، وتربى على يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن علي، وعن الصحابة أجمعين.وهذا الإسناد كما ذكرت فيه أربعة من أهل البيت: علي رضي الله عنه، وابنه الحسين بن علي رضي الله عنه، وابن ابنه علي بن الحسين رحمة الله عليه، وابن ابن ابنه محمد بن علي بن الحسين بن علي رحمة الله عليه، فالإسناد فيه أربعة من أهل البيت، صحابيان وتابعيان، فالصحابيان هما: علي وابنه الحسين، والتابعيان وهما: علي بن الحسين، وابنه محمد بن علي بن الحسين، رحمة الله على الجميع.
معتقد أهل السنة والجماعة في آل البيت
وأهل السنة والجماعة من توفيق الله عز وجل لهم أنهم يحبون الصحابة جميعاً، فيحبون أهل البيت، ومن كان منهم صحابياً أو مؤمناً فإنهم يحبونه لإيمانه ولقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن كان منهم صحابياً فيحبونه لصحبته ولقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم يحبونهم، ويعظمونهم، ويعرفون منازلهم، (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)، فهم يحبون الله ورسوله، ويحبون ما يحبه الله ورسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكنهم لا يغلون ولا يجفون لا يزيدون ولا يتجاوزون الحدود، لا يجفون فيقدحون بهم، ويتكلمون فيهم بغير الذي يثبت أو يضاف إلى من يضاف منهم.فرضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم يحبونهم ويتولونهم جميعاً، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهواء والتعصب، ومعولهم في ذلك كله على الأدلة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
حكم الشرب قائماً
أما الشرب قائماً، فقد جاء في هذا الحديث أن علياً رضي الله عنه شرب فضل وضوئه قائماً، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه شرب من زمزم قائماً)، وقد جاءت أحاديث تنهى عن الشرب قائماً، وجمع بينها العلماء بأن الفعل دال على الجواز، والنهي دال على كراهية التنزيه وليس على التحريم، وأن الأولى بالإنسان أن يشرب جالساً، وإن شرب قائماً فإنه لا بأس بذلك، فكل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الأكثر والمعروف من عادته أن يشرب جالساً، وشربه قائماً جاء في بعض المواضع وهو دال على الجواز.
مكان ضريح الحسين
والحسين بن علي رضي الله عنه قتل مظلوماً في كربلاء، ولم يثبت أن رأسه ذهب إلى مصر، والمسجد الذي في مصر باسم الحسين؛ ليس هناك ما يدل عليه، ولعل هذا من أوضح الأدلة على أن بعض الأضرحة، وأن بعض ما يضاف إلى الأولياء من الأضرحة أنه من هذا القبيل، أشياء لا حقائق لها ولا أساس لها، وإنما هو شيء ابتلي به الناس، ولم يأت شيء يدل على أن رأس الحسين ذهب إلى مصر.
عدد غسل اليدين
شرح حديث علي في عدد غسل اليدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عدد غسل اليدين.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية وهو ابن قيس قال: رأيت علياً رضي الله عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف طهور النبي صلى الله عليه وسلم ].أورد النسائي عدد غسلات اليدين، وأنها ثلاث على الصفة الكاملة، مورداً حديث علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه من طريق أخرى غير الطريق الأولى، وبهذا يكون النسائي قد أورد حديث علي من عدة طرق، فالطريق التي قبل هذه فيها أربعة من أهل البيت، وهذه الطريق ليس فيها رواية أهل البيت عنه، وإنما هي من الطرق الأخرى التي جاءت عن علي رضي الله عنه في بيان صفة وضوء النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وهذه الطريق قال في آخرها: (أحببت أن أريكم، أو أعلمكم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم)، وهذا يبين لنا ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على بيان الحق والهدى، وبيان السنن للناس، وتعليمها للناس بدون سؤال؛ لأن علياً رضي الله عنه هو دعا بماء ليتوضأ، والناس يرونه، وقال: (أحببت أن أريكم كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم).قوله: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً).يعني قوله: (توضأ وغسل يديه حتى أنقاهما)، جاء في بعض الروايات: (أنه غسلها ثلاثاً)، يعني: أنه نظفهما, وصارتا نظيفتين نقيتين.قوله: (ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً)، يعني: ذكر المضمضة أولاً، والاستنشاق ثانياً، فهذا من الأدلة التي يستدل بها على الفصل بين المضمضة والاستنشاق، وأن المضمضة والاستنشاق يمكن أن يكونا معاً من كف واحدة، ويمكن أن يفصل بينهما، بحيث يفرغ من المضمضة ثم ينتقل منها إلى الاستنشاق، يفعل ذلك ثلاثاً؛ لأنه جاء الوصل والجمع بينهما في غرفة، وجاء الفصل بينهما، وأن المضمضة تكون على حدة، والاستنشاق يكون على حدة.
تراجم رجال إسناد حديث علي في عدد غسل اليدين
قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد[.وقتيبة بن سعيد هذا مر ذكره كثيراً، بل لعله أكثر من مر ذكره من شيوخ النسائي، والأحاديث التي مضت كثير منها هي من رواية النسائي عن شيخه قتيبة بن سعيد، وهو الذي روى عنه أول حديث في سننه.] حدثنا أبو الأحوص[.وأبو الأحوص يأتي ذكره لأول مرة، وهو سلام بن سليم الحنفي، وهو مشهور بكنيته أبي الأحوص، ولهذا يأتي ذكره كثيراً بالكنية، وهو من الثقات المتقنين، وحديثه في أصحاب الكتب الستة.] عن أبي إسحاق .هو: عمرو بن عبد الله الهمداني، فقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة عابد، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.] عن أبي حية وهو ابن قيس الوادعي [.أبو حية بن قيس الوادعي، يقال: إنه ليس له اسم، ولا يعرف له اسم، وإنما مشهور بكنيته، ومنهم من يقول له اسم، وذكروا كلاماً كثيراً في اسمه؛ لكن المشهور: أنه مشهور بهذه الكنية التي هي: أبو حية بن قيس، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وقد وثقه بعض العلماء، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. ومن المعلوم أن حديث علي رضي الله عنه جاء من طرق عديدة، فهو على أنه مقبول، وأنه يحتاج إلى متابعة، قد جاء عن علي من طرق عديدة، ومن أقربها الطريق التي قبله، التي فيها رواية الحسين بن علي عن علي، فإن له متابعون كثيرون، رووا ذلك عن علي رضي الله عنه وأرضاه. ] رأيت علياً [.وعلي رضي الله عنه ذكرتُ أنه رابع الخلفاء الراشدين، وأنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأنه صهر رسول الله عليه الصلاة والسلام، أبو الحسنين السبطين: الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، وله في الكتب خمس مائة وست وثمانون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على عشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة، وانفرد مسلم بخمسة عشر حديثاً.
حكم المولد النبوي ومعرفة حقيقة محبته صلى الله عليه وسلم
في شهر ربيع الأول، الشهر الذي ولد فيه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والذي هاجر فيه إلى المدينة، والذي توفي فيه، فإنه عليه الصلاة والسلام ولد في ربيع الأول، وهاجر في ربيع الأول، وتوفي في ربيع الأول؛ ولكن وجد في هذه الأزمان، وقبل هذه الأزمان بمدة طويلة اعتناء بعض الناس بالاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن محبته عليه الصلاة والسلام واجبة على كل مسلم، ويجب أن تكون محبته في قلب كل مسلم فوق محبته لكل مخلوق، حتى الوالدين الذين ولدا الإنسان، وأولاده الذين ولدوا منه، وتفرعوا عنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، لكن ما هي محبة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وكيف يكون الإنسان محققاً لمحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ إن تحقيق المحبة إنما هو بالمتابعة، والسير على منهاجه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وألا يعبد الله إلا بما شرع عليه الصلاة والسلام. هذه هي المحبة الصادقة، وفي القرآن آية يسميها بعض العلماء آية الامتحان، وهي قول الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة على محبته لله ورسوله، والبينة هي الطاعة والمتابعة، والاستسلام والانقياد لأمر الله، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يكون الإنسان موجوداً عند الأوامر يطبقها، وليس موجوداً عند النواهي يتلبس بها ويقع بها، وإنما هو ممتثل للأوامر، منتهي عن النواهي، منزجر عن المحرمات، وبعيد عن البدع والمحدثات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه, فهو رد)، و(ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا, فهو رد).ومن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحصل منه أنه احتفل بمولده عليه الصلاة والسلام، ولا أرشد إلى ذلك، والخلفاء الراشدون مدة ولايتهم ثلاثون سنة، لم يحصل في تلك السنوات احتفال بمولده عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك في زمن بني أمية وبني العباس، حتى كملت ثلاثمائة سنة وزيادة، ولم توجد فيها هذه البدعة، ثلاثة قرون كاملة لا يعرف فيها احتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى جاء الرافضة العبيديون، الذين حكموا مصر ابتداء من القرن الرابع الهجري، فأحدثوا بدعة الموالد، فهم أول من أحدث هذه البدعة، كما ذكر ذلك المقريزي في كتابه: الخطط والآثار، فإنه قال: إنهم أحدثوا ستة موالد -وهم أول من أحدثها-؛ ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وميلاد علي، وميلاد فاطمة، وميلاد الحسن، وميلاد الحسين، وميلاد الحاكم الموجود في زمانهم، هذه ستة موالد أحدثوها، ولا أساس لها من الدين، وإنما هي بدعة رافضية، وأصل ابتداعها تقليدٌ للنصارى، الذين يحتفلون بعيد ميلاد عيسى، ونحن لا نحتفل بميلاد محمد عليه الصلاة والسلام.والواجب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباعه، وأن يبتعد عن كل ما لم يأت عنه عليه الصلاة والسلام من البدع والمنكرات والمحدثات، وكذلك عن كل ما جاء عنه من الأمور المحرمة التي نهى عنها حرمها؛ لأن هذا هو معنى أشهد أن محمداً رسول الله، وحقيقتها: أن يطاع فيما أمر، وأن يصدق فيما أخبر، وأن يجتنب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.والعمل المقبول عند الله لا بد فيه من أمرين: أن يكون لله خالصاً، وأن يكون بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الموافقة، ولا يكفي في العمل أن يكون قصد صاحبه حسناً؛ لأن بعض الذين يعملون هذه البدعة يقولون: إن قصدنا طيب، ونحن ما أردنا إلا الخير، ونحن نحب الرسول!نعم محبة الرسول متحتمة؛ لكن تكون باتباعه، وليست في الابتداع وإحداث ما لم يأذن به الله، وما لم يأتِ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد جاء أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى جماعة متحلقين، وبأيديهم حصى، وفيهم واحد يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة، كبروا مائة، فكل واحد يعد مائة حصاة، فوقف على رءوسهم، وقال: ما هذا؟ قال: أنتم واحد من الاثنين؛ إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أنكم مفتتحوا باب ضلالة.
__________________
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:15 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(40)
- (باب حد الغسل) إلى (باب عدد مسح الرأس)
لقد ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الوضوء أنه كان يغسل يديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه بيديه فيبدأ بمقدم رأسه ويذهب إلى قفاه ثم يعود بهما إلى المكان الذي بدأ منه، وورد أنه غسل يديه مرتين، واستنشق وتمضمض ثلاثاً.
حد الغسل
شرح حديث عبد الله بن زيد في حد الغسل في الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب حد الغسل.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لـعبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جد عمرو بن يحيى: (هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين مرتين، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه) ].هنا أورد يقول النسائي رحمه الله: باب حد الغسل.يعني: الغسل لليدين، والنسائي رحمه الله ذكر أبواباً عديدة تتعلق بصفة الوضوء، فهو يترجم للوجه بعدة أبواب، ولليدين بعدة أبواب، وللمسح بعدة أبواب، وللرجلين بعدة أبواب، وفي كل باب يورد حديثاً من أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام, المشتملة على تلك الترجمة التي ذكرها، وإن كان الحديث يشتمل عليها وعلى غيرها؛ لأن من عادتهم أحياناً أنهم يذكرون الترجمة، ثم يأتون بحديث يشملها ويشمل غيرها، وقد مضى في الأبواب السابقة ذكر صفة الوضوء عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم: ابن عمر، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وأمير المؤمنين عثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهم، وبعد ذلك ذكر ثلاثة أحاديث عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه، وأول هذه الأبواب، باب حد الغسل، أي: لليدين.وقد ذكر فيه: أن يحيى بن عمارة المازني سأل عبد الله بن زيد، وكان صهره، أي زوج ابنته: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، ثم دعا بوضوء، أي: طلب أن يحضر له ماء يتوضأ به، والوَضوء بفتح الواو: الماء الذي يستعمل، وأما الوُضوء بضم الواو, فالمراد بها: الفعل الذي هو الوضوء.وعبد الله بن زيد بن عاصم دعا بوضوء؛ أي: طلب أن يحضر له ماء، فلما أُحضر له الماء أفرغ على يديه مرتين، وفي هذه الرواية مرتين مرتين، وفي الباب الذي بعده مرتين، والرواية الثانية هي الأقرب, وهي الأوضح؛ لأن اليدين لا تغسل عند ابتداء غسلهما كل واحدة منهما على حدة؛ بحيث إذا فرغ من الأولى انتقل إلى غسل الثانية، وإنما الغسل يكون لهما جميعاً في آن واحد، ولهذا فالرواية في الباب الذي بعده: (غسل يديه مرتين)، يعني: أنه أخذ ماءً ثم غسل يديه، ثم أخذ ماءً مرة أخرى فغسل يديه، فغسلت مرتين، فهي المناسبة والمطابقة لما جاء في غسل اليدين.أما قوله هنا: (مرتين مرتين)، فهذا يشعر بأنه إما غسلهما أربع مرات، وإما أن يكون غسل كل واحدة من يديه مرتين، وهذا لا يتأتى؛ لأن غسل اليدين أي: الكفين قبل البدء بالوضوء، إنما يكون لهما جميعاً.قال: (ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين، يعني: اليد اليمنى مرتين، واليد اليسرى مرتين)، ثم قال: (ثم مسح برأسه مرة واحدة، بدأ بمقدم رأسه حتى انتهى إلى قفاه، ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه)، وفي الرواية الأخرى: (غسل رجليه مرتين).فهذا الحديث يدل على أن الغسل يمكن أن يفاوت بين الأعضاء، فيمكن أن يكون بعضه مرتين وبعضه ثلاثاً؛ لأنه جاء في هذا الحديث: أنه غسل يديه مرتين، وغسل وجهه ثلاثاً، فإذاً: هذا يدل على أن الأعضاء لا يلزم أن يسوى بينها في الغسل، بأن تكون كلها ثلاثاً ثلاثاً، أو اثنتين اثنتين، أو مرة مرة، وإنما يجوز أن يكون بعضها مرتين، وبعضها يكون ثلاثاً، وبعضها مرة واحدة، وقد ذكر في الأبواب السابقة حصول الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وحصول الوضوء مرتين مرتين، وأنه لا حرج، فكل ذلك سائغ وجائز, ولا بأس به، وهذا الحديث الذي معنا يدل على التفاوت فيما بينها.والترجمة وهي باب حد الغسل، المقصود منها حد غسل اليدين، وأنه إلى المرفقين، والترجمة التي قبلها عدد الغسلات؛ يعني: غسلات اليدين، وهنا حد الغسل، يعني: غايته ومنتهاه، وأن نهايته إلى المرفقين، والغاية داخلة في المغيا، فالغاية التي هي المرفقان، داخلة في المغيا الذي هو المغسول، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في الغسل أنه كان يشرع في العضد؛ أي: أنه يدخل فيها بغسل أوائلها، ولكنه لا يتوغل فيطيل فيها، والمحصل أنه: يتجاوز المرفقين، فتكون المرفقان مغسولتين، كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (من استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل) ثم إنه لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيما يتعلق في غسل اليدين إلا أنه أشرع في العضد، كما ذكر.إذاً: فحد الغسل بالنسبة لليدين أن تغسل المرفقان مع اليدين.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن زيد في حد الغسل في الوضوء
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه .[والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له ].هو أيضاً مصري، وهو ثقة، وكان قاضياً في مصر، وكان بينه وبين النسائي كما عرفنا ذلك فيما مضى شيء، وكان منعه من أن يأخذ عنه، فكان النسائي يأتي ويختفي من وراء الستار، ويسمع القارئ الذي يقرأ على الحارث بن مسكين، ثم إنه لا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين منعه من أن يتحمل عنه، وما أراد إخباره وتحديثه.ولكن يقول: أخبرني محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له.وكثيراً عندما يأتي ذكر الحارث بن مسكين مقروناً مع غيره، فإن النسائي يجعل اللفظ الذي يختاره ويثبته للمتن هو من لفظ الحارث بن مسكين؛ لأن الشيخين للنسائي قد يتفق المتن عندهما وقد يختلف.والحارث بن مسكين ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وقد مر في مواضع أن النسائي يزيد فيقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، وهذا يحمل على أنه قد أذن له، وأنه يميز بين، ما رواه في حال الإذن، وما رواه في حال المنع، بأن يقول في حال الإذن: أخبرني، وفي حال المنع يقول: قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرني.[ عن ابن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم، ثقة، يروي عن الإمام مالك، وروى عنه مسائل الفقه والحديث، وهو من أشهر أصحاب مالك، وقد جاء في سنن النسائي عدة أحاديث يرويها ابن القاسم عن مالك، وابن القاسم هو عبد الرحمن، وهو أيضاً مصري، وحديثه أخرجه البخاري، وأخرجه النسائي، وأبو داود في المراسيل، ولم يخرج له في كتاب السنن شيئاً . [ حدثني مالك].هومالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة والمتبوعة المشهورة، وهو من الذين جمعوا بين الفقه والحديث، وما أكثر ما يأتي ذكره في الكتب الستة، بل إن البخاري -كما ذكرت فيما مضى- يعتبر الإسناد الذي فيه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أصح الأسانيد، يعني: أن رجاله في القمة، وأنهم مبرزون.وحديث الإمام مالك في الكتب الستة.[ عن عمرو بن يحيى المازني].وعمرو بن يحيى المازني يأتي ذكره لأول مرة، وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه].هو يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني، وهو ثقة، وحديثه في الكتب الستة، وهو الذي سأل عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني رضي الله تعالى عنه عن كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد بن عاصم: نعم، ثم إنه دعا بوضوء، وتوضأ وأراه الكيفية التي رأى رسول الله عليه الصلاة والسلام يتوضأها.وفي الإسناد يقول: إن عبد الله بن زيد بن عاصم كان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكان جد عمرو بن يحيى المازني، وذلك أن أباه يحيى زوج ابنة عبد الله بن زيد بن عاصم ، فيكون جد عمرو بن يحيى لأمه، ولهذا قال: وكان جد عمرو بن يحيى؛ يعني: أن يحيى بن عمارة المازني له صلة به من حيث القرابة بالنسب، ومن حيث المصاهرة؛ لأنه جد ابنه عمرو بن يحيى؛ ولأن أم عمرو بن يحيى هي بنت عبد الله بن زيد بن عاصم، والتي تزوجها يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري.[عبد الله بن زيد بن عاصم ].هو من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم لا يحتاجون إلى أن يذكروا بشيء أكثر من أن يقال عن الواحد منهم: إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا شرف ومنقبة ومكرمة، ولذلك أكرم الله عز وجل بها أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي هو خير البشر اختار الله له أصحاباً جعلهم في زمانه، وأوجدهم في زمانه، فكان لهم الشرف برؤيته وبسماع حديثه، وبتلقي السنن منه، وأن يكونوا الواسطة بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين الناس، فهذا شرف لم يلحقهم به أحد، فهم خير هذه الأمة التي هي خير الأمم، وكل حق وهدى وصل إلى الناس إنما وصل عن طريقهم، ومن لم يأخذ منهم ولم يتلقى الهدى من طريقهم، فإنه قد ظفر بالخذلان وبالحرمان، وأصيب بالبعد عن الحق والهدى؛ لأن الحق والهدى إنما يعرف عن طريق أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم هم الواسطة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الناس.فما عرف الناس الكتاب والسنة إلا عن طريق الصحابة، ما عرف الناس الحق والهدى الذي أخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولهذا قال: (وكان من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: أنه لا يحتاج إلى أن يذكر بشيء وراء ذلك؛ لأن هذا هو الفخر والفضل والنبل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله سبحانه وتعالى ذو الفضل العظيم، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام شرفهم الله بصحبته، ومتع أبصارهم في هذه الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعته، وشنف أسماعهم بسماع صوته عليه الصلاة والسلام، ولم يحصل ذلك لأحد سواهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فلهم أجورهم، ومثل أجور كل من استفاد خيراً وعلماً وهدى بسببهم إلى يوم القيامة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
صفة مسح الرأس
شرح حديث عبد الله بن زيد في صفة مسح الرأس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صفة مسح الرأسأخبرنا عتبة بن عبد الله عن مالك هو ابن أنس عن عمرو بن يحيى عن أبيه أنه قال لـعبد الله بن زيد بن عاصم وهو جد عمرو بن يحيى: (هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يده اليمنى فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه) ].هنا عقد النسائي رحمه الله باباً آخر، وهو باب: صفة مسح الرأس، صفة مسح الرأس.وأورد فيه حديث عبد الله بن زيد بن عاصم من طريق أخرى إلى مالك رحمه الله، وهذه الطريق موافقة كثيراً لما تقدم في الرواية السابقة، إلا أنها تختلف عنها بعض الشيء.وفيها كما أشرت إليه من قبل أنه قال: (غسل يديه مرتين)، يعني: أفرغ على يده اليمنى، أي: أنه أكفى الإناء على يده اليمنى حتى سرى فيها الماء، ثم جمعها مع اليد الأخرى وغسل بعضهما ببعض (مرتين)، فهنا قال: مرتين، والتي قبلها قال: (مرتين مرتين)، وهذه هي المناسبة، والمطابقة لذكر العدد، وأنه مرتين فقط، قال: (ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه مرتين مرتين)، يعني: اليمنى مرتين، واليسرى مرتين، ثم قال: (ثم مسح رأسه)، وهذا هو الذي عقد له النسائي الترجمة وهي كيفية مسح الرأس، قال: (بدأ بمقدم رأسه بيديه، حتى انتهى إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه)، أي: أنه أدبر بهما وأقبل، من أول رأسه إلى مؤخره، ثم أعادهما من المؤخر إلى المقدم، فهذه هي صفة مسح الرأس التي عقد الترجمة لها النسائي، وأورد حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه, للاستدلال به على هذه المسألة، وهي مسح الرأس.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن زيد في صفة مسح الرأس
قوله: [أخبرنا عتبة بن عبد الله].وعتبة بن عبد الله يأتي ذكره لأول مرة، لم يسبق ذكره في كتاب النسائي قبل، فهو عتبة بن عبد الله بن عتبة المروزي، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق، وانفرد النسائي بالإخراج له، ولم يخرج له بقية أصحاب الكتب الستة.وأما بقية الإسناد فهي نفس الإسناد السابق؛ لأن الإسناد الأول: محمد بن سلمة والحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك، يعني: ذاك أنزل، وهذا أعلى؛ لأن هذا الإسناد ليس بينه وبين مالك إلا شخص واحد، وأما الحديث الأول ففي إسناده بينه وبين مالك شخصان واسطتان، فذاك يعتبر نازلاً بالنسبة لهذا، ولكن هذا -كما هو معلوم- الذي هو عالي، الذي بينه وبين مالك واحد هو أقل درجة ممن سبقه، ولهذا يقولون: قد يؤتى بالنازل مع وجود العالي لقوة في النازل؛ لأن النازل إذا كان رجاله ثقات متقنين، والعالي دونهم، يعني: أن النازل يكون فيه قوة، أي: تقابل علو العالي، فقد يؤتى بالنازل مع وجود العالي لقوة في النازل، وهنا العالي فيه عتبة بن عبد الله، وهو صدوق، يعني: أقل من ثقة، وأما في الإسناد الأول فكل من الثلاثة الذين هم دون مالك وهم: محمد بن سلمة المرادي المصري، والحارث المسكين المصري، وعبد الرحمن بن القاسم المصري ثقات، والإسناد بهم نازل، والإسناد الذي معنا هنا عال.
عدد مسح الرأس
شرح حديث عبد الله بن زيد في عدد مسح الرأس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب عدد مسح الرأس.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد الذي أُري النداء، قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه مرتين، وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين ) ].ثم أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب عدد مسح الرأس.لأن الترجمة السابقة في صفة مسح الرأس، وأنه يبدأ من أوله إلى آخره، ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه بيديه، وهنا عدد مسح الرأس، هل يكون مرة واحدة أو أكثر؟ وأورد فيه حديث: عبد الله بن زيد بن عاصم، وهنا قال: (الذي أري النداء)، قال العلماء: إنه غلط؛ لأن الذي أري النداء وهو الأذان، شخص آخر غير هذا كما جاء ذلك في الصحيحين وفي غيرهما.وأما راوي حديث الوضوء هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو الذي روى عنه عمرو بن يحيى عن أبيه، وهو الذي مر ذكره في إسنادي الحديثين السابقين؛ لأن هذه الأحاديث الثلاثة بهذه الطرق الثلاث كلها عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني.وقد أورد النسائي الحديث مختصراً، وكان المقصود منه عدد المسحات، وهو أنه مسح رأسه مرتين، وجاء هنا: (أنه مسحه مرتين)، فبعض العلماء قال: إنه يدل على أن الرأس يمسح مرتين، وأنه يكرر المسح، وبعضهم قال: إن المقصود من قوله: (مرتين) هو الإقبال والإدبار، وأن كونه مسح رأسه، بدأ بمقدم رأسه حتى انتهى إلى قفاه، ورجع إلى المكان الذي بدأ منه، فيكون الذهاب مرة، والإياب مرة.وقد جاء في سنن أبي داود وغيره: (أنه مسح رأسه ثلاثاً)، وهذا يدل على جواز ذلك، ولكن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي كثرت فيه الروايات عنه أنه يمسح مرة واحدة، يبدأ بمقدم الرأس حتى ينتهي للمؤخر منه، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه، وإذا أتى بثلاث, أو باثنتين, كما جاء ذلك في هذا الحديث وغيره؛ فإن كلاً من ذلك جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال حديث إسناد عبد الله بن زيد في عدد مسح الرأس
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور].أي أن محمد بن منصور يروي عن سفيان، وقد سبق أن مر بنا هذا الإسناد أكثر من مرة، وأن للنسائي شيخين كل منهما يقال له: محمد بن منصور، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة، ولكن أيهما المراد، سبق أن عرفنا فيما مضى أن محمد بن منصور الجواز المكي هو الأقرب والأولى، وليس محمد بن منصور الطوسي؛ لأن محمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، ومن المعلوم أن الشيخ إذا كان له تلاميذ مشتركون في الاسم واسم الأب، وحصل الإهمال، فإنه يحمل على من يكون له به خصوصية، وذلك بأن يكون مكثراً من الرواية عنه، أو يكون له به علاقة وارتباط وملازمة، أو بأن يكون من بلده، ومن المعلوم أن محمد بن منصور الجواز المكي بلده بلد سفيان بن عيينة وهي مكة، ومعناه أن يكون على صلة به، بخلاف الطوسي الذي يأتي إلى مكة حاجاً أو معتمراً فيلتقي بـسفيان بن عيينة ويأخذ منه ثم يعود إلى بلده، فهذا لا يكون مثل الذي هو ملازم له في بلده، ولهذا قالوا: يحمل على من يكون له فيه خصوصية، وكل من الاثنين ثقة، الذي هو محمد بن منصور الجواز، ومحمد بن منصور الطوسي.[ حدثنا سفيان ].هو ابن عيينة، وابن عيينة سبق أن عرف، ومحمد بن منصور الجواز خرج حديثه النسائي، يعني: روى له النسائي، والثاني: روى له النسائي ومعه غيره، وسفيان بن عيينة من الثقات, الأثبات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن يحيى].وبعد ذلك يتفق الإسناد مع الإسنادين السابقين، وهما: الإسنادان المنتهيان بـمالك، وهذا الإسناد فيه سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى؛ أي: المازني؛ لأنه روى عنه هذا الحديث مالك، وقد ذكره النسائي عن مالك بطريقين، ورواه أيضاً سفيان بن عيينة كما في الإسناد الذي معنا.قوله: (وقدم غسل الرجلين على مسح الرأس).تقديم غسل الرجلين على الرأس لا يعني تقديمها على الرأس؛ لأن مسح الرأس هو المقدم على الرجلين، والرواية الأخرى جاءت فيها تقديم الرأس على الرجلين، وقد جاء في القرآن تقديم الرأس على الرجلين، والرجلان بعد الرأس، فليس المقصود من ذلك الترتيب، وإنما المقصود العدد، وذكر حصول الفعل، وإن كان فيه تقديم وتأخير، ويمكن أن يكون التقديم غلط، مثل الغلط في عبد الله بن زيد بن عبد ربه، الذي أُري النداء، ولكن في الروايات السابقة كلها، وكذلك الصحابة الآخرون الذين رووا في صفة الوضوء كلهم يقدمون الرأس على الرجلين.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:18 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(41)
(باب مسح المرأة رأسها)
إلى (باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس)
بين الشارع أنه لا فرق في الأحكام الشرعية بين الرجال والنساء إلا فيما خصه الدليل، ومن جملة ذلك المسح على الأذنين في الوضوء فهو مشترك بينهما،كما جاء ببيان أن الأذنين من الرأس وحقهما المسح معه.
مسح المرأة رأسها
شرح حديث عائشة في مسح المرأة رأسها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح المرأة رأسها.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن جعيد بن عبد الرحمن أخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب أخبرني أبو عبد الله سالم سبلان وكانت عائشة تستعجب بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فتمضمضت واستنثرت ثلاثاً، وغسلت وجهها ثلاثاً، ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً، ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره، ثم أمرت يديها بأذنيها، ثم مرت على الخدين، قال سالم: كنت آتيها مكاتباً ما تختفي مني، فتجلس بين يدي وتتحدث معي، حتى جئتها ذات يوم، فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين, قالت: وما ذاك؟ قلت: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرخت الحجاب دوني, فلم أرها بعد ذلك اليوم].يقول النسائي رحمه الله: باب: مسح المرأة رأسها. ذكر النسائي في التراجم السابقة بعض التراجم المتعلقة بمسح الرأس، وأورد فيه بعض الأحاديث التي فيها بيان كيفية المسح، وعدد ذلك، ثم أورد هذه الترجمة وهي باب: مسح المرأة رأسها.ومن المعلوم أن أحكام الشريعة هي مشتركةٌ بين الرجال والنساء، فلا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام, إلا إذا جاء دليل يخص الرجال بشيء، أو يخص النساء بشيء، وحيث لا دليل على تخصيص أي منهما؛ فإن أحكام الشريعة مشتركة بينهما.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث: عائشة رضي الله عنها الذي يرويه عنها سالم سبلان، وكانت تستعجب من أمانته وتستأجره، أي: أن هذا الرجل الرقيق كانت تستأجره, وتعرفه بالأمانة والجد في العمل، فأرته كيف الوضوء، فتوضأت وهو يرى، فأتت بماءٍ فأخذت منه وتمضمضت واستنشقت ثلاثاً، ثم غسلت وجهها ثلاثاً، ثم يديها إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسحت رأسها ومسحت أذنيها مع رأسها، ثم غسلت رجليها، والمقصود من ذلك: مسح الرأس؛ لأنها أمرت يدها على رأسها، ثم مسحت بأذنيها، أي: أن حكمهما المسح، وليستا من الوجه فيكون فرضهما الغسل، وإنما هما من الرأس ففرضهما المسح.وقد جاء في ذلك أحاديث في مسحهما مع الرأس، وفي بيان كيفية مسحهما.وحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها هذا فيه مسح الأذنين مع الرأس، وفي الحديث أنها لما مسحت أذنيها مرت بيديها على خديها، وهذا كما هو معلوم لا دخل له في الوضوء؛ لأن الخدان من الوجه، وقد غسلا قبل غسل اليدين؛ لأن من فروض الوضوء غسل الوجه، ثم إن الوجه يدخل فيه الخدان، ولكن قيل: إن إمرارها يدها على خديها بعد أن مسحت أذنيها، ليذهب ما في يدها من الماء في الخدين، أو يحتمل أن يكون أيضاً: أن اليدين مرت على الخدين وهما في طريقهما للنزول، ويكون مرورهما إنما هو في الطريق إلى إرسالهما, بعد أن فرغت من مسحهما إلى إرسالهما, والاشتغال بغسل الرجلين، فليس لذكر الخدين بعد المسح على الأذنين بيان حكم فيما يتعلق بأحكام الوضوء.ومن المعلوم أن عدم ذكر الرجلين لا ينفيهما، وإنما هذا من اختصار الرواة، يعني: أحياناً يأتينا بالحديث مختصراً، وأحياناً يأتينا به مطولاً، وعدم إيراده لا يعني عدم ذكره.وفي الحديث أنه كان مكاتباً، وكان يأتي إليها وتجلس بين يديه فتتحدث إليه، ثم المكاتب هو: الذي اتفق مع أوليائه على أن يفدي نفسه بأن يجمع لهم الأموال، ويأتي بها إليهم شيئاً فشيئاً، فإذا أدى الذي اتفق معه عليه صار حراً، وما دام بقي عليه درهم فهو رقيق، وكان يأتي إليها وهو مكاتب، ثم إنه في مرةٍ من المرات جاء إليها، وقال: (ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين! قالت: وما ذاك؟ قال: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، ثم أرخت الحجاب, ولم يرها بعد ذلك اليوم).ومن المعلوم أن ملك اليمين يمكن التكشف له، وهو ممن ذكره الله عز وجل في القرآن بقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، فإن ملك اليمين تبدي له المرأة أو سيدته زينتها، ولا تحتجب عنه، وهنا في هذا الحديث هو ليس مولى لها، ولا عبداً لها، وإنما هو عبد لغيرها، قال بعض العلماء: ولعله كان مولاً لأقربائها, أو عبداً لأقربائها، فكانت لا تحتجب عنه، وأنها ترى جواز ذلك بالنسبة لمن يكون عبداً للقريب، ومن المعلوم أن القرآن إنما جاء بأنها لا تحتجب عن ملك يمينها، أما ملك يمين غيرها ولو كان من أقربائها، فالواضح والأظهر أنه يُحتجب عنه، ولكن لعل عائشة رضي الله عنها وأرضاها كانت ترى هذا الشيء، ثم لما عتق وصار حراً أرخت الحجاب دونه, ولم يرها بعد ذلك اليوم الذي التقى بها، وطلب منها أن تدعو له بالبركة؛ لأن الله تعالى قد أعتقه.وفي هذا الحديث: مثل ما في الذي قبله من حرص الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على بيان السنن والحق والهدى، رجالهم ونسائهم، هذا شأنهم وديدنهم، يبينون الحق للناس ابتداءً من دون أن يكون ذلك التوجيه والإرشاد مبني على سؤال؛ فإن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أرته كيفية الوضوء, وتوضأت وهو يراها.وفيه أيضاً: بيان التعليم بالفعل, كما يكون بالقول، وهنا علمته, وبينت له بفعلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسح المرأة رأسها
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث ].الحسين بن حريث هو: الخزاعي المروزي، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .[ حدثنا الفضل بن موسى]. وهو: الفضل بن موسى السيناني المروزي، هو أيضاً مروزي مثل تلميذه، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الجعيد بن عبد الرحمن].الجعيد بن عبد الرحمن هنا جاء مصغراً، ويأتي مكبراً فيقال: الجعد، يأتي مصغراً كما هنا فيقال: الجعيد. ويأتي منسوباً إلى أبيه وإلى جده، وهو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس؛ يقال: الجعد بن عبد الرحمن، ويقال: الجعد بن أوس، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه ، مثل: الحسين بن حريث شيخ النسائي هنا.[ عن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب ].وهذا الرجل وصفه الحافظ في التقريب: بأنه مقبول، ولم يخرج له إلا النسائي، وكلمة (مقبولٌ) كما عرفنا فيما مضى تعني أنه يحتاج إلى من يعضده ويساعده، ومن المعلوم أن صفة الوضوء وكيفيته , جاء فيها أحاديث كثيرة، وله شواهد عديدة عن جماعة من الصحابة، كلها تدل على بيان صفة الوضوء، مثل ما جاء عن عائشة وغيرها.[عن أبي عبد الله سالم سبلان].وهو: سالم بن عبد الله المصري، يقال له: سالم سبلان، وهو صدوقٌ, خرج له مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي.وأما عائشة فهي أم المؤمنين, التي مر ذكرها في الأسانيد الماضية مراراً وتكراراً، وهي صاحبة المناقب الكثيرة، والصفات الحميدة، وهي من أوعية العلم والسنة، حفظت الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي التي أنزل الله تعالى براءتها من فوق سبع سماوات في عشر آياتٍ من سورة النور، بين الله تعالى فيها براءتها مما رميت به، فهي الصديقة بنت الصديق، المبرأة بالوحي من الله عز وجل، وكانت مع هذا الفضل الذي حصل لها، وهو إنزال الله عز وجل الوحي ببراءتها متواضعة لله عز وجل، وقد جاء في الصحيح أنها كانت تقول رضي الله عنها وأرضاها: وكنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرؤني الله تعالى بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى، أي: مثلها, وهي مع علو مكانتها تتواضع لله عز وجل.
مسح الأذنين
شرح حديث ابن عباس: (رأيت رسول الله توضأ... ومسح برأسه وأذنيه مرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح الأذنينأخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل يديه, ثم تمضمض واستنشق من غرفة واحدة، وغسل وجهه، وغسل يديه مرة مرة، ومسح برأسه وأذنيه مرة، قال عبد العزيز: فأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك: وغسل رجليه].ثم ذكر النسائي هذه الترجمة وهي باب: مسح الأذنين، لما ذكر مسح الرأس ذكر مسح الأذنين، وذلك أن الأذنين من الرأس، ويكون حكمهما المسح، كما أن حكم الرأس المسح، وليس حكمهما الغسل؛ لأنهما لا يعتبران من الوجه فيغسلان، وإنما يعتبران من الرأس فيمسحان.وقد أورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو في بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام مرةً مرة، أي: أن كل عضو من أعضاء الوضوء يغسله مرةً واحدة، وقد عرفنا فيما مضى: أن السنة جاءت بالغسل مرةً مرة، واثنتين اثنتين، وثلاثاً وثلاثاً، وبالتفاوت، يعني: يكون مرة ومرتين، أو ثنتين وثلاث، كل هذا جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فحديث ابن عباس يدل على الغسل للأعضاء في الوضوء مرةً مرة، وبين فيه كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه تمضمض واستنشق، وغسل وجهه مرة، وغسل يديه مرة مرة، ومسح رأسه مع الأذنين مرة.وذكر أن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني من سمع محمد بن عجلان أنه قال بعد ذلك: ثم غسل رجليه؛ لأن الرواية التي ذكرها ليس فيها ذكر غسل الرجلين، ولكنه أتى إلى طريقٍ أخرى فيها الإشارة إلى غسل الرجلين تبعاً لأعضاء الوضوء، والمقصود من إيراد الحديث هنا: أن ابن عباس توضأ ومسح رأسه مع الأذنين.وقوله: (ومسح برأسه وأذنيه مرة)، أي: أنه عطف الأذنين على الرأس، وجعل حكمهما المسح، كما أن حكم الرأس المسح، وأن ذلك مرة، وهذا مبنيٌ على هذه الصفة التي هي حصول الفعل مرةً مرة، وقد سبق أن مر الحديث من بعض الطرق.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (رأيت رسول الله توضأ ... ومسح برأسه وأذنيه مرة ...)
قوله: [أخبرنا الهيثم].وهو: الهيثم بن أيوب الطالقاني، وهذا هو شيخ النسائي ثقةٌ, انفرد النسائي بإخراج حديثه، ولم يخرج له بقية أصحاب الكتب الستة، أي: في طبعة التقريب المصرية ذكر فيها بعد رمز السين رمز الخاء، وهو خطأ؛ لأن البخاري لم يخرج له، ثم أيضاً هذا مع كونه خطأ، فترتيبه أيضاً خطأ؛ لأن الأصل أن يبدأ بالخاء إذا كان البخاري خرج له، ولا يكون ذكره بعد النسائي، وإنما يكون ذكر البخاري قبل النسائي، وهنا جاء بحرف السين, ثم جاء بعدها بحرف الخاء، فهو خطأ من حيث ذكره؛ حيث لم يخرج له البخاري، وخطأ من حيث الموضع؛ لأن البخاري يذكر مقدماً على غيره.[عن عبد العزيز بن محمد].عبد العزيز بن محمد الدراوردي هذا أيضاً يأتي ذكره لأول مرة، وهو صدوقٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم]. زيد بن أسلم، وهو ثقةٌ, من رجال الجماعة.[عن عطاء بن يسار ].عطاء بن يسار شيخه، وهو ثقة، من رجال الجماعة.قوله: [عن ابن عباس].وكذلك ابن عباس رضي الله عنه مر مراراً وتكراراً، وحديثه في الكتب الستة، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين هم سبعة جمعهم السيوطي في بيتين، قال فيهما: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر المقصود به: ابن عباس، يقال له: البحر، ويقال: الحبر.
مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس
شرح حديث ابن عباس: (توضأ رسول الله... ثم مسح برأسه وأذنيه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح الأذنين مع الرأس، وما يستدل به على أنهما من الرأسأخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: مسح الأذنين وما يستدل به على أنهما من الرأس، أي: أنهما يمسحان، فيكون فرضهما المسح، هذا هو المقصود بكونهما من الرأس، فيكون المقصود هو: هل حكمهما حكم الرأس فيمسحان أو حكم الوجه فيغسلان؟ المقصود أن حكمهما حكم الرأس فيمسحان.وأورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى وفيه: أنه مسح رأسه مع أذنيه، جعل السباحتين في داخلهما وإبهامه في ظاهرهما، أي: أن كيفية المسح أن يجعل السبابة أو السباحة في داخل الأذن, والإبهام في خارجها، فالسبابة تمسح داخلها، والإبهام تمسح خارجها، والسبابة وهي: الإصبع التي تلي الإبهام، يقال لها: السبابة، ويقال لها: السباحة والمسبحة؛ لأنه يسبح الله بها، ويشار إلى وحدانية الله عز وجل بها، فيقال لها: السباحة، ويقال لها: السبابة؛ لأنه يسب الشيطان بها؛ ولأنهم كانوا في الجاهلية عندما يكون سباب يشيرون بها، يعني: سباً أو من أجل السب.وهذه الترجمة التي عقدها النسائي هنا, مما يستدل به على أن الأذنين من الرأس، يعني: فيمسحان، واستدل بما حصل من مسحهما فيكون حكمها حكم الرأس، وفيه إشارة إلى ما ورد من حديث (الأذنان من الرأس)، وفيه كلام، ولكنه ثابت، ولكن للكلام الذي فيه لعل النسائي اختار أن يستدل على أن الأذنين من الرأس فيمسحان، بحديث ابن عباس هذا, فيكون هذا الحديث صحيح يؤدي ما يؤديه ذلك الحديث، وهو ثابت، يعني: حديث: (الأذنان من الرأس).
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (توضأ رسول الله ... ثم مسح برأسه وأذنيه ...)
قوله: [عن مجاهد بن موسى]. هو الخوارزمي، شيخ النسائي، ثقة، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن عبد الله بن إدريس].عبد الله بن إدريس هو: الأودي الكوفي، وهو ثقة, عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عجلان]. هو محمد بن عجلان، وهو ممن خرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن، وهو صدوق، وسبق أن ذكرت لكم: أنهم ذكروا في ترجمته أن أمه حملت به وبقي في بطنها ثلاث أو أربع سنين.[عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس].وبقية الإسناد كالذي تقدم، زيد بن أسلم، عطاء بن يسار، ابن عباس.
شرح حديث: (إذا توضأ العبد المؤمن ... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه, حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه, حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه, حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه, حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له)، قال قتيبة عن الصنابحي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال].هنا أورد النسائي حديث عبد الله الصنابحي، ومقصوده منه بيان مسح الأذنين، والاستدلال على أنهما من الرأس، والحديث من حديث فضائل الأعمال، وأحاديث الترغيب، وفيه بيان فضل الوضوء، وما يحصل به من حط الخطايا والسيئات، فإنه جاء في هذا الحديث أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه، خرجت الذنوب حتى تخرج من بين أشفار عينيه، بمعنى: أنها تخرج الذنوب من عينيه، يعني: ما حصل من النظر في عينيه، وما إلى ذلك، وكذلك إذا غسل يديه تخرج من تحت أظفار أصابع يديه، وإذا مسح رأسه خرجت من أذنيه، وهذا مما يدل على أن الأذنين من الرأس، فلما ذكر الرأس قال: (خرجت) يعني: خرجت خطاياه من أذنيه، وهذا معناه: أن الأذنين من الرأس، وأن حكمهما حكم الرأس في المسح، وهذا هو الذي أراده النسائي من إيراد الحديث هنا، وكذلك إذا غسل رجليه تخرج الذنوب والخطايا من أظفار قدميه، ثم يكون مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة، يعني: أنها كفرت سيئاته بفعله الوضوء، فيكون مشيه وصلاته نافلة، يعني: زيادة في الثواب، وزيادة في الأجر عند الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا توضأ العبد المؤمن... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله].قتيبة هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات, الأثبات.أما عتبة بن عبد الله فهو: عتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي، وهو صدوقٌ, خرج حديثه النسائي وحده. [عن مالك]. ومالك هو إمام دار الهجرة, الذي مر ذكره مراراً وتكراراً. [عن زيد بن أسلم عن عطاء]. وزيد بن أسلم يروي عن عطاء، وكل منهما مر ذكره في الأحاديث الماضية.[ عن عبد الله بن الصنابحي ].وعبد الله الصنابحي اختلف فيه، بل قال الحافظ ابن حجر في التقريب: اختلف في وجوده، يعني: وجود شخص مثل عبد الله الصنابحي؛ لأن من العلماء من قال: إنه موجود، وأنه صحابي وله صحبة، ومنهم من قال: إنه لا يوجد أحد يقال له: عبد الله الصنابحي، وإنما يوجد عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، المخضرم الذي لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكروا في ترجمته أنه جاء قادماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان في الجحفة في الطريق جاءه الخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، فلم يحصل له شرف صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعض العلماء أظنه الذهبي: كاد أن يكون صحابياً، ما بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير، فهو مخضرم، وهو من كبار التابعين، وهو هذا عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وحديثه عند أصحاب الكتب الذي هو الصنابحي.ثم بالمناسبة الصنابحي ذكر أنه من رجال البخاري، وهو ليس من رجاله، وإنما له ذكر في البخاري، وطريقة المزي أن الرجل عندما يكون له ذكر في البخاري، يرمز له بأنه من رجال البخاري، وإن لم يكن من رواة البخاري. أما عبد الله وكنيته الصنابحي الذي هو عبد الرحمن بن عسيلة أبا عبد الله، فقالوا: إن هذا الذي هو عبد الله الصنابحي هو أبو عبد الله الصنابحي، وإنما حصل خطأ فانقلبت الكنية فصارت اسماً، وهذا هو المشهور عند العلماء أن الصنابحي هو: عبد الرحمن بن عسيلة، وحديثه مرسل، وليس بصحابي، وما يرويه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من قبيل المرسل، وليس من المتصل؛ لأنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم.والشيخ الألباني لما ذكر هذا الحديث في صحيح الترغيب والترهيب، وذكر كلام العلماء في عبد الله الصنابحي؛ لأن المشهور أنه عبد الرحمن بن عسيلة، قال: وإنما أوردته مع كونه مرسل, لوجود الشواهد الكثيرة في معناه، التي تدل على ما يدل عليه ذلك الحديث، فيكون من شواهده، يكون ثابتاً من شواهده، أما لو لم يأت في معناه, إلا هذا الحديث؛ فإنه كما هو معلوم لا يكون ثابتاً, لوجود الانقطاع فيه, لأن الصنابحي تابعي وليس بصحابي، فحديثه يكون مرسلاً، ومن المعلوم أن الحديث المرسل منقطع ليس بمتصل، وابن حجر وكذلك المزي لما ترجموا لـعبد الله الصنابحي رمزوا له بالدال والسين والقاف، يعني: لـأبي داود , والنسائي, وابن ماجه .أما عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي فقد جاء ذكره في الكتب الستة، لكن من جاء بلفظ عبد الله الصنابحي فهو في ثلاثة كتب، في أبي داود , والنسائي , وابن ماجه . ثم إنه في آخر الحديث قال: قال قتيبة عن الصنابحي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.فالمقصود من ذكر هذه الجملة هنا: أن سياق الإسناد يبدو أنه لـعتبة، وليس لـقتيبة، ثم إنه يمكن أن يستدل بهذا الصنيع على أن طريقة النسائي عندما يروي عن شيخين، فيكون اللفظ للثاني منهما؛ لأن الآن هنا السياق للثاني، وشيخه الأول الذي هو قتيبة أتى بعد ذكر سياق الحديث بلفظ الثاني، ما بينه وبينه من المخالفة، إنما هي يسيرة جداً؛ لأن عتبة إسناده وسياقه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم..، وهذا قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرق بينهما: كلمة رسول ونبي، فهذا يشعر ويدل على هذا.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:20 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(42)
تابع باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس - باب المسح على العمامة
بينت الشريعة أن الأذنين من الرأس في الوضوء وليستا من الوجه، ومن سماحتها أنها جاءت بمشروعية المسح على العمامة رفعاً للحرج، لا سيما إذا كان في نزعها مشقة.
تنبيهات على حديث عبد الله الصنابحي: (إذا توضأ العبد المؤمن... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس.أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له). قال قتيبة عن الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال].حديث عبد الله الصنابحي، يحكي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على فضل الوضوء وعظيم أجره وثوابه عند الله عز وجل، وقد مرّ بنا ما يتعلق بالحديث في إسناده ومتنه في الدرس الفائت.والذي أحب أن أنبه عليه بالنسبة لشيء من إسناد هذا الحديث، هو أولاً: أنني ذكرت في الدرس الفائت: أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي وهو الشيخ الثاني من الشيخين اللذين روى عنهم الحديث؛ لأنه قرن هنا بادئاً بـقتيبة ومثنياً بـعتبة، والسياق هو سياق عتبة، بدليل أنه قال في آخر الحديث: وقال قتيبة؛ يعني: أن سياقه يختلف عن سياق عتبة عن الصنابحي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فقلت بالأمس: إن الفرق بين السياقين: أن عتبة عبر بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، حيث قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قتيبة فتعبيره بوصف النبوة، حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم.وهناك شيءٌ آخر يضاف إلى هذا، بل هو أهم منه من حيث تنبيه النسائي على هذا الفرق بين السياقين, وهو أنه قال: عن الصنابحي، فلم يسمه كما سماه عتبة؛ لأن إسناد عتبة فيه تسمية الصنابحي، بأنه عبد الله، وأما سياق قتيبة فليس فيه ذكر تسمية عبد الله، وإنما فيه ذكر الصنابحي فقط، هذا فرقٌ واضح جلي، ولعلّ هذا هو الذي أراده النسائي؛ لأن هذا اللفظ الذي هو الصنابحي يتفق مع ما هو معروفٌ عن أن المشهور بـالصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة؛ لأنه ما سمي، ورواية عتبة وغيره ممن سموه وقالوا: عبد الله، قال بعض العلماء: إن هذا فيه انقلاب أو قلب؛ لأنه أبو عبد الله الصنابحي، فإذاً: حصل انقلاب على الراوي، فجعل بدل أبي عبد الله عبد الله، فصار فيه وجود هذا الشخص الذي لا يعرف، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: اختلف في وجوده؛ يعني: رجل باسم عبد الله الصنابحي اختلف في وجوده، هل هو موجود أو غير موجود؟ والأكثر على أنه عبد الرحمن بن عسيلة، والمشهور أنه عبد الرحمن بن عسيلة، و عبد الله الصنابحي، فجاء ذكره بهذا الاسم عند النسائي وأبي داود وابن ماجه، أما عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي فإنه جاء حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا أول ما أردت أن أنبه عليه بما يتعلق بهذا السياق الذي ذكره النسائي.وذكرت في الدرس الفائت أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة ثم التنبيه إلى السياق عند قتيبة، أن هذا قد يشعر بأن طريقة النسائي أنه عندما يذكر الحديث عن شيخين فإن اللفظ الذي يسوقه يكون للثاني منهما، قلت: إن هذا مما يستدل به على أن طريقة النسائي عندما يذكر شيخين ولا يذكر من له اللفظ أن اللفظ يكون للثاني؛ وذلك لأنه في هذا الحديث ساقه على سياق عتبة , وهو الثاني، ثم نبه على سياق قتيبة وأنه يختلف عن سياق عتبة.والأمر الثاني من الأمور التي أنبه عليها: أن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ليس له رواية في صحيح البخاري، وأن المزي طريقته أن من له ذكر في الصحيح يعلم عليه أنه من رجال الصحيح وإن لم تكن له رواية في الصحيح، وهذا هو الواقع بالنسبة لطريقة المزي، ومن أمثلة ذلك: أويس القرني جاء ذكره في رجال الكتب الستة وليس له رواية في الصحيحين، ويزيد بن أبي كبشة جاء ذكره في صحيح البخاري وليس له رواية، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري الذي قال في إسناده ابنه أبو بردة: اصطحبت أنا ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: أفطر، فإني سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).فجاء ذكره في الإسناد بمناسبة أنه سافر هو وأبو بردة، وكان يزيد يصوم في السفر، فنبهه إلى أنه إذا كان من عادته أنه يصوم في الحضر ثم أفطر في السفر، فالله تعالى يكتب له في حال سفره ما كان يكتب له في إقامته، (إذا مرض العبد أو سافر, كتب له ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم)، فاستدل أبو بردة بحديث أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما يزيد بن أبي كبشة ليس ممن سمع ذلك ، فرمز له بخاء يعني: أنه من رجال البخاري، وهو كما هو واضح ليس من رجال البخاري.أما بالنسبة للصنابحي فأنا قد وهمت بأنه ليس له رواية، وإنما هو من الجماعة الذين ليس لهم إلا حديث واحد في البخاري، وفيه: (أنه قدم من اليمن مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان في الجحفة جاءهم آت من المدينة, وقال: إنا دفنا الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم كذا؛ يعني: أنه مات ودفن، فبلغه الخبر وهو في الجحفة، ثم إنه سأله عن حديث ليلة القدر فأجابه)، فهذا الحديث موجود في صحيح البخاري, وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة ذكراً إلا في هذا الحديث الواحد، فقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من فتح الباري صفحة مائة وثلاث وخمسين، قال: وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي في صحيح البخاري إلا هذا الحديث الواحد، أما الذين ليس لهم إلا مجرد الذكر فمنهم: أويس القرني، ومنهم: يزيد بن أبي كبشة الذي أشرت إليه.وهناك حديث سبق أن مر بنا قريباً وفيه ذكر محمد بن سلمة المرادي و الحارث بن مسكين، وقد مر ذكر محمد بن سلمة قبل تلك المرة، وذكرت في هذه المرة أن النسائي له شيخين، كل منهما يقال له: محمد بن سلمة، لكن الحديث رقم سبعة وتسعين لعله في باب حد الغسل، يرويه عن ابن القاسم، وقلت: إن النسائي له شيخين: أحدهما: محمد بن سلمة المرادي المصري، والثاني: محمد بن سلمة الباهلي، وقلت: إن الذي روى عنه النسائي هنا هو محمد بن سلمة المرادي، وهذا هو الواقع؛ لأن الحارث بن مسكين مصري، ومحمد بن سلمة المرادي مصري، وابن القاسم مصري، و النسائي كان في مصر في آخر عمره، فإذاً: محمد بن سلمة الذي يروي عنه النسائي هو المرادي.لكن الواقع أن محمد بن سلمة الباهلي ليس شيخاً للنسائي، وإنما روى له النسائي بالواسطة، والخطأ الذي حصل لي إنما هو من خطأ موجود في طبعة التقريب؛ لأن فيها: من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وتسعين؛ يعني: الحادية عشرة بعد المائتين، والواقع أنه ليس من الحادية عشرة وإنما هو التاسعة أو العاشرة إذا كانت وفاته سنة ثلاثمائة وواحد وتسعين، يعني: معناه في القرن الثاني، أي: مات محمد بن سلمة الباهلي قبل أن يولد النسائي بخمس وعشرين سنة، فهو ليس من شيوخه ولم يدركه، وفي الطبعة المصرية قال: من الحادية عشرة، والحادية عشرة طبعاً بعد المائتين؛ لأن العاشرة أيضاً بعد المائتين؛ يعني: وفاة كثير منهم بعد المائتين والحادية عشرة بعد المائتين.
المسح على العمامة
قال المصنف رحمه الله: [باب المسح على العمامة:أخبرنا الحسين بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش (ح) وأنبأنا الحسين بن منصور حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)].
شرح حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)
هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على العمامة.والمراد بالعمامة: هي العمامة التي يتخذها الرجال، وكان ذلك موجوداً في زمن النبوة، فكانوا يستعملون العمائم التي يدورونها تحت الحنك ويربطونها, ويكون في نزعها كل وقت مشقة؛ أي: جاءت السنة بأنه يمسح عليها كما يمسح على الخفين؛ لأن الخفين في نزعهما مشقة في كل وقت، فكذلك العمامة إذا شدت وربطت وصارت محكمة ومدارة تحت الحنك، ففي نزعها شيء من المشقة، فجاءت السنة بأنه يمسح عليها؛ يعني: إذا توضأ الإنسان فإنه يمسح على العمامة إذا كانت على الطريقة المعروفة عند العرب، والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها، والتي هي تثبت من تحت الحنك ويحكم ربطها، ويكون في نزعها مشقة، فإنه يمسح عليها كما يمسح على الخف، وقد جاء المسح على الخفين في أحاديث كثيرة، وجاء المسح على العمامة في بعض الأحاديث، وهذا هو المقصود بالعمامة.وقد أورد النسائي حديث بلال بن رباح رضي الله عنه الذي يرويه عنه كعب بن عجرة رضي الله عنه، يقول بلال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، والمقصود بالخمار: العمامة؛ لأنها هي التي يغطى بها الرأس، والخمار: هو الذي اشتهر بما تغطيه به النساء رءوسهن, يقال له: خمار، والعمامة أيضاً يقال لها: خمار؛ لأنها من التغطية، ولهذا يقال للغطاء: خمار، أي: غطاء, وجاء في حديث الذي وقصته ناقته في عرفة, قال: ( لا يمس طيباً, ولا تخمروا رأسه)، (ولا تخمروا) يعني: لا تغطوا رأسه؛ لأن التخمير هو التغطية، والخمار هو الغطاء، وكذلك الإناء كونه يخمر، يعني: يوضع عليه غطاء، ولكنه غلب بالاستعمال على خمار المرأة، ويطلق أيضاً على العمامة للرجل، فيقال لها: خمار؛ لأنه هنا في الحديث قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، يعني: العمامة.إذاً: فالخمار الذي هو العمامة في هذا الحديث يمسح عليه أو عليها، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سيذكرها النسائي فيما بعد.وكذلك النساء إذا حصل منهن شد الخمر عليهن وكان في نزعه مشقة, فيمكن أن يمسحن كما يمسح الرجال، أما إذا كانت الخمر لا تحكم أو نزعها خفيف، أو كانت مثل الغتر التي علينا، أو اللفائف التي تلف من فوق ثم تنزع وترد، أو ما يشبه الطواقي، فكل هذه لا يمسح عليها، وإنما يمسح على العمامة المعروفة عند العرب، والتي يغطى بها الرأس وتحكم وتشد وتدار من تحت الحلق، ويكون في نزعها مشقة، فجاءت السنة بالتخفيف في ذلك وأنه لا بأس بأن يمسح عليها الإنسان.ومن العلماء من منع ذلك وقال: إن الآية إنما جاءت في المسح على الرأس وليس في المسح على العمامة، ومن المعلوم أنه ما دام جاءت به السنة, فإن مجيء السنة كاف في الاستدلال والاعتبار ولو كان من طريق الآحاد، فطريق الآحاد ما ثبت بها يعول عليه في العقائد والأحكام وفي غير ذلك، هذا هو منهج أهل السنة في ذلك، وهذا هو المعروف عنهم، وأما الخفان فسيأتي لهما تراجم تخصهما، فقد مسح الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما.
تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)
قوله: [أخبرنا الحسين بن منصور].ابن جعفر السلمي أبو علي النيسابوري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري والنسائي، وذكر الحديث من طريقين، وكل من الطريقين من طريق الحسين بن منصور، يعني: شيخ الطريقين واحد، إلا أن الحسين بن منصور يروي من طريقين، يعني: تنقسم الطريقان من بعد الحسين بن منصور. والحسين بن منصور هو الذي روى عنه النسائي الطريقين، يعني: الطريقان كلهما رواهما النسائي عن طريق الحسين بن منصور، فيقول: أخبرني الحسين بن منصور.[ حدثنا أبو معاوية]. هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقةٌ حافظ، ويقال: هو أحفظ أصحاب الأعمش. والأعمش هو ملتقى الطريقين, ثم ذكر الطريقة الثانية التي يرويها النسائي، عن الحسين بن منصور.[ حدثنا عبد الله بن نمير].عبد الله بن نمير هذا هو: الهمداني الكوفي، وهو ثقةٌ وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكل من أبي معاوية وعبد الله بن نمير يرويان عن الأعمش.[حدثنا الأعمش].والأعمش هو لقب له، وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره كثيراً بلقبه، كما يأتي ذكره باسمه في بعض المواضع أو في كثير منها، فيأتي باسمه ويأتي بلقبه، وقد ذكرت أن فائدة معرفة الألقاب حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة بكنيته وذكر مرة بلقبه ومرة باسمه من لا يفهم، فيظن أن سليمان غير الأعمش، وأما الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان فلا يلتبس عليه ذلك.[ عن الحكم].الحكم يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة, فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو من كبار التابعين، وممن ولد في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وروى عن كثير من الصحابة، ولهذا فهذا الحديث الذي معنا رواه عن سعد، ورواه عن البراء بن عازب، يعني: رواه عن أكثر من صحابي؛ لأن النسائي ذكره من ثلاث طرق، وكلها فيها روايته عن الصحابة؛ لأنه متقدم، وكانت ولادته في خلافة عمر رضي الله عنه، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله ابن اسمه محمد، وهو الفقيه, المشهور المعروف، فإذا ذكر في الفقه ابن أبي ليلى، فالمقصود منه: ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، إلا أنه في الحديث سيئ الحفظ جداً كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، أي أنه ليس بقوي وفيه ضعف، ولكنه هو المعروف بالفقه، وقد تولى القضاء، وليس له رواية في الصحيحين، لكن له رواية عند أصحاب السنن، ولكنه فيه كلام.أما أبوه فهو ثقة وتابعي جليل، وهو الذي روى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه حديث الصلاة الإبراهيمية الذي يقول فيه في صحيح البخاري: (يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقيني كعب بن عجرة وقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى فاهدها إلي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذا هو الذي أهديت إليه تلك الهدية الثمينة النفيسة العظيمة.[ عن كعب بن عجرة].هو كعب بن عجرة صحابي مشهور، وهو صاحب الحديث المتعلق بحلق الرأس في الحج وحصول الفدية فيه، وله في الكتب سبعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم على اثنين، وانفرد مسلم باثنين، ولم ينفرد البخاري بشيء.[ عن بلال ].هو بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وله في الكتب أربعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بحديث. وهو مولى لـأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.وكل رجال الإسناد وهم: أبو معاوية , وعبد الله بن نمير , والأعمش، والحكم بن عتيبة، وابن أبي ليلى، وكعب بن عجرة، وبلال، فهؤلاء السبعة كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، إلا الحسين بن منصور خرج له البخاري والنسائي.
شرح حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي عن طلق بن غنام قال: حدثنا زائدة وحفص بن غياث عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين)].وهذا الحديث فيه رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن بلال؛ لأنه في الأول يروي عن كعب عن بلال، فكل من الحديثين في الطريقين رواية صحابي عن صحابي.وقوله: (رأيته يمسح على الخفين) لا تعلق له في موضوع الباب؛ لأن الباب هو المسح على العمامة، والخفان شيء آخر؛ يعني: إيراد الحديث هنا بهذا اللفظ لا يدل على الترجمة، ولكنه طريق آخر من طرق حديث بلال رضي الله عنه، وفيه إفراد الخفين عن العمامة أو الخمار.
تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي ].هو الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي شيخ النسائي، وروى له أبو داود، والنسائي , وابن ماجه ، وقال عنه في التقريب: إنه مقبول. [عن طلق بن غنام]. هو طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً.[ حدثنا زائدة وحفص بن غياث].هو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان صاحب سنة، وكان لا يروي عن أهل البدع، ويمتحن من يروي عنه أو يحدثه بأنه لا يحدثه إلا عن صاحب سنة، فذكروا هذا في ترجمته رحمة الله عليه، كان لا يحدث عن الرافضة ولا عن القدرية ولا عن أصحاب البدع.وحفص بن غياث فهو ابن عم طلق بن غنام، وهو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي, وطلق بن غنام يروي عن ابن عمه حفص بن غياث؛ لأن غياث وغنام أبوهما طلق بن معاوية، فـطلق بن غنام ابن عم لشيخه أو أحد شيخيه في هذا الإسناد وهو حفص بن غياث، وحفص بن غياث ثقة, وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة؛ لأن ابن عمه الذي هو طلق بن غنام لم يخرج له مسلم، وكل من الاثنين ثقة.ثم اتحد الإسناد بعد ذلك مع إسناد الحديث السابق فقال: [عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]، واختلف عند قوله: [عن البراء بن عازب عن بلال].وذكرنا كعب بن عجرة وقلنا: له سبعة وأربعون حديثاً, وبلال له أربعة وأربعون حديثاً، والبراء بن عازب له ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على اثنين وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة أحاديث، وهو صحابي وأبوه صحابي، وفيه رواية صحابي عن صحابي.والإسناد الأول فيه تحويل للحسين بن منصور، والتحويل هو: أن تحول من إسناد إلى إسناد.وفائدته: حتى لا يظن فيما لو حذف التحويل أن يكون المتقدم آخذاً عن المتأخر، وأخبرنا أن معناه: أنه يرجع الإسناد من جديد بإسناد آخر ثم يلتقيان بعد ذلك، ولا يتحد الإسناد فيما بعد، وقد ذكرنا أن النسائي يستعمل التحويل قليلاً ولا يكثر منه ولا يحتاج إليه مثل البخاري؛ لأنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، فلا يحتاج إلى التحويل بكثرة، بخلاف مسلم فإنه يحتاج إلى التحويل بكثرة لأنه يجمع الأحاديث في مكانٍ واحد ويستعمل التحويلات الكثيرة في الإسناد.
حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخمار والخفين) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخمار والخفين)].أورد النسائي هذا الحديث، وهو من رواية عبد الرحمن عن بلال نفسه؛ لأن في الأول يرويه عن كلا الصحابيين، مرة عن كعب بن عجرة ومرة عن البراء بن عازب، وهنا يروي عن بلال رأساً؛ لأنه يروي عن الصحابة، وأولئك صحابة، إلا أنها رواية صحابي عن صحابي، وكما هو معلوم يمكن أن يروي الحديث عن كعب وعن البراء وكلاً عن بلال, ثم يلقى بلالاً فيروي عنه مباشرةً، فتكون الرواية على اختلاف الأحوال: مرة رواه نازلاً؛ لأنه ما لقي بلالاً، ثم لما لقي بلالاً صار يرويه عنه مباشرة، فيتحصل أنه لا اختلاف بين الروايات، وهذا يحصل كثيراً في رواية الأحاديث؛ لأن الراوي يروي الحديث عن شخص حي بواسطة؛ لأنه ما لقي ذلك الشخص، ثم يلقاه بعد ذلك فيسمع منه الحديث، فيرويه على الحالين، وهنا مرة يرويه عن كعب بن عجرة عن بلال، ومرة عن البراء عن بلال، ومرة عن بلال نفسه.والحديث هو مثل الحديث الأول إلا أن فيه تقديم الخمار على الخفين؛ يعني: هناك يمسح على الخفين والخمار، وهنا يمسح على الخمار والخفين، فلا فرق بينهما إلا بالتقديم والتأخير، واللفظ واحد، وهو يؤدي ما يؤديه, والحديث نفسه عن بلال؛ أي: صحابي واحد.أما إسناد الحديث فهو نفس الإسناد، وكل رجال الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، إلا هناد بن السري، فإنه لم يخرج له البخاري في الصحيح شيئاً، ولكنه خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:22 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(43)
(باب المسح على العمامة مع الناصية) إلى (باب إيجاب غسل الرجلين)
بين الشارع جواز المسح على العمامة، وأنها تعمم بالمسح إذا غطَّت الرأس كله، وإذا ظهرت الناصية -وهي مقدم الرأس- فإنه يمسح عليها ويتمم على العمامة، كما يجب غسل الرجلين في الوضوء وإدخال الكعبين في الغسل.
المسح على العمامة مع الناصية
شرح حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على العمامة مع الناصية.أخبرنا عمرو بن علي حدثني يحيى بن سعيد حدثنا سليمان التيمي حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة ، عن المغيرة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح ناصيته وعمامته، وعلى الخفين). قال بكر : وقد سمعته من ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه].يقول النسائي رحمه الله: [باب المسح على العمامة مع الناصية]، وفي الباب السابق المسح على العمامة، والفرق بين البابين: أن المسح على العمامة وحدها يكون فيما إذا كانت مغطية للرأس كله، بما في ذلك المقدمة التي هي الناصية، أما إذا كانت العمامة ليست ساترة لمقدم الرأس الذي هو الناصية، وإنما قد بدأ شيء من الرأس، فإنه يمسح على الناصية المكشوفة وعلى العمامة، بأن يجمع بينهما؛ لأنه جزء من الرأس, وهو -مقدمه الذي هو الناصية- مكشوف، وما وراء الناصية مغطى.وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: (أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام توضأ ومسح على الناصية والعمامة وعلى خفيه)، يعني: فيكون جمع بين المسح على الناصية؛ لأنه قد كشف شيئاً من مقدم الرأس، وعلى العمامة التي غطت ما بعد الناصية، هذا هو الذي يدل عليه الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].عمرو بن علي هو: الفلاس, وهو ثقة, حافظ، وهو من أئمة الجرح والتعديل الذين كثر كلامهم في الرجال جرحاً وتعديلاً، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل إنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة: البخاري, ومسلم, وأبو داود، والنسائي, وابن ماجه.[ عن يحيى بن سعيد ].وهو: يحيى بن سعيد القطان الإمام المشهور، المحدث, الناقد، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو مكثر من الرواية، وهو ثقة, حافظ, متقن، وهو ممن روى له أصحاب الكتب الستة، فإذاً: كل من عمرو بن علي الفلاس ويحيى بن سعيد القطان ، كل منهما إمام من أئمة الجرح والتعديل.[يروي عن سليمان التيمي ].وهو سليمان بن طرخان التيمي ، يقال له: التيمي وليس من التيميين, وإنما نزل فيهم فنسب إليهم، وهو ثقة, حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أبو المعتمر الذي سبق أن مر بنا ذكره.[عن بكر ]. وهو بكر بن عبد الله المزني، وهو ثقة, ثبت, جليل, كما قال الحافظ ابن حجر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن الحسن ].ويروي عن الحسن ، والحسن هو: البصري، الحسن بن أبي الحسن ، وهو من الثقات، وهو يدلس ويرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والذين لم يمر ذكرهم هم سليمان التيمي وبكر بن عبد الله المزني ، وأما الباقون فقد مر ذكرهم وهم: عمرو بن علي، ويحيى بن سعيد القطان، والحسن البصري .[ عن ابن المغيرة].وهو: حمزة بن المغيرة بن شعبة, وحمزة هذا خرج له مسلم, والنسائي, وابن ماجه، وهو ثقة.[ عن أبيه].ويروي عن أبيه المغيرة بن شعبة ، وهو الصحابي, المشهور, المعروف, رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسبق أن مر ذكره، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فرجال الإسناد كلهم وهم: عمرو بن علي الفلاس ، ويحيى بن سعيد القطان ، وسليمان بن طرخان التيمي ، وبكر بن عبد الله المزني ، والحسن البصري ، والمغيرة بن شعبة ، هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والسابع الذي هو حمزة بن المغيرة بن شعبة لم يخرج حديثه إلا مسلم, والنسائي, وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي ، ولا أبو داود . ثم قال في آخره: قال بكر : (وقد سمعته من ابن المغيرة عن أبيه)، يعني: أن هذا الذي رواه عن ابن المغيرة بواسطة رواه عنه بلا واسطة، يعني: الطريق الأولى التي ساقها المصنف يرويه عن ابن المغيرة بواسطة؛ والطريق التي أشار إليها، وهي التي أيضاً ذكرها في الإسناد الذي بعد هذا، يروي مباشرة عن ابن المغيرة ، وعرفنا فيما مضى أن الراوي قد يروي الحديث بواسطة، ويرويه عن الشخص الذي رواه عنه بدون واسطة؛ وذلك لأنه لم يلق العالي فيرويه عنه بواسطة، فإذا لقيه رواه عنه مباشرة، فيكون رواه على الحالين: رواه بالواسطة، ورواه بغير الواسطة، وهذا لا تعل به الأحاديث؛ لأن هذا شيء معروف ومشهور، وبكر بن عبد الله المزني روى الحديث عن الحسن عن ابن المغيرة ، وقد سمعه من ابن المغيرة عن المغيرة ، فيكون الطريق الثاني عالياً، والطريق الأولى نازلة.
شرح حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن مسعدة عن يزيد وهو ابن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر بن عبد الله المزني عن حمزة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل يديه، وغسل وجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، فضاق كم الجبة، فألقاه على منكبيه، فغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه)].أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهي مثل الطريقة السابقة، إلا أنه هنا يقول: إنه تخلف مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: عن الجيش, وذلك في غزوة تبوك، وقد سبق أن مر في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لحقه وهو راكب, وقرع ظهره بالعصا، يعني: نبهه, فعدل وعدل معه، يعني: ذهب يميناً أو شمالاً، والجيش يمشي، فذهب لقضاء حاجته, ولحقه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ولما قضى حاجته جاء إليه وقال له: أمعك ماء؟ فكان معه مطهرة، وهي الصفيحة، وهي: وعاءٌ من الجلد يكون فيه الماء، يعني: يكون جلدين يجمع فيما بينهما, فيقال له: صفيحة، وهنا قال: مطهرة، فأفرغ عليه منها ليتوضأ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغسل وجهه، ولما جاء ليغسل اليدين فأراد أن يخرج الذراعين من كم الجبة التي عليه، فلم تخرج؛ لأن كم الجبة ضيق، فأخرج يده من الداخل, ونزع الجبة ووضعها على الكتفين، وغسل ذراعيه عليه الصلاة والسلام، ومسح على العمامة والناصية، ومسح على الخفين، وهنا أورده من وجه قوله: مسح على العمامة والناصية، وقد عرفنا أن المسح على العمامة والناصية فيما إذا كانت الناصية مكشوفة، أما إذا كانت مغطاة فإن المسح يكون على العمامة كلها.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على العمامة والناصية من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وحميد بن مسعدة ].وشيخ النسائي في الإسناد الأول هو عمرو بن علي، فهنا ذكره أيضاً مرة أخرى، وذكر معه أيضاً حميد بن مسعدة، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن يزيد وهو: ابن زريع ]. قال في الإسناد: وهو ابن زريع ؛ لأن الراوي عنه، قال: يزيد : ولم ينسبه، فالذي هو دون التلميذ، إذا أراد أن يضيف شيئاً يوضح ذلك الرجل الذي لم ينسب، فإنه يأتي بكلمة (هو) أو بكلمة (هو فلان)، أو (ابن فلان)، أو (الفلاني)، أو ما إلى ذلك، وهنا قال: هو ابن زريع ، فكلمة (هو) دلتنا على أن الذي قالها هو من دون التلميذ، إما النسائي, وإما من دون النسائي، وأما التلميذ فلا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسبه كما يريد، ويأتي بنسبه وكنيته ولقبه على أي حالة يريد؛ لأن الكلام كلامه. ويزيد بن زريع ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد ].هو: حميد بن أبي حميد الطويل، ويأتي ذكره لأول مرة، وهو ثقة, يدلس، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا بكر بن عبد الله ].وهنا صرح حميد بالتحديث؛ لأنه قال: حدثنا، والمدلس إذا صرح بالتحديث، فإنه لا أثر لتدليسه، وإنما التدليس يخشى فيما إذا جاءت (عن) أو (قال) التي هي تحتمل الاتصال، وتحتمل أن يكون بينه وبينه واسطة، أما إذا صرح بالتحديث كما هنا، فإن الأمر لا إشكال فيه. [عن حمزة بن المغيرة ]. هناك قال: حدثنا بكر بن عبد الله -الذي مر في الإسناد السابق الذي قبل هذا- عن الحسن عن حمزة، وهنا يسمى ابن المغيرة؛ لأن في الإسناد الأول قال: ابن المغيرة ، وهنا قال: حمزة بن المغيرة، فالإسناد متفق مع ما ذكر بعد الحديث السابق: أن بكر بن عبد الله سمع من ابن المغيرة؛ لأنه هنا يروي عن ابن المغيرة، يعني: ليس بينه وبينه واسطة، وإنما يروي عنه مباشرة، فالإسناد الأول نازل؛ لأن فيه واسطة، فيه زيادة رجل بين بكر وبين حمزة بن المغيرة ، وهنا ليس بينه وبينه واسطة، فصار الإسناد عالياً؛ لأنها قلت الوسائط فيه، وحمزة بن المغيرة هو الذي مر في الإسناد السابق، وذكر أنه من رجال مسلم, والنسائي, وابن ماجه .[عن أبيه]. والمغيرة كذلك مر ذكره في الحديث الماضي.
كيف المسح على العمامة
شرح حديث المغيرة في كيفية المسح على العمامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف المسح على العمامة.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا يونس بن عبيد عن ابن سيرين أخبرني عمرو بن وهب الثقفي سمعت المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: (خصلتان لا أسأل عنهما أحداً بعدما شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنا معه في سفر، فبرز لحاجته، ثم جاء فتوضأ ومسح بناصيته وجانبي عمامته، ومسح على خفيه، قال: وصلاة الإمام خلف الرجل من رعيته، فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر، فحضرت الصلاة، فاحتبس عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأقاموا الصلاة، وقدموا ابن عوف فصلى بهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى خلف ابن عوف ما بقي من الصلاة، فلما سلم ابن عوف قام النبي صلى الله عليه وسلم فقضى ما سبق به)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: كيف المسح على العمامة، بعدما ذكر حكم المسح على العمامة، ذكر كيفية المسح على العمامة، وأورد فيه حديث المغيرة بن شعبة أيضاً الذي يقول فيه: خصلتان لا أسأل عنهما أحداً بعد أن رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أولهما: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى البراز، يعني: إلى مكان بارز، مكان بعيد عن الناس، وكان في سفر، يعني: ترك الجيش وذهب إلى جهة بعيدة عنهم، وقضى حاجته، ثم مسح على الناصية وجانبي العمامة وعلى الخفين.والخصلة الثانية: صلاة الإمام خلف أحد من الرعية، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان متخلفاً, ومعه المغيرة بن شعبة ليقضي حاجته، حانت الصلاة، وتأخر عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقدموا عبد الرحمن بن عوف ليصلي بهم، فصلى بهم ركعة من صلاة الفجر، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام، لحق بهم، وقد سبق أن مر أن المغيرة بن شعبة أراد أن يؤذن عبد الرحمن بن عوف , وأن يخبره بمجيء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فأمره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعه، وقال: دعه، يعني: يكمل الصلاة، ثم صلى وراءه النبي عليه الصلاة والسلام، الركعة التي بقيت من الصلاة، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف قام النبي عليه الصلاة والسلام ومعه المغيرة بن شعبة، قضيا الركعة التي سبقا بها، فـالمغيرة بن شعبة ، يقول: خصلتان لا أسأل عنهما أحداً، أي: وجدت ما يشفي ويكفي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا وجد الحديث ووجد الحكم عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فلا يحتاج إلى أن يسأل أحداً عن ذلك الذي وجد حكمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.ومحل الشاهد هو ما في الخصلة الأولى: من أنه مسح على الناصية وجانبي العمامة، معناه أنه يمسح على الرأس كله، الناصية وجانبي العمامة؛ لأن الجانبين كما هو معلوم أن اليد تأتي على الرأس من الجانبين، فمعناه أنها استوعبت الرأس، وظاهر ما جاء في الحديث هنا أن المسح إنما هو مرة واحدة، مسح على الناصية وعلى جانبي العمامة، ومن المعلوم أن جانبي العمامة اليمين والشمال، فإذا ذهبت اليدان من الناصية إلى الخلف، فإنها تكون على جانبي العمامة، وأطراف الأصابع هي متلاقية في الوسط، فيكون المسح على الرأس كله على الناصية التي هي مقدم الرأس، وعلى العمامة التي هي مغطية ما وراء الناصية.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة بن شعبة في كيفية المسح على العمامة
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبرهيم ].يعقوب بن إبراهيم هو الدورقي وهو ثقة، من رجال الجماعة، بل إنه شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، يعني: مثل ما حصل بالنسبة لـعمرو بن علي الفلاس , الذي أشرت إليه آنفاً، حصل بالنسبة لـيعقوب بن إبراهيم الدورقي , وهو من الثقات الحفاظ. [حدثنا هشيم ]. هشيم يأتي ذكره لأول مرة، وهو هشيم بن بشير الواسطي أبو معاوية ، وهو ثقة حافظ، ولكنه كثير التدليس والإرسال الخفي، والتدليس معناه كما مضى: كون الراوي يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع منه بــ (عن) أو (قال)، أما إذا أتى بـ سمعت, أو حدثنا, أو أخبرنا, أو أنبأنا، فإن هذا لا تدليس معه.أما الإرسال الخفي فهو: أن يروي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، سمي خفياً؛ لأن الشخص معاصر لمن أرسل عنه، أما إذا كان أرسل عن إنسان ما عاصره ولا أدرك عصره، فهذا إرسال واضح ليس بخفي، كأن يكون بينه وبينه عشرات السنين مثلاً، توفي قبل أن يولد، فالأمر هنا واضح أنه مرسل، فالفرق بين التدليس والإرسال: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، يعني: بلفظ موهم سماعه، ما لم يسمعه منه، أما المرسل الخفي فهو يكون في حق من عاصره ولم يعرف أنه لقيه. فـهشيم بن بشير الواسطي هو كثير التدليس، والإرسال الخفي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يونس بن عبيد ]. يونس بن عبيد هو ابن دينار البصري ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن سيرين ].هو محمد بن سيرين ، الإمام المشهور الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو ثقة، من رجال الجماعة. [أخبرني عمرو بن وهب ].عمرو بن وهب الثقفي هذا هو ثقة، خرج حديثه البخاري في القراءة خلف الإمام، وخرج حديثه النسائي ، وهذا الرجل الذي هو عمرو بن وهب الثقفي هو الرجل المبهم الذي سبق أن مر بنا ذكره في الحديث رقم اثنين وثمانين, الذي قال فيه: وعن ابن سيرين عن رجل، وذكرت فيما مضى: أن الرجل المبهم هو عمرو بن وهب الثقفي ، فهنا في هذا الإسناد جاءت تسميته، وهو الذي روى عنه محمد بن سيرين , فقال هنا: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي ، وعمرو بن وهب الثقفي يروي عن المغيرة بن شعبة.
إيجاب غسل الرجلين
شرح حديث أبي هريرة: (ويل للعقب من النار)
قال المصنف رحمه الله: [باب: إيجاب غسل الرجلين.أخبرنا قتيبة حدثنا يزيد بن زريع عن شعبة (ح) وأنبأنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: (ويل للعقب من النار)].يقول النسائي : باب إيجاب غسل الرجلين. وغسل الرجلين هو آخر فروض الوضوء، وقد مر في الأبواب الماضية ما يتعلق بالفروض التي قبلها، ثم انتهى إلى ذكر التراجم المتعلقة بغسل الرجلين، وبوب له بلفظ الإيجاب، ونص عليه دون غيره مما تقدم، وإن كان كله واجباً، وفرضاً لازماً؛ لأنه لما عرف من بعض الفرق الضالة التي لا تقول بغسل الرجلين، وإنما تقول بمسحهما، ويكون ذلك إلى العظم الناتئ في ظهر القدم، وعندهم أن في كل رجل كعباً، وعند أهل السنة أن فرض الرجلين الغسل، وكل رجل فيها كعبان، وقد مر في حديث علي رضي الله عنه: (أنه غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين، ثم اليسرى كذلك)، أي: أن فرض الرجلين الغسل إلى الكعبين بالنسبة لكل رجل، وهنا قال: باب: إيجاب غسل الرجلين. أي: أن فرض الرجلين الغسل، وأنه واجب، وأنه ليس فرضهما المسح، وهذا هو السر في كونه صرح هنا بالإيجاب، دون غيره مما تقدم من الأبواب.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة بعض الأحاديث الدالة على ما ترجم له، ومن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (ويل للعقب من النار)، والعقب مفرد يراد به الجنس، وليس المقصود به الإفراد، وإنما المقصود به الجنس، وقد بينه الحديث الذي بعده وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (ويل للأعقاب من النار)، والمراد بالعقب: هو ما يكون في مؤخر القدم, مما يكون وراء الكعبين من المكان المنخفض الذي قد ينبو عنه الماء، فيكون خالياً من الماء، بحيث لا يصل إليه الغسل؛ وذلك لعدم الاستيعاب والإسباغ، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ويل للعقب من النار)، وقال ذلك على سبب بينه الحديث الذي بعده، وهو أنه عليه الصلاة والسلام رأى جماعة من أصحابه يتوضئون، وإذا أعقابهم تلوح، أي: أن الماء لم يصل إليها، فقال: (ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)، وهذا في حديث عبد الله بن عمرو الذي يأتي، وحديث أبي هريرة يقول: (ويل للعقب من النار).إذاً: فلما كانت الأعقاب -وهي في مؤخرة القدم- ينبو عنها الماء، إذا لم يتحقق الاستيعاب، ولم يحصل العناية بالغسل، وقد جاء التوعد على ذلك بالنار، دل ذلك على وجوبه وتعينه؛ إذ لا يتوعد بالنار على أمر ليس بواجب؛ لأن التوعد بالنار يدل على الوجوب، وعلى أن من أخل به، ولم يحصل منه القيام بالواجب، فإنه يعاقب بهذه العقوبة التي هي النار.وقوله: (ويل)، قيل: هي كلمة عذاب، وقيل: هي واد في جهنم، وهي تدل على الوعيد، وعلى التحذير من الوقوع أو فعل ما يوقع في ذلك العذاب الذي توعد عليه بالويل، وإنما خصت الأعقاب بهذا الوعيد؛ لأن عدم إيصال الماء إليها هو السبب في حصول العذاب، ومن المعلوم أن العذاب يكون لصاحبها، وإذا حصل العذاب على ذلك المكان، وخص به فإن جميع جسد الإنسان يناله العذاب، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيما يتعلق بالحياة الدنيا أنه قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وبالنسبة لأمور الآخرة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر في الحديث الصحيح: (أن أخف الناس عذاباً عمه أبو طالب الذي هو في ضحضاحٍ من نار، عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه)، لأن النعلان في أسفله، ودماغه في أعلاه، وذلك العذاب الذي يحصل في أسفله يغلي منه دماغه؛ لشدة حرارة النار التي تكون في رجليه، والعياذ بالله.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (ويل للعقب من النار)
قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي جاء ذكره في سنن النسائي كثيراً، والذي قد ابتدأ النسائي بالإخراج له، فأول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد ، وهو من الثقات, الحفاظ، وحديثه في الكتب الستة . [حدثنا يزيد بن زريع ]. يزيد بن زريع هو أحد الثقات, الحفاظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.قوله: [عن شعبة ]. شعبة هو: ابن الحجاج , وهو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى وأرفع صيغ التعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ ح وأنبأنا مؤمل بن هشام ].و(ح) هذه المقصود منها التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أنه عندما ساق الإسناد الأول أراد أن يرجع من أول, فيأتي بإسناد آخر جديد يلتقي مع الإسناد الأول، ومن فوائدها: أنها لو لم تأت، وركبت الأسانيد بعضها على بعض، لكان المتقدم يروي عن المتأخر، فيكون شعبة يروي عن مؤمل بن إسماعيل ، يعني: لو لم يتضح بهذه الإشارة، من لا يعرف عندما تسقط (ح)، ثم يأتي الإسناد الذي بعده أو الشخص الذي بعده تابعاً للذي قبله، يظن أن الذي قبله راو عن الذي بعده، وشعبة جاء بعده: [وأخبرنا مؤمل بن هشام ]، وشعبة متقدم ومؤمل بن هشام شيخ للنسائي، وقد ذكرت فيما مضى أن النسائي لا يكثر من التحويل؛ لأنه لا يحتاج إليه؛ بسبب أنه يكثر الأبواب، ويكثر من إيراد الأحاديث بطرق متعددة تحت تلك الأبواب، فلا يحتاج إليه، كـالبخاري الذي لا يحتاج إليه؛ لأنه يكثر التراجم فيولج الأحاديث تحت تلك التراجم المختلفة، بخلاف مسلم بن الحجاج رحمه الله لكونه يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيحتاج إلى كثرة التحويل.ومؤمل بن هشام هو مؤمل بن هشام اليشكري أبو هشام البصري، كنيته موافقة لاسم أبيه، وقد سبق أن ذكرت فيما مضى: أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وقد مر بذلك نظائر، مثل: هناد بن السري أبو السري، وهنا مؤمل بن هشام أبو هشام، فوافقت كنيته اسم أبيه، والفائدة من وراء معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، حتى لا يظن التصحيف، لو ذكر مرة منسوباً، وذكر مرة بدل النسب كنية، فيما إذا لو قال: حدثنا مؤمل أبو هشام، الذي لا يعرف يظن أن الأب مصحفة عن الابن، لكن كل ذلك صحيح ولا تصحيف؛ لأنه هو أبو هشام، وهو ابن هشام، فإذاً جاء مرة بكنيته، ومرة بنسبه.ومؤمل بن هشام أبو هشام هو من رجال البخاري, وأبي داود, والنسائي، ولم يخرج له مسلم, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه. [حدثنا إسماعيل ].إسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، وعلية اسم أمه، اشتهر بالنسبة إليها، وأبوه إبراهيم، ولهذا إذا جاء ذكر نسبه, ثم ذكر نسبته إلى أمه التي اشتهر بها، فإنه يكون مرفوعاً لا يكون مجروراً تابعاً لما قبله، فيما إذا قيل: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، ما يقال: ابن علية بكسر النون؛ لأن مقسم ليس ابناً لـعلية حتى يكون مثله مجروراً، وإنما ابن علية بضم النون، ترجع إلى إسماعيل، فيكون مرفوعاً؛ لأنه وصف لـإسماعيل، وليس وصفاً لـمقسم، أما إذا ذكر النسب، فإن وصف الابن يكون ما بعد تابع لما قبله من ناحية أنه يكون مجروراً.حدثنا إسماعيل ابنُ.. التي هي الأولى تكون وصفاً لـإسماعيل، ثم ابن إبراهيم، فيكون إبراهيم مجروراً، فيأتي بعد ذلك ابن؛ لأنها وصف لـإبراهيم، فإذا جاءت ابن علية رجعت إلى الأول؛ لأنها ليست أماً لـمقسم، وإنما هي أم لـإسماعيل بن إبراهيم.ثم أيضاً من ناحية الرسم والكتابة: (ابن) إذا كانت بين علمين متناسلين، تكون بدون ألف، لكن إذا جاءت وصفاً، مثل ابن علية، فإنها تأتي الألف قبلها، يعني: إسماعيل بن إبراهيم بدون ألف ابن، وإبراهيم بن مقسم أيضاً بدون ألف، أما إذا جاءت مثل هنا ابن، وترجع إلى الأول، فإنها تكون بالألف، وكذلك فيما إذا كان (ابن) جاءت في أول الكلام، مثل: عن ابن عمر، ما جاء عن عبد الله، فإن الألف التي هي همزة الوصل تكون موجودة قبل كلمة (ابن).ومؤمل بن هشام يروي عن إسماعيل بن علية، وهو صهره، يعني: أن مؤملاً هو زوج ابنة إسماعيل بن علية.وكذلك إذا جاءت (ابن) في أول السطر أو ليس قبلها علم؛ فإنها تثبت أيضاً بالألف قبلها، مثل: عن ابن عمر، أو قال ابن عمر؛ فإنه لا بد من ذكر الألف.وحديثه عند البخاري, وأبي داود, والنسائي فقط. [ عن شعبة ]. عن شعبة، وإسماعيل يروي عن شعبة، وهنا التقى الإسنادان: الإسناد الأول والإسناد الثاني، الإسناد الأول: قتيبة عن يزيد بن زريع عن شعبة ، والثاني: مؤمل بن هشام عن إسماعيل بن علية عن شعبة، فيكون الإسنادان تلاقيا عن شعبة ثم يتحد الإسنادان إلى نهايته, وشعبة خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن محمد بن زياد ].محمد بن زياد هو: الجمحي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. أبو هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
شرح حديث عبد الله بن عمرو: (ويل للأعقاب من النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان ح وأنبأنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان واللفظ له عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتوضئون، فرأى أعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء) ].أورد النسائي: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الذي يقول فيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جماعة من أصحابه يتوضئون، ورأى أعقابهم تلوح، يعني: ما جاءها الماء، أي: إذا كان عليها غبار أو كانت باقية على هيئتها، فالذي جاءها الماء تغير لونه، والذي ما جاءه بقي على حالته، فقال عليه الصلاة والسلام: ( ويل للأعقاب من النار، أسبغوا من الوضوء )، وكما أشرت في الحديث الأول: (ويلٌ للعقب) وهي للجنس، ولا تنافي بينها وبين الأعقاب؛ لأن الأعقاب جمع عقب، والعقب المراد به الجنس، فيكون متفقاً مع الجمع ولا تنافي بينهما، ويحصل نبو الماء عن بعض الأماكن، ولا سيما التي تكون فيها انخفاض، يعني: منخفض، مثل العقب الذي يكون وراء الكعب، مكان منخفض، إذا لم تصل اليد إليه بالدلك فإنه قد ينبو عنه الماء، فيكون على هيئته التي هو عليها قبل أن يمس الماء الرجل، فرأى أعقابهم تلوح فقال عليه الصلاة والسلام: ( ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء ).
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو: (ويل للأعقاب من النار)
قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ]. محمود بن غيلان سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود، فإنه لم يخرج له شيئاً. [ حدثنا وكيع ]. وكيع هو: ابن الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو ثقة، حافظ، سبق أن مر ذكره، وحديثه في الكتب الستة.[ حدثنا سفيان ].سفيان هنا مهمل غير منسوب، والمراد به: الثوري، وقد روى وكيع عن ابن عيينة، لكن الثوري هو الذي عرف إكثار وكيع عنه، وأيضاً هو من أهل بلده، فله به اتصال وملازمة، فيحمل عند الإهمال على من يكون له به علاقة، وخصوصية، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كما سبق أن نبهت عليه فيما مضى: أنه إذا جاء وكيع عن سفيان، فالمراد به: الثوري لإكثاره عنه، ولإقلاله عن سفيان بن عيينة، وإن كان وكيع روى عن هذا وروى عن هذا؛ لأن سفيان بن عيينة بمكة، وسفيان الثوري بالكوفة، ووكيع من أهل الكوفة، فهو على صلة به دائماً، وقد أكثر من الرواية عنه، أما ابن عيينة فإنه إذا قدم إلى مكة حاجاً أو معتمراً التقى به, وأخذ عنه. [ (ح) وأخبرنا عمرو بن علي ]. قوله: ( (ح) )، يعني: تحويل كما في الحديث الذي قبل هذا. وعمرو بن علي هو الفلاس الذي يأتي ذكره كثيراً، والذي هو أحد أئمة الجرح والتعديل، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الرحمن ].وعبد الرحمن هو: ابن مهدي، الثقة, الحافظ, العارف بالرجال والحديث، وهو من أئمة الجرح والتعديل كتلميذه عمرو بن علي الفلاس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سفيان واللفظ له].سفيان هو: الثوري.وكلمة: (واللفظ له)، لأن الإسنادين تلاقيا عند سفيان، لكن يكون اللفظ لـسفيان من رواية عبد الرحمن عنه، وليس من رواية وكيع. [ عن منصور ]. منصور هو: ابن المعتمر الكوفي ، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن هلال بن يساف ]. هلال بن يساف بكسر الياء، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي يحيى ]. أبو يحيى اسمه: مصدع الأعرج، فهو أبو يحيى مصدع الأعرج، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وحديثه عند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ].عبد الله بن عمرو بن العاص يأتي ذكره لأول مرة، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين هم من صغار الصحابة، والذين مر ذكرهم مراراً، وهم: عبد الله بن عمرو هذا، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، هؤلاء الأربعة يقال لهم: العبادلة، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، ومن أشهرهم عبد الله بن مسعود، وليس من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هؤلاء فقد تأخرت وفاتهم بعده، وهم في عصر واحد، فأطلق عليهم العبادلة من الصحابة، رضي الله تعالى عن الجميع.وعبد الله بن عمرو بن العاص قالوا في ترجمته: ليس بينه وبين أبيه سوى إحدى عشرة سنة, أو ثلاث عشرة سنة، يعني: أن عمرو بن العاص احتلم مبكراً, وتزوج مبكراً, وولد له وهو في سن الثالثة عشرة من عمره، أو الحادية عشرة من عمره، وهذا من النوادر التي تحصل في الرجال، وهو أن يولد له قبل الخامسة عشرة.ومن الأشياء النادرة التي يذكرونها عن الشافعي أنه قال: إن جدة لها إحدى وعشرون سنة -أي: أن امرأة- تزوجت وهي في العاشرة، وولدت، ثم ابنتها بعد أن أكملت عشراً تزوجت وولدت، فصارت الأولى جدة وعمرها إحدى وعشرون سنة، وهذا أيضاً من الأشياء النادرة.وعبد الله بن عمرو بن العاص حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله فيها سبعمائة حديث، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين حديثاً. وحديث العبادلة الأربعة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.قوله: (أسبغوا الوضوء).هذه اللفظة جاءت في حديث أبي هريرة مدرجة؛ لأنه جاء في بعض الطرق له قال: (أسبغوا الوضوء, فإن خليلي قال: ويل للأعقاب من النار)، ففهم أنها من كلام أبي هريرة، أما بالنسبة لحديث ابن عمرو، فلا أدري عن إدراجها، والأصل أنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتبين الإدراج.[ قال أبو هريرة: قال أبو القاسم ].أبو هريرة رضي الله عنه يأتي في كلامه تكنية الرسول صلى الله عليه وسلم، بأنه أبو القاسم، قال: (من صام اليوم الذي يشك فيه, فقد عصى أبا القاسم ) صلى الله عليه وسلم.ويقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن، إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن من قول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:24 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(44)
باب بأي الرجلين يبدأ بالغسل - باب غسل الرجلين باليدين
يستحب عند غسل الرجلين في الوضوء البدء باليمنى؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن كما ورد ذلك عن عائشة، ويجوز غسل الرجلين كلتيهما باليد اليمنى.
بأي الرجلين يبدأ بالغسل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بأي الرجلين يبدأ بالغسل:أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أخبرني الأشعث قال: سمعت أبي يحدث عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها، وذكرت: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله )، قال شعبة: ثم سمعت الأشعث بواسط يقول: ( يحب التيامن فذكر شأنه كله )، ثم سمعته بالكوفة يقول: ( يحب التيامن ما استطاع ) ].
شرح حديث: (أن رسول الله كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله)
أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: بأي الرجلين يبدأ بالغسل ، والمقصود من هذه الترجمة أن البدء يكون باليمنى بالنسبة للرجلين، وبالنسبة لليدين كذلك، فإن البدء يكون باليد اليمنى، وقد أجمع العلماء على أن تقديم اليد اليمنى أو الرجل اليمنى مستحب، وأنه لو حصل أن توضأ وبدأ باليسرى قبل اليمنى يصح الوضوء، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن حجر وكذلك ابن قدامة في المغني، وقالوا: إن هذا مجمعٌ عليه، بمعنى أنه لو بدأ باليسرى قبل اليمنى لصح وضوؤه؛ لأن الترتيب بين اليدين وبين الرجلين مستحب، وليس بواجب، بمعنى أنه لا يصح لو بدأ باليسرى قبل اليمنى، لكن وإن كان يعني مستحباً فالأولى والذي ينبغي ألا يقدم الإنسان اليسرى على اليمنى، وإنما يبدأ باليمنى بالنسبة لليدين، وكذلك اليمنى بالنسبة للرجلين.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره..)، يعني: في وضوئه، فعندما يتطهر يحب التيامن، يبدأ باليمين في طهوره، وقوله: (ونعله)، يعني: يلبس النعل اليمنى، وقوله: (وترجله)، يعني: عندما يرجل شعره يبدأ باليمين. فإذاً: كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن وهو البدء باليمين.ومن المعلوم أن اليمين تستعمل في الأمور المستحسنة وفي الأمور الطيبة، واليسرى تكون بخلاف ذلك. ومن المعلوم أن الطهور والتنعل وغير ذلك يبدأ باليمين، وتستعمل اليسار بخلاف ذلك؛ معنى هذا: أنه يبدأ بلبس اليمين في النعال، وبالعكس عند الخلع، وكذلك في دخول المسجد يبدأ باليمين، وفي أمور كثيرة.وقول شعبة: (ثم سمعت الأشعث بواسط) يعني: سمع منه أولاً، ثم سمع منه بعد ذلك بواسط يذكر الحديث ويقول: (وفي شأنه كله)، يعني: (يحب التيامن في طهوره، وتنعله، وترجله، وفي شأنه كله)، وهذا سمعها منه بواسط، ثم سمعه بعد ذلك يقول: (يحب التيامن ما استطاع). ومعنى ذلك: أن شعبة سمعه من الأشعث في مرات عديدة، وفي بعضها ليس فيه ذكر: (شأنه كله)، وفي بعضها يقول: (يحب التيامن ما استطاع)، ويقف عند ذلك، ومن المعلوم أن يكون فيه اختصار للمتن أو للرواية في بعض الأحيان.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ]. محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة, خرج حديثه مسلم في صحيحه، وأبو داود في كتاب القدر. [ حدثنا خالد ]. خالد هو ابن الحارث، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا شعبة ].وشعبة قد مر معنا. [أخبرني الأشعث ]. والأشعث هو ابن أبي الشعثاء المحاربي، وهو: سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن مسروق ].مسروق هو ابن الأجدع، قال الحافظ ابن حجر: وهو ثقة, فقيه, عابد, مخضرم؛ يعني: ممن أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من المخضرمين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكنيته أبو عائشة. [عن عائشة ]. عائشة هي أم المؤمنين، وقد مر ذكر عائشة في أحاديث متعددة فيما مضى، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي أحد السبعة من الصحابة الذين أكثروا رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وقد نظمهم السيوطي كما أشرت إلى ذلك مراراً في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابرٌ وزوجة النبيوزوجة النبي يقصد بها عائشة رضي الله تعالى عنها، فهي من السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً، وهي أكثر النساء حديثاً على الإطلاق، لا يماثلها ولا يدانيها أحد، رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
غسل الرجلين باليدين شرح حديث القيسي في غسل الرجلين باليدين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ غسل الرجلين باليدين:أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة قال: أخبرني أبو جعفر المدني قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف -يعني عمارة- قال: حدثني القيسي: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتي بماء، فقال على يديه من الإناء، فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرةً مرة، وغسل رجليه بيمينه كلتاهما)].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: [باب غسل الرجلين باليدين]، وأورد فيه: حديث القيسي رضي الله تعالى عنه، قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتوضأ فقال بالإناء وغسل يديه، ثم وجهه، ثم يديه مرةً مرة، ثم غسل رجليه بيمينه كلتاهما). هذا الحديث أورده النسائي من أجل ما جاء في آخره من ذكر غسل الرجلين باليدين، والذي جاء في الحديث أنه يغسل الرجلين كلتيهما باليد اليمنى، وليس فيه ذكر اليدين أنه يغسل بهما جميعاً كما جاء في الترجمة التي هي قوله: غسل الرجلين باليدين، فلا أدري ما وجه هذه الترجمة، مع أن الحديث ليس فيه إلا ذكر اليمين، وليس فيه ذكر اليدين، والغسل للرجلين يكون باليدين ويكون باليد اليمنى، ولعل التنصيص على اليد اليمنى هو كون الإنسان يصب من الإناء بيده اليسرى على رجليه, ثم يغسل باليد اليمنى، فيكون الغسل باليد اليمنى والصب عليهما باليد اليسرى، فلعل هذا هو وجه ذكر اليمين، والأمر في ذلك واسع.والحديث لم يجعله الألباني ضمن صحيح النسائي، وإنما أحال به على الضعيف، ولا أدري ما وجه التضعيف فيه إلا أن يكون من ناحية أحد رجاله وهو: عمارة بن عثمان بن حنيف قال عنه في التقريب: إنه مقبول، ولم يأت شيء يدل على ما دلّ عليه هذا الحديث من جهة ما ترجم له المصنف، فلا أدري ما وجه كونه ليس بصحيح، عند الشيخ الألباني.
تراجم رجال إسناد حديث القيسي في غسل الرجلين باليدين
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار هو الذي يلقب بندار، وهو -كما ذكرنا سابقاً- أحد الأشخاص الذين يعتبرون مشايخاً لأصحاب الكتب الستة، والذين رووا عنهم مباشرةً، وهو رفيق محمد بن المثنى الزمن، الذي قال عنه الحافظ في التقريب: وكان هو وبندار كفرسي رهان، وماتا في سنة واحدة، وهما متفقان في سنة الولادة، وفي سنة الوفاة، ومتفقان بالشيوخ والتلاميذ؛ ولهذا قال الحافظ: وكانا كفرسي رهان، وشيخه محمد لم ينسبه وهو غندر.[ حدثنا محمد ]. هو: محمد بن جعفر الذي يروي عن شعبة. ولقبه غندر وهو من الثقات, وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وإذا جاء من يروي عن شعبة، واسمه محمد وهو غير منسوب، فالمراد به محمد بن جعفر الذي هو غندر. [حدثنا شعبة].أما شعبة فهو أمير المؤمنين في الحديث كما قال ذلك بعض العلماء، وهو من أئمة الجرح والتعديل. [ أخبرني أبو جعفر المدني].أبو جعفر المدني هو: عمير بن يزيد الخطمي، وهو صدوق, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[ سمعت ابن عثمان بن حنيف ].هو: عمارة بن عثمان بن حنيف وقال وفي الإسناد: (ابن عثمان بن حنيف يعني: عمارة)، فكلمة (يعني عمارة ) هذه جاءت ممن دون تلميذ عمارة بن عثمان بن حنيف، وهو: أبو جعفر المدني، ذكرها من دونه؛ ليبين بها ذلك الرجل الذي نسب ولم يسم، فقال: (يعني)، وكلمة (يعني) القائل لها من دون أبي جعفر المدني، وفاعلها الضمير المستتر فيها هو أبو جعفر المدني، يعني: أن أبا جعفر المدني يعني بقوله: ابن عثمان بن حنيف عمارة، وعمارة بن عثمان بن حنيف قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وخرج حديثه النسائي وحده.[ حدثني القيسي ].أما القيسي الذي يروي عنه عمارة بن عثمان بن حنيف فهو صحابي، يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ)، ولم يأت منسوباً، وإنما جاء بهذا اللفظ: القيسي، وهو صحابي، ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يُحتاج الأمر فيهم إلى معرفة، بل الرجل المجهول فيهم يُعتمد ما جاء به ويعول عليه؛ لأنهم كلهم عدول رضي الله عنهم وأرضاهم، فلا تضر الجهالة، فلو قيل: عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم لاعتمد على ذلك، وكلٌ من الرواة ممن دون الصحابة لا بد من معرفة أحوالهم، أما الصحابة فلا يحتاج إلى معرفة أشخاصهم، ولا معرفة أحوالهم، فالرجل المبهم عمدة يعول على ما جاء به؛ وذلك لأن الله عدلهم وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون بعد تعديل الله وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى تعديل المعدلين, وتوثيق الموثقين، بل يكفيهم ثناء الله عليهم وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. وقد قال الحافظ: إن القيسي صحابي روى عنه عمارة بن عثمان بن حنيف، ويقال: هو عبد الرحمن بن أبي قراد.وفي الحديث أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فقال: بالإناء) يعني: فعل؛ لأن القول يأتي بمعنى الفعل، قال هكذا يعني: فعل هكذا، فكلمة (قال) يعني: أشار إلى فعل؛ لأنه ليس فيه قول، وإنما هو فعلٌ عبر عنه بالقول، وقد يأتي القول مراداً به الفعل، وما جاء في هذا الحديث هو من هذا القبيل.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(45)
(باب الأمر بتخليل الأصابع) إلى (باب الوضوء في النعل)
أمر الشرع الحنيف بالتخليل بين الأصابع بالماء في الوضوء؛عدم وصول الماء إلى ثناياها، وأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، وأخبر أن السنة فيهما غسلهما ثلاث مرات، ثم جوز لنا شرعنا الحنيف الوضوء بالنعل ما لم يخش تلفها.
الأمر بتخليل الأصابع
شرح حديث: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الأمر بتخليل الأصابع:أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير وكان يكنى أبا هاشم ح وأنبأنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع) ].ذكر النسائي ترجمة تخليل الأصابع، والمراد بتخليلها هو: إسباغ الوضوء بحيث يجري الماء بينها، ويتحقق من أن الماء وصل إلى ما بين الأصابع، وإنما نص على تخليل الأصابع؛ لأنها أماكن قد ينبو عنها الماء، فالأصابع بعضها ببعض تكون سبباً في عدم الوصول إلى أصولها فيما بينها، فشرع التخليل، وذلك أن الإنسان يدخل أصابعه, أو يجري الماء بين الأصابع؛ بحيث يتحقق من أن الماء وصل بين الأصابع التي هي عرضة لأن ينبو عنها الماء؛ لأن الأماكن البارزة هذه في الغالب يصل إليها الماء، أما الأماكن المنخفضة، أو الأماكن التي يكون هناك ما يحول دونها، فإنه قد ينبو عنها الماء، مثل: الأعقاب، كما جاء في الحديث الذي مر: (ويلٌ للأعقاب من النار)؛ لأن الماء قد ينبو عنها، وكذلك الذي بين الأصابع ينبو عنها الماء، فجاءت السنة بالأمر بالتخليل، وذلك بإدخال الماء من خلالها، وإيصاله إلى ما بين الأصابع بحيث يصل إليه الماء. وإطلاق الحديث يدل على أن ذلك يكون في اليدين والرجلين، يعني: عند غسل اليدين, وعند غسل الرجلين يتحقق الإنسان أن الماء وصل إلى ما بين أصابع يديه، وإلى ما بين أصابع رجليه، وحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه، وهو أبو رزين العقيلي، وقد مر ذكره فيما مضى، يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء، وخللوا بين الأصابع)، والمقصود كما عرفنا: هو كون الماء يدخل بين الأصابع ويسيل بينها، ويتحقق من وصوله إلى الأماكن المنخفضة التي هي غير بارزة، والتي قد ينبو عنها الماء؛ لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليلها، والتحقق من وصول الماء إليها. وقوله: (أسبغوا الوضوء)، أمرٌ بإسباغه، ويكون بالاستيعاب, ويكون بالعدد، أما الاستيعاب فيكون بالتحقق من وصول الماء، وبدلك الأعضاء باليد. وبالنسبة للعدد: بحيث يوصل إلى ثلاث غسلات، ولا يزاد على الثلاث، فهذا هو الإسباغ.
ترجمة رجال إسناد حديث: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وإسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي, المعروف ابن راهويه، وهذا هو إطلاق المحدثين، وإطلاق أهل اللغة يقولون: ابن راهُوَيْه، يختمون بويه، وأما المحدثون فعندهم يقولون: ابن راهُوْيَه، وهو من الثقات, الحفاظ، وممن خرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً.[ أخبرنا يحيى بن سليم ].ويحيى بن سليم هو: الطائفي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق سيئ الحفظ، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن إسماعيل بن كثير ].وإسماعيل بن كثير يكنى بـأبي هاشم، ويأتي بكنيته أحياناً، ويأتي باسمه أحياناً، وهو ممن خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة. ثم ذكر النسائي إسناداً آخر، وأتى بصيغة التحويل، فقال: (ح) [وحدثنا محمد بن رافع].ومحمد بن رافع هو: القشيري النيسابوري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، إذاً: فشيخا النسائي هنا في هذا الحديث، وهما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي , ومحمد بن رافع النيسابوري، كل منهما خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهما شيخان لأصحاب الكتب الستة, وقد أكثر عنه الإمام مسلم، إذ روى عن محمد بن رافع أكثر من ثلاثمائة حديث، ولهذا كثيراً ما يأتي ذكره في صحيح مسلم، بل إن الأحاديث التي رواها مسلم في صحيحه من صحيفة همام بن منبه، هي عن طريق شيخه محمد بن رافع هذا.[عن يحيى بن آدم]. ويحيى بن آدم هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المصنفين، وله كتاب الخراج المطبوع.[ عن سفيان ]. يروي عن سفيان، وسفيان هو: الثوري، ويحيى بن آدم كوفي، وسفيان الثوري كوفي، ويحيى بن آدم روى عن سفيان الثوري، وسفيان لم ينسب، فالمراد به سفيان الثوري، وسفيان الثوري سبق أن مر بنا مراراً، وهو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، الحافظ المتقن، الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، روى عنه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي هاشم ]. وهو: إسماعيل بن كثير ، والإسناد الثاني أنزل من الإسناد الأول؛ لأن بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير واسطتان, وهما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ويحيى بن سليم الطائفي: وأما الطريق الثانية: فبين النسائي وبين أبي هاشم إسماعيل بن كثير ثلاث وسائط، وهم: محمد بن رافع، ويحيى بن آدم، وسفيان الثوري، فالطريق الأولى تعتبر أعلى من الطريق الثانية؛ لأن في الطريق الأولى: بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير اثنان، والطريق الثانية: بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير ثلاثة أشخاص.[ عن عاصم بن لقيط ].وعاصم بن لقيط بن صبرة هو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه الصحابي لقيط بن صبرة أبو رزين العقيلي رضي الله عنه. إذاً: فعندنا في هذا الإسناد ثلاثة أشخاص متوالون، حديثهم عند البخاري في الأدب المفرد, وعند أصحاب السنن الأربعة، وهم: إسماعيل بن كثير، وعاصم بن لقيط، ولقيط بن صبرة، وفي الإسناد أيضاً شيخا النسائي: إسحاق بن إبراهيم , ومحمد بن رافع، والذين خرجوا لهم هم أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
عدد غسل الرجلين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب عدد غسل الرجلين:أخبرنا محمد بن آدم عن ابن أبي زائدة حدثني أبي وغيره عن أبي إسحاق عن أبي حية الوادعي أنه قال: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ، فغسل كفيه ثلاثاً، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].
شرح حديث علي في عدد غسل الرجلين
ذكر النسائي باب: عدد غسل الرجلين، يعني: الغسلات التي تكون للرجلين، وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر من طرقٍ متعددة، إلا أنه أورد، هنا من إحدى الطرق, ليستدل به على أن غسل الرجلين يكون ثلاثاً، وأن كل رجلٍ تغسل ثلاث مرات وإلى الكعبين. وعرفنا فيما مضى: أن علياً رضي الله عنه هو أحد الصحابة الذين رووا صفة الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى هو أن الرجلين فرضهما الغسل، وليس المسح كما تقوله الرافضة، وإنما فرضهما الغسل، وإلى الكعبين، والنسائي هنا أورده من أجل ذكر العدد، وهو أنه غسلهما ثلاثاً، غسل الرجل اليمنى ثلاثاً، والرجل اليسرى ثلاثاً، فإذاً ففيه الدلالة على العدد، وقد عرفنا فيما مضى: أنها تغسل مرة، وتغسل اثنتين وتغسل ثلاثاً، وكل هذا جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ترجمة رجال إسناد حديث علي في عدد غسل الرجلين
قوله: [أخبرنا محمد بن آدم].ومحمد بن آدم هو: ابن سليمان الجهني المصيصي، وهو صدوق, خرج حديثه وأبو داود , والنسائي , في الطبعة المصرية (كتاب التقريب)، توفي سنة خمس ومائتين، والصواب: توفي سنة خمسين ومائتين ولهذا روى له النسائي. [عن ابن أبي زائدة]. وابن أبي زائدة يطلق على شخصين: أحدهما: ينسب إلى أبيه، والثاني: ينسب إلى جده، وهنا المقصود هو الذي ينسب إلى الجد؛ لأنه قال: ابن أبي زائدة يروي عن أبيه، وابن أبي زائدة يطلق على يحيى بن زكريا الذي هو حفيد ابن أبي زائدة، وعلى زكريا الذي هو: ابن أبي زائدة؛ وهنا الحفيد يروي عن الأب؛ ولهذا قال: ابن أبي زائدة عن أبيه، يعني: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة يروي عن أبيه زكريا بن أبي زائدة، فإذاً: الموجود في الإسناد هو الحفيد، وقد نسب إلى جده، فقيل: ابن أبي زائدة، وقيل: إنه يروي عن أبيه، وأبوه يقال له: ابن أبي زائدة، إلا أن أباه منسوب إلى ابن أبي زائدة؛ لأنه أبوه، وأما ذاك فنسب إلى جده وليس أباه. ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة هذا ثقة متقن، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، أما أبوه زكريا بن أبي زائدة فهو أيضاً ثقة، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً. [عن أبي إسحاق]. وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي حية الوادعي]. و أبو حية الوادعي سبق أن مر ذكره في بعض طرق هذا الحديث عن علي.وأبو حية هو: ابن قيس الوادعي الهمداني، وهو مقبول، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [رأيت علياً].وعلي هو: أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، زوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وهو أبو السبطين الحسن , والحسين رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية.
حد الغسل
شرح حديث عثمان في غسل الرجلين إلى الكعبين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب حد الغسل:أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره (أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا, ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه) ]. أورد النسائي رحمه الله [ باب حد الغسل ]، يعني: غسل الرجلين، بعدما ذكر عدد الغسلات, وأورد فيها حديث علي رضي الله عنه، وأنه غسلها ثلاثاً. قوله: [ باب حد الغسل ]، يعني: غسل الرجلين وأنه إلى الكعبين، والغاية داخلةٌ في المغي، أي: أن الكعبين مغسولان، فالغاية داخلة في المغي, وهو المغسول، وأورد فيه: حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه, الذي سبق أن مر من طرقٍ متعددة عن حمران نفسه مولى عثمان رضي الله تعالى عن عثمان. أورده هنا من أجل الاستدلال به على ما ترجم له وهو حد الغسل، وأنه إلى الكعبين، وهو مشتملٌ على ما ترجم له، حيث قال: ثم غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، والحديث سبق أن مر؛ ولكنه أورده من أجل اشتماله على ما ترجم له وهو حد الغسل.
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في غسل الرجلين إلى الكعبين
قوله: [ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ].وأحمد بن عمرو بن السرح سبق أن مر ذكره، وهو أبو الطاهر المصري، روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً، وكثير ما يذكره بكنيته، وأحياناً يذكره باسمه، يقول: حدثنا أبو الطاهر، والمقصود بـأبي الطاهر هو: أحمد بن عمرو بن السرح. وهو ثقةٌ، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[ والحارث بن مسكين ].أما الحارث بن مسكين فهو أيضاً المصري، وهو ثقة، وهو قاض في مصر، وخرج له أبو داود , والنسائي، واللفظ المذكور لشيخ النسائي الثاني وهو: الحارث بن مسكين، وقد جرت عادة النسائي كما مر، أنه عندما يذكر الحارث بن مسكين وغيره معه يجعل الحارث بن مسكين هو الثاني، ويقول: واللفظ له، يعني: للحارث بن مسكين، ومرت أحاديث كثيرة متعددة على هذه الطريقة، كأن يذكر مسلم شيخين: أحدهما الحارث بن مسكين، ويجعله الثاني ويقول: [واللفظ له]، أي: للحارث بن مسكين.و الحارث بن مسكين وأحمد بن عمرو بن السرح -وهما مصريان- يرويان عن عبد الله بن وهب .[ عن ابن وهب ].و عبد الله بن وهب مصري، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن يونس ].يروي عن يونس بن يزيد الأيلي، وهو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وابن شهاب هو الزهري الذي مر ذكره مراراً فيما مضى، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ أن عطاء بن يزيد الليثي ].وهو: عطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يزيد الليثي هو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [ أخبره: أن حمران ].وحمران هو مولى عثمان، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ورجال هذا الإسناد من أولهم إلى آخرهم قد مروا: أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، وابن وهب، ويونس بن يزيد، والزهري، وعطاء بن يزيد الليثي، وحمران مولى عثمان، وعثمان، وأحاديثهم كلها عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخي النسائي: الحارث بن مسكين روى له أبو داود, والنسائي، وأحمد بن عمرو بن السرح روى له بالإضافة.
الوضوء في النعل
شرح حديث ابن عمر في الوضوء بالنعال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء في النعل:أخبرنا محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس عن عبيد الله ومالك وابن جريج عن المقبري عن عبيد بن جريج قال: قلت لـابن عمر: (رأيتك تلبس هذه النعال السبتية، وتتوضأ فيها، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويتوضأ فيها) ]. يقول النسائي رحمه الله: [ باب الوضوء بالنعل ]. المراد من هذه الترجمة كما هو واضح: بيان حكم الوضوء في النعل، وهو كون الإنسان يتوضأ في النعال، معنى أنه يتوضأ والنعال عليه؛ لكن بشرط أن يستوعب الرجلين، وأن يكون الماء جاء عليهما جميعاً، وأيضاً ألا يكون في ذلك إتلاف لتلك النعال لكون الماء يؤثر عليها؛ لأن إضاعة المال قد جاء ما يدل على النهي عن ذلك في سنة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن استيعاب الغسل أمر لازم وواجب؛ ولأن إتلاف المال جاء ما يدل على منعه والنهي عنه كما جاء في الحديث: ( إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وقد أورد النسائي في هذا: حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: أن عبيد بن جريج التابعي قال له: ( رأيتك تلبس هذه النعال السبتية وتتوضأ فيها؟ فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها ويتوضأ فيها)، والسبتية: هي المتخذة من الجلود التي لا شعر فيها، والتي دبغت، وقيل: إنها مأخوذةٌ من السبت, أو مضافة إلى السبت، وهي جلود البقر، وابن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما سئل عن ما رؤي يفعله، أجاب بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وفي هذا دليلٌ على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الالتزام بالسنن والأخذ بها، وكذلك أيضاً ما كان عليه سلف هذه الأمة؛ لأن ذلك التابعي الذي رآه يلبس النعال السبتية ويتوضأ فيها سأله عن ذلك, فأجابه بمستنده وبالمعول الذي عول عليه فيه، وهو كونه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، ففيه بيان ما كان عليه الصحابة من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان ما كان عليه التابعون من الحرص على معرفة السنن والآثار، وسؤالهم عما يرونه مما قد يرونه مشكلاً، فيسألون أو ينبهون على ذلك، فيعرفون وجه الصواب في ذلك، ويعرفون المستند إليه في ذلك، وهو ما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوضوء بالنعال
قوله: [أخبرنا محمد بن العلاء]. ومحمد بن العلاء هو أبو كريب الهمداني، ويأتي ذكره لأول مرة، وهو مشهور بكنيته، وكثيرٌ ما يأتي بكنيته، والإمام مسلم أكثر من الرواية عنه، ويذكره غالباً بالكنية، أو يجمع الكنية والاسم، والنسائي ذكره هنا باسمه ونسبه، ولم يذكره بكنيته. وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا ابن إدريس ]. و ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس الأودي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عبيد الله ]. وعبيد الله هذا لم ينسب ولم يأت ذكره فيما مضى، وهو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقولون له: العمري المصغر، ويقولون ذلك تمييزاً له عن أخيه الذي هو: عبد الله العمري المكبر، وهذان الأخوان، هذا الأول المصغر: هو عبيد الله المصغر هذا ثقة، وأما الثاني المكبر: هو عبد الله فهو ضعيف، فيميزون بين الاثنين بالتعبير بالمصغر والمكبر، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ ومالك ]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ وابن جريج ]. و ابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز المكي ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، فـعبد الله بن إدريس الأودي يرويه عن ثلاثة من شيوخه، وهم: عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، وهؤلاء الثلاثة الذين هم مشايخه، هم من الثقات, ومن رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن المقبري ].والمقبري هو سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان أبو سعيد المقبري، فالمقبري تطلق على سعيد , وتطلق على كيسان، كلهم يقال لهم: المقبري؛ لكن المراد هنا في الإسناد هو: سعيد الذي هو الابن, وهو ثقةٌ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن عبيد بن جريج ].و عبيد بن جريج هو التيمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب، إلا الترمذي فإنه لم يخرج له في السنن, وإنما خرج له في الشمائل.[ قلت لـابن عمر ]. وابن عمر هو الصحابي الجليل: عبد الله بن عمر وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابرٌ وزوجة النبي
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:28 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(46)
- باب المسح على الخفين
وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشروعية المسح على الخفين، بل بلغت حد التواتر، ومن ذلك أحاديث المغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن أمية وغيرهم.
المسح على الخفين
شرح حديث جرير بن عبد الله في المسح على الخفين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين.أخبرنا قتيبة حدثنا حفص عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ( أنه توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح؟! فقال: قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح، وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير ، وكان إسلام جرير قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ) .. ].أورد النسائي المسح على الخفين؛ لأن النسائي رحمه الله لما ذكر فروض الوضوء جاء عند مسح الرأس فذكر مسح الرأس وما يتفرَّع عنه؛ الذي هو المسح على العمامة، ففرع ما يتعلق بالمسح، فجعل ما يتعلق بالرأس تابعاً لمسح الرأس. ولمَّا ذكر غسل الرجلين ذكر ما يتفرَّع عن مسح الرجلين؛ وهو المسح على الخفين فيما إذا كانت مغطاتين بالخفاف، وكذلك ما يماثلها من الجوارب.فإذاً: النسائي رحمه الله ذكر فروض الوضوء، ولما فرغ من الأصل الذي هو مسح الرأس, عقَّبه بما يتعلق بالفرع عنه وهو المسح على العمامة، ثم انتقل إلى غسل الرجلين، ولما فرغ مما يتعلق بغسل الرجلين, عقَّبه بما يتعلق بالفرع عنه وهو المسح على الخفاف. والمسح على الخفين أورد فيه عدة أحاديث:أولها: حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه ( أنه توضأ ومسح على الخفين، فقيل له: أتمسح؟! قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عليهما )؛ يعني: على الخفين، فهو دليل على ثبوت المسح على الخفين، وأحاديث المسح على الخفين كثيرة، بل قيل: إنها متواترة، وأنها جاءت عن جماعة من الصحابة، وينصون عليهما فيما يتعلق أحياناً بكتب العقائد؛ للإشارة إلى مخالفة بعض أهل البدع فيهما: والمسح عليهما في الحضر والسفر كما جاء به الأثر, يأتي أحياناً ذكره في كتب العقائد؛ للتنبيه إلى ثبوت السنة في ذلك وتواترها، وعمل المسلمين فيها، وأن بعض أهل البدع خالف في ذلك، فهم ينصون عليها في كتب العقائد لهذا، والأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، فهو دال على مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على الخفين.
تراجم رجال إسناد حديث جرير بن عبد الله في المسح على الخفين
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو قتيبة بن سعيد الذي مر ذكره مراراً، وهو أول شيخ روى له النسائي في سننه، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، يروي عنه النسائي أحاديث كثيرة.[ حدثنا حفص ].حفص هو ابن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، والذي مر ذكره قريباً، يروي عنه ابن عمه طلق بن غنام وطلق بن غنام وحفص بن غياث ابنا عم؛ لأن غنام وغياث أولاد لـطلق بن معاوية، وحفص بن غياث هذا هو الذي مر في ما مضى يروي عنه ابن عمه طلق بن غنام ، وحفص بن غياث هذا ثقة خرَّج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن الأعمش].الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو يأتي باللقب كما هنا، ويأتي ذكره بالاسم والنسب كما يأتي في بعض الأسانيد، ولكنه مشهور بلقبه وهو الأعمش ، وقد ذكرت فيما مضى أن فائدة معرفة الألقاب؛ حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته، فالذي لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، ومن عرف أن الأعمش كنية لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، فإذا جاء مرة باسمه ومرة بلقبه عرف بأن هذا هو هذا وأن هذا هو هذا، ولا يلتبس على من يعرف، ومن لا يعرف يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه يظن أن سليمان غير الأعمش، وأن الأعمش غير سليمان ، والأعمش ثقة, من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].إبراهيم هو ابن يزيد النخعي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى, في مواضع عديدة، وهو نخعي, كوفي، وهو ثقة, فقيه, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, وهو من رجال الجماعة، وذكرت لكم فيما مضى كلمة تؤثر عنه وأنه هو السابق إليها، وهو أول من قالها, وهي التعبير بعبارة: (ما لا نفس لها سائلة) لا ينجس الماء إذا مات فيه، التعبير عن الحيوانات التي لا دم فيها بأنها لا نفس لها سائلة؛ لأن الدم يقال له: نفس.. ويطلق عليه نفس، فيعبرون عن الدواب التي لا دم فيها كالجراد وكالذباب بأنه لا نفس لها سائلة، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهي من أولياته، وقد ذكر ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد، حيث قال: أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة هو إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهو محدث فقيه.[ عن همام ].همام يأتي ذكره لأول مرة، وهو همام بن الحارث بن قيس بن عمر النخعي، الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. وجاء في آخر الإسناد: (وكان أصحاب عبد الله يعني: عبد الله بن مسعود يعجبهم قول جرير ) يعني: كونه يروي حديث المسح على الخفين؛ ذلك لأن جريراً أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومعنى هذا: أنَّ المسح على الخفاف كان في أواخر الأمر، وكان في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه حكم محكم غير منسوخ؛ لأن ذلك وقع؛ لأن كون جرير هو الذي يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين، وكان ذلك في آخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام.
حديث عمرو بن أمية: (أنه رأى النبي توضأ ومسح على الخفين) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا العباس بن عبد العظيم حدثنا عبد الرحمن حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه رضي الله عنه ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين ) .. ]. هذا أيضاً حديث آخر عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه (أنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين) وهو حديث آخر عن صحابي آخر، فالحديث الأول عن جرير ، وهذا عن عمرو بن أمية الضمري ، ويقول: (إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ومسح على الخفين) فهو من جملة الأحاديث الدالة على إثبات هذا الحكم؛ وهو: المسح على الخفين. قوله: [ أخبرنا العباس بن عبد العظيم ].العباس بن عبد العظيم هو: العنبري، وهو يأتي ذكره لأول مرة، وهو بصري ثقة، وممن خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عبد الرحمن ].عبد الرحمن هو: ابن مهدي ، الإمام المشهور, الثقة, الحافظ, العارف بالحديث والرجال، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند الكتب الستة وهو بصري.[ حدثنا حرب بن شداد ].حرب بن شداد هو اليشكري, البصري، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ عن يحيى بن أبي كثير ].يحيى بن أبي كثير هو: يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد سبق أن ذكرت لكم عنه الكلمة العظيمة التي بين فيها أن تحصيل العلم لا يحصل بالراحة، وإنما يحصل بالتعب، والذي روى عنه هذه الكلمة الإمام مسلم في صحيحه, في أثناء سياقه لطرق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوقات الصلاة، فإنه روى بإسناده -أي: الإمام مسلم - عن يحيى بن أبي كثير قال: (لا يُستطاع العلم براحة الجسد) يعني: لا يحصل العلم بالراحة، وإنما العلم يحصل بالتعب والمشقة والعناء، فهو صاحب هذه الكلمة العظيمة. وهو من رجال الجماعة، ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سلمة ].أبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن الذي سبق أن مرَّ ذكره فيما مضى، بل في أول حديث في سنن النسائي جاء ذكر أبي سلمة هذا، وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنني سبق أن ذكرت لكم أن الفقهاء السبعة في المدينة من التابعين كانوا في عصر واحد، وكانوا أهل حديث وأهل فقه فيطلق عليهم الفقهاء السبعة، وستة منهم متفق عليهم، والسابع فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر.[ عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري ].جعفر هو: ابن عمرو بن أمية الضمري وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فهو مثل حرب بن شداد الذي مر ذكره في أثناء الإسناد، وخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[ عن أبيه ].أبوه الذي يروي عنه هو صحابي الحديث، وهو عمرو بن أمية الضمري ، فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله عشرون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على حديث منها، وانفرد البخاري بحديث، ولم ينفرد مسلم بشيء، فهي عشرون حديثاً.
شرح حديث أسامة بن زيد في المسح على الخفين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود واللفظ له عن ابن نافع عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة : فسألت بلالاً: ما صنع؟ فقال بلال : ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى)] . حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه هو من جملة أحاديث المسح على الخفين؛ لأن النسائي رحمه الله عقد ترجمة وهي باب: المسح على الخفين، فأورد فيه جملة من الأحاديث تدل على المسح على الخفين، والنسائي رحمه الله ذكر جملة من الأبواب في المسح على الخفين، فذكر باباً مطلقاً, وهو باب: المسح على الخفين، وهو يشمل المسح مطلقاً؛ يعني: في الحضر والسفر، فترجمة تتعلق بالمسح بالمسافر، وترجمه تتعلق بالمسح بالمقيم، وهذه الترجمة الأولى من تلك التراجم, وهي مطلقة تشمل المسافر والمقيم.وهذا الحديث الذي هو حديث أسامة بن زيد يدل على المسح للمقيم؛ لأن ظاهره أنه كان في الحضر؛ لأن قوله: (أنه دخل الأسواق) هو مكان في المدينة، وكان هو وبلال ، فسأل أسامة بن زيد بلالاً رضي الله تعالى عنهما: ( ما صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فقال أنه قضى حاجته, ثم توضأ ومسح على خفيه )، ومحل الشاهد: (ومسح على خفيه)، لكن قوله: (أنه دخل الأسواق) هو وبلال يشعر بأن هذا المسح إنما كان في حال الحضر. ويدلنا أيضاً هذا الحديث على ما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الحرص على معرفة السنن، والسؤال عن أفعال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وسننه عليه الصلاة والسلام؛ لأن أسامة رضي الله عنه سأل بلالاً رضي الله عنه عن الذي صنعه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبين أنه توضأ ومسح على خفيه، ثم صلى؛ يعني: أنه بعد ما قضى حاجته, توضأ ومسح على الخفين، ثم صلى، ولم ينزع الخفين عندما قضى حاجته، بل مسح عليهما.وقد ذكرت سابقاً أن أحاديث المسح كثيرة متواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام, وقد بلغت حد التواتر، وقيل: إنها جاءت عن نحو سبعين صحابياً؛ منهم العشرة المبشرين بالجنة، رضي الله تعالى عنهم. إذاً: فأحاديث المسح على الخفين متواترة, جاءت عن عدد كبير عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن زيد في المسح على الخفين
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود واللفظ له].عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم سبق أن مر ذكره فيما مضى، وقد جمع هنا بين اسمه وكنيته ولقبه، وقد ذكرت فيما مضى أنه أورده بالاسم والنسب دون اللقب، وأما هنا فقد جمع بين الاسم واللقب؛ لأنه عبد الرحمن بن إبراهيم ، ولقبه دحيم ، وذكرت فيما مضى أن: الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء؛ لأن دحيم مأخوذة من عبد الرحمن، ومثل ذلك عبدان من عبد الله، وعباد من عبد الله، وغير ذلك من الألقاب التي تؤخذ من الأسماء، وقد ذكرت مراراً أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين هي: ألّا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن من ذكر بالاسم غير من ذكر في اللقب لو ذكر في اللقب، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم هذا ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . أما سليمان بن داود فقد أيضاً مر ذكره فيما مضى، وهو مصري، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [ عن ابن نافع ].ابن نافع هو: عبد الله بن نافع بن أبي نافع الصائغ ، وهو ثقة، في حديثه لين، وقد خرج له أبو داود ، وخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن داود بن قيس ].داود بن قيس هو: الفراء الدباغ، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن زيد بن أسلم ].زيد بن أسلم قد مر ذكره، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عطاء بن يسار ].عطاء بن يسار أيضاً قد مر، وهو ثقة, خرج حديثه أيضاً أصحاب الكتب الستة.[ عن أسامة بن زيد ].أسامة بن زيد هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحب رسول الله عليه الصلاة والسلام, وابن حبه، وهو الذي أمره الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم أمضى أبو بكر الصديق إمارته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله مائة وثمانية وعشرون حديثاً، انفرد البخاري ومسلم في كل منها بحديثين؛ البخاري انفرد بحديثين، ومسلم انفرد بحديثين.
شرح حديث سعد بن أبي وقاص: (أن رسول الله مسح على الخفين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه مسح على الخفين)]. ذكر النسائي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أحد الستة أصحاب الشورى، وحديثه: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين )، فهو من جملة الأحاديث الكثيرة عن عدد كبير عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, ورضي الله عنهم وأرضاهم, الدالة على المسح على الخفين.
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص: (أن رسول الله مسح على الخفين)
قوله: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].سليمان بن داود هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي . ومثله الحارث بن مسكين ، فهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي أيضاً، وقد سبق أن مر ذكره. وقول النسائي : (قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له) هذه طريقة النسائي أنه إذا ذكر الحارث بن مسكين ومعه غيره، يجعل الحارث بن مسكين هو الثاني، ثم يقول: (قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له) هذا هو الغالب على طريقة النسائي. وسليمان بن داود المصري، والحارث بن مسكين المصري ، كل منهما ثقة، ولم يخرج لهما الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه . [عن ابن وهب].ابن وهب هو عبد الله بن وهب البصري الذي مر ذكره مراراً، وهو محدث, فقيه, ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن الحارث].عمرو بن الحارث هو أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كما مر ذكر ابن وهب. [عن أبي النضر].أبو النضر هو سالم بن أبي أمية المدني ، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة].أبو سلمة هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره مراراً، بل قد مر ذكره في أول حديث عند النسائي ، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وذكرت مراراً أنه أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم، وذكرت أن في أحد الأقوال أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وثانيها أنه: أبو بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، وثالثها أنه: سالم بن عبد الله بن عمر .[عن عبد الله بن عمر].عبد الله بن عمر هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي ابن الصحابي الذي هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره مراراً.[عن سعد بن أبي وقاص].سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه وأرضاه لهم أمر تولية واحد منهم إليهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكان قد ولاه على الكوفة، وقد عزله منها؛ لما قد خشي أن يحصل من الفتنة بينه وبين أهل الكوفة، ثم إنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه -أي: عمر - لما جعل الأمر شورى بين فضل سعد بن أبي وقاص ، وأنه ما عزله من عجز ولا خيانة، وإنما قال: فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستشره من أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. فنبه على عزله من الكوفة فيما مضى، وأن السبب في ذلك ما خشي أن يحصل من الفتنة بينه وبينهم، فهو لم ينس أن ينبه على فضله، وأن يبين أن عزله لا ينبغي أن يؤثر على اختياره، فقال: فإن أصابت الإمارة سعداً فذاك، وإلا فليستشره أو فليستعن به من أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، رضي الله تعالى عن عمر وعن سعد وعن الصحابة أجمعين، وهو الذي تولى أو قاد الجيوش لقتال الفرس ولفتح بلادهم، وهو الذي فتحت على يديه بلاد كسرى, وأخذت كنوز كسرى، وأرسلت إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فقسمها في المدينة، رضي الله تعالى عن عمر, وعن سعد، وعن الصحابة أجمعين.وهذا الحديث فيه: رواية صحابي عن صحابي؛ هو عبد الله بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص ، وأيضاً فيه: رواية أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فالصحابي عن الصحابي عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص، والتابعي عن التابعي أبو النضر عن أبي سلمة.
شرح حديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: أخبرنا قتيبة حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (في المسح على الخفين أنه لا بأس به)]. هنا أورد النسائي حديث سعد بن أبي وقاص من طريق أخرى، وهو من رواية أبي سلمة عن سعد ؛ لأن الطريق الأولى التي قبلها: عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد ، والطريق الثانية: عن أبي سلمة عن سعد رأساً؛ يعني: أنه من رواية تابعي عن صحابي، وذاك الذي قبله صحابي عن صحابي، ومن المعلوم أن مثل هذا يحمل على أن أبا سلمة سمعه من عبد الله بن عمر عن سعد ، ثم لقي سعداً ورواه عنه مباشرة، فيكون رواه على الوجهين؛ على كون بينه وبين سعد واسطة، وعلى كونه ليس بينه وبينه واسطة، وهذا كثيراً ما يأتي في الأسانيد؛ أن يكون الراوي يرويه عن شخص بواسطة, ثم يلق ذلك الشخص المروي عنه فيروي عنه مباشرة، فيكون رواه على الحالين؛ على الحالة التي فيها واسطة بينه وبينه، وعلى الحالة التي لا واسطة بينه وبينه.عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في المسح على الخفين لا بأس به ). وكأن هذا اللفظ رواية بالمعنى، وإضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه رخصة، وأن المسح على الخفين رخصة؛ لما في نزعهما عند الوضوء من المشقة، ورخص للناس أن يمسحوا عليهما، وألا يحتاج الأمر إلى نزعهما وغسلهما، بل رخص لهم أن يمسحوا عليهما.
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو: ابن سعيد ، وهو أحد الثقات الذين حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر].هوإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن عقبه].هو موسى بن عقبه بن أبي عياش ، وهو ثقة, فقيه، إمام في المغازي، يقال: إن مغازيه أصح المغازي، قال ذلك الحافظ ابن حجر ، بل إنه قال في فتح الباري: إن مغازيه أصح المغازي, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي النضر].أبو النضر هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو: سالم بن أبي أمية المدني ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة].هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وهو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا أيضاً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن أبي وقاص].سعد بن أبي وقاص حديثه عند أصحاب الكتب الستة. إذاً فهؤلاء الرجال في الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وكلهم يقال لهم: ثقات إلا سعد بن أبي وقاص فهو لا يحتاج إلى أن يوصف بوصف أشرف وأفضل من أن يقال: إنه صحابي صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وزاد مع كونه صحابياً أن يكون من خيار الصحابة، ومن المقدمين في الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. إذاً جميع الرجال من رجال الكتب الستة، وجميع الرجال دون الصحابي كلهم من الثقات.
شرح حديث المغيرة في المسح على الخفين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن المغيرة بن شعبة قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته، فلما رجع تلقيته بإداوة فصببت عليه فغسل يديه, ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه فضاقت به الجبة، فأخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما، ومسح على خفيه, ثم صلى بنا)]. هنا أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة ، وهو حديث تكرر في قصة كونه كان معه في غزوة تبوك، وأنه كان في الجيش، فالرسول قرع ظهره بعصاه ثم عدل وعدل معه وقضى حاجته، ثم أنه صب عليه الماء، وتوضأ عليه الصلاة والسلام وعليه جبة شامية، ثم أنه أراد لما جاء عند غسل اليدين أراد أن يخرج ذراعيه، فضاقت أكمام الجبة؛ فلم يتمكن من إخراج الذراعين لغسلهما، فأخرج يديه من تحت الجبة، ثم غسل ذراعيه وتوضأ, وغسل ذراعيه ومسح رأسه وعلى خفيه. وفي هذا الحديث قال: (ثم صلى بنا)، والطرق المتعددة التي جاءت تدل على أنهم لحقوا بالجيش، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر، وأنهم قدموا عبد الرحمن بن عوف وصلى بهم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل معه وصلى معه الركعة الأخيرة، ثم لما سلم عبد الرحمن قام هو والمغيرة بن شعبة وقضيا الركعة التي سبق بها، والأحاديث والطرق كلها تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان إماماً, وإنما كان مأموماً في هذه القضية، وهنا قال: (ثم صلى بنا). ثم أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة من طريق أخرى، وهو قد مر مراراً، وفيه أن الرسول قضى حاجته ومعه إداوة من ماء، وفي بعض الروايات: (مطهرة)، وفي بعضها: (صفيحة)، يعني: ذلك الوعاء بألفاظ متعددة، وأنه سكب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ ومسح على خفيه.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:30 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(47)
- (باب المسح على الخفين في السفر) إلى (باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر)
جاءت اوالمشقة، ومن ذلك جواز المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، ويلحق بالخفين الجوارب؛ دفعاً للمشقة وتخفيفاً على المسافرين.
المسح على الخفين في السفر
شرح حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين في السفر.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة يحدث عن أبيه رضي الله عنه أنه قالhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs= كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال: تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس، فتخلفت، ومعي إداوة من ماء, ومضى الناس، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فلما رجع ذهبت أصب عليه وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة, فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ومسح على خفيه)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على الخفين في السفر. قد ذكرت فيما مضى أن النسائي رحمه الله عندما ذكر غسل الرجلين، وذكر الأبواب المتعلقة بالغسل من حيث الإيجاب، ومن حيث عدد الغسلات، ومن حيث حد الغسل، وأنه إلى الكعبين, وأن الغاية داخلة في المغيا، أورد بعد ذلك ما هو فرع عن غسل الرجلين, وهو: المسح على الخفين، فذكر أولاً باباً عاماً يتعلق بالمسح على الخفين، وهو مطلق ليس فيه ذكر سفر ولا حضر، إلا أنه في أحد الأحاديث التي مضت فيه إشارة إلى أنه كان في حضر، وهو حديث أسامة بن زيد : ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الأسواق هو وبلال لحاجته وخرج، وسأل أسامة بلالاً رضي الله عنهما: ماذا صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبين أنه توضأ ومسح على خفيه ). وعرفنا -فيما مضى- أن قوله: (في الأسواق، أو دخل الأسواق) أن ذلك في حضر؛ لأن لفظ الأسواق يشعر بهذا، وكذلك أيضاً مر في بعض الأحاديث ذكر أن المغيرة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فهو أيضاً يشعر بالسفر.ولما فرغ من هذه الترجمة والأحاديث المتعلقة بها، ذكر بعد ذلك هذه الترجمة، وهي: باب المسح على الخفين في السفر، وأورد فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من الطرق الكثيرة, وهو أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك في غزوة تبوك، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس)، هذه الرواية هنا، وسبق في بعض الروايات السابقة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرع ظهره بالعصا، ثم قال: اعدل, فعدلت معه ) يعني: مال إلى جهة غير الجهة التي ذهب فيها الجيش، وذهب وقضى حاجته، وهنا قال: (تخلف يا مغيرة! وامضوا أيها الناس) أي: امضوا في طريقكم وفي سيركم، وهو ذهب لقضاء حاجته، ومعه المغيرة بن شعبة .فيحكي المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى حاجته، وأنه لما فرغ، وإذا مع المغيرة مطهرة, أو إداوة، وهو وعاء فيه ماء، فسكب على الرسول صلى الله عليه وسلم منه فتوضأ وغسل وجهه، ولما أراد أن يغسل اليدين, وكان عليه جبة رومية، فأراد أن يخرج الذراعين ليغسلهما إلى المرفقين، وإذا بأكمام الجبة ضيقة, فلم يتمكن من إخراج ذراعيه من الجبة؛ حتى يتبين المرفقان فيغسل هذين العضوين من أعضاء الوضوء، فعند ذلك أخرج يده من تحت الجبة وغسل وجهه، واليدين إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم مسح على خفيه، وهذا هو محل الشاهد: (بأنه كان في سفر)، وهنا قال: (مسح على خفيه).والحديث سبق مراراً من طرق في مواضع عديدة في صفة الوضوء؛ لأنه مشتمل على فروض الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في المسح على الخفين في السفر
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].محمد بن منصور سبق أن عرفنا -فيما مضى- أن للنسائي شيخين, كل منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: الجواز المكي، لقبه الجواز، والمكي من أهل مكة، والثاني: محمد بن منصور الطوسي، وكل منهما أخرج له النسائي، وكل منهما روى عن السفيانين، إلا أن سفيان هنا مبهم، فيحمل على أنه ابن عيينة ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، فهو أقرب من سفيان الثوري ؛ لأن سفيان الثوري من أهل الكوفة. ومحمد بن منصور الجواز مكي، وقد مر -فيما مضى- أنه روى له النسائي وحده، وهو ثقة.[حدثنا سفيان بن عيينة].أما سفيان بن عيينة فقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة, حافظ, فقيه, عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت إسماعيل بن محمد].إسماعيل بن محمد بن سعد، وهو: ابن أبي وقاص, قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة, حجة، وخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه.[سمعت حمزة بن المغيرة].حمزة بن المغيرة ، ثقة، وخرج له مسلم, والنسائي, وابن ماجه.[عن أبيه].هو المغيرة بن شعبة ، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن المغيرة وعن الصحابة أجمعين، وكان أميراً على الكوفة، وتوفي وهو أمير عليها، وكان ذكياً داهية، معروفاً بالدهاء، وهو الذي سبق أن ذكرت لكم: أنه لما كان في حرب الفرس طلبوا واحداً يكلمهم، فذهب المغيرة بن شعبة وتكلم كلاماً عظيماً, جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي؛ يعني: فيه ما يدل على عزة نفسه، وعلى قوته وشجاعته، فإنه قال: كنا كذا فأرسل الله إلينا رسولاً دعانا إلى كل خير، وأمرنا بالجهاد، فإن استجبتم لنا دخلتم فيما دخل فيه الناس، وإلا فإننا نقاتلكم حتى يحصل كذا وكذا، فكان له موقف عظيم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
المسح على الجوربين والنعلين
شرح حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الجوربين والنعلين.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع أخبرنا سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين).قال أبو عبد الرحمن : ما نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ).أورد النسائي هذا الحديث, وهو ليس موجوداً في بعض نسخ النسائي، ويقال: إنه ليس في نسخة ابن السني الذي هو أحد رواة النسائي، والذي هذه السنن التي بأيدينا هي من روايته، وقد عرفنا -فيما مضى- أن من العلماء من قال: هو الذي اختصرها من السنن الكبرى، ولكن الصحيح أن الذي اختصرها هو النسائي، وليس ابن السني ، وإنما ابن السني هو أحد رواتها؛ أي: السنن الصغرى.فهذا الحديث في بعض النسخ مذكور, وهو حديث المسح على الجوربين والنعلين. والمقصود بالجوربين والنعلين: المسح على الجوربين إذا كانا في نعلين، وليس المقصود من ذلك المسح على الجوربين وحدهما، وعلى النعلين وحدهما؛ لأن النعلين لا يمسح عليهما؛ لأنهما لا يغطيان الرجلين، لأن المعروف عن النعال أنها جزء منها مكشوف، والخفاف هي التي تغطي الرجلين.فإذاً: المسح على الجوربين والنعلين، يعني: إذا كانت الرجل فيها جوربان, ثم لبس عليها نعلين، يعني: مع الجوربين، فيمسح على النعلين والجوربين في آنٍ واحد، وليس المقصود من ذلك التفريق.وقد أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين)، ثم قال أبو عبد الرحمن وهو النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح أنه جاء عن المغيرة في أحاديث كثيرة, ومن طرق عديدة، وهو ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ), وجاءت هذه الطريق عن المغيرة وفيها ذكر الجوربين والنعلين، فمن العلماء من تكلم في هذا الحديث وضعفه، ومنهم النسائي, وقال: إن هذه الرواية عن أبي قيس وقد خالف فيها الذين رووا عن المغيرة أحاديث المسح؛ لأنهم يطبقون على ذكر الخفين، وأبو قيس انفرد بهذه الرواية عن هزيل بن شرحبيل بذكر الجوربين والنعلين، فقالوا: إن الصحيح هو أن حديث المغيرة إنما هو في المسح على الخفين، وأن ذكر الجوربين والنعلين غير محفوظ.ومن العلماء من صحح هذه الرواية، وقال: إن رجالها ثقات، وأبو قيس الذي انفرد بهذه الرواية خرج له البخاري في صحيحه، وخرج له أصحاب السنن الأربعة، فيكون ما جاء عنه يعتبر زيادة، ويعتبر حديثاً مستقلاً، ولا يقال: إنها معارضة للأحاديث التي جاءت عن المغيرة في المسح على الخفين؛ لأنه لو كانت القصة واحدة في أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وأنه كان عليه جبة، وأنه أراد المسح على الجوربين، عندها يمكن أن يقال: هذه شاذة؛ لأن الذين رووا أحاديث قصة كونه مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، كلهم قالوا: الخفين، ولكن هذه ما ذكر فيها قصة السفر، ولا ذكر فيها أنه كان عليه جبة، وأنه كان يسكب عليه الماء، فلو أنه كان جاء ذكر قصة السفر والجبة وما إلى ذلك لقيل: هذه رواية شاذة، مثلما قلنا في حديث مضى، في بعض طرقه: (ثم صلى بنا)، مع أن الطرق كلها في أن الذي صلى هو عبد الرحمن بن عوف، وأما هذا فيعتبر حديثاً مستقلاً.والذي يظهر ويبدو أنها صحيحة، وأنها لا تتعارض مع الراوية السابقة؛ لأن تلك حادثة وهذه حادثة.وممن ضعفها ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن، ولكنه قال: بأن المسح على الجوربين ثابت بفعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ثبوت المسح على الجوربين ليس على هذا الحديث، وإنما بفعل الصحابة الذين هم ثلاثة عشر, كلهم جاء عنهم المسح على الجوربين، ولكن كما أشرت أن الحديث صحيح، وقد صححه الترمذي وغيره، وإسناد رجاله ثقات.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله مسح على الجوربين والنعلين)
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو ابن راهويه ، الإمام الثقة, المحدث, الفقيه، الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[ حدثنا وكيع ].هو وكيع بن الجراح الحافظ, الثقة, المصنف, الذي مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا سفيان ].قد عرفنا فيما مضى أن وكيعاً إذا روى عن سفيان فيحمل على الثوري إذا كان غير منسوب.إذاً: إذا قال: وكيع حدثنا سفيان، فيحمل على الثوري ؛ لأن وكيعاً مكثر عن الثوري ومقل عن ابن عيينة ، ثم أيضاً هو من أهل بلد الثوري ؛ لأنهما كوفيان، وأما ابن عيينة فهو مكي. فإذاً: ملازمته واتصاله أكثر بـالثوري. وقد قلنا في محمد بن منصور الجواز : أنه أولى أن يكون الجواز من أن يكون الطوسي ؛ لأن الجواز مكي، وابن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي ووكيع بن الجراح كوفي.وسفيان الثوري ثقة، حافظ، مكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد الأشخاص الذين وصفوا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة تعتبر من أعلى وأرفع ما يكون من صيغ التعديل، بل من العلماء -كما ذكرت- من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وشعبة أيضاً وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وذكرت سبب التفضيل وهو: أنهم يعدون أغلاط الاثنين، ومن كان أقل غلطاً, وكلهم أغلاطهم قليلة، ولكن من كان أقل غلطاً اعتبروه أقدم وأرفع، وهذه المفاضلة إنما هي للذين في القمة، فمن يكون في القمة فإنه يفاضل بينهم بعد أخطائهم، فمثلاً: هذا يجدون عنده عشرة أخطاء، وهذا عنده خمسة أخطاء، فالذي عنده خمسة أخطاء يعتبر أحسن.[ عن أبي قيس ].هو عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ربما خالف، ولعله يشير إلى هذه المخالفة التي قال عنها النسائي: لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية. وهو من رجال البخاري, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن هزيل بن شرحبيل ].وهو أيضاً الأودي الكوفي، وهو مثله من رجال البخاري , وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة؛ لأن كلاً من أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي ، وهزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي حديثه عند البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهما مسلم شيئاً.[ عن المغيرة بن شعبة ].وهو الصحابي الذي مر ذكره مراراً.فنجد أن إسحاق بن إبراهيم، ووكيع، وسفيان، نجد أن هؤلاء الثلاثة كلهم خرج لهم البخاري، بل إسحاق بن إبراهيم خرج له الستة إلا ابن ماجه، وكل من وكيع وسفيان الثوري، خرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو قيس، وهزيل خرج لهما البخاري . إذاً: فالإسناد كله من رجال الصحيح، وكون أبي قيس انفرد بهذه الرواية، فهي تعتبر حديثاً مستقلاً، ولا تعتبر معارضة لحديث الخفين؛ لأن هذه حادثة وهذه حادثة.إذاً: فالحديث ثابت، وبعض الذين لا يقولون بثبوته ومنهم: ابن القيم، يقولون: إن العمدة في ذلك ليس الحديث، ولكن فعل ثلاثة عشر صحابياً من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم، فقد كانوا يمسحون على الجوارب.
التوقيت في المسح على الخفين للمسافر
شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أنه قال: (رخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن) ].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: التوقيت في المسح على الخفين للمسافر. وأورد فيه حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه الذي يقول فيه: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، فهو يدل على أن المسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليها؛ يعني: يبقى الخفان أو الجوارب عليه ثلاثة أيام بلياليها ويمسح عليها.ولكن متى يبدأ المسح؟ أو متى يبدأ العد لليالي؟ فمن العلماء من قال: إنه من اللبس، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان إذا لبس على طهارة، واستمر على طهارة، فوجود الخفين مثل عدمها، كأنه لم يلبس الخفين ما دام على طهارة، فالفترة التي كان فيها على وضوء فهذه غير محسوبة؛ لأنه كأنه لم يلبس الخفين، لأنه لو لم يلبسهما فإنه يظل على طهارة، وإنما الاستفادة من الخفين فيما إذا أحدث وصار يمسح، فبدل من أن يخلعها ويغسلها فإنه يمسح عليها، وأما أن يكون على وضوء فلا تحسب المدة.بقي قولان: هل وقت المسح يبدأ من الحدث أو من المسح؟ يعني: هل إذا الإنسان أحدث أول إحداث بعد اللبس يبدأ ويعد ثلاثة أيام ولياليها، أو أنه يبدأ من المسح؟ وعلى هذا فالإنسان يحدث, ثم يمضي عليه وقت ولم يتوضأ، مع ذلك يبدأ يحسب من المسح.إذاً: القضية رجعت إلى قولين: من العلماء من قال: إنه يبدأ من الحدث، ومنهم من قال: يبدأ من المسح، والقول بأنه يبدأ من الحدث هو الأولى؛ لأن فيه الاحتياط في الدين، فمن حين أحدث يبدأ الإنسان يحسب المدة، وقبل أن يحدث كأنه لم يلبس؛ يعني: اللبس وعدمه سواء بالنسبة له.يقول: (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)، أي: فنحن نمسح في هذه الفترة، فإذا مضت هذه المدة التي هي ثلاثة أيام بلياليها تعين خلع الخف, وعلى الإنسان أن يتوضأ، ولا يجوز له أن يزيد على ثلاثة أيام بلياليها، وكما قلت لكم: الثلاثة الأيام بلياليها تبدأ إما من الحدث, أو من المسح، ولكن كونه من الحدث أحوط في الدين؛ لأن الإنسان كان على غير طهارة من حين وجد منه الحدث، فيبدأ يحسب من الحدث.
تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد، وهو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة ؛ لأنه هو الذي روى عنه قتيبة، لأن المزي في كتابه تهذيب الكمال ذكر من الذين روى عنهم قتيبة سفيان بن عيينة ، ولم يذكر سفيان الثوري.وسفيان بن عيينة -كما عرفنا ذلك- هو أحد الثقات, الحفاظ، وهو من رجال الكتب الستة.[عن عاصم].عاصم يأتي ذكره لأول مرة، وهو عاصم بن أبي النجود أحد القراء، إمام في القراءات، وحجة في القراءات، وهو صاحب القراءة المشهورة قراءة عاصم . وأبو النجود اسمه بهدلة، أي: عاصم بن بهدلة ، ولكن أباه مشهور بكنيته، ولهذا يغلب ذكره، فيقال: عاصم بن أبي النجود ، وأحياناً يأتي مهملاً -كما هنا- غير منسوب، وهو كوفي، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق, له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون؛ يعني: له أحاديث صحيحة، لكنه مقرون بغيره في الرواية، أي: لم يرووا عنه باستقلال، وهو يعتبر من رجال الجماعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ولكنه في الصحيحين مقرون بغيره.[ عن زر ].هو ابن حبيش بن حباشة الأسدي الكوفي ، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن صفوان ].هو صفوان بن عسال رضي الله عنه، وهو من مراد، فهو مرادي، يعني: من اليمن. وحديثه عند الترمذي, والنسائي, وابن ماجه .وقد يقول قائل: ما هو الجورب؟ أو ما الفرق بينه وبين الشراريب؟الجورب هو الشراريب، والجورب هو ما يغطي الرجلين, لكن ليس من الخفاف، وإنما من القماش؛ يعني: ما اتخذ من القماش المنسوج فهي الجوارب، ولكن بحيث تكون مغطية للبشرة، ولا يكون وجودها كعدمها؛ يعني: من حيث إنها شفافة، أو ذات خروق كالمنخل، بل تكون ساترة، ولو لم تكن سميكة جداً، المهم أنها تغطي البشرة وتسترها، فيمسح عليها كما يمسح على الخفاف.
شرح حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة عن عاصم عن زر قال: (سألت صفوان بن عسال رضي الله عنه عن المسح على الخفين: فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام، من غائط, وبول, ونوم, إلا من جنابة)]. ثم ذكر النسائي حديث صفوان بن عسال من طريق أخرى، وفيها: أن زراً؛ أي: ابن حبيش، سأل صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فأخبر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وأنه أمرهم إذا كانوا مسافرين أن لا ينزعوها -أي: الخفاف- ثلاثة أيام من بول, أو غائط, أو نوم، إلا من الجنابة ) يعني: أنهم إذا حصل لهم ناقض للوضوء؛ كالبول والغائط والنوم، فإنهم يبقون الخفاف ويمسحون عليها، إلا من الجنابة، فإنه يتعين خلعهما للاغتسال، وإنما المسح عليها يكون في الحدث الأصغر، وأما في الحدث الأكبر فإنها تخلع عند اغتسال الإنسان.وفي الحديث هذا دليل على أن النوم ينقض الوضوء؛ لأنه جعله مع البول والغائط، وأن المسح يكون من الحدث، ومن الحدث الذي يحصل به نقض الوضوء: النوم؛ يعني: خروج البول والغائط وحصول النوم، كل هذه من نواقض الوضوء، وأما الجنابة فالأمر يستدعي خلع الخفاف للاغتسال.
تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في توقيت المسح على الخفين للمسافر من طريق أخرى
قوله:[ أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي ].ابن عبد الملك، وهو أحمد بن سليمان بن عبد الملك الرهاوي ، وهو ثقة, حافظ، انفرد النسائي بالإخراج له، دون بقية أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن آدم ].يروي عن يحيى بن آدم ، ويحيى بن آدم هو الذي مر بنا ذكره، وهو ثقة ثبت, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب كتاب الخراج، وهو المؤلف الذي ذكرته لكم.[ حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش ].يحيى بن آدم يروي هذا الحديث عن خمسة أشخاص، وهم: سفيان الثوري، ومالك بن مغول، وزهير بن معاوية، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وهم يروونه عن عاصم بن أبي النجود.فـسفيان الثوري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أمير المؤمنين في الحديث -كما عرفنا ذلك- وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومالك بن مغول هو ثقة, ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وزهير هو ابن معاوية، زهير بن معاوية بن حديج بالحاء المهملة، ابن حديج بن الرحيل بن زهير بن خيثمة أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وكنيته أبو خيثمة ، وهو ثقة, ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي في آخر الأمر؛ يعني: بعد الاختلاط، والحديث هنا لا علاقة لـأبي إسحاق السبيعي فيه؛ لأنه ليس من روايته عن أبي إسحاق ، وإنما هو من روايته عن عاصم بن أبي النجود ، فهو ثقة, ثبت، وهو من رجال الجماعة. ويوافقه في الكنية وفي الاسم زهير بن حرب شيخ البخاري، ومسلم.وهو أبو خيثمة زهير بن حرب ، الذي أكثر عنه الإمام مسلم في صحيحه حتى روى له أكثر من ألف حديث، فهما متفقان في الاسم والكنية، إلا أن ابن حرب متأخر، فهو من شيوخ الشيخين، وأما هذا فمتقدم؛ لأنه بينه وبين النسائي أحمد بن سليمان الرهاوي ، ويحيى بن آدم، فهو متقدم في طبقة متقدمة، وكل منهما كنيته أبو خيثمة، واسمه زهير. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ وأبو بكر بن عياش ].أبو بكر بن عياش حديثه عند مسلم في مقدمة الصحيح، وعند أصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة, ساء حفظه لما كبر، والعلامة التي يرمز لها ابن حجر : م، ق؛ يعني: ميم لـمسلم ، والقاف للمقدمة.[سفيان بن عيينة].سفيان بن عيينة ، وهو أحد السفيانين، وهو ثقة, حجة, إمام، وهو من رجال الجماعة كما ذكر.وأما عاصم وزر فقد تقدما في الإسناد الذي قبل هذا، وهما عاصم بن أبي النجود بهدلة، وزر بن حبيش بن حباشة، وكل منهما أودي كوفي، وعرفنا أن عاصم حديثه في الصحيحين مقرون، وهو من رجال الجماعة، وأن زراً ثقة، وهو من رجال الجماعة.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:33 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(48)
- (باب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم) إلى (باب صفة الوضوء من غير حدث)
من يسر الشريعة أنها أباحت المسح على الخفين؛ لكي لا يلحق المسلم مشقة في نزعها، وقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم المسح للمقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
التوقيت في المسح على الخفين للمقيم
شرح حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التوقيت في المسح على الخفين للمقيم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ عن علي رضي الله عنه أنه قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ويوماً وليلة للمقيم، يعني: في المسح)].هذه الترجمة تتعلق بتوقيت المسح على الخفين في حال الإقامة، وقد سبق أن مر في الترجمتين السابقتين ترجمة مطلقة, وهي تتعلق بالمسح على الخفين وليس فيها ذكر الحضر ولا السفر إلا في بعضها، وهي تتعلق بإثبات المسح على الخفين، أما الترجمة التي قبلها -وهي الثانية- فهي تتعلق بالتوقيت في المسح في حق المسافر، وأنه يمسح ثلاثة أيام بلياليها، وهذه الترجمة تتعلق بالتوقيت في حق المقيم، وأنه يمسح يوماً وليلة، وهي أيضاً مشتملة على ما يتعلق بالمسافر، ولكن كما عرفنا من طريقة النسائي أنه يورد الحديث الذي يدل على الترجمة وإن كان مشتملاً على الدلالة على موضوع آخر أو على أمور أخرى غير ما ترجم له.وقد أورد في هذه الترجمة حديث علي رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وجعل للمقيم يوماً وليلة، يعني: في المسح)؛ أي: جعل للمسافر ثلاثة أيام ولياليها يمسح في هذه المدة، وجعل للمقيم الحاضر يوماً وليلة يمسح فيها، فهو يدل على التفريق بين الحاضر والمقيم، وأن مدة المسح بالنسبة للمقيم يوم وليلة، وبالنسبة للمسافر ثلاثة أيام بلياليها.وهذا التفريق الذي حصل بين حال المسافر وحال المقيم؛ لأن المقيم لما كان في حال الإقامة وأمره فيه سعة، جعل له يوم وليلة، أما المسافر الذي هو بحاجة إلى التخفيف وأنه يمكن أن يكون عليه الخفاف هذه المدة، فيمسح عليها ولا يحتاج إلى الخلع، فجاءت السنة بالتفريق بين الحالين: حال المسافر طولت المدة، وحال المقيم جعلت المدة على الثلث من ذلك؛ أي: يوم وليلة في حق المقيم، وثلاثة أيام بلياليها في حق المسافر.
تراجم رجال إسناد حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي المعروف بـابن راهويه ، وهو محدث فقيه مجتهد حافظ، وقد مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه وهو: مروزي من أهل مرو.[ أخبرنا عبد الرزاق ].عبد الرزاق هو: ابن همام الصنعاني الإمام المشهور, المحدث, وهو من اليمن، ورحل إليه المحدثون في اليمن لأخذ الحديث عنه، وهو صاحب مصنف عبد الرزاق المعروف المشهور، وهو كتاب كبير مشتمل على كثير من الآثار، وهو من المظآن التي توجد فيها الآثار عن السلف، فهو كتاب كبير وصاحبه إمام مشهور، وهو الذي جاءت عن طريقه صحيفة همام بن منبه؛ لأنها من رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وهي مائة وأربعون حديثاً تقريباً، وكلها بإسناد واحد، فهو محدث مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورحل إليه العلماء في اليمن، وأخذوا عنه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من الثقات الذين خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا الثوري ].الثوري هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو إمام محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث -كما ذكرت ذلك من قبل- وهذه من أعلى صيغ التعديل وصيغ التوثيق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن قيس الملائي ].عمرو بن قيس الملائي هو كوفي، وهو ثقة متقن عابد, كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ويقال له: الملائي نسبة إلى الملاء؛ وهي نوع من الألبسة كان يبيعها فنسب إليها, فيقال له: الملائي، ويؤثر عنه كلمة جيدة نقلها في تهذيب التهذيب، كان يقول: إذا كسد السوق إنني أرحم هؤلاء المساكين، يعني: أهل السوق الذين يبيعون ويشترون، يقول: لو أن الواحد منهم إذا كسدت الدنيا ذكر الله عز وجل لتمنى يوم القيامة أن يكون أكثر أهل الدنيا كساداً؛ لأنه نشأ على كونه يذكر الله عز وجل ويتنبه، ويستذكر الله عز وجل فيذكره ويعظمه ويثني عليه، لكان ذلك سبباً في تحصيله الخير، لكن إذا جمع بين مصيبتين: الدنيا ما حصلها، ولم يحصل على الآخرة، فما كان ذاكراً لله وما كان رابحاً الدنيا، فيكون قد خسر الدنيا والآخرة، ويقول الشاعر: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعاوأقبح الكفر والإفلاس بالرجلفهو في هذه الكلمة العظيمة يقول: إنني أرحم هؤلاء المساكين، يعني: أهل السوق الذين تكسد تجارتهم، فلا يذكرون الله عز وجل ولا يتنبهون لذلك، فلو أن الواحد منهم إذا كسدت تجارته ذكر الله لتمنى يوم القيامة أن يكون أكثر أهل الدنيا كساداً؛ لأنه نتج عن ذلك كونه يذكر الله عز وجل، ونتج عن ذلك كونه يتنبه ويذكر الله عز وجل، وأن كل شيء بيده وبمشيئته وإرادته، فهو المعطي المانع، وهو النافع الضار، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.فهذا الرجل الذي هو عمرو بن قيس الملائي الكوفي ثقة متقن عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن الحكم بن عتيبة ].هو: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وقد تقدم ذكر هذا الرجل، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن القاسم بن مخيمرة ].القاسم بن مخيمرة كوفي أيضاً، نزل الشام, وهو ثقة، وحديثه عند البخاري تعليقاً، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري خرج له في الأدب المفرد، لكن جرت العادة أنه إذا خرج له في الصحيح ولو تعليقاً لا يذكرون شيئاً غير ما في الصحيح، وإلا فإنه -أي: القاسم بن مخيمرة- خرج له البخاري في الأدب المفرد، والحديث رقم خمسمائة من الأدب المفرد في إسناده القاسم بن مخيمرة. إذاً: إذا كان الرجل له رواية في الكتب الستة ولو تعليقاً عند البخاري فإنهم لا يذكرون غير الكتب الستة، ويكتفون بما في صحيح البخاري ولو تعليقاً، وإن كان عنده شيء، أو خرجوا له في خارج الكتب الستة، إلا أنهم يذكرون ما يتعلق بالأصول أولاً ولو عن طريق التعليق، فإذا ما وجد في الكتب الستة شيء فعند ذلك يذكرون ما عنده في غير الكتب الستة.[عن شريح بن هانئ].شريح بن هانئ أيضاً كوفي, وتقدم ذكره فيما مضى، وهو مخضرم وثقة، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن علي ].علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أبو الحسنين، وهو زوج فاطمة ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن علي وعن الصحابة أجمعين، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومناقبه كثيرة جمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد مر ذكره، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد الذي هو: إسحاق بن إبراهيم يروي عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق يروي عن سفيان الثوري، وسفيان الثوري يروي عن عمرو بن قيس الملائي، وعمرو بن قيس الملائي يروي عن الحكم بن عتيبة، والحكم بن عتيبة يروي عن القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن مخيمرة يروي عن شريح بن هانئ، وشريح بن هانئ يروي عن علي بن أبي طالب، إسناده مكون من ثمانية أشخاص، وهو من الأسانيد الطويلة عند النسائي ، وعنده ما هو أطول من ذلك. وأقصر وأعلى ما عنده من الأسانيد: الرباعيات؛ لأنه ليس له ثلاثيات، فأعلى ما عنده وأقصر ما عنده في الأسانيد الرباعيات، يعني ما بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، والذي عنده ثلاثيات البخاري، والترمذي عنده ثلاثي واحد, وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثيات, أما مسلم فعنده رباعيات، والنسائي عنده رباعيات وليس عنده ثلاثيات، وأبو داود كذلك عنده رباعيات، أما النسائي فأعلى ما عنده الرباعيات؛ أعلى وأقصر، وأقصر معناه: الرجال القليل، وأعلى معناه: أنه في علو، فالقصر من حيث قلة الرجال، والطول من حيث كثرة الرجال، فأعلى أسانيده الرباعيات، وعنده ما هو أطول من ذلك، بل عنده عشاريات -مكون من عشرة- كما سيأتي، لكن هذا الذي معنا -وهو ثمانية- من أطول ما يكون من الأسانيد؛ لأن الأعلى أربعة، وهذا ضعفه، وكانت وفاة النسائي ثلاثمائة وثلاث، فأعلى ما يكون عنده أربعة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن أمثلة الأسانيد العالية ما سيأتي بعد هذا الحديث بعشرة أحاديث؛ وهو الحديث مائة وثمانية وثلاثين، فهذا مائة وثمانية وعشرين ثماني، والحديث مائة وثمانية وثلاثين رباعي، وهو من أعلى ما يكون عنده, وهو الحديث الذي يرويه عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن جابر، فأربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام.قد يقول قائل: المصنف ما الفرق بينه وبين الجوامع المصنفات؟المصنف هو مثل الجوامع، من حيث أنه مكون من كتب وأبواب، فهو على طريقتها من حيث أنه مبوب ليس مسنداً؛ يعني: أنه مبني على مسانيد الصحابة، فهو قريب منها في الطريقة، إلا أن المصنفات في الغالب يكون فيها كثرة الآثار، ولهذا مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة هي المراجع التي هي مظنة الآثار عن الصحابة ومن بعدهم.
شرح حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بذلك مني، فأتيت علياً فسألته عن المسح فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة, والمسافر ثلاثاً)].هنا أورد النسائي أيضاً حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه أن شريح بن هانئ سأل عائشة فدلته على علي، فسأل علياً فأخبره ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا إذا كنا في سفر ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليها، وفي حال الإقامة يوماً وليلة ).وقوله: (يأمرنا) معناه: يرشدهم؛ لأن هذا الأمر ليس أمر إيجاب؛ فلا يجب عليه لأن هذه رخصة، يعني: من لبس فله أن يمسح، ومن لم يلبس فعليه أن يغسل، فهذا الأمر ليس المقصود به الإيجاب، وإنما المقصود به الإرشاد وبيان الحكم والترخيص لهم هذه المدة, وإذا أرادوا أن يخلعوا قبل ذلك فلهم أن يخلعوا؛ لأنه لا يتعين عليهم، لكن من استمر على اللبس لا يجوز أن يمسح فوق ثلاثة أيام ولياليها، ولا يجوز له أن يبقيها عليه أكثر من ذلك، فإذا انتهت المدة يجب عليه أن يخلع وأن يتوضأ إذا مضت المدة المحددة -وهي ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة في حق المقيم- ولو صلى ماسحاً بعد يوم وليلة في حق المقيم وثلاثة أيام بلياليها في حق المسافر فإن عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة التي صلاها بعد تلك المدة؛ لأنه لم يرخص في المسح إلا مدة معلومة، فلا يجوز تجاوزها وتعديها والمسح فيما وراءها.
تراجم رجال إسناد حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم من طريق أخرى
قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].هناد بن السري هو كوفي، وكنيته أبو السري ، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري في خلق أفعال العباد، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي معاوية ].أبو معاوية أيضاً مر ذكره، وهي كنية اشتهر بها محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي، وهو: محمد بن خازم أبو معاوية الضرير ، وهو ثقة، وهو أحفظ أصحاب الأعمش لحديث الأعمش، وهو من رجال الكتب الستة، ويأتي بكنيته كثيراً، ويأتي باسمه أحياناً.[ عن الحكم ].الحكم بن عتيبة مر ذكره، وهو كندي كوفي من رجال الكتب الستة.[ عن القاسم بن مخيمرة ].القاسم بن مخيمرة هو الذي مر في الحديث الذي قبل هذا، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري تعليقاً، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن شريح بن هانئ ].شريح بن هانئ أيضاً مر، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[سألت عائشة].عائشة هنا ليست من رواة الحديث، يعني: لا تعتبر من الرواة؛ لأنها واسطة دلت عندما سألها، فقالت: ائت علياً فإنه أعلم مني، فالإسناد سباعي لا ثماني، فالحديث من رواية شريح عن علي ، وليس من رواية شريح عن عائشة عن علي ؛ لأن عائشة ما روت الحديث عن علي وأعطته لـشريح بن هانئ ، فالحديث سباعي ليس كالذي قبله ثماني، وذكر عائشة، جاء للدلالة.إذاً: فالحديث من رواية شريح عن علي ، وليس من رواية شريح عن عائشة عن علي ؛ لأن عائشة ليست راوية في هذا الحديث، ولكنها دالة لـشريح على من عنده علم في هذا الحديث.وفي دلالة عائشة لـشريح على علي وإحالتها إياه إليه، دلالة على أن من سئل عليه أن يرشد من سأله إلى من عنده علم في المسألة؛ لأن عائشة رضي الله عنها أحالته على علي وأرشدته إلى علي ، وإنما أرشدته إلى علي رضي الله عنه؛ إما لكونها تعلم أن عنده علم في ذلك، أو لكونه كان يسافر مع النبي عليه الصلاة والسلام فيكون مشاهداً لأحواله في سفره، وأن الحاجة تدعو إلى ذلك، أو أن استعمال الخفاف يكون أكثر في حال السفر وإن كان يوجد في حال الإقامة كما هو معلوم، وحكمه معروف، إلا أنها أرشدته إلى علي لملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم في السفر، ولكونه قد يكون عندها علم بأن عنده علم في ذلك فأرشدته إليه، فدل هذا على أن من سئل فإنه يرشد غيره إلى من يكون عنده علم بما سأل عنه ذلك السائل، وهو من الإعانة على الخير والدلالة على الخير، ومن التعاون على البر والتقوى.وفيه أيضاً معرفة عائشة رضي الله عنها لفضل علي وعلمه، ودلالتها عليه يدل على ذلك رضي الله تعالى عن الجميع؛ فإن كونها ترشد إلى علي وتدل عليه، ففي هذا اعتراف بعلمه وبفضله ونبله رضي الله تعالى عن الجميع.ثم هذا الإسناد كله كوفيون؛ لأن عائشة -كما هو معلوم- ليست من الرواة في الإسناد، لكن السبعة الذين هم رواة الإسناد كلهم كوفيون؛ لأن هناد بن السري كوفي، وأبو معاوية كوفي، والأعمش كوفي، والحكم بن عتيبة كوفي، والقاسم بن مخيمرة كوفي، وشريح بن هانئ كوفي، وعلي كوفي؛ لأنه انتقل من المدينة إلى الكوفة ومات بها رضي الله عنه، فهؤلاء السبعة كلهم كوفيون، فهو مسلسل بالرواة الكوفيين، من هناد بن السري إلى علي رضي الله تعالى عنه، كلهم من أهل الكوفة، وعلي كان في المدينة وانتقل إليها في زمن خلافته، فبعدما بويع ذهب إليها واستقر هناك ومات بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه.إذاً: السبعة كلهم كوفيون: هناد, وأبو معاوية, والأعمش, والحكم, والقاسم بن مخيمرة, وشريح بن هانئ, وعلي.
صفة الوضوء من غير حدث
شرح حديث علي في صفة الوضوء من غير حدث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صفة الوضوء من غير حدث.أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: (رأيت علياً رضي الله عنه صلى الظهر ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتي بتور من ماء، فأخذ منه كفاً فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: صفة الوضوء من غير حدث؛ الذي هو تجديد الوضوء؛ يعني: كون الإنسان على طهارة ولكنه يتطهر مرة أخرى يسمى تجديد الوضوء، ويقال له: الوضوء من غير الحدث، فهو وضوء على وضوء، من غير أن يكون الدافع على الوضوء الحدث، وإنما الدافع عليه تجديد الوضوء.وأورد فيه النسائي حديث علي رضي الله تعالى عنه: أنه صلى بالناس الظهر ثم جلس لحوائج الناس، يعني: يراجع الناس في حوائجهم؛ لأنه إمام المسلمين وأمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان يجلس للناس بعد الظهر إلى العصر يراجعونه في حاجاتهم، فلما جاء العصر أتي بتور من ماء -التور: وعاء فيه ماء- فأخذ منه كفاً ومسح وجهه به، ثم مسح يديه ورأسه ورجليه.والمقصود أنه أخذ كفاً فمسح وجهه؛ يعني: غسلها، والمسح يطلق على الغسل الخفيف الذي هو دون الغسل فيقال له أيضاً: مسح، فهنا المراد بذلك الغسل الخفيف، فقوله: (مسح وجهه) يعني: غسل وجهه غسلاً خفيفاً بكف واحدة.ثم قال: (وذراعيه ورأسه ورجليه) يعني: أنه مثل ذلك، وليس المقصود أنها كف واحدة مسح بها وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه ومسح رجليه كلها، فإن هذا لا يتأتى من كف واحدة أو من غرفة واحدة يغرفها بيده؛ فلا يمكن أن يحصل ذلك، وإنما المقصود أنه أخذ كفاً واحدة ومسح بها وجهه؛ أي: غسله غسلاً خفيفاً، ثم مثلها في يديه وكذلك لما وراء ذلك.والمقصود من ذلك: أنه مرة مرة ولكنه غسل خفيف، وأطلق عليه مسح مع استيعاب العضو؛ لأن هذا لا يقال له غسل، ولا يقال له وضوء إلا مع الاستيعاب.فإذاً: الكف الواحدة ليست لأعضاء الوضوء كلها، وإنما هي للوجه، والمراد بالمسح هو الغسل الخفيف، ولهذا قالوا في قوله سبحانه وتعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6] في قراءة الجر أن المقصود به الغسل الخفيف؛ يعني: أن المسح في حقها، إذا عطفت على الرءوس، المقصود من ذلك: الغسل الخفيف، الذي هو ليس المسح الذي مثل مسح الرأس، فيصيب ما يصيب ويترك ما يترك، وإنما هو مسح بمعنى الغسل الخفيف الذي يستوعب فيه العضو إلى الكعبين.فالمسح يطلق ويراد به الغسل الخفيف, وهذا منه؛ ولهذا سماه وضوءاً، ومن المعلوم أن الوضوء إنما هو الغسل، ولكنه غسل خفيف أطلق عليه مسح؛ لأنه غسل خفيف، والكف هي التي أخذها وغسل بها وجهه، ثم ذراعيه ورأسه ورجليه ومثل ذلك.وقوله: (منه) يعني: من الماء الذي في التور، وليس من هذه الكف الواحدة يغسل بها وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه، فإن هذا لا يتيسر ولا يتأتى أن يتم ذلك وأن يحصل ذلك بالنسبة لجميع أعضاء الوضوء. هذا هو معنى هذا الحديث، يعني: أنه غسل غسلاً خفيفاً أطلق عليه مسح، والغسل الخفيف يطلق عليه أنه مسح، وهنا من هذا القبيل، يعني: هذا الذي معنا ذكر المسح، يعني: معناه أنه كف واحدة يغسل بها وجهه، وكف يغسل بها يديه، ثم كذلك يمسح رأسه ورجليه، وليس المقصود أنه من كف واحدة فعل بها هذا كله؛ لأنه سبق أن عرفنا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع ). قال: (ثم أخذ فضله فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث).قوله: (ثم أخذ فضله) يعني: فضل هذا الماء الذي في التور، يعني: بعدما توضأ منه وضوءاً خفيفاً قام قائماً وشرب فضله؛ يعني: الباقي، وقال: (إن ناساً يكرهون هذا), فأردت أن أبين ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه شرب وهو قائم، فأراد أن يبين أن ذلك جائز وأنه سائغ، وقد سبق أن مر ذلك فيما مضى في حديث علي، وكونه توضأ وشرب فضل وضوئه، وقال: إنه فعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد جاءت أحاديث في النهي عن الشرب قائماً، وأحاديث في جواز الشرب قائماً، والجمع بينها بأن الأولى والأفضل أن يكون الشرب عن جلوس، ويجوز الشرب قائماً، وما جاء من النهي عن الشرب قائماً فإنه يكون للتنزيه، وأنه خلاف الأولى، وأن الأولى هو أن يكون الإنسان جالساً، ولو قام وشرب قائماً فإنه لا بأس بذلك.ثم قال: (وهذا وضوء) يعني: الفعل الذي فعله، من كونه غسل غسلاً خفيفاً، (وضوء من لم يحدث) الذي هو تجديد الوضوء، ومن المعلوم أنه أيضاً يجوز للإنسان أن يتوضأ إذا جدد الوضوء, ولا يلزم أن يكون بهذه الطريقة، لكن إذا توضأ بهذه الطريقة فقد جاءت السنة بذلك، لكن كونه لا يجوز للإنسان أن يغسل العضو مرتين أو ثلاث وإن كان تجديداً فليس هناك ما يمنعه، لكن الحديث الذي معنا دل على أن الإنسان له أن يجدد الوضوء، وأنه يمكن أن يكون ذلك بمرة واحدة.
الأسئلة
كيفية المسح على الجوربين والنعلين
السؤال: ما هي كيفية المسح على الجوربين والنعلين؟ وهل نمسح على النعلين على حدة وعلى الجوربين على حدة؟الجواب: إن النعلين لا يمسح عليهما على حدة، وإنما المسح على الجوربين على حدة، ويمسح عليهما إذا كانا في نعلين على حدة؛ لأنهما مثل الخفين ساتران للمفروض، فلا فرق بينه مع الخفين إلا أن الخف من الجلد، وهذا من الصوف أو من القطن أو من القماش، فكل منهما ساتر، فيمسح على الجوارب مستقلة، ويمسح عليها إذا كانت أيضاً مع نعلين، ولا يمسح على النعلين مستقلين.ولا يمسح النعلان, ممكن أن ينزعها، وممكن أن يمسح عليهما.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:35 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(49)
- باب الوضوء لكل صلاة
إن غالب الأحوال على النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ لكل صلاة، ولكن قد ورد عنه أنه صلى الخمس الصلوات بوضوء واحد، وعليه يكون ذلك بياناً للجواز، ولا يجب الوضوء لكل صلاة إلا في حق المحدث.
الوضوء لكل صلاة
شرح حديث أنس في الوضوء لكل صلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء لكل صلاة.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس رضي الله عنه أنه ذكر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإناء صغير فتوضأ، قلت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث، قال: وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الوضوء لكل صلاة. هذه الترجمة المراد منها كما هو ظاهر: أن كل صلاة يتوضأ لها، ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان محدثاً، فهذا متعين، وإذا لم يكن محدثاً, فإنه يتوضأ استحباباً تجديداً للوضوء، وإن لم يتوضأ لكونه على وضوء، فإن ذلك يكون كافياً، وقد جاء فعل ذلك -في بعض الأحيان- عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجاء عن الصحابة, كما دلت عليه الأحاديث التي أوردها النسائي تحت هذه الترجمة.وأول هذه الأحاديث التي أوردها النسائي تحت هذه الترجمة: حديث أنس بن مالك : (أنه ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بإناء صغير فتوضأ منه، فقيل لـأنس : أكان يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث)، ثم بين ذلك بقوله: (وكنا نصلي الصلوات بوضوء)، يعني: أنهم يجمعون بين الصلوات المتعددة بوضوء واحد.فحديث أنس هذا بين فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، وهذا الذي قاله أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مبني على غالب أحواله عليه الصلاة والسلام، والأحوال قليلة جداً عنه أنه كان يصلي الصلوات المتعددة بوضوء واحد.وقد جاء عنه كما في الحديث الذي سيأتي، أنه عام الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء، وكذلك أيضاً جاء عنه أنه في خيبر صلى الظهر والعصر بوضوء واحد، فيكون ما ذكره أنس مبنياً على غالب أحواله، والغالب من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ لكل صلاة.قال له: فأنتم؟ يعني: ماذا كنتم تصنعون؟ قال: (كنا نصلي ما لم نحدث)، يعني: نصلي الصلوات ما لم نحدث، فإذا وجد الإحداث, فإنه من الأمر الواضح أن الوضوء متعين، ولكن إذا لم يحصل إحداث، فإنهم يجمعون بين صلوات متعددة في وضوء واحد، ثم زاد ذلك وضوحاً في قوله: (وكنا نصلي الصلوات بوضوء)، وهذا يؤيد ويؤكد ما دل عليه كلامه السابق من قوله: (كنا نصلي ما لم نحدث). أي: كنا نصلي الصلوات المتعددة ما لم نحدث، فإذا حصل الإحداث فإن الأمر واضح بأنه لا بد من الوضوء.إذاً: فالحديث يدلنا على أن الوضوء لكل صلاة هو الأولى والأفضل، وأن الجمع بين صلوات متعددة بوضوء واحد سائغ وجائز، وأنه قد جاء عن الصحابة، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحواله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الوضوء لكل صلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هذا قد مر ذكره فيما مضى، وهو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود في القدر, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه .[ حدثنا خالد ].وخالد هو: ابن الحارث ، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا شعبة ].وشعبة هو: ابن الحجاج ، أمير المؤمنين في الحديث كما وصفه بذلك بعض المحدثين، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن عامر ].وهو: عمرو بن عامر الأنصاري الكوفي، وذكره يأتي لأول مرة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وأنس بن مالك هو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكثر الله ماله وولده، وكذلك دعا له بطول العمر، وقد عاش رضي الله عنه مدة طويلة؛ حيث كان من أواخر الصحابة موتاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقرب إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)]. أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي يقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء, فقرب إليه طعام، فقالوا له: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، ووجه إيراد الحديث في (الوضوء لكل صلاة) في الجملة الأخيرة منه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، فهذا يشعر بوضوئه عند كل صلاة، وأنه مأمور بالوضوء إذا قام إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام، وهو دال على ما ترجم له المصنف.وابن عباس يقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء)، يعني: قضى حاجته وقرب له طعام، (فقيل له: ألا نأتيك بوضوء؟)، يعني: لما خرج من الخلاء، عرضوا عليه أن يأتوه بوضوء يتوضأ منه، فقال: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، فدلنا هذا على أنه لا يتعين على الإنسان إذا قضى حاجته أن يتوضأ، وأن يكون على وضوء، وإن كان الإنسان على وضوء، فهذا شيء طيب وشيء حسن، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه إنما أمر بالوضوء إذا قام إلى الصلاة، فدل هذا على أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة، وأنه لا يتعين الوضوء إذا قضى الإنسان حاجته، بل يمكن أن يكون الإنسان على غير وضوء، وإن كان ينبغي والأولى للإنسان أن يكون على وضوء من أجل ما قد يحتاج إليه من صلاة وقراءة القرآن من المصحف، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي يشرع لها الوضوء, ولكنه لا يتعين، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، وهذا الحصر في قوله: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)، ليس حصراً حقيقياً بمعنى: أنه لا يكون الوضوء إلا للصلاة؛ لأن هناك أموراً يتوضأ لها غير الصلاة، مثل قراءة القرآن من المصحف، فإن هذا مما يتوضأ له، ويحتاج الأمر فيه إلى الوضوء, ومثل الطواف، ولكن يستحب فيه ركعتان.إذاً: فالحصر إضافي أو نسبي؛ لأن الحصر الذي يخرج منه أشياء يقال له: حصر إضافي أو نسبي، وأما الحصر الذي لا يخرج منه شيء، فهذا يقال له: حصر حقيقي، بمعنى: ليس فيه أفراد تستثنى منه، ولا يخرج عن هذا الحصر شيء.وكلمة (الوضوء) جاءت مرتين بفتح الواو وبضمها، أما بفتح الواو التي هي الأولى فالمراد بها: الماء الذي يتوضأ به. وأما الثانية التي بالضم فالمراد به: الفعل، الذي هو كون الإنسان يأخذ الماء ويغسل وجهه ثم يغسل يديه، فهذا الفعل يقال له: وضوء، وأما الماء الذي أعد للوضوء، والذي يتوضأ منه يقال له: وَضوء، وهذا قد نبهت عليه فيما مضى، وذكرت أن له نظائر عديدة، بالفتح اسم للشيء الذي يستعمل، وبالضم اسم للاستعمال.فالوُ� �وء والوَضوء، والطُهور والطَهور، والسُحور والسَحور، والوُجور والوَجور، واللُدود واللَدود، وألفاظ كلها على هذا المنوال وعلى هذا القياس، بالفتح اسم للشيء الذي يستعمل، وبالضم اسم للاستعمال الذي هو الفعل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)
قوله: [ أخبرنا زياد بن أيوب ].هو: أبو هاشم البغدادي ، وهو ثقة, حافظ، ويلقب بـدلويه ، وكان أحمد يلقبه بشعبة الصغير، يعني: لحفظه وإتقانه، وكانت وفاته بعد الإمام أحمد بإحدى عشرة سنة، لأن الإمام أحمد توفي سنة مائتين وإحدى وأربعين، وهو توفي سنة مائتين واثنتين وخمسين، روى عنه الإمام أحمد , وخرج حديثه البخاري , وأبو داود , والترمذي , والنسائي .[ حدثنا ابن علية ].وابن علية هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية نسبة إلى أمه، وهو ثقة, حافظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله ابن منحرف اسمه إبراهيم بن إسماعيل ، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل الفقه، يعني: في مسائل الشذوذ، فإذا قيل في مسائل الفقه؛ في مسألة غريبة أو فيها شذوذ: ابن علية ، فالمراد به ابنه الذي هو من أهل البدع، والذي لما ذكره الذهبي قال عنه: جهمي هالك.وقد ذكر ابن رشد وغيره في بداية المجتهد عند ذكر الإجارة أن العلماء اتفقوا عليها، قال: وخالف فيها ابن علية والأصم.فـ ابن علية الذي خالف فيها هو إبراهيم هذا الجهمي المنحرف المبتدع؛ لأنه يقول: الإجارة لا تجوز، كيف هذا؟! هذا من الشذوذ، فهل يستطيع الإنسان أن يعمل كل شيء بنفسه؟ أيكون حداداً، ونجاراً، وكهربائياً؟ أيكون كل شيء يعمله؟ يعني: ما دام أنه لا يجوز الاستئجار فهو بين أمرين: إما أن الناس يتصدقون عليه، أو أنه يكون عارفاً بجميع الحرف؟ وأما الأصم فإنه إذا ذكر في المسائل التي فيها شذوذ يراد به ابن كيسان الذي هو من المبتدعة، وليس الأصم المشهور الذي هو شيخ الحاكم ؛ لأن الحاكم له شيخ أكثر عنه وهو أبو العباس الأصم ، فإذا قيل: الأصم في مسائل شاذة في الفقه، فالمراد به هو ابن كيسان هذا المبتدع.ومن المسائل التي خالف فيها ابن كيسان: الشفعة، فإنه يقول: إن الشفعة لا تجوز، وقد قال فيه بعض العلماء: وخالف فيها الأصم ؛ لأنه كان عن فهمها أصم.[ حدثنا أيوب ].وهو: ابن أبي تميمة السختياني ، وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن أبي مليكة ].و ابن أبي مليكة هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير التيمي الكوفي ، فـأبو مليكة هو جد أبيه، ولكنه اشتهر بالنسبة إلى جد أبيه، فيقال له: ابن أبي مليكة ؛ لأنه هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير. و أبو مليكة اسمه زهير.وهذا يشبه ابن شهاب ؛ لأن ابن شهاب منسوب إلى جد من أجداده، فهذا من جنسه؛ منسوب إلى جد من أجداده؛ وهو جد أبيه، واشتهر بالنسبة إليه.و ابن أبي مليكة ثقة, فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن ابن عباس ].و ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة الذين مر ذكرهم مراراً، وأنهم معروفون بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثهم زاد على ألف حديث، والذين نظمهم السيوطي في بيتين من ألفيته في المصطلح حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر هو ابن عباس ، يقال له: البحر، ويقال له: الحبر.
شرح حديث بريدة في صلاة النبي يوم الفتح كل الصلوات بوضوء واحد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : فعلت شيئاً لم تكن تفعله! قال: عمداً فعلته يا عمر )]. أورد النسائي حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة)، وهذا مطابق للترجمة؛ وهي الوضوء لكل صلاة.وحديث بريدة يقول: (إنه كان يتوضأ لكل صلاة)، وهذا مبني على الغالب من فعله، وإلا فقد ورد من فعله صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد.فإذاً: كونه يتوضأ لكل صلاة، فهذا الغالب على فعله وعلى أحواله عليه الصلاة والسلام، ولكنه في عام الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فكان هذا مخالفاً لما هو معروف عنه، فقال له عمر : رأيتك عملت شيئاً لم تكن تفعله، يعني: كأنه ظن أنه قد نسي، فقال عليه الصلاة والسلام: (عمداً فعلت)، يعني: ليبين أن ذلك جائز، وأن ذلك سائغ، وأن الإنسان يمكن أن يصلي صلوات عديدة، بل يمكن أن يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد، فإذا حصل هذا فهو سائغ وجائز، وقد فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه في بعض أحواله، فدل على الجواز، وإن كان غيره أولى منه؛ لأن هذا هو الغالب على فعله.
تراجم رجال إسناد حديث بريدة في صلاة النبي يوم الفتح كل الصلوات بوضوء واحد
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].عبيد الله بن سعيد هو: اليشكري السرخسي نزيل نيسابور، وهو ثقة, مأمون, سني، كما قال الحافظ ابن حجر: ثقة, مأمون, سني. وحديثه رواه البخاري, ومسلم, والنسائي.[ حدثنا يحيى ].وهو: ابن سعيد القطان ، أحد الثقات الأثبات، وأحد أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن سفيان ].وسفيان هنا غير منسوب، فيحتمل أنه سفيان الثوري , أوسفيان بن عيينة ، ولكن هنا هو سفيان الثوري ؛ لأن الذي روى عن علقمة بن مرثد هو سفيان الثوري .إذاً: فسفيان هذا الذي هو غير منسوب هو سفيان الثوري ؛ لأن سفيان بن عيينة لم يذكر المزي في ترجمته أنه روى عن علقمة بن مرثد. وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق ، وهو ثقة, حافظ, حجة، بل إن بعض العلماء وصفه بأنه أمير المؤمنين في الحديث.[ عن علقمة بن مرثد ].و علقمة بن مرثد هو: الحضرمي الكوفي ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن بريدة ].وابنا بريدة اثنان، أحدهما: سليمان، والثاني: عبد الله، وسليمان وعبد الله ولدا توأمين، وقد رويا عن أبيهما، ولكن هنا غير منسوب ابن بريدة، يعني: لا قيل: هو عبد الله, ولا قيل: هو سليمان، ولكن جاء في بعض الطرق عند الأئمة الذين خرجوا هذا الحديث, ومنهم: مسلم سماه, سليمان بن بريدة ؛ لأن نفس الحديث هذا رواه مسلم , ورواه غيره، وسموا ابن بريدة سليمان .إذاً: فهنا غير مسمى عند رواية النسائي ، ولكنه في صحيح مسلم منسوب، قال: حدثنا سليمان بن بريدة عن أبيه. فإذاً: تعين أنه سليمان، وليس عبد الله. وقد ذكرت لكم فيما مضى: أن الشخص إذا كان غير مسمى، وأنه يحتمل عدة أشخاص؛ فإن من أقرب الطرق وأيسر الطرق للوصول إلى معرفته: أن ينظر في طرق الحديث إذا كان رواه جماعة.وسليمان بن بريدة الأسلمي ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي، وابن ماجه ولم يخرج له البخاري ، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية لم يذكر مسلم ممن خرج له، مع أنه ممن خرج له، بل هذا الحديث نفسه خرجه مسلم في صحيحه, من رواية سليمان بن بريدة عن أبيه.[عن أبيه].هو بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه، وبريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، له مائة وأربعة وستون حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر حديثاً.
ابو الوليد المسلم
12-27-2025, 05:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(50)
- باب النضح
من هدي النبي عليه الصلاة والسلام عند الوضوء النضح بالماء على الفرج سواء مع الاستجمار أو بدونه طرداً للوسوسة.
النضح
شرح حديث سفيان الثقفي في نضح الفرج بالماء عند الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النضح.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا، ووصف شعبة نضح به فرجه، فذكرته لـإبراهيم فأعجبه).قال الشيخ ابن السني : الحكم هو ابن سفيان الثقفي رضي الله عنه].يقول النسائي رحمه الله: باب النضح. هذه الترجمة وهي قوله: (باب النضح) أتى بها مطلقة، والنضح يأتي ويراد به الرش، ويأتي ويراد به الغسل، وهنا يحتمل شيئين: أحدهما: أن يكون المراد به الاستنجاء، وهذا يكون قبل الوضوء. والثاني: أن يكون مراداً به الرش بعد الوضوء، بأن يرش فرجه بالماء؛ حتى لا يحصل شيء من التفكير والوسواس فيما إذا كان هناك بلل فيشوش ذلك عليه. ولعل النسائي أتى بهذه الترجمة مطلقة لاحتمال الحديث الذي ورد فيها من طريقين للمعنيين: أن يكون المراد به الاستنجاء -وهو قبل الوضوء- أو أن يكون المراد به الرش، وهو يكون بعد الوضوء؛ فلكونها محتملة لهذا ولهذا أطلق النسائي الترجمة.ومن العلماء من يقيدها؛ فيقول: بعد الوضوء، ويكون على هذا يراد به الرش بعد الوضوء الذي يكون المقصود به: إبعاد أن يكون هناك تفكير ووسوسة فيما يتعلق بكون شيء خرج من الذكر من بول، أو ما ينتقض به الوضوء، فقد يكون هناك وسواس، فيكون هذا العمل مما يذهب هذا الاحتمال.والنسا� �ي رحمه الله أورد حديث الحكم بن سفيان عن أبيه، وهنا قال: الحكم عن أبيه، والحديث جاء بألفاظ كثيرة عن مجاهد : فمرة عن الحكم بن سفيان عن أبيه، ومرة عن سفيان بن الحكم، ومرة عن الحكم بن سفيان وما قال عن أبيه، وبألفاظ متعددة مما يعد اضطراباً، وهذا الاضطراب الكثير الذي جاء عن مجاهد في الذي روى عنه وتسميته في كونه أحياناً يقول: الحكم عن أبيه، ومرة يقول: الحكم بن سفيان ، ومرة يقول: سفيان بن الحكم ، ومرة يقول: عن الحكم عن رجل من ثقيف؛ مما يؤثر على صحة الحديث بسبب الاضطراب الذي حصل فيه، وعدم ترجح شيء على شيء، ولهذا ضعفه بعض العلماء، ومنهم من قوَّاه بالشواهد التي جاءت عن بعض الصحابة في معناه، ولم يحكم أهل الحديث بالصحة، بل اعتبر إسناده ضعيفاً، لكنه ثبت عنده بشواهده.وهذا هو الذي ذكره الألباني في تعليقه على المشكاة؛ فإنه قال: الإسناد ضعيف بسبب الاضطراب، لكنه لشواهده المتعددة يثبت أو يحتج به؛ ليس للإسناد هذا الذي حصل فيه اضطراب من مجاهد ، وإنما للشواهد المتعددة التي جاءت في معنى الحديث.والطريق الأولى من الطريقين للحديث يقول النسائي : عن الحكم عن أبيه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال به هكذا)، يعني: وأشار شعبة إلى أنه رش بين فخذيه، يعني: أشار إشارة إلى إرسال الماء بين رجليه، يعني: على فرجه، وبهذا يشير إلى الكيفية التي وقعت.قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال به هكذا)، يحتمل أنه يراد بالنضح الاستنجاء، فيكون معناه: إذا أراد أن يتوضأ، وعلى هذا يكون النضح قبل الوضوء.ومن المعلوم أنه يأتي مثل هذا التعبير ويراد به إرادته، مثل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، يعني: إذا أردتم القيام، وكذلك: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، يعني: إذا أردت قراءة القرآن، فالمقصود من ذلك أنه يكون قبله. وهذا الاحتمال الأول.والاحتمال الثاني في قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا) يعني: بعد الوضوء، فيكون المراد به الرش الذي يكون بعد الوضوء، فالحديث محتمل للاستنجاء، وأن يكون المراد به إذا أراد، ويكون الاستنجاء بعد الاستجمار؛ لأنه كما هو معلوم الاستجمار يكفي، لكن قد يحصل أن ما يخرج من البول قد يتجاوز محل العادة، فيحتاج إلى غسل، أما إذا كان في محل الخروج وما تجاوز فيكفي الاستجمار، فيمكن أن يكون أراد أن يتوضأ بمعنى أنه يستنجي مع الاستجمار، يعني: بعد أن كان قد استجمر، وكون الاستجمار يكفي, لكن بشرط ألّا يكون البول تجاوز موضع الخروج، فإن تجاوز موضع الخروج فلا بد من الغسل من أجل إزالة هذا الذي يصيب الجسد.وقوله: (فذكرته لـإبراهيم فأعجبه)، لا أدري من هو إبراهيم هذا؟ وإذا كان الذي ذكره شعبة فالذي يبدو أنه غير إبراهيم النخعي؛ لأن شعبة توفي سنة ستين ومائة، وإبراهيم النخعي سنة خمس وتسعين من الهجرة، يعني: بين وفاتيهما خمس وستون سنة، وشعبة متأخر عن إبراهيم النخعي بخمس وستين سنة، فلا أدري هل ما نذكر قضية شعبة, وهل هو معمَّر؟ وأنه يمكن أن يحدث به إبراهيم؟ لكن ما ذكروا روايته عن إبراهيم، وإنما ذكروا أن شعبة روى عن عدد ممن يقال لهم إبراهيم, وليس فيهم إبراهيم النخعي، فلا أدري من هو إبراهيم هذا؟ ولا أدري هل الذي ذكر له هو شعبة أو غيره؟ وقوله: (وأنه أعجبه) يعني: الذي ذكره له.ثم قال: (قال الشيخ ابن السني، وابن السني هو راوي كتاب سنن النسائي عن النسائي ، بل سبق أن ذكرت فيما مضى: أن من العلماء من قال: إنه هو الذي اختصر المجتبى من السنن الكبرى، والقول الآخر وهو الأظهر أن الذي اختصره هو النسائي وليس ابن السني ، لكن ابن السني هو راوي الكتاب عن النسائي، فيحتمل أن يكون قال ابن السني, ويكون هذا تفسيراً منه أو إيضاحاً لهذا الاسم المبهم, وهو قوله: الحكم هو ابن سفيان الثقفي. وفي بعض النسخ قال ابن السني : قال أبو عبد الرحمن ، فعلى هذا يكون الكلام لـأبي عبد الرحمن النسائي، وقد مر بنا كثيراً أن النسائي يعلق على بعض الأحاديث، ويأتي ذكره بأن يقول: قال أبو عبد الرحمن، وسواء الذي قال أبو عبد الرحمن هو النسائي أو قالها من دون النسائي, بحيث يقول: قال أبو عبد الرحمن ، فيحتمل أن يكون النسائي هو الذي قال عن نفسه أبو عبد الرحمن ، ويحتمل أن يكون من دون النسائي هو الذي قال: قال أبو عبد الرحمن ، يعني: النسائي ، فهنا قال ابن السني ، وفي بعض النسخ: قال ابن السني: قال أبو عبد الرحمن: هو ابن سفيان الثقفي رضي الله عنه، يعني كلمة: (هو) توضيح للحكم, وأنه ابن سفيان .و الحكم بن سفيان ذكرت لكم أنه قيل: إن له صحبة، وقلت لكم: إنه جاء بألفاظ كثيرة فيها اضطراب: الحكم بن سفيان عن أبيه، سفيان بن الحكم، الحكم عن أبيه، الحكم عن رجل من ثقيف، فورود ألفاظ متعددة في الإسناد تعد اضطراباً يدل على ضعف الإسناد، لكن -كما قلت لكم- الشيخ الألباني قال: إنه يتقوى بالشواهد التي جاءت عن بعض الصحابة في معناه.
تراجم رجال إسناد حديث سفيان الثقفي في نضح الفرج بالماء عند الوضوء
قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].هو: الجحدري ، وهو ثقة روى له النسائي وحده، فهو من رجال النسائي وحده. [ حدثنا خالد بن الحارث ].خالد بن الحارث ثقة, وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن شعبة ].هو: ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف هو في القمة، والذي هو من أرفع صيغ التعديل, وأعلى صيغ التعديل, وهو أن يقال عنه: أمير المؤمنين في الحديث، فهو أحد الثقات المتقنين، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وكلامه في التوثيق والتعديل والتجريح كثير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن منصور ].هو: ابن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الجماعة. [ عن مجاهد ].هو: ابن جبر المكي، وهو ثقة, إمام في التفسير والعلم، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الحكم عن أبيه ].الحكم هذا هو الذي حصل الاضطراب من مجاهد في تعيينه؛ مرة يقول: الحكم بن سفيان ، ومرة يقول: سفيان بن الحكم ، ومرة يقول: الحكم عن أبيه، ومرة يقول: الحكم عن رجل من ثقيف، على أقوال تبلغ قريباً من عشرة أقوال, أو عشر صيغ، وهي تدل على الاضطراب.
شرح حديث الحكم بن سفيان: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا الأحوص بن جواب حدثنا عمار بن رزيق عن منصور ح وأخبرنا أحمد بن حرب حدثنا قاسم وهو ابن يزيد الجرمي حدثنا سفيان حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه. قال أحمد : فنضح فرجه).هنا أورد النسائي الحديث من طريق أخرى, يقول فيه الحكم بن سفيان : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه) فكلمة (ونضح فرجه) يحتمل أن يكون هذا النضح قبل, أو أن يكون بعد مثلما تقدم؛ يعني: إذا كان للاستنجاء فهو قبل، وإذا كان رشاً بعد الوضوء فهو يكون بعد.
تراجم رجال إسناد حديث الحكم بن سفيان: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه)
النسائي أورد الحديث من طريقين، أولاهما قال فيها: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري].العباس بن محمد الدوري ثقة, حديثه عند أصحاب السنن الأربعة.[حدثنا الأحوص بن جواب].الأحوص بن جواب يقال له: أبو جواب فكنيته أبو الجواب توافق اسم أبيه، وقد مر بنا مراراً وتكراراً أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذكرت أن فائدة هذا: دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بكنيته؛ فقد يظن -من لا يعرف- أن (أبو) مصحفة عن ابن؛ لأنه إذا قال: الأحوص بن جواب , أو الأحوص أبو جواب فالكل صحيح؛ لأن كنيته توافق اسم أبيه، فسواء قيل: ابن أو قيل: أبو، إن قيل: (ابن) فهو منسوب إلى أبيه، وإن قيل: (أبو) فهو مكنى، وكنيته توافق اسم أبيه، وهو صدوق ربما وهم، وحديثه عند مسلم , وأبي داود , والترمذي , والنسائي ، فهو عند هؤلاء الأربعة: الإمام مسلم وأصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه.[ حدثنا عمار بن رزيق ].هو أبو الأحوص، كنيته أبو الأحوص ، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: لا بأس به، وهو ممن روى له مسلم , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، ما روى له الترمذي.[ عن منصور ].هو: ابن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[ ح وأخبرنا أحمد بن حرب ].(ح) هذه صيغة التحويل, أو علامة التحويل؛ وهي التحول من إسناد إلى إسناد، وقد ذكرت مراراً وتكراراً: أنها تستعمل من أجل أن يتبين أن ما بعدها رجوع إلى الإتيان بالإسناد من أول، وحتى لو لم يؤت بها لكان ما بعدها تالياً لما قبلها, فيكون المتقدم راوياً عن المتأخر، فإذا جاءت (ح) عرف بأن هناك الرجوع من جديد إلى إسناد آخر يبدأ من المصنف.وأحمد بن حرب هو: الطائي الموصلي ، وهو صدوق, خرج له النسائي وحده.[ حدثنا قاسم وهو ابن يزيد الجرمي ].قاسم هو: ابن يزيد الجرمي وهو أيضاً موصلي، وهو ثقة, حديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وكلمة (هو ابن يزيد) هذه قالها من دون أحمد بن حرب: إما النسائي أو من دون النسائي، وكلمة (هو) يؤتى بها حتى يعرف؛ لأن هذه الزيادة ليست من التلميذ وأنها ممن دونه؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: (هو) بل ينسبه كما يشاء، لكن لما أراد من دون التلميذ أن يأتي بما يوضحه ويزيل إهماله أتى بكلمة (هو) حتى يتبين، وهذا تقدم مراراً وتكراراً. وأحمد بن حرب , وقاسم بن يزيد الجرمي انفرد النسائي بالإخراج لهما، لم يخرج لهما إلا النسائي .[ حدثنا سفيان ].هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري, الإمام, الذي قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة, حافظ, حجة، عابد، وذكر صفات متعددة في حقه، وقد ذكرت أنه ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صيغة من أعلى صيغ التعديل.[ حدثنا منصور ].هو: ابن المعتمر .[ عن مجاهد عن الحكم ].مجاهد الحكم مثل الإسناد المتقدم.ثم قال النسائي بعدما ذكر الرواية أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه) ثم قال: قال أحمد : (فنضح فرجه). قال: قال أحمد , ويقصد بـأحمد شيخه الثاني في الإسناد؛ لأنه ذكر شيخين: الأول: عباس بن محمد الدوري، والثاني: أحمد بن حرب، واللفظ الذي ذكره وهو (نضح فرجه) لفظ شيخه الأول، وكلمة (فنضح) التي هي بالفاء بدل الواو هي عبارة أو لفظ شيخه الثاني، وقد ذكرت لكم فيما مضى عندما جئنا عند حديث رواه النسائي عن قتيبة وعن عتبة بن عبد الله، النسائي ذكره على لفظ عتبة بن عبد الله، وهو حديث الصنابحي في فضل الوضوء، والذي أورده في باب: أن الأذنين من الرأس, وما يستدل به على أن الأذنين من الرأس، قال لما ذكر الإسناد على لفظ عتبة وهو شيخه الثاني، ثم قال: قال قتيبة عن الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم، فساقه على لفظ شيخه الثاني، ثم أشار إليه في شيخه الأول، وذكرنا هناك: أن هذا قد يشعر بأن طريقة النسائي أنه عندما لا يقول: واللفظ لفلان أنه يكون اللفظ للثاني -قلنا هذا فيما مضى- لكن هذا الكلام يعكر على ذاك الاستظهار؛ لأنه هنا أتى باللفظ على اللفظ الأول وهو عباس الدوري ، ثم قال: وقال أحمد: (فنضح فرجه) يعني: أتى بلفظ الشيخ الثاني، فصار على هذا لا يتضح أن النسائي عندما يذكر الإسناد عن شيخين, ثم لا يبين من له اللفظ لا يدل على أنه يراد به الثاني؛ لأن هذا الحديث الذي معنا يدل على أن هذه القاعدة غير منطبقة.وأنا ذكرت لكم فيما مضى: أن طريقة البخاري أنه عندما يذكر شيخين فاللفظ للثاني منهما، وكنا نظن ذلك، لكن لما جئنا عند حديث الصنابحي وكان ذكره عن شيخين وساق الحديث رقم مائة وثلاثة ذكره عن قتيبة , وعن عتبة بن عبد الله، وساقه على لفظ عتبة بن عبد الله، ثم قال: وقال قتيبة على شيخه الأول، هنا عكسه، ذكره عن شيخين: عن عباس الدوري وعن أحمد بن حرب ، ثم ساقه على لفظ الشيخ الأول، ثم أتى بعد ذلك بلفظ الشيخ الثاني، فدل على أنه لا يتخذ من ذلك أو لا يفهم من ذلك قاعدة للنسائي يبنى بها على أنه إذا لم يذكر من له اللفظ يكون للثاني فقد يكون للأول كما تقدم في رقم مائة وثلاثة، وقد يكون للثاني كما جاء هنا في هذا الحديث الذي معنا.
ابو الوليد المسلم
01-12-2026, 10:25 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(51)
- باب الانتفاع بفضل الوضوء
يجوز للشخص أن ينتفع بفضل وضوئه؛ بشربه أو غير ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يتبرك بفضل وضوء أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا من خصائصه.
الانتفاع بفضل الوضوء
شرح حديث علي في الانتفاع بفضل الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانتفاع بفضل الوضوء.أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف حدثنا أبو عتاب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه، وقال: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الانتفاع بفضل الوضوء، أي: الانتفاع بما يبقى بعد الوضوء في الإناء، فالإنسان إذا توضأ منه، يمكن لإنسان آخر أن يأتي ويتوضأ منه، ويمكن للإنسان آخر أن يشربه أيضاً؛ لأن النسائي أورد أحاديث منها هذا الحديث الأول: حديث علي رضي الله عنه أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام، وشرب فضل وضوئه، أي: شرب الماء الذي بقي بعد الوضوء، فالانتفاع بفضل الوضوء يدل عليه هذا الحديث، إلا أن النسائي ما أورد من الأحاديث -التي أوردها كلها- ليست كلها على هذا النحو، على اعتبار أنه يراد بها ما يبقى بعد الوضوء؛ لأنه قد يراد بها ما حصل منه الوضوء، مع أنه قد يراد بذلك في بعض الروايات، ولكن هذا الحديث واضح بأن المقصود به ما تبقى بعد الإناء، وكون الإنسان استعمله؛ بأن أدخل يده فيه ويتوضأ، ثم يدخل يده ويغرف ثم يدخل يده ويغرف هذا الاستعمال لا يؤثر عليه، فله أن يشرب هذا الماء الباقي، ولغيره أن يتوضأ فيه، وله أن يتوضأ به مرة أخرى أيضاً إذا بقي، فإذاً: ينتفع بفضل الوضوء، أي: ما يبقى في الإناء.وأما إذا توضأ الإنسان في طست، بحيث يغسل وجهه ويتساقط ماء الوجه في الصحن، ثم يغسل يديه، ويتساقط ماء اليدين في الطست، ثم يغسل رجليه ويتساقط، فهذا الماء لا يتوضأ به مرة أخرى؛ لأنه رفع به حدث، فلا يرفع به الحدث مرة أخرى، ولكن هو طاهر يمكن أن يستفاد منه، في أمور غير الوضوء، أما ما يبقى في الإناء بعد الوضوء فهذا يستفاد منه على كل حال، ولا إشكال فيه، ولا بأس به، فيُتوضأ به، ويستعمل في أي وجوه الاستعمال، في رفع الحدث، وفي غير رفع الحدث.فقد أورد النسائي أولاً: حديث علي، وقد تقدم عن أبي حية أنه قال: (رأيت علياً أتي بإناء فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام وشرب فضل وضوئه، وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت)، ومحل الشاهد: كونه شرب فضل وضوئه، يعني: انتفع بفضل ما بقى بعد الوضوء بشربه.
تراجم رجال إسناد حديث علي في الانتفاع بفضل الوضوء
قوله: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف].هو أبو داود سليمان بن سيف وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي.[حدثنا أبو عتاب].وهو سهل بن حماد أبو عتاب، وهو صدوق، خرج له مسلم، والأربعة.[حدثنا شعبة].وهو شعبة بن الحجاج وقد تقدم.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي أبو إسحاق السبيعي، وهو يذكر بكنيته كثيراً، كما هنا أبو إسحاق، وهو ثقة من رجال الجماعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي حية].هو أبو حية بن قيس الهمداني الوادعي الكوفي، وهو مقبول، قال عنه في التقريب: مقبول، وهو من رجال أصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث أبي جحيفة في انتفاع الصحابة بفضل وضوء النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء، وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدره الناس، فنلت منه شيئاً، وركزتُ له العنزة فصلى بالناس، والحمر والكلاب والمرأة يمرون بين يديه)].أورد النسائي حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في البطحاء، فخرج بلال بوضوئه) أي: بفضل ما بقي من وضوئه الذي توضأ منه، فجعل الناس يأخذون منه يتبركون بهذا الماء الذي مسه رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: [(فنلت منه)] أي: أخذت من هذا الماء بنصيب.قوله: ( وركزت له العنزة ) العنزة: هي عصا في رأسها حديدة تغرز في الأرض ويصلى إليها، وتجعل سترة: ( فجعل الحمر، والنساء، والكلاب يمرون بين يديه ) لأن هذه الأشياء جاء أنها تقطع الصلاة إذا مرت بين الإنسان وسترته، والمقصود في هذا الحديث بقوله: ( بين يديه ) أي: من وراء العنزة، ومن المعلوم أن المشي من وراء السترة لا يؤثر، ولا يقطع الصلاة فيما إذا مر وراءها كما جاء في بعض الأحاديث: أن المرأة، والحمار، والكلب، تقطع الصلاة.إذاً: فقوله: (جعلت المرأة، والحمر، والكلاب يمرون بين يديه) يعني: من وراء العنزة.فالمقصود من إيراد الحديث هو أوله؛ لأن هذا سيأتي في الصلاة فيما يتعلق بركز العنزة، وما يتعلق بالمرور، ولكن هو جاء به من أجل ما جاء في أوله، وهو أن بلالاً جاء بفضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يصيبون منه، يعني: يأخذون منه، ويبلون به أجسادهم، فيتبركون بما مسه جسد الرسول صلى الله عليه وسلم.ومن المعلوم أن التبرك بفضلاته إنما هو خاص به، ولا يجوز مع غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما فعلوا هذا مع أبي بكر، وعمر، وعثمان وهم خير من مشى على الأرض، فما كانوا يتبركون بفضل وضوئهم، ولا كانوا يفعلون هذا، فصنيع الصحابة وعدم فعلهم ذلك إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم دل على أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فلا يفعل مع غيره، فلا يتبرك بغيره؛ لا بشعره، ولا ببصاقه، ولا بفضل وضوئه، وإنما ذلك من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يتبركون بشعره، وبفضل وضوئه، وبعرقه، وبصاقه عليه الصلاة والسلام، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي جحيفة في انتفاع الصحابة بفضل وضوء النبي
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو محمد بن منصور الجواز، وعند النسائي شيخان يسميان بمحمد بن منصور هما: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي.والأقرب والأظهر أن سفيان المروي عنه هنا هو سفيان بن عيينة، لأنه مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فيكون هو الأولى.ومحمد بن منصور هذا روى له النسائي وحده كما عرفنا ذلك فيما مضى، وأما سفيان بن عيينة فهو ثقة، حافظ، عابد، حجة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مالك بن مغول].هو مالك بن مغول أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه].هو عون بن وهب بن عبد الله السوائي، وأبوه مشتهر بكنيته، ولهذا يقال: عون بن أبي جحيفة نسبة إلى أبيه بكنيته. وعون هذا ثقة، من رجال الجماعة، وأبوه أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي صحابي، وهو من أصحاب علي، ومن خاصته رضي الله تعالى عنهما، وله خمسة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.وقد يقول قائل: ورد في الإسناد الأول عن الحكم عن أبيه عن الرسول، وفي الإسناد الثاني عن الحكم بن سفيان قال: (رأيت...)، فأسقط الواسطة، فهل هذا هو الاضطراب؟نقول: هو واحد، وأنا قلت: إن الحكم في هذا الإسناد واحد إلا أن مجاهد اضطرب فيه وأتى به على ثمان صيغ أو تسع صيغ، فمرة يقول: الحكم بن سفيان، ومرة: الحكم عن أبيه، ومرة: الحكم عن رجل من ثقيف، ومرة يقول: سفيان بن الحكم، على تسعة أقوال أو عشرة أو ثمانية..، فيعد اضطراباً، ولو لم يأت إلا من هذا الطريق لصار الحديث ضعيفاً، ولكن لوجود شواهد له عن جماعة من الصحابة في معناه، يدل ذلك على ثبوته.
شرح حديث جابر في صب النبي فضل وضوئه عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً رضي الله عنهما يقول: (مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي عليَّ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب عليَّ وضوءه)]. قوله: [(مرضت فجاء إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي عليَّ، فتوضأ فصب عليَّ وضوءه)] هو هنا مختصر، وجاء في البخاري وفي غيره: أنه أفاق وأنه سأل عن مسألة في الميراث، ولكن النسائي أورده من أجل كونه صب وضوءه عليه، والانتفاع بفضل الوضوء، وهنا يحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم ما خرج من أعضائه صبه عليه، ويحتمل أن يكون ما بقي في الإناء مما استعمله صبه عليه، ولكن قوله: (وضوءه) يشعر بأنه الذي استعمله، ولما رش عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الوضوء أفاق، ولكن ذكرت في الحديث الذي قبله أن هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا البخاري رحمه الله لما أورد الحديث عقد له ترجمة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: باب صب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه على المريض، ولم يقل: صب الإنسان، أو صب عائد المريض، وضوءه على المريض، وإنما قال: باب صب النبي صلى الله عليه وسلم فضل وضوءه على المريض، معناه: أن الترجمة أتى بها مضافة إلى الرسول، والعمل الذي أضافه إلى الرسول؛ لأن هذا من خصائصه، فليس لأحد إذا زار إنساناً أن يقول: أنا أفعل كما فعل رسول الله فيتوضأ، ويصب عليه فضل وضوئه؛ لأن ذاك من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يتبرك بما يتساقط من جسده، أو بما يناله جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث إسناده رباعي، وهو أعلى الأسانيد عند النسائي، وقد أشرت إلى هذا من قبل، وذلك عندما جئنا عند الحديث رقم مائة وثمانية وعشرين، ورجاله ثمانية، وقلت: إن الحديث رقم مائة واثنين وثلاثين أعلى إسناداً عند النسائي ورجاله أربعة أشخاص، فليس بين النسائي فيه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أربعة أشخاص: محمد بن منصور، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن المنكدر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في صب النبي فضل وضوئه عليه
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان].محمد بن منصور هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وسفيان بن عيينة أيضاً مر في الإسناد قبل هذا.[سمعت ابن المنكدر].وهو محمد بن المنكدر التيمي المدني، وهو ثقة، فاضل، من رجال الجماعة.[عن جابر].وأما جابر بن عبد الله فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه، وقد مر ذكره.
ابو الوليد المسلم
01-12-2026, 10:28 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(52)
- باب فرض الوضوء - باب الاعتداء في الوضوء
فرض الله علينا الطهارة عند إرادة الصلاة، فلا يقبل الله صلاة العبد إلا بطهارة، لكن الزيادة على ثلاث غسلات للعضو فيه تعد وظلم وإساءة.
فرض الوضوء
شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الوضوء.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب فرض الوضوء، والمراد بالترجمة كما هو واضح من الحديث الذي أورده تحتها: أن الوضوء فرض لازم، وأمر متحتم، هذا هو المراد بفرض الوضوء، بل إنه شرط لصحة الصلاة، وإذا لم يوجد الشرط، لم يوجد المشروط الذي هو الصلاة، فلا بد لكل صلاة من الوضوء لها حيث وجد الماء، فإذا لم يوجد، ينتقل إلى ما ينوب عنه، وهو التيمم.إذاً: فالوضوء شرط من شروط الصلاة التي تسبق المشروط، والتي لا بد من فعلها قبل فعل المشروط، والتي لا تصح الصلاة بدون ذلك الشرط، ولهذا ترجم بقوله: باب: فرض الوضوء، ويعني: أنه فرض لازم متعين، لا تفيد الصلاة بدون وضوء.ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي المليح عن أبيه أسامة بن عمير رضي الله تعالى عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)]، والمقصود هو الجملة الأولى، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: [(لا يقبل الله صلاة بغير طهور)] والطهور يشمل: الطهارة بالماء، والطهارة بالتراب الذي هو الأصل، وما ينوب عنه الذي هو التيمم، ولهذا جاء التعبير بالطهور، فيكون شاملاً للوضوء، وما يقوم مقام الوضوء إذا عدم الماء وهو التيمم، فلا بد للصلاة من طهارة، ولا بد أن يسبقها وضوء، أو تيمم إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله.ونفي القبول معناه: أن الصلاة التي لا تكون بوضوء، فإن صاحبها لم يؤد ما فرض الله عليه، ولم تبرأ ذمته، ولم تقع الصلاة صحيحة، بل يتعين الوضوء ثم الصلاة، فلو أن إنساناً نسي، وصلى بغير وضوء، فإن صلاته لا تعتبر، ولا تجزئ، ولا يترتب عليها أثرها الذي هو الثواب، بل يجب عليه ويتعين عليه أن يتطهر بالوضوء، أو التيمم إذا لم يوجد الماء، أو لم يقدر على استعماله، ثم يؤدي الصلاة.إذاً: فالنفي هنا -نفي القبول- لنفي الإجزاء، ونفي الصحة، ونفي الأثر المترتب على ذلك وهو الثواب.فالنفي يدخل فيه نفي الصحة، ومعنى ذلك: أنه لا بد من الوضوء والصلاة، لكن في بعض المواضع يأتي نفي القبول، ولكنه لا يلزم معه الإعادة، وإنما يحصل حرمان الثواب، وعدم حصول الثواب المترتب على الصلاة، ومن ذلك: ما جاء في الحديث: (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، فمعنى (لم تقبل) أنه يحرم ثوابها، ويحرم الأجر المترتب على الصلاة، وهذا عقاب على إتيانه العراف، وذهابه للعراف، بأنه فعل فعلاً حرم ثوابه، لكنه لا يقال: إن صلاته غير مجزئة، وأن عليه أن يعيد الصلوات، لأن صلاته غير مقبولة؛ فإن نفي القبول هنا غير نفي القبول في حديث الباب؛ لأن حديث الباب يدل على عدم الإجزاء وعدم الصحة، وأما ذاك فالصلاة قد حصلت، ولا يؤمر بالإعادة، ولكنه يحرم ثوابها.أما الذي معنا هنا في قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) فمعنى ذلك: أنها لا تجزئ ولا تصح، ويتعين على من صلى بغير وضوء أن يتوضأ ويصلي؛ لأن صلاته التي قد حصلت بغير وضوء هي لاغية، ووجودها كعدمها؛ لأنه فُقد شرط من شروطها، الذي لا تعتبر، ولا تنفع، ولا تفيد إلا إذا وجد الشرط قبل وجود المشروط.قوله: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) الغلول: هو بمعنى الخيانة، وهو يشمل ما يدخل تحته من كل مال حرام، كل مال حرام لا ينتفع صاحبه بالتصدق به؛ لأن الصدقة المقبولة هي: الطيبة التي هي من كسب طيب، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ثم ذكر بعد ذلك الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له؟!).فالغلول يدخل فيه الخيانة، ويدخل فيه أكل المال الحرام، وما يدخل فيه دخولاً أولياً: الغلول من الغنيمة؛ لأن فيه خيانة، وكذلك كل خيانة فهي من الغلول، وكل مال حرام فهو أيضاً داخل في هذا المعنى، بمعنى: أن الصدقة منه لا تقبل، وإنما الصدقة المقبولة النافعة لصاحبها هي التي كانت من مال حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وقد تكرر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو أحد شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو عوانة].وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها واسمه: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].قتادة هو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، حافظ، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي المليح].وأبو المليح هي كنية، واسمه قيل: عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو: ابن أسامة بن عمير الهذلي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].أما أبوه أسامة بن عمير الهذلي، فهو صحابي تفرد بالرواية عنه ابنه، لم يرو عنه إلا ابنه أبو المليح، وله سبعة أحاديث، كلها من طريق ابنه أبي المليح؛ وهذا يسمونه الوحدان فهو من لم يرو عنه إلا واحد، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.إذاً: فرجال الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا الصحابي؛ فإن حديثه عند أصحاب السنن الأربعة، رجال الإسناد كلهم من رجال الجماعة، قتيبة بن سعيد، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو المليح الذي هو: ابن أسامة بن عمير الهذلي.
الاعتداء في الوضوء
شرح حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاعتداء في الوضوء.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا يعلى حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)].أورد النسائي: الاعتداء في الوضوء، الاعتداء: هو تجاوز الحد الذي حد في الوضوء، وهو أن يزيد على ثلاث غسلات للأعضاء فهذا هو المراد بالاعتداء؛ لأنه لا يزاد على الثلاث، يتوضأ مرة ومرتين وثلاثاً، وكذلك يجوز التفاوت بأن يكون البعض مرة، والبعض مرتين، والبعض ثلاثاً، لكن لا يتوضأ أربع مرات أو خمساً، أو أربع غسلات أو أكثر، وإنما يوقف عند حد الثلاث.وقد أورد فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: [(هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم)].الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين للأعرابي كيفية الوضوء، وأنه يكون ثلاثاً، لكن الثلاث هي الحد التي يكون بها الإسباغ، ولا يزاد على ذلك، والوضوء يكون بدونها ويكون بأقل من الثلاث، فلما توضأ وأراه النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، قال له: [(هكذا الوضوء)]، يعني: الوضوء الكامل الذي فيه الإسباغ، فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدى وظلم، والترجمة هنا أخذها من قوله: (تعدى)، لأنه جاء في الحديث: تعدى، وقال: الاعتداء في الوضوء، يعني: بالزيادة، وتجاوز الحد الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكون الإنسان يزيد على ثلاث فهذا من الإسراف، وهو من العدوان، ومن الظلم، ومن الإساءة، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، حيث قال: [(فقد أساء وتعدى وظلم)].وفي الحديث بيان التعليم بالفعل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عن الوضوء توضأ وأراه كيف يتوضأ، وأنه يكون ثلاثاً ثلاثاً، ثم إنه بين بالقول فقال: [(هكذا الوضوء)] فجمع بين القول والفعل.وقد جاء عند أبي داود: (فمن زاد على هذا أو نقص)، والتعبير بلفظ: (نقص) هذه زيادة ليست عند الباقين الذين رووه، وإنما انفرد بها أبو داود وهي زيادة منكرة أو شاذة، فهي زيادة غير محفوظة وغير ثابتة؛ لأنها تعارض ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم من الوضوء مرة ومرتين، وقد جاء فيه أحاديث صحيحة كثيرة، أن الرسول توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وفاوت أيضاً بين الغسلات، بحيث يكون بعض الأعضاء واحداً، وبعضها اثنين، وبعضها ثلاثة، لكن النقصان عن هذا العدد الذي هو الثلاث هذه زيادة منكرة أو شاذة، وإنما الثابت هي الزيادة التي جاءت عند غير أبي داود، ومقتضى هذه الزيادة وهي: (أو نقص) أن الإنسان إذا نقص عن ثلاث فمعناه: أنه ظلم، أو أنه أساء، وهو ليس بمسيء ولا ظالم، بل هو محسن، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص في النهي عن الاعتداء في الوضوء
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].ومحمود بن غيلان ثقة خرج حديثه الجماعة إلا أبا داود.[حدثنا يعلى].يعلى هو ابن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[يروي عن سفيان].سفيان هو: الثوري الإمام المعروف، الذي مر ذكره مراراً، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عائشة].موسى بن أبي عائشة ثقة، عابد، حديثه عند الجماعة.[عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]عمرو هو: ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صدوق، حديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأصحاب السنن الأربعة.وأبوه الذي يروي عنه هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وهو أيضاً صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وفي جزء القراءة، وعند أصحاب السنن الأربعة، وقد قال الحافظ: إنه ثبت سماعه عن جده، معناه: أن عمراً يروي عن أبيه، وأبوه شعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، فيكون الحديث ثابتاً، والحديث الذي يأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده هو من قبيل الحسن وحديثه حسن، وإذا كان الحديث أو الإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مستقيماً ثابتاً، فإن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تقل عن الحسن، وهي ثابتة، وقد عول عليها العلماء واحتجوا بتلك الأحاديث التي تأتي عن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.وهذا الحديث هو أول حديث يأتي في سنن النسائي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
ابو الوليد المسلم
01-12-2026, 10:31 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(53)
- باب الأمر بإسباغ الوضوء - باب الفضل في ذلك
لقد أمر الشارع بإسباغ الوضوء، وبين فضله، ومن فضائله أنه يمحو الله به الخطايا، فآخر قطرة ماء تنزل من العضو تنزل معها خطايا هذا العضو، كما أن في إسباغ الوضوء رفعة لدرجات العبد عند ربه عز وجل.
الأمر بإسباغ الوضوء
شرح حديث ابن عباس في الأمر بإسباغ الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأمر بإسباغ الوضوءأخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا أبو جهضم حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: كنا جلوساً إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: (والله ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء: فإنه أمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الأمر بإسباغ الوضوء.إسباغ الوضوء كما عرفنا فيما مضى يكون بالعدد، وهو أن يكون ثلاثاً، ويكون بالدلك والاستيعاب في الغسلات، هذا هو إسباغ الوضوء، أما المجزئ منه فهو الذي يحصل فيه الاستيعاب للأعضاء، ولو مرة واحدة، وهذا الحد الأدنى لا بد فيه من الاستيعاب. والإسباغ هو أن يكون دلكاً، وأن يصل العدد الأكمل الذي هو ثلاثاً، لكن لا يزيد عليها؛ لأنه كما تقدم في الحديث السابق الذي مر آنفاً، أن ذلك اعتداء، وظلم، وإساءة، يعني: التجاوز، وهو من الإسراف.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (ما خصنا رسول الله) يعني: أهل البيت. (بشيء دون الناس، إلا بثلاثة أشياء؛ فإنه أمرنا بأن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل).ومن المعلوم: أن إسباغ الوضوء ليس خاصاً بآل البيت، وكذلك إنزاء الحمر على الخيل ليس خاصاً بأهل البيت، وإنما الخاص بهم الذي يختصون به عن غيرهم، هو تحريم الصدقة عليهم، ولعل قوله: [(ما خصنا)] أن الخطاب حصل فيها جميعاً، يعني: لا تفعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، أو لا تفعلوا كذا لكن افعلوا كذا.أما إسباغ الوضوء فليس خاصاً بهم، بل الأمر لهم ولغيرهم، وهو حكم عام يشمل الأمة، وإنزاء الحمر على الخيل أيضاً كذلك مشترك بينهم وبين غيرهم، وهو من جنس ما جاء عن علي رضي الله عنه لما سأله أبو جحيفة: (هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة) وهي صحيفة فيها مسائل متعددة، وأحاديث متعددة، معناه: أنها عندهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا كذلك هذه الأمور في الحديث هي عندهم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، رواها ابن عباس عن رسول الله يعني: هذا الحديث، ولكن الخصوصية لأهل البيت هي بتحريم الصدقة عليهم، أما الإسباغ فإن هذا لهم ولغيرهم، وإنزاء الحمر لهم ولغيرهم.وقوله: [(ولا ننزي الحمر على الخيل)].إنزاء الحمر على الخيل، يعني: كونهم يجعلون الحمر تنزو على الخيل؛ لأنها إنزاء جنس على غير جنس؛ لأن الذي يولد عن طريقها أو بهذه العملية يصير جنساً آخر ليس بجيد، فالرسول نهى أن تنزى الحمر على الخيل، وإنما الحمر على الحمر والخيل على الخيل، ولا تنزى الحمر على الخيل، يعني كونها تمكن من أن تعلو عليها وتنزل فيها ماءها، ويترتب على ذلك ولد من جنس ثالث.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الأمر بإسباغ الوضوء
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].يحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد].حماد هو ابن زيد بن دينار البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثنا أبو جهضم].أبو جهضم هو موسى بن سالم، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس].فـعبد الله بن عبيد الله بن عباس يعني: ابن عبد المطلب، عمه عبد الله بن عباس، وهو هنا يروي عن عمه عبد الله بن عباس؛ لأن هذا عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وعبيد الله هو أخو عبد الله، قال: (كنا جلوساً عند عبد الله بن عباس). وعبد الله بن عبيد الله هو ثقة، حديثه عند الجماعة.[عن عبد الله بن عباس].عبد الله بن عباس هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، والذي مر ذكره مراراً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في بيتين من الشعر.
شرح حديث: (أسبغوا الوضوء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء)]. أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء)، وهو يبين أن إسباغ الوضوء أمر عام ليس لأهل البيت خاصة، كما جاء في الحديث الذي قبل هذا.فإذاً: ليس من الثلاث التي تقدمت مما يخص أهل البيت إلا أنه تحرم عليهم الصدقة، أما إسباغ الوضوء، فحديث عبد الله بن عمرو هذا يدل على التعميم، وأن هذا حكم عام لجميع الأمة؛ لأنه قال: (أسبغوا الوضوء) كما في رواية عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أسبغوا الوضوء)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد، ومر ذكره.[حدثنا جرير].جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة من رجال الجماعة.[عن منصور].منصور وهو: ابن المعتمر ،وهو ثقة من رجال الجماعة أيضاً.[عن هلال بن يساف].هلال بن يساف بكسر الياء، وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والأربعة.[عن أبي يحيى].أبو يحيى هو: مصدع الأعرج وهو مقبول، روى عنه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن عمرو].عبد الله بن عمرو هو: ابن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره فيما مضى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وعرفنا أنه ليس بينه وبين أبيه إلا اثنتي عشرة سنة؛ لأن أباه احتلم، وهو في سن مبكرة، وتزوج وهو صغير، وولد له وهو صغير، يعني: ولد عبد الله لـعمرو وعمرو عمره اثنتا عشرة سنة رضي الله تعالى عنهما.
الفضل في ذلك
شرح حديث أبي هريرة في فضل إسباغ الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في ذلك.أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)].لما ذكر النسائي في الباب الذي قبل هذا الأمر بإسباغ الوضوء، وأورد تحته بعض الأحاديث الدالة على ما ترجم له؛ عقبه بهذه الترجمة، وهي قوله: [الفضل في ذلك] يعني: الفضل في إسباغ الوضوء، وما يدل على فضل إسباغ الوضوء، وعلى ما فيه من الفضيلة، وما فيه من الأجر والثواب. هذا هو المقصود بالترجمة. وأورد حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين أن إسباغ الوضوء على المكاره، وما أضيف إليه من كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة بين أن الله تعالى يمحو به الخطايا ويرفع به الدرجات. وبين بعد ذلك أيضاً في قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) فدل على الفضل من جهتين: من جهة أنه ذكر أولاً: أن هذا مما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ثم ختم ذلك بقوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟) هذا الكلام الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما يريد أن يبينه لأصحابه، هذا من كمال نصحه، وكمال بيانه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أحياناً يحصل منه أن يشير قبل ذكر ما يريد أن يذكره بما يلفت النظر إليه، وبما يحفز الهمم إليه، ولما يجعل النفوس تتطلع إليه، ألا أخبركم بكذا وكذا؟ فيذكر شيئاً من الفضائل في عمل من الأعمال، تجعل السامع يشرئب، ويترقب، وينتظر، ويستعد، ويتهيأ لمعرفة هذا الذي يكون بهذا الوصف، وبهذا الشأن، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما قال أولاً: إسباغ الوضوء، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فيه كذا وكذا، وإنما أتى بشيء فيه استفهام، وهذا من بيانه عليه الصلاة والسلام، ويأتي على صيغ مختلفة، من ذلك ما يأتي في بعض الأحاديث: ثلاث من وجدت فيه فله كذا وكذا، وذلك مثل قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) فهنا ذكر وصف هذا العدد في شيء يجعل النفوس تترقب إليه.ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهو تمهيد مشتمل على أوصاف، تجعل السامع يتشوف، ويستعد، ويتهيأ لاستيعاب ما يلقى عليه، وما يبين له، وهذا من كمال نصحه، وكمال بيانه عليه الصلاة والسلام.قوله: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) ففيه تخليص من ذنوب، ورفعة درجات، تخلية وتحلية، فالتخلية هي: تجاوز، ومحو، ومغفرة الذنوب، والتحلية وهي: رفعة درجات.ففيه حط خطايا، ومحو خطايا، ورفعة درجات، والمحو يمكن أن يكون من صحف الملائكة الذين يكتبون السيئات؛ لأنهم يكتبون الحسنات والسيئات، وليست القضية هي مجرد محو، وإنما مع المحو علو، وسمو، ورفعة درجة، وعلو مكانة، ورفعة الدرجات إنما هي في الجنة؛ لأن الجنة درجات، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض، فالجنة درجات بعضها فوق بعض، فيرفع الله تعالى له الدرجات في الدنيا والآخرة، بأن يكون له مكانة في النفوس، ومحبة في النفوس، وفي الآخرة رفعة درجات في الجنة، وعلو درجات في الجنة عند الله سبحانه وتعالى.ثم بين ذلك عليه الصلاة والسلام بقوله: (إسباغ الوضوء على المكاره)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في هذه الترجمة، وهي: فضل إسباغ الوضوء، وهذا الفضل للإسباغ ولغيره معه الذي هو: كثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، هذه الأمور الثلاثة يرفع الله تعالى بها الدرجات، ويحط بها الخطايا، ووصفت بأنها الرباط ثلاث مرات.وقوله: (إسباغ الوضوء على المكاره) يعني: ما كان فيه مشقة، وكون الإنسان يتوضأ، ويسبغ الوضوء، وفي ذلك مشقة عليه، بأن يكون مثلاً الماء فيه برودة، فتجده يصبر على المشقة، وعلى ما تكرهه النفوس، وما يشق على النفوس؛ لما فيه من رفعة الدرجات عند الله عز وجل.وليس معنى هذا أن الإنسان يلازم الإقدام على ذلك الشيء، الذي هو استعمال الماء البارد، وإن حصل له الضرر من ورائه؛ فإن الإنسان لا يجلب لنفسه الضرر، ولكن المقصود من ذلك: الشيء الذي لا يترتب عليه مضرة على الإنسان من مرض أو هلاك، وإنما فيه مشقة تتحملها النفوس، وتصبر عليها في سبيل الله وابتغاء وجه الله عز وجل، وابتغاء الرفعة، وعلو الدرجة عند الله سبحانه وتعالى. هذا هو المقصود بإسباغ الوضوء على المكاره.ثم أيضاً: يصبر على الوضوء، ويقدمه على غيره من أمور الدنيا، فالوضوء، والصلاة، وما طولب به الإنسان من العبادات، فإنه يقدمها، ولا يجعل الدنيا تنافسها، أو تحول دونها، أو تعوق دونها، أو تشغله عنها، بل أمور الآخرة هي المقدمة، وهي التي فيها الشغل عن الدنيا؛ لأن الدنيا والاشتغال بها كل ذلك متاع في الحياة الفانية، والحياة المنتهية، وأما الطاعات والمحافظة عليها فهي الزاد في الحياة الباقية والحياة الدائمة، كما قال الله عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فالإنسان يصبر على الطاعات وإن شقت على النفوس؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنار حفت بالشهوات.ومن الأشياء التي فيها مشقة، والنفوس لا تميل إليها، مثل: الذهاب إلى المسجد في شدة الرمضاء، وفي شدة الحر، وفي شدة البرد، وما إلى ذلك من الأشياء التي فيها مشقة على النفوس، ولكنها تستسهل وتخف على النفوس؛ لأن فيها محافظة على طاعة الله عز وجل، وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره)، يعني: أنها تحتاج إلى ابتغاء وجه الله عز وجل، وصبر على طاعة الله؛ لأن الصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معاصي الله، وصبر على أقدار الله، والطاعات يصبر عليها وإن شقت على النفوس، والمعاصي يصبر عنها، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وحفت النار بالشهوات) فيحتاج الإنسان إلى أن يصبر عنها، وإن اشتهتها النفوس، ومالت إليها النفوس، إلا أنها تميل إلى شيء فيه لذة ساعة، ولكن يعقبها شقاوة، ويعقبها حسرة، ويعقبها ندامة، فلا يقدم الإنسان على لذة عاجلة تورث خيبة، وخساراً، وهلاكاً، ودماراً في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.
فضل كثرة الخطا إلى المسجد
قوله: (وكثرة الخطا إلى المساجد)، يعني: بأن يكون الإنسان مكانه بعيداً عن المسجد، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن بني سلمة سينتقلون إلى قرب المسجد، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغني ذلك عنكم، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) يعني: الزموا دياركم تكتب آثاركم؛ لأن كثرة الخطا إلى المساجد مع الصبر والاحتساب فيه عظيم الدرجات.وكان بعض الصحابة -قيل: عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، والحديث في صحيح مسلم- بيته بعيداً، وكان لا تفوته صلاة جماعة، فقيل له: (لو أنك اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء، وفي الليلة الظلماء، فقال: إني ما أحب أن يكون بيتي قرب المسجد، إني أحب أن يكتب الله لي خطواتي في ذهابي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي، أن يكتبها الله لي، ويحط بها عني خطايا، ويكتب لي الدرجات أو الحسنات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد جمع الله لك ذلك كله).فإذاً: كثرة الخطا إلى المساجد، بكون بيته بعيداً، ويصبر، ويحتسب، هذا مما يرفعه الله تعالى به درجات، ويحط عنه خطيئات، ولهذا جاء في الحديث أنهhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=ما يخطو خطوة إلا ويحط الله عنه بها خطيئة، ويرفع له بها درجة) كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة
ثم قال: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هذا يحتمل أن يكون المراد به: كونه يبقى في المسجد بأن يصلي صلاة، ثم يجلس في المسجد ينتظر الصلاة الثانية، ويمكن أيضاً أن يكون المراد به: وإن ذهب من المسجد إلى بيته إلا أن قلبه متعلق بالمسجد، بمعنى: أنه إذا ذهب من المسجد يفكر متى يرجع إليه، وقلبه متعلق بالمسجد، فهو لا يرجع منه إلا وهو يفكر في الذهاب إليه، ويتطلع إلى الرجوع إليه.وهذا هو ما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) يعني: لا يذهب منه إلا وهو مشدود إليه، ومدفوع إليه، يتحرى ويترقب الوقت الذي به يرجع إلى المسجد. إذاً يمكن أن يدخل تحته من يصلي الصلاة، ثم يجلس يقرأ القرآن حتى تأتي الصلاة الأخرى، لا سيما في الأوقات المقاربة، مثل: ما بين العصر والمغرب، والمغرب والعشاء؛ فإن هذه أوقات متقاربة، يمكن أن يكون فيها الجلوس في المسجد، وذكر الله عز وجل، وقراءة القرآن، أو يكون المعنى: أنه يرجع، ولكنه إذا رجع يكون قلبه متعلقاً بالمسجد يفكر متى يرجع إليه.إذاً: هذه الأعمال الثلاثة التي هي: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) مما يحط الله بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات.ثم أيضاً وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذا هو الرباط: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، والرباط: هو المرابطة على الشيء والملازمة له، وهو يطلق على الرباط في سبيل الله، وهو سد الثغور، والمداخل التي يدخل منها الكفار، والأعداء إلى بلاد المسلمين، الأعداء الذين يتحينون الفرص للانقضاض على المسلمين، والإساءة إليهم؛ فإن البقاء في الثغور، والمنافذ، والمداخل التي في طريق الكفار، ويمكن أن يهجم منها العدو؛ هذا من الرباط في سبيل الله؛ لأن فيه ملازمة في الجهاد في سبيل الله؛ لأن كونه يجاهد في سبيل الله، ملازم في المكان الذي يأتي منها الأعداء فهو يحول دونهم، ويصدهم عن أن يدخلوا إلى المسلمين، وأن يفتكوا بهم، ويؤذوهم.فمثله هذا الذي جاء في هذا الحديث، من كون الإنسان يلازم المساجد، ويحرص عليها، ويتعلق قلبه بها، وينتظر الصلاة بعد الصلاة، بمعنى: أنه يجلس في المسجد ينتظر الصلاة التي بعدها، وكذلك إذا خرج هو متعلق قلبه بها، وكذلك أيضاً يذهب إليها، وإن كان مكانه بعيداً ذاهباً آيباً، كل ذلك فيه مشقة عليه، وكل ذلك يكتبه الله عز وجل له، ويحط عنه به الخطايا، ويرفع به الدرجات، وكذلك إسباغه الوضوء على المكاره في الشيء الذي يكون عليه مشقة، وعليه تعب، فإنه يصبر ويحتسب لكن بشرط: أن لا يلحق ذلك به ضرراً: من مرض يحبسه عن الطاعة، أو هلاك، أو موت يترتب على إضراره بنفسه، إذا لم يحصل ذلك، وإنما إن حصل مجرد المشقة، فإن الطريق إلى الجنة شاق، ويحتاج إلى صبر واحتساب، ليس كما يقال: مفروشاً بالورود والرياحين، وإنما فيه العناء والمشقة، فيه التكاليف والتكاليف شاقة، ولكن من يوفقه الله عز وجل يصبر، ويحتسب، وإن شقت التكاليف عليه؛ لأنه يعلم أن العاقبة حميدة، ويعلم أن النتيجة طيبة.إذاً قوله: (فذلكم الرباط) يعني: هذا هو الذي فيه الملازمة والثبوت على هذا العمل الذي يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات، وهو يشبه الرباط في سبيل الله.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل إسباغ الوضوء
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، ما أكثر ما يأتي ذكره في الأسانيد، بل هو أول شخص روى عنه النسائي في سننه حديثاً، وأول شيوخه في كتابه السنن وهو: قتيبة بن سعيد، وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو من الثقات، الأثبات، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، صاحب المذهب المالكي، أحد المذاهب الأربعة، الذي صار له أصحاب عنوا بجمعه، والتأليف فيه، وتنظيمه، وترتيبه، وبقيت أقواله ومذهبه لعناية أصحابه بفقهه، وإلا فإن غير الأئمة الأربعة في زمانهم وقبل زمانهم من كان مجتهداً، وله كلام في مسائل الفقه، لكنه ما لقي مثل ما لقي هؤلاء الأربعة، من وجود أصحاب لهم، وأتباع لهم يعنون بجمع فقههم.فهذا الرجل الذي هو الإمام مالك رحمة الله عليه محدث، فقيه، وكتابه الموطأ مشتمل على حديث، وعلى فقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل إن أصح الأسانيد عند البخاري السلسلة التي فيها مالك: مالك عن نافع عن ابن عمر.[عن العلاء بن عبد الرحمن].هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحرقة هم من جهينة.[عن أبيه].أبوه هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي مولاهم، وهو ثقة، والذين خرجوا له مثل الذين خرجوا لابنه: البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فقد خرجوا للاثنين على حد سواء: عبد الرحمن بن يعقوب، وابنه العلاء بن عبد الرحمن.[عن أبي هريرة].هو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثرهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ابو الوليد المسلم
01-12-2026, 10:36 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(54)
- باب ثواب من توضأ كما أمر
رتب الشارع أجراً عظيماً على إسباغ الوضوء على المكاره، وجعل ذلك بمنزلة المرابط في سبيل الله، بل جعل الشارع للمتوضئ وضوءاً صحيحاً كما أمره الله أنه يُغفر له ما تقدم من ذنبه.
ثواب من توضأ كما أمر
شرح حديث: (من توضأ كما أمر... غفر له ما قدم من عمل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثواب من توضأ كما أمر.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن أبي الزبير عن سفيان بن عبد الرحمن عن عاصم بن سفيان الثقفي أنه قال: (إنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر رضي الله عنهما، فقال عاصم: يا أبا أيوب! فاتنا الغزو العام، وقد أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما قدم من عمل، أكذلك يا عقبة ؟ قال: نعم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب ثواب من توضأ كما أمر، يعني: من أتى بالوضوء كما أمره الله عز وجل بأن أدى الواجب الذي عليه.ومن المعلوم أن الأمر منه ما هو إيجاب ومنه ما هو استحباب، وأمر الإيجاب هو: المرة الواحدة التي يكون بها الاستيعاب للأعضاء، هذا هو الأمر الواجب الذي لا يجوز أقل منه، ولا يصح الوضوء مع ما هو أقل من ذلك، مرة واحدة فيها الاستيعاب، فلو حصل نقص في بعض أعضاء الوضوء أو في العضو الواحد فإنه لا يصح الوضوء، وقد مر الحديث الذي فيه: (ويل للأعقاب من النار) أي: الذين توضئوا وأعقابهم تلوح بياضاً ما جاءها الماء، فحصل الوعيد.فإذاً: أقل القدر المجزئ والأمر الواجب الذي لا يجوز شيء دونه هو المرة الواحدة مع الاستيعاب، وهو الذي لا بد منه، فإذا نقص، بمعنى: أن بعض الأعضاء ما حصل لها استيعاب من الماء، أو جزء من بعض الأعضاء، أو أحد الأعضاء، فإن الوضوء لا يصح.وأما الذي هو مستحب فهو الوصول إلى ثلاث غسلات، هذا هو المستحب الذي في إسباغ الوضوء والذي هو التثليث، والدلك، وإطالة التحجيل الذي هو عندما يغسل الإنسان اليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، يعني: يزيد قليلاً، وهذا هو الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقصى ما فعله رسول الله هو الإشراع في العضد، أي: بمعنى أنه تجاوز المرفقين لكن لا يبعد كثيراً، فهذا إسباغ الوضوء من حيث الموضع ومن حيث الدلك. وأما من حيث العدد الذي هو التثليث فالإسباغ يكون بالتثليث، ويكون بالدلك، ويكون بمجاوزة المرفقين والكعبين قليلاً بحيث يدخل في الساق وفي العضد، لكنه لا يتوغل ولا يبعد كثيراً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقصى ما ثبت عنه أنه أشرع في العضد، معناه أنه دخل فيها لا أنه أكثر الغسل فيها وأنه غسل قسماً كبيراً منها، وإنما أشرع فيها يعني: دخل فيها، فهذا هو الإسباغ.إذاً: الأمر فيه أمر إيجاب لا أقل منه ولا يصح شيء دونه، وهو المرة الواحدة مع الاستيعاب، وأمر الاستحباب الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والذي أمر بالإسباغ، ويدخل تحته العدد الذي هو ثلاث؛ فمن توضأ كما أمره الله، وأدى الواجب الذي أوجبه الله عليه واعتنى بذلك، فإن له ثواباً عظيماً عند الله عز وجل. والترجمة هي: ثواب من توضأ كما أمر، يعني: من توضأ كما أمره الله عز وجل، فإن له ثواباً عظيماً عند الله عز وجل.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة أحاديث، أولها: حديث أبي أيوب، وعقبة بن عامر؛ لأن هذا الحديث يعتبر حديثين باعتبار الصحابيين؛ لأنه عن أبي أيوب، ثم إن عقبة قال: أكذلك؟ يعني: أكذلك قال رسول الله؟ قال: نعم، إذاً: هو حديث عن صحابيين، والحديث يعتبر حديثين الآن؛ لأن الحديث عندهم واحد باعتبار الصحابي؛ لأنه قد يكون جاء من صحابي آخر فيكون حديثاً آخر، فعندما يعدون الأحاديث في الصحيحين أو في غيرهما، يعدونها باعتبار الصحابة، فلو كان الحديث جاء عن عدة من الصحابة ما يعتبرونه حديث مكرر، هو حديث مكرر باعتبار الصحابي، فإذا جاء عن صحابي واحد في عدة مواضع قالوا: مكرر، لكن إذا جاء الحديث نفسه عن فلان وعن فلان وهو حديث واحد يعتبر حديثين، فلا يعتبرونه حديثاً واحداً، الحديث عندهم باعتبار الصحابي، فلو كان حديثاً جاء عن صحابي آخر اعتبر حديثين، وعندما يعدون ما يعدون عن الصحابيين حديثاً واحداً، وإنما عن كل صحابي حديثاً، والأحاديث بدون تكرار يعدون فيها، لو جاء الحديث عن عدد من الصحابة لاعتبروه عدة أحاديث؛ لأن الحديث عندهم باعتبار الصحابي لا باعتبار متنه ولو كثرت صحابته، وإنما المكرر عندهم باعتبار الصحابي الواحد كونه يأتي عن صحابي ويتكرر ألفاظه، مثل: حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين جاء في مواضع عديدة، هذا يقال له: حديث مكرر في سنن النسائي، لكن هذا الحديث الذي معنا الآن: حديث أبي أيوب، وحديث عقبة بن عامر يعتبران حديثين وليس حديثاً واحداً.إذاً: عاصم بن سفيان يروي الحديث عن أبي أيوب الأنصاري، وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما؛ لأن أبا أيوب هو الذي ساق الحديث، ثم قال أبو أيوب لـعقبة بن عامر: أكذلك؟ قال: نعم. معناه: أن عقبة بن عامر وافق أبا أيوب على أنه سمع الحديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال له أبو أيوب: أكذلك يا عقبة ؟ قال عقبة: نعم.إذاً: الحديث عن عقبة وعن أبي أيوب معاً، وكما قلت لكم: إن الحديث يكون باعتبار الصحابي، مثل حديث جبريل المشهور، هو متفق عليه من حديث أبي هريرة، وانفرد به مسلم من حديث عمر، هو نفسه حديث جبريل المشهور، لكنه عند مسلم من حديث عمر، وعند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، فهو متفق عليه من حديث أبي هريرة، ومن أفراد مسلم من حديث عمر.إذاً: الحديث باعتبار الصحابي، لا يقال: إن حديث عمر وحديث أبي هريرة مكرر، وإنما حديث عمر إذا جاء في عدة مواضع مكرر، وحديث أبي هريرة إذا جاء في عدة مواضع مكرر، لكن حديث عمر مستقل، وحديث أبي هريرة مستقل.كذلك مثل حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، فهو موجود في البخاري من حديث ابن عمر، وقد قال ابن حجر في شرح الحديث: وهذا الحديث من غرائب الصحيح، وقد خلا منه مسند الإمام أحمد على سعته، أربعين ألف حديث لا يوجد فيها حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس)، لكنه موجود من حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد.فقوله: (خلا منه مسند الإمام أحمد) يعني: خلا منه من حديث ابن عمر، لكن ما خلا منه من حديث أبي هريرة؛ ذلك لأن الحديث باعتبار الصحابي لا باعتبار لفظه وباعتبار متنه، بل هو باعتبار صحابيه.ومتن الحديث يقول عاصم بن سفيان الثقفي: أننا غزونا السلاسل ففاتنا الغزو، فرابطنا، يعني: جلسوا في الثغور مدة عند الحدود التي تكون مع الأعداء، جلسوا في الثغور ليحرسوا بلاد المسلمين من أن ينقض عليهم الكفار، ثم عادوا وجاءوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب الأنصاري وعقبة بن عامر الجهني رضي الله عنهما، فقال عاصم يخاطب أبا أيوب: إننا غزونا العام وفاتنا الغزو فرابطنا، وأخبرنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ما تقدم من ذنبه، فقال أبو أيوب: ألا أدلك على ما هو أيسر من ذلك؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر؛ غفر له ما تقدم من عمله) يعني من عمل سيئ. هذا هو المقصود من إيراد الحديث، من توضأ كما أمر ففضل الله تعالى أن يغفر له، لكن هذه المغفرة كما عرفنا مراراً هي للسيئات التي هي الصغائر، وأما الكبائر فلا بد فيها من توبة، فالكبائر تكفرها التوبة، وأما الصغائر فتكفرها الأعمال الصالحة، كما قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] يعني: الصغيرة تكفر باجتناب الكبائر، وتكفرها الأعمال، فإذا وجدت الأعمال الصالحة ووجد معها توبة من جميع الذنوب لا شك أن هذه التوبة وهذا العمل الصالح كفر ما مضى من كبائر وصغائر، أما أن يعمل الإنسان العمل الصالح وهو مصر على عمل سيئ؛ فهذا العمل الصالح الذي حصل منه لا يكفر ذلك السيئ الذي هو مصر عليه، وإنما يكفر الصغائر التي تكفر باجتناب الكبائر، والتي تمحوها الحسنات إذا جاءت بعدها، والطاعات إذا جاءت بعد السيئات الصغيرة تمحوها، وأما الكبيرة فلا بد فيها من توبة.إذاً: الحديث يدل على عظم ثواب الوضوء عند الله عز وجل، فمن توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما تقدم من عمل.الحديث في أوله: أنا غزونا، يعني: السلاسل، يعني: غزوة من الغزوات، ولكن فاتهم الغزو، ولكنهم لما فاتهم جلسوا مرابطين في الثغور وفي المداخل، ولما لقوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم سألوهم، ووجهوا السؤال لـأبي أيوب الأنصاري: أنه بلغنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فـأبو أيوب قال: (ألا أدلك على ما هو أيسر من ذلك؟).هذا اللفظ الذي قال: (أخبرنا). هذا كما هو معلوم لم يبين المخبر، وهو كما هو معلوم لا يقال بالرأي، ولكن الذي قاله تابعي وما عزاه إلى أحد، ولا أدري شيئاً عن ثبوته، لكن أبو أيوب أرشده إلى ما هو أيسر من هذا، فذاك عمل فيه مشقة؛ لأنه يحتاج إلى سفر ويحتاج إلى عناء، لكن هذا الشيء ما يحتاج إلى سفر، كون الإنسان يتوضأ كما أمر، ويصلي كما أمر، ثم يغفر الله له ذنوبه، وهو أسهل من هذا الأمر الذي يحتاج إلى سفر.والمساجد الأربعة هنا مطلقة ولا ندري ما هي، وكما قال أحد الشراح: لعل المقصود بها المساجد الأربعة التي تشد الرحال إليها بإضافة مسجد قباء؛ لأن هذه هي المساجد التي جاءت فيها فضيلة تخصها، والمساجد الثلاثة -وهي: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى- ومسجد قباء، فالثلاثة التي يشد الرحال إليها وقباء، فمن جاء إلى المدينة ومن كان في المدينة؛ فإن ذهابه إلى قباء فيه فضيلة، وفيه أجر عظيم ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمساجد الأربعة لعله يريد بها هذه المساجد التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء.لكن أبا أيوب رضي الله عنه أرشده إلى عمل لا يحتاج إلى سفر، وليس فيه مشقة يعني من حيث السفر، وإنما من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل، أي: من عمل سيئ.فهذا يدلنا على فضل الوضوء وعلى ثواب الوضوء، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له؛ لأن فيه ثواب من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، وهو قوله: (غفر له ما تقدم له من عمل).ثم قال أبو أيوب: (أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم).إذاً: الحديث جاء عن صحابيين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم.وهذا أيضاً يدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على الجهاد، ومن العمل أو البحث عن عمل فيه أجر وفيه ثواب؛ لأن هؤلاء لما فاتهم الجهاد رابطوا، ثم أيضاً سألوا عن عمل تحط به الخطايا وترفع به الدرجات.
تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ كما أمر... غفر له ما قدم من عمل)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد، وهو الذي تقدم.[حدثنا الليث].هو الليث بن سعد المصري، الإمام المشهور، الثقة الفقيه المحدث، مكثر من الحديث، وإمام مشهور في الفقه، وهو فقيه مصر، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزبير].هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي، وهو صدوق يدلس، أي: صاحب تدليس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان بن عبد الرحمن].وهو: سفيان بن عبد الرحمن بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي، وسفيان بن عبد الرحمن مقبول، روى له النسائي وابن ماجه .وقوله: [عن عاصم].و عاصم هو جده، وسفيان بن عبد الرحمن يروي عن جده عاصم بن سفيان بن عبد الله، وعاصم هذا صدوق، وخرج له أصحاب السنن الأربعة، وهذا هو التابعي الذي لقي هؤلاء الصحابة وسأل أبا أيوب، وهو الذي حصل منه الجهاد والرباط، وحصل منه السؤال لـأبي أيوب وكان بحضور معاوية وعقبة، وأجابه أبو أيوب بما أجابه به، ثم قال: أكذلك يا عقبة ؟ فقال: نعم. فدل على أن عاصماً هذا يرويه عن صحابيين؛ يرويه عن أبي أيوب الأنصاري وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما.وقوله: [عن أبي أيوب الأنصاري].وهو: أبو أيوب الأنصاري الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه في داره لما قدم المدينة، فأول ما قدمها نزل في دار أبي أيوب هذا، وقد مر ذكره فيما مضى، وتوفي وهو في الغزو في بلاد الروم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل في داره كانت مكونة من دورين، أي: دار أبي أيوب كما في صحيح مسلم، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم في الدور الأول وكان هو فوق، ثم بعد ذلك جاء وقال: لا أريد أن أكون تحتك، بل أنت الذي تكون فوق، فألح عليه حتى قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل من فوق، والحديث في صحيح مسلم، يعني: هذا الرجل سبق أن مر، وهو الذي نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في داره عندما قدم المدينة قبل أن يبني المسجد وقبل أن يبني حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.وقوله: [ عقبة بن عامر].هو: عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل، فلما كانت نوبتي روحتها بعشي) يعني: بكر في الانصراف، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحضر مجلسه وسمع حديثه، وكان يحدث عن الوضوء وعن الذكر بعد الأذان، فقال لما سمع قال. والحديث في صحيح مسلم، أنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل) يعني: بعضهم بدل ما يكون كل واحد يسرح بإبله يجمعونها وكل واحد يروح فيها يوم، والباقين جالسين يسمعون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما صارت نوبته أتى بها مبكراً بعشي، ثم جاء وأدرك بقية المجلس مع رسول الله، وسمع حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد عن شعبة عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان أخبر أبا بردة في المسجد أنه سمع عثمان رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله عز وجل، فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن).ثم أورد النسائي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي يرويه عنه مولاه حمران بن أبان، والذي يقول فيه عثمان: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)، يعني: من أتم الوضوء وصلى الصلوات الخمس، فهو كفارة لما بينهن، فالصلاة من شرطها الوضوء، فمن أتى بالشرط وبالمشروط كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن.ومن المعلوم أن الصلوات تنبني على وضوء، ولا صلاة بدون وضوء كما تقدم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، فإذا توضأ الإنسان وأتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن، وهذا شاهد للحديث الذي مضى حديث أبي أيوب، وحديث عقبة بن عامر الجهني، أيضاً هو من الشواهد؛ لأنه في معناه والكل يدل على فضل الوضوء وفضل الصلاة، وثواب الوضوء، وثواب من توضأ كما أمر ومن صلى كما أمر، يعني: أن الصلوات كفارة لما بينهن، كل صلاة تكفِّر ما بينها وبين الصلاة الأخرى، أي: الصغائر، أما الكبائر فالأمر يحتاج فيها إلى توبة كما عرفنا ذلك من قبل.إذاً حديث حمران عن عثمان: (من أتم الوضوء كما أمر فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن) يدل على فضل الوضوء، إذا توضأ كما أمر، وأتم الوضوء كما أمر، فهو دال على ثوابه وعظم أجره مع الصلوات الخمس؛ لأن الوضوء كما هو معلوم هو شرط للصلاة، والصلاة مشروط الوضوء، وكل منهما فيه هذا الثواب العظيم عند الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى، هو: الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وأبو داود في كتاب القدر ولم خرج له في السنن.[عن خالد].خالد، وهو ابن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة بن الحجاج].وهو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جامع بن شداد].وهو جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حمران].وهو حمران بن أبان مولى عثمان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عثمان].وهو أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وحديثه عند الكتب الستة. [أخبر أبا بردة].أبو بردة ليس من رواة الإسناد هنا؛ وإنما جاء ذكره لأن جامع بن شداد لم يحدث بالحديث، ولكن الذي حُدث به هو: أبو بردة؛ لأن حمران بن أبان يحدث أبا بردة، وهذا يسمع الذي هو: جامع بن شداد، فروى ما سمعه، وقد عرفنا فيما مضى أن الإنسان له أن يتحمل، وإن لم يقصد هو بالتحديث، فإذا سمع من يحدث غيره فله أن يتحمل ويحدث بما سمع، وقد ذكرنا عمل النسائي مع الحارث بن مسكين، بل إنه منعه من أن يأخذ عنه، ومع ذلك يجلس من وراء الستار ويسمع، وهو يحدث غيره، ثم هو يروي، فرواية الراوي ما سمع وإن لم يكن هو مقصوداً بالتحديث سائغ ومعروف عند المحدثين، وأن الإنسان إذا سمع غيره وإن لم يكن يحدثه هو وإنما يحدث غيره فإنه له أن يروي عنه. وهنا: جامع بن شداد ما حدثه حمران، ولكنه سمع حمران يحدث أبا بردة.إذاً: فالحديث يرويه جامع عن حمران، وحمران يروي عن عثمان، وأبو بردة ليس من رواة الإسناد هنا؛ لأنه ذكر على أنه يحدَّث. وذكرنا سابقاً أن شريح بن هانئ جاء وسأل عائشة عن المسح على الخفين، فدلته على علي، وراح إلى علي وأخبره بالحديث، فـعائشة ليست من رواة الإسناد؛ لأنها دالة فقط، والحديث أخذه شريح بن هانئ عن علي رضي الله عنه.أما هنا فـأبو بردة ليس من رجال الإسناد، وإنما هو الذي حدثه حمران، وفي وقت تحديث حمران إياه، وهو في المسجد سمعه جامع بن شداد.فإذاً: جامع بن شداد ضبط ما روى، وهو الحديث الذي رواه عن حمران عن عثمان.ومما يدل على ضبطه: أنه ذكر الشخص المحدث، وذكر المكان الذي حصل فيه التحديث وهو المسجد، فهذا مما يدل على ضبط الراوي؛ لأنه كونه يذكر مع التحديث أموراً لها علاقة فهذه تدل على ضبط الراوي، ومثلما جاء في الحديث حديث ابن عمر: (أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب)؛ لأنه تذكر الهيئة التي كان عليها.
شرح حديث: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ... إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان أن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)].يقول النسائي رحمه الله في هذا الحديث وهو حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها).وهذا الحديث هو من ضمن الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله تحت باب: ثواب من توضأ كما أمر، وهو حديث عثمان رضي الله عنه وهو آخرها، وأن هذا من الثواب الذي يحصله من أدى الواجب عليه من الوضوء، الذي هو أحد شروطها، أي: الصلاة.وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها، وبعده حديث في نفس الباب، يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)، وهذا يدل على عظم فضل الوضوء، وعلى عظم ثوابه عند الله عز وجل، وأن الإنسان إذا توضأ، وصلى فإن الله تعالى يغفر له ما بين الصلاتين، ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها.فقوله: (حتى يصليها)، يشعر بأنه يغفر الذنوب المستقبلة، على أنها إذا وقعت التي هي الصغائر، فإنها تكفَّر باجتناب الكبائر، وتكفَّر أيضاً بفعل الصلوات وبفعل الطاعات، ومن ذلك الوضوء والصلاة، فإن الله تعالى جعل ذلك سبباً لمغفرة الخطايا التي هي الصغائر.وأما الكبائر فإنه لا بد فيها من التوبة، ولهذا فإن الإنسان يصلي وهو محسن في صلاته؛ لأن الصلاة من خير ما يفعل الناس، لكن قد يكون عنده ذنوب أخرى اقترفها كبائر؛ فإن صلاته لا تكفِّر عنه تلك الكبائر، وتكفير الكبائر يحتاج إلى توبة، فإذا حصل منه صلاة، وحصل منه وضوء، وقد تاب من الكبائر، وتاب إلى الله توبة نصوحاً، وعمل هذا العمل، فإنه يحصل تكفير الجميع، لكن تكفير الكبائر هو بالتوبة، أما تكفير الصغائر فهو بالأعمال الحسنة، والأعمال الطيبة التي يفعلها، ومن ذلك الوضوء والصلاة، فإنه يكفَّر له ما بينها وبين الصلاة الأخرى.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ... إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)
قوله: [أخبرنا قتيبة ].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكر هذا الرجل كثيراً، بل إن ورود ذكره أكثر من ذكر غيره، وهو أول شيخ روى له النسائي في سننه، وما أكثر ما يأتي ذكر قتيبة بن سعيد في رواية النسائي عنه.[عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة المشهورة التي كان لأصحابها أتباع وأصحاب عنوا بتدوين ذلك الفقه وجمعه، فحفظت مذاهبهم وأقوالهم في المسائل الفقهية بسبب وجود أتباع لهم يعتنون بفقههم وغيرهم من الفقهاء في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم، فحصل له مثل ما حصل لهؤلاء من وجود من يعنون بجمع فقههم ويخدمونه ويحرصون عليه، فلهذا لم يحصل تدوين ما جاء عنهم من الفقه وما جاء عنهم من الكلام في مسائل الفقه ما حصل، وإنما حصل لهؤلاء الأربعة الذين هم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع.وهؤلاء الأربعة الذين أولهم: أبو حنيفة، ثم بعده مالك، ثم بعده الشافعي، ثم بعده الإمام أحمد بن حنبل وهو آخرهم، والشافعي ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة ، وهي مائة وخمسين من الهجرة، وتوفي سنة مائتين وأربع، فعمره أربع وخمسون سنة، وكل من الثلاثة الأخيرين يروي بعضهم عن بعض، وبعضهم شيوخ لبعض، أي: أن مالك شيخ للشافعي ، والشافعي شيخ للإمام أحمد ، وقد جاء في مسند الإمام أحمد حديث يرويه الإمام أحمد عن الشافعي ، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك ، فهو مسلسل بثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة المعروفة، وهو حديث: (نسمة المؤمن كطائر يعلق في الجنة)، هذا هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك ، فهؤلاء الثلاثة يروي بعضهم عن بعض هذا الحديث، ولهذا لما ذكره ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل في سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، قال بعد أن ذكره بإسناده، قال: وهذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة يروي بعضهم عن بعض، حديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة). فإذاً: الثلاثة الأخيرين كل واحد يروي عن الآخر، وكل منهم يكنى بأبي عبد الله، فـمالك كنيته أبو عبد الله ، والشافعي كنيته أبو عبد الله، والإمام أحمد كنيته أبو عبد الله ، فالثلاثة يروي بعضهم عن بعض، وكل واحد منهم يكنى بأبي عبد الله، وهذا الحديث الذي أشرت إليه هو مما حصل بهذه السلسلة أو بهذه الرواية التي هي كون ثلاثة من أصحاب المذاهب في إسناد هذا الحديث.وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة: البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .[ عن هشام بن عروة ]. هو: هشام بن عروة بن الزبير ، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو عروة بن الزبير بن العوام ، وهذا من التابعين ومن الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، فيقال عن مسألة اتفقوا عليها: وقال بها الفقهاء السبعة، قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، ويقال لهم: الفقهاء السبعة؛ لأنهم في عصر واحد، وكانوا في المدينة، وكانوا أهل فقه، ويُرجع إليهم في الفقه، وهم أيضاً محدثون؛ لأنهم ممن روى عن الصحابة، وهؤلاء السبعة ستة متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه على ثلاثة أقوال، فالسبعة المتفق على ذكرهم هم: سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، هؤلاء ستة متفق على عدهم في فقهاء المدينة السبعة.وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال؛ فمن العلماء من يجعل السابع: سالم بن عبد الله بن عمر ، ومنهم من يجعل السابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ومنهم من يجعل السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، فهؤلاء ثلاثة اختلف في جعلهم السابع.وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين، حيث ذكر فقهاء الأنصار من الصحابة والتابعين، ولما جاء عند ذكر المدينة وذكر فقهائها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين ترى أن من فقهائها في زمن التابعين هؤلاء السبعة، ولكنه جعل السابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وذكر بيتين يشتملان على عدهم لا أدري لمن هذين البيتين: هل هما لـابن القيم أو لغيره، يقول فيهما:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةهذا البيت الثاني يشمل السبعة، والسابع فيهم على أحد الأقوال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .وعروة بن الزبير هذا حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن حمران مولى عثمان ].هو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عن عثمان وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عثمان ].هو أمير المؤمنين ذي النورين، وصهر الرسول صلى الله عليه وسلم على ابنتيه: رقية ، ثم أم كلثوم ، وصاحب المناقب الكثيرة والخصال الحميدة، وهو ثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وعن الصحابة أجمعين، لا سيما في ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بالوضوء؛ فإن النسائي أورده في أبواب متعددة يستدل به على موضوعات مختلفة، وهنا أورد الحديث الذي هو حديث حمران عن عثمان الذي فيه بيان ثواب الوضوء، وأن من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلاة فإن الله تعالى يغفر له ما بين الصلاة والصلاة الأخرى حتى يصليها.إذاً: فرجال هذا الإسناد هم: قتيبة بن سعيد ، ومالك بن أنس ، وهشام بن عروة ، وعروة بن الزبير ، وحمران مولى عثمان ، وعثمان، وهؤلاء الستة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-12-2026, 10:41 PM
شرح حديث عمرو بن عبسة في ثواب من توضأ كما أمر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا الليث هو ابن سعد حدثنا معاوية بن صالح أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد، قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول: سمعت عمرو بن عبسة رضي الله عنه يقول: قلت: (يا رسول الله! كيف الوضوء؟ قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك.قال أبو أمامة: فقلت: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟ فقال: أما والله لقد كبرت سني، ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم)].ثم أورد النسائي حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه الذي يروي فيه الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام المتعلق، أو الدال على ثواب من توضأ، وعِظم ثوابه عند الله عز وجل.وعمرو بن عبسة يرويه عن أبي أمامة الباهلي ، وهما صحابيان، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، وعمرو بن عبسة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء؟ فقال له: (أما الوضوء فإنك إذا غسلت يديك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك)، يعني: أنه إذا غسلهما عند البدء في الوضوء، فإنه يبدأ بغسل اليدين، وهذا كما هو معلوم وسبق أن مر، وهذا من الأمور المستحبة في الوضوء أنه عندما يبدأ الإنسان بالوضوء يغسل يديه خارج الإناء الذي يتوضأ منه، فإذا غسلهما وأنقاهما أدخل يده اليمنى في الإناء وأخذ -غرف- منها لغسل الأعضاء، فيقول: (إذا غسلت يديك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أناملك وأظفارك)، يعني: أن المقصود من ذلك الخطايا المتعلقة باليدين فإنها تخرج مع الماء.وهذا الحديث الذي معنا يتفق مع ما جاء في الحديث الذي سبق أن مر عن الصنابحي الذي يدل على فضل الوضوء، ولما يحصل من الأجر والثواب وحط الخطايا عند الوضوء، وهنا يقول: (إذا غسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله وأظفاره)، يعني: الخطايا المتعلقة باليدين، والمقصود من ذلك: الخطايا التي هي صغير والتي تغفر بفعل الطاعات، أما الخطايا الكبيرة التي يجتنيها الإنسان ويقترفها بيديه، ويكتسبها بيديه باجتراحه فيهما، وهي أمور كبيرة كأخذ المال الحرام وغير ذلك مما يحصل عن طريق الأيدي من الكبائر، فإن هذا لا يغفر إلا بالتوبة.ثم قال: إنك إذا تمضمضت واستنشقت، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت الرجلين إلى الكعبين، فإنك اغتسلت من عامة خطاياك، أي: غالبها، يعني: أنك نظفت وسلمت منها وطهرت منها كما تحصل النظافة والطهارة لهذه الأعضاء التي قمت بغسلها. قوله: (فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل) يعني: صليت بعدما توضأت، وبعدما حصل لك الطهارة الحسية في غسل هذه الأعضاء، وكنت على طهارة. وقوله: (وضعت وجهك لله) بمعنى أنك صليت لله، سواء كان ذلك فريضة أو نافلة؛ لأن كون الإنسان توضأ وتنفل، أو توضأ وصلى فرضاً فهذا كله فيه وضع الوجه لله عز وجل. قال: (خرجت من خطاياك)، يعني: أنه يخرج نقياً من الذنوب كما ولد، لكن كما أشرت المقصود من ذلك الصغائر، أما الكبائر فإنه لا بد فيها من التوبة، والصغائر هي التي تكفَّر بفعل الطاعات.قوله: (كيوم ولدتك أمك)، يعني: أنه يكون نقياً من الذنوب، لكن المقصود من ذلك الصغائر، والكبائر معها إذا تاب مع فعله هذا، أو أن هذا الفعل قارنه توبة وإقلاع من جميع الذنوب.ومن المعلوم أن التوبة هي التي يتوفر فيها ثلاثة شروط: الأول: أن يقلع الإنسان من الذنب الذي اقترفه، بمعنى: أنه يكف ويمتنع منه. الثاني: أن يندم على فعله الذي مضى؛ لأنه أقلع عنه وكف عنه، لكن الأفعال الماضية قبل الإقلاع يندم عليها ويحزن عليها ويتألم لكونها حصلت منه. الثالث: أن يعزم في المستقبل أن لا يعود إلى ذلك.فهذه هي التوبة النصوح التي إذا حصلت من الإنسان ينتفع بتوبته، وإذا كانت المعصية تتعلق بحقوق آدميين، فإن عليه مع هذه الثلاثة: أن يرد الحقوق إلى أهلها، أو يستبيحهم إذا كانت ليست حقوق تؤدى وتسلَّم لهم، فيتحللهم ويطلب منهم أن يبيحوه، وأن يجعلوه في حل مما حصل منه عليهم من الاعتداء.فهذه هي شروط التوبة التي إذا حصلت من إنسان فإن توبته تنفعه، أما إذا لم تتوفر هذه الشروط، ولم تحصل هذه الشروط، وإنما يقول الإنسان بلسانه مع مخالفة قلبه لذلك، وكونه يحصل منه الامتناع لعدم تمكنه من المعصية، لكنه إذا سنحت له الفرصة انقض على الأمر المحرم وأقدم عليه؛ فهذا إصرار واستمرار.ثم مما ينبغي أن يعلم: أن الصغائر قد تلتحق بالكبائر؛ كما جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. يعني: أن الصغيرة إذا صحبها إصرار وقلة حياء وقلة مبالاة فإنها تعظم وتضخم حتى تلتحق بالكبائر، وعكس ذلك الكبيرة إذا حصل معها استغفار وندم فإنها تتضاءل وتضمحل وتتلاشى، إذاً الصغيرة مع الإصرار ليست صغيرة، بل تكون كبيرة، والكبيرة مع الاستغفار تتضاءل وتتلاشى حتى تذهب ولا يبقى لها أثر ولا وجود.فالصغائر التي يحصل الإصرار عليها ولا يبالي بها الإنسان، فهذه قد تلتحق بالكبائر؛ لأنه صحبها قلة الحياء من الله، وقلة المبالاة، والإقدام على المعاصي وتكرارها، والإصرار عليها، وأنه متى وجد الفرصة إلى ذلك فعلها، فهذا إصرار، والإصرار على الصغائر يلحقها بالكبائر. وهذا هو معنى كلام ابن عباس: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.إذاً: فهذه شروط التوبة الأربعة التي لا بد منها في السلامة من: الكبائر، وأما الصغائر فإنه إذا لم يحصل الإصرار عليها، والتصميم والعزم على عدم العودة إليها، فإنها تكفَّر باجتناب الكبائر، وتكفَّر أيضاً بفعل الطاعات كما جاء في الأحاديث التي مر جملة منها.قوله: [قال أبو أمامة : فقلت: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟ فقال: أما والله لقد كبرت سني، ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم].هنا أراد أبو أمامة رضي الله عنه أن يستثبت من عمرو بن عبسة ، ليس ذلك اتهاماً، ولكنه أراد أن يستثبت منه، وأن يحصل منه ما يدل أو ما يبين ضبطه وإتقانه لهذا الشيء الذي حدث به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: (يا عمرو بن عبسة ، انظر ماذا تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟) يعني: هذا الكلام الكثير كله يعطى في مجلس واحد؟ انظر ما تقول يا عمرو بن عبسة ، يقول أبو أمامة لـعمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنهما، فعند ذلك قال: إنه قد كبرت سنه، ودنا أجله، وأنه قريب من الموت، وقادم على الله عز وجل، ولم يحصل منه شيء يجعله عرضة لسخط الله ومقته وعذابه وعقابه. وبعد ذلك أتى بالكلمات المؤكدة فقال: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، أي: هذا الكلام الذي قلته قد سمعته أذناي ووعاه قلبي، وهذا فيه الضبط الذي يوضح ويبين أنه قد سمعه، وأن الأذنين قد سمعته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن قلبه قد وعاه، وهذا مما يؤكد به الكلام ويدل على ضبط الكلام. وقد قال مثل هذه العبارات أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه لـعمرو بن سعيد الأشدق وهو يجهز الجيوش لقتال ابن الزبير لما كان في مكة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان والياً للأمويين من الشام، جاءه أبو شريح الخزاعي وقال له: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من الغد من يوم الفتح سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي وهو يتكلم به، ثم قال: (إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإنها حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لا يقطع شجرها، ولا يصاد صيدها، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت بالأمس)، فبين أن القتال في مكة أنه لا يجوز.فالحاصل أن أبا شريح أتى بمثل هذه العبارات التي فيها التأكد، والتي فيها الضبط، والتي هي دالة على ضبط الراوي وإتقانه: سمعته أذناي، ووعاه قلبي. فهذا تأكيد الكلام، وضبط الكلام وإتقانه، وأن صاحبه قد أتقن ما أتى به.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن عبسة في ثواب من توضأ كما أمر
قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].هو عمرو بن منصور النسائي ، هو نسائي كما أن المؤلف نسائي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند النسائي وحده. [ حدثنا آدم بن أبي إياس ].هو آدم بن أبي إياس أحد الثقات، هو ثقة عابد، وحديثه أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.ولم يخرج له مسلم ولا ابن ماجه، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين لم يدركهم النسائي، ولهذا يروي عنه بواسطة؛ لأن آدم بن أبي إياس توفي بعد ولادة النسائي بست سنوات تقريباً، ولهذا يروي عنه بواسطة، فلم يدركه، ولكن البخاري أدركه، فهو من كبار شيوخه، ولهذا يروي عنه كثيراً مباشرة وبدون واسطة، أما النسائي فإنه يروي عنه بالواسطة، فيروي عنه بواسطة شيخه عمرو بن منصور.[حدثنا الليث هو: ابن سعد].كلمة (هو ابن سعد) هذه ما قالها آدم بن أبي إياس الذي هو التلميذ، وإنما قالها من دونه؛ إما عمرو بن منصور، أو النسائي ومن دون النسائي، وإنما قيل: هو؛ لأن هذا القول ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول هو، ينسبه كما يشاء، لو يأتي بنسبه عدة أسطر بيده هذا الشيء؛ لأن هذا الكلام كلامه، لكن إذا التلميذ قال كلمة (الليث) وما زاد عليها شيئاً، فإن من يأتي بعده إذا أراد أن يأتي بما يوضح نسب الليث، يضيف كلمة (هو) أو يقول التلميذ: يعني ابن سعد، فهذه العبارة يأتون بها من أجل أن يعرف بأنها زيدت ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقولها، يعني: ينسب كما يشاء ويأتي بالألفاظ التي تتعلق بالشخص من حيث النسب، وهذا الذي ذكره التلميذ هذا يحتاج إلى إضافة هو، وإنما احتاجوا إليها لأنهم لو لم يأتوا بها لكانوا قولوا الشخص ما لم يقل، الذي هو التلميذ؛ فأتوا بعدة ألفاظ وهو ما أتى إلا بلفظ واحد؛ لأنه لو جاءت (حدثنا الليث بن سعد) سنؤمن بأن هذا كلام التلميذ، الذي هو آدم بن أبي إياس، لكن لما جاءت (هو) عرف أن الكلام الذي بعد (هو) ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، أراد أن يبين هذا الشخص الذي ذكر اسمه ولم ينسب فأتى بنسبه، لكن بعد كلمة (هو). وأحياناً يأتي كلمة (يعني)، فهذه يقولها من دون التلميذ، والضمير ضمير مستتر يرجع للتلميذ، يعني: ابن فلان، فلو جاءت كلمة (يعني) في هذا المكان لكان الفاعل لـ (يعني) هو آدم بن أبي إياس، لكن القائل لها من دون آدم بن أبي إياس.والليث بن سعد أحد الثقات الأثبات، وهو محدث فقيه، وهو فقيه مصر ومحدثها، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معاوية بن صالح].هو معاوية بن صالح بن حدير صدوق له أوهام، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، ومعاوية بن صالح يروي عن ثلاثة أشخاص وهم: أبو يحيى سليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد.[أبو يحيى سليم بن عامر].هو أبو يحيى سليم بن عامر، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[وضمرة بن حبيب].هو ضمرة بن حبيب، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[وأبو طلحة نعيم بن زياد].هو أبو طلحة نعيم بن زياد ، ثقة يرسل، وحديثه عند أبي داود والنسائي، وهؤلاء الثلاثة شيوخ لـمعاوية بن صالح بن حدير، فروى عنهم هذا الحديث.[قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي].هو أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه، وهو أحد الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.[سمعت عمرو بن عبسة].عمرو بن عبسة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وله ثمانية وأربعون حديثاً، لـمسلم عنده حديث واحد، وخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وليس للبخاري عنده أحاديث.
ابو الوليد المسلم
01-14-2026, 11:00 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(55)
- باب القول بعد الفراغ من الوضوء - باب حلية الوضوء
بيّن الشرع الحكيم أجر الوضوء، وأن من جاء بالذكر الوارد بعده تفتح له أبواب الجنة الثمانية، وجعل الشارع هذا الوضوء زينة وعلامة لذلك المتوضئ يعرف بها يوم القيامة، فهي كرامة له في الدنيا والآخرة.
القول بعد الفراغ من الوضوء
شرح حديث عمر في القول بعد الفراغ من الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول بعد الفراغ من الوضوء.أخبرنا محمد بن علي بن حرب المروزي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عقبة بن عامر الجهني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: القول بعد الفراغ من الوضوء؛ يعني: الذكر الذي يذكر بعد أن يفرغ المتوضئ من وضوئه ماذا يقول، وقد أورد النسائي فيه حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الذي يرويه عنه عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، فهو من رواية صحابي عن صحابي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) فهذا هو الذكر الذي يذكر عقب الفراغ من الوضوء، يشهد لله عز وجل بالألوهية والوحدانية، ويشهد لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالعبودية والرسالة فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.فهاتان الشهادتان هما متلازمتان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فلا بد من شهادة أن لا إله إلا الله، ولا بد من شهادة أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا تكفي واحدة منهما دون الأخرى، وإذا ذكرت إحداهما فإن الأخرى تابعة لها؛ لأن الشهادة لله عز وجل بالوحدانية هي حق الله عز وجل، والشهادة بأن محمداً عبده ورسوله هو بيان الطريق إلى الله عز وجل، والمنهج الذي يوصل به إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا يأتي كثيراً الجمع بين الشهادتين، وأحياناً يذكر أو يكتفى بشهادة أن لا إله إلا الله، لكن الأخرى تابعة لها، وهي لازمة لها، ولا تنفك عنها؛ لأن من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله فإن شهادته لا تنفعه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، قوله عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار).وهذا فيه بيان أن اليهود والنصارى، وإن زعموا أنهم أتباع الأنبياء، وأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله إلا أنه بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد لكل إنسي وجني بأن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمداً رسول الله فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن الله عز وجل أرسل رسوله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً، فمن حين بعث إلى قيام الساعة لا ينفع أحداً أن يقول إنه تابع لنبي من الأنبياء، أو يشهد أن لا إله إلا الله دون أن يضيف إليها أشهد أن محمداً رسول الله، فهما شهادتان متلازمتان.وفي هذا الذكر أيضاً وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه عبد الله ورسوله، وهذا من أحب الأوصاف إليه، ومن الصفات التي أرشد إليها عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رواه البخاري في صحيحه يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهذا وصف بأنه عبد وهي من أخص أوصافه، ولهذا الله عز وجل ذكر هذا الوصف في المقامات الشريفة، والمقامات العالية، جاء وصفه به عند إنزال القرآن: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وعند الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19].فرسوله عبد لا يُعبد؛ لأنه عابد لله عز وجل.أما وصفه بأنه رسول الله فإن هذا الوصف فيه الشهادة له بالرسالة، وأنه رسول من عند الله، فهو عبد لا يُعبد ورسول لا يكذب، بل يطاع، ويتبع عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.فهذان الوصفان من أخص أوصافه، ولهذا يأتي ذكرهما في مواضع عديدة في إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقال هذا اللفظ، وفي الثناء على الرسول عليه الصلاة والسلام عندما تذكر الشهادة له بالرسالة، والعبودية مع ذكر الشهادة لله عز وجل بالألوهية والربوبية له سبحانه وتعالى.وحديث: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، جاء في رواية عند الترمذي مع هذا الذكر: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) فهذا الذكر الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بين فضله وعظم أجره عند الله عز وجل، مع كون الإنسان يتوضأ، ويحسن الوضوء؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: [(من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)] فهذا يدلنا على فضل هذا الذكر، وعلى فضل الوضوء وإحسانه، والإتيان بهذا الذكر عقبه، وأن فيه هذا الأجر الجزيل، والثواب من الله سبحانه وتعالى.وهذا الحديث رواه عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من رواية صحابي عن صحابي، وقد رواه مسلم في صحيحه، فهذا حديث عقبة من طريق عمر، وروى الحديث الذي سيأتي بعد باب، وهو دال على فضل الوضوء، وعلى صلاة ركعتين بعد الوضوء وقد رواه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بدون واسطة.وهذا الحديث والحديث الذي سيأتي وهو حديث عقبة بن عامر الذي يقول فيه: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة) جمعهما مسلم رحمه الله في حديث واحد، وذلك أن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل) يعني: أن كل واحد منهم له عدد من الإبل، وبدلاً من أن يرعى كل واحد إبله، ويغيبون عن مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا يتناوبون الإبل، يجمعون بعضها إلى بعض، ثم كل واحد يرعاها يوم من الأيام، والباقون يجلسون في مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام يتلقون الحديث منه، ويتلقون منه السنن.قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل، فلما جاءت نوبتي روحتها بعشي) يعني: لما كان اليوم الذي يرعى الإبل هو، روحها بعشي مبكراً، فجاء وأدرك النبي عليه الصلاة والسلام قائماً يحدث الناس فسمعه يقول: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة، فقال: ما أجود هذه، وإذا عمر يسمعه)، فقال: (التي قبلها أجود) يعني: هذه التي حضرها؛ لأن عقبة بن عامر حضر هذا الحديث الذي سمعه، ولكن الذي ما حضره، وقد فاته ذكره به، ودله عليه عمر بن الخطاب فقال: (إني رأيتك جئت آنفاً، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال..) وهذا الذي يعنيها بقوله: إنها أجود، وهي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).فهذا الحديث رواه مسلم من طريق: عقبة بن عامر الجهني، أحد الحديثين رواه عقبة عن النبي عليه الصلاة والسلام وقد أدركه في آخر المجلس، والثاني الذي هو الأول هنا رواه عقبة عن عمر، وهذا هو الذي فاته في مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث عمر في القول بعد الفراغ من الوضوء
قوله: [محمد بن علي بن حرب المروزي].محمد بن علي بن حرب المروزي يلقب: الترك، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وأحياناً ينسب إلى جده ويحذف أباه، فيقال: محمد بن حرب، وهو: محمد بن علي بن حرب، وهنا منسوب إلى أبيه.[حدثنا زيد بن الحباب].زيد بن الحباب، وهو صدوق، يخطئ في حديث الثوري، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا معاوية بن صالح].وهو معاوية بن صالح بن حدير الذي مر معنا، وهو صدوق له أوهام، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وعند مسلم، وعند أصحاب السنن الأربعة.[عن ربيعة بن يزيد].وهو ربيعة بن يزيد الدمشقي، وهو ثقة، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان]. أبو إدريس الخولاني، واسمه: عائذ الله؛ يعني: ذو عياذ بالله، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره بها كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.أما أبو عثمان الذي قرن معه فاختلف فيه، فقيل: هو: سعيد بن هانئ الخولاني المصري قال ذلك بعض العلماء، ومنهم من قال: إنه: حريز بن عثمان الرحبي، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب، وقال: هو: سعيد بن هانئ المصري، وقيل: حريز بن عثمان، وإلا فهو مجهول، فهو إما هذا وإما هذا، والرمز له عند مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، ولا يضر سواء عرف أو لم يعرف؛ لأن الحديث ما بني عليه، والإسناد هو تابع، والتعويل على أبي إدريس الخولاني، سواء جاء أبو عثمان، وسواء عرف أو لم يعرف، فالحديث ثابت؛ لأنه ما دام أن الحديث عن أبي إدريس الخولاني، وأبو إدريس الخولاني ثقة، مشهور، وهو من رجال الجماعة فإنه لا يؤثر، والاثنان سعيد بن هانئ المصري وكذلك حريز بن عثمان هما من رجال الصحيحين، أو أحدهما، فلا يؤثر؛ يعني: سواء كان هذا أو هذا أو كان مجهولاً فهو كما لو قالوا في بعض الأسانيد: حدثنا فلان وغيره، فأحياناً هكذا يقولون، كلمة (غيره) هذه لا تؤثر؛ يعني: جاءت (غيره) أو لم تأت فالتعويل على المعطوف عليه لا على المعطوف. إذاً: فالجهل به إن كان مجهولاً فإنه لا يؤثر؛ لأن العمدة على غيره وليس عليه.[عن عقبة].هو عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وله خمسة وخمسون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بتسعة أحاديث وهو صاحب حديث اللقطة الطويل.[عمر بن الخطاب]. عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أمير المؤمنين أبي حفص، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بل هو ثاني أفضل العشرة بعد أبي بكر رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية، بل في حديث: (إنما الأعمال بالنيات) الذي مر في باب النية في الوضوء.
حلية الوضوء
شرح حديث: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حلية الوضوء.أخبرنا قتيبة عن خلف وهو: ابن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال: (كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة، وكان يغسل يديه حتى يبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال لي: يا بني فروخ! أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: حلية الوضوء، أتى بهذه الترجمة؛ لأنها موجودة في لفظ الحديث، والمقصود بالحلية هي الزينة، والمقصود من ذلك أن علامة الأمة يوم القيامة هي: كونهم يتوضئون، يأتون غراً محجلين، فهي زينة لهم، وعلامة لهم يعرفون بها يوم القيامة، فيكون في الوضوء فوائد دنيوية وأخروية، دنيوية تكون فيه نظافة، وجمال ظاهر في الدنيا، في الآخرة فيه زينة وجمال، وأنهم يأتون غراً محجلين من آثار الوضوء، فهي تعتبر جمالاً لهم، وبهاءً، وحسناً.أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يقول أبو حازم: (كنت وراء أبي هريرة، وهو يتوضأ، فكان يغسل ذراعيه حتى يصل إلى الإبطين) يعني: يبالغ في غسل اليدين حتى يصل إلى الإبطين.فلما رآه قال: (ما هذا يا أبا هريرة! قال: يا بني فروخ! أنتم ها هنا؟ لو كنت أعلم أنكم ها هنا ما توضأ هذا الوضوء) ثم بين مستند في ذلك وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) فكان أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه يبالغ، ويزيد حتى يصل إلى المنكبين، ويأخذ من هذا الحديث أنه يبالغ حتى يصل إلى هذا؛ لأن هذه علامة يوم القيامة لهذه الأمة، (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء).هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)، لكن أبو هريرة زاد على القدر المشروع رغبة في أن يزيد تحجليه، أو تزيد تلك الحلية، لكن هل هذا الفعل الذي فعله أبو هريرة جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لا. ما جاء عن رسول الله، وإنما الذي جاء عنه أنه يشرع في العضد، ويتجاوز المرفقين، ولا يقتصر عليهما فقط، بل يدخل في العضد ويشرع فيهما، وهذا هو الذي ينبغي أن يصار إليه، ولا يزاد على ما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.إذاً: فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) هو الوضوء الشرعي الذي ثبت عن رسول الله، وأقصى حد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام التجاوز للمرفقين بحيث يدخل في العضد، ويدخل في الساق بالنسبة للرجلين، لكنه لا يتوغل فيهما، ولا يكثر من الغسل منهما، وإنما يشرع فيهما، ويدخل فيهما.فإذاً: ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يقتصر عليه ويفعل، ويكون معنى قوله: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) يعني: الوضوء الشرعي الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه فهو اجتهاد منه، والأولى هو الاقتصار على ما فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو: قتيبة بن سعيد، وهو أحد الثقات، الأثبات، ومن رجال الجماعة.[عن خلف بن خليفة].خلف بن خليفة قيل عنه: هو الأشجعي الكوفي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق اختلط في الآخر، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي مالك].وهو: سعد بن طارق الأشجعي أبو مالك الأشجعي، وهو ثقة حديثه عند البخاري تعليقاً، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي حازم].أبو حازم، وهو: سلمان الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين بل هو أكثرهم على الإطلاق.
شرح حديث: (... فأنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن النبي عليه السلام قال لأصحابه: (وددت أني رأيت إخواني، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد).فالرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا عندما خرج إلى المقبرة، ودعا لأهل القبور وقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين).وقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: (وددت أني رأيت إخواني، وقول الصحابة: ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي) ليس ذلك نفياً لكونهم إخواناً له، وإنما المقصود من ذلك الإخوان الذين لم يحصلوا هذا الوقت، وأنهم جمعوا بين وصف الأخوة ووصف الصحبة، ووصف الصحبة هو الشرف الذي لا يماثله شرف، ولا يدانيه شرف، وأما وصف الأخوة في الإسلام هو حاصل لهم ولغيرهم، وأما الصحبة فهم الذين ظفروا بها، وهم الذين أكرمهم الله تعالى بها، ولم يشاركهم فيها أحد من الناس، فهم اختارهم الله لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام.وقوله: (أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد) يعني: أنتم أصحابي مع الأخوة، أما الإخوان الذين ليس لهم إلا الأخوة فهم الذين لم يأتوا بعد، لما قال: (الذين لم يأتوا بعد)، قالوا: كيف تعرفهم؟ يعني: كيف تعرف هؤلاء الذين لم يأتوا بعد وهم من أمتك؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام ضرب لهم مثلاً وقال: (أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غر محجلة في خيل بهم دهم) يعني: إذا كان إنسان له خيل علامتها أنها غر محجلة؛ فيها بياض في جبهتها وعلى رأسها، وفي أيديها، وأرجلها بياض، وهناك خيل بهم ليس فيها بياض أبداً، شكلها شكل واحد، ألا يعرف خيله إذا كانت خيله غر محجلة مع تلك الخيل التي هي بهم دهم؟ ثم بين أنهم يأتون غراً محجلين من آثار الوضوء، يأتون يوم القيامة وهو يعرفهم بالتحجيل، يعرفهم بهذه العلامة التي هي كونهم غراً محجلين وإن لم يرهم، وإن لم يشاهدهم، وإن كانوا ممن يأتون بعد الرسول وبعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن هذه العلامة هي الفارقة التي يعرفون بها.إذاً: فهذه حلية، وهذا هو الذي ترجم له النسائي: حلية الوضوء؛ وهي: أن الوضوء يأتي علامة وسيما لأمة محمد عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يعرفون بها، ويعرفهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه العلامة التي هي كونهم غراً محجلين، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ضرب هذا المثل في بيان معرفته لهم لوضوحهم، وأنهم وإن كان لم يشاهدهم في الدنيا وسيشاهدهم في الآخرة فإنه يعرفهم بهذه العلامة.وفي هذا ضرب الأمثال؛ لأن الأمثال فيها توضيح للمعاني وإبراز لها، وأن في ضرب المثل ما يقرب المعنى ويوضحه ويجعله جلياً، وما أكثر ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال في السنة؛ لأن فيها تقرير وتوضيح وبيان، وهذا من كمال بيانه، ومن فصاحته، وبلاغته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. قوله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].هذا فيه زيارة القبور، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يزورها ويرشد إلى زيارتها، وقال: (زوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة)، وكان يزور البقيع، ويدعو لأهله ويقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون).وقوله: (إنا إن شاء الله بكم لاحقون) هذا ليس مما يشك فيه، ويتردد، بل هذا من الأمور المحققة؛ لأن الموت آت لكل إنسان، آت لكل مخلوق، لا بد وأن يموت، ولكن ذكر إن شاء الله تبركاً باسم الله عز وجل، وكذلك من استعمال لفظ إن شاء الله في الأمور المستقبلة، وإن كانت محققة لا شك فيها ولا بد منها؛ لأن هذا من الأدب مع الله، وأن كل شيء يكون في المستقبل لا يكون إلا بمشيئة الله عز وجل، لكن حصول الموت شاءه الله تعالى، وهو كائن لا محالة، شاء الله تعالى أن يموت الناس، وهو واقع لا محالة.قوله: (وأنا فرطهم على الحوض) فرطهم يعني: الذي يسبقهم، ويكون أمامهم ينتظرهم، فيأتون يشربون من الحوض فيذاد عنه من يذاد، ويشرب منه من يشرب، وعلامة أمته عندما يردون حوضه ليشربوا منه أنهم غر محجلون من آثار الوضوء.
ابو الوليد المسلم
01-14-2026, 11:03 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(56)
- باب ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين - باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي
جعل الشارع ثواباً عظيماً وهو الجنة لمن أحسن الوضوء وصلى ركعتين بعده، كما أنه أخبر بانتقاض وضوء من أمذى ووجهه بأن يغسل موضع خروجه وما حوله.
ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين
شرح حديث عقبة بن عامر في ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين.أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن جبير بن نفير الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة)].أورد النسائي باب: ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين، وأورد فيها: حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، الذي يقول فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة)، فهذا يدلنا على فضل هذا العمل، على فضل الوضوء وإحسانه، وعلى صلاة ركعتين بعده، وهذا يدل على استحباب ركعتين بعد الوضوء، وأن فيهما مع إحسان الوضوء هذا الثواب الجزيل من الله عز وجل، وأن تلك الصلاتين أو تلك الركعتين يكون فيهما مقبل بقلبه ووجه على الله عز وجل، بحيث يكون متجهاً إلى الله، وغير منشغل في أمور الدنيا، وإنما متجه إلى الله سبحانه وتعالى، يراه، ويخشى عقابه، فهذا أجره، وهذا ثوابه؛ أن الله تعالى أوجب له الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: (وجبت له الجنة)، وهذا يدلنا على فضل هذا العمل، وأن الله عز وجل يجازي على هذا العمل -الذي هو إحسان الوضوء وصلاة ركعتين بعده- بهذا الثواب الجزيل منه سبحانه وتعالى.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين
قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي].وهو: موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق المسروقي، وهو ثقة، وحديثه عند الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهو ثقة، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا زيد بن الحباب].وزيد بن الحباب يروي عن معاوية بن صالح، ومعاوية بن صالح يروي عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، وربيعة بن يزيد الدمشقي يروي عن أبي إدريس الخولاني، وعن أبي عثمان، ويرويان هنا عن جبير بن نفير، وجبير بن نفير هو: الحضرمي، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة جليل مخضرم، يعني: ممن أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم المخضرمون، وقد مر علينا جماعة منهم، مثل: أبي وائل، ومثل: أبي عثمان النهدي، ومثل: سويد بن غفلة، ومثل: معرور بن سويد، كل هؤلاء يقال لهم: مخضرمون أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.وجبير بن نفير يروي عن عقبة بن عامر الجهني، وهو الذي مر ذكره في الحديث السابق، ويروي عن عمر، وقد ذكرت لكم: أن هذين الحديثين رواهما مسلم بإسناده عن عقبة بن عامر، وأنه لما جاءت نوبته في رعاية الإبل روحها بعشي، وأدرك بقية مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع منه هذا الحديث، فقال لما سمع هذا الحديث: ما أجود هذا! فقال عمر: التي قبلها أجود، ثم ساق له الحديث الأول الذي ذكره النسائي أولاً.
ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي
شرح حديث علي في انتقاض الوضوء من المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي.أخبرنا هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن أنه قال: قال علي رضي الله عنه: (كنت رجلاً مذاء، وكانت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تحتي، فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله، فقال: فيه الوضوء)].لما فرغ النسائي من الأحاديث المتعلقة بالوضوء، وبيان صفته، وما يتعلق بذلك بدأ بالأبواب المتعلقة بنقض الوضوء؛ الذي ينقض والذي لا ينقض، وهذه الترجمة التي بدأ بها، هي ترجمة فيها شيء من التحريف والتلفيق؛ لأنها في الحقيقة ترجمتان، وليست ترجمة واحدة، ويبدو أنها باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، ثم يأتي عنوان آخر وهو: الوضوء من المذي؛ لأن المذي كله ناقض، فليس فيه شيء ينقض وشيء لا ينقض، فالترجمة يبدو أنها قد حصل فيها شيء من التداخل، أو إدخال شيء بشيء، فصارت على هذا اللفظ، أو على هذا السياق الذي لا يستقيم من حيث المعنى؛ لأنه لو بقيت على ما هي عليه: باب ما ينقض الوضوء، وما لا ينقض من المذي أوهم ذلك أن المذي فيه شيء لا ينقض، والمذي ناقض، وكل ما يخرج من السبيلين فهو ناقض، وإنما القضية هي أن العنوان عام؛ ما ينقض وما لا ينقض، ثم بدأ بالوضوء من المذي، ومعناه: أنه ناقض للوضوء.ويأتي أحياناً ذكر ترجمتين: ترجمة عامة، وترجمة خاصة، ومثل ما مضى في خصال الفطرة، ومثل ما مضى في الوضوء، ثم يأتي جزئيات الوضوء، والأمور المتفرعة التي هي تندرج تحت الوضوء، فهذا كذلك.فكأن الترجمة هنا الذي ينقض والذي لا ينقض؛ لأن من الأشياء ما هو ناقض، ومنها ما هو غير ناقض مما يقال: إن هناك احتمالاً أنه ينقض الوضوء، ويبدو أن فيه عنوانين: العنوان الأول: باب: ما ينقض وما لا ينقض، أو لعله ليس باباً؛ لأن هناك أبواباً متعددة.العنوان الثاني: الوضوء من المذي، يعني: لزوم الوضوء من المذي؛ لأنه ناقض من نواقض الوضوء.إذاً: فهذه بداية لمباحث ولأبواب متعددة تتعلق بنواقض الوضوء؛ لأن هناك أشياء اختلف فيها، هل تنقض أو لا تنقض؟ مثل التقبيل هل هو ناقض أو غير ناقض؟ وهذا مما لا ينقض كما سيأتي.إذاً: فالترجمة (ما ينقض وما لا ينقض)، ثم بدأ بواحد من تلك الجزئيات الخاصة التي تندرج تحت هذا اللفظ العام، وهي: الوضوء من المذي، ثم جاءت عدة أحاديث متعلقة بالوضوء من المذي.فإذاً: العنوان الموجود ليس مستقيماً، بل فيه شيء من التداخل والتلفيق، وهو عنوان عام، وبعده عنوان خاص، ولو جاءت كلمة الوضوء من المذي تحت ما ينقض وما لا ينقض لسهل الأمر واتضح المعنى، ولكن لما جاءت هذه وراء هذه دخلت هذه، في هذه فصارت كلمة الوضوء الثانية كأنها فاعل لكلمة ينقض الثانية، باب: ما ينقض وما لا ينقض الوضوء، فصارت كلمة الوضوء الثانية كأنها فاعل لكلمة ينقض الثانية، وهي ليست فاعلاً، بل هي مبتدأ، بل هي عنوان جديد، وهو الذي جاءت الأحاديث تحته، وهو الوضوء من المذي.المذي هو: ماء رقيق يخرج من الذكر عند المداعبة والملاعبة، وهو ناقض للوضوء، ويجب غسله وهو نجس، ويجب الوضوء من ذلك، وكل ما يخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، والمذي خارج من أحد السبيلين، فهو ناقض من نواقض الوضوء، ويجب فيه الوضوء، بل إنه ما يكفي الوضوء فقط، بل لا بد من الاستنجاء، ولا بد من إزالة النجاسة التي حصلت على الذكر وما حول الذكر؛ لأن هذا خروج نجاسة.فأورد النسائي في هذه الترجمة؛ ترجمة الوضوء من المذي، حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في قصة طلبه من بعض الصحابة أن يسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن المذي، ولم يجرؤ أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل المصاهرة التي بينهما، فهو لمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه لم تسمح نفسه أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال، وإنما طلب من بعض الصحابة أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام فسأله، فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام: بأن فيه الوضوء، وفي بعض الألفاظ: (يغسل مذاكيره ويتوضأ)، يعني: يغسل النجاسة التي حصلت من ذلك المذي الذي خرج من الذكر ويتوضأ؛ لأن هذا الخارج من الذكر ناقض من نواقض الوضوء، فيجب الوضوء عند إرادة الصلاة، أو ما يراد له الوضوء، كقراءة القرآن والطواف، وما إلى ذلك من الأعمال التي لا تفعل إلا مع الوضوء.أورد النسائي حديث علي من طرق متعددة، الطريق الأولى قال فيها: [أخبرنا هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن أنه قال: قال علي رضي الله عنه: (كنت رجلاً مذاءً، وكانت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم تحتي؛ فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله، فقال: فيه الوضوء)].يقول علي: كنت رجلاً مذاءً، يعني: عندما يحصل منه قرب من أهله، ومداعبتهم، وملاعبتهم يخرج منه ذلك الماء الرقيق اللزج، واستحيا أن يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام، والسبب في ذلك أنه صهره، وكون ابنته تحته، فطلب من رجل كان بجنبه في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل عن المذي إذا خرج، فسأله وعلي جالس، فقال عليه الصلاة والسلام: (فيه الوضوء)، يعني: يجب الوضوء من ذلك الخارج الذي هو المذي.إذاً: فهذا الحديث يدلنا على نقض الوضوء بالمذي، وأن من أمذى فقد انتقض وضوءه، ويجب عليه أن يتوضأ، يعني: معناه أنه إذا أراد أن يصلي، أو أراد أن يأتي بأمر يشرع له أو يطلب فيه الوضوء، فإنه لا يقدم على فعله إلا وقد توضأ؛ لأنه ليس على طهارة، فإذا كان متوضئاً وخرج منه ذلك المذي فإنه ينتقض وضوءه، فطلب علي رضي الله عنه من رجل إلى جنبه جالس، يعني: في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وبين السبب في عدم إقدامه على السؤال، واستحيائه من هذا السؤال، وأن ذلك لمكانة ابنته منه، وفي هذا دليل على أن الحديث مع الأصهار فيما يتعلق بالجماع، وفيما يتعلق بالاتصال بالأهل، ولو كان ذلك عن طريق الأمور التي يحتاج إليها كالسؤال، أن ذلك مما لا ينبغي؛ لأن علياً رضي الله عنه وأرضاه استحيا من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يواجهه بهذا السؤال؛ لأن ابنته فاطمة تحت علي رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين.فدل هذا على أن من الآداب التي ينبغي أن تكون بين الأصهار ألا يتحدث الصهر أو الزوج مع أبي البنت أو أخيها أو وليها فيما يتعلق بالاتصال بها، أو الاتصال بالأهل.وهذا الرجل الذي أُبهم جاء في بعض الروايات أنه المقداد بن الأسود، وجاء في بعضها أنه عمار بن ياسر، فهنا مبهم، وقد جاء مسمى في بعض الروايات، وأكثرها أنه: المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه، وأنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فأجابه بأن فيه الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث علي في انتقاض الوضوء من المذي
قوله: [أخبرنا هناد بن السري].هو: هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي بكر بن عياش].هو أبو بكر بن عياش وهذا قد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على عشرة أقوال، قيل: إن اسمه كنيته، وقيل: إن اسمه غير الكنية، وذكروا أشياء أخر، ولكن المشهور أنه مشتهر بكنيته، ومعروف بكنيته.وأبو بكر بن عياش ثقة، وخرج حديثه مسلم في المقدمة، أي: مقدمة الصحيح، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي حصين].أبو حصين هذه كنية، وهو بفتح الحاء على وزن عظيم، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، وهو ثقة، حديث عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي عبد الرحمن].وهو أبو عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، وهو ثقة، مقرئ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا غير أبي عبد الرحمن السلمي المتأخر الذي هو معروف بأنه ينسب إلى التصوف، وأنه صوفي، وله كلام كثير في الصوفية، ليس هذا، فهذا متقدم، وهو يروي عن علي، وعثمان، وعن الصحابة، وهو من المتقدمين، وأما ذاك فهو متأخر.[عن علي].هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث علي في غسل الرجل مذاكيره ووضوئه للصلاة من المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن علي رضي الله عنه أنه قال: (قلت للمقداد: إذا بنى الرجل بأهله فأمذى ولم يجامع، فاسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فإني أستحيي أن أسأله عن ذلك وابنته تحتي، فسأله، فقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ وضوءه للصلاة)].أورد النسائي: حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وأنه طلب من المقداد بن الأسود أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن المذي إذا خرج، وبين للمقداد أنه لا يريد أن يسأل هذا السؤال لمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وهو يستحي أن يسأله، ولهذا طلب من المقداد أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، فسأله المقداد، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يغسل مذاكيره ويتوضأ وضوءه للصلاة)، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى الاستنجاء، واستعمال الماء في غسل الذكر وما اتصل به، ويتوضأ الوضوء الشرعي الذي هو وضوء الصلاة، وبذلك يرجع إلى الطهارة، فيعمل وهو كذلك ما يعمل في حال وضوئه؛ لأنه رجع إلى الطهارة؛ لأن الحدث الذي انتقض به الوضوء زال؛ بأن رفع ذلك الحدث بالوضوء، وعاد الإنسان إلى الطهارة، فيأتي بالأشياء التي يأتي بها وهو متوضئ من صلاة، وقراءة قرآن، وطواف، وما إلى ذلك من الأمور التي لا بد للآتي بها أن يكون متوضئاً، بل الحديث يدل على ما دل عليه الذي قبله، إلا أن فيه ذكر غسل المذاكير، وإنما قال: (المذاكير)، مع أن الإنسان ليس عنده إلا عضو واحد؛ لما يتصل به من الأنثيين فقد يتجاوز محل الخروج، فيصل إلى غير محل الخروج، فيحتاج الإنسان إلى أن ينظف كل ما وصل ذلك الماء الرقيق اللزج إليه.فإذاً: أرشد عليه الصلاة والسلام إلى غسل تلك النجاسة، وإلى الاستنجاء، وإلى الوضوء أيضاً للصلاة، وبذلك يحصل ارتفاع الحدث، وعودة الطهارة إلى صاحبها.
تراجم رجال إسناد حديث علي في غسل الرجل مذاكيره ووضوئه للصلاة من المذي
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن راهويه الحنظلي، الإمام المشهور، المحدث، الفقيه الذي مر ذكره مراراً، وذكرت فيما مضى: أنه أحد الثقات، الأثبات، وأن حديثه عند الستة إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه؛ لأنه لم يرو له في سننه شيئاً، وإنما الذين رووا عنه وهو يعتبر شيخاً لهم، هم أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه ، وهو ثقة، إمام، محدث، فقيه.[ أخبرنا جرير].هو جرير بن عبد الحميد الذي قد مر ذكره أيضاً مراراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير، وقد مر أيضاً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[وعروة بن الزبير].هو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو كما ذكرنا مراراً أحد الفقهاء السبعة في المدينة الذين جمعوا بين الحديث والفقه، وهم مشهورون في عصر التابعين.وعروة بن الزبير يروي عن علي رضي الله تعالى عنه.
شرح حديث: (... يكفي من ذلك الوضوء) في المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن عائش بن أنس: أن علياً قال: (كنت رجلاً مذاء فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل ابنته عندي، فقال: يكفي من ذلك الوضوء)].أورد النسائي: حديث علي رضي الله عنه في قصة كونه رجلاً مذاء، وأنه طلب من غيره أن يسأل عنه، وقد مر في الطريق الأولى إبهام الرجل المطلوب منه أن يسأل، والطريق التي بعدها فيها: أن المقداد بن الأسود هو الذي طلب منه أن يسأل، وفي هذه الرواية الذي طلب منه أن يسأل هو: عمار بن ياسر رضي الله تعالى عن الجميع، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه حصل منه الطلب من هذا وهذا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل وأجاب، وفي بعض الروايات ما يدل على أن علياً كان حاضراً، ولهذا اعتبر العلماء هذا الحديث من مسند علي، وما اعتبروه من مسند غيره؛ لأنه هو الذي يتحدث عن الذي قد حصل، وفي بعض الألفاظ ما يدل على أنه جالس، يعني: في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن السؤال حصل بحضور علي رضي الله عنه وأرضاه، فأخذ من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.فإذاً: فلا تنافي بين ما جاء من أن المطلوب منه أن يسأل هو المقداد، وبين ما جاء أن المطلوب أن يسأله هو عمار، فيحمل بأن يكون طلب من هذا وهذا، وحصل الذكر من هذا وهذا، وأنه كان حاضراً، أي: علي رضي الله عنه حين إفتاء الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، وإجابته على السؤال الذي سئل عنه في هذا.وفي هذا قال: (يكفيه الوضوء)، يعني: لا يحتاج إلى اغتسال؛ إنما الوضوء، ولكن كما هو معلوم أن هذا الوضوء يحتاج إلى استنجاء قبله من أجل إزالة هذا الذي علق من هذا الخارج اللزج الذي حصل من الإنسان.إذاً: فقوله: (يكفيه الوضوء)، يدل على أن الأمر لا يحتاج إلى اغتسال؛ لأنها ليست جنابة، وإنما هو نقض للوضوء، ويكفي فيه أن الإنسان يتوضأ، ولا يحتاج الأمر إلى شيء أكثر من ذلك، بل يتوضأ، وقبل الوضوء يستنجي كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات.
تراجم رجال إسناد حديث: (... يكفي من ذلك الوضوء) في المذي
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن عيينة المكي، وهو أحد الثقات، الأثبات، الحفاظ، العباد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، وكذلك مر معنا ذكر سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة كثيراً، وهنا المروي عنه سفيان بن عيينة.[عن عمرو].وهو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء].هو عطاء بن أبي رباح، وهو أيضاً أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائش بن أنس].وهو عائش بن أنس البكري الكوفي، وهو مقبول، حديثه عند النسائي وحده.[أن علياً].وعلي رضي الله عنه قد مر معنا.
شرح حديث: (...يغسل مذاكيره ويتوضأ) في المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عثمان بن عبد الله أخبرنا أمية حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن إياس بن خليفة عن رافع بن خديج: (أن علياً رضي الله عنه أمر عماراً أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي، فقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ)].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه أيضاً من طريق أخرى، وفيها ما في التي قبلها من أن المطلوب منه أن يسأل هو عمار، وكان جواب النبي عليه الصلاة والسلام أن قال: (يغسل مذاكيره ويتوضأ)، وفي هذا دليل كما مر أن فيه الوضوء، وفيه الاستنجاء قبل الوضوء، والمراد بالمذاكير كما عرفنا هو الذكر وما يتصل به، فالجمع باعتبار ما يتصل به، وإلا كما هو معلوم عضو واحد، فالجمع باعتبار ما يتصل به، وإن كان شيئاً واحداً إلا أنه جمع مع ما حوله وأضيف إليه، وأطلق على الجميع مذاكير، يعني: الذكر وما حوله من الأنثيين، وغير ذلك مما قد يكون وصل إليه المذي الخارج من الإنسان.
تراجم رجال إسناد حديث: (...يغسل مذاكيره ويتوضأ) في المذي
قوله: [أخبرنا عثمان بن عبد الله].وهو ابن محمد بن خرزاذ، وهو ثقة، حديثه عند النسائي وحده.[أخبرنا أمية].وهو ابن بسطام العيشي، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي، وما خرج له بقية أصحاب السنن، وإنما الذي خرج له من أصحاب السنن هو النسائي فقط.[حدثنا يزيد بن زريع].يزيد بن زريع سبق أن مر ذكره، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا روح بن القاسم].هو روح بن القاسم أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأصحاب الكتب الستة خرجوا حديثه ولم يخرج له الترمذي.[عن ابن أبي نجيح].هو عبد الله بن أبي نجيح، واسم أبي نجيح: يسار، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء].هو ابن أبي رباح، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إياس بن خليفة].وهو صدوق، خرج حديثه النسائي وحده.[عن رافع بن خديج].وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن علي، والحديث من رواية صحابي عن صحابي.إذاً: فالإسناد تساعي، وهو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي يروي عن عثمان بن عبد الله، وعثمان يروي عن أمية بن بسطام، وأمية بن بسطام يروي عن يزيد بن زريع، ويزيد بن زريع يروي عن روح بن القاسم، وروح بن القاسم يروي عن عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي نجيح يروي عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي رباح يروي عن إياس بن خليفة، وإياس بن خليفة يروي عن رافع بن خديج، ورافع بن خديج يروي عن علي، فهم تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من أطول الأسانيد التي مرت بنا حتى الآن، وكما سبق أن ذكرت لكم فيما مضى أن النسائي تصل عنده الأسانيد إلى العشاريات، يعني: عنده أسانيد عشاريات، لكن ما وصلنا إلى شيء منها، وهذا الذي وصلنا إليه هو تساعي، وهو من أطول الأسانيد عنده.
ابو الوليد المسلم
01-14-2026, 11:06 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(57)
- (تابع باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي) إلى (باب الوضوء من الغائط)
من الأمور التي ينتقض بها الوضوء المذي، فقد أمرنا الشرع بنضح الفرج بالماء عند خروجه، والوضوء عند إرادة الصلاة أو قراءة القرآن أو الطواف، ومن الأمور التي ينتقض بها الوضوء الغائط والبول.
تابع ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي
شرح حديث: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي.أخبرنا عتبة بن عبد الله المروزي عن مالك وهو ابن أنس عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه: إن علياً رضي الله عنه أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي.وقد مر معنا سابقاً ترجمة مطلقة عامة، وتحتها أبواب متعددة، وهي: ما ينقض وما لا ينقض، والباب الذي بدأ به من هذه التراجم هو الوضوء من المذي من حديث علي رضي الله عنه في قصة طلبه من المقداد، ومن عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وقد مر بنا بعض الطرق المتعلقة بذلك، وكلها من حديث علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا الحديث الذي معنا هو من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي يحدث، وهو الذي يحكي ما حصل، بخلاف ما تقدم فإن علياً هو الذي يحكي ما حصل، فهو المحدث بهذا الحديث، وهو الذي أُخذ عنه هذا الحديث.أما هذه الطريقة التي معنا فـالمقداد بن الأسود يقول: إن علياً رضي الله عنه طلب منه أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا أمذى ماذا عليه؟ وأما علي رضي الله عنه فلم يسأل النبي عليه الصلاة والسلام لمكان ابنته فاطمة منه، ولكونه صهره، وأما المقداد يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا وجد أحدكم شيئاً من ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)، فالمتن هذا هو من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه، وهو بمعنى ما تقدم من الأحاديث عن علي رضي الله عنه؛ لأنها كلها قصة واحدة، وكلها موضوعها واحد، وهو أن علياً رضي الله عنه كان رجلاً مذاءً، وأنه لمصاهرته للنبي صلى الله عليه وسلم استحيا أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال، فطلب من بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بمحضر من علي، فلهذا كان علي رضي الله عنه يروي الحديث بنفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً المقداد كما هنا يرويه عن الرسول صلى الله عليه وسلم.وفي هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وجد أحدكم شيئاً من ذلك فلينضح فرجه)، والمراد بالنضح: هو الغسل، وهو الاستنجاء الذي سبق أن مرت الإشارة إليه، والنضح يأتي هنا بمعنى الغسل الخفيف وبمعنى الرش.ولكن هنا المقصود به الغسل؛ لأن معنى ينضح فرجه يعني: يغسل فرجه الذي هو الاستنجاء، وذلك لإزالة ما قد يكون ظهر وانتشر من الخارج النجس، الذي هو المذي، وهو -كما عرفنا- من نواقض الوضوء، وهو الذي ترجم له النسائي هنا حيث قال: باب: الوضوء من المذي، فإنه من جملة نواقض الوضوء، بل إن كل خارج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواءً كان مذياً أو بولاً أو غير ذلك.قوله: (وليتوضأ وضوءه للصلاة)، ليس المقصود من ذلك من حصل منه هذا فيجب عليه على الفور، وإنما المقصود من ذلك أنه انتقض وضوءه، إذا كان متوضئاً، فإذا أراد أن يصلي، أو أراد أن يقرأ قرآناً، أو أراد أن يطوف، أو يعمل أي عمل من شرطه الطهارة، فإن عليه أن يتوضأ؛ لأنه إذا كان متوضئاً، وحصل منه ذلك المذي الذي خرج نتيجة للملاعبة والمداعبة، فإنه يكون قد انتقض الوضوء، ولابد من إعادته عند إرادة الصلاة، أو القراءة، أو الطواف، أو ما غير ذلك مما يشرع له الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة)
قوله: [أخبرنا عتبة بن عبد الله المروزي].هو عتبة بن عبد الله اليحمدي المروزي، وهو صدوق، وخرج له النسائي وحده، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، ويروي غالباً عن مالك.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفين بالفقه، وهو محدث، فقيه، كثير الحديث، والذي نقل عنه من الفقه شيء كثير.وفي الإسناد (هو ابن أنس)؛ لأن هذه الكلمة تتكرر، وذكرت أن المراد منها بيان أن من دون التلميذ أضاف في بيان اسم الراوي ما يميزه، وما يوضحه، وأُتي بكلمة (هو) حتى يعرف أنها ليست من كلام التلميذ؛ لأن التلميذ الذي هو عتبة بن عبد الله قال: عن مالك، ما زاد على كلمة مالك، لكن الذين بعده لما أرادوا أن يوضحوا وهم: النسائي ومن دون النسائي أتوا بنسبه وهو ابن أنس.[عن أبي النضر].وأبو النضر هي كنية، وصاحبها هو سالم بن أبي أمية، وهو ثقة، ومن رجال الجماعة.[عن سليمان بن يسار].هو سليمان بن يسار الهلالي المدني، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وقد ذكرت: أن الفقهاء السبعة ستة منهم اتفقوا على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع ففيه خلاف، وأما الستة المتفق عليهم هم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار هذا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فهؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: من العلماء من قال: السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ورحم الله سالماً، والقول الثاني: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقول الثالث: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والذي معنا هنا من الذين اتفق على عده منهم، وليس من الذين اختلف فيهم، وهو سليمان بن يسار الهلالي.قوله: [عن المقداد].هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهرائي الكندي الزهري، ولديه ثلاث نسب، أما النسبة الأولى فهي نسبة أصل وهي البهرائي نسبة إلى بهراء، وهي قبيلته، والنسبة الثانية الكندي نسبة إلى محالفة؛ لأن أباه حالف كنده، فنسب إلى كنده بسبب الحلف، والنسبة الثالثة: الزهري؛ لأن الأسود بن عبد يغوث الزهري تبناه في الجاهلية، فنسب إليه، فيقال له: المقداد بن الأسود، والأسود ليس أباه، وإنما هو أبوه بالتبني، وكان مشهوراً به في الجاهلية، وإلا فأبوه هو: عمرو بن ثعلبة بن مالك؛ ولأن الأسود بن عبد يغوث الزهري تبناه في الجاهلية لما كان التبني موجوداً في الجاهلية، وقد جاء الشرع ونسخه وألغاه وقضى عليه، وصار الناس إنما ينسبون لآبائهم، لكنه اشتهر بهذه النسبة، فلهذا يذكر أحياناً فيقال: المقداد بن الأسود، وأحياناً يقال: المقداد بن عمرو، فهذه نسبة بسبب التبني، والمقداد بن عمرو هي نسبة نسب وأصل.والمقداد بن عمرو، أو المقداد بن الأسود هذا صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وله اثنان وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على واحد، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث.
شرح حديث علي في الوضوء من المذي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أخبرني سليمان قال: سمعت منذراً عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه أنه قال: (استحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي من أجل فاطمة، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء)].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو كالذي قبله، فالقصة واحدة، والموضوع واحد، وكلها تتحدث أن علياً رضي الله عنه كان رجلاً مذاءً؛ يعني: يخرج منه المذي كثيراً بسبب المداعبة والملاعبة لأهله، وأنه استحيا أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بسبب كونه صهره، وابنته فاطمة تحته، فأمر المقداد بن الأسود أن يسأله، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجاب: (بأن فيه الوضوء)، فهو دال على ما دلت عليه الطرق المتقدمة من أن المذي إذا خرج من الإنسان، وكان متوضئاً فإن وضوءه ينتقض، وأنه عليه إذا أراد أن يتوضأ أن يغسل فرجه، وأن يتوضأ الوضوء الشرعي المعروف.
تراجم رجال إسناد حديث علي في الوضوء من المذي
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وعند الترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وعند أبي داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو شعبة بن الحجاج الإمام المعروف، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي صفة من أعلى صيغ التعديل، وصيغ التوثيق، وهو من المحدثين الذين لهم معرفة، ولهم كلام كثير في الجرح والتعديل، والكلام في الرجال، فهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني سليمان].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، الملقب بـالأعمش، ويأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره بلقبه الذي هو: الأعمش كثيراً، وقد ذكرت فيما مضى أن معرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في مصطلح الحديث؛ لأن الذي لا يعرف اللقب للمحدث قد يراه باسمه مرة، وبلقبه أخرى، فيظن أن هذا غير هذا، ففائدة معرفته دفع أن يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بلقبه.وسليمان بن مهران الكاهلي الأعمش هو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومعروف بالتدليس، لكن من الرواة من علم بأنهم لا يروون عن المدلسين إلا ما أمن تدليسه، ومن هؤلاء شعبة، فإنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أمن تدليسهم فيه، فإذا جاء شعبة يروي عن مدلس، فلو عنعن المدلس، فإن روايته محمولة على الاتصال؛ لأنه قد عرف أن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالتحديث، والذي أمن فيه تدليسهم.[سمعت منذراً].هنا قد صرح بالسماع، فلو لم يرو عنه شعبة فإن تصريحه بالسماع هذا هو الأصل؛ لكن مثل شعبة لو جاء يروي عنه وهو معنعن، فإنه محمول على السماع؛ لأن هذه من القواعد التي ينبه عليها عند ذكر مدلسين، وذلك أن بعض تلاميذهم لا يروون عنه إلا ما أمن فيه تدليسهم.و منذر هو: ابن يعلى الثوري أبو يعلى، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن علي].هو محمد بن علي بن أبي طالب، والمعروف بـابن الحنفية، أحد أولاد علي بن أبي طالب، وأمه الحنفية، ولهذا يقال له: ابن الحنفية، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن علي].هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فالإسناد الذي معنا جميع رجاله ممن خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي محمد بن عبد الأعلى؛ فإنه لم يخرج له البخاري، ولم يخرج له أيضاً أبو داود في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر، والبقية من رجال الكتب الستة، وهم خالد بن الحارث، وشعبة بن الحجاج، وسليمان بن مهران الأعمش، ومنذر بن يعلى، ومحمد بن علي بن أبي طالب، الذي هو ابن الحنفية، وعلي بن أبي طالب، فالإسناد سبعة، ستة منهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
الوضوء من الغائط والبول
شرح حديث صفوان بن عسال في الوضوء من الغائط والبول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من الغائط والبول.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى أخبرنا خالد حدثنا شعبة عن عاصم أنه سمع زر بن حبيش يحدث قال: أتيت رجلاً يدعى صفوان بن عسال فقعدت على بابه، فخرج فقال: ما شأنك؟ قلت: أطلب العلم، قال: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، فقال: عن أي شيء تسأل؟ قلت: عن الخفين، قال: (كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أمرنا ألا ننزعه ثلاثاً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)].ثم أورد النسائي بعد باب: الوضوء من المذي، باب: الوضوء من الغائط والبول.لأن الترجمة السابقة كما عرفنا ترجمة عامة وهي باب: ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، ثم بدأ بالوضوء من المذي، ثم بباب الوضوء من البول والغائط، وهكذا أبواب متعددة تأتي بعد تلك الترجمة العامة التي هي: ما ينقض وما لا ينقض.وأورد فيه حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه الذي قد مر ذكره في باب: المسح على الخفين، وأورده هنا من بعض الطرق من أجل الدلالة على أن البول والغائط يحصل نقض الوضوء بهما، وذلك أن صفوان رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزعه)، أي: الخفاف، قال: (إلا من الجنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، يعني أننا نمسح عليهما؛ بسبب حصول البول والغائط وبسبب النوم، أما الجنابة فإنه لابد من خلعهما عند الاغتسال من الجنابة، ولا مسح في الاغتسال من الجنابة على الخفين، وإنما عليه أن ينزعهما ويغسل جميع جسده بما في ذلك الرجلان.أما إذا كان الحدث أصغراً، وكان نقض الوضوء بسبب النوم، أو بسبب الغائط، أو البول، فهذا يتوضأ، ولكنه إذا وصل إلى الرجلين فإنه يمسح على الخفين، ولا يحتاج إلى خلعهما من أجل أن يغسلهما إذا كان قد أدخلهما طاهرتين كما ثبت في ذلك الأحاديث، وكما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: فحديث صفوان بن عسال دال على ما ترجم له المصنف من أن البول والغائط يتوضأ منهما، ومحل الشاهد من جهة أنه ذكر أن المسح يكون إذا حصل النوم، معناه: يتوضأ ويمسح، أي: يحصل وضوء ويحصل المسح على الخفين إذا حصل النوم أو البول أو الغائط، أما إذا حصلت الجنابة والإنسان عليه الخفان، فإن عليه أن يخلعهما، ولا يجوز له أن يغتسل وعليه الخفان، بل يجب خلعهما، والاغتسال لكامل الجسد، أما ما دون ذلك والذي هو البول، أو الغائط، أو النوم، فإن الإنسان يمسح يوماً وليلة إذا كان مقيماً، وثلاثة أيام بلياليها إذا كان مسافراً، وكلما أحدث يتوضأ ويمسح على الخفين، ولا يلزمه خلعهما لذلك.وزر بن حبيش يقول: أتيت إلى صفوان بن عسال وجلست عند بابه، فخرج علي فقال: ما شأنك؟ فقلت: أطلب العلم، فعند ذلك قال صفوان: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، ثم سأله عما يريد من العلم؟ فسأله عن الخفين، فأجابه بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الذي حصل من زر بن حبيش ما كان عليه سلف الأمة من الحرص على طلب العلم، ومن الإتيان إلى من عنده علم؛ من أجل أخذ العلم عنه، ومن أجل الاستفادة من علمه.ثم أيضاً ما كان عليه السلف وما كان عليه الصحابة من الترغيب في طلب العلم والحث عليه؛ لأن صفوان رضي الله عنه لما قال له زر بن حبيش: (إني جئت أطلب العلم). أي: ما سكت، وقال له: اسأل عما تريد، بل أتى بشيء يدل على فضل العلم، وعلى الترغيب في طلب العلم، والحث على طلب العلم، فقال قبل أن يسأله هذه المقالة التي فيها الترغيب في طلب العلم، وهذا اللفظ الذي قاله هو من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا ما أضافه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه له حكم الرفع؛ لأن الصحابي إذا أتى بشيء لا مجال للاجتهاد فيه وأضافه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن له حكم الرفع، ويسمونه المرفوع حكماً؛ لأن هناك مرفوعاً صراحة، ومرفوعاً حكماً، والمرفوع صراحة هو الذي يقول فيه الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا مرفوع صراحة، أي: تصريحاً، والمرفوع حكماً هو: أن يأتي أو يذكر شيئاً لا مجال للاجتهاد فيه، ولا مجال للرأي فيه، كالأمور الغيبية مثل هذا: (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، هذا له حكم الرفع، لكنه جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ضمن حديث طويل، وذكر صفوان رضي الله عنه له هنا يدل على رفعه حكماً؛ لأنه من قبيل ما لا مجال للاجتهاد فيه، والمرفوع عند العلماء قسمان: مرفوع تصريحاً، ومرفوع حكماً.
تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في الوضوء من الغائط والبول
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى، الذي مر في الإسناد السابق.[أخبرنا خالد]. هو خالد بن الحارث هو أيضاً نفس الذي مر.[حدثنا شعبة]. هو نفسه الذي مر أيضاً في الإسناد السابق.[عن عاصم].هو عاصم بن أبي النجود، وأبو النجود اسمه بهدلة، وعاصم بن أبي النجود هو صدوق له أوهام، وهو إمام في القراءة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، لكن حديثه في الصحيحين مقرون؛ يعني: أنه مقرون بغيره، فـالبخاري، ومسلم عندما يذكرانه في الإسناد يذكرانه مقروناً مع غيره.[أنه سمع زر بن حبيش].هو زر بن حبيش بن حباشة، وهو ثقة، ثبت، وهو مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [أتيت صفوان بن عسال].هو صفوان بن عسال المرادي رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، وحديثه عند الترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، أي: عند ثلاثة من أصحاب الكتب الستة.
الوضوء من الغائط
شرح حديث صفوان بن عسال في الوضوء من الغائط والبول والنوم من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء من الغائط.أخبرنا عمرو بن علي وإسماعيل بن مسعود، قالا: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن عاصم عن زر قال: قال صفوان بن عسال رضي الله عنه: (كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أمرنا ألا ننزعه ثلاثاً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)].هنا أورد النسائي رحمه الله ترجمة أخرى؛ وهي باب: الوضوء من الغائط. وهي بعض الترجمة السابقة؛ أي: جزء منها، وأورد النسائي تحتها حديث صفوان بن عسال وهو نفس الحديث لكن بطريق أخرى، ويتعلق ببيان حالة المسح على الخفين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم إذا كانوا في سفر ألا ينزعوا خفافهم إلا من الجنابة، فيمسحون عليها من بول أو غائط أو نوم لمدة ثلاثة أيام، وهذا الأمر كما عرفنا هو أمر ترخيص ليس أمر إيجاب، ولا أمر استحباب، بمعنى: أنه يستحب للناس أن يلبسوا الخفاف، فهو ترخيص، أي: إذا لبسوها يمسحون، وإذا ما لبسوها يغسلون أرجلهم، لكن السنة لا تترك تنزهاً عنها وتنطعاً، ويقال: إنني لا ألبس الخفين وإن كان ذلك مشروعاً؛ يعني: تنطعاً، هذا هو الذي لا يكون، أما كون الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم أمر إرشاد وترخيص، ولا يجب عليه أن يلبس، ولا يستحب له أن يلبس من أجل أن يمسح، إلا إذا كان هناك بيان للسنة، أو تترتب عليه بيان السنة، فهذا يكون له وجه.أما أن يكون فعل ذلك مستحباً، وأنه يستحب للإنسان أنه يكون لابساً حتى يمسح فلا يستحب، وإنما هو مرخص له، بل إن المسح فرع عن الأصل؛ الذي هو الغسل، فالغسل هو الأصل وهذا فرع مرخص فيه للحاجة عندما يكون هناك حاجة إليه.
تراجم رجال إسناد حديث صفوان بن عسال في الوضوء من الغائط والبول والنوم من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي وإسماعيل بن مسعود].هو عمرو بن علي الفلاس الإمام العارف بالجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات، الأثبات، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير.وإسماعيل بن مسعود هو البصري، وهو ثقة، ومن شيوخ النسائي، وخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا يزيد بن زريع].هو يزيد بن زريع، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وبذلك يتحد الإسناد مع الإسناد السابق، وهم شعبة عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه.
ابو الوليد المسلم
01-14-2026, 11:13 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(58)
- (باب الوضوء من الريح) إلى (باب ترك الوضوء من مس الذكر)
من قواعد الشريعة الإسلامية أن اليقين لا يزول بالشك، فمن كان على طهارة لا ينقضها مجرد الشك في بقائها ويبقى طاهراً حتى يطرأ على طهارته ناقض من نواقضها، ومن تلك النواقض مس الذكر كما دل عليه حديث بسرة، وكذلك النوم، وأما النعاس فلا يعد ناقضاً، وإنما على الناعس أن يترك الصلاة لئلا يدعو على نفسه.
الوضوء من الريح
شرح حديث عبد الله بن زيد في الرجل يجد الشيء في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء من الريح.أخبرنا قتيبة عن سفيان عن الزهري ح وأخبرنا محمد بن منصور عن سفيان حدثنا الزهري أخبرني سعيد يعني ابن المسيب وعباد بن تميم عن عمه وهو عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه قال: (شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يجد ريحاً، أو يسمع صوتاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب الوضوء من الريح. المراد بهذه الترجمة هو أن ما يخرج من السبيلين يكون ناقضاً للصلاة؛ سواء كان ريحاً أو صوتاً أو غير ذلك، وعليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة، فهذا يدل على قاعدة من قواعد الشريعة وهي: إذا كان الإنسان في خارج الصلاة وهو على طهارة، ولكنه شك هل أحدث أو ما أحدث، فإنه يبقى على ما هو عليه، ما دام أن الطهارة متيقنة والحدث مشكوك فيه فإن بقي على ما هو عليه فلا بأس، وإن جدد الوضوء حتى يذهب ما في نفسه من الشك فإن هذا حسن، وأما في داخل الصلاة، فإنه لا يقطع صلاته ويخرج منها بمجرد ما وقع في نفسه من الشك، بل لا يخرج حتى يحصل التحقق لخروج ريح يشمها، أو سماع صوت لذلك الذي يخرج منه.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن زيد في الرجل يجد الشيء في الصلاة
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهوقتيبة بن سعيد، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا حديثه.[عن سفيان].وسفيان هنا غير منسوب، وهو يروي عن الزهري، ومن المعلوم أن قتيبة إنما روى عن ابن عيينة، ولم يرو عن الثوري.فإذاً: يحمل على أنه ابن عيينة، فيكون عدم نسبته لأن الأمر واضح في حقه، إذ هو الذي روى عنه قتيبة، ثم من جهة أخرى سفيان هنا يروي عن الزهري، والحديث من طريق قتيبة عن سفيان، عن الزهري، وعرفنا فيما مضى: أن سفيان بن عيينة هو المعروف والمشهور بالرواية عن الزهري، وذكرت: أن سفيان بن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، وأن سفيان الثوري مقل عنه، وكان هذا الذي قلته سابقاً مبنياً على أن ابن خلكان في وفيات الأعيان عندما ترجم لـسفيان بن عيينة، ذكر ثلاثة ممن رووا عنه، وهم: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشخص ثالث، وكذلك أيضاً الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: إن ابن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، ففهمت من كلام ابن خلكان، ومن كلام ابن حجر أن سفيان الثوري روى عن الزهري، ولكن بالرجوع إلى تهذيب الكمال للحافظ المزي في ترجمة الزهري فإنه لم يذكر من بين الذين رووا عنه سفيان الثوري، وإنما ذكر سفيان بن عيينة، مع أنه يستقصي في التلاميذ وفي الشيوخ، ويذكرهم على حسب ترتيب حروف المعجم بالنسبة للتلاميذ، وبالنسبة للشيوخ.ثم أيضاً وجدت في فتح الباري أن الحافظ ابن حجر قال: إن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، فإذاً: تبين أن ما أشرت إليه من قبل، هو مبني على ما ذكره ابن خلكان، ومبني على ما فهمته من كلام ابن حجر من قوله في بعض المواضع في الفتح: وابن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، يعني: قد يفهم منه أن الثوري ليس معروفاً بالرواية عن الزهري، ولكن الرواية موجودة، لكن ما ذكره ابن حجر في فتح الباري من أن الثوري إنما يروي عن الزهري بواسطة، وأنه لا يروي عنه مباشرة، وكذلك ما جاء في تهذيب الكمال من عدم ذكره في الذين رووا عن الزهري سفيان الثوري يشعر ويدل على أن سفيان الثوري لم يرو عن الزهري مباشرةً، ولعل ما ذكره ابن خلكان وهم؛ لأن الحافظ المزي بتتبعه واستقرائه وإحاطته فيما يتعلق بالرجال، وفيما يتعلق بالمتون -وهو مؤلف كتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف، وهي الكتب الستة، وهو أيضاً مؤلف تهذيب الكمال، وقد ذكر فيه: أن الذي روى عن الزهري هو ابن عيينة، ولم يذكر الثوري فيمن روى عنه، مما يشعر بأن الثوري لم يرو عن الزهري، وعلى هذا: فإذا جاء ذكر سفيان غير منسوب وهو يروي عن الزهري، فإنه يحمل على ابن عيينة، وهنا يكون الحمل على ابن عيينة من جهتين: من جهة أن قتيبة لم يرو عن الثوري، وإنما روى عن ابن عيينة فقط، ومن جهة أن ابن عيينة هو الذي ذكر أنه روى عن الزهري، ولم يذكر في تهذيب الكمال أن الثوري ممن روى عن الزهري، وإنما الذي ذكره من أن الثوري روى عن الزهري هو ابن خلكان في وفيات الأعيان.ومن المعلوم أن كلام ابن حجر، وكلام المزي في تهذيب الكمال أتقن وأضبط؛ لأن هؤلاء هم أهل الفن، وهم أهل الاختصاص، بخلاف ابن خلكان فإنه ليس مثلهم؛ لأنه مؤرخ وليس معروفاً بالحديث، أو بالعناية برجال الحديث أو الخبرة، فهؤلاء هم المقدمون عليه وعلى غيره ممن يشابهه ويماثله.
تراجم رجال الإسناد الثاني لحديث عبد الله بن زيد في الرجل يجد الشيء في الصلاة
وأما ما يتعلق بالإسناد الثاني؛ لأن النسائي عمل تحويلة، يعني: بعدما ذكر الزهري أتى بإسناد آخر فيه تحويل. قال: [ح وأخبرنا محمد بن منصور].ومحمد بن منصور سبق أن عرفنا أن هناك شخصين يقال لكل منهما: محمد بن منصور، وهما من شيوخ النسائي، وهم: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور المكي الجواز، فهذان الاثنان كل منهما شيخ للنسائي، لكن سبق أن عرفنا: أنه إذا جاء سفيان ويروي عنه محمد بن منصور، فالمراد به ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، وهو أقرب، ويزيد هذا وضوحاً أن سفيان في الإسناد الذي قبل هذا هو ابن عيينة، فيكون هنا أيضاً هو ابن عيينة، ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، وهو من شيوخ النسائي، ولم يخرج له إلا النسائي من أصحاب الكتب الستة.وأما سفيان بن عيينة في الإسنادين، فقد مر فيما مضى: أنه من رجال الجماعة، وأنه ثقة حافظ، وحجة عابد، وصفات عديدة ذكرها عنه الحافظ ابن حجر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده الزهري الذي هو زهرة بن كلاب، وأيضاً إلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، ويقال له: الزهري، وهو مشتهر بهاتين النسبتين، وهو إمام، حجة، معروف بفضله ونبله، وسعة علمه، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني سعيد يعني: ابن المسيب].والزهري إنما عبر بلفظ أخبرني سعيد، وما زاد عليها عندما ذكر شيخه في هذا الإسناد، ولكن الذين جاءوا من بعده أرادوا أن يوضحوا من هو سعيد، فأتوا بنسبه، وأتوا بكلمة تدل على أن الإضافة كانت ممن دون الزهري، وأنها ليست من الزهري، وذلك بقول: (يعني: ابن المسيب) فكلمة (يعني) هذه لها قائل ولها فاعل، قائلها من دون الزهري، وهو الذي أراد أن يوضح، وفاعل (يعني) وهي فعل مضارع فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الزهري؛ لأن الزهري ما قال: ابن المسيب، وإنما قال: سعيد فقط، لكن الذين جاءوا بعده أضافوا ابن المسيب، وما قالوا: سعيد بن المسيب؛ لأنهم لو قالوها لصارت هي عبارة الزهري، لكنهم أتوا بكلمة (يعني) حتى يفهم أن من دون التلميذ زادها، ليبين هذا الشخص الذي لم ينسب، فلا يضيف إليه ما لم يقله.وسعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وأحد المحدثين، فهو فقيه محدث، وهو ثقة حجة، وهو إمام مشهور ومعروف، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، الذين هم: سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد، وقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، هؤلاء الستة المتفق عليهم، والسابع الذي اختلف فيه، فقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر. وسعيد بن المسيب هذا هو أحدهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[و عباد بن تميم].وهوعباد بن تميم بن غزية الأنصاري المازني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكل من سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم يرويان عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه، وهنا قال: (عن عمه)، يعني: عم عباد بن تميم، وهو عبد الله بن زيد لأن أم عباد وأم عبد الله بن زيد واحدة، فهما أخوان من أم.[عن عمه]. لأن تميماً وعبد الله بن زيد أخوان من أم، ولهذا يقال: إنه عم عباد، يعني: أخو أبيه لأمه، وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني هو أحد الصحابة، وهو راوي حديث الوضوء الذي سبق أن مر فيما يتعلق بصفة الوضوء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرواة هذا الإسناد كلهم من رجال الجماعة، إلا محمد بن منصور شيخ النسائي، فإنه من رجال النسائي وحده، والباقون كلهم من رجال الجماعة؛ الذين هم قتيبة، وابن عيينة، والزهري، وسعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، وعبد الله بن زيد.
الوضوء من النوم
شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء من النوم.أخبرنا إسماعيل بن مسعود، وحميد بن مسعدة، قالا: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده)].هنا أورد النسائي باب: الوضوء من النوم. وأورد فيه حديث أبي هريرة، وهو أول حديث أورده النسائي في سننه، وهو: (إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده)، وقد أعاده هنا من أجل الاستدلال على أن النوم ينقض الوضوء. ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات)، يعني: يغسلها، معناه: أن الإنسان يتوضأ إذا قام من نومه، وإذا توضأ فهو يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، هذا هو وجه الاستدلال على أن النوم ناقض للوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن الإنسان يتوضأ، ولكن قبل أن يتوضأ لا يغمس يده في الإناء، بل يغسلها خارج الإناء، فإذا غسلها خارج الإناء، أدخلها في الإناء، ويبدأ يتوضأ.ومن الأدلة الدالة على أن النوم ناقض للوضوء: حديث صفوان بن عسال الذي مر في ذكر الوضوء من الغائط والبول، وكذلك من النوم؛ لأن حديث صفوان بن عسال مشتمل على الثلاثة، حيث قال: (إنه كان يأمرنا ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من غائط، أو بول، أو نوم)، يعني: أنهم يتوضئون، ويمسحون، ولا يحتاجون إلى خلع إذا حصل غائط، أو بول، أو نوم، فإذاً الثلاثة كلها ناقضة للوضوء.إذاً: فالنوم كونه ناقض للوضوء دل عليه هذا الحديث الذي هو معنا، من جهة أن من قام من نومه فلا يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً، وفي بعض الروايات: (فلا يدخلها في وضوئه)، يعني: في الماء الذي يتوضأ به قبل أن يغسلها خارج الإناء ثلاث مرات.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود، وحميد بن مسعدة].إسماعيل بن مسعود هو: أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.وحميد بن مسعدة هذا صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكر هذا الرجل في شيوخ النسائي مرات عديدة.[قالا: حدثنا يزيد بن زريع].ويزيد بن زريع هو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معمر].وهو ابن راشد، وهو الذي روى عنه عبد الرزاق كثيراً، ومن جملة ما رواه عنه صحيفة همام بن منبه الطويلة، المشتملة على مئة وأربعين حديثاً، وخرج البخاري ومسلم أحاديث منها على سبيل الاتفاق بينهم، ومنها على سبيل انفراد واحد منهما عن الآخر، وكلها بإسناد واحد، وهو من طريق عبد الرزاق عن معمر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].والزهري هو الإمام المشهور، الذي جاء ذكره كثيراً، وفي الحديث الذي قبل هذا جاء ذكره.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو مشهور بكنيته: أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على خلاف هل السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب؟وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، فهو أحد الثقات.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وقد مر ذكره مراراً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-14-2026, 11:16 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(58)
النعاس
شرح حديث: (إذا نعس الرجل في الصلاة فلينصرف...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النعاس.أخبرنا بشر بن هلال حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا نعس الرجل وهو في الصلاة فلينصرف، لعله يدعو على نفسه، وهو لا يدري )]. هنا أورد النسائي باب: النعاس. وبعد ما ذكر النوم، وترجمة الوضوء من النوم، وأن النوم ناقض للوضوء قال: باب النعاس، والمقصود من ذلك أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الحديث الذي أورده يدل على عدم نقضه للوضوء، ولأن عائشة رضي الله عنها قالت: ( إذا نعس الرجل وهو في الصلاة فلينصرف، لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري )، فهذا الحديث الذي أوردته عائشة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي أرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن من نعس وهو في الصلاة أن ينصرف، فهذا يدل على أن النعاس غير ناقض للوضوء؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام علل ذلك بقوله: (لعله يدعو...)، وما قال: أنه قد انتقض وضوءه وأن عليه أن يذهب ويتوضأ، وإنما أرشد إلى أنه ينصرف وألا يستمر في ذلك؛ لئلا يسب نفسه ويدعو على نفسه، فبدل أن يدعو لنفسه يدعو على نفسه بسبب النوم أو بسبب النعاس، فإذاً: هذا يدل على أنه غير ناقض للوضوء؛ لأنه لو كان ناقضاً لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإنسان إذا نعس وهو في الصلاة أن يقطع الصلاة ويذهب يتوضأ، فالرسول ما قال هكذا، وإنما أرشد إلى أنه ينصرف؛ لئلا يسب نفسه، ولئلا يدعو على نفسه، فمعناه أن وضوءه صحيح، وأنه باق على وضوئه، فدل على أن النعاس لا ينقض الوضوء، وقد جاءت الأحاديث في ذلك عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يجلسون للصلاة وينتظرونها، فيصيبهم النعاس فتخفق رؤوسهم، ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضئون، فإذا حصل للإنسان وهو جالس وخفق رأسه، فإنه لا ينتقض وضوءه.إذاً: عندنا هناك نوم ونعاس، فالنوم الذي فيه استغراق، وفيه تمكن، وقد يكون فيه اضطجاع، وقد يكون فيه رؤيا وحلم، فهذا ناقض للوضوء بلا شك.وأما إذا كان نعاساً خفيفاً حصل له في الصلاة، مثلاً: نعس وهو جالس، أو ساجد، أو واقف، أو كان ينتظر الصلاة، وحصل منه النعاس، فإنه لا ينتقض وضوءه وصلاته صحيحه، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن ينصرف، ولكن هذا الانصراف الذي أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بقطع للصلاة، وإنما بأن يتمها خفيفة ويخرج منها.فإذا كان الإنسان من عادته أنه يصلي الليل، ويقوم من الليل ركعات، ثم أدرك أو أحس في بعض الركعات بأنه أصابه النعاس فإنه يتم الركعتين اللتين وجد النعاس فيهما، ثم ينصرف، وليس معنى ذلك: أنه ينصرف أثناء الصلاة، فإنما المقصود منه الإرشاد إلى أنه لا يستمر في ذلك، ولكنه يتم صلاته خفيفة، ثم بعد ذلك لا يدخل في صلاة أخرى؛ لئلا يدعو على نفسه.إذاً: فتبين لنا أن النعاس لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض الوضوء هو النوم، سواءً كان مضطجعاً، أو جالساً متمكناً مستغرقاً، وإذا حصل حلم أو رؤيا في تلك النومة فهذا بلا شك نوم ناقض للوضوء، والذي لا ينقض هو الذي يكون في أثناء الصلاة من النعاس، أو يكون من النعاس في حق من ينتظر وهو جالس، فإنه إذا نعس يخفق رأسه، فيتنبه من تلك الخفقة، فيتنبه ويذهب ما به من نعاس. ولهذا النسائي في الترجمة ما قال فيها مثل التي قبلها: (باب: الوضوء من النعاس)، بل قال: (باب النعاس)، والتي قبلها قال: الوضوء من النوم؛ لأنه ناقض للوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نعس الرجل في الصلاة فلينصرف ...)
قوله: [أخبرنا بشر بن هلال].وهو بشر بن هلال الصواف البصري، وهو ثقة، حديثه عند مسلم والأربعة، لم يخرج له البخاري شيئاً.[حدثنا عبد الوارث].هو ابن سعيد بن ذكوان، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أيوب].وهو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، وهو ثقة، ثبت، حجة، كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات.[عن عائشة].وهي خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي كما عرفنا مراراً وتكراراً من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهؤلاء السبعة قد نظمهم السيوطي في ألفتيه في بيتين من الشعر، فقال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيِّوالمقصود بزوجة النبيِّ هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
الوضوء من مس الذكر
شرح حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء من مس الذكر.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا مالك (ح) والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم قالا: حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من مس ذكره فليتوضأ)].يقول النسائي رحمه الله: (باب الوضوء من مس الذكر). أي: أن مس الذكر ناقض للوضوء، وأن من مس ذكره فإن عليه أن يتوضأ؛ لأنه قد انتقض وضوءه، هذا مقصود الترجمة، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذا حديث بسرة بنت صفوان من طريقين، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من مس ذكره، فليتوضأ)، وعلى هذا، فإن مس الذكر ناقض للوضوء، وأن من مس ذكره فعليه أن يتوضأ، وحديث بسرة ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى نقض الوضوء بمس الذكر، أي: إذا كان بدون حائل.وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا ينتقض الوضوء بمس الذكر، ويستدلون على ذلك بحديث طلق بن علي اليمامي رضي الله عنه، الذي فيه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الوضوء من مس الذكر، قال: (هل هو إلا بضعة منك)، أو (إلا مضغة منك)، وهذا يشعر بأنه غير ناقض للوضوء، والحديث أيضاً صحيح، وهو ثابت، لكن العلماء صاروا إلى أحد القولين، منهم من قال: بأنه ناقض إذا حصل المس، ومنهم من قال: إنه غير ناقض إذا حصل المس، ومنهم من فرق بين المس بشهوة والمس بغير شهوة، فإذا كان بشهوة فهو ينتقض به الوضوء، قالوا: وعليه يحمل ما جاء في حديث بسرة، وإذا كان بغير شهوة فإنه لا ينتقض به الوضوء، ويحمل على ما جاء به حديث طلق بن علي رضي الله تعالى عنه.ومن المعلوم أن القول بالانتقاض مطلقاً هو الأولى.أولاً: لأن الحديث الذي فيه الوضوء من مس الذكر ثابت، وهو مطلق، فيدل على النقض مطلقاً.ثانياً: أن حديث طلق بن علي كان المتقدم، وكان في أول الأمر؛ لأنه جاء في بعض طرقه: (جئت وهم يؤسسون المسجد)، أي: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فوفد على الرسول عليه الصلاة والسلام في أول الهجرة، وكان ذلك في أول الأمر، قال: فسأله رجل لعله من البادية عن الوضوء من مس الذكر، فقال: (هل هو إلا بضعة منك).ثالثاً: أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وهو انتقاض الوضوء، وحديث طلق مطابق للأصل، وهذا يدل على أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، والأصل البراءة والسلامة، وقد جاء ما يدل على النقض، وهو حديث بسرة بنت صفوان رضي الله تعالى عنها. فالقول الأولى والأرجح والأحوط هو: أن مس الذكر بدون حائل ناقض للوضوء مطلقاً، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، هذا هو الأظهر، وهو الأحوط في الدين، وهو الذي قاله جماعة كثيرون من أهل العلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله]. وهو: أبو موسى الحمال البغدادي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري شيئاً.[حدثنا معن]. وهو ابن عيسى، صاحب الإمام مالك، وهو من أثبت الناس في مالك، ومن أحفظ الناس لحديث مالك، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مالك]. ومالك هو إمام دار الهجرة، العلم، المشهور، الإمام، المحدث، الفقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن الإسناد الذي يكون فيه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه أصح الأسانيد عند البخاري.والنسائ� � روى الحديث عن مالك من طريقين، الطريق الأولى: عن هارون بن عبد الله الحمال، عن معن بن عيسى، عن مالك، والطريق الثانية: عن الحارث بن مسكين قال: (ح) والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم، عن مالك.[الحارث بن مسكين].الإمام النسائي هنا يقول: (والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع)، ولا يقول: وأخبرني، وإنما يقول: والحارث بن مسكين، وفي بعض الأسانيد يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وذكرت فيما مضى: أن هذا يحمل على حالين: الحال الأولى: وهي التي كان قد منعه من الأخذ عنه، فكان يسمع بدون علم الحارث، وهي الحالة التي لا يقول فيها: أخبرني، وإنما يعطف ويقول: والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، والحالة الثانية: وهي التي قد أذن له فيعبر فيقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع.والحارث بن مسكين ثقةٌ، حديثه عند أبي داود، والنسائي.[عن ابن القاسم].وهو عبد الرحمن بن القاسم المصري، صاحب الإمام مالك، والذي روى عنه الفقه، والحديث، وهو ثقةٌ، خرج حديثه البخاري، والنسائي، وأبو داود في المراسيل، وقد سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى، وهو من رجال البخاري، ورجال النسائي، ومن رجال الإمام أبي داود في كتابه المراسيل، ولم يخرج له في كتاب السنن شيئاً.[قالا: حدثنا مالك].وهو الإمام مالك، وقد استعمل النسائي التحويل، وذكرت فيما مضى أن التحويل هو: التحول من إسنادٍ إلى إسناد، ويؤتى بحرف (ح) بين الإسنادين المحول عنه والمحول إليه؛ حتى يتبين بأن فيه تحولاً من إسناد إلى إسناد، وعلامة ذلك حرف (ح) التي يأتون بها بين الإسنادين كما فعل النسائي، وقد ذكرت فيما مضى: أن النسائي مثل البخاري لا يستعمل التحويل كثيراً؛ لأنه على طريقة البخاري يورد الأحاديث من طرقٍ متعددة في أبواب مختلفة، فلا يحتاج إلى التحويل، بخلاف الإمام مسلم الذي يكثر من التحويل؛ لأنه يروي الأحاديث في مكانٍ واحد، فيحتاج إلى أن يستعمل التحويل.وقول النسائي: (قالا: حدثنا مالك)، المقصود بقوله: (قالا) هما: معن بن عيسى، وعبد الرحمن بن القاسم فهما اللذان قالا: حدثنا مالك.[عن عبد الله بن أبي بكر].وهو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، وهو ثقةٌ، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، ولم يسبق أن مر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة.[دخلت على مروان بن الحكم].مروان بن الحكم كان قد دخل عليه في زمن إمارته على المدينة لما كان أميراً على المدينة، فجرى البحث عنده في نواقض الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء، يعني: أن مس الذكر من نواقض الوضوء، فقال عروة: ما علمت هذا، يعني: ما علمت شيئاً يدل على هذا، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ)، فعند ذلك أسند مروان بن الحكم الحديث، وبين الدليل الذي استند إليه في أن مس الذكر من نواقض الوضوء، جاء ذلك في إسناده الحديث إلى بسرة بنت صفوان الصحابية رضي الله عنها، وجاء في بعض طرق الحديث الذي بعد هذا أن عروة لما رآه وجادله أرسل حرسياً له إلى بسرة، فجاء وأخبره بأن الأمر هو كما حدثت به مروان بن الحكم، وجاء في بعض الطرق: أن عروة ذهب إلى بسرة وأخذ منها، وسمع منها مباشرةً، فيكون الحديث من رواية عروة عن بسرة، ومن رواية عروة عن مروان عن بسرة بنت صفوان. ومروان بن الحكم هو أمير المدينة في زمن معاوية، وتولى الخلافة بعد ذلك مدة سنة أو قريباً من السنة، وهو جد الوليد بن عبد الملك بن مروان الذي جاء من بعده أولاده الأربعة: الوليد، وهشام، وسليمان، ويزيد، ومروان تولى الخلافة مدةً وجيزة، وتولاها بعده ابنه عبد الملك، ثم أولاد عبد الملك الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز، والحديث صحيح ثابت، وهو متصل، وقد رواه عروة عن بسرة نفسها، ورواه عنها بواسطة، فالحديث صحيح.
شرح حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان بن سعيد عن شعيب عن الزهري أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه سمع عروة بن الزبير يقول: (ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك وقلت: لا وضوء على من مسه، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلاً من حرسه، فأرسله إلى بسرة، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان)].وهنا أورد النسائي حديث بسرة بنت صفوان من طريق أخرى عن عروة بن الزبير رحمة الله عليه، وهو بمعنى ما تقدم إلا أن فيه ذكر المجادلة والمماراة، وأنه قال: لا يتوضأ، يعني بناء على الأصل، وهو أنه لا يقال بالنقض إلا بدليل؛ لأن الأصل هو عدم النقض حتى يأتي ما يدل على النقض، فأخبره عن بسرة بنت صفوان، أنها قالت عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر جملةً مما ينقض الوضوء، قال: (ويتوضأ من مس الذكر)، فدل هذا على النقل عن الأصل الذي هو عدم النقض إلى النقض من مس الذكر.
تراجم رجال إسناد حديث بسرة بنت صفوان في الوضوء من مس الذكر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أحمد بن محمد]. وهو: أحمد بن محمد بن المغيرة، وهو صدوقٌ، خرج حديثه النسائي وحده، فلم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير النسائي. [حدثنا عثمان بن سعيد]. وهو ابن كثير بن دينار الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن شعيب]. وهوشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: هذا الإسناد فيه ثلاثة حمصيون، وهم: أحمد بن محمد بن المغيرة شيخ النسائي، فهو حمصي، وعثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، فهو أيضاً حمصي، وشعيب بن أبي حمزة وهو حمصي، ففيه ثلاثة حمصيون، الأول لم يرو له إلا النسائي، والثاني روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، والثالث روى له أصحاب الكتب الستة، وهو شعيب بن أبي حمزة.[عن الزهري]. وهو ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب فيقال له: ابن شهاب، وهو إمام جليل، ومحدث كبير، ومن الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني عبد الله بن أبي بكر]. وهو عبد الله بن أبي بكر بن حزم الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع عروة بن الزبير].عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومروان بن الحكم حديثه عند البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، وذكرت: أن عروة روى هذا الحديث عن بسرة مباشرةً كما رواه عنها بواسطة.[أخبرتني بسرة بنت صفوان].وبسرة بنت صفوان صحابية، ليس لها أحاديث في الصحيحين، وإنما أحاديثها عند أصحاب السنن الأربعة، وبلغت أحد عشر حديثاً.
ترك الوضوء من ذلك
شرح حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من ذلك. أخبرنا هناد عن ملازم حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا وفداً حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجلٍ مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك، أو بضعة منك)].هنا أورد النسائي بعد الترجمة السابقة -وهي باب: الوضوء من مس الذكر- باب: ترك الوضوء من ذلك، يعني: أنه لا يتوضأ من مس الذكر، وأورد فيه حديث طلق بن علي: أنه قدم وفد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة، قال: فبايعناه، وصلينا معه، ولما فرغ من الصلاة جاءه رجل كأنه بدوي، وسأله عن الوضوء من مس الذكر، قال: (هل هو إلا بضعة منك، أو إلا مضغة)، وهذا يفيد بأنه لا يتوضأ من مس الذكر، وقد ذكرت الخلاف في هذه المسألة، وأن الأولى هو القول الأول، وقد ذكر أحد الشراح أن صنيع النسائي يشعر بأنه يرجح الأخذ بحديث طلق؛ لأنه ذكره متأخراً، وقدم حديث بسرة الذي فيه الوضوء، قال: فكأنه يرجح عدم النقض؛ لأنه ذكر النقض أولاً وعقبه بعدم النقض، ولا أدري عن طريقة النسائي في التقديم والتأخير، وهل هو يعتبر أن ما يؤخر يكون هو الأرجح، وأن التعويل على ما يؤخره، أو أن له طريقةً أخرى؟ لا أدري عن طريقة النسائي في هذا، لكن أحد الشراح قال: كأن النسائي يرجح الأخذ بحديث طلق؛ لأنه أخره، وهذا يتوقف على معرفة اصطلاحه، وهذا لا يعرف إلا عن طريق الاستقراء، ولم يتبين شيء من طريقة النسائي في ذلك، ولكن من حيث الاحتياط في الدين، والنقل عن الأصل فإن حديث بسرة فيه الاحتياط، وفيه النقل عن الأصل، ومن أخذ به فقد احتاط لدينه، فالأخذ بحديث بسرة هو الأولى، كما أشرت إليه، وكما قال به كثير من أهل العلم.
تراجم رجال إسناد حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر
قوله: [أخبرنا هناد]. هو هناد بن السري، وهو ثقةٌ، حديثه عند البخاري في خلق أفعال العباد، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن ملازم].وهو ابن عمرو السحيمي الحنفي اليمامي، وسحيم من بني حنيفة، فينسب ويقال له: السحيمي الحنفي اليمامي نسبة إلى اليمامة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.لقد رأيت الذين وثقوه عدداً؛ وفي الخلاصة نقل جملة من الذين وثقوه، ومنهم: النسائي، وأبو زرعة وغيرهما، وكلام ابن حجر أنا ما اطلعت عليه، والطبعة المصرية ما رأيت فيها ترجمة ملازم، فلا أدري هل هو ساقط، أو أنه وضع في مكان لم أهتد إليه؟ لكنني رأيت الذين وثقوه وهم عدد مما يفيد بأنه ثقة، وإذا كان الحافظ قال عنه: صدوق، فهذا هو الذي انتهى إليه رأيه، كما هي عادته وطريقته.[حدثنا عبد الله بن بدر]. وعبد الله بن بدر أيضاً هو سحيمي حنفي يمامي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب السنن الأربعة.[عن قيس بن طلق]. وقيس بن طلق صدوق، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة. [عن أبيه].وهو طلق بن علي السحيمي اليمامي، وهو صحابي، وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة، وبايعه وصلى معه كما جاء في هذا الحديث، وله أربعة عشر حديثاً، خرج له أصحاب السنن الأربعة، وعلى هذا فإن رجال الإسناد كلهم إلا هناد هم حنفيون من بني حنيفة، وخرج لهم أصحاب السنن الأربعة، فهؤلاء الأربعة الذين هم: ملازم بن عمرو، وعبد الله بن بدر، وقيس بن طلق، وطلق، هؤلاء أربعة سحيميون من بني حنيفة ومن اليمامة، وممن خرج لهم أصحاب السنن الأربعة، وما خرج لهم البخاري، ومسلم شيئاً، فهؤلاء أربعة ليس لهم في الصحيحين رواية، وإنما روايتهم أربعتهم في كتب السنن الأربعة، وهم سحيميون، حنفيون، ويماميون من اليمامة.والحديث صحيح ثابت؛ الذي هو حديث طلق، إنما الكلام في هل الأخذ به، أو الأخذ بحديث بسرة؟ وقد ذكرت لكم: أن الأخذ بحديث بسرة هو الأولى.
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 03:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(59)
- باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة - باب ترك الوضوء من القبلة
من الأمور التي لا تنقض الوضوء مس الرجل زوجته من غير شهوة، أو تقبيلها بشهوة ما لم يمذ، وقد ثبت مثل هذا من فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه.
ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة
شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وأني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة.ومقصود النسائي رحمه الله بهذه الترجمة: هو أن الرجل إذا مس امرأته بغير شهوة، فإن ذلك المس لا ينقض الوضوء، وهذه الترجمة التي عقدها، وأورد أحاديث تدل على مقتضاها؛ لأن الذي أورده تحتها هو حصول لمس في الصلاة، ومن المعلوم أن اللمس في الصلاة بعيد عن أن يكون بشهوة أو بقصد شهوة.إذاً: فهو غير ناقض للوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فبذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن ليس معنى هذه الترجمة أن المس إذا حصل بشهوة أنه ينقض الوضوء، فالمسألة خلافية؛ من العلماء من قال: مس الرجل المرأة مطلقاً ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أو بغير شهوة، ومنهم من يقول: إنه ينقض إذا كان بشهوة، وإذا كان بغير شهوة فإنه لا يكون ناقضاً للوضوء، والترجمة التي ذكرها المصنف أتى بها على هذا الموضع من أجل أن ما جاء في الأحاديث مطابق لها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام مس أم المؤمنين وهو في الصلاة، ومن المعلوم أن المس في الصلاة بعيد عن أن يكون فيه شهوة أو إرادة شهوة، لكن هذا لا يدل على أن المس بشهوة يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن الأصل هو عدم النقض حتى يأتي ما يدل على النقض إذا كان بشهوة، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل قد جاء ما يدل عليه كما في التقبيل كما سيأتي؛ لأن التقبيل مظنة الشهوة، ومع ذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن إذا خرج مذي بسبب هذا اللمس بشهوة، فإن النقض ليس من أجل المس بشهوة، وإنما من أجل المذي الذي خرج من السبيل الذي هو ناقض للوضوء.وقد عرفنا -فيما مضى- في باب: الوضوء من المذي، والحديث الذي جاء عن علي رضي الله عنه من طرق متعددة أن المذي فيه الوضوء، وأن الإنسان يستنجي، ويغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة، فإذا حصل المس بشهوة، ووجد المذي بسبب ذلك، فإنه يكون ناقضاً للوضوء مطلقاً، سواء كان بمس بشهوة أو بتفكير.إذاً: فالمس بشهوة ليس هناك ما يدل على النقض به، وهو غير ناقض إلا إذا حصل بسبب اللمس خروج مذي، فإن النقض يكون بسبب المذي الذي خرج، أما مجرد اللمس بشهوة فإنه لا يكون ناقضاً؛ لأنه لم يرد دليلٌ يدل على حصول النقض به.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديثين عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أحدهما: يتعلق بكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمزها وهو في الصلاة برجله إذا جاء في آخر صلاته؛ يوقظها لتقوم فتصلي وتوتر. وكذلك ما جاء في الحديث الآخر الذي جاء من طريقين أنها تكون معترضة، والمكان ضيق، وهي في قبلته، وهو يصلي، وإذا أراد أن يسجد غمزها، فتكف رجليها عن مكان سجوده، ثم إذا سجد وفرغ من السجود، وصار إلى القيام، ترجع رجليها إلى مكانها في قبلته عليه الصلاة والسلام، ويغمزها الرسول صلى الله عليه وسلم غمزات متعددة في الصلاة، فكلما نزل من القيام إلى السجود غمزها بيده أو غمزها برجله فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها، فدل هذا على أن المس لا ينقض الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو في صلاته، ولم يكن ذلك ناقضاً للوضوء. وقوله: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضةٌ بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله).والحديث يدل على أن عائشة رضي الله عنها كانت معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي؛ وذلك لضيق المكان، فكان إذا أراد أن توتر غمزها برجله، حتى تقوم وتتهيأ لصلاة الليل، أو للوتر الذي تختم به صلاة الليل.وفي هذا بيان ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من دعوة أهله إلى الصلاة، وتنبيههم إلى ذلك، وهو يدل على أن الزوجين يعين أحدهما صاحبه على فعل الخير، وينبهه على ما يحتاج إليه من الأمور التي ينبه عليها في التقرب إلى الله عز وجل. وفيه دليل على أن الجنازة عندما يصلى عليها تعرض أمام الذي يصلي عليها؛ أي: أنها تعرض وتكون معترضة، وقد جاءت السنة بأن المصلى عليه إذا كان رجلاً فإن الإمام يقوم عند رأسه، وإذا كانت امرأة فإنه يقوم عند وسطها، وهذه من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء؛ لأنه يوقف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، فالحكم في الجنازة عندما يصلى عليها أنها تعرض؛ ولهذا قالت عائشة: (معترضةٌ اعتراض الجنازة)، ومعناه: أنها في قبلته كالجنازة التي يصلى عليها حيث تكون في القبلة.وفيه أيضاً: دليل على أن الإنسان إذا صلى وأمامه شخصٌ نائم فإنه لا يؤثر ذلك على صلاته؛ لأن عائشة كانت نائمة، وكانت ممتدة بين يديه عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن كون الإنسان يصلي، وأمامه شخصٌ نائم قريبٌ منه، فإن ذلك لا يؤثر عليه.وفيه أيضاً: دليل على أن الاعتراض غير المرور، فالمرور يمنع منه، فالمرأة إذا مرت أمام المصلي جاء ما يدل على أنها تقطع الصلاة. ومثل ذلك الكلب، والحمار، فقد جاء في ذلك حديث صحيح. وإن كان قد اختلف في معنى القطع، إلا أنه يختلف عن الاعتراض؛ لأن الاعتراض والامتداد أمام المصلي وإن كان في مكان سجوده لا يؤثر في ذلك، وهو يختلف عن المرور، فالمرور يمنع منه، وكون الرجل أو الأرجل تكون ممتدة، أو النائم يكون ممتداً أمام المصلي ولو كان امرأة، أن ذلك لا يؤثر على صلاته، ففيه فرقٌ بين المرور وبين الاعتراض، وسبب وجود فرق بين المرور بين يدي المصلي؛ لأن المصلي يمنع منه، والمار يجب عليه أن يمتنع من ذلك، وأما الاعتراض فإنه يختلف عنه؛ لأن عائشة رضي الله عنها تكون معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام فتكف رجليها، لكن الحديث الذي هنا فيه أنه كان يغمزها وهو في الصلاة برجله؛ لتقوم للوتر، وهو دال على ما ترجم له المصنف من أن لمس الرجل للمرأة وهو في الصلاة لا يؤثر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم]. هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، وهو من شيوخ النسائي وحده.[عن شعيب، عن الليث]. هو ابن الليث بن سعد، وهو ثقة، وخرج حديثه الإمام مسلم، وأبو داود، والنسائي.فهو يروي عن أبيه الليث بن سعد، والليث بن سعد هو المصري، المعروف، المشهور، فقيه مصر ومحدثها، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا ابن الهاد].هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويقال له: ابن الهاد؛ لأن جده كان يوقد النيران في الطريق للدلالة على الطريق، ولإرشاد الناس، فكان يوقد النار ليهدي الناس إلى الطريق.[عن عبد الرحمن بن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه ابن عيينة: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن أبيه القاسم.[عن القاسم ].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وأن المدينة فيها في عصر التابعين سبعة معروفين بالفقه والحديث، وأحد السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وقد ذكرتهم مراراً، وذكرت أن ابن القيم ذكرهم في أول كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، بدأه ببيان الفقهاء في الأمصار في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولما جاء إلى ذكر المدينة، وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة، ثم الفقهاء في زمن التابعين، ذكر أن من الفقهاء في زمن التابعين الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، الذين صار هذا علماً عليهم، عندما تأتي مسالة اتفق عليها الفقهاء السبعة يقولون: وقال بها الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، أو بالأخص البيت الثاني يشملهم والأول تمهيد، يقول فيه ابن القيم ولا أدري الشعر هل هو له أو لغيره: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوقاسم هذا الذي معنا هو أحد هؤلاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. يعني: يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأنه القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهي عمته وهو يروي عنها، وهو كثير الرواية عنها، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ليس في الصحابيات من هي مثلها، وهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فضممتها إليّ ثم يسجد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة وهو غير الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول يتعلق بغمزها لتقوم للوتر، وهنا يغمزها لتكف رجليها المعترضة في مكان سجوده؛ ليسجد مكان رجليها، والمقصود منه: أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فلو كان ذلك ينقض الوضوء ما فعله رسول الله، فدل فعله للغمز وأنه مستمر في الصلاة أن اللمس غير ناقض للوضوء، وعائشة تقول: إنها كانت معترضة في مكان سجوده، فإذا سجد غمزها، فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها.وفيه ما في الذي قبله من جهة أن الإنسان كونه يصلي وأمامه شخص نائم أنه لا بأس به، وأيضاً يدل على أن العمل في الصلاة إذا كان يحتاج إليه ولو كان متكرراً فإنه لا يؤثر؛ لأنه كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من السجود غمزها، وإذا قام مدت رجليها، فيتكرر ذلك منه، فإذا كان هناك ما يدعو إليه فإنه لا يؤثر على الصلاة شيئاً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغمزها إذا أراد أن يسجد، وهي إذا قامت مدت رجليها، وإذا غمزها كفت رجليها، وهكذا.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ البخاري، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن هناك ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة 252، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي هذا، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وهم من صغار شيوخ البخاري؛ معناه: أن وفاتهم كانت قريبة من وفاته، وسنهم كان قريباً من سنه، إلا أنهم أقدم منه، أما شيوخ البخاري الكبار فهم الذين أدركهم في أول بدئه للطلب، وماتوا في حال صغره، هؤلاء يقال لهم: شيوخ البخاري الكبار، أما الشيوخ الذين هم يقاربون له في السن والوفاة، فهؤلاء يقال لهم: شيوخه الصغار، ويعقوب بن إبراهيم هو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور الذي مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وهو أحد الشخصين اللذين قال الذهبي عنهما: إنهما إذا جرحا شخصاً لا يكاد يندمل جرحه، هو وعبد الرحمن بن مهدي، فهذان الشخصان إذا جرحا شخصاً يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فكلامهما معتبر، وكلامهما معول عليه، فـيحيى بن سعيد القطان هذا هو أحد العلماء الأثبات المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي يقال له: عبيد الله المصغر؛ تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر، والمصغر ثقة، ثبت، والمكبر ضعيف، فيقال: عبيد الله المصغر، وعبد الله المكبر، وهما أخوان.وهذا الرجل الذي معنا أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.[سمعت القاسم بن محمد].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو يروي عن عائشة أم المؤمنين.
شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلاي، فإذا قام بسطهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)].هنا أورد النسائي حديث عائشة المتعلق بمتدادها في قبلته وهو يصلي، وهو أنه إذا أراد أن يسجد غمزها، وأنها تكف رجليها، أورده من طريق أخرى، تقول: إنه كان يصلي وهي معترضة في قبلته فإذا سجد غمزها؛ يعني: إذا أراد أن يسجد غمزها؛ لأنه يغمزها قبل السجود ليسجد، وليس بعد السجود؛ لأنه يسجد في مكانها، فإنه يغمزها فتكف رجليها، فإذا قام بسطتهما؛ مدتهما وأعادتهما إلى مكانهما، وهو دال على ما دل الذي قبله.وفيه: زيادة اعتذار من عائشة لكونه يغمزها ويكرر غمزها بأن البيوت يومئذ ليس لها مصابيح، فهي ظلام؛ يعني: ما كانت هناك إضاءة بحيث أنها تنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسجد، وبسبب الظلام وكونه ليس هناك مصابيح فيحتاج إلى أن يكرر غمزها كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من قيام فيريد السجود فيغمزها، فهي تعتذر لكونه يتكرر ذلك منه في كل ركعة؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح، وقولها: (يومئذ)، يعني: يشعر بأن الأمر تغير، وأنه كان هناك مصابيح فيما بعد؛ لأن قولها: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)، يشعر بأنه قد حصل بعد ذلك وجود المصابيح، ووجود ما يحصل الاستضاءة به.وفي هذا دليل على إبطال ما يذكره بعض الذين يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقولون: إنه لا ظل له، وأنه إذا ظهر في الشمس فلا يطلع له ظل؛ لأنه نور يعكس من الشمس، فإن هذا من الغلو ومن الإفراط، ومن الكلام بغير علم، فـعائشة كانت لا تراه إذا أراد أن يسجد، فلو كان له إضاءة أشد من إضاءة الشمس -كما يقولون- لما احتاجت عائشة إلى أن تقول هذا الكلام: (والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح)، وتعتذر بذلك، بل ستكون هناك إضاءة شديدة، ولا يحتاج الأمر إلى مصابيح.ومما يدل عليه أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر كان هناك امرأة أو رجل كان فقده، فقالوا: إنه مات، وأنهم دفنوه في الليل، ولامهم على ما حصل منهم، فقالوا: كانت ليلة مظلمة فكرهنا أن نشق عليك؛ يعني: في ظلام، وما أرادوا أن يشقوا على الرسول عليه الصلاة والسلام بكونه يذهب معهم للمقبرة في ليلة مظلمة، فلو كان الأمر كما يقوله هؤلاء المفرطون الغالون الواصفون للرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف -وهو من الغلو والإفراط- ما كان هناك حاجة إلى أن يقولوا: الليلة مظلمة؛ لأنه إذا مشى معهم ستكون الأرض كلها ضياء أشد من نور الشمس، فهذا من الإفراط، ومن الكلام بغير علم، ويعتبر هذا من المجاوزة في الحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأوصاف التي ما جاءت عنه، ولم يأت ما يدل عليها، وإنما هي إفراط وغلو فيه عليه الصلاة والسلام، فما خصه الله تعالى به من الخصائص، وما أكرمه الله تعالى به من الكرامات ففيه الكفاية، وفيه الغنية عن كذب الكذابين، ووضع الوضاعين، واختلاق المختلقين، وإفك الأفاكين، ليس بحاجة إلى أن يختلق له، وأن يتقول عنه أقوال ما هناك ما يدل عليها، ويكون فيها غلو وإفراط، وهو عليه الصلاة والسلام قد حذر من الغلو فيه والإفراط، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).والله تعالى على كل شيء قدير، والرسول أهلٌ لكل إكرام، ولكل خير، لكن هذا ما ثبت، ولو ثبت أنه لا ظل له، وأنه يعكس الشمس لوجب القول به، ولوجب اعتقاده، لكن ما دام ليس هناك ما يدل عليه، فإن هذا من القول بغير علم، وهو من الرجم بالغيب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف المشهور، الذي هو معروف بالفقه، ومعروف بالحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي النضر].أبو النضر، هذه كنية لـسالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ لأن الفقهاء السبعة ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع: اختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو سالم بن عبد الله بن عمر، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم السابع، أما الستة الباقون فهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة.إذاً: فـأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي صاحبة الأحاديث الماضية، ومر ذكرها كثيراً.
شرح حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج واللفظ له قالا: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)].هنا أورد النسائي حديثاً آخر لـعائشة، وفيه أن اللمس حصل للرسول صلى الله عليه وسلم منها وهو في الصلاة، واستمر في صلاته، وقد لمسته ولمست رجليه وهما منصوبتان، وهو ساجد لله عز وجل في الليل، وهو دال على ما ترجم له النسائي من جهة أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، والأحاديث التي مضت المس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهذا فيه المس من عائشة له وهو في الصلاة، واستمر في صلاته وقد لمسته، فسواء كان اللمس من الرجل للمرأة، أو من المرأة للرجل في الصلاة فذلك لا ينقض الوضوء، ولا يؤثر على الصلاة شيئاً، سواء كان ذلك بشهوة أو بغير شهوة، أما بالنسبة بغير شهوة فإن هذه الأحاديث دالة عليه، وأما بشهوة فإن الأصل عدم النقض، ولم يأت ما يدل على النقض، إلا إذا خرج بسبب الشهوة مذي، فإن النقض يكون للمذي كما ذكرت ذلك من قبل.وعائشة رضي الله عنها وأرضاه، قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني: قامت واستيقظت من الليل، فلم تجده في فراشه، فصارت تبحث عنه، (فوقعت يدها عليه وهو يصلي)، وطبعاً كان هناك ظلام -وهو يصلي- ولعل ذلك كان في المسجد؛ لأن المسجد متصل بالبيت، ولا يفصل بينهما إلا الباب، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خرج من الحجرة، وجعل يصلي في المسجد قريباً من الباب، وهي لما لم تجده صارت تبحث وتتلمس في الظلام (حتى وقعت يدها على رجلي النبي صلى الله عليه وسلم وهما منصوبتان وهو ساجد)؛ يعني: يصلي من الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على أن المصلي ينصب رجليه في حالة السجود، ولا يجعلهما معترضتين، بل جاء ما يدل على أنه يجعل بطون أصابعهما إلى القبلة، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.إذاً: فالسجود يكون على الأعضاء السبعة، ومنها: القدمان، ولا بد من تمكينهما، والسنة أن تكونا منصوبتين، وأن تكون بطون أصابعهما إلى القبلة.وفيه أيضاً: مشروعية هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سجوده، والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في هذا الحديث، ومن المعلوم أن السجود هو أحد المواطن التي يكثر فيها الدعاء؛ لأنه قد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وإذا حرص الإنسان على أن يدعو بأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام التي ثبتت عنه في سجوده -كما في هذا الحديث- فإن هذا من أفضل ما يدعى به؛ لأن هذا دعاء دعا به الرسول عليه الصلاة والسلام في سجوده، وهو الذي ينبغي أن يختار وأن يحرص عليه.ثم هذا الحديث فيه استعاذة؛ فيه مستعاذ به ومستعاذ منه، وفيه التعوذ بصفة من صفة، وبفعل من فعل، وبالله من الله، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، استعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، واستعاذ بفعل العفو من فعل العقوبة، واستعاذ بالله من الله؛ لأن كل شيء هو من الله عز وجل، لا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهو بقضاء الله وقدره، وبخلق الله وإيجاده، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما يكون من مخلوق؛ حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر إلا وهو بخلق الله وبإرادته وبمشيئته؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح؛ حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالكل من الله، والكل بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن قضاء الله شيء، ولا يخرج عن خلق الله شيء، ولا يوجد في ملك الله عز وجل إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث وهذه الاستعاذة هي من جنس: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ولا مفر منك إلا إليك)، فالفرار إلى الله منه، ويلجأ إليه منه؛ لأن كل شيء فهو بقضائه وقدره، وبخلقه وإيجاده، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بتقديره وبخلقه وإيجاده سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.ومن المعلوم أن الكلام في هذا الحديث وجد بعض الناس يزل فيه، ويغلط فيه، ويتكلف في تفسيره، وقد جاء في الحواشي الموجودة في شرح هذا الحديث كلام لا يليق ولا ينبغي أن يذكر، ولا أن تسود به الأوراق؛ مثل ما نقله السيوطي أو السندي -لعله السيوطي- قال عن كتاب في أخبار العارفين الذي يقول: إن طلب الاستغاثة من الله نقص في التوكل، هذا كلام ساقط لا قيمة له، فإن الاستغاثة بالله، والاستعانة بالله هذه عبادة وتوحيد وصرف العبادة لمن يستحقها، فكيف يقال: إن طلب الاستغاثة من الله أنه نقص في التوكل؟! هذا كلام باطل، وكلام لا ينبغي أن يقال.ومن أحسن من شرح هذا الحديث شرحاً حسناً سليماً واضحاً جلياً ابن القيم في كتابه شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهذا كتاب نفيس من أحسن الكتب التي ألفت في القضاء والقدر، وقد عقد فيه ثلاثين باباً، مسائل القضاء والقدر أحد هذه الأبواب الثلاثين، وهو الباب السادس والثلاثون شرحٌ لهذا الحديث الذي معنا، وبيان لفقهه، وحكمه وأسراره، ودلالته على القضاء والقدر، وأن كل شيء من الله، وكل شيء بقضاء الله، وأن الله عز وجل هو الذي يفر منه إليه، وأنه لا يحصل إلا ما قدره وقضاه، ولا يوجد في ملك الله إلا شاءه الله.وفيه: أنه يستعاذ بصفات الله كما يستعاذ بالله عز وجل، فمنها ما يستعاذ به، ومنها ما يستعاذ منه؛ لأن صفة الرضا يستعاذ بها، وصفة الغضب يستعاذ منها؛ يعني: يستعيذ الإنسان برضا الله من غضب الله، ومن عفو الله من عقوبة الله، وبالله من الله؛ لأن كل شيء هو بخلقه وإيجاده، فلا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا بقضاء الله، والسحر الذي هو من أعظم الأشياء ضرراً قال الله فيه: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]؛ يعني: السحرة ما يحصل منهم الضرر إلا إذا شاء الله، فإذا شاء الله عز وجل يوجد السبب ولا يوجد المسبب، مثل: إيراد المريض على الصحيح، فإيراد المريض على الصحيح سبب للعدوى، لكن قد يوجد السبب وقد لا يوجد المسبب، فإذا شاء الله أنه لا ينزل فلا ينزل، فقد يكون أمراض مع أصحاء ثم لا يحصل للأصحاء شيء؛ لأنه لا يحصل الضرر إلا بإذن الله، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك في قوله: (من أعدى الأول؟) فلو كان القضية كلها عدوى، وأن المريض يعدي الصحيح، فالمريض الذي أصابه المرض لأول مرة من الذي أعداه؟! فليس هناك مريض يعديه الذي قبله، وإنما الله تعالى هو الذي أوجد هذا المرض، وهو الذي خلق فيه المرض.فإذاً: هذا حديث عظيم، ودعاء عظيم، ومن أحسن ما يرجع إلى فقهه، وفهم معناه كلام ابن القيم في شفاء العليل.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج].محمد بن عبد الله بن المبارك هذا ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.ونصير بن الفرج هو أيضاً ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا أبو أسامة].هو حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وأبو أسامة، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عمر].هو المصغر الذي مر ذكره قريباً، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن يحيى بن حبان].هو محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره بلقبه وباسمه، وهنا جاء ذكره باللقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.[عن عائشة].هي أم المؤمنين، وهي أكثر الصحابيات حديثاً، وإذاً: فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، والصحابيان اللذان في الحديث الرجل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والمرأة هي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق.
ترك الوضوء من القبلة
شرح حديث: (إن النبي كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من القبلة.أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان أخبرني أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)، قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قال: قال يحيى القطان: حديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء من القبلة.لما ذكر النسائي في الترجمة السابقة، وهي ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة، وأن المس إذا حصل في الصلاة أنه لا ينقض الوضوء، وكذلك إذا حصل في غير الصلاة، لكن الأحاديث التي أوردها النسائي كلها مس في الصلاة، وهو بعيد عن أن يكون بشهوة، ولهذا قال: بغير شهوة، لكن -كما عرفنا- ليس التقييد بقوله: (بغير شهوة) بمعنى أنه إذا كان بشهوة أنه ينقض الوضوء؛ لأنه ما جاء دليل يدل على نقض الوضوء بالمس بشهوة، اللهم إلا إذا حصل مذيٌ بسبب المس بشهوة، فإن النقض يكون بسبب خروج المذي، وليس بسبب المس بشهوة.ولما ذكر النسائي في الترجمة السابقة وذكر الأحاديث التي تحتها، وكل الأحاديث التي أوردها دالة على عدم النقض، وكله لم تكن في الصلاة، والأصل هو عدم النقض إلا إذا جاء دليل يدل على النقض، ولم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب هذا بترجمة هي: ترك الوضوء من القبلة، ومن المعلوم بأن تقبيل المرأة إنما يكون غالباً مع الشهوة، فهذه الترجمة وهي: ترك الوضوء من القبلة هي مماثلة للترجمة السابقة؛ لأن الكل فيه ترك، فمس المرأة بشهوة ومس المرأة بغير شهوة كل هذا لا ينقض الوضوء، لكن إذا حصل التقبيل بشهوة ووجد مذي، فإنه يحصل النقض بسبب المذي، لا بسبب التقبيل ولا بسبب اللمس بشهوة.وهنا أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مسنداً، وحديثاً أشار إليه دون أن يذكره مسنداً، ودون أن يذكر لفظه، فهو أورد الإسناد أولاً عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ).وهو واضح مطابق لما ترجم له؛ من حيث حصول التقبيل وعدم النقض، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ولم يتوضأ، فدل على أن التقبيل غير ناقض للوضوء.ثم أشار إلى حديث من طريق أخرى؛ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، لكن النسائي لما ذكر حديث عائشة الذي ساق إسناده عن طريق إبراهيم التيمي قال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب وإن كان مرسلاً، ومن المعلوم أن المرسل ليس حجة عند المحدثين؛ لأن فيه انقطاع، والمراد بالإرسال الذي أشار إليه هو كون إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فحديثه عنها مرسل، ولكن ذكر المرسل هنا ليس على اصطلاح المعروف عند المحدثين، وإنما هو جار على استعمالهم، لكن المعروف والمشهور بالمرسل عندهم ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فلا يذكر الصحابي، أي: ما كان السقوط فيه من أعلاه -من فوق- وذلك بأن يسقط الصحابي، وقد يسقط معه غيره، لكن ليست العلة في سقوط الصحابي؛ لأنه لو لم يسقط إلا الصحابي فليس فيه إشكال، فالصحابة علموا أو جهلوا فما يحتاجون إلى أن يتعرف عليهم، ولا إلى أن يبحث فيهم؛ لأنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن احتمال أن يكون الساقط تابعياً أيضاً، واحتمال أن يكون التابعي أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، والتابعي هذا يحتمل أن يكون ثقة وأن يكون ضعيفاً، من أجل هذا صار المرسل عندهم من قبيل المردود، وليس من قبيل ما يحتج به، لكن هناك اصطلاح آخر عند الأصوليين؛ وهو أن المرسل ما حصل فيه سقوط؛ يعني: كون الإنسان يروي عمن لم يسمع منه، أو يروي عمن لم يلقه، أو لم يدركه فهذا هو المرسل، والمرسل الذي أشار إليه النسائي هنا في الإسناد هو من هذا القبيل؛ لأن إبراهيم التيمي أرسل عن عائشة؛ يعني: لم يرو عنها، فروايته عنها مرسلة، والمحدثون يستعملون كلمة أرسل، وفلان يرسل، فالمشهور عندهم أنه ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.وإذا كان السقوط في أثناء الإسناد -سواء كان واحداً أو اثنين- فكل هذا منقطع، وإذا كان السقوط اثنين متواليين فيقال له: معضل، سواء في أعلى السند أو وسطه، وإذا كان في أسفله يقال له: معلق، فكل هذا يسمى مرسلاً عند الأصوليين.فقول النسائي: هذا أحسن شيء ورد في الباب وإن كان مرسلاً، ثم أشار إلى حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، ولكنه أشار إلى علته، وهو أن يحيى بن سعيد القطان قال عن هذا الحديث وحديث آخر بهذا الإسناد، قال: لا شيء؛ يعني: هذان الحديثان أو هذان الإسنادان لا شيء.وفي بعض الألفاظ عند الترمذي وعند أبي داود: (شبه لا شيء)، بدل (لا شيء)، فهنا قال: (لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهذين الحديثين، وعند الترمذي وأبي داود: (شبه لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهما، لكن حديث ترك الوضوء من القبلة ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ليس من هذه الطريقة المرسلة فقط، والطريقة المرسلة لو لم تكن إلا هي لما ثبت به الحديث لوجود الانقطاع، لكن جاء في الطريق الأخرى التي أشار إليها النسائي وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة التصريح بأن عروة هو ابن الزبير، فهو حديث متصل، فيكون ثابتاً؛ لأن الذين ضعفوا الحديث قالوا: إن عروة هذا لم ينسب، والمراد به عروة المزني، لكن جاء في بعض الطرق تسميته، وأنه عروة بن الزبير، وعلى هذا يكون الإسناد صحيحاً، ويكون الإسناد ثابتاً، ويكون مقوياً لهذا المرسل الذي أسنده النسائي، والذي قال: إنه أحسن شيء في الباب.إذاً: فالحديث ثابت، وقد صححه الشيخ الألباني، وكذلك صححه أحمد شاكر، وبين الشيخ أحمد شاكر أن المراد بـعروة هو ابن الزبير، كما جاء في بعض الطرق، فعلم أنه ليس عروة المزني، وإنما هو عروة بن الزبير، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً، ثم إن الأصل هو عدم النقض، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد الأصل، وهو عدم النقض، ولو لم يأت الحديث لكان الأصل هو عدم النقض؛ لأنه لا يثبت النقض إلا بدليل، والآن جاء الدليل مطابق للأصل الذي هو عدم النقض، فصارت القبلة أو مس المرأة بشهوة غير ناقض للوضوء، اللهم إلا أن يحصل بسبب اللمس، أو التقبيل مذيٌ، فيصير النقض بسبب المذي، كالذي مرت أحاديثه سابقاً عن علي رضي الله عنه: (أنه كان رجلاً مذاء فطلب من المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استحيا من أن يسأله لمكانة ابنته فاطمة منه، فقال عليه الصلاة والسلام: يغسل ذكره ويتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، فدل هذا على أن المذي إذا حصل بسبب المداعبة، أو اللمس، أو التقبيل، وكذلك أيضاً التفكير فإنه يكون ناقضاً للوضوء.إذاً: فالصحيح هو القول بعدم النقض، والأصل هو عدم النقض، لو لم يأت بذلك حديث، وقد جاء الحديث بذلك وهو ثابت، فيكون مؤيداً للأصل، ومطابقاً للأصل الذي هو البراءة من التكليف بالوضوء، فصار ما جاء في الحديث مؤيداً له ومطابقاً له، ولا يقال بالنقض إلا بدليل ولا دليل، بل قد جاء الدليل بعدم النقض، وهو حديث عائشة الذي أشار إليه النسائي، ولكنه أشار إلى تضعيفه في كلام يحيى بن سعيد القطان، لكن الحديث ثابت، وعروة الذي فيه هو ابن الزبير، فلا إشكال فيه حينئذ.
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 03:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(60)
- باب الوضوء مما غيرت النار
أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرت النار أو مسته، ثم نسخ هذا الحكم تخفيفاً على العباد.
الوضوء مما غيرت النار
شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مما غيرت النارأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله ترجمة وهي باب: الوضوء مما غيرت النار يعني: مما طبخ في النار من الأكل ففيه الوضوء، هذا هو المقصود بالترجمة، وقد أورد النسائي فيها أحاديث عديدة، لكن الأحاديث التي وردت فيه صحيحة، ولكن الحكم نسخ بترك الوضوء مما مست النار، كما جاء عن جابر أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: هذا ناسخ، وهذا منسوخ، فالأحاديث التي في هذا الباب الذي معنا، والتي تدل على الوضوء مما مست النار هي منسوخة.وناسخها ما جاء من الأحاديث في ترك الوضوء مما مست النار، وكون الصحابي نفسه أشار إلى الأول والآخر، وإلى المتقدم وإلى المتأخر، فقال: (كان آخر الأمرين من رسول الله عليه الصلاة والسلام ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: فما مسته النار وما طبخ وأكل فهو غير ناقض للوضوء إلا فيما يتعلق في لحم الإبل، فقد جاء حديث صحيح في صحيح مسلم وغيره يدل على الوضوء من لحم الإبل، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، ولما سئل عن الوضوء من لحم الإبل، قال: (نعم)، أي: توضؤوا من لحوم الإبل، فدل على أن لحم الإبل ناقض للوضوء، وأن من أكله فعليه أن يتوضأ، وهذا الحديث وهو حديث الوضوء من لحم الإبل هو من الأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وقد قال بعض أتباعه: وقد صح الحديث وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فهذا الحديث هو مذهب الشافعي، وإن لم يقل الشافعي: إن الحديث صح عنده، لكنه علق القول به على صحته.إذاً: فالوضوء مما مست النار نسخ إلا فيما يتعلق بالوضوء من لحم الإبل فإنه قد جاء ما يخصه، وما يجعل حكمه خاصاً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام (سئل عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: (نعم)، فدل على أنه يتوضأ من لحم الإبل، وأن لحم الإبل ناقض للوضوء إذا أكل، وأما اللحوم الأخرى والمطبوخات الأخرى إذا مستها النار فإن الحكم فيها منسوخ كما سيأتي.قوله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)].فأورد النسائي حديث أبي هريرة يقول فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، فهو أمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام بالوضوء مما مسته النار؛ أي: مما طبخ بالنار فإنه ينتقض به الوضوء، إلا أن هذا -كما أشرت- حكم منسوخ ليس باقياً، بل قد نسخ كما سيأتي الناسخ بعد هذا؛ لأنه سيأتي بباب: ترك الوضوء مما مست النار، وهو الناسخ، والوضوء هو المنسوخ.وطريقة الإمام مسلم رحمه الله لما أورد الأحاديث في الوضوء مما مست النار، رتبها كترتيب النسائي الموجود هنا، أتى أولاً بالأحاديث المتعلقة بالوضوء مما مسته النار، ثم أتى بالأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مسته النار، قال النووي في شرحه في صنيعه: هو تقديم المنسوخ وتأخير الناسخ، أورد الأحاديث المنسوخة، ثم أورد الأحاديث الناسخة، فكان طريقته أنه قدم المنسوخ وأخر الناسخ، وهذه الطريقة أيضاً هي طريقة النسائي هنا، وقد مر بنا في الدرس السابق في الوضوء من مس الذكر، أورد الأحاديث التي فيها حديث بسرة في الوضوء من مس الذكر، ثم أورد حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر، وقال السندي في تعليقه عليه: إن صنيع المؤلف يشعر بأنه يرجح عدم النقض؛ لأنه أخر الحديث المتعلق بعدم النقض، فيكون لمعنى أخره، وقلت لكم إن هذه الطريقة لا ندري هل هي طريقة النسائي، لكن هذا الحديث الذي معنا في هذا الباب والذي يتعلق بالوضوء مما مست النار، وكونه قدم الأحاديث المنسوخة؛ ثم أخر الأحاديث الناسخة، يعني: هذا يشعر بأنه قد يكون يرى أن المعول عليه، وأن العمل عنده على ما جاء في حديث طلق من أنه إذا مسه الإنسان لا يتوضأ، وقد ذكرت لكم فيما مضى أن القول الراجح هو القول بالنقض، وهو الأحوط في الدين، ومر الكلام على ذلك، لكن أشرت إليه هنا من أجل حصول الترتيب الذي حصل عند النسائي هنا، وأن العمل هو على المتأخر الذي فيه ترك الوضوء مما مست النار.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هذا هو: ابن راهويه الحنظلي، الإمام، المحدث، الفقيه، وهو ثقة ثبت، حجة من رجال الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا إسماعيل].إسماعيل هو: ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهي أمه، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[وعبد الرزاق].وهو ابن همام الصنعاني، الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً، وهو راوي صحيفة همام بن منبه؛ لأن صحيفة همام تشتمل على 140 حديثاً كلها من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وهي كلها صحيحة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً مراراً وتكراراً.[حدثنا معمر].وهو معمر بن راشد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو الإمام، المشهور محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمر بن عبد العزيز].وهو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الخليفة الذي تولى الخلافة على رأس المائة الأولى، تولاها بعد سليمان بن عبد الملك؛ لأن الذين تولوا الخلافة من بني أمية، من أولاد عبد الملك أربعة. وأما عمر بن عبد العزيز فقد توسط بينهم؛ لأن فيه الوليد، ثم سليمان، ثم جاء بعده عمر، ثم بعد عمر: يزيد، وهشام، والجميع أولاد عبد الملك، وتوسط بينهم عمر بن عبد العزيز.وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم الخليفة أمير المؤمنين، وقد وصف بأنه أحد الخلفاء الراشدين، وقد اشتهر عدله، واشتهر علمه، واشتهر ورعه فصار الكلام فيه حسناً، وسيرته حسنة ومحمودة، بل من العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن التعبير بكونه خامس الخلفاء الراشدين؛ يعني: مع أن معاوية بن أبي سفيان قبله، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعلوم ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام في حق أصحابه: (وإن الواحد لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقد قال بعض العلماء، وقد أحسن فيما قال: ومعاوية أول ملوك المسلمين وهو خير ملوك المسلمين؛ لأن الملك بعد الخلفاء الراشدين صار ملكاً، لكن هو خير ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والصحابة أفضل ممن جاء بعدهم، فالقول بأنه خامس الخلفاء الراشدين، وعدم ذكر معاوية، أو كونه يأتي بعد الخلفاء الراشدين، مع أن معاوية أفضل منه، وخير منه؛ لصحبته رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كاتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وما حصل له من شرف الصحبة يفوق ما حصل لـعمر من الفضل، ومن المعلوم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فالعمل القليل من معاوية يفوق العمل الكثير من غيره ممن جاء بعد الصحابة رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.وعمر بن عبد العزيز لا شك أنه خليفة راشد، وأنه من خيار ملوك المسلمين وخلفاء المسلمين، وهو بعد معاوية، لا شك أنه أولى من غيره، وأفضل من غيره، والثناء عليه كثير، وسيرته مشهورة رحمة الله عليه، وهو محدث، فقيه من حملة الفقه، ومن حملة حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورحم الله تعالى عمر بن عبد العزيز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهو الذي أمر الزهري بأن يجمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي قال فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرفهو الذي أمر بتدوين السنة، وكلف الزهري بأن يقوم بهذه المهمة.[عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ].إبراهيم بن عبد الله بن قارظ صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي شيئاً.وأحياناً يقال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ، يقول الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، ووهم من قال: إنهما اثنان؛ يعني: أحياناً يقلب اسمه واسم أبيه، فيقال: هو إبراهيم بن عبد الله، ويقال: هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ؛ يعني: إذا جاء عبد الله بن إبراهيم بن قارظ.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، هو الصحابي الجليل الذي مر ذكره مراراً وتكراراً.
شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد يعني: ابن حرب حدثني الزبيدي عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عبد الله بن قارظ أخبره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].وهذا طريق آخر عن أبي هريرة، وهو بلفظ الحديث السابق: (توضئوا مما مست النار). وإسناد الحديث بعضه مطابق للإسناد الذي قبله من الزهري ومن فوقه، هؤلاء مروا في الإسناد الأول.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية
قوله: [حدثنا هشام بن عبد الملك].المعروف عن النسائي أنه يقول: أخبرنا، وما دام أن بعض النسخ فيها: أخبرنا، فهي الموافقة للجادة والطريقة الكثيرة الاستعمال، وهشام بن عبد الملك صدوق ربما وهم، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه ؛ يعني: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الترمذي شيئاً، وكذلك لم يخرج له الشيخان شيئاً.[حدثنا محمد؛ يعني: ابن حرب].هو محمد بن حرب الخولاني الحمصي الأبرش، وهو ثقة، أخرج له الجماعة.[حدثني الزبيدي].وهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي، وهذا من أثبت أصحاب الزهري.
شرح حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].فالترجمة كما سبق في الدرس الفائت: الوضوء مما غيرت النار، وذكرت أن النسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة في الوضوء مما مست النار، والترجمة التي بعدها، وهي ترك الوضوء مما مست النار، وأن أحاديث ترك الوضوء مما مست النار ناسخة لأحاديث الوضوء مما مست النار، وقد جاء في حديث جابر، وغيره ما يدل على ذلك، ولفظ حديث جابر كما سيأتي (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، أي: إن الترك للوضوء ناسخ للأمر بالوضوء.وذكرت في الدرس الفائت أن هذا النسخ للوضوء مما غيرت النار، أو مما مست النار، أن ذلك في غير لحوم الإبل، فلحوم الإبل جاء ما يدل على أن أكلها ناقض، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام، عن الوضوء من لحم الغنم؟ فقال: إن شئتم، وعن الوضوء من لحم الإبل؟ فقال: نعم، توضؤوا من لحوم الإبل)، فدل على أن مما مسته النار سواء كان لحماً أو غير لحم، فإن آكله لا ينتقض وضوءه، بل وضوءه باق على ما هو عليه، اللهم إلا إذا كان المأكول لحم إبل فإنه ينتقض الوضوء بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، لما سئل أرشد إلى الوضوء من أكل لحوم الإبل.ثم ذكر التغيير أو المس بالنسبة للنار يشمل ما إذا كان مطبوخاً، أو مشوياً؛ لأنه كله يقال له: مسته النار، وكله غيرته النار، فالحكم للمطبوخ أو للمشوي فيه واحد، ولكن الأمر كما قلت: هو منسوخ إلا فيما كان من لحم الإبل، فإن الحكم باقٍ، وهو أن من أكل لحم إبل سواء كان مطبوخاً، أو مشوياً فإنه يلزمه الوضوء؛ لأنه قد ورد الحديث في ذلك في صحيح مسلم، وهو ما أشرت إليه.
بيان معنى قول الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، وتعظيم الأئمة الأربعة للدليل
وقد ذكرت في الدرس الفائت أن الإمام الشافعي رحمة الله عليه علق القول به على صحته، وقال: إن صح الحديث قلت به؛ لأنه ما بلغه من طريق صحيح، وقد قال بعض أصحاب الإمام الشافعي: إن الحديث قد صح، فهو مذهب الشافعي؛ لأنه علق القول به على صحته، والإمام الشافعي رحمة الله عليه قال في مسائل عديدة: إن صح الحديث في هذه المسألة قلت به، وهذا يدل على أن مذهب وطريقة الإمام الشافعي وغيره من الأئمة هو التعويل على السنة، والتعويل على ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه إذا صح الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد كلامُ مع كلام رسول الله، والإمام الشافعي نفسه هو الذي جاءت عنه المقولة المشهورة التي يقول فيها: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائن من كان، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرح حديث الاشتراط في الحج، حديث ضباعة بنت الزبير التي قالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية، قال: اشترطي)؛ أي: قولي: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، فإن الإمام الشافعي قال: إن صح الحديث قلت به، وقد قال بعض أصحابه: إنه قد صح، والحديث في الصحيحين، ثبت في صحيح البخاري، وقال الحافظ ابن حجر عند شرح هذا الحديث: وقد جمعت المسائل التي قال فيها الشافعي: إن صح الحديث قلت به، وذكرت ما ورد فيها من الأحاديث، ودرجة تلك الأحاديث. أشار الحافظ إلى هذا المصنف الخاص بالأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وذكر أنه قد بين درجة تلك الأحاديث التي وردت في تلك المسائل، التي قال عنها الإمام الشافعي: إن صح الحديث قلت به، ولا أعلم وجوداً لهذا الكتاب الذي ألفه الحافظ ابن حجر في المسائل التي قال عنها الإمام الشافعي رحمة الله عليه: إن صح الحديث قلت به.وهذا الكلام الذي قاله الإمام الشافعي في أن التعويل على الحديث، هو المأثور عن الأئمة جميعاً، عن الإمام أبي حنيفة، وعن الإمام مالك، وعن الإمام أحمد، كلهم جاء عنهم أن التعويل هو على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا صح الحديث تترك أقوالهم، ويؤخذ بما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من نصحهم وإنصافهم وإحسانهم إلى الناس، إذ أرشدوهم إلى مسلكهم، ونبهوهم إلى أن يسلكوا مسالكهم، بأن يكون المعول عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يصار إلى قول أحد إذا كان قوله مخالفاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب الروح: أن هذه الطريقة التي سلكها الأئمة هي من إخلاصهم، وإحسانهم، ونصحهم، وإرشادهم إلى عدم الأخذ بأقوالهم إذا وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفها، فالمعول عليه هو حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أخذ بالسنة إذا وجد عنهم أقوال جاءت في السنة، أو جاءت الأحاديث بخلافها، فإنه آخذ بتوجيهاتهم، وآخذ بنصائحهم، وآخذ بإرشادهم، فهو الممتثل حقاً لما أرادوه ولما أحبوه، وهو اتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وترك أقوالهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الطريقة المثلى هي أن يستفاد من علم الأئمة، وألا يهضم حقهم، وألا يتكلم فيهم بما لا ينبغي، بل يتكلم فيهم بما يليق، فيستفاد منهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا تبين أن الحق وأن الدليل مع غير ذلك الإمام الذي يستفيد الإنسان من علمه، والذي يحرص الإنسان على معرفة كلامه، فإنه لا يجوز له أن يأخذ بقوله الذي وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه، بل الواجب هو اتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه تحقيق لرغبتهم التي أرشدوا إليها، والتي رغبوا فيها وحثوا عليها، وهي أن تترك أقوالهم، وتتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
بيان الفرق بين احترام الأئمة والتعصب لهم وذكر كلام ابن القيم وغيره في ذلك
إذاً: فهناك فرق بين من يتعصب للأئمة، وبين من يحترم الأئمة، ويعتبر أن أقوالهم دائرة بين الأجر والأجرين، وأنهم مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور، ولكنهم ليسوا بمعصومين، وهذا لم يحصل لأحد ممن قبلهم، وهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقال في حق أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في أي واحد منهم أن الحق معه لا يتعداه، بل إن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم عندما تأتي المسائل والنوازل، فإنهم يسألون أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هل عندهم سنة فيها؟ فها هو أبو بكر رضي الله عنه، تأتي جدة تريد أن تبحث عن ميراث، وتريد ميراثاً، فقال: لا أعلم لك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، لكن أسأل الناس، فذهب يبحث ويسأل الناس حتى جاءه بعض الصحابة، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فأعطاها السدس، فهذا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأفضل الصحابة، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يكن يعلم بهذا الحكم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم يلتقي به الناس في مناسبات مختلفة، ويحدث بالأحاديث بمناسبات مختلفة، ويحضر هذا ويغيب هذا، وقد عرفنا فيما مضى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يتناوب مع صاحبه في النزول للرسول عليه السلام، والبقاء في العمل في زرعه وفي فلاحته، فيوم ينزل أحدهما وصاحبه يبقى في عمله، وإذا جاء الذي نزل للرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الذي جلس بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء الغد فالذي لم ينزل بالأمس فإنه ينزل اليوم، ثم يخبر الذي لم ينزل بما سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.فهذه السنن يأتي بيانها في مناسبات، ولهذا لا يقال عن شخص من الناس: أنه يحيط بها علماً، وأنه لا يخفى عليه شيء من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل عند هذا ما ليس عند هذا، وهذا يحضر ما يغيب عنه هذا، وإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف في حق الأئمة الأربعة وغيرهم؟!فالواجب هو احترام الجميع وتوقيرهم ومحبتهم ومولاتهم، واعتقاد أنهم مجتهدون، وأن المصيب منهم له أجران: أجرٌ على إصابته، وأجر على اجتهاده، والمخطئ له أجر واحد من أجل اجتهاده، وخطؤه مغفور، ومن عرف قدرهم، وأنزلهم منازلهم، وأخذ بتوصياتهم التي أوصوا بها، فهذا هو الذي أصاب الحق، وهو الذي حقق رغباتهم.أما من يتعصب لهم، بحيث لو ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه قد صح، وأن الحديث رواه فلان وفلان، وأنه موجود في الصحيحين أو في غيرهما، ثم لا يقبله هذا المتعصب الذي يلازم مذهب إمام معين، ولا يتعداه ولا يحيد عنه، ويقول: لو كان ثابتاً لعلمه الإمام، ولم يخف عليه، فهذا من الظلم ومن الجور ومن الشطط، بل العدل والإنصاف هو أن يعتقد أن أي واحد من الناس لا يقال فيه: إنه أحاط بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يترك شاردة ولا واردة إلا وقد أحاط بها، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين لا يدعى في حق واحد منهم ذلك، بل كل واحد منهم تحصل له قضية فيسأل عنها أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين عندهم علم فيها، وقد يحضر المفضول مناسبة، فيتحمل فيها علماً لم يعلم به ذلك الفاضل، وقد يكون في مجلس من المجالس، فمجالس الرسول صلى الله عليه وسلم قد يحضر فيه شخص من آحاد الناس ومن أفراد الصحابة، ويغيب عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فتكون تلك السنة التي حضرها ذلك الرجل علمها، ولم تبلغ هؤلاء الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، بل عندما تأتي حادثة أو نازلة يسألون من عنده علم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيرجعون إلى قوله.إذاً: فالعدل والإنصاف هو محبة العلماء، ومولاتهم، وتوقيرهم، واحترامهم، وحسن الأدب معهم، وأن الإنسان لا يتعصب لهم، ولا يجفوا في حقهم، لا يكون لا غالياً ولا جافياً، لا يكون غالياً فيقول: والله إن الحق مع فلان وفلان؛ يعني: عنده العلم يحيط بالسنة، فتابعه يتابع ولا يحاد عنه، ولا يكون جافياً ويقول: والله ما لنا حاجة لأن نقرأ كلامهم، ولا أن نطلع على كتبهم، وإنما نحن ننظر في الأحاديث فنعرض عن كلام العلماء، بل العدل، والإنصاف، والإحسان هو الاطلاع على الأحاديث والبحث فيها، والبحث في كلام العلماء، والاستفادة من علمهم. وقد قال ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه الروح: إن العلماء يستفاد منهم، وأنهم مثل النجوم التي يستدل بها إلى القبلة؛ لأن الإنسان عندما يبحث عن القبلة يستدل عليها بالنجوم؛ أي: مطالعها ومخارجها، وأن النجم الفلاني في الجهة الفلانية، فيستدل بها على جهة القبلة، فيقول إن العلماء يستفاد منهم في الوصول إلى معرفة الحق، لكن إذا وقف الإنسان على الحق وظهر له الدليل فإنه لا يحتاج إلى دليل يدله عليه، قال: وهم مثل النجوم يستدل بها إلى القبلة، لكن الإنسان إذا كان عند الكعبة ووصل إليها، فما يحتاج ليبحث عن شيء يدله على القبلة، فإذا وصل للمدلول عليه وانتهى إليه، فليس فيه حاجة إلى دليل، ما دام الإنسان ما اهتدى إلى القبلة، ولا يمكن أن يستدل عليها بالأدلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وانتهى إلى الكعبة، وصارت الكعبة أمامه، أيحتاج إلى أحد يدله إلى الكعبة؟ لا يحتاج؛ لأن الكعبة قدامه.إذاً: فهذا هو العدل والإنصاف، وهذا هو الإحسان، ولهذا يقول الطحاوي رحمة الله عليه في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ومن المعلوم أن ذكرهم بالغلو سوء، وهم لا يرضون هذا الغلو، وكذلك الجفاء أيضاً هو تفريط وجفاء، ولا يليق بهم، بل الواجب العدل والإنصاف والاعتدال والتوسط في الأمور، وعدم الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء.إذاً: بعد هذا الاستطراد أرجع إلى المسألة التي نحن فيها وهي أن الوضوء مما مسته النار جاء فيها أحاديث صحيحة، وهي منسوخة بالأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست النار؛ لأن الحديث الذي جاء في ذلك فيه الناسخ والمنسوخ؛ لأن جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء، يعني: الوضوء وعدم الوضوء، آخره كان الترك، ترك الوضوء مما مسته النار فيكون ناسخاً، ويستثنى من ذلك -كما قلت- الوضوء من لحم الإبل، فإنه باق والحديث فيه خاص، والرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا وهذا، وكلها مما تمسه النار، فأرشد إلى الوضوء من لحوم الإبل، وقال في حق من أكل لحم غنم أنه رد ذلك إلى مشيئته فقال: (إن شئتم).والنسائي رحمه الله أورد عدة أحاديث، وقد مر في الدرس الفائت حديثان، وهذا حديث لـأبي هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، (أنه رآه يتوضأ على ظهر المسجد، وقال: إني أكلت أثوار أقط، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)، يعني: أنه أكل أقط، والأقط كما هو معلوم مطبوخ، فهو لبن طبخ على النار حتى تجمد وتكاثف، والتحم بعضه ببعض، فجمع بعضه إلى بعض، فيبس وصار كالحجارة في شدته، يقول: أنه كان يأكل أثوار أقط؛ أي: قطع من الأقط، إذاً: الأصل أنه مطبوخ على النار؛ لأن الأقط لا يكون إلا بعد الطبخ، وقد توضأ رضي الله عنه، لكن هذا كما عرفنا جاء ما يدل على نسخه، وأن الوضوء مما مست النار منسوخ إلا في ما يتعلق بالنسبة للحوم الإبل فإن الحكم باق.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].وأبو هريرة رضي الله عنه كان قد أكل أثوار أقط، وهي قطع من الأقط، وبين أن وضوءه كان بسبب هذا الأكل، وقال: (إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بالوضوء مما مست النار)، فهو يتوضأ.وفيه بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الاتباع والملازمة لما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله: (يتوضأ على ظهر المسجد)، في هذا دليل على أن الوضوء في المسجد جائز؛ لأن وضوء أبي هريرة رضي الله عنه كان على ظهر المسجد، وظهر المسجد هو من المسجد، فيدل على جواز مثل ذلك، لكن هذا كما هو معلوم يكون في الوضوء الذي لا استنجاء معه؛ لأن الاستنجاء فيه إزالة نجاسة، ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد، وأما الوضوء الذي هو غسل الوجه واليدين والرجلين وما تساقط منه من الماء، فهذا لا بأس به، وهو جائز؛ لأنه طاهر وليس بنجس، لكن هذا مشروط بألا يحصل فيه تلويث، وألا يحصل به مضرة، ولا يحصل فيه امتهان للمسجد، لكنه إذا احتيج إلى ذلك في بعض الأحيان وفعل فإن العمل صحيح، وفعل أبي هريرة رضي الله عنه هذا يدل عليه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 03:41 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(60)
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].هو: الربيع بن سليمان بن داود، وهو الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. وللنسائي شيخ آخر من طبقة الربيع بن سليمان هذا، وهو أيضاً مصري، وهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي المشهور، فهو غير هذا، وأما الربيع بن سليمان بن داود، فقد جاءت تسميته في آخر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، وقد ذكر هذا الإسناد مرة أخرى في آخر حديث، أو قريباً من آخر حديث في هذا الباب، فقال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: الربيع بن سليمان بن داود فسماه في طريق أخرى، فإذاً: يكون هو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، وليس الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي، وكلٌ منهما روى عنه النسائي، وهما في طبقة واحدة، في الطبقة الحادية عشرة، وهم من شيوخ النسائي، لكن هذا الذي معنا هو ابن داود الذي سماه النسائي في إسناد آخر في نفس الباب، وهو الربيع بن سليمان بن داود، وهو مصري ثقة، وحديثه عند أبي داود، والنسائي.[حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر].كلمة (هو ابن مضر) هذه يقولها من كان دون التلميذ الذي روى عن الشيخ؛ أعني: أن إسحاق بن بكر بن مضر تلميذه هو الربيع بن سليمان، فـالربيع بن سليمان لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسب شيخه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، لكن التلميذ إذا ذكر شيخه بصورة معينة، ثم جاء من بعده وأراد أن يوضح هذا الشخص الذي ذكره التلميذ بصيغة محددة، أو بصيغة مختصرة، فعندما يضيف شيئاً يأتي بكلمة (هو)، أو يأتي بكلمة (يعني: فلان)، أو (يعني: ابن فلان)، هذا هو المقصود منها، وقد جاء هذا مراراً، ونبهت عليه مراراً، وهذا من حسن العمل؛ لأنهم لو أضافوا إلى اسمه وذكر الإسناد، فقال: إسحاق بن بكر بن مضر لكان التلميذ كأنه قال: إسحاق بن بكر بن مضر، وهو ما قال: ابن مضر في هذا الموضع، وإنما قال: إسحاق بن بكر فقط، وهو معلوم، لكن من جاء بعده وأراد أن يوضح، أو يأتي بما يوضح ذلك فيقول: هو ابن مضر كما جاء في الإسناد هنا، فنفهم من كلمة (هو ابن مضر)، أن هذا الاسم ليس من كلام التلميذ، بل هو من كلام النسائي، أو من دون النسائي، أو من بعد النسائي، فهو أراد أن يوضح هذا الشخص بزيادة في نسبه توضحه وتبينه.وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة مسلم.قوله: [حدثني أبي].وهو: بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جعفر بن ربيعة].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].وهو بكر بن سوادة بن ثمامة، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم].وهو الزهري، ومجيء الزهري باسمه واسم أبيه، هذا قليل جداً، بل هو نادر، ولعله أول موضع يأتي فيه ذكر محمد بن مسلم؛ يعني باسمه، واسم أبيه؛ لأن الغالب أن يقال: الزهري، أو يقال: ابن شهاب، أما أن يؤتى باسمه واسم أبيه كما هو هنا فهذا قليل جداً.وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وكلاب هو الذي يلتقي نسبه مع نسب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلى جده شهاب وهو جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو جد الجد، فهو يُنسب إلى جد من أجداده، وليس جداً قريباً، لكنه اشتهر بالنسبة إليه، والإمام الزهري رحمة الله عليه مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات الأثبات، ومن أوعية العلم، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وهو الذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمر
ترجمة عمر بن عبد العزيز وبيان فضل الصحابة على من عداهم
[عن عمر].هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وهو الخليفة أمير المؤمنين، وهو خليفة راشد، وقد ذكرت بالأمس أنه معروف ومشهور بالصلاح، والزهد، والعبادة، والعلم، والفقه، ومن العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن قلت: إن هذا التعبير ليس بدقيق؛ لأن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه صحابي، وقد تولى الخلافة، فكونه يقال: الخامس، فمعناها أن فيه تجاوزاً لـمعاوية، ومعاوية خير من عمر بن عبد العزيز، وخير من كل تابعي، ومن جاء بعد التابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ممن سواهم، ومن المعلوم أن التفضيل للصحابة إنما هو تفضيل للفرد على الأفراد، فكل فرد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من أي فرد من أفراد من جاء بعدهم، هذا هو التفضيل المشهور عند العلماء، إلا أنه جاء عن ابن عبد البر رحمة الله عليه أن التفضيل إنما هو في الجملة، وأنه قد يكون في من بعد الصحابة من يكون أفضل من بعضهم، لكن المعروف عن العلماء والمشهور عنهم أن التفضيل لكل فرد من أفراد الصحابة، يعني: أنه أفضل من كل فرد من أفراد من بعده، والتفضيل للأفراد لا يعني في الجملة، وأن التفضيل إنما هو لبعضهم، وأنه قد يكون فيمن بعدهم من يكون أفضل من بعضهم، بل كل واحد من الصحابة أفضل من كل من جاء بعد الصحابة؛ لأنهم حصلوا شرفاً، وحصلوا فضلاً، وحصلوا ميزة ما حصلها أحد من هذه الأمة، ولا حصلها أحد من البشر؛ لأن الله تعالى اختار هذا الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، واختار له أصحاباً جعلهم في زمانه، فالله تعالى أوجد هؤلاء الأصحاب في زمانه، وأكرمهم بذلك فصاروا أصحابه، وصاروا حملة سنته، وأوعية علمه، وكانوا الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عرف حق ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، وما عرف الكتاب والسنة إلا عن طريق الصحابة، ولم يستفد الناس فائدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الصحابة، ولهذا كان لهم من الفضل ما ليس لغيرهم، وقال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا الجبل الضخم الذي هو قريب منا لو كان مثل هذا الجبل ذهباً وتصدق به واحد من الناس، وتصدق واحد من الصحابة بمد الذي هو ثلث الصاع لكان هذا الجبل لا يعادل هذا المد، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [المائدة:54].إذاً: ما جاء عن بعض العلماء في أن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين غير صواب، يعني: لو قيل: أنه خليفة راشد، أو أنه من الخلفاء الراشدين، فكلامٌ جيد، لكن كلمة خامس معناه يجيء بعد الخلفاء الراشدين، وقبله معاوية، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير ممن جاء بعد الصحابة، وقد قال شارح الطحاوية - أو صاحب لمعة الاعتقاد: عندي شك في الذي قال- هذا المعنى، لكن نقول: إن معاوية هو أول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين؛ لأنه تولى الملك وهو صحابي، والباقون تولوا بعد معاوية وليسوا بصحابة، لكن معاوية رضي الله عنه لكونه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو أفضل.ولهذا جاء عن بعض السلف آثار فيها العتب على من يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: لتراب في منخر معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز؛ لأن الذي حصل من الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يماثله شيء، ولا يدانيه أي عمل من الأعمال التي يعملها من جاء بعدهم، ولا يساوي ما حصل لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ].وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ يأتي أحياناً باسم إبراهيم بن عبد الله، وأحياناً عبد الله بن إبراهيم، وقد قال الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، وقد وهم من ظن أنهما شخصان، فيعني: يحصل تقديم وتأخير، والشخص واحد، يقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ.وعمر بن عبد العزيز حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه ، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي.وقوله: [رأيت أبا هريرة ... ].وأبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.وهذا الإسناد الذي مر معنا هو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تساعي، فهو إسناد تساعي مكون من تسعة أشخاص، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة، أولهم: الربيع بن سليمان بن داود المصري الجيزي، ثم بعد ذلك إسحاق بن بكر بن مضر، ثم أبوه بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابن قارظ، ثم أبو هريرة، فهؤلاء تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها؛ لأن هناك ما هو أطول منه، ويوجد هناك عشاريات عند النسائي، ولم يمر بنا حتى الآن.وقد ذكرت فيما مضى أن أعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، والنسائي توفي سنة 303؛ يعني: بين وفاته ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من 290 سنة، وأعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا هو أعلى أسانيده، وليس عنده ثلاثيات، كل ما عنده هو رباعيات، بخلاف البخاري، فإن عنده ثلاثيات كثيرة تزيد عن العشرين، ومسلم لا يوجد عنده ثلاثيات، وإنما عنده رباعيات، وأبو داود كذلك عنده رباعيات، ولا يوجد عنده ثلاثيات، والترمذي عنده ثلاثيٌ واحد، وابن ماجه عنده خمسة ثلاثيات، وأما مسلم، والنسائي، وأبو داود فهؤلاء أعلى ما عندهم الرباعيات، وعند مسلم، والنسائي أسانيد نازلة، وأسانيد طويلة، منها هذا الإسناد الذي معنا، وهو تسعة أشخاص، وعنده ما هو أطول من ذلك، ولكن لم يمر بنا شيء من هذا حتى الآن.
شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبي عن حسين المعلم حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؛ لأن النار مسته؟ فجمع أبو هريرة حصاً فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه قول أبي هريرة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهنا أكد هذا بقوله عندما عقد مجموعة من الحصى ورمى بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهذا يدل على ضبطه، وإتقانه؛ لأن مثل هذا الكلام الذي يقوله الراوي: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كذا، فهذا يدل على الضبط والإتقان لما رواه الراوي، وهذا من الأشياء التي يقولون أنها تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وقد مر قريباً شيء من هذا، مثل: عمرو بن عبسة عندما يؤكد على سماعه للحديث يقول: (فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وقد كبر سني، وضعف بدني...). وهذا فيه تأكيد وضبط وإتقان، ومثله أبو شريح الخزاعي قال مثل هذه المقالة كما هي في الصحيحين، لما كان عمرو بن سعيد الأشدق يجهز الجيوش لغزو ابن الزبير، وكان قد جاءه أبو شريح الخزاعي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح؛ يعني: ذكر أولاً كلام تأدب، وقوله: قام به الغد من يوم الفتح؛ يعني: من بكرة فتح مكة، أي من اليوم الثاني، ثم قال: هذا الكلام سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، وهو يتكلم به؛ يعني: كلام مضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، محقق لا شك فيه ولا ريب أنه قال: (إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإن الله تعالى أحلها لي ساعة من النهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وإنها حرام، لا يقتل صيدها، ولا يقطع شجرها ولا ... إلى آخره)؛ يعني: فينبهه على خطورة هذا الأمر الذي هو مقدم عليه، وهو أن يجهز الجيوش لقتال ابن الزبير في مكة، وقوله: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي) أيضاً هذه من الألفاظ التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه.فهنا يقول: أشهد عدد هذا الحصى، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، إذاً: فالحديث يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، وكذلك اللاحقة بعده من الوضوء مما مست النار، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، لكن هذا الحكم نسخ، وجاء ما يدل على نسخه، وهي الأحاديث التي ستأتي بعد هذا الباب.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هو الجوزجاني السعدي، وهو ثقة، وهو صدوق، ولكنه في شعبة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبي].هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، وقد سبق أن مر، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حسين المعلم].هو حسين بن ذكوان الملقب بالمعلم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني يحيى بن أبي كثير].هو اليمامي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أيضاً ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي].هو أبو عمرو، وقد مر ذكره فيما مضى، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو عمرو، وأبوه اسمه عمرو، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو فقيه أهل الشام ومحدثها، وهو معروف بالفقه والحديث، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب ...].هو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، وهذا سبق أن مر، وهو صدوق، وربما وهم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وعند أصحاب السنن الأربعة.[قال ابن عباس].وقد مر ذكره.قال ابن عباس: أتوضأ إذا أكلت لحماً حلالاً؛ لأن النار مسته؟ وكان هذا الكلام بحضور أبي هريرة رضي الله عنه؛ يعني: كأنه يتوقف، أو يعترض على الوضوء مما مسته النار، فبيّن أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا، فأخذ أبو هريرة حصى، ورما بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار). فإذاً إما أن يكون ابن عباس رضي الله عنه ما بلغه الحديث في هذا، أو أنه بلغه ولكن بلغه الناسخ، وهو أنه لا يتوضأ منه، وقد نسخ، فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه أبدى ما عنده من العلم، وما بلغه من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: أشهد عدد هذا الحصى أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، وعلى هذا فقد يكون المطلب بن حنطب لم يرو عن ابن عباس، وأنه قد حضر القصة، وسمع أبا هريرة، فيكون بهذا يروي عن أبي هريرة، لكن ذكر السبب الذي قيل فيه ذلك الكلام، لأن الكلام حصل فيه مناسبة، وهي كلام جرى من ابن عباس بحضور أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا فتكون الرواية عن المطلب عن أبي هريرة، ويحتمل أن يكون أيضاً قد بلغه عن ابن عباس، وأن ابن عباس أخبره بأنه حصل كذا وكذا، وأن أبا هريرة قال كذا وكذا.
شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله تحت باب: الوضوء مما غيرت النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من الأحاديث في هذا الباب، وكلها في الوضوء مما مست النار، وذكرت فيما مضى أن الوضوء مما مست النار كان أول الأمر، ولكنه قد جاء نسخه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصار ما اشتملت عليه هذه الأحاديث منسوخاً؛ أي: أن أكل شيء غيرته النار، أو مسته النار لا يوجب الوضوء، ولا يترتب عليه نقض الوضوء، فيلزم الوضوء من ذلك، وإنما ذلك الحكم منسوخ بالأحاديث التي أوردها النسائي في الباب الذي بعد هذا الباب، وذكرت فيما مضى أنه استثنى من ذلك الوضوء من أكل لحم الإبل، فإنه يتوضأ منه كما جاءت في ذلك السنة من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الذي معنا حديث أبي هريرة من جملة أحاديث أبي هريرة المتعددة التي جاءت عنه بالوضوء مما مست النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في الوضوء مما مست النار، ويقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (توضئوا مما مست النار)؛ يعني: سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، ولكن الحكم -كما عرفنا- قد نسخ إلا فيما يتعلق بأكل لحم بالإبل، فإنه يتعين الوضوء، ويجب الوضوء للحديث الذي ورد في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم وغيره.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو بندار الذي يأتي ذكره كثيراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كل أصحاب الكتب الستة رووا عنه، فهو شيخ لهم، يروون عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد توفي في سنة 252، وتوفي معه في تلك السنة اثنان من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم: رفيقه محمد بن المثنى، الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد توفوا جميعاً في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ثقة ثبت، الذي هو محمد بن بشار، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا، وأنه بل هو من شيوخهم، بل هو شيخ لهم جميعاً، الذين هم: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا ابن أبي عدي].هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].هو ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، كما وصفه بذلك بعض العلماء، وهو من العلماء العارفين بالجرح والتعديل، له كلام كثير في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن جعدة].وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه ؛ أي: خرج له أصحاب السنن الأربعة في سننهم إلا الترمذي فإنه لم يخرج له في سننه، وإنما خرج له في كتاب الشمائل المحمدية.[عن عبد الله بن عمرو].هو عبد الله بن عمرو بن عبد القاري بتشديد الياء، والقاريِّ نسبة إلى القارة، وهم بطن من بطون مضر، وأما القارئ فهي نسبة إلى من يقرأ القرآن ويعتني بالقرآن، أو صاحب حسن الصوت بالقرآن، فيقال له: القاريِّ، ويقال له: القارئ، بالهمزة، وقد تحذف الهمزة تخفيفاً، وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري، جده عبد، وقد ينسب إلى جده فيقال: عبد الله بن عبد.قال عنه الحافظ: إنه مقبول، وذكر أن حديثه عند مسلم، وأبي داود، وهو أيضاً عند النسائي كما في هذه الأحاديث التي معنا؛ لأنها ثلاثة أسانيد متوالية فيها ذكره، ففي الإسناد الأول: عبد الله بن عمرو، وفي السند الذي بعده: عبد الله بن عمرو روى ذلك النسائي عن شيخين، وأحد شيوخه أضاف القاري.وأما الإسناد الثالث فيقول: عبد الله بن عمرو القاري.وهو مقبول، حديثه عند مسلم، وأبي داود، وكذلك هو عند النسائي.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والسبعة المكثرون من رواية الحديث من الصحابة هو أكثرهم، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً.
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 03:43 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(61)
- تابع باب الوضوء مما غيرت النار
أمر الشارع بالوضوء مما مست النار، ومما غيرت النار، وذلك في بداية الأمر، ثم نسخ هذا وبقي الأمر بالوضوء من لحم الإبل لورود ما يخصه.
تابع الوضوء مما غيرت النار
حديث أبي أيوب: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: أنبأنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو قال محمد : القاري عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضؤوا مما غيرت النار)]. هنا أورد النسائي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤوا مما غيرت النار). وهو بمعنى الأحاديث المتقدمة، وكما عرفنا أن هذا الحكم هو منسوخ.قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار].عمرو بن علي هو الفلاس، الإمام، الناقد، الكثير كلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن بشار هو الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـبندار.[أنبأنا ابن أبي عدي].ابن أبي عدي، وهو في الإسناد الذي قبله.[عن شعبة].وشعبة في الإسناد الذي قبله.[عن عمرو بن دينار].وعمرو بن دينار كذلك هو في الإسناد الذي قبله.[عن يحيى بن جعدة].ويحيى بن جعدة أيضاً في الإسناد الذي قبله.[عن عبد الله بن عمرو].ثم قال: قال محمد : القاري. وعمرو بن علي الفلاس عندما ساق الإسناد قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وما قال: القاري؛ أما محمد بن بشار، فإن في إسناده أضاف إلى ما ذكره عمرو بن علي كلمة: القاري، التي هي نسبته، فقوله: قال: محمد؛ يعني: شيخه في الإسناد، أو أحد الشيخين في الإسناد، اللذين روى عنهما النسائي فإنه ساق الإسناد مساقاً واحداً، ولكنه ذكر أن أحد الشيخين أضاف في التعريف بـعبد الله بن عمرو هذا, بأن قال: القاريِّ؛ يعني: أن هذا الإسناد رواية عمرو بن علي الفلاس مثل الإسناد الذي قبله، وليس فيه القاريِّ.وأما محمد بن بشار فهنا قال: القاريِّ، مع أن محمد بن بشار في الإسناد الأول؛ أي: ليس فيها ذكر: القاري، والرواية هنا اشترك فيها مع عمرو بن علي، والتي جمع بينهم النسائي قال: إن محمداً قال: القاري؛ يعني: أضاف كلمة: القاريِّ، فقوله: قال محمد، فهذه كلمة من النسائي، قالها مشيراً إلى شيخه محمد بن بشار, زاد في التعريف بـعمرو بن علي أن قال: القاريِّ.قوله: [عن أبي أيوب].هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي نزل النبي عليه الصلاة والسلام في داره لما قدم مهاجراً إلى المدينة، وقد جاء الحديث في صحيح مسلم: (أنه لما نزل في داره، وكانت مكونة من دورين، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في الدور الأسفل, وأبو أيوب صار في الدور العلوي، ثم جاء وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول إلى الدور العلوي، وأن يكون هو في الدور الأسفل، وقال: إنه لا يحب أن يكون فوق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا)، والحديث في صحيح مسلم.وأبو أيوب الأنصاري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث أبي طلحة: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حرمي وهو ابن عمارة بن أبي حفصة حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث عن عبد الله بن عمرو القاري عن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما غيرت النار)]. ثم أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا مما غيرت النار)، وهو مثل الذي قبله، مثل حديث أبي أيوب المتقدم، وبلفظه: [(توضئوا مما غيرت النار)]، فهي كلها أحاديث في موضوع واحد، وهو الوضوء مما مست النار، والحكم -كما عرفنا- منسوخ.قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري، وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ثقة, مأمون, سني، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب: إنه أظهر السنة في سرخس بلده، فهو سرخسي، فلهذا يقال له: سني؛ لأن كلمة سني تستعمل في من كان يتبع السنة، أو أظهر السنة، أو يحارب البدع، فيقولون عنه: سني، فلكونه أظهر السنة في بلده سرخس، قيل له: سني، ويقال له: صاحب سنة؛ يعني: اتباع السنة، وابتعاد عن البدع.[وهارون بن عبد الله].هو أبو موسى الحمال، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حرمي].هو ابن عمارة بن أبي حفصة.حرمي هو اسم على صيغة النسب، مثل مكي، وقوله: (هو: ابن عمارة بن أبي حفصة)، هذا هو زيادة تعريف، لكنه ليس من تلاميذه في الإسناد؛ لأن الذين رووا عنه في الإسناد هم: عبيد الله بن سعيد اليشكري، وهارون بن عبد الله، هؤلاء هم الذين رووا عنه، لكن ذكروه بكلمة: حرمي، وما أضافوا إليها شيئاً آخر، والنسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بكلمة ابن عمارة بن أبي حفصة، لكن أتوا بكلمة: (هو) حتى يتبين بأنها زيدت ممن دون التلاميذ؛ لأنها لو لم تزد هذه لفهم أن التلاميذ هم الذين قالوا هذا الكلام، لكن لما كانت الزيادة ممن دون التلاميذ أتي بكلمة: (هو) حتى يعرف أنها زيدت في الإسناد ممن دون التلاميذ، إما من النسائي، أو ممن دون النسائي من أجل التعريف بهذا الشخص، وهو حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي البصري.وأبو حفصة الذي هو جده؛ لأنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، اسمه: نابت، بالنون، ذكر هذا في التقريب، وقال: بالنون، وبالتاء المثناة، ثم قال: وقيل كالجادة، والمراد بقوله: الجادة في اللغة هي: الطريق المسلوك، الذي من كثرة المشي عليه وكثرة السير عليه صار أثراً في الأرض، فهذا يقال له: الجادة، فهنا قال: وقيل: كالجادة، يعني: ثابت؛ لأن ثابتاً لفظ مشهور، ويسمى فيه كثير، وهو لما قال: نابت بالنون وبالتاء؛ لأن هذا اسم غريب, واسم نادر، ثم قال: وقيل: كالجادة، يعني: وقيل: اسم أبيه ثابت، فهو بدلاً من أن يقول: ثابت، قيل كالجادة؛ لأن ثابتاً اسم مشهور، يطلق عليه, أو على مثل هذا يقال له: الجادة.ولهذا فإن الإنسان إذا قرأ مثلاً في كتاب: تبصير المنتبه لـابن حجر أو غيره من الكتب التي تعنى بالمؤتلف والمختلف، والألفاظ التي تتفق في الرسم، عندما يأتي اسم يقول وهو كثير، أو يقول: وهو الجادة كذا، ثم يأتي بالألفاظ التي هي قليلة في الاستعمال، وهي على ذلك قريبة من ذلك الوزن؛ لأن الوزن في نابت، وثابت هو واحد، يعني: الرسم, إلا أن الفرق النقط، هذا فيه ثلاث نقط على الثاء، وهذا نون بدل الثاء، فثابت هذا مشهور الاسم، وهذا هو معنى الجادة، وهذا هو الذي يراد بالجادة، معناه: الكثير في الاستعمال المشهور، ونابت اسم قليل في الاستعمال، ونادر أن يسمى أحد (نابت) فيؤتى بعبارة الجادة.وحرمي بن عمارة هذا هو صدوق يهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا عند الترمذي، أي: خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي.[حدثنا شعبة عن عمرو قال: سمعت يحيى بن جعدة , عن عبد الله بن عمرو القاري].وشعبة هو ابن الحجاج، وهنا اتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.وهذان الشيخان وهما: هارون بن عبد الله، وعبيد الله بن سعيد في روايتهما نسبة عبد الله بن عمرو وأنه القاري؛ يعني: في إسنادهما جميعاً ذكر النسبة، وهي نسبة عبد الله بن عمرو حيث قالوا: القاري بالتشديد نسبة إلى القارة.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، وفي بعض الكتب كثيراً ما يأتي الخطأ، بدل النجاري يقال: البخاري؛ لأن رسم النجاري والبخاري واحد، فيحصل التحريف، والتصحيف, فيقال بدل النجاري: البخاري، وهذا كل ما جاء كلمة الأنصاري، وبعدها النجاري، فيقال: البخاري فهو خطأ؛ لأن الأنصاري لقب عام، والنجاري اسم يطلق على جماعة من الأنصار، فهنا: أبو طلحة الأنصاري النجاري، في نسخة التقريب المصرية: الأنصاري البخاري؛ يعني: تصحيف عن النجاري، وهو من بني النجار، وهو صحابي مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله اثنان وتسعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديث؛ أي: الأحاديث التي له في الصحيحين أربعة.
حديث أبي طلحة: (توضئوا مما أنضجت النار) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن شهاب عن ابن أبي طلحة عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما أنضجت النار)].أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى، ويقول فيه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(توضئوا مما أنضجت النار)]، وهو كالذي قبله.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هارون بن عبد الله هو أحد شيخي النسائي في الإسناد المتقدم.[حدثنا حرمي بن عمارة].وحرمي بن عمارة هو في الإسناد المتقدم.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً متقدم.[عن أبي بكر بن حفص].هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات الأثبات، والأئمة الأجلة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله على الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي ذكروا في ترجمته رحمة الله عليه: أنه كان إذا دخل منزله عكف على كتبه، وعلى ما عنده من الحديث، فكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر، معناه: أنه ينشغل بها كثيراً، وأنها أشد عليها من أن يكون له أربع زوجات هي إحداهن؛ لكثرة انشغاله بكتبه وبعلمه رحمة الله عليه.[عن ابن أبي طلحة].هو عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وهو الذي لما ولد أخذه أنس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحنكه ودعا له، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم, والنسائي.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد حدثنا الزبيدي أخبرني الزهري أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي تحت باب: الوضوء مما غيرت النار. وهي أحاديث عديدة مر جملة منها في الدروس الثلاثة الماضية، وكلها تدل على الوضوء مما مست النار، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وقد ذكرت -فيما مضى-: أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الأحاديث التي في الباب الذي بعده ناسخة له، وأن العمل على تلك الأحاديث المتأخرة، والتي فيها ما يدل على النسخ، ومنها حديث جابر رضي الله عنه: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)؛ يعني: فيكون ترك الوضوء ناسخاً للوضوء.وقد ذكرت أنه يستثنى من ذلك لحم الإبل، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: نعم توضئوا من لحوم الإبل)، فدل على أن الوضوء من لحم الإبل حكم باق، ولهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أورد الأحاديث المنسوخة التي فيها الوضوء مما مست النار، ثم الأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مست النار، ثم أورد الحديث المتعلق بالوضوء من لحم الإبل.والحديث الذي معنا حديث: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا مما مست النار)، وهو كغيره من الأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة، وعن أبي أيوب، وعن أبي طلحة، وعن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو الوضوء مما مست النار.
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)
قوله: [أخبرنا هشام بن عبد الملك].هو ابن عمران الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، أي: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي , وقد تقدم في أول هذا الباب ذكر هذا الرجل، وأنه جاء في إسناد حديث، وكذلك شيخه، وشيخ شيخه، فكلهم جاءوا في إسناد متقدم يروي بعضهم عن بعض.[حدثنا محمد].محمد هنا غير منسوب، وقد مر في الإسناد المتقدم وهو ذو الرقم (172)، قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، فهناك جاء بيان هذا المهمل، وهنا بقي على الإهمال؛ لأنه قد بين هذا المهمل قريباً في إسناد متقدم، وفي الإسناد الذي بعده قال: حدثنا ابن حرب؛ يعني: ذكر نسبته، ولم يذكر اسمه، وهو: محمد بن حرب، وفي الإسناد المتقدم قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، هو مثل هذا, إلا أن فيه إضافة توضيح ممن دون تلميذه الذي هو: هشام بن عبد الملك شيخ النسائي وتلميذ هذا الشخص.إذاً: فذكر ابن فلان من النسائي ومن دونه، فهو أحياناً يأتي محمد, وأحياناً يأتي ابن حرب، وهو حمصي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الزبيدي].هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.وقد مر ذكره في الإسناد المتقدم الذي هو برقم: (172)، فالثلاثة الذين ورد ذكرهم هنا قد مر ذكرهم في ذلك الإسناد وهم: هشام بن عبد الملك، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الزبيدي. والزبيدي هو من أثبت أصحاب الزهري.[أخبرني الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده الزهري، فينسب إلى جده شهاب, فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب, فيقال: الزهري، وزهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، فهو زهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، وهو من الأئمة الأجلة والحفاظ من أهل الحديث والفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، والذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: عمر بن عبد العزيز الخليفة.[أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره].هو عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبوه أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك هذا ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن خارجة بن زيد أخبره].هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وهو أحد الفقهاء المشهورين في المدينة الذين أطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وقد جُمعوا في بيتين ذكرهما ابن القيم، ولا أدري هل البيتان لـابن القيم أم لغيره، وهو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـخارجة هذا الأخير هو الذي معنا في الإسناد، وهو خارجة بن زيد بن ثابت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[زيد بن ثابت].هو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي أسند إليه أبو بكر جمع القرآن، وله اثنان وتسعون حديثاً اتفق البخاري, ومسلم على أربعة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث واحد، وأحاديثه اثنان وتسعون حديثاً.
شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا ابن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته، فسقته سويقاً، ثم قالت له: توضأ يا بن أختي! فإن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث بعد حديث زيد بن ثابت، وهو: عن أم حبيبة أم المؤمنين ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، دخل عليها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس، فسقته سويقاً، وقالت له: توضأ يا ابن أختي! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، فأرشدته إلى الحكم، وهو: أن يتوضأ، وذكرت الدليل على ذلك، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار).فإذاً: فهذا الحديث كغيره من الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء مما مست النار، وهو حكم منسوخ كما ذكرت ذلك مراراً.
تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)
أما إسناد الحديث فأربعة منهم رجال الإسناد الذي قبله، هشام بن عبد الملك الحمصي، وشيخه محمد بن حرب الحمصي، وكذلك شيخ شيخه محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، ثم الزهري.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم أو عد كل واحد منهم السابع من الفقهاء السبعة، لأن الستة متفق على عدهم، والسابع مختلف فيه، هل هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ؟ وهو ثقة، وحديثه وعند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أخبره].هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن أخنس، قال عنه في التقريب: مقبول، ورمز لكونه من رجال أبي داود , والنسائي، يعني: ما خرج له الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه ، وإنما خرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي.[أنه دخل على أم حبيبة].يروي عن خالته وهي أم حبيبة، أم المؤمنين، ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت له وشرب سويقاً: (يا ابن أختي! توضأ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي حديث أم حبيبة من طريق أخرى، والإسناد الذي أورده يتفق مع الذي قبله في آخره، أما أوله فهو يختلف، وأكثر هذا الإسناد من أوله جاء في (173) في أول الباب الذي معنا، والحديث متنه هو متن الحديث الذي قبله، أم حبيبة قالت لابن أختها -أبي سفيان بن سعيد- وقد شرب سويقاً: (توضأ يا ابن أختي! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)، فهو نفس الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود].الربيع بن سليمان، وهنا قال: ابن داود، وفي ذلك الحديث قال: الربيع بن سليمان فقط، فهنا جاء ذكر ابن داود، وابن داود قلنا -فيما مضى- أنه الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وذكرت -فيما مضى- أن النسائي له شيخان كل منهما يقال له: الربيع بن سليمان، أحدهما هذا، وهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، والثاني: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري صاحب الشافعي، فهو هنا الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري.[حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر].وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، وحديثه عند مسلم، والنسائي. [حدثني بكر بن مضر].هو بكر بن مضر، وهو ثقة، وأخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه.[عن جعفر بن ربيعة].هو ابن شرحبيل بن حسنة الكندي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].هو بكر بن سوادة بن ثمامة، وقد مر ذكره، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم بن شهاب].وفي الإسناد المتقدم قال: محمد بن مسلم فقط، وهنا قال: محمد بن مسلم بن شهاب، وهو الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً، وأكثر ما يأتي ذكره بلفظين: ابن شهاب، أو الزهري، أما كونه يأتي باسمه محمد بن مسلم فهذا قليل، وهنا جاء ذكر اسمه، واسم أبيه، وجده ابن شهاب، وليس هو جده القريب, وإنما هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب جد عبيد الله، وعبيد الله هو جد محمد بن مسلم الأول، فهو جد جده، وقد نسب إلى جد من أجداده، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس].وأبو سفيان بن سعيد هو الذي مر ذكره في الإسناد المتقدم.وأبو سلمة وأبو سفيان مر ذكرهما في الإسناد المتقدم، وهذا الذي هو أبو سفيان مقبول، وحديثه عند أبي داود, والنسائي.[أن أم حبيبة].وهي خالته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضها.وهذا الإسناد رجاله أولاً: الربيع بن سليمان بن داود، ثم إسحاق بن بكر بن مضر، ثم بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم أبو سلمة، ثم أبو سفيان، ثم أم حبيبة، تسعة أشخاص، فهو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها، لأن النسائي عنده أسانيد عشارية؛ يعني: عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يمر بنا حتى الآن شيء يزيد على التساعيات التي منها هذا الحديث الذي معنا, والحديث الذي برقم: (173) الذي سبق أن مر ذكره قريباً، وهو الذي أكثر رجاله هم رجال هذا الإسناد، فذاك الإسناد وهذا الإسناد تساعيات، وهي متفقة في أول السند لكنها في أعلى السند تختلف.
ابو الوليد المسلم
01-15-2026, 03:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(62)
- باب ترك الوضوء مما غيرت النار
أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرته النار، ثم نسخ هذا الحكم، وكان آخر الأمرين ترك الوضوء منه.
ترك الوضوء مما غيرت النار
شرح حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء مما غيرت النار.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً، فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.لما أورد الترجمة السابقة لهذه الترجمة وهو قوله: باب: الوضوء مما غيرت النار، وأورد فيه جملة من الأحاديث عن عدد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وعرفنا أن تلك الأحاديث كانت في أول الأمر، وأن هذا الحكم نسخ إلى الترك وعدم الوضوء مما مست النار؛ لأنه جاء حديث جابر بن عبد الله الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة وهو قوله: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، وهو دال على النسخ، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة أحاديث، لكن أصرحها وأوضحها في النسخ هو أن ترك الوضوء هو الحكم الناسخ بحديث جابر الأخير الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.وقد أورد النسائي أحاديث ليست واضحة في النسخ، ولكنها واضحة فيما ترجم له، وذكرت الوضوء مما مست النار، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً، ولم يتوضأ، وأكل طعاماً، ولم يتوضأ، فكانت تلك الأحاديث دالة على ترك الوضوء مما مست النار، وأول هذه الأحاديث حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل كتفاً -كتف شاه- ثم جاءه بلال فآذنه بالصلاة، فخرج وصلى، ولم يتوضأ) يعني: لم يتوضأ بعد هذا الأكل، فهو كان متوضئاً، ثم أكل ذلك اللحم من كتف الشاة، ثم خرج إلى المسجد بعد أن جاءه بلال، وآذنه وأعلمه بحضور وقت الصلاة، فخرج، ولم يتوضأ، فدل هذا الحديث: على ترك الوضوء مما مست النار، لكن هذا لا يدل على النسخ؛ لأن هذا الحديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث أخرى دلت على فعل الوضوء، لكن الدال على النسخ هو حديث جابر الأخير: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) يعني: أن الوضوء كان أولاً، وترك الوضوء كان آخراً، وكانوا يأخذون أي: الصحابة بالأحدث فالأحدث من فعله عليه الصلاة والسلام، فيكون ترك الوضوء هو الحكم الناسخ، والوضوء هو الحكم المنسوخ.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم روى عنهم مباشرة، وهو قرين محمد بن بشار بندار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفق معه في الشيوخ والتلاميذ، وفي البلد وفي أمور متعددة، حتى قال الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان، يريد محمد بن بشار ومحمد بن المثنى الزمن؛ يعني: لا واحد يسبق الثاني.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان الإمام، الحجة، الثبت، المشهور، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي وهو الذي يلقب بـالصادق، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو من الأئمة الإثني عشرية الإمامية الذين يجعلون الولاية والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر إماماً، ويدعون لهم العصمة، بل ويصفونهم بأوصاف تفوق أوصاف الأنبياء، وهذا من الخذلان. وأوضح دليل على وصفهم إياهم أنهم يفضلونهم على الأنبياء والملائكة، والذي قال هذا ليس شخصاً مغموراً، أو يقال أنه شخص جاهل عند الرافضة، بل هو إمام، وزعيم كبير، هلك قبل ثلاث سنوات، ويعتبرونه آيتهم العظمى، ومرجعهم الأعلى، حيث يقول الخميني: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. فهذا الكلام هو مكتوب ومدون ومطبوع، وموجود في كتابه الحكومة الإسلامية في (ص:52)، فهذا الكلام الساقط الباطل هو من أبطل الباطل، فيغلون في الأئمة الاثني عشر.والصادق رحمة الله عليه من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، يعرفون له فضله وقدره، ولكنهم لا يرفعونه فوق منزلته كما لا يرفعون غيره من الأئمة، وإنما طريقهم في هذا هو الاعتدال بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، بل يعرفون لهم فضلهم.ومن كان من أهل البيت وهو من أولياء الله المتقين فقد جمع بين شرف الإيمان وشرف النسب، وإذا كان من أهل العلم والفضل فجمع شرف العلم، ولكن الأساس هو التقوى، فمن وجدت منه التقوى منهم وكان من أهل البيت فقد جمع بين الفضلين وبين الشرفين، ومن كان بخلاف ذلك، ولم يكن من أهل الإيمان والتقوى فالأمر فيه كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والحديث في صحيح مسلم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسووضع الشرك النسب أبا لهبفالإسلام رفع شأن سلمان الفارسي وهو ليس من العرب، ولكن رفعه الإسلام والإيمان وصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأما أبو لهب عم الرسول وهو عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو لهب، وقد أنزل الله فيه سورة من سور القرآن: تَبَّتْ يَدَا أَبِي [المسد:1] فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو أبيه عبد الله، فهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الشرك والكفر وضعه، والإسلام هو الذي رفع الله به سلمان وغير سلمان ممن أكرمه الله بالإيمان.فـجعفر الصادق رحمة الله عليه هو من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه، روى حديثه مسلم، والبخاري في الأدب المفرد، وروى له أصحاب السنن الأربعة، وهو فقيه ومحدث صدوق.[عن أبيه محمد].وهو محمد بن علي المعروف بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة الذي يعرف أهل السنة فضله وقدره ومنزلته، وهو إمام من أئمة الرافضة الذين يزعمون إمامتهم، ويصفونهم بصفات لا يصفون بها الأنبياء والمرسلين كما هو واضح من العبارة التي ذكرتها آنفاً.إذاً: فـمحمد بن علي بن الحسين الملقب الباقر هو إمام من أئمة أهل السنة، رووا حديثه، وحديثه في الكتب الستة عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو -كما قلت- من أئمة أهل السنة، وممن تزعم الرافضة أنه من أئمتهم الذين يغلون فيهم، ويصفونهم بصفات تجاوزوا فيها الحدود.ومما يتبين به ما عند الرافضة من الغلو أن من أصح كتبهم كتاب الكافي، وهو من أشهرها، وهذا الكتاب مشتمل على أحاديث تنتهي إلى أئمة أهل البيت، وهم براء منها بلا شك، وإنما هي كذب وافتراء عليهم وما قالوها، ولا يقولونها رحمة الله عليهم، ولكن هذا من الافتراء عليهم، وفي ذلك الكتاب أبواب منها قوله: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنزلته عندهم كمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.ومن الأبواب التي فيه: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالحق هو ما خرج من عند الأئمة الاثني عشر، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالذي خرج من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وعائشة، وأمهات المؤمنين، وبقية الصحابة فهذا باطل، والحق هو ما كذبوه وأضافوا إلى الأئمة الاثني عشر، والأئمة الاثني عشر براء منه.ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الأبواب باب: أن الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها عند الأئمة، وأنهم يعلمون على اختلاف لغاتهم، فكل ما نزل من السماء من كتاب هو موجود عند الأئمة الاثني عشر، وهم يعلمونها على اختلاف لغاتها، وهذا كاف في بيان ما اشتمل عليه كتاب الكافي من الباطل، ومن الكذب والافتراء على أهل البيت، وهم منزهون عن ذلك.ومن ذلك حديث موجود في الكافي ينسبونه إلى الحسين بن علي يقول: الناس ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، ونحن العالمون؛ يعني: الأئمة، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء. فهذا حديث من أحاديث الكافي، والإنسان إذا عرف مثل هذه الأحاديث، ومثل هذه الأبواب يستشعر نعمة الله عليه بالهداية، وأن الله تعالى من عليه، ولم يزغ قلبه، ولم يجعله من هؤلاء الضائعين، وهؤلاء الهالكين الذين بعدوا عن الحق والصواب، وقالوا ما قالوا من الكذب، والافتراء، ونسبوه إلى جماعة من أئمة أهل السنة، وهم من يزعمون أن أئمتهم المعصومون الذين لا يحصل الحق إلا عن طريقهم، وكل شيء لم يأت من طريقهم فهو باطل.فـمحمد بن علي هذا هو الباقر، وهو إمام من أئمة أهل السنة رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبيه].وهو علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أئمة أهل السنة، ومن الأئمة الاثني عشر الذين غلا فيهم الرافضة، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن زينب بنت أم سلمة].وعلي بن الحسين يروي عن زينب بنت أم سلمة، وبنت أم سلمة نسبها إلى أمها. وأبوها هو أبو سلمة، وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صحابية تروي عن أمها أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وزينب بنت أم سلمة صحابية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أم سلمة].وأمها أم المؤمنين وهي أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أيضاً حديثها عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فحدثتني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)، قال: وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: (أنها قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].هنا أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق سليمان بن يسار التابعي أنه دخل على أم سلمة، وحدثته بحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصبح وهو جنباً من غير احتلام، ثم يصوم)، يعني: أنه كان تصيبه الجنابة في الليل، ثم يدركه الفجر وهو لم يغتسل، فيصوم ويغتسل بعد دخول الفجر، أي: بعد دخول وقت الصيام، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أصبح جنباً سواء كان عن طريق جنابة اختيارية، وهي عن طريق جماع الأهل، أو عن طريق جنابة اضطرارية كالذي يحصل في النوم من الاحتلام، ثم يصبح جنباً ففي الحالين الحكم واحد وأن الصيام صحيح.فـأم سلمة تقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام فيصوم)، يعني: لا يمنعه ذلك من الصيام، فدل على أنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر فعل الجماع في وقت الصيام، وأما كون الإنسان يكون عليه جنابة، وجامع في وقت حل الجماع له وهو الليل، ثم يصبح جنباً لم يغتسل، فلا يؤثر ذلك على صيامه، وليس هذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذا الباب، وإنما المقصود منه الحديث الثاني الذي بعده، وهو أنه قدم إليه جنب مشوي فأكل منه، وصلى ولم يتوضأ. هذا هو محل الشاهد لإيراد الحديث في هذا الباب الذي هو باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.فالحديث الأول لا علاقة له بهذا الباب، ولكنه جاء لأنه حصل التحديث به، وبالحديث المتعلق بهذا الباب.وقوله: (أنه كان يصبح جنباً من غير احتلام).أي: أن الاحتلام إذا كان من الإنسان في المنام وهو من تلاعب الشيطان، فلا يحصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشيطان لا سبيل له إليه، ولا يحصل ذلك عن طريق تلاعبه به في المنام، وهو بريء من ذلك، وسلمه الله من ذلك، أما إذا كان الاحتلام لا يحصل عن طريق الشياطين، ولكن يحصل عن طريق القوة فيحصل خروج ذلك منه في المنام، فهذا ممكن أن يكون قد يحصل بالنسبة للأنبياء، لكن إذا كان الاحتلام يتم ويحصل عن طريق الشياطين، فالأنبياء منزهون من هذا، ومبرءون من هذا، ولا يحصل للشياطين تسلط عليهم.وقوله هنا: (من غير احتلام) كما قال السندي أن هذا للتنصيص على أن الجنابة الاختيارية لا تفسد الصوم، ولا تؤثر في الصوم شيئاً؛ يعني: إذا كانت الجنابة حصلت أو الجماع حصل في وقته المشروع، وأدركه وقت الصيام وهو جنب، فوجود الجنابة لا تؤثر ولو كانت الجنابة اختيارية، فضلاً عن الاضطرارية، فإن الاضطرارية من باب أولى؛ لأن الإنسان في منامه كما هو معلوم غير مختار ومضطر، فحصول شيء من ذلك لا يؤثر عليه شيئاً لا في صيام ولا في غير صيام، ولو أن الإنسان جامع في الحج يعني: قبل التحلل الأول فإن هذا يفسد حجه وعليه بدنة، ويلزمه أن يحج من قابل، وأمور تترتب على هذا، لكن لو احتلم فليس عليه شيء؛ لأن الاحتلام اضطراري ليس للإنسان فيه دخل.وكما قلت: فإن محل الشاهد من إيراد الحديث هو الحديث الثاني المتعلق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم له جنب مشوي وأكل منه، وصلى ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار، ولم يتوضأ بعد ذلك الأكل، فهو مثل الذي قبله إلا أنه لا يدل على النسخ؛ لأن هذا حديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث قبله فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، فليس فيه شيء يدل على النسخ، وهذا يعارض تلك الأحاديث؛ لأن الأحاديث متعارضة، لكن جاء حديث جابر فبين أن ترك الوضوء هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فيكون ناسخاً.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].هو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ابن جريج وهو ثقة، وهو يدلس، ويرسل، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن محمد بن يوسف].وهو الكندي الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب إلا أبا داود، وابن ماجه .[عن سليمان بن يسار].وسليمان بن يسار هو التابعي المشهور، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، ومن الذين جاء ذكرهم كثيراً في كتاب النسائي، وقد مر ذكر سليمان بن يسار وغيره من الفقهاء السبعة، وهو واحد منهم، وأحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أم سلمة].وهي راوية الحديث الذي قبل هذا، والتي روته عنها ابنتها زينب بنت أبي سلمة.[وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته].يعني: الذي هو محمد بن يوسف الذي روى عنها، (وحدثنا) يعني: سليمان بن يسار أنها حدثته.
شرح حديث ابن عباس: (شهدت رسول الله أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج حدثني محمد بن يوسف عن ابن يسار عن ابن عباس أنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. هنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في أنه أكل شيئاً مسته النار، أكله أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ، لكنه لا يدل على النسخ؛ لأنه مجرد إخبار عن أكل وأنه صلى، ولم يتوضأ، ففيه المطابقة لما ترجم له، وهو ترك الوضوء لما مسته النار، لكن كونه ناسخاً فليس فيه ما يدل على ذلك، وإنما الذي يدل على النسخ هو الحديث الذي بعده، وأما الإسناد فهو نفس الإسناد المتقدم إلا ابن عباس؛ لأن الصحابي هو ابن عباس والذي قبله الصحابية أم سلمة، وابن عباس سبق أن مر ذكره، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث جابر الذي هو واضح في النسخ، والذي يقول فيه جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار). وقوله: (الأمرين) أي: الوضوء، والترك، وقوله: (كان آخر الأمرين) أي: الوضوء مما مست النار، وترك الوضوء مما مست النار، وآخرهما كان الترك، فيكون الترك ناسخاً للوضوء مما مست النار، وهذا هو الدليل الواضح على النسخ، فيكون الوضوء مما مست النار ليس بلازم؛ لأن آخر الأمرين من الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فهو ناسخ لما تقدم من الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء؛ وكما هو واضح ففيه الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ، وهو واضح في النسخ، وأن الترك كان متأخراً عن الفعل الذي هو الوضوء.وحديث جابر هذا أخرجه النسائي عن شيخه عمرو بن منصور.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله الوضوء مما مست النار)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور هو النسائي يعني: من بلد النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].وهو علي بن عياش الحمصي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة، وهو حمصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].ومحمد بن المنكدر، هو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى. قوله: [عن جابر].وهو: ابن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جابراً واحداً من السبعة، وهم الذين قال فيهم السيوطي:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر هو أحد السبعة المكثرين الذين زاد حديثهم على ألف حديث، وهذا هو آخر الأحاديث التي أوردها النسائي في باب ترك الوضوء مما مست النار، وهو الواضح في النسخ، والذي قبله ليس فيه ما يدل على النسخ، وإنما الدال على النسخ هو هذا الحديث الأخير.
الأسئلة
منزلة المجدد لسنة الرسول
السؤال: هل يمكن أن يقال: إن المجددين على رأس كل مائة بمنزلة الأنبياء؟ لأن كل منهم إنما يجدد شريعة من قبله.الجواب: لا يكونون بمنزلة الأنبياء، لكنهم وارثو الأنبياء، ووارثو الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمجددون لسنته هم وراثه، وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) فهم طبعاً ليسوا بمنزلة الأنبياء، لكن منزلتهم تفوق منزلة غيرهم، ولكنهم من أتباع الأنبياء، وعلى منهاجهم، وعلى طريقتهم، وهم وراثهم الذين أكرمهم الله عز وجل بحمل ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام.
حكم حبس العصافير
السؤال: ما الحكم فيمن يشتري العصافير ويجعلها في قفص أو يستعملها لغير ذلك؟ وهل يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).الجواب: لا يؤخذ هذا من حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) لأن هذا ما جعله في قفص وحبسه في هذا المكان، وإنما يلعب به مثل الدجاج الذي يكون في البيوت وهو طليق يذهب ويجيء، وأما وضعه في قفص فهذا لا ينبغي أن يفعل؛ لأنه وإن أحسن إليه، وأعطي الطعام والشراب فقد يحصل منه غفلة، أو يحصل منه نسيان، وقد يحصل لهذا الحيوان برد، أو حر، ثم يترتب على ذلك هلاكه بسبب حبسه؛ لأنه لا يستطيع أن يذهب، فالذي ينبغي ألا يفعل هذا وألا يصار إليه، وإنما يترك حبس الطيور، وإذا كانت تتخذ في بيوت وهي تروح وتجيء حرة طليقة فلا بأس في ذلك.
وجه استنباط أولوية العلم من سورة العصر
السؤال: من أين استنبط بعض أهل العلم أولوية العلم في سورة العصر؟الجواب: نعم، الإيمان كما هو معلوم هو مبني على علم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فالإيمان الحقيقي هو الذي ينبني على علم؛ يعني: يؤمن على علم، ويعمل بما علم، ويدعو غيره إلى هذا الذي عمل به، ويصبر على ما يناله في هذا السبيل، فهو مأخوذ من الإيمان وأن الإيمان يكون مبنياً على علم.
السنة بعد الرجوع من سفر وقبل الذهاب إلى البيت
السؤال: هل من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين؟ وهل هذا يكون في القدوم على بلد الإنسان الأصلي؟ أم يشمل أي قدوم من أي سفر؟الجواب: الإنسان إذا قدم من بلد إلى بلده، فالسنة أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، أو إذا قدم إلى بلده، وأما إذا وصل لأي بلد فلا أعلم فيه شيئاً يدل عليه، لكن الحديث جاء في أن الإنسان إذا قدم من سفر إلى المدينة، فإنه يبدأ بالمسجد، ويصلي فيه ركعتين، وهذه من السنن المهجورة التي هجرها الناس، وكونه يأتي من سفر ويذهب إلى المسجد على طول فيصلي ركعتين، ثم يذهب إلى بيته فهذا مما هجره الناس.
مشروعية السفر يوم الخميس
السؤال: هل السفر يوم الخميس من الأمور المستحبة؟ لأنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس؟الجواب: ينظر إلى اللفظ الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ورد عنه أنه كان يحب الخروج يوم الخميس، فهذا لا شك الأمر فيه واضح، وأن هذا اللفظ يدل على أوليته، وعلى استحباب الخروج فيه؛ لأن الرسول ما دام يحب هذا الشيء فالناس يحبون ما يحبه الرسول، وهو كونه يسافر يوم الخميس، لكن كونه يستحب أو أنه فيه شيء فما أدري، والله تعالى أعلم.
ابو الوليد المسلم
01-16-2026, 12:05 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(63)
- (باب المضمضة من السويق) إلى (باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم)
لا يلزم من أكل سويقاً أو شرب لبناً أن يتوضأ، وإنما يكتفي بالمضمضة، ويجب الاغتسال لمن أسلم عند بعض العلماء، وهو من أوائل ما يفعله الكافر إذا أسلم.
المضمضة من السويق
شرح حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من السويق.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة أن سويد بن النعمان رضي الله عنه أخبره: (أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فتمضمض وتمضمضنا، ثم صلى، ولم يتوضأ)].النسائي رحمه الله لما أورد الترجمتين السابقتين وهما: الترجمة الأولى: الوضوء مما مست النار، والترجمة الثانية: ترك الوضوء مما مست النار، أتى بعد ذلك بترجمة وهي: المضمضة من السويق، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أكل سويقاً تمضمض، ولم يتوضأ، وصلى، ولم يتوضأ.والسويق قيل: هو الشعير أو البر، أو الحب، أو الحنطة التي تقلى على النار ثم تتخذ زاداً في السفر أو غيره، فإذا احتيج إليها دقت، ثم صب عليها ماء أو سمن، ثم أكلت، فهي طعام يعتبر جاهزاً؛ بمعنى: أنه لا يحتاج إلى عناء وإلى كلفة؛ لأنه قد هيئ، ولهذا يقال فيه: إنه قوت المسافر، وبلغة المريض، وطعام العجلان، فالذي يريد أن يأكل بسرعة، ولا يحتاج إلى عناء ومشقة في الطبخ؛ كجمع الحطب وما إلى ذلك، فإن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قد حمس على النار، وقلي، ثم يدق، ويصب عليه الماء أو السمن، ثم يؤكل، فهو لا يحتاج إلى كبير مؤنة.والرسول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، عن سويد بن النعمان رضي الله عنه، أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، وأنهم لما كانوا بالصهباء، وهو أدنى مكان من خيبر، (دعا بالأزواد)، يعني: طلب من أصحابه الذين كانوا معه أن يحضروا أزوادهم ليشتركوا فيها، وذلك أن المسافرين أو الجيش عندما يكون مع بعضهم طعام، فإنهم يجمعون أزوادهم، فإذا لم يكن هناك زاد مشترك يغذى منه الجميع وكل يحمل زاده، فإنهم يجمعون أزوادهم، ثم يأكلون منها جميعاً؛ فالذي منه الزاد والذي ليس منه يشتركون فيه، ويجتمعون عليه، فالرسول عليه الصلاة والسلام طلب الأزواد، يعني: أمرهم بأن يحضروا ما معهم من الزاد.قال: (فلم يؤت إلا بالسويق) يعني: أنه ما وجد معهم شيئاً إلا هذا الطعام، وإلا فإنهم يأتون به ولا يتأخرون، وهذا فيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم من قلة ذات اليد، وشدة الحاجة، وأنهم وهم في هذا السفر، وهم في هذا الغزو، لما طلب منهم الأزواد، ما وجد معهم إلا السويق.قال (فأمر به فثري)، يعني: بل بالماء ورش بالماء حتى يؤكل بعد ذلك، وهذا هو معني الفري، وكان هذا بعد صلاة العصر، ثم إنه لما جاء وقت صلاة المغرب قام وتمضمض وتمضمضوا معه، وصلى ولم يتوضأ. والسويق كما هو معلوم مسته النار، فهو دال على ما دل عليه أحاديث الباب الذي قبله، وهو ترك الوضوء مما مست النار.وإنما تمضمض رسول الله عليه الصلاة والسلام ليزيل أثر ذلك الطعام من فمه، حتى لا يبقى منه بقية تشغله في صلاته، والأمر لا يحتاج إلى وضوء، وإنما يحتاج إلى التنظيف بالماء مما علقه، ومما بقي فيه من آثار هذا الطعام الذي هو السويق.إذاً: هذا فيه التنبيه والإرشاد إلى أن من حصل منه أكل شيء -وهو لا يحتاج الأمر فيه إلى وضوء- أنه يتمضمض إذا كان سيبقى في فمه أثر؛ حتى لا يشغله آثار ذلك التي بقيت في الفم عن صلاته، فبحصول المضمضة يحصل التخلص من ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].محمد بن سلمة هو: المرادي، المصري، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه .أما الحارث بن مسكين، فهو أيضاً ثقة، وهو ممن خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وقد مر ذكر هذين الشخصين.[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].وهذا كثيراً ما يحصل من النسائي، إذ أنه إذا قرن الحارث بن مسكين مع غيره، أنه يجعل اللفظ المسوق من لفظ شيخه الحارث بن مسكين.[عن ابن القاسم].ابن القاسم هو: عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وراوي الحديث والمسائل، فهو يروي الحديث، ويروي المسائل الفقهية عن الإمام مالك، وهو من أصحابه المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في كتاب المراسيل، والنسائي.[حدثني مالك].هو الإمام مالك إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، العلم، أحد الفقهاء، والمحدثين، مشهور بالحديث والفقه، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي: مذهب أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد، فهو صاحب مذهب مشهور، حصل له أتباع وأصحاب نشروه وأظهروه، وغير هؤلاء الأربعة لكن ما حصل لهم ما حصل لهؤلاء من وجود أصحاب وأتباع يظهرون فقههم، ويعنون بتدوينه ونشره، منهم مشهورون بالفقه، ومشهورون بالحديث، لكن هذه المذاهب الأربعة انتشرت لوجود أتباع وأصحاب عنوا بها، وقاموا بتدوينها، وجمع مسائلها، ونشرها، والتأليف فيها، فصار لها ذلك الانتشار والظهور.فثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة بعضهم تلميذ لبعض، فـأحمد تلميذ لـلشافعي، والشافعي تلميذ لـمالك، وقد سبق أن ذكرت: أن في مسند الإمام أحمد حديثاً رواه الإمام أحمد عن شيخه الشافعي، والشافعي رواه عن شيخه الإمام مالك، والإمام مالك رواه عمَّن فوقه، ولكن محل الشاهد من ذكره والإشارة إليه: هو أن فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، والحديث هو: (نسمة المؤمن على صورة طير يعلق بالجنة)، والحديث أورده الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله في سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فأورد هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: إن هذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المعروفة يروي بعضهم عن بعض، وهؤلاء الثلاثة كل منهم كنيته: أبو عبد الله.وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن البخاري قال: إن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، كالإمام مالك، هو من أهل المدينة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بشير بن يسار].هوبشير بن يسار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو بالتصغير بشير، وفي التقريب لما ذكر: بَشير وبُشير، بشير ذكر فيه عشرون شخصاً يقال لهم: بشير، وأما بُشير فلم يذكر إلا شخصان، أحدهما هذا، وذلك أن بشير المسمى به كثير، وأما بشير بالتصغير فهذا قليل، وهذا مثل ما أشرت سابقاً أو قريباً عندما جئنا عند ذكر: حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، فقلنا أن أبا حفصة اسمه: نابت، وقيل: كالجادة؛ يعني: ثابت؛ لأن كلمة نابت قليل التسمية، وكلمة ثابت كثير التسمية، فقيل لثابت: الجادة؛ يعني: أنه الطريق المسلوك، فهذا مثل بشير وبشير، بشير يقال له: الجادة، أو التسمية ببشير أو كذا، يطلق عليه الجادة؛ لأن الذي يسمى به كثير، بخلاف بُشير فإنه قليل التسمية، ولهذا في التقريب: بشير اثنان، وبشير عشرون شخصاً، فهذا يصدق عليه أن يقال فيه: الجادة، وهذا هو الذي كما أشرت يفعله ابن حجر في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، عندما يأتي بَشير وبُشير، هذا هو المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في الصيغة لكن يختلفان في النقط والشكل، فهنا يختلفان بالشكل وإلا الصيغة والهيئة واحدة: (ب ش ي ر)، إلا أن هذا بَشير وهذا بُشير، فهذا يسمى في المصطلح: المؤتلف والمختلف، أو المتشابه.وعندما يأتون ويتكلمون على المشتبه، وأن هذا يكون بهذا كذا، يقولون عن الذي تكثر فيه التسمية: الجادة، ثم يذكر الذي على خلاف الجادة الذي هو قليل، ولهذا فبَشير وبُشير يخلص أن يقال فيه ما قيل في هذا الموضوع، بأن بَشير هو الجادة، وأنه كثير التسمية به، وأما بُشير فهو قليل التسمية.[أن سويد بن النعمان].سويد بن النعمان هذا صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه البخاري، والنسائي، وابن ماجه ، وله سبعة أحاديث، وهو مقل من الحديث، ولم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، وهذا يسمونه الوحدان، يعني: من لم يرو عنه إلا واحد يسمى الوحدان، وهذا سويد بن النعمان لم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، شخص واحد، ما عرف بالرواية عنه إلا بشير بن يسار.
المضمضة من اللبن
شرح حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من اللبن.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً)].هذه الترجمة وهي: المضمضة من اللبن، أورد النسائي تحتها حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه شرب لبناً، ثم دعا بماء، فتمضمض، وقال: (إنه له دسماً)، يعني: أن هذه المضمضة من أجل الدسومة التي فيه، فهو يريد أن يذهب آثار الدسومة عن فمه، وهذا من النظافة، وعدم وجود أثر الطعام في الفم، الذي قد يشغل الإنسان بطعمه وبوجوده في فمه، أو قد يترتب على ذلك مضرة، حيث يبقى في الفم مثل هذه الآثار، فهو يدل على الإرشاد والتنبيه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذي أكثر من الرواية عنهم، ولهذا يأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي يروي عنه، وهو أول شيخ روى عنه في سننه. [حدثنا الليث].الليث هو: ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور في مصر، محدث مصر وفقيهها، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الأشخاص المعروفين أنه إذا روى عن مدلسين، فإنه لا يروي عنهم إلا ما ثبت سماعهم له، فهذا هو الليث بن سعد رحمة الله عليه.[عن عقيل].عقيل هو: عقيل بن خالد، أبو خالد الأيلي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فعقيل هو أيضاً من الأسماء القليلة، وعقيل مما يسمى به كثيراً، ولهذا في التقريب ورد أسماء عديدة لعلها ستة أسماء باسم عقيل، وأما عقيل بالتصغير ما فيه إلا شخص واحد، وهو: عقيل بن خالد الأيلي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن كنيته: أبو خالد، وأبوه: خالد، فهذا مما عدوه من أنواع علوم الحديث؛ لأن معرفة هذا النوع قالوا فيها: إن فيها الأمن من التصحيف، فالإنسان إذا عرف أن كنيته أبو خالد، وأن اسم أبيه خالد، فلو جاء مرة بكنيته ومرة باسمه، يكون كله صواباً، لكن الذي لا يعرف إلا أنه عقيل بن خالد، لو رواه مرة عقيل أبو خالد، ممكن يقول: (أبو) هذه مصحفة عن (ابن)، لكن من عرف أن كنيته أبو خالد، فإنه إذا جاء عقيل أبو خالد فهو صواب، وإن جاء عقيل بن خالد فهو صواب، ولذلك أمثلة عديدة مرت بنا، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وغيره من الأسماء الكثيرة التي تأتي يتفق اسم أب الراوي مع كنيته.[عن الزهري].الزهري، هو الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أول من قام بجمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب، وأيضاً مشهور بنسبته إلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب أحياناً، ويقال له: الزهري أحياناً، وأحياناً قليلة يأتي اسمه: محمد بن مسلم، وهذا قليل جداً، وإنما الكثير ابن شهاب أو الزهري.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، والذين أشرت سابقاً إلى أن ابن القيم جمعهم في بيتين ذكرهما في أول كتابه إعلام الموقعين، ولا أدري هل البيتان له أو لغيره؟ والبيتان هو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجهفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةسبعة في البيت الثاني، هؤلاء الفقهاء يقال لهم: الفقهاء السبعة في المدينة، وهم محدثون وفقهاء، وستة منهم متفق عليهم أنهم من السبعة، والسابع مختلف فيه، فقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو الذي ذكره ابن القيم، فهذا هو السابع على أحد الأقوال، وقيل: إنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بدل أبو بكر بن عبد الرحمن، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأما الستة الباقون فهم متفقون على عدهم، وهم الموجودون في هذا البيت: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عروة بن الزبير بن العوام، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، سعيد بن المسيب، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم.[عن ابن عباس].هو ابن عباس رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي وعمره خمسة عشر عاماً؛ لأنه في حجة الوداع يقول: كنت ناهزت الاحتلام، وجاء على حمار أتان، وقال: كنت غلاماً، قد ناهزت الاحتلام، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بأشهر قليلة؛ ثلاثة شهور، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العبادلة الأربعة في الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو. وفي الصحابة كثيرون يقال لهم: عبد الله، لكن اشتهر هؤلاء الأربعة بأنهم العبادلة، وليس فيهم ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود متقدم عنهم، وهو أكبر منهم، وكان من كبار الصحابة، وممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة 32 للهجرة، وأما هؤلاء فوفاتهم بعده بمدة طويلة، وهم متقاربون بالسن، ولهذا يقال لهم: العبادلة.وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين يقول فيهم السيوطي في ألفيته: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-16-2026, 12:07 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(63)
ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه - غسل الكافر إذا أسلم
شرح حديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه - غسل الكافر إذا أسلم. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن الأغر وهو: ابن الصباح عن خليفة بن حصين عن قيس بن عاصم رضي الله عنه: (أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر)].أورد النسائي عنواناً عاماً، وهو: ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، وقد ذكر قبل هذا ترجمة عامة وهي ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، ثم أورد عدة من الأبواب بعد هذا العنوان العام، منها ما ينقض ومنها ما لا ينقض، وهنا لما فرغ من ذلك، وعقبه ببعض المسائل المتعلقة بذلك التي ليس فيها وضوء، وليس فيها إيجاب وضوء، وهو مثل أكل السويق والمضمضة، وشرب اللبن، وما إلى ذلك، هذا مما لا يوجب وضوءاً.بعد ذلك قال: ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، فهذا عنوان عام، يأتي تحته عناوين خاصة، العنوان الأول: غسل الكافر إذا أسلم، أورد تحت هذه الترجمة حديث قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، وأمره إياه بالاغتسال بعد الإسلام؛ لأن قوله هنا: (أسلم فأمره)، يعني: أنه وجد الإسلام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، حتى يذهب عن جسده ما فيه من نجاسة بسبب الشرك والكفر؛ لأن الكفار لا يتنزهون، وقد يكون عليه جنابة، فالاغتسال للكافر فيه تنظيفه وتطهيره من أن يكون في جسده شيء من النجاسات، ولا يلزم أن يكون الاغتسال قبل الإسلام؛ لأن المبادرة إلى الإسلام مطلوبة، وبعد أن يدخل في الإسلام، ويطهر بهذه النعمة التي هي أعظم النعم، يغتسل، وإن اغتسل قبل ذلك لا بأس، مثلما جاء في الحديث الذي بعد هذا؛ حديث ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه، فإنه اغتسل أولاً، ثم جاء وأسلم.وجمهور العلماء على أن الاغتسال للكافر مستحب، ومن العلماء من أوجبه لحصول الأمر به.قوله: (أن يغتسل بماء وسدر).يعني: هذا من كمال التنظيف، ولا شك أن هذا شيء طيب، يعني: أن هذا فيه كمال التنظيف، أما الصابون فيمكن يؤدي ما يؤديه السدر.
تراجم رجال إسناد حديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس المحدث، المشهور، النقاد، المعروف بالجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي، يروي عنه النسائي أحاديث كثيرة، وكثيراً ما يأتي قول النسائي: أخبرنا عمرو بن علي الذي هو: الفلاس.[حدثنا يحيى].يحيى هو ابن سعيد القطان المحدث، المشهور، المعروف بكلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأغر].الأغر هو ابن الصباح، وسفيان عبر بـالأغر فقط، ما قال: ابن الصباح، لكن الذين دونه وهم: يحيى بن سعيد القطان، أو عمرو بن علي الفلاس، أو النسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بنسبته وهي قولهم: هو ابن الصباح، ولما أتوا بها، وهي ليست من التلميذ أتوا بكلمة (هو) الدالة على أنها زيدت ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول: هو ابن فلان، وإنما يسميه كما يشاء، ممكن أن يأتي بسطرين يمدحه، ويثني عليه، ويذكر نسبه، وقد يذكر نسبه إلى ذكر عدة أجداد له؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما يقول: حدثنا شيخنا فلان بن فلان بن فلان، الإمام، الثقة.. إلخ، يقول ما يشاء، لكن من دون التلميذ هو الذي يزيد إذا أراد أن يزيد ما يوضح، لكن يأتي بكلمة (هو) أو يأتي بكلمة (يعني)، أو (الفلاني)، أو (هو الفلاني)، أو (يعني الفلاني)، أو (يعني ابن فلان)، فكلمة (هو) تشعر بأن هذه زيادة ممن دون التلميذ، وفائدتها: التنبيه على أن التلميذ ما قالها، ولو قالوا: الأغر بن الصباح لفهم من أول وهلة أن سفيان هو الذي قال: ابن الصباح، لكن لما جاءت كلمة (هو) عرفت أنها ليست من سفيان، وإنما هي ممن دون سفيان، وهذه تأتي كثيراً في الأسانيد (هو) أو (يعني ابن فلان)، وهذا هو معناها.والأغر بن الصباح هذا كوفي، وهو تميمي، منقري بالولاء، يعني: مولى بني تميم، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له الشيخان ولا ابن ماجه .[عن خليفة بن حصين].خليفة بن حصين هذا جده قيس بن عاصم الذي جرى عنه في هذا الإسناد؛ لأنه خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، فهو يروي عن جده قيس هنا في الإسناد، وخليفة بن حصين هذا ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي فهو مثل تلميذه الأغر بن الصباح، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن قيس بن عاصم].قيس بن عاصم هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر المنقري التميمي؛ يعني: ينسب إلى جده منقر فيقال: منقري، وينسب نسبة عامة فيقال: التميمي، والمنقري نسبة خاصة؛ لأن منقر من تميم، وينسب نسبة عامة، فيقال: المنقري، ويقال: التميمي.وقيس هذا صحابي، مشهور بالحلم، ومشهور بالجود، والكرم، ويقال: إنه قيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ وهو مشهور بالحلم، فقال: من قيس بن عاصم.وقيس بن عاصم هذا الصحابي الجليل خرج حديث أيضاً أبو داود، والترمذي، والنسائي، مثل حفيده والذي روى عن حفيده؛ لأنهم ثلاثة على الولاء كلهم خرج لهم ثلاثة من أصحاب السنن، ما عدا ابن ماجه ، وأيضاً ذكر في تهذيب التهذيب أنه خرج له البخاري في الأدب المفرد، وفي نسخة التقريب المصرية ما فيه إلا البخاري في الأدب المفرد، لكن في تهذيب التهذيب خرج له البخاري في الأدب المفرد، وخرج له أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه .وقيس بن عاصم هذا لما توفي رثاه عبدة بن الطيب في أبيات يقول فيها:عليك سلام الله قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحماثم ذكر بيتاً مشهوراً يعتبر بمثابة المثل الذي يضرب عندما يموت شخص كبير؛ يعني: إنسان يعتبر له منزلة كبيرة، وموته يعتبر فيه نقص كبير على المسلمين، يتذكر هذا البيت، يقول فيه:وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدمايعني: ما موته موت شخص واحد، وإنما هو بنيان قوم تهدما، معناه: أنه قوم عندهم شخص له منزلة عظيمة، وقد حصل بموته هذا الخطب العظيم، والمصيبة الكبيرة.عندما يذهب شخص له منزلة كبيرة، وفائدته عظيمة للمسلمين، ينقدح في ذهن الإنسان هذا البيت؛ لأنه يدل على عظم المصيبة، وعلى كبرها، وعلى عظم حجمها، وأنا تذكرت هذا لما توفي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، في عام 1389هـ، وكان رجلاً عظيماً من نوادر الرجال، ومن الأفذاذ في هذه البلاد الذين لهم منزلة، ولهم هيبة، ولهم مكانة في النفوس، ويعتبر سداً منيعاً، ولما مات حصل بموته مصيبة كبيرة، فأنا تذكرت هذا البيت في ذاك الوقت، وكنت كتبت في وقتها كلمة عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، وأوردت فيها هذا البيت؛ يعني: هذا البيت الذي رثى به عبدة بن الطيب قيس بن عاصم، فذكرته مستشهداً، فقلت: إن هلاكه ليست مصيبة فرد، أو مصيبة عائلة، أو مصيبة جماعة، وإنما هي مصيبة أمة، ومصيبة عامة، وأن هذا البيت ينطبق عليه، ويناسب أن يذكر هذا البيت:وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدماوقيس بن عاصم رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المشهورين بالحلم، وبالكرم، والجود، وكان زعيماً، كبيراً، ومشهوراً في قومه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم
شرح حديث أبي هريرة في تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر)] وفي بعض النسخ مختصر.النسائي يقول: تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم. وأورد فيه قصة إسلام ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفيه: أنه ذهب إلى نخل أو نجل؛ يعني: في بعض النسخ نجل، وفي بعضها نخل، ونخل هي الأوضح؛ لأن نخل فيه ماء، وقيل: إن نجل يعني: أن فيه ماء ينبع، لكن الموجود في البخاري وفي غيره أنه نخل، يعني: إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، فاغتساله قبل إسلامه إنما حصل بفعله وليس بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إياه، والحديث الذي قبله فيه: أنه أسلم فأمره أن يغتسل، ومن المعلوم أن المبادرة بالإسلام أولى من تأخير الاغتسال؛ لأن تأخيره قد يصيبه الموت قبل أن يسلم، فكونه يبادر إلى الإسلام ثم يغتسل هذا هو الذي ينبغي، وهذا هو الذي حصل في مثل قيس بن عاصم رضي الله عنه.وأما هذا الذي في الحديث فهو من فعل ثمامة بن أثال، أنه اغتسل ثم جاء وأسلم، وشهد لله عز وجل بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.والحدي� � أورده هنا مختصراً، وأشار إليه في آخر الحديث، قال: مختصر؛ يعني: أنه ذكر الحديث مختصراً، والحديث مطول ذكره البخاري وغيره، وفيه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً قبل نجد، فوجدوا ثمامة بن أثال، فأتوا به، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءه يوم وقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط ما شئت، فتركه، فجاء من الغد وقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال مثلما قال بالأمس، قال: عندي الذي قلته: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه، فلما جاء من بعد الغد جاء إليه، وقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: مثل الذي قال، فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه ذهب إلى نخل قريب من المسجد واغتسل، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: يا محمد! إن وجهك كان أبغض الوجوه إلي، وإنه الآن أحب وجه على وجه الأرض إلي، وإن دينك كان أبغض الأديان إلي، وإن دينك الآن أحب الأديان إلي، وإن بلدك كانت أبغض البلاد إلي، وإن بلدك الآن هي أحب البلاد إلي) كل هذا في البخاري وهو الذي أشار إليه هنا بقوله: مختصر.ثم قال: (يا رسول الله! إن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة -يعني: كان ذاهب للعمرة- فأخذته الخيل، وجاءوا به إلى المدينة، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل له من الإسلام، وأمره أن يعتمر، فذهب إلى العمرة من المدينة، ولما جاء إلى مكة صار كفار قريش يشيرون إليه ويقولون: هذا صبأ -يعني: أنه دخل في دين غير دينه- فقال: أنا أسلمت مع محمد لله رب العالمين، وهو سيد أهل اليمامة، وكانت الحنطة تأتي إلى مكة من اليمامة، فقال: ووالله لن يأتيكم حبة حنطة من اليمامة إلا إذا أذن لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه)، وحصل منه هذا الموقف العظيم.والبخاري ذكره في بعض المواضع مختصراً وفي بعضها مطولاً، وهذا الموضع الذي أشرت إليه هو في المغازي؛ يعني: في الوفود، وقد ذكره مطولاً، وفيه هذه المحاورة والكلام الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ثمامة بن أثال الحنفي اليمامي.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي مر في الإسناد الذي قبله.[حدثنا الليث].هو: الليث بن سعد أيضاً مر في الذي قبله.[عن سعيد بن أبي سعيد].سعيد بن أبي سعيد هو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه، هو أحد الصحابة المكثرين، بل هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً. ورجال هذا الإسناد الأربعة خرج لهم أصحاب الكتب الستة، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهذا إسناد رباعي ليس بين النسائي فيه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أشخاص: قتيبة، والليث بن سعد، وأبو سعيد المقبري، وأبو هريرة؛ ولأنه ليس عنده أسانيد ثلاثية.
الأسئلة
توجيه معرفة ثمامة للغسل قبل الإسلام
السؤال: كيف عرف ثمامة الغسل قبل أن يسلم وقبل أن يدخل في الإسلام؟الجواب: لعله عرف أن هذا هو شأن المسلمين إذا أرادوا أن يسلموا، أو لعله أراد بأن يتنظف وأن يتطهر، فقد يكون علم هذا.
مفهوم سلس البول
السؤال: ما مفهوم سلس البول؟ وهل لصاحب سلس البول أن يستنجي قبل دخول الوقت؟الجواب: صاحب سلس البول هو الذي يخرج منه البول دائماً، ويحصل منه قطرات البول، ويتوضأ عند كل صلاة، ويناسب أنه يرش على فرجه شيئاً من الماء؛ حتى لا يحصل تشويش عليه، ولو حصل بعد ذلك منه خروج البول فإن ذلك لا يؤثر؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فهو يتوضأ لكل صلاة، ومثله المستحاضة التي جاء في الحديث أنها تتوضأ لكل صلاة، فالذي به سلس البول مثل المستحاضة.لكن هل لصاحب سلس البول أن يستنجي قبل دخول الوقت؟الجواب: لا ما يستنجي، هذا يكون عند دخول الوقت؛ يعني: إذا أراد أن يتوضأ يستنجي؛ لأنه كما هو معلوم الوضوء لابد فيه من الاستنجاء إذا كان هناك نجاسة، أما إذا لم توجد نجاسة فالوضوء كما هو لا يحتاج إلى الاستنجاء، فالاستنجاء عند خروج الخارج. إذاً فلا يستنجي، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، أما إذا أراد أن يتنظف قبل دخول الوقت فله أن يفعل ذلك.
حكم هدم بعض المساجد المتقاربة
السؤال: فضيلة الشيخ! عندنا في بلادنا بعض المساجد قريبة جداً من بعضها الآخر، وعدد المصلين في كل مسجد قليل جداً، بحيث أنهم يعدون على الأصابع، فهل يجوز هدم أحد هذه المساجد أو تلك المساجد؟الجواب: إذا كان القرب شديداً فلا ينبغي أن تكون المساجد كذلك، وأما إذا كان بينها شيء من التباعد، والذهاب إلى المكان الآخر فيه مشقة، فتعدد المساجد لا بأس به، ولو أزيل أحد المساجد، واكتفي بمسجد آخر، فإنه لا بأس إذا كان القرب شديداً، وأما إذا كان هناك تباعد فالمساجد تبقى.
بيتان في عدم الافتخار بالنسب
السؤال: فضيلة الشيخ! نرجو ذكر البيتين الذين ذكرتهما في عدم الافتخار بالأنساب؟الجواب : يقول:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسووضع الشرك النسيب أبا لهبوهذان البيتان كما ذكرت سابقاً موافق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، فهو المبين لهذا المعنى.
كيفية معرفة أوهام الثقات
السؤال: كيف يعرف المحدثون أن فلاناً الثقة أقل أوهاماً من فلان الثقة؟الجواب: الثقات يعرفون كون بعض الثقات أقل أوهاماً من بعض؛ وذلك بحصر أغلاطهم، وبحصر أوهامهم، فإذا حصر الأوهام وأرادوا أن يقارنوا بين شخصين، يحصرون أغلاط كل واحد منهم وأوهامه، ثم يقارنون بينها أيها أكثر؟ فمن كان أكثر صار أقل، ومن كان أقل صار أدنى، وهذه هي الطريقة التي بها يميزون بين الأشخاص الذين في القمة، أيهم يقدم؟ وأيهم أوثق؟ وأيهم أعظم حفظاً؟ وأشد حفظاً؟
أي المذاهب يرى العمل بالمرسل
السؤال: أي المذاهب الأربعة يرى العمل بالحديث المرسل؟الجواب: لا أدري من يرى العمل بالحديث المرسل من أصحاب المذاهب الأربعة.
الزمن والوقت المناسب لقيام طالب العلم بواجبه في نشر العلم
السؤال: متى يبدأ طالب العلم بنشر ما تعلمه ويدرسه؟ هل يكون ذلك بعد مدة الطلب على المشايخ، أم أنه كلما تعلم شيئاً من العلم ينقله ويدرسه، سواء في المسجد أم في البيت؟الجواب: هو كونه يتعلم، وكونه يجتهد في طلب العلم، ويشغل نفسه في طلب العلم، هذا هو الذي ينبغي، ولكنه إذا وجد أناساً مثلاً يعلمهم ما عنده، أو بعض ما عنده، هذا شيء طيب، بعد أن يكون متحققاً وأن يكون عارفاً بذلك الشيء الذي سيدرسه مثلاً: إنسان يدرس الثلاثة الأصول، ويدرس هذه الكتب المفيدة التي فائدتها عظيمة للناس، والتي يحتاج إليها الصغار والكبار، ويحتاج إليها العوام وغير العوام، مثل هذه الأشياء التي الناس بحاجة إليها وإلى معرفتها، إذا علمها غيره فهذا شيء طيب، ولكن كونه يعتني في الطلب، والجد، والاجتهاد، والاشتغال، هذا هو الذي ينبغي، وإذا احتيج إليه، أو علم مثل هذه الأشياء التي الناس بحاجة إليها، والتي هي مختصرة ومفيدة، والتي يحتاج إليها العوام والخواص، والصغار والكبار، هذا شيء طيب.وهو يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)؛ لأن الإنسان إذا علم شيئاً يعلمه غيره، ويبلغه غيره، لكن إذا كان الإنسان في الطلب يجتهد في الطلب ولا يشغل نفسه في التعليم؛ لأنه لو شغل نفسه في التعليم قد يدفعه ذلك، أو يقلل منه الإقدام على الطلب، والاشتغال في الطلب.
حكم الوضوء من شحم الإبل
السؤال: هل شحم الإبل وكبده وبقية أعضائه تأخذ حكم اللحم في نقض الوضوء؟الجواب: كما هو معلوم أن اللحم غير الشحم، لكن الإنسان يتوضأ من الشحم، ومن استعمال الشحم؛ لأن المعنى الموجود في اللحم موجود فيه، فكونه يتوضأ من ذلك لا شك أنه هو الأوضح، وهو الأسلم وهو الأحوط.وإذا شرب مرق الإبل فلا يقال أنه أكل لحماً، وعلى هذا لا يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن المرق لا ينقض الوضوء؛ لأنه ما يقال: أنه أكل لحماً.
سبب نقض الوضوء من لحم الإبل
السؤال: اشتهر عند كثير من الناس أن سبب نقض الوضوء من لحم الإبل هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه ذات يوم، ووجد من أحدهم ريحاً، وما أراد أن يظهر ذلك الرجل أمام الناس، فقال: (من أكل لحم جزور فليتوضأ).الجواب: لا، هذا غير صحيح، فالذين يذكرون أنها قصة ما أدري عن ثبوتها، ولا أدري أين وجدتها، وأين رأيتها، ولكنها مما يدل على الفراسة، ما أدري هل هي في الطرق القطبية في الفراسة أو في غيرها، أنهم كانوا جالسين، فخرج من أحدهم ريحاً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يستحي من الحق، ليقم من أحدث، فليتوضأ، وكأنه ما قام أحد، فقال أبو بكر: ألا نقوم كلنا فنتوضأ يا رسول الله! فقاموا وتوضأوا)، وهذا طبعاً من الفراسة؛ لأنهم إذا توضأوا كلهم فالذي حصل منه نقض للوضوء توضأ.
ابو الوليد المسلم
01-16-2026, 12:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(64)
- باب الغسل من مواراة المشرك - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان
بين الشارع الأمور التي توجب الاغتسال، ومن ذلك: الاغتسال لمن وارى المشرك، وإذا التقى الختانان؛ ختان الرجل وختان المرأة وإن لم يحصل إنزال.
الغسل من مواراة المشرك
شرح حديث علي في الغسل من مواراة المشرك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الغسل من مواراة المشرك.أخبرنا محمد بن المثنى عن محمد حدثني شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أبا طالب مات، فقال اذهب فواره، قال: إنه مات مشركاً، قال: اذهب فواره، فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: اغتسل)].يقول النسائي رحمه الله: الغسل من مواراة المشرك؛ يعني: ممن يتولى دفنه، فمن يقوم بموارته من المسلمين فإن عليه أن يغتسل، هذا هو المقصود في هذه الترجمة التي أوردها النسائي. وقد أورد فيها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لما توفي أبوه أبو طالب، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فواره، قال: إنه مات مشركاً، قال: اذهب فواره، فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: اغتسل)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (اغتسل) لما وارى أباه المشرك، والحديث دال على الاغتسال من مواراة المشرك، كما ترجم له المصنف.وقد اختلف العلماء في حكم ذلك؛ فجمهورهم على أن هذا الاغتسال إنما هو مستحب، ومنهم من قال: بالوجوب، وإنما قيل في حكمة الاغتسال من مواراة المشرك؛ لأن المشركين لا يتنزهون من النجاسات، فمن يلامسهم لا يسلم من أن يناله شيء مما فيهم من النجاسات؛ لأنه يدفن على هيئته دون أن يغسل، فيكون ما فيه من نجاسة قد يعلق, أو قد يصل إلى من واراه ومن لامسه شيء من ذلك.وفي الحديث: أن أبا طالب مات مشركاً، ولم يكن من المسلمين، وقد كان على الكفر إلى نهاية أمره، وهذا الحديث دال على موته على الشرك، ومما يدل على موته على الشرك الحديث الآخر الذي في الصحيحين: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه وقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده بعض المشركين، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعاد، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب)، ومات على ذلك، فهذا أيضاً مما يدل على موته على الشرك وعلى الكفر.وحديث علي هذا أيضاً كذلك، وهذا هو الثابت المشهور الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والرافضة يقولون: إنه مات مسلماً، وفيهم من ألف مؤلفاً في إسلام أبي طالب، وأنه مسلم، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: إنه لا يثبت من ذلك شيء، بل كل ما فيه لا قيمة له، والذي ثبت وصح هو كونه مات على الشرك.ومن المعلوم أن الرافضة الذين يزعمون أن أبا طالب مات على الإسلام، يقابلون ذلك بأن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، الذين هم طليعة المسلمين، وهم الرعيل الأول، وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، وهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم كفار، ولا يستثنون من التكفير إلا العدد القليل، ويقولون: إنهم ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام! وأنهم ظلموا! وأنهم أخذوا الحق الذي لا يستحقونه! وأن الحق كان لعلي رضي الله عنه وأرضاه، ومن المعلوم: أن علياً رضي الله عنه وأرضاه معروف بالشجاعة، ومعروف بالكلام بالحق، ومع ذلك لما حصل ما حصل، ما قال: إنني أنا الوصي، وأنا الخليفة، وأنكم أخذتم حقي، ما قال هذا ولا جاء عنه. فقولهم عنهم: إنه ظلم مع سكوته معناه: أنهم وصفوه بأنه جبان، مع أنه الشجاع رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فالحاصل أن أبا طالب -كما جاء في هذا الحديث- مات مشركاً, ولم يكن من المسلمين، وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن أعمام النبي صلى الله عليه وسلم الذين أدركهم الإسلام أربعة. وهم: العباس، وحمزة رضي الله عنهما، وأبو لهب، وأبو طالب، فاثنان منهما أكرمهم الله عز وجل بالإسلام، واثنان منهما خذلا, فلم يكونا من المسلمين؛ وأبو لهب أنزل الله تعالى فيه سورة تتلى، وأبو طالب ثبتت الأحاديث بموته على الشرك.ثم قال الحافظ ابن حجر: ومن عجيب الاتفاق أن الذين أسلموا، أسماؤهم تناسب أسماء المسلمين؛ لأن هذا حمزة والعباس، والذين ماتا كفاراً، أسماؤهم ليست أسماء إسلامية، ومما يقره الإسلام؛ لأن أحدهم: عبد العزى، والثاني: عبد مناف، وهما مشهوران بكنيتيهما، فهما معبدان لغير الله، فقال: إن أعمام الرسول صلى الله عليه وسلم الذين أدركهم الإسلام اثنان اللذان أسلما، وأسماؤهم تماثل أسماء المسلمين، وتناسب أسماء المسلمين؛ العباس، وحمزة، وأما الآخران اللذانِ لم يسلما فأحدهما: عبد العزى، والثاني: عبد مناف.
تراجم رجال إسناد حديث علي في الغسل من مواراة المشرك
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو: الملقب بـالزمن، محمد بن المثنى العنزي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة.[عن محمد].هو ابن جعفر الملقب: غندر، وهذا هو محمد الذي لم ينسب هنا؛ لأنه معروف بالرواية عن شعبة، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار مكثران من الرواية عنه , وهو من الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني شعبة].شعبة هو ابن الحجاج , الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من أعلى مراتب التعديل؛ ومن أعلى صيغ التعديل، أن يوصف الشخص بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والذين وصفوا بأنهم أمراء المؤمنين في الحديث قلة، وعددهم قليل، جمعهم محمد الحبيب الشنقيطي في منظومة الذين يلقبون بوصف أمير المؤمنين في الحديث، ومنهم: شعبة، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: معن بن عيسى، ومنهم عدد, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق]. أبو إسحاق هو: السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت ناجية بن كعب].وناجية بن كعب ثقة، وحديثه عند أبي داود , والترمذي، والنسائي.[عن علي].علي رضي الله تعالى عنه، هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب أهل الشورى الستة, الذين جعل الأمر إليهم عمر بعد وفاته رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ ليختاروا خليفة منهم، وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصهره زوج ابنته فاطمة، ومناقبه جمة كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وجوب الغسل إذا التقى الختانان
شرح حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت الحسن يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع, ثم اجتهد، فقد وجب الغسل)].هنا أورد النسائي رحمه الله الغسل عند التقاء الختانين؛ ختان الرجل وختان المرأة.وختان الرجل هو: مكان قطع الغلفة التي على رأس الذكر؛ يعني: مكان القطع. وختان المرأة المكان الذي يكون فيه الخفض، وهو قطع شيء منها. فإذا التقى الختانان، ثم جهدها، فقد وجب الغسل.فبمجرد التقاء الختانين، بحيث يلتقي مكان ختانه بمكان ختانها، ثم يجهدها، ويجتهد -وهو كناية عن محاولة الجماع- فإنه يجب الغسل، وإن لم ينزل، فليس بشرط أن ينزل ماءً، وأن يحصل خروج المني، وأن تحصل اللذة، فليس هذا بشرط، بل إذا حصل هذا الأمر الذي أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب الغسل. وقد جاء في بعض الأحاديث: (إنما الماء من الماء)؛ يعني: إن الاغتسال يكون بسبب خروج الماء الذي هو المني، ولكن حديث أبي هريرة رضي الله عنه -الذي معنا- دال على أن الأمر ليس مقيداً بحصول خروج الماء، وإنما يكون بمجرد التقاء الختانين، وإن لم يحصل إنزال وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء. إذاً: إذا التقى الختانان, فإنه يجب الغسل, وإن لم يحصل إنزال، وفي بعض الروايات لهذا الحديث: (وإن لم ينزل)، وهو دال دلالة واضحة على أن الإنزال ليس بشرط، وإنما الأمر الواجب يتحقق بحصول التقاء الختانين، أما إذا حصل الإنزال فإن الغسل واجب، سواء حصل إيلاج، أو حصل التقاء الختانين، أو لم يحصل شيء من هذا، فمتى ما حصل إنزال المني وخروج المني فإن الواجب هو الاغتسال.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو: الصنعاني, وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].خالد هو ابن الحارث، وكثيراً ما يأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى لا يروي عن خالد بن الحارث، وخالد بن الحارث ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].شعبة هو ابن الحجاج الذي مر ذكره في الإسناد السابق.[عن قتادة].قتادة هو ابن دعامة السدوسي، أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت الحسن].الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو من ثقات التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[يحدث عن أبي رافع].أبو رافع هو نفيع الصائغ المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، هو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، ويأتي ذكره كثيراً في رواة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أبي هريرة وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا عيسى بن يونس حدثنا أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع, ثم اجتهد, فقد وجب الغسل).قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: أشعث عن الحسن عن أبي هريرة وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل وغيره كما رواه خالد].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى لفظ الحديث المتقدم، وبلفظه متفق معه: (إذا جلس بين شعبها الأربع, ثم جهدها, فقد وجب الغسل). قوله: (إذا جلس بين شعبها) أي: بين شعب المرأة، وشعبها أقرب ما قيل فيها: أنهما يداها ورجلاها؛ بمعنى: أنه علاها وجهدها في الجماع، وإن لم يحصل إنزال, فإنه يجب الغسل بمجرد حصول ذلك؛ لكونه يحصل منهما التقاء الختانين، ويصير محاولة فعل الجماع، فبمجرد حصول ذلك يجب الغسل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني].هو: إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثني عبد الله بن يوسف].عبد الله بن يوسف هو التنيسي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عيسى بن يونس].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة, مأمون، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أشعث بن عبد الملك].هو: أشعث بن عبد الملك، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن سيرين].هو محمد بن سيرين، أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة هو الصحابي راوي الحديث الذي قبله.ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا خطأ، والصواب: عن أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، يعني: أنها ليست من رواية محمد بن سيرين، وإنما هي من رواية أشعث عن الحسن عن أبي هريرة.لكن يبقى مع هذه الرواية التي صوبها النسائي وقال: إنها الصواب، أن الحسن مختلف في سماعه من أبي هريرة، والمشهور أنه لم يسمع منه، لكن لا يضر ذلك هذا الحديث شيئاً؛ لأن الرواية المتقدمة فيها رواية الحسن من طريق أبي رافع عن أبي هريرة.فإذاً: تكون هذه الرواية التي ذكرها النسائي هنا، وقال: إن الصواب أنه من رواية أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، والتي فيها الانقطاع، أو تحتمل الانقطاع تكون متابعة، وليس العمل ولا الاعتماد عليها؛ لأن الحديث ما جاء من هذا الطريق وحده، بل جاء من طريق موصولة، ومن طريق فيها احتمال الانقطاع، فإذاً: هذه تكون من قبيل المتابعات، ومن قبيل ما له أصل ثابت، وهو وجوده عن طريق الاتصال؛ وجوده متصلاً، ولهذا خرجه البخاري، ومسلم؛ يعني: هذا الحديث الذي هو من الطريق الأولى.ثم قال: وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل، وغيره, كما رواه خالد؛ يعني: الطريق الأولى التي فيها ذكر: شعبة عن الحسن، عن قتادة، عن أبي رافع عن أبي هريرة، يعني: أن النضر بن شميل، وغيره رووه عن شعبة كما رواه خالد؛ يعني: كالرواية المتقدمة، وعلى هذا تكون الرواية الأولى هي المحفوظة التي فيها وجود أبي رافع بين الحسن وبين أبي هريرة.وأما النضر بن شميل الذي جاءت الإشارة إليه, أو جاء ذكره في كلام النسائي، فهو ثقة، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
الحكم على الحديث أنه على شرط الشيخين
السؤال: متى يحكم على الحديث أنه على شرط الشيخين؟ نرجو التفصيل في ذلك؟الجواب: كونه على شرط الشيخين يعني: أن رجاله رجال الشيخين، هذا إذا جاء بإسناد يماثل إسناد البخاري , ومسلم، ورجاله هم الرجال، فإنه يحكم له بالصحة؛ يعني: إذا كان على شرطهما؛ أي: رجاله رجالهما، ولهذا في كلام الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عندما يقول: على شرط الشيخين، يتعقبه الذهبي، فيقول: إن فلاناً ما روى له البخاري، وفلان ليس من رجال مسلم، يعني: أن كلام صاحب المستدرك ليس بدقيق، مع أنه قال: على شرط الشيخين، وفيه فلان, ولم يخرج له البخاري شيئاً، أو فيه فلان، ولم يخرج له مسلم، فالمقصود بشرط الشيخين: ما كان رجاله رجالهما, ولم يخرجها.ولهذا مراتب الصحيحين بالنسبة للصحيحين وغيرهما سبع مراتب: ما اتفق عليه البخاري، ومسلم، ثم من انفرد به البخاري عن مسلم، ثم من انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، ثم ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه، ثم ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه، ثم ما لم يكن على شرطهما لا اجتماعاً ولا انفراداً، فهذه سبع مراتب للحديث الصحيح بالنسبة لتخريج الشيخين وعدم تخريجهما.
بيان حال الحسن البصري رحمه الله في التدليس
السؤال: نرجو بيان حال الحسن البصري في التدليس، وهل سمع من أحد الصحابة؟الجواب: الحسن البصري معروف بالتدليس والإرسال، نعم هو سمع من بعض الصحابة، وهناك عدد من الصحابة اختلف في سماعه منه، فـالحسن سمع من بعض الصحابة، بلا شك، وسمع من بعضهم على اختلاف، وفي بعضه ترجيح السماع، وفي بعضه ترجيح عدم السماع.
ما يلزم على من يترك سنة المغرب لحضور الدرس
السؤال: رأيت كثيراً من طلبة هذا الدرس يأخذون أماكنهم بعد الصلاة مباشرة، ولا يصلون السنة الراتبة بعد المغرب، فما رأي فضيلتكم في هذا العمل؟الجواب: سنة المغرب وقتها من المغرب إلى العشاء، والطلاب الذين يجلسون في أخذ أماكنهم لحضور الدرس، ولا يصلون بعد الصلاة مباشرة سنة المغرب، عليهم ألا يتركوها بعد فراغ الدرس، وإذا كان فيه احتمال أنها تنسى أو تترك فإن على الإنسان أن يبادر إليها، وبحمد الله لن يفوت الدرس، ما دام مكبر الصوت موجود، فسواء أدرك المكان القريب أو لم يدركه؛ لأن السماع حاصل بحمد الله.
الحسن البصري وتدليس التسوية
السؤال: هل ثبت عن الحسن البصري أنه كان يدلس تدليس التسوية؟الجواب: لا أعرف أن الحسن البصري يدلس تدليس التسوية، بل إن تدليس التسوية يكون لمن يكون أمامه، ثقات وضعاف، فيحذف الضعاف, ويجمع بين الثقات، أما الحسن البصري، فهو من التابعين، والأسانيد أمامه ليس فيها مجال لذكر الأعداد، فأنا لا أعرف شيئاً عنه حول تدليس التسوية.السؤال: لماذا قال: كثير الإرسال؟الجواب: لا أدري.
حكم القدح في الصحابة فيما كان قبل الإسلام
السؤال: كما هو معلوم بأن القدح في الصحابة لا يجوز، ولكن هناك أشعار فيه الهجاء للصحابة، قيلت في حقهم قبل إسلامهم، كما في هجاء حسان بن ثابت لـأبي سفيان رضي الله عنهما، فهل يصح ذكر هذه الأشعار الآن؟الجواب: إذا ذكرت هذه الأشعار على اعتبار أن هذا من شعر حسان، وأنه قاله قبل أن يسلم أبو سفيان، وعرف حال أبي سفيان، وترضي عليه، فذكر ذلك لا يؤثر؛ لأن هذا شيء مدون، لكن لا ينقدح في ذهن الإنسان حصول الذنب بعد الإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، في حديث عمرو بن العاص، لما أراد أن يسلم، فمد يده للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما مد يده للنبي صلى الله عليه وسلم قبضها، فقال: (ما لك يا عمرو، فقال: أردت أن أشترط، قال: وماذا تشترط، قال: قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، يعني: إذا ذكر الشيء على اعتبار أن هذا كان في الجاهلية. ومن المعلوم أن أبا سفيان عنده أمور كانت في الجاهلية تحكى لبيان عظم فضل الله عز وجل على الإنسان، وأنه كان في حال جاهليته على وضع سيئ، ثم تحول إلى وضع حسن.وهذا كما يقال عن عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته شديداً على المسلمين، ثم تحول شدته على الكفار في جانب المسلمين، وهذا بيان حاله، أما إذا ذكرت من أجل الرغبة في هجائه، أو النفس فيها شيء عليه، فهذا لا يجوز؛ لأن الواجب أن تكون القلوب مليئة بحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، والألسنة رطبة بذكرهم؛ بالثناء الجميل اللائق بهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
مكان وجود أبيات رثاء قيس بن عاصم رضي الله عنه
السؤال: ذكرتم بالأمس أنه لما مات قيس بن عاصم رضي الله عنه رثاه عبدة بن الطيب بقصيدة فأين نجد نفس هذه القصيدة؟الجواب: ذكر في تهذيب التهذيب أن عبدة بن الطيب رثاه، وذكر البيت الأول، الذي هو مطلعها، وبعضهم يذكر غيرها، لكن أشهرها البيت الذي ذكرته، والذي يعتبر بمثابة المثل، الذي يتذكر عند المناسبات.وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدمافيمكن معرفة هذه القصيدة بالرجوع إلى مصادر ترجمة قيس بن عاصم رضي الله عنه، ويمكن الوقوف عليها أو على بعضها.
حكم جهالة الصحابي
السؤال: متى تضر جهالة الصحابي؟الجواب: لا تضر جهالة الصحابي، فالمجهول منهم في حكم المعلوم؛ لأنهم كلهم عدول، فهذا السؤال ليس بدقيق، والجواب لا يطابق السؤال؛ لأن السؤال بمتى؛ يعني: أن هناك حالة تكون جهالة الصحابي تضر؛ ولكن جهالة الصحابي لا تضر مطلقاً، بدون تفصيل.
الفاصل والحاجز بين الرجال والنساء في المساجد
السؤال: قال بعض أهل العلم: إن الحواجز التي تكون في بعض المساجد؛ لستر النساء على الرجال أنها من البدع، أو إنها من الحدث؛ فما رأيكم؟الجواب: وجود حواجز، ووجود محل يفصل النساء، هذا لا يقال: إنه من البدع، بل هذا من المقاصد الطيبة، ومن الأمور الحسنة التي يكون فيها ابتعاد النساء عن الرجال، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف الرجال أولها, وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، فوجود شيء يفصل النساء عن الرجال، ولا سيما بعد ما حصل التهاون من كثير من النساء في تكشفهن, وعدم اكتراثهن بالحجاب، وما يحصل بسبب ذلك من الفتنة، فهذا لا يقال له: إنه من البدع، بل هذا من الأمور الطيبة، ومن الأمور المستحسنة.
حكم الخطوط التي في الصفوف في الصلاة
السؤال: بعض الناس يقول: إن الخيوط التي تلصق على بعض فرش المساجد لتسوية الصفوف أيضاً من الحدث يقصد؟الجواب: نعم، كون الناس يعملون خيوطاً يلصقونها على الفراش هذا لا يصلح؛ لأن هذا مثل الذي يعمل خطاً في الأرض, ويطلب من الناس أن يقفوا عليه، وإنما يسوى بين الصفوف؛ يتقدم ويتأخر بدون أن يكون هناك خطوط، لكن مثلاً: هذه الفرش الجديدة التي يكون فيها خطوط من نفس الفراش، وفيه لون يغاير اللون، وبه يعرف أماكن الصفوف، فهذا لا بأس به، لكن كونه يؤتى بتلصيق شيء يكون فيه في الغالب وجود الذي يلصق به فينتزع , ثم يشوش على الناس، بحيث يعلق بأرجلهم فهذا لا يصلح, ولا ينبغي، لكن إذا وجد فرش قد حيكت ونسجت على أساس أنها شكلان؛ شكل على تحت الأرجل، وشكل آخر ما يكفي بينه وبين الصف الذي أمامه، فهذا لا بأس به، ولا مانع منه.
الطريقة التي يمكن بها معرفة البدعة
السؤال: ما هي الطريقة التي يمكن بها معرفة البدع في مثل هذه الأشياء؟الجوال: الطريقة التي يعرف بها معرفة البدع: هو وجود أمور محدثة في الدين، مما لم يكن عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما كون الفرش كما ذكرتَ، يكون فيها مثل هذا لا بأس به، ولا مانع منه، لكن الممنوع هو كونه الناسجون يأتون الأرض, يخطون فيها خطوطاً، ويقولون: قف على هذه الخطوط، أو يعملونه في شيء يلصقونها على الفرش، ويترتب على ذلك مضرة.
وعظ الناس بالموت بطريقة جديدة
السؤال: رجل يريد أن يعظ الناس ويذكرهم بالموت، ولكنه يريد أن يأتي بطريقة، وبأسلوب جديد، وهو أن يأتي في أثناء هذا المجلس بسرير، وبإنسان يلبسه أقفالاً، ويقوم بعض الأشخاص بعملية تكفين هذا أمام الناس، وهذا الواعظ يعظ الناس بهذا في هذه الأثناء عن الموت، وما يتعلق به من طريقة التكفين, ونحو ذلك، يقول: هل هذا العمل يعتبر من البدع؟الجواب: الحقيقة أن العمل هذا لا حاجة إليه، كونه يؤتى بإنسان ويمد على سرير، ويعمل له لفائف، ويوضع عليها ويلف عليها بثلاث لفائف بيض، ويجمع بعضها على بعض، وتربط بحيث أنه لا يخرج شيء.وهذه الطريقة يمكن أقول أنها من جماعة التمثيليات الذين يعنون بالتمثيل، وأن كل شيء يمشي على طريقة التمثيل، وأن الدعوة تأتي عن طريق التمثيل؛ لأن أعداءنا صاروا يمثلون ونحنا نمثل أيضاً مثلهم. (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، فحتى لو مثلوا فنحنا نمثل.
حكم تمثيل الموت
السؤال: هل تمثيل الموت يعني جائز؟الجواب: التمثيل كله من أوله إلى آخره غير جائز.
ضرورة انقطاع الودي قبل الشروع في الاستنجاء منه
السؤال: الطهارة بالاستنجاء من الودي، هل يلزم التبول بعده لينقطع الودي، أم نتوضأ بعد الاستنجاء، ونصلي؟الجواب: الأصل ألا يكون الاستنجاء إلا بعد انقطاع الخارج؛ لأن من شرط الاستنجاء انقطاع الخارج، سواء إن كان بولاً أو غير بول، أما كونه يستنجي والخارج لا يزال خارج، فلا ينفع الاستنجاء؛ لأنه يحتاج إلى إعادة الاستنجاء. فمن شرط الاستنجاء انقطاع الموجب؛ يعني: كونه من شرط الوضوء، وكون الإنسان يتوضأ، لابد أن ينقطع الموجب، أما كونه يستنجي، والبول لا يزال يخرج، أو الودي لا يزال يخرج، أو المذي لا يزال يخرج، فإن ذلك لا يعتبر استنجاء؛ لأنه مثل الذي يستنجي في أثناء البول.
ابو الوليد المسلم
01-16-2026, 12:14 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(65)
- باب الغسل من المني - باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
لقد فرق الشرع بين المني والمذي؛ فرتب الغسل على خروج المني بجماع أو احتلام ورتب الوضوء على خروج المذي وغسل أثره من الجسد، وهذه الأحكام يستوي فيها الرجل والمرأة.
الغسل من المني
شرح حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الغسل من المني.أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر واللفظ لـقتيبة، قالا: حدثنا عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت رجلاً مذاءً، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل)].يقول النسائي رحمه الله تعالى: الغسل من المني. أي: من خروج المني، فإن هذا مما يوجب الغسل، وذلك غسل من الجنابة، وقد أورد النسائي رحمه الله تعالى فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أفتاه بأنه في حال حصول المذي منه أنه يغسل ذكره ويتوضأ، وإذا فضخ الماء، فإنه يغتسل، والمقصود من فضخ الماء هو حصول الدفق، وخروج المني، فإن هذا هو الذي يوجب الغسل، والحديث فيه: بيان حكم المذي، وحكم خروج المني، فالمذي نجس، وهو ناقض للوضوء، وعليه أن يتطهر من الحدث الأصغر بأن يتوضأ، ويستنجي قبل ذلك بأن يغسل ذكره وما أصابه المذي؛ لأنه نجس، وقد تقدم هذا في باب مستقل، وفي هذا الحديث زيادة، وهي الشاهد للترجمة، وهي: الاغتسال عند خروج المذي؛ لأن الخارج مذي ومني، فالمذي ينقض الوضوء، ويلزم منه الوضوء، والمني يحصل به الحدث الأكبر، ويلزم منه الاغتسال. وقد مضى في الأحاديث السابقة أن علياً رضي الله عنه وكل المقداد بن الأسود في السؤال عنه، وذلك لاستحيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته منه؛ لكونه صهره؛ زوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا الذي جاء في هذا الحديث مبني على أساس أن المقصود هو: أنه سأله بواسطة، ولم يكن مباشرة؛ لأنه أوصى غيره أن يسأل، وبيّن سبب عدم إقدامه على السؤال.فإذاً: ما جاء في هذا الحديث مبني على ما جاء في تلك الأحاديث، وأن ما أخبر به عن نفسه إنما هو باعتباره فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ لأنه صاحب الحاجة وصاحب المسألة التي احتاج إلى السؤال فيها، ولمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه استحيا من أن يواجهه بهذا السؤال، فأناب غيره بالسؤال عنه وأجيب، والغالب أن ذلك كان بحضرته، يعني: بحضرة علي رضي الله عنه، ولهذا فإن أصحاب الكتب عدوا هذا من مسند علي، لأنه على الاعتبار بأنه حضر القصة، وأنه سمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن هو الذي وجه السؤال، وصدر منه السؤال مباشرةً إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.إذاً: فخروج المني من الإنسان -رجل أو امرأة- يوجب الغسل من الجنابة، وهذا هو معنى قوله: [(إذا فضخت الماء فاغتسل)].
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر].قتيبة بن سعيد هو الذي تكرر ذكره كثيراً، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وأما علي بن حجر فهو السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[قالا: حدثنا عبيدة بن حميد].عبيدة بن حميد هذا سبق أن مر ذكره، وهو صدوق ربما أخطأ، وخرج حديثه البخاري والأربعة.[عن الركين بن الربيع].الركين بن الربيع هو: أبو الربيع، فكنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حصين بن قبيصة].حصين بن قبيصة ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن علي].علي رضي الله تعالى عنه، هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب الشورى الستة الذين وكل الأمر إليهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأبو الحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مر ذكره فيما مضى من الأحاديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أنبأنا عبد الرحمن عن زائدة ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له حدثنا أبو الوليد حدثنا زائدة عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( كنت رجلا مذاءً، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل )].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها، ومنها فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه إذا أصابه المذي يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة، وإذا فضخ الماء، أي: دفقه وأنزله، فإنه يغتسل من الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].عبيد الله بن سعيد هذا تقدم ذكره فيما مضى، وهو ثقة، مأمون، سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده سرخس، وأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.[أنبأنا عبد الرحمن].عبد الرحمن هو ابن مهدي، الإمام المعروف، الحجة، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم].أتى بـ (ح) التحويل وقال: (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، (ح) التحويل المقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، عندما يذكر إسناداً ويقطع فيه مسافة من حيث ذكر بعض الرجال، يعود فيستأنف ويذكر إسناداً آخر، فيبدأ من شيخ من شيوخه، ثم يستمر حتى يتلاقى مع الإسناد الأول، فهنا يؤتى بـ (ح) الدالة على التحويل، وهذا هو معناها، وذكرت فيما مضى: أن النسائي كـالبخاري يستعملانها بقلة؛ فلا يحتاجان إلى استعمالهما بكثرة، بخلاف مسلم الذي يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيكثر منه التحويل، وبين البخاري، ومسلم بون شاسع في استعمال التحويل وعدمه، والسبب في ذلك ما ذكرته؛ لأن الحديث الذي يأتي بطرق متعددة يفرقون تلك الطرق على الأبواب، ولكنهما أحياناً يجمعان بعض الطرق، فيحصل بذلك استعمال التحويل كما هنا، وكما سبق أن مر في مواضع عديدة. وإسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت إمام، وهو من المحدثين ومن الفقهاء، معروف بالفقه ومعروف بالحديث، وخرج حديثه أصحاب الكتب إلا ابن ماجه .[حدثنا أبو الوليد].أبو الوليد، هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهو ثقة ثبت إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا زائدة].وهنا حصل الالتقاء في الأسانيد، يعني: خرج من النسائي إسنادان، إسناد فيه: عبيد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن مهدي، وإسناد آخر فيه: إسحاق بن إبراهيم عن أبي الوليد الطيالسي، ثم التقيا عند زائدة، ثم استمر بعد ذلك إلى نهايته، فهما طريقان استعمل فيهما التحويل، وحصل التقاء الطريقين عند زائدة بن قدامة، وعند ذلك التقى الإسنادان المتقدم والمتأخر عن زائدة عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي. [عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي].الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، وحصين بن قبيصة، وعلي رضي الله تعالى عنه قد مر ذكرهم.
غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
شرح حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( أن أم سليم رضي الله عنها، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ قال: إذا أنزلت الماء فلتغتسل )].أورد النسائي رحمه الله تعالى هذه الترجمة: غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، يعني: من الاحتلام، وأنه يلزمها الغسل من الجنابة كما يلزم الرجل، وقد أورد فيها النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: [(إذا أنزلت الماء فلتغتسل)]، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاب هذه الصحابية رضي الله عنها وأرضاها، بأن المرأة عليها أن تغتسل، لكن بشرط إنزال الماء، فإذا حصل إنزال ماء؛ وهو المني فعند ذلك يلزمها الاغتسال كما يلزم الرجل. إذاً: فالذي يرى في منامه أنه حصل منه جماع، ولكنه لا يجد ماءً، ولا يجد أثر ذلك على ثوبه وعلى جسده لا يلزمه شيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قيد ذلك بإنزال الماء الذي هو المني، فإذا حصل الإنزال ووجد ذلك على الثياب وعلى الجسد فعند ذلك يلزم الغسل.إذاً: المعتبر في الاغتسال في حال الاحتلام هو خروج الماء؛ لأن الحكم منوط بخروجه. وهذا فيه بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وأنهم يسألون عن كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم، ولا يمتنعون من ذلك، ولا يستحيون من أن يسألوا عن أمور دينهم، ولو كان ذلك من الأمور التي في النفس منها شيء، فهي سألت مثل هذا السؤال في حضرة الرجال، وهو مما يستحيا منه في حق النساء، ومع ذلك فلم يمنعهن ذلك من التفقه في دين الله عز وجل، ومن الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وهذا فيه الدليل الواضح على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقوا عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الحق والهدى، وأدوه إلى من بعدهم، وأنهم سمعوا منه وتلقوا منه ورأوا حركاته وسكناته، فنقلوا ذلك، واتبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودلوا غيرهم إلى هذا الهدى، وأرشدوهم إلى طريق السلام والنجاة، فالخير كل الخير باتباع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والسير على ما سار عليه سلف هذه الأمة، الذين هم خير هذه الأمة، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ما كان ولا يكون مثلهم؛ لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن ما عرفنا القرآن والسنة إلا عن طريق الصحابة، فلهم فضل عظيم علينا، ولا سبيل للمسلمين في الوصول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن لم يأخذ دينه، ويأخذ عقيدته، ويأخذ أحكامه التي يتعبد الله عز وجل بها عن الصحابة الكرام، وعمن سار على منهاجهم فإنه حاد عن الجادة، وضل الضلال المبين، وترك الحق والهدى، وابتعد عنه واتبع غير سبيل المؤمنين؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله صلى الله عليه وسلم أصحاباً أوجدهم في زمانه، وخصهم الله تعالى بهذا التكريم، وبهذا التشريف، فهم الذين شرفهم الله بالنظر إلى طلعته في هذه الحياة الدنيا، وسمعوا كلامه منه عليه الصلاة والسلام.إذاً: فهذا السؤال من أم سليم رضي الله تعالى عنها، وهو من الأمور التي يستحيا منها، وتستحي النساء أن تتكلم بها بحضرة الرجال، ومع ذلك لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين، بل سألن عن أمور دينهن، ولو كان ذلك مما يستحيا منه.ولما كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحته ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما كان هذا التقارب في المصاهرة استحيا من أن يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالسؤال، ولكنه لم يمتنع ولم يترك أن يتعرف على الحكم الشرعي؛ فأناب غيره ليتولى ذلك، وحصل مقصوده، وحصل للأمة معرفة الحكم الشرعي بهذا السؤال الذي استحيا علي رضي الله عنه وأرضاه أن يسأل عنه.
تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم وهو: الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وكما قلت فيما مضى: المحدثون يقولون: راهويه، وأما أهل اللغة فيقولون: راهويه، فيختمون بويه، وهو إمام، فقيه، محدث، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا عبدة].عبدة، هو ابن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد].سعيد هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن قتادة].قتادة هو: ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، خدم رسول الله عليه الصلاة والسلام عشر سنين، ونقل عنه الحديث الكثير، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق سبعة، وأنس واحد منهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون من رواية الأثرأبو هريرة يله ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّفأكثرهم على الإطلاق: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، ومنهم: أنس بن مالك الذي معنا، والبحر أو الحبر الذي هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، والخدري هو: أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية الوحيدة التي تعتبر أكثر النساء رواية للحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-16-2026, 12:17 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(65)
شرح حديث أم سليم في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: ( أن أم سليم رضي الله عنها كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة جالسة، فقالت له: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، أرأيت المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل، أفتغتسل من ذلك؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قالت عائشة: فقلت لها: أف لك! أوترى المرأة ذلك؟! فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تربت يمينك، من أين يكون الشبه؟!)]. ثم أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها كانت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام فجاءت أم سليم تسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن المرأة ترى ما يرى الرجل في منامه، هل لها أن تغتسل؟ قال: (نعم)، فعند ذلك قالت عائشة: أف لك! أو ترى المرأة ذلك؟! كأنها تستبعد أن يكون ذلك من النساء، وفيه: إشارة إلى أن ذلك قليل في النساء، أو أنه موجود ولكن لا يحصل ذكره بين النساء؛ لما يحصل من ذلك من الاستحياء بينهن، ولكن الذي ألجأ إلى ذكر هذا هو التفقه في دين الله عز وجل، ولهذا جاءت أم سليم تسأل، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها تتعجب، أو تستبعد أن يكون ذلك؛ لأنها ما عرفت ذلك من نفسها، وما حصل لها شيء من هذا، ولهذا قالت: أو ترى المرأة ذلك؟! فعند ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تربت يمينك)، وهذه كلمة تقال لا يقصد منها الدعاء على من قيلت له، وإنما فيها زجر، وفيها تنبيه ولفت النظر إلى شيء، وهو: أن هذا لا ينبغي أن يُستغرب منه؛ لأن هناك شيء يدل على حصول ذلك مما أجراه الله عز وجل، وفي خلق الله سبحانه وتعالى.ولهذا قال: (مما يكون الشبه؟)، يعني: أن ماء الرجل وماء المرأة يلتقيان، وإذا غلب أحدهما، فإنه يكون الشبه لأحدهما على الآخر، فقد يشبه المولود أمه وأخواله، وقد يشبه أباه وأعمامه، ولكن قوله: (مما يكون الشبه؟)، يعني: أن هذا ما كان إلا بسبب الماء، وبسبب ما يخرج من المرأة. فإذاً: كون المرأة تحتلم، وكونه ينزل منها ماء، هذا حاصل وواقع، والشبه الذي يكون للغلام بأمه وبأخواله وبأقارب أمه إنما هو من حصول مائها، ولكونها لها ماء، فعند ذلك يكون الشبه، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين حصول ذلك ووقوعه.
تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا كثير].وهو كثير بن عبيد، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له الشيخان ولا الترمذي.[عن محمد بن حرب].هو محمد بن حرب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].الزبيدي هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن الزهري].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات، ومن أوعية العلم، وهو محدث فقيه، وهو الذي قام بجمع السنة، وتدوينها بناءً على تكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].عروة هو ابن الزبير بن العوام، وهو تابعي جليل من الثقات، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين، كان هنالك سبعة فقهاء مشهورون في عصر التابعين، فأهل الفقه وأهل الحديث، كانوا في هذه المدينة المباركة. [أن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي: الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به في آيات تتلى في سورة النور، وهي من أوعية السنة، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
كيفية التمييز بين أهل السنة وأهل البدع والفائدة من ذلك
السؤال: كيف نرد على من يقول: لماذا هذه التفرقة؛ هذا مبتدع وهذا سني وهذا أشعري وذاك جهمي؟ ويقول: وما أدري أنا، لعل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم سبقانا إلى الجنة. الجواب: نسأل الله العفو والعافية، نقول: هذا سني وهذا مبتدع؛ بناءً على ما قاله الأئمة الثقات الذين يعرفون الرجال، وهم أهل الجرح والتعديل، ومن المعلوم أن هذه هي الطريقة المثلى، والتي لا سبيل سواها ولا طريق سواها في الوصول إلى معرفة الحق، ومعرفة التثبت بالأخبار، وإذا كنا في زماننا هذا عندما نسمع خبراً من الأخبار هل نقبل الخبر من كل من هب ودب ونعتمد عليه، أو أننا نبحث من الذي أتى بهذا الخبر؟ وهل هو ثقة أو غير ثقة؟ هذا الطريق الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء كما شاء، مثل ما قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء كما شاء، ومن المعلوم: أن الذي يسبق إلى الجنة هو من يوصف بالالتزام، والسير على منهاج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن سار على منوالهم، هذا هو الذي يسبق إلى الجنة، وهذا هو الذي يكون من أهل الجنة.أما من يحيد عن طريقهم، ويسلك طريقاً غير طريق المؤمنين فإن هذا إن كانت بدعته مكفرة فلا سبيل له إلى الجنة إذا مات على بدعته المكفرة، وإذا كانت بدعته مفسقة، فهذا أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه على بدعته التي لم يبلغ بها درجة الكفر.وأما الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم فهما من الجهمية الذين ينفون عن الله عز وجل أسمائه وصفاته، ويصفون الله سبحانه وتعالى بالصفات السلبية التي ينفون عنه كل صفة، والنتيجة أنه لا يبقى وجود لله عز وجل على عقيدتهم. والجهمية عدهم جماعة من أهل العلم أنهم ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هي يا رسول الله! قال: ما كان على ما أنا عليه وأصحابي)، يعني: أن هذه الفرقة ناجية، والفرق الأخرى هم من أمة الإجابة، ولكنهم يستحقون النار، وأمرهم إلى الله عز وجل، ومن كان خارج هذه الفرق الثلاث والسبعين، فهو ليس من المسلمين، فالجمهية عدهم بعض الأئمة خارج الثلاث والسبعين فرقة الذين هم أمة الإجابة.
عدم غسل الأنثيين عند خروج المذي
السؤال: إذا خرج المذي، ولم أغسل الأنثيين فهل علي شيء؟الجواب: نعم، إذا خرج المذي، ولم يستنج الإنسان ويغسل ما يمكن أن يكون قد أصابه المذي؛ فإنه لا يكفي، بل لا بد من الغسل، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يغسل مذاكيره)، يعني: ذكره وما حوله.
إغلاق مكبرات الصوت الخارجية في المسجد
السؤال: مضمون سؤاله: أنه يقفل مكبر الصوت عند الدخول في الصلاة.الجواب: إذا كان الصوت قد قصر على ما في داخل المسجد، وكان أسلاك المكبرات تذهب إلى الخارج فقفل مكان الخارج، وكان الصوت من الداخل، أو كان العدد قليلاً وأقفل مكبر الصوت نهائياً، فلا بأس بهذا، لكن إذا لم يكن ما هناك تشويش على مساجد أخرى؛ فإن وجود مكبر الصوت وخروجه شيء طيب؛ لأن فيه فائدة، وهي تنبيه الناس إلى حصول الصلاة، وكونها قائمة، وأن يبادر الإنسان؛ أما إذا كان سيشوش على مساجد قريبة؛ فهذا الأولى أن يقفل حتى لا يحصل التشويش من المصلين بعضهم على بعض؛ لأنها إذا تقاربت قد يقول هنا: الله أكبر، فيكبر الذين وراء هذا الإمام، ويظنون أن هذا التكبير من إمامهم، فيحصل شيء من التشويش.
المراد بميامن الإمام في صلاة الجماعة
السؤال: إذا علمنا أن ميامن الصفوف أفضل من الجهة اليسرى، فهل يكون القريب من الإمام بأن يكون خلفه أفضل ممن هو بعيد عن الإمام؟الجواب: على كل، إذا كان خلفه فهو أولى، مادام أنه ورائه، فهو متمكن من الصف، ومعلوم أن بداية الميامن تكون من الإمام ومن على يمنيه، والمياسر تكون ممن على يسار الإمام، ولاشك أن من يكون وراء الإمام هو الأولى، وهو المكان الذي يسبق إليه وينافس عليه، وهو الذي قال فيه الرسول: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
حكم ثياب من به سلسل المذي
السؤال: هل يلزم من به سلس مذي أن يغير ملابسه؟الجواب: إذا كان هذا شيء مستمر فهو مثل سلس البول تماماً، يعامل كما يعامل من به سلس البول، ومن المعلوم أن من به سلس البول لا يلزمه أن يغير باستمرار؛ لأنه لو غير ينزل الشيء وهو في طريقه إلى المسجد، أو وهو في الصلاة أيضاً.
ما يلزم من احتلم ورأى على ثوبه بولاً ولم ير المني
السؤال: هل من احتلم ثم قام ورأى البول، ولم ير المني يلزمه الاغتسال من الجنابة؟الجواب: لا يلزمه الاغتسال إذا كان الذي رآه بولاً، والاغتسال إنما يكون من الجنابة وليس من البول، ومن المعلوم أن هناك فرقاً بين البول وبين المني، فالمني شيء والبول شيء آخر، فالذي يرى بولاً ولا يرى منياً، وهو من عادته أن يبول في فراشه، فهذا لا يلزمه الاغتسال.
مدى ثبوت أن كل واحد من السبعين ألفاً معه سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب
السؤال: هل ثبت أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب يكون مع كل واحد منهم سبعون ألفاً؟الجواب: الله أعلم، لا أدري.
ترك الرقى والاكتواء طمعاً في الدخول مع السبعين ألفاً
السؤال: إذا كان الإنسان ممن يسترقي ويكتوي، وبعد ما علم بهذا الحديث ترك الاسترقاء والاكتواء؛ طمعاً في أن يدخل مع هؤلاء السبعين، فهل يمكنه ذلك؟الجواب: أقول: أمر ذلك إلى الله عز وجل، ومن المعلوم أن الإنسان إذا حصل له دخول الجنة إذا وفقه الله عز وجل لدخول الجنة فذلك مكسب عظيم، ومغنم كبير، سواءً كان مع السبعين ألفاً، أو بعد السبعين، المهم أن يحرص أن يكون من أهل الجنة، وذلك بالأعمال الصالحة، وإذا وفقه الله عز وجل بأن يكون من هؤلاء، بأن حرص على الأعمال التي يتصفون بها فلا شك أن هذا أكمل وأفضل، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، هذه صفاتهم، فكون من فعل ذلك وتنبه بعد هذا وترك، فيرجى أن يكون من هؤلاء؛ لأن قول: (هم الذين لا يسترقون)، يعني: كأنه ليس من عادتهم، وليس من طبيعتهم.
إلحاق وصف المحادة لله ولرسوله بمرتكب الكبائر والصغائر
السؤال: من يعمل كبائر الذنوب أو صغائرها، هل يعتبر ممن حاد الله ورسوله؟ أم أن المحادة لله ورسوله لا تكون إلا بالكفر؟الجواب: المحادة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام هي في الغالب إنما تأتي في حق الكفار، لكن كما هو معلوم أن الوقوع في كبائر الذنوب أن فيها عدم التعظيم لله عز وجل، وعدم الاستحياء منه، وكذلك الصغائر إذا أصر عليها، وأما بدون الإصرار عليها، فالأمر يختلف؛ لأنها تكفرها الأعمال الصالحة، كما جاءت بذلك الأحاديث، وكما جاء بذلك القرآن: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، ففعل الحسنات مع اجتناب الكبائر تكفر معه الصغائر، ولكن الصغائر إذا أصر عليها فإنها تلتحق بالكبائر، كما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار) يعني: أن الكبيرة إذا حصلت من الإنسان، وتاب منها وندم وخجل، وصار يتذكر هذا الذنب الذي حصل منه فيتألم فإن هذه الكبيرة تتضاءل حتى تتلاشى وتضمحل، وعلى العكس من ذلك، لا صغيرة مع الإصرار، والصغيرة مع الإصرار تلتحق بالكبائر؛ لأنه يصحبها ويقترن بها من قلة الحياء من الله عز وجل وقلة المبالاة والمداومة على معصية الله سبحانه وتعالى، فهذا يلحقها بالكبائر، لكن المحادة لله عز وجل جاءت النصوص فيها الغالب في حق الكفار، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:20-21]. وفي أول السورة إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ [المجادلة:5]، ولا أدري: هل يأتي في غير هذا المعنى؟ لكن كما هو معلوم أن حصول الكبائر وعدم الحياء منها فيه عدم التعظيم لله والاستهانة بأحكامه الشرعية، وعدم الخوف منه والوقوع في معاصيه.
بغض ومحبة أهل الكبائر
السؤال: من يرتكب الكبائر هل يحب أم يبغض؟الجواب: من يرتكب كبيرة أو يصر على صغيرة فإنه يبغض في الله؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق الإيمان، كما جاء في الحديث: (ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، هو يحب في الله ويبغض في الله، ويحب أولياء الله؛ لأنهم أطاعوا الله عز وجل ورسوله، ويبغض الذين يعصون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، الذين هم أهل الكفر وأهل الكبائر وأهل الصغائر التي يصرون عليها، ومن المعلوم أن الإنسان يجتمع فيه حب وبغض، فقد يكون محبوباً مبغوضاً في آن واحد؛ يكون محبوباً على ما عنده من الخير، ومبغوضاً على ما عنده من الشر، ولهذا كان أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر وفي أحكامهم في الدنيا وسطاً، فهم لا يكفرونهم كما تفعل الخوارج، ولا يجعلونهم كاملي الإيمان كما تفعل المرجئة، وإنما يقولون: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، يحب على ما عنده من الإيمان، ويبغض على ما عنده من الفسوق والعصيان.
سجود السهو بالنسبة لمن نسي الفاتحة ثم عاد إليها
السؤال: رجل كبر تكبيرة الإحرام، وبدل أن يقرأ الفاتحة شرع في السورة التي بعدها فنبهه المصلون، فعاد إلى الفاتحة، فهل عليه سجود السهو؟الجواب: نعم، عليه سجود السهو؛ لأنه حصل منه سهو في صلاته، حيث قرأ سورة قبل الفاتحة، مع أن الأصل أن غير الفاتحة يؤتى بها بعدها، فقد حصل منه سهو في صلاته، فعليه أن يسجد للسهو.
الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي
السؤال: نرجو من فضيلة الشيخ توضيح الفرق بين القرآن، والحديث القدسي، والحديث النبوي.الجواب: القرآن هو كلام الله عز وجل الذي تكلم به بحروفه ومعانيه وألفاظه، وهو الموجود في المصحف، من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] إلى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:6]، وهو متعبد بتلاوته، ومتعبد بالعمل به.وأما الحديث القدسي: فهو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع إسناده الحديث إلى ربه سبحانه وتعالى، وذلك بأن يقول: قال الله تعالى كذا، أو يقول الصحابي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال كذا، فيضاف القول فيه إلى الله عز وجل، والضمائر ترجع فيه إلى الله عز وجل، كقول الله عز وجل: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، الضمير في (لي) يرجع إلى الله عز وجل، (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي)، (يا عبادي) هذا نداء من الله عز وجل، وخطاب لعباده، (إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً)، وهو كلام الله عز وجل في الأصل، الذي تكلم به، لكن هل نفس الحديث الذي رواه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه هو نفسه كلام الله، حروفه ومعانيه، أو أنه المعاني فقط؟ المضاف إلى الله المعاني فقط؛ لأنه علمنا بأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أضافه إلى الله عز وجل ما دخله رواية بمعنى، وأن هذا هو الكلام الذي سمعه جبريل من الله وسمعه محمد من رسول الله وسمعه الصحابة منه وسمعه من بعدهم كذلك، لكان هذا هو كلام الله عز وجل لفظه ومعناه، لكن حيث تدخل الرواية ووجود اختلاف الروايات في المعنى في هذا الباب لا يقال: إن ذلك كلام الله عز وجل بألفاظه، لأن كلاً يأتي بما أمكنه أن يأتي به، إما من اللفظ أو من حيث المعنى.يتحصل من ذلك أن الأحاديث القدسية المضافة إلى الله لا يتعبد بها في الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها كما يتعبد بالقرآن.أما حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: فهو أيضاً من عند الله عز وجل، وليس فيه إسناد الضمائر إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان مصدره من الله عز وجل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وكل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو وحي من الله عز وجل، فهذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يبين به ما أوحاه الله عز وجل إليه، لكن لا يقال: هذا هو كلام الله سبحانه وتعالى، وإنما الحديث القدسي فيه الضمائر ترجع إلى الله عز وجل، والمتكلم هو الله عز وجل، ولو ثبت أن اللفظ هو اللفظ الذي تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما دخله رواية بمعنى فإنه يقال: لفظه ومعناه من الله عز وجل، لكن يكون الفرق بينه وبين القرآن من حيث أن هذا يتعبد بتلاوته، وهذا لا يتعبد بتلاوته.
ما يلزم من ترك تكبيرة الإحرام
السؤال: إذا ترك المصلي تكبيرة الإحرام هل عليه الإعادة؟الجواب: نعم، عليه إعادة الصلاة، إذا كان قد فرغ من الصلاة وهو ما دخل في تكبيرة الإحرام، فيعتبر ما دخل في الصلاة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، فالصلاة أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فإذا ما وجدت البداية ولا وجد المدخل إلى الصلاة، فمعناه: أن الصلاة تحتاج إلى أن تعاد إذا كان قد فرغ منها.
علاقة مشابهة المولود لأحد والديه بغلبة الماء أو سبقه
السؤال: هل الشبه يكون بغلبة الماء أم بالسبق؟الجواب: والله ما أتذكر، ولكن الحديث ورد فيه ذكر الشبه وذكر السبق، وهنا في الحديث قال: (ومما يكون الشبه)، يعني: يكون الشبه، لكن هل يكون بسبق الماء أو بغلبته؟ ورد فيه أحاديث في هذا وفي هذا.
الاجتهاد في مسائل العقيدة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يسوغ الاجتهاد في مسائل العقيدة؟الشيخ: لا، لا يجتهد في أصول الدين، وليس فيه مجال للاجتهاد، وإنما الاجتهاد في الفروع التي يمكن للإنسان أن يجتهد فيها، وأما مسألة من مسائل العقيدة جاء فيها نص فنحن نثبته، ولكن بالنسبة في الأحكام الشرعية الفرعية النازلة تنزل، ولا بد لها من حكم يعرف، وهذا يكون بالاجتهاد، والاجتهاد لا يكون مع وجود النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، لكن حيث لا نص يكون في المسألة اجتهاد، فينظر في النصوص والعمومات والقواعد الشرعية والقواعد الكلية التي يمكن أن تندرج تحت هذه المسألة؛ لأن الفهم في كتاب الله عز وجل، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالاستنباط، وبكون النص يحتمل، ويشتمل على هذا المعنى أو لا يشتمل، وهذا شيء تفاوت الناس فيه غاية التفاوت؛ لأن النص الواحد تعطيه لأشخاص كثيرين، وتقول لكل واحد: استخرج منه عشر فوائد، واحد يستخرج لك عشر فوائد أو يستخرج أكثر، وواحد يستخرج أقل، وواحد يستنبط ما لم يستنبط الآخر، والنص موجود أمام الجميع. إذاً: فالمسائل التي تنزل تستوعبها النصوص، ولكن لا على سبيل التنصيص بأن يقال: كل مسألة ينص عليها بلفظها، وإنما مثل ما يقال: الدخان جاء متأخراً، ما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده، فالذي يريد دليلاً على هذا يحتاج إلى نص، تقول: الدخان حرام، والدخان ما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن نصوص الشرع ونصوص الكتاب والسنة تشمله، ويندرج تحتها، يقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. فإذاً: هذا فيه إتلاف النفس، وقتل لها: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، ينهى عن إضاعة المال، وهذا لفظ عام، وليس إضاعة مال فحسب، بل إضاعة مال في قتل، وإضاعة مال في مهلك، وهاجم للجسم وهاجم للصحة، فهو داخل في هذه العمومات، فالنوازل التي تنزل وتتسع لها نصوص الشريعة، يفهم ذلك من يفهمه. وابن حجر رحمه الله لما جاء عند حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، الحديث جاء في ذكر اللسان، ما جاء في ذكر القول، ما قال: سلم المسلمون من قوله، بل قال: لسانه، لماذا عبر باللسان في الحديث ولم يعبر بكلمة القول، مع أنها تؤدي هذا المعنى؟ قال ابن حجر في الاستنباط من هذا الحديث: لأنه لو أتي بالقول لأمكن أن يخرج الإنسان لسانه ويستهزئ، فهو ما تكلم بشيء لكن يخرج لسانه ليستهزئ، فكلمة (لسانه) شملت حتى الاستهزاء باللسان، وهذا فهم، ليس الكل يتنبه لهذا. كذلك الحديث الذي فيه الصحابي الجليل الذي ضحى قبل الصلاة، وذبح أضحيته قبل الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (شاتك شاة لحم)، كون قصده حسن ما عفاه عن ذبح غيرها، وما كان عمله مقبولاً، وأضحيته أضحية مقبولة، مع أن قصده طيب، قال: في هذا دليل على أن العمل إنما يعتبر بكونه وفقاً للسنة، ولا يكفي في ذلك حسن قصد الفاعل.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(66)
- (تابع باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل) إلى (باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة)
لقد ربط الشارع الحكيم وجوب الغسل على المحتلم بنزول المني؛ سواء كان المحتلم رجلاً أو امرأة، وفرق بين مني الرجل ومني المرأة في الأوصاف؛ فمني الرجل غليظ أبيض ومني المرأة رقيق أصفر، وأخبر أن شبه الولد يكون لسبق المني، فإذا سبق مني الرجل كان الشبه به، وإن سبق ماء المرأة كان الشبه بها.
تابع غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
شرح حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها: (أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم يشبهها الولد)]. يقول النسائي رحمه الله: غسل المرأة إذا رأت في منامها ما يرى الرجل. هذه الترجمة سبق البدء بها في الحديث الماضي، وبقي من الأحاديث التي أوردها النسائي تحتها حديثان: أولهما: حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: ( أن امرأةً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ففيم يكون الشبه ).هذا الحديث، حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها واضح في الدلالة على اغتسال المرأة إذا رأت في منامها أنها تجامع، وحصل منها الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد ذلك برؤية الماء، فقال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فدل هذا على أن الاغتسال من الجنابة التي سببها الاحتلام، وهي الجنابة الاضطرارية التي لا يملك الإنسان فيها شيئاً؛ الذي هو الاحتلام لازم، فإذا رؤي الماء بعد الاستيقاظ من النوم، والمراد بالماء: المني، فإن الغسل واجب، ولازم، ويفهم منه أنه إذا لم ير الماء، ولم يحصل ماء، ولا أثر للماء في الجسد والثوب، فإنه لا غسل؛ لأن الأمر منوط بوجود الماء ورؤيته.وفي هذا الحديث ما في الذي قبله من حرص الصحابيات على معرفة أمور دينهن، ولو كان ذلك في الأمور التي تستحي منها النساء، فإن الحياء لم يمنعهن من أن يتفقهن في دين الله عز وجل، بحيث تذكر المرأة ما يستحيا من ذكره، ولكن ذلك في سبيل معرفتها للحق، وفي سبيل معرفتها للحكم الشرعي الذي تتعبد الله تعالى به، فهو دال على حرص الصحابة والصحابيات على معرفة أمور الدين.وقد مهدت تلك المرأة لسؤالها بتمهيد، فقالت: (إن الله لا يستحي من الحق)، فهذا عذر مسبق لإقدامها على هذا السؤال الذي تستحي النساء غالباً من ذكره بحضرة الرجال، فقدمت بين يدي ذلك هذا التمهيد المشتمل على الاعتذار من كونها تسأل هذا السؤال، والحافز لها، والملجئ لها معرفة الحكم الشرعي؛ لتتعبد الله عز وجل به، ولتأخذ بما يأتي عن الشارع؛ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام لها بقوله: (نعم، إذا هي رأت الماء).فقوله: (إذا هي رأت الماء)، مع قوله: (نعم)، يعني: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ نعم؛ أي: عليها غسل، فكلمة (نعم) تعطي الجواب عن السؤال المسئول عنه، لكن لما كان الأمر مقيداً برؤية الماء، قال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فمنطوقه: أن وجوب الغسل من الجنابة التي حصلت عن طريق الاحتلام مقيد بحصول الماء الذي هو المني. فضحكت أم سلمة رضي الله تعالى عنها وقالت: (أو تحتلم المرأة؟)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففيم يكون الشبه؟)؛ يعني: إذا كان يشبه أخواله، ويشبه أمه، ويشبه أقاربه من أمه، فإن ذلك سببه؛ أنه مخلوق من مائها، كما أنه مخلوق من ماء الرجل، فهو مخلوق من الماءين، ومن أجل ذلك صار يشبه أخواله، أو يشبه أعمامه، وهذا الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم استفهام فيه تقرير وتوضيح، وبيان للإجابة على السؤال عنه؛ يعني: فكونه قال: نعم تحتلم المرأة، وفيم يكون الشبه؟ أتى بشيء مشاهد معاين، قرر به الجواب على هذا السؤال، فهو دليل واضح، وماثل للعيان؛ أي: الشبه الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والشبه بالأم دليل على أن لها ماءً، يخرج منها مثلما يخرج من الرجل.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف].هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وهو من شيوخ النسائي، ومن أهل بلده؛ يعني: كل منهما ينسب إلى نساء.[حدثنا يحيى].ويحيى هو ابن سعيد القطان الإمام، المشهور، الحجة، الثقة، العارف بالجرح والتعديل، الذي ذكر عنه الذهبي أنه فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وذكر عدداً كبيراً من العلماء ممن يعتمد على قولهم في الجرح والتعديل، ومنهم يحيى بن سعيد القطان وقال عنه: إذا اتفق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي على جرح رجل فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فصار قولهما معتمداً لا يعدل عنه وهو من الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو تابعي ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني أبي]. وأبوه هو عروة بن الزبير التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن زينب بنت أم سلمة]. وهي زينب بنت أم سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. [عن أم سلمة]. وهي أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهذا الإسناد كل رواته خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي فلم يخرج له إلا النسائي، أما الباقون وهم: يحيى بن سعيد القطان، وهشام بن عروة، وعروة، وزينب بنت أم سلمة، وأم سلمة، فهؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.وفي هذا الإسناد رواية صحابية عن صحابية؛ لأن زينب بنت أم سلمة صحابية، وفيه رواية بنت عن أمها؛ لأن زينب بنت أم سلمة تروي عن أمها أم سلمة. ورواية هشام بن عروة فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية ابن عن أب؛ لأن هشام وعروة تابعيان، وأم سلمة وبنتها صحابيتان.
شرح حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)].أورد النسائي حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها: (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله؛ لأنه كله سؤال عن احتلام من المرأة أو من النساء، والجواب فيه الأمر بالاغتسال عند وجود الماء، وعند رؤية الماء الذي هو المني بعد الاستيقاظ، فهو دال على ما دل عليه الذي قبله. وفي هذا الحديث أن خولة هي التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث مضى أن أم سليم سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الروايات إبهام السائلة، ويمكن أن يكون إحدى هاتين المرأتين هي المقصودة في رواية في حالة الإبهام، ويحتمل أن يكون غيرهما، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم فيهما أن الحكم هو الاغتسال عند رؤية الماء.
تراجم رجال إسناد حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء
قوله: [أخبرنا يوسف بن سعيد].ويوسف بن سعيد هذا ثقة، وهو من شيوخ النسائي، خرج له النسائي وحده.[حدثنا حجاج]. وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. وهو شعبة بن الحجاج أحد الثقات، الأثبات، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أمراء المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف -كما ذكرت سابقاً- من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل؛ لأن التعديل له صيغ من أعلاها الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وكذلك قولهم: فلان أثبت الناس، وفلان إليه المنتهى في التثبت، فهذه تعتبر من أعلى الصيغ في التعديل، ويقابلها صيغ التجريح أن يقال: هو ركن الكذب، وما إلى ذلك من العبارات الدالة على شدة الجرح، وعلى عظمه. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت عطاء الخراساني]. وهو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وأبوه اسمه: ميسرة، وهو صدوق، كثير الوهم، ويرسل ويدلس، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سعيد بن المسيب]. وهو سعيد بن المسيب، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يأتي ذكرهم كثيراً في أسانيد الأحاديث، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن خولة].وهي خولة بنت حكيم، وهي صحابية، مشهورة، روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم خمسة عشر حديثاً، وقد روى لها مسلم حديثاً واحداً من هذه الخمسة عشر حديثاً، وخرج حديثها البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج لها أبو داود، ولم يخرج لها البخاري في كتابه الصحيح.وهذا الإسناد كما هو معلوم وجد له طرق وشواهد، فلا يؤثر ذلك فيه، وإنما يؤثر فيما إذا كان الحديث لم يأت إلا من طريق واحد.
الذي يحتلم ولا يرى الماء
شرح حديث: (الماء من الماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الذي يحتلم ولا يرى الماء.أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء من الماء)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الذي يحتلم ولا يرى ماءً؛ يعني: أن الذي يحتلم ولا يرى ماء فإنه ليس عليه الغسل؛ لأن الترجمة السابقة فيها الاغتسال عند حصول الاحتلام ورؤية الماء، وأن الاغتسال قيد برؤية الماء، وهنا الترجمة عندما يوجد احتلام، ولا يرى ماء، فإنه لا يكون عليه غسل، والذي يفهم من الأحاديث السابقة؛ وهو المحتلم عندما يرى ماءً مفهومه أن من احتلم، ولم ير ماءً أنه لا غسل عليه، وهذه الترجمة هي بهذا الموضوع، وقد أورد فيه حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء من الماء)، و(الماء)، الذي هو الاغتسال، و(من الماء) الذي هو المني؛ لأن الماء الأول غير الماء الثاني، والأول سببه الثاني؛ يعني: سبب الماء الأول الذي هو الاغتسال الماء الثاني الذي هو الإنزال. إنزال الماء؛ الذي هو المني، فقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) يدل على ما دل عليه الذي قبله أنه عند وجود الماء من الإنسان رجل أو امرأة -سواءً كان عن طريق جماع في اليقظة، أو عن طريق منام- فإنه لا بد من الاغتسال، وليس الأمر مقيداً بوجود الماء الذي هو المني في حال اليقظة، بل الأمر كما عرفنا سابقاً أنه عند التقاء الختانين يتعين الغسل، وإن لم يحصل إنزال، لكن إذا صار هناك مداعبة وملاعبة، ولم يكن هناك إيلاج، ولم يحصل التقاء الختانين، فإنه لا اغتسال إلا مع إنزال، وكذلك في المنام لا اغتسال إلا مع إنزال، ولكن في هذه الحالة التي دلت عليها الأحاديث السابقة، وهي (إذا جلس بين شعبها، ثم جهدها فقد وجب الغسل)؛ يعني: هذا يدل على أنه وإن لم يوجد إنزال.وقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) فيه نوع من البلاغة يقال له: الجناس، وهو اتفاق اللفظين ومعناهما مختلف؛ لأن هنا (الماء) اللفظ واحد، ولكن المعنى مختلف؛ فالماء الأول: هو الماء المعروف الذي يتطهر به، والماء الثاني: هو المني الذي هو سببُ الاغتسال، فهذا يسمى في علم البلاغة: جناس، مثل قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة [الروم:55]، (الساعة) التي هي نهاية الدنيا (ما لبثوا غير ساعة)؛ يعني: في الدنيا ما لبثوا إلا ساعة من الزمان، فهذا يقال له: جناس. فإذاً: الحديث دال على ما ترجم له من جهة أنه إذا لم يوجد ماء في المنام فإنه لا غسل، ويدل عليه أيضاً التقييد في الأحاديث السابقة حيث قال: (نعم، إذا رأت الماء)، فكلمة: (إذا رأت الماء) معناه: إذا لم يوجد ماء فإنه لا غسل.
تراجم رجال إسناد حديث: (الماء من الماء)
قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء]. عبد الجبار بن العلاء هذا سبق أن مر، وهو ثقة، قال الحافظ: لا بأس به. وخرج له مسلم، والنسائي، والترمذي.[عن سفيان]. هو: ابن عيينة، هنا مهمل، وليس مبهماً؛ لأن المبهم غير هذا، فالمبهم مثل أن يقال: رجل، وعن رجل، فهذا مبهم، ولكن إذا كان الشخص مذكوراً اسمه، ولكن لم يذكر نسبه، وهو يحتمل أشخاصاً، فيقال له: مهمل في علم المصطلح؛ يعني: مهمل النسبة، هنا جاء في الإسناد مهملاً، ولكنه جاء في سنن ابن ماجه مسمى، قال ابن ماجه: حدثنا سفيان بن عيينة فجاءت تسميته وتعيينه، ونسبته في سنن ابن ماجه ، فعرف أنه ابن عيينة، وأنه ليس الثوري. ومعلوم فيما مضى أن سفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، عابد، وأنه ممن خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو]. وهنا عمرو ولم ينسبه، فهو مهمل أيضاً، ولكنه نسب في سنن ابن ماجه ، وذكر اسمه واسم أبيه، وهو: عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن السائب]. و عبد الرحمن بن السائب يقال له: ابن السائب، ويقال: ابن السائبة، وقد خرج له النسائي، وابن ماجه، وهو مقبول كما قال الحافظ ابن حجر، وهذا الحديث هو الحديث الوحيد له في هذين الكتابين.[عن عبد الرحمن بن سعاد]. وكذلك شيخه عبد الرحمن بن سعاد أيضاً ليس له في الكتب إلا هذا الحديث الواحد. وعبد الرحمن بن السائب، وعبد الرحمن بن سعاد كل منهما قال عنه في التقريب: مقبول، وكل منهما خرج له النسائي، وابن ماجه .[عن أبي أيوب]. وهو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل ممن تقدم إسلامه، وهو الذي نزل عنده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجراً، نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كما جاء ذلك مبيناً في صحيح مسلم وغيره.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:43 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(66)
الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة
شرح حديث أنس في التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الفصل بين ماء الرجل، وماء المرأة. وأورد فيها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه)؛ يعني: إذا سبق ماء الرجل كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة كان الشبه لها، ولقرابتها. وهذا الحديث مطابق للترجمة؛ لأن الترجمة الفصل بين ماء الرجل، وماء المرأة؛ يعني: التمييز بينهما من حيث الوصف، ومن حيث الصفات، فهذا الحديث فيه تمييز بين الماءين؛ حيث وصف ماء الرجل بوصفين: من جهة اللون، ومن جهة الغلظ والرقة، فماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، وإذا سبق هذا كان له الشبه، وإذا سبق ذاك كان له الشبه. إذاً: فهذا بيان من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن صفة ولون ماء الرجل وماء المرأة، وأنهما يلتقيان، وأنه يكون الولد من الماءين، وأن الشبه يكون للسابق منهما.وقد اختلف في المراد بالسبق، فقيل: أن السبق بالإنزال، وقيل: إن السبق بالغلبة والكثرة، ففسر بتفسيرين: إما سبق بحصول الإنزال من أحدهما قبل الآخر، أو بحصول الغلبة من أحدهما للآخر، وعند ذلك يكون الشبه، إما لهذا أو لهذا، والذي هو السبق بالإنزال، أو السبق بالغلبة والكثرة. وتقدم هذا الإسناد قبل أربعة أحاديث أو خمسة أحاديث في الحديث رقم مائة وخمسة وتسعين.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بن راهويه ، وهو ثقة، ثبت، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[أنبأنا عبدة]. وهو عبدة بن سليمان الكلابي، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد]. وهو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. وهو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
تصحيف اسم شعيب بن يوسف بدل ابن يوسف شيخ النسائي في بعض النسخ
السؤال: في بعض النسخ: شعيب بن يونس بدل ابن يوسف، فهل هذا صحيح؟الجواب: لا، والصواب هو شعيب بن يوسف، وشعيب بن يوسف هذا هو شيخ النسائي.
احتلام أمهات المؤمنين
السؤال: هل حصل من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن احتلام؟ وهل يليق بهن ذلك؟ الجواب: لا ندري هل حصل لأمهات المؤمنين احتلام أو لم يحصل؟ وإذا كان الاحتلام يقع من الشيطان فقد لا يحصل لهن ذلك، وإن كان الاحتلام يحصل من قوة الشهوة، وأنه يحصل في المنام ما يحصل به تخفيف هذه القوة عن طريق خروج الماء بهذا الذي يراه النائم في منامه فهذا يمكن أن يكون في حقهن، كما يمكن أن يكون في حق الأنبياء، كما قال ذلك بعض العلماء، وقد أشرت إليه سابقاً عند الحديث الذي تقدم، حيث تقول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير احتلام)، وذكرت هناك أن بعض العلماء قال: إنه إذا كان الاحتلام من طريق تلاعب الشيطان فلا سبيل للشيطان على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وإن كان ليس عن طريق الشيطان، وليس من تلاعب الشيطان، وإنما هي قوة تكون في الشخص يحصل خروج شيء منه في المنام، ويفيض في المنام، فهذا يتصور حصوله، ويمكن أن يحصل، وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن لا نعلم شيئاً عن حصول الاحتلام منهن، بل إن عائشة استغربت، وتعجبت من حصول ذلك، وأم سلمة أيضاً كذلك تعجبت وقالت: أو تحتلم المرأة؟
علاقة الرافضة بطوائف الإسلام
السؤال: هل الرافضة تعد من إحدى طوائف المسلمين؟ الجواب: ذكر بعض العلماء أن الجهمية والرافضة لا يعدون من الثلاث والسبعين فرقة، ولا شك أن من يعتقد أموراً معروفة في كتب الرافضة مثل اعتقاد أن الأئمة الاثني عشر أفضل من الأنبياء، والمرسلين، والملائكة المقربين فهو كافر، ليس من المسلمين، وكذلك من يقول: إن الأئمة عندهم الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها من أولها إلى آخرها، وأنهم يعرفونها بلغاتها، فهذا كلام لا يقوله عاقل يعي ما يقول، وكذلك أمور أخرى هي من هذا القبيل، فمن يعتقد مثل هذا الاعتقاد لا شك في كفره.وعلى كل فالعلم عند الله عز وجل، نحن نقول: من يعتقد هذا الكلام فهو كافر.
مدى صحة حكم الإمام أحمد في الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة
السؤال: قيل: إن الإمام أحمد سئل عن الإمام أبي حنيفة فقال: فقه لا حديث، وعن الإمام مالك فقال: حديث بلا فقه، وعن الإمام الشافعي فقال: حديث وفقه، فما صحة هذه المقولة؟ الجواب: هذه المقولة لا أعرف عنها شيئاً، ولكن كونه يقول عن الإمام مالك: حديث بلا فقه، فهذا ما أظنه يستقيم، بل الإمام مالك محدث وفقيه، وأما أبو حنيفة، فهو فقيه بلا شك، وأحاديثه قليل، ومنزلته عند المحدثين ليست قريبة، ولا نسبة بينها وبين الأئمة الباقين، فهو عندهم فقيه، مشهور، فالعبارة قد يشم منها أنها ليست بسليمة.
قيام المسبوق في الصلاة لقضاء ما فاته قبل تسليم الإمام التسليمة الثانية
السؤال: رأيت كثيراً من الناس يقومون بعد التسليمة الأولى لقضاء حوائجهم، فما نصيحتكم لهذا الأمر؟ لعله يخرج خلف الإمام.الجواب: حوائجهم؛ يعني: الفوائت، فالذي ينبغي للإنسان أن لا يقوم إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية، فهذا هو الأحوط وهو الأولى، وإن كان بعض العلماء قال: إن الخروج من الصلاة بعد التسليمة الأولى فقط، ولكن من العلماء من قال: إن التسليمتين من أركان الصلاة، ولا شك أن من تمهل، وانتظر حتى يسلم الإمام من التسليمة الثانية، فلا شك أن هذا قد أخذ بالاحتياط، وفعل ما فيه السلامة، وفيه الاطمئنان.
مرتبة تدليس قتادة بن دعامة السدوسي
السؤال: تدليس قتادة بن دعامة السدوسي هل هو من النوع الفاحش؟ فقد ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين؟ وهل نحتاج إلى تصحيحه بالتحديث؟ الجواب: ما أدري عن منزلة تدليس قتادة، ولكن قتادة لا شك أنه معروف بالتدليس، لكن إذا كان الراوي عنه شعبة فهو مأمون تدليسه؛ لأن شعبة معروف عنه أنه لا يروي عن شيوخ المدلسين إلا ما كان من سماعهم، وما كان مسموعاً له.
تقديم صوم الفرض على صوم النفل
السؤال: يا شيخ! إذا كان على الإنسان قضاء صوم الفرض، هل يصوم النفل ويؤجل الفرض، مع ذكر الدليل؟ الجواب: الإنسان إذا كان عليه صوم فرض يبدأ به قبل النفل، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ ممن افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه). والفرض دين، وأما النفل فهو على اسمه؛ نفل؛ زيادة، ومن المعلوم أن الدين مقدم على غيره في القضاء، ولكن إذا جاءت مناسبة، وأراد الإنسان ألا تفوت هذه المناسبة فيمكن أن يصوم الإنسان هذه المناسبة على أنها فرض مثل يوم عرفة، فإذا كان إنسان عليه قضاء من رمضان، وجاء يوم عرفة -وهو يوم له فضل، وهو أفضل صيام التطوع- فيصومه، ولكن بنية الفرض، فيدرك بذلك أداء الواجب، ويدرك بذلك أيضاً كونه يشارك الصيام في هذا اليوم المفضل الذي له ميزة على غيره، وله فضل على غيره، وأما أن يتنفل وعليه دين فلا، بل يؤدي الواجب أول، ثم يتنفل، ومن ذلك صيام ست من شوال، فالإنسان إذا كان عليه صيام من رمضان، ويريد أن يصوم ستاً من شوال، فيبدأ أولاً بالفرض الذي عليه، ثم يصوم الست النافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) فهذا الذي بقي عليه يوم من رمضان لا يقال: إنه صام رمضان، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، والذي عليه قضاءً من رمضان لا يقال له: إنه صام رمضان. فإذاً يبدأ بالفرض أولاً، ثم يأتي بالنوافل بعد ذلك، وكما قلت: إذا كان هنالك مناسبة مثل يوم عاشوراء ويوم قبله ويوم بعده، ويوم عرفة أو التسع الأولى من ذي الحجة، فإن الإنسان ينوي الفرض كما جاء ذلك بالسنة المطهرة. ولو خشي فوات الست من شوال فعليه أن يصوم الفرض، وإن فاتته الست.
تخصيص فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل الصحابة
السؤال: هل فعل الصحابة يخصص فعل الرسول صلى الله عليه وسلم العام؟ مع ذكر المثال على ذلك. الجواب: لا شك أن إجماع الصحابة على فعل من الأفعال يمكن أن يخصص به؛ لأن الإجماع لا يكون إلا عن نص، سواءً عُلم النص أو لم يعلم، لكن إذا كان قول صحابي واحد، سواءً خالفه غيره أو لم يخالفه غيره، فإن الحديث باق على عمومه، وفعل صحابي واحد في حالة من الأحوال على خلاف ما هو معروف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخصصه. ومن أمثلة ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعفي لحيته، ولا يأخذ منها شيئاً، وكان يتركها -والحديث الذي ورد في سنن الترمذي: (أنه كان يأخذ من عرضها وطولها) فهذا غير ثابت؛ لأن في سنده عمر بن هارون البلخي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه- وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة عند الفراغ من النسك، فلا يقال: إن فعله هذا مخصص لما عرف من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مداومته وملازمته، وعدم تعرضه للحيته، فالحق هو الأخذ بما جاء عنه من الفعل المستديم منه صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ بقول أو بفعل هذا الصحابي الذي فعله في بعض أحواله رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الطريقة المثلى لحفظ الرجال والأسانيد
السؤال: ما هي الطريقة المثلى لحفظ الرجال؟ الجواب: الطريقة المثلى في حفظ الرجال هي: المراس، والمعايشة، وكثرة المراجعة؛ يعني: مثل عملنا الآن يتكرر علينا أسماء الرجال كثيراً، فعرفنا عدة رجال من حيث إنهم -طبقتهم- في أعلى الإسناد، أو في أول الإسناد، أو في آخر الإسناد، أو في وسط الإسناد، وكذلك كونهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، أو إلا فلان، أو ما إلى ذلك، فهذه الطريقة هي التي بها يمكن معرفة الرجال، وكثرة المراس، وكثرة العمل فيما يتعلق بالمراجعة عند ذكر الأحاديث، ومعرفة درجتها، ومعرفة رجالها، فهذه هي الطريقة المثلى التي يمكن للإنسان أن يعرف بها الرجال، والاطلاع على التراجم بمناسبة مجيء ذكره في الأحاديث، لا سيما إذا حصل التكرار، فإنه مع كثرة التكرار يثبت الشيء، وهو كما يقولون: إن الحجر يمكن أن يؤثر فيه الشيء اللين، وكانوا فيما مضى يستعملون السواني، وكان الرش أحياناً يكون من أشياء رقيقة، وعندما يكثر مروره على الحجر، وهو لين يخرق الحجر، ويؤثر فيه وهو لين، والحجر صلب قاس، ولكن مع كثرة المراس يحصل هذا الشيء، فكذلك هنا مع كثرة المراجعة وكثرة المراس يحصل معرفة الأشخاص. الآن مر بنا أشخاص كثيرون، لو مثلاً: سألنا عنهم الآن وقلنا: فلان ما هي درجته؟ ومن خرج له؟ فيمكن نجد الجواب عند الكثيرين، أو عند الكل إن شاء الله. فمثلاً: قتيبة بن سعيد، ما أكثر ما مر علينا! قتيبة بن سعيد، وعرفنا أنه ثقة، ثبت، وأنه من رجال الجماعة، وإسحاق بن إبراهيم مر علينا كثيراً وهو ثقة، ثبت، وهو من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، وشعبة بن الحجاج مر علينا كثيراً، أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وطبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وطبقة شيوخ شيوخهم، وطبقة الوسط، ومن فوقهم، وطبقة التابعين، وطبقة كبار التابعين، وطبقة الصحابة، وهكذا، فهذه الطريقة هي التي بها يحصل تثبيت المعلومات فيما يتعلق في معرفة الرجال.
حكم مراسلة الخاطب خطيبته
السؤال: ما حكم مراسلة الخاطب لخطيبته، أو مكالمتها عن طريق الهاتف؟ الجواب: ما يصلح للإنسان أن يكون على صلة بخطيبته إلا بعد العقد، فإذا وجد العقد وتم، فعند ذلك يمكن معه كل شيء، وأما قبل حصول ذلك فإنه قد يحصل تباعد وعدم اتفاق، ويمكن أن يتخذ ذلك بعض اللاعبين من قبيل الاحتيال، فيكون في ذلك مجال لتلاعب المتلاعبين، فالذي ينبغي ألا يفعل شيئاً من هذا إلا بعد تمام العقد.
الاحتلام في ليل رمضان وتأخير الاغتسال حتى طلوع الفجر
السؤال: في يوم من أيام رمضان الماضي -تقبل الله منا ومنكم صيامه وقيامه- قمت من النوم محتلماً، وقد خرج الماء، ثم عصرت ذكري لكي أخرج ما فيه من الماء، وبعد ذلك ذهبت أفكر في الحلم وفي أشياء لم تكن في الحلم، ثم عصرت ذكري مرةً أخرى فخرج ماءً لم يخرج في المرة الأولى، فما أدري هل الماء الذي خرج متأخراً هو من الاحتلام، أو من جراء التفكير وبسببه؟ فما حكم الشرع في صيامي هذا؟ وهل عليّ قضاء؟ الجواب: عرفنا أن الإنسان إذا احتلم أو جامع، ثم نام وأصبح جنباً أن صيامه صحيح وعليه أن يغتسل، وإنما الممنوع أن يحصل الجماع والإنزال، أو معالجة الإنزال بعد طلوع الفجر، وأما أن يحصل جماع في الليل، ثم يتأخر الاغتسال حتى يدخل الفجر فيمكن الإنسان أن يدخل في الصيام وعليه جنابة كما جاء في الحديث الذي مر: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام، ويستمر على صيامه )، فدل ذلك على أن حصول الجنابة قبل وقت الصيام، ومجيء وقت الصيام وهو لم يغتسل أن ذلك لا يؤثر فيها، وكونه عندما جاء يغتسل عصر ذكره وأخرج أشياء بقيت فيه، فهذا لا يؤثر شيئاً، وهذه المعالجة التي حصلت منه، وخروج شيء بقي فهذا ليس فيه شيء، ولا يؤثر في صيامه، وإنما عليه الغسل. وأما إذا كان حصل معالجة، وحصل إنزال جديد، وحصل دفق، فهذا من ملامسة يده، أو من تحريك يده، فيكون بذلك كناكح يده الذي يمني بهذا العمل، فهذا كما هو معلوم عمل سيئ، ويفسد الصيام.
دخول الدخان إلى جوف الصائم بغير اختيار
السؤال: أنه كان قريباً من نار مشتعلة، فدخل الدخان في حلقه، فهل يؤثر على صيامه؟ الجواب: دخول الدخان في حلقه، وهو لم يقصد ذلك، ولم يتعمد ذلك لا يؤثر على صيامه شيئاً، وإنما على الإنسان أن يبتعد ويحترز، وإذا حصل شيء من غير اختياره ومن غير إرادته فلا شيء عليه في ذلك.
الاستدلال بقول النبي: (طوقه من سبع أراضين) على تلاصق السبع الأراضين)
السؤال: كيف يستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)، على أن الأرضين السبع متلاصقة وليس بينهما شيء؟ الجواب: نعم، الحديث واضح الدلالة على أن الأرضين السبع متلاصقة، وليست كل أرض بينها وبين الأرض التي فوقها مسافة وفيها سكان، ليس هناك شيء يدل على هذا، وإنما ورد فيه حديث ضعيف، قال عنه بعض العلماء: إسناده واه، يقول: إن فيها آدم كآدم، وموسى كموسى، وكذا كل أرض فيها كذا، وهذا ليس بصحيح، ولكن الصحيح هو هذا الحديث الذي رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما: (من ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة)، فهذا دليل على أنها متلاصقة؛ لأنها لو كل أرض لها سكان لكان الجماعة التي تحت الأرض التي تحتهم هي التي يكون الظلم منهم عليها، لكن لما كان الإنسان عندما يظلم شبراً من الأرض يحمل سبع أراضين؛ هذه القطعة تجعل على كتفه يوم القيامة؛ معناه: أنها متلاصقة؛ لأنه لو لم تكن متلاصقة لم يجعل على كتفه إلا طبقة الأرض العالية الأولى، فلما جاء: ( طوق من سبع أراضين ) عرف بأنها متلاصقة؛ لأن من ظلم شبراً إلى أسفل شيء كله يأتي على رقبته يحمله يوم القيامة، فهذا دليل واضح على أنها متلاصقة؛ لأنه لو كان كل أرض لها سكان، وفيها عالم غير العالم الموجود هذا، لكان كلٌ مسئول عن الذي تحته من الأرض، (من ظلم شبراً)، يعني: مقدار الأرض التي هو فيها، ثم الأرض التي تحت الجماعة يصير ظلماً يحملونه على أعناقهم إذا كانوا ظالمين.
التفريق بين المني، والإفرازات، والالتهابات عند المرأة
السؤال: الحديث الذي مر بنا: (نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل)، فهناك عند أهل الطب إشكال في فهم الحديث، فإن ماء المرأة الذي ينزل عند الشهوة لا يمكن التفريق بينه وبين الإفرازات بسبب المرض والالتهابات وما يحدث عند الحمل، فما الحل يا ترى؟ الجواب: معلوم أنها إذا رأت في المنام إفرازات وهي حامل، فهذا لا يقال: إنه جنابة، ولكن إذا كانت رأت في المنام حصول جماع، ثم قامت، ووجدت ذلك الماء فهذا هو الذي يكون منه اغتسال، وأما إذا كانت حامل ولا رأت أنه حصل جماع وإنما قامت ووجدت هذا الماء الذي يكون نتيجة الحمل أو ما إلى ذلك فهذا لا يلزم معه اغتسال.
تقديم قول النبي على قول الأطباء في وصف ماء المرأة
السؤال: حديث: (ماء المرأة رقيق أصفر) حول فهمه إشكال آخر؛ لأن الأطباء عندهم بالإجماع أن لون ماء المرأة بسبب الشهوة أبيض شفاف، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب: معلوم أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام هو الحق، وهو طبيب القلوب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو الذي جاء بالحق والهدى، وهو لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، فما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وإذا كان الأطباء اكتشفوا أن بعض النساء تكون كذلك، فيكون هذا نادراً، أما أن يقال: إن النساء كلهن ليس فيهن هذا الوصف الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فلا، بل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهو الصدق، وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
مدى صحة القول بأن الجن يسكنون تحت الأرض
السؤال: هل صحيح ما يقال من أن الجن يسكنون تحت الأرض؟ وأن عندهم مثل ما عند الإنس فوق الأرض؟ الجواب: كون الجن يسكنون تحت الأرض فالله تعالى أعلم، لكن هم يسكنون كما هو معلوم على وجه الأرض، وهم يروننا ولا نراهم، ويكونون حولنا، ولا نعرف عنهم شيئاً، كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]. والله تعالى أعلم.
رأي بعض الأطباء في حديث (ماء المرأة أصفر)
السؤال: قال بعض الأطباء: إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أن الماء أصفر ليس الذي يخرج مع الشهوة، إنما هو يكون في المبيض، أي أنه عبارة عن بويضة صغيرة، فإذا جاء عليه الحيوان المنوي خرج بإذن الله عز وجل كما قاله صلى الله عليه وسلم.الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن بأن هذا الماء الأصفر يكون منه الولد، وهو يكون بسببه الشبه، ولهذا قال: (إن ماء الرجل كذا، فأيهما سبق صاحبه كان الشبه له).والمني ما يخرج إلا مع الشهوة، فإذا كان هناك ماءان ينزلان، فهذا شيء آخر ما ندري عنه، لكن الذي يكون منه الشبه والذي جاء في الحديث هو هذا الماء الأصفر الذي ميزه عن ماء الرجل.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(67)
- باب ذكر الاغتسال من الحيض
يجب الاغتسال من الحيض، أما المستحاضة فقد جاءت أحاديث كثيرة تبين أنها لا تترك الصلاة، وإنما يجب عليها أن تغتسل بعد انتهاء أيام قرئها ثم تشد على فرجها بخرقة ثم تتوضأ وتصلي.
ذكر الاغتسال من الحيض
شرح حديث فاطمة بنت قيس في الاغتسال من الحيض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاغتسال من الحيض.أخبرنا عمران بن يزيد أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن سعيد حدثني هشام بن عروة عن عروة عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها من بني أسد قريش: (أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي)].يقول النسائي رحمه الله: ذكر الاغتسال من الحيض. سبق أن تقدم للنسائي ترجمة عامة؛ وهي قوله: ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، وأتى بأشياء ذكر منها هنا في هذه الترجمة أن مما يوجب الغسل هو: انقطاع الحيض. وقد أورد النسائي رحمه الله تعالى في هذا عدة أحاديث، وهذه الأحاديث تتعلق بمستحاضات؛ يعني: أنهن يخرج منهن الدم دائماً في أوقات مستمرة، وبعض هذه الأوقات التي يخرج منها الدم يكون الخارج حيضاً، وفي غير مدة العادة يكون الخارج استحاضة. والاستحاضة هي: الدم الذي يسيل من رحم الأنثى في غير أوقاته المعتادة؛ يعني: في غير أوقات الحيض؛ لأنه إذا كان الخروج في الأوقات المعتادة -التي هي عادة المرأة- فإنه يكون حيضاً ولا يكون استحاضة. ومن المعلوم: أن هناك فرقاً بين الحيض والاستحاضة؛ فالحيض يمنع الصلاة، ويمنع الصيام، ويمنع الجماع، والاستحاضة لا تمنع ذلك، فيمكن معها الصيام، والصلاة، والجماع.فـالنسا� �ي أورد عدة أحاديث تتعلق بالمستحاضات، وفيها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهن بأن يعرفن عادة الحيض، ويتركن الصلاة خلالها، وإذا انقضت العدة، وذهبت المدة التي هي مدة الحيض، فإنها تغتسل من الحيض وتصلي؛ يعني: أن تركها للصلاة في حال حيضها هذا أمر لازم، ولكن إذا انتهى الحيض وحصل الاغتسال منه، فإن الصلاة يلزم الإتيان بها، ولو كان الدم سائلاً فيما هو زائد عن الحيض، الذي هو في مدة الاستحاضة، ووقت الاستحاضة.قوله: (ثم اغسلي عنك الدم وصلي)، قيل: أن قوله: (اغسلي عنك الدم) المراد منه: أنها تغسل الدم عن جسدها وفرجها، وما كان تلوث منها، وتغتسل مع ذلك، وتصلي، وقيل: إن المراد بغسل الدم هو: الاغتسال. ولكن كما هو معلوم: لا بد من غسل الدم، وإزالة النجاسة التي صارت بسبب الحيض، والتي نتجت عن الحيض، والاغتسال لا بد منه؛ لأنه واجب ومتحتم، وهو من الأغسال الواجبة التي لا بد منها، فهذه المرأة -وهي: فاطمة بنت قيس- كانت مستحاضة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما حصل لها؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: (إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا انتهت فاغسلي عنك الدم وصلي)، والمقصود من إيراد الحديث هنا: الاغتسال من الحيض، وذلك بعد أن تنتهي مدة الحيض، وتعود إلى الصلاة، ولو كان دم الاستحاضة مستمراً معها؛ لأن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة. وهناك فروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة تعرفها النساء؛ منها: اللون، ومنها: الرائحة، ومنها: أوجاع تحصل عند الحيض، وغير ذلك من الصفات والهيئات التي يتميز بها دم الحيض عن دم الاستحاضة. وقوله: (زعمت)، المراد بالزعم هنا: القول المحقق، وليس القول المشكوك فيه؛ لأن الزعم يأتي للمشكوك فيه، ويأتي للقول المحقق، وهنا من القول المحقق، ومعناه: أنها أخبرت خبراً محققاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (إنما ذلك عرق)، يعني: هذا الدم الذي يسيل منها بصفة دائمة، هذا ليس حيضاً، وإنما هو استحاضة، وهو عرق يسيل بصفة مستمرة، وهذا لا يمنع الصلاة، وهو مثل سلس البول، والريح التي تخرج بصفة دائمة، فلا تمنع عن الصلاة، فالإنسان يصلي ولو كان معه سلس البول إذا كان مستمراً، وكذلك من يخرج منه ريح دائمة، فإنه يتوضأ ويصلي، ولا يمتنع من الصلاة، وكذلك المستحاضة فإنها لا تمتنع إلا في المدة التي يأتيها الحيض.
تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في الاغتسال من الحيض
قوله: [أخبرنا عمران بن يزيد]. عمران بن يزيد هو: عمران بن خالد بن يزيد، أحياناً ينسب إلى جده كما هنا؛ وأحياناً يذكر اسم أبيه واسم جده، وهنا ذكر منسوباً إلى جده، وأبوه خالد، يقول الحافظ ابن حجر: وأحياناً يقلب، يعني: يحصل القلب في الاسم، فيقال: يزيد بن عمران، وهذا كما سبق أن تقدم، إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فهو شخص واحد، ولكنه حصل قلب في اسمه، فيأتي مرةً على ترتيب، ويأتي مرةً أخرى مقلوباً، وأحياناً اسمه واسم جده هنا، فيقال: عمران بن يزيد، أو يزيد بن عمران، وهو: عمران بن خالد بن يزيد، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده. [أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي].هو إسماعيل بن عبد الله العدوي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ومسلم.[حدثنا الأوزاعي]. الأوزاعي هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، وفقيهها، ومحدثها، الثقة المشهور، وهو مشهور بهذه النسبة الأوزاعي، فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، ومن المعلوم أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن معرفة ذلك مهم؛ لأن من لا يعرف هذا لو ذكر مرة من عرفه مشهورا باسمه ونسبته، ولا يعرف كنيته، فلو قيل له: عبد الرحمن أبو عمرو لظن أن ذلك خطأ، وأن (أبو) مصحفة عن (ابن)، لكن كله صواب، هو: عبد الرحمن أبو عمرو، وهو: عبد الرحمن بن عمرو، وهو: ابن عمرو فهو صواب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى بن سعيد]. يحيى بن سعيد هو: الأنصاري، ولا يفكر ولا يقدح في الأذهان أن يكون يحيى بن سعيد القطان؛ لأن يحيى بن سعيد القطان من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وأما هذا من طبقة شيوخ مالك، والأوزاعي، وهو من صغار التابعين، فإذا مر ذكره مثلاً غير منسوب وقيل: الأنصاري، فإنه: يحيى بن سعيد الأنصاري؛ لأنه في طبقة التابعين، لكن يوافقه في الطبقة شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد التيمي، وأما يحيى بن سعيد القطان فهو ليس من طبقته، وبعيد من طبقته، فهو من طبقة تلاميذ تلاميذه، الذي هو يحيى بن سعيد القطان، فـيحيى بن سعيد هذا هو الأنصاري المدني، وقد جاء ذكره في أول حديث من صحيح البخاري؛ حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فيه يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب وهؤلاء الثلاثة من التابعين في هذا الإسناد الذي هو: إسناد حديث عمر، وهم: علقمة بن وقاص من كبار التابعين، ومحمد بن إبراهيم من أوساط التابعين، ويحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين، فهو من طبقة صغار التابعين، يروي عنه الأوزاعي، ومالك، ومن كان في طبقتهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فـيحيى بن سعيد اثنان في طبقة؛ وهي طبقة صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد التيمي، ومعروف بكنيته أبي حيان. أما يحيى بن سعيد القطان فهو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، ومسلم، وفي طبقته شخص آخر اسمه: يحيى بن سعيد الأموي؛ لأن القطان والأموي في طبقة شيوخ شيوخ البخاري. فهما في طبقة واحدة.فإذا؛ قيل: كيف يفرق بين الأنصاري والتيمي؟ وبين الأموي والقطان؟نقول: يفرق بين الأنصاري والتيمي، وبين الأموي والقطان، بالشيوخ والتلاميذ، هذه هي الطريقة التي يفرق بين اثنين مثل التفريق بين سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فإنما يعرف عن طريق الشيوخ والتلاميذ. قوله: [حدثني هشام بن عروة]. هشام بن عروة هو: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن عروة]. هو: عروة بن الزبير، وهو من التابعين، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن فاطمة بنت قيس]. فاطمة بنت قيس صحابية سألت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بما يحصل لها، وهي من بني أسد؛ من أسد قريش، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وأحياناً يأتي ذكرها بنت أبي حبيش، وأبو حبيش هو: قيس، أحياناً يأتي قيس، وأحياناً يأتي أبو حبيش.
شرح حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عمار حدثنا سهل بن هاشم حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغتسلي)؛ يعني: الاغتسال من الحيض؛ لأن الحيض انقطاعه يوجب الغسل، وهذا مختصر؛ يعني: أن فيه حكاية ما جاء في المرأة التي استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستحاضة، وقال: (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)، والحديث جاء من طرق متعددة ذكرها المصنف، ولكنه ذكرها هنا مختصراً.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)
قوله: [أخبرنا هشام بن عمار]. هو هشام بن عمار، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سهل بن هاشم]. هو سهل بن هاشم، وهو صدوق، لا بأس به، خرج له النسائي. [حدثنا الأوزاعي]. الأوزاعي قد مر في الإسناد الذي قبل هذا. [عن الزهري]. الزهري هو الإمام المعروف المشهور في المدينة، وهو من المحدثين الفقهاء، وممن جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه هو الذي تولى تدوينه بتكليف من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك. قوله: [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة، هذا مثل الإسناد الذي قبله، عن هشام بن عروة، وهنا عن الزهري، عن عروة بن الزبير. فهنا يكون الطريق أخصر؛ لأن الأول فيه يحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وهنا: الأوزاعي عن الزهري عن عروة.
شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي ثم صلي)]. هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، الذي ذكرت فيه (أن أم حبيبة بنت ) وهي أخت زينب بنت أم المؤمنين، (شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تستحاض)، فقال لها: (أن ذلك ليس بالحيضة)، يعني: هذا الدم، (ولكن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي) يعني: أنه عندما ينقطع دم الحيض -المعروف الذي تعرفه النساء من عادتهن، وبصفاته المعروفة لديهن- فإنها تغتسل، وتصلي، ولا تترك الصلاة في أيام استحاضتها؛ لأن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة، ولا الصيام، ولا الجماع، ولا الطواف والسعي، وما إلى ذلك من الأمور التي تفعلها النساء؛ لأن هذا مثل سلس البول حكمه حكمه، ولا فرق بينه وبينه في الحكم، من حيث أن هذا يصلي على حسب حالها، وهذه تصلي على حسب حالها إذا كان الدم يخرج منها، إلا أنها تستثفر حتى لا يتقاطر في المسجد إذا جاءت إليه، أو في مكان مصلاها، حتى إذا خرج شيء في وقت الصلاة، أو يعلق وينشب في ذلك الثوب الذي جعلته في فرجها ويستقبل الدم الذي يسيل منها لا يسيل على فخذيها.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
أما إسناد الحديث فهو إسناد الحديث الأول الذي تقدم، إلا أن فيه زيادة عمرة مع عروة.[عن عروة وعمرة]. عروة هو ابن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وهي أنصارية، وهي ثقة، أكثرت من رواية الحديث عن عائشة، وهذه من روايتها عن عائشة، وهي من الرواة الذين خرج لهم أصحاب الكتب الستة. [حدثنا إسماعيل بن عبد الله]هو نفسه إسماعيل بن عبد الله الذي في الإسناد الأول.
شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الهيثم بن حميد أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو معيد وهو حفص بن غيلان عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت امرأة عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت زينب بنت ، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحياناً في مركن في حجرة أختها زينب، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن حمرة الدم لتعلو الماء، وتخرج فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعها ذلك من الصلاة)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو حديثها الذي ذكرت فيه: أن أم حبيبة بنت -أخت زينب بنت أم المؤمنين- أنها كانت تستحاض، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: (إنما ذلك عرق، فإذا أدبرت الحيضة، فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فدعي لها الصلاة)، يعني: أن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الكلام أنها تعرف عادتها؛ من مجيء الحيض إليها، فإذا أقبلت العادة تدع الصلاة؛ لأن الحائض لا تصلي، وإذا أدبرت وانقضت فإنها تغتسل وتصلي، وقالت عائشة: (فكانت تغتسل لكل صلاة) والحديث هنا ليس فيه ذكر الاغتسال لكل صلاة، وإنما فيه ذكر الاغتسال عند إدبار الحيضة، وهو الاغتسال من الحيض.والحديث فيه: الأمر باغتسالها عند إدبار الحيضة، ولكن اغتسالها لكل صلاة إنما هو من فعلها، فكانت تغتسل في كل صلاة في حالة استحاضتها؛ يعني: بعدما انقضت عدتها التي هي دم الحيض التي كانت لا تصلي فيها، فهي تغتسل من الحيض، والرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تغتسل من الحيض، وهي كانت تغتسل لكل صلاة، فقيل: إنها فهمت لذلك، وأن هذا من فعلها، وهو الاغتسال لكل صلاة. وجاء في بعض الروايات التي سيذكرها المصنف: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تغتسل لكل صلاة ) وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن الواجب هو الاغتسال عند انقضاء دم الحيض؛ لأنه هو الغسل الواجب، وأما هذا فإنه لا يكون واجباً، ومنهم من قال: إنه مستحب، وذهب الجمهور إلى أن الاغتسال الواجب اللازم هو الذي يكون عند انقطاع دم الحيض، لكن عند كل صلاة تتوضأ، وقد جاء إرشادها بأن تتوضأ لكل صلاة. أما الاغتسال فقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الاغتسال لكل صلاة في غير الصحيحين في السنن وفي غيرها، فمنهم من قال: إن ذلك محمول على الاستحباب، وأنه لا يكون للوجوب، ومنهم من قال: إن الأولى والأحوط أن تغتسل لكل صلاة؛ كما فعلت أم حبيبة بنت ، التي أخبرت عنها عائشة رضي الله تعالى عنهما: بأنها كانت تغتسل لكل صلاة.ثم ذكرت أنها كانت تغتسل في حال استحاضتها في مركن؛ أي: في وعاء، أو إناء، أو مكان معين تغتسل فيه، فتطفو الحمرة على الدم، ثم تستثفر، وتذهب، وتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلا يمنعها ذلك من الصلاة؛ لأن هذا الخروج الذي يكون بسبب الاستحاضة مثل سلس البول، لا خلاص منه، ولا يمنع من الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود]. الربيع بن سليمان بن داود هذا هو الجيزي المصري المرادي، وفي المصريين رجل آخر بهذا الاسم الربيع بن سليمان، إلا أنه ابن عبد الجبار، وهذا: الربيع بن سليمان بن داود، وذاك الربيع بن سليمان بن عبد الجبار، وقد جاء في بعض الأحاديث الماضية ذكر الربيع بن سليمان وحده، وهنا ذكر ما يميزه عن ابن عبد الجبار وهو: ابن داود، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي فقط.[حدثنا عبد الله بن يوسف]. عبد الله بن يوسف هو: التنيسي الذي سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [حدثنا الهيثم بن حميد]. الهيثم بن حميد صدوق رمي بالقدر، خرج له أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الشيخان: البخاري، ومسلم شيئاً. [أخبرني النعمان والأوزاعي]. هو النعمان بن منذر، وهو غساني، وهو صدوق، رمي بالقدر، أخرج له أبو داود، والنسائي، والأوزاعي معروف، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الفقيه، المحدث الذي مر ذكره.[أبو معيد].هو أبو معيد حفص بن غيلان، شامي، وهو صدوق، فقيه، رمي بالقدر، خرج له النسائي، وابن ماجه . [أخبرني عروة بن الزبير وعمرة]. عمرة، وعروة، وعائشة، فقد مر ذكرهم.
شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه أن أم حبيبة بنت أخت زينب استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم عما حصل لها من الاستحاضة، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن ذلك ليس بحيض وإنما هو عرق يسيل الدم منه في وقت مستمر، وفي صفة مستمرة، فتترك الصلاة أيام الحيض، وما عدا ذلك فإنها تصلي، وتغتسل عند انقضاء حيضها، وهو مثل ما تقدم من الأحاديث وبمعناها.وقول عائشة: (ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحت عبد الرحمن بن عوف) ختنة يعني: أخت زوجته؛ لأنه زوج زينب بنت وهذه أختها التي هي أم حبيبة بنت .
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة هو المرادي الجملي المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثنا ابن وهب]. ابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري المعروف، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن الحارث].هو عمرو بن الحارث، وهو أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو: الزهري، وقد مر كثيراً.قوله: [عن عروة وعمرة عن عائشة]. عروة وعمرة مر ذكرهم، وعائشة كذلك.
شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني استحاض؟ فقال: إنما ذلك عرق، فاغتسلي وصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة)].هذه أيضاً طريق أخرى لحديث عائشة، وفيها ما في الذي قبلها، وتدل على ما دل عليه ما قبلها من الطرق والروايات من كونها استفتت، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام قال لها: (إنما ذلك عرق) وليس بحيض، وأنها إذا أدبرت الحيضة تغتسل وتصلي، وأنها كانت تتوضأ لكل صلاة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا قتيبة]. قتيبة هو: ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].الليث هو ابن سعد المصري، وهو من الثقات الأثبات الفقهاء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو الزهري، وهو كذلك من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة قد مر ذكرهما، وجميع رواة الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة؛ وهم: قتيبة، والليث، والزهري، وعروة، وعائشة.
حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم؟ قالت عائشة رضي الله عنها: رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله. قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].قتيبة والليث قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.[عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب ثقة، وهو مصري، خرج حديثه الجماعة. [عن جعفر بن ربيعة].هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وهو ثقة، خرج حديثه أيضاً الجماعة. [عن عراك بن مالك]. هو عراك بن مالك الغفاري، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه الجماعة.[عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.[وأخبرنا قتيبة مرةً أخرى ولم يذكر جعفراً] يعني: الذي قبل جعفر وهو: يزيد بن أبي حبيب روى عن عراك، مباشرة دون أن يروي عن جعفر فيحتمل أن يكون عنده بالإسنادين؛ أنه رواه نازلاً، ورواه عالياً، وأن يكون سمعه مرة من جعفر، ثم لقي عراك، وسمعه منه، فحدث به على الحالتين: حالة طول الإسناد، وكون فيه واسطة بينه وبين عراك، وكونه روى عن عراك بغير واسطة مباشرة.
شرح حديث أم سلمة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها: (تعني أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي)].هنا ذكر النسائي حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة كانت تستحاض، وأنها تهراق الدم دائماً، يعني: أن الدم يخرج من فرجها، ومن رحمها بصفة مستمرة، فقال عليه الصلاة والسلام: أن ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق، فلتعرف مدة حيضتها من الشهر، فإذا أقبلت تلك المدة من الشهر التي جرت بها عادتها -أن يأتيها فيها الحيض- فإنها تدع الصلاة تلك المدة، فإذا أدبرت، وخلفت تلك الأيام وراءها، فإنها تغتسل، وتستثفر، وتصلي في المكان الذي تصلي فيه، وإنما تضع ذلك على فرجها حتى يعلق به الدم الذي يخرج من الفرج في وقت الصلاة، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في بيان الحكم.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع].قتيبة مر ذكره، ومالك أيضاً مر ذكره وهو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الثقة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ونافع، هو: نافع مولى ابن عمر، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل إن أصح الأسانيد عند البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر. [عن سليمان بن يسار].سليمان بن يسار هو أحد الثقات، وهو من فقهاء المدينة السبعة، المشهورين المعروفين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أم سلمة].أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها فيما مضى.
الأسئلة
ما تفعله المستحاضة عند قيامها للصلاة
السؤال: هل المستحاضة تغسل ثيابها لكل صلاة إذا أصابها الدم؟ الجواب: نعم، المستحاضة عندما تصلي تغسل الدم عن جسدها، وتغسله عن ثيابها، وتستثفر، وتصلي، ولا يضرها بعد ذلك، لكن فيما يتعلق بغسل الثياب، وكونها تتوضأ أو تغتسل مع الوضوء أمر لا بد منه، وكذلك ثيابها إذا كان فيها نجاسة، أو فيها دم فهي تغسلها، ولا تصلي إلا في ثياب طاهرة، وكذلك جسدها يكون طاهراً ليس عليه نجاسة، بل إنها تستثفر حتى لا تخرج النجاسة وتسيل على جسدها وعلى ثيابها، وإن خرجت وسالت لا يؤثر؛ لأن هذا شيء ليس بإرادتها، فيكون مثل سلس البول. فتتوضأ عند كل صلاة عند دخول الوقت.
حكم ترك الصف الأول في الصلاة للقرب من الدرس
السؤال: إنني رأيت من بعض طلبة العلم أنه يوجد في الصفوف التي أمامهم مكان خال فلا يتقدمون إليه؛ لأنهم يريدون أن يكونوا قريبين من كرسي الشيخ، فما رأيكم؟ الجواب: بعد أن وجد المكبر الذي يتضح به الصوت، فإنه لم يبق هناك حاجة إلى الازدحام قرب الكرسي، وإنما تتم الصفوف: الأول فالأول، والذي يأتي مبكراً والذي يأتي متأخراً الكل يصل إليه الصوت، والكل يسمع، ولم يبق هناك حاجة داعية إلى القرب من الكرسي.
حكم مسح الوجه بعد الدعاء
السؤال: هل ثبت شيء في مسألة مسح الوجه باليدين بعد كل دعاء؟ الجواب: عندما يدعو الإنسان، ويرفع يديه ينزلهما دون أن يمسح بهما وجهه؛ لأنه لم يثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، نعم ورد فيه أحاديث لكنها ضعيفة، من العلماء من قال: إنها بضم بعضها إلى بعض تصل إلى حد الحسن، لكن بعض العلماء قالوا: إنها لا تصل إلى حد الحسن، وهذا حكم لا يؤخذ به إلا بدليل ثابت، وهي لم تثبت، فالذي ينبغي والأولى ألا يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ من الدعاء، وإنما يرفعهما ثم ينزلهما بدون مسح.
مدى صحة موافقة اسم أم المهدي لاسم أم النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: من علامات قيام الساعة: ظهور المهدي، وبعض الناس يقول: إن هذا المهدي فيه جل صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسمه كاسمه، واسم أمه كاسم أمه، فهل هذا الكلام صحيح؟ الجواب: هو: محمد بن عبد الله، اسمه كاسم رسول الله، واسم أبيه هو اسمه أبيه، أما كون اسم أمه اسم أمه هذا ما أعرف فيه شيئاً.
القول بفضل الصلاة في محراب الروضة
السؤال: المحراب الذي كان عند النبي صلى الله عليه وسلم هل الصلاة عنده فيه فضيلة تزيد على فضيلة الروضة؟ الجواب: الروضة كلها هي ما بين البيت والمنبر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مقدمة الروضة، والصحابة وراءه يصلون، ومن المعلوم: أن الروضة لها ميزة على سائر المسجد، لكن هذا في النوافل، وأما بالنسبة للفرائض، فالصفوف الأولى التي أمامها، وميامن الصفوف التي تحاذيها أولى منها وأفضل منها؛ لأن الميامن كانت في زمنه خارج الروضة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحث على ميامن الصفوف، والمقدمة التي أمام الروضة هذه زادها عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، والصفوف الأولى فيها، فهي أولى من الصلاة في الروضة بالنسبة للفريضة، وأما المكان الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أيضاً غير معلوم بالتحديد، والإنسان يحرص على اتباعه فيما أمر به ونهى عنه، يمتثل المأمور، وينتهي عن المنهي، أما كونه يأتي إلى مكان ويقول: الرسول صلى فيه وقد لا يكون صلى فيه، وقد يكون صلى في مكان آخر فقد يترتب على ذلك تجاوز وقد يفضي ذلك إلى ما لا يحمد عقباه، ولكن الذي ينبغي عليه أن يمتثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوامر، سواءً كان ذلك من الواجبات أو المستحبات، وينتهي عن النواهي، سواءً كان ذلك من قبيل المحرمات، أو من قبيل المكروهات.
حكم التبليغ بعد الإمام بدون حاجة
السؤال: هل ثبت شيء في التبليغ بعد الإمام بالتكبير بدون حاجة؟ الجواب: لم يثبت في التبليغ بعد الإمام بدون حاجة شيء، وإنما التبليغ يكون للحاجة، فإذا لم يكن هناك حاجة فلا يفعل التبليغ.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:48 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(68)
- باب ذكر الأقراء
الأقراء في اللغة من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الحيض وعلى الطهر، لكن الأحاديث تدل على أن المراد بالقرء هو الحيضة.
ذكر الأقراء
شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن بكر حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة بنت التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها، فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة)]. يقول النسائي رحمة الله عليه: ذكر الأقراء. والأقراء جمع قرء، والقرء: هو اسمٌ لمدة الطهر أو الحيض عند النساء؛ لأنه من الألفاظ التي تطلق على الأضداد، تطلق على الشيء وضده، على الطهر والدم، والنسائي رحمه الله، لما ذكر المستحاضة، وما جاء فيها من الأحاديث الدالة على أنها تترك الصلاة وقت مجيء الحيض لها، وأنها في الأوقات الزائدة على ذلك فأنها تصلي، وتؤدي ما كان يجب عليها، وأن الاستحاضة ليست كالحيض، وهي لا تمنع من الصلاة، ولا تمنع من قراءة القرآن، ولا من الجماع؛ لأن الحيض يخالف الاستحاضة، ولما كان ذكر الاستحاضة أتى بعدها ذكر القرء في الأحاديث، فعقد هذه الترجمة فقال: باب ذكر الأقراء؛ لأن الأحاديث المتعلقة بالاستحاضة جاء فيها ذكر الأقراء، ولهذه المناسبة عقد هذه الترجمة، فما هي الأقراء؟ الأقراء: جمع قرء، وكذلك يجمع على قروء، وقد جاء في القرآن: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، وفُسر القرء بأنه: الحيض، وفُسر بأنه: الطهر، وهو اسم لزمان الطهر، أو زمان الحيض، وعلى هذا فهو من الأضداد، يعني: يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده؛ والقرء من الأضداد يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهما متقابلان ومتضادان، ومن ذلك: (عسعس)، فإنه بمعنى أقبل وأدبر، والإقبال والإدبار من الأضداد، وهناك ألفاظٌ كثيرة تأتي في اللغة يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده. والأحاديث التي أوردها النسائي هنا تدل على أن القرء يراد به الحيض، كل الأحاديث التي وردت في هذا الباب، في باب ذكر الأقراء، هي في أن القرء يراد به الحيض، وأول الأحاديث التي أوردها النسائي في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها: في قصة أم حبيبة بنت أخت زينب بنت أم المؤمنين رضي الله عنها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وأنها كانت تستحاض، فذكر شأنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: ذكر شأنها من أجل الاستفتاء، وفي استفتائه ماذا تصنع، وهل تمتنع من الصلاة في حال الاستحاضة كما هو شأنها في حال الحيض، أو أن الأمر يختلف؟ فأجاب رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن ذلك ليس بالحيضة، وإنما هي ركضة من الرحم)، يعني: تحصل في الرحم، وهي سيلان عرق فيه، يحصل معه جريان الدم باستمرار في وقت الحيض، وفي غير وقت الحيض، فبين عليه الصلاة والسلام بأن هذا عرقٌ يكون في الرحم، يسيل منه الدم بصفةٍ مستمرة، وأنها إذا جاء وقت القرء الذي هو الحيض، فإنها تمتنع من الصلاة، وإذا أدبر القرء الذي هو الحيض، فإنها تغتسل وتصلي. وفي هذه الرواية أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: إن ذكر الاغتسال لكل صلاة إنما هو من فعلها، وليس من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، والأحاديث التي جاءت في الصحيحين ليس فيها ذكر هذه الزيادة، أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة، وإنما فيها أنه أمرها بالاغتسال عند انقضاء دم الحيض، وعند إدبار الحيضة، وأنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة باجتهادٍ منها، وبفعلٍ منها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لكن هذه الرواية التي معنا فيها أن اغتسالها لكل صلاة، إنما هو بأمر رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذكرت فيما مضى: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى إيجاب ذلك عليها، ومنهم من رأى أن ذلك مستحب، لكن اغتسالها عند انقضاء العادة الذي هو دم الحيض، فهذا أمرٌ لا بد منه، وهو واجب، أي: اغتسالها من الحيض.إذاً: فالحديث الذي أورده النسائي هنا مشتمل على ما ترجم له النسائي من ذكر القرء، وأنه بمعنى الحيض، وهو أحد المعنيين اللذين يرد لهما لفظ القرء، وهما المعنيان المتضادان: الطهر والحيض، أو زمن الطهر وزمن الحيض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
قوله: [إسحاق بن بكر]. وهو إسحاق بن بكر بن مضر، وهو صدوق، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي. [عن أبيه]. وهو بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه . [عن يزيد بن عبد الله]. وهو ابن الهاد، وهو ثقةٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقيل له: ابن الهاد؛ لأن جده لقب الهاد؛ لأنه كان يوقد النيران في الطريق حتى يهتدي المسافرون بها، وحتى يعرفوا الطريق بها، فقيل له: ابن الهاد.[عن أبي بكر بن محمد]. وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، وهو ثقةٌ، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة].وهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، وهي ثقةٌ، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرةٌ من الرواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق مر ذكرها مراراً، وهي الصحابية التي لم يرو أحدٌ من الصحابيات مثل ما روت من الحديث، وهي أحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين سبق أن ذكرت مراراً أن السيوطي نظمهم في ألفيته فقال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيزوجة النبي المراد بها عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة بنت كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليست بالحيضة، إنما هو عرق، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها المتعلق أيضاً بـأم حبيبة بنت أخت زينب بنت أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، والمتعلق بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن شأنها، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها بأن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضها، والمراد بالحيض هو الأقراء، من عطف الشيء على مثله؛ لأن الحيض هو القرء هنا؛ لأنه قال: (تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها)، فهو من عطف الشيء على مثله مع مغايرته بالمعنى؛ لأن القرء هنا بمعنى الحيض، فهي تترك الصلاة قدر الأقراء التي هي الحيض، ثم بعدما تدبر الأقراء التي هي الحيض وعندما تنتهي كل حيضة، فإنها تغتسل وتصلي كل الصلوات في حال استحاضتها؛ لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة، وإنما الذي يمنعها الحيض. والاستحاضة كما سبق أن ذكرت أنها مثل سلس البول، يعني: خروج نجاسة بصفةٍ مستمرة، لا يتمكن الإنسان من الخلاص منها، فلا يمنع ذلك من الصلاة، فهي تصلي على حسب حالها، كما أن الذي به سلس البول يصلي على حسب حاله، وإن كان يخرج منه البول بصفة مستمرة، فكذلك هذه تصلي ولو كان يخرج منها الدم، أي: دم الاستحاضة بصفةٍ مستمرة. المقصود من إيراد الحديث هو ذكر الأقراء وهي الحيض، فهو مطابق لما ترجم له المصنف.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].ومحمد بن المثنى هو العنزي الملقب بـالزمن، وقد مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن بشار الملقب بندار الذي قال عنهما الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما ولدا في سنةٍ واحدة وماتا في سنة واحدة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وكونهما من بلدٍ واحد صار بينهما تشابهٌ وتماثل حتى قيل في وصفهما: إنهما كفرسي رهان.[عن سفيان].وسفيان يروي عن الزهري، والمراد بـسفيان هو ابن عيينة؛ لأنه إذا جاء ذكر سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به سفيان بن عيينة؛ لأن الحافظ ابن حجر ذكر في الفتح بأن سفيان معروف بالرواية عن الزهري بخلاف الثوري، وقد قال أيضاً في موضع آخر من فتح الباري: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وقد ذكرت فيما مضى: أن ابن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، بخلاف الثوري، فإنه مقل من الرواية عنه، وأن هذا الذي ذكرته مبني على ما ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان، لكن الذي ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وأن الذي هو معروف بالرواية عن الزهري إنما هو سفيان بن عيينة. فعلى هذا، إذا جاء سفيان غير منسوب، وهو الذي يسمى المهمل في علم المصطلح يروي عن الزهري فإنه يحمل على أنه ابن عيينة، وليس على أنه الثوري؛ لأن القاعدة المعروفة عند المحدثين: أنه عندما يذكر شخص غير منسوب، وهو يحتمل شخصين، فإنه يحمل على من يكون أكثر ملازمة، ومن يكون له علاقة خاصة بذلك الذي يروي عنه؛ لأنه في الغالب إنما يهمل فيما إذا كان معروفاً بكثرة الرواية عنه، ثم أيضاً هو من بلده؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، والزهري مدني، يعني: أن كلاً منهما من أهل الحجاز، فهما متقاربان مكة والمدينة، وأما سفيان الثوري فهو من أهل الكوفة، وهي في العراق. إذاً فعندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، ولا يحمل على الثوري.وسفيان بن عيينة ثقة، ثبت، حجة، إمام، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهورٌكما ذكرت سابقاً بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومشهوراً أيضاً بالنسبة إلى أحد أجداده شهاب حيث يقال له: ابن شهاب، وأحياناً يأتي ذكره باسمه واسم أبيه، فيقال: محمد بن مسلم، وهذا قليلٌ في الاستعمال، وإنما الكثير في الاستعمال أحد هذين اللفظين، وهما ابن شهاب أو الزهري. وهو ثقة، فقيهٌ إمام، جليل، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جمع السنة بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديث الزهري عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة عن عائشة]. وهي عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته: (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). هذا الدليل على أن الأقراء حيض. قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة، ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر].هنا ذكر النسائي حديثاً آخر: وهو حديث قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وهو قيس بن المطلب، وهي أحياناً يقال لها: فاطمة بنت قيس، وأحياناً يقال: فاطمة بنت أبي حبيش، وتنسب أحياناً إلى أبيها باسمه، وأحياناً إلى أبيها بكنيته، وهي سواء جاءت بذكر نسبتها إلى أبيها باسمه، أو إلى كنيته؛ لأنها امرأة واحدة وليست امرأتين؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش وفاطمة بنت قيس هي بمعنى واحد؛ لأن أبا حبيش هو قيس، فإذا جاء مرة فاطمة بنت قيس، ومرة بنت أبي حبيش، فهي هي.وفيه: أنها استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (انظري إذا جاء قرؤك -أي: الحيض- فدعي الصلاة)، يعني: اتركي الصلاة في حال القرء، يعني: أن دم الاستحاضة مستمر، وأحياناً يأتي الحيض مع الاستحاضة، فهي في الوقت الذي يأتي الحيض هي تمتنع من الصلاة، فإذا أدبر قرؤها، أي: حيضتها، فإنها ترجع إلى الصلاة وتصلي ما بين القرء والقرء، يعني: من الحيضة إلى الحيضة، فالطهر الذي بين الحيضتين هو طهر، بمعنى أنه طهرٌ من الحيض، وإن كان دم الاستحاضة موجوداً، ما هناك طهر، يعني: سلامته من الدم، لكن هناك طهر من الحيض الذي تترك فيه الصلاة، وأما الباقي الذي هو بين القرأين الذي هو دم الحيض في المرة الأولى، والمرة التي بعدها، يعني: بين القرأين، أي: الحيضتين، فإنها تصلي ولا تترك الصلاة؛ لأن ذلك ليس بحيض، وإنما هو عرق الذي هو الاستحاضة. قال: وفي هذا دليل على أن القرء يراد به الحيضة، وأن الأقراء هي الحيض. ثم ذكر النسائي أن هشام بن عروة رواه عن عروة، ولم يذكر ما ذكره المنذر بن المغيرة الذي روى عن عروة، ثم أتى بهذا الاستنباط الذي هو ذكر أن القرء يراد به الحيض، هذه من المنذر الذي في الإسناد، المنذر بن المغيرة الذي يروي عن عروة بن الزبير.
تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].وعيسى بن حماد هو: ابن مسلم المصري، ولقبه زغبة، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي. وابن ماجه لم يخرج له ولا الترمذي.[الليث]. وهو الليث بن سعد المصري، الفقيه، المحدث، الثقة، الثبت، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب، هو أيضاً مصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكير بن عبد الله]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن المنذر بن المغيرة]. والمنذر بن المغيرة قال عنه في التقريب: إنه مدني، وإنه مقبول، وإن حديثه خرجه أبو داود، والنسائي.[عن عروة]. هو: عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين مر ذكرهم كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن فاطمة بنت أبي حبيش]. وفاطمة بنت أبي حبيش مر ذكرها، وهي: فاطمة بنت قيس، وهي صحابية مشهورة، لها هذا الحديث في الاستحاضة، وخرج حديثها أبو داود، والنسائي.
شرح حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي)].ثم أورد النسائي حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأنها جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: (إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرقٌ وليس بالحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وليس فيه ذكر القرء، يعني: كما ترجم له المصنف، ولكن في الروايات التي قبله فيما يتعلق بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فيه ذكر القرء، والمراد بالقرء هو الحيض؛ لأن القرء يأتي ويراد به الحيض، ويراد به الطهر، وهو هنا في هذا الباب يراد به الحيض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه؛ لأنه خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. قوله: [أخبرنا عبدة]عبدة هو ابن سليمان الكلابي، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[و وكيع].وهو ابن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وقد مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [و أبو معاوية].وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا هشام بن عروة]. و هشام هو ابن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه]. وهو عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم كثيراً، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا.[عن عائشة].وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها في الأحاديث السابقة وفي غيرها.
الأسئلة
حكم التسول في المساجد
السؤال: ما حكم التسول في المساجد؟ وما حكم من يعطيهم وهو في المسجد؟ الجواب: التسول في المساجد الذي ينبغي للإنسان ألا يفعل هذا، لكن لا أعلم فيه ما يمنع منه، ولا شك أن الاستغناء عن السؤال والابتعاد عنه، وخاصة في المساجد هو الأولى، لكنني لا أعلم عن شيء يدل على المنع، والأصل هو الجواز، وإذا احتاج الإنسان وكان ممن تحل له المسألة فليسأل، وينبغي أن يكون ذلك في غير المساجد، لكن لا أعلم ما يدل على منعه، وعلى تحريمه.
حكم قراءة القرآن وإهدائها للأموات
السؤال: ما هي الأمور التي تصل ثوابها للميت؟ وهل قراءة القرآن، وإهداء ثوابها للميت ينفع الميت؟ الجواب: قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات لم يرد دليل يدل عليه من السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذي ورد ذكره من انتفاع الأموات بسعي الأحياء هو الدعاء للأموات، فإنه ينفعهم، فدعاء الأحياء للأموات ينفعهم، وصدقة الأحياء للأموات تنفعهم، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك الحج والعمرة تنفعهم؛ لأنه جاء ما يدل عليها، وكذلك الأضحية؛ لأنه جاء ما يدل عليها في العموم، والصوم إذا كان واجباً، وقد جاء ما يدل عليه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه)، سواء كان ذلك الصيام صوم نذر أوجبه الإنسان على نفسه، أو واجب عليه بحكم الشرع، كصيام رمضان، هذا الذي أعلم أنه ورد في الأدلة ما يدل عليه، أما قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات فلم يرد ما يدل عليه، والذي ينبغي هو ألا يفعل، ومن أراد أن ينفع ميته بشيء، فلينفعه بما جاءت به السنة، وهي الأمور التي ذكرتها.
الواجب على من جامع زوجته الحائض
السؤال: إذا جامع الإنسان زوجته وهي حائض، فماذا عليه؟ وهل يتصدق بشيء؟ وهل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ الجواب: لا يجوز للإنسان أن يطأ امرأته في فرجها في حال حيضها؛ لأن ذلك حرام، وإنما له أن يباشرها، ويفعل كل شيءٍ إلا الجماع في الفرج، ويبتعد عن فرجها حتى لا يقع في المحظور الذي جاء تحريمه في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن حصل منه الجماع في الفرج وهي حائض، فإنه آثم؛ لأنه حصل منه المعصية والمخالفة، وعليه أن يتصدق بدينار، أو نصفه، وهي كفارة، وقد جاء بذلك حديثٌ عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وأما قوله: هل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ فالجواب: لا، إذا كانت مكرهة ولم تتمكن من منعه، فهي لا تأثم؛ لأنها مكرهة، لكن إذا كانت راضية وموافقة، فلا شك أنها آثمة.
حكم ثياب من به سلس البول
السؤال: ما حكم ملابس من به سلس البول؟ الجواب: من به سلس البول إذا أصاب ثيابه البول، فهي نجسة، وعلى الإنسان أن يغسل ثيابه، ولا يستعمل الثياب النجسة، لكن إذا تطهر وتوضأ وذهب للصلاة، أو صلى بعدما تطهر وحصل على ثيابه شيء، فإنه لا شيء عليه في ذلك، ولكن عليه كما عرفنا فيما مضى، أنه عندما يتوضأ يرش على فرجه شيئاً من الماء؛ حتى لا يكون هناك شيءٌ من الوسواس، أو شيء يشوش عليه، لكن كما هو معلوم الإنسان يغسل النجاسة عنه، ولكنه إذا توضأ وذهب للصلاة وحصل ذلك المستمر معه، فإنه يصلي على حسب حاله، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وهو لا يستطيع أكثر من هذا.مداخلة: لكن هو ينزل منه بعض قطرات البول بعد الوضوء دائماً، وأحياناً لا تنزل شيء من ذلك؟ الشيخ: إذا كان بعد الاستنجاء، فعليه ألا يستعجل حتى يفرغ منه، وينزل هذا الذي كان بعد الاستنجاء، أما إذا كان بصفة مستمرة بعد الوضوء وفي الأوقات المختلفة، فهذا هو الذي ذكرته في الجواب السابق.
مدى شمولية النهي عن مس القرآن بحائل
السؤال: ورد النهي عن مس القرآن للحائض، فهل يشمل النهي من يحمل القرآن بحائل؟ الجواب: لا يشمله ذلك، يعني: حمل القرآن، فكون الإنسان يحمل القرآن وينقله من مكان إلى مكان، فإن ذلك لا يؤثر، وإنما الذي هو ممنوع هو كون الإنسان يقرأ ويفتش، أما كونه يمسه مثلاً بحائل أو بدون حائل فلا بأس بذلك.
مدى ثبوت مقولة: أن فاطمة رضي الله عنها كانت لا تحيض
السؤال: هل ثبت أن بنت النبي صلى الله عليه وسلم لا تحيض، ولذلك سميت بالزهراء؟الجواب : أبداً، ما ثبت أن فاطمة رضي الله عنها لا تحيض، وإنما شأنها شأن بنات آدم، ومن المعلوم أن التي تحمل هي التي تحيض، وهي تحمل وتلد، والتي هي آيسة وهي التي انقطع عنها الدم لا تحمل، وإنما الحمل يكون مع الحيض، وعلامة إمكانية الحمل هو وجود الحيض، فلم يأت شيء يدل على أنها لا تحيض، بل كونها تحمل يدل على أنها تحيض، والأصل أنها كغيرها، والرسول صلى الله عليه وسلم لما حاضت عائشة قال: (هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم)، وهي من بنات آدم، ولم يأت شيء يخصها رضي الله عنها وأرضاها، لكن ورد في فضلها ما يكفي ويشفي، ورد أنها سيدة نساء أهل الجنة، وهذا شرف عظيم لها رضي الله عنها وأرضاها.
حكم الاستيطان في المكان الذي يصلى فيه
السؤال: ما الحكم فيمن يتخذ موضعاً معيناً يصلي فيه دائماً، سواءٌ كان ذلك في المسجد أو في بيته؟ الجواب: كون الإنسان يتخذ مكاناً يصلي فيه دائماً في بيته، فلا بأس بذلك، وكونه يخصص مكاناً للصلاة، فإن هذا معروف في زمنه عليه الصلاة والسلام، كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقد كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويصلي بها لأول مرة ثم يتخذونها مصلى. وأما بالنسبة للمسجد، فلا يتخذ الإنسان مكاناً معيناً ثابتاً يصلي فيه إلا الإمام؛ لأن الإمام هو الذي يصلي في مكانه أمام الناس، أما اتخاذ أحد من المأمومين مكاناً لا يصلي فرضه إلا فيه، فهذا ورد فيه حديث يدل على المنع.
مدى جواز اتخاذ مكان للصلاة في البيت
السؤال: هل حديث الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي له في داره، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم في أي موضعٍ من داره يريد أن يصلي له، وأشار إليه في موضعٍ من داره يدل على عدم كراهة ذلك؟الجواب: أما كونه في مكان من البيت فلا بأس أن يصلي الإنسان في مكانٍ معين، وقد كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقلت: أنهم كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: بعضهم كان يطلب منه أن يأتي ليصلي في هذا المكان، ويتخذه مصلى، مثل ما حصل لـعتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
اصطفاف السني وأهل البدع من الرافضة في الصلاة
السؤال: بعض الرافضة يأتون ويصطفون بجانبنا في الصلاة، فماذا نفعل حينئذٍ؟ وهل يعتبرون أنهم في الصف أو لا؟ الجواب: على كلٍ، الإنسان إذا صلى بجواره مصل فلا يضره من يصلي بجواره، سواء كان من الرافضة أو من غير الرافضة، أقول: ليس عليه شيء في مجاورة الرافضي له أو غير الرافضي من أهل البدع.
معنى رواية: (إنما هي ركضة من الشيطان)
السؤال: جاء في بعض الروايات حديث أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما هي ركضةٌ من الشيطان)، فما المراد من ذلك؟ الجواب: ما أدري ركضة من الشيطان هل هي ثابتة، المعروف هو ركضة من الرحم، هذا الذي مر في الحديث، أما من الشيطان فما أدري، ولعلها تأتي فيما يأتي من الأحاديث فنتعرض لها.
ما يعادل الدينار من دراهم
السؤال: كم يعادل الدينار درهم؟الجواب: الدينار يعادل اثنا عشر درهماً.
حكم تعليق رءوس الحيوانات المحنطة في مقدمة البيوت
السؤال: هل يجوز تعليق رأس الحيوان بآلة كهربائية في البيت مثل الغزال؟ يعني: بعض الناس يجعلون رءوس الحيوان أمام بيوتهم، فهل يجوز ذلك؟الجواب: أولاً: اتخاذ الحيوانات سواء كانت مصورة أو محنطة لا ينبغي، هذا ولو كانت محنطة؛ لأن هذا قد يؤدي إلى محظور في المستقبل، وأيضاً: قد يكون فيه اعتقاد أنه يدفع شيئاً، أو ما إلى ذلك، واعتقاده مثل هذا لا يسوغ؛ لأن الذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى، ومثل وجود رأس يوضع أو حيوان محنط، يوضع ليدفع به شيئاً، أو يعتقد أنه يدفع شيئاً، لا يصح هذا ولا يسوغ، وترك ذلك والابتعاد عنه لا شك أنه هو الذي ينبغي أن يفعله المسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك، حتى ولو كان للزينة، فلا يصح مثل هذا بل يتخذ من الزينة غير هذه الصور الحقيقية، أو الأشياء الحقيقية المحنطة.
التردد على مسجد بلال للصلاة فيه والتبرك
السؤال: ما حكم من يتردد ويصلي في الغمامة ومسجد بلال بحجة التبرك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها؟ الجواب: أولاً لا يوجد مسجد باسم مسجد بلال، وإنما هذه مساجد تسمى بأسماء الصحابة، والصحابة ما لهم مساجد خاصة، وكيف يكون لهم مساجد قرب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلون بها، ويتركون الصلاة خلف رسول الله؟! وبنو سلمة يأتون من منازلهم، وهي في أطراف المدينة ليصلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة يصلون رمية حجر في مساجد حول مسجده صلى الله عليه وسلم، هذا لا يصح ولا يليق، ومن ذهب ليصلي بها، ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه قد فاته صلاة بألف صلاة، ولا يحصل إلا على صلاة واحدة؛ لأنها هي كغيرها من المساجد، لكن كونه يصلي بها ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع قربه منه، فهذا لا شك أنه فوت على نفسه خيراً كثيراً. حتى في غير وقت الفريضة لا يشغل نفسه، فإذا كان عنده شيء من الوقت فليقضه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خير، والذي الثواب فيه محقق، والذي فيه الأجر مضاعف، أما تلك فلم يرد فيها شيء.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(69)
- (باب ذكر اغتسال المستحاضة) إلى (باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة)
إذا انقطع دم الحيض والنفاس فإن على المرأة أن تغتسل، أما دم الاستحاضة فليس فيه غسل، وإنما يجب عليها الوضوء عند كل صلاة، كما يجوز لها أن تجمع بين الصلاتين، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها.
ذكر اغتسال المستحاضة
شرح حديث عائشة في اغتسال المستحاضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر اغتسال المستحاضةأخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ( إن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها: أنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلا واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً )].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: ذكر غسل المستحاضة، وأورد تحتها حديث عائشة رضي الله عنها: في ذكر المرأة المستحاضة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها أمرت بأن تؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتجمع بين الصلاتين، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وكذلك بالنسبة بالمغرب تؤخرها، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، والفجر تغتسل له غسلاً واحداً. هذا الحديث فيه: ذكر الاغتسال للحائض ثلاث مرات، وأنها تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسبق في حديث مضى أنها أمرت أن تغتسل لكل صلاة، وسبق أيضاً أنها أمرت بالاغتسال عند ذهاب الحيضة، وأنها من نفسها كانت تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرت فيما مضى أن الاغتسال من عند انتهاء الحيض، هذا أمر لا بد منه، وأما الاغتسال عند كل صلاة؛ فإن بعض العلماء ذهب إلى هذا، ومنهم من قال: إن الأحاديث التي وردت في ذكر الاغتسال عند كل صلاة لم تأت في الصحيحين، وإنما الذي جاء في الصحيحين الاغتسال عند ذهاب الحيضة، وذكرت أن من العلماء من قال: بوجوب ذلك عند كل صلاة، وأن منهم من قال: إنه مستحب، عند كل صلاة. وهذا الذي دل عليه هذا الحديث، يدل على أنها تجمع بين صلاة الظهر والعصر، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتجمع بين المغرب والعشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل للصبح غسلاً واحداً، يعني: أنها تغتسل ثلاث مرات في اليوم والليلة، ومن العلماء من قال: تغتسل خمس مرات، ومنهم من قال: تغتسل ثلاث مرات، ومنهم من قال: تغتسل غسلاً واحداً، ومنهم من قال: إنه لا يلزم إلا عند انتهاء الحيض، وبعد ذلك لا يلزمها غسل، وإنما هو مستحب لها. وهذا الحديث يدل على جواز الجمع بين الصلاتين للمرأة المستحاضة، ومثلها من يكون مريضاً يحتاج إلى أن يجمع بين الصلاتين، فإن ذلك جائز وسائغ، والدليل عليه هذا الحديث الذي جاء في الترخيص للمستحاضة بأن تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وذلك مرض، فهو دليل على أن المريض له أن يجمع بين الصلاتين؛ وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال المستحاضة
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، لقبه بندار، وهو أحد الثقات، الأثبات، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن المثنى الملقب بـالزمن.[عن محمد]. محمد، هذا غير منسوب، وهو مهمل، ويروي عن شعبة، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة، ويروي عن محمد بن بشار، فإنه محمد بن جعفر الملقب: غندر، فهذا المهمل، تمييزه، وتوضيحه بأنه غندر محمد بن جعفر؛ لأن محمد بن جعفر معروف بالرواية عن شعبة، وكذلك معروف بالرواية عنه محمد بن بشار، وكذلك محمد بن المثنى، ومحمد بن جعفر غندر هذا ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة هو أيضاً أحد الثقات الأثبات، بل إنه أمير المؤمنين في الحديث، قد وصفه بذلك بعض المحدثين، وقالوا: بأنه ممن وصف بهذا الوصف، وهذا وصف يعتبر من أرفع صيغ التعديل، ومن أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن القاسم].وهو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه بعض العلماء: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه القاسم بن محمد].القاسم بن محمد هو ابن أبي بكر، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، المعروفون في زمن التابعين، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمته عائشة].وهي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وهي الصحابية الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، لم يكن في الصحابيات من هو أكثر منها حديثاً.وهذا الإسناد جميع رواته ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة، محمد بن بشار، ومحمد بن جعفر، وشعبة، وعبد الرحمن بن القاسم، والقاسم بن محمد، وعائشة، رواته ستة، وكلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
الاغتسال من النفاس
شرح حديث جابر في الاغتسال من النفاس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من النفاس:أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر: (مرها أن تغتسل وتهل)].أورد النسائي: الاغتسال من النفاس، هذه الترجمة التي أوردها النسائي، وأورد تحتها هذا الحديث، ليس فيه الاغتسال من النفاس عند انقطاعه وعند انتهاء النفاس، وإنما هو اغتسال في حال النفاس؛ لأنه اغتسال للتنظف للإحرام؛ لأنها كانت معهم في ذي الحليفة، ويريدون أن يذهبوا لحجة الوداع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنفست يعني: أنها ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة، وهي في طريقها إلى الحج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ( ليأمرها بأن تغتسل وتهل )، يعني: أنها تفعل ما يفعل المحرمون. وهذا دليل على أن الحائض، والنفساء عندما يريدان الإحرام، فإنهما تغتسلان الاغتسال المستحب للإحرام، فالاغتسال المذكور في هذا الحديث، هو اغتسال في النفاس وفي حال النفاس، وليس اغتسال من النفاس، فهو لا يدل على الترجمة، يعني: من حيث الاغتسال من النفاس، وإنما هو اغتسال للتنظف من أجل الإحرام مع بقاء النفاس، ومن المعلوم: أن الحائض والنفساء عندما تحرمان، تفعلان كل ما يفعل الحاج أو المعتمر، غير أنهما لا تطوفان بالبيت حتى تطهرا، وإذا طهرتا فإنهما تغتسلان وتطوفان. وإذاً: فالحديث لا يدل على الاغتسال من أجل النفاس، ومن أجل الانتهاء من النفاس، وإنما يدل على اغتسال النفساء، وكذلك هو يدل بالنسبة للحائض على أن كلاً منهما تغتسل عندما تريد الإحرام من أجل التنظف للإحرام، والاستعداد للإحرام، والتهيؤ للإحرام، واغتسالها للنفاس عند الفراغ منه، هو مثل الحيض، والحيض ورد ما يدل على لزوم الاغتسال، ووجوب الاغتسال؛ لأنه تنظف من هذه النجاسة الذي هي دم الحيض، فكذلك أيضاً الاغتسال من دم النفاس، والتنظف منه أيضاً لازم وواجب، وهو في حكم الاغتسال من الحيض؛ لأن كلاً من الحائض والنفاس يمنعان من الصيام والصلاة، فلا فرق بين الحيض والنفاس. إذاً: فما جاء من الأحاديث من الاغتسال عند انتهاء الحيض يلحق به، ويقاس عليه النفساء بأنها تغتسل عند انقطاع دم النفاس، كما تغتسل الحائض.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في الاغتسال من النفاس
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].محمد بن قدامة، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا جرير].جرير هو ابن عبد الحميد الضبي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من صغار التابعين، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك في ما مضى.[عن جعفر بن محمد].جعفر بن محمد هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فهو من سلالة علي بن أبي طالب، وهو من نسل فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويقال له: جعفر الصادق، وهو أحد الأئمة الإثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق، فقيه، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].أبوه هو محمد بن علي بن الحسين، الملقب الباقر، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو أحد الصحابة المشهورين، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين جمعهم السيوطي بقوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّ
الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضةأخبرن ا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن محمد وهو ابن عمرو بن علقمة بن وقاص عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن ( فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق)].أورد النسائي رحمه الله الفرق بين دم الحيض ودم النفاس، وأورد فيه حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وهو: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان فأمسكي عن الصلاة)، فالفرق بين دم الحيض، ودم النفاس، ودم الاستحاضة، فإن دم الحيض أسود، وتعرفه النساء، وله رائحة، ويكون معه أوجاع تكون في البطن، يعني: عند حصوله، وهذا من أوصافه، وأما الاستحاضة، فإنه بخلاف ذلك. وقد أمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنها تمسك عن الصلاة في حال دم الحيض، وإذا كان دم الاستحاضة، فإنها تتوضأ وتصلي، وهذا فيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة، وهي مثل من به سلس البول، فإنه يتوضأ عند كل صلاة عندما يدخل الوقت، سواء يصلي في مكانه إذا كان له حق الصلاة فيه، أو إذا كان يذهب للجماعة؛ فإنه بعد دخول الوقت يتوضأ، ولا يضره ما يحصل له بعد ذلك، فقد جاء في هذا الحديث الوضوء من الاستحاضة وفي غيره من الأحاديث ما يدل على ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
قوله: [إسناد محمد بن المثنى].محمد بن المثنى هو الزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن بشار.[عن ابن أبي عدي].وهو محمد بن إبراهيم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد].وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً في الأسانيد، وهو مشهور بنسبته الزهري، ونسبته ابن شهاب، وهو أحد الثقات، الأثبات، الأئمة المعروفين بالفقه، والحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن الزبير].عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، ثبت، صاحب حديث وفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن فاطمة بنت أبي حبيش].فاطمة بنت أبي حبيش، وهي صحابية مشهورة، ولها حديث في الاستحاضة رواه أبو داود، والنسائي، وحديثها عند أبي داود، والنسائي. وغيرها من رواة الإسناد خرج لهم أصحاب الكتب الستة، محمد بن المثنى، يروي عن ابن أبي عدي، وعن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وابن شهاب، وعروة، كل هؤلاء خرج لهم أصحاب الكتب الستة، إلا الصحابية فاطمة بنت أبي حبيش، فإن الذي خرج لها أبو داود، والنسائي، وحديثها هو في الاستحاضة، فحديثها واحد جاء من عدة طرق، وهذا هو الذي لها عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي من حفظه حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( إن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي )، قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، والله تعالى أعلم].أورد النسائي رحمه الله حديث فاطمة بنت أبي حبيش، عن عائشة رضي الله عنها، تحكي ما حصل لـفاطمة من كونها استحيضت، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأنها تمسك عن الصلاة في حال حيضها، وأن دم الحيض أسود يعرف، وأنها تمتنع عن الصلاة، وإذا انتهى حيضها تتوضأ وتصلي، ولا تقف، وتترك الصلاة في حال استحاضتها.وأورد النسائي الحديث من حديث عائشة، وأورده من طريق محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي من طريقين: إحداهما: من كتابه، والثاني: من حفظه، ومعنى هذا أن محمد بن المثنى روى عن ابن أبي عدي الحديث من وجهين: من كتابه، ومن حفظه، وفيه: أن عائشة رضي الله تعالى عنها بينت عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها استحيضت، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تمتنع عن الصلاة في حال حيضها، وبين لها كيف تميز دم حيضها بأنه أسود يعرف، وفي تلك الحالة تمسك عن الصلاة، وإذا انتهى فإنها تتوضأ وتصلي، وفيه ذكر الوضوء. ويقول النسائي أبو عبد الرحمن: إنه لا يعلم أحداً روى ذلك، أي: ذكر الوضوء، غير ابن أبي عدي، يعني: أن جماعة رووه من طرق متعددة، ولم يذكروا الوضوء، والوضوء ثابت؛ لأنه جاء في هذا الحديث، وجاء في غيره، والعلماء متفقون عليه؛ لكن منهم من يقول: إنه واجب لكل صلاة، وهو قول الأكثرين، ومنهم من يقول: إنه مستحب عند كل صلاة، وأنه لا يجب إلا إذا كان هناك حدث، بالنسبة للمستحاضة إذا حصل منها حدث، وهو نقض الوضوء، كونها يخرج منها غائط أو بول، أو ينتقض وضوءها بغير ذلك الدم الذي يخرج منها، فإنها تتوضأ وجوباً، وإذا كان بسبب الاستحاضة فقط، وهي على وضوئها، ولم يحصل منها إلا خروج دم الاستحاضة، فإن الوضوء لها مستحب؛ لكن الجمهور على أنه واجب، وأن خروج ذلك الدم منها -وهو نجس- أنه ينقض الوضوء، وأن عليها أن تتوضأ لكل صلاة، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء.فإذاً: القول بأنها تتوضأ هذا أجمع عليه العلماء، وإنما خلافهم في هل هو واجب أو مستحب؟ فالجمهور على أنه واجب لكل صلاة، ومنهم من قال: إنه مستحب، وأنه لا يلزمها أن تتوضأ، إلا إذا حصل منها حدث غير دم الاستحاضة.
شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد وهو ابن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة، قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد )، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: (وتوضئي) غير حماد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه وتوضئي].النسائي ذكر حديث عائشة من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، ومن طريق حماد بن زيد، وفيهما في الذي قبله من كونها أُمرت بأن تتوضأ، ويقول النسائي: أنه لا يعلم أحداً رواه بلفظ: (وتوضئي)، غير حماد بن زيد، وأن جماعة رووه عن هشام بن عروة، لم يذكروا فيه ما ذكره حماد، ورواية: (توضئي) ثابتة، قد جاءت عن حماد، وعن غيره، كما جاءت في الإسناد السابق، وجاءت أيضاً في غير ذلك، وهي ثابتة ومجمع عليها؛ ولكن الخلاف إنما هو في وجوب ذلك أو استحبابه، والجمهور على وجوبه، كما ذكرت ذلك آنفاً.قوله: ( قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد ).يعني: أنه ثابت، وقد ذكرتُ ما قاله العلماء في الغسل، وأن منهم من يقول: إنه يجب عند كل صلاة، ومنهم من يقول: إنما يجب عند الاغتسال من الحيض، ومنهم من يقول: يجب في اليوم مرة واحدة، ومنهم من يقول: ثلاث مرات.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].ويحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حماد].حماد، وهو ابن زيد، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. عن أبيه وأبوه: عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة، وقد تقدمت كثيراً، وهي الراوية للحديث في الأحاديث المتقدمة، إذاً: فرواة الإسناد كلهم ممن خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا شيخ النسائي: يحيى بن حبيب بن عربي، فإنه لم يخرج له البخاري، وقد خرج له الباقون.
حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله! لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم، وصلي )].وهذا مثل الذي قبله، وإسناده عن مالك بن أنس، وهو إمام دار الهجرة، وهو أحد الفقهاء المشهورين، وممن جمع بين الفقه والحديث، وهو صاحب المذهب المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.عن هشام بن عروة عن أبيه، وقد مر في الإسناد الذي قبله.
شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث حدثنا خالد بن الحارث سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني لا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا، إنما هو عرق -قال خالد فيما قرأت عليه: وليست بالحيضة- فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي )].هنا ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وإفتاء الرسول صلى الله عليه وسلم إياها بأنها تمسك عن الصلاة في حال حيضها، وأنها إذا أدبرت تغتسل، (تغسل الدم)، تغتسل وتصلي، وهو نفس الحديث، إلا أنه جاء من طريق أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا أبو الأشعث].وهو أحمد بن المقدام العجلي، وهو صدوق، خرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا خالد].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة].وبقية الإسناد هو نفس الإسناد الذي قبله.[قال خالد فيما قرأت عليه: (وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)].قوله: (قال خالد فيما قرأت عليه) يعني: الذي يقول هذا تلميذ خالد، هو: أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، يعني: في بقية الحديث: قال خالد فيما قرأت عليه، ثم ذكر تتمة الحديث إلى آخره.
الأسئلة
حكم الجلوس أمام وجه المصلي
السؤال: إذا صلى أحد، والآخر جالس أمامه وجهاً لوجه، فهل يوجد نهي بذلك أم ماذا؟الجواب: إذا كان -مثلاً- واحد جالساً أمامه، وملاقيه وجهه، بينه وبينه مسافة، أقول: ما أعلم شيئاً يدل على النهي والمنع.
تبيين الصحيح من الضعيف في سنن النسائي
السؤال: نرجو من فضيلتكم أن تبين صحة وضعف الأحاديث، مثل أن تقول: هذا حديث صحيح، وهذا حديث حسن، جزاكم الله خير.الجواب: قضية الضعيف: إذا كان هناك حديث ضعيف نتكلم عليه؛ لكن الأحاديث التي في النسائي الضعيف فيها نادر جداً، ولهذا أنا قلت في ما مضى: الأحاديث التي فيها كلام كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الألباني، هي كلها في حدود خمسين حديثاً في المجلد بأكمله، فأكثر الأحاديث صحيحة وثابتة، يعني: بين الصحيح والحسن، والضعيف يعتبر نادراً.
إطلاق لفظة الجماعة عند بعض العلماء
السؤال: إذا قلت: حديثه عند الستة، هل معناها عند الجماعة؟الجواب: الستة هم الجماعة، فإذا قيل: أخرجه الجماعة وأخرجه الستة، هم بمعنى واحد، إلا أن بعض العلماء له اصطلاح في لفظة الجماعة، وذلك بالإضافة إلى الستة، الإمام أحمد، فيكونوا سبعة، وهذا مثل اصطلاح الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، فإنه السبعة يعني: أضيف إلى الستة أحمد، وإذا قال: الجماعة، يقصد بهم السبعة، ومعهم الإمام أحمد.كما أن اصطلاح المجد بن تيمية في كتاب المنتقى، عندما يقول: متفق عليه، يقصد البخاري، ومسلم، وأحمد، وهذا اصطلاح خاص به في كتابه المنتقى، الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار.
حكم اشتراط ولي المرأة على الخاطب السكنى عنده في البيت
السؤال: هل لولي المرأة أن يشترط على الخاطب السكنى عنده؟الجواب: أقول: لا بأس، إذا كان الأمر يتطلب ذلك، فكل شرط صحيح، لا مانع منه إذا اشترط.
موقف الأبناء عند إساءة الآباء إليهم
السؤال: فضيلة الشيخ! إن أبي منذ أن كنا صغاراً لم يرعنا حق الرعاية، وكان يبغضنا، ومنعنا كثيراً من الحقوق، ولا يعدل بيننا وبين إخوتي غير الأشقاء، عندهم أخوه من الأب يعني، وأنا منذ أن هداني الله أحاول أن أقابل ذلك الصنيع بالإحسان؛ ولكني أجد من نفسي أني لا أحب والدي، فهل ألام على هذا؟ وهل هذا من العقوق؟الجواب: ينبغي للإنسان أن يحرص على الإحسان إلى والده، ولو حصل من والده شيء، فلا ينبغي له ذلك، بل يقابل الإساء بالإحسان، ويتجاوز ويصفح عن والده وما حصل منه، ويدعو الله له أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له، ويقابله بالإحسان؛ لأن هذا أعظم أجراً له، وفيه أيضاً برٌ بالوالد، وإحسان إليه، وكون الإنسان حصل من والده شيء لا ينبغي، فلا ينبغي له أن يقابله بما هو سوء، بل يقابله بما هو خير، ومقابلة السوء بما هو خير، هذا هو الذي ذكر الله عز وجل في كتابه، وبين أنه لا يتأتى لكل أحد، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، يعني: كون الإنسان يدفع بالسيئة الحسنة، فيأتي بالحسنة بمقابل السيئة.على كل: هو ينبغي له أن يحرص على ألا يخرج من قلبه بغضه، وأن تحصل المحبة له، إلا إذا كان البغض يتعلق بأمر شرعي، يعني: بالطاعة والمعصية، فهذا شيء آخر، فالإنسان يحب في الله، ويبغض في الله لكن يحسن إلى والده وينصحه، ويرشده إلى ما هو خير، أما إذا كان لحظ النفس، فما ينبغي له أن يكون هناك بغض، بسبب حظ النفس، أما إذا كان لله عز وجل، فهذا أمر آخر؛ لكن عليه أن يحرص على هداية والده، وعلى حصول استقامته، وعلى إصلاح ما حصل منه من نقص، ومن خلل.
حكم السلام على المصلي وكيفيته
السؤال: حكم السلام على المصلي، هل هو جائز؟ وكيف يرد المصلي السلام؟الجواب: السلام على المصلي سائغ؛ ولكن رده من المصلي بالإشارة، لا يرد بالكلام.
حكم شراء السيارات من المرور
السؤال: ما حكم شراء السيارات التي يأخذها المرور ثم يبيعها؟الجواب: الأولى أن الإنسان لا يشتريها؛ لأنها قد يكون فيها شبهة.
موقف الشرع فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يبشره بالجنة
السؤال: رجل رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، فما رأي فضيلتكم في مثل هذه الرؤيا؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيته في المنام هي ممكنة؛ لكن إذا كانت على هيئته صلى الله عليه وسلم التي يعرفه أصحابه، أما إذا رأى أحد في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ليس على الهيئة التي يعرفها أصحابه، فهذا ليس رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، إذا كان رآه على هذه الهيئة التي يعرفها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتي بينوها، وأنه بشره، فيرجى له إن شاء الله خير؛ لكن ما كل من يرى في المنام أحداً يقول: إنه رسول الله، ويصدق عليه بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، إلا إذا كان على الهيئة التي يعرفها أصحابه؛ فإن الشيطان لا يتمثل به على هيئته التي يعرفها أصحابه.أما كونه يأتي في المنام ويقول: إنه رسول الله، وهو كذاب؛ فإن في اليقظة أناساً متنبئين، قالوا: إنهم أنبياء، فكذلك يأتي شياطين في المنام ويقولون: إنهم رسول الله؛ لكن كونه على الهيئة التي يعرفها أصحابه، هذا لا يتمثل الشيطان بهيئته، وصورته التي يعرفها أصحابه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
مدى صحة مقولة: (اللهم إن كنت كتبتني عندك شقياً) عن عمر بن الخطاب
السؤال: هل ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني عندك شقياً فامحني، واكتبني سعيداً، هل هذا ثابت عنه؟ وإن كان ثابتاً ألا يعارض هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)؟الجواب: ما أعرف ثبوت هذا عنه، ومن المعلوم أن ما في اللوح المحفوظ لا يغير، ولا يبدل فيه.وهذا الدعاء ما أعرف في ثبوته عن عمر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه معروف أنه من أهل الجنة، وهو يعلم بأنه من أهل الجنة، وقد بشره رسول الله عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبره بأنه رأى له قصراً في الجنة، ( قيل: هذا لـعمر بن الخطاب ) رضي الله تعالى عنه وأرضاه.والذي في اللوح المحفوظ لا يغير ولا يبدل، ما كتب في اللوح المحفوظ هو كائن، إذا كتب الله أنه يكون كان، وما كتب بأنه لا يكون، لا يمكن أن يكون، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(70)
- (باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم) إلى (باب الاغتسال أول الليل وآخره)
نهى الشرع عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وعن البول في الماء الراكد والاغتسال منه. وبين جواز اغتسال الجنب في أول الليل أو في آخره، وأنه يشرع في حق من أخر الغسل من الجنابة أن يتوضأ.
النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم
شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير: أن أبا السائب أخبره: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)].فهذه الترجمة من الإمام النسائي رحمة الله عليه وهي باب: النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، المقصود بالماء الدائم؛ أي: الماء الواقف الساكن الذي لا يجري، وهذا هو المقصود بالترجمة، وذلك أن اغتسال الجنب به يعني يلوثه، وقد يجعل غيره يكره الاستفادة منه، وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ)، وقد جاء في بعض الروايات أنه سئل أبو هريرة رضي الله عنه: (فماذا يصنع؟ قال: يغترف اغترافاً)؛ يعني: يتناول تناولاً من الماء الدائم ويغتسل، والسر في ذلك كما أشرت أن فيه تلويثاً له، وفيه تكريهاً له، فيمن قد يحتاج إليه لشرب أو لغيره، وهذا إذا كان الماء الدائم ليس كثيراً جداً، أما إذا كان كثيراً كماء البحر، أو غيره من المياه الكثيرة التي لا يؤثر الانغماس فيها، فهذا لا بأس به، وإنما المقصود من ذلك هو الشيء الذي يمكن أن يحصل فيه تلويث، وأن تكرهه النفوس بسبب الاغتسال فيه من الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
قوله: [أخبرنا سليمان بن داود، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].وسليمان بن داود وهو أبو الربيع المصري، وقد تقدم، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.وأما الحارث بن مسكين فهو أيضاً مصري، وهو ثقة، وقد خرج حديثه أيضاً أبو داود، والنسائي، إذاً: كل من شيخي النسائي في هذا الإسناد ثقة، وكل منهما خرج حديثه أبو داود، والنسائي، ولم يخرج لهما صاحبا الصحيح، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه، وتبين من صنيع النسائي أنه عندما يقرنه مع غيره غالباً يجعل اللفظ الذي يسوقه له، فيقول: واللفظ له؛ أي: للحارث بن مسكين، هذا هو الغالب على استعمال النسائي، وعلى طريقة النسائي أنه عندما يقرن الحارث بن مسكين بغيره.[عن ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، هو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه. [عن عمرو بن الحارث]. وهو أيضاً مصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكير]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي السائب].أبو السائب، وهو مشهور بكنيته، وقيل: هو عبد الله بن السائب المدني أبو السائب مولى هشام بن زهرة. وخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي هريرة]. وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر السبعة حديثاً، إذ إنه لم يرو عن أحد من الصحابة أكثر مما روي عن أبي هريرة من الأحاديث رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن سفيان عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه؛ لأن الترجمة السابقة تتعلق بالنهي عن الاغتسال فيه من الجنابة، وهذه تتعلق بالنهي عن البول فيه والاغتسال منه، وذلك أن البول فيه يلوثه، ويقذره، ويجعله قذراً. ثم كون الإنسان يحتاج إلى أن يغتسل فيه، ومع ذلك هو يبول فيه، فإن هذا مما يزيده تقذراً، وإنما عليه أن يبول خارج الماء، وعند الاغتسال أيضاً يتناول تناولاً كما جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الأحاديث المتقدمة أنه سئل وقيل: (ماذا يصنع؟ قال: يتناول تناولاً)؛ أي: عندما يريد أن يغتسل، وهذا فيه النهي عن البول، وكذلك أيضاً كونه يحتاج إلى الاغتسال فيه، أو الاغتسال منه، هو يكون قد قذره على نفسه وعلى غيره. وهذا الكلام إنما هو في الماء الدائم الساكن الذي لا يجري، وأما الذي يجري فإنه يتغير، ولا يسرع إليه الفساد مثل ما يحصل للماء الراكد الذي هو دائم، ولا يجري، ويتبدل، ويتغير، ويتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه)
قوله: [أخبرنا ابن عبد الله بن يزيد المقرئ]. وهو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة، خرج له النسائي، وابن ماجه. [عن سفيان]. وهو ابن عيينة، وقد سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، حافظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد]. وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد هذا لقب له على صيغة الكنية، وهو ليس كنية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن أبي عثمان]. وهو مولى المغيرة بن شعبة، ويقال له: التبان، وهو مقبول، خرج حديثه البخاري تعليقاً، والنسائي.[عن أبيه].أبوه هو أبو عثمان وهو التبان مولى المغيرة بن شعبة، وهو أيضاً مقبول، خرج حديثه البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.[عن أبي هريرة]. وهو صحابي الحديث الذي تقدم قبل هذا.
ذكر الاغتسال أول الليل
شرح حديث عائشة في الاغتسال في الليل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاغتسال أول الليل.أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد عن سفيان عن أبي العلاء عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث أنه سأل عائشة رضي الله عنها: (أي الليل كان يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الاغتسال أول الليل. أي: من الجنابة؛ يعني: أن الترجمة معقودة للاستدلال على الاغتسال أول الليل، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن غضيف بن الحارث سألها عن اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: إنه (ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره)؛ معناه: أنه يغتسل من أوله وآخره، فقال: (الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)؛ يعني: ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل في أول الليل وفي آخره، ففي الأمر سعة، ويقول غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة؛ يعني: لم يجعل الأمر فيه ضيقاً، وفيه إلزام بوقت معين، بل الأمر في ذلك واسع. وفي بعض الروايات أنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)، وفي ذلك، صنيع غضيف بن الحارث التكبير عند حصول الأمور المستحبة، والأمور السارة، وكذلك أيضاً الثناء على الله عز وجل، وحمده على تيسيره، وعلى تخفيفه، وكونه ما جعل على الناس في الدين من حرج، بل سهل ويسر وخفف، ولم يلزم بأن يكون الاغتسال له وقت معين لا يتعداه إلى غيره، فهذا يدل دلالة على أن المعروف عن السلف من الصحابة ومن بعدهم أنهم عندما يأتي أمر يسر، أو أمر يتعجب منه، أو أمر حسن فإنه يكبر الله عز وجل، ويظهر الفرح بالتكبير، والحمد لله عز وجل كما فعل غضيف بن الحارث في هذا الحديث. وفي بعض الروايات عند أبي داود أنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)، وهذا فيه دليل على أن ما شاع في هذا الزمان وانتشر من حصول التصفيق عند ذكر أمر يسر أن هذا من الأمور المنكرة، والأمور المحدثة التي هي خلاف السنة، وإنما السنة هي حصول التكبير عند ذكر الأمور السارة، وقد جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في بعض الأحاديث، وكما حصل من البشارة التي حصلت من رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، أو ثلث أهل الجنة)، فعند ذلك يقول الصحابة: الله أكبر، سروراً وابتهاجاً وفرحاً. وكذلك عمر رضي الله عنه لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وما شاع من أنه طلقهن، وأن الصحابة تأثروا وحزنوا لما حصل، فجاء عمر إليه وهو في مكان قد جلس فيه، فسأله وقال: (يا رسول الله! طلقت نساءك؟ قال: لا، قال: الله أكبر)، فكبر سروراً وابتهاجاً، فهذه هي السنة التي جاءت بها الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي حصلت من أصحابه في حضرته، وأقرهم على ذلك، وأيضاً الذي فعله من بعدهم التابعون، وكما حصل لـغضيف بن الحارث في هذا الحديث الذي معنا، فإنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة). والحديث دال على ما ترجم له النسائي من الاغتسال في أول الليل من الجنابة، وهذا هو الأولى أن يكون الإنسان يغتسل أول الليل، ثم ينام وهو على طهارة، لكنه إن بقي وأخر ذلك إلى آخر الليل فلا بأس، لكن عليه أن يتوضأ؛ لأن ذلك فيه تخفيف الحدث، وإزالة التلويث الذي حصل بسبب الجماع.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الاغتسال في الليل
قوله: [أخبرنا عمرو بن هشام].هو عمرو بن هشام الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[عن مخلد]. وهو ابن يزيد القرشي الحراني، هو صدوق، له أوهام، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن سفيان]. وسفيان هنا غير منسوب، وهو يحتمل سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، لكن الذي ذكره المزي في ترجمة مخلد بن يزيد أنه روى عن الثوري، ولم يرو عن ابن عيينة، والذي روى عنه سفيان هو: أبو العلاء، وهو أيضاً برد بن سنان، ذكروا في ترجمته أنه روى عنه السفيانان؛ يعني: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، لكن في ترجمة مخلد بن يزيد أنه روى عن سفيان الثوري فقط. إذاً: فقد تبين بأنه سفيان الثوري، وليس سفيان بن عيينة، وهذا إنما عرف بالرجوع إلى ترجمة مخلد بن يزيد في تهذيب الكمال، فإنه ذكر أن من شيوخه سفيان الثوري، ولم يذكر من شيوخه الذي روى عنهم سفيان بن عيينة، وهذا مما يتبين به المهمل. وسفيان الثوري هو ثقة، ثبت، إمام، حجة، وهو محدث، فقيه، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري.[عن أبي العلاء]. وأبو العلاء هو: برد بن سنان، ويأتي أحياناً بكنيته كما هنا، وأحياناً باسمه كما في الإسناد الذي بعد هذا؛ لأنه أحياناً يذكر بالكنية، وأحياناً يذكر بالاسم، ومن يعرف ذلك لا يلتبس عليه الأمر، ومن عرف أن برد بن سنان كنيته أبو العلاء فإذا وجده في بعض الأسانيد أبو العلاء، وفي بعضها برد بن سنان يعرف أن هذا هو هذا، من لم يعرف يظنه أنهما شخصان، مع أنهما شخص واحد، فذكر مرةً باسمه، ومرةً بكنيته، وهذه من فوائد معرفة كنى المسلمين. وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبادة بن نسي].وعبادة بن نسي ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[عن غضيف بن الحارث]. وغضيف بن الحارث هذا مخضرم، وهو مقبول، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن عائشة]. وهي عائشة رضي الله تعالى عنها، وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ولم ترو امرأة من الصحابيات مثل ما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم عن ألف حديث، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
الاغتسال أول الليل وآخره
شرح حديث عائشة في الاغتسال في الليل من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاغتسال أول الليل وآخره. أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن برد عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها، فسألتها قلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: كل ذلك، ربما اغتسل من أوله، وربما اغتسل من آخره. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].أورد النسائي ترجمةً أخرى وهي: الاغتسال أول الليل وآخره. وهي تشبه الترجمة السابقة، لكن فيها زيادة آخر الليل؛ لأن الترجمة السابقة الاغتسال أول الليل، وهذه أول الليل وآخره، والمقصود من ذلك الاستدلال على آخر الليل، وكذلك على أول الليل، إلا أن أول الليل في الترجمة السابقة تخص هذا الموضوع، والمقصود من ذلك أن الاغتسال سائغ في أول الليل وآخر الليل؛ يعني: الاغتسال من الجنابة، وفيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على معرفة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، والتي يحتاج إليها وإلى معرفة مثل هذا الحكم الذي هو الاغتسال، وأن المرجع في مثل هذه الأحكام إلى أزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن؛ لأنه من الأمور المتعلقة بالبيت، كالاغتسال من الجنابة، وما إلى ذلك من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها في الغالب إلا نساؤه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وفيه الرجوع إلى من عنده علم، أو مظنة من يكون عنده علم في المسألة، وفيه أن الاغتسال من الجنابة سائغ في أول الليل وآخر الليل، لكن إذا أخر إلى آخر الليل، فينبغي أن يتوضأ ويخفف الحدث، وأيضاً يزيل ما هناك من تلوث بسبب الجماع.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الاغتسال في الليل من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا يحيى].وهو يحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن حماد].وهو ابن زيد؛ لأنه ذكر في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد، وأما في ترجمة برد بن سنان فقد ذكر أنه روى عنه الحمادان كما روى عنه السفيانان، وذكرت أن في الإسناد الذي قبل هذا أن سفيان عرف بأنه الثوري؛ لأن المزي لم يذكر أن مخلد بن يزيد روى عن سفيان بن عيينة، وإنما روى عن سفيان الثوري، فتعين أنه المهمل، كذلك هنا بالنسبة لـحماد؛ لأنه أُهمل هنا، وبرد بن سنان ذكروا في ترجمته أنه روى عن الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، لكن في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي في تهذيب التهذيب قال: أنه روى عن حماد بن زيد، وما ذكر حماد بن سلمة.وحماد بن زيد ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن برد].وهو ابن سنان، وهو: أبو العلاء؛ لأنه هنا ذكر باسمه، وفي الإسناد السابق ذكر بكنيته، وهو مثل أبي وائل شقيق بن سلمة، فأحياناً يأتي شقيق بن سلمة، وأحياناً يأتي أبو وائل، وهو هو يذكر بكنيته أحياناً، ويذكر باسمه أحياناً، وكذلك برد بن سنان وبقية الإسناد هم رواة إسناد الحديث الذي قبل هذا.
الأسئلة
الصحيح في نطق اسم سعيد بن المسيب
السؤال: ما هو الصحيح في سعيد بن المسيب هل هو بالكسر أم بالفتح؟ الجواب: سعيد بن المسيب قيل عنه بالفتح، وقيل عنه بالكسر، والمعروف أنه بالكسر، وقد ذكر هذا السيوطي في الألفية، وسيأتي ذكر أن الأولى فيه الكسر؛ لأنه كان يغضب، وكان يكره أن يقال له: ابن المسيب، فهو ابن المسيب بالكسر، وهو يأتي ذكره هكذا وذكره هكذا، لكن الذي ينبغي أن يعبر عنه بالكسر.
مدى مضاعفة الخطيئة في المدينة أسوة بمكة
السؤال: هل الخطيئة في المدينة تضاعف كما تضاعف في مكة، مع ذكر الدليل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب: المضاعفة كما هو معلوم ما في شيء يدل على المضاعفة من ناحية العدد؛ لأن التضعيف من ناحية العدد ما جاء شيء يدل عليه، ومن المعلوم أن السيئة تكتب سيئة واحدة، لكن فرق بين السيئة في الأماكن المقدسة والأماكن الأخرى التي دونها؛ لأن من يعص الله في الحرم ليس كمن يعصيه في غير الحرم، ومن المعلوم أن مكة أفضل وأشرف، والأمر فيها أشد، والخطورة إنما هي بالكيف ليس بالكم؛ لأنه لا يقال: إن السيئة تضاعف سيئات، وأنها تكتب عليه عدة سيئات إذا أتى بسيئة واحدة، لكنها من حيث الكيف، ومن حيث الخطورة، لا شك أن المعصية في الحرم أشد وأعظم من المعصية في الأماكن الأخرى. ومن المعلوم أن الزمان المقدس والمكان المقدس له ميزة، وله فضل، فالحسنات لها وزن ولها قيمة، ولها شأن، والسيئات لها خطر، وأمرها عظيم، وليس بالهين.
سبب كون والدي النبي من أهل النار
السؤال: ثبت أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل النار، فهل سبب ذلك لأنهما ما زالا مشركين؟ أم لجحودهما؟الجواب : نعم،، السبب في كون والدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنهما في النار الكفر، بسبب كونهما ماتا كافرين، وقد جاء في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس : (أن رجلاً جاء إلى النبي وقال: أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فتأثر الرجل، فلما أدبر دعا به، وقال: إن أبي وأباك في النار)، وأما بالنسبة لأمه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في الحديث الصحيح: (أنه استأذن أن يزورها، فأذن له، واستأذن أن يستغفر لها، فلم يؤذن له)، وكونه استأذن ليستغفر لها فلم يؤذن له دل على أنها ماتت كافرة. وما جاء عن بعض الناس من قولهم: إن الله تعالى أحياهما له، وأنهما أسلما، وأن هذه خصيصة، فهذا لو كان صحيحاً لكان له شأن ولنقل، ولجاء ذلك؛ لأن هذا من الأمور الغريبة العجيبة التي هي من أشد الخصائص، وأعظم الخصائص، وقد جاء عن بعض العلماء لكنه ليس بصحيح؛ لأنه ليس مبنياً على ما يدل على الثبوت، والصحيح أنه لم يثبت، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل الذي جاء هو ما في الصحيح من أنهما في النار.
معنى عقد الأصابع بالتسبيح ورفع الأصبع عند الشهادة
السؤال: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الأنامل في التسبيح؟ وهل من السنة أن يرفع الإنسان إصبعه عندما ينتهي من التسبيح ليكمل عند تمام المائة؟ الجواب: ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يعقد التسبيح بأصابعه )، يعني: يعد بأصابعه، والعقد هو: كونه يقدم، فهذا هو المقصود بالعقد، ومن المعلوم أن تمام المائة أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وعندما يأتي ذكر الله يمكن أن يشير بإصبعه، عندما يقول: لا إله إلا الله.
الأولى للإنسان عند سماع القرآن
السؤال: هل يجوز للإنسان عند سماعه للقرآن من المسجل أن يقرأ معه بصوت منخفض خشية أن يسرح عن التلاوة؟ الجواب: الذي ينبغي هو السماع، والتعقل، والتأمل؛ لأن القراءة معه تشغل عن السماع، والتفكر، والتدبر، بل الإنسان عندما يسمع القراءة سواءً كانت من مسجل، أو من شخص مباشرةً بدون تسجيل فإنه يستمع للقراءة، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]، طبعاً الآية في الصلاة، لكن كذلك إذا كان الإنسان عنده قراءة قرآن لا ينشغل عنه، وإنما يستمع، إما أن يكون باقياً، فيستمع إذا كان القارئ يقرأ، أو إذا كان بتسجيل فإنه يستمع، وإذا أراد أن ينشغل فلا ينشغل، والقرآن يُقرأ، ويتشاغل عنه، وإنما يوقف التسجيل إذا كان بحاجة إلى الانشغال عنه، أما كون القرآن يقرأ وهو يتشاغل عنه فهذا لا ينبغي، ولا يصلح. وإذا كان يريد أن يتعلم القراءة أو التجويد فيمكن أنه يقرأ معه من أجل أن يتعلم، لكن إذا كان ليس المقصود كون الإنسان يتعلم، وكونه يعود نفسه على القراءة، وكونه يمد كما يمد القارئ، ويرتل كما يرتل القارئ فإنه يسمع.
تزاحم المصلين للصلاة في المحراب الذي في الروضة
السؤال: نجد عدداً من المصلين -هداهم الله- يصلون عند المحراب الذي يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وهذا الفعل من الأمور المبتدعة، فكيف يكون الإنكار عليهم؟ الجواب: التزاحم على مكان معين في المحراب الذي في الروضة، أولاً: الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان له محراب موجود بهذه الهيئات الموجودة الآن، وإنما كان له مكان يصلي فيه، ولا يعلم هذا المكان بالضبط أين هو؟ وإنما الذي جاء أن الروضة ما بين البيت والمنبر، وهي روضة من رياض الجنة، وهذا يدل على فضلها، وأما قصد المكان والتزاحم عليه فهذا لا ينبغي، وإنما الذي ينبغي هو أن يأتي الإنسان إلى الروضة حيث لا يكون هناك إيذاء لأحد بسبب الزحام فيصلي فيها ما تيسر له، ثم يقوم، وإذا كان عليها زحام لا يستمر في الصلاة فيها، وإنما يتركها لمن يريد أن يصلي، أما أن يبقى فيها، ويترتب على ذلك إيذاء، والناس يأتون ليصلوا فيها صلاة، ويدركون ذلك الفضل فهذا لا ينبغي للإنسان أن يبقى فيها ويلحق الضرر بالناس. وإذا كان حكم السائل بأن هذا من الأمور المبتدعة؟ فنقول: نعم هذا من الأمور التي يخشى منها الوقوع في محظور.
حفظ عمدة الأحكام للمبتدئين
السؤال: هل الأفضل للمبتدئ أن يحفظ بلوغ المرام، أو المحرر، أو عمدة الأحكام؟ الجواب: عمدة الأحكام كما هو معلوم أحاديث متفق عليها، وهي أكثر من ثلاثمائة حديث، قيل إن عدة أحاديثها عدة أهل بدر أو قريب من عدة أهل بدر؛ لأنها أكثر من ثلاثمائة حديث، وكلها من المتفق عليه، فإذا حفظها يكون قد حفظ أحاديث صحيحة متفقاً عليها، رواها البخاري، ومسلم، وإن كان المقدسي رحمة الله عليه حصل منه أحياناً عدم الالتزام بشرطه وهو: أنه يكون من المتفق عليه، فأحياناً يكون ليس على شرطه، وهذا قليل جداً، وقد نبه عليه العلماء من جهة أنه ليس متفقاً عليه، وهو ذكره بناءً على شرطه أنه متفق عليه، فهذا من أوهامه التي وهم فيها، لكن إذا حفظ الإنسان عمدة الأحكام يكون قد حفظ أحاديث صحيحة متفقاً عليها، رواها البخاري، ومسلم، وهذا أولى ما يكون للمبتدئ، ثم بعد ذلك يقرأ أو يحفظ بلوغ المرام الذي هو أوسع، والذي فيه متفق عليه وغير متفق عليه، وفيه صحيح وضعيف.
حفظ المتون في كل الفنون
السؤال: ما هو توجيهكم في حفظ المتون في كل الفنون؟الجواب: حفظ المتون لا شك أنه مهم جداً لمن عنده قدرة؛ لأن الحفظ هو الذي يبقى مع الإنسان أينما ارتحل وأينما حلّ، حفظه معه، وعلمه معه في صدره، وفي محفوظاته، فهذا هو العلم الحقيقي الذي يكون مع الإنسان دائماً وأبداً، بخلاف العلم الذي يكون في الكتب فإنه يحتاج إلى مراجعة، لكن العلم الذي يكون في الصدر، فهذا ينفق الإنسان منه متى شاء، ويتمكن من الإنفاق منه، من البذل منه، فلا شك أن الحفظ، وحفظ المتون هي طريقة المتقدمين، وطريقة أهل التحصيل الذين يعنون بحفظ المتون فيستذكرونها، سواءً كان ذلك مثلاً في الحديث، أو في النحو، أو في المصطلح، أو في الفرائض، أو ما إلى ذلك من الفنون التي تحفظ فيها المتون نظماً ونثراً.
حكم التبول في ماء البحر
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يبول في ماء البحر لأنه ماء كثير؟الجواب: ماء البحر واسع لا يخشون عليه التلويث، لكن الأولى أن الإنسان يعود نفسه ألا يبول في الماء الدائم.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(71)
- باب ذكر الاستتار عند الاغتسال - باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل
يجب على المغتسل الاستتار عن الناس، وألا تنكشف عورته لأحد، وينبغي ألا يسرف في استخدام الماء، وهذه كلها آداب بينها الإسلام.
ذكر الاستتار عند الاغتسال
شرح حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاستتار عند الاغتسال. أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح رضي الله عنه أنه قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ذكر الاستتار عند الاغتسال. يعني: الاستتار عن أعين الناس، وكونه يكون في مكان قد استتر عنهم، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه، فيستتر به ويغتسل )، فـأبو السمح رضي الله عنه يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يجعل ظهره إليه، بمعنى: أنه يكون اتجاهه إلى جهة أخرى، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم وراء ظهره يستتر به، فهذا الذي أورد المصنف الحديث من أجله تحت تلك الترجمة، وهو الاستتار، وهنا استتار بشخص يوليه ظهره، ويغتسل وراءه، ويكون بذلك ساتراً له، فهو دليل على ما ترجم له المصنف.
تراجم رجال إسناد حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله
قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].هو مجاهد بن موسى الختلي الخوارزمي، وهو ثقة، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].وعبد الرحمن بن مهدي هو الإمام، المشهور، الحجة المحدث، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الشخصين اللذين قال عنهما الذهبي: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، وهما: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهما: من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة؛ أعني: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان.[حدثني يحيى بن الوليد]. يحيى بن الوليد كنيته أبو الزعراء، وهو طائي، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه لا بأس به.[حدثني محل بن خليفة]. هو محل بن خليفة الطائي، وهو أيضاً طائي، كما أن تلميذه الراوي عنه طائي، وهو ثقة، وخرج لهما البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثني أبو السمح].وأبو السمح قيل اسمه: إياد، وهو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الحديث نفسه- وهو أنه يحكي أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وله حديث واحد وهو هذا الحديث، وقد خرجه له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، إلا أن بعضهم يذكره مفرقاً، وبعضهم يجمعه، وهذا جزء من حديثه أو بعض حديثه، وأبو داود رواه عنه بأطول من هذا، وقال: ( إنه كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنه كان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني ظهرك، فيوليه ظهره، ثم يستتر به ويغتسل )، وقال: ( إنه جاءه مرة الحسن أو الحسين فجلس في حجره فبال، فقال: إنه يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية ).
شرح حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن مالك عن سالم عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أم هانئ رضي الله عنها أنها: (ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره بثوب، فسلمت فقال: من هذا؟ قلت: أم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحفاً به)].أورد النسائي حديث: أم هانئ، وهي: بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، واسمها فاختة، وقيل: هند، وهي لها أحاديث ذكر في الخلاصة: أن عدتها ستة وأربعون حديثاً، وأن البخاري، ومسلماً اتفقا منها على حديث واحد، وهو هذا الحديث -الذي معنا- حديث إخبارها بمجيئها إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وأن فاطمة كانت تستره بثوب، وهنا ذكر مختصراً، وقد أورده البخاري في بعض المواضع مطولاً، وفي بعضها مختصراً، وفي بعضها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأل عنها، (قيل: من هذه؟ قالت: أم هانئ. قال: مرحباً بـأم هانئ)، فالحديث طويل، والنسائي هنا أورده مختصراً، والمقصود منه: ذكر الاستتار عند الاغتسال، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل، وابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تستره بثوب، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا في ذكر الاستتار عند الاغتسال. فلما جاءت وسلمت قال: (من هذه)، وفي بعض الروايات: (من هذا)؛ يعني: الشخص، (فقالت: أم هانئ)، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (مرحباً بـأم هانئ)، ثم إنه لما فرغ من اغتساله جاء وصلى ثمان ركعات، وكان ذلك في وقت الضحى، فمن العلماء من قال: إن هذه الركعات الثمان هي سنة الضحى، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى سنة الضحى ثمان ركعات، ومنهم من قال: إن هذه بسبب الفتح، وأنها شكر لله عز وجل على ما حصل له من الفتح، والنووي في صحيح مسلم ترجم بترجمة، فأشار إلى هذا الحديث الذي أورده مسلم، فقال: بيان سنة الضحى وفضلها، وأن أقلها ركعتان، وأن أكملها ثمان ركعات، وأن وسطها أربع أو ست.أما من قوله عليه الصلاة والسلام فقد جاءت الأحاديث مرغبةً في ذلك، ومن بينها: حديث أبي هريرة المتفق على صحته، الذي يقول فيه رضي الله عنه: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأيضاً رواه أبو الدرداء، وقد انفرد به مسلم، ويقول فيه: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أرقد)، وكل من هذين الحديثين: حديث أبي هريرة، وحديث أبي الدرداء فيهما الاشتمال على إيصاء الرسول صلى الله عليه وسلم بسنة الضحى -ركعتي الضحى- حيث قال كل منهما: (أوصاني)، يقول أبو هريرة: (خليلي)، ويقول أبو الدرداء: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، وحديث أبي الدرداء عند مسلم وحده.فالأحاديث في فضل صلاة الضحى ثابتة وكثيرة، وهي من قوله عليه الصلاة والسلام، وحديث أم هانئ هذا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء أيضاً: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، وهي أولاد الدواب؛ يعني: حين تشتد الرمضاء عليها، فتؤثر عليها حرارة الرمضاء، وذلك في شدة الضحى، أو في وقت القيلولة، ومن المعلوم: أن وقت الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهو زوال وقت الكراهة أو وقت التحريم، الذي هو النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند زوالها وعند غروبها، فمن ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال كل هذا وصف لصلاة الضحى. إذاً: فالحديث الذي معنا دال على سنة الضحى، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ملتحفاً بثوب في ذلك الوقت بعد أن اغتسل، وصلى تلك الثمان الركعات التي قيل: إنها سنة الضحى، ومن المعلوم: أن الصلاة بثوب واحد سائغ وجائز، لكن بحيث يكون ضافياً، ويكون ساتراً، بحيث يفي بجسم الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهذا الثوب ملتحفاً به، ولما سئل هل يصلي الرجل في ثوبين؟ قال: (أو كل يجد ثوبين؟)؛ معناه: أن فيه الصلاة بثوب واحد، هذا هو الأصل والغالب؛ لأن كل واحد لا يستطيع أن يجد ثوبين، ففيه: الصلاة بالثوب الواحد؛ لأن أم هانئ قالت: (إنه صلى بثوب ملتحفاً به).ثم أيضاً فيه جواز الكلام من المغتسِل؛ يعني: كون الذي يغتسل يتكلم، أو يكلم غيره عند الحاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم لما سلمت أم هانئ قال: (من هذه)، وقال: (مرحباً بـأم هانئ)، فدل هذا على أن المغتسل له أن يتكلم؛ لكن هذا في حال الاغتسال إذا كان في مكان مختص به، أما إذا كان في أماكن قضاء الحاجة، فإن الإنسان لا يتكلم إلا عند الضرورة، ومما يدل على جواز الكلام في حال الاغتسال الحديث الذي فيه وصف أبي أيوب الأنصاري الاغتسال في حال الإحرام، وأنه كان يغتسل، فاغتسل وبينهم وبينه شجر، وكان يتحدث معهم في حال اغتساله.
تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم]. هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، ثبت، وهذا شيخ أصحاب الكتب الستة، وقد مر أنه روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة، وأن ممن وافقه في ذلك محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، هؤلاء الثلاثة كل منهم روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة بدون واسطة، وهم الثلاثة من صغار شيوخ البخاري؛ لأنهم ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أما كبار شيوخ البخاري فهم الذين أدركهم في حال صغره، وماتوا وهو صغير، وروى عنهم وأخذ عنهم، فهؤلاء يقال: كبار شيوخه الذين أدركهم في أواخر حياتهم وفي أول حياته، وروى عنهم، ثم ماتوا، فهؤلاء كبار شيوخه.[عن عبد الرحمن]. هو عبد الرحمن بن مهدي، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة المشهورة التي هيئ لها من يقوم بتدوينها والعناية بها، فحفظت واشتهرت وانتشرت، ولم يحصل لغيرها من المذاهب التي هي مثلها، ولكنها ما هيئ لها من يقوم بالعناية بها، من حيث جمعها وتدوينها، ونشرها، والتأليف فيها، فهذه المذاهب الأربعة حصل لها ما لم يحصل لغيرها من مذاهب الفقهاء الذين اشتهروا بالفقه، واشتهروا بالعلم، فالإمام مالك رحمة الله عليه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سالم]. هو سالم بن أبي أمية أبو النضر، أحياناً يأتي ذكره باسمه -كما هنا- وأحياناً يأتي بكنيته أبي النضر، وقد ذكرت -فيما مضى- أن من فوائد معرفة كنى المسمين ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين، وذلك إذا ذكر مرةً باسمه ومرةً بكنيته، هنا سالم أبو النضر، وأبو كريب محمد بن العلاء، أحيانا يقال: أبو كريب، وأحيانا يقال: محمد بن العلاء، وأمثال هؤلاء الذين اشتهروا بكناهم ولهم أسماء سالم أبو النضر ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي مرة مولى عقيل].هو أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، قيل: اسمه يزيد وقيل: عبد الرحمن، وقيل: إنه مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: إنه مولى أخيها عقيل بن أبي طالب، وهو ثقة، وهو مشهور بكنيته، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أم هانئ].أم هانئ قيل: فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب، وذكرت أن لها أحاديث عدتها ستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم على إخراج حديث، وهو هذا الحديث الذي معنا؛ لأنه متفق عليه، أي: أخرجه البخاري وأخرجه مسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فإسناد هذا الحديث كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة، وهم يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عبد الرحمن بن مهدي، مالك بن أنس، أبو النضر سالم بن أبي أمية، أبي مرة مولى أم هانئ، وكلهم ثقات.والصحابة لا يحتاجون إلى توثيق، وأن يقال عن الواحد منهم: ثقة؛ لأن من أكرمه الله عز وجل بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكفيه ذلك الشرف وذلك الفضل، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليه وصف بأنه ثقة، بل جرت طريقة العلماء على أن الصحابة لا يسألوا عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأنهم موثقون، ومعدلون بتعديل الله عز وجل لهم، كما قال الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية: إن كل راو دون الصحابي يحتاج إلى معرفة منزلته من الثقة، والجرح والتعديل، أما الصحابة فلا يحتاجون إلى ذلك، ولا يسأل عن عدالتهم، بل الشخص المجهول منهم لا تؤثر جهالته، فإذا قيل: عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعرف اسمه ولم يعرف عينه، فإن ذلك كاف في الاعتماد عليه، والاحتجاج بحديثه، ما دام وصف بأنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل
شرح حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل. أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: (أُتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل.هذه الترجمة معقودة لبيان المقدار الذي يكفي للغسل، وذكر الرجل هنا لا مفهوم له في كلام النسائي؛ لأن الغالب في الكلام عن الرجال وفي حق الرجال، فالنساء كذلك؛ لأن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء، ولا يميز بين الرجال والنساء إلا إذا وجد شيء يميز بينهم، أما عند عدم ذكر شيء من ذلك، فإنه لا فرق بين الرجال والنساء.إذاً: فكلام النسائي في قول الرجل لا مفهوم له، ليس لأن المرأة تختلف عن الرجل؛ بل لأن الحديث على الرجال غالباً، هذا هو السبب في ذلك، ومن ذلك حديث أبي هريرة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيومٍ أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصم)، كذلك المرأة التي كانت معتادة أنها تصوم يوم الإثنين ووافق يوم ثلاثين من شعبان، فالرجل والمرأة في ذلك سواء، وذكر الرجل لا مفهوم له. وقد أورد النسائي في ذلك عدة أحاديث في هذه الترجمة، الحديث الأول: حديث عائشة رضي الله عنها (أُتي مجاهد بقدح حزرته -قول موسى الجهني: حزرته أي قدرته- بثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)، يعني: بمثل هذا القدح، وقد جاء في أحاديث: (أن الرسول كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع)، والصاع: أربعة أمداد، وكان يغتسل بأكثر من هذا، وجاء في بعض الروايات: ( اغتساله بما يزيد على الصاع ) لكن المعروف من عادته، والغالب من استعماله أنه كان يغتسل بالصاع، وهنا يقول موسى الجهني: (أن مجاهداً -يعني ابن جبر- أُتي بقدحٍ حزرته، يقول موسى الجهني: ثمانية أرطال، وقال: إن عائشة حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا).
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء
قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد]. محمد بن عبيد هذا هو المحاربي، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي. قوله: [حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة].هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، متقن، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن موسى الجهني]. موسى الجهني قيل: أنه ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن الجهني، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .قوله: [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر الإمام، المشهور، المعروف بالتفسير، وهو محدث، وفقيه، ومفسر، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين قد مر ذكرها كثيراً، وهي الصحابية التي زاد حديثها على ألف حديث، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث، والتي هي أحد السبعة المكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية الحديث، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث عائشة في اغتسال النبي بقدر الصاع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص سمعت أبا سلمة يقول: (دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع، فسترت ستراً فاغتسلت، فأفرغت على رأسها ثلاثاً)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أيضاً أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخل عليها هو وأخوها من الرضاع، فسألها أخوها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،(فدعت بإناءٍ فيه ماءٌ قدر صاع، واستترت بسترٍ، وأفرغت على رأسها ثلاثاً)، المقصود من هذا: ذكر المقدار، وأن هذا الإناء قدر صاع، وهذا يوضح ما ذكرت في الترجمة من أن ذكر الرجل ليس له مفهوم؛ لأن عائشة رضي الله عنها اغتسلت بهذا المقدار الذي هو قدر صاع، وهذا هو الغالب على ما كان معروفاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من مقدار الماء الذي يغتسل به، وأنه قدر الصاع.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 02:59 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال النبي بقدر الصاع
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. هو الصنعاني، الذي يأتي ذكره كثيراً، ويروي عن خالد بن الحارث، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري شيئاً.[حدثنا خالد بن الحارث].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى يروي عن خالد بن الحارث.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، وهو ثقة، أمير المؤمنين في الحديث -كما وصفه بذلك بعض العلماء- وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بكر بن حفص]. هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[سمعت أبا سلمة]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم، فقد قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. [عن عائشة]. عائشة قد تم ذكرها في الحديث السابق.
شرح حديث: (كان الرسول يغتسل في القدح وهو الفرق...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد)].ذكر النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالقدح، وهو الفرق، وكانت تغتسل هي وإياه في إناء واحد ) أي: يغترفان منه جميعاً، يأخذ بيده، وتأخذ بيدها، وتتعاقب أيديهما عليه، وفي هذا الحديث لم يذكر المقدار، لكنه قال: أنه القدح وهو الفرق، يعني: أنه في تلك الحدود التي هي المقدار الذي يغتسل به، وقالت: ( وكنت أغتسل وإياه في إناء واحد )، وهذا فيه دليل على اغتسال الرجل، وأهله من إناء واحد تتعاقب أيديهم عليه، وأنه لا بأس بذلك، وأنه لا مانع منه، وفيه: ذكر مقدار الاغتسال، وما يكون به الاغتسال.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرسول يغتسل في القدح وهو الفرق...)
قوله: [عن قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي يأتي ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الليث].هو ابن سعد المصري الثقة، المحدث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب]. هو ابن شهاب الزهري، وهو المحدث، الفقيه، الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وقد جاء ذكره كثيراً، ومشهور بنسبته إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة، فيقال: الزهري، ويقال: ابن شهاب، وهو: محمد بن مسلم الذي مر ذكره كثيراً.[عن عروة بن الزبير]. هو عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة]. عائشة وقد تم ذكرها رضي الله عنها.وإسناد الحديث وهم قتيبة، والليث، والزهري، وعروة، وعائشة هؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، ومن دون الصحابي فإن كلهم من الثقات؛ أي: قتيبة والليث والزهري وعروة.
شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله حدثنا شعبة عن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي)]. أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك)، وهو وعاء كان يتوضأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ويغتسل بخمسة مكاكي)؛ يعني: وعاء يسع هذا المقدار الذي هو خمسة مكاكي، والحديث يتعلق بتحديد الماء، وتقدير الماء الذي يكفي للاغتسال، وهنا جاء ذكر المكاكي وأنها خمسة، وجاء ذكر الصاع، وهذه الأحاديث سبق أن مرت فيما مضى؛ ولكن النسائي أعادها من أجل ذكر المقدار الذي يكفي الإنسان في الاغتسال.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر]. هو المروزي، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله]. هو ابن المبارك، وإذا جاء عبد الله غير منسوب يروي عنه سويد بن نصر، فالمراد به: عبد الله بن المبارك، يقولون عن سويد بن نصر: إنه راوية عبد الله بن المبارك، والمشهور بالرواية عنه، فإذاً: يحمل عليه، وعبد الله بن المبارك أحد الأئمة، محدث مشهور، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، جواد، مجاهد، فذكر جملة من صفاته، وقال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً لا سيما عندما يأتي سويد بن نصر.[حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا. [عن عبد الله بن جبر]. هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، وقيل: عبد الله بن جابر، ويقال: ابن جبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت أنس]. وأنس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـأنس رضي الله عنه هو أحد السبعة الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهو من المكثرين ومن الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره كثيراً في الأحاديث الماضية.
الأسئلة
حكم موافقة خطبة الجمعة لبعض المناسبات الإسلامية
السؤال: بعض الخطباء إذا أتى شهر ربيع الأول، وفي الثلث الأول منه يخطب عن موضوع الهجرة النبوية وما يتعلق بها، فما حكم هذا العمل؟ الجواب: لا بأس بذلك؛ يعني: كونه في شهر ربيع الأول، يذكر شيئاً عن الهجرة؛ لأن الهجرة كما هو معلوم في شهر ربيع الأول؛ ولكنه عندما حصل التاريخ الهجري بدءوا من المحرم؛ لأنه منصرف الحاج، وإلا فإن الهجرة كانت في ربيع الأول.وكذلك بعضهم إذا أتى في الثلث الأخير من شهر رمضان يخطب عن غزوة بدر، نقول: لا بأس بذلك أيضاً؛ لأن غزوة بدر كانت في السابع عشر من رمضان، فكونه يذكر ذلك الحدث العظيم، والمناسبة العظيمة يذكر فيها بالجهاد في سبيل الله عز وجل.
الفرق بين صلاة الضحى وصلاة الشروق
السؤال: ما الفرق بين سنة الضحى وصلاة الشروق؟ ومتى وقت كل منهما؟ وكم عدد ركعاتها؟ الجواب: لا أعلم فرقاً بين صلاة الشروق وصلاة الضحى؛ لأن الشروق معناه: الوقت الذي يحل فيه الصلاة، يقول الناس: صلاة الإشراق. معناه: كان الناس ممتنعين من صلاة الضحى إلى أن تطلع الشمس بقيد رمح، ولا يجوز لهم أن يصلوا، فإذا جاء الإشراق، وطلعت الشمس وأشرقت وارتفعت فعند ذلك حل لهم ما كانوا ممنوعين منه، من حين صلوا الفجر إلى ذلك الوقت، فما أعلم فرقاً بين صلاة الإشراق والضحى، والإشراق هي الضحى، وقيل لها إشراق من أجل أنها تبدأ في وقت الإشراق.
حكم مصاحبة صالحي الجن
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يصاحب الجن الصالحين ويستخدمهم في الخير؟ الجواب: يصاحب الجن الصالحين، كيف يصاحبهم؟! أقول: كيف يصاحب الجن؟ فلهم شكل غير شكله، ولهم وضع غير وضعه، فكيف تكون مصاحبته إياهم؟ وكيف يستخدمهم؟ هم يتشكلون، فيأتون على صور حيوانات؛ لكن كونهم يأتون على هيأتهم، كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]، فنحن لا نراهم على هيئتهم التي هم عليها، وهم يروننا على هيئتنا، فكيف يكون الإنسان يصاحبهم؟ نعم لو تشكلوا يمكن يتشكلون على صور إنسان، مثل ذاك الذي هو صاحب أبو هريرة الذي جاء يحثو من الطعام، وقال: إنه ذو عيال وأنه كذا، لكنهم على هيئتهم لا يرون.
مدى صحة رؤية الساحر للجن
السؤال: هل الناس الذين يتعاملون مع الجن مثل السحرة يرون الجن على صورهم؟ الجواب: لا أدري؛ لكن لا شك أن السحرة وإخوانهم من شياطين الإنس يمكن أن يستفيدوا منهم عن طريق كونهم يصرفون لهم شيئاً من حق الله سبحانه وتعالى، فيحصل شيء من كونهم يعينونهم، أو يخبرونهم عن أمور مغيبة؛ لأن الجن عندهم قدرة في الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، فقد ينتقل من مكان ويرى ما فيه، ويأتي ويخبر أخاه من شياطين الإنس، والذين هم السحرة، والكهان، والعرافين، ومن في حكمهم.
حال من لم تبلغهم الرسالة يوم القيامة
السؤال: هل يدل قول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] أن الذين لم تبلغهم الدعوة يعذرون بأنهم لم يأتهم رسول؟ الجواب: الذين ما بلغتهم الدعوة، وما بلغتهم الرسالة هؤلاء حكمهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء الامتحان تكون النتيجة، فيكونون إما سعداء أو أشقياء، الله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].
سماع الكائنات الحية -غير الثقلين- لعذاب القبر من مسافة بعيدة
السؤال: ثبت في الحديث أن عذاب القبر، وصياح الميت يسمعه كل شيء إلا الثقلين، فهل ما عدا الثقلين يسمعون ذلك وإن كانوا بعيدين عن المقبرة؟ الجواب: نعم، الحديث ورد بأن المعذبين في قبورهم يسمعهم من عدا الثقلين -الجن والإنس- لأنهم مكلفون، والدواب تسمع؛ لأنها غير الثقلين -الجن والإنس- والرسول صلى الله عليه وسلم أُسمع وأُقدر على السماع، وهو بشر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد خص بهذا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحديث في صحيح مسلم، فهو يدل على أنه يسمع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والله تعالى أقدره على ذلك، وأسمعه بما يجري، لكن هل من يكون بعيداً من الحيوانات يسمع؟ أقول: لا أدري، هل تلك الحيوانات تسمع من بعد كما تسمع من قرب؟ الله تعالى أعلم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم كانوا في الشام إذا أصيبت الخيل عندهم باحتباس الطعام في البطون، وأرادوا كونها تستطلق بطونها، فإنهم يذهبون بها عند قبور الباطنية الذين دفنوا هناك، فتسمع ما يجري في القبور، وعند ذلك يحصل لها فزع، فيصيبها انطلاق في البطن، فهذه الحادثة تشعر بأن السماع يكون عن قرب، لكن هل يحصل عن بعد؟ الله تعالى أعلم، فهذا شيء مغيب لا ندري.
حكم من يأتي بالحيوانات إلى المقبرة للتصديق بعذاب القبر
السؤال: هل يجوز للإنسان -من باب زيادة اليقين والاتعاظ- أن يأتي ببعض الحيوانات إلى المقبرة ليرى نفرتها، وجحودها من ذلك العذاب؟ الجواب: لا يحتاج إلى هذا أبداً، يكفي الإنسان عندما يبلغه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع ويجزم بأن ما أخبر به الرسول حقاً وصدقاً، وإن لم يحصل منه أن يذهب بها، وما عرف أن أحداً يذهب بها إلى المقابر ليرى كذا، وإنما الذي ذكرت أنهم كانوا يذهبون بها من أجل تنطلق بطونها؛ لأنها محتبسة، وهذا علاج لها.
معنى المكوك المذكور في حديث أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك...)
السؤال: ما هو المكوك؟الجواب: ما أدري؛ لكنه مقدار معين.
قرابة مجاهد بن جبر من عائشة رضي الله عنها
السؤال: هل مجاهد له قرابة بـعائشة رضي الله عنها؟ الجواب: ما نعلم قرابة مجاهد بن جبر المكي، ومن المعلوم: أن الراوي يروي عن غير قرابته، وكل الذين يروون عن عائشة من قرابتها، أو الذين يأتون إليها ليسمعوا الحديث منها من قرابتها. أقول: الأحاديث يأخذها القريب والبعيد، وليست القضية قضية الرواية أنها تكون عن قرابة.
صيغة التشهد للمصلي المسبوق
السؤال: إذا كان المصلي مسبوقاً في صلاة المغرب بركعتين، هل يذكر التشهد كاملاً؟ الجواب: إذا سبق بركعتين -كما هو معلوم- فقد أدرك ركعة واحدة، فإذا قام يقضي الصلاة فإنه يصلي ركعة، ثم يجلس للتشهد الأول، فإذا جلس الإمام في التشهد الأخير، فإنه يفعل كما يفعل الإمام، ولا فرق بين من كان مسبوقاً وغير مسبوق؛ يعني: حتى في الهيئة يفترش، ويتورك على هيئة الإمام، ولا يكون على اعتبار أنه في أول صلاته، والإمام في آخر صلاته، بل يفعل كما يفعل الإمام، ولو كان هو في أول صلاته والإمام في آخر صلاته، ومن حيث ما يُقرأ؛ فإنه يقرأ التشهد، ويقرأ الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي بالأدعية بعد ذلك، وإذا قام يقضي صلاته، فهو يصلي ركعة ثم يجلس للتشهد؛ يعني: التشهد الأول بعد الركعتين، هذا إذا كان يقصد بالتشهد الذي أدركه مع الإمام، فإنه يأتي به كاملاً كما يفعل الإمام.
تعريف الحاكمية وموقف أهل السنة والجماعة
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هي الحاكمية؟ وما موقف أهل السنة والجماعة من هذا اللفظ؟ وما منهجهم بالنسبة للحاكمية؟ الجواب: الحاكمية هذا لفظ استعمل كثيراً على ما يتعلق بالحكم، والحكم بما أنزل الله فيقولون: الحاكمية، بل منهم من يقول: توحيد الحاكمية، فيسميه توحيد الحاكمية، ويقول: إنه نوع من أنواع التوحيد، وهذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن توحيد الألوهية يدخل تحته الحكم وغير الحكم؛ لأنه يتعبد الله عز وجل بكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان في العبادات، أو المعاملات، أو ما إلى ذلك، فالحكم إنما هو في الرجوع إلى ما جاء عن الله، وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وإذا اختلف الناس في مسألة من المسائل، فإنهم يرجعون إلى حكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]؛ يعني: إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، فالمقصود من ذلك: الحكم، والحكم يكون بما أنزل الله، وعند الاختلاف يرجع إلى حكم الله، ما حكم الله به وحكم به رسوله في الكتاب والسنة هو المرجع، فالمرجع في ذلك إلى الشرع، ومن كان معه الدليل فهو الذي معه الحجة، ومن عري من الدليل فهو الذي فقد الحجة.
ذكر أخي عائشة من الرضاع المذكور في حديث أبي سلمة في غسل النبي
السؤال: جاء في الحديث -وذكر رقمه- الرجل يقول: سمعت أبا سلمة يقول: دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة فسألها.. إلى آخره، فمن هو أخوها من الرضاعة؟الجواب: يعني:أنا وأخوها، وأخوها من الرضاع، ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح قال: إنني لا أعلم تعيين المراد، ثم ذكر وقال: إن لـعائشة اثنين؛ يعني قيل: إنهما أخوان لها من الرضاعة، فهو لا يعلم تحديد هذا الشخص المبهم في هذا الحديث، أو في هذا الإسناد الذي هو أخو عائشة من الرضاع، فيحتمل أن يكون أحد هذين الاثنين، ويحتمل أن يكون غيرهما. وهو ليس من رجال الإسناد؛ لأن رجل الإسناد هو: أبو سلمة الذي دخل هو وأخوها، وأخوها سأل، وأبو سلمة يسمع، فهو روى عن عائشة، ما روى عن أخيها؛ لكن أخاها هو السبب، ومعرفة السبب ليس بلازم أن يعرف؛ لأنه لو كان يروي عن أخيها من الرضاع، وأخوها من الرضاع يروي عنها، لصار هذا الرجل المبهم يحتاج إلى معرفته حتى يعتبر الحديث ثابتاً أو غير ثابت؛ لكن الرجل ليس من رجال الإسناد، وإنما جاء ذكره لكونه سأل.
علاج الوساوس الشيطانية في التشكيك بوجود الله تعالى
السؤال: بعض الناس الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويؤدون أركان الإسلام وشعائره، ويفعلون الأوامر ويجتنبون النواهي، إلا أنه والعياذ بالله دخل عليهم الشيطان من مدخل أقلقهم، وشتت أفكارهم، وأعيا أجسادهم، ألا وهو تشكيكهم في اليقين بالله تعالى، فيشتكي بعضهم ويقول: أنا لست مستشعراً بوجود الله تعالى، إذاً: فأنا لست مؤمناً، ويقول: من ابتلي بهذا الوسواس أنه قرأ لـابن القيم أنه يقول: إن الوساوس التي تعرض على الخلق نوعان: نوع من الشيطان، ونوع آخر إنما هو شبهة ومرض، لا بد من علاجه، فزاد هذا الكلام هذا الرجل وسوسة، فما هي نصيحتكم له؟الجواب: الجواب على هذا هو: أن الإنسان عليه أن يحذر من الشيطان، وألا يسترسل معه، وقد جاء في الحديث ما يشعر بمثل هذا المعنى: (إن الشيطان لا يزال مع أحدكم يقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق الله؟ فمن وجد شيئاً من ذلك فلينته، وليقل: آمنا بالله)، فإذا جاءه هواجس من الشيطان، أو وساوس من الشيطان، فعليه أن يدفعها ويستعيذ بالله من الشيطان، وينتهي، ولا يسترسل مع هذه الوساوس والعياذ بالله.
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 03:02 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(72)
- (تابع باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل) إلى (باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد)
يجوز الاكتفاء بالصاع عند الاغتسال، وتجوز الزيادة على ذلك والنقصان منه؛ ويجوز للرجل الاغتسال مع نسائه أو ملك يمينه من إناء واحد كما دلت على ذلك الأحاديث.
تابع ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل
شرح حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء ... قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال: (تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله، فقال جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان، قال جابر: قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)]هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: ( أنه كان عنده جماعة في مجلسه فتماروا في القدر الذي يكفي في الاغتسال، فقال جابر : يكفي في الغسل من الجنابة صاع من ماء، وقال بعضهم: ما يكفي صاع ولا صاعان، فقال عند ذلك جابر رضي الله عنه: قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً )، وفي بعض الروايات أنه قال: (من كان خيراً منك، وأكثر شعراً)؛ أي: خطاب لشخص معين، فهو في حال ذكر الإفراد بناء على أن المتكلم واحد، وفي حال الجمع بناء على أنهم جماعة وتحدث عنهم واحد، فوجه الخطاب للجميع. والحديث دال على ما ترجم له المصنف؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بصاع، وكان يكفيه من الماء الصاع، ولما حصل البحث والمناقشة في المقدار الذي يكفي في حال الاغتسال، قال جابر: (يكفي صاع) يشير بذلك إلى ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: (لا يكفي صاع ولا صاعان) فعند ذلك أنكر وأظهر الإنكار وشدد، وقال: (قد كان يكفي من كان خيراً منك، وأوفر شعراً) يعني بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء ... قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد مر كثيراً، وهو من رجال الكتب الستة، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو الأحوص]. أبو الأحوص هذه كنية اشتهر بها، وهو سلام بن سليم، وهو ثقة متقن، وهو الحنفي الكوفي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق]. هو السبيعي، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، وهو ثقة حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي جعفر]. أبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين الملقب بـالباقر، أحد الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عن علي وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله محمداً وغيره من التابعين وأتباع التابعين، وهو ثقة فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وأهل السنة يتولون أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام ويحبونهم، ويعرفون لهم فضلهم، ومن كان منهم تقي فهو يحب لتقواه ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه يحلف ويقسم ويقول: ( لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن أصل قرابتي ). هكذا جاء عنه في صحيح البخاري، وكذلك كان يقول: ( ارقبوا محمداً في أهل بيته )، كما جاء ذلك أيضاً في صحيح البخاري، فهذه هي طريقة سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم؛ أنهم يعرفون الفضل لأهل الفضل، ومن كان تقياً يحبونه لتقواه، وهذا هو الأساس في المحبة، لكن إذا انضاف إلى ذلك أن يكون من أهل البيت، فإنهم يحبونه لتقواه ولقربه من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا كانوا يتولون المؤمنين من أهل البيت ويحبونهم، ويعرفون لهم قدرهم، وينزلونهم منازلهم، لكن بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعسف، ولا بالغلو ولا بالجفاء، فلا يغلون ولا يجفون، ولا يتجاوزون الحدود فيفعلون كما تفعل الرافضة، ولا يجفون بأن يتكلموا فيهم بقدح أو بما لا ينبغي، وإنما يذكرونهم بما يليق بهم، ويثنون عليهم، ويحبونهم لتقواهم ولإيمانهم، ولقربهم من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: أبو جعفر هو محمد بن علي، وقد ذكر بكنيته، وهو يروي عن جابر بن عبد الله، وهو الذي روى حديث جابر الطويل الذي فيه صفة حج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو من رواته ومن رواية أهل البيت عنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.[ جابر].هو جابر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذا الإسناد رجاله: قتيبة بن سعيد، وأبو الأحوص، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو جعفر الباقر، وجابر، هؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وثلاثة منهم ذكروا بكناهم؛ الذين هم: أبو الأحوص وأبو إسحاق وأبو جعفر، والأربعة الذين هم دون الصحابي كلهم من الثقات.
ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك
شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد وهو قدر فرق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن معمر عن الزهري ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهو قدر الفرق)].هنا أورد النسائي رحمه الله بعد الباب السابق وهو القدر الذي يجزئ ويكفي في الاغتسال من الجنابة، أورد فيه الدلالة على أنه لا وقت في ذلك، وفي بعض النسخ: لا توقيت في ذلك، يعني: لا توقيت في القدر ولا تحديد ثابت معين بحيث لا يزاد عليه ولا ينقص من مقدار الماء، فأورد هذه الترجمة للدلالة على هذا الشيء، وأورد فيه حديث عائشة أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهو قدر الفرق)، فالمقصود من إيراد الحديث: الدليل على أنه لا توقيت ولا تحديد في الماء الذي يغتسل فيه الإنسان، بحيث لا يزيد ولا ينقص، ووجه الاستدلال منه: أن قولها: (قدر الفرق) يشعر بأنها تقديرية، وأنها ليست تحديدية أو مقدار ثابت أو كيل معلوم، وإنما هو مقدر قدر الفرق، يعني: يقدر بكذا، فمعناه: أنه تخميني وتقديري، هذا الوجه الأول من وجوه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الموضوع. الوجه الثاني: أنه قد جاء في بعض الأحاديث السابقة ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بإناء قدر الفرق، أو هو الفرق ). وهنا قالت: (إنها تغتسل هي وإياه من إناء قدر الفرق). فإذاً: الحديث جاء أن الرسول يغتسل وحده بإناء قدر الفرق، وجاء في حديث أنها هي وإياه يغتسلان من إناء قدر الفرق، ومعلوم أن كونه يغتسل وحده من ذلك الإناء معناه: أن الذي يستعمله من الماء أكثر من الذي يستعمله هو وإياها عندما يغتسلان من إناء قدر الفرق، فهذا يدل على أنه ليس فيه تحديد؛ لأنه لو كان هناك تحديد لكان يلتزم بمقدار معين، سواءً كان وحده أو هي معه، لكن الأمر لا تحديد فيه ولا تقدير، وقد ثبت أنه يغتسل إلى خمسة أمداد -وهي صاع ومد- ويغتسل بالصاع -وهو أربعة أمداد- ويغتسل بثلاثة أمداد؛ وهي صاع إلا ربع، فإذاً: القضية لا تحديد فيها. ووجود هذا وكونه يؤتى بلفظ (قدر) يدل على أن المسألة تقديرية وليست تحديدية، فيكون الأمر في ذلك في سعة ويتبع الحاجة؛ فقد يزيد للحاجة، وقد ينقص عن هذه المقادير لعدم الحاجة.إذاً: الاستدلال بحديث عائشة هذا من وجهين: من التعبير بقدر، وأنه يشير بأن المسألة تخمينية. ومن جهة ثانية: أن هذا القدر الذي كان يغتسل هو وإياها فيه كان يغتسل به وحده. كذلك جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد تتعاقب أيديهم فيها، ولا يؤثر ذلك، وقد جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد وهو قدر فرق)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر]. هو المروزي، خرج له الترمذي والنسائي، وهو ثقة، وقد مر قريباً في إسناد حديث أنس الذي قبل هذا بحديث.[حدثنا عبد الله]. هو ابن المبارك، وعبد الله غير منسوب، ويأتي غير منسوب إذا روى عنه سويد بن نصر؛ لأنه عند الإطلاق والراوي عنه سويد بن نصر فهو راويته، إذاً: لا يلتبس بغيره، فهو عبد الله بن المبارك. [عن معمر]. هو معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق الذي جاء ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، وإلى جده شهاب، وهو إمام فقيه محدث مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. أتى بالتحويل (ح) وقد عرفنا مراراً وتكراراً أن (ح) هذه يقصد بها التحول من إسناد إلى إسناد؛ يعني: يبدأ بإسناد ويمضي فيه، وقبل أن يصل إلى آخره يبدأ بإسناد آخر من جديد فيأتي بشيخ له، ثم يبدأ الإسناد من جديد، وبين الإسناد الأول والثاني (ح) التي تشعر بالتحويل، والتحول من إسناد إلى إسناد مثل (ح) الذي بعد أخبرنا يرجع إلى النسائي، فـالنسائي هو الذي قال: أخبرنا؛ لأنه قال أولاً: أخبرنا سويد بن نصر، ثم ساق الإسناد، ثم قال: (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، إذاً: رجع الإسناد من جديد وذكر شيخاً آخر وهو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت محدث فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد الرزاق]. هو ابن همام الصنعاني المحدث المشهور المكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا معمر وابن جريج].هو معمر بن راشد، وهنا التقى الإسنادان؛ لأن الإسناد الأول فيه معمر، وهنا فيه معمر، فإذاً أولاً: سويد بن نصر يروي عن عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك يروي عن معمر، والإسناد الثاني: إسحاق بن إبراهيم يروي عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق يروي عن معمر، وهنا التقى الإسنادان، يعني: إسناد من النسائي فيه شخصان، وإسناد آخر فيه شخصان، ثم يلتقيان عند معمر، ثم يستمر الطريق نفسه بعد ذلك، يعني: هو متفرع من النسائي تفريعين، ثم يلتقيان عند معمر، ثم يستمران بعد ذلك بإسناد واحد، والطريقان متساويتان؛ لأن الطريق الأولى فيها اثنان، والطريق الثانية فيها اثنان، فلا فرق بينهما في العدد؛ لأن الطريق الأولى: سويد وعبد الله، وهو يروي عن معمر، والثاني: إسحاق وعبد الرزاق، وهو يروي عن معمر، فهما متساويان، ثم بعد ذلك يتحد الإسناد من معمر وما فوقه.وابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري]. الزهري مر من قبل. [عن عروة]. عروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المذكورين في عصر التابعين، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن عائشة].عروة يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأن عروة بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة، وهو يروي عن خالته، وعائشة رضي الله عنها مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناءٍ واحد
شرح حديث عائشة: (إن رسول الله كان يغتسل وأنا من إناء واحد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن هشام بن عروة (ح) وأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعاً)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة؛ وهي: اغتسال الرجل مع المرأة من نسائه من إناء واحد، وهذه الترجمة معقودة لكون الرجل وزوجته يغتسلان من إناء واحد أنه سائغ، وقد فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام مع بعض نسائه، وهو هنا قال: اغتسال الرجل مع بعض نسائه، يعني: أن هذا إنما يكون مع الأهل وهم النساء، ومثلهن الإماء اللاتي هن ملك اليمين، فذكر النساء يراد به أن ذلك يكون مع من يصلح منه ذلك، ومن يصلح منه ذلك هم الأهل الذين يمكن أن ينظر كل منهما إلى الآخر، بخلاف غير الزوجة وملك اليمين، فإن ذلك لا يسوغ لما في ذلك من كشف العورة عند من لا يجوز كشفها عنده، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، فهذا يدل على أن الزوجة وملك اليمين يمكن أن تنظر إلى عورته، وهو كذلك تنظر إلى عورة زوجته وملك يمينه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)، فالاغتسال مع الزوجة أو مع ملك اليمين الذي يحل النظر من بعضهم إلى بعض جائز، ولهذا قال: اغتسال الرجل مع بعض نسائه، يعني: أزواجه، فليست القضية اغتسال رجل وامرأة مطلقاً، وإنما اغتسال رجل مع أهله ومع بعض نسائه، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث التي أوردها، فأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ( أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد نغترف منه جميعاً )، يعني: أن الإناء بينهما، هو يدخل يده ويخرج الماء ويغتسل، وهي تدخل يدها وتخرج الماء وتغتسل، فيتعاقبان ويتناوبان، فهذا يدل على ما ترجم له المصنف من اغتسال الرجل والمرأة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن رسول الله كان يغتسل وأنا من إناء واحد...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله]. سويد بن نصر مر ذكره قريباً، ويروي عن عبد الله وهو ابن المبارك أيضاً مر ذكره.[عن هشام بن عروة]. هو: هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ويروي عنه أصحاب الكتب الستة.[(ح) وأخبرنا قتيبة]. هنا أتى بـ(ح) للتحويل. وقتيبة هو ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهو أحد الفقهاء المعروفين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومر ذكره كثيراً.[عن هشام بن عروة]. هنا التقى الإسنادان عن هشام بن عروة.[عن أبيه عن عائشة]. هو عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويروي عن عائشة، وعائشة أم المؤمنين مر ذكرها كثيراً.
شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة حدثني عبد الرحمن بن القاسم سمعت القاسم يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة)]. هنا أيضاً أورد حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه كما في الذي قبله: أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة؛ لأن الغسل هو غسل الجنابة، فكانا يغتسلان من إناء واحد يغترفان منه، فهو مثل الذي قبله، ودال على ما دل عليه الذي قبله، وهو مطابق لما ترجم له المصنف.وقوله: (من الجنابة) هذا يفيد أن الاغتسال هو غسل الجنابة، وليس غسلاً من الأغسال التي لا علاقة لها بالجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. هو الصنعاني، وهو ثقة مر ذكره كثيراً، وروى له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي والنسائي وابن ماجه .[حدثنا خالد]. هو ابن الحارث، ويأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى كثيراً يروي عن خالد، وخالد غير منسوب أحياناً، والمراد به خالد بن الحارث، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة]. شعبة قد تقدم ذكره كثيراً.[حدثني عبد الرحمن بن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت القاسم]. هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [يحدث عن عائشة]. أي: عن عمته عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم ذكرها.
شرح حديث عائشة: (لقد رأيتني أنازع رسول الله الإناء أغتسل أنا وهو منه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء أغتسل أنا وهو منه)].تقول عائشة رضي الله عنها: (لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء أغتسل أنا وهو منه)، يعني: هي تغتسل منه، وهو يغتسل منه، ويتنازعان الإناء بحيث أنها تدخل يدها ثم هو يدخل يده، فيحصل تجاذب الإناء؛ فهي تأخذ وتجره إليها وهو يأخذ ويجره إليه، ففيه: جواز اغتسال الرجل وأهله من إناء واحد من الجنابة، وهو دال على ما ترجم له المصنف، وهو بمعنى الأحاديث السابقة لـعائشة رضي الله عنها وأرضاها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-18-2026, 03:04 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (لقد رأيتني أنازع رسول الله الإناء أغتسل أنا وهو منه)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة مر ذكره.[حدثنا عبيدة بن حميد]. عبيدة بن حميد صدوق، خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة. وعبيدة بالفتح، وقد يكون مكتوباً عُبيدة بالضم وهو خطأ، بل هو عبيدة بالفتح ثم الكسر. [عن منصور]. هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].هو إبراهيم بن يزيد النخعي، المحدث الفقيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد النخعي، وهو ثقة مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة]. عائشة قد مر ذكرها.
حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة أيضاً من طريق أخرى، وأنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، فهو مثل الذي قبله. قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو عمرو بن علي الفلاس، الثقة المحدث الناقد، الذي خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان، المحدث الناقد الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. سفيان هنا مهمل، يحتمل: أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، وهو يروي عن منصور، ويحيى بن سعيد القطان يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن منصور بن المعتمر، فهو محتمل لهذا ولهذا، لكن حمله على أنه الثوري أقرب؛ لأن منصور كوفي، وسفيان الثوري كوفي، وسفيان بن عيينة مكي، ولما كان يحيى بن سعيد القطان يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن منصور بن المعتمر، صار الأمر محتملاً لهذا ولهذا، فيحمل على من كان له به علاقة أو له به اتصالاً أكثر، وما دام أنه من بلده، يعني: سفيان الثوري من بلد منصور بن المعتمر، فيكون حمله عليه أقرب من هذه الناحية والصلة التي بينه وبينه لكونه من بلده، ومعلوم أن الإنسان إذا كان من بلد فإنه يتصل به باستمرار بخلاف إذا كان في بلد آخر، فلا يتصل به إلا إذا رحل إليه أو سافر لحج أو عمرة فيلتقي بـسفيان بن عيينة، أما سفيان فهو معه في بلده الكوفة. وبعد ذلك يتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.
شرح حديث ميمونة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله من إناء واحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن موسى عن سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أخبرتني خالتي ميمونة أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد)]. الأحاديث التي مضت كلها عن عائشة، وكلها تتحدث عن موضوع واحد، وهو اغتسالها وإياه من إناء واحد، وهنا عن ميمونة، يعني صحابية أخرى، وأم أخرى من أمهات المؤمنين، وميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وأرضاها تروي كما تروي عائشة: ( أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد )، ويروي ذلك عنها ابن أختها عبد الله بن عباس؛ لأن عبد الله بن عباس هو ابن لبابة بنت الحارث الهلالية، ولبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية، فهي خالته، فيروي عنها هذا الحديث، وهو من رواية صحابي عن صحابي.
تراجم رجال إسناد حديث ميمونة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله من إناء واحد)
قوله: [أخبرنا يحيى بن موسى]. هو البلخي، وهو ثقة، خرج له البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود. [عن سفيان]. هنا سفيان غير منسوب، فيحتمل الثوري ويحتمل ابن عيينة، لكن ذكر في ترجمة يحيى بن موسى أنه روى عن ابن عيينة، فيحمل على أنه ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن جابر بن زيد]. هو أبو الشعثاء، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره كثيراً.[أخبرتني خالتي ميمونة]. يروي ابن عباس عن ميمونة خالته، وميمونة هي: أم المؤمنين، ولها ستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بخمسة.
الأسئلة
مدى سنية اغتسال الرجل مع زوجته
السؤال: هل اغتسال الرجل مع أهله من السنة؟ الجواب: هو سائغ وجائز، ولا يقال: إن الإنسان إذا لم يفعله أنه ترك سنة، فلو أن إنساناً ما اغتسل مع أهله فليس عليه شيء.
حكم رواية أبي إسحاق المدلس والمدلسين عموماً
السؤال: أليس أبو إسحاق السبيعي مدلساً، وأنه لا يقبل منه إذا عنعن، ولا بد له من التصريح حتى تقبل روايته؟ الجواب: نعم، أبو إسحاق مدلس، لكن كما هو معلوم أن المدلس لا يعتمد على روايته إلا إذا صرح بالسماع في مكان آخر، أو كان الراوي عنه ممن يعرف بأنه لا يروي عن مدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، لكن هذا يكون في الأحاديث التي يكون فيها انفراد ولا يعرف الحديث إلا من هذا الطريق، لكن إذا كان الحديث جاء من طرق متعددة وكلها في موضع واحد، فهذا يدل على أنه صحيح، وأن ما جاء من الأحاديث في معناه أنها تدل على ما دل عليه. ولعله يريد الكلام على المدلسين من ناحية، وهذا هو الشأن في المدلسين، فالمدلسون يتفاوتون؛ منهم من تدليسه نادر وهذا لا يؤثر، ومنهم من يكون تدليسه كثيراً وهذا يكون مبنياً على أنه صرح بالسماع في موضع آخر، وإذا كان من يروي عنه ممن عرف بأنه لا يروي عن مدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع وأمن فيه تدليسهم، فهذا أيضاً يؤمن فيه جانب التدليس، لكن كما قلت: هذا الأمر يحتاج إليه فيما إذا اتحدت الطريق ولم يكن هناك طرق متعددة، أما إذا كان الحديث له طرق متعددة، وكلها تؤدي هذا المعنى -مثل هذه الأحاديث التي معنا عن عائشة فكلها من طرق كثيرة فيها أنهم كانوا يغتسلون من إناء واحد- وفيها شيء من العنعنة من مدلس ولم يعرف التصريح منه في ذلك الإسناد، فإنه ينجبر بالطرق الأخرى.
الفرق بين فعل الإنسان الاختياري أو الاضطراري
السؤال: ما هو الفرق بين فعل الإنسان الاختياري أو الاضطراري؟ وهل الإنسان مجبور في فعله؟الجواب: أولاً نقول بأن كل ما هو موجود من الأعيان والصفات فهو بخلق الله، لا يوجد في ملك الله إلا ما شاءه الله، وما خلقه الله؛ لأن الله تعالى خلق كل شيء، ولم يجبرهم عليها؛ لأن لهم مشيئة وإرادة، وهو بين لهم أن هذا خير وأن هذا شر، وأنكم إن سلكتم طريق الخير فزتم، وإن سلكتم طريق الشر خسرتم. والله تعالى لم يجبر الناس بمعنى: أنه يجعلهم مضطرين، فلا أحد يستطيع التخلص من هذا الفعل، لا، هذا يرجع إلى مشيئة الإنسان وإرادته، لكن مشيئته وإرادته تابعة لمشيئة الله، فإذا وجد منه شيء بمشيئته وإرادته فإنما كان بإيجاد الله وبمشيئة الله وإرادة الله. والفرق بين الاختيار والاضطرار: أن المضطر لا ينسب إليه الفعل وإنما يوصف به وصفاً، وأما الاختيار فهو ينسب إليه، ويمدح عليه إن كان حسناً، ويذم عليه إن كان سيئاً، فمثلاً: الشخص المرتعش الذي تضطرب يده، فهذه الحركة اضطرارية وليست اختيارية، فلو ضرب بأن يوقف يده من الحركة فما يستطيع؛ لأن هذا ليس من فعله، لكن إذا قيل له: خذ هذا الكتاب وأوصله إلى المكان الفلاني، أو اذهب إلى المكان الفلاني أو اعمل كذا، فهذا شيء يرجع إلى مشيئته وإرادته، فهو غير مجبور عليه، إنما المجبور هو المرتعش الذي ليس له إرادة ولا له مشيئة، فهذا الارتعاش صفة له، فهو لم يحصل منه الحدث، وإنما قام به الحدث، أما الذي يرجع إلى مشيئته وإرادته فهي كسبهم من العباد، وخلق من الله سبحانه وتعالى؛ و(هي كسبهم) بمعنى أنهم فعلوها بمشيئتهم وإرادتهم، لكن لا يفعلون شيئاً ما قدره الله، ولا يحصل منهم شيء ما خلقه الله؛ فالله تعالى خالق العباد الذين هم الأعيان، وخالق صفاتهم التي هي الأفعال والحركات؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فهو خالقهم وخالق أعمالهم. إذاً: أفعال العباد هي كسب لهم يحمدون على حسنها، ويذمون على سيئها. وهي خلق الله، يعني: إيجاده؛ لأن مراتب القدر أربع: أن الله تعالى علم أزلاً كل ما هو كائن، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاء ذلك، وأوجد ذلك الذي هو الخلق، فله مراتب أربع: علم، وكتابة، ومشيئة، وخلق وإيجاد، وكل أمر يقع فلا بد أن يكون حصل له هذه الأمور الأربعة: علم الله تعالى به بعلمه الذي لا بداية له، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه، وأوجده وخلقه، هذه الأمور كلها هي مراتب القدر.إذاً: هناك فعل يضاف إلى العبد يحمد عليه ويذم عليه، ولهذا يقام عليه الحد إذا زنى، ويرجم إذا كان محصناً، ويجلد إذا كان بكراً، ولا يقال: لم عذب وهو شيء مجبور عليه ولا إرادة له؟ فالزنا حرام، وأنت إذا زنيت يفعل بك كذا وكذا، ثم بعد ذلك وقع في الزنا فهو الآن قد أقدم على الحرام بمشيئته وإرادته. ولا يقال: إنه خلق فعله وأنه أوجده، وأن الله تعالى ما خلق أفعال العباد، فأفعال العباد كسب لهم، وهي خلق الله سبحانه وتعالى.أما الشيء الذي ليس للإنسان به علاقة، والذي يعتبر وصف له ولا يعتبر فعل له، فهو مثل: المرتعش، والعروق النابضة التي ليس للإنسان فيها دخل، ومثل جريان النفس، فكل هذه أمور ليس للإنسان فيها دخل، وهي خارجة عن كسب الإنسان وعن فعل الإنسان، وإنما هي وصف له، ولهذا يقولون في تعريف الفاعل: اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به، فقولهم: (حصل منه الحدث) يعني: إذا كان يرجع إلى مشيئته وإرادته، مثل: قام، وقف، جلس، قعد، أكل، شرب، كل هذه أفعال من العباد هم الذين فعلوها، فهو فعلهم وكسبهم. وقولهم: (أو قام به) أي: ليس من فعله وإرادته، مثل ما يقال: مرض فلان، مات فلان، فهو ما فعل الموت، وهو ما فعل المرض، ولكنه صار محلاً للمرض، فقام به المرض، فهناك شيء يعتبر من فعله، وشيء خارج عن فعله؛ فإذا حصل منه الحدث كان اختيارياً، وإذا قام به الحدث كان اضطرارياً.
الفرق بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة
السؤال: ما الفرق بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة؟ وماذا يترتب على ذلك الخلاف؟ الجواب: مرجئة الفقهاء يقولون: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ويقولون: الإيمان هو تصديق وقول، والعمل خارج عن مسمى الإيمان، وأهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان تصديق وقول وعمل، فكلمة (عمل) هذه أهل السنة يجعلونها داخلة في مسمى الإيمان، ومرجئة الفقهاء يخرجونها على أن تكون داخلة في مسمى الإيمان، هذا هو الفرق بينهما.
ضابط التفريق بين سنن العادات وسنن العبادات
السؤال: ما هو الضابط للفرق بين السنن العادات وسنن العبادات؟ وما هو الدليل على هذا التفريق؟ الجواب: العبادات كما هو معلوم هي السنن، وأما العادات كيف تكون سنناً؟! يعني السنة ما جاء على الشرع، فإذا جاءت على حسب الشرع فهي سنة، وأما العادة: فهي الذي اعتاده وألفه الناس، ومن المعلوم أن الناس قد يعتادون ما هو سنة، وقد يعتادون ما هو بدعة، فيكون سنة إذا كانت السنة جاءت به، ويكون بدعة إذا كانت السنة ما جاءت به، لكن هذه العادة إذا كان ليس لها علاقة بالتعبد وإنما هي في الأمور التي يعتادونها ويحتاجون إليها ولم يأت في الشرع ما يمنع منها، فهي مباحة، فكلمة (سنة عادة) أنا ما أعرف معنى هذه؛ لأن السنة هي ما جاء به الشرع، سواءً كان في العبادات أو في الأمور التي يستعملها الناس في تعاملهم وفي أعمالهم وفي أفعالهم وفيما يتعلق بحاجاتهم، فما جاء به الشرع فهو يقال له: سنة، وما لم يأت به الشرع فالأصل هو الإباحة، وإذا جاء شيء يمنع فلا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه جاء ما يمنع من فعل هذا، فإذا اعتاد الناس شيئاً هو على خلاف الشرع فيجب عليهم أن يتركوه، وإذا كان الشرع جاء في إباحته فيفعلوه، وإذا سكت عنه فما قال لهم: هو حلال أو هو حرام، فإن ذلك سائغ.وبالنسبة لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما هو للتشريع، ومنه ما هو بمقتضي الجبلة، فكون الإنسان يقوم ويجلس ويتحرك ويروح ويجيء فهذه أمور جبل عليها الناس، لكن تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيء الذي يقتدى به فيه ويتبع فيه عليه الصلاة والسلام هذا هو السنة.
مدى مشروعية الخلع من دون عوض
السؤال: هل يصح الخلع بغير عوض؟ علماً أن هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية والجمهور على خلافه.الجواب: أنا ما أدري عن رأي شيخ الإسلام، لكن المعروف أن الخلع يكون على عوض، وهل لا بد أن يكون بعوض أو لا؟ لا أدري، ليس عندي علم في هذا.
حكم نظر الزوج لزوجته عند الاغتسال
السؤال: هل يجوز للزوج أن يغتسل مع امرأته معاً ينظر إليها وتنظر إليه؟ الجواب: نعم يجوز، ينظر الرجل إلى عورة امرأته وهي تنظر إلى عورته، ولا بأس بذلك، ولا مانع منه، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك).
المقصود بقوله: (هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا ...)
السؤال: فضيلة الشيخ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ثم رأيت سواداً عظيماً فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة)، ما المقصود من الأمة هل هي أمة الإجابة أو الدعوة؟ الجواب: المقصود أمة الإجابة طبعاً. وقوله: (هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة)، يعني: هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، والمقصود بذلك أمة الإجابة.
حكم لعن إبليس
السؤال: جاء في بعض كلام أهل العلم قوله: إبليس لعنه الله، فهل يجوز هذا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي لما قال: (تعس الشيطان، فقال له: لا تقل هذا، ولكن قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وجاء في صحيح الجامع: (لا تسبوا إبليس).الجواب: لعن إبليس كما هو معلوم هو أهل للعن، وهو أولى من يلعن؛ لأنه سبب كل شر وأصل كل شر، وإذا جاء شيء يدل على منع في حالة معينة أو كذا، فيصار إلى ما جاء به الدليل، وأنا ما أعرف أي شيء، لكن لعن إبليس أقول: هو أولى من يلعن، وقد جاء لعنه في القرآن.
وقفة مع قول ابن حجر في بعض رجال الصحيحين: (صدوق)
السؤال: مر بنا في بعض الأسانيد أن الحافظ ابن حجر يقول فيهم: صدوق، مع أن هذا الرجل في الصحيحين، أو من رجال صاحبي الصحيحين، كيف يكون هذا؟ الجواب: نعم، يكون صدوقاً، ويكون ممن يكون حديثه حسناً في المتابعات، وهذا يأتي في الصحيحين، ثم أحياناً كما هو معلوم كلمة (صدوق) قد يقول هذا الحكم الحافظ ابن حجر، وغيره قد يطلق حكماً آخر، فيقول عنه: ثقة.
حكم تقديم الوتر في حالة جمع صلاة المغرب والعشاء تقديماً
السؤال: إذا جمع المصلون بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم وذلك لأجل شدة المطر، فهل لهم أن يؤخروا الوتر في آخر الوقت أو يجب عليهم تأخير العشاء مع الوتر؟ الجواب: الوتر يبدأ وقته إذا صليت العشاء، سواءً كانت مجموعة مع المغرب أو في وقتها، فإذا صلى الإنسان العشاء ولو كانت مجموعةً مع المغرب في أول وقت المغرب، فيمكن للإنسان أن يوتر؛ لأن العشاء جاء وقتها؛ ولأن وقتها قد انتهى وأداها الإنسان، والوتر يؤدى بعد العشاء، فيبدأ الوتر بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا جمع جمع تقديم فلهم أن يوتروا بعد صلاة العشاء مباشرة، ولهم أن يؤخروا إلى أي وقت شاءوا من الليل، لكن المهم أنه جائز أن يوتروا بعد أن يصلوا ولو كان ذلك في وقت المغرب؛ لأنه ما دام جمعت إليها، فصار ما بعدها إلى طلوع الفجر كله وقت للوتر.
المقصود بآل البيت والضابط في تحديدهم
السؤال: من هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما الضابط في تحديدهم؟ الجواب: آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم آله الذين تحرم عليهم الصدقة، وقد اختلف فيهم: فقيل: هم كل هاشمي، وقيل: كل هاشمي ومطلبي؛ لأن بنو المطلب ألحقوا ببني هاشم؛ لأنهم كانوا معهم في وقت الشدة، وهم جميعاً أولاد عبد مناف، إلا أنهم لما كانوا معهم أُلحقوا بهم، وقال: ( إنا وإياهم شيء واحد ) يعني: هو وبنو المطلب، فمن العلماء من خصه ببني هاشم الذين هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء: يضاف إليهم بنو المطلب الذي هو ابن عبد مناف، ومن العلماء من يقول: إن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم نسل جده الأدنى، وهم أولاد عبد المطلب، فهؤلاء هم أهل بيته، ففيه كلام للعلماء في ذلك؛ من حيث هل هم أولاد هاشم والمطلب الذين هم أولاد عبد مناف، أو أنهم أولاد عبد المطلب بن هاشم ؟ أما زوجاته فمن أهل بيته بلا شك.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 05:53 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(73)
كتاب الطهارة- (تابع باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد) إلى (باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها)
أجاز الشرع الاغتسال بما فضل من الماء بعد اغتسال الجنب منه على الصحيح من أقوال أهل العلم وهو الذي دلت عليه الأدلة.ويجوز أيضاً الوضوء والاغتسال في أواني الطبخ مثل الوعاء الذي يعجن فيه وإن بقي فيه آثار العجين.
تابع ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد
شرح حديث أم سلمة: (رأيتني ورسول الله نغتسل من مركن واحد..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سعيد بن يزيد سمعت الأعرج يقول: حدثني ناعم مولى أم سلمة رضي الله عنها: (أن أم سلمة رضي الله عنها سئلت: أتغتسل المرأة مع الرجل؟! قالت: نعم، إذا كانت كيسة، لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من مركن واحد نفيض على أيدينا حتى ننقيهما، ثم نفيض عليها الماء)، قال الأعرج: لا تذكر فرجاً ولا تباله].في الترجمة السابقة التي عقدها النسائي وهي: اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، فقد مر فيه عدة أحاديث، وبقي منها هذا الحديث وهو حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أنها سئلت: (أتغتسل المرأة مع الرجل؟ قالت: نعم، لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من مركنٍ واحدٍ نفيض على أيدينا حتى ننقيهما، ثم نفيض عليها الماء)، هذا الحديث كغيره من الأحاديث السابقة التي جاءت عن عدد من أزواج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يذكرن فيه أنهن كن يغتسلن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد، يغترفان منه، فيغترف منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وتغترف منه زوجته، أو إحدى زوجاته، فقد جاء ذلك عن عائشة، وعن ميمونة، وعن أم سلمة، فكل هذه أحاديث أوردها النسائي في هذا الباب، وقد أورد حديث عائشة من طرق متعددة، وكلها تدل على ما ترجم له المصنف وهو: اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وأنه لا بأس بذلك ولا مانع منه، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وكذلك أم سلمة رضي الله عنها، لما سئلت: أتغتسل المرأة مع الرجل؟! قالت: نعم، إذا كانت كيسة، ثم فسر الأعرج وهو أحد رواة الحديث كونها كيسة بقوله: (إنها لا تذكر فرجاً، ولا تباله)، يعني: هذا لفظ مطلق يشمل ذكر فرجها وفرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، (ولا تباله) يعني: ولا تتباله، يعني: يظهر منها ما لا ينبغي أن يظهر مما يعد من البله، هذا هو تفسير (الكيسة) كما فسرها بذلك الأعرج أحد رواة هذا الحديث، والذي جاء إسناده في هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (رأيتني ورسول الله نغتسل من مركن واحد..)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، وقد مر ذكره كثيراً، وإذا جاء ذكره فإنه يروي عن عبد الله غير منسوب، وهو مهمل؛ ولكنه محمول على عبد الله بن المبارك كما عرفنا ذلك مراراً، وقد قيل في ترجمة سويد بن نصر: أنه راوية عبد الله بن المبارك، فهو مروزي، وعبد الله بن المبارك مروزي، فإهماله لا لبس فيه ولا إشكال فيه، بل هو محمول على أنه عبد الله بن المبارك الذي يروي عنه راويته سويد بن نصر المروزي.[عن عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك إمام، محدث، حجة، فقيه، جواد، مجاهد، قال ابن حجر في التقريب بعد أن ذكر جملةً من صفاته قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن يزيد]. سعيد بن يزيد هذا ثقة عابد، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[سمعت الأعرج].وهو: عبد الرحمن بن هرمز هذا اسمه واسم أبيه، والأعرج لقب له، وأحياناً يأتي ذكره مجموعاً قد جمع بين اسمه ولقبه، وأحياناً يذكر اسمه بدون اللقب، وأحياناً اللقب بدون الاسم، فـعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني ناعم مولى أم سلمة].وناعم مولى أم سلمة ثقة فقيه، خرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[أن أم سلمة...]. وأم سلمة هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي: هند بنت أبي أمية، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب
شرح حديث: (نهى رسول الله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب:أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي عن حميد بن عبد الرحمن: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، فقيل: إن المراد بفضل الجنب: هو ما يتساقط من أعضائه، وقيل: إنه ما يبقى في الإناء بعد اغتساله منه، وهذا هو الأوضح من حيث ما يشعر به لفظ الحديث، ومن حيث ذكر الفضل، وذكر الاغتراف في آخره؛ لأن قوله: (الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل)، أي: الذي يبقى؛ لأن الفضل هو البقية، وليس المتساقط الذي يتساقط، وكذلك أيضاً قال: (وليغترفا جميعاً)، معنى أنهما يغتسلان معاً، ولا يغتسل هذا بما يبقيه هذا، أو هذا بما يبقيه هذا، فالاغتسال بفضل الجنب الذي يبقى في الإناء بعد اغتساله منه، هذا هو فضله، أي: بقيته التي تبقى بعد استعماله، واغتساله منه، ولهذا أورد فيها النسائي هذا الحديث. قوله: (لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، يعني: أنه صحب الرسول صلى الله عليه وسلم أربع سنوات، كما كان أبو هريرة قد صحبه أربع سنوات؛ لأن أبا هريرة إنما أسلم في السنة السابعة عام خيبر، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي في أول السنة الحادية عشرة، فيكون مدة صحبته أربع سنوات، وهذا الرجل مبهم، أبهمه الراوي، والقاعدة المعروفة عند العلماء: أن المجهول من الصحابة في حكم المعلوم، لا تؤثر جهالته ولا تضر؛ ذلك لأنهم كلهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤثر كون الصحابي مجهولاً؛ لأن الجهالة لا تؤثر، وإنما تؤثر فيمن دونهم، كما ذكر الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية قال: إن كل راو دون الصحابي لا بد من معرفة حاله من الثقة والعدالة والضعف، إلا الصحابة، فإنهم لا يحتاجون إلى معرفة أحوالهم؛ لأنهم يكفيهم ما حصل لهم من تعديل الله عز وجل وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، وثناء الله عز وجل وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فيكفي في الرجل أن يذكر بأنه صحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعرف شخصه، وإن لم تعرف عينه، وإنما يكفي أن ينسب إلى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقال فيه: أنه صحب الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا شرف عظيم وفضل عظيم حصل لهم، ما شاركهم فيه أحد، ولا ظفر به أحد سواهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهذا الرجل الذي صحب النبي عليه الصلاة والسلام روى هذا الحديث المشتمل على ثلاث جمل، وهي: الجملة الأولى: النهي عن الامتشاط كل يوم، يعني: كون الإنسان يسرح شعره ويجمله في كل يوم، فإنه ينبغي ألا يكثر من ذلك، وإنما يستعمله يوماً بعد يوم، أو أكثر من ذلك؛ لكنه لا يستعمل ذلك بصفة دائمة، والمقصود من ذلك التنزيه والابتعاد عن الترفه، وأن يكون على هذا الوصف، ومن المعلوم أن الجمال مطلوب، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (إن الله جميل يحب الجمال)، فالزينة مطلوبة؛ لكن لا يشتغل بها ويفتتن بها، وكون الإنسان لا يكون همه إلا التجمل، وأن يكون هذا شغله، فقد جاء النهي في ذلك. الجملة الثانية: أن يغتسل الرجل في مستحمه، وقد سبق أن مر حديث في هذا الموضوع وفي باب خاص، وهو: النهي عن الاغتسال في المستحم، وفيه: أن عامة الوسواس منه، فقد تقدم أن الحديث الذي ورد في ذلك فيه كلام، والجملة الأولى منه، وهي: (النهي عن الاغتسال في المستحم) وقد جاء شاهد يؤيدها وهو هذا الحديث الذي معنا، الذي فيه ذكر النهي عن الاغتسال في المستحم، وليس فيه ذكر: (فإن عامة الوسواس منه) فكانت الجملة الأولى من ذلك الحديث لها شاهد يقويها، وهو هذا الحديث الذي معنا، والجملة الثانية وهي: (فإن عامة الوسواس منه) ليس لها شاهد كما للجملة السابقة، وشاهدها هذا الحديث، فتكون تلك الجملة لم تثبت؛ لأن الإسناد التي وردت فيه لا يعتمد عليه في حال الانفراد؛ ولكن الجملة الأولى جاء هذا الحديث أو جاءت بهذا الإسناد الذي معنا، فهو عاضد لها، وهو مؤيد لها، وقد عرفنا فيما مضى: أن النهي عن البول في المستحم، وهو مكان الاستحمام، أن المقصود من ذلك: إذا كان البول يستقر ويبقى، وليس له مجرى يذهب معه ويجري، أما إذا كان له مجرى ولا يستقر ولا يبقى فإنه في هذه الحالة لا بأس به، وإنما المحظور أن يكون البول يحتبس، وأن يكون في مكان لا يذهب في الأرض، فيؤدي ذلك إلى وصوله إلى المستحم وإلى جسده، فيلحقه بذلك ضرر، هذا هو وجه المنع منه، ومن المعلوم أنه إذا وجد البالوعات التي يجري فيها البول، ويجري فيها الماء، فإنه لا مانع من ذلك، ولا محظور فيه، وإنما المحظور فيما إذا كان البول يستقر، فيكون في مكان صلب لا تشربه الأرض، وليس له بالوعة يجري فيها، فهذا هو الذي يترتب عليه مضرة، ويترتب عليه احتمال وصول النجاسة إلى المستحم في ذلك المكان الذي بال فيه.والجملة الثالثة: نهي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وأن يغترفا جميعاً، وهذه الجملة فيها محل الشاهد، وقد جاءت أحاديث تدل على خلاف ما دلت عليه تلك الجملة، وهي حصول اغتسال الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، فيكون ما جاء في الحديث هنا إما على خلاف الأولى، وإما الحكم في ذلك أنه سائغ، والقول بكونه سائغ هو قول الجمهور، وقد قال بعض الفقهاء بما دل عليه هذا الحديث من النهي عن الاغتسال بفضل الجنب.
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وهو أحد شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، بل هو أول شيخ روى عنه النسائي في سننه، وما أكثر ما يأتي ذكر قتيبة بن سعيد في أسانيد النسائي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك مراراً.[حدثنا أبو عوانة]. وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن داود الأودي]. وهو داود بن عبد الله الأودي الزعافري الكوفي أبو العلاء، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة.[عن حميد بن عبد الرحمن]. وممن يسمى بحميد بن عبد الرحمن: حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وهنا هو الحميري، فقد جاء تعيينه، ونسبته في سنن أبي داود، حيث قال في الإسناد: حدثنا حميد الحميري، فإذاً: هذا الإهمال الذي حصل فيه، والذي يحتمل أن يكون ابن عوف وأن يكون الحميري، جاء في سنن أبي داود نسبته وتعيينه، وأنه الحميري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، ثقة فقيه خرج له الجماعة. [لقيت رجلاً].أي: من الصحابة، عرفنا أن المجهول منهم معلوم، وأنها لا تؤثر الجهالة فيهم، وإنما تؤثر الجهالة فيمن دونهم، ولهذا يكفي كل واحد منهم أن يقال عنه: إنه صحابي، ولا يحتاج إلى وصف آخر، ولا يحتاج إلى تعديل المعدلين، وتزكية المزكين، وتوثيق الموثقين؛ لأن تعديل الله عز وجل إياهم، وتعديل الرسول صلى الله عليه وسلم كاف لهم، فلا يحتاجون معه إلى شيء رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. لا مطعن في روايات أبي هريرة مع كثرتها، وكونه روى الكثير من الأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام في مدة قصيرة، فيقال: إن هناك عوامل ساعدت أبا هريرة رضي الله عنه على الإكثار من الحديث، منها: ملازمته للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه كان يشاركه في الأكل من طعامه إذا أكل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكون كثير من الصحابة كانوا يشتغلون في حرفهم وتجاراتهم، ويأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أحيان، وأما هو فهو ملازم له، وقد جاء ذلك عنه، ثم أيضاً ما جاء من دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم له، فكان من أوعية العلم، ومن حفاظ الحديث، بل هو أكثر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام حديثاً، ثم مما ساعده على كثرة الأخذ عنه وكثرة الاستفادة منه أنه عُمر وعاش بعد زمن الخلفاء الراشدين، وبعدهم بمدة طويلة، وأيضاً هو في المدينة، وكانت المدينة مقصد الناس الذين يأتون لزيارة هذا المسجد، وكذلك الذين يأتون للحج والعمرة ويزورون هذه المدينة، فكان ذلك الصحابي الجليل ممن بقي في المدينة، والناس يقصدونها ويأخذون عنه روايته، ولذلك كثر الأخذ منه.ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حجة؛ لأنهم لا يأخذون إلا عن الصحابة، فيوجد أحاديث منها ما سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لملازمته، ومنها ما يسمعه من بعض الصحابة، ومراسيل الصحابة كلها حجة، فلا يطعن في أبي هريرة إلا من ابتلاه الله عز وجل، وشاء الله عز وجل أن يسعى في إضرار نفسه وفي إيذاء نفسه. والذين يطعنون فيه هم الرافضة، وكذلك أيضاً بعض الناس الذين قد يحصل منهم أحياناً النيل من روايات أبي هريرة، فهذا لا يسوغ ولا يجوز أن يطعن في رواياته، والأمة قد قبلتها والصحابة قد قبلوها، واعتمدوا عليها، وقد جاء في فتح الباري في شرح حديث المصرات، أن بعض الحنفية قدح أو تكلم في الحديث، لكونه من رواية أبي هريرة، فقال: إن أبا هريرة ليس فقيهاً مثل ابن مسعود، ثم إن الحافظ ابن حجر علّق على هذا الكلام فقال: وقائل هذا الكلام ما آذى إلا نفسه، يعني: ضرر كلامه يرجع إليه؛ لأنه تكلم في صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو لا يضره بذلك، وإنما رجعت مضرته إلى نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في كتاب له اسمه الاصطلام، وهو يرد فيه على أبي زيد الدبوسي من الحنفية، فقال فيه أبو المظفر السمعاني: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله، يعني: من قدح في أحد من الصحابة، فهو ينادي على نفسه بأنه آذى نفسه، وأنه أقدم على ما يعود عليه بالمضرة، ولا يضر أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه شيئاً.إذاً: فكون أبي هريرة رضي الله عنه في المدة التي صحب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت مدة قليلة تبلغ أربع سنوات، وأحاديثه مع ذلك كثيرة، فلا يقدح ذلك في رواياته للأسباب التي أشرت إلى بعضها، والتي منها كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم، وكون الرسول دعا له، وكونه ممن بقي في المدينة، وكونه تأخرت وفاته إلى حوالي سنة ستين من الهجرة، يعني أنه عاش وحصل اتصال الناس به، وكونه في المدينة والناس يردون إليها، فيأخذون منه ويعطونه، فحصل بذلك أسباب تدل على سبب كثرة حديثه، وعلى سعة حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلا ينبغي أن يقدح فيه ولا أن يتكلم فيه، بل الواجب هو الابتعاد عن الكلام فيه وفي أحاديثه، وأن تكون القلوب مليئةً بمحبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الألسنة نظيفة وسليمة من النيل منهم، فإذا ذُكروا فإن الإنسان لا يذكرهم إلا بخير، وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت)، وإذا كان الكلام في آحاد الناس العاديين يعد من الغيبة، وهو محرم وممنوع، فكيف لو كان الكلام في سادات هذه الأمة، وفي خيار هذه الأمة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟! ثم إن من يريد الخير لنفسه، ومن هو ناصح لنفسه، فإنه يحرص كل الحرص على أن يكون مليء القلب بحبهم، رطب اللسان بذكرهم بالجميل اللائق بهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وفضلهم على الأمة عظيم، وإحسانهم إليها كبير؛ لأن الخير والهدى إنما وصل إلى الناس كلهم عن طريقهم وبواسطتهم، فما عرفنا القرآن والسنة إلا عن طريق الصحابة، وما عرفنا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عن طريقهم، ولم تعرف الأمة كلها -من بعد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- الحق والهدى إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 05:56 PM
الرخصة في الاغتسال بفضل الجنب
شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد يبادرني وأبادره...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك:أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن عاصم ح وأخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن عاصم، عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، يبادرني وأبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي)، قال سويد: ( يبادرني وأبادره فأقول: دع لي دع لي )].ذكر النسائي هذه الترجمة بعد الترجمة السابقة، وهي: الرخصة في ذلك، يعني: كونه يغتسل أحد الاثنين الرجل، أو المرأة بفضل الآخر، ثم أورد تحتها حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إنها كانت تغتسل هي والرسول صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تبادره ويبادرها، وتقول: دع لي، دع لي)، ومحل الشاهد من كون الاغتسال من المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة: أن أحدهما يفرغ وينتهي من الاغتسال قبل الآخر الذي يغتسل، فبعد أن فرغ صاحبه حصل منه استعمال ما تبقى من الآخر، فإذاً فيه اغتسال أحد الاثنين بفضل الآخر.ومن المعلوم أن كونهما يغترفان -يعني: كل واحد يغترف- فليس فيه فضل؛ لأن الماء موجود للجميع؛ لكن من انتهى أولاً فإن الذي يكون بعده إنما يستعمل فضل الآخر.قوله: [عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، يبادرني وأبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي)، قال سويد: ( يبادرني وأبادره، فأقول: دع لي دع لي )].يعني: أن النسائي ذكر الحديث عن شيخين، وكأنه ساق الحديث بلفظ الشيخ الأول الذي هو محمد بن بشار، ثم بعد ذلك أتى بلفظ الشيخ الثاني وهو سويد بن نصر، يعني: أتى بلفظه في آخر الحديث؛ لأن اللفظ لم يكن متحداً، ولم يكن متفقاً.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد يبادرني وأبادره...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو بندار، وهو ثقة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة.[عن محمد].محمد هنا غير منسوب يروي عن شعبة ، وإذا جاء محمد يروي عن شعبة وهو غير منسوب فإنه محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وشعبة هو أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عاصم].وهو: ابن سليمان الأحول، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله].هنا حول الإسناد إلى سويد بن نصر المروزي الذي مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند الترمذي، والنسائي.وعبد الله غير منسوب وهو ابن المبارك، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما مر آنفاً.[أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن عاصم].فالإسناد الأول أنزل من الثاني؛ لأن الإسناد الأول فيه ثلاثة بين النسائي وبين عاصم، وأما الإسناد الثاني ففيه اثنان بين النسائي وبين عاصم الأحول؛ لأن الأول محمد بن بشار، وغندر، وشعبة، ثم شعبة يروي عن عاصم الأحول، والإسناد الثاني سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن عاصم الأحول، فصار الإسناد الثاني أقل عدداً من الإسناد الأول، والإسناد الأول يعتبر أنزل لزيادة رجل فيه.[عن معاذة].هي: معاذة العدوية، تابعية أكثرت من الرواية عن عائشة، وروت عنها كثيراً، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي التي جاء في الحديث أنها سألت عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت لها: أحروريةٌ أنت؟! قالت: لا؛ ولكني أسأل، قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، هي التي سألت عائشة هذا السؤال وأجابتها بذلك الجواب.قوله: [عن عائشة]. وهي: عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، المبرأة مما رميت به بآيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي أكثر الصحابيات روايةً للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرها كثيراً.
ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها
شرح حديث أم هانئ: (إن رسول الله اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيهاأخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)].أورد النسائي رحمه الله: الاغتسال في القصعة التي فيها أثر العجين، وأورد النسائي حديث أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها قريباً في قصة الاستتار عند الاغتسال، وحديثها عند البخاري، ومسلم وغيرهما: ( أنها في عام الفتح جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل، فقال: من هذه؟ قالت: أم هانئ، فقال: مرحباً بـأم هانئ، ثم ذكرت رجلاً أجارته، وأمنته، وعلي رضي الله عنه وأرضاه كان يريد أن يقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ )، وقد مر أن لها ستاً وأربعين حديثاً، منها حديث واحد اتفق عليه البخاري، ومسلم، وهو ذاك الحديث الذي مر في قصة مجيئها إليه في عام الفتح، وهو يغتسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهنا تروي ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو وميمونة كانا يغتسلان من قصعة فيها أثر العجين ). يعني: أن الوعاء الذي فيه الماء الذي يغتسل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة رضي الله عنها، كان فيه أثر العجين، يعني قد علق به العجين وفيه ماء، وعليه الأثر، ففي هذا دليل على أن مثل ذلك سائغ؛ وأن كونه يتوضأ في الإناء الذي يؤكل فيه، أو الذي يعجن فيه، أو الذي يشرب منه عند الحاجة، أنه لا بأس بذلك، ولا يقال: ما كان يستعمل للشرب لا يجوز استعماله في أمور أخرى، بل يجوز كما جاء في هذا الحديث؛ لأن هذا الذي يستعمل للعجن الذي هو قصعة فيها أثر العجين، كان الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه أم المؤمنين ميمونة يغتسلان من ذلك الإناء، فهو دال على جواز ذلك، وأنه لا مانع منه، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ: (إن رسول الله اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا. [حدثنا عبد الرحمن]. وهو ابن مهدي، الثقة الإمام المحدث، الذي مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إبراهيم بن نافع]. إبراهيم بن نافع ثقة، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي نجيح]. وهو عبد الله بن أبي نجيح، وقد مر ذكره، وخرج له الجماعة. [عن مجاهد]. وهو مجاهد بن جبر المحدث، المفسر، المشهور، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن أم هانئ]. وأم هانئ مر ذكرها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فإسناد الحديث فيه أولاً محمد بن بشار، ثم عبد الرحمن بن مهدي، ثم إبراهيم بن نافع، ثم عبد الله بن أبي نجيح، ثم مجاهد، ثم أم هانئ، وهؤلاء الستة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، ومن دون الصحابية كلهم من الثقات.
الأسئلة
حكم الأوامر الشرعية الواردة في باب الآداب والإرشاد
السؤال: يا شيخ! ما صحة قول بعض العلماء: بأن الأوامر إن كانت في باب الآداب فهو محمول على الاستحباب؟الجوا ب: هذا صحيح؛ لكن هل هو مطرد دائماً وأبداً؟ لا أدري؛ لكن الغالب عليها أن هذا للاستحباب؛ لأنهم يقولون: للإرشاد، فهو للاستحباب.
علاقة التشريع بغير ما شرع الله بالشرك
السؤال: هل هناك شرك يدخل في شرك الحاكمية؟الجواب : قضية شرك الحاكمية، أولاً الحاكمية هي داخلة في توحيد الألوهية، فمن جعل مع الله شريكاً في حكمه، بحيث يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فهذا شرك وكفر، ومن قال: إن غير الله عز وجل يشرع كما يشرع الله، فلا شك أن هذا كفر بالله عز وجل؛ لأنه جعل التشريع لغيره، مع أن التشريع إنما هو له سبحانه وتعالى فيما أوحاه إلى رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الفرق بين الكمال الواجب والكمال المستحب في باب التوحيد
السؤال: نرجو من فضيلة الشيخ توضيح هذه العبارة: ما ينافي كمال التوحيد الواجب، وما ينافي كماله المستحب.الجواب: الذي ينافي كمال التوحيد الواجب هو الذي يعاقب من أخل به، ويأثم من أخل به، وهو الذي يأتي فيه نفي الإيمان؛ لأن نفي الإيمان لا يأتي إلا لشيء هو كمال واجب، فلا ينفى الإيمان عن كمال مستحب؛ لأن الكمال الواجب هو الذي يأثم الإنسان إذا حصل منه إخلال؛ لأنه واجب، وأما الكمال المستحب فلا يأثم الإنسان في تركه؛ فكما هو معلوم لو ترك الإنسان التصدق، فإنه لا يأثم؛ لأنه ما ترك واجباً، وإنما ترك كمال المستحب فهذا هو الفرق بين الكمال الواجب، والكمال المستحب، فالكمال الواجب لا يأتي نفي الإيمان عن أحد إلا فيما هو كمال للواجب، فلا يأتي فيما هو كمال المستحب، والكمال المستحب هو الذي إذا حصل من الإنسان زاد فضله ونبله، وإذا ما حصل منه شيء؛ فإنه لا يأثم، مثل الأمور المستحبة التي من فعلها فإنه يثاب عليها، ومن لم يفعلها فإنه لا يعاقب على تركها.
معنى حديث ابن عباس: (احفظ الله تجده تجاهك)
السؤال: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ الله تجده تجاهك)، قال شارح الحديث: أي: تجده معك بالحفظ، والإحاطة، والتأييد، والإعانة، فهل الواجب والصحيح أن نقول بمثل ذلك؟ الجواب: هذا حديث ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم لـابن عباس (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ومن المعلوم أن الله عز وجل تجاه الإنسان، وأن الإنسان أينما توجه فوجهه إلى الله عز وجل كما قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، فأينما توجه الإنسان فالله تعالى أمامه، وبيان ذلك أن السماوات والأرض ومن فيهما مثل الخردلة في كف الواحد منا، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فمن يكون في داخل الخردلة والله تعالى محيط بها، وهي في قبضة الله عز وجل ليست شيئاً، فأينما توجه فالله سبحانه وتعالى أمامه، فيحتمل أن يكون معنى هذا الحديث هو هذا، وأن الله عز وجل معه وأنه مطلع عليه، وأيضاً هناك معنىً آخر، وهو أنه يجد ثمرة ذلك، وثواب حفظ الله عز وجل يجده أمامه وتجاهه في الدار الآخرة، وكل هذا صحيح، فهذا حاصل وواقع في الدار الآخرة، وهو أنه يجد ثواب ذلك، فكل من المعنيين ممكن، وهما حاصلان ولا تنافي بينهما.
إنكار المشركين لتوحيد الأسماء والصفات
السؤال: هل من المشركين من أنكر توحيد الأسماء والصفات جهلاً أو عناداً؟ وكيف ذلك؟ الجواب: نعم، جاء ذلك في القرآن، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب في صلح الحديبية قال: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا: لا تكتب، اكتب: باسمك اللهم)، وقد جاء في القرآن: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]، فهم كانوا ينكرون ذلك، لا يصفونه بهذا ويقولون: يكتب باسم الله فقط، أو باسمك اللهم.
بيان ركني توحيد الألوهية
السؤال: ذكر بعض أهل العلم أن لتوحيد الإلوهية ركنين هما: الصدق والإخلاص، فهل هذه فقط هي أركان توحيد الإلوهية؟ الجواب: توحيد الألوهية له ركنان، وهما: الإخلاص والمتابعة، ومن المعلوم أن الصدق هو داخل في الإخلاص؛ لأن من أخلص لله عز وجل فهو صادق؛ لكن الشرطين اللذين لا بد منهما في توحيد الألوهية وفي أي عمل من الأعمال يرجى الثواب فيه من الله عز وجل، هما: الشرط الأول: تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يجعل مع الله شريكاً في العبادة، الشرط الثاني: وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعبد الله بالبدع والمحدثات والمنكرات، وإنما يعبد الله عز وجل بأن تكون العبادة له خالصة، وأن تكون لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطابقة وموافقة، كما جاء عن فضيل بن عياض في تفسير قول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، قال: العمل المقبول هو الأخلص الأصوب، قيل: ما الأخلص الأصوب؟ قال: الأخلص ما كان لله، والأصوب ما كان على السنة. فإذاً لا بد في كل عمل من الأعمال يتقرب به إلى الله عز وجل أن يكون مشتملاً على هذين الشرطين: الشرط الأول: الإخلاص لله وحده، فلا يشرك مع الله غيره في العبادة. والشرط الثاني: أن يكون وفقاً للسنة، ولا يكون مبنياً على بدع ومحدثات؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).فهذان هما ركنا العمل المقبول عند الله عز وجل، وهو معنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأشهد أن لا إله إلا الله المقصود بها: الإخلاص لله وحده، وأشهد أن محمداً رسول الله تعني: متابعته عليه الصلاة والسلام، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، ولهذا جاء في الثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في تفسيره: أشهد أن محمداً رسول الله قال: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، يعني: المتابعة، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
بعض مصطلحات المحدثين في الجرح والتعديل
السؤال: ما رأي فضيلة الشيخ أننا إذا مررنا ببعض المصطلحات نحو ثقة، أو ثقة ثبت، أو صدوق، ونحو ذلك من العبارات، أن يوضح لنا فضيلة الشيخ معناها؟ وماذا تأثيرها على الإسناد؟ لأن بعضنا لا يتيسر له حضور درس المصطلح، وجزاكم الله خيراً. الجواب: ألفاظ التعديل عندهم أن اللفظة إذا تكررت، سواءً بلفظها أو بمعناها، فهذه زيادة في التوثيق، ومن حصل له الوصفان فهو أعلى ممن حصل له وصف واحد، فمن قيل فيه: ثقة ثبت، أو ثقة حجة، فهو أعلى ممن قيل فيه: ثقة فقط؛ لأن درجات التعديل أولاً ما فيه مبالغة كأن يقال: إليه المنتهى بالتثبت، أو يقال: أمير المؤمنين في الحديث، فهذه تعتبر في القمة، ثم يلي ذلك ما كان بوصفين، يعني سواءً كانا مترادفين: كثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثقة حافظ، أو ثقة حجة، فما كان في الجمع بين وصفين، فهو أعلى ممن لم يحصل له إلا وصف واحد، ثم يليه ما كان في وصف واحد مثل: ثقة، ثم دون ذلك صدوق، وقد يكون عند بعض الأشخاص الوصف ولكن عنده نقص فيه، لكن هذا النقص يتفاوت، منه ما يقال فيه: يهم، ومنه ما يقال: كثير الأوهام، أو يهم كثيراً، وهو أشد من قول: صدوق يهم، أو صدوق له أوهام، فصدوق يهم، وصدوق له أوهام، هذه أخف من قول: يهم كثيراً، وكذلك صدوق أيضاً، يأتي معها مثل ذلك الوصف.
الاستدلال بإجماع العلماء الموافق لمعنى حديث ضعيف
السؤال: هناك بعض الأحاديث الضعيفة كحديث: (الماء طهور إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)، فهذه الزيادة ضعيفة؛ ولكن العلماء أجمعوا على معناها، فكيف يجمع العلماء على حديث ضعيف؟ وما الضابط في مثل ذلك؟ الجواب: نعم، الزيادة هذه ضعيفة، وهي من رواية رشدين بن سعد المصري، وهو ضعيف وفيه غفلة، فلا يعول عليها؛ لكن معناها أجمع عليه العلماء، وقد اختلف العلماء في الإجماع: هل يكون مستنداً إلى نص؟ أو يكون هو نفسه حجة بدون أن يستند إلى نص؟ فمن العلماء من قال: إنه لا يكون الإجماع إلا مستنداً إلى نص، قد يعلم ذلك وقد لا يعلم، وقد يعرفه البعض، وقد لا يعرفه البعض، وذلك النص قد يكون دليلاً، وقد يكون قياساً، وقد يكون عموماً، المهم أن يكون له أساس من الشرع، وأساس من الدين، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأن ما غلب على لونه، وريحه، وطعمه، أي: من النجاسة، فهذا يؤثر فيه مطلقاً، سواءً كان قليلاً أو كثيراً؛ لكن الماء القليل الذي دون قلتين ينجس ولو لم يتغير لونه، وطعمه، وريحه؛ لأنه لا يدفع الحدث ولا يحمله، كما جاء في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، يعني: إن الماء القليل يؤثر فيه الخبث، والماء الكثير لا يؤثر فيه الخبث، فإذا غير اللون، والطعم، والريح، سواءً كان قليلاً، أو كثيراً فهذا يعتبر نجساً.فكما قلت: بعض العلماء يقول: إن الإجماع يكون مستنداً إلى نص، وليس بلازم أن يكون هذا النص مستنداً للإجماع، بل قد يكون غيره؛ لكن المسألة إجماعية، ومن ذلك حديث: (كل قرض جر نفعاً فهو رباً)، الحديث في هذا ضعيف جداً، قال عنه الحافظ في البلوغ: إسناده واهٍ، ومع ذلك أجمع العلماء على أن (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال في هذا الكتاب، ونقل عن ابن حزم أنه قال: ما من مسألة أُجمع عليها إلا وهي مستندة إلى نص، إلا مسألة القراض، فقال ابن تيمية رحمه الله: وهذه المسألة أيضاً مستندة إلى نص؛ لأن القراض كان معروفاً في الجاهلية، وكانوا يتعاملون به، ويدفع بعضهم المال للآخر على أن يعمل فيه، وبينهم الربح على نسبة يتفقان عليها، فكان شيئاً معمولاً به في الجاهلية، فجاء الإسلام وأقره، وإقرار الإسلام لعمل من أعمال الجاهلية، معناه: أنه حكم شرعي بحصول الإقرار؛ لأن من أعمال الجاهلية ما جاء الإسلام بمنعه وبإبطاله، ومنها ما جاء الإسلام بإقراره، مثل: مسألة المضاربة، ومثله الذي في النكاح، كما جاء في حديث عائشة: كانت المرأة في الجاهلية يزوجها وليها ولا تزوج نفسها، وإنما وليها هو الذي يتولى زواجها، فهذا حكم كان في الجاهلية، فجاء الإسلام وأقره، فمن أعمال الجاهلية -مما كان معروفاً في الجاهلية- وجاء الإسلام بإقراره ومشروعيته، فكان ثابتاً بمجيئه في الإسلام، وإقرار ذلك العمل، والمضاربة من هذا القبيل.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 05:59 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(74)
- (باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة) إلى (باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده)
لا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل إلا الحائض عند إرادة الإحرام فإنه يجب عليها أن تنقض شعرها، ويجب على الجنب أن يزيل الأذى والأوساخ التي علقت به سواء في يده أو جسده.
ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة
شرح حديث أم سلمة في ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة. أخبرنا سليمان بن منصور عن سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضها عند غسلها من الجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على جسدك)]. يقول النسائي رحمه الله: باب ذكر ترك نقض المرأة رأسها عند الاغتسال من الجنابة. هذه الترجمة معقودة لبيان أن المرأة لا يلزمها ولا يجب عليها أن تنقض ضفائرها عند إرادة الاغتسال من الجنابة، بل لها أن تبقيها وأن ترويها بالماء، وأن تصب عليها الماء حتى تروى، وأما نقضها فإن ذلك ليس بلازم، هذا هو مقصود الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله، وقد أورد تحتها حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنها كانت تشد ضفر رأسها، أفتنقضها عند الاغتسال من الجنابة؟ فقال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء -أي على جسدك)، فكونها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض شعر رأسها عند الاغتسال من الجنابة وأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيها أن تحثو عليه ثلاث حثيات يدل على أن نقض شعر الرأس ليس بلازمٍ للمرأة، بل لها أن تغتسل وضفائر شعرها مشدودة؛ لكن ترويها بالماء، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو أن المرأة لا تحتاج ولا يلزمها أن تنقض شعر رأسها عند الاغتسال من الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة
قوله: [أخبرنا سليمان بن منصور].هو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب زرغندة، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن سفيان]. وسفيان هنا غير منسوب، ويحتمل سفيان بن عيينة ويحتمل سفيان الثوري، وفي ترجمة أيوب بن موسى قيل: إنه روى عنه السفيانان، وفي ترجمة سليمان بن منصور كما في تهذيب التهذيب: إنه روى عن ابن عيينة، فيكون هذا المهمل الذي لم ينسب هو: سفيان بن عيينة، ولم يذكر الثوري، وابن عيينة ثقة حجة إمام، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً، وقد صرح بأنه ابن عيينة كما عند مسلم وأبي داود.وإذا كان قد صرح به في الأسانيد، فهذه من الطرق التي يعرف بها، أو بل هي من أهم وأفضل الطرق التي يعرف بها تعيين المهمل، وذلك أن ينظر في الأسانيد، فإذا كان مصرحاً بتسميته في بعضها فيكون ذلك واضحاً في بيان المراد، ومن الطرق الأخرى -وهي التي أشرت إليها-: أن ينظر في التلاميذ والشيوخ؛ لأنه في ترجمة سليمان بن منصور ما ذكروا أن من شيوخه الثوري، وإنما ذكروا ابن عيينة من شيوخه.[عن أيوب بن موسى].وهو أيوب بن موسى، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن أبي سعيد].وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن رافع].وهو المدني، وكنيته أبو رافع، فيذكر بكنيته ويذكر باسمه، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أبا رافع، هو عبد الله بن رافع، فكنيته توافق اسم أبيه، فقد ذكرت مراراً أن من الأمور المهمة في علم المصطلح، معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذلك لدفع احتمال التصحيف فيما إذا كان مشهوراً أو من بعض الناس يعرفه مشهوراً بنسبه، ثم يذكر بكنيته مع اسمه، فمن لا يعرف يظن أن ذلك تصحيف، فكونه مشهوراً بأنه عبد الله بن رافع، قد يأتي في بعض الأسانيد: عبد الله أبا رافع، فيظن بعضهم أن كلمة أبو مصحفة عن ابن؛ لكن من عرف أن كنيته أبو رافع، وهو عبد الله بن رافع، يعلم أنه لا تصحيف، وأنه إن جاء بابن فهو على النسب، وإن جاء بلفظ أبي فهو على الكنية ولا لبس في ذلك، وهو ثقةٌ، وخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن أم سلمة].وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
ذكر الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام
شرح حديث عائشة في أمر الحائض بنقض شعر رأسها عند الاغتسال للإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام. أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا أشهب عن مالك: أن ابن شهاب وهشام بن عروة حدثاه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللت بالعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج ودعي العمرة، ففعلت، فلما قضينا الحج، أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك). قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث غريب من حديث مالك عن هشام بن عروة لم يروه أحد إلا أشهب]. أورد النسائي رحمه الله ترجمة وهي: الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام، أي: أمر الحائض عند الاغتسال للإحرام بنقض شعر رأسها عند ذلك الاغتسال، وقد أورد فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضها في قصة حجها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وأنها أحرمت بالعمرة مثل أمهات المؤمنين؛ لأنهن أحرمن بالعمرة متمتعات، ولما كانوا في الطريق حاضت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ثم إنه جاء وقت الحج والحيض عليها، ولم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة للعمرة، ومعنى ذلك أن الحج قد وصل، وهي لم تنتهي من عمرتها، فأمرها الرسول عليه الصلاة والسلام أن تنقض شعرها وتمتشط وتستعد للإحرام، فتدخل الحج على العمرة، فتحرم بالحج وتكون قارنة؛ لأن الإحرام بالعمرة باق، وهو غير منتهي، بل هو باق في ذمتها، ولم يحصل لها ذلك لعدم طهارتها من الحيض، فلما جاء الحج أمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تحرم بالحج فتدخله على العمرة.فلما فرغ الناس من الحج طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتمر، وأبدت رغبتها الشديدة في ذلك وتأثرها لعدم تمكنها من الإتيان بالعمرة المستقلة، كالذي حصل لأمهات المؤمنين اللاتي كن محرمات بعمرة، ولم يحصل لهن ما حصل لها، فتمكنَّ من أداء العمرة وحدها، وطفن طوافين وسعين سعيين، طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج، أما عائشة فلم تطف إلا طوافاً واحداً، وسعياً واحداً وهو لحجها وعمرتها، لكنها رأت أن لم يحصل منها زيادة في العمل الذي حصل من غيرها من المعتمرات المتمتعات اللاتي لم يحصل لهن ما حصل لها من الحيض، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: (يكفيك طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)؛ لأنها كانت قارنة، والقارن طوافه وسعيه بعدما يأتي من عرفة لحجه ولعمرته، فهي كذلك مثل قارنيه، طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة لحجها وعمرتها، فقالت: يرجع الناس بطوافين وسعيين، وأرجع بطواف واحد وسعي واحد، قال: (إنما ذلك لحجك وعمرتك)، فألحت عليه، فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب معها إلى التنعيم فاعتمرت، وأتت بعمرة مستقلة. والرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه لم يذهبوا إلى العمرة، بل لم يأت عبد الرحمن الذي ذهب معها بعمرة، إذاً: فهذا يدل على أن العمرة في حق الحجاج الذين يأتون للحج ويعتمرون من التنعيم ويكررون ذلك، أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول ما فعله ولا فعله أصحابه، وإنما أذن لـعائشة لما ألحت بسبب أنه فاتها ما حصل لأمهات المؤمنين من أنهنّ طفن وسعين للعمرة عندما دخلن مكة وطفن وسعين للحج بعد الحج، فكان عملها في نظرها لا يتفق مع عمل أمهات المؤمنين اللاتي طفن طوافين وسعين سعيين.والمقصود من الحديث هو: كون الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنقض شعرها عند إرادة الإحرام للحج وإرادة الاغتسال له، وهذا يدل على ما ترجم له المصنف. والمقصود بكونها تدع العمرة ليس معناه أنها ترفضها وتلغيها؛ لأن الإحرام قد وجد، ولا يتخلص من الإحرام بعد وجوده إلا في النهاية؛ لأن الله عز وجل يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، فإذا أحرم إنسان بحج أو عمرة فعليه أن يتمه ولو كان ذلك نفلاً، وليس له أن يرفضه وأن يتركه، وإنما قوله: (دعي العمرة)، يعني: دعي أعمالها من طواف وسعي؛ لأنها حائض، والحائض لا يمكنها أن تطوف وتسعى، إذاً فالإحرام بالعمرة موجود ومستمر، وإنما أضيف إليه الإحرام بالحج، فصار الحج أو الإحرام بالحج مضموماً إلى الإحرام بالعمرة الذي كان موجوداً من قبل.وأما قوله: (دعي عمرتك)، يعني: تدع أعمالها، بمعنى أنها لا تستمر فيها لأن الحج قد وصل، ولو استمرت في انتظارها فقد يفوتها الحج، والحج هو يوم عرفة، ومن فاته الوقوف فاته الحج، فقوله: (دعي العمرة)، يعني: دعي أعمالها، ولا تستمر بها وحدها حتى تطوف وتسعى؛ لأنه يترتب على ذلك فوات الحج، فهذا هو المقصود بأمرها بأن تدع عمرتها، وذلك أنه فيما بعد قال: (طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)، يعني: أنها قارنة. [(قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك)]. يعني: التي كانت فاتتها، حيث أنها لم تعمل أعمالها مستقلة، وإلا فإنها قد اعتمرت، وعمرتها هذه الثانية؛ لأن عائشة اعتمرت في تلك السفرة مرتين: مرة العمرة المقرونة مع الحج، ومرة هذه التي جاءت بعد الحج، وكونها مكانها، يعني: من حيث إنها طافت طوافاً مستقلاً، وسعت سعياً مستقلاً، وليس معنى أن تلك ألغيت وأن هذه عوض عنها وأنها تحل محلها؛ لأن العمرة التي أحرمت بها من ذي الحليفة قد أُدخل عليها الحج، فحصل الطواف والسعي للحج والعمرة معاً؛ ولكن العمرة التي حصلت لأمهات المؤمنين، وكونهن طفن طوافاً مستقلاً وسعياً مستقلاً، فهذا هو الذي حصل لها بهذه العمرة فيما بعد، وبهذا تكون عائشة رضي الله عنها اعتمرت في تلك السفرة مرتين: الأولى: العمرة المقرونة مع الحج، والثانية: هذه العمرة التي جاءت بعد الحج. قوله: [قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث غريب من حديث مالك عن هشام بن عروة لم يروه أحد إلا أشهب]. أي إن أشهب انفرد بروايته عن مالك من حديث عروة، وهو معروف عن مالك عن الزهري ومشهور بهذا، وأكثر أصحاب مالك رووه عنه من طريق الزهري؛ لكن روايته عن مالك عن هشام بن عروة لم يحصل إلا عن طريق أشهب، فهو غريب بهذا الاعتبار، أي: باعتبار تفرد أشهب به عن مالك، ولا يؤثر ذلك على صحة الحديث شيئاً، بل الحديث ثابت من ذلك الطريق، وهو أيضاً عنده طريق أخرى، وهو أنه يرويه عن مالك عن هشام بن عروة عن عروة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في أمر الحائض بنقض شعر رأسها عند الاغتسال للإحرام
قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].وهو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم والنسائي وابن ماجه . [عن أشهب]. هو أشهب بن عبد العزيز بن داود المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود والنسائي. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، الإمام المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن حارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب فيقال له: ابن شهاب، وهو جد وليس قريباً، وإنما هو جد جده، إذاً فهو مشهور بنسبته إلى شهاب وإلى جده زهرة بن كلاب الذي هو أخو قصي بن كلاب، وعند ذلك يلتقي مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم. و الزهري هو إمام محدث، فقيه مشهور، ومكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو الذي قام بتدوين السنة بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، والذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمرٌ له عمر[وهشام].هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن الزبير].عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها من الإفك في آياتٍ تتلى من كتاب الله عز وجل، ومناقبها جمة، وفضائلها كثيرة، وهي من أوعية العلم وأوعية السنة، وقد حفظت الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي الصحابية الوحيدة التي اشتهرت بكثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي واحدة من سبعة رواة زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته في بيتين من الشعر، حيث يقول: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبيوقد مر ذكرها كثيراً رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء
شرح حديث: (إن رسول الله كان إذا اغتسل من الجنابة... فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا الحسين عن زائدة حدثنا عطاء بن السائب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثتني عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة وضع له الإناء، فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء، حتى إذا غسل يديه أدخل يده اليمنى في الإناء، ثم صب باليمنى وغسل فرجه باليسرى، حتى إذا فرغ صب باليمنى على اليسرى فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم يصب على رأسه ملء كفيه ثلاث مرات، ثم يفيض على جسده)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: غسل الجنب يديه قبل إدخالهما في الإناء عند الاغتسال من الجنابة، ومراده من هذه الترجمة: أن الجنب إذا أراد أن يغتسل، فإنه يفرغ على يديه من الإناء ولا يغمسهما في الإناء قبل غسلهما، بل يفرغ عليهما بحيث يصغي الإناء حتى يصب فيغسلهما، هذا هو المقصود من الترجمة. وقد عرفنا فيما مضى أن غسل الأيدي خارج الإناء مطلقاً مطلوب ومستحب في جميع الأحوال، يعني: كون الإنسان يريد أن يغتسل فإنه قبل أن يدخل يديه في الإناء يغسلهما بدون أن يدخل اليد في الماء، وإنما يميل الإناء حتى يصب على يده فيغسلهما، ثم بعد غسلهما يدخل يده اليمنى في الإناء ويستخرج الماء بها، ويصبه على يده اليسرى أو يجمع به في يديه جميعاً، إلا فيما يتعلق بالقيام من نوم الليل، فهذا ورد فيه الحديث الذي سبق أن مر، وهو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يغسلهما ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، حيث قال: (إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثاً)، وهو أول حديث في سنن النسائي.وقد اختلف العلماء في حكمه؛ فمنهم من قال: إن الغسل خارج الإناء واجب، ومنهم من قال: إنه مستحب، أما ما عدا ذلك، أي: ما عدا غسل اليدين بعد القيام من النوم، فإنه مستحبٌ في جميع الأحوال، حتى ولو كان الإنسان متحقق نظافة اليدين، فإنه يغسلهما عند إرادة الوضوء أو إرادة الاغتسال قبل أن يدخلهما في الإناء. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها وصفت غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إذا أراد أن يغتسل وضع له إناؤه، فيدخل يديه فيغسلهما، ثم بعد ذلك يدخل يده اليمنى ويأخذ بها الماء ويصبه على يده اليسرى، ثم يغسل بها فرجه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان إذا اغتسل من الجنابة... فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان]. هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو من شيوخ النسائي، وقد أكثر عنه النسائي، وهو ثقة، ولم يخرج حديثه إلا النسائي.[حدثنا الحسين]. هو الحسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة]. هو زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن عطاء بن السائب].هو عطاء بن السائب الكوفي الثقفي، وهو صدوق، اختلط حديثه، خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن سابعهم اختلف فيه: هل هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر؟ والستة الباقون متفق عليهم، ولا خلاف في عدهم ضمن الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، في عصر التابعين. [عن عائشة]. وقد مرَّ ذكرها قريباً.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:01 PM
ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء
شرح حديث عائشة في غسل النبي يديه ثلاثاً في غسل الجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء. أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد أخبرنا شعبة عن عطاء بن السائب عن أبي سلمة قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة؟ فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ على يديه ثلاثاً، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض على سائر جسده)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة باب: ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فالترجمة السابقة هي لذكر الغسل ومشروعيته، وهذه الترجمة لذكر عدده، وقد أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: ( إن الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ على يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه بعد غسل فرجه، ثم يتمضمض ويستنشق، ثم يحثو على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض الماء على سائر جسده ). والمقصود من الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفيض على يديه من الإناء عند الاغتسال من الجنابة قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يفرغ على يديه ثلاثاً، بمعنى أنه يميل الإناء الذي يتوضأ به حتى يصب على اليد خارج الإناء فيغسلهما ثلاثاً، فإذاً فيه: مشروعية غسل اليدين ثلاثاً، وذلك مستحب.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في غسل النبي يديه ثلاثاً في غسل الجنابة
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو شيخ النسائي كما في الإسناد المتقدم.[عن يزيد]. يزيد هنا غير منسوب، وهو: يزيد بن هارون، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة]. وهو شعبة بن الحجاج الذي مر ذكره كثيراً، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وبقية الإسناد هو الإسناد المتقدم قبل هذا.
إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه
شرح حديث عائشة في إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه. أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا النضر أخبرنا شعبة حدثنا عطاء بن السائب قال: (سمعت أبا سلمة أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فسألها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة؟ فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالإناء، فيصب على يديه ثلاثاً فيغسلهما، ثم يصب بيمينه على شماله فيغسل ما على فخذيه، ثم يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق، ويصب على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض على سائر جسده)]. ذكر النسائي ترجمةً أخرى وهي: إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه، وأورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما يفرغ على يديه ثلاثاً، يغسل فرجه وما علق بفخذيه من أثر الجنابة، ثم يغسل يديه، يعني: بعدما علق بهما من ذلك الأثر فيغسلهما ثم يتمضمض.والمقصود أن الترجمة يراد بها: أنه بعد غسل اليدين يغسل ما أصاب جسده من أثر الجنابة، يعني: يغسل فرجه وما أصاب جسده إذا كان قد أصابه شيء من أثر الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا أبا داود.[حدثنا النضر]. وهو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا شعبة]. أخبرنا شعبة، وعند ذلك يتفق مع الإسناد الذي قبل هذا.
إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده
شرح حديث عائشة في إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عمر بن عبيد عن عطاء بن السائب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: (وصفت عائشة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فقالت: كان يغسل يديه ثلاثاً، ثم يفيض بيده اليمنى على اليسرى فيغسل فرجه وما أصابه. قال عمر: ولا أعلمه إلا قال: يفيض بيده اليمنى على اليسرى ثلاث مرات، ثم يتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً، ثم يصب عليه الماء)].باب إعادة غسل الجنب يديه بعد إزالة الأذى عن جسده، والمقصود من هذه الترجمة: هو بيان أنه بعدما يغسل يديه خارج الإناء أولاً، ثم يغسل فرجه وما أصاب جسده، عند ذلك يعيد غسل يديه؛ من أجل إزالة ما علق بهما من أثر ذلك الذي أزاله من فرجه وفخذيه وما أصاب من جسده؛ فغسل اليدين بعد ذلك لهذه الحكمة، ولهذه الفائدة، فهذا هو المقصود من هذه الترجمة، وقد أورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وهو دال على ما ترجم له المصنف.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت، محدث فقيه إمام، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث؛ لأن جملة من المحدثين أطلق عليهم هذا الوصف، ومنهم: إسحاق بن راهويه وشعبة وسفيان الثوري والبخاري، وجماعة آخرين وصفوا بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وكلمة (راهويه) عند أهل اللغة: تكون مختومة بـ(ويه)، فالواو تكون مفتوحة والياء ساكنة، وأما عند المحدثين: فتكون الياء مفتوحة والواو ساكنة وما هو قبل الواو مضموم، وهذه الألفاظ ليست عربية، وليست اسماً عربياً.[أخبرنا عمر بن عبيد].هو عمر بن عبيد بن أبي أمية، وهو صدوق، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن السائب].وبعد ذلك يتفق هذا الإسناد مع الأسانيد السابقة.
الأسئلة
مدى عموم النهي في ترجيل الشعر كل يوم
السؤال: هل النهي عن الترجل كل يوم عام للرجال والنساء؟ الجواب: والله الذي يبدو أنه عام؛ لكونه جاء باستمرار؛ لأن هذا من الترفه، وطبعاً هو للتنزيه وليس للتحريم، فالفعل لا بأس.
مدى صحة قول: (اللهم عاملنا برحمتك ولا تعاملنا بعدلك)
السؤال: هل يصح أن يقول القائل في الدعاء: اللهم عاملنا برحمتك ولا تعاملنا بعدلك؟ أم يقول: اللهم عاملنا بعدلك ورحمتك؟ وهل الرحمة منفصلة عن العدل؟ الجواب: معلوم أن الثواب والإحسان إنما هو بفضل الله عز وجل، وأما ما يحصل من عقوبة وما يحصل من ضرر فهو بعدله سبحانه وتعالى؛ لأن كل ما يحصل من الله عز وجل لعباده فهو عدلٌ، وما يحصل من ثوابٍ فهو بفضله، كقول الشاعر: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائعإن نعموا فبفضله أو عذبوا فبعدله وهو الكريم الواسعإن نعموا فبفضله، أو عذبوا فبعدله، فتعذيبهم إياه بالعدل؛ لأن حصول ما يحصل من ضرر هو بالعدل، وأما ما يحصل من ثواب وإحسان فهو فضل وامتنان، فهو فضل من الله عز وجل، وامتنان على من حصل له ذلك الفضل، وهذا هو المقصود بالمعاملة بالعدل، فبعض الناس إذا أراد أن يدعو على أحد دعا أن يعامله بعدله، يعني: يدعو عليه بأن يصيبه شيء.
الواجب على من حصل لها كما حصل لعائشة رضي الله عنها في الحج
السؤال: المرأة التي حصل لها مثل ما حصل لـعائشة رضي الله عنها، هل تفعل مثل ما فعلت؟ الجواب: المرأة التي يحصل لها مثل ما يحصل لـعائشة وتريد أن تفعل فلها أن تفعل، وإن أرادت أن تكتفي بما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة فيكفيها ذلك؛ لكن إن أرادت فلها أن تفعل ذلك كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها.
شكوى عدم الإخلاص في العمل الخيري
السؤال: إذا أردت أن أقوم بعمل خيري أريد به وجه الله، تأتيني أفكار كأني لا أريد به وجه الله، وبعد ذلك لا أخلو من حالين: إما أن أحجم، أو أحجم على ضعف، ولا أثق من نفسي.الجواب: الإنسان إذا أراد فعل خير فيعمل، ويحرص على أن يكون الحافز له والدافع له على ذلك الثواب من الله عز وجل، ولا يكون الدافع له أن يمدح وأن يحمد وأن يثنى عليه، ويقال: فلان يفعل كذا، وفلان يتصدق، وفلان كذا، وإنما يكون الدافع له طلب وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وأن يحصل الثواب على هذا العمل من الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الواجب على الإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً، وإذا انقدح في ذهنه أن هذا قد يكون فيه رياء وأنه قد يترتب على ذلك إحجام، فهذا من عمل الشيطان الذي يريد أن يحول بين الإنسان وبين الخير، وإنما عليه أن يعزم ويصمم، وأن يبعد تلك الهواجس وتلك الوساوس عن نفسه، ويكون الدافع له والحافز له على ذلك هو وجه الله، ويصرف الوساوس والهواجس التي تطرأ عليه والتي قد تكون سبباً في تركه ذلك العمل الطيب الذي يفكر فيه.
توجيه قول النسائي في التراجم: باب وإهماله في البعض الآخر
السؤال: لماذا يذكر النسائي رحمه الله في بعض التراجم باب، وفي بعضها لم يذكر؟ الجواب: لا أدري لماذا يذكر النسائي في بعض التراجم باب، وفي بعضها بدون ذكر الباب.
مقدار المسافة بين السترة والمصلي
السؤال: هل للسترة مقدار محدد؟ الجواب: المصلي يتخذ سترة وتكون قريبة منه، فيقرب منها، وأما إذا لم يكن له سترة فالمقدار ثلاثة أذرع من موضع قدمه، بعد ذلك يصح للإنسان أن يمر بعد تلك المسافة، هذا إذا لم يكن له سترة، وأما إذا كان له سترة فيمر المار من ورائها.
وضع المسبوق للسترة بعد سلام الإمام من الصلاة
السؤال: هل يشرع للإنسان -مثلاً- وهو يصلي في الجماعة -وقد جاء متأخراً- أن يضع شيئاً يستره أو يستتر به بعدما يسلم الإمام والناس يخرجون ويمرون؟الجواب: ليس للإنسان عندما يكون مسبوقاً ثم يدخل في الصلاة أن يبحث عن شيء يضعه أمامه، وإنما إذا كان أمامه عمود أو أمامه شيء يمكن أن يقرب منه ويتخذه سترة فلا بأس بذلك، أما كونه يتحرك من أجل أن يبحث له عن شيء يضعه فهذا ليس مطلوباً منه.
غسل الجنابة والجمعة بنية واحدة
السؤال: إذا اغتسل رجل من الجنابة في يوم الجمعة، هل يجزئ ذلك الغسل للجمعة؟ وهل يجوز إدخالهما في نية واحدة أم لكل واحدة منهما نية؟ الجواب: نعم، غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، فإذا اغتسل الإنسان من الجنابة فإنه يجزيه عن غسل الجمعة، وإذا كان الإنسان عليه جنابة، واغتسل وأراد بذلك غسل الجنابة وغسل الجمعة، فإن ذلك مجزئ ولا بأس به.
ترك غسل اليدين في الوضوء بحجة غسلهما عقب القيام من النوم
السؤال: هذا السائل يقول: إذا استيقظ الرجل من النوم ثم أراد الوضوء، فغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما، فهل يعيد غسل اليدين للوضوء، أم يعتبر ذلك الغسل من الوضوء؟ الجواب: لا يعتبر ذلك الغسل من الوضوء، وعليه أن يغسل يديه، فالإنسان إذا غسل يديه قبل أن يبدأ بالوضوء (عند القيام من النوم) فإنه عندما يتوضأ أو عندما يصل إلى اليدين بعدما يغسل وجهه، فإنه يغسل كامل يديه؛ لأن غسل اليدين إنما يكون بعد غسل الوجه، ومن اليدين الكفان، فيكون غسلهما بعد غسل الوجه بأكملهما، ولا يقول في ذلك الذي غسلته في أول الأمر: لا أغسله؛ لأن غسل اليدين محله بعد غسل الوجه، وذاك الغسل إنما هو من أجل استعمال كون اليدين تدخل في الإناء؛ فهذا تمهيد لإدخالهما في الإناء بعد غسلهما، فلا يدخلهما وهو لم يغسلهما، فقبل أن يبدأ بالوضوء يغسلهما خارج الإناء، ثم يبدأ ويغسل وجهه، ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه، ثم يغسل اليدين بأكملهما.وقد ذكر النسائي في السنن الكبرى ترجمة فيها ذكر الإشارة إلى الاكتفاء بغسل الذراعين دون اليدين، وهي ترجمة باب في سنن النسائي الكبرى، وأورد فيه حديثاً فيه ذكر الذراعين، أنه غسل ذراعيه، لكن هذا ليس بواضح، ومن المعلوم أن ذراع اليد كلها تعتبر ذراع، ولهذا عندما يقال: مقدار الذراع، فالمقصود به: من المرفق إلى طرف الوسطى، فكل هذا يقال له: ذراع. يعني أن: النسائي عقد تلك الترجمة، وأورد تحتها ذلك الحديث وهو ليس بواضح، ولا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذا الأمر حتى ولو كان ذلك محتملاً؛ فإن قطع الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، و(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، كما قال ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حكم التسمية في الوضوء قبل غسل الجنابة
السؤال: ورد في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ قبل الاغتسال وضوءه للصلاة، فهل يسمي على هذا الوضوء؟الجواب: أقول: سيأتي في ذكر الوضوء كونه يتوضأ وضوءه للصلاة قبل أن يغتسل، أما الغسل الكامل المشروع هو: أن يتوضأ أولاً، ثم يغتسل، ثم في الآخر يغسل رجليه، أما الغسل المجزئ هو: أن يصب الماء على جسده بحيث يأتي الماء على سائر الجسد، فهذا الذي يحصل به الأجزاء.
المشروع على من أحرمت بالعمرة من الميقات وهي حائض ثم طهرت في مكة
السؤال: هل الحائض إذا أتت الميقات تحرم للعمرة؟ وإذا طهرت في مكة وكانت قد أحرمت وهي حائض، هل يلزمها أن تخرج إلى الحل؟ أي: التنعيم، أو يكفيها أن تكمل عمرتها بإحرامها الأول؟ الجواب: المرأة إذا أحرمت من الميقات فإنها إذا دخلت مكة لا تدخل المسجد ولا تطوف بالكعبة ولا تسعى بين الصفا والمروة، وإنما تنتظر حتى تطهر من حيضها، فإذا طهرت اغتسلت من الحيض، ثم دخلت المسجد وطافت وسعت وقصرت شعر رأسها، وبذلك انتهت عمرتها، ولا تحتاج إلى أن تذهب للحل أو لغير الحل؛ لأنها لا تزال محرمة من حين الميقات، وإنما الذي حصل لها هو ذلك الحيض الذي منعها من الطواف والسعي، فإذا طهرت من حيضها اغتسلت، ثم دخلت المسجد وطافت وسعت، وبذلك أنهت عمرتها.
الطواف من بعد موضع السجود في حق من لم يتخذ له سترة
السؤال: إذا لم يتخذ المصلي سترة، فهل يجوز الطواف من بعد موضع السجود؟ وما الدليل؟ الجواب: معلوم في مكة أن الحق في المكان للطائفين، فيمكن للإنسان أن يطوف ولو كان أمام الذي يصلي؛ لأن الذي يصلي ليس له حق أن يصلي في ذلك المكان، وإنما يبتعد عن المطاف؛ لأن الطواف إنما يكون حول الكعبة، والصلاة تكون في أي مكان من المسجد، فيمكن أن يمر بين يديه؛ لكن إذا كان الناس في المطاف قليل، وهذا الذي يصلي بينه وبين الطائفين مسافة، فلا يمر بين يديه، وإنما يبتعد عنه؛ لكن إذا احتاج إلى أن يمر بين يديه أو وصل الطائفون إلى ما بين يدي من يصلي، فليمر بين يديه، وذلك ليس له أن يصلي في هذا المكان.
الاكتفاء بالغسل عن الوضوء
السؤال: هل يكتفى بالغسل عن الوضوء إذا لم يتوضأ في هذا الغسل؟الجواب: إذا كان الغسل غسل جنابة فإنه يمكن أن يكتفى به؛ لأن فيه رفع حدث أكبر فيدخل تحته الأصغر، أما إذا كان الاغتسال للجمعة أو للتبرد أو ما إلى ذلك، فلا يكفي الاغتسال عن الوضوء، ولا بد من الوضوء قبله أو بعده، وإذا توضأ قبله فلا يمس فرجه؛ لأن مس الفرج ينقض الوضوء، وأما إذا كان غسل الجنابة فإن الاغتسال يغني عن الوضوء.
نوع حج عائشة المذكور في الحديث: (خرجنا مع الرسول عام حجة الوداع...)
السؤال: عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها هل حجت متمتعة أو قارنة؟ الجواب: عائشة في أصل إحرامها متمتعة؛ لأنها أحرمت بالعمرة؛ ولكن الحيض الذي حصل لها في الطريق واستمراره معها حتى جاء وقت الحج لم تتمكن معه من أن تكون متمتعة، فأدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة، فحجها قران وهو في أوله تمتع، ولكنه ما تم لها ما أرادته، وإنما الذي تم وحصل هو القران؛ لأنها أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة.والدليل على أنها قارنة: أنها لما أحرمت بالعمرة لم تأت بها، والعمرة لا تتم إلا بطواف وسعي، وهي لم تطف ولم تسع، والحج قد وصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تدخل الحج على العمرة، ولهذا لما رجعت وتريد أن تأتي بعمرة بعد الحج وقالت: يرجع الناس بطوافين وسعيين، وأنا أرجع بطواف واحد وسعي واحد، قال: (يكفيك طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)، فهذا هو الدليل على أنها قارنة.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:04 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(75)
- (باب ذكر وضوء الجنب قبل الغسل) إلى (باب ذكر العمل في الغسل من الحيض)
يستحب للجنب الوضوء قبل اغتساله للجنابة، ويجب عليه إيصال الماء إلى كل شعره وبشره، فإذا لم يتيسر ذلك إلا بتخليل شعره وجب.
ذكر وضوء الجنب قبل الغسل
شرح حديث عائشة في وضوء الجنب قبل الغسل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر وضوء الجنب قبل الغسلأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جسده كله)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ذكر وضوء الجنب قبل أن يغتسل. المراد من هذه الترجمة: هو أن الجنب يشرع له أن يتوضأ قبل اغتساله، فيكون اغتساله مشتملاً على الوضوء، بحيث يبدأ به ثم يأتي الاغتسال بعد ذلك، وهذا هو نفس الغسل الكامل الذي يكون مشتملاً على وضوء أولاً ثم على غسل بعده، وقد جاء في بعض الأحاديث أن غسل الرجلين يكون بعد الفراغ من الغسل، وهذا الحديث الذي أورده النسائي عن عائشة الذي تصف فيه غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة قبل أن يغتسل، أي: يفهم منه أنه يتوضأ الوضوء الكامل قبل الاغتسال، ومن ذلك غسل الرجلين، فيحتمل أنه يفعل ذلك أحياناً بحيث أنه يتوضأ قبل أن يغتسل، ويحتمل أنه كان يؤخر غسل الرجلين إلى نهاية الأمر، وكما قلت: هذا هو الغسل الكامل الذي يكون مسبوقاً بالوضوء.والغسل المجزئ هو: الغسل الذي يستوعب فيه الجسد الماء غسلاً، وإذا نوى الإنسان رفع الحدث الأكبر والأصغر، فإنهما يرتفعان، ولا يلزم الوضوء في حق المغتسل، وهذا إنما يكون في غسل الجنابة.أما الأغسال الأخرى: كغسل الجمعة، والغسل للتبرد؛ فإنه لا يكفي عن الوضوء؛ لأنه ليس فيه رفع حدث، وإنما عليه أن يتوضأ وضوءاً مستقلاً، إما قبل ذلك الاغتسال للتبرد أو بعده، ولكنه إذا توضأ فإنه لا يلمس فرجه بعد ذلك؛ لأن لمس الفرج بعد الوضوء ينقض الوضوء، وجمهور العلماء ذهبوا إلى أن الاغتسال المجزئ يكفي عن الوضوء، وأنه لا يلزم معه وضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر، وذهب الظاهرية أو بعض الظاهرية إلى أنه لا بد من الوضوء مع غسل الجنابة، وأنه لا يكفي الاغتسال عن الوضوء، ولا يرتفع الحدث الأصغر بفعل الحدث الأكبر عند القائل بهذا.قوله: (يتوضأ وضوءه للصلاة).أي: يتوضأ قبل أن يغتسل وضوءه للصلاة، هذا هو المقصود من إيراد الحديث، وهو دال على ما ترجم له المصنف؛ لأنه صريح في ذلك، وكما قلت: يحتمل أن يكون المراد بالوضوء الوضوء الكامل، ويحتمل أن يكون وضوءاً يبقى منه غسل الرجلين، ويكون ذلك بعد الفراغ من الغسل، فما جاء على هذا المنوال، وما جاء على غيره يحمل على أنه يفعله أحياناً هكذا وأحياناً هكذا.وفيه أيضاً: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وهو ما دلت عليه التراجم السابقة، وهذه الترجمة أيضاً مشتملة على ذلك، ثم أيضاً فيه تخليل الشعر، وترويته حتى يدخل الماء إلى أصوله، ثم الصب على الرأس ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده الذي يحصل معه استيعاب الجسد في الغسل.وأريد أن أذكر شيئاً متعلقاً بالأسانيد المتقدمة وهو: ذكر عطاء بن السائب في أربعة طرق من طرق حديث عائشة في بيان ذكر شيء من جزئيات الاغتسال، أو الأمور التي تفعل في حال الاغتسال، ففي ترجمة عطاء بن السائب: أنه صدوق اختلط، أو أنه ثقة اختلط، فالاختلاط هو: أن يتغير الشخص، إما لكبره، أو لأمر طرأ عليه حصل بسببه اختلاطه، فهذا حكم حديثه أن يميز بين ما سمع منه قبل الاختلاط، وما سمع منه بعد الاختلاط، فما كان مسموعاً منه بعد الاختلاط فلا يعتد به، وما كان مسموعاً منه قبل الاختلاط، فإنه يحتج به ويعتد به، وإذا كان مجهولاً هل سمع قبل الاختلاط؟ أو سمع بعد الاختلاط؟ فإنه أيضاً لا يعتد به؛ لأنه محتمل أن يكون سمع بعد الاختلاط، فالسماع بعد الاختلاط تضعف معه الرواية، ولا تقبل معه الرواية، فيكون معرفة ما كان قبل الاختلاط، وما كان بعده يكون بمعرفة التلاميذ الذين رووا عنه؛ لأن من التلاميذ من روايته قبل الاختلاط، ومنهم من روايته بعد الاختلاط، ومنهم من روايته مجهولة هل هي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط؟ فمن عرف أنه روى عنه قبل الاختلاط، فروايته عنه صحيحة، ولا يضر اختلاطه، والأسانيد التي مضت فيها شعبة بن الحجاج يروي عن عطاء بن السائب، وزائدة بن قدامة الثقفي، وهما ممن رويا عنه قبل أن يختلط.إذاً: فلا يؤثر اختلاطه على رواية هذه الأحاديث التي فيها شعبة، وزائدة بن قدامة؛ لأن هذين رويا عنه قبل الاختلاط، فإذاً: الحديث لا غبار عليه ولا إشكال فيه؛ لأن السماع قبل الاختلاط.وهذه الأحاديث التي أوردها النسائي عن هذا المختلط هي عن شيوخ سمعوا منه قبل الاختلاط، وهم: شعبة، وزائدة بن قدامة، أما عمر بن عبيد بن أبي أمية، فهذا لا أعرف هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ لكن شعبة وزائدة سمعا منه قبل الاختلاط، فإذاً: تلك الأحاديث التي جاءت من طريقهم ثابتة ولا إشكال فيها.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في وضوء الجنب قبل الغسل
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، أحد الثقات، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، العلم، المشهور، صاحب المذهب المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين، وهي خالة عروة، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال الإسناد أو رواة الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وهم من أهل الثقة والعدالة، وأما الصحابة كما عرفنا فلا يحتاج إلى أن يذكر عن الواحد منهم أو وصفه بأنه ثقة؛ لأن وصف الصحبة لا يعدله شيء، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليه شيء للتوثيق؛ لأنهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تخليل الجنب رأسه
شرح حديث عائشة في تخليل النبي رأسه في غسل الجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تخليل الجنب رأسهأخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا هشام بن عروة حدثني أبي حدثتني عائشة رضي الله عنها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة: (أنه كان يغسل يديه ويتوضأ، ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره، ثم يفرغ على سائر جسده)].ذكر النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب تخليل الجنب شعر رأسه عند الاغتسال، وأورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: ( إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغسل يديه ويتوضأ، ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره ) لأن المقصود من التخليل أن يصل الماء إلى أصول شعره، وقد عرفنا فيما مضى أن المرأة الجنب لا تنقض شعرها عند الاغتسال من الجنابة، وأنها تصب عليه الماء حتى تطمئن إلى أنه وصل إلى أصوله، ولا يحتاج إلى تخليل أو إلى نقضه وإيصال الماء إلى أصوله، وإنما يكفي أن تصب الماء حتى تطمئن إلى أنه قد روي بالماء ووصل إلى أصوله، وعلى هذا فالتخليل لا يكون لازماً، وإنما يكون المهم أن يصل الماء إلى أصول الشعر، والحديث الذي معنا جاء فيه ذكر التخليل، وأنه كان يخلل شعره بأصابعه كي يصل الماء إلى شعره؛ أي: إلى أصول شعره، وإلى داخل الشعر. فالحديث فيه ذكر غسل اليدين أولاً، ثم ذكر الوضوء ثانياً، ثم ذكر التخليل، ثم الإفاضة على سائر الجسد، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله، إلا أن الذي قبله فيه: ( يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده ).
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخليل النبي رأسه في غسل الجنابة
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس، المحدث، الناقد، المعروف بكثرة كلامه في الرجال والجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، المشهور، الثقة، الثبت، الإمام في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [حدثنا هشام بن عروة].يعني: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهنا يتفق مع الإسناد الذي قبله بهذا.
شرح حديث: (إن رسول الله كان يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثاً)].ثم ذكر النسائي أيضاً حديث عائشة الذي فيه: (أنه كان يشرب رأسه) يعني: بالماء، والمقصود من ذلك: التخليل؛ لأنه هنا أورده في تخليل الشعر، ثم يحثو عليه ثلاثاً؛ يعني: ثلاث غرف، وكما دل عليه الحديث الذي مر من قبل أنه كان يحثو عليه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ففيه ما ترجم له، وهو أنه يرويه بالماء حتى يصل إلى أصول شعره.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله].هو محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وخرج له النسائي، وابن ماجه .[حدثنا سفيان].وسفيان هنا غير منسوب، وهو سفيان بن عيينة؛ لأن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري روى عن سفيان بن عيينة، وقد ذكر في ترجمته أنه روى عن ابن عيينة.[عن هشام بن عروة].وهنا يتحد مع الإسناد السابق.
ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه
شرح حديث: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسهأخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن جبير بن مطعم رضي الله عنهما قال: ( تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القوم: إني لأغسل كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف )].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب ما يكفي للجنب عند غسل رأسه من الماء. فأورد فيه حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه: ( أنهم تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغسل، فقال بعضهم: أنا أفعل كذا وكذا، فقال: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف )؛ يعني: أنه يصب عليه ثلاث مرات، ويكفيه ذلك في الاغتسال، أي: فيما يتعلق بغسل الرأس، ففيه الشاهد لما ترجم له، وكذلك ما يكفي الرأس؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف).
تراجم رجال إسناد حديث: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة متقن، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة أيضاً، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن صرد].هو سليمان بن صرد، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي عن صحابي وهو جبير بن مطعم رضي الله عنه، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.[عن جبير بن مطعم].هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، ويلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده عبد مناف، وأولاد عبد مناف أربعة وهم: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس، وقد ورد عن جبير هذا في الصحيحين أنه جاء هو وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: ( يا رسول الله! إننا وبنو المطلب؛ يعني: في النسب سواء، وإنك أعطيتهم من الخمس ولم تعطنا، فقال: إنا وبنو المطلب شيء واحد ) يعني بني هاشم وبني المطلب، وهذا هو الدليل الذي استدل به من قال: إن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.والمطعم بن عدي الذي هو: أبو جبير هو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: منع أذى قريش له، وهو الذي مدحه الشاعر بقوله:ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداًمن الناس أبقى مجده الدهر مطعملأنه أجار النبي صلى الله عليه وسلم.وفي النحو يستشهدون بهذا البيت على عود الضمير إلى ما بعده. والمطعم بن عدي هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر قال في الأسرى: (لو أن المطعم بن عدي حيٌ، وطلب مني هؤلاء النتنة لأعطيتهم إياه، أو لوهبتهم له). فهو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم ومنع وصول الأذى إليه من كفار قريش.إذاً: فالحديث فيه صحابيان وهما: سليمان بن صرد، وجبير بن مطعم وهو من رواية صحابي عن صحابي، وفيه اثنان مشهوران بكنيتهما، وهما: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني المشهور بـالسبيعي، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي.
ذكر العمل في الغسل من الحيض
شرح حديث عائشة في أعمال الغسل من الحيض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر العمل في الغسل من الحيض:أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان عن منصور وهو ابن صفية عن أمه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأخبرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي كرسفة من مسك فتطهري بها، قالت: وكيف أتطهر بها؟ فاستتر كذا، ثم قال: سبحان الله! تطهري بها، قالت عائشة رضي الله عنها: فجذبت المرأة، وقلت: تتبعين بها أثر الدم)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ذكر العمل في الغسل من الحيض. أي: ذكر شيء مع الغسل؛ لأن فيه ذكر الغسل، أي: تنظيف وتطهير لمكان الحيض، فأورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! كيف أعمل بالاغتسال من الحيض؟ فقال معلماً لها كيف تغتسل، ثم قال: (خذي كرسفة مسك، فتطهري بها، قالت: وكيف أتطهر بها؟ فاستتر كذا)؛ يعني: سكت أو طأطأ، لأن هذا شيء يستحيا منه، وأن يتكلم معه في حق النساء، وهو ذكر الفرج، وأنها تعمل بفرجها كذا، فقال: (سبحان الله! تطهري بها) سبحان الله: تعجب، (تطهري بها) ففهمت عائشة أنه لا يريد أن يتكلم بشيء وراء هذا اللفظ الذي كنى به عن ذكر الفرج، وباستعمالها في الفرج (فجذبتها إليها وقالت: تتبعي بها أثر الدم) الذي هو الفرج.فالحديث دال على الاغتسال، ودال على هذا العمل مع الاغتسال الذي هو أنها تأخذ كرسفة، وهي قطعة من صوف أو قطن أو جلد فيه صوف، فتتبع بها أثر الدم، قيل: من مسك والمراد من ذلك قطعة من الجلد، وقيل: إن المقصود من ذلك أنها قطعة فيها مسك وهو الطيب؛ حتى تكون الرائحة الكريهة التي كانت من آثار الحيض يأتي ما يعقبها وهو الرائحة الطيبة، وفسر المسك بأنه طيب، وفسر بأن المراد به الجلد. وعائشة رضي الله عنها وأرضاها لما استحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يواجهها بشيء، فعند ذلك فهمت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ألا يتكلم معها بشيء أكثر من هذا، ووضحت لها وقالت: تتبعي به أثر الدم؛ يعني: الفرج، وفيه استعمال (سبحان الله) عند التعجب؛ لأنه لما قال: (تطهري بها) قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: (تطهري بها) لأن هذا شيء يفهم، فتعجب، وقال: (سبحان الله!) لكونها تراجعه في ذلك الأمر، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها تولت المهمة ووضحت ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم.قالوا: وفي هذا دليل على أن المحدث أو العالم إذا ذكر شيئاً، وفيه من هو بحضرته وأراد أن يوضح كلامه، أو يبين كلامه إذا كان يرضى بذلك أنه لا بأس به؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها تولت بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوضيح مراده، وقد أقرها رسول الله عليه الصلاة والسلام على ذلك.وذكر هذا الحديث وهذه الترجمة في هذا الموضع ليس بواضح؛ لأن الأحاديث كلها قبله وبعده تتعلق بالاغتسال من الجنابة، فذكر الحيض أو الاغتسال من الحيض في هذا الموضع كان حقه أن يتأخر، كما سيأتي بعدما يفرغ من الغسل من الجنابة، ويأتي بأحاديث الغسل من الحيض، فكان يناسب أن تكون هذه الترجمة المشتملة على هذا الحديث ليست في وسط الأحاديث والأبواب المتعلقة بالاغتسال من الجنابة؛ لأن محلها الاغتسال من الحيض.وإن كان المصنف قد سبق أن مر به ذكر ترجمتين تتعلق بالحيض فيما مضى، فيما يتعلق بنقض الشعر عند الاغتسال للإحرام، وقبله عدم نقض الشعر عند الاغتسال من الجنابة، لكن هذه الترجمة أقحمها في وسط الأبواب المتعلقة بغسل الجنابة، وكان محلها أن تأتي مع الأبواب المتعلقة بالاغتسال من الحيض؛ لأنها متعلقة بالحيض، ولا تعلق لها بالاغتسال من الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في أعمال الغسل من الجنابة
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة، وقد جاء منسوباً في صحيح البخاري في نفس إسناد هذا الحديث؛ لأن هناك من نسبه، وقال: ابن عيينة، فإذاً: هذا المهمل قد جاء مبيناً في صحيح البخاري وأنه سفيان بن عيينة، وليس سفيان الثوري.[عن منصور وهو: ابن صفية].هو منصور بن عبد الرحمن الحجبي العبدري من بني عبد الدار، ومن أهل حجابة البيت، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن أمه].هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية من بني عبد الدار، وهم أهل حجابة الكعبة وسدانة الكعبة، والذين فيهم السدانة والحجابة، واختلف في صحبتها، فمن العلماء من قال: إنها صحابية، وإنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنها غير صحابية.وتروي عن عائشة، وعلى هذا فهي رواية صحابية عن صحابية، على القول بأنها صحابية. [عن عائشة].وعائشة تقدم ذكرها كثيراً.
الأسئلة
مدى إجزاء الغسل من الجنابة عن الوضوء
السؤال: رجل اغتسل لرفع الحدث الأكبر، وغسل مذاكره، ثم غسل رأسه، ثم أفاض على سائر جسده، ولم يتوضأ قبل الاغتسال، فهل غسله صحيح؟الجواب: نعم صحيح، قلنا: إن الغسل المجزئ هو أن يفيض الإنسان الماء على سائر جسده، ولو لم يتوضأ، فهذا هو الغسل المجزئ، ويكفي عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر.
الأصل في الخلوة بالمرأة الأجنبية
السؤال: ما قولكم فيمن يقول: إن الأصل في الخلوة بالمرأة الجواز؟الجواب: كما هو معلوم الحديث جاء بالتحريم وبالمنع، وأنه (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)؛ فيعني: الأصل كما هو معلوم هو عدم التكليف، لكن جاء التكليف بالمنع، فماذا يستفيد من قال هذا القول بأن الأصل هو الجواز؟! قد جاءت التكاليف بالمنع، إذاً: العبرة بالمنع لو لم يكن هناك نص، وهنا ورد نص ومن المعلوم أن النص إذا جاء فإنه لا ينظر إلى أصول ولا إلى غيرها، وإنما ينظر إلى النص الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفترة المعينة، يعني: قبل أن يأتي النص. إذاً الأصل هو خلو الذمة من التكاليف، لكن لما جاء التكليف بالمنع والتحريم، مثل حديث (وأنه لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، دل على المنع، ولو قيل: إن الأصل هو هذا، فلا ينفع هذا القائل ذلك القول؛ لأنه قد نقل عن الأصل لو كان ذلك هو الأصل. ثم أيضاً الأصل في الشريعة هو الابتعاد عن كل شيء يؤدي إلى الفاحشة، ويؤدي إلى المضرة، فالأصل هو الابتعاد ودفع الضرر، ومن المعلوم أن الضرر يحصل باختلاط الرجل بالمرأة وخلوه بها، فإن قواعد الشريعة وعمومها تقتضي المنع من ذلك؛ لأن هذا من الضرر المحقق والضرر الواضح، لكن ما يحتاج إلى ذكر أصل موافق للحديث، أو أصل على خلاف ما جاء في الحديث؛ لأن الحديث جاء صريحاً واضحاً في تحريم ذلك، وأن من فعله فإنه يكون الشيطان ثالثهما، ولا شك أن ذلك سبب لفاحشة عظيمة ولجرم عظيم وهو الزنا، ومن المعلوم أن سد الذرائع أصل من أصول الشريعة، وخلو الرجل بالمرأة هو ذريعة إلى ذلك الأمر المحرم، لكن أنا كما قلت: ما نحتاج إلى هذا كله؛ لأن عندنا نصاً صريحاً في الموضوع.
الفرق بين سبحان الله ويا سبحان الله
السؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم قال هنا: سبحان الله! بمعنى التعجب، ولكن بعض الناس يقول: يا سبحان الله! فما الفرق بينهما؟الجواب: سبحان الله يؤتى به على سبيل التعجب، وهو ذكر لله سبحانه وتعالى، ويكون المقصود منه ذكر الله عز وجل بتقديسه وتنزيهه، وأيضاً التعجب. أما كلمة (يا سبحان الله) فما أدري هل جاءت في شيء من النصوص ذكر يا معها؟ ليس نداءً لو جاء، لكن هو معروف على ألسنة الناس، فهل له أصل؟ وهل جاء في نص؟ لا أدري.
مدى جواز دفن الطفل مع المرأة أو الرجل عند الموت معاً
السؤال: يفعل بعض الناس في هذه الأيام أنه لو توفي رجل مع الطفل، أو امرأة مع الطفل، يدفن الطفل مع الرجل أو المرأة، فهل جاء في الشرع؟الجواب: أبداً، ما جاء شيء في دفن الموتى في قبر واحد إلا عند الحاجة؛ يعني: كون القتلى كثيرين ويشق أن يحفر لهم قبور، فيدفن كل اثنين مع بعض، مثل ما حصل في القتلى وفي الشهداء، أنهم يدفنون ويقدم أكثرهم حفظاً للقرآن، والأصل أن كل ميت يدفن على حدة، لكن هؤلاء الذين يفعلون هذا يعتقدون شيئاً ليس له أساس، قالوا: إنه يشفع له أو أنه ينفعه أو أنه يؤنسه، وهذا كله كلام ساقط ما له قيمة، لا يؤنس الإنسان في قبره إلا العمل الصالح، ولا ينفعه في قبره إلا العمل الصالح، لو كان بجواره من هو أصلح الناس ومن هو خير الناس، فما ينفع من يكون في جواره إذا كان مستحقاً للعذاب! لأن نعيم من ينعم لا يصل إلى من يستحق العذاب، ولو كان ملاصقاً له، فهذا يصل إليه النعيم وهذا يصل إليه العذاب، ولا يصل إلى هذا نعيم هذا ولا إلى هذا عذاب هذا.فهذا اعتقاد ليس له أساس، بل هو جهل من فاعله؛ لأن الإيناس وكون الإنسان بجواره رجل صالح أو طفل أو ما إلى ذلك لا ينفعه إذا كان مستحقاً للعذاب؛ لأن عذاب القبر يصل إلى من يستحقه، ولو اتصل بمن هو صالح ومن هو من أهل النعيم.ومن المعلوم أن الله عز وجل أرانا في الدنيا نماذج وشواهد لهذا توضحه وتدل عليه، وذلك فيما يجري في المنام؛ لأن أحوال الروح وما يجري لها في المنام، مثلاً ينام الشخصان في مكان واحد، بل ينام الرجل وأهله تحت لحاف واحد، ثم أحدهما رأى في منامه ما سره، ورأى أنه يأكل مآكل طيبة، ثم يقوم وفم لعابه يسيل، والثاني رأى الوحوش تلاحقه، والحيات تلسعه، ثم يقوم وريقه ناشف، فهذا شيء موجود في الدنيا، فهذا في نعيم ما درى عن هذا، وهذا في عذاب ما درى عن هذا، هذا شيء في الدنيا مشاهد ومعايش بالنسبة للنائمين، الذين يحصل لهم في نومهم رؤى فيها راحة أو رؤى فيها مضرة، فما يحصل في الآخرة من وجود هذا بجوار هذا، لا يصل إلى هذا نعيم هذا، على كل نحن نقول: نفعل ما نستطيع، (اتقوا الله ما استطعتم).
كيفية غسل الرجلين في وضوء الجنابة
السؤال: كيف كان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل اغتساله؟ وهل فيه غسل الرجلين كما هو ظاهر الحديث، أم كان يؤخرهما كما جاءت الروايات؟الجواب : الحديث يدل على أنه يغتسل الغسل الكامل، أو يفهم منه أنه يغتسل الغسل الكامل، وأما وضوءه للصلاة، فقد جاءت بعض الأحاديث أنه يؤخر غسل الرجلين، فيحتمل أن يكون فعل ذلك أحياناً، وأن يكون فعل ذلك أحياناً.
الفرق بين جهالة العين وجهالة الحال
السؤال: ما الفرق بين جهالة العين وجهالة الحال، مع ذكر بعض المراجع؟الجواب: معلوم أن جهالة الحال هي: أن يروي عنه اثنان ولم يوثق، فهو مجهول، ولكن جهالة العين هي: قلة الرواية عنه مع عدم معرفته، وهذا مع معرفة حاله.أما ذكر المراجع فهي مراجع المصطلح؛ لأن الجهالة نوع من أنواع علوم الحديث، فالإنسان يرجع إليها، ويرجع إلى ذلك المبحث في الكتب المختلفة في المصطلح المختصرة والمطولة؛ لأنها تتكلم عن الجهالة بنوعيها العين والحال، وأنا ما أعرف مؤلفاً خاصاً بالجهالة حتى أدل عليه، ولكن أدل على كتب المصطلح.
حكم غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بعد النوم
السؤال: هل غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء واجب بعد النوم؟الجواب: جمهور العلماء على أنه مستحب، ومنهم من قال بوجوبه، منهم الإمام أحمد.
كيفية إتمام صلاة الجنازة للمسبوق
السؤال: إذا أدرك المصلي التكبيرة الثانية أو الثالثة من صلاة الجنازة فماذا يفعل بعد تسليم الإمام؟الجواب: يفعل كما قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)؛ يعني: صلاة الجنازة مثل الصلوات الأخرى، والإنسان يدخل في أثنائها وما أدركه يفعله، وما لم يدركه يأت به، لكن يأتي به بدون إطالة بعد سلام الإمام؛ لأن بعد سلام الإمام تحمل الجنازة ولا تبقى في مكانها، فهو يأتي بالتكبيرات، وإذا دعا معها دعاء قصيراً بينها؛ لأن الأصل في صلاة الجنازة هو الدعاء للميت، وذكر الحمد لله والصلاة على الرسول بين يدي الدعاء تمهيد؛ لأن من أسباب قبول الدعاء أن يسبق بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، فهذا من أسباب قبول الدعاء، ولهذا جاء في الحديث الذي دعا فقال عليه السلام: (عجل هذا)؛ لأنه لم يحمد الله، ولم يصل على رسوله، فذكر مشروعية قراءة الفاتحة، وهي حمد لله وثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك الدعاء فهذا هو تمهيد، وهي من أسباب قبول الدعاء، فالمهم هو الدعاء، فإذا أمكن الإنسان أن يقرأ الفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو، فإنه يفعل ذلك، أما إذا كان الوقت لا يتسع، فإنه لا يشتغل بالفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يذهب المقصود الذي هو الدعاء، فإنه لا يأتي إلا بالدعاء رأساً؛ لأن هذا هو المقصود من صلاة الجنازة، وهي داخلة في عموم قوله: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، يكبر الإنسان بعد سلام الإمام ما بقي عليه من التكبيرات، ثم يسلم.
حكم من أحدث أثناء الغسل بعد الوضوء
السؤال: هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الحكم إذا أحدث أثناء الغسل؟الجواب: إن الغسل المجزئ الذي لا وضوء معه يكفي عن الوضوء إذا أُريد به رفع الحدثين، وإذا أحدث في أثناء الغسل كما هو معلوم يعتبر عليه أنه يعيد الاغتسال، ولا يرتفع إلا مع وجود الوضوء، أو مع وجود الغسل المجزئ، فإذا كان أحدث في أثنائه فلا يقال: إنه يكفيه عن الوضوء، وأنه قد حصل منه رفع الحدث الذي هو الأصغر.
مدى جواز قول الشعر وإنشاده
السؤال: كتبت بعض أبيات الرجز، فقيل لي: إن الأولى ترك الشعر، فحلفت ألا أقول الشعر مرة أخرى ثلاث مرات، وأنا عندي ميول لقول الرجز، فماذا أفعل؟الجواب: الشعر جائز، إنشاده وقوله، وإنشاده إذا كان سليماً ليس فيه محظور، ولا بأس به، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعنى به، وأن يشتغل به، أي: يكون شغله الشاغل بل ينبغي له أن يعنى بما هو أهم، وبما فائدته محققة، وبما يكون الإنسان إذا فعله على خير، كالاعتناء بالقرآن، والاعتناء بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والشعر في حد ذاته إنشاده سائغ إذا كان سليماً، لكن لا ينبغي أن يشتغل به عما هو أهم منه، وإذا حصل ذكره أو الاشتغال به في بعض الأحيان، فإنه يكون في جمع بين المصالح وابتعاد عن المحذور، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه -يعني: حتى يمتلئ- خير من أن يمتلئ شعراً).فهذا فيه بيان أن الاشتغال بالشعر وإضاعة الوقت فيه أن فيه مضرة، وأن الاشتغال بما هو أهم منه هو الذي ينبغي، وهذا إذا كان سليماً، أما إذا كان سيئاً فبيت واحد منه يعتبر سيئاً ما يحتاج إلى أنه يمتلئ جوفه، أو أنه يفيد الكثرة، وإنما هذا فيما إذا كان سليماً، أما إذا كان سيئاً وكان قبيحاً، فالبيت الواحد منه يكفي السوء، ويكفي الذنب، لكن هذا الذي جاء في الحديث هو الشعر السليم، وذلك لما فيه من الاشتغال عما هو أهم منه.
الجمع بين حث الشرع بالتداوي وفضل من لم يسترقِ
السؤال: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل معه شفاء)، إلى أن قال: (فيا عباد الله تداووا)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ندب إلى ترك التداوي، وفي الحديث الأول ندب إليه، فكيف نجمع بين هذين الحديثين؟الجواب : ليس في حديث السبعين ألفاً ندب إلى ترك التداوي، وإنما تنبيه إلى بعض الأمور التي تركها فيه فائدة، وليس فيه منع التداوي مطلقاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم تداوى، لكن الاكتواء والاسترقاء هذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أباح الكي، والكي كما هو معلوم هو عذاب، والإنسان يفعله من أجل أن يحصل خير، فقد يفعله ولا يحصل فائدة من وراءه، وإنما يحصل ذلك العذاب الذي هو العذاب بالنار بكونه يكتوي، فالفائدة فيه غير محققة، ثم أيضاً فيه أذى، وأذى حاصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن من صفات السبعين ألفاً أنهم ما كانوا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يسترقون.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:09 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(76)
- (باب ترك الوضوء من بعد الغسل) إلى (باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب)
يجزئ غسل الرجل جسده عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر، كما يجوز تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل، وإذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب فإنه يغسل يديه، وإذا أراد أن ينام فليتوضأ.
ترك الوضوء بعد الغسل
شرح حديث: (كان رسول الله لا يتوضأ بعد الغسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء بعد الغسل.أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم أخبرنا أبي عن الحسن عن أبي إسحاق (ح) وأخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل)].يقول النسائي رحمه الله: باب ترك الوضوء بعد الغسل. وهذه الترجمة يراد بها أن الإنسان عندما يغتسل للجنابة فيتوضأ أولاً قبل الاغتسال، ثم يغتسل بعده، وهذا هو الغسل الكامل، أو أنه يغتسل دون أن يتوضأ، بحيث يفيض الماء على سائر جسده، وينوي بذلك رفع الحدث الأكبر والأصغر، فيكون الإنسان بذلك متطهراً من الحدثين الأكبر والأصغر، فلا يحتاج بعد الاغتسال إلى وضوء؛ لأنه حصل بذلك الطهارة الكاملة، ولا يحتاج الإنسان بعد ذلك إلى وضوء، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ أولاً ثم يغتسل، ولا يعيد الوضوء بعد الغسل، وهذا هو المقصود من قوله: باب ترك الوضوء بعد الغسل.وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل ) وإنما يتوضأ قبله؛ أي: إنما كان يتوضأ قبل الغسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله لا يتوضأ بعد الغسل)
قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].وهو الكوفي الأودي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه .[أخبرنا أبي].وهو عثمان بن حكيم بن ذبيان الأودي الكوفي، وهو مقبول، خرج له النسائي وحده.[عن الحسن].وهو الحسن بن صالح بن حي، وحي هو حي بن شفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو أخو علي بن صالح بن حي.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي السبيعي، وسبيع هم من همدان، فينسب نسبة عامة، ونسبة خاصة، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة وهي السبيعي؛ لأن السبيعي نسبة إلى سبيع، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ح، وأخبرنا عمرو بن علي].ثم حول الإسناد فأتى بـ(ح) التحويل وقال: أخبرنا عمرو بن علي، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن حرف (ح) الذي يأتي في أثناء الأسانيد هو دال على التحول من إسناد إلى إسناد، والانتقال من إسناد إلى إسناد؛ لأن النسائي بدأ بالإسناد من واحد من شيوخه، وقطع فيه شوطاً بحيث أنه مضى فيه، ثم إنه بعد ذلك عاد ورجع من جديد وأتى بشيخ آخر أسند إليه الحديث، ثم يلتقي الإسنادان في موضع، ثم يستمران من طريق واحد، فهو منطلق من النسائي في طريقين، ثم تلتقي الطريقان عند شخص معين، ثم بعد ذلك تستمران فتكونان طريقة واحدة إلى نهايته، فهذا هو التحول من إسناد إلى إسناد، والانتقال من إسناد إلى إسناد فائدته أن يُعلم أن فيه تحول، وأن يستشعر القارئ والناظر والسامع أن فيه تحول من إسناد إلى إسناد.وأما عمرو بن علي فهو: عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو ناقد، وكلامه في الرجال كثير.[حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي الإمام، المحدث، الثقة، المشهور، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا شريك].وهو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه عند الجماعة إلا الترمذي فلم يخرج له في سننه، وإنما خرج له في كتابه الشمائل، وتغير حفظه لما ولي القضاء، وكما هو معلوم ليس الإسناد له وحده، بل هو مقرون، وغيره قد روى ذلك بهذا الإسناد.إذاً: الحسن بن صالح يروي عن أبي إسحاق، وشريك يروي عن أبي إسحاق السبيعي، فهما يلتقيان عند أبي إسحاق السبيعي، فالطريقة الأولى: أحمد بن عثمان بن حكيم عن أبيه عثمان بن حكيم عن الحسن بن صالح عن أبي إسحاق، يعني: ثلاثة بين النسائي وبين أبي إسحاق السبيعي، والطريق الثاني: عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدي عن شريك عن أبي إسحاق، والطريق الثانية ثلاثة ايضاً، ثم تلتقي الطريقان عند أبي إسحاق، وتكون طريقاً واحدة إلى نهايتها، فهي تأتي من عند النسائي من فرعين أو طريقين، ثم تتوحد وتصبح طريقاً واحدة إلى نهايتها.[عن الأسود].وهو الأسود بن يزيد النخعي المعروف، الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، مخضرم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].وعائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، المكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي أحد السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، ولم ترو امرأة من النساء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما روت عائشة أم المؤمنين من الحديث رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه
شرح حديث ميمونة في غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا عيسى عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حدثتني خالتي ميمونة قالت: (أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل بيمينه في الإناء فأفرغ بها على فرجه، ثم غسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه، قالت رضي الله عنها: ثم أتيته بالمنديل فرده)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: غسل الرجلين في مكان غير المكان الذي يغتسل فيه من الجنابة. المراد من هذه الترجمة: أنه يغسل رجليه أولاً ثم يتوضأ ثم يغتسل، وبعد ذلك يغسل رجليه بعد أن يتنحى عن المكان الذي اغتسل فيه، وقد أورد النسائي حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها (أنها أدنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله) وهو الماء الذي يغتسل فيه، فأفرغ على يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أخذ بيمينه ماء وغسل به فرجه باليد اليسرى، (ثم دلك يده اليسرى بالأرض دلكاً شديداً) يعني: بعدما غسل بها فرجه؛ حتى يذهب ما علق بها، ثم بعد ذلك توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم تنحى وغسل رجليه، ثم قالت: (أعطيته المنديل فرده) يعني: ما أخذ المنديل وتنشف فيه واستعمله، وإنما تركه ولم يفعل ذلك.والحديث شاهد لما ترجم له وهو أن غسل الرجلين يؤخر، وأنه يغسل في مكان غير المكان الذي اغتسل فيه.وقد قال بعض العلماء: إن هذا الحديث دل على أن غسل الرجلين غسل آخر غير الوضوء للصلاة، وأنه يكون بهذا توضأ وضوءه للصلاة، ومن ذلك غسل الرجلين، ثم بعد ذلك اغتسل ثم غسل رجليه، فيكون غسل الرجلين شيء آخر غير الوضوء، ولكن جاء في بعض الروايات عند البخاري في حديث ميمونة أن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة، وأخر غسل الرجلين، وبعدما فرغ من الاغتسال غسل رجليه، فيكون الحديث في البخاري موضحاً، ومفصلًا لما جاء في هذه الرواية من أن الوضوء هو ما عدا غسل الرجلين، وأن غسل الرجلين يكون في الآخر.ومن العلماء من قال: إنه جاء في بعض الأحاديث أنه توضأ وضوءه للصلاة، وما ذكر غسل الرجلين فيما بعد، قالوا: فيحمل على أنه فعل ذلك في بعض الأحيان، أو يحمل على أن الغسل الثاني غير الغسل للوضوء، وإنما كان لإزالة ما قد يعلق بها من مكان الاغتسال، أو في مكان الاغتسال، ولكن هذا الحديث الذي معنا هو حديث ميمونة قد جاء في البخاري التوضيح والتفصيل، وأنه توضأ وضوءه للصلاة، وأخر غسل رجليه، وأنه عندما فرغ من الاغتسال غسل رجليه.ولهذا استحب كثير من العلماء أن يكون الغسل على هذه الطريقة وهي: أن يتوضأ أولاً ويبقي غسل الرجلين، ثم إذا فرغ من اغتساله فإنه يغسل رجليه في الآخر. وقولها: (فرد المنديل).أي: ترك المنديل، وعدم أخذه المنديل لا يدل على تحريمه، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على استعماله، فيكون تركه ليس للتحريم، وإنما للإشارة إلى أنه الأولى.
تراجم رجال إسناد حديث ميمونة في غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[أخبرنا عيسى].وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو أخو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب يلقب به، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره في اللقب كثيراً، وكما يأتي ذكره بالنسب سليمان بن مهران أو سليمان، فيأتي هكذا ويأتي هكذا، وفائدة معرفة ألقاب المسمين وألقاب المحدثين أن لا يظن الشخص الواحد شخصين وذلك فيما لو ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن الذي لا يعرف يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران، ولو جاء سليمان بن مهران في إسناد، ثم جاء الأعمش في إسناد آخر فإنه يظن أن سليمان هذا غير الأعمش، وهو هو. فإذاً: فائدة معرفة ألقاب المحدثين دفع توهم أن يكون الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.[عن سالم].وهو: ابن أبي الجعد وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة، وهنا غير منسوب ولكنه نسب في الإسناد عند البخاري، فقال: علي بن أبي الجعد.[عن كريب].وهو كريب بن أبي مسلم المدني مولى ابن عباس وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس]. هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبر الأمة، وترجمان القرآن، العالم بتفسيره، والذي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يحضره في مجالس كبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما راجعه بعضهم وقال: إن لنا أولاداً مثله، فكيف تحضره ولا نحضر أولادنا؟! فبين لهم ما عنده من العلم، وما عنده من الفهم، وسأله بحضرتهم سؤالاً أجاب فيه بجواب اعتبروا جوابه سديداً، واعتبروه فاهماً، وعند ذلك تبين لهم السر الذي من أجله كان عمر يدنيه ويقربه.وكان سؤاله إياه وهم موجودون في سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، ما المراد بها؟ فأجابوه بأنه إذا حصل النصر فإنه يشكر الله عز وجل، ويسبح الله تعالى ويحمده، ثم سأل ابن عباس فقال: إن هذا إيذان بقرب أجله، وأن هذا إشعار بأن أجله قريب، وأنه أمر بأن يسبح الله تعالى ويستغفره، ولهذا جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها قالت: ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن )؛ يعني: ينفذ ما أمر به في القرآن من كونه أمر بالتسبيح وأمر بالاستغفار، فكان ذلك إيذاناً بقرب أجله، ودنو أجله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من فهم ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وكنيته أبو العباس، ويقال: إنه ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا شخصين وهما: ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي، وابن عباس هو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم عن ألف حديث، وكثير من أحاديثه من مراسيل الصحابة؛ لأنه يروي عن الصحابة، ولكنه سمع كثيراً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون واسطة، وكثير منه يكون بواسطة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.[عن ميمونة].وهي خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية. وأم ابن عباس هي لبابة بنت الحارث الهلالية أم الفضل، فـميمونة أخت لبابة، ولبابة هي أم أولاد العباس.
ترك المنديل بعد الغسل
شرح حديث: (أن النبي اغتسل فأتي بمنديل فلم يمسه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك المنديل بعد الغسل.أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن إدريس عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل فأتي بمنديل فلم يمسه، وجعل يقول بالماء هكذا)].أورد النسائي باب: ترك المنديل بعد الغسل، وأورد فيه حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل فأتي بمنديل فلم يمسه، وجعل يقول بيده هكذا؛ يعني: ينفض الماء بيديه، وهو دال على ما دل عليه حديث ميمونة الذي قبل هذا.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي اغتسل فأتي بمنديل فلم يمسه...)
قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم].هو محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله بن إدريس].هو عبد الله بن إدريس الأودي وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران، وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[عن سالم].وهو ابن أبي الجعد وقد مر.[عن كريب عن ابن عباس].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبله.
وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل
شرح حديث: (كان النبي إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب عن شعبة، (ح) وأخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى وعبد الرحمن عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم -وقال عمرو: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ، زاد عمرو في حديثه: وضوءه للصلاة )].ثم أورد النسائي رحمه الله: هذه الترجمة وهي: باب وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل. أي: كونه يكون متوضئاً، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن ينام أو أراد أن يأكل فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة، أي: حتى يخفف من الحدث، وحتى يذهب ذلك الذي أصابه بسبب الجنابة، فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب فإنه يتوضأ، وجاء في بعض الأحاديث أنه أحياناً يكتفي إذا أراد أن يأكل بغسل اليدين كما سيأتي، فقد جاء عنه هذا، وجاء عنه هذا، وأنه كان يغسل يديه، وجاء أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، والحديث الذي معنا: أنه كان يتوضأ، يعني: إذا أراد أن يأكل، وكذلك إذا أراد أن ينام، فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب توضأ)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سفيان بن حبيب].هو سفيان بن حبيب ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[(ح) وأخبرنا عمرو بن علي].أتى بـ(ح) التحويل فقال (ح) وأخبرنا عمرو بن علي، وهو: الفلاس الذي مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى، وعبد الرحمن].أي: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي وهما ثقتان، إمامان في الجرح والتعديل، وهما اللذان قال فيهما الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: وإنهما إذا اجتمعا على جرح شخص لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما أصابا الهدف، وحديثهما عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهنا التقى الإسنادان، الإسناد الأول: حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، والإسناد الثاني: عمرو بن علي عن يحيى، وعبد الرحمن عن شعبة، والإسنادان متساويان؛ يعني: ليس بعضهما أعلى من بعض، متساويان بين النسائي وبين شعبة في كل منهما اثنان.[عن الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن إبراهيم].وهو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي المحدث، الفقيه، المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى أن ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) عندما جاء عند ذكر حديث الذباب كونه يغمس في الإناء، وأنه يموت بسبب الغمس، وأنه إذا مات لا يؤثر موته في الماء، قال: إن كل ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، مثل: الذباب، والجراد، والحيوانات التي ليس فيها دم، فهذه يعبر عنها بما لا نفس له سائلة، فقال: إن أول من عرف عنه أنه عبر بهذه العبارة وهي: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.وقد جاء في (كتاب الروح) له أنه عندما جاء عند ذكر النفس، والروح، والفرق بينهما، وأن الروح تطلق بمعنى النفس وهي الروح التي فيها حياة الإنسان، والتي إذا نزعت وقبضت مات، فيقال لها: نفس، ويقال لها: روح، وتطلق الروح على أمور لا تطلق عليها النفس، والنفس على أمور لا تطلق عليها الروح؛ لأن الروح يطلق على جبريل، ويطلق على القرآن، ويطلق إطلاقات أخرى، والنفس تطلق على الدم، فقد جاء عنه في كتابه الروح عند ذكر النفس، قال: كما جاء في الحديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وهو ليس بحديث أو لفظ حديث، وفي كتابه زاد المعاد قال: إن أول من عبر بهذه العبارة: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي، وهذا يدلنا على أن كتاب الروح فيه أشياء مثل: المنامات، وأشياء تدل على أن تأليفه متقدم، وأن كتابه زاد المعاد فيه التحقيق والتدقيق حيث قال إن أول من حفظ عنه في الإسلام هذه العبارة هو إبراهيم النخعي.[عن الأسود].وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي وهو مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.مداخلة: يقال: إن إبراهيم بن يزيد النخعي، والأسود بن يزيد النخعي أخوان.الشيخ: لا، فـإبراهيم بن يزيد النخعي خاله الأسود بن يزيد.[عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين، وقد مر ذكرها.وهذا الحديث المتقدم الذي رواه النسائي عن شيخين، وهما: عمرو بن علي وحميد بن مسعدة فقال: إن حميد بن مسعدة رواه (كان النبي صلى الله عليه وسلم). وأما عمرو بن علي يقول: (كان رسول الله) فالفرق بينهما أن هذا عبر عندما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف النبوة، وهذا ذكره بوصف الرسالة، وأن هذا هو تعبير هذا، وهذا هو تعبير هذا، وقد اختلف العلماء هل للراوي أن يبدل النبي مكان الرسول فيما إذا أضاف الحديث إليه؟فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، وهنا النسائي بين الفرق بين شيخيه، وأن واحداً منهما عبر بلفظ النبي، والآخر عبر بلفظ الرسول، وسبق أن مر نظير ذلك في حديث فيه الصنابحي، وفيه ذكر النبي والرسول، فالتعبير بالنبي عند أحد الشيوخ، والتعبير بالرسول عند أحدهم.وقد اتفقا على أنه توضأ، ولكن عمرو بن علي أضاف إلى ذلك وضوءه للصلاة، وهذه ليست عند حميد بن مسعدة.
اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل
شرح حديث عائشة في غسل النبي يديه إذا أراد أن يأكل وهو جنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل.حدثنا محمد بن عبيد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أرد أن يأكل. فأورد فيه حديث عائشة وهو: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه )، فهو دال على الاكتفاء بغسل اليدين، والحديث الذي تقدم يدل على الوضوء؛ وهذا الحديث الذي في الترجمة يدل على اكتفاء الرسول صلى الله عليه وسلم بغسل يديه في بعض الأحيان، والحديث الثاني يدل على أنه في بعض الأحيان يتوضأ إذا أراد أن يأكل، فهو أكمل وأحسن.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في غسل النبي يديه إذا أراد أن يأكل وهو جنب
قوله: [حدثنا محمد بن عبيد بن محمد].هو محمد بن عبيد بن محمد المحاربي وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي، والترمذي.[حدثنا عبد الله بن المبارك].هو عبد الله بن المبارك المحدث، الفقيه، المشهور، الذي قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب بعد أن ذكر صفاته، قال: إنه ثقة، حجة، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يونس].هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، جاء ذكره كثيراً، وهو مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال الثلاثة؛ لأن ستة منهم متفق على عدهم، وواحد اختلف فيه، فمنهم من قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، ومنهم من قال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومنهم من قال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.قوله: [عن عائشة].وقد مر ذكرها.
اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب
شرح حديث عائشة في غسل النبي يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم يأكل أو يشرب)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب اقتصار الجنب على غسل اليدين إذا أراد أن يأكل أو يشرب. وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها الدال على هذا، وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه ثم أكل أو شرب).
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في غسل النبي يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك، خرج له أصحاب الكتب الستة.والبقية مثل الإسناد الأخير.
الأسئلة
معنى كلمة (مقبول) عند أهل الحديث
السؤال: يا شيخ! ما صحة قول القائل: إن كلمة (مقبول) تستعمل عند أهل الفن في الحديث المقبول قبولاً عاماً، وهو الشامل للصحيح والحسن وما بينهما، وما يقرب من الحسن؟ الجواب: هذا صحيح؛ لأن عندما يأتون بهذا المصطلح -كما عند بعض المؤلفين- يأتون بالمقبول والمردود، فيبدءون بالمقبول ويذكرون تحته كل ما يدخل تحت المقبول، ثم يأتون بالمردود ويذكرون تحته كل ما يكون مردوداً، وهذا هو الذي فعله ابن حجر في نخبة الفكر، فإنه ذكر أولاً المقبول، ثم ذكر تحته كل ما يكون مقبولاً؛ الصحيح والحسن وأقسامهما، ثم ذكر المردود وذكر الأنواع التي تدخل تحت المردود، فهذا يستعمل، وهذا حاصل وواقع، ولكن كلمة (المقبول) عندما يقولونها عند بيان حال شخص فإن لها معنىً خاصاً، وهو الذي يقبل حديثه إذا توبع، فيحتاج إلى من يسنده ويعضده ويؤيده، وهذا عند الحافظ، وما أدري عن غيره.
درجة حديث الراوي المقبول
السؤال: من قيل فيه إن حديثه مقبول أو إنه مقبول فما درجة حديثه من حيث الصحة والضعف؟الجواب: هذا قد سبق، وقد أجبت عليه في السؤال الذي قبله؛ أنه يقبل ويعتمد إذا اعتضد، وإذا وجد ما يعضده ويؤيده.
كيفية ترتيب أهل السنن الثلاثة
السؤال: ما هو ترتيب السنن الثلاثة: سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي؟ وهل اختياركم لتدريس النسائي يدل على تقديمه على الكتابين؟الجواب : الكتب الثلاثة أو الأربعة معلوم أن ابن ماجه هو مؤخر عنها جميعاً، فهو آخرها لا يقدم على شيء منها، بل من العلماء من لم يجعله سادس الكتب الستة، وإنما جعل سنن الدارمي بدلاً منه، ومنهم من يجعل الموطأ هو السادس، والقول بأنه السابع هو أحد الأقوال، ولكن اعتبر عند الأكثرين سادس الكتب الستة؛ لكثرة زوائده عليها، وذلك أن فيه أحاديث زائدة تبلغ ألف وثلاثمائة وكسر، فلكثرة زوائده اعتبروه سابع الكتب. فإذاً: هو آخرها.وأما الثلاثة فمن العلماء من يقدم أبا داود، ومنهم من يقدم الترمذي، والذي جرى عليه ابن حجر، وجرى عليه أصحاب الأطراف، أو أصحاب التراجم من التهذيب وما تفرع عنه فإنهم يرتبونها بدءاً بـأبي داود ثم الترمذي ثم النسائي ثم ابن ماجه؛ يعني: عندما تأتي الرموز في التقريب، وفي تهذيب التهذيب، وفي تهذيب تهذيب التهذيب تأتي الرموز هكذا بعد البخاري، ومسلم: أبو داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجه ، ومن العلماء من يقدم النسائي؛ وذلك لقلة الأحاديث الضعيفة فيه، ولكون صاحبه ترك الرواية عن أشخاص قد خرج لهم في الصحيحين، فلشدة تحريه وشدة انتقائه واختياره قدموه على غيره. وأما أنا فلم أقدمه لأنه أرجح من غيره أو لأنه أولى من غيره، ولكني قدمته لأنه يشبه البخاري في كثرة التراجم، وكثرة الأبواب، وأن تراجمه تدل على فقهه، وتدل على فوائده، وهو يشبه البخاري.
عدم حمل عنعنة بعض المدلسين على الانقطاع في بعض الأسانيد في النسائي
السؤال: مر في بعض الأسانيد عنعنة بعض المدلسين، مثل الأعمش، وأبي إسحاق السبيعي فلماذا لم نحمله على الانقطاع؟الجواب : الحمل على الانقطاع إنما يكون فيما إذا لم يحصل فيه شيء يؤيده ويعضده، وكان الحديث لا يعرف إلا من ذلك الطريق، ولم يوجد إلا بالعنعنة، وأما إذا جاء معنعناً وقد وجد أسانيد أخرى تؤيده، وأحاديث أخرى تؤيده فإن ذلك لا يؤثر ولو كان بالعنعنة.
مقارنة بين ألفية السيوطي وألفية العراقي
السؤال: أيهما أقوى وأفضل ألفية السيوطي أم العراقي؟الجواب: ألفية السيوطي أشمل وأوفى من ألفية العراقي؛ لأن السيوطي قال: إنه أتى بما في ألفية العراقي وزاد عليها، وقال في مقدمتها:فائقة ألفية العراقيفي الجمع والإيجاز واتساقما أذكر البيت، لكن من ناحية الإيجاز كما ذكرت من قبل، فالأبيات هي مثل الأبيات ألف ألف، لكن فيها زيادات، فصارت مع كون أبياتها تساوي أبيات ألفية العراقي إلا أن فيها زيادات ليست في ألفية العراقي، والشيخ أحمد شاكر رحمه الله لما علق على ألفية السيوطي ووضع أقواساً على بعض الأبيات أو على أجزاء من الأبيات، فهذه علامة زيادة السيوطي على العراقي؛ أي أن الإنسان إذا قرأ ألفية السيوطي بعمل أحمد شاكر يجد في بعض الأبيات أقواساً أو في بعض الجمل عليها أقواس، فهذه الأقواس علامة لزيادة السيوطي على العراقي.وهنا قال:فائقة ألفية العراقيفي الجمع والإيجاز واتساقأي: سهلة، ونضمها سهل، وواضحة، وسلسة. وفيها زيادات على ألفية العراقي.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:13 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(77)
- (باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام) إلى (باب إتيان النساء قبل إحداث الغسل)
يشرع الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام، وكذلك لمن أراد أن يعاود الجماع، ويجوز الطواف على الزوجات قبل الغسل من الجنابة، ويستحب أن يتخلل ذلك وضوء لكل جماع.
وضوء الجنب إذا أراد أن ينام
شرح حديث: (إن رسول الله كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: وضوء الجنب إذا أراد أن ينام.أخبرنا قتيبة بن سعيد نا الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام.أي: أن مقصوده من هذه الترجمة كما هو واضح منها أن الجنب إذا أراد أن ينام دون أن يغتسل، فإن عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة لينام، وقد غسل فرجه، وأزال ما حصل من التلوث، وما حصل من التلطخ الذي حصل بسبب الجماع في ذكره وما حوله، فإنه يتوضأ ويغسل فرجه وينام، والجنابة لا تزال باقية؛ ولكنه حصل تخفيف لها، وذلك بغسل بعض أجزاء الجسد التي هي أعضاء الوضوء، وكذلك أيضاً ما يسبق الوضوء من غسل الفرج، وغسل ما علق وأصاب من أثر الجماع.ثم أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها: وهو دال على ما ترجم له وواضح الدلالة على أن الجنب إذا أراد أن ينام فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، الثقة، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[نا الليث].هنا اختصرها وأتى بـ(نا)، والمقصود من (نا) إذا جاءت فهي اختصار لحدثنا، وليست لأخبرنا، وهي تخص هذه الصيغة فقط، فيقال: (نا)، ويقال: (ثنا)؛ ويقال: (دثنا)؛ يعني: ثلاث صيغ، و(نا) هي اختصار لها ورمز لها؛ أي: لحدثنا، وليست لأخبرنا، وهذه إحدى الصيغتين اللتين يحصل فيهما الاختصار، والرمز لهما بحرف أو أكثر يدل على الصيغة، فـ(نا) اختصار لحدثنا، وليست لأخبرنا، وعلى ذكر الثاء مع نا، وعلى ذكر الدال مع الثاء ونا.وكذلك الصيغة (أخبرنا) فإنها تختصر أيضاً، ويأتي اختصارها على عدة صيغ، وكثيراً ما يأتي: بـ(أنا) الهمزة ونا، فهي اختصار لأخبرنا، وتأتي بصيغ أخرى، أي: أرنا، وغير ذلك.أما غيرها من الصيغ، فإنها لا تختصر، وإنما الاختصار لهاتين الصيغتين، فأنبأنا لا تختصر، وغيرها من الصيغ لا تختصر، وإنما الاختصار والرمز يكون لهاتين الصيغتين، وهي: حدثنا، وأخبرنا.والليث بن سعد المصري هو الإمام، الحجة، المحدث، الفقيه، المشهور، فقيه مصر ومحدثها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً، وهو محدث، مشهور، وفقيه، ومكثر من رواية الحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، فقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وهؤلاء الثلاثة هم الذين اختلف في جعل واحد منهم السابع.وأما الستة الباقون فلا خلاف في عدهم في فقهاء المدينة السبعة، وهم الذين جمعوا في بيتين ذكرهما ابن القيم في أول إعلام الموقعين، ولا أدري هل هما من إنشائه أو من إنشاده وهما لغيره؟ وهما: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن علم خارجهفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجه[عن عائشة].وعائشة هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، المكثرة من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي أحد السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث ابن عمر في نوم الجنب بعد أن يتوضأ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر: أن أباه عمر رضي الله تعالى عنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ)، يعني: نعم، إذا توضأ ينام وهو جنب، وهو شاهد للترجمة، وهو دال عليها، إذاً: ففيها حديث عائشة، وفيها حديث عبد الله بن عمر، والحديث من مسند عبد الله بن عمر، وليس من مسند عمر؛ لأنه يحكي أن أباه حصل منه كذا وكذا، فهو مسند للحديث، وليس راوياً عن أبيه عمر، فالواضح منه والظاهر أنه من مسند عبد الله بن عمر؛ لأنه قال: أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ).
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في نوم الجنب بعد أن يتوضأ
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو عبيد الله بن سعيد، قال عنه الحافظ: إنه ثقة، مأمون، سني، وهو السرخسي، وقيل: إنه أظهر السنة في بلاده، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.[حدثنا يحيى].وهو يحيى بن سعيد القطان، المشهور، المحدث، الثقة، العلم، الذي هو إمام ناقد، وهو من أئمة الجرح والتعديل، ومكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: عبيد الله العمري المصغر، الثقة، والمكبر أخوه عبد الله هو الضعيف، ولهذا يقال له: المصغر حتى يُميز بينه وبين أخيه عبد الله المكبر، وهو ثقة، حديثه عن أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أنه أحد الفقهاء السبعة، وهو مدني، فلا أدري وجه عده في الفقهاء السبعة، وكونه من الفقهاء السبعة؛ لأن الفقهاء السبعة المعروفون هم الذين ذكرتهم فيما مضى، والذين جمعهم ابن القيم، والخلاف إنما هو في السابع، وليس فيه ذكر عبيد الله هذا.[أخبرني نافع].هو مولى عبد الله بن عمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السلسلة الذهبية التي يقول الإمام البخاري: إنها أصح الأسانيد؛ لأن أصح الأسانيد عند البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر، إذاً فـنافع ثقة، وهو القمة في الثقة.[عن عبد الله بن عمر].هو عبد الله بن عمر الصحابي الجليل المشهور، المعروف بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام
شرح حديث ابن عمر في غسل الجنب ذكره ووضوئه إذا أراد أن ينام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (ذكر عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ واغسل ذكرك ثم نم)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب وضوء الجنب وغسل ذكره قبل أن ينام.وقد أتى بها من أجل أن الوضوء الذي يتوضؤه الجنب، إذا أراد أن ينام يسبقه ويكون معه غسل ذكره؛ بمعنى أن الشيء الذي تلوث والذي حصل بسبب الجماع، وما علق بالذكر وما علق بما حوله فإنه يزال بالماء وينظف بالماء، هذا هو الذي أورد الترجمة من أجله، وأورد حديث عبد الله بن عمر في قصة سؤال أبيه عمر رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم عن كون الإنسان تصيبه الجنابة من الليل، أي: في الليل، فهل ينام وهو جنب؟ قال: (يتوضأ، ويغسل ذكره).وذكر غسل الذكر بعد الوضوء ليس معنى ذلك أن الغسل بعد الوضوء لأن الغسل للذكر يكون قبل الوضوء كما يكون في الاستنجاء، عندما يقضي الإنسان حاجته يستنجي، ثم يتوضأ؛ لأنه لو توضأ ولامس ذكره ليستنجي أو ليغسله، فإنه ينتقض وضوءه؛ لأن مس الذكر من نواقض الوضوء.إذاً: يكون ذلك قبل، ولهذا فإن الواو هنا لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيباً، وقد يكون المتأخر حقه التقديم، وقد يكون المتقدم حقه التأخير، وهنا المتأخر حقه أن يقدم، ولا يصح إلا أن يقدم؛ لأنه لو أُخر لما كان للوضوء فائدة؛ لأن الوضوء قد انتقض بمس الذكر، إذاً: يغسل ذكره ويتوضأ، هذا هو الترتيب الصحيح الذي يسلم الوضوء من الانتقاض وهو أن يقدم غسل الذكر على الوضوء حتى يبقى الوضوء على حاله.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في غسل الجنب ذكره ووضوئه إذا أراد أن ينام
قوله: [أخبرنا قتيبة]. مر ذكره قريباً.[عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، العلم، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن دينار]. هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمر]. وقد مر ذكره في الإسناد السابق، وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه رباعي، ليس بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أشخاص، لأن فيه قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، والنسائي توفي سنة ثلاثمائة وثلاث من الهجرة، فكان هذا الإسناد من أعالي أسانيده، وقد مر بنا بعض الأسانيد التي هي من هذا القبيل، التي تعتبر عالية.
في الجنب إذا لم يتوضأ
شرح حديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب إذا لم يتوضأ.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا هشام بن عبد الملك أخبرنا شعبة ح وأخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن شعبة واللفظ له عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن عبد الله بن نجي عن أبيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الجنب إذا لم يتوضأ.يعني: إذا بقي على جنابته ونام ولم يتوضأ، فقد أورد فيه النسائي حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب).فمقصوده من ذلك قوله: (ولا جنب)، وقال هنا في الترجمة: (إذا لم يتوضأ)؛ ومعنى هذا: أنه إذا توضأ فإن الأمر يخف، والجنابة طبعاً لا تزال باقية، ولم تنته، ولكن حصل تخفيفها، وهذا الحديث لفظه: (أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، ولا جنب)، ويقتضي هذا أن الإنسان إذا كان جنباً فإن الملائكة لا تدخل ذلك البيت الذي فيه، لكن الحديث ليس فيه ذكر الوضوء وعدم الوضوء، وإنما ذكره النسائي ليبين أن البقاء على الجنابة مذموم، وهي التي لا يكون معها وضوء، أما إذا وجد معها وضوء، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نام وقد توضأ وهو جنب.فإذاً: ليس على إطلاقه في أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب.والحديث فيه كلام من حيث أن نجي الذي في إسناده هو مقبول، ولا يحتج بالمقبول إلا إذا توبع، ثم أيضاً هو معارض لما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم يكون أحياناً على جنابة، لكنه يخففها بالوضوء، ومن المعلوم أن الجنابة لا تزال باقية، فلا يقال: إن الجنابة قد ذهبت، ومن المعلوم أن كونه ينام وقد توضأ دون أن يغتسل، والجنابة باقية هذا هو الثابت، وهذا هو الصحيح والذي لا إشكال فيه، وقد جاءت بذلك الأسانيد الصحيحة الثابتة، وأما ذاك ففيه معارضة لتلك الأحاديث الثابتة، ثم من ناحية أخرى ما فيه من المعارضة لما هو أصح منه، فيكون من قبيل إما الشاذ، أو الضعيف، أو المنكر الذي خالف الثقة، وإذا لم يكن ضعيفاً وحديثه محتمل لو اعتضد، فإنه معارض لما هو أصح منه، ولرواية من هو أوثق منه.ولهذا الشيخ الألباني عندما ذكر الأحاديث الصحيحة في سنن النسائي عقد الترجمة وأسقط الحديث؛ لأن الحديث غير ثابت، ولهذا أسقطه ليأتي به في ضعيف النسائي.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو الحنظلي المعروف بـابن راهويه ، وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه . [أخبرنا هشام بن عبد الملك].هو هشام بن عبد الملك يروي عنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وكنا قد قلنا: إنه يوجد اثنين يطلق عليهما هشام بن عبد الملك، أحدهما: هشام بن عبد الملك اليزني اليشكري، والثاني: هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي المشهور، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي ذكر المزي في تهذيب الكمال أنه يروي عن أبي الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، وليس في الذين يروي عنهم من اسمه هشام بن عبد الملك غير الطيالسي.إذاً: فـاليزني الذي هو هشام بن عبد الملك، هو من طبقة شيوخ النسائي، ولم يذكر روايته عنه، وعلى هذا فالمراد بـهشام بن عبد الملك الذي روى عنه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هو أبو الوليد الطيالسي.وقد سبق للنسائي أن ذكر إسناداً فيما مضى وفيه إسحاق بن إبراهيم يروي عن أبي الوليد الطيالسي، ولم يسمه هناك، وإنما ذكره بكنيته أبي الوليد، قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: حدثنا أبو الوليد، والمقصود به الطيالسي هشام بن عبد الملك.فإذاً: إسحاق بن إبراهيم يروي عن هشام بن عبد الملك أبي الوليد الطيالسي [أخبرنا شعبة].هو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل إن صيغة وصفه بأمير المؤمنين أعظم من ثقة؛ لأن هذا من أعلى صيغ التعديل.[ح وأخبرنا عبيد الله بن سعيد].هنا حول الإسناد وقال: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، وهو الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وهو الذي قيل عنه: ثقة، مأمون، سني، وخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.[حدثنا يحيى].وقد مر ذكره.[عن شعبة].وهو ملتقى الإسنادين، وقد مر ذكره.[واللفظ له].أي: لـيحيى الذي هو في الإسناد الثاني.[عن علي بن مدرك].هو علي بن مدرك الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي زرعة].هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، معروف بكنيته، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى أن أبا زرعة لقب يطلق على عدة أشخاص، هذا أولهم؛ لأنه من التابعين، وهو يروي عن أبي هريرة، وهو روى آخر حديث في البخاري عن أبي هريرة: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن)، يرويه أبو زرعة عن أبي هريرة وأبو زرعة هذا جده هو جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروف. وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.ويوافقه في الكنية أشخاص منهم: أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم، وهو إمام، ناقد، محدث، مشهور، وكثيراً ما يأتي ذكره مع أبي حاتم الرازي؛ يعني: في الكلام في الجرح والتعديل، وكثيراً ما وينقل ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل عن أبيه وأبي زرعة الذي هو الرازي.يوجد أبو زرعة الدمشقي، ويوجد أيضاً من المتأخرين أبو زرعة العراقي، وهو ابن العراقي؛ لأن عبد الرحيم بن الحسين صاحب الألفية، هو والد أبي زرعة، ويقال له: ولي الدين، وتوفي سنة ثمانمائة وست وعشرين في القرن التاسع الهجري، أيضاً هو مشهور بلقبه أبي زرعة.الحاصل أن لقب أبي زرعة يطلق على عدد من المتقدمين والمتأخرين.[عن عبد الله بن نجي].هو عبد الله بن نجي الحضرمي الكوفي، وهو صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن أبيه].هو نجي الحضرمي الكوفي، وهو مقبول، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن علي].هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعلي رضي الله عنه مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وبالنسبة لقوله: (أخبرنا إسحاق بن إبراهيم) جاء في بعض النسخ: حدثنا وفي بعضها: أخبرنا، والمعروف من اصطلاحه أنه يستعمل: أخبرنا، ويأتي أحياناً: حدثنا، وقد ذكرت فيما مضى: أن الحافظ ابن حجر عندما يروي البخاري عن شيخه إسحاق وهو غير منسوب فهو يحتمل إسحاق بن منصور، وإسحاق بن إبراهيم ويحتمل غيرهما، فيستدل ابن حجر على أنه هو ابن راهويه إذا جاء التعبير بأخبرنا قال: لأن من عادته أنه يستعمل أخبرنا ولا يستعمل حدثنا، لكن يوجد في بعض الأسانيد (حدثنا) في البخاري وفي غيره، لكن هل (حدثنا) هذه معناه أن كلام ابن حجر مبني على الغالب؟ وأن (حدثنا) إما خطأ، أو تصرف من بعض الرواة، مع أن التصرف هذا بعيد؛ لأن الطريقة المعروفة أنه لا يغير الإسناد عن هيئته، فإذا جاء بالعنعنة يأتون به بالعنعنة، وإذا جاء بالسماع يأتون به بالسماع، وإذا جاء بالإخبار يأتون به بالإخبار، وإذا جاء بالتحديث يأتون به بالتحديث، وهكذا، لكن قد يكون حصل فيه خطأ، وقد لا يكون حصل فيه خطأ، ولكن استعمال إسحاق بن راهويه (أخبرنا) محمول على الغالب.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:17 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(77)
في الجنب إذا أراد أن يعود
شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يعود توضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب إذا أراد أن يعودأخبرنا الحسين بن حريث حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أراد أحدكم أن يعود توضأ)]. هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي باب: الجنب إذا أراد أن يعود.يعني: يعود إلى الوطء، فإذا وطأ وصارت عليه الجنابة، ثم أراد أن يعود إلى الوطء، فإنه يتوضأ وضوءاً بين الجماعين؛ لأنه يكون أنشط كما جاء التعليل في بعض الروايات.وأورد النسائي حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أراد أحدكم أن يعود توضأ)؛ يعني: إذا أجنب أحدكم أو صار على جنابة، وأراد أن يعود إلى الجماع مرة أخرى فإنه يتوضأ وضوءاً بين الجماعين، ولا يلزم أن يغتسل، ويكون ذلك الوضوء من أجل حصول النشاط، وأيضاً لإزالة ما قد حصل بسبب الجماع الأول من تلطخ بأثر الجماع، فيكون العضو وما حوله نظيفاً من ذلك الذي حصل بسبب الجماع.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أراد أحدكم أن يعود توضأ)
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].هو الحسين بن حريث وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه ، مثل إسحاق بن راهويه خرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه ، وكل منهما شيخ للنسائي.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن عيينة؛ لأنهم ذكروا في ترجمة عاصم الذي يروي عنه سفيان، قالوا: روى عنه السفيانان؛ يعني: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، لكن في ترجمة الحسين بن حريث قال: روى عنه ابن عيينة، فإذاً: عرف أحد السفيانين، وأنه ابن عيينة، وهو ثقة، حجة، ثبت، إمام، عابد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عاصم].هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي المتوكل].هو علي بن داود، مشهور بكنيته أبي المتوكل الناجي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي سعيد].هوأبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد مر كثيراً، وهو أحد المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
إتيان النساء قبل إحداث الغسل
شرح حديث: (أن رسول الله طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إتيان النساء قبل إحداث الغسل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم، واللفظ لـإسحاق، قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: إتيان النساء قبل إحداث الغسل.أي: إتيان العدد منهن، قبل إحداث غسل بين كل منهن هذا هو المقصود بالترجمة، وأورد حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد)، هذا هو الحديث الذي رواه أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، وهذا الذي قد حصل منه عليه الصلاة والسلام، قيل: إنه كان عند إرادة السفر؛ لأنه كان يقسم بين نسائه عليه الصلاة والسلام، وكل واحدة لها نوبتها، ولكنه عند إرادة السفر حصل منه أنه طاف على نسائه بغسل واحد، لكنه يتوضأ بين إتيان واحدة تلو الأخرى، وقد مر في الحديث السابق أمر عليه الصلاة والسلام الإنسان إذا أراد أن يعود أن يتوضأ؛ فيعني: أنه طاف عليهن بغسل واحد، لكنه يتوضأ بين كل لقاء لواحدة من زوجاته رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، الذي خرج له الجماعة إلا ابن ماجه ، وهو ثقة، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من الذين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، الذي هو من أعلى صيغ التعديل.[ويعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مات قبله بأربع سنوات، حيث كانت وفاته سنة مائتين واثنتين وخمسين، وذكرت فيما مضى أن محمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى الزمن قد ماتا في تلك السنة، فهم ثلاثة من صغار شيوخه ماتوا في سنة واحدة، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة.[واللفظ لـإسحاق].يعني: هذا اللفظ المسوق في المتن هو لفظ إسحاق، وإذاً: فلفظ يعقوب هو بالمعنى.والغالب على صنيع النسائي عندما يذكر الحديث عن شيخين يجعل اللفظ للثاني منهما، فعندما يذكر الشيخين يقول: واللفظ لفلان، أو: واللفظ له؛ يعني: يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، هذا هو الغالب على استعمال النسائي، لكن في بعض الأحيان ومنها هذا الموضع يذكر الشيخين، ثم يجعل اللفظ للأول، وهذا قليل في استعماله وفي صنيعه.[حدثنا إسماعيل بن إبراهيم].هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، وهو ثقة، ثبت، ومحدث، مكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو غير ابن علية الذي يأتي ذكره في مسائل الفقه وفي مسائل شاذة، فذاك ابنه إبراهيم بن إسماعيل الذي هو جهمي هالك، أي: بالإضافة إلى كونه جهمياً أيضاً هو هالك؛ يعني: هذا وصف شديد في التجهم، ويأتي ذكره في مسائل فقهية فقيه يشذ فيها، فإذا جاءت مسألة شاذة وقيل فيها: ابن علية، فليس المقصود بـابن علية الإمام هذا المحدث الذي معنا، والذي هو إمام من أئمة أهل السنة، بل هو المقصود ابنه الذي هو من أهل البدع ومن المبتدعة، والذي قال عنه الذهبي: إنه جهمي هالك. ومن المسائل الشاذة التي نسبت إليه: الإجارة، وقد ذكرها ابن رشد في بداية المجتهد عندما جاء عند الإجارة وبين حكمها، وقال: إن العلماء على مشروعيتها، وأن الناس بحاجة إليها ولا يستغنون عنها، قال: ومنعها ابن علية، والأصم؛ يعني: فقالا: إن الإجارة لا تجوز وهي حرام، فهذا شذوذ إلى أبعد الحدود، ومن الذي يستغني عن الإجارة؟ فالإنسان إما أن يملك الشيء، أو يتصدق عليه، وكونه يستأجر لا يجوز وحرام! فهذا شذوذ واضح جلي.[عن حميد الطويل].هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر الحافظ في ترجمته أنه توفي وهو قائم يصلي.[عن أنس بن مالك].هو أنس بن مالك الصحابي الجليل، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكثر من رواية حديثه، وقد مر ذكره كثيراً، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
حديث: (أن رسول الله كان يطوف على نسائه في غسل واحد) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد)].أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد)، وهو مثل الذي قبله، وهو شاهد لما ترجم له المصنف من إتيان النساء دون إحداث غسل؛ أي: بين الواحدة والأخرى.قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد].هو محمد بن عبيد المحاربي، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله بن المبارك].هو عبد الله بن المبارك الإمام، المحدث، المعروف بفضله وتقاه، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، إمام، جواد، مجاهد، وذكر جملة من صفاته، ثم قال: جمعت فيه خصال الخير رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا معمر].هو معمر بن راشد الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.قوله: [عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
الحذر من الوسوسة عند الاستنجاء من البول
السؤال: فضيلة الشيخ! أنا إذا بُلت ومسحت ذكري، يظل يخرج بعد البول لمدة أقصاها سبع دقائق، ويزول بمسح منديل مرة أو مرتين في الوقت المذكور، ولكنني عندما أنظر داخل الذكر أجد بعض البول بداخله، فهل هذا من سلس البول؟ وماذا أفعل؟الجواب: الإنسان لا ينبغي له أن يتكلف فإن الوسواس يستولي عليه؛ يعني: إذا توضأ وكان البول لم ينته فإنه يحاول إنهاءه، ولا يعني أنه لا يقوم إلا وقد انتهى، ولا يتعب نفسه بحيث أنه يقول: إنه ينظر في داخله، ولكن المهم أن يخرج منه شيء، أما في داخله فلا يتعب نفسه في ذلك، وإنما ينتره، وإذا ظهر منه شيء، فإن عليه أن يمسحه، وإذا كان مسحه بالمنديل ينهيه فليفعل، لكنه ما دام أنه ليس هذا مستمراً معه، وإنما يكون مع البول وعند التبول، فإنه لا يقوم إلا وقد انتهى، ما دام أنه في وقت يسير.
حكم كشف الرأس عند نزول المطر
السؤال: هل من السنة كشف الرأس عند نزول المطر؟الجواب: ورد في الحديث في صحيح مسلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (إنه حديث عهد بربه)، لكن هل يكشف الرأس؟ لا أذكر فيه شيئاً الآن.
مدى مشروعية رفع اليدين بعد الأذان
السؤال: هل رفع اليدين في الدعاء بعد فراغ المؤذن من الأذان من السنة؟الجواب: لا أعلم شيئاً يدل عليه، لكن الأصل في الدعاء هو رفع اليدين، والمواضع التي جاء فيها أنها لا ترفع الأيدي فلا ترفع، والمواضع التي جاءت بالسنية والتنصيص بأنها ترفع، فإنها ترفع، والمواضع التي سكت عنها فالأصل فيها الإطلاق، فإن رفع فلا بأس، وإن لم يرفع فلا بأس، ولكن إذا لم يكن جاء شيء فلا ينبغي له أن يداوم عليه، بل يترك بعض الأحيان إذا لم يأت شيء يدل على أنها ترفع في هذا الموطن، أما إذا جاء أنها ترفع في هذا الموطن، فليستمر بالرفع.
حكم دعاء الاستفتاح في الصلاة على الميت
السؤال: هل دعاء الاستفتاح يسن في الصلاة على الميت؟الجواب: لا، صلاة الجنازة ليس فيها دعاء الاستفتاح، فلا يقول فيها: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وإنما يبدأ يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي ويقرأ الفاتحة بدون استفتاح.
الوارد في كيفية إزالة شعر العانة والإبط
السؤال: هل حلق شعر العانة أفضل أم نتفه؟ وكذلك بالنسبة لشعر الإبط؟الجواب: الحلق المقصود به هو: الإزالة، لكن الأصل في شعر العانة أنه يحلق والإبط ينتف، وإذا حصل هذا أو هذا فكل ذلك يحصل به المقصود، لكن الأصل في العانة أنها تحلق، ولهذا سمي الاستحداد؛ لأنه يأخذ بالحديدة، وهي الموسى.
نسبة الأبيات التي ذكرها ابن القيم في الفقهاء السبعة
السؤال: فضيلة الشيخ! في إعلام الموقعين قال ابن القيم عندما ذكر الفقهاء السبعة: وقد جمعهم قول القائل، فهل هذا يعني: أنها ليست له؟ أو أنها لو كانت له لذكر ذلك؟الجواب: الغالب أنها ليست له، لكن يحتمل أن تكون له؛ لأنه إذا كان هو الذي قالها ولا يريد أن يسمي نفسه، فيقول: قول القائل، لكن الغالب على هذا الاستعمال أن يكون لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان قد يذكر الشيء ويضيفه إلى غيره وهو صاحبه، وهذا يجري في سؤال الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: سأله رجل فقال كذا، والسائل هو نفسه الصحابي؛ لأن هذا يحصل، لكن الغالب على هذا الاستعمال أنه يرجح جانب أن يكون مستشهداً.
حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل
السؤال: هل المضمضة والاستنشاق من فروض الغسل؟الجواب: نعم، المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء، والغسل هو حدث أكبر؛ يعني: يكون فيه أيضاً المضمضة والاستنشاق.
أصح النسبتين لمن استقر بالمدينة مدني أو مديني
السؤال: كيف ينسب لمن استقر بالمدينة هل يقال له: مدني، أو مديني؟الجواب: النسبة إلى المدينة يقال: مدني، وأما المديني فهو على بن المديني وهذه نسبة إلى مكان في العراق، لا أعلم ما هو، لكن الذي ينسب إلى المدينة يقال له: مدني.
حكم النوم على جنابة
السؤال: ما حكم النوم على جنابة؟ هل يحرم أو النهي للكراهة؟الجواب: بدون وضوء يكره، لا أعلم شيئاً يدل على تحريمه؛ لأن الرسول أرشد إلى الوضوء، ولا أعلم شيئاً يدل على المنع.لكن الأولى للإنسان أن يكون مغتسلاً، وإن لم يغتسل، فليكن متوضأً؛ كما أرشد إلى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما أن يحرم فلا أدري.
مدى أفضلية التقدم للصفوف الأولى على ما يليها
السؤال: هل التقدم للصفوف المتقدمة أولى؟ أم البقاء في الصفوف القريبة من مكان الخروج؟ أفيدونا أثابكم الله.الجواب: التقدم لا شك أنه أفضل، وكل صف أفضل من الذي يليه، فالتقدم وإتمام الصفوف الأول فالأول هذا هو المطلوب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها).
حكم مس الذكر بعد الوضوء وهو جنب
السؤال: كيف يكون مس الذكر بعد الوضوء ناقضاً للوضوء، والوضوء في أصله منتقض بالجنابة؟الجواب : بالنسبة للحديث الذي ذُكر فيه الوضوء، ثم الاغتسال، فالوضوء قبل الاغتسال صحيح، والجنابة لا تزال موجودة، والوضوء هذا لا يرتفع به الحدث، وإنما هو تخفيف للحدث الأكبر، لكن لو أن إنساناً توضأ ولم يمس ذكره بعد ذلك، فإنه لا ينتقض وضوءه، لكن هذه الصورة التي معنا ما فيها نقض للوضوء؛ لأن الوضوء هو تخفيف للجنابة، وتخفيف للحدث الأكبر، لكنه كما هو معلوم، قد جاء في الأحاديث أن من مس ذكره فإنه يعيد الوضوء، ومعناه أنه كأنه ما توضأ، وإن كان الوضوء هذا لا يغني شيئاً بالنسبة لوجود الحدث الأكبر؛ لأنه لا بد من ارتفاع الحدث الأكبر، وارتفاع الحدث الأصغر لا يغني، فليس للإنسان أن يقرأ قرآناً وقد توضأ وضوءاً فقط ولم يغتسل، والإنسان إذا مس ذكره بعد الوضوء فكأنه ما توضأ، لكن لا يقال: إن الوضوء بعدما يتوضأ وهو عليه جنابة أن ذلك ينفعه لرفع الحدث؛ لأن الحدث الأكبر ما يرتفع إلا بالاغتسال، ولكن ينفع في التخفيف.
الجمع بين حديث طلق وحديث بسرة في نقض الوضوء بمس الذكر
السؤال: ذكرتم يا شيخ! أن مس الذكر ينقض الوضوء، فأرجو أن تبين لنا، فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن مس الذكر هل يبطل الوضوء، فقالhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=إن ما هو بضعة منك).الجواب: الحديثان تكلم فيهما العلماء، فمن العلماء من رجح حديث: (إنما هو بضعة منك)، وهو القول بأنه غير ناقض، اعتماداً على قوله: (إنما هو بضعة منك)، ومنهم من رجح أنه ناقض، اعتماداً على حديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ)، وقد سبق أن النسائي ذكر حديث بسرة في باب متقدم، ثم ذكر حديث طلق بن علي: (إنما هو بضعة منك) في المتأخر، وقد ذكر أحد الشارحين ولا أدري السيوطي، أو السندي: أن هذا يشعر بأن النسائي يرجح ما جاء في حديث طلق، وأنه لا ينقض الوضوء، لكن ذكرت فيما مضى: القول الراجح هو نقض الوضوء بمس الذكر، وقد جاء في بعض طرق حديث طلق بن علي أنه قال ذلك في وقت متقدم، حيث قال: إنه جاء وهم يؤسسون المسجد، وأما حديث بسرة فهو متأخر.ثم أيضاً من ناحية الاحتياط فإنه يؤخذ بالنقض، وهو كون الإنسان يتوضأ إذا مس ذكره، والمسألة خلافية كما عرفنا ذلك من قبل.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:22 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(78)
- باب حجب الجنب من قراءة القرآن - باب مماسة الجنب ومجالسته
يمنع الجنب من قراءة القرآن ومس المصحف، أما مجالسته ومماسته فجائزة، لأن المسلم لا ينجس.
حجب الجنب من قراءة القرآن
شرح حديث علي في منع الجنب من قراءة القرآن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب حجب الجنب من قراءة القرآن.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: أتيت علياً رضي الله عنه أنا ورجلان فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب حجب الجنب من قراءة القرآن. والمراد بالحجب: المنع، ولكن النسائي عبر بكلمة الحجب ولم يذكر المنع؛ لأنها توافق ما جاء في الحديث، لأن الحديث فيه ذكر الحجب، فهو جعل الترجمة بلفظ الحجب وليس بلفظ المنع؛ حتى تطابق الترجمة ما جاء في الحديث من ذكر الحجب.وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة)؛ يعني: وليس شيء يحجبه من قراءة القرآن إلا الجنابة، فإنه كان يمتنع من القراءة في تلك الحال التي هو فيها على جنابة.ثم من جهة المعنى فإن الخلاص من الجنابة والانتهاء منها هو بيد الإنسان؛ لأنه يستطيع أن يتخلص من الجنابة بأن يبادر إلى الاغتسال، وعند ذلك يتمكن من قراءة القرآن؛ لأن أمر الانتهاء من الجنابة بيده، فيمكن أن ينتهي بسرعة وبوقت قصير، ولا يحتاج الأمر إلى وقت طويل، ولهذا فإن الجنابة كما جاء في هذا الحديث تمنع الإنسان من قراءة القرآن، وذلك الامتناع مؤقت، والتأقيت بيد الإنسان؛ لأنه يستطيع أن يتخلص منها بالاغتسال إذا كان الماء موجوداً، وإلا بالتيمم إذا كان الماء غير موجود.
تراجم رجال إسناد حديث علي في منع الجنب من قراءة القرآن
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد مر ذكره كثيراً فيما مضى.[أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم].هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية نسبة إلى أمه، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً فيما مضى كثيراً.[عن شعبة].هو شعبة بن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو ثقة ثبت، وقد وصف بهذا الوصف الذي هو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الذين لهم معرفة بالجرح والتعديل، وهو أيضاً مشهور بأنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع أي: إلا ما كان مسموعاً لهم، وأما ما كان غير مسموع لهم فإنه لا يرويه عنهم.[عن عمرو بن مرة].هو عمرو بن مرة المرادي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن سلمة].هو عبد الله بن سلمة وهو أيضاً الكوفي، وهو صدوق تغير حفظه، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة.[أتيت علياً].هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وأبو الحسنين، ومناقبه جمة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً فيما مضى رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث علي في منع الجنب من قراءة القرآن من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة)]. هنا أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة)، أي: أنه كان يقرأ القرآن على كل حال من الأحوال ليس الجنابة، ولكن ليس معنى العموم الذي في هذا الحديث أنه يشمل جميع الأحوال مطلقاً بحيث لا يخرج عن ذلك حالة قضاء الحاجة؛ لأنه في حال قضاء الحاجة لا يقرأ القرآن، ويفسره ويبينه الرواية السابقة وهي: (أنه كان يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن ويأكل معهم اللحم، وليس شيء يمنعه من قراءة القرآن إلا الجنابة).فإذاً: هذه الأحوال ليست على عمومها في جميع الأحوال مطلقاً، وإنما في الأحوال التي ليس فيها تلبس بقضاء حاجة أو ما إلى ذلك، وهذا إنما هو بالنسبة للقراءة من الحفظ، أما بالنسبة للقراءة من المصحف فإن الذي حدثه أصغر كذلك لا يقرأ القرآن من المصحف، ولكنه يقرؤه من حفظه، وإنما الذي فيه المنع من القراءة مطلقاً من المصحف ومن الحفظ هو الجنب.
تراجم رجال إسناد حديث علي في منع الجنب من قراءة القرآن من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي].هو محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري ومسلم ولا أبو داود ولا الترمذي.[حدثنا عيسى بن يونس].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وجده أبو إسحاق، وهو أخو إسرائيل بن يونس، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً.[حدثنا الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ولقبه الأعمش وهو مشهور به، وكثيراً ما يأتي ذكره باللقب كما هنا، وأحياناً يأتي ذكره باسمه ونسبه، وأحياناً باسمه فقط، وقد ذكرت فيما مضى أن معرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث؛ وذلك أن معرفة الألقاب يؤمن بها أن يظن الشخص الواحد شخصين؛ وذلك فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه؛ لأنه من لا يعرف أن هذا اللقب لهذا الشخص فإنه يظن أنهما شخصان، فمثلاً إذا وجد سليمان بن مهران في إسناد، ثم وجد الأعمش في إسناد آخر، فإنه يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران، ولكن الذي يعرف أن سليمان بن مهران يلقب بـالأعمش فلن يلتبس عليه هذا، ولن يظن الشخص الواحد شخصين، وإنما يعرف أنه شخص واحد، ولكن ذكر مرة باسمه ونسبه ومرة بلقبه، ومثل هذا كثير من المحدثين الذين اشتهروا بألقابهم، مثل بندار، ومثل غندر، ومثل الأعرج، وغيرهم ممن اشتهروا بألقابهم ويأتي ذكرهم بألقابهم وبأسمائهم.[عن عمرو بن مرة].هو عمرو بن مرة وهو الذي تقدم، وهنا يتفق الإسناد مع الإسناد السابق. وحديث علي هذا اختلف في ثبوته؛ فمن العلماء من ضعفه كالشيخ ناصر الألباني ولهذا لما أورد الباب أسقط الحديثين اللذين تحت الباب في صحيح النسائي؛ لأنه سيأتي بهما في السلسلة الضعيفة، ومن العلماء من أثبته وأيده ببعض الآثار التي تدل على منع الجنب من قراءة القرآن.ثم أيضاً شيء آخر -وهو الذي أشرت إليه- من أن الجنب جنابته التخلص منها بيده، فيستطيع أن يتخلص -إذا أراد أن يقرأ القرآن- منها بسرعة، ثم أيضاً التخلص من الجنابة أمر مطلوب، والرسول صلى الله عليه وسلم كان -كما عرفنا في الأحاديث السابقة- يغتسل أو يتوضأ قبل أن ينام؛ حتى تخف بذلك الجنابة.وهذا بخلاف الحيض والنفاس؛ فإن الحائض والنفساء ما جاء شيء ثابت يدل على منعهما من قراءة القرآن، ثم أيضاً التخلص من الحيض والنفاس ليس بيدهما، بل هذا يتوقف على انقطاع الدم، وعلى انتهاء الحيض أو النفاس، ولو تركت المرأة قراءة القرآن في تلك المدة فقد تنسى حفظها وتنسى ما تحفظه.إذاً: ففرق بين الحيض والنفاس، وبين الجنابة.
مماسة الجنب ومجالسته
شرح حديث حذيفة: (إن المسلم لا ينجس) في مماسة الجنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مماسة الجنب ومجالسته.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الشيباني عن أبي بردة عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يوماً بكرة فحدت عنه، ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فحدت عني، فقلت: إني كنت جنباً فخشيت أن تمسني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسلم لا ينجس)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب مماسة الجنب ومجالسته. والمقصود من هذا أن الجنب لا مانع من كونه يمس غيره ويمسه غيره، أو يحصل مصافحة بينه وبين غيره، أو يمس شيئاً، أو يجالسه، أو يمشي معه، أو يتحدث معه فهذا لا بأس به ولا مانع من هذا.وقد أورد النسائي هنا أحاديث أولها: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم بكرة)، أي: في أول النهار، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حاد عنه، ثم لما ارتفع النهار جاء إليه وكان قد اغتسل من جنابته، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني رأيتك حدت)؛ يعني: لما رآه حاد ومال وانصرف، ولم يتجه إليه ليلقاه، قال: (إني كنت جنباً)؛ يعني: بين السبب الذي جعله لا يتجه إليه، وجعله يميل بحيث يذهب ليغتسل حتى لا يلتقي به عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان على جنابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسلم لا ينجس)؛ يعني: أنه لا مانع من هذا العمل الذي ظننت أنه لا يصلح، ولا بأس به.وهذا فيه دليل على أن غسل الجنابة لا يكون على الفور، وعلى أن الإنسان له أن يمشي وأن يخرج للسوق وعليه جنابة، ولا بأس بذلك؛ لأن هذا الصحابي وكذلك أبو هريرة -كما سيأتي في الحديث- أيضاً أنهم لقوه وقد خرجوا من بيوتهم وعليهم جنابة، فدل هذا على جواز مثل ذلك.وكون مصافحة الجنب وملامسته، وكونه يمس غيره وغيره يمسه، وكذلك عرقه وما يحصل منه لا شيء فيه ولا محذور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن المسلم لا ينجس) وفيه دليل على أن الجنب ليس بنجس وليس عليه نجاسة.وهذا هو معنى الحديث، وهذا الذي يدل عليه الحديث، وهو مطابق لما ترجم له النسائي.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (إن المسلم لا ينجس) في مماسة الجنب
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، محدث، فقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من الذين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، وهذا اللقب العالي، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. [أخبرنا جرير].هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الشيباني].هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي بردة].هو ابن أبي موسى الأشعري أبو بردة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن حذيفة].هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره فيما مضى.
شرح حديث حذيفة: (إن المسلم لا ينجس) في مماسة الجنب من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا يحيى حدثنا مسعر حدثني واصل عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب فأهوى إليه، فقلت: إني جنب، فقال: إن المسلم لا ينجس)].هنا أورد النسائي حديث حذيفة من طريق أخرى: (أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو جنب فأهوى إليه، فقال: إني جنب، فقال عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن لا ينجس)، فإذاً: مجالسته وملامسته ووضع يده بيد غيره، أو على يد غيره، أو لمسه لأحد لا محظور فيه ولا مانع كما دل عليه الحديث السابق، وهذا هو حديث حذيفة من طريق أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (إن المسلم لا ينجس) في مماسة الجنب من طريق أخرى
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن منصور].هو إسحاق بن منصور الكوسج، وهو مشهور بـالكوسج، وهو ثقة حافظ، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان المحدث المشهور، المعروف بالجرح والتعديل، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة..[حدثنا مسعر].هو مسعر بن كدام، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني واصل].هو واصل بن حيان الأحدب، وهو ثقة ثبت أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي وائل].هو شقيق بن سلمة الكوفي، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره كثيراً بكنيته، وكما أنه يأتي ذكره أحياناً باسمه شقيق بن سلمة، وقد ذكرت فيما مضى أن معرفة أصحاب الكنى- كنى المسمين- فائدتها مثل فائدة معرفة ألقاب المحدثين؛ حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، وذلك إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، وأبو وائل هذا مخضرم، تابعي ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن حذيفة].وحذيفة قد تقدم ذكره.
شرح حديث أبي هريرة: (إن المؤمن لا ينجس) في مماسة الجنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل عنه، فاغتسل، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة ؟! قال: يا رسول الله! إنك لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه أنه كان يمشي في طريق من طرق أسواق المدينة، (فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانسل منه) أي: ذهب بخفية، فلما شعر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقده، فلما لقيه ذكر له ما حصل منه من الانسلال، فبين له عذره، وقال: إنه كان على جنابة، وأنه كره أن يجالسه وهو جنب، فقال عليه الصلاة والسلام: (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس).وحديث أبي هريرة مثل حديث حذيفة المتقدم، وأنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانسل أبو هريرة ولم يبق مع رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان على جنابة، فأحب ألّا يجالس النبي صلى الله عليه وسلم وهو على جنابة، فلما سأله رسول الله عليه الصلاة والسلام عن سبب انسلاله منه أي: ذهابه بخفية، قال: إنه كان جنباً، وأنه كره أن يجالسه وهو على غير طهارة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبحان الله)! تعجباً من هذا الصنيع، ومن هذا الفعل، ومن هذا الفهم الذي هو كون الجنب لا يجالس غيره، ثم بين عليه الصلاة والسلام فقال: (إن المؤمن لا ينجس). إذاً: فمجالسته ومخالطته وملامسته لا بأس بها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (إن المؤمن لا ينجس) في مماسة الجنب
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].هو حميد بن مسعدة، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا بشر] وهو ابن المفضل.هو ابن المفضل، وكلمة (وهو ابن المفضل) هذه أتى بها من دون حميد بن مسعدة ليوضح بها هذا الاسم؛ لأن حميد بن مسعدة لما روى عن بشر ذكر اسمه وما ذكر نسبه، وإنما اكتفى بذكر اسمه، فمن دون النسائي عندما يريدون أن يوضحوا اسم شخص جاء في أثناء الإسناد لا يضيفون نسبته بدون ما يدل على أنها ليست من التلميذ، وإنما يأتون بلفظ يدل على أنها أضيفت ممن هو دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو، بل ينسبه كما يشاء، مثلما ذكر النسائي أحياناً في شيوخه فيختصر في الاسم، وأحياناً يطول، مثلما ذكر في الاسم الذي مضى قريباً وهو محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي فكل هذا ذكره النسائي؛ لأنه شيخه يأتي به كما يريد، لكن من دون التلميذ عندما يريد أن يذكر ذلك يأتي بكلمة (هو)؛ حتى يعرف بأنها ليست من تلميذه، وإنما هي ممن هو دون تلميذه؛ لكي يوضح بها ذلك الاسم الذي يحتاج إلى توضيح، فقال: وهو ابن المفضل.وأما التلميذ إذا أراد أن ينسبه يقول: ابن المفضل بدون كلمة (هو)، لكن كلمة (هو) فهم منها أن هذه الزيادة ممن دون التلميذ، ولكنه أراد بها توضيح ذلك الشخص الذي هو بشر بن المفضل؛ لأن كلمة (بشر) تحتمل أشخاصاً، فلما جاءت (وهو ابن المفضل) ميزتها، ومن دون التلميذ زادها وأتى بكلمة (هو) الدالة على ذلك.وبشر بن المفضل ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حميد].هو حميد بن أبي حميد الطويل المشهور، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر الحافظ في التقريب في ترجمته: أنه توفي أو مات وهو قائم يصلي.[عن بكر].هو بكر بن عبد الله المزني الكوفي، وهو أيضاً ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي رافع].هو نفيع الصائغ المدني، وهو مشهور بكنيته، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي هريرة].هو الصحابي الجليل، وهو من أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهو أكثر السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:25 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(78)
الأسئلة
القول الراجح في نجاسة أو طهارة المني والمذي والودي
السؤال: ما هو الراجح في مسألة نجاسة المني والمذي والودي؟الجواب: الراجح في المني أنه ليس بنجس؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحترز منه، وقد يكون في ثوبه، فإذا كان رطباً غسل، وإذا كان يابساً حك، وكونه يحك ولا يغسل، هو لإزالة هذا الأثر الذي هو مثل المخاط والبصاق؛ فإذاً هو طاهر، ولكنه لا يترك ظاهراً؛ لأن منظره ليس بحسن، فهو طاهر ليس بنجس، ومنه يتخلق الإنسان، والإنسان مخلوق من طاهر، ولم يخلق من شيء نجس، والحديث الذي أشرت إليه يدل على طهارته.وأما المذي فهو نجس، وكذلك الودي، فكل شيء يخرج من ذكر الرجل، أو من قبل المرأة ما عدا المني فإنه نجس.
الأولى بين تقديم الشرب أو الصلاة لمن دخل المسجد وكان عطشان
السؤال: إذا دخل الرجل المسجد وكان عطشاً، فهل يشرب الماء واقفاً أم جالساً؟ أم يصلي ثم يشرب الماء جالساً؟الجواب: لا شك أن الأولى أنه يصلي ثم يشرب، لكن إذا كان ليس على وضوء فيجلس ويشرب؛ لأنه لا يتمكن من الصلاة وهو على غير طهارة، فإن كان عطشاً وشرب واقفاً فلا بأس؛ لأن الشرب واقف جائز.
حكم قصر الصلاة لمن أراد السفر قبل خروجه من بلده
السؤال: هل على المسافر القصر وهو باق في مدينته لم يخرج منها؟ فمثلاً كان يريد السفر إلى مكة وفي طريقه حان عليه الوقت، ولم يخرج من المدينة، فهل يصلي قصراً؟ أم يتم إذا كان لوحده؟الجواب: إذا كان في المدينة فكيف يقصر وهو ما خرج؟! فإنه لا يعتبر مسافراً حتى يخرج، فإذا كانت المدينة بلده، وأراد أن يسافر منها فإنه لا يقصر إلا إذا بدأ بالسفر وخرج من البلد، أما كونه في داخل البلد فلا يقصر.والفرق بين كونه في المدينة وغير المدينة أنه إذا كان في بلد غير بلده، وأراد أن يسافر إلى بلد ما، وجلس فيها أربعة أيام فأقل فإن له أن يقصر إذا صلى وحده، وأما إذا كان أقام أكثر من أربعة أيام فإن حكمه حكم المقيمين، فليس له حق القصر، وإنما عليه أن يتم، لكنه إذا كانت إقامته في بلد أقل من أربعة أيام أي: يجزم بأنه سيجلس في البلد ثلاثة أيام أو يومين فإن له أن يقصر إذا صلى وحده، لكن إذا صلى مع الجماعة فإنه يصلي بصلاة الإمام ويتم.
حكم إفطار الصائم قبل الخروج من البلد
السؤال: هل الصائم يجوز له أن يفطر قبل الخروج من المدينة؟الجواب: هو لا يعتبر مسافراً إلا إذا خرج من البلد، فبالنسبة للصيام لا ينبغي له أن يفطر إلا إذا سافر؛ لأنه في حال إقامته وكونه في البلد، فإنه قد يحصل له مانع يمنعه من السفر، فيكون أفطر وهو غير مسافر.
مدى صحة حديث: (أن الملائكة لا تقرب الجنب)
السؤال: هل صحيح أن الملائكة لا تقرب الجنب؟ فإن كان صحيحاً فما المقصود بالملائكة، هل هما الموكلان؟الجواب : الحديث الذي فيه أن الجنب لا تقربه الملائكة فيه كلام، ولو صح فيحمل على من يتهاون بأمر الجنابة ولا يبالي بالاغتسال؛ أي: بتأخيره وعدم المبادرة إليه، لكنه ليس مثل الإنسان الذي يريد أن ينام فيتوضأ، ثم يبيت وقد خفف الجنابة عن نفسه، فالحديث فيه كلام، والشيخ الألباني أيضاً ما ذكره في جملة صحيح النسائي، وإنما ذكر الباب وحذف الحديث ليذكره في الضعيفة.والذي جاء في ذكر الكلب والصورة هذا ثابت، وإنما ذكر الجنب هو الذي فيه الكلام، وحديث الصورة والجنب جاء فيه أحاديث أخرى.وقيل: المراد بالملائكة ملائكة الرحمة، وأما جنس الملائكة الذين هم مثل الحفظة أو الكتبة، فهؤلاء لا يفارقون الإنسان.
وقفة مع قول المحدثين: فيه تشيع
السؤال: ما معنى قول المحدثين من أهل الجرح والتعديل: فيه تشيع؟ هل هو من يقدم علياً رضي الله عنه على الشيخين؟الجواب: هذا هو الغالب على المراد فيما إذا قالوا: فيه تشيع، وأن المقصود منه تقديم علي على عثمان، أما تقديم علي على الشيخين فهذا لا يقال له: تشيع، وإنما هذا رفض، أي: من قدم علياً على أبي بكر وعمر وقال إنهم ظلموه في كونهم ما أعطوه الخلافة، وما صارت له الخلافة، وكذلك سب الشيخين، فهذا هو الرفض، وإنما التشيع هو تقديم علي على عثمان في الفضل، وبه قال بعض أئمة أهل السنة مثل: ابن جرير، ومثل: الأعمش، ومثل: عبد الرزاق، ومثل: عبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيرهم، فقد جاء عنهم هذا الشيء، وهذا لا يؤثرا عليهم، وإنما الذي يؤثر عليهم تقديم علي على عثمان بالخلافة، ومعنى هذا: أنه أتى بما يخالف ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.وأما بالنسبة للفضل فلا يؤثر، وشيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية ذكر هذا فقال: إن تقديم علي في الفضل قال به بعض أهل السنة، ومثل هذا لا يبدع به، وإنما الذي يبدع به تقديمه عليه في الخلافة؛ لأن هذا اعتراض، وهذا معارضة ومناقضة لما كان عليه الصحابة، ولما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
عدد رجال النسائي
السؤال: كم عدد الرجال الذين خرج لهم النسائي؟الجواب: عدد الرجال الذين خرج لهم النسائي لا أذكرهم، ولا أعرفهم، لكن يمكن أن يعرفوا بالاستقراء والجمع، وهل هناك تأليف خاصاً بهم؟ فلا أذكر فيه شيئاً.
توجيه عن الكتيبات التي تذكر فيها قصص التائبين
السؤال: ما رأي فضيلة الشيخ في بعض الكتيبات التي فيها قصص التائبين في عصرنا؟ وما شابهها من القصص؟ هل هي مما أنكرها السلف واعتبرها من علامات أهل البدع؟الجواب: توبة إنسان فيها فائدة، وهي أنه يتذكر نعمة الله عز وجل عليه، وكون غيره أيضاً يعتبر ويتعظ، لا سيما الذين عندهم انحراف، فقد يكون اطلاعهم على شيء من ذلك سبباً لهدايتهم، فلا أعلم مانعاً يمنع من هذا.
حكم أداء صلاة النافلة على الدابة في الحضر
السؤال: هل تجوز صلاة النافلة على الدابة في الحضر؟الجواب: لا تجوز؛ لأن الأصل في الصلاة أن يكون فيها استقبال للقبلة، وتكون عن قيام، ولكن لا مانع من صلاة النافلة جلوساً، ولكن للمصلي جالساً نصف أجر القائم كما جاء بذلك الحديث، وفي حال السفر يمكن للإنسان أن يصلي على نافلته أينما توجهت؛ يعني: يبدأ يدخل في الصلاة وهو متجه القبلة، ثم يصلي أينما اتجهت به راحلته.وأما بالنسبة للحضر فلا؛ لأنه ما ورد شيء يرخص فيه؛ ولأن الصلاة من شروطها استقبال القبلة، واستقبال القبلة بالنسبة للسفر رخص فيه؛ يعني: في كونه يبدأ باتجاه القبلة، ثم يتجه إلى حيث يريد، ويصلي على راحلته وقد رخص في ذلك، وأما بالنسبة للحضر فما جاء الترخيص فيه، فيمكن للإنسان أن ينزل ويصلي. ثم أيضاً الركوب في الحضر قليل، بخلاف السفر فإنه متواصل، ولو جلس يصلي لراح عليه الوقت، وأما بالنسبة للحضر فإنه يركب قليلاً وليس طول وقته راكباً.
ما يلزم من اقترض قرضاً ربوياً ثم تاب
السؤال: من اشترى مصنعاً بقرض من بنك ربوي ثم تاب، فماذا يفعل بالمصنع؟الجواب: من المعلوم أن الاقتراض من البنوك بفوائد أن هذا أمر محرم، وهو ربا واضح، والإنسان الذي اقترض من البنك قرضاً فلا مانع من استمراره، ويتوب إلى الله عز وجل مما حصل، ومن تاب تاب الله عليه.
مدى اعتبار الجامعة الإسلامية من الحرم النبوي
السؤال: هل الجامعة الإسلامية داخلة في حدود حرم المدينة؟الجواب: الجامعة الإسلامية ليست من الحرم البين، ولا من الحل البين، فهي من المشتبهات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)، فهي ليست من الحرم البين، ولا من الحل البين، فهي مشتبهة، وأما وادي العقيق الذي دونها فهو من الحرم بلا شك، وأما ما وراء الوادي فهو الذي فيه الجامعة، فهو محتمل وليس بمحقق، أي: لا كونها من الحرم ولا كونها من الحل، ولكن كما ذكرت حديث النعمان بن بشير: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام).فالأحوط والاحتياط ألا يصاد في ذلك المكان؛ لاحتمال أن يكون من الحرم، وهو من المشتبهات كما ذكرت، والله تعالى أعلم.
حكم قول: يا شفاعة محمد
السؤال: هل يجوز للإنسان أن يقول: يا شفاعة محمد في أثناء الكلام؟!الجواب: لا، لا يقول: يا شفاعة محمد! هل الشفاعة تنادى؟! الشفاعة لا تنادى، ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يطلب منه الشفاعة وهو في قبره عليه الصلاة والسلام، وإنما تسأل من الله، فيقول: اللهم شفع فيّ نبيك، اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم اجعلني من الفائزين بشفاعته، هذا هو السؤال المشروع المطلوب الذي فيه الطلب من الله، والذي هو حق محقق، وأما سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة في قبره، أو الدعاء في قبره، أو أي طلب وهو في قبره، فهذا لا شك أنه من أبطل الباطل، بل هو شرك بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الأموات لا يطلب منهم شيء، وإنما يدعى لهم ولا يدعون، ويسأل الله لهم ولا يسأل منهم أشياء.ومن المعلوم أن الصحابة الكرام وهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير رضي الله عنهم وأرضاهم ما فعلوا شيئاً من هذا، ولو كان خيراً لسبقوا إليه، لكنه شر فتركوه، ووقع فيه من شاء الله خذلانه.
وصايا في طلب العلم
السؤال: أحد الإخوة جزاه الله خيراً طلب من فضيلتكم أن تتحدثوا في الحث على طلب العلم؟الجواب: لا شك أن طلب العلم الشرعي شأنه عظيم، وفوائده لا تنحصر، وهو الطريق إلى معرفة الحق، والطريق إلى كون الإنسان يعبد الله على بصيرة وعلى هدى، وعلى بينة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيتعلم العلم ليستفيد ويفيد، ولينفع نفسه وينفع غيره.لكن طلب العلم يحتاج من طالبه إلى أن يراعي أموراً: منها: أن يكون طلبه للعلم خالصاً لوجه الله، وأن يريد من وراء ذلك أن يعرف الحق، ويعمل به ويدعو إليه، وينير الطريق لنفسه ولغيره بالعلم الذي يحصله ويظفر به.ومن ذلك: أن يجد ويجتهد في طلبه، فما دام اتجه إلى طلب العلم، وعنده القصد الطيب والنية الحسنة والرغبة الصادقة، فإن عليه أن يجد فيه، وأن يتعب نفسه ولا يخلد إلى الراحة والخمول والكسل؛ لأن الخمول والكسل لا يحصل من ورائهما شيء، بل لا يحصل من ورائهما إلا الضياع، ولا يحصل علماً بذلك، ويقولون في المثل: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، وملء الراحة أي: راحة اليد، وهو الشيء القليل، وإنما يدرك بالتعب ومن أراد شيئاً فليبذل أشياء.أما إذا أراد تحصيل العلم ورغب فيه ولكن استولى عليه الكسل والخمول، فهذا لا يحصل علماً، وإنما هذا شأن العاجز الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني، وإنما عليه أن يجد ويجتهد وأن يبذل جهده ويبذل النفس والنفيس، ويشغل الأوقات ويذاكر العلم، فإن هذا هو الذي يكون به تحصيله، أما بدون الجد والاجتهاد، وبدون بذل الجهود في هذا السبيل، فإن الإنسان لا يحصل شيئاً، وقد جاء عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله أنه قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم؛ يعني: من أراد أن يحصل علماً، فإنه لا يحصله براحة جسمه.ويقول الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتالأي: لولا المشقة صار الناس كلهم سادة، فإذا صارت السيادة بدون مقابل؛ يعني: ما تحتاج إلى تعب، ولا تحتاج إلى عناء، فكل الناس يصيرون سادة، لكن لما كانت السيادة لا تحصل إلا بالمشقة، وليس الكل يصبر على المشقة، فمن صبر عليها فهو الذي يحصل على السؤدد، ويحصل على شرف العلم، فما الكل يحصل على السؤدد، وإنما يحصله من يصبر على النصب والتعب والمشقة.وقوله: (الجود يفقر والإقدام قتال) أي: الإنسان عندما يكون كريماً وجواداً ويبذل، فبعض الناس يمتنع من البذل خشية الفقر وخشية الإقلال، ولكن الذي يحصل على السؤدد، ويحصل على الشرف هو الذي يبذل ولا يخشى الفقر، فيبذل وهو صحيح، ولا يخشى الفقر وعنده الأمل في الحياة، فلا يحصل منه البخل والمنع خشية أن يفتقر وإنما يبادر، ومن أجل ذلك تميز من يبذل ومن يمسك.وكذلك (الإقدام قتال) يعني: ما الكل يصبر على الإقدام؛ لأن فيه الموت، وكذلك الإقدام في الوغى وفي الجهاد في سبيل الله فيه الموت، وما الكل يقدم على ما فيه الموت، لكن السؤدد لا يحصله إلا من تعب، ولا يحصله إلا من حصل له عناء ومشقة.فمن الأمور التي يحتاج إليها طالب العلم ملازمة العلم مع إخلاصه وأن يكون جاداً في تحصيله وفي طلب العلم، والجد يكون بشغل الوقت، وكونه يقتني الكتب النافعة ويطالعها، وإذا لقي الشيوخ يسألهم، وإذا لقي التلاميذ ذاكرهم، وإذا لقي زملاءه ذاكرهم، وصار الشغل الشاغل في الطريق، وفي أماكن اللقاء، وفي أماكن الجلوس، وفي محل الدراسة، وفي البيت، وفي الطريق، وفي الملتقيات، وهو التباحث في العلم، فهذا هو الذي يحصل عن طريقه العلم فيجد ويجتهد.وإذا جد واجتهد وحصل فإن عليه أن يعمل بعلمه، ثم أيضاً عليه أن يرشد غيره للحق والهدى، وأن يدل غيره حتى يفيد كما استفاد، وحتى يهدي غيره كما اهتدى، وحتى يحصل أجراً على دعوته وإرشاده، ويحصل أيضاً مثل أجور الذين استفادوا خيراً بسببه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً).إذاً: من الأمور المطلوبة في حق طالب العلم: أن يخلص، وأن يجد ويجتهد، وأن يعمل، وأن يدعو غيره إلى ما عرفه من الحق والهدى؛ حتى يستفيد ويفيد.ثم إن طالب العلم عليه أن يستشعر بأن شرف العلم له شأن عظيم، ويكفي في شرف أهل العلم والمشتغلين بالعلم أن يطلق عليهم أنهم هم ورّاثُ رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما ورث العلم النافع، ما ورث الدراهم والدنانير، وهذا شأن الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، ولكن الذي ورثوه هو العلم كما جاء في الحديث: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر).فإذاً: يكفي طالب العلم شرفاً أن يكون من جملة الورثة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي ميراثه العلم النافع؛ وهو علم الكتاب والسنة وما تفرع منهما، وما استنبط منهما، وما يخدمهما ويؤدي إليهما.فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين (أن العلماء ورثة الأنبياء)، فإذاً: فهذا شرف عظيم لهم، فيكفي طالب العلم أن يستشعر هذا المعنى، وأن يكون في عداد من يكونون كذلك.ثم إن هذا شأن طلب العلم في أي مكان، لكن إذا انضم إلى هذا الشرف شرف آخر وهو أن يطلب العلم الشرعي في الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، فهذا نور إلى نور، وخير إلى خير؛ يعني: كون الإنسان يوفق لأن يكون في عداد طلاب العلم الشرعي، ويوفق أيضاً لأن يحصل العلم وأن يطلب العلم في مدينة العلم أي: في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً يزداد شرفاً أن يكون في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا أيضاً خير إلى خير، ونور إلى نور، وبركة إلى بركة، وفضل إلى فضل.فاستشعار هذه المعاني وبذل الجهد في تحصيل العلم، واستشعار الأمور التي ذكرتها لا شك أن هذه من أهم المهمات لطالب العلم الشرعي الذي هو علم كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الرد على من زعم بأن طلب العلم تعطيل للدعوة
السؤال: بعض الجماعات وبعض الناس يرى أن طلب العلم تعطيل للدعوة إلى الله عز وجل، فما رأيكم؟الجواب: ليس في طلب العلم تعطيل للدعوة، وإنما في طلب العلم تسلح للدعوة، فلابد للإنسان أن يكون عنده سلاح يدعو به؛ لأن الدعوة لا بد أن تكون على بينة، وأن تكون على بصيرة، ولا تكون على جهل وعدم علم، فعلى الإنسان أن يتعلم.ثم مجال الدعوة يمكن للإنسان أن يدعو في نفس البلد؛ يعني: يدعو غيره ممن هو بحاجة إلى دعوته وإرشاده وبيانه.ثم أيضاً ليس الإنسان دائماً وأبداً باق هنا، بل هو سيسافر ويحصل له سفرات فيسافر إلى بلده، وأيضاً يسافر إلى بعض المناطق وبعض البلاد، فإذا سافر يدعو، فإنه يترك العلم ويذهب يدعو وهو جاهل، وإنما يتعلم ثم يدعو؛ لأن الدعوة لا بد أن تكون مبنية على علم، فلا تنافي بين الدعوة وبين طلب العلم؛ لأن طلب العلم أولاً والدعوة بعد العلم، ثم يمكن للإنسان أن يدعو دون أن يسافر، أو أن يترك طلب العلم.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:28 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(79)
- (باب استخدام الحائض) إلى (باب في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائض)
إن شريعة الإسلام وسط بين الشرائع، فالحائض في شريعة الإسلام يجوز مؤاكلتها ومجالستها، ويجوز قراءة القرآن للمسلم وهو ملاصق للحائض أو مستند إليها.
استخدام الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استخدام الحائضأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم قال أبو هريرة رضي الله عنه: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال: (يا عائشة! ناوليني الثوب، فقالت: إني لا أصلي، قال: إنه ليس في يدك فناولته)].
شرح حديث أبي هريرة في استخدام الحائض
يقول النسائي رحمه الله: باب: استخدام الحائض، هذه الترجمة وما بعدها من التراجم تتعلق بأحكام الحائض، وهذه الترجمة وهي باب استخدام الحائض، أي: تكليفها بشيء وقيامها بخدمة، أو طلب شيء منها أن تفعله، مثل ما جاء في الحديث من المناولة التي اشتمل عليها الحديث الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.فالمقصو� �: أن استخدام الحائض ومضاجعتها ومجالستها ومؤاكلتها، كل ذلك جائز، والترجمة معقودة لاستخدامها، وقد أورد فيه النسائي: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فقال: (يا عائشة! ناوليني الثوب، فقالت: إنني لا أصلي) يعني: هذا كناية عن كونها حائض، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن ذلك ليس في يدك)، أي: أن حيضتها ليست في يدها، فكونها تعمل شيئاً بيدها، أو تناول شيئاً في يدها فلا علاقة له في الحيض الذي هو الدم، والذي هو المستقذر، فناولته الثوب لما بين لها عليه الصلاة والسلام أن ذلك سائغ، وأنه لا مانع منه، وأن حيضتها ليست في يدها، وكونها تلمس الشيء وتعطيه، أو تناوله لا يؤثر ذلك، بل إن مضاجعة الحائض ومجالستها ومؤاكلتها لا بأس بذلك.وهذا الحديث يدل على أن المرأة يمكن أن تناول وتخرج يدها من الباب، أو من النافذة وأن ذلك لا يعتبر دخولاً في المسجد، ولا يعتبر استخداماً للمسجد من الحائض، فإخراج يدها من الحجرة، أو من مكان خارج من المسجد ومد يدها إلى المسجد، كل هذا لا يؤثر، ولا يعتبر دخولاً منها للمسجد؛ لأن يدها عندما تناولها ليس الحيض فيها، وإنما الدم في محله، وفي موضعه الذي هو فرجها.وهذا الحديث أيضاً يستدل به على أن من حلف لا يدخل مكاناً، فمد يده إليه، أو أدخل يده إليه؛ فإن ذلك لا يعتبر دخولاً فيه؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت في حجرتها، وهي لا تدخل المسجد للحيضة التي معها، وكونها تمد يدها لا يؤثر ذلك، ولا يقال: إنها دخلت المسجد بإدخال يدها فيه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في استخدام الحائض
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي الملقب بـالزمن، وهو ثقة، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، إذ كان بينه وبين وفاة البخاري أربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ومحمد بن المثنى توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وقد توفي أيضاً معه في تلك السنة محمد بن بشار الملقب بندار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهؤلاء الثلاثة جميعاً شيوخ لأصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث المشهور، الثقة، الثبت، الناقد، المعروف بالكلام في الجرح والتعديل، وهو الذي سبق أن ذكرت: أن الذهبي ذكره وذكر عبد الرحمن بن مهدي، وقال في كتابه: الذين يعتمد قولهم في الجرح والتعديل، عندما ذكر جملة منهم على مختلف السنين ومختلف القرون، ذكر يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وقال: إنهما إذا جرحا شخصاً، فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني أنهما قد أصابا الهدف، فهو لا يكاد يندمل جرحه.فهذا يحيى بن سعيد القطان، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وفي طبقته يحيى بن سعيد الأموي، يعني: من طبقة شيوخ شيوخ البخاري؛ لأن البخاري يروي عنهما بواسطة: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد الأموي، وهناك شخصان في طبقة قبلهما، وهما في طبقة صغار التابعين، وهما: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان، فهؤلاء من طبقة صغار التابعين، وكلٌ منهم يقال له: يحيى بن سعيد، ومعرفة الشخص إذا كان مهملاً ولم ينسب فإنه يرجع في معرفته إلى طرق الأسانيد الأخرى؛ لأنه قد ينسب الشخص ويتحدد المقصود فيما إذا كان مهملاً، وهو يحتمل عدة أشخاص، وكذلك أيضاً يمكن أن يعرف عن طريق معرفة الشيوخ والتلاميذ، فيعين أحد الشخصين المتفقين في الاسم، أو في الاسم واسم الأب، يعرف ذلك بمعرفة التلاميذ والشيوخ.[عن يزيد بن كيسان].ويزيد بن كيسان هذا صدوق يخطئ، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري في الأدب المفرد.[حدثني أبو حازم].وهو سلمان الأشجعي الكوفي، وهو ثقة، وأبو حازم يطلق على عدة أشخاص، يعني في الكنية، والمقصود به هنا هو: سلمان الأشجعي الكوفي الذي يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل، المكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين نظمهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّ
شرح حديث عائشة في استخدام الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن عبيدة عن الأعمش ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ناوليني الخمرة من المسجد، قالت: إني حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليست حيضتك في يدك).قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش بهذا الإسناد مثله].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهو مثل حديث أبي هريرة؛ لأن حديث أبي هريرة يحكي ما حصل لـعائشة، وهنا عائشة تحكي ما حصل لها، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (ناوليني الخمرة من المسجد، فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك)، والمقصود أن هذا الحديث مثل حديث أبي هريرة المتقدم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فقال لـعائشة وهي في داخل حجرتها: (ناوليني الخمرة)، وهناك (ناوليني الثوب) كما في حديث أبي هريرة، والخمرة هي: ما يتخذ للصلاة عليها، كسجادة من خوص أو غيره، فهذه يقال لها: خمرة.وقوله: (من المسجد) ليس ذلك متعلقاً بالمناولة، وأن عائشة تحضر هذا من المسجد، بل هو متعلق بـ(قال)، يعني: قال لها وهو في مكان من المسجد: (ناوليني)، وليس المقصود من ذلك: أن الخمرة في المسجد وهي تدخل المسجد وتحضرها، وإنما المقصود من ذلك: أنه قال ذلك وهو في المسجد، وهو مثل حديث أبي هريرة المتقدم أنه كان في المسجد، وطلب منها أن تناوله، ولهذا قال: (إن حيضتك ليست في يدك)، ولو كان المقصود أنها تدخل لكان الأمر لا يختص باليد؛ لكن لما كان الإخراج لليد من داخل الحجرة إلى المسجد قال: (إن حيضتك ليست في يدك)، فدخول يدك إلى المسجد لا يؤثر؛ لأن الحيضة ليست فيها، والدم ليس فيها، وإنما هو في الفرج، وهي بجسمها في الحجرة، ولكنها ناولته ومدت يدها من داخل الحجرة إلى المسجد.فإذاً قوله: (من المسجد) متعلق بـ(قال)، وليس متعلقاً بالمناولة، وأنها تناوله من المسجد وأن تحضره من المسجد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، وهي بحجرتها، ولهذا عبرت بأنها قالت: إنها حائض، وأنها لا تدخل المسجد، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ليست حيضتك في يدك)، يعني: إذا مدت يدها إلى داخل المسجد لا تعتبر دخلت المسجد، ولا يؤثر ذلك؛ لأن حيضتها في فرجها، وجسدها في داخل منزلها، ويدها هي التي خرجت من الحجرة وامتدت إلى المسجد، فذلك لا يؤثر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في استخدام الحائض
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد هذا من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، بل هو أول شيخ روى عنه في سنن النسائي، وما أكثر ما يأتي ذكر قتيبة بن سعيد في الأسانيد يروي عنه النسائي، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو منفرد في رجال الكتب الستة بهذا الاسم.[ عن عبيدة ].وهو عبيدة بن حميد فهو صدوق، وربما أخطأ، وحديثه عند البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم، وقد مر ذكر عبيدة بن حميد فيما مضى، ونبهت على أنه بفتح العين، وأن الذين بفتح العين كثيرون، وهم أكثر الرواة الذين في الكتب، والذين هم بضم العين قليلون، ففي التقريب تسعة أشخاص ممن يسمى عَبيدة بفتح العين، وثلاثة أشخاص ممن يسمى عُبيدة بضم العين، وهذا الذي يسمى في علم المصطلح بالمؤتلف والمختلف، والمتشابه، يعني: أنها تتفق الألفاظ في الرسم وتختلف في الحركات، ويقال له: مؤتلف ومختلف، ويقال له: متشابه.[عن الأعمش].والأعمش لقب اشتهر به سليمان بن مهران الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه، ويأتي كثيراً باللقب، ويأتي أيضاً بالاسم، وقد نبهت مراراً وتكراراً أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين هي حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.[ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم].ثم أتى النسائي بـ(ح) التحويل، ورمز (ح) حرف مفرد مهمل، وهو رمز إلى التحول من إسناد إلى إسناد، فيذكر النسائي إسناداً ثم قبل أن يصل إلى نهايته يعود من جديد، فيأتي بإسناد آخر عن شيخ آخر، ثم يلتقي الإسنادان عند راو معين، فحول الإسناد إلى إسناد آخر، فقال: (ح وأخبرنا إسحاق).وإسحاق بن إبراهيم هو: ابن مخلد الحنظلي المعروف بـابن راهويه، وقد عرفنا مراراً وتكراراً أنه ثقة ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد جمع بين الفقه والحديث، فهو محدث فقيه، وخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[أخبرنا جرير].وهو: ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].وهذا هو الملتقى مع الإسناد الأول، فـالأعمش عنده يلتقي الإسنادان الأول والثاني.[عن ثابت بن عبيد].وثابت بن عبيد ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة.[عن القاسم بن محمد].وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].القاسم هذا يروي عن عمته عائشة؛ لأن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يروي عن عمته عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما.والقاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة يروي عن عمته عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي مكثرة من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس في الصحابيات من هو أكثر منها رواية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.ثم ذكر النسائي إسناداً آخر يلتقي بـالأعمش، ويصل إلى الأعمش، وهو أن إسحاق بن إبراهيم روى هذا الحديث من طريق جرير عن الأعمش، ورواه أيضاً النسائي عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، عن الأعمش.إذاً فبعض الإسناد الذي جاء بعد ذكر الحديث إسحاق بن إبراهيم والأعمش قد مرا في الإسناد الذي قبله.[حدثنا أبو معاوية].وهو ابن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [مثله بهذا الإسناد]، يعني: أن الإسناد من الأعمش فما فوق، والمتن مثل الذي قبله، والمقصود بكلمة (مثله): المماثلة التامة، والمماثلة في الألفاظ، بخلاف قولهم: نحوه، أي: إذا قالوا: بهذا الإسناد نحوه؛ فإن المقصود من ذلك: الاتفاق في المعنى مع الاختلاف في بعض الألفاظ، فهذا يعبر عنه بـ(نحوه)، وأما إذا كان المتن مطابقاً لما قبله فيقال فيه: مثله.
بسط الحائض الخمرة في المسجد
شرح حديث ميمونة في بسط الحائض الخمرة في المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بسط الحائض الخمرة في المسجدأخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن منبوذ عن أمه أن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع رأسه في حجر إحدانا فيتلو القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد فتبسطها وهي حائض)].قول المصنف رحمه الله: (باب: بسط الحائض الخمرة في المسجد).الخمرة كما عرفنا: هي السجادة من حصير أو غيره يصلى عليه، وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، قالت: (كانت إحدانا، أي: أمهات المؤمنين أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم، كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يضع رأسه في حجر إحدانا فيقرأ القرآن وهي حائض، وتقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد وهي حائض)، والمقصود بالجملة الثاني، وهي: بسط الحائض الخمرة في المسجد وهي حائض، لكن هذا لا يعني دخولها في المسجد؛ لأنها يمكن أن تبسطها وهي خارج المسجد فيما إذا كان باب الحجرة على المسجد، فهي تبسطها في المسجد وهي في باب الحجرة، ومن غير أن تخرج إلى المسجد؛ لأن الحد الفاصل بين الحجرة والمسجد الباب، فيمكن أن تقف في الباب وتبسط الخمرة في المسجد دون أن تخرج إلى المسجد.إذاً: ففي الحديث شاهد لما ترجم له المصنف، وفيه أيضاً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم يجعل رأسه في حجر إحدى أمهات المؤمنين ويتلو القرآن وهي حائض، ففي هذا دليل على جواز مثل ذلك، وأن قراءة القرآن عند الحائض، أو وهو متصل بالحائض، بمعنى مستند إليها أو ملاصق لها، وأن ذلك لا يؤثر، ولو كان فيها نجاسة، والدليل على ذلك فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث ميمونة في بسط الحائض الخمرة في المسجد
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان].ومحمد بن منصور هذا سبق أن عرفنا أن للنسائي شيخين، هما: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي، وكل منهما روى عن السفيانين؛ لكن كونه يفسر بأنه سفيان بن عيينة فهو الأوضح؛ لأن محمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، ومن المعلوم أنه إذا ذكر شخص مهمل محتمل لشخصين أو أكثر؛ فإنه يحمل على من يكون له علاقته به أكثر، وهنا كونه يكون المكي الجواز هو أقرب؛ لأنهما من بلد واحد، وأنه كثير الملازمة وكثير الاتصال بـسفيان بن عيينة؛ فيكون هو أقرب من أن يكون الثوري، ومما يؤيد هذا ويزيده وضوحاً أن الذي روى عنه سفيان وهو منبوذ هذا روى عنه ابن عيينة، وذكروا ذلك في ترجمته في تهذيب التهذيب.إذاً: فهذا يوضح ما هو مشهور ومعروف من أن محمد بن منصور، وإن كان يحتمل اثنين: الجواز، والطوسي، إلا أنه يحمل على أنه سفيان بن عيينة، وأنه الجواز.ومحمد بن منصور الجواز ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وسفيان بن عيينة كذلك هو ثقة، ثبت، حجة، إمام، عابد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن منبوذ].هو منبوذ بن أبي سليمان، وقيل: إن اسمه سليمان بن أبي سليمان، ومنبوذ لقب، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده، يروي عن أمه، وأمه أيضاً مقبولة، خرج حديثها النسائي وحده.[عن ميمونة].وهي ميمونة أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكرها فيما مضى رضي الله عنها وأرضاها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:32 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(79)
في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائض
شرح حديث عائشة: (كان رأس رسول الله في حجر إحدانا وهي حائض وهو يتلو القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائضأخبرنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر واللفظ له قالا: أخبرنا سفيان عن منصور عن أمه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر إحدانا وهي حائض وهو يتلو القرآن)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب في الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته وهي حائض، أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون رأسه في حجر إحدانا فيقرأ القرآن، وهي حائض)، وهو مثل ما تقدم في الحديث الذي قبله حديث ميمونة، فيقرأ القرآن وهي حائض؛ ويدلنا هذا الحديث على جواز ذلك، وأنه لا بأس من قراءة القرآن في القرب من الحائض، أو في الاتصال بها، سواء كان رأسه في حجرها، أو هو مستند إليها، وما إلى ذلك من الأحوال، فكل هذا سائغ، وإن كان فيها نجاسة، فإنه لا يمنع من أن يكون على صلة بها أو يكون جسمه متصلاً بها وهو يقرأ القرآن، فالدليل على هذا هذه الأحاديث التي جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عن ميمونة وعائشة رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رأس رسول الله في حجر إحدانا وهي حائض وهو يتلو القرآن)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن حجر].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي بن راهويه، الذي تقدم ذكره قريباً، وعلي بن حجر هو: ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[واللفظ له] وهذا عند النسائي، عندما يذكر الحديث عن شيخين يجعل اللفظ للأخير منهما وينص عليه، وأحياناً يجعل اللفظ لأولهما وينص عليه، يقول: واللفظ لفلان، يعني: للأول، وهذا قليل في عمل النسائي، والأكثر كونه يجعله للشيخ الثاني من الشيخين، فينص عليه ويقول: واللفظ له، فينص على اسمي شيخين من شيوخه ثم يقول: واللفظ له، والضمير يرجع إلى أقرب المذكور، وأقرب المذكور هنا هو علي بن الحجر، فيكون اللفظ لـعلي بن الحجر، أي: المتن لـعلي بن الحجر.[أخبرنا سفيان].وسفيان هنا مهمل غير منسوب، يروي عن منصور وهو: ابن صفية منسوب إلى أمه، وقد روى له السفيانان؛ لكن في ترجمة إسحاق بن راهويه في تهذيب التهذيب أنه روى عن ابن عيينة، فيكون هذا المهمل هو ابن عيينة.وسفيان بن عيينة مر ذكره قريباً.[عن منصور عن أمه].ومنصور هو: ابن صفية، واسم أبيه عبد الرحمن، فهو منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الحجبي العبدري، نسبة إلى بني عبد الدار وإلى حجابة الكعبة، وهي سدانتها، يعني: أنه من آل شيبة الذين هم سدنة الكعبة وحجبتها، فـمنصور هذا هو: ابن عبد الرحمن الحجبي العبدري، وأحياناً ينسب إلى أمه فيقال: منصور بن صفية.ومنصور بن عبد الرحمن ثقة، وحديثه عند الجماعة إلا الترمذي، يروي عن أمه صفية، وصفية هي بنت شيبة، أيضاً هي عبدرية، واختلف في صحبتها، منهم من قال: إنها صحابية، ومنهم من قال: إنها غير صحابية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].وعائشة قد تقدم ذكرها رضي الله عنها.
الأسئلة
اسم أم منبوذ ومدى صحة إسناد حديث ميمونة: (كان رسول الله يضع رأسه في حجر إحدانا...)
السؤال: ما اسم أم منبوذ، وهل هذا الحديث صحيح الإسناد؟الجواب: اسم أم منبوذ لم يذكر فـالحافظ في التقريب لما جاء في ذكر النساء قال: أم منبوذ، وما ذكر اسمها، وقال: إنها مقبولة روى حديثها النسائي، والإسناد هذا الذي فيه قيل: عن منبوذ بأنه مقبول، وعن أمه بأنها مقبولة، طبعاً المقبول في اصطلاح الحافظ ابن حجر هو الذي يتابع ويحتاج إلى متابعة، ومن المعلوم أن الحديث جاء عن غير ميمونة بغير هذا الإسناد عن عائشة، وحديث عائشة دال على ما دل عليه حديثه، إلا ما يتعلق بذكر بسط الخمرة في المسجد، ومن المعلوم أن ذلك لا يؤثر؛ لأنه ليس فيه دخولها للمسجد، وإنما فيه أنها يمكن أن يحصل منها وهي خارج المسجد.
مدى مشروعية الصلاة على السجادة والاستدلال بحديث عائشة على الجواز
السؤال: هل يؤخذ من حديث عائشة مشروعية الصلاة على السجادة؟الجواب: نعم: يؤخذ منه جواز الصلاة على السجادة، وعلى الفراش، كما أنه يصلي على الأرض فيصلي على السجادة أو على الفراش، ولا يقال: مشروعية واستحباب الصلاة على السجادة؛ لأنه سائغ أن يصلي على الأرض كما يصلى على السجادة، فكل ذلك سائغ، ولا محذور فيه ولا مانع منه؛ لكن لا يقال: إنها سنة، بمعنى أنه يسن للإنسان أن يصلي على السجادة، وأنه يترك الأرض، لا، بل يقال: يمكن أن يصلي عليها، ويمكن أن يصلي على السجادة.
ما يلزم الحائض إذا شاهدت الطهر ثم بعده بمدة خرجت الكدرة والصفرة
السؤال: إذا شاهدت الحائض الطهرة ثم شاهدت بعدما اغتسلت بسبع ساعات تقريباً كدرة وصفرة، فهل تعيد الاغتسال؟الجواب : نعم، إذا كان في زمن الحيض، فإذا كانت الكدرة والصفرة هذه في زمن الحيض، بمعنى أن عادتها مثلاً سبعة أيام، فهي عند انتهاء الستة الأيام طهرت واغتسلت فخرجت الكدرة والصفرة في زمن العادة فهي حيضٌ.
مدى الاستفادة من تقريب تقريب التهذيب
السؤال: هناك في هذا الزمان من قام بتقريب تقريب التهذيب، فحذف الطبقات ورموز أصحاب الكتب الستة، فهل يستفاد من هذا الكتاب؟الجواب: كما هو معلوم أن التقريب أقل، وهو مختصر، وكما يقولون: المصغر لا يصغر، فهو لا يقبل الاختصار، والناس بحاجة إلى هذه الرموز وهذه الطبقات، ثم أيضاً عندما يريد الإنسان أن يعزو فإنه يعزو إلى هذا المختصر: اختصار فلان، وكما هو معلوم الكتاب في غاية الاختصار، وهو لا يحتاج إلى اختصار، والفائدة هي موجودة في التقريب وزيادة.
مدى سنية حسر الرأس عند نزول المطر
السؤال: هل ثبت أن من السنة حسر الرأس عند المطر، أو عند نزول المطر؟الجواب: أقول: لا أدري؛ لكن جاء في حديث في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج عند المطر ويقول: (إنه حديث عهد بربه)؛ لكن كلمة: (حسر الرأس) هذه ما يحضرني فيها شيء.
حكم تقصير اللحية وتهذيبها
السؤال: الرجاء بيان حكم تقصير أو تهذيب أو تحديد اللحية مع الأدلة؟الجواب: إذا كان المقصود بالتحديد هو الحد، يعني: حدها، فاللحية هي الشعر النابت على الخدين والذقن؛ على العارضين واللحيين؛ لأن لحي الإنسان فيه لحيان أيمن وأيسر، والذقن وهو ملتقاهما من أسفل، فالشعر النابت عليهما كله يقال له: لحية، هذا هو حدها.أما تقصيرها وأخذ شيء منها، فذلك لا يجوز؛ لأنه لم يأت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يدل على ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعفي لحيته، وأصحابه يعفونها وهو يشاهدهم، بل ويأمرهم بعدة ألفاظ، فيقول: (أرخوها)، ويقول: (أعفوها)، ويقول: (وفروها)، وكل هذا يقتضي بقاءها وعدم التعرض لها، وقد جاء في سنن الترمذي حديث ضعيف جداً، (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من عرضها وطولها)، وهذا حديث في إسناده عمر بن هارون البلخي، وهو متروك وضعيف جداً، لا يحتج به، ووجوده مثل عدمه. إذاً فالأصل هو تركها كما كان يتركها رسول الله عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.مداخلة: يأخذون ما زاد على القبض، فهل هذا ثابت؟الشيخ: لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا جاء عن عبد الله بن عمر بعد النسك، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا لا في النسك ولا في غيره، وكذلك أبوه عمر رضي الله عنه ما فعل هذا. إذاً فالأخذ بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة الآخرين الذين لم يأخذوها عند النسك، أو لم يأخذوا شيئاً عند النسك، هذا هو المتعين الأخذ به والمصير إليه، وما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه لا يؤخذ به، وإنما يؤخذ بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول كان يتركها ولا يتعرض لها، ثم إن بعض الناس الذين يأخذون من لحاهم ويحتجون بفعل ابن عمر، لا يفعل كما يفعل ابن عمر، وإنما يتخذ هذا مدخلاً، ثم يكاد أن يحلق، يعني: من شدة التقصير؛ لأنه كما هو معلوم أن الأخذ منها ما زاد على القبضة، فإذا قبض الإنسان على لحيته وأخذ ما زاد عليها، فتكون لحيته طويلة ولا تكون قصيرة، ولكن كما قلت: حتى ما زاد على القبضة لا يؤخذ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أخذ، والحجة هو فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام.
حكم خدمة المرأة لزوجها
السؤال: ما حكم خدمة المرأة لزوجها مع ذكر الدليل؟الجواب: خدمة المرأة لزوجها سائغ وجائز، وهذا هو الذي كان معلوماً من فعل أمهات المؤمنين مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك نساء الصحابة ومن بعدهم، كلهم على هذه الطريقة وعلى هذا المنوال، والدليل هو ما جاء في الأحاديث الكثيرة من قيام النساء لخدمة أزواجهن، وفي مقدمتهن أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات اللاتي يخدمن أزواجهن.
الراجح في اسم أبي هريرة ومدى صحة كونه أسلم على يد الطفيل بن عمرو الدوسي
السؤال: ما هو الراجح في اسم أبي هريرة عند المحدثين؟ وهل صحيح أن أبا هريرة رضي الله عنه أسلم على يد الطفيل بن عمرو الدوسي في بداية البعثة؟الجواب: أبو هريرة اشتهر بكنيته أبي هريرة، واسمه فيه أقوال كثيرة أشهرها أن اسمه عبد الرحمن، هذا هو أشهرها وأوضحها عند العلماء.وأما إسلامه على يد من كان؟ فلا أدري، والطفيل بن عمرو الدوسي معلوم أنه متقدم في الإسلام، وكان ذلك قبل الهجرة، بل إنه هو الذي عرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى بلده، وأن قومه فيهم منعة، وأنهم يقومون بالدفاع عنه، ويمنعونه مما يمنعون أنفسهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (ارجع إلى قومك)، يعني: ولم يشأ أن يهاجر إلى بلده بلاد دوس، وكان الله عز وجل قد كتب وهيأ وقدر أن يكون ذلك المجيء إلى هذه المدينة المباركة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هجرته إليها، ولن يوافق النبي عليه الصلاة والسلام الطفيل بن عمرو بالهجرة إلى بلاده، فقد عرض عليه ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وجاء إليه في المدينة، وجاء ومعه شخص آخر، وكان ذلك الشخص قد أصاب يده شيء من الألم، فقطع طرف إصبعه من شدة الألم الذي وجده، فبعد ذلك رآه في المنام الطفيل بن عمرو، يعني: بعدما مات ذلك الرجل، فرآه على حالة حسنة، ورأى أن ذلك القطع قد وضع عليه شيئاً غطاه به، فقال: ماذا حصل لك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقص الطفيل بن عمرو الرؤيا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه وقال: (اللهم وليديه فاغفر)، والحديث في صحيح مسلم.
تنبيه طالب العلم بالصلاة على النبي عند ذكره خاصة في حلق العلم
السؤال: فضيلة الشيخ! من الملاحظ أن الإخوة طلبة الحلقة لا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره، ومن المعلوم أن من أبرز فضائل أهل الحديث كثرة صلاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم، حبذا لو نبهتهم على ذلك فجزاكم الله خير؟الجواب: معلوم أن الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكره مشروع ومهم، ومستحب، بل قد جاء في الحديث: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليِّ)، عليه الصلاة والسلام، وقال: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليِّ)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لكن الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بلازم أن يرفع بها الصوت؛ لكن يشرع للإنسان أن يتلفظ بها، وإن سمعت منه بصوت منخفض لا يشوش على أحد فهذا حسن، وإذا صلى وسلم عليه دون أن يرفع صوته، وبحيث يسمع نفسه فقد حصل المقصود؛ لكن إذا صلى وسلم عليه ورفع صوته رفعاً خفيفاً لا يشوش على أحد، فينبه من كان غافلاً، فهذا هو الذي ينبغي، ومن المعلوم أن هذا من أعظم المكاسب والفوائد التي يحصلها طلبة الحديث؛ لأنه كثير ما يأتي عندهم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلون ويسلمون عليه، عليه الصلاة والسلام فيحصلون الخير الكثير، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من صلى عليِّ واحدة صلى الله بها عشراً)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالذي ينبه عليه الجميع هو ألا يغفل أحد عن الصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام عند ذكره عليه الصلاة والسلام، ويكون ذلك بصوت منخفض لا يحصل معه تشويش.
النذر لخدمة الإسلام والمسلمين دون إذن الأبوين
السؤال: هل يحق لي أن أنذر نفسي لخدمة الإسلام والمسلمين بدون إذن والدي؟الجواب: كل مسلم ينبغي أن يجعل نفسه في خدمة الإسلام والمسلمين، سواء كان بإذن الوالدين أو بدون إذنهم، فالإنسان يجتهد في أن ينفع نفسه، وينفع غيره ومن المعلوم أن خدمة الإسلام والمسلمين أعظم ما تكون بتوجيههم ودعوتهم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ومساعدتهم على ما يمكنهم مساعدتهم إياه، كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة)، يعني: كل هذا من نفع المسلمين ومن خدمة المسلمين ومن إفادة للمسلمين.
ترك الزواج مخافة ترك الجهاد
السؤال: هل يحق لي ألا أتزوج مخافة الجبن وترك الجهاد؟الجواب: لا، لا يترك الزواج مخافة الجبن وترك الجهاد، بل يتزوج ويجاهد، فالرسول صلى الله عليه وسلم سيد المجاهدين وهو الذي تزوج، وشرع لأمته الزواج، وحثهم عليه ورغبهم فيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فمن استطاع الزواج فليبادر إليه، وليحرص مع ذلك على أن ينفع في الجهاد وفي غير الجهاد، والزواج لا يمنع الجهاد، فأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يجاهدون كلهم متزوجون إلا القليل، فما منعهم ذلك من الجهاد في سبيل الله رضي الله عنهم وأرضاهم.
حكم تلاوة القرآن للحائض والجنب
السؤال: هل يمكن أن نستدل بحديثي أبي هريرة وعائشة على جواز تلاوة القرآن للحائض، وكذلك جواز تلاوته للجنب؟الجواب: قراءة القرآن للحائض ليس فيه دليل على ما يمنع من ذلك، ثم أيضاً الحائض لا تستطيع التخلص من الحيض بيدها، بخلاف الجنب، فالجنب يتخلص من الجنابة بيده، فيذهب ويغتسل أو يتيمم إذا لم يجد ماء؛ لكن الحائض ما تستطيع إلا إذا انتهى الحيض، وإذا لم تقرأ قد يؤدي ذلك إلى نسيانها للقرآن، فقراءتها للقرآن لا مانع منه، لا سيما إذا كانت تخشى أن تنسى الحفظ؛ وليس هناك نص يمنع، بل هذا الحديث يستدل به بعض العلماء على أنها لا تقرأ القرآن، قالوا: لأنه ذكر، قالت: (وهي حائض)، يعني: أنه كان يقرأ القرآن وهي حائض، يعني: يمسها، فهذا الحديث لا يدل على أنها كانت تقرأ القرآن.
حكم تسمية المدارس باسم أم النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: هناك مدرسة تسمى مدرسة آمنة بنت وهب، فما رأي فضيلة الشيخ في هذه التسمية؟ فإن آمنة بنت وهب لم تمت على الإسلام والتوحيد، وقد تؤثر هذه التسمية على الناس حيث يتعلق قلوبهم بهذا الاسم وصاحبه.الجواب: لا يصلح التسمية بأسماء غير المسلمين، ولا أيضاً من ينتسب للإسلام وعنده ما يناقض الإسلام، يعني: من جنس بعض المنتسبين للإسلام وعندهم أمور تناقض الإسلام، مثل ابن سينا والفارابي، فـابن سينا قال عنه ابن القيم في كتابه شفاء العليل: شيخ الملحدين ابن سينا في شرح حديث تحاج آدم وموسى، يعني: ذكر عنه تفسيراً في غاية السوء، وكذلك الفارابي فكان يقال عنه: إنه لا يقول بمعاد الأجسام، (المعاد الجثماني)، وإنما يقول: بمعاد الأرواح، فلما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية قال: فعليه -إن كان مات على ذلك- لعنة رب العالمين.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(80)
باب غسل الحائض رأس زوجها - باب مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها
يجوز مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها، وكذلك تغسيلها لرأس زوجها، وكل هذا من يسر الدين وسماحته.
غسل الحائض رأس زوجها
شرح حديث عائشة: (كان النبي يومئ إلي رأسه وهو معتكف فأغسله وأنا حائض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: غسل الحائض رأس زوجها.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى رأسه وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض)].هنا يقول النسائي رحمه الله باب غسل المرأة رأس زوجها وهي حائض. هذه الترجمة تتعلق ببعض الأمور المتعلقة في الحائض، وهي كونها تغسل رأس زوجها في حال حيضها، وأن ملامستها له بالماء وغيره أنه لا بأس به ولا مانع منه، وقد أورد النسائي رحمه الله عدة أحاديث، أولها: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئ إليّ رأسه وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض)، يعني: أنه يخرج إليها رأسه من المسجد وهي في الحجرة، وذلك في حال اعتكافه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فتغسله وهي حائض، وهو واضح الدلالة على ما ترجم له، وأن هذا العمل سائغ وجائز وأنه لا مانع منه، فقد كان عليه الصلاة والسلام يخرج رأسه إلى عائشة وهو في المسجد، وهي في الحجرة فتغسله وهي حائض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان النبي يومئ إلي رأسه وهو معتكف فأغسله وأنا حائض)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس، محدث، مشهور وناقد، كلامه كثير في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[أخبرنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان، وهو أيضاً محدث، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وهو ثقة ثبت وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].وسفيان هذا غير منسوب، فيحتمل أن يكون الثوري ويحتمل أن يكون ابن عيينة، وفي ترجمة يحيى بن سعيد القطان في تهذيب الكمال يقول: إنه روى عن السفيانين: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وفي ترجمة منصور بن المعتمر يقول: إنه روى عنه السفيانان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، إذاً: فالاحتمال قائم؛ لأن كلاً من السفيانين روى عنهما يحيى بن سعيد القطان، وكلاً منهما رويا عن منصور بن المعتمر، ووجه الترجيح أو الذي يمكن أن يرجح به أحدهما على الآخر أن يقال: الأظهر أنه سفيان الثوري؛ لأن سفيان الثوري كوفي، ومنصور بن المعتمر كوفي، وسفيان بن عيينة مكي، ومن المعلوم أن ملازمة الكوفي للكوفي لكونه من بلده يكون له به خصوصية، بخلاف من هو في بلد آخر، فإنه لا يلتقي به إلا في رحلة وفي أوقات مخصوصة، وكونه في مكة يمكن أن يتم ذلك بحج أو عمرة أو رحلة لطلب الحديث.إذاً: فكون سفيان الثوري كوفياً ومنصور بن المعتمر كوفياً يجعل جانب رجحان أن يكون سفيان الثوري أقرب من أن يكون سفيان بن عيينة.وسفيان الثوري إمام محدث كبير مشهور، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، ولا تحصل إلا للقليل النادر من المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وسفيان غير منسوب كما عرفنا، وهذا يسمى المهمل في علم المصطلح وليس المبهم، فإذا قيل: عن رجل، أو حدثني رجل، فهذا يقال له: مبهم؛ لأنه غير مسمى، وأما المهمل يسمى ولكن تهمل النسبة، ويعرف التمييز بالرجوع إلى الطرق المتعددة، وقد يسمى بها ذلك المهمل، أو بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، فإنه يمكن بواسطة ذلك أن يعرف ذلك المهمل الذي هو غير منسوب.[حدثني منصور].هو منصور بن المعتمر ثقة ثبت، وهو كوفي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].وهو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي أيضاً، وهو ثقة وفقيه مشهور، معروف بالفقه ومعروف بكثرة الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأسود].وهو ابن يزيد النخعي، وخاله هو إبراهيم النخعي، وهو مخضرم وثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والمخضرمون هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحصل لهم شرف الصحبة، وقد كانوا موجودين في زمانه ولم يحصل لهم شرف لقياه حتى يكونوا بذلك من الصحابة.[عن عائشة].وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكرها كثيراً.إذاً: فهذا الإسناد رواته كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة: عمرو بن علي الفلاس، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان الثوري، ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، وعائشة؛ سبعة رواة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، ومن دون الصحابية كلهم ثقات: الأسود بن يزيد، وإبراهيم بن يزيد، ومنصور بن المعتمر، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وعمرو بن علي الفلاس، فكل هؤلاء من الثقات.
شرح حديث عائشة: (كان رسول الله يخرج إليّ رأسه من المسجد وهو مجاور فأغسله وأنا حائض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث وذكر آخر عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إليّ رأسه من المسجد وهو مجاور فأغسله وأنا حائض)].وهنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريقٍ أخرى، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إليها رأسه من المسجد وهو مجاور له، فتغسله وهي حائض، (ومجاور) يعني: معتكف، وهو مثل الذي قبله، بل هو موضحٌ للذي قبله؛ لأن كلمة: (يومئ) تفسرها هذه الرواية وهي: يخرج (ويومئ) يعني: يخرج، فالرواية الثانية هذه مفسرة للرواية الأولى.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رسول الله يخرج إليّ رأسه من المسجد وهو مجاور فأغسله وأنا حائض)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، فخرج له مسلم وثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، وهم من عدا الترمذي.[حدثنا ابن وهب]. وهو عبد الله بن وهب المصري، الثقة الفقيه، المكثر من الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا عمرو بن الحارث وذكر آخر].يعني: أن عبد الله بن وهب المصري روى عن عمرو بن الحارث وهو أيضاً مصري، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، أعني عمرو بن الحارث، والرجل الآخر هنا لم يسم فهو مبهم، والمبهم هو الذي لم يذكر اسمه بأن يقال: رجل، وأما إذا سمي كالذي مر في الإسناد الذي قبل هذا وهو سفيان، لم يقل: الثوري ولا ابن عيينة، فهذا يقال له: مهمل، يعني: مهمل النسبة، وأما هذا فيقال له: مبهم، والمبهم لا يؤثر إلا إذا كان وحده في الإسناد، أما ما دام قد ذكر مع غيره ممن هو ثقة فالعمدة على غيره، وهذا وجوده كعدمه لا يؤثر، سواءً ذكر أو لم يذكر، عرف أو لم يعرف؛ لأن العمدة على المسمى وهو ثقة، وهو عمرو بن الحارث المصري، وهذا الرجل الذي لم يسم الأظهر أنه عبد الله بن لهيعة؛ لأن النسائي تجنب حديث عبد الله بن لهيعة وأعرض عنه، وقد ذكروا أن ذلك من انتقائه، وأن حديث عبد الله بن لهيعة عنده ويعرفه حديثاً حديثاً، ومع ذلك لم يخرج في سننه عن عبد الله بن لهيعة؛ لأنه صدوق، احترقت كتبه فترك، ولم يأخذ عنه بعض العلماء، ومنهم من أخذ عنه وروى عنه، لكن النسائي تجنب حديثه، فلعله يعنيه؛ لأنه جاء في الإسناد: عن عمرو بن الحارث، ورجل آخر، فيحتمل أن يكون ابن لهيعة ولكنه لم يسمه؛ لأنه ما أراد الرواية عنه، وقد تجنب حديثه، وهو عمرو بن الحارث في طبقةٍ واحدة، وهما مصريان، وعبد الله بن وهب مصري، فالأظهر أنه عبد الله بن لهيعة، لكن كما قلت: لا يؤثر عدم تسميته؛ لأنه ليس عليه اعتماد، فوجوده كعدمه؛ لأن الاعتماد على المسمى وهو عمرو بن الحارث، وعمرو بن الحارث كما ذكرت هو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الأسود]. وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، المشهور بلقب (يتيم عروة)، وقيل له: يتيم عروة؛ لأن أباه أوصى به إلى عروة، فصار يقال له: يتيم عروة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مدني. [عن عروة]. وهو عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين في المدينة، وهو من الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة]. يروي عروة عن خالته عائشة رضي الله عنها؛ لأن أمه أسماء بنت أبي بكر، هي أخت عائشة، فهو يروي عن خالته عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها في الحديث الذي قبل هذا.إذاً: فهذا الإسناد رواته كلهم من الثقات، وكلهم خرج له أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي: محمد بن سلمة المرادي، فإنه لم يخرج له البخاري ولا الترمذي، والباقون خرج لهم أصحاب الكتب الستة.وفي الإسناد: محمد بن سلمة المرادي، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، وهؤلاء مصريون، وأما يتيم عروة الذي هو أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وعروة، وعائشة فهم مدنيون، فنصف الإسناد مصريون، ونصفه مدنيون، وكل الرواة ثقات الذين هم دون الصحابية، وأما الصحابة فلا يقال عن الواحد فيهم: ثقة، وإنما يكفي أن يقال عنه: صحابي كما عرفنا ذلك فيما مضى، فالصحابة لا يحتاجون إلى تعديل مع تعديل الله لهم وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين.
شرح حديث عائشة: (كنت أرجل رأس رسول الله وأنا حائض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: (كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض)].وهنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض، وترجله يعني: تسرحه، والترجيل هو: تسريح الشعر، وهذا يدل على أن كون المرأة تغسل شعر رأس زوجها أو ترجله وتسرحه في حال حيضها أنه لا بأس بذلك ولا مانع منه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أرجل رأس رسول الله وأنا حائض)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، الثقة الثبت، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد جاء ذكره كثيراً في سنن النسائي، بل هو أول شيخ روى عنه النسائي في سننه.[عن مالك]. وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه الإمام، صاحب أحد المذاهب الأربعة المشهورة، وهو من أئمة الحديث في الفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة]. وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأبوه عروة، وعروة يروي عن عائشة، وقد مر ذكرهم في إسناد الحديث الذي قبل هذا.
شرح حديث عائشة: (كنت أرجل شعر رسول الله وأنا حائض) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك (ح) وأخبرنا علي بن شعيب حدثنا معن حدثنا مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها مثل ذلك].وهنا أورد النسائي طريقاً آخر أو طريقين آخرين من النسائي، وكلها تلتقي عند مالك.والنسائي ما ذكر المتن، ولكنه أحال إلى المتن الذي قبله، وقال: (مثل ذلك)، يعني: ذلك الحديث المتقدم، وهو أن عائشة قالت: (كنت أرجل شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض)، فالمتن في هذا الإسناد مثل المتن السابق، وقد ذكرت سابقاً أن التعبير بمثله يقتضي المماثلة في المتن، بخلاف التعبير بنحوِه؛ فإن هذا يقتضي الاتفاق في المعنى وإن حصل اختلاف في بعض الألفاظ، فهذا يقال فيه: نحوه، وأما إذا كان المتن مطابقاً للمتن فيقال: مثله.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أرجل شعر رسول الله وأنا حائض) من طريق أخرى
قوله: [قتيبة بن سعيد عن مالك].وهو مماثل للإسناد الذي قبل هذا.[(ح) وأخبرنا علي بن شعيب].ثم أتى بـ (ح) التحويل فقال: وعلي بن شعيب وهو السمسار البغدادي، وهو ثقة، وخرج حديثه النسائي وحده، ولم يخرج له الباقون من أصحاب الكتب الستة. [حدثنا معن]. وهو معن بن عيسى، وهو ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن مالك]. مالك هو الذي مر في الإسناد الذي قبله.وعلى هذا فالإسنادان: الإسناد العالي، والإسناد النازل كلاهما إلى مالك؛ لأن بين النسائي وبين مالك في الإسناد الأول قتيبة بن سعيد، وفي الإسناد الثاني بينه وبين مالك شخصان وهما: علي بن شعيب ومعن بن عيسى، فالإسناد الثاني يعتبر نازلاً بالنسبة للإسناد الأول، والإسناد الأول يعتبر عالياً بالنسبة للإسناد الثاني. [عن الزهري]. وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً، وهو فقيه محدث جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة عن عائشة]. وقد مر ذكرهما في الأسانيد السابقة.
توضيح معنى: إسناد العالي والنازل
ونقول بأن العلو والنزول نسبيان، يعني: يكون الإسناد عالياً بالنسبة إلى إسناد آخر، ونازلاً بالنسبة إلى إسناد عال، والإسناد العالي هو: الذي يقل فيه الرجال بين المصنف وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسناد النازل هو: الذي يكثر فيه الرجال، فمثلاً: أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، فيكون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، هذا بالنسبة لكامل الإسناد، لكن هنا بالنسبة للرواية عن مالك، فإن النسائي روى عن مالك الحديث من طريقين: طريق فيه بينه وبين مالك: قتيبة شيخه، وطريق آخر بينه وبين مالك: علي بن شعيب البغدادي ومعن بن عيسى المدني، فإذاً يعتبر الإسناد الأول عالياً بالنسبة للإسناد الثاني؛ لأن النسائي في الإسناد الأول بينه وبين مالك شخص واحد وواسطة واحدة، وفي الإسناد الثاني بينه وبين مالك واسطتان، إذاً الإسناد الأول أعلى من الثاني؛ لأن الأول قلت الوسائط وليس فيه إلا واسطة واحدة، وفي الإسناد الثاني كثرت الوسائط ففيه واسطتان.إذاً عندنا الأسانيد العالية والنازلة؛ فالأسانيد العالية: هي التي يقل فيها الرواة، فمثلاً: النسائي أعلى الأسانيد عنده الرباعيات، والبخاري أعلى الأسانيد عنده الثلاثيات، ويقال: إن أنزل الأسانيد عنده التساعيات، يعني: تسعة أشخاص بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثيات، وعنده أحاديث أسانيدها ثمانيات وسباعيات وسداسيات، لكن عنده تساعيات، ويقال: إنها أنزل شيءٍ عنده، أو أطول شيءٍ عنده التساعيات، وأما النسائي فلا أدري ما هو أنزل شيء عنده، لكن عنده عشاريات، يعني: بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أشخاص.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(80)
مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها
شرح حديث عائشة في مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها. أخبرنا قتيبة حدثنا يزيد وهو ابن المقدام بن شريح بن هانئ عن أبيه عن شريح عن عائشة رضي الله عنها قال: (سألتها: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا عارك، وكان يأخذ العرق فيقسم علي فيه، فأعترق منه، ثم أضعه فيأخذه فيعترق منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق، ويدعو بالشراب فيقسم علي فيه قبل أن يشرب منه، فآخذه فأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح)].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكون الطعام بين يديه، فيأخذ العرق وهي طامث أو عارك، والطامث والعارك هي: الحائض؛ يقال لها: طامث، ويقال لها: عارك، وقد جاء في الحديث هذا ذكر عارك وطامث والمراد به أنها حائض، فكان رسول الله يأخذ العرق ويعطيه لـعائشة قبل أن يأكل منه ويحلف عليها أن تتعرق، ثم تأخذه وتتعرقه، وإذا وضعته أخذه وأكل من حيث أكلت، يعني: المكان الذي كانت تضع عليه فمها، يضع فمه عليه عليه الصلاة والسلام.والعرق: هو العظم الذي عليه بقية من اللحم بعدما يخفف، فيتناوله الآكل ويأكل منه، يعني: لا يأخذه وهو كثير، وإنما يخفف ما عليه من اللحم حتى يبقى عليه قليل من اللحم فيتناوله الآكل، فيتعرقه يعني: يأخذه بأسنانه، وكان عليه الصلاة والسلام يقسم على عائشة ويحلف عليها أن تأخذه وأن تأكل قبله فتأكل، ثم يأخذ فيأكل من حيث أكلت، وكان يدعو بالماء فيؤتى به فيقسم عليها أن تشرب قبله، فإذا شربت أخذه ووضع فمه على الناحية التي وضعت فمها عليها من القدح فيشرب منه وهي حائض، والحديث دال على ما ترجم له المصنف من جهة مؤاكلتها والشرب من سؤرها، وهذا الحديث واضح الدلالة عليه.وفيه أيضاً: بيان أن الدين الإسلامي وسط بين ما كان عليه اليهود والنصارى، فإن اليهود إذا حاضت المرأة لا يجالسونها، ويتجنبونها ويبتعدون عنها، والنصارى يجامعونها، فعندهم إفراطٌ وتفريط، والدين الإسلامي وسطٌ بين ما كان عليه اليهود وما كان عليه النصارى؛ لأنها تؤاكل ويجلس معها، لكن لا تجامع.وهذا الحديث فيه ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من كمال الأخلاق وحسن المعاشرة لأهله عليه الصلاة والسلام، ولطفه بهم ومؤانسته إياهم، فإنه كان كما ذكرت عائشة يعطيها العظم الذي عليه لحم ويحلف عليها أن تأكل قبله، ثم إذا أكلت أخذه منها ووضع فمه حيث وضعت فمها من العرق، فيأكل من بقية ما أكلت، ويؤتى بالماء فيحلف عليها أن تشرب قبله، وإذا شربت أخذه منها ووضع فمه على حافة الإناء في الجهة التي وضعت فمها عليها، فهذا من حسن معاشرته لأهله، ولطفه بهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مؤاكلة الحائض والشرب من سؤرها
قوله: [أخبرنا قتيبة]. قد مر قريباً. [حدثنا يزيد وهو ابن المقدام]. وهو يزيد بن المقدام بن شريح، وهو صدوقٌ، وخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الثلاثة: أبو داود والنسائي وابن ماجه.[عن أبيه]. وأبوه هو المقدام بن شريح، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن شريح]. يعني: المقدام يروي عن شريح، وهو: شريح بن هانئ، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عائشة]. وهي أم المؤمنين، وقد مر ذكرها في الأسانيد الماضية.وهذا الحديث يعتبر من روايات من روى عن أبيه عن جده؛ لأن يزيد يروي عن المقدام عن شريح، فـيزيد يروي عن المقدام، والمقدام يروي عن شريح، فهي رواية ابن عن أب عن جد.
شرح حديث عائشة: (كان رسول الله يضع فاه على الموضع الذي أشرب منه فيشرب من فضل سؤري وأنا حائض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله بن عمرو عن الأعمش عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع فاه على الموضع الذي أشرب منه، فيشرب من فضل سؤري وأنا حائض)].وهنا أورد النسائي حديث عائشة من طريقٍ أخرى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع فمه على موضع فمها من الإناء الذي شربت منه، فيشرب من سؤرها وهي حائض، وهو دالٌ على ما ترجم له المصنف، وهو مثل الذي قبله، ويدل على ما دل عليه الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رسول الله يضع فاه على الموضع الذي أشرب منه فيشرب من فضل سؤري وأنا حائض)
قوله: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان].وهو أيوب بن محمد الوزان، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه .[حدثنا عبد الله بن جعفر]. وهو عبد الله بن جعفر الرقي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبيد الله بن عمرو]. وهو الرقي أيضاً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش]. وهو سليمان بن مهران الكاهلي، والأعمش لقب له، وهو مشهور بلقبه، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن المقدام بن شريح عن أبيه].وقد مر ذكرهما في الإسناد السابق.
الأسئلة
الحلف بالطلاق على شيء مطابق للواقع
السؤال: رجل حلف بالطلاق على شيء، وكان ما حلف عليه مطابقاً للواقع، هل عليه شيء؟ يقول: غير حرمة الحلف بغير الله.الجواب: الإنسان لا يحلف بالطلاق، لكن إذا كان الذي حصل عليه الحلف مطابقاً للواقع وما حصل، ليس عليه شيء، لكن لا يجوز له أن يحلف إلا بما يحلف به، فلا يحلف بالطلاق ولا بغيره، وإنما يحلف بالله.
تكنية التلميذ لشيخه بكنية يختارها له
السؤال: هل يجوز للتلميذ أن يكني شيخه بكنية يختارها له؟ وهل وقع أن كنى تلميذ شيخه بكنية هو يختارها له؟ الجواب: لا أعرف أن التلميذ يختار كنية، وإنما الشيخ يعرف بكنية أو يشتهر بها، فيكنى بما هو معروف به، أما كون التلميذ يكنيه بشيء فلا أعرف عنه شيئاً، هل حصل هذا؟ يمكن أن يكني ويشتهر؟ لكن هل يكنيه من تلقاء نفسه ويأتي بشيء من تلقاء نفسه؟ فكونه يكنى أو أحد يكنيه ثم يشتهر بهذه الكنية، يعني: الكنية لا تلزم أن تكون عن الأولاد؛ لأن الكنية تكون بدون ولد، والصغير يكنى، مثل ما جاء في الحديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)، طفل صغير يلعب بالنغير وقد كني، وأبو بكر ليس له ابن اسمه بكر، وعمر ليس له ابن اسمه حفص، وبعض الصحابة لهم كنى ليس لهم أولاد بهذه الأسماء.
حكم هدم المساجد لمصلحة تقتضيه
السؤال: هل يجوز هدم المساجد إذا لم ينو إعادة بنائها؟ الجواب: هدم المساجد إذا كان هدمها لأمر يقتضيه كأن تكون على قبور فجائز وإن لم ينو إعادة بنائها؛ لأن إعادة بنائها في نفس المكان لا يجوز، وكذلك إذا هدم المسجد لكونه قريباً جداً من مسجد آخر، يعني يهدم ولا ينوى إعادة بنائه؛ لأنه قريب من مسجد.
حكم السهر على اللعب واللهو
السؤال: ما حكم السهر على اللعب واللهو؟ هل هو محرم أو مكروه؟ الجواب: من المعلوم أن السهر حتى لو كان سليماً فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يكرهه؛ كما جاء في الحديث: (كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها) أي: صلاة العشاء، لكن إذا كان سهره لأمور نافعة وأمور تنفع المسلمين، أو ينتفع بها الإنسان ولا يؤثر ذلك على التخلف عن صلاة الفجر، فإنه لا بأس به، أما كون الإنسان يقضي وقته بالسهر واللعب، وقد يكون اللعب في أمور محرمة، فلا شك أن الابتعاد عن ذلك متعين ولازم؛ لأن هؤلاء الذين يشغلون أوقاتهم باللعب وقد يكون اللعب في أمور محرمة يجمعون بين مصائب؛ كونهم يقضون أوقاتهم في أمر محرم، وكونهم يتأخرون عن صلاة الفجر أو ينامون عنها، فيكونون قد جمعوا بين مصيبتين وبين بليتين: انشغال في أمر محرم، وفوات صلاة الفجر عليهم.
كيفية معرفة القائل في سند النسائي: (وذكر آخر)
السؤال: قال النسائي رحمه الله: (أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث وذكر آخر)، قوله: (وذكر آخر) يحتمل أن يكون من كلام ابن وهب أو من كلام محمد بن سلمة أو من كلام النسائي، فكيف عرفنا أنه من كلام النسائي؟ الجواب: هو محتمل، لكن فهمنا أنه من كلام النسائي؛ لأنه كان متجنباً الرواية عن حديث ابن لهيعة، فهو إذا جاء في إسناد واحد فلا يأتي بالإسناد إذا كان ليس فيه إلا ابن لهيعة، فيتجنبه، لكن إذا كان فيه غيره فهو يأتي بذلك الغير ويحافظ على ما كان موجوداً فيبهمه، وهذا يحصل من بعض العلماء عندما يكون لا يروي عن شخص، ولكن الطريقة أنه جاء مقروناً بغيره وهو لا يريد أن يذكره فيبهمه، يعني: عبد الله بن وهب طبعاً ما يحتمل أن يكون منه؛ لأنه هو سماه عبد الله بن وهب، فما بقي الاحتمال إلا لـمحمد بن سلمة والنسائي، أما ابن وهب فما يحتمل فيه؛ لأن ابن وهب ذكر اسمه، وإنما الذي دونه هو الذي قال: ورجلٌ آخر، فلم يبق إلا محمد بن سلمة والنسائي، وكونه النسائي فهو أقرب؛ لأنه معروف أن النسائي تجنب حديث عبد الله بن لهيعة.
حكم الصلاة على التراب أو الحصير في السفر والحضر
السؤال: إذا كان الإنسان في البر، فهل السنة أن يصلي على حصير أو يصلي على التراب؟ لأن بعض الناس يقول: إن الصلاة على التراب إذا كان الإنسان في البر -مثلاً- هو السنة.الجواب: أبداً، بل كل ذلك جائز، يصلي على الأرض، أو يصلي على الفراش، كل ذلك سائغٌ وجائز، والذي يصلي على الفراش أو على سجادة أو ما إلى ذلك لا يقال: إنه خالف السنة، بل الأمر فيه سعة.
حكم الصلاة على السجادة في المسجد
السؤال: ما حكم الصلاة على السجادة إذا كان في المسجد؟ الجواب: الصلاة على السجادة إذا كانت على البلاط ويريد أن يضعها من أجل تجنب البرودة فلا بأس به، أما كون الإنسان يأتي بسجادة معه فيتعب بنقلها، ثم يأتي ويفرشها على فراش، نقول: هذا لا وجه له ولا حاجة له.
حكم دعاء أهل القبور وقبول العذر ممن يجهل الحكم
السؤال: هل دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم شرك؟ وهل يعذر الجهلة منهم أو لا يعذرون؟الجواب: وهو كون أصحاب القبور يدعون ويستغاث بهم فهذا هو الشرك، وإذا لم يكن هذا هو الشرك فما هو الشرك؟ فكونه يقال: إن فلاناً شارك الله في خلق السموات والأرض إذا دعا غير الله عز وجل، وسأل غير الله مما لا يسأل إلا منه سبحانه وتعالى، كسؤال الأموات ونداء الملائكة أو الجن والاستغاثة بهم، وسؤال الغائبين فيما لا يقدرون عليه، وما لا يجوز أن يسأل مثل الغائب، وأن الغائب يمكن أن يسأل وكأنه حاضر مثل الذي عن طريق التلفون، كل ذلك كفر وشرك أكبر، وصاحبه قد أتى ما يقتضي الكفر، ولكن وجود ذلك من بعض من ينتسب للإسلام، اختلف في ذلك: هل يعذر بالجهل أو لا يعذر؟ فمنهم من قال: إنه لا يعذر، ومنهم من قال: يعذر حتى تقام عليه البينة، فإن قامت عليه البينة واستمر فإنه لا يعذر.
حكم تغسيل الشهيد والصلاة عليه
السؤال: هل من خصائص الشهيد أنه لا يغسل ولا يصلى عليه؟ وما هو الدليل على ذلك؟ الجواب: شهيد المعركة في الجهاد في سبيل الله عز وجل في قتال الكفار لا يغسل؛ لأن تغسيله يزيل الدم، والسنة جاءت بأنهم يكفنون في ثيابهم ولا يغسلون؛ لأن التغسيل يذهب معه أثر القتل، وهو يأتي يوم القيامة والدم يخرج منه، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ويكون ذلك شهادة له بأنه قتل في سبيل الله، فكونه يخرج الدم منه يوم القيامة على هذه الحال، فهذه علامة على كونه قتل في سبيل الله.وأما الصلاة، فإنه يمكن أن يصلى عليهم، وإذا تركت الصلاة عليهم فلا بأس بذلك، لكن إن صلي عليهم فالصلاة عليهم سائغة وجائزة؛ لأنها دعاءٌ لهم، وإن لم يصل عليهم فهو سائغ، وأما التغسيل فإنهم لا يغسلون؛ لأن التغسيل يزيل أثر الشهادة الذي هو القتل في سبيل الله عز وجل.
تقسيم السنن إلى عادية وتعبدية
السؤال: هل صحيح أن العلماء قسموا السنة إلى قسمين: سنة تعبدية، وسنة عادية؟ فإذا كان الأمر كذلك فمثل لنا يا شيخ.الجواب: هناك سنن شرعها رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثل: ما يتعلق بالصلاة وسنن الصلاة وأحكام الصلاة، فهذه يقال لها: سنن مشروعة، وهناك أفعال فعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي من أمور العادات، مثل: اللباس، يعني: يلبس كل اللباس بشرط ألا يوافق الكفار، وألا يكون فيه مشابهة وتقليد لهم، فسواءً لبس قميصاً على أي حالة، أو لبس إزاراً ورداءً، أو لبس ثوباً فضفاضاً، أو لبس أي لباس، فكل هذا سائغ وجائز، ولا يقال: إن من ترك ذلك اللباس ترك السنة، فكون الرسول كان يلبس العمامة فلا يقال: من لا يلبس العمامة على الهيئة التي لبسها الرسول صلى الله عليه وسلم مخالف للسنة؛ لأن أمر اللباس أمره واسع، فكان يلبس القميص، وكان يلبس الإزار ويلبس الرداء، والذي منع منه هو مشابهة المشركين والكفار، فهذا هو الذي يمنع منه.وهناك أمور جبلية من فعله عليه الصلاة والسلام، مثل: القيام، والقعود، وما إلى ذلك، فهذه أمور جبلية، يعني: لازمة للإنسان.
حكم مبادلة مال الوقف بمال آخر مكانه
السؤال: ورثنا من أبينا عدة أملاك من بينها عمارة وقف، وبعد توزيع الأملاك استبدل أخي ملكه بالوقف، فأخذ الوقف وجعل ملكه هو الوقف، فما حكم ذلك؟ الجواب: الوقف لا يغير ولا يبدل ولا يملك، بل منافعه تصرف في الجهة التي عينها الواقف، فإذا كان الوقف صحيحاً مشروعاً فإنه يصرف في مصارفه، وليس لأحد أن يبدل الوقف بغيره، بحيث يأخذ شيئاً من ماله فيجعله بدل الوقف، فهذا لا يجوز، وإنما الوقف على ما هو عليه، ولا يتصرف في الوقف ببيع ولا بهبة ولا بتبديل ولا بغيره.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(81)
- باب الانتفاع بفضل الحائض - باب مضاجعة الحائض
دلت الأحاديث على جواز الأكل والشرب مما فضل من طعام الحائض، وأنه يجوز مضاجعتها مع وجود حائل والمباشرة دون جماع.
الانتفاع بفضل الحائض
شرح حديث عائشة في الانتفاع بفضل الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانتفاع بفضل الحائض.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه أنه قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني الإناء فأشرب منه وأنا حائض، ثم أعطيه فيتحرى موضع فمي فيضعه على فيه)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الانتفاع بفضل الحائض. الفضل: هو الزيادة؛ وهو السؤر الذي يبقى في الإناء بعد استعمالها من ماء؛ حيث تشرب من الإناء فيشرب من الإناء الذي شربت منه، والذي بقي من شربها، وقد أورد النسائي فيه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: إنها كانت تشرب من الإناء ثم تناوله النبي عليه الصلاة والسلام، فيشرب من ذلك الإناء -الذي شربت منه- بقية الماء الذي بقي من شربها، ويتحرى موضع فمها من القدح، فيضع فمه عليه الصلاة والسلام على موضع فمها رضي الله عنها، والحديث شاهد لما ترجم له المصنف؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام انتفع من الفضلة التي أبقتها من الماء؛ حيث شرب بقية الماء الذي شربت منه، والذي هو سؤرها الباقي من شربها، بل إنه عليه الصلاة والسلام يضع فمه على موضع فمها من الإناء، وهذا فيه دليل على حسن معاشرته لأهله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولطفه بهم، وإحسانه إليهم عليه الصلاة والسلام.وهذا بخلاف ما كان عليه اليهود والنصارى الذين هم على طرفي نقيض؛ فإن اليهود إذا حاضت المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يجالسونها، والنصارى يجامعونها، ودين الإسلام جاء في التوسط بين هذا وهذا؛ بحيث تؤاكل وتشارب، ويؤكل مما تأكل منه، ويشرب مما تشرب منه، ويجلس معها، ويضطجع معها على الفراش، لكنها لا تجامع، فكان دين الإسلام وسطاً بين إفراط اليهود وتفريط النصارى.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الانتفاع بفضل الحائض
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].سبق أن مر بنا: أن النسائي له شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور؛ أحدهما: المكي الجواز، والثاني: الطوسي، والجواز يروي عن سفيان الغير منسوب، وهو: ابن عيينة؛ لأن: محمد بن منصور الجواز مكي مثل سفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، ومن المعلوم أن لقاء المكي بالمكي وكثرة اتصاله به وكثرة أخذه عنه، تختلف عما إذا كان من بلد آخر لا يصل إليه ولا يلتقي به إلا برحلة، والرحلة تكون مؤقتة، فالذي له به اتصال وله به علاقة، فإنه يحمل عليه المهمل، فيكون محمد بن منصور هو الجواز المكي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب إلا النسائي.قوله: [حدثنا سفيان ].هو سفيان بن عيينة وهو أحد الأئمة الثقات الأثبات العباد، المعروف بكثرة الرواية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مسعر].هو ابن كدام، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً، وقد مر ذكره قريباً.[عن المقدام بن شريح عن أبيه].هو المقدام بن شريح بن هانئ، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.وأبوه: شريح، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فالذين خرجوا لـشريح هم الذين خرجوا لابنه المقدام بن شريح، فالمخرجون لهذا هم المخرجون لهذا، وهم: البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في الصحيح، وأصحاب السنن الأربعة.[سمعت عائشة].هي عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية الوحيدة التي لم يرو أحد من الحديث مثلما روت في الكثرة، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث؛ لأنهم سبعة؛ ستة من الذكور وواحدة من الإناث وهي عائشة، وهي معروفة بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يرو أحد من النساء مثلما روت رضي الله عنها وأرضاها.إذاً: فإسناد الحديث محمد بن منصور ثقة، خرج له النسائي وحده.وسفيان بن عيينة ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.ومسعر بن كدام ثقة ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.والمقدام بن شريح وأبوه شريح كل منهما ثقة، وكل منهما خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.وعائشة خرج حديثها أصحاب الكتب الستة.إذا قال قائل: كيف عرفنا أن محمد بن منصور هو: الجواز المكي، وكيف عرفنا سفيان أيضاً؟نقول: سبق أن ذكرت فيما مضى: أن محمد بن منصور يطلق على اثنين: الجواز المكي والطوسي، والجواز المكي يروي عن سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن كون محمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فبهذا يعرف أنه الجواز؛ لأنه له خصوصية بـسفيان بن عيينة، بخلاف الثوري فإنه كوفي، ومن المعلوم أن اتصال المكي بالكوفي لا يكون إلا عن طريق رحلة، وعن طريق مناسبة يحصل به لقاؤهما. وإذا احتمل أن يكون سفيان بن عيينة أو أن يكون سفيان الثوري فالذي يروي عن محمد بن الجواز يحمل عند الإهمال على من له به اتصال، ومن له به علاقة وخصوصية. ومن المعلوم أن الاتصال والعلاقة والخصوصية إنما هي بين المكي الذي هو الجواز وبين سفيان بن عيينة المكي.
شرح حديث عائشة في الأكل والشرب من موضع أكل وشرب الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا مسعر وسفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، وأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في فيشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض، وأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو يتعلق بأكلها وشربها وأكل النبي صلى الله عليه وسلم من فضلها وسؤرها، فبالنسبة لشرب الماء فإنه عليه الصلاة والسلام كانت عائشة تشرب من الإناء فيشرب منه بعدها، ويضع فمه على موضع فمها من الإناء. وبالنسبة للأكل فإنها كانت تتعرق العرق؛ يعني: أنها تأخذ العظم الذي عليه بقية اللحم، فتأخذ منه بأسنانها وتأكله، ثم يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منها، فيأكل من موضع أكلها من العرق -الذي هو العظم- الذي عليه بقية اللحم. وكما عرفنا أن هذا دال على حسن معاشرته لأهله عليه الصلاة والسلام، ولطفه بهم، ومعاملته الطيبة لهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهو أيضاً دال على ما ترجم له المصنف من الانتفاع بفضل الحائض، وهذا الانتفاع يتعلق بفضلها في المأكول والمشروب، وأنه يؤكل من حيث أكلت، ويمكن أن يوضع الفم على موضع فمها من الإناء، أو من العرق الذي عليه لحم.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الأكل والشرب من موضع أكل وشرب الحائض
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].محمود بن غيلان سبق أن مر ذكره في مواضع عديدة، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ يعني: خرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا وكيع].هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة إمام، ومحدث مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مسعر وسفيان].مسعر هو: ابن كدام الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. وسفيان هنا غير منسوب، فـوكيع روى عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، لكنه مكثر عن سفيان الثوري؛ لأنه كوفي وسفيان الثوري كوفي، فهو معروف بكثرة التحديث والأخذ عن سفيان الثوري، ومقل في الرواية عن سفيان بن عيينة؛ لأن الثوري من بلده. وهو عكس محمد بن منصور الجواز الذي مر؛ لأن محمد بن منصور الجواز مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فعند الإطلاق والإهمال يحمل على من له به علاقة، ففي هذا الإسناد سفيان يحمل على من له به علاقة؛ وهي: كثرة الحديث عنه، وكثرة الأخذ عنه، وهو من أهل بلده الكوفة؛ لأن وكيعاً كوفي، وسفيان الثوري كوفي، وقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: إن وكيع بن الجراح معروف بكثرة حديثه عن سفيان الثوري، ومقل عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء مهملاً، فالقاعدة: أنه يحمل على من له به خصوصية، والخصوصية إنما هي لـسفيان الثوري.فإذاً: يكون هذا المهمل في هذا الإسناد يراد به سفيان الثوري، ولا يراد به سفيان بن عيينة، وهذا عكس ما جاء في الإسناد المتقدم بالنسبة لمحمد بن منصور الجواز وسفيان بن عيينة.وسفيان الثوري ثقة ثبت، وإمام حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة].هذا يتفق مع الإسناد الذي قبله، وقد عرفنا أن كلاً من المقدام وأبيه شريح ثقة، وكل منهما خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
مضاجعة الحائض
شرح حديث أم سلمة في اضطجاعها مع رسول الله في خميلة وهي حائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مضاجعة الحائض.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا هشام ح وأخبرنا عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم حدثنا معاذ بن هشام واللفظ له حدثني أبي عن يحيى حدثنا أبو سلمة: أن زينب بنت أبي سلمة حدثته: أن أم سلمة رضي الله عنها حدثتها أنها قالت: (بينما أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني، فاضطجعت معه في الخميلة)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب مضاجعة الحائض. يعني: الاضطجاع معها في فراش واحد، واتصال البشرة بالبشرة، ولمس البشرة للبشرة من غير جماع، فهذا هو المقصود بالترجمة، يعني: أن المرأة الحائض لها أن تضطجع مع زوجها في فراش واحد وفي لحاف واحد. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، واسمها هند بنت أبي أمية، أنها كانت مع رسول الله عليه الصلاة والسلام تحت الخميلة، وهي: غطاء فيه خمل وهو الهدب، وهي الأشياء البارزة التي هي ظاهرة منه، فكان ملتحفاً به ومعه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، ففي أثناء اضطجاعها معه شعرت بأن الحيض جاءها، أي: فاجأها الحيض، وجاءها وهي في فراشها، ولم تكن في أول الأمر حائضاً، لكن الحيض داهمها وهي في فراشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحصل منها الانسلال، يعني: أنها انسلت بخفية وبرفق؛ حتى لا تزعج الرسول صلى الله عليه وسلم، وحتى لا يشعر بها؛ لأنها ظنت أن الحائض لا تضطجع بجوار زوجها وفيها الدم، قالت: (فاضطجعت معه في الخميلة) يعني: تحتها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما شعر بها سألها عن الذي حصل لها، وقال لها: (أنفست؟ قالت: نعم، فدعاها) أي: أمرها أن ترجع، فدلَّ ذلك على أنه لا مانع ولا بأس من مضاجعة الحائض، وبقائها مع زوجها وهي حائض، وكذلك مس بشرته بشرتها وهي حائض، ولكن لا يجامع، وهذا الذي يدل عليه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام هذا، حيث سوغ ذلك وأجازه، وأمرها بأن تعود وأن ترجع إلى فراشها معه، وأن ذلك لا يؤثر وهي معه.وقوله: (أنفست؟) هو بفتح النون وكسر الفاء من الحيض. وبضم النون: من النفاس بعد الولادة؛ يعني: حصول الدم بسبب الولادة، وهو مأخوذ من النفس، والنفس تطلق بمعنى الدم؛ لأن النفس لها معان، ومن ذلك قولهم: (ما لا نفس له سائلة، لا ينجس الماء إذا مات فيه)؛ يعني: ما ليس له دم، وهذه الكلمة سبق أن ذكرت أن ابن القيم في كتابه: (زاد المعاد في هدي خير العباد) قال: إن أول من قالها إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فالتعبير بما لا نفس له سائلة في الحشرات والحيوانات هي التي ليس فيها دم، مثل: الجراد، والذباب، وما إلى ذلك مما لا دم فيه.إذاً: قوله: (أنفست) مأخوذة من النفس، والنفس هو الدم، يعني: أحصل لك دم الحيض؟ وخرج منك دم الحيض؟ هذا هو المقصود من ذلك، قوله: (قلت: نعم، فدعاني، فدخلت معه في الخميلة) أي: في ذلك الكساء الذي فيه خمل؛ وهو الهدب.
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في اضطجاعها مع رسول الله في خميلة وهي حائض
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو الجحدري، البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا خالد].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا هشام].هو أبو عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم].قول النسائي: (ح) هذا هو التحويل من إسناد إلى إسناد وعبيد الله بن سعيد هو: السرخسي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، مأمون، سني، قيل له ذلك؛ لأنه أظهر السنة في بلاده سرخس، وحديثه عند البخاري، ومسلم، والنسائي. و إسحاق بن إبراهيم هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت، محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا معاذ بن هشام واللفظ له، عن أبيه].قوله: (واللفظ له) يعني: لـمعاذ بن هشام، عن أبيه هشام. ومعاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وأبوه الذي هو أبو عبد الله واسمه شنبر، ومعاذ هذا صدوق ربما وهم، وقد خرج له الجماعة، فالإسناد الأول: إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد، حدثنا هشام، والثاني: عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم قالا: حدثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، فالتقى الإسنادان عند هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو كما ذكرت ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى].هذا غير منسوب، وهو ابن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وخرج حديثه الجماعة، وسبق أن مر بنا ذكره، وهو الذي ذكر عنه مسلم في صحيحه الكلمة المشهورة في الحث على طلب العلم والصبر عليه، وهو قوله: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، فهذا هو صاحب الكلمة العظيمة المشهورة التي رواها عنه مسلم بإسناده في الصحيح، وهو بصدد إيراد طرق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في مواقيت الصلاة، فكان يسرد تلك الأسانيد في مواقيت الصلاة، فأتى بالإسناد إلى يحيى بن أبي كثير، فقال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم). قال النووي في شرحه: إن مسلماً أورد هذا الأثر في هذا المكان لما جمع هذه الطرق الكثيرة لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في مواقيت الصلاة، وتحصيل هذه الطرق وتجميعها والوصول إليها ما حصل إلا بتعب ومشقة، فلعله تذكر هذا الأثر فأورده في هذا المكان؛ لينبه على أن تحصيل العلم والتوسع فيه والتمكن فيه لا يحصل إلا بالتعب والنصب وبالمشقة، فهذا هو يحيى بن أبي كثير اليمامي بالميم، وهذا قد يلتبس أحياناً فيأتي مصحفاً فيقال: اليماني؛ لأن اليماني واليمامي متقاربان في اللفظ، فأحياناً يأتي التصحيف فيقال: يماني بدل يمامي.[عن أبي سلمة].أبو سلمة يروي عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وهنا مهمل، وما ذكر نسبه، قيل: يحيى فقط، وما قيل: ابن أبي كثير، ولا قيل: ابن سعيد الأنصاري، فهو يحتمل هذا وهذا، لكن ذكر الحافظ في الفتح: بأن يحيى راوي هذا الإسناد هو: يحيى بن أبي كثير اليمامي.وأبو سلمة هو: ابن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في سابع السبعة؛ لأن ستة من فقهاء المدينة المشهورين متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع اُختلف فيه، فعلى أحد الأقوال هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وأحد الأقوال أنه: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعلى أحد الأقوال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.قوله: [أن زينب بنت أبي سلمة حدثته: أن أم سلمة].زينب بنت أبي سلمة هي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم -ابنة زوجته- وهي صحابية، حديثها عند أصحاب الكتب الستة، وأمها أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:51 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(81)
شرح حديث عائشة: (كنت أنا ورسول الله نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن جابر بن صبح سمعت خلاساً يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد، وأنا طامث أو حائض، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ثم يعود، فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك، ولم يعده وصلى فيه)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تنام مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي طامث في الشعار الواحد؛ يعني: في الغطاء الذي يلي الجسد؛ لأن الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، فيقال له: شعار، والذي وراءه وفوقه يقال له: دثار، فالشعار: هو ما يتصل بالجسد ويلاقيه؛ لأنه يتصل بالشعر ويلاقيه؛ ولهذا قيل له: شعار.وقد جاء في الحديث: ( أن زينب ابنته لما ماتت أعطاهم إزاره وقال: أشعرنها إياه )؛ يعني: اجعلنه يلي جسدها. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الأنصار: (الأنصار شعار، والناس دثار) لما وزع غنائم حنين، وأعطى المؤلفة قلوبهم ممن أسلموا عام الفتح المئات من الإبل، فيعطي الواحد مائة من الإبل، ولم يعط الأنصار شيئاً، فكأنهم وجدوا في أنفسهم وقالوا: سيوفنا تقطر من دمائهم، ثم يعطيهم ولا يعطينا، فبلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام فجاء إليهم في مكان وجمعهم فيه، وتحدث إليهم، وأتى بالكلمات العظيمة الدالة على فضل الأنصار، والتي حصل بها رضاهم وسرورهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان من جملة ما قال: (الأنصار شعار، والناس دثار)، يعني: أنهم بمنزلة الشعار؛ أي: باتصالهم به وقربهم منه، فهم بمنزلة الشعار الذي يلي الجسد (والناس دثار) أي: أنهم وراءهم، فهذا فيه بيان فضل الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.إذاً: فقولها: (بالشعار) يعني: في الغطاء الذي يلي جسد رسول الله عليه الصلاة والسلام.قول عائشة: (وأنا طامث أو حائض). الطامث هي الحائض، فالكلمتان معناهما واحد، وإنما قيلت على سبيل الشك؛ يعني: أنها قالت: طامث، أو قالت: حائض؛ وهي واحدة من اثنتين، وهما بمعنى واحد.وقول عائشة: (فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه) أي: إن أصاب ذلك الشعار الذي يلي جسديهما شيء من الدم، فإنه يغسل ذلك الذي أصابه ولم يعده؛ يعني: لم يتجاوز ذلك، ويكتفي ويقتصر بغسل المكان الذي حصل فيه الدم، ولا يغسله كله، فإذا علم محل النجاسة فإنه يغسل وحده، ولا يلزم أن يغسل معه بقية الثوب، لكن لو جهل مكان النجاسة، أو عرف أن فيه نجاسة لكنه جهل ذلك فإنه يغسل كله؛ لأنه لا يتحقق إلا به، بخلاف لو علم مكان النجاسة، فإنه يغسل وحده ويكفي.قوله: (ثم يصلي فيه) يعني: أنه يقوم ويصلي، ويستعمل هذا الكساء الذي كانا ملتحفين فيه، ثم يرجع ويلتحف به معها (فإن أصابه شيء) يعني: مرة أخرى غسله، (ولم يعده وصلى) يعني: لم يتجاوز ذلك المكان الذي فيه الدم، ولم يتجاوزه في الغسل إلى غيره، بل يكتفي بالموضع الذي أصابه الدم فيغسله، ولا يتجاوزه إلى غسل غيره.والحديث دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من مضاجعة الحائض، وكونها تكون مع زوجها في لحاف واحد، وهو شاهد لما ترجم له المصنف من مضاجعة الحائض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أنا ورسول الله نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي، الملقب بـالزمن، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة؛ فكل منهم روى عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو محمد بن المثنى رفيق محمد بن بشار بندار.[حدثنا يحيى بن سعيد].هو القطان، المحدث المشهور الناقد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن جابر بن صبح].هو جابر بن صبح، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي، وما خرج له الشيخان.[سمعت خلاساً يحدث].هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان على شرطة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة يرسل، وخِلاس بكسر الخاء.[عن عائشة].هي عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين، وقد مر ذكرها.
الأسئلة
رأي أهل السنة والجماعة بالأئمة الأربعة ورأي أهل الحديث بالإمام أبي حنيفة
السؤال: شيخنا! إني أحبك في الله، ما رأي أهل السنة والجماعة بالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب؟ وأيهم أفضل؟ وما رأي أهل الحديث بالإمام أبي حنيفة رحمه الله؟ وجزاكم الله خيراً.الجواب: إن الأئمة الأربعة: أبا حنيفة النعمان المتوفى سنة: (150هـ)، ثم بعده الإمام مالك المتوفى سنة: (179هـ)، ثم بعده الإمام الشافعي المتوفى سنة: (204هـ)، ثم بعده الإمام أحمد المتوفى سنة: (241هـ)، هؤلاء هم الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة المعروفة، الذين حصل لمذاهبهم من العناية ما لم يحصل لغيرها؛ وذلك لوجود أتباع لهم عنوا بكلامهم وبالتأليف فيه والعناية به، فاشتهرت هذه المذاهب وانتشرت، وإلا فإن هناك أئمة مثل هؤلاء الأئمة كانوا في زمانهم، وقبل زمانهم، وبعد زمانهم، وهم أصحاب فقه، لكنه ما حصل لهم كما حصل لهؤلاء من العناية بمذاهبهم وأقوالهم، وإلا فإنهم أئمة أجلة، مثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: الأوزاعي، ومثل: سفيان الثوري، وغيرهم من العلماء الذين اشتهروا بالفقه والحديث. وهؤلاء الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد أولهم أبو حنيفة والثلاثة الباقون بعد أبي حنيفة، والإمام أحمد تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ لـمالك، وهؤلاء الثلاثة أئمة معروفون بالفقه والحديث، ومشتهرون بالحديث ومشتهرون بالفقه. أما أبو حنيفة فإنه مشهور بالفقه، ولكنه عند المحدثين فيه كلام من حيث الحديث، وأما من حيث الفقه فإنه فقيه مشهور، وإمام معروف، وفقهه حصل له كما حصل لغيره من العناية.ومن المعلوم أن الفضل لا يستطاع تحديده بأن يقال: هذا أفضل من فلان، ولكن يمكن أن يقال: إن الثلاثة الآخرين كلهم متميزون بالحديث والفقه، بخلاف أبي حنيفة فإنه ليس مثلهم في الحديث، بل هو يقل عنهم بكثير، وأما تفضيل بعضهم على بعض فالله تعالى أعلم والله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، لكن كلهم أئمة وكلهم ثقات وكلهم محدثون فقهاء، لكن تمييز بعضهم على بعض، وتفضيل بعضهم على بعض فالله تعالى أعلم به.
حكم السفر إلى بلاد الكفار على سبيل السياحة في الأرض
السؤال: هل يجوز السفر إلى بلاد الكفار على سبيل السياحة في الأرض، أو على سبيل التفكر في خلق الله؟الجواب: الذي ينبغي للإنسان ألا يسافر إلى بلاد الكفار إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك، كعلاج بحيث لا يوجد في بلاد المسلمين، أو كان لدراسة لازمة ومتعينة ولا توجد في بلاد المسلمين، أو يسافر للدعوة إلى الله عز وجل مع كونه متحصناً ومتسلحاً بسلاح العلم والإيمان والمعرفة، فهذا هو الذي ينبغي له أن يسافر، أما كون الإنسان يسافر للسياحة وللتجوال فإن هذا قد يضر نفسه، ويحصل له ضرر بهذا السفر، وإذا أراد أن يسيح وأن يتجول فليتجول في البلاد والأماكن التي تكون السياحة فيها فائدة وفيها سلامة، وأما تلك فهو إن رأى مناظر لا يراها إلا بهذا السفر فإنه سيرى أموراً محرمة وأموراً منكرة، وقد يحصل له ابتلاء وامتحان فيقع في أمور محرمة، أقلها لو سافر بأهله أن يتكشف أهله، وأن يحصل لهم ترك الحشمة والصيانة وإبداء الزينة، وذلك محرم.
توجيه لمن يقوم باستقدام نساء خياطات بدون محارم
السؤال: محلات الخياطة الرجالية والنسائية التي يرد إليها النساء لخياطة ملابسهن، الملاحظ أن بعض أصحاب هذه المحلات يستقدمون خياطات بغير محارمهن ومن يكن من بلاد الكفر، ويحتج هؤلاء بأننا إذا لم نوفر للنساء خياطات فسوف يلجأن إلى التعامل مع الرجال، فما رأي فضيلتكم؟الجواب: من المعلوم أنه حصل توسع في استقدام الخدم واستقدام العمال لحاجة ولغير حاجة، وهذا من المعلوم أنه -وإن حصل فيه شيء من المنافع- يحصل به أضرار كبيرة، ومن المعلوم أن استقدام النساء فيه محاذير، منها: مجيئهن بدون محرم، وكونهن يكن في البيوت، وقد يكون لهن اتصال بالرجال بحيث يراهن الرجال، وهن يرين الرجال، فيترتب على ذلك فتنة، ويترتب على ذلك مضرة، وقد جاء في الحديث: ( أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه رجلان يختصمان، فقال أحدهما: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته ) يعني: كان أجيراً، وبسبب المخالطة والاحتكاك حصلت الفاحشة، فهو قال: (إنه كان عسيفاً) يعني: أجيراً، فما جاء وتسلق الجدار، أو كسر الأبواب وهجم على أهل البيت، واعتدى عليهم، لا، بل بالاحتكاك والاختلاط حصلت المضرة، ولهذا ينبغي الابتعاد عن ذلك، وإذا حصل اضطرار إلى الاستقدام فلتستقدم المرأة وزوجها؛ حتى يكون هو وإياها في مكان واحد، وحتى يعفها وتعفه، وحتى لا تتعرض المرأة للرجال من أهل البيت، ولا يتعرض الرجل للنساء من أهل البيت، وإنما يكون هو وإياها في مكان واحد، تفيده ويفيدها، وتستغني به ويستغني بها، ويسلم من الشر وتسلم هي من الشر، هذا إذا حصل الاضطرار إلى ذلك، وأيضاً حتى يحصل السلامة من الاستقدام بدون محرم، والجلوس بدون محرم، والتعرض للفتنة، فهذا هو الذي ينبغي أن يفعل.وبالنسبة لاستقدام الخياطات فالناس كانوا مستغنين بدون وجود هذا الاستقدام الهائل، وكانت أمورهم جيدة، وكانوا يلبسون، وما جلسوا بدون لباس، وأمورهم تسير على السداد، لكن جاء الترف وجاء السرف وصار هذا الذي حصل، فإذا حصل الاستقدام فينبغي أن يكون بهذه الطريقة التي أشرت إليها؛ تأتي المرأة وزوجها حتى يستفاد منها، وحتى يبتعد من حصول الضرر منها ولها، وكذلك بالنسبة للرجل.
حكم الاحتجاج بالحديث إذا قيل عن إسناده: لا بأس به
السؤال: إذا قال بعض أهل العلم في حديث ما: رواه فلان بسند لا بأس به، فهل يعني أن الحديث يحتج به أو لا بد له من شاهد أو متابع؟الجواب: إذا قيل: لا بأس به فإنه يحتج به، ومعناه: أنه حسن.
حكم مشاهدة كرة القدم
السؤال: ما حكم مشاهدة مباريات كرة القدم؟الجواب: هذا مما ابتلي به الناس في هذا الزمان، وهذا من الابتلاء الذي عم وطم، وخير لكل إنسان عاقل أن يشتغل بالجد ويترك الهزل، فافتتان الناس بالمباراة والتشجيع؛ هذا يشجع هذا، وهذا يشجع هذا، ويتألم ويطير عنه النوم إذا انهزم هذا الفريق، فهذا من السفه، وهذا من الأمور التي يجب على كل إنسان عاقل أن يحذر أن يبتلى بها، وعليه أن يشتغل فيما فيه جد وما فيه خير وما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وكون الرجال والنساء يفتنون به ويهتمون به ويعنون به، فهذا لهو وتوسع فيه، وإذا كان هناك مباراة تجد الآلاف من الناس يذهبون ويصعدون على الجبال وعلى الجدران من أجل أن يشاهدوا، ولو سمعوا إعلاناً عن محاضرة فيها الدلالة على الخير، وفيها بيان الحق والهدى، ما يأتي لها إلا عدد قليل من الناس، هذا يدل على الانتكاس، ويدل على انعكاس المفاهيم، وأن الشيء الذي ينبغي أن يصار إليه وأن يحرص عليه يزهد فيه، والشيء الذي ينبغي أن يترك وألا يشتغل به هو الذي يفتتن به.وحكم لعب الكرة إذا لم يحصل فيه افتتان ولم يحصل فيه انشغال عن أمور نافعة، وإنما يحصل في أوقات قليلة، ثم لا يكون فيه خصومات وحصول شحناء وعداوات وما إلى ذلك، فلا بأس به، لكن التوسع فيه والاشتغال به عما ينفع فهذا هو المحذور، وإلا فهو في حد ذاته إذا استعمله الإنسان في بعض الأحيان فلا مانع منه، ولا بأس به.وإذا قال بعض الناس: أهذه من الأساليب المفيدة للدعوة إلى الله؟نقول: أبداً، هذا كلام فارغ لا قيمة له، فالدعوة إلى الله لا تأتي عن طريق لعب الكرة أبداً، الدعوة إلى الله تأتي عن طريق الإخلاص والجد والحرص على نفع الناس، أما أن يأتيهم في الملعب ويدعوهم إلى الله فلا يسمعون له، ولا يقبلون منه.
حكم التخطيط على السجاد لتسوية الصفوف
السؤال: يسأل عن حكم التخطيط على السجاد في المسجد لتسوية الصفوف؟الجواب: كون السجاد يكون من الأصل فيه علامات فلا بأس بذلك، لكن كون الناس يأتون يلصقون عليها لصق ويمدون عليها خيط هذا لا يصلح، لكن يقال: استووا، وهم يستوون، وكل ينظر إلى الذي بجواره.وينبغي للناس أن يتعلموا تسوية الصفوف وأن يعنوا بها، ولا تكون القضية إذا وجد خط سووا الصفوف، وإذا لم يوجد خط اختلت الصفوف.
سبب رواية الشيخين عن بعض أهل البدع
السؤال: إن البخاري، ومسلماً وغيرهم من المحدثين قد خرجوا أحاديث لبعض المبتدعين، مع أن السلف قد شددوا في مجالستهم واحترامهم، فما توجيه ذلك؟الجواب: البخاري ومسلم رووا عن جماعة رموا ببدع، لكن الحافظ ابن حجر ذكر في مقدمة فتح الباري الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ببدعة أو بغير بدعة، وأجاب عن ذلك بأجوبة: وهو أن من عرف بشيء من البدعة، إما أن يكون ما ثبت عنه، أو يكون ثبت عنه ولكنه لا يؤثر؛ لأنه معروف بالصدق، ومعروف بالتثبت، فكونه حصل منه خطأ في أمر ولم يكن ذلك متعلقاً ببدعته، فهم الذين روى عنهم الشيخان، فالذي رواه الشيخان عن أناس تكلم فيهم لا يؤثر ذلك في روايتهم، إما أن يكون الذي تكلم فيهم ما ثبت فيهم الكلام الذي قيل فيهم، أو أنه ثابت ولكن ذلك لا يؤثر؛ لأن الذي رموا به لا يستحقون ترك حديثهم معه، بل تجنبوا الشيء الذي يحذر من روايتهم، والشيء الذي لا محذور فيه أخذوه عنهم، وكما قلت: الحافظ ابن حجر ذكر المتكلم فيهم من رجال البخاري، وذكر ما قيل فيهم من الكلام، وأجاب عن الإخراج لهم في صحيح البخاري.
حكم خلع المرأة لباسها في بيت أقاربها
السؤال: ما حكم خلع المرأة ثيابها خارج البيت؟الجواب: خلع المرأة ثيابها خارج البيت إذا كانت في بيت قريبتها -أختها أو صديقتها أو ما إلى ذلك- فلا بأس به، هذا إذا كان المقصود منها خلع اللباس الخارجي الذي هو مثل العباءة، والتي هي الثياب العالية التي هي فوق الألبسة الخاصة، فلا بأس بذلك، وهذا أيضاً إذا كانت تجلس مع النساء ولا يراها إلا النساء، والمهم ألا يراها رجال، وألا ترى هي الرجال.
مدى اعتبار التمثيل من أساليب الدعوة إلى الله تعالى
السؤال: ما رأيكم يا شيخ! فيمن يتخذون الكرة والأناشيد والتمثيل وسيلة للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتجد معهم شباب مردان أشباه النساء؟الجواب: لا تكون الدعوة إلى الله عز وجل عن طريق التمثيل؛ لأن التمثيل هو كذب، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ويل لمن يكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له)، ومن المعلوم أن التمثيل في الغالب يؤتى به من أجل إضحاك الناس، ويتأتى عن طريق الكذب، وليس حقيقة، فهو في حد ذاته منكر، فلا يستعمل في الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأن الدعوة إلى الله عز وجل لا تأتي عن طريق التمثيل، فالتمثيل هزل، والدعوة إلى الله عز وجل تأتي عن طريق الجد والإخلاص، ومن المعلوم أن سلف هذه الأمة هم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، وطرقهم معروفة في الدعوة إلى الله عز وجل، وهم الذين نجحوا في دعوتهم، وعم النفع بهم. أما اتخاذ التمثيل وسيلة للدعوة إلى الله عز وجل كما يقال: إن أعداءنا عندهم سلاح فنأتي بسلاح مثل سلاحهم، هذا كلام غير صحيح؛ لأن عملنا يجب أن يكون في حدود ما هو مشروع وما هو سائغ، ولا نساير الناس فيما يفعلون؛ لأنهم ليسوا متقيدين بدين، وليسوا متقيدين بشريعة، ونحن يجب علينا أن نتقيد بما جاء في هذه الشريعة التي جاء بها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالدعوة إلى الله عز وجل لا تكون عن طريق التمثيل، وإنما تكون عن طريق الجد والاجتهاد، والنصح والإخلاص والصدق، وكون الإنسان يكون قدوة لغيره فيدعو الناس ويكون أسبق الناس إلى ما يدعو إليه، وهذا هو الذي فيه التأثير، كما يقول الشاعر:وإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلفي من إياه تأمر آتيا
علاقة زيت الحبة السوداء بالحبة السوداء
السؤال: ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الحبة السوداء شفاء من كل داء)، ونرى كثيراً من الناس في هذا العصر يستعلمون زيت الحبة السوداء، والحديث نص في الحبة نفسها، فما رأي فضيلتكم؟الجواب: الزيت المستخرج من الحبة السوداء طبعاً ليس هو غير الحبة السوداء، فهو منها؛ لأن الزيت كما هو معلوم مستخرج من الحبة وليس غيرها.
حكم مال المرأة الناتج من عمل سافرت فيه بدون محرم
السؤال: إذا سافرت المرأة بدون محرم لها، وعملت في مجال النساء وليس معها محرم، فما حكم المال الذي تتقاضاه على هذا العمل، هل هو حرام أو حلال؟الجواب: المال الذي تحصله عن الطريق المشروع هو حلال، وفعلها الذي هو السفر بدون محرم هو الحرام، وإذا كان أن هذا المال الذي تحصله ليس عن طريق اختلاط أو عن طريق رجال أو عن طريق التعرض لأمور محرمة، فليس فيه شيء وكونها اشتغلت بدون محرم هذا تأثم فيه، ومثل ذلك: ما لو حجت بدون محرم، فيصح حجها وتأثم بسبب سفرها بدون محرم.
مدى اعتبار صوت المرأة عورة
السؤال: هل صوت المرأة عورة؟ وإذا كان كذلك هل هناك دليل على هذا؟الجواب: صوت المرأة ليس عورة بإطلاق؛ لأنه يمكن عند الحاجة الاستماع إلى صوت المرأة؛ مثل استفتاء، أو بيع أو شراء مع احتشام، أو ما إلى ذلك، فهنا لا بأس به، ولكن المحذور هو الاستمتاع بالصوت أو التلذذ به. إذاً: كونها تلين الصوت وتخضع بالقول فهذا هو الذي فيه المحذور، وأما مجرد الصوت من حيث هو فليس بعورة.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:53 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(82)
- (باب مباشرة الحائض) إلى (باب ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها)
يجوز للزوج مباشرة زوجته فيما دون الفرج كما دلت الأحاديث على ذلك، لكن بعد أن تشد وسطها بإزار، ويجب على من وطأ امرأته وهي حائض كفارة ذلك وهي أن يتصدق بدينار إذا كان موسراً، أو نصف دينار إذا كان معسراً.
مباشرة الحائض
شرح حديث عائشة في مباشرة الحائض بعد أن تشد عليها إزارها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب مباشرة الحائضأخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (كانت إحدانا إذا كانت حائضاً يأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشد إزارها، ثم يباشرها وهي حائض)].يقول النسائي رحمه الله: باب مباشرة الحائض. المقصود بمباشرتها: الاستمتاع بها بما دون الجماع؛ وذلك بأن تشد على وسطها إزاراً ثم يباشرها، فتلتصق بشرته ببشرتها، ويستفيد منها من كل شيء سوى الجماع.وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كانت إحدانا إذا كانت حائضاً يأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتشد إزارها، ثم يباشرها وهي حائض)، فدل ذلك على جواز مثل هذا العمل، وأن هذا من التوسط الذي جاء به الإسلام بين ما كان موجوداً عند اليهود وما كان موجوداً عند النصارى؛ فإن اليهود لا يخالطونهن ولا يؤاكلونهن ولا يشاربونهن، والنصارى يجامعونهن، فجاء الإسلام بالمضاجعة، والمباشرة وبمنع الجماع، وهذا توسط بين الإفراط والتفريط؛ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى.وعائشة رضي الله عنها تحكي ما كان يفعله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من أمر إحداهن -أي: نساءه- بأن تشد إزارها عليها، ثم يباشرها وهي حائض.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مباشرة الحائض بعد أن تشد عليها إزارها
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي يأتي ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.[حدثنا أبو الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع هم من همدان، والنسبة إلى همدان نسبة عامة، والنسبة إلى سبيع نسبة خاصة، وهو مشهور بـأبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن شرحبيل].هو أيضاً الهمداني الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، وحديث عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة أم المؤمنين].هي الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي أكثر الصحابيات حديثاً، وهي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة رجال وامرأة، والمرأة هي عائشة رضي الله عنها.وهذا الإسناد رجاله كلهم ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهم -دون الصحابية- كلهم من الثقات: قتيبة بن سعيد، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي، وأبو إسحاق السبيعي، وعمرو بن شرحبيل الهمداني، فهؤلاء كلهم ثقات. وكل الرواة خرج حديهم أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة: (كانت إحدانا إذا حاضت أمرها رسول الله أن تتزر ثم يباشرها) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كانت إحدانا إذا حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزر ثم يباشرها)].هنا أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، تقول عائشة رضي الله عنها: (كانت إحدانا إذا حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزر ثم يباشرها) أي: وهي حائض، فهو مثل الذي قبله تماماً.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كانت إحدانا إذا حاضت يأمرها رسول الله أن تتزر ثم يباشرها) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد الحنظلي المعروف بـابن راهويه، وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، فهو من جملة المحدثين الذين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، الذي هو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[أخبرنا جرير].هو جرير بن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].هو: منصور بن المعتمر، وهو ثقة، حديثه عن أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن إبراهيم].هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، المحدث، الفقيه، وهو ثقة، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي خال إبراهيم النخعي، وهو مخضرم، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة مرت في الإسناد الذي قبل هذا.إذاً: فإسناد الحديث من دون الصحابية كله من الثقات، والرواة كلهم ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فإنه لم يخرج له ابن ماجه وخرج له الباقون.
شرح حديث ميمونة في مباشرة الحائض إذا احتجزت بإزارها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن وهب عن يونس والليث عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن بدية وكان الليث يقول: ندبة مولاة ميمونة عن ميمونة رضي الله عنها، أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين)، وفي حديث الليث: (محتجزة به) ].هنا أورد النسائي حديث ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها -وهو قريب من معنى حديث عائشة المتقدم- ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين والركبتين ) يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمرهن بالاتزار، والإزار أحياناً يصل إلى الركبتين، وأحياناً يصل إلى أنصاف الفخذين، يعني: تارة هكذا وتارة هكذا، والمهم أن يغطى الفرج بالإزار، ثم تحصل المباشرة، ويحصل كل شيء إلا الجماع في الفرج، فهذا هو الذي تدل عليه هذه الأحاديث.وقوله: [وفي حديث الليث: (محتجزة به)].يعني: أنها متزرة به إلى أنصاف فخذيها أو إلى ركبتيها، ثم يباشرهن رسول الله عليه الصلاة والسلام وهن على هذه الحالة.
تراجم رجال إسناد حديث ميمونة في مباشرة الحائض إذا احتجزت بإزارها
قوله: [أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع].هو الحارث بن مسكين وهو المصري، ثقة، وهو قاضٍ في مصر، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، ولم يخرج له الباقون، والنسائي سبق أن ذكرت أنه كان بينه وبين الحارث بن مسكين شيء من الوحشة، وأن الحارث بن مسكين كان قد منعه من أن يأخذ عنه، وأنه كان يأتي ويجلس من وراء ستار، ويسمع قراءة القارئ الذي يقرأ عن الحارث بن مسكين ثم يروي عنه بهذه الطريقة، ولا يستعمل أخبرنا، ولكنه في بعض الأحيان كما في هذا الموضع الذي معنا يقول: أخبرنا؛ ولعل ذلك -أي: التفريق بين الحالتين- مبني على أنه كان منعه أولاً ثم أذن له أخيراً، فيكون روايته على الحالين؛ فالحالة التي يكون سمع وهو مأذون له يقول: أخبرنا، وفي الحالة التي سمع خفية من وراء الستار وهو غير مأذون له لا يقول: أخبرنا؛ لأنه ما قصده بالتحديث، وما أذن له في التحديث، فكان يعطفه على غيره، يقول: أخبرنا فلان، ثم يقول: والحارث بن مسكين، فتارة يعبر بالإخبار، وتارة لا يعبر به، وهذا مبني على هاتين الحالتين.[عن ابن وهب].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو مصري، كتلميذه الحارث بن مسكين، وهو ثقة فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يونس والليث].يونس هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والليث هو: ابن سعد المصري، وهو ثقة محدث فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن ابن شهاب].هو محمد بن مسلم المدني، الإمام الجليل، المعروف بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضاً المعروف بالفقه، وهو الذي قام بتدوين السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، والذي قال فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن حبيب مولى عروة].حبيب هو مولى عروة بن الزبير، وهو مدني، وهو مقبول، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن بدية وكان الليث يقول: ندبة].أي: كان الليث يقول: نُدبة أو نَدبة يعني: بضم النون أو بفتحها، وهي مولاة ميمونة، وهي مقبولة، خرج حديثها أبو داود، والنسائي.[عن ميمونة].هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
تأويل قول الله عز وجل: (ويسألونك عن المحيض)
شرح حديث أنس في الأمر بمخالطة الحائض مخالفة لليهود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تأويل قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222].أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه، قال: (كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يشاربوهن ولم يجامعوهن في البيوت، فسألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222] الآية، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويجامعوهن في البيوت، وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب تأويل قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، والمقصود من هذه الترجمة: بيان تأويل هذه الآية، وأن المقصود بالاعتزال في المحيض؛ هو اعتزال الجماع وتركه، وأما مخالطتها ومباشرتها ومؤاكلتها والشرب معها فإن ذلك سائغ.إذاً: فهذا الحديث مفسر لهذه الآية، ومن المعلوم أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (كانت اليهود إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوهن ولم يشاربوهن، ولم يجامعوهن في البيوت) يعني: لا يخالطونهن، فالمقصود بالمجامعة هنا: المخالطة وليس الجماع، فكانوا لا يؤاكلوهن ولا يشاربوهن ولا يخالطونهن في البيوت، فيعتزلونهن ويبتعدن عنهم ويبتعدون عنهن، حتى ينتهين من الحيض، وهذا إفراط في الترك والاعتزال، ويقابل هؤلاء النصارى الذين يجامعونهن في حال حيضهن، والإسلام جاء بالتوسط بين هذا وهذا، فأباح المؤاكلة والمشاربة والمخالطة في البيوت، ومنع الجماع، وأنه يفعل معهن كل شيء إلا الجماع، فأنزل الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة:222]، لما كان اليهود هذا شأنهم فأنزل الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].قوله: [فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم].أي: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويجامعوهن في البيوت، إلا أنهم لا يفعلون معهن الجماع.إذاً: فالمجامعة هي: المخالطة في البيوت وليست الجماع؛ لأن التعبير بالبيوت وكذلك الجملة التي بعدها: (وأن يصنعوا بهن كل شيء ما خلا الجماع) يدل على أن المجامعة هي المخالطة، فالتقييد بالبيوت هو من أجل ما جاء بعدها من التنصيص على أنه يفعل كل شيء إلا الجماع.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الأمر بمخالطة الحائض مخالفة لليهود
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي المتقدم قريباً.[حدثنا سليمان بن حرب].هو سليمان بن حرب، وهو البصري، وهو ثقة حافظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن سلمة].هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة حافظ عابد، وهو أثبت الناس في ثابت البناني؛ وهو شيخه الذي روى عنه في هذا الإسناد، وحماد خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي خدمه عشر سنين، وكان من صغار الصحابة، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة المال والولد وطول العمر، فطالت حياته وكثر ولده، وهو من آخر الصحابة موتاً، ومن أكثر الصحابة حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: إسناد الحديث: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يروي عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، فمن دون الصحابي كلهم ثقات، وحديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا حماد بن سلمة حديثه عند البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وإسحاق بن راهويه حديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.
ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها بعد علمه بنهي الله عز وجل عن وطئها
شرح حديث: (أن النبي قال في الرجل يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها بعد علمه بنهي الله عز وجل عن وطئها.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن شعبة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه قال في الرجل يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار)].أورد النسائي هذه الترجمة: وهي باب: ما يجب على الرجل إذا وطأ حليلته بعد علمه بتحريم وطئها في حال حيضها، والمقصود من هذه الترجمة: هو بيان الكفارة التي تجب على من جامع امرأته وهي حائض، وجماع المرأة وهي حائض محرم، وقد جاء تحريمه في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة، وجاءت السنة ببيان ما يجب على من وطأ زوجته وهي حائض؛ بأن يكفر عن ذلك بأن يتصدق بدينار أو نصفه، وهو هذا الذي جاء في هذا الحديث الذي معنا، فهو دال على أن عليه أن يتصدق بأحد هذين المقدارين: الدينار أو نصف الدينار، وقد قيل: إن التفريق بينهما يكون باعتبار حالة اليسار وحالة الإعسار، وقد جاء حديث -فيه كلام- حول هذا الموضوع؛ الذي هو التفريق بين حالة الإعسار وحالة اليسار، فيكون الدينار في حالة اليسر، ونصف الدينار في حالة العسر، فيجب عليه أن يقوم بهذه الكفارة. والحديث اختلف فيه العلماء؛ منهم من صححه، ومنهم من تكلم فيه، ولكن الحديث إسناده صحيح، ورجاله -كما سنعرف- ثقات، بل إنهم على شرط البخاري.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي قال في الرجل يأتي امرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان المحدث الناقد، الثقة الثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة هو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].هو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الحميد].هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن مقسم].هو مقسم بن بجرة، وهو مولى ابن عباس، وقيل: هو مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له: مولى ابن عباس لملازمته إياه، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن عباس].ابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة وترجمان القرآن، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال هذا الإسناد كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا مقسم مولى ابن عباس، فإنه خرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلم، وبما أن إسناد الحديث كل رجاله رجال البخاري من أولهم إلى آخرهم، فالحديث صحيح ثابت، وقد ضعفه بعض العلماء؛ ووجه التضعيف يرجع إلى أن فيه التخيير بين الشيء ونصفه، وهذا لا يعهد في باب الكفارات؛ لكن الحديث إسناده صحيح، والذين قالوا بصحته أوجبوا على من جامع امرأته وهي حائض بهذه الكفارة، والذين تكلموا فيه قالوا: إنه لا يجب عليه شيء، وإنما عليه أن يستغفر الله عز وجل ويتوب مما حصل منه، وما دام أن الحديث صحيح فإن على من جامع أن يقوم بهذه الكفارة التي اشتمل عليها هذا الحديث.
الأسئلة
مدى دلالة سلامة الإسناد على سلامة متنه
السؤال: هل سلامة الإسناد تدل على سلامة المتن؟الجواب: سلامة الإسناد وصحة الإسناد إذا كان -مع صحته- ليس فيه شذوذ ولا إعلال، يدل على صحة المتن.
شرح حديث: (خلق الله آدم على صورته)
السؤال: يا شيخ! هل تشرح لنا حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)؟ وأين يعود الضمير؟الجواب: هذا الحديث رواه البخاري وغيره، وهو أول حديث في كتاب الاستئذان في صحيح البخاري، وكتاب الاستئذان هو أول الجزء الحادي عشر من فتح الباري، وأما عود الضمير فذكر العلماء فيه ثلاثة أقوال:القول الأول: أن الضمير يرجع إلى الله عز وجل، فقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) أي: على صورة الله عز وجل.القول الثاني: إن الضمير يرجع إلى آدم، (خلق الله آدم على صورته) أي: صورة آدم.القول الثالث: إنه يرجع إلى الغلام المضروب، وذلك أنه جاء في بعض طرق الحديث أن رجلاً كان يضرب غلامه، فجاء في الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته)، أي: آدم على صورة هذا المضروب. والقول الأول -أن الضمير يرجع إلى الله- قد جاء ما يؤيده في بعض الأحاديث: (على صورة الرحمن)، والحديث تكلم فيه بعض العلماء وصححه بعضهم، ويقولون: إن المراد بالصورة الصفة، ومعنى: (على صورة الرحمن) أي: أنه متصف بالسمع والبصر والكلام، وإن كان ما يضاف إلى الله عز وجل يليق به ويناسبه، وما يضاف إلى المخلوقين يليق بهم ويناسبهم، ولا يلزم من الاتفاق في أسماء الصفات الاتفاق في الصفات نفسها، بل ما يضاف إلى الله عز وجل يليق بكماله وجلاله، وما يضاف إلى المخلوقين يليق بضعفهم وافتقارهم.إذاً: معنى هذا الحديث عند أهل السنة الذين قالوا: إنه يرجع إلى الله عز وجل؛ أي: أنه على صفة الرحمن؛ متكلم سميع بصير، وإن كان ما يضاف إلى الله عز وجل من الصفات يختلف عما يضاف لغيره من المخلوقات، وإن كان معنى الصفة معلوم بالنسبة للجميع إذا أضيف إلى المخلوقين؛ فهو معلوم كيفية ومعلوم معنىً، وإذا أضيف إلى الله عز وجل فهو معلوم المعنى وليس معلوم الكيفية؛ لأن السمع كما هو معلوم يتعلق بسماع أصوات الحركات، كذلك البصر يتعلق بالمرئيات، فإذا وصف الله عز وجل بأنه سميع بصير، فقد علم معنى السمع، ولكن إضافته إلى الله عز وجل تجعل تلك الصفة أو الصفتين تليقان بكماله وجلاله، فلا تماثل صفات المخلوقين، ولا تشابه صفاتهم؛ لأن ذات الله عز وجل تخالف الذوات، وصفاته تخالف الصفات، ولا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء من المخلوقات.والقو� � الأول: جاء عن الإمام أحمد وغيره، بل جاء عن الإمام أحمد التشديد والإنكار على من قال بخلافه.أما القول الثاني فقال به ابن خزيمة من أهل السنة، ومعناه عند القائلين به: أن الله خلق آدم على صورته؛ أي: طوله ستون ذراعاً كما جاء في الحديث نفسه في أول كتاب الاستئذان، (إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فلما خلقه قال له: اذهب إلى جماعة من الملائكة جلوس فسلم عليهم، فانظر ماذا يردون عليك؟ فإنها تحيتك وتحية ذريتك من بعدك)، وهذا وجه إيراد البخاري للحديث في كتاب الاستئذان؛ لأن فيه ذكر السلام وأصل السلام، وذلك عندما خلقه الله عز وجل أمره بأن يذهب إلى جماعة من الملائكة، وأن يسلم عليهم، فينظر ماذا يردون عليه؟ فإنها تحيته وتحية ذريته من بعده.ثم قال: (فذهب إليهم وقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله)، هذا هو الحديث في أول كتاب الاستئذان.ومعنى الحديث على كلام ابن خزيمة، يقول: إن ما جاء بعد جملة: (إن الله خلق آدم على صورته) يبين معناه، وهو أن الله خلق آدم على صورته؛ طوله ستون ذراعاً، يعني: أن الله خلقه وطوله ستون ذراعاً في السماء، ما خلقه متدرجاً كما خلق ذريته تنمو شيئاً فشيئاً، وتكبر شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى منتهاه، وإنما خلقه الله من حين ما خلقه ستون ذراعاً، فما كان ذراعاً أو ذراعين ثم كبر، وإنما خلق آدم على صورته التي هو عليها ستون ذراعاً منذ أن خلقه الله، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن، حتى صار أحجام الناس وأطوال الناس قليلة جداً بالنسبة لذلك الطول الذي حصل لآدم عليه الصلاة والسلام، وقد جاء في الحديث: ( أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة يدخلون على طول آدم ) يعني: ستين ذراعاً.إذاً: معناه عند ابن خزيمة، وغيره ومن قال به من أهل السنة: أنه يرجع إلى آدم، والمقصود منه أن الله تعالى خلقه وهو بهذا الطول، ولم يتدرج كما حصل لذريته من التدرج شيئاً فشيئاً، والنمو شيئاً فشيئاً حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؛ أي: ذريته.ومن يقول: صورة الرحمن صفته، إن هذا تأويل.نقول: أبداً ليس هذا تأويلاً، بل الصورة هي الصفة، والصورة أيضاً جاءت في غير هذا الحديث، ليس هذا الحديث وحده هو الذي جاء فيه ذكر الصورة مضافة إلى الله عز وجل، بل قد جاءت في أحاديث أخرى كما في الصحيحين.أما القول الثالث وهو: أنه يرجع إلى المضروب الذي كان يضرب غلامه، فقيل: (إن الله خلق آدم على صورته)، يعني: على صورة المضروب فشكله شكل آدم من حيث الصورة، والقول الصحيح هو الأول وهو الأرجح، والقول الثاني قال به بعض أهل السنة كما قلت.
الفرق بين الرمل والتراب في التيمم
السؤال: ما هو الفرق بين التراب والرمل في باب التيمم؟الجواب: أبداً، الإنسان يتيمم على الأرض التي هو فيها، سواء كان فيها رمل أو كان فيها تراب، يعني: الذي يتصاعد منه شيء، فالإنسان يتيمم من أي تراب يكون على أي مكان من الأرض؛ لأن الله عز وجل شرع للناس وخفف لهم أن يتيمموا بأن يضربوا أيديهم على الأرض في أي مكان كانوا، ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ))[التغابن:16].
التفريق بين عبارات المحدثين: أخبرنا وحدثنا وأنبأنا
السؤال: ما الفرق بين عبارات المحدثين: أخبرنا، حدثنا، أنبأنا؟الجواب: من العلماء من لا يفرق بين هذه العبارات ويجعلها بمعنى واحد. ومنهم من يجعل (حدثنا) لما سمع من لفظ الشيخ، (وأخبرنا وأنبأنا) فيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، فيعبر عنه بأخبرنا وأنبأنا، لكن بعض العلماء يسوي بين هذه الألفاظ، فيقول: أنبأنا، وحدثنا، وأخبرنا فيما سمع من الشيخ، وفيما قرئ على الشيخ وهو يسمع.
حكم خروج النساء للجهاد وتدريبهن على ذلك
السؤال: ما حكم خروج النساء في الجهاد؟ وما حكم تدريبهن على السلاح؟الجواب: النساء لسن من أهل الجهاد، ولسن من أهل القتال، ومهمتهن معروفة، والقتال هو للرجال الذين هم أهل الجلد، وأهل القدرة، وأهل الصبر وأهل التحمل، والنساء ضعيفات، والذي جاء أن بعض النساء كن يذهبن مع أزواجهن لخدمتهم، وليس يخرجن للجهاد والقتال في سبيل الله، ولهذا لا يدربن ولا يهيأن للقتال؛ لأن مهمتهن معروفة، وخروجهن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أزواجهن إنما كان ذلك للخدمة، فلا يعلل بعدم وجود الرجال وقلة الرجال، ومن المعلوم أن النساء لا فائدة فيهن من حيث القتال، ومن المعلوم أن كل بلد فيه رجال وفيه نساء، لكن الناس اتجهوا في كثير من البلاد إلى أن النساء يشاركن الرجال، ويتساوين مع الرجال، وأنه لا فرق بين النساء والرجال، وهذا انتكاس.
ما يلزم من باشر امرأته وهي حائض وأنزل
السؤال: إذا باشر الرجل امرأته وهي حائض ثم أنزل، فهل في ذلك حرج أو إثم؟الجواب: أبداً ليس فيه شيء، ما دام أنه ليس في الفرج فلا بأس في ذلك.
كيفية قضاء الوتر كماً ووقتاً
السؤال: هل المسلم إذا نام عن الوتر يصليه بين صلاة الفجر والظهر؟الجواب: الإنسان إذا نام عن صلاته من الليل فإنه يصليها في الضحى وليس بعد الفجر، ويصليها على مقدار ما كان يصليه ويزيد ركعة؛ لأنه جاء في الحديث ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يقم أو لم يؤد صلاته من الليل لعارض شغله عن ذلك صلى من الضحى اثنتا عشرة ركعة )؛ لأنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، فيصلي اثنتا عشرة ركعة، يعني: ولا يصلي وتراً في النهار، فالمقدار الذي كان يفعله يأتي به ويزيد عليه ركعة حتى يخرج من الوتر، فهذا هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك.
حكم الصلاة على السجادة التي فيها صورة الكعبة
السؤال: ما هو حكم الصلاة على السجادة التي فيها صورة الكعبة؟الجواب: لا بأس بذلك.
حكم التصفيق
السؤال: ما حكم التصفيق؛ أي: التصفير؟الجواب: التصفير غير التصفيق؛ فالتصفير بالفم والتصفيق باليدين، والتصفيق للنساء جائز، وللرجال لا يجوز.
حكم تارك الصلاة تكاسلاً
السؤال: ما حكم تارك الصلاة تساهلاً وهو عالم بأنها ركن من أركان الإسلام؟ علماً بأن التارك لها جحوداً كافر باتفاق العلماء.الجواب: تاركها جحوداً كما ذكر هو باتفاق العلماء كافر، لكن من تركها تهاوناً وكسلاً ففيه قولان للعلماء؛ القول الأول: منهم من يقول بأنه كفره كفر دون كفر، وأنه ليس كافراً كفراً مخرجاً من الملة. والقول الثاني يقول: إنه كافر كفر مخرج من الملة، وهو القول الصحيح؛ لأنه قد جاء في الحديث ما يدل على ذلك: (بين المسلم وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)، فهذا يدل على أنه كافر، والرسول صلى الله عليه وسلم بين في الأئمة -أئمة الجور- الذين جاء الحديث فيهم عندما ذكر شيئاً من صفاتهم، فقيل له: (ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا)، فجعل الصلاة هي المانع من الخروج عليهم ومن مقاتلتهم.
مدى صحة الحديث في التخفيف في ركعتي الفجر
السؤال: هل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسرع في ركعتي الفجر؟الجواب: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف سنة ركعتي الفجر، كما جاء في الصحيح عن عائشة أنها قالت: (أقول في نفسي: هل قرأ بفاتحة الكتاب؟ يعني من خفتها). فهذا يدل على تخفيفها.
حكم قبول الهدية ممن يعمل في البنك الربوي
السؤال: إذا كان لدي أقارب يعملون في البنوك الربوية مثل البنك الأهلي التجاري، وأراد أحد هؤلاء أن يصل والدي بشيء من المال الذي يتعاطاه من هذا البنك، فهل يا فضيلة الشيخ! أحذر والدي من هذا المال أو أسكت؟الجواب: إذا كان له دخل غير المال الذي يأتيه من البنك، أو الراتب الذي يأتيه من البنك، والمال الأكثر هو من غير البنك فلا بأس بذلك؛ لأن المحرم مغمور، وأما إذا كان ليس له دخل إلا من هذا، وأن الذي يعطيه أو الذي ينفقه هو من هذا، فالإنسان يترك هذا الشيء ولا يأخذه، ويمكن أنه ينصح أباه بعدم الأخذ؛ لأن العمل في البنوك التي تتعاطى الربا حرام؛ ( لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ) والعامل الذي يكتب أو الذي ينقل الأوراق التي فيها الربا وفيها عقود الربا، ولو لم يكن كاتباً، كل هؤلاء متعاونون على الإثم، والعدوان.
وقفة مع ما ذكر عن عبد الرحمن بن مهدي أنه لا يحسن الصلاة
السؤال: ذكر العجلي في معرفة الثقات في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي قال: وكان يسيء الصلاة، فكيف نوفق بين جلالة هذا الإمام وبين ما ذكره العجلي؟الجواب: يمكن أن هذا لم يصح، ويمكن أن يكون صح، مثل ما قيل في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، صاحب رسول الله وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فأهل الكوفة آذوه وكتبوا إلى عمر بن الخطاب: بأنه لا يحسن أن يصلي، وهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه، فإما أن يكون هذا صح، أو أنه لم يصح فيكون فيه مغرضون مثل المغرضين الذين تكلموا في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، لما أخبره عمر بشكواهم، وأنهم قالوا: إنك لا تحسن أن تصلي، فأخبرهم بأنه يطيل في الركعة الأولى، وأنه يقصر في الثانية، وأنه يفعل كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، قال: هذا هو الظن بك يا أبا إسحاق! ولكنه رضي الله عنه وأرضاه عزله حتى لا تحصل فتنة بينه وبين أهل الكوفة، فدرءاً للخطر ودرءاً للضرر وأن يوجد من الأوباش ومن السوقة الذين هم لا يبالون بما يحصل قام بعزله.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(83)
- (باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت) إلى (باب المني يصيب الثوب)
إذا حاضت المرأة أو نفست وهي محرمة فعليها أن تقوم بما يقوم به الحاج من أعمال الحج إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤجله حتى تطهر، وقد بين الشارع الطريقة التي يزال بها دم الحيض إذا أصاب الثوب وذلك بأن يُحك بعود ويُفرك حتى يزال جرمه في الثوب ثم يغسل بالماء.
ما تفعل المحرمة إذا حاضت
شرح حديث عائشة فيما تفعل المحرمة إذا حاضت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج، فلما كان بسرف حضت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما لك أنفست؟ فقلت: نعم، قال: هذا أمر كتبه الله عز وجل على بنات آدم، فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر ).هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ما تفعل المحرمة إذا حاضت. هذه الترجمة واضح المراد منها وهو أن المرأة المحرمة إذا طرأ عليها الحيض، فإنها تبقى على إحرامها، وتفعل ما يفعل الحاج أو المعتمر، غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، ولا تسعى بين الصفاء والمروة؛ لأن السعي يكون بعد الطواف، ومن المعلوم أن الطواف إذا لم يحصل، فما يتبعه من السعي فهو تابع له. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، قالت: (لا نرى إلا الحج) يعني: أن الحج هو الغالب عليهم، وإلا فإن منهم من كان متمتعاً محرماً بالعمرة، ومن هؤلاء عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وعائشة رضي الله عنها كانت متمتعة، وقد حصل لها الحيض في الطريق قرب مكة في هذا المكان الذي يقال له: سرف، ولما حصل لها ذلك جعلت تبكي، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما لك أنفست؟)؛ يعني: ما لك تبكين وما لك متأثرة، أنفست؟ يعني: أحضت؟ وقد سبق أن مر قريباً أن لفظة (نفست) تكون في الحيض وتكون في النفاس، وهي ما يكون بعد الولادة من الدم فيقال: نفست؛ يعني: إذا ولدت، والدم الذي يكون بعد ذلك هو دم النفاس، وإذا حاضت يقال: نفست، وكل من الدم الذي يحصل في الحيض والنفاس مأخوذ من النفس وهو الدم؛ لأن النفس يراد به الدم، وهذا من معاني النفس، ولهذا اشتهر عند الفقهاء جملة وهي: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وما لا نفس له؛ يعني: ما لا دم له كالجراد والذباب، وما إلى ذلك مما لا دم فيه، فإن هذا إذا مات في ماء فلا يؤثر موته فيه على الماء ولا ينجسه.إذاً: فالنفس مأخوذ من النفاس، وإطلاق الحيض عليه؛ لأن ذلك من معانيه ويقال فيه: نفست، أي: إن ذلك مأخوذ من النفس، والنفس يراد به الدم؛ لأن هذا من معانيه، وقد نقل ابن القيم في زاد المعاد أن أول من حفظ عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، فقال: ما لا نفس له سائلة أنه إبراهيم النخعي وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.قالت: (نعم) قال: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) (هذا أمر) أي: الحيض، (كتبه الله على بنات آدم) فليس هذا إليك، ولم يحصل منك تقصير، بل إن هذا أمر مكتوب ولا دخل للنساء فيه، ولا دخل للمرأة في مجيء الدم؛ لأن هذا شيء مكتوب، والكتابة هنا قدرية؛ لأن الكتابة تأتي قدرية وتأتي شرعية، أي أنها تأتي بمعنى القدر وهو الذي قدر وكتب أنه يكون كذا، فهذه كتابة قدرية، كقوله تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]؛ يعني: قدر الله لنا، وقوله: (كتبه الله على بنات آدم) أي: قدره الله على بنات آدم، وأما الكتابة الشرعية فإنها مثل قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]؛ يعني: في التوراة، وكتبنا أي: شرعنا وأوجبنا، قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]؛ يعني: شرع؛ لأنها كتابة شرعية وكتابة قدرية، وهنا كتابة قدرية: (أمر كتبه الله على بنات آدم) يعني: قدره على بنات آدم أنه يكون، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. إذاً: فهذا أمر خارج عن إرادتك، وخارج عن مشيئتك، فلم يحصل منك تقصير، وإنما هذا أمر مكتوب مقدر فلا شأن لك فيه، فقال ذلك عليه الصلاة والسلام ليهون عليها ما حصل لها مما أفزعها وأبكاها، فأرشدها أن تفعل جميع أفعال الحاج إلا أنها لا تطوف بالبيت، ولا الذي يكون بعده وهو السعي بين الصفا والمروة، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لها أن كل ما يفعل الحاج فإنها تفعله، فهي تقف في عرفات، وتبقى في منى، وتبيت بمزدلفة، وترمي الجمار، وتقصر، وتنحر، فكل ما يفعله الحاج تفعله المرأة الحائض إلا أنها لا تطوف بالبيت. ومن المعلوم أن عائشة رضي الله عنها أحرمت متمتعة محرمةً بالعمرة، وبقيت على عمرتها، لكن لما جاء وقت الحج وهي لم تطهر من حيضها، أمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تحرم بالحج وتدخله على العمرة، فتكون بذلك قارنة بعد أن كانت متمتعة؛ لأن الإحرام بالعمرة موجود من الميقات وهو مستمر معها، ولكنه لم يتيسر لها أن تطوف وتسعى وتنهي عمرتها بسبب الحيض، والحج قد وصل ولا تتمكن من إنهاء العمرة، فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تدخل الحج على العمرة، وأن تنوي الحج في ذلك الوقت، فيكون إحرامها بالحج مضافاً إلى إحرامها بالعمرة الذي كان في الميقات، فتكون بذلك قارنة ولم تلغي عمرتها، فإن الإحرام بالشيء إذا حصل لا يتخلص منه، بل لا بد من إتمامه وإنفاذه، ولما لم يكن سبيل إلى الإتمام بسبب الحيض والإحرام لا يزال باقياً، أرشدها عليه الصلاة والسلام أن تحرم بالحج فتدخله على العمرة وتصير بذلك قارنة؛ يعني: يكون طوافها بعد الحج وسعيها بعد الحج لحجها وعمرتها؛ لأن القارن عليه طواف واحد وسعي واحد. ثم قالت: ( وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر )، المقصود بذلك: أن الهدي الذي كان على أمهات المؤمنين بسبب تمتعهن فعله عنهن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك بالبقر أي: أن هدي التمتع الذي حصل لهن وهدي القران الذي هو لـعائشة كان بالبقر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة فيما تفعل المحرمة إذا حاضت
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو: ابن مخلد الحنظلي المشهور بابن راهويه، وراهويه للمحدثين فيه إطلاق، وللغويين فيه إطلاق، فالمحدثون يجعلون الواو ساكنة وما قبلها مضموماً والياء بعدها مفتوحة، فيقولون: ابن راهويه.أما اللغويون: فيكون الاسم مختوماً بويه، أي: الواو مفتوحة والياء ساكنة، فيقول: راهويه؛ لأن الاسم يكون عندهم مختوماً بويه.وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا سفيان].وهنا مهمل؛ يعني: غير منسوب، فهو مهمل النسبة، فإذا ذكر اسم الشخص ولم ينسب، ولم يؤت بما يميزه عن غيره فإنهم يسمونه المهمل، فيكون محتملاً لأشخاص كما هنا؛ لأن سفيان يحتمل: سفيان بن عيينة، ويحتمل: سفيان الثوري، وكانا في زمن واحد، وهما محدثان، فقيهان، مشهوران، وهذا غير المبهم؛ لأن المبهم لا يذكر اسمه، لكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو أخبرني رجل، أو حدثني رجل، أو امرأة، فهذا يقال له: مبهم؛ لأنه غير مسمى، فرجل يعني: جنس. والطريقة إلى معرفة المهمل تعيينه وتمييزه هل هو الثوري أو ابن عيينة هو ما ذكرت مراراً أن المعروف في ذلك أو المشهور في ذلك طريقان: إحداهما: أن يكون مسمى في بعض الطرق التي ورد بها الحديث؛ لأن الحديث يأتي من عدة طرق، فيكون في بعضها مهملاً، وفي بعضها منسوباً، والطريقة الثانية: بالنظر للشيوخ والتلاميذ الذين أخذ عنهم هذا المهمل -مهمل النسبة- وإذا نظرنا في ترجمة شيخ سفيان وهو عبد الرحمن بن القاسم نجد أن في ترجمته في تهذيب الكمال: أنه روى عنه السفيانان، أي سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. فإذاً: فهو محتمل أن يكون هذا أو هذا، لكن لما نظرنا في ترجمة إسحاق بن راهويه في تهذيب الكمال، وجدنا أن المزي لم يذكر إلا سفيان بن عيينة، وما ذكر في شيوخ إسحاق بن راهويه إلا سفيان بن عيينة، وما ذكر من شيوخه سفيان الثوري. إذاً: يكون سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، محدث، فقيه، حافظ عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو ثقة عابد، قال عنه سفيان بن عيينة: كان أفضل أهل زمانه. يثني عليه، وهو هنا تلميذه المهمل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً في هذا الكتاب.[عن عائشة].هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي أكثر الصحابيات على الإطلاق حديثاً، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة من الذكور وعائشة رضي الله عنها وأرضاها أم المؤمنين، وهم الذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال عنهم: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّ
ما تفعل النفساء عند الإحرام
شرح حديث جابر فيما تفعل النفساء عند الإحرام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما تفعل النفساء عند الإحرام.أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له، أخبرنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر بن محمد حدثني أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فحدثنا: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لخمس بقين من ذي القعدة، وخرجنا معه حتى إذا أتى ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري، ثم أهلي )].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب ما تفعل النفساء عند الإحرام. أي: إذا حصل لها نفاس؛ يعني: ولدت المرأة، وصارت نفساء يخرج منها الدم، فماذا تصنع؟ هذا هو المقصود بالترجمة، وقد أورد النسائي تحته حديث جابر الذي يقول فيه: إنهم خرجوا مع رسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، ولما كانوا في ذي الحليفة -الميقات-، ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تسأل: ماذا تصنع؟ فأمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تغتسل وأن تستثفر بثوب وأن تهل؛ يعني: تحرم، وتنوي الإحرام وهي نفساء، وكذلك الحائض مثلها، فالحائض والنفساء تحرمان وتدخلان في الإحرام وهما في الحيض والنفاس، فتغتسلان عند الإحرام للتنظف والتهيؤ وتهلان، ولكن كما جاء ذلك مبيناً في الحديث السابق أنه لا يحصل الطواف حتى يكون الطهر، وتفعل كما يفعل الحجاج إلا الطواف بالبيت؛ يعني: وكذلك السعي الذي يكون بعده يكون تبعاً له، فـأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما ولدت محمد بن أبي بكر وسألت النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تصنع؟ فأخبرها بأنها تغتسل وتستثفر بثوب؛ حتى لا يسيل منها الدم، وكذلك تهل؛ يعني: تدخل في الإحرام، فهذا هو الذي تفعله النفساء عند الإحرام وذلك أنها تحرم وتدخل في الإحرام وعليها النفاس، لكنها تستعد له بالاغتسال وتستثفر.
تراجم رجال إسناد حديث جابر فيما تفعل النفساء عند الإحرام
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له].هؤلاء ثلاثة من مشايخ النسائي واللفظ للأخير منهم وهو يعقوب بن إبراهيم.و عمرو بن علي الفلاس يأتي ذكره كثيراً، وهو من النقاد، كلامه كثير في الجرح والتعديل، فهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن المثنى هو الزمن العنزي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.ويعقوب هو ابن إبراهيم الدورقي، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. وكل من محمد بن المثنى ويعقوب بن إبراهيم شيخان للنسائي وقد ماتا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين؛ أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهما من صغار شيوخ البخاري الذين هم قريبون منه في السن، وقريبون منه في الوفاة؛ لأنه ليس بين وفاتهما وبين وفاة البخاري إلا أربع سنوات.[أخبرنا يحيى بن سعيد].وهو القطان المحدث، الثقة، الناقد، المعروف بإمامته في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو من أئمة أهل السنة، وإمام من أئمة أهل البيت، ومن أئمة أهل السنة الذين رووا عنهم الأحاديث، ومن الذين رووا الأحاديث عن رسول الله، وهو المعروف بـالصادق، وهو أيضاً من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة الذين يقدسونهم ويعظمونهم ويتجاوزون الحدود فيهم. ومن المعلوم أن الواجب في حق المؤمنين من أهل البيت ومن غيرهم هو المحبة والموالاة، والتوسط بين الإفراط والتفريط، فلا غلو ولا جفاء، وإنما توسط واعتدال، فلا يغلى في أحد ولا يجفى في حق أحد، كما قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته -عقيدة أهل السنة- يقول: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. فالواجب هو التوسط بين الإفراط والتفريط، ومن كان من صالح أهل البيت فإنه يحب لأمرين: لتقواه وإيمانه، وهذا هو الأساس، وأيضاً لقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو مذهب أهل السنة الذين يعرفون لكلٍ منزلته، ويعرفون قدر أهل البيت، وينزلونهم منازلهم ويحبونهم ويتولونهم، ولا يجفونهم، ولا يغلون فيهم، وإنما يتوسطون فيهم، والذي سبق إلى هذا التقديم وإلى معرفة هذا الفضل لأهله هم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وأرضاهم، وأولهم خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق فإنه قد جاء في صحيح البخاري أنه قال: والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليِّ من أن أصل قرابتي؛ يعني: يحب أن يصل قرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أعظم من محبته لصلة قرابته؛ وذلك لمحبته للرسول صلى الله عليه وسلم ومن تنفيذ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، في أنهم يحبون ويتولون، لكن بلا غلو ولا جفاء، وإنما بتوسط واعتدال بين الإفراط والتفريط، كما قال أبو سليمان الخطابي: ولا تَغلُ في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميميعني: الطرفين المجانبين لطريق القصد، وهو الاعتدال والتوسط، كلٌ منهما ذميم أي: جانب الإفراط وجانب التفريط، جانب الغلو وجانب الجفاء، هذا هو مذهب وطريقة أهل السنة في حق أهل البيت. وجاء كذلك عن أبي بكر أيضاً وهو في صحيح البخاري قوله: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. وكذلك أيضاً عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول للعباس: والله لإسلامك أحب إليِّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك لكونه عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم يحب إسلامه، ويحب إسلام أعمامه، ولهذا حرص على إسلام أبي طالب، وجاء إليه وهو في النزع وفي الرمق الأخير من حياته الدنيوية وطلب منه أن يسلم، وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فكان عنده بعض جلساء السوء فذكروه بملة عبد المطلب، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول هذه المقالة. إذاً: هذا هو قول سادات أهل السنة، وسادات المسلمين أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، فـأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما هذا قولهم وكلامهم في حق أهل البيت، والواجب هو محبة أهل البيت؛ يعني: من كان منهم مؤمناً يحب لإيمانه وتقواه، وهذا هو الأساس في المحبة، ويحب لقرابته من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين الذي في الإسناد هو صدوق، فقيه، وقد روى له البخاري في الأدب المفرد، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني أبي].وهو محمد بن علي بن الحسين المشهور بـالباقر وهو ثقة، فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويقال فيه ما قيل في ابنه من جهة المودة والمحبة والموالاة لأهل البيت، فمن كان منهم مستقيماً وصالحاً فإنه يحب لتقواه، ويحب لقرابته من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو قول أهل السنة الذين يتولون الجميع، ويحبون أولياء الله عز وجل من الصحابة ومن أهل البيت، فمن كان منهم صالحاً فإنهم يحبونه لصلاحه ولقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقصرون الأمر في أحد دون أحد، بل يكونون في المودة لـعلي وأولاده، وللعباس وأولاده، وهكذا لجميع قرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام على السواء.فرضي الله تعالى عن علي وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.[أتينا جابر بن عبد الله].هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو الصحابي الجليل المشهور، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 06:58 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(83)
دم الحيض يصيب الثوب
شرح حديث أم قيس فيما يفعل بدم الحيض إذا أصاب الثوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب دم الحيض يصيب الثوب.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثني أبو المقدام ثابت الحداد عن عدي بن دينار سمعت أم قيس بنت محصن رضي الله عنها: ( أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، قال: حكيه بضلع، واغسليه بماء وسدر )].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: دم الحيض يصيب الثوب. يعني: أنه يحك ويغسل، أورد النسائي في هذه الترجمة أم قيس بنت محصن وهي أخت عكاشة بن محصن الصحابي المشهور والذي هو من أهل الجنة في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فهذه أخته سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: (حكيه بضلع، ثم اغسليه بماء وسدر)، الحك: يكون لإزالة الشيء المتجمد أو الشيء المتجمع؛ حتى يسهل غسله بعدما يذهب الشيء المترسب والمتجمع، فإن الحك يزيل الشيء المتجمع، و(ضلع) قيل: إنه عود على هيئة الضلع مائل، ويمكن أيضاً أن يكون الضلع شيء مأكول اللحم، فإنه يحك به، لكن كما هو معلوم مثل هذا يكون نادراً وجوده، وإنما المتوفر الأعواد، ففسر بأن المقصود من ذلك أنه عود يكون على هيئة الضلع في ميلانه، والمقصود من ذلك أنه يحك؛ حتى يزال ما كان مترسباً ومتجمعاً من دم الحيض، ثم بعد ذلك يحصل الغسل بالماء والسدر، والأصل هو الغسل بالماء والسدر لزيادة التنظيف، وليس بلازم؛ يعني: إذا انضم إليه صار زيادة في التنظيف، وإلا فإن الماء يكون كافياً في غسل النجاسات، فإن النجاسات كلها تغسل بالماء إلا فيما يتعلق بولوغ الكلب في الإناء ولو غسل الإناء فإنه يضاف إلى ذلك التراب، ولا بد من ذلك.إذاً: يكون تنظيف الثياب إذا وقع عليها دم الحيض بالحك؛ وذلك لإزالة ما كان متجمداً مترسباً، ثم بعد ذلك بالغسل.
تراجم رجال إسناد حديث أم قيس فيما يفعل بدم الحيض إذا أصاب الثوب
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو: السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، قيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده سرخس، وحديثه خرجه البخاري، ومسلم، والنسائي.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو القطان الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وهو ثقة ناقد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة كما عرفنا.[عن سفيان].وسفيان هنا هو الثوري، وسفيان هنا غير منسوب، وقد ذكر في ترجمة ثابت الحداد أنه روى عنه الثوري، فإذاً: يكون المراد بهذا الرجل المهمل الذي لم ينسب هو سفيان الثوري، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام، المحدث، الفقيه، الثقة، الحافظ، العابد، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل والتوثيق.[حدثني أبو المقدام ثابت الحداد].وهو: ثابت بن هرمز الحداد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق يهم، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن عدي بن دينار].وعدي بن دينار ثقة أيضاً، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[سمعت أم قيس بنت محصن].وهي أم قيس بنت محصن الأسدية، أخت عكاشة بن محصن، وعكاشة بن محصن هو أحد المشهود لهم بالجنة كما جاء ذلك في حديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن فقال: ( ادع الله لي أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله لي أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة )، فـعكاشة هو أخو أم قيس، وقد شهد له النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأخته هذه أم قيس صحابية لها أربعة وعشرون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أسماء بنت أبي بكر فيما يفعل بدم الحيض إذا أصاب الثوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وكانت تكون في حجرها ( أن امرأة استفتت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه وصلي فيه )]. هنا أورد النسائي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها: ( أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب؟ فقال: حتيه، ثم اقرصيه بالماء، ثم انضحيه وصلي فيه )، فأرشدها عليه الصلاة والسلام أن تحته؛ يعني: مثلاً بعود، أي أنها تحت ما كان متجمداً حتى يتساقط، وحتى لا يشغل بالغسل وإزالته وهو متجمد، فإذا حت وسقط، فهو مثل الذي قبله؛ يعني: هناك قال: حكيه، وهنا قال: حتيه؛ يعني: يحت ويحك بمعنى واحد، والحك بعود أو غيره؛ حتى يسقط ذلك المتجمد، وحتى لا يحتاج إلى غسله كثيراً، بل هذا المتجمد الذي يحت يتساقط.وقوله: (ثم اقرصيه بالماء)، يعني: تحركه بأطراف أناملها حتى يزول، وحتى يسهل غسله وإزالته، ثم تغسله، أي: بعدما تقرصه بأصابعها تصب عليه الماء؛ حتى يطهر الثوب من الحيض وتزول النجاسة عنه، فيصلى فيه؛ لأنه طاهر؛ ولأن النجاسة قد ذهبت عنه بالحت والغسل، فهو مثل الذي قبله فيه حت وغسل.
تراجم رجال إسناد حديث أسماء بنت أبي بكر فيما يفعل بدم الحيض إذا أصاب الثوب
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].يحيى بن حبيب بن عربي، وهو بصري، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد بن زيد].وحماد بن زيد أيضاً بصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن فاطمة بنت المنذر].وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام؛ يعني: يروي عن زوجته؛ لأنها هي بنت عمه، فهو هشام بن عروة بن الزبير، وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير، فهي ابنة عمه، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة.[عن أسماء بنت أبي بكر].وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وأرضاها، وهي الصحابية أم عبد الله بن الزبير، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
المني يصيب الثوب
شرح حديث أم حبيبة في صلاة النبي في الثوب الذي كان يجامع فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المني يصيب الثوب.أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه سأل أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي كان يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المني يصيب الثوب. يعني: ماذا يفعل به؟ وقد أورد النسائي في حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سألها: ( هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى )، يعني: أنه إذا لم يكن فيه أثر المني وكان موجوداً فيه، فإنه لا يغسل ولا يزال، وليس ذلك لأنه نجس، فإن المني ليس بنجس، بل هو طاهر.
تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة في صلاة النبي في الثوب الذي كان يجامع فيه
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].وهو عيسى بن حماد التجيبي المصري، ولقبه زغبة، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا الليث].وهو الليث بن سعد المصري، الفقيه، المحدث، الثقة، الثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب]وهو أيضاً مصري، وهو ثقة، فقيه، وكان يرسل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سويد بن قيس].وهو التجيبي المصري أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن معاوية بن حديج].ومعاوية بن حديج صحابي صغير، وخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي.
الموقف مما جرى بين علي ومعاوية
[عن معاوية بن أبي سفيان].وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين، وأول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين، وهو كاتب وحي رب العالمين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ما حصل، وكل منهما قد اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، والخطأ مغفور، وقد قال بعض العلماء الذين وفقهم الله عز وجل بالكلام الحسن في حق الصحابة والفتن التي كانت في أيامهم: قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا؛ يعني: أنهم ما أدركوا زمانهم، وما بقي إلا القول، والقول الحق هو أن كل مسلم ناصح لنفسه يجب أن يكون كلامه في ما هو حق؛ لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، فهو إذا لم يقل خيراً في الصحابة فلا أقل من السكوت والصمت، وأما أن يتكلم فيهم بما لا يليق، ففاعل ذلك لا يضرهم وإنما يضر نفسه ويجر البلاء على نفسه، ومن المعلوم أنه ليس عند الناس في الدار الآخرة إلا الحسنات والسيئات، فمن تكلم في أحد بكلام لا يليق فإنه يأخذ من حسناته يوم القيامة، وإذا لم يكن له حسنات فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم المتكلم فيه بغير حق ويطرح على القائل، كما جاء في حديث المفلس الذي بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). إذاً: فالواجب في حق أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نترضى عنهم ونستغفر لهم، ونقول كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الحشر ثلاثة أصناف من الناس ليس لهم رابع؛ يعني: سالمون ناجون، وأما من سواهم فهو حائد عن طريق الحق والهدى.أما الصنف الأول: فهم المهاجرون، وجاء هذا في آية مستقلة: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، فوصف الله عز وجل المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم، وجاءوا لصحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام ونصرته بأنهم صادقون، والله تعالى أمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والمراد بالصادقين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاءت هذه الآية بعد ذكر الثلاثة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين صدقوا فيما قالوا وفيما خاطبوا به الرسول عليه الصلاة والسلام في تخلفهم عن غزوة تبوك، ولم يحصل منهم ما حصل من المنافقين، فصدقوا ونجاهم الله تعالى بالصدق، ثم أمر الله المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].فالمهاجرون وصفهم الله تعالى بأنهم الصادقون، وقد أمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين. إذاً: فهذه الآية تشتمل على الصنف الأول من الأصناف الثلاثة وهي الناجية السالمة.والصنف الثاني: الأنصار، وهم جاءوا في الآية التي بعدها: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].والصنف الثالث: هم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار، مستغفرين لهم داعين لهم، سائلين الله تعالى ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10]؛ يعني: من بعد المهاجرين والأنصار، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].وليس وراء هذه الأصناف الثلاثة إلا الخذلان والانحراف عن طريق الحق والهدى؛ لأن من لم يكن من المهاجرين ولا من الأنصار لا يكون ناجياً وسالماً إلا إذا جاء على طريقة المهاجرين والأنصار، وسأل الله عز وجل هذا السؤال الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة المبينة لما كان عليه هؤلاء التابعون لهؤلاء السالكين، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، وكيف يكون في القلوب غل للذين آمنوا وهم أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، فإنه لا يكون في القلوب غل إلا في قلوب مريضة، وقلوب خذل أصحابها، وحيل بينهم وبين التوفيق والهدى. بل قد جاء في القرآن ما هو أشد من ذلك وأعظم! فإن الله تعالى ذكر وصف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل، فقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، فهؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم نوه الله بشأنهم في الكتب السابقة، وجاء وصفهم والثناء عليهم في الكتب السابقة رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك في التوراة والإنجيل وهما أشهر الكتب المتقدمة، ثم قال في آخرها: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]؛ يعني: فمن غاضه أصحاب رسول الله أو غيض بأصحاب رسول الله، فله نصيب من هذه الآية لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، وهذا أشد ما يكون على من في قلبه حقد على أصحاب رسول الله، وأعظم شيء جاء في القرآن في حق من كان في قلبه غل على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه -كما قلت- هو أول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين وكاتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخو أم حبيبة أم المؤمنين، وكما قلت: جرى بينه وبين علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه شيء، فرضي الله تعالى عن علي وعن معاوية وعن الصحابة أجمعين، والواجب هو الكف عما جرى بينهم إلا بالكلام الحق، وحملهم على أحسن المحامل، وأنهم مجتهدون، فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد وخطأه مغفور. وقد جاء عن بعض السلف أنه قيل له: ماذا تقول في معاوية ؟ فقال: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وهو وراءه: ربنا ولك الحمد؛ يعني: استجاب الله لمن حمده، وماذا أقول في رجل هذا شأنه؟! يعني: كسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.[عن أم حبيبة].وهي أخته أم المؤمنين بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
ابو الوليد المسلم
01-19-2026, 07:01 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(84)
- باب غسل المني من الثوب - باب فرك المني من الثوب
بيّن الشرع عدم نجاسة المني وأنه إذا أصاب الثوب فإنه يفرك أو يغسل، وبين أيضاً جواز الصلاة بالثوب الذي فيه أثر المني، وأنه لا يضر.
غسل المني من الثوب
شرح حديث عائشة: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل المني من الثوبأخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن عمرو بن ميمون الجزري عن سليمان بن يسار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)].يقول النسائي رحمه الله: باب غسل المني من الثوب. هذه الترجمة تتعلق بشيء من أحكام الجنابة، وهي: ما إذا أصاب المني ثوباً فماذا يُصنع فيه؟ والترجمة فيها أنه يغسل، وهي قول النسائي: باب غسل المني من الثوب.وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت تغسل الجنابة- أي المني -من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه)، أي: أثر غسل المني، والغسل هذا ليس لكونه نجساً، وإنما لإزالة المنظر الذي لا يحسن أن يرى على الثوب، والإنسان ذاهب أو خارج من المنزل، فهو مثل البصاق الذي يكون على الثوب، فمنظره لا يكون لائقاً، فغسله لإزالة ذلك الأثر، وليس للنجاسة، بدليل الأحاديث التي ستأتي بعد هذه الترجمة، وهي كون عائشة رضي الله عنها تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، فلو كان نجساً ما كفى فيه الفرك، وإنما يتعين الغسل مع الفرك؛ لكن لما اكتفي بالفرك حين صار الثوب فيه المني دل على طهارته، وأنه ليس بنجس؛ لأن الفرك لا يكفي لو كان المني نجساً، فدل على أن المني إذا أصاب الثوب؛ إن كان رطباً فإنه يغسل حتى يزول الأثر الذي لا يناسب أن يرى -كما أن البصاق لو كان على الثوب فإنه يغسل ويزال؛ لأنه لا يناسب أن يرى- وإذا كان يابساً فإنه يفرك، وهذا هو دليل طهارة المني.ثم أيضاً الإنسان مخلوق من المني، والإنسان مادته، فأصل خلقه إنما هو من المني، والله تعالى خلق ذرية آدم بهذه الطريقة، فخلقه من تراب، وخلق ذريته من هذا، إلا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فإن خلقه ليس كخلق غيره، ولم يكن على الطريقة أو الهيئة التي يتم بها خلق البشر، وذلك أن خلق آدم عليه الصلاة والسلام من تراب، وخلق حواء من آدم نفسه، وليست بالطريقة التي يتم بها خلق الذرية، وخلق عيسى ابن مريم على الهيئة التي جاءت في الكتاب والسنة، وليس كخلق الذرية.إذاً: فثلاثة أشخاص كلٌ خلقه الله على هيئة معينة. آدم، وحواء، وعيسى، والبقية خلقوا كلهم من ماء مهين، كما قال الله عز وجل: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:20-23]، إذاً: فالمني طاهر، وغسله لإزالة الأثر الذي لا يناسب أن يرى.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، وقد جاء ذكره في ما مضى كثيراً، وهو راويه عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له الشيخان: البخاري ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه .[أخبرنا عبد الله].عبد الله هنا غير منسوب، وهو عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وكلاهما من مرو، أي: مروزي، فـعبد الله بن المبارك هو شيخ سويد بن نصر، وسويد بن نصر راويته المعروف بالرواية عنه، ولهذا يهمله، وعبد الله بن المبارك المروزي قال عنه في التقريب: إنه ثقة، ثبت، إمام، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن ميمون الجزري].هو ابن مهران الجزري، وهو سبط سعيد بن جبير؛ أي: ابن بنته، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سليمان بن يسار].سليمان بن يسار هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وقد اشتهروا بالفقه والحديث، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، فقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها في الكتب الستة.
فرك المني من الثوب
شرح حديث عائشة: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرك المني من الثوبأخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أفرك الجنابة -وقالت مرة أخرى: المني- من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي باب: فرك المني من الثوب. أي: أنه لا يحتاج إلى غسل، وإنما يكفي فركه إذا كان يساباً، وفركه يدل على أن ذلك كاف، وأنه لا يحتاج إلى غسل، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديثاً عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها من عدة طرق، فجاء عنها في الذي أورده النسائي أولاً، أنها قالت: (كنت أفرك الجنابة، وقالت مرة أخرى: المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه)، أي: بعد ذلك الفرك، ودون أن يحتاج الأمر إلى غسل، فيصلي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيه، فدل على أنه يكفي فيه الفرك، وأنه لا يحتاج إلى غسل إذا كان يابساً.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريق البغلاني، الثقة، الثبت، المحدث، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً، فهو من شيوخ النسائي، وهو أول شيخ من شيوخه روى له حديثاً في سننه.[حدثنا حماد].وحماد هنا غير منسوب، وهو يحتمل: حماد بن زيد، ويحتمل: حماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد، وليس حماد بن سلمة؛ لأن قتيبة لم يرو عن حماد بن سلمة شيئاً؛ فإذاً كل ما جاء قتيبة في إسناد يروي عن حماد وليس بمنسوب فالمراد به: حماد بن زيد؛ وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال فصلاً عقب ترجمة حماد بن سلمة، ذكر فيه أن الحمادين وهما: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، يأتي ذكرهما في الأسانيد مهملين بدون نسبة، ثم ذكر ما يميز به أحدهما عن الآخر، وذلك بمعرفة التلاميذ الذين انفردوا بالرواية عن هذا، أو بالرواية عن هذا، وكان مما ذكره أن قتيبة بن سعيد انفرد بالرواية عن حماد بن زيد، وعلى هذا فإذا جاء حماد يروي عنه قتيبة وهو غير منسوب، فالمراد به حماد بن زيد، وهو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن أبي هاشم].هو يحيى بن دينار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي مجلز].هو لاحق بن حميد السدوسي البصري، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الحارث بن نوفل].هو الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المكي، وهو صحابي خرج حديثه النسائي وحده.[عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وقد مر ذكرها كثيراً، ولا سيما في إسناد الحديث الذي قبل هذا، والحديث من رواية صحابي عن صحابية، الصحابي هو: الحارث بن نوفل، عن صحابية وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث عائشة: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز حدثنا شعبة قال: الحكم أخبرني عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن عائشة رضي الله عنها قالت: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وهو قولها: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام)؛ أي: المني، فالضمير يرجع إلى شيء معلوم، وهو: المني، وهو الذي يُفرك من ثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو يدل على ما دل عليه الذي قبله، وهو مما روي عن عائشة من طرق متعددة، وفيه: الاكتفاء بالفرك للمني يكون في الثوب دون حاجة إلى غسله.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].هو عمرو بن يزيد الجرمي، وهو صدوق، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا بهز].هو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، الثقة، الثبت، الإمام، الناقد، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع، ولقب عال، لم يظفر به إلا عدد يسير من المحدثين، ومنهم: شعبة بن الحجاج هذا، فقد وصف بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[قال: الحكم أخبرني].والمقصود به: أخبرني الحكم، لكن قدم اسم الراوي على الصيغة، وهو سائغ، عمل به أو استعمله بعض المحدثين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن شعبة يستعمل هذا كثيراً؛ أي: يستعمل تقديم اسم الراوي على الصيغة؛ لأن الأصل كالجادة المعروفة؛ أخبرني فلان، فيكون اسم الراوي متأخراً عن الصيغة، يكون فاعلاً، وأما هنا يكون مبتدأ، والصيغة بعده خبر، فيقول: (قال: الحكم أخبرني)، والحكم هو: ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، المحدث، الفقيه، الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن همام بن الحارث].هو همام بن الحارث النخعي، كوفي أيضاً، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة قد مر ذكرها.
حديث عائشة: (كنت أفركه من ثوب النبي) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن حريث أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله تماماً، وقولها: (كنت أفركه)؛ تعني المني، (من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله، أو الروايات التي قبله؛ لأنها كلها روايات لحديث واحد، تتعلق بفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً.قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].الحسين بن حريث ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .[أخبرنا سفيان].هنا غير منسوب، يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، لكن في ترجمة الحسين بن حريث في تهذيب الكمال لم يذكر من شيوخه إلا سفيان بن عيينة، فعلى هذا يكون سفيان هو ابن عيينة، وليس الثوري؛ لأنه ليس للحسين بن حريث رواية عن سفيان الثوري، وإنما له رواية عن سفيان بن عيينة. وسفيان بن عيينة ثقة، حجة، إمام، عابد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].هو منصور بن معتمر الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن إبراهيم عن همام عن عائشة].هؤلاء هم الذين جاءوا في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث عائشة: (كنت أراه في ثوب رسول الله فأحكه) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا شعيب بن يوسف عن يحيى بن سعيد عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أراه في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحكه)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أيضاً من طريق أخرى، وهو أنها قالت: (كنت أراه)، تعني المني، (في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحكه)، يعني: معناها أنها تكتفي بحكه وفركه دون حاجة إلى غسله، فهو دال على ما دلت عليه الروايات السابقة.قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف].هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[عن يحيى بن سعيد].هو القطان، وهو ثقة، ثبت، محدث، ناقد، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بهذا اللقب، الذي هو الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، وكثيراً ما يأتي ذكره بلقبه، وأحياناً يأتي ذكره باسمه، ومعرفة الألقاب للمحدثين لها فائدة عظيمة؛ وهي دفع أن يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف قد يظن أن الأعمش غير سليمان بن مهران، والأعمش ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الست.[عن إبراهيم عن همام عن عائشة].قد مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.
حديث عائشة: (لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله) من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو بلفظ يدل على ما دل عليه الطرق السابقة، وهو أنها قالت: (لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فهو دال على ما دل عليه ما قبله من الاكتفاء بالفرك دون حاجة إلى الغسل. قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره قتيبة.[حدثنا حماد].هنا قال: حماد بن زيد وسماه، وهو كما ذكرت نقلاً عن المزي في تهذيب الكمال، في فصل عقده بعد ترجمة حماد بن سلمة، ذكر الذين ينفردون بالرواية عن كل منهما، وذكر أن ممن انفرد بالرواية عن حماد بن زيد قتيبة بن سعيد، فهو لم يرو عن حماد بن سلمة، وهنا قد سماه، بخلاف الإسناد الأول، فإنه قد أهمل النسبة، وأما هنا فقد نسبه، فهو ليس بمهمل، بل متميز عن حماد بن سلمة.وقتيبة لم يرو عن حماد بن سلمة، بل روايته عن حماد بن زيد وحده.[عن هشام بن حسان].هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي أبو عبد الله البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي معشر].هو زياد بن كليب، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن إبراهيم عن الأسود].إبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي المتقدم.والأسود هو: خاله الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، مخضرم، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن عائشة].عائشة قد مر ذكرها.
حديث عائشة: (لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله فأحته عنه) من طريق سادسة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن كامل المروزي حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحته عنه)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، وهو قولها: (لقد رأيتني أجده-أي: المني- في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحته عنه)، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله من الاكتفاء بالحت والفرك دون الغسل.قوله: [أخبرنا محمد بن كامل المروزي].هو محمد بن كامل المروزي وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له الباقون.[حدثنا هشيم].هو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن مغيرة].هو المغيرة بن مقسم الضبي، وهو ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس، خرج له الجماعة.[عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة].قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
توجيه لطالب العلم الذي يقدح في أبي حنيفة
السؤال: فضيلة الشيخ! نخبركم أولاً أننا نحبكم في الله، ثم أرجو إجابتي عما يلي:هناك من يسمي نفسه طالب علم، ويبالغ بالقبح والشتم في الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ويقول: إن عقيدته ودينه وفقهه مقدوح فيه، فما هو القول الوسط في أبي حنيفة بلا إفراط ولا تفريط؟ وهل هو أحد أئمة المسلمين فعلاً أم لا؟الجواب: أولاً: أقول: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتحابين فيه، وأن يوفقنا جميعاً لما يرضيه.وأما السؤال المسئول عنه، بخصوص ما ذكر عن الإمام أبي حنيفة، فأبو حنيفة إمام معروف من أئمة أهل السنة، وهو معروف بالفقه، وقد حصل له أتباع عنوا بتدوين فقهه، وهو أحد الأئمة الأربعة المشهورين، الذين اعتني بفقههم، أما الذي ينبغي، والذي يليق بالمسلم الناصح لنفسه أن يكون سليم اللسان من الكلام في العلماء إلا بحق. ومن المعلوم أن الإنسان في الأزمان المتأخرة إنما يكون تعويله على كلام المتقدمين، والمتقدمون معلوم أنهم يعرفون قدر أبي حنيفة، وشأنه وفقهه، وأن عنايته بالفقه معروفة، وقد هيأ الله له أتباعاً عنوا بجمع فقهه، واللائق بالمسلم أن يكون لسانه نظيفاً سليماً فيما يتعلق في حق العلماء السابقين.وقد قال أبو جعفر الطحاوي وهو من أصحاب أبي حنيفة، ومن المعروفين في العناية بمذهب أبي حنيفة، وهو محدث، له كتب في الحديث منها: مشكل الآثار، وغيره من الكتب، وهو صاحب العقيدة؛ عقيدة أهل السنة، وقد قال فيها كلمة مفيدة حسنة تتعلق بهذا السؤال وأمثاله، وهي قوله: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر -يقصد بذلك أهل الحديث- وأهل الفقه والنظر -يقصد بذلك الفقهاء- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.وإذاً: فشأن الإنسان طالب العلم في هذا الزمان، أن يحرص على أن يكون سليم اللسان في حق السابقين، وألا يتكلم فيهم إلا في حدود ما جاء عن العلماء مع التحقق مما جاء عن بعض العلماء، فإن مما يأتي في الكتب، وينقل عن بعض الأئمة منه ما لا يثبت. إذاً: فاللائق في حق أبي حنيفة وفي حق غيره هو الحرص على سلامة اللسان من الكلام إلا بحق، والاحترام والتوقير لأهل العلم، ومعرفة فضلهم، والاستفادة من علمهم، واعتقاد أنهم دائرون بين الأجر والأجرين، إن اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران؛ للاجتهاد وللإصابة، وإن اجتهدوا فأخطئوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور.
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:00 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(85)
- (باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام) إلى (باب بول ما يؤكل لحمه)
الأصل تساوي الذكور والإناث في الأحكام إلا في مسائل، منها: بول الصبي والجارية اللذين لم يأكلا الطعام، فإنه يكتفى بالرش لبول الصبي، ولابد من الغسل من بول الجارية، وقد دلت السنة على أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر.
بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
شرح حديث أم قيس في نضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.أي: كيف يغسل؟ وكيف يحصل التطهير من هذا البول الذي يحصل من الصبي الذي لم يأكل الطعام، وقيده بكونه لم يأكل الطعام؛ للتنبيه إلى أنه إذا أكل الطعام فإن حكمه حكم الأبوال الأخرى التي يحتاج فيها إلى الغسل. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أم قيس بنت محصن: ( أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله ).والحديث فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام نضحه؛ أي: أنه رش عليه رشا، كما جاء ذلك في الأحاديث الأخرى، وهذا فيه دلالة على تخفيف هذه النجاسة، وعلى أنها تغسل هذا الغسل الخفيف الذي هو الرش دون أن تغسل. إذاً هذه النجاسة غسلها يكون برشها على ذلك البول الذي حصل من الغلام الذي لم يأكل الطعام، هذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بالتفريق بينه وبين بول الجارية -كما سيأتي من كون الجارية يختلف حكمها عنه- فهو يرش منه، والجارية يغسل من بولها.وقوله: (ولم يغسله)، تبين لنا أن الحكم في التطهر من هذا البول يكون برشه وليس بغسله، ولا يلزم الغسل كما يكون الحكم بالنسبة للأبوال الأخرى، كبول الجارية التي هي في سنه ومثله، إذاً الحكم يختلف بين البنين والبنات؛ فيما إذا كان لم يأكل الطعام، فإنه ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية.
تراجم رجال إسناد حديث أم قيس في نضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي يتكرر ذكره في سنن النسائي، وهو من شيوخه الذين أكثر عنهم، وهو أول شيخ روى عنه حديثاً في سننه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وقد تكرر ذكره كثيراً.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، وهو علم من الأعلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو إمام، محدث، فقيه، كثير الرواية في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أول من قام بجمع السنة وتدوينها، بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو ثقة إمام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين.[عن أم محصن].هي أم قيس بنت محصن الأسدية، وهي مشهورة بكنيتها، واختلف في اسمها، وهي أخت عكاشة بن محصن الأسدي، (الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة)، فـأم قيس هذه هي أخت عكاشة بن محصن، وهي صحابية حديثها عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة في نضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه إياه)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة وهو بمعنى حديث أم قيس بنت محصن، وفيه (أن النبي عليه الصلاة والسلام أتي بصبي فبال عليه -أي: على النبي عليه الصلاة والسلام- فدعا بماء فأتبعه إياه)، يعني رشه، وصبه عليه دون أن يغسله، وإنما اكتفى بالرش، فدل هذا على أن هذه النجاسة مخففة، والمراد من ذلك الصبي الذي لم يأكل الطعام، كما جاء ذلك مبيناً في حديث أم قيس بنت محصن السابق وفيه: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام)، أما إذا أكل الصبي الطعام ولم يكن غذاؤه اللبن وحده، وإنما صار يأكل الطعام فإنه عند ذلك يغسل من بوله، ولا يكتفى بالرش.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في نضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].قتيبة ومالك مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.[عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو مثل عبيد الله الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام كلاهما من الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وهم معروفون بالفقه والحديث، وهم محدثون وفقهاء، وعروة بن الزبير ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].أي: عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق، والمكثرة من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكرها كثيراً.
بول الجارية
شرح حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بول الجارية.أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: بول الجارية.يعني: أنه يغسل منه، وليس حكمه حكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، والذي مر ذكره في الأحاديث التي تحت الترجمة السابقة، وإنما الجارية يختلف الحكم فيها، فإنها في صغرها وفي حال كونها لم تأكل الطعام، فالحكم في ذلك كحالها بعد ذلك، فلا فرق بين أحوالها جميعاً، بل أحوالها كلها على حد سواء، فبولها يغسل غسلاً، خلافاً للصبي الصغير الذي لم يأكل الطعام، فإنه يرش على بوله.وقد أورد حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)، يعني: يغسل الثوب أو الشيء الذي يقع عليه بول الجارية، ويرش من بول الغلام إذا بال على شيء، ويحصل تطهيره بالرش، والحديث فيه التفصيل والتفريق بين الغسل والرش، وأن الرش يكون لبول الغلام، والغسل يكون لبول الجارية، وذلك في حال صغرهما وكونهما لم يأكلا الطعام أما إذا أكلا الطعام، فإنه لا فرق بين الجارية والغلام.إذاً الغلام يفرق بين أحواله؛ فيكون حاله إذا لم يأكل الطعام يطهر الشيء من بوله برشه، وإذا أكل الطعام فإن الحكم هو الغسل. أما الجارية فلا فرق بينها في حال كونها لم تأكل الطعام، وفي حال كونها قد أكلت الطعام، فالكل حكمه الغسل، وهذا من الأحكام التي فرق فيها بين الذكور والإناث؛ لأن الأصل هو التساوي بين الذكور والإناث في الأحكام، إلا إذا جاء نص وجاء شيء يفرق، فعند ذلك يصار إلى النص المفرق بين الذكور والإناث في الأحكام، وهذا من الأحاديث التي جاءت فيها التفريق بين الذكور والإناث في الأحكام. إذاً ففي حال الصغر بالنسبة للجارية والغلام اللذين لم يأكلا الطعام؛ فإن الصبي يرش من بوله، والجارية يغسل من بولها، فإذاً هذا فرق.ثم التعبير بالرش والتعبير بالغسل يدل على التفريق بينهما، وأن النجاسة من بول الصبي يكون غسلها بهذه الطريقة، أو تكون إزالتها بهذه الطريقة التي هي الرش، وليست الغسل، وأما الجارية فإن الإزالة إنما تكون بالغسل. وقد علل العلماء للتفريق بين الذكور والإناث، فمنهم من قال: إن الصبيان خفف في التطهير من بولهم؛ لشدة تعلق الآباء بهم، وكثرة اتصالهم بهم، فجاءت الشريعة بالتخفيف في حقهم بأن يرش من بولهم، بخلاف الجواري والفتيات اللاتي لم يأكلن الطعام، فإنه يغسل من بولهن، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)
قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].هو مجاهد بن موسى الخوارزمي، وهو ثقة، وأخرج حديثه مسلم، والأربعة.[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].عبد الرحمن بن مهدي هو الإمام، المحدث، الناقد، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى كثيراً.[حدثنا يحيى بن الوليد].هو الطائي، كنيته أبو الزعراء، وهو لا بأس به، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثني محل بن خليفة].هو محل بن خليفة الطائي أيضاً، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ يعني: هم الذي خرجوا حديث يحيى بن الوليد ويضاف إليهم البخاري.[حدثني أبو السمح].أبو السمح هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ليس له إلا هذا الحديث الواحد، وهو حديث فرقه النسائي، وقد مر ذكره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقضي حاجته قال: ولني قفاك، فيجعل قفاه إليه فيستتر به، وقال: أنه أوتي بصبي فبال عليه فقال: يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)، ففرقهم النسائي وجعل كل واحد منهما على حدة، وهما حديث واحد، فليس له في الكتب إلا هذا الحديث، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .
بول ما يؤكل لحمه
شرح حديث أنس في بول ما يؤكل لحمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بول ما يؤكل لحمه.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد حدثنا قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم: ( أن أناساً أو رجالاً من عكل، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا رسول الله! إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا وكانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأتي بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا ).أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: بول ما يؤكل لحمه.أي: ما حكمه؟ هل هو طاهر أو نجس؟ وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك: في قصة النفر من عكل وعرينة، وأنهم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين، (وأنهم استوخموا المدينة)، يعني: أنها لم تناسبهم، وحصل لهم مرض فيها، فقالوا: (يا رسول الله! إنا أهل ضرع ولسنا أهل ريف)، يعني: أنهم أصحاب إبل وغنم، وأنهم كانوا يشربون الألبان، وليسوا أهل ريف وهم أهل الزرع وأهل الحاضرة، فأمر لهم رسول صلى الله عليه وسلم بذود وراع)، يعني: أن يخرجوا مع راعيه بذلك الذود؛ وهو عدد من الإبل، قيل: إنه بين الثنتين والسبع، والثنتين والتسع، وقيل: بين الثلاث والعشر، فأمرهم بأن يخرجوا مع هذا الذود، وأن يبقوا في البر (فيشربوا من ألبانها وأبوالها)، أي: تلك الإبل يشربون من أبوالها وألبانها، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة؛ يعني: أبوال ما يؤكل لحمه.والمقصود من ذلك أنها طاهرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كونه يرشدهم إلى أن يشربوا منها يدل على طهارتها، إذ لو كانت نجسة لما أرشدهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الشرب منها، فدل هذا على طهارتها، وأن بول ما يؤكل لحمه وروثه يكون طاهراً، ولا يكون نجساً. فإذا أصاب الثوب هل يغسل لتنجسه؟ لا؛ لأنه ليس بنجس، فحصل هذا منهم، وصاروا يشربون من أبوالها وألبانها حتى ذهب عنهم المرض وصحوا، وحسنت صحتهم وأبدانهم، وبعد ذلك (كفروا بعد إسلامهم)، أي: ارتدوا عن الإسلام، (وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود)، أي: الإبل وذهبوا بها، فجمعوا بين مساوئ عديدة؛ أولاً: كونهم قابلوا الإحسان بالإساءة، وكونهم كفروا النعمة، وكونهم قتلوا الراعي، وكونهم نهبوا وأخذوا هذا الذود الذي أذن لهم أن يشربوا من أبواله وألبانه. (فبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فبعث الطلب في آثارهم)، يعني: الطالبين لهم الذين يطلبونهم حتى يظفروا بهم، فظفر بهم وأوتي بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوا، فسمرت عيونهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم، وجذعت أنوفهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا على هذه الحال.والسبب في هذا أنهم عوملوا بما عاملوا به الراعي؛ لأنهم كفروا وقتلوا ومثلوا فحصل لهم أن عوملوا بمثل ما عاملوا غيرهم به، وهذا يدل على أن القتل يكون بالقصاص، وأنه يكون بمثل ما يحصل به القتل، فإذا قتل إنسان بمثل هذا القتل الشنيع، والقتل السيئ الذي فيه تمثيل؛ فإنه يعامل القاتل عند تنفيذ القصاص بمثل ما عامل به غيره، إذاً: فهؤلاء ارتدوا عن الإسلام، وحصل منهم القتل، وحصل منهم التمثيل بالراعي، فقتلوا أو حصل قتلهم بهذه الطريقة التي جاء بيانها في هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والمقصود من إيراد الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم بأن يشربوا من الأبوال والألبان، والأبوال شربهم منها يدل على طهارتها، وأنها ليست نجسة، وهذا الحكم يشمل كل ما كان مأكول اللحم، فلا يختص بالإبل، بل كل ما كان مأكول اللحم فإن روثه وبوله طاهر، ومن أدلة ذلك: (أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل المسجد الحرام على بعير يطوف عليه وهو راكب إياه، ويستلم الركن بمحجن)، ومن المعلوم أن إدخال البعير في المسجد فيه تعريض له لأن يبول، وأن يحصل منه الروث، وذلك دال على طهارته، إذ لو كانت الأبوال نجسة والأرواث نجسة -أي: أبوال الإبل وأرواثها- لم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد لأن يبول فيه البعير أو يحصل منه الروث، لكنه لما أدخله دل على طهارة الأبوال والأرواث لكل ما يؤكل لحمه.وقد جاء في بعض الروايات: (عكل وعرينة)، وعكل غير عرينة، وفي بعضها ذكر (عكل) كما هنا دون عرينة، والتوفيق بين ما جاء في ذكر عكل وعرينة: أن النفر من هؤلاء ومن هؤلاء؛ يعني: بعضهم من عكل، وبعضهم من عرينة، وكلهم اتفقوا على الخيانة وعلى الإساءة، وعلى مقابلة الإحسان بالإساءة، وأنهم ارتدوا وكفروا، وقتلوا الراعي واستاقوا النعم.قوله (فقالوا: يا رسول الله! إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة)، أي: يعنون أنه حصل لهم شيء على خلاف ما ألفوه، وأن مآكلهم ومشاربهم إنما كانت من هذه الألبان؛ لأنهم أهل ضرع، فتغيرت أحوالهم بعد ما صاروا في المدينة واستوخموها ولم تناسبهم، وحصل لهم مرض، فالرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعاملوا على ما كانوا ألفوه، وكانوا قد ألفوا الإبل، وألفوا ألبانها وأبوالها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يذهبوا مع هذا الذود، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها حتى يحصل لهم الشفاء، وتحصل لهم العافية؛ لأن هذا هو الذي تعودت أجسامهم، وهذا هو الذي ألفوه في مآكلهم ومشاربهم، فصار علاجهم من جنس ما كانوا قد ألفوه، وإطعامهم الشيء من النوع الذي كانوا قد ألفوه.قوله: (فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها).المقصو د من الأمر لهم أي: لاختصاصهم أو ليختصوا بذلك، وليس المقصود أن يملكوا؛ لأن اللام ليست للملك؛ لأنه لم يملكهم؛ فلو ملكهم ما كان هناك حاجة إلى أن يستاقوها، وأن يخونوا ويقتلوا الراعي، وإنما أمر لهم بأن يستفيدوا منها، وأن يختصوا بمنافعها فترة من الزمن حتى يصحوا، ويزول الضرر الذي حصل لهم، فاللام ليست للملك، وإنما هي للاختصاص؛ فمعناه: اختصوا بمنافعها لا بملكها.قوله: ( فلما صحوا وكانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود ).الذود: هو اسم لعدد من الإبل، يتراوح بين الثنتين والتسع، أو بين الثلاث والعشر، وهو لا واحد له من لفظه. قال: (ولما صحوا)، يعني: أنهم قبل ذلك كانوا في ضعف ومرض، وبعدما شربوا من هذه الألبان والأبوال صحوا، وحصلت لهم الصحة والعافية، فعند ذلك كفروا النعمة. قوله: (وقتلوا الراعي، واستاقوا النعم)، يعني: ساقوها وهربوا بها.قوله: ( فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأتى بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا ). أي: إنهم لما استاقوا النعم، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم، أرسل الطلب في أثرهم، فأرسل الرجال الذين يطلبونهم حتى يأتوا بهم، فأدركوهم وأتوا بهم، (فسمروا أعينهم)، أي: بمسامير محماة يضعونها على أعينهم حتى تتفقع، (وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا).والسبب في هذا أنهم عوملوا بمثل ما عاملوا به غيرهم، وهذا يدل على أن القصاص يكون بالمماثلة، ومن ذلك قصة اليهودي الذي قتل جارية ورض رأسها بين حجرين، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يرض رأسه بين حجرين، وأن يكون موته بمثل الطريقة التي حصل منه التعدي بها، فهم الآن جمعوا بين استحقاق القتل للكفر ولقتلهم غيرهم؛ وهو الراعي، ثم أيضاً كانوا ممثلين، فمثل بهم كما مثلوا، وصار الجزاء من جنس العمل، وعوقبوا بمثل ما عاملوا به غيرهم.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في بول ما يؤكل لحمه
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وهو الصنعاني الذي جاء ذكره كثيراً، وقد خرج له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، أي: أنه خرج له مسلم دون البخاري، وخرج له أصحاب السنن في كتبهم إلا أبا داود فإنه خرج له في كتاب القدر، وهو ثقة.[حدثنا يزيد بن زريع].هويزيد بن زريع، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا سعيد].هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.وهنا هو من المهمل؛ غير منسوب، وذكر في ترجمة قتادة أن سعيد بن أبي عروبة روى عن قتادة. فعروف أن المقصود هو سعيد بن أبي عروبة.[حدثنا قتادة].ابن أبي دعامة السدوسي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً فيما مضى.[أن أنس بن مالك].هوأنس بن مالك خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي الجليل الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والذي عمر، وكثر ماله وولده، وكثر حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث أنس في بول ما يؤكل لحمه من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة حدثني أبو عبد الرحيم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن طلحة بن مصرف عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: (قدم أعراب من عرينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم، وعظمت بطونهم، فبعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاح له، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا راعيها واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم فأتي بهم، فقطع أيديهم، وأرجلهم وسمر أعينهم، قال أمير المؤمنين عبد الملك لـأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أم بذنب؟ قال: بكفر)، قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً قال عن يحيى عن أنس في هذا الحديث غير طلحة، والصواب عندي والله تعالى أعلم: يحيى عن سعيد بن المسيب مرسل].هنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، من كون جماعة من الأعراب -وهم من عكل وعرينة- والأعراب هم أهل البادية؛ أهل الضرع، ولهذا في الحديث الذي قبل هذا قالوا: (إنا أهل ضرع)، وهنا قال: (الأعراب)، وأهل المواشي هم الذين يتبعون العشب، ويتنقلون من مكان إلى مكان حيث الماء والعشب، فأسلموا ولكنهم اجتووا المدينة، فأصابهم فيها مرض، فاصفرت ألوانهم، وكبرت بطونهم؛ بسبب المرض الذي أصابهم، ولما كانوا أهل بادية وأهل إبل وغنم، وعادتهم التي اعتادوها في مآكلهم شرب الألبان، فالرسول أمر لهم بلقاح، وأمرهم بأن يشربوا من أبوالها وألبانها فحصل ذلك، ولما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا النعم، فأُرسل الطلب في أثرهم وأحضروا، ثم قطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون.قوله: (قال أمير المؤمنين عبد الملك لـأنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أم بذنب؟ قال: بكفر). أي: قال: عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين لـأنس بن مالك وهو يحدث بهذا الحديث: بكفر أم بذنب؟ أي: بذنب دون الكفر، والمقصود من ذلك: هل قتلهم الذي حصل لهم بهذه الطريقة كان بالكفر أم بذنب؟ قال: بكفر، وقد بين ذلك الحديث الذي قبل هذا، قال: كفروا بعد إسلامهم؛ لأن هناك نص على أنهم كفار وأنهم مرتدون، وأضافوا إلى الكفر زيادة سوء، وزيادة خبث؛ وهي الاعتداء على الراعي، وعلى الذود الذي أحسن إليهم به، فأخذوا الإبل وقتلوا الراعي ومثلوا به، فعوملوا بمثل ما عاملوا به غيرهم، وجوزوا بمثل ما صنعوا بغيرهم، جزاءً وفاقاً.قوله: [قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً قال عن يحيى عن أنس في هذا الحديث غير طلحة، والصواب عندي والله تعالى أعلم: يحيى عن سعيد بن المسيب مرسل].قال أبو عبد الرحمن هو النسائي: أنه لا يعلم أحداً روى هذا الحديث: يعني: بهذا الإسناد إلا طلحة عن يحيى، وطلحة هو: ابن مصرف عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك.ثم قال: [والصواب عندي أنه يحيى عن سعيد بن المسيب مرسل].يعني: سعيد بن المسيب أرسله وأضافه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والمرسل في اصطلاح المحدثين: ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فهذا هو المرسل في عرف المحدثين، وفي عرف الفقهاء: أنه المنقطع؛ أي: انقطاع وإضافته إلى من فوق من هو شيخ للراوي فهذا يقال له: مرسل، ويأتي عند بعض الرواة أنه يرسل عن فلان ويكون ذلك على هذا الاصطلاح، وهذا يأتي استعماله عند بعض المحدثين، لكن المشهور عندهم أن المرسل هو ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في بول ما يؤكل لحمه من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن وهب].هو الحراني، وهو صدوق، وخرج حديثه النسائي.قوله: [حدثنا محمد بن سلمة].هو الباهلي الحراني، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهذا غير محمد بن سلمة المرادي الجملي الذي مر بنا ذكره في شيوخ النسائي فيما مضى في مواضع متعددة، فهو مصري، وهذا حراني، والمصري من طبقة شيوخ النسائي، والحراني من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، يعني: الحراني يروي عنه النسائي بواسطة، وذاك يروي عنه مباشرة الذي هو المصري، والمرادي خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.قوله: [حدثني أبو عبد الرحيم].هو خالد بن أبي يزيد الحراني.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:02 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(86)
- (باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب) إلى (باب بدء التيمم)
الأعيان منها ما هو طاهر ومنها ما هو نجس، والأصل في الأشياء الطهارة، ومن هذه الأعيان الطاهرة: بول وروث ما يؤكل لحمه، والبصاق.ومن الخصائص لهذه الأمة أن شرع لهم التيمم بالصعيد عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، وكانت بداية مشروعيته في غزوة بني المصطلق في قصة العقد الذي فقد من عائشة، فكان من بركة تلك الحادثة أن نزلت آية التيمم.
فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب
شرح حديث ابن مسعود في فرث ما يؤكل لحمه إذا أصاب الثوب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب.أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا خالد يعني: ابن مخلد حدثنا علي وهو ابن صالح عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون حدثنا عبد الله في بيت المال قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت وملأ من قريش جلوس، وقد نحروا جزوراً، فقال بعضهم: أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه، ثم يمهله حتى يضع وجهه ساجداً فيضعه؟ يعني: على ظهره، قال عبد الله: فانبعث أشقاها، فأخذ الفرث، فذهب به، ثم أمهله، فلما خر ساجداً وضعه على ظهره، فأخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جارية، فجاءت تسعى فأخذته من ظهره، فلما فرغ من صلاته قال: اللهم عليك بقريش، ثلاث مرات، اللهم عليك بـأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، حتى عد سبعة من قريش، قال عبد الله: فوالذي أنزل عليه الكتاب، لقد رأيتهم صرعى يوم بدر في قليب واحد)].يقول النسائي رحمه الله: باب: فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب. يعني: ما الحكم في ذلك، هل هو طاهر أو غير طاهر؟ وفرث ما يؤكل لحمه كبوله، وهو الذي مر ذكره في الباب السابق، في حديث العرنيين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يشربوا من بول الإبل، وألبانها، وذلك دال على طهارتها، كما عرفنا ذلك سابقاً.إذاً: فروث ما يؤكل لحمه أيضاً هو مثل البول، فإنه يكون طاهراً وليس بنجس، فإذا أصاب الثوب، فإنه لا يقال:إنه أصابته نجاسة؛ لأن ذلك طاهر وليس بنجس.وقد أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي يخبر فيه عما كان قد حصل للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم في أول الأمر في مكة من الأذى من كفار قريش له، وأنهم آذوه أشد الأذى حتى وصل بهم الأمر إلى أن طلبوا من أحدهم أن يأخذ فرث جزور نحروها، فيأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي عند الكعبة، فإذا سجد يلقيه على ظهره، وقد حصل ذلك بأن قام أحدهم، وقد جاء في بعض الروايات مسمى وأنه عقبة بن أبي معيط، فألقاه على ظهره عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، واستمر عليه الصلاة والسلام في سجوده.وقد علمت ابنته فاطمة رضي الله عنها فجاءت وأزالته عن ظهره صلى الله عليه وسلم، فعندما فرغ من صلاته دعا عليهم، وقال: (اللهم عليك بفلان، وعليك بفلان، حتى عد سبعة منهم)، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (فوالذي أنزل عليه الكتاب، لقد رأيتهم صرعى)، يعني: هؤلاء الذين حصل منهم التواطؤ على إلقاء الأذى أو الفرث على ظهر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقام أحدهم بالتنفيذ، وقد دعا عليهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فأحاطت بهم دعوته، وقد حصل أن أهلكهم الله وهم كفار وذلك في غزوة بدر، حيث قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (فوالذي أنزل عليه الكتاب لقد رأيتهم صرعى في القليب)، أي: البئر التي ألقيت جثثهم فيها بعد أن قتلوا في تلك المعركة، أو في تلك الغزوة التي هي غزوة بدر.والمقصود من إيراد الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ألقي على ظهره ذلك الفرث، واستمر في صلاته عليه الصلاة والسلام حتى جاءت ابنته فاطمة وأزالت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، والحديث دال على طهارة فرث ما يؤكل لحمه.فكما جاء في الحديث السابق الذي مر أن أبوال ما يؤكل لحمه تكون طاهرة، فهذا فيه الدلالة على أن فرث ما يؤكل لحمه يكون طاهراً.ومما يدل على طهارة بول وفرث ما يؤكل لحمه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير يستلم الركن بمحجن)، ومن المعلوم أن إدخال البعير في المطاف عرضة لأن يحصل منه البول ويحصل منه الروث، فلولا أن بوله وروثه طاهران، لما عرَّض النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المسجد لحصول ذلك الروث فيه، وذلك البول الذي يؤثر وجوده فيه، لكن إدخاله إياه في المسجد وطوافه راكباً عليه، مع احتمال حصول الروث وحصول البول منه، فإن هذا الفعل من رسول الله عليه الصلاة والسلام يدل على أن البول والروث من البعير طاهران وليسا بنجسين.والحديث دال على ما حصل للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الأذى، وما حصل منه من الصبر والتحمل في سبيل الله عز وجل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة وهو الأسوة لأمته عليه الصلاة والسلام، ففيه التنبيه لها والتسلية لها بأنها إذا أوذيت في سبيل الله، فقدوتها في ذلك وأسوتها في ذلك سيد البشر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه الذي أوذي الأذى الشديد، وحصل له من الكفار الأذى العظيم، ومع ذلك هو صابر محتسب، وقائم بما كلف به من الدعوة إلى الله عز وجل وبيان الحق للناس، وصابراً على ما يناله في هذا السبيل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله: (حدثنا عبد الله في بيت المال)، هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما جاء مبيناً في بعض الروايات الأخرى.وقوله: (في بيت المال)، يعني: هو المكان الذي حصل فيه التحديث، فكون الراوي يذكر المناسبة والمكان الذي حصل فيه التحديث، فإن هذا مما يستدل به على ضبط الراوي وإتقانه، والراوي الذي حدث بهذا الحديث هو عمرو بن ميمون الأودي، ويقولون: إن الحديث إذا كانت له قصة، والراوي ذكر القصة مع الحديث، فهذا دال على ضبطه؛ لأنه يذكر مع الحديث الذي له مناسبة والذي له ارتباط بالحديث، ومن ذلك ما يذكره بعضهم: أن هذا التحديث كان في دار، أو على هيئة معينة، فإن هذا من الأمور التي يستدل بها على الضبط؛ لأن الراوي يكون قد ضبط مع الحديث الملابسات والهيئات أو المكان الذي حصل فيه التحديث.
ما وقع من عقبة بن أبي معيط من وضع الفرث على ظهر الرسول وهو يصلي
ثم بين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند البيت، والمراد بالبيت: هو البيت الحرام الكعبة المشرفة، فكان يصلي عندها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان ملأ وهم نفر وجماعة من كبار كفار قريش جلوس حوله، أي: حول البيت، وكانوا قد نحروا جزوراً، فقال أحدهم، وقد جاء في بعض الروايات أنه أبو جهل: (لو أن أحدهم ذهب إلى محمد وهو يصلي، يمهله حتى يسجد، ثم يضع فرث تلك الجزور على ظهره وهو ساجد، فقام أشقاهم أو انبرى أشقاهم) وهو: عقبة بن أبي معيط كما جاء مبيناً ذلك في بعض الروايات، فذهب ونفذ هذه المهمة، وفي هذا دليل على أن من باشر العمل السيئ أنه أشد من غيره، وأنه أخطر من غيره، وإن كان شاركه غيره في التخطيط، وشاركه غيره في التمالؤ والاتفاق على الأمر المحرم والتواطؤ عليه، إلا أن من قام بالمباشرة والتنفيذ، فإنه يكون أشد، ولهذا قيل: أشقاهم، مع أنهم كلهم كانوا أشقياء في الكفر، ولكن الكفار كما هو معلوم بعضهم أشد أذى من بعض للمسلمين، وأبو جهل كان معروفاً بشدة عداوته لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي أتى بالفكرة، وأتى بإبداء هذا الرأي الذي عرضه على هذا الملأ الجلوس، والذي قام بتنفيذ هذه المهمة هو عقبة بن أبي معيط، كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات.قوله: (قال عبد الله: فانبعث أشقاها فأخذ الفرث فذهب به، ثم أمهله فلما خر ساجداً وضعه على ظهره، فأخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جارية).وقد جاء في بعض الروايات: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أخبر بأنه لا يستطيع إزالته عنه، وأنه ليس له منعة وليس له قدرة، يعني: أن الصحابة الذين رأوا ذلك الفعل السيئ الذي فعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، منعهم من أن يقوموا بالذب عنه والدفاع عنه ما كان لبعضهم من عدم المنعة، ومن عدم القدرة، وأنهم لم يتمكنوا من إزالة هذا الشيء حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، فأزالته عن أبيها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قال: (فأخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جارية، فجاءت تسعى، فأخذته من ظهره، فلما فرغ من صلاته قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، اللهم عليك بـأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، حتى عد سبعة من قريش).هنا ذكر عبد الله بن مسعود أن فاطمة لما بلغها الخبر جاءت تسعى وهي جارية، يعني: حديثة السن، فأزالت ذلك عن ظهر أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ رسول الله عليه الصلاة والسلام دعا على كفار قريش الذين آذوه هذا الأذى، فدعا على قريش عموماً، والمقصود من ذلك: كفارهم، ومن حصل منه الأذى منهم، ثم سمى عدداً منهم، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حتى عد سبعة، يعني: من هؤلاء الكفار، ثم أقسم عبد الله بن مسعود بالذي أنزل على رسوله الكتاب أنه رأى هؤلاء السبعة الذين دعا عليهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنهم صرعى قد قتلوا وهم كفار على أيدي المسلمين في غزوة بدر، وألقوا في القليب التي رميت فيها جثث الكفار، يعني: أن الله تعالى أجاب دعوة رسوله عليه الصلاة والسلام التي دعا بها عليهم، فأهلكهم الله عز وجل، وحصل لهم القتل، وكان ذلك بسبب كفرهم بالله عز وجل وعدم إيمانهم به، فألقوا في القليب التي ألقيت فيها جثث الكفار الذين قتلوا في تلك المعركة، وهي معركة بدر التي حصلت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والطائفة القليلة معه من المسلمين، وبين كفار قريش ومن معهم من الأعداد الكبيرة الذين جاءوا بكبريائهم، وبعتوهم، وتجبرهم، وتكبرهم، وحصلت الهزيمة للعدد الكبير من الكفار على أيدي العدد القليل من المسلمين، والله عز وجل يقول: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160].وأما الفرث فهو: ما يكون في معدة البعير، من المأكولات التي صارت في ذلك الوعاء، هذا يقال له: فرث، وإذا خرج من البعير يقال له: روث، فما دام أنه في جوفه فإنه يقال له: فرث، كما قال الله عز وجل: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66]، وإذا خرج يقال له: روث، والروث طاهر، والفرث طاهر.وجاء في الحديث: (أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه)، فكيف إذا أصابه الدم؟كلمة (بدمه) جاءت في بعض النسخ، وفي بعضها (الفرث) فقط، وهذا هو الذي ترجم له النسائي، قال: باب: فرث ما يؤكل لحمه.وقد قيل في معناه: أن الدم مع الفرث، فهو في وعاء وليس مباشراً للجسد، وهو مثل الشيء يكون في القارورة وتكون مع الإنسان، فإنه لا يكون ما فيها ملامساً، أو ملاقياً لجسده.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في فرث ما يؤكل لحمه إذا أصاب الثوب
قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].وهو الأودي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: صاحبا الصحيح، واثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما النسائي، وابن ماجه .[حدثنا خالد يعني: ابن مخلد].وهو القطواني، وهو صدوق، يتشيع، وقد خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة في سننهم إلا أبا داود، فإنما أخرج له في كتابه مسند مالك، ولم يخرج له في كتاب السنن.[حدثنا علي وهو ابن صالح].كلمة: وهو ابن صالح هذه كما عرفنا مراراًوتكراراً يقولها من دون التلميذ الراوي عنه، فيريد من وراء ذلك أن يبين من هو ذلك الشخص الذي سمي ولم ينسب، فيذكر نسبته بعبارة تدل عليه، ولا يكون ذلك من تلميذه، وإنما هو ممن هو دون تلميذه، وعلي بن صالح هذا هو ابن صالح بن حي، وهو ثقة عابد، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو أخو الحسن بن صالح؛ لأن علي بن صالح والحسن بن صالح هما ابنا صالح بن حي وهما حيان وأخوان.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، والسبيعي بطن من همدان، وهم جزء من همدان، وهو مشهور بنسبته الخاصة وهي السبيعي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن ميمون].وهو عمرو بن ميمون الأودي، وهو مخضرم، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الله].وهو ابن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء المشهورين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد كانت وفاته سنة 32هـ، وإذا أطلق العبادلة فليس فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأن عبد الله بن مسعود متقدم الوفاة، أما العبادلة الأربعة فهم من صغار الصحابة الذين كانوا في سن متقارب، وتأخرت وفاتهم، واشتهروا بوصف العبادلة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو.
البزاق يصيب الثوب
شرح حديث: (أن النبي أخذ طرف ردائه فبصق فيه فرد بعضه على بعض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البزاق يصيب الثوب.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف ردائه فبصق فيه فرد بعضه على بعض)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب: البزاق يصيب الثوب، يعني: أن البزاق طاهر، وليس بنجس، وقد أورد النسائي فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، فرد بعضه على بعض)، يعني: طرفي الثوب فرد بعضهما على بعض والبصاق بينهما، فدل ذلك على أن مثل ذلك لا يؤثر.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي أخذ طرف ردائه فبصق فيه فرد بعضه على بعض)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو علي بن حجر السعدي المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي ولم يخرج له أبو داود، ولا ابن ماجه .[حدثنا إسماعيل].وإسماعيل غير منسوب، وفي طبقة شيوخ علي بن حجر اثنان يقال لهما: إسماعيل، وقد روى عنهما علي بن حجر، وهما: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وقد ذكر في ترجمة حميد بن أبي حميد الطويل أنه قد روى عنه إسماعيل بن علية وإسماعيل بن جعفر، إذاً: فيحتمل هذا، ويحتمل هذا؛ لأن علي بن حجر روى عن الاثنين، وكل من الاثنين رويا عن حميد الطويل، وقد ذكر المزي في تحفة الأشراف بأن المهمل هذا هو إسماعيل بن جعفر، وذكر أحاديث كثيرة عديدة بهذا الإسناد الذي هو إسماعيل بن جعفر عن حميد الطويل عن أنس، وذكر أحاديث قليلة من رواية إسماعيل بن علية.إذاً: فالغالب والأظهر أنه يكون إسماعيل بن جعفر كما ذكر ذلك المزي، وكما أن الأحاديث التي جاءت من رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الطويل كثيرة، والأحاديث التي رواها إسماعيل بن علية عن حميد الطويل قليلة.إذاً: فهذا المهمل يحمل على أن المراد به هو إسماعيل بن جعفر؛ لأن ما رواه إسماعيل بن جعفر عن حميد الطويل أكثر مما رواه إسماعيل بن علية. وأيضاً المزي قد ذكره بأنه هو إسماعيل بن جعفر وليس إسماعيل بن علية؛ لأنه قد ذكره ضمن أحاديث إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن جعفر هذا ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حميد].وهو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].وأنس بن مالك هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وإذاً: فهذا الإسناد الذي معنا هو من أعلى أسانيد النسائي؛ لأنه رباعي، وأعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات، وهذا الحديث إسناده رباعي؛ لأن علي بن حجر السعدي يروي عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وإسماعيل يروي عن حميد بن أبي حميد الطويل، وحميد يروي عن أنس، فهؤلاء أربعة بين الإمام النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهؤلاء الأربعة الذين هم رجال هذا الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، خرج أصحاب الكتب الستة حديث هؤلاء الأربعة الذين هم رجال هذا الإسناد، ومن دون الصحابي وهم الثلاثة كلهم ثقات: علي بن حجر وإسماعيل بن جعفر وحميد الطويل.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:05 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(86)
شرح حديث أبي هريرة في بزق النبي في ثوبه وهو يصلي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة سمعت القاسم بن مهران يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، وإلا فبزق النبي صلى الله عليه وسلم هكذا في ثوبه ودلكه)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه، وليبصق عن شماله أو تحت قدمه، وإلا فبزق رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا في ثوبه ودلكه)، هذا الحديث دال على ما دل عليه حديث أنس بن مالك المتقدم، وهو أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فعل هذا الفعل، الذي هو كونه بصق في ثوبه وفي ردائه، ودلكه عليه الصلاة والسلام، ولكنه أرشد إلى أن الإنسان لا يبصق عن يمينه ولا بين يديه، وإنما يبصق عن شماله أو تحت قدمه، وإن لم يفعل هذا ولا هذا، فإنه يبصق في ثوبه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو محل الشاهد، أي: كون النبي صلى الله عليه وسلم بصق في ثوبه ودلكه، فهذا هو المقصود من إيراد الحديث في الترجمة، وهي باب: البزاق يصيب الثوب، يعني: أنه طاهر، ولهذا حصل هذا في الصلاة، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في ثوبه، ولو كان ذلك نجساً ما وضعه في الثوب، ولا حصل منه في الثوب، لكن لما حصل هذا وهو في الصلاة دل على طهارة البصاق والبزاق.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في بزق النبي في ثوبه وهو يصلي
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو الملقب بندار، وهو ثقة، من صغار شيوخ البخاري؛ لأنه توفي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أي: في سنة 252هـ، وقد وافقه في الوفاة في تلك السنة اثنان من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة 252هـ، أي: قبل وفاة البخاري رحمه الله بأربع سنوات، ومحمد بن بشار هذا لقبه بندار، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.[حدثنا محمد].ومحمد هذا غير منسوب، ولكنه محمد بن جعفر الملقب غندر، فإنه إذا جاء يروي عن شعبة وهو غير منسوب، فإنه يحمل على محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج أحد الثقات الأثبات، الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، أي: أنه ممن ظفر بهذا اللقب الرفيع، وهذا الوصف العالي، وهو التلقيب بأمير المؤمنين في الحديث، الذي حصل لعدد قليل من المحدثين، الذين برزوا واشتهروا وصاروا قمة في الثقة والعدالة، وهم عدد قليل منهم شعبة بن الحجاج وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت القاسم بن مهران].وهو القيسي، وهو خال هشيم بن بشير، وهو صدوق، خرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه ، أي: واحد من صاحبي الصحيح، واثنان من أصحاب السنن الأربعة.[عن أبي رافع].وهو نفيع الصائغ المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.
بدء التيمم
شرح حديث عائشة في بدء مشروعية التيمم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بدء التيمم.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو ذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر رضي الله عنه فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما منعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عز وجل آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: بدء التيمم، أي: بدء مشروعيته، وكونه شرع بداية تشريع هذا الحكم الذي هو التيمم عند فقد الماء، والذي يحصل به التطهر، وهو أحد الطهارتين الذي هو عوض عن الماء، أي: بدء مشروعيته، ومتى حصل، وكيف حصل، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره)، وكان ذلك في غزوة بني المصطلق، (حتى إذا كنا بالبيداء، أو ذات الجيش)، يعني: فكانوا في ذلك المكان، وقد فقد عقد لـعائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في البحث عنه وفي طلبه، وأمر بعض أصحابه أن يبحثوا عنه، فجعلوا يبحثون عنه، ثم إنه لم يكن معهم ماء، ولم يكونوا نازلين على ماء، يعني: على بئر، وليس معهم ماء يحملونه يكفيهم، فعند ذلك جاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، وأخبروه بما حصل من عائشة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم جلس بسبب عقد لها، فجاء أبو بكر، وعاتبها ولامها، وجعل يطعن في خاصرتها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً على فخذها، وكانت تتجلد وتتصبر، ولا تتحرك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وكونه نائماً على فخذها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، حتى أصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، وعند ذلك قال أسيد بن حضير وهو من الأنصار رضي الله عنه وأرضاه: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر)، ثم إنهم أثاروا الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة، وإذا العقد تحته.وهذا الحديث الذي أورده النسائي واضح الدلالة على بدء فرض التيمم ومشروعيته، وأنهم كانوا في تلك السفرة، وأنه لا ماء معهم، وليسوا على ماء، ولما جاء وقت الصلاة، وليس معهم ما يتوضؤون به، أنزل الله تعالى آية التيمم: فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، فصار هذا بدء مشروعية هذه الطهارة، التي هي عوض عن طهارة الماء إذا فقدت.وقوله: (انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه).وفي هذا دليل على المحافظة على المال، وعلى عدم إضاعته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم والناس جلسوا في ذلك المكان في البحث عن العقد، ولم يستهينوا به ويتركوه ويمشوا، وإنما فعلوا الأسباب التي تمكنهم للوصول إليه، وذلك في البحث عنه، والبقاء من أجله.وقوله: (بالبيداء أو ذات الجيش)، ما أدري هل هو شك من الراوي أو غيره؟(فجاء أبو بكر رضي الله عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟!). فيه دليل على أن والد المرأة المزوجة له أن يعاتبها، وله أن يؤدبها ولو كانت مزوجة، فإن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، عاتب عائشة، وحصل منه ما حصل من الطعن في خاصرتها، وهي ذات زوج، فدل هذا على جواز مثل ذلك، وأن للوالد حقاً في مثل هذا، أي: من المعاتبة والتأديب لابنته، ولو كانت ذات زوج.قوله: (قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما منعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي).وعائشة رضي الله عنها عبرت بقولها: قال أبو بكر، وما قالت: أبي، وكان المناسب أن الإنسان عندما يتحدث عن أبيه ما يسميه، وإنما يذكره بالأبوة، لكن لما كان المقام مقام غضب عليها، وكونه عمل معها ما عمل، أتت بهذا اللفظ الذي هو إظهار اسمه، أو إظهار ما اشتهر به، ولم تقل: أبي حصل منه كذا وكذا.قوله: (فأنزل الله عز وجل آية التيمم، فقال أسيد بن حضير رضي الله عنه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر).أي عند ذلك قال أسيد بن حضير لما شرع الله التيمم بهذه المناسبة، وبهذا الانحباس الذي حصل بسبب البحث عن العقد، وأن سبب ذلك هو عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قال: ما هذا بأول بركتكم، يعني: فضل التيمم، وكون التيمم حصل بهذه المناسبة التي كانت عائشة هي السبب في ذلك، وليس هذا بأول بركة بل هي مسبوقة ببركات وبأسباب طيبة حصلت من هذا البيت المبارك، وهو بيت أبي بكر الصديق، ومن له به علاقة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وبمن كان سبباً في الخير، فإن هذه الكلمة من أسيد بن حضير تدل على هذا.وقوله: (ليست بأول بركتكم) يعني: أنها مسبوقة بأن حصل منكم قبل هذه أمور فيها خير وبركة للناس، ثم هذا الذي حصل مع كراهية الناس لهذا الأمر، وهو التأخر والانحباس بسبب هذا العقد، ترتب عليه هذه المصلحة وهذه الفائدة، فكان هذا الذي كرهوه حصل نتيجة له ولمجيء وقت الصلاة وليس عندهم ماء أن فرض الله لهم التيمم، فكان هذا الذي كرهوه ترتب عليه خير كثير، وكان الأمر كما قال الله عز وجل: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]؛ لأنهم كرهوا هذا البقاء وهذا الجلوس، ولكن الله تعالى جعل فيه الخير والبركة، وهو أن شرع لهم هذه الطهارة التي هي طهارة التيمم عندما يفقد الماء.ثم قالت عائشة رضي الله عنها: (فبعثنا البعير الذي كنت عليه)، يعني: الذي كانت تركبه، فوجدوا العقد تحته، وهذا الذي حصل في هذه القصة من كون العقد يفقد، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم عن مكانه، ويحصل الجلوس والانحباس بسببه، ويرسل جماعة من أصحابه يبحثون عنه، وهو لا يعلم مكانه رسول الله عليه الصلاة والسلام، مع أن العقد موجود تحت البعير الذي كانت عائشة تركبه، في هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، وأن الذي يختص بعلم الغيب هو الله عز وجل؛ لأن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان العقد حوله، وكان قريباً منه، وقد جلس هو وأصحابه هذه المدة، وأرسل جماعة من أصحابه يبحثون عنه، ومع ذلك كان العقد تحت البعير، ولم يكن يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم مكانه، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، ولو كان يعلم الغيب، وأنه لا يخفى عليه شيء، لما جلسوا هذه الفترة ينتظرون الحصول على العقد بل لعلم مكان العقد، وأنه تحت البعير، وقال: العقد تحت البعير، خذوه وامشوا، لكن كل ذلك لم يحصل، فهذا الحديث واضح الدلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب.ومثله أيضاً ما حصل لـعائشة في قصة الإفك، فإنها لما رميت بالإفك، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الحقيقة، وما كان يسأل عنها، وكان يستشير الناس في طلاقها، بل كان يأتي إليها ويعظها وينصحها، ويقول: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله عز وجل، واستغفريه)، ولو كان يعلم الغيب ما حصل هذا الكلام كله، ولقال لما جاءه الناس وتكلموا في عائشة وقالوا: إنها كذا وكذا، لقال: أنا أعلم الغيب، هي ما حصل منها هذا الشيء، لكنه حصلت منه هذه الأمور المتعددة التي تدل على عدم علمه بالغيب.والرسول صلى الله عليه وسلم أمره الله بأن يقول: أنه لا يعلم الغيب، فقال: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50]، وقال: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188].
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في بدء مشروعية التيمم
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد الذي يأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر الرواية عنهم، وأول حديث في سنن النسائي من رواية النسائي عن شيخه قتيبة هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، صاحب المذهب المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن].وهوعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة فاضل، قال عنه ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].يعني والقاسم بن محمد يروي عن عمته عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق المنزلة براءتها من عند الله عز وجل في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي الصحابية التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ستة من الرجال وواحدة من النساء هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
الأسئلة
فائدة دراسة علم الحديث والرجال
السؤال: ما هي الفائدة من دراسة الحديث والرجال؟الجواب: الفائدة من دراسة الحديث أن يعلم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو وحي أوحاه الله عز وجل على رسوله، وقال عنه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، ولأن هذا هو من مصادر التشريع (الكتاب والسنة)، والحق والهدى لا يعرف إلا عن طريق الكتاب والسنة، فدراسة الحديث منه يؤخذ الحق والهدى، وبه يسار إلى الله عز وجل على بصيرة.وكذلك دراسة الرجال، ومعرفة رواة الأحاديث، ومعرفة من يكون ثقة ومن يكون ضعيفاً، ومن يكون حديثه مقبولاً، ومن يكون حديثه غير مقبول، هذه هي الفائدة، وهذا في الحقيقة سؤال عجيب! فلا تترك الدراسة وتنطلق في الدعوة، بل يتسلح بسلاح العلم والمعرفة من كتاب الله وسنة رسوله حتى يكون الإنسان أهلاً للدعوة، أما إذا لم يعرف الحديث، ولم يعرف السنن، فإلى أي شيء يدعو الناس، فلابد من العلم، والدعوة تكون مبنية على علم، والعلم هو كتاب وسنة.العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هو أولو العرفان
حكم التشهير بالحكام وفضحهم على الملأ
السؤال: يا شيخ! يقول البعض: لا ينبغي مدح الدولة بالمحاضرات، بل يجب التشهير بهم وفضحهم حتى يعتدلوا، فما رأيكم؟الجواب: هذا من قلة الفهم وعدم الرفق، وعدم الأخذ بالطرق التي ينبغي الأخذ بها، ومن المعلوم أن النصح والدعاء مطلوب لولاة الأمور، وأن كون الإنسان يدعو لولاة الأمور وينصح لهم، فهذا هو الذي أرشدت إليه السنة وأرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أن النتائج والثمرات الطيبة إنما تترتب على النصح، ولا تترتب على التشهير وعلى الكلام الذي يكون فيه إيذاء لهم، وإنما تكون بالنصح لهم وبالدعاء لهم، وكون الإنسان ينصح لهم، ويبين لهم الشيء الذي يحصل منهم من الخطأ، ويرشدهم إلى طريق السلامة وإلى طريق النجاة، ويذكرهم بما هم قادمون عليه، وما هو الذي أمامهم عندما يغادرون هذه الحياة وينتقلون إلى الدار الآخرة، ولا ينفعهم عند ذلك إلا ما يقدمونه من أعمال صالحة، فالتذكير والتنبيه على الخير، والتعاون على البر والتقوى، هذا هو المنهج القويم، وهو المسلك الذي تحصل من ورائه الفوائد، وتحصل من ورائه النتائج الطيبة.
معنى (صدوق يتشيع) و(صدوق يهم) ومدى تأثير ذلك على الحديث
السؤال: ما معنى: صدوق يتشيع، وصدوق يهم؟ وهل يؤثر على إسناد الحديث؟الجواب: كلمة (صدوق) معلوم أنها أقل من ثقة، لكن من يكون وصفه بذلك فحديثه يحتج به، ويقبل حديثه. ومعنى كلمة (يتشيع) أي: أنه ينسب إلى التشيع، ومن المعلوم أن التشيع يتفاوت، فهناك تشيع لا يؤثر، مثل تفضيل علي على عثمان، فإن هذا يقال له: تشيع، وينسب إلى جماعة من أهل السنة ذلك الشيء، وذلك لا يؤثر في قبول الروايات، فمثل هذا النوع من التشيع لا يؤثر.وأما (صدوق يهم)، فمعناه أن له أوهاماً، أو أحصي عليه شيء من الأوهام.
مدى شمولية النهي عن البزاق عن اليمين في الصلاة وفي غيرها
السؤال: بالنسبة لحديث (إذا صلى أحدكم فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه)، هل هذا خاص بالصلاة أم خارج الصلاة؟الجواب: الحديث جاء في الصلاة، لكنه يشمل حتى في غير الصلاة، وعليه فلا يبصق أمامه، ولا يبصق عن يمينه، وإنما يبصق عن شماله.
مدى ثبوت صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء
السؤال: صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء، هل ثبتت في السنة؟الجواب: لا أعلم ثبوت شيء بين المغرب والعشاء بالنسبة لصلاة الأوابين، وإنما الذي ورد في صلاة الأوابين في صحيح مسلم صلاة الضحى: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، يعني: أن أولاد الإبل الصغيرة تشتد عليها حرارة الرمضاء فتتأذى بذلك، فالمعنى: أن صلاة الأوابين تكون في وقت اشتداد الشمس، هذا هو الذي جاء في صحيح مسلم، أما كونه يكون بعد المغرب فلا أعرف عنه شيئاً.مداخلة: إذا لم يثبت هل نستطيع أن نمنع المصلين بين المغرب والعشاء؟الشيخ: نرشد الناس إلى اتباع السنة، أولاً: نبحث عن هذا الذي ذكر، هل هو ثابت أو غير ثابت؟ وإذا كان غير ثابت نرشدهم إلى ما هو ثابت.
حكم الكلام في المشايخ الذين عرفوا بالخير والصلاح
السؤال: يا شيخ! ما رأيكم فيمن يتكلم في أعراض المشايخ، والذين عرفوا بالخير والصلاح والدعوة إلى الله، واتهامهم بأنهم خوارج، وبأنهم أهل بدع؟الجواب: الكلام في أعراض المسلمين مطلقاً هو مذموم بلا شك، وهو من الغيبة، وآحاد الناس إذا تكلم في أعراضهم بغير حق، فإن هذا إيذاء لهم، وهو داخل تحت الغيبة المذمومة، وإذا كان هذا في حق آحاد الناس فكيف يكون في حق من يكون له اشتغال بالعلم وله عناية بالعلم، ولا شك أن هذا داخل تحت هذا الذم من باب أولى، فالإنسان سيحاسب عليها، وسيسأل عنها، فإن الكلام في المشايخ لا شك أنه من باب أولى أشد ضرراً، والواجب هو العدل والإنصاف، ومعرفة الحق لأهل الحق، ومن عرف من أحد منهم خطأ، فإنه يبين له خطأه، وأيضاً ينبه على الخطأ حتى لا يغتر به، إذا كان الأمر واضحاً، أما إذا لم يكن شيء من ذلك، فإن هذا كما هو معلوم مما يسعى الإنسان فيه إلى ضرر نفسه، ولا يضر غيره شيئاً.
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:07 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(87)
- (باب التيمم في الحضر) إلى (باب التيمم في السفر)
يجوز التيمم في السفر وفي الحضر، وذلك عند فقد الماء، أو خشية الضرر من استعماله، وبه يرتفع الحدثان الأصغر والأكبر.
التيمم في الحضر
شرح حديث أبي جهيم في التيمم في الحضر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في الحضرأخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: (أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر الجمل، ولقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة بهذا العنوان؛ وهي باب: التيمم في الحضر، ومن المعلوم أن التيمم يكون عند فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله مع وجوده، وهذا يكون في الحضر والسفر، والغالب على الحضر أنه يوجد فيه الماء، لكنه قد يفقد فيه، ويكاد يخرج وقت الصلاة وهو غير موجود، فهل يتيمم له أو لا يتيمم؟ اختلف العلماء في ذلك، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أقبل من نحو بئر الجمل، فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه السلام حتى جاء إلى الجدار وضرب بيديه ومسح وجهه وكفيه، ثم رد عليه السلام).ومحل الشاهد من إيراد الحديث: (كون النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر الجمل)، وهو مكان قريب من المدينة، مما يدل أنه ليس في حال سفر وإنما هو في حال حضر، ومن أجل هذا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب التيمم في الحضر، وأورد تحته حديث أبي جهيم رضي الله تعالى عنه.وقد عقد البخاري رحمه الله لهذا الحديث ترجمة؛ وهي باب: التيمم في الحضر إذا فقد الماء وأوشك أن يخرج الوقت، وأورد تحته هذا الحديث؛ حديث أبي جهيم رضي الله تعالى عنه.وإنما تيمم الرسول صلى الله عليه وسلم لرد السلام.إذاً: فيكون هذا العمل إنما هو من أجل أمر مستحب؛ وهو ذكر الله عز وجل؛ لأن السلام فيه ذكر الله، والسلام اسم من أسماء الله عز وجل، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون على طهارة، وهذا أمر مستحب وليس بواجب، فيمكن للإنسان أن يرد وهو ليس على طهارة، لكن الأكمل والأفضل أن الرد يكون على طهارة، ولهذا فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإن رد السلام وذكر الله عز وجل يكون على طهارة وعلى غير طهارة، لكن كونه يكون على طهارة فهذا هو الأولى، وهذا هو الذي أراده رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وهذا من جنس تجديد الوضوء؛ كون الإنسان يكون على طهارة ثم يتوضأ مجدداً؛ فإن الطهارة موجودة، فالذي يحصل عند التجديد هو أمر مستحب وليس بواجب.إذاً: فتيمم الرسول عليه الصلاة والسلام هو بمثابة تجديد الوضوء، وليس بلازم وإنما هو أمر مستحب. وكون الإنسان يكون على طهارة عندما يذكر الله عز وجل هذا أمر مستحب، وهذا هو الذي يعنيه هذا الحديث، ويدل عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي جهيم في التيمم في الحضر
قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].الربيع بن سليمان هذا يحتمل أن يكون: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، ويحتمل أن يكون الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري، وذاك أيضاً مرادي، وكل منهما يكنى أبا محمد، لكن يأتي أحياناً ما يدل على أحد الاثنين بكونه ينسب -كما سبق أن مر بنا- فالأول هو: ابن داود الجيزي المصري المرادي، وجاء منسوباً، يعني: بعد ما ذكر أبوه ذكر جده، وهذا الذي تميز به عن ابن عبد الجبار. لكن هنا ليس بمتميز؛ لأن في ترجمة شعيب بن الليث بن سعد قيل: روى عنه الربيع بن سليمان المرادي، وكل من الاثنين يقال له: الربيع بن سليمان المرادي، فهو يحتمل الاثنين. ولا إشكال في أي واحد منهما؛ لأن كل منهما ثقة، ومن المعلوم أن الأمر إذا دار بين ثقتين، فأي واحد منهما يكون فإن الحديث يثبت، وجهله لا يؤثر تعييناً ما دام أنه يدور على ثقتين، ولكن الذي يؤثر لو كان أحدهما ثقة والثاني ضعيفاً ولم يتميز أحدهما، فإنه يحتمل أن يكون هو الضعيف، وعلى هذا فلا يعتمد ولا يعول على الحديث الذي جاء في الإسناد؛ لأنه لا بد من الجزم والتحقق من ثقة وعدالة الرواة؛ حتى يحكم بصحة الحديث وثبوته.إذاً: فـشعيب بن الليث ذكر في ترجمته أنه روى عنه الربيع بن سليمان المرادي، وهذا لا يزيل إشكالاً، ولا يعين أحد الاثنين؛ لأن كلاً منهما الربيع بن سليمان المرادي، وإنما يتميز أحدهما لو قيل: ابن عبد الجبار، أو ابن داود، وإلا فإن كلاً منهما يكنى بأبي محمد.إذاً: فهذا محتمل وغير متعين أحدهما، ولكن الأمر كما قلت: لا يؤثر؛ لأن الاثنين شيخان للنسائي: الربيع بن عبد الجبار، والربيع بن سليمان بن داود.وابن داود سبق أن مر بنا ذكره في بعض الأسانيد وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. والربيع بن سليمان بن عبد الجبار هو صاحب الشافعي وراوية كتبه المشهور، وهو أيضاً ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه زيادة على ابن داود.[حدثنا شعيب بن الليث]. هو شعيب بن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أبيه]. أبوه هو الليث بن سعد، وهو ثقة فقيه محدث، مشهور، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن جعفر بن ربيعة]. هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن هرمز]. هو الأعرج، يأتي ذكره أحياناً باسمه ونسبه، وأحياناً يأتي ذكره بلقبه، وكثيراً ما يأتي ذكره باللقب، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمير مولى ابن عباس]. هو عمير بن عبد الله الهلالي المدني مولى أم الفضل، ويقال له: مولى ابن عباس، وأم الفضل هي: أم ابن عباس، فمولاها مولى لبنيها، فإذاً: إطلاق كونه مولى ابن عباس إضافة صحيحة؛ وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة].عبد الله بن يسار ليس من الرواة لهذا الحديث؛ لأن الراوي هو عمير مولى ابن عباس، وهذا إنما يحكي الحالة التي حصلت؛ وأنه أقبل هو وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، فـعبد الله بن يسار ليس من الرواة، ولهذا ما ذكر في رجال الكتب الستة.ولكن كما سبق أن نبهت أن المزي من طريقته أنه يذكر الذين لهم ذكر في الكتب وإن لم يكن لهم رواية، لكن ابن يسار كما عرفنا له ذكر وليس له رواية، وإذاً: فلم يعدوهم من رجال الصحيحين، بالرغم من وجود والحديث في الصحيحين. وقد جاء ذكر عبد الله بن يسار في صحيح مسلم بلفظ عبد الرحمن بن يسار، وهو وهم، بل هو عبد الله بن يسار، وليس عبد الرحمن بن يسار. وسبق أن ذكرت مثالاً لهذا؛ أن في صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: كنت أنا ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقلت له: أفطر؛ سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).يزيد بن أبي كبشة ليس راوياً، وإنما الراوي هو أبو بردة يروي عن أبيه أبي موسى، لكن سبب ذكر الحديث هو فعل يزيد بن أبي كبشة الذي صحبه في سفر، ومعناه: أن الإنسان إذا كان متعوداً أن يصوم في الحضر أيام معينة، وجاء السفر، فإنه إذا أفطر بسبب السفر فالله تعالى يأجره في حال سفره بما كان يأجره في حال حضره، وكذلك كان في حال صحته وعافيته يصوم أياماً، ولكنه لم يتمكن بسبب المرض، فالله تعالى يثيبه في حال مرضه بمثل ما كان يثيبه في حال صحته وعافيته.فـالمزي ذكر يزيد بن أبي كبشة ورمز له في البخاري، والحديث في البخاري، لكن ليس هو من رجال البخاري وإنما له ذكر في صحيح البخاري، ومثله عبد الله بن يسار فإنه له ذكر وليس له رواية، فكما هو واضح فالراوي هو عمير مولى ابن عباس، وهو الذي يروي عن أبي جهيم، ولكنه لما حدثه أبو جهيم كان معه عبد الله بن يسار، وهذا من الأمور التي يستدل بها على ضبط الراوي وإتقانه؛ لأنه يعرف -مع الحديث- الملابسات التي حصلت وقت التحديث بالحديث؛ فإنه أخبر بأنه أقبل هو وعبد الله بن يسار، فلقوا أبا جهيم فحدثهم بهذا الحديث، والراوي هو عمير مولى ابن عباس.ومثال ذلك: ذكر أويس القرني؛ لأن أويس القرني ليس من الرواة، وإنما له ذكر في بعض الكتب؛ في صحيح مسلم وفي غيره.[قال أبو جهيم].هو ابن الحارث بن الصمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قيل في الخلاصة: له أحاديث اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين.
شرح حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: (أن رجلاً أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ قال عمر: لا تصل، فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه). وسلمة شك لا يدري فيه: (إلى المرفقين أو إلى الكفين) فقال عمر: (نوليك ما توليت)].هنا أورد النسائي رحمه الله: التيمم في الحضر، وهذه ترجمة مكررة مع الترجمة السابقة، وبعض النسخ لا يوجد فيها هذه الترجمة، والمناسب لهذه الترجمة كما قال السندي: التيمم للجنابة، وهذه أيضاً سيأتي لها ترجمة؛ تيمم للجنب، ثم قال: ولعل إيراده في هذه الترجمة -وهي الترجمة في الحضر- من أجل فعل النبي عليه الصلاة والسلام إذ وصف التيمم، فإنه فعل التيمم في الحضر؛ لأنه تيمم وأراه كيف يصنع، فيكون وجه إدخاله في التيمم في الحضر من جهة فعل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه وصف التيمم، وذكر طريقة التيمم وبينها، وذلك في حال الحضر، وإلا فإن الذي يناسب الحديث هو التيمم للجنابة.وقد أورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، أنه كان عند عمر رضي الله عنه، فجاءه رجل فسأله عن الجنب، يعني: من يحصل له الجنابة ولا يجد الماء، فقال: (لا تصل)، يعني: اجتهد رضي الله عنه وأرضاه، فأفتاه بأنه لا يصلي حتى يجد الماء؛ لأن الذي ورد هو التيمم في الحدث الأصغر، فقال له: أما تذكر أني أنا وإياك كنا معاً، وكنا في سفر، أو كنا في الإبل، وأننا أجنبنا، أما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب كما يتمعك البعير، فجئنا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبرناه، فقال: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا)، ثم وصف التيمم.ثم قال: شك سلمة؛ لا يدري هل هو إلى الكفين أو إلى المرفقين. يعني: هل التيمم ينتهي عند الكفين فقط، أو أنه يصل إلى المرفقين؟ثم قال عمر رضي الله عنه: (نوليك ما توليت)؛ لأنه ما تذكر الذي حدثه به عمار بن ياسر رضي الله عنه، يعني: فأنت تتحمل مسئولية الإفتاء بهذا الشيء؛ لأنك الذي تذكره، أما أنا فلا أذكره. وهذا فيه دليل على أن التيمم الذي يكون لرفع الحدث الأكبر كالتيمم للحدث الأصغر، فعندما توجد الجنابة فإن رفع الحدث عنها يكون كما يفعل لرفع الحدث الأصغر، ويكون بالتيمم؛ لأن التيمم على طريقة واحدة، لا فرق فيه بين رفع الحدث الأصغر ورفع الحدث الأكبر، بخلاف الماء؛ فإن الحدث الأصغر يرفع بالوضوء، والحدث الأكبر يرفع بالاغتسال.وفيه: أن الذي فعله عمر رضي الله عنه وأرضاه، وفعله عمار في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو بالاجتهاد، ومعنى هذا: أن الصحابة في زمن النبوة عندما تنزل الواقعة أو تحصل نازلة كانوا يجتهدون، ولكنهم إذا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه واستفتوه، وأخبروه بما فعلوا، فإما أن يقرهم، وإما أن ييبن لهم الشيء الذي عليه أن يفعلوه، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه -كما يحكي ذلك عمار- لم يصل؛ لأنه لم يجد الماء، وأما عمار فتمعك، وقاس حالة التيمم على حالة الاغتسال؛ وأن رفع الحدث الأكبر بالماء يكون بكون الماء يستوعب الجسد، فهو تمرغ في التراب كما يتمرغ البعير؛ حتى يستوعب ذلك جسده، وهذا فيه الاجتهاد في زمن النبوة، وأن الاجتهاد قد يخطئ وقد يصيب، ومن المعلوم أن كلاً منهما اجتهاده قد أخطأ: الذي ترك الصلاة حتى يجد الماء، والذي تمعك في التراب وجعل التراب يصل إلى جميع جسده قياساً على الماء.وفيه: استعمال القياس؛ لأن عماراً قاس حالة التيمم، أو حالة استعمال التراب في التيمم بحالة استعمال الماء في الاغتسال، وأنه لما كان الاغتسال هو باستيعاب الجسد؛ فإنه اجتهد وقاس حالة التيمم على حالة الاغتسال، فتمعك في التراب كما يتمعك البعير؛ يعني: تجرد وتمعك في التراب كما يتمعك البعير؛ لأنه قاس حالة التيمم على حالة الاغتسال، والرسول عليه الصلاة والسلام بين في الحديث (أنه يكفيه هكذا؛ وضرب بيديه الأرض، ومسح كفيه ووجهه)، فدل ذلك على أن التيمم لا فرق فيه بين حالة الوضوء وحالة الاغتسال، وحالة رفع الحدث الأصغر وحالة رفع الحدث الأكبر؛ أي: كلها على طريقة واحدة، وكلها على نسق واحد.ثم أيضاً هذا الحديث الذي حصل في حضرة عمر، وسمعه عمار وسمعه عمر، فعمار تذكر، وأما عمر فقد نسي الذي حصل في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال له: نوليك ما توليت، أنت الذي تتحمل المسئولية في هذا، وأما عمر رضي الله عنه فإنه لم يذكر، ولهذا فإنه لا يروي هذا الحديث؛ لأنه ما تذكره، وأما عمار فهو الذي كان يذكره، وهو الذي كان معه عمر عندما حصلت الحادثة والقضية، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبره بأنه يكفيه بأن يتيمم، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى التمعك في التراب، كما فعل رضي الله تعالى عنه وأرضاه.قوله: (فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء).السرية: هي القطعة من الجيش التي تخرج منه ثم تعود إليه، فهذه يقال لها: سرية.قال: (فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت).يعني: كل منهما اجتهد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن في زمنه عليه الصلاة والسلام عندما تحصل الحادثة والواقعة فإن الصحابة كانوا يجتهدون، وقد تحصل الإصابة وقد يحصل الخطأ، وكلٌ من الاثنين لم يصب؛ لا عمر ولا عمار؛ لأن عمر لم يصل، وأجَّل ذلك حتى يجد الماء، وعمار قاس حالة فقد الماء على حالة وجود الماء، وأنه عند فقده يكون التيمم، مثل الاغتسال للجسد كله، فتمعك في التراب حتى يصيب التراب الجسد كله؛ قياساً على الماء، وقياساً على الاغتسال، ولم يصب لا هذا ولا هذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين لهم أنه يكفيهم أن يتيمموا كما يتيمموا للوضوء.قال: (فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم يديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه).وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في ترجمة: التيمم في الحضر؛ يعني: من فعله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه تيمم معلماً، أي: تيمم أو عمل التيمم ليعلم الكيفية التي يكون بها التيمم، وهذا هو وجه إيراده في باب: التيمم في الحضر، وإلا فإن القصة هي في التيمم من الجنابة، والتيمم من الحدث الأكبر.وقوله: (ثم نفخ فيهما)، يعني: لعل الأرض فيها غبار كثير، فنفخ من أجل أن يخفف هذا الغبار، وليس بلازم؛ لأنه جاء النفخ وجاء عدمه، فيحمل النفخ على كثرة الغبار الذي يحصل تخفيفه بالنفخ، وعدم النفخ على عدم الكثرة في الغبار الذي لا يحتاج معها إلى نفخ.ثم قال: (وسلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين؟).وسلمة الذي هو أحد الرواة -هو سلمة بن كهيل- شك لا يدري، لكنه جاء عدم الشك في حديث عمار الذي في الصحيحين والذي فيه أنهما الوجه والكفان، وليس فيه ذكر المرفقين، فإذاً: إذا حصل الشك بين هذا وهذا؛ فإنه يرجع إلى ما لا شك فيه، وإلى المتيقن، وهو الذي جاء بطرق أخرى متعددة أنه الكفان فقط، وليس إلى المرفقين.ثم قال عمر رضي الله عنه: (نوليك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى مهمة الإفتاء بهذا؛ لأنك الذي تروي ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما عمر رضي الله عنه فإنه نسي هذا الذي حصل له بحضرة عمار، والذي يحكيه عمار، وأنه حصل للاثنين: لـعمر وعمار، فقال: (نوليك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى الإفتاء بهذا الأمر والتحديث به؛ لأنك أنت الذي تحفظ ذلك وتضبطه، أما عمر رضي الله عنه وأرضاه فإنه لم يذكر ذلك الذي حدث به عمار، وكان ذلك بحضرة عمر رضي الله تعالى عن الجميع.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:11 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(87)
تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بـبندار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[حدثنا محمد].محمد هذا غير منسوب، فيسمى مهملاً، وهو: أن يسمى الرجل ولا ينسب. وكيف يعرف المهمل؟ يعرف بالشيوخ والتلاميذ، فهنا مثلاً الذي يروي عن شعبة هو محمد بن جعفر الذي هو غندر، ويروي عنه محمد بن بشار، فهو إذا جاء يروي عن محمد بن بشار، ويروي هو عن شعبة، فالمراد به: غندر، وهو معروف ومشهور بالرواية عن شعبة، فإذا لم ينسبه محمد بن بشار وهو يروي عن شعبة، فالمراد به: غندر، وهو محمد بن جعفر غندر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [حدثنا شعبة].هو: ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، وبهذا الوصف العالي الذي هو التلقيب بأمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سلمة].سلمة، هو ابن كهيل الحضرمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ذر].هو ابن عبد الله المرهبي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه].هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وابنه ثقة، وأما هو فصحابي صغير ولا يحتاج إلى أن يقال فيه: ثقة؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاجون إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين، بعد أن أكرمهم الله عز وجل بثنائه عليهم، وكذلك ما حصل لهم من ثناء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنهم أجمعين، فثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم لا يحتاجون معه إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، كما قال الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية): إن كل راو من رواة الحديث لا بد من معرفته، فإذا كان مجهولاً فإنه يؤثر على ثبوت الحديث، وأما أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فلا تضر جهالتهم؛ لأن المجهول منهم ظفر بثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام، فيكفي فيهم أن يُعلم أن الواحد منهم صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أجمعين.وقوله: (أن رجلاً أتى عمر)، الرجل هذا ليس من الرواة وإنما الراوي هو عبد الرحمن بن أبزى يروي عن عمار؛ لأنه حضر هذا السؤال من الرجل المبهم وهو يسأل عمر، وعمر أفتاه بأنه لا يصلي حتى يجد الماء، فأخبره عمار بما جرى لهما؛ أي: لـعمر وعمار من الجنابة، وأن عمر لم يصل، كما أفتى به ذلك الذي سأله، وأما هو فتمعك، ولما جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأنهم يكفيهم التيمم.إذاً: الرجل الذي سأل عمر ليس راوياً، وإنما يحكي عبد الرحمن بن أبزى أن رجلاً سأل عمر وكان ذلك بحضرة عمار، فأفتاه عمر بأنه لا يصلي حتى يجد الماء، وأخبره عمار بما حصل لهما، وبما عملاه، وبما أفتاهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه يكفيهم التيمم.قوله: [عن عمار].عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل المشهور.
شرح حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن عبيد بن محمد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن ناجية بن خفاف عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: (أجنبت وأنا في الإبل، فلم أجد ماء، فتمعكت في التراب تمعك الدابة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال: إنما كان يجزيك من ذلك التيمم)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه من طريق أخرى، ويحكي فيه أنه كان في الإبل يعني: في رعاية الإبل أو في سفر ومعه الإبل، فأجنب ولم يجد الماء، فتمعك كما تتمعك الدابة -أي: البعير- في التراب؛ لأن البعير عندما يأتي إلى المكان الذي يتمعك فيه، فإنه يتقلب على جنبيه حتى يصل التراب أنحاء جسده، فـعمار رضي الله عنه وأرضاه فعل كما يفعل البعير، فتمعك في التراب تقلب في التراب كما تتقلب الدابة، لأنه يريد أن يستوعب التراب سائر جسده قياساً على الاغتسال، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما كان يجزيك من ذلك التيمم)، يعني: يكفيه أن يتيمم، ولا يحتاج إلى هذا العمل.
تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في تمعكه في التراب لما أجنب ولم يجد الماء من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد بن محمد].هو المحاربي الكوفي، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه .[حدثنا أبو الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة متقن، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسبق أن مر بنا ذكره.[عن أبي إسحاق].أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع قبيلة من همدان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فقد مر ذكره كثيراً.[عن ناجية بن خفاف].هو ناجية بن خفاف العنزي الكوفي، وهو مقبول، روى له النسائي وحده.[عن عمار بن ياسر].عمار بن ياسر هو صحابي الحديث الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا.
التيمم في السفر
شرح حديث عمار بن ياسر في مناسبة إنزال الله رخصة التيمم بالصعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في السفرأخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن عمار قال: (عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقدها من جذع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر رضي الله عنه، فقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل رخصة التيمم بالصعيد، قال: فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم، وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب التيمم في السفر، بعد أن ذكر التيمم في الحضر، وقد أورد فيه حديث عمار رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في سفر، وكان في أولات الجيش في مكان قريب من المدينة، وأنه كانت معه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأن الرسول عرس -والتعريس هو: استراحة المسافر في آخر الليل- فجاء وقت الصبح وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، (فتيمموا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام على وجوههم وعلى أيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)، هكذا جاء في هذه الرواية، أما في الروايات الأخرى التي في الصحيحين فليس فيها ذكر ما يدل على الزيادة على الكف، وإنما جاء في السنن وفي غيرها، فقيل: إن هذا إما أنه كان موجوداً فنسخ -أي: الزيادة عن الكفين- أو أن هذا حصل من بعض الصحابة، أو أنه يحكي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، والذي ثبت في الصحيحين وغيرهما الاكتفاء بمسح الوجه والكفين، وليس في ذلك الذراعان ولا المنكبان، وإنما الوجه والكفان فقط.قوله: (عن ابن عباس، عن عمار رضي الله عنهما قال: عرَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته، فانقطع عقدها من جذع ظفار).يعني: هذا نوع العقد، أنه جذع من خرز ظفار؛ وهي مدينة في اليمن، ومكان في اليمن، ينسب إليها ذلك الخرز، فكان عقدها من ذلك النوع، فجلسوا في طلبه وفي البحث عنه.قوله: (فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر).يعني: غضب عليها -تغيظ من الغيظ وهو الغضب- لكونها كانت سببا في حبس الناس وليس معهم ماء. قوله: (فقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله عز وجل رخصة التيمم بالصعيد).يعني: أنزل الله آية التيمم، وأنهم يتيممون عند فقد الماء، والحديث سبق أن مر، يعني: أن عائشة رضي الله عنها لما فقدت عقدها وجلسوا في انتظاره، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم نائماً على فخذها، وجاء أبو بكر رضي الله عنه يلومها ويعاتبها ويطعن في خاصرتها، عند ذلك أنزل الله آية التيمم، فتيمموا، وقال عند ذلك أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر.قوله: (قال: فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً).قوله: (ولم ينفضوا)، يعني: ما حصل النفخ مثل ما جاء في بعض الروايات، وما حصل أيضاً نفض الأيدي حتى يتساقط منها شيء. فيحمل وجود النفخ على ما إذا كان الغبار كثيراً، فيراد من النفخ تخفيفه، وعدم النفخ فيما إذا كان الغبار الذي علق من الصعيد قليلاً.قوله: (فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط).يعني: المناكب من الظاهر، ومن بطون أيديهم إلى الآباط، من الداخل.
تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر في مناسبة إنزال الله رخصة التيمم بالصعيد
قوله: [أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله].هو الذهلي النيسابوري، وهو ثقة، حافظ، جليل، خرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي].هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وأبوه هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن صالح].هو ابن كيسان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن ابن شهاب].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].ابن عباس هو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمار بن ياسر].عمار بن ياسر رضي الله عنه قد مر، والحديث من رواية صحابي عن صحابي، وفيه تابعي عن تابعي؛ لأن الزهري من صغار التابعين، يروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ففيه: رواية صحابي عن صحابي، ورواية تابعي عن تابعي.
الأسئلة
حكم الترضي على غير الصحابة رضي الله عنهم
السؤال: هل يجوز أن نقول: رضي الله عنه لغير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟الجواب: نعم، يجوز أن يترضى عن غير الصحابة وأن يترحم على الصحابة، لكن الذي اشتهر على ألسنة السلف الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، لكن يجوز الترحم عن الصحابة، والترضي على من بعدهم؛ لأن هذا دعاء بأن يرضى الله عن الشخص أو أن يرحم الله الشخص، فكل ذلك دعاء سائغ، إلا أن هذا اشتهر في العرف والاستعمال، وهو أن الترضي يكون للصحابة، وأن الترحم يكون على من بعدهم.
الحالات التي يجوز للمريض فيها التيمم
السؤال: ما حكم من أجنب وكان مريضاً، ولم يستطع الغسل، فهل يتوضأ أو يتيمم؟ مع العلم أن الماء موجود؟الجواب: إذا كان الماء يضر باستعماله فإنه ينتقل إلى التيمم، ويجوز التيمم؛ لأن مسوغات التيمم: فقد الماء، أو عدم القدرة على استعماله؛ يعني: إما لكونه لا يستطيع لخلل في أعضائه ولا يوجد من يقوم بذلك في حقه، أو لكونه مريضاً يضره ويؤثر عليه، أو يكون في مكان فيه برد شديد، وليس عنده ما يسخن به الماء؛ فإنه يتيمم أيضاً.
حكم التيمم مع وجود الماء
السؤال: لم يذكر في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجد الماء لذلك تيمم، فهل يجوز التيمم مع وجود الماء؟الجواب: كما هو معلوم، أنه لا يتيمم إلا لعدم وجود الماء؛ لأن التيمم إنما يكون لعدم وجود الماء؛ لكونه ليس معه ماء في ذلك الوقت، ولهذا البخاري رحمه الله عقد لهذا الحديث ترجمة: باب التيمم عند فقد الماء، وخشية خروج الوقت.
سبب تمرغ عمار بالتراب مع علمه بآية التيمم
السؤال: هل كان تيمم عمار، وعمر رضي الله عنهما قبل نزول آية التيمم أو بعدها؟ وإذا كان بعدها فهل يتصور أنه لا يعلم الآية؟ ثم إن عمر رضي الله عنه نهى عماراً عن الصلاة، فقال عمار: يا أمير المؤمنين... إلى آخره.الجواب: الذي يبدو من فعل عمار أنه كان يعرف الحكم، ولكنه ظن أن الجنابة ليست كالوضوء، فيحتاج فيها إلى أنه يتمعك كما تتمعك البعير.
حكم الحديث الذي في إسناده رجل مبهم
السؤال: إذا كان في السند رجل مهمل، يحتمل أن يكون فلاناً الثقة، ويحتمل أن يكون فلاناً الضعيف، فهل يحكم على الحديث بالضعف، أو بالصحة، أو يتوقف فيه؟الجواب: لا يحكم له بالصحة، ولكن يتوقف فيه، ويحتمل أن يكون هذا وهذا؛ لكنه لا يعول عليه، ولا يبنى عليه حكم؛ لأنه غير ثابت، ولاحتمال أن يكون ذلك هو الضعيف فهو يتوقف فيه، لكن النتيجة أنه لا يعمل به حتى يتحقق بأن هذا المهمل هو الثقة، أما إن تحقق بأنه الضعيف فإنه لا يتوقف فيه وإنما يرد.
حكم التيمم عند الخشية من خروج وقت الصلاة
السؤال: هل ضيق الوقت وقرب خروج وقت الصلاة يعتبر من الأمور التي تجيز للإنسان التيمم؟الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إنه إذا ضاق الوقت فإن له أن يتمم، ومنهم من قال: إنه لا يتيمم ولو خرج الوقت، ما دام أنه يمكن الحصول على الماء.
مدى صحة نسبة المساجد التي حول المسجد النبوي إلى الصحابة
السؤال: فضيلة الشيخ! هذه المساجد التي حول الحرم كمسجد علي، وأبي بكر، وعمر، ومسجد الغمامة، هل هذه المساجد صحيحة النسبة إلى أصحابها؟ وهل يجوز تقارب المساجد بهذه الصورة مما يسبب تفرق كلمة المسلمين؟الجواب : أبداً، لا يتصور أن يكون لهؤلاء الصحابة مساجد بهذا القرب، وهم عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان بنو سلمة وأماكنهم في المكان الذي يسمى مسجد القبلتين، تلك المنطقة البعيدة لما أرادوا أن يتحولوا منها حتى يصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يأتون من ذلك المكان البعيد، هل يتصور أن هؤلاء الصحابة الكرام على هذه المسافات القليلة يتركون الصلاة في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصلون في هذه المساجد؟! يعني: ذاك المكان الذي هو مكان مسجد الغمامة مصلى العيد، وهو مصلى الاستسقاء، والمساجد الأخرى التي هي لفلان وفلان من الصحابة بهذا القرب، فهذا بعيد أن يكون كذلك؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أحرص الناس على الخير، وأسبق الناس إلى الخير، ولا يتصور أن الواحد منهم يتمكن من أن يصلي فيحصل له بالصلاة ألف صلاة، ثم يتركها ولا يحضر تلك الصلاة.
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:14 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(88)
- (باب الاختلاف في كيفية التيمم) إلى (باب نوع آخر من التيمم)
من تسهيل الله ورحمته بعباده أن شرع لهم التيمم، وهو رخصة لمن لم يجد الماء في سفر أو حضر، وقد وردت في صفته روايات متعددة، أرجحها ما ورد في البخاري من الاقتصار على الوجه والكفين.
الاختلاف في كيفية التيمم
شرح حديث عمار: (تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاختلاف في كيفية التيمم.أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه أخبره عن أبيه عن عمار بن ياسر قال: (تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتراب، فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)]. يقول النسائي رحمه الله: (الاختلاف في كيفية التيمم). ومقصوده: أن الأحاديث التي وردت في كيفية التيمم على صفات متعددة، منها: ما هو إلى الكفين فقط، ومنها: ما هو إلى أنصاف الذراعين، ومنها: ما هو إلى الذراعين، ومنها: ما هو إلى المنكبين، ولكن الذي ورد في الصحيحين وفي غيرهما: الاقتصار على الكفين، فيكون أرجح من غيره، فيكون فرض التيمم هو: مسح الوجه والكفين.وقد أورد النسائي رحمه الله عدة أحاديث في هذا الباب تشتمل على ما أشار إليه من الاختلاف في الكيفية، وأنها جاءت على ألفاظ مختلفة، لكن بعضها أرجح من بعض، وقد أشرت إلى أن المرجح هو ما جاء في الصحيحين من أن المسح يكون للكفين فقط دون أن يضاف إليهما شيء آخر، فقد أورد النسائي رحمه الله حديث عمار بن ياسر الذي فيه أنهم تيمموا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنهم مسحوا بوجوههم، وأيديهم إلى المناكب، وهذا هو الذي جاء في هذا الحديث، وفي غيره، لكن الذي جاء في الصحيحين وفي غيرهما من حديث عمار وغيره: الاقتصار على مسح الكفين فقط، فيكون هو الأرجح من غيره.
تراجم رجال إسناد حديث عمار: (تيممنا مع رسول الله بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)
قوله: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري].وهو العباس بن عبد العظيم العنبري، ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو متقن، وهو من أهل البصرة.[حدثنا عبد الله بن محمد].وهو عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وسبق أن مر ذكر عمير مولى أم الفضل، أو مولى ابن عباس، وكنت قد ذكرت أنه خرج له الجماعة، والواقع أن الذي خرج له مثل الذين خرجوا لهذا الرجل، وهم البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، خرجوا لـعمير بن عبد الله الهلالي مولى أم الفضل، ويقال له: مولى ابن عباس، وهو ثقة، والذي معنا هنا عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي البصري، خرج له صاحبا الصحيح، وخرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي، ولا ابن ماجه .[حدثنا جويرية].وهو جويرية عم عبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد الضبعي؛ لأن هذا جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، وذاك عبد الله بن محمد، ومحمد أخو جويرية، أبناء لـأسماء بن عبيد الضبعي، وجويرية بن أسماء اسمه واسم أبيه من الأسماء المشتركة، التي يسمى بها الرجال والنساء، وهي مشهورة في أسماء النساء، جويرية، وأسماء، وجويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي صدوق، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، أي: مثل الذي قبله، ابن أخيه، فالذين خرجوا للعم مثل الذين خرجوا لابن أخيه، الذي هو عبد الله بن محمد وزيادة ابن ماجه .[عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، المشهور، العلم، الذي اشتهر فقهه، وصار له مذهب مشهور، ودون فقهه وصار له أتباع اعتنوا بفقهه، وهو محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر بنا ذكره كثيراً، وهو إمام علم، ومحدث فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قام بتدوين السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، والذي سبق أن أشرت إليه مراراً فيما مضى، والذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمراً له عمر وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله].وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين، المشهورين في المدينة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.والزهري تابعي صغير، يروي عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.[عن أبيه].هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود، عمه عبد الله بن مسعود، هو ابن أخي عبد الله بن مسعود؛ لأن عتبة وعبد الله أخوان، وعبد الله هذا هو ابن أخي عبد الله بن مسعود الهذلي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه ، فالذين خرجوا لـجويرية بن أسماء هم الذين خرجوا لوالد عبيد الله، الذي هو عبد الله بن عتبة بن مسعود الذي عمه عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه.إذاً: فهو ثقة، خرج حديثه صاحبا الصحيح البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن عمار].وهو عمار بن ياسر مر ذكره في الأسانيد المتقدمة، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين
شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه وبعض الذراعين في التيمم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدينأخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن سلمة عن أبي مالك وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: (كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد ماء، فقال عمر: أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا، ونحن نرعى الإبل، فتعلم أنا أجنبنا؟ قال: نعم، أما أنا فتمرغت في التراب، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: إن كان الصعيد لكافيك، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه، فقال: اتق الله يا عمار، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أذكره، قال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت)].هنا ذكر النسائي حديثاً لـعمار من طريق أخرى، وهو يشتمل على كيفية أخرى من كيفيات التيمم، وهو أن عمار رضي الله تعالى عنه كان عند عمر فجاءه رجل وسأله عن الجنب، يعني: عن الرجل يجنب، ولا يجد الماء، فقال: أما أنا فإذا لم أجد الماء، فإنني لا أصلي حتى أجد الماء، معناه: أنه يؤخر الصلاة، فيما إذا كان على جنابة ولم يجد الماء، ومعنى هذا: أنه لم يعتبر رفع الحدث الأصغر يماثله رفع الحدث الأكبر، ونص القرآن جاء في الحدث الأكبر والأصغر، لكن لعل عمر رضي الله عنه وأرضاه يرى أن ملامسة النساء ليس المقصود بها الجماع، وهذا هو الذي قاله بعض العلماء وبعض الصحابة فهم اختلفوا في تفسير الملامسة، هل المقصود بها الجماع، كما هو قول الجمهور، أو أن المقصود بها اللمس؟ وأنه يكون ناقضاً للوضوء، فيكون الإنسان يتيمم إذا لم يجد الماء، فـعمر رضي الله عنه وأرضاه يرى أن الملامسة المقصود بها اللمس، وليس المقصود بها الجماع، ولهذا لم يكن يعلم دليلاً يدل على أن الجنب يتيمم، ولهذا لما سأله رجل بحضرة عمار هذا السؤال قال: أما أنا فإذا لم أجد الماء، فإنني لا أصلي، حتى أجد الماء، فقال له عمار: أتذكر لما كنت وإياك، في مكان كذا ومعنا الإبل، وأننا أجنبنا، أما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، فجئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فضحك رسول الله، يعني: ضحك من هذا العمل الذي عمله عمار، وهو كونه تجرد، وتمرغ بالتراب كما تتمرغ الدابة؛ لأنه قاس التيمم للجنابة على الاغتسال من الجنابة.وهذا فيه بيان مبدأ القياس، لكن هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الأصل المقيس عليه الذي هو الوضوء ليس فيه أن التيمم يكون لأعضاء الوضوء، يعني: الرجلين والرأس، وما إلى ذلك، ليس فيهما هذا الأمر، فالقياس ليس بصحيح، لكن فيه الإشعار بمبدأ القياس، وأن عمار أخذ بمبدأ القياس، والرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أنه يكفيه أن يتيمم بالطريقة التي أرشده إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي مسح الوجه والكفين. وهنا ذكر إلى أنصاف الذراعين، يعني: إذا كان المقصود من ذلك أن الكفين دخل على الذراعين، فهذا لا إشكال فيه، يمكن أن يرجع إلى حديث الصحيحين وغيرهما: في أن التيمم يكون على الكفين، وإذا كان المقصود من ذلك الزيادة، فهذه الزيادة ليست موجودة في الصحيحين، والمعتبر هو ما نقله الرواة، وجاء في الصحيحين، وفي غيرهما: من أن التيمم إنما يكون للكفين فقط، دون أن يضاف إليهما ذراعان، أو بعض الذراعين، أو إلى المنكبين، فيكون هذا أرجح من غيره في بيان تلك الكيفية.وفيه: أنه نفخ في يديه، وقد ذكرت فيما مضى: أن النفخ جاء في بعض الروايات ذكره، وجاء في بعضها عدم ذكره، فيكون ذكره في بعض الأحوال التي حصلت أن الغبار كثير، وأن الذي تصاعد لليدين كثير، فأريد تخفيفه بالنفخ، أما إذا كان ليس بكثير، ولا يظهر على الوجه لو مسحه به، أو اليدين لو مسحهما به لكثرة الغبار، فإن هذا لا يحتاج إلى النفخ.وقوله: [كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء، فقال عمر رضي الله عنه: أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء].المقصود من ذلك من الجنابة، يعني: يمكثون الشهر والشهرين، ولا يكون عندهم الماء، وهم في البر وفي السفر، فهو السؤال عن الجنابة، فقال: أما أنا فلا أصلي حتى أجد الماء.وفي الحديث: دلالة على أن من عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يبديه، وأن بعض الصحابة قد يكون عنده علم في المسألة، ولكنه ينساه، فإن عمر رضي الله عنه وأرضاه قد نسي هذا الذي جرى بينه وبين عمار، وما الذي حصل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أخبره عمار بالذي حصل في حضرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإجابته على ما أخبر به من حصول التمرغ في التراب، وقال: (إن الصعيد لكافيك)، قال له عمر: (اتق الله)، وهذا فيه تثبت في الرواية، وأنه يريد منه أن يكون على ثقة، وعلى يقين من ذلك، وقال عمار: إن شئت لم أحدث بهذا؛ لأن عمار رضي الله عنه قد حصل منه التحديث، وحصل منه التبليغ، فيكون قد أدى ما عليه، فلو أراد أن يتوقف عنه، فإنه قد أبلغ، وقد أدى ما عليه، فلم يكن هناك كتمان للعلم؛ لأنه قد حدث بهذا الحديث، وسمع منه، وبلغه للناس، فقال: (بل نوليك من ذلك ما توليت).يعني: أنت الذي تذكر، وأنت الذي تتولى هذا، وأنت الذي تخبر بهذا، أما عمر رضي الله عنه فإنه لا يعلمه، لكن هذا لا يدل على عدم قبوله لما أخبر به عمار، وإن كان قد حصل منه النسيان، فهو لا يدل على عدم قبوله لما جاء به، ولكن قوله: (نوليك من ذلك ما توليت)، يعني: أنت الذي تتولى تبعة هذا، وتتولاه؛ لأنك أنت الذي تعرفه وتذكره، أما أنا فلا أذكر ذلك، وعليه فيكون التحديث به، والإخبار به، إنما تكون مسئوليته عليك، وأنت الذي عندك العلم، وأنت الذي تحدث به، هذا هو معنى قوله: (نوليك من ذلك ما توليت).
تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه وبعض الذراعين في التيمم
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو: بندار، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، مات قبل البخاري بأربع سنوات، إذ توفي سنة اثنين وخمسين ومائتين، والبخاري توفي بعده بأربع سنوات، أعني: سنة ست وخمسين ومائتين، فهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي المحدث المشهور، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، العلم، الحجة، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، ومنزلة عالية، لم يظفر بها إلا النوادر من المشتغلين بالحديث، مثل: سفيان هذا، ومثل: شعبة، ومثل: إسحاق بن راهويه ، ومثل: البخاري، والدارقطني، وغيرهم، عدد قليل، أطلق عليهم هذا اللقب الرفيع، وهذا الوصف العالي الذي هو أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سلمة].هو سلمة بن كهيل الحضرمي، وقد مر ذكره في الأسانيد الماضية قريباً، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي مالك].هو غزوان الغفاري الكوفي، وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.[عن عبد الله بن عبد الرحمن].هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، وهو مقبول، خرج له البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي.[عن عبد الرحمن بن أبزى].هو عبد الرحمن بن أبزى، وهو صحابي صغير، وقد روى له الجماعة، وهذا هو الذي جاء ذكره في صحيح مسلم عند حديث: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين). ومناسبة الحديث أنه كان لعمر بن الخطاب أمير على مكة، اسمه نافع، فلقيه، فقال له: من أمرت عليهم في حال غيبتك؟ ومن وليت مكانك لينوب عنك حتى تعود؟ فقال: عبد الرحمن بن أبزى، قال: ومن عبد الرحمن بن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، قال: وليت عليهم مولى، قال: إنه عالم بكتاب الله، عارف بالفرائض. هذا يقوله نافع أمير عمر في حق عبد الرحمن بن أبزى الذي أنابه، أميراً لمكة في حال غيبته حتى يعود، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه، عندما سمع هذا الكلام: صدق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين)، والحديث في صحيح مسلم.وهو دال على فضل القرآن، وفضل العناية بالقرآن، وأن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين، ومعنى هذا: أن هذا الرجل رفعه الله بكتابه، وهذا هو معنى قول عمر: صدق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن أميره ولاه، وهو مولى من الموالي، ولكن تقديمه إياه إنما كان بسبب العلم، وبسبب الفقه في الدين، وبسبب العلم بكتاب الله، والمعرفة بالفرائض التي هي الشرائع، وليس معنى الفرائض التي هي المواريث فقط؛ لأن الفرائض معناها الأمور المشروعة والمفروضة؛ لأنه عارف بالفقه، عالم بكتاب الله عز وجل.قوله: [عن عمار].وقد مر ذكره.
نوع آخر من التيمم
شرح حديث عمار في الضرب الكفين في الأرض النفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين في التيمم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم.أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز حدثنا شعبة حدثنا الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه (أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن التيمم فلم يدر ما يقول، فقال عمار: أتذكر حيث كنا في سرية فأجنبت فتمعكت في التراب، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما يكفيك هكذا، وضرب شعبة بيديه على ركبتيه، ونفخ في يديه، ومسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة)].وهذا أيضاً حديث آخر من طريق أخرى من حديث عمار، وفيه: بيان الكيفية، وأنه ضرب ضربة واحدة نفخ في يديه، ومسح كفيه ووجهه مرة واحد، وهذا فيه: بيان الصفة المشهورة للتيمم، وهي مسح الوجه والكفين، بين الذراعين ودون المنكبين، دون الوصول إلى الذراعين، ودون الوصول إلى المنكبين.وضرب شعبة يديه على ركبتيه، ليبين الكيفية فقط، فهو ما ضرب بالتراب، ولكنه بين الهيئة والطريقة، وإن لم يكن ذلك بالتراب.وقوله: (فلم يدرِ ما يقول)، يعني: أنه ما عنده شيء يخبر به عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه جاء عنه، أنه قال: (أما أنا فإذا أجنبت، فلا أصلي حتى أجد الماء)، فهو قال الذي قاله باجتهاده، لكنه ما يدري ما يقول، يعني: شيئاً يسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو يروي فيه سنة عن رسول الله، هذا هو المقصود بقوله: (ما يدري ما يقول)، فهذا لا يناقض ما جاء عنه أنه قال: (أما أنا؛ فإذا أجنبت فلا أصلي) لأن المقصود أنه ما يدري ما يقول في شيء يفتيه به، ويكون عنده سنة في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:17 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(88)
تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين في التيمم
قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].وهو: الجرمي، ويقال: ابن بريد، ويقال في أبيه: بريد بدل يزيد، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أصحاب الكتب الستة الباقون.[حدثنا بهز].وهو ابن أسد العمي، الذي مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو شعبة بن الحجاج، الثقة، الثبت، الذي وصف بذلك الوصف العالي، ولقب بذلك اللقب الرفيع، الذي هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأشخاص الذين لقبوا بهذا اللقب، وهو من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، خرج له الجماعة، أصحاب الكتب الستة، فقد مر ذكره فيما مضى.[عن ذر].وهو ذر بن عبد الله المرهبي، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية قريباً فيما يتعلق بالتيمم، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عبد الرحمن بن أبزى].وهو سعيد بن عبد الرحمن؛ لأن هذا الحديث الذي فيه رواية ذر، يروي عن سعيد، وقد مر ذكره، وسعيد ثقة، من رجال الكتب الستة، كما خرجوا لأبيه عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الرحمن بن أبزى صحابي صغير، خرج له أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ذراً يحدث عن ابن أبزى عن أبيه أنه قال: وقد سمعه الحكم من ابن عبد الرحمن قال: (أجنب رجل فأتى عمر رضي الله عنه، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماءَ؟ قال: لا تصل، قال له عمار: أما تذكر أنا كنا في سرية فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فإني تمعكت، فصليت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك. وضرب شعبة بكفه ضربة ونفخ فيها، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح بهما وجهه)، فقال عمر شيئاً لا أدري ما هو، فقال: إن شئت لا حدثته، وذكر شيئاً في هذا الإسناد عن أبي مالك، وزاد سلمة: قال: بل نوليك من ذلك ما توليت].هنا أورد النسائي حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، من طريق أخرى، وفيه: بيان كيفية من كيفيات التيمم، وفيه: أن عمر قال: (لا تصل)، والذي قبله قال: (فلم يدر عمر ما يقول)، وهذا هو الذي ذكرت أنه لم يدر ما يقول، يعني أنه ليس عنده فيه سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما كونه اجتهد وأرشده إلى ما اجتهد فيه، وهو أن لا يصلي حتى يجد الماء، فهذا هو أخبره به، بل قد أخبر عن نفسه أنه لا يصلي حتى يجد الماء.
تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو الجحدري، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا خالد].وخالد بن الحارث قد مر ذكره كثيراً فيما مضى، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].حدثنا شعبة، وقد مر ذكره في الذي قبل هذا.[عن الحكم قال: سمعت ذر يحدث عن ابن أبزى عن أبيه].هذا معناه: أن شعبة يرويه عن الحكم، والحكم يرويه من طريقين: من طريق ذر عن ابن أبزى، ويرويه أيضاً عن ابن أبزى مباشرةً، فيكون الإسناد عالياً ونازلاً؛ لأنه إذا كان عالياً يسقط ابن أبزى، ويسقط ذر، وإذا كان نازلاً، فإنه يكون فيه ذر؛ لأن شعبة قال: عن ذر عن ابن أبزى عن أبيه، قال، أي: شعبة: (وقد سمعه الحكم من ابن أبزى)، معناه: أن الحكم يرويه عن ذر عن ابن أبزى، ويرويه عن ابن أبزى مباشرةً، فيكون رواه عن ابن أبزى بواسطة، ومن غير واسطة.وهذا لا يقدح، بل يأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث، وذلك أن الراوي يرويه بطريق نازلة، فإذا ظفر بالعالية حدث به بالعالية، فيكون قد حدث به على الحالين: الحالة النازلة قبل أن يظفر بالعالية، ثم عندما يظفر بالعالية يحدث بالعالية، فيكون عنده الحديث مروياً بطريقين: بطريق نازلة، وبطريق عالية، وفي هذا الإسناد الإشارة إلى الطريق العالية، والطريق النازلة، وأن الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي يروي عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ويروي أيضاً الحكم عن ابن أبزى دون واسطة ذر بن عبد الله المرهبي، وقد مر ذكر هؤلاء في الإسناد الذي قبل هذا.
نوع آخر من التيمم
شرح حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخرأخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم حدثنا الحجاج حدثنا شعبة عن الحكم وسلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه (أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه، فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين! إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت، فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب، ثم صليت، فلما أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيديه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما، فمسح بهما وجهه وكفيه)، شك سلمة وقال: لا أدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين، قال عمر: نوليك من ذلك ما توليت، قال شعبة: كان يقول: الكفين، والوجه، والذراعين، فقال له منصور: ما تقول؟ فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك، فشك سلمة، فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا؟].هنا أورد النسائي حديث عمار بن ياسر من طريق أخرى، وهو نفس القصة التي جاء رجل فسأل عمر بحضور عمار، وأن عمر قال: لا تصل، وأن عمار ذكره بما جرى له وله، وأنهم جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالذي حصل، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يكفيك أن تتيمم)، وذكر أنه مسح كفيه ووجهه، وأن سلمة شك هل ذكر الذراعين مع الكفين أو لا؟ وأن منصوراً قال له: إنه لا يذكر الذراعين أحدٌ غيرك، فقال: لا أدري، هل ذكر الذراعين، أو لم يذكر الذراعين؟ومعنى هذا: أن الكفين أمر محقق، وما زاد على ذلك -وهو الذراعان- فهو مشكوك فيه من قبل الراوي الذي هو سلمة بن كهيل، ومن المعلوم: أن الحديث جاء برواية متعددة، ولكن أرجحها وأقواها: الرواية التي فيها الاختصار على الكفين، دون إضافة الذراعين، ودون إضافة المنكبين.
تراجم رجال إسناد حديث عمار في الضرب بالكفين في الأرض والنفخ فيهما ثم مسح الوجه والكفين من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم].وهو عبد الله بن محمد بن تميم المصيصي، وهذا ثقة، خرج له النسائي وحده.[حدثنا حجاج].وهو حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وقد مر.[عن الحكم، وسلمة].الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل.والباقون قد مروا في الإسناد السابق.
الأسئلة
الكيفية الراجحة في التيمم في الروايات الواردة عن عمار
السؤال: ألا يمكن الجمع بين الأحاديث، ونقول تارة بالتيمم إلى الكفين، وتارة إلى الذراعين، وتارة إلى المنكبين؟الجواب : لا؛ لأن الأحاديث جاءت في موضوع واحد عن عمار، وفي قصة واحدة، وتحكي حالة واحدة، فلا شك أن بعضها أرجح من بعض، والذي جاء في الصحيحين، وفي غيرهما، الاقتصار على الكفين.والقول في الجمع أولى من الترجيح، نقول: الجمع إذا كان له وجه؛ لأن الآن هي قصة واحدة تتحدث عن حالة واحدة، وبعض الرواة يزيد وينقص، وهي تحكي حالة واحدة، فالذي اتفق عليه أصحاب الصحيح، وجاء أيضاً عن غيرهم الاقتصار على حالة واحدة، وهي الكفان.
مقصود عمر من التحريج على عمار في التحديث بحديث التيمم
السؤال: فضيلة الشيخ! أحسن الله إليكم، ألا يستفاد من حديث عمار بن ياسر إلى وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله عز وجل؟الجواب: نعم، هذا يدل على طاعة ولاة الأمور في غير المعصية، وعمار رضي الله عنه وأرضاه لما رأى عمر قال له: اتق الله، ليس مقصوداً أنه يمتنع، وإنما مقصوده أنه يتثبت، ولهذا قال: إن شئت لا أحدث، قال: لا، ما قال: أريد أنك تسكت، ولكن أنت الذي تتولى هذا؛ لأنك أنت الذي تعلم، وأنت تحدث بما تعلم، أما أنا فلا أذكر ذلك.
حكم إلزام العاصي باتباع الدليل وعدم تقليد المذاهب
السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: لا يجوز للعامة أن يتبعوا مذهباً معيناً، بل عليهم أن يتفقهوا بأنفسهم من الكتاب والسنة؟الجواب: العامة ليس لهم أن يتفقهوا بأنفسهم، وإنما عليهم أن يسألوا العلماء، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، والذي لا يعلم لا يستطيع أن يستخرج من الكتب وهو عامي، فقد يفهم الشيء على غير موضعه، ولكن العامي يتعلم، والجاهل يتعلم، إذا لم يجد أحداً من العلماء، فكونه يقرأ، أو يعرف مذهباً من المذاهب، ويتعبد الله عز وجل به هذا لا بأس بذلك، حيث لا يكون عنده من يفتيه، أما إذا وجد عنده عالم، عنده العلم والمعرفة، ويرجع إليه فيفتيه، فهذه الطريقة التي ينبغي أن تسلك.وإذا لم يجد العالم الذي يرجع إليه، فهذا يقال له: فاتقوا الله ما استطعتم، فيعرف مذهباً من المذاهب ويتعبد الله به، حتى يأتي من يدله على ما هو الحق والصواب في المسألة الفلانية، هذا هو الذي ينبغي.ومن يقول: إن هذه المذاهب بدعة محدثة لم يعرفها التابعون، نقول له: هذه المذاهب كما هو معلوم أقوال دونت، وأصحابها يخطئون ويصيبون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤهم مغفور، ويستفاد من فقه الفقهاء المدون الذي دون وأعتني به، ويرجع إليه، ولا يقال: إنه لا يرجع إلى كتب الفقهاء، بل هذا غلط كبير، فالناس بحاجة إلى أن يرجعوا إلى كتب الفقهاء، ويعرفون ما قالوا، ويعرفون مأخذهم، ويعرفون من معه الدليل، ومن ليس معه دليل؛ لأن الفقهاء اختلفوا واجتهدوا، فيُرجع إلى كلامهم، ولكن من عنده قدرة على الترجيح، ومعرفة الأدلة يرجح ما يرجحه الدليل، ومن ليس عنده علم، فإنه يسأل من عنده علم.وأما كونها تترك ولا يرجع إليها، ولا يستفاد من فقه الفقهاء، فهذا غلط، بل العلماء المجتهدون الذين عنوا ببيان الأحكام الشرعية، وفي بيان مسائل الفقه يرجع إلى كلامهم، لكن لا يعول على كلام أحد بعينه بحيث يقال: إن الحق مع فلان، لا، كل مسألة يجتهد فيها المجتهدون، المجتهد المصيب مأجور أجران، والمجتهد المخطئ له أجرٌ واحد.وكما قال ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب (الروح)، يقول: إن الواجب هو احترام العلماء، وتوقيرهم، والاستفادة من علمهم، ومعرفة أنهم يخطئون ويصيبون، وليس أحد يتبع ويلتزم بقوله إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام.أما العلماء ومنهم الأئمة الأربعة؛ فإنهم أرشدوا إلى اتباع الدليل، وأن يأخذ الناس من حيث أخذوا، فقد قال ابن القيم موضحاً طريقة الاستفادة من علم العلماء ومن كلام العلماء، قال: إنهم بمثابة النجم الذي يستدل به إلى القبلة، وهذا معناه أنه يستعان بهم للوصول إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى بيان شرع الرسول الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام، فكما يُهتدى بالنجم إلى جهة القبلة، ويعرف جهة القبلة عن طريق النجم، فإذا وصل الإنسان إلى القبلة، وصار عندها ما يحتاج إلى أن يبحث في النجوم، أي أن القبلة قدامه إذا وصل إليها وكان عندها فلا يحتاج إلى النجم.فكذلك الإنسان يرجع إلى كلام العلماء من أجل أن يصل إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلى حكم الرسول عليه الصلاة والسلام، فيستعين بهم، ويستفيد من علمهم في الوصول إلى المقصود، وهم يصيبون ويخطئون، لكن يوقرون، ويحترمون، ويثنى عليهم، ويعتقد بأنهم لا يعدمون الأجر والأجرين، فإنهم إما مجتهدون ومصيبون، فلهم أجران على الاجتهاد والإصابة، وإما مجتهدون ومخطئون، فلهم أجر واحد على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور.
علاقة جرح الرواة وتعديلهم بالغيبة
السؤال: هل الجرح في الرواة يعتبر من الغيبة المنهي عنها؟الجواب: لا، ليس هذا من الغيبة المنهي عنها؛ لأن هذا من النصح للمسلمين، ولأن هذا ينبني عليه أحكام شرعية، فإذا لم يبين حال الرواة تعديلاً وتجريحاً، كيف يهتدى إلى معرفة الحديث الصحيح من الضعيف؟! بل هذا من النصح، وهذا من الأمور المستثناة؛ لأن هناك أمور مستثناة من الغيبة، ذكرها النووي في رياض الصالحين، وذكرها غيره، منها: جرح الرواة، ومنها: كون الإنسان يتظلم عند القاضي، ويقول: فلان ظلمني، أو فلان أخذ حقي، هذا لا يعتبر من الغيبة، وكذلك عند الاستشارة، فالإنسان يستشار في شخص فيبين ما فيه، مثل ما حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام في المرأة التي خطبها أبو جهم، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له)، فهذا من النصيحة في المشورة.
منزلة آثار الصحابة والتابعين من الحديث النبوي
السؤال: هل أقوال الصحابة والتابعين من الحديث؟الجواب: أقوال الصحابة والتابعين ليست من الحديث، أقوال الصحابة والتابعين من كلامهم، فما يضاف إلى الصحابة يقال له: موقوف، وما يضاف إلى التابعين يقال له: مقطوع. وما يضاف إلى الصحابة ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون من الأمور التي للرأي فيها مجال، أو من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، فما كان من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، ولم يكن الصحابي الذي جاء عنه هذا الكلام معروفاً بالأخذ عن الإسرائيليات، عن بني إسرائيل؛ فإن له حكم الرفع، وهذا الذي يقول له: مرفوع حكماً؛ لأن المرفوع اثنين: مرفوع تصريحاً، ومرفوع حكماً، أما المرفوع تصريحاً وهو الذي يقول فيه الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أما المرفوع حكماً فهو أن يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات قولاً لا مجال للرأي فيه؛ فإنه يكون مرفوعاً حكماً.
كيفية الجمع بين حديث الجساسة وحديث ما من نفس منفوسة
السؤال: كيف نجمع بين حديث الجساسة الذي في صحيح مسلم، وحديث: (ما من نفس منفوسة يمر عليها مائة عام من هذا اليوم إلا ماتت)، أو كما قال؟الجواب: هذا الحديث حديث الجساسة، وذكر الدجال، وأنه في جزيرة موثق، هذا الحديث مستثنى من هذا الحديث العام الذي قال فيه: (لن يأتي مائة عام وفيه ممن هو على وجه الأرض في هذه الليلة أحد من بعد مائة عام)، يعني: كل من كان موجوداً في ذلك الوقت، في تلك الليلة لم يأت مائة سنة على الموجودين في هذه الليلة إلا وقد مات، هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الصحيح، وهذا هو الذي استدل به العلماء على أن الخضر غير موجود؛ لأنه لو كان موجوداً لهلك قبل مضي مائة سنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما من نفس يأتي عليها مائة سنة من هذه الليلة إلا وقد ماتت)، لكن يستثنى من هذا الحديث شخصان: مسيح الهداية، ومسيح الضلالة. مسيح الهداية في السماء، عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بروحه وجسده، وينزل في آخر الزمان، وأما مسيح الضلالة الذي هو المسيح الدجال، فهو في جزيرة من جزر البحر، كما جاء في حديث تميم الداري في صحيح مسلم، وهو المشهور بحديث الجساسة، ويكون مستثنى من هذا الحديث.
سبب ترجيح رواية المسح بالكفين
السؤال: لماذا رجحنا رواية الصحيحين من المسح بالكفين، ولم نقل: إن في الأمر سعة؛ ويجوز هذا وهذا؟الجواب: لأن القضية كلها تتحدث عن حالة واحدة، إذاً هناك راجح ومرجوح؛ فـعمر وعمار كانوا في مجلس، وجاء رجل وسأل عمر، وعمار موجود فأخبره، وبعض الرواة قالوا: للكفين، وبعضهم قالوا: للذراعين، وبعضهم قالوا: للمنكبين، إذاً ما دام القصة واحدة، وكلها تتحدث عن حالة واحدة إذاً هناك راجح ومرجوح.
علاقة الأرباح في شركات الأسهم بالمضاربة
السؤال: ما الحكم إذا دفع طالب مبلغاً من المال للمكتب، ثم يأخذ آخر العام مبلغاً من المال بسبب هذا السهم الذي دفعه، وهو يزيد على ما دفع؟الجواب: لا بأس؛ لأن مثل هذا مثل مسألة المضاربة، يعني: أناس يساهمون وكلٌ يدفع مبلغ، وهؤلاء يبيعون ويشترون، ثم في الآخر يتجمع رأس مال الربح على رأس المال، فيعطون الطالب رأس ماله، ونصيبه من الأرباح التي حصلت في البيع والشراء والمقسط، لا بأس بذلك، هذا سائغ وجائز؛ لأن هذا ما هو فلوس حفظت، أو في الأخير أعطي زيادة فلوس عليها، إنما هي نفسها الفلوس قلبت في البيع والشراء حتى ربحت، وصارت مثل عروض التجارة.
حكم أداء تحية المسجد في الموضع المعد لبعض الصلوات وعلاقته بالمسجد
السؤال: موضع اتخذ للصلاة في جماعة غير أنه لا تقام فيه إلا صلاة واحدة، كصلاة الظهر مثلاً، فهل يسمى مسجداً أو لا؟ وسواء سمي مسجداً أو لا، فهل تشرع فيه الصلاة ركعتين تحية المسجد؟الجوب: إذا كان مخصصاً للصلاة، وهو يعتبر مسجداً للمكان إلا أنه يصلى فيه بعض الصلوات، فهو يعتبر حكمه حكم المسجد، والأولى للإنسان أنه يصلي قبل أن يجلس.
حكم أداء السنن الرواتب في السفر
السؤال: هل من السنة التطوع وقت السنن الرواتب في السفر؟الجواب: لا، ليس من السنة التطوع بالرواتب إلا الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو ركعتا الفجر والوتر، فهاتان السنتان هما آكد السنن، وكان عليه الصلاة والسلام لا يتركهما لا في حضر، ولا في سفر.أما بقية الرواتب فالأولى تركها، وهو الذي قال في عبد الله بن عمر: لو كنت مسبحاً لأتممت، يعني: لو كنت متنفلاً.
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:20 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(89)
- باب تيمم الجنب - باب التيمم بالصعيد
من فضل الله ورحمته بعباده أن جعل التراب يقوم مقام الماء عند تعذر وجوده، أو تعذر استعماله، والتيمم يرفع الحدث الأكبر والأصغر، ويكون بما صعد من تراب الأرض.
تيمم الجنب
شرح حديث أبي موسى في صفة تيمم الجنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تيمم الجنبأخبرنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن شقيق قال: (كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى رضي الله عنهما فقال أبو موسى: أولم تسمع قول عمار لـعمر: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت بالصعيد، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه، فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار].يقول النسائي رحمه الله: باب: تيمم الجنب،مراده من هذه الترجمة كما هو واضح: أن التيمم يكون للحدث الأكبر ويكون للأصغر، وقد مرت أحاديث تتعلق بالتيمم للحدث الأصغر، وكذلك أيضاً مرت أحاديث تتعلق بالتيمم للحدث الأكبر، وذلك في الترجمة التي جاءت قبل ترجمة أو ترجمتين، وهي باب: التيمم في الحضر، فإنه جاء فيها التيمم للجنب والنسائي هنا أفرد هذه الترجمة لبيان التيمم للجنب، وأنه يكون من الحدث الأكبر كما يكون من الحدث الأصغر، لكن التيمم للحدث الأكبر محل خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن منهم من يرى أن التيمم يكون للحدث الأكبر كما يكون للحدث الأصغر، والدليل على ذلك ما جاء في آية التيمم.والمراد من تفسير ملامسة النساء: هو الجماع، وعلى هذا فيكون القرآن دل على التيمم للحدث الأكبر والأصغر، إلا أن بعض الصحابة يرون أن الملامسة ليس المراد بها الجماع، وإنما المراد بها: اللمس، وعلى هذا لا يكون في الآية دليل على التيمم من أجل الحدث الأكبر، ومن الذين ذهبوا إلى هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، وقد حصل بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما كلام حول تيمم الجنب، فكان عبد الله يرى أنه لا يتيمم للجنابة، وكان أبو موسى يرى أنه يتيمم للجنابة، وقد أورد أبو موسى على عبد الله حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، الذي فيه: أنه كان هو وعمر في مكان وأنه حصل لهما جنابة، فأما عمر فإنه لم يصل، وأما عمار فإنه تمرغ في التراب كما تتمرغ الدابة، ولما جاءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام أخبروه بالذي حصل، فضحك رسول الله عليه الصلاة والسلام من فعل عمار، وهو كونه تمرغ كما تتمرغ الدابة، ثم قال له: (إنما كان يكفيك التيمم).وحديث عمار رضي الله عنه واضح في أن الجنب يتيمم، وأن الحدث الأكبر يرتفع بالتيمم كما هو ظاهر الآية من تفسير الملامسة بأن المراد بها: الجماع وحصول الجنابة، كما أن الحدث الأصغر يرفع بالتيمم. فلما حصل البحث بين أبي موسى وبين عبد الله بن مسعود استدل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه على عبد الله بن مسعود بحديث عمار، عند ذلك قال له: (أو لم ترَ أن عمر لم يقنع بما قال عمار)، وهذه الكلمة التي قالها عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لا تدل على أن عمر لم يقنع بقول عمار، وليست واضحة الدلالة على أنه لم يقنع، بل يحتمل أن يكون توقف في ذلك؛ لأنه حكي أن هذه قضية حصلت بحضوره، وكون عمر حصل له نسيان، وهو لا يتذكر ذلك الشيء، مع أن الواقعة حصلت له، وأنه حكى صنيعهما على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال لـعمار: (إنما يكفيك هكذا)، فلا يدل على أن عمر لم يقتنع بقول عمار، وإنما رأى أنه قد يكون حصل له وهم، أي: لـعمار كما حصل له هو نسيان، وأن القضية كما يذكر عمار أنها كانت بحضوره، وأنه هو وإياه حصل لهما ذلك، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهما بهذا الخبر، وكان ذلك بحضرة عمر، وعمر لا يتذكر من ذلك شيئاً، فخشي أن يكون حصل من عمار وهم، كما حصل له منه هو نسيان.ثم إن عمر رضي الله عنه، لما قال لـعمار: (اتق الله)، يعني: أنه يتحدث عن شيء حصل بحضرته وهو لا يذكره، ويريد منه أن يتثبت، فقال له: إن شئت لا أحدث بهذا بعد الآن، فقال: لا، يعني: لا يمنعه من التحديث بما عنده من العلم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال له: (نوليك من ذلك ما توليت)، أنت الذي تتولى ما علمته، وتنشره، وتبينه، والعهدة عليك أنت؛ لأن عمر رضي الله عنه، لا يذكر هذا الشيء، وهذا قد يفهم منه أن عمر رضي الله عنه، قد اقتنع بقول عمار، وأنه كان يفتي بعدم بالصلاة بدون تيمم، قبل أن يبلغه ذلك؛ ولكنه بعد ما بلغه ذلك فالأظهر أنه قبل هذا واقتنع به، ولكنه قال ما قال من أجل التثبت.
مواقف لعمر تبين حرصه على التثبت من كل ما ينقل إليه من رواية عن النبي
وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه معروفاً بالحرص على التثبت في الرواية، والتثبت في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل إنه كان يطلب في بعض الأحيان من الشخص إذا جاء بسنة، أو أخبر بسنة، أن يبحث عنه، أو أن يدلل على من يوافقه في ذلك، كما حصل في قضية الاستئذان، فإن هذا يدل على تثبته، لا على عدم اقتناعه بما يسمعه من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنهم كانوا يكتفون برواية الشخص الواحد، ويعولون على رواية الشخص الواحد، وهو نفسه عول على رواية الشخص الواحد.في قصة الطاعون لما ذهب إلى الشام في خلافته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولما وصل إلى مكان من أرض الشام لقيه أمراء الأجناد، وكانت الشام قد وقع فيها طاعون، فقال له بعض الصحابة الذين كانوا معه: كيف تدخل بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في بلاد موبوءة، فتعرض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام للموت؟! فجلس واستشار الصحابة، فاستشار المهاجرين، ثم استشار الأنصار، ثم استشار مسلمة الفتح، ومنهم من يرى أنه يرجع، ومنهم: من يرى أنه يقدم، ولو كان فيها طاعون، ومن الذين كانوا يرون بأنه يدخل ولا يرجع أبو عبيدة، ولهذا لما استشار المهاجرين، واستشار الأنصار واختلفوا، يعني: بعضهم يقول: ادخل، وبعضهم يقول: ارجع، ثم في الأخير استشار مسلمة الفتح، فأشاروا عليه بالانصراف، فرجح ومال إلى هذا، وقال: إني مصبح على ظهر، يعني: في الصباح سيتجه إلى المدينة، ويترك دخول الشام، وقال له أبو عبيدة: نفر من قدر الله، قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله، إلى قدر الله، ثم إن عبد الرحمن بن عوف لم يكن حاضراً في ذلك الوقت الذي حصل فيه الكلام، ثم حضر وكان عنده حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاء وأخبرهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإن وقع فيها فلا تدخلوها).فعند ذلك سر عمر بما قاله أو بما جاء به عبد الرحمن بن عوف، وكان اجتهاده رضي الله عنه مطابقاً لما جاء به هذا الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عوف.كذلك قال ما قال في حق عمار، ولا يعني أنه لم يقتنع بذلك، فيحتمل أن يكون عنده شيء من التردد، وسبب ذلك لأنه يحكي أن القضية حصلت بحضور عمر، وهو لا يذكر هذا الشيء بل نسي، فخشي أن يكون وهم عمار، كما حصل له أنه نسي، ويحتمل وهو الأظهر أن يكون قد اقتنع بقول عمار، ولكنه لا يحدث به، وإنما يحمل ويولي ذلك من عنده علم فيه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.قوله: [عن شقيق قال: (كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: أو لم تسمع قول عمار لـعمر؟ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت بالصعيد، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له)].وهذا الحديث يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام من البحث في مسائل العلم وإيراد الأدلة، والاستدلال بها لمن عنده ذلك.لأن البحث والمناقشة جرت بين أبي موسى وعبد الله بن مسعود، فـعبد الله يرى أن الجنب لا يتيمم، وأبو موسى يرى أنه يتيمم، واحتج أبو موسى بحديث عمار، ففيه حصول المناقشة في مسائل العلم، والبحث فيها بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وفيه: الاستدلال لمن عنده دليل أو سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن أبا موسى رضي الله عنه وأرضاه أورد له الحديث الذي رواه عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، والذي أورده على عمر رضي الله عنه، وذلك في قصة اجنابهما، وكون عمار تمرغ كما تتمرغ الدابة.وفيه حصول الاجتهاد في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم كان يجتهدون في الأمور النازلة، وإذا لقوا الرسول عليه الصلاة والسلام أخبروه بالذي حصل فيخبرهم بما هو الشرع، وبما هو الحق والهدى، وذلك أن كلاً من عمر وعمار قد اجتهدا، أما عمر فإنه اجتهد فلم يصل وترك، وأخر الصلاة إلى أن يجد الماء، وأما عمار فإنه قاس ورأى أن التيمم ينوب عن الوضوء عند فقد الماء، وأنه يحصل به ارتفاع الحدث، فقاس حالة الجنابة على حالة رفع الحدث الأصغر، والرسول عليه الصلاة والسلام ضحك من صنيعه هذا، وبين له أنه يكفيه أن يتيمم بوجهه وكفيه، وأن حكم رفع الحدث الأكبر مثل الحدث الأصغر في التيمم.
مشروعية القياس في الدين إذا كان معتبراً
وفيه مشروعية القياس؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أقره على القياس في الأصل، ولكن الذي عيب عليه، أو الذي لم يوافق عليه: كونه قاس حالة التيمم على حالة الاغتسال، وأنه يعمم الجسد بالتيمم كما يعمم في الاغتسال، ولكن هذا القياس كما هو معلوم أيضاً غير واضح، من جهة أن رفع الحدث الأصغر ليس فيه استيعاب أعضاء الوضوء، وليس فيه استعمال التيمم في الرجلين، ولا في اليدين إلى المرفقين، وعلى الرأس، وإنما في الوجه والكفين فقط، فإذاً القضية ليست قضية قياس؛ لأنه لو كانت القضية قضية قياس، لكان التيمم لأعضاء الوضوء كلها، وعند ذلك يمكن أن يكون القياس صحيحاً في حق الذي فعله عمار، لكن الأصل المقيس عليه وهو التيمم الذي هو بدلاً عن الوضوء، ما كان التيمم لأعضاء الوضوء كلها، وإنما كان لبعضها.إذاً: يختلف حكم التيمم عن حكم الوضوء، فكذلك يختلف حكم التيمم عن حكم الاغتسال، وأنه لا يكون التيمم يوافق الاغتسال بحيث يعمم الجسد بالتراب كما يعمم الإنسان جسده بالماء.[فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)، وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه، ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه].وكأن الأرض التي حصل فيها التيمم الذي كان للتعليم كان فيها غبار كثير، ولهذا نفض حتى يخف، وهذا مثل ما جاء في بعض الروايات من النفخ من أجل تخفيف ما علق باليدين من الغبار، وفي بعضها ذكر النفض، وفي بعضها لم يذكر شيئاً من ذلك، ويكون هذا محمولاً على ما إذا كانت الأرض فيها غبار كثير، وعلق باليدين، وأريد تخفيفه بالنفخ أو النفض، وإذا كانت الأرض ليس فيها شيء من ذلك؛ فإنه لا يحتاج الأمر لا إلى نفخ ولا إلى نفض، وإنما يحصل التيمم.فقال عبد الله مجيباً لـأبي موسى الأشعري، أو لم ترَ عمر لم يقنع بقول عمار، وكما ذكرت: ليس الأمر واضحاً في أن عمر لم يقتنع بقول عمار، بل إن قول عمار له: (إن شئت لا أحدث)، وقوله له: (لا، بل نوليك من ذلك ما توليت)، يدل على اقتناعه بما قاله عمار، وأن عنده سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد عرفنا أن عمر رضي الله عنه اكتفى برواية الواحد، ولكنه كان معروفاً بالتثبت في الرواية رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في صفة تيمم الجنب
قوله: [أخبرنا محمد بن العلاء].وهو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي، وكنيته أبو كريب، وهو مشهور بكنيته، وأحياناً مسلم يروي عنه كثيراً ويأتي به بالكنية، ويسميه قليلاً، والبخاري بعكسه، فإنه يذكره باسمه ويكنيه قليلاً، والنسائي هنا ذكره باسمه ونسبه، وهو مشهور بكنيته، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكنيته توافق اسم جده؛ لأنه محمد بن العلاء بن كريب، أبو كريب.[حدثنا أبو معاوية].هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره باسمه، وذكره بكنيته.[حدثنا الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة، كما أن معرفة كناهم مهمة، وفائدة ذلك أن لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته أو مرة بلقبه، ومن يعرف أن هذه الكنية لفلان، مثل أبي معاوية، كنية لـمحمد بن خازم، والأعمش لقب لـسليمان بن مهران الكاهلي، فإذا عرفت الكنى وعرفت الألقاب؛ أمن كون الإنسان يظن الشخص الواحد شخصين، ومثل: ذلك محمد بن العلاء؛ لأن محمد بن العلاء ذكر باسمه، وكنيته أبو كريب، وهو مشهور بكنيته، فمن لا يعرف أن محمد بن العلاء كنيته أبو كريب، إذا رآه جاء محمد بن العلاء، ومرة أبو كريب يظن أن ذاك شخص وهذا شخص، لكن من يعرف أن هذه كنية لفلان الذي هو محمد بن العلاء يعرف بأن هذا شخص واحد ذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، فإذاً عندنا في هذا الإسناد شخص مشهور بكنيته، وذكر باسمه، وهو محمد بن العلاء.[عن شقيق].وهو شقيق بن سلمة، كنيته أبو وائل، وهو مشهور بكنيته أيضاً، وكثيراً ما يأتي في الأسانيد بكنيته أبو وائل، ولكنه جاء هنا باسمه، ويقال فيه ما قيل في الذين ذكرتهم وهم محمد بن العلاء أبو كريب، وأبو معاوية محمد بن خازم، والأعمش سليمان بن مهران، من أنه مشهور بكنيته ويأتي باسمه، ومعرفة كنى أصحاب الأسماء مهمة لما ذكرت، وشقيق بن سلمة ثقة مخضرم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والمخضرمون كما عرفنا هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي عليه الصلاة والسلام، أدركوا زمن الجاهلية وكانوا كباراً في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يتيسر لهم أن يلقوا النبي عليه الصلاة والسلام ولو مرة واحدة، فلم يظفروا بشرف الصحبة، والمخضرمون هم جماعة، منهم: أبو وائل هذا، ومنهم: سويد بن غفلة، ومنهم: الصنابحي الذي كان قد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولما كان في الجحفة الذي هو ميقات أهل الشام، وهو قريب من موضع رابغ، فجاء من جهة اليمن، ليلقى الرسول عليه الصلاة والسلام، فمات رسول الله عليه الصلاة والسلام، فبلغه وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الجحفة.جاء واحد يمشي على بعير وأخبره بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، فقالوا في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، ما بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير.فإذاً أبو وائل مخضرم من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فالحديث هو من رواية أبي موسى، ثم أيضاً يشعر بأن عبد الله بن مسعود عنده علم؛ لأنه قال: أو لم تعلم أن عمر لم يقنع بقول عمار؟! لكن الذي يروي ويحتج به هو أبو موسى الأشعري، على عبد الله بن مسعود، ويناظره ويبحث معه في مسألة التيمم للجنب.[عن أبي موسى الأشعري].وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً، إذاً فرجال هذا الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، محمد بن العلاء أبو كريب، ومحمد بن خازم أبو معاوية الضرير، وسليمان بن مهران الكاهلي، الأعمش، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه، هؤلاء الرواة الخمسة كلهم روايتهم عند أصحاب الكتب الستة.وأما الصحابة كما ذكرت ذلك مراراً وتكراراً لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، فتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله عليه الصلاة والسلام، وثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليه الصلاة والسلام كاف لهم عن تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، ولهذا الجهالة في الصحابة لا تؤثر وفي غيرهم تؤثر.
التيمم بالصعيد
شرح حديث: (... عليك بالصعيد فإنه يكفيك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم بالصعيدأخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن عوف عن أبي رجاء قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصلي مع القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة، ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك)].هنا أورد النسائي باب: التيمم بالصعيد، والمراد بالصعيد هو: ما يتصعد من الأرض على وجهها من التراب، بمعنى أنه يضرب عليه بيديه، ثم يتصعد على يديه شيء من الأرض فيمسح به وجهه وكفيه، فـالنسائي أورد هذه الترجمة باب التيمم بالصعيد.والحديث يدل على التيمم للجنابة، فهو دال على ما دل عليه حديث عمار، من التيمم من الجنابة.عمران بن حصين رضي الله عنه، يروي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً معتزلاً، يعني: جالساً في جانب، معتزلاً الناس، والناس يصلون وهو لا يصلي، فقال له: ما لك لم تصل مع الناس؟! فقال: إنني أصابتني جنابة ولا ماء، ففهم أنه يؤجل حتى يحصل الماء، يعني: مثل ما حصل لـعمر رضي الله عنه وأرضاه لما حصلت له جنابة ولم يصل انتظر لتحصيل الماء، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك)، يعني: تيمم وصل ولا تؤخر الصلاة، فدل هذا على ما دل عليه حديث عمار من أن رفع الحدث الأصغر يكون بالتيمم، فكذلك يرفع الحدث الأكبر بالتيمم، ولا تؤخر الصلاة لعدم وجود الماء، بل التيمم يحل محل الماء فيأتي بدل الماء، سواء ذلك في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، كلها على حد سواء.وفي الحديث دلالة على أن من وجد منه ما ينكر فإنه يسأل وينبه حتى يتبين عذره، فإذا كان ذلك الترك لسبب؛ فإنه يبين له الحكم كما حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام من كونه رأى هذا الرجل المعتزل على جانب، والناس يصلون وهو لا يصلي، وسأله وأخبره بالذي حصل، مثل ذلك ما جاء في الحديث أنه كان يصلي بالناس الصبح في منى، ولما صلى وإذا برجلين جالسان في ناحية، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، من الاضطراب، فهم خائفون، وقال: ما لكما لا تصليان؟ فقالا: إننا صلينا في رحالنا، يعني: جاءوا وقد صلوا، وكان الرسول ما صلى، وهم لكونهم قد صلوا جلسوا، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا صليتما في رحالكما، وأتيتم والإمام يصلي فصليا معه، تكون لكما نافلة)، يعني: لا يجلس الشخص والناس يصلون، وإن كان قد صلى فإنما عليه أن يصلي مع الناس، فالإنسان إذا صلى ثم أدرك جماعة لا يجلس والناس يصلون، وإنما يصلي معهم تكون له نافلة، ولو كان هذا في أوقات النهي؛ لأن صلاة الفجر بعده وقت نهي، والرسول أذن لهما، بل أمرهما بأنهما إذا أدركا الإمام يصلي، فليصليا معه، وقد أنكر عليهما ذلك، لكونهما ما دخلوا معهم الصلاة، والصلاة صلاة الفجر، إذاً: فمعنى هذا أنهم يصلون الجماعة نافلة في وقت النهي، ولكنه رخص لهما في ذلك، فذلك من النفل الذي جاء به الدليل على أنه سائغ وجائز؛ لأن الحديث وقع في صلاة الفجر، وقال: (ما لكما؟)، وقالا: إنما صلينا في رحالنا، قال: (إذا أتيتما والإمام يصلي فصليا معه تكون لكما نافلة)، فهنا استفسر من هذا الرجل، وأخبره أنه كان على جنابة، وأنه لم يجد الماء، فقال عليه الصلاة والسلام: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك).
تراجم رجال إسناد حديث: (... عليك بالصعيد فإنه يكفيك)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك المروزي، ويذكر أحياناً عبد الله غير منسوب، وفي بعضها ينسبه، لكنه لا لبس فيه، وسويد بن نصر هو راويته، ويقولون في ترجمته: هو راوية عبد الله بن المبارك، ومعنى هذا إذا روى عن شخص وقال له عبد الله ولم ينسبه فهو عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه؛ لأنه لا لبس فيه ولا يحتمل غيره؛ لأنه معروف بالرواية عنه، وكونه راويته، وعبد الله بن المبارك هو مروزي كما أن سويد مروزي، كلاهما من مرو، وعبد الله بن المبارك قد وصفه الحافظ في التقريب: بأنه ثقة، إمام، حجة، جواد، مجاهد، قال: بعد ما ذكر جملة من أوصافه، جمعت فيه خصال الخير.[عن عوف].وهو عوف بن أبي جميلة الأعرابي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور باسمه، وكذلك مشهور بنسبته: الأعرابي.[عن أبي رجاء].وهو عمران بن ملحان العطاردي، وهو مشهور بكنيته أبو رجاء، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمران بن حصين].وهو عمران بن حصين الخزاعي أبو نجيب، كنيته أبو نجيب، وهو من علماء الصحابة، وذكر في خلاصة تهذيب الكمال: أن له في الكتب مائة وثلاثين حديثاً اتفق البخاري، ومسلم منها على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، وانفرد مسلم بتسعة، ومن مشهور حديثه: حديث الصلاة على حسب الاستطاعة، التي قال له النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، يعني: أن الإنسان يصلي على حسب حاله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه).
الأسئلة
حكم المصافحة باليد واليدين
السؤال: هل من السنة أن تكون المصافحة باليدين، وهل تكره بيد واحدة؟الجواب: المصافحة تكون بيد واحدة، أما أن تكون باليدين معاً فلا أعلم فيه شيئاً.
مراد عمر من عدم تحديثه بحديث عمار رضي الله عنهما
السؤال: فضيلة الشيخ! قلتم: بأن الأظهر في حديث عمار أن عمر رضي الله عنه اقتنع، ولكنه لا يحدث بذلك، فلماذا لا يحدث بذلك عن عمار؟الجواب: لأنه قال: (نوليك ما توليت)، يعني: أنه اقتنع؛ لأنه حكيت له السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، فالأظهر أنه اقتنع؛ لما لو كان ما اقتنع لما قال له: إن شئت لا أحدث، لوافقه على ذلك، لكنه قال: لا، يعني: لا أشاء أنك لا تحدث، وإنما نوليك من ذلك ما توليت، وأما عبد الله بن مسعود فقد فهم بأنه لم يقتنع بذلك، ولعله فهم كما ذكرت بأن عمر كما حصل له النسيان جوَّز على عمار الخطأ والوهم.
معنى قول الحافظ في التقريب: (تمييز)
السؤال: ما المقصود بقول الحافظ: (تمييز) في التقريب؟الجواب: قول الحافظ في تقريب التهذيب: (تمييز) يعني: أن هذا الشخص لا رواية له في الكتب الستة، ولكنه وافق هؤلاء الذين لهم رواية في الكتب الستة، فمن أجل أن ينبه عليه، وألا يظن ذاك الشخص الذي لا رواية له في الكتب الستة أن له رواية، يذكره، ويأتي بعده بكلمة: تمييز، يعني: ذكره ليميزه عن رواة الكتب الستة، وأنه لا رواية له في الكتب الستة، وحتى لا يلتبس بغيره.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:23 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(90)
- باب الصلوات بتيمم واحد - باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
بين الشرع أنه إذا عدم الماء فهناك ما ينوب عنه، وهو التيمم، وهو يقوم مقام الماء، فكما يصح فعل الصلوات بوضوء واحد فكذلك جاز فعل الصلوات بتيمم واحد؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه.
الصلوات بتيمم واحد
شرح حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلوات بتيمم واحد.أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين)].يقول النسائي رحمه الله: باب الصلوات بتيمم واحد.المقصود من هذه الترجمة: أن التيمم الواحد يصلى به صلوات متعددة إذا كان الإنسان لم يحدث بعد التيمم، فإنه يستمر على طهارته، وذلك أن التيمم رافع للحدث كالوضوء على القول الصحيح من أقوال العلماء، فمنهم من قال: إنه مبيح لا رافع، ولكن الأظهر أنه رافع، وثمرة الخلاف: أن من قال: أنه رافع فإن حكمه حكم الوضوء، فلو تيمم، واستمر ولم يحدث بعد ذلك، فإنه يصلي الصلوات المتعددة بذلك التيمم، كما يكون بالنسبة للوضوء، ومن يقول أنه مبيح، فإنه لا يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، بل إذا دخل الوقت فإنه يتعين عليه أن يتيمم للصلاة التي دخل وقتها، لكن الصحيح: أن التيمم رافع للحدث؛ لأنه قائم مقام الماء، فيكون رافعاً كما أن الماء رافع.وقد أورد النسائي حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) فهذا هو لفظ حديث أبي ذر الذي أورده النسائي، ووجه الدلالة منه قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين)، بمعنى: أنه يصلي صلوات متعددة، لكن الاستدلال بالحديث على هذا غير واضح تماماً؛ لأن المقصود من قوله: (وإن لم يجد الماء عشر سنين) معناه: أنه يتيمم ما لم يجد الماء، وله وجه لم يذكره المصنف، لكنه غير واضح؛ معناه: وإن طال الزمن، فإنه يستمر على التيمم.لكن الأظهر من كونه يصلي الصلوات الخمس، أو الصلوات المتعددة بتيمم واحد، لأنه بدل عن الماء، والبدل يقوم مقام المبدل، فيمكن أن يستمر عليه إذا لم يجد الماء، ويمكن أيضاً أن يصلي صلوات متعددة بتيمم واحد، كما أنه يصلي صلوات متعددة بوضوء واحد.وقوله عليه الصلاة والسلام: (الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين) وفي بعض روايات الحديث عند بعض الأئمة: (فإذا وجد الماء، فليتق الله وليمسه بشرته) معناه: أنه إذا وجد الماء فإنه يمسه بشرته، بمعنى: أنه يغتسل، فإن هذه الفترة الطويلة التي مضت والماء لم يأت على جسده، فإنه يبادر إلى أن يمس جسده بالماء؛ لأنه مضى عليه وقت طويل وهو لم يمس بشرته الماء، فليغتسل ليزيل ما علق به من أوساخ، وأيضاً لإزالة آثار الجنابة إذا كان عليه جنابة، وكذلك أيضاً عندما يجد الماء فإنه يتعين عليه أن يتوضأ، وينتهي مفعول التيمم؛ لأن التيمم بدل عن الماء، فإذا وجد المبدل فإنه يسقط البدل.إذاً الأصل أن التيمم يقوم مقام الماء، فمتى لم يجد الإنسان الماء يتيمم، وإن مضى وقت طويل، فلا إشكال فيه، ما دام أن المبدل غير موجود الذي هو الماء، فإن البدل الذي هو التيمم يقوم مقامه، ولم يأت ما يدل على توقيته وأنه إذا مضى كذا فالحكم يختلف، بل الذي جاء في القرآن وجاء في السنة هو أن التيمم يقوم مقام الماء عند عدم وجود الماء وهو مطلق، فالأصل فيه: أنه حكم مستمر حتى يوجد الماء.
تراجم رجال إسناد حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين)
قوله: [أخبرنا عمرو بن هشام].وعمرو بن هشام هذا هو الحراني، وهو ثقة خرج له النسائي وحده.[حدثنا مخلد].ومخلد هو ابن يزيد الحراني، وهو صدوق له أوهام، فقد خرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام، المحدث، الفقيه، المشهور، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين مثل: سفيان الثوري هذا، ومثل: شعبة بن الحجاج، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، والدارقطني، وأمثال هؤلاء هم الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع.[عن أيوب].وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي قلابة].وهو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن بجدان].عمرو بن بجدان قال عنه الحافظ: أنه لا يعرف حاله، وخرج له أصحاب السنن الأربعة.وقوله: (لا يعرف حاله) هكذا؛ جاء عن الإمام أحمد وعن بعض العلماء أنه قال: مجهول لا يعرف حاله، ومنهم من قال: بأنه ثقة، فقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عنه العجلي: أنه ثقة، وصحح حديثه الترمذي، فقال عن حديثه هذا: حديث حسن صحيح، وكذلك صححه جماعة من أهل العلم، وله شاهد من حديث أبي هريرة، فيكون عاضداً له ومؤيداً.إذاً: فالحديث ثابت، وعمرو بن بجدان منهم من وثقه، ومنهم من قال: إنه مجهول، وتصحيحه له يدل على الاحتجاج به، وممن صحح حديثه أيضاً من العلماء: ابن حبان، والحاكم، والذهبي، وأبو حاتم، والنووي وجماعة من أهل العلم، كما ذكر ذلك الشيخ: ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل، فإنه ذكر سبعة من العلماء صححوا هذا الحديث، وقال: إنه صحيح، وله شاهد من حديث أبي هريرة.إذاً: عمرو بن بجدان منهم من جهل حاله، وهذا قول بعض أهل العلم، وقد وثقه بعض أهل العلم، وأيضاً له شاهد يقويه، ويزيده قوة، ويصير بذلك ثابتاً.[عن أبي ذر].أبو ذر هو الغفاري، وهو مشهور بكنيته، وأشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه أنه: جندب بن جنادة، وهو صحابي مشهور، له مائتان وواحد وثمانون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر أو تسعة عشر حديثاً.
فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
شرح حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد.حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير وناساً يطلبون قلادة كانت لـعائشة نسيتها في منزل نزلته، فحضرت الصلاة، وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل آية التيمم، قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً)].أورد النسائي رحمه الله باب: فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد، يعني: ما وجد الماء، ولا البدل من الماء الذي هو الصعيد الذي يتيمم به، وهذا هو المقصود من الترجمة، لكن فيما يتعلق بالتراب، والصعيد الذي هو: التراب، اختلف هل يتعين التيمم بالتراب وما يتصاعد منه، أم أنه يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كان تراباً أو غير تراب؟اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن التيمم لا يكون إلا بالصعيد وهو التراب الذي يتصاعد منه الغبار، ومنهم من قال: إن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض، فالإنسان إذا كان في أي مكان سواء كانت ترابية، أو حجرية، فإنه يتيمم، ولا يترك ذلك حتى يجد التراب، والذين ذهبوا إلى تخصيص ذلك بالتراب استدلوا بما جاء في بعض الأحاديث: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) وبما جاء من ذكر الصعيد في الآية وفي بعض الأحاديث.والذين قالوا بأن التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض سواء كانت تراباً، أو غير تراب، استدلوا على ذلك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الخصائص الخمس التي قال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)؛ لأنه قال: الأرض، فمعنى هذا: أن الإنسان في أي مكان من الأرض سواء كان عنده تراب، أو ليس عنده تراب فإنه يتيمم على الأرض التي هو فيها عندما يأتي وقت الصلاة، سواء كانت ترابية أو حجرية، فإنما عليه أن يضرب بيديه الأرض، ويمسح وجهه وكفيه، ولا يتعين التراب. وعلى هذا، فيكون التيمم بالتراب وغير التراب من أجزاء الأرض، كل ذلك سائغ وكل ذلك جائز، لكن الشيء الذي يمكن للإنسان هو أن يصلي على حسب حاله حيث لا يتمكن من التيمم على الأرض بأن يكون مثلاً الإنسان محبوساً، أو مصلوباً، أو ربط بسارية، ولم يتمكن من التصرف لا بالماء، ولا بالتيمم، فإنه يصلي على حسب حاله، فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه) ويقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].فالحاصل: أن التيمم اختلف العلماء فيه هل يكون بالتراب أو أنه يكون بجميع أجزاء الأرض، والذي يظهر من عموم هذا الحديث الذي هو حديث الخصائص أنه يتيمم في أي جزء من أجزاء الأرض إذا حان وقت الصلاة وأراد أن يصلي؛ لأن هذا هو مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) يعني: بعد أن يتيمم.ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها لما كانت في سفر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام أنها فقدت عقداً لها، وأن أسيد بن حضير الأنصاري ومعه جماعة ذهبوا يبحثون عنه، ثم إنهم أدركهم وقت الصلاة، ولم يكونوا على وضوء، ولم يكن معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فأنزل الله آية التيمم فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] فمحل الشاهد من إيراد النسائي للحديث: أنه نزل منزلة عدم الماء منزلة قبل مشروعية التيمم، فمن لم يتمكن من الصعيد الذي يتيمم عليه فإن حاله مثل حال من كان قبل مشروعية التيمم؛ لأنه صلى على حسب حاله، والصلاة لا تسقط، بل الصلاة متعينة، وإن لم يجد الإنسان الماء، أو لم يستطع أن يتوضأ، ولا يستطيع أن يتيمم، فالصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال، فلما كان هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم صلوا بغير وضوء، لأنه قبل ذلك لم يشرع التيمم، فكان الحال بعد فرض التيمم، وأن الإنسان إذا ما وجد الماء، ولا وجد التيمم، فإنه يكون حاله كحال هؤلاء الذين صلوا بغير وضوء قبل أن يشرع التيمم، هذا هو وجه إيراد النسائي لهذا الحديث بهذه الترجمة.والحديث ليس فيه فقد الاثنين معاً وإنما فيه أنهم فقدوا الماء، ومحل الشاهد: (وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء).قوله: (قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً).قول أسيد بن حضير: (جزاك الله خيراً)، يعني: يخاطب بذلك عائشة (فإنه ما نزل أمر تكرهينه إلا وجعل الله لك وللمسلمين منه خيراً) من المعلوم: أن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: لما حصل الانحباس بسبب عقدها، وأنهم ليسوا على ماء، وعاتبها أبو بكر، ولامها، وشدد عليها، ولا شك أن هذا فيه غضاضة عليها، وهو أمر تكرهه، ولكن صارت النتيجة بعد ذلك أن فرض الله تعالى التيمم، ولهذا قال أسيد بن حضير رضي الله عنه هذا الكلام، وقال كما سبق أن مر: (ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر) يعني: بل هي مسبوقة ببركات، وحصل بسببكم خير كثير، وهنا قال: جزاك الله خيراً يا عائشة، فلا يمتنع أن يقول هذا وهذا، وذلك الخير الذي حصل هو: مشروعية التيمم وكونهم عندما يعدمون الماء، أو لا يستطيعون استعماله لمرض أو لعدم قدرة عليه، فإنهم يتيممون، والتيمم يقوم مقام الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وهو محدث، فقيه، مشهور، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأشخاص القلائل الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، والوصف العالي، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[أخبرنا أبو معاوية].أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي معاوية.[حدثنا هشام بن عروة].وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو عروة بن الزبير وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، الذين يأتي ذكرهم كثيراً في الأسانيد، وكثيراًيأتي ذكر عروة بن الزبير يروي عنه ابنه هشام ويروي عنه غيره.[عن عائشة].وعائشة هي خالة عروة لأن عروة هو ابن أسماء وأسماء هي أخت عائشة، وعائشة هي الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها التي روت عن النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير من الأحاديث، وهي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ستة من الرجال وواحدة من النساء وهي: عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالمقصود بزوجة النبي هي عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة أن مخارقاً أخبرهم عن طارق (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: أصبت، فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر، يعني: أصبت)].ذكر النسائي حديث طارق، وهو ابن شهاب ذكره بهذه الترجمة وهي: باب إذا لم يجد الماء، ولا الصعيد. أورد فيه حديث طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه، أنه حكى (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أصبت، ثم جاءه آخر وقال: إنه تيمم، فقال له: أصبت)، مثلما قال للآخر. والمقصود من ذلك: أن الذي تيمم بسبب الجنابة قاس على حالة الوضوء، والذي لم يصل لم يستعمل القياس، فكونه (لم يصل)، ليس معنى ذلك أنه ما صلى أصلاً، وإنما أخر الصلاة مثلما حصل لـعمر عندما لم يصل لما كان مع عمار، أي: أخر الصلاة، لأن عمر قال: لا أصلي حتى أجد الماء، ومعنى هذا: أنه اجتهد وأخر الصلاة، وليس معنى ذلك أنه تركها وأنها سقطت عنه، فإن الصلاة لا تسقط، ولكنه اجتهد، ورأى أنه إذا لم يجد الماء فعليه أن يؤخر الصلاة حتى يجد الماء، فكل منهما أصاب من حيث الاجتهاد وحصول الأجر، لكن الذي أصاب السنة هو الذي اجتهد وتيمم، فإن هذا أدى ما عليه، وأما الذي لم يصل، وكونه اجتهد، فهو مأجور على الاجتهاد وإن كان مخطئاً، إلا أن المجتهد المخطئ مأجور على اجتهاده، والمجتهد المصيب مأجور على اجتهاده وإصابته.
تراجم رجال إسناد حديث طارق بن شهاب فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر، يعني لم يخرج له في السنن.[حدثنا خالد].وهو ابن الحارث وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا شعبة].وشعبة هو ابن الحجاج، الثقة الثبت، الذي وصف بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد المحدثين القلائل الذين ظفروا بهذا الوصف الرفيع، واللقب المتميز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مخارق].مخارق هو ابن خليفة، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، واختلف في اسم أبيه وهو: الأحمسي وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي.[عن طارق بن شهاب].وهو أيضاً الأحمسي وهو قد رأى النبي عليه الصلاة والسلام وروايته عنه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه شيئاً، ومن المعلوم أن رواية صغار الصحابة محمولة على الاتصال.
المياه
شرح حديث (إن الماء لا ينجسه شيء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المياه.قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقال عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وقال تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6].أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها، فذكرت ذلك له، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء)].أورد النسائي بعدما فرغ من الطهارة وما يتعلق بها، بدأ بهذا الباب الذي هو: كتاب المياه، وهو الذي تحصل به الطهارة الذي هو الماء، وقد أورد فيه بعض الآيات القرآنية التي فيها ذكر الماء والتطهير به، وذلك قول الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، وقوله: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11] وقال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6]، فإنه ذكر الماء في هذه الآيات الثلاث، وذكر في الآيتين الأوليين حصول التطهير به، ففي الآية الأولى: أنه طهور، وفي الثانية: أنه أنزله ليطهرنا به، وفي الثالثة: أنه قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] وهذا معناه: أن التطهر بالتيمم إنما يكون عند فقد الماء الذي هو الأصل فيما يتطهر به، والتيمم إنما هو بدل عنه عند عدمه، ولهذا قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] يعني: أنه إذا وجد الماء فإنه يحصل به التطهر، ولا ينتقل إلى التيمم إلا عند عدمه، وكذلك عند عدم القدرة على استعماله.ثم أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام اغتسلت من الجنابة، فتوضأ رسول الله عليه الصلاة والسلام بفضلها، فذكرت له ذلك فقال: (إن الماء لا ينجسه شيء) بمعنى: أن كون أثر الجنابة حصلت له، وأن المرأة في حال تطهرها من الجنابة تغمس يدها فيه، فإنه لا يؤثر ذلك على الماء شيء، لأن الماء لا ينجسه شيء.وهذه الجملة التي هي قوله: (إن الماء لا ينجسه شيء)، سيأتي في الأحاديث القادمة فيما يتعلق ببئر بضاعة، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن التطهر بها، وهي يلقى فيها نتن وشيء من الجيف، ومع ذلك يتوضأ منها، فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) لكن هذه الجملة، وهذه القاعدة العامة في الحديث جاء في بعض الروايات الضعيفة: (إلا ما غلب على لونه، أو طعمه، أو ريحه) وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أن العلماء أجمعوا على معناها، وهو: أن الماء إذا تغير بالنجاسة، سواء كان تغير الطعم، أو اللون، أو الريح، فإنه يكون نجساً، ولا يجوز استعماله، وقد أجمع العلماء على ذلك، وهذا بالنسبة للكثير والقليل.أما إذا كان الماء قليلاً فإن النجاسة تؤثر فيه، وإن لم تغير له لوناً، أو طعماً، أو ريحاً، كما سبق أن عرفنا ذلك في حديث القلتين، وكما سيأتي أيضاً حديث القلتين مرة أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الماء لا ينجسه شيء)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر هو: المروزي الذي يأتي ذكره كثيراً يروي عن عبد الله بن المبارك وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه .[حدثنا عبد الله بن المبارك].عبد الله بن المبارك وهنا نسبه وكثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد غير منسوب، فيقال: أخبرنا عبد الله وحدثنا عبد الله، والمقصود به: ابن المبارك، وإن لم ينسبه، لأنه معروف بالرواية عنه، بل يقال: هو راويته، وهو مروزي أيضاً، يعني: الاثنان مروزيان: سويد بن نصر مروزي، وعبد الله بن المبارك المروزي.وعبد الله بن المبارك قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة ثبت، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سماك].وهو سماك بن حرب وهو صدق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهذا الحديث من روايته عن عكرمة، لكن قد جاءت عدة أحاديث في معناه، وهي شواهد له، وهي ستأتي في الباب الذي بعد هذا، فيما يتعلق ببئر بضاعة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء).إذاً: فهذا الحديث الذي في إسناده سماك وروايته عن عكرمة خاصة فيها اضطراب، يعني: هذا الحديث مما شهد له الأحاديث الأخرى في معناه، فهو ثابت، والحكم على ثبوته ليس من هذا الحديث وحده، بل لما جاء في أحاديث أخرى، فإذاً هو ثابت، وإن كانت رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-20-2026, 07:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(91)
- (باب صلاة المغرب) إلى (باب فضل صلاة الجماعة)
لقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم للأمة ما افترض الله عليها من الصلوات، سواء في الحضر أو في السفر، ومما بيّنه أن المغرب ثلاث ركعات في السفر والحضر، كما بيّن أوقات كل صلاة.
صلاة المغرب
شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي المغرب ثلاث ركعات بجمع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة المغرب.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: (رأيت سعيد بن جبير بجَمْعٍ أقام فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أقام فصلى -يعني: العشاء- ركعتين، ثم ذكر أن ابن عمر صنع بهم مثل ذلك في ذلك المكان، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك في ذلك المكان)].يقول النسائي رحمه الله: باب صلاة المغرب وأنها ثلاث ركعات، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بجمع، وهي المزدلفة المغرب ثلاث ركعات: (فقام وصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم أقام وصلى العشاء ركعتين)، والمقصود من ذلك: أن الحديث اشتمل على أن المغرب ثلاث ركعات، وذكر سعيد بن جبير -الراوي عن عبد الله بن عمر- أن عبد الله بن عمر فعل في هذا المكان هذه الصلاة التي هي المغرب ثلاثاً، وبعدها العشاء ركعتين جمعاً وقصراً للعشاء، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام فعل في ذلك المكان، يعني: هذا العمل الذي هو الجمع مع القصر للعشاء، وأن المغرب على ما هي عليه في الحضر والسفر لا تقصر؛ لأنها وتر النهار، ولا يدخلها القصر، بل هي ثلاث ركعات، والرباعية هي التي تقصر وترجع إلى اثنتين بالقصر كما سبق أن مر ذلك في الأحاديث الماضية.وقبل أن نتكلم على إسناد الحديث نشير إلى رجل سبق أن مر في الأحاديث القريبة، وهو الوليد بن مسلم ذكرت، فيما مضى أنه الوليد بن مسلم الدمشقي، وهذا خطأ، وإنما هو الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري، وهو ثقة خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأبو داود والنسائي، هذا هو الراوي في الإسنادين الماضيين اللذين في أحدهما الوليد بن مسلم، وفي ثانيهما الوليد أبي بشر، فهو الوليد بن مسلم وكنيته أبو بشر، وأما الوليد بن مسلم الدمشقي فكنيته أبو العباس وهو ليس هذا، وما قلته فيما مضى هو خطأ، والصواب: أنه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبري البصري.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي المغرب ثلاث ركعات بجمع
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو: الصنعاني، الذي يأتي ذكره كثيراً، يروي عن خالد بن الحارث، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ولا أبو داود في كتاب السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.[حدثنا خالد بن الحارث].شيخ محمد الصنعاني الذي يروي عنه في هذا الإسناد وفي أسانيد كثيرة مضت، فهو ثقة أيضاً، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وشعبة هو ابن الحجاج، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع، ولقب عال لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سلمة بن كهيل].سلمة بن كهيل هو الحضرمي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة؛ أصحاب الكتب الستة.[رأيت سعيد بن جبير الكوفي].وهو ثقة، ثبت، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن ابن عمر ].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، فإذا قيل العبادلة الأربعة، فالمراد بهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وممن يسمى عبد الله في الصحابة كثير، فإذا أطلق لفظ العبادلة فالمراد بهم هؤلاء الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، والذين عاشوا واستفاد الناس من علمهم وحديثهم، وعبد الله بن عمر أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
فضل صلاة العشاء
شرح حديث: (أعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة العشاء.أخبرنا نصر بن علي بن نصر عن عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعشاء حتى ناداه عمر رضي الله عنه: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم، ولم يكن يومئذ أحد يصلي غير أهل المدينة)].أورد النسائي: باب فضل صلاة العشاء، وأورد فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم بصلاة العشاء، يعني: أخرها عن أول وقتها، وهذا هو الإعتام، ويأتي في بعض الأحاديث إطلاق العتمة عليها؛ لأنها تؤخر، والرسول عليه الصلاة والسلام أخر العشاء حتى ناداه عمر وقال: (نام النساء والصبيان)، وهو يشير بذلك إلى الرغبة في أدائها، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (ليس أحد يصلي هذه الصلاة غيركم).وليس أحد يصلي غير أهل المدينة، والمقصود من فضلها أنها إذا أخرت فإن من كان في انتظارها فهو في صلاة ما دام ينتظرها، والرسول عليه الصلاة والسلام بين في بعض الروايات أنه لولا المشقة لأخرها، فدل هذا على فضلها، وأن انتظارها فيه أجر عظيم؛ لأن منتظر الصلاة هو في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، وتأخير صلاة العشاء مستحب إذا لم يترتب عليه مضرة، وإلا فإن الصلوات في أول وقتها أفضل، والرسول صلى الله عليه وسلم بين أن تأخير صلاة العشاء أفضل لولا ما يترتب عليه من المضرة بالتأخير على بعض الناس الذين يحتاجون إلى النوم والذين يغلبهم النوم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أعتم رسول الله بالعشاء حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان...)
قوله: [أخبرنا نصر بن علي بن نصر بن علي].اسمه واسم أبيه مكرر مع اسم جده وجد أبيه؛ لأن جده أيضاً هو نصر بن علي، لكن إذا قيل: نصر بن علي بن نصر تبين بأنه الحفيد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الأعلى].هو ابن عبد الأعلى، واسمه مثل اسم أبيه، عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثنا معمر].هو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وكلاب هو الذي يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب، وهنا قال: الزهري، وهو محمد بن مسلم، وهو محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، والذين هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأما عروة بن الزبير فهو أحد الفقهاء السبعة باتفاق؛ لأنه لا خلاف في عده في الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة رضي الله عنها].وهي: خالته؛ لأن عروة بن الزبير هو ابن أسماء بنت أبي بكر، وعائشة خالته، وهو يروي عن خالته رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي: الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى، وهي من أوعية العلم، وروت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هي الوحيدة من النساء التي هي ضمن السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ستة رجال وواحدة من النساء، وهم الذين ذكرتهم في بيتي السيوطي عند ذكر ابن عمر.والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوزوجة النبي هي: عائشة، فهي الوحيدة من النساء التي عُرفت بكثرة الحديث، وأما الرجال، فالستة الذين ذكرهم السيوطي في البيتين هم من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
صلاة العشاء في السفر
شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صلاة العشاء في السفر.أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة أخبرني الحكم قال: (صلى بنا سعيد بن جبير بجمع المغرب ثلاثاً بإقامة، ثم سلم، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم ذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فعل ذلك، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك)].وهنا ذكر النسائي باب صلاة العشاء في السفر، يعني: وأنها ركعتان تقصر، فقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر الذي مر قريباً، لكنه أورده من طريق أخرى، وفيه: أن ابن عمر صلى المغرب ثلاثاً بإقامة، وصلى بعدها العشاء، فقام وصلى العشاء ركعتين، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وهذا يعني: إضافة الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وابن عمر فعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام حيث جمع في المزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وقصر الرباعية التي هي العشاء، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث؛ صلاة العشاء في السفر، أي: أنها ركعتان تقصر، حيث قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الصلاة في المزدلفة وهو مسافر، وصلاها ركعتين قصراً، مع جمعها مع المغرب بأذان واحد وإقامتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع
قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].وهو الجرمي، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[حدثنا بهز بن أسد].وهو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، وقد مر ذكره قريباً.[أخبرني الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[صلى بنا سعيد بن جبير ... أن عبد الله بن عمر].وقد مر ذكرهما.
حديث ابن عمر في صلاة النبي العشاء ركعتين بجمع من طريق أخرى وبيان ما في إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة حدثنا سلمة بن كهيل سمعت سعيد بن جبير قال: (رأيت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صلى بجمع، فأقام فصلى المغرب ثلاثاً، ثم صلى العشاء ركعتين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في هذا المكان)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله في معناه، وكذلك في إسناده إلا في الحكم بن عتيبة فإنه جاء بدله سلمة بن كهيل، وسلمة بن كهيل الحضرمي الكوفي هو الذي مر ذكره قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأما بقية رجاله فهم رجال الإسناد المتقدم، فـعمرو بن يزيد يروي عن بهز بن أسد العمي عن شعبة، ثم بعد ذلك سعيد بن جبير، وعبد الله بن عمر، والفرق بين الإسنادين إنما هو بـالحكم بن عتيبة في الإسناد الأول، وسلمة بن كهيل في الإسناد الثاني.
فضل صلاة الجماعة
شرح حديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل صلاة الجماعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب فضل صلاة الجماعة، وفي بعض النسخ باب فضل صلاة الفجر، والأقرب أنها الفجر، وليست الجماعة؛ لأن الجماعة سيأتي لها أبواب تخصها، وهنا في هذا الكتاب الذي معنا، وفي هذه الأبواب ذكر الصلاة كلها إلا صلاة الفجر فإنه بدأ بالظهر، ثم أتى بالعصر، ثم أتى بالمغرب، ثم أتى بالعشاء، ثم الفجر، ولهذا في بعض النسخ: الفجر بدل الجماعة، وهي أقرب؛ لأن هذا مقتضى هذه الأبواب المتعددة التي شملت الصلوات كلها.فإذاً: الفجر هي واحدة منها.وإذا لم يكن هذا الباب لصلاة الفجر معناه أنها أهملت صلاة الفجر من بين الصلوات. ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون)، وهو يدل على صلاة الجماعة، ويدل على صلاة الفجر؛ لأن قوله: (ويجتمعون في صلاة العصر والفجر) يتعلق بصلاة الفجر، ويدل على فضلها؛ وذلك لأن الملائكة الذين يعرجون والذين ينزلون يجتمعون في هاتين الصلاتين، يلتقي القادمون، والذاهبون، والعارجون، فهذا يدل على فضل صلاة الفجر وعلى عظم شأنها.قوله: (يتعاقبون)، قيل: إن هذه الواو هي المعروفة بالكلمة المشهورة عند أهل اللغة لغة: أكلوني البراغيث؛ لأنه يجمع بين الضمير والاسم الظاهر، مع أنه إذا جاء الاسم الظاهر يغني عن الضمير، ووجهوا ذلك بعدة توجيهات منها: (يتعاقبون)، ثم جاء البيان بقوله: (ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وقيل: إن الملائكة بدل من يتعاقبون، وأن الفاعل في يتعاقبون، وقيل: إنها على لغة: أكلوني البراغيث، والتي يجمع فيها بين الضمير وبين الاسم الظاهر.وجاء في بعض الروايات: (إن لله ملائكة يتعاقبون؛ ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وعلى هذا يكون كأن فيه رواية بالمعنى.ومن أمثلة ذلك في القرآن: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذين ظلموا [طه:62]، فإن في هذا جمع بين الضمير والاسم الظاهر، وهذا يوضح أن ما جاء في الحديث مطابق لما جاء في الآية من ذكر الضمير والاسم الظاهر.
تراجم رجال إسناد حديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد].وهو عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وأبو الزناد هو لقب له على صيغة الكنية.[عن الأعرج].وهو عبد الرحمن بن هرمز، مشهور بلقبه الأعرج، ويأتي ذكره باسمه أحياناً، ولكنه يأتي كثيراً باللقب الذي هو الأعرج؛ لأنه مشتهر به، وسبق أن ذكرت فيما مضى أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر مرة بلقبه ومرة باسمه، فإن من لا يعرف يظن أن الأعرج غير عبد الرحمن بن هرمز وذلك إذا جاء هذا في إسناد وهذا في إسناد، ولكن من يعرف لا يلتبس عليه الأمر، يعرف أن هذا هو هذا، ذكر أحياناً بلقبه وأحياناً باسمه ونسبه، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً.
شرح حديث: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر، واقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78])].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه اجتماع الملائكة في صلاة الفجر، وهنا الاقتصار على صلاة الفجر، وتلا الآية: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، يعني: القراءة في صلاة الفجر، وأنهم يشهدون هذه الصلاة التي تطول فيها القراءة، ونص عليها في القرآن: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، يعني: تشهده الملائكة، والقرآن المراد به القراءة، والتنصيص على صلاة الفجر وحدها يوضح أن الترجمة معقودة لفضل صلاة الفجر، وإن كان يدل على فضل صلاة الجماعة كما جاء في أوله: (تفضل صلاة الجمع على صلاة المنفرد بخمسة وعشرين جزءاً، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر، واقرءوا إن شئتم: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78])، فهو يدل على أن الترجمة لصلاة الفجر، وليس فيه ذكر العصر، وقد جاء في الرواية الأخرى أن الاجتماع يكون في الفجر وفي العصر.
تراجم رجال إسناد حديث: (تفضل صلاة الجمع على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً...)
قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].كثير بن عبيد وهو: الحمصي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: خرج له أصحاب السنن إلا الترمذي، ولم يخرج له الشيخان البخاري، ومسلم.[حدثنا محمد بن حرب].هو الخولاني الحمصي أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، من أكبر أصحاب الزهري، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن الزهري].وقد تقدم ذكره.[عن سعيد بن المسيب].وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، والذين ذكرتهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد تقدم ذكره.
شرح حديث: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل حدثني أبو بكر بن عمارة بن رويبة عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)].أورد النسائي حديث عمارة بن رويبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)، والمقصود من ذلك قوله: (قبل طلوع الشمس) وهي: الفجر، والحديث سبق أن مر في فضل صلاة العصر، وهذا يوضح أن الترجمة هي لصلاة الفجر؛ لأن هذا الحديث نفسه سبق أن مر إيراده للاستدلال به على فضل صلاة العصر، وهنا جاء في فضل صلاة الفجر، والمقصود منه قوله: (قبل طلوع الشمس) التي هي الفجر؛ لأن المقصود بالصلاة قبل غروبها العصر، وقبل طلوعها الفجر، وهو يوضح أيضاً أن الأقرب، والأولى أن الباب هو باب صلاة الفجر كما ذكرته.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ويعقوب بن إبراهيم].عمرو بن علي هو الفلاس، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويعقوب بن إبراهيم، هو الدورقي، وهو ثقة، وحديثه أيضاً عند أصحاب الكتاب الستة.[قالا: حدثنا يحيى بن سعيد].يحيى بن سعيد هو القطان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إسماعيل].إسماعيل هو ابن أبي خالد، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[حدثني أبو بكر بن عمارة].هو أبو بكر بن عمارة بن رويبة، وهو مقبول، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أبيه].أبوه عمارة بن رويبة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني: بالإضافة إلى الذين خرجوا لابنه خرج له الترمذي.
الأسئلة
حكم الحديث الذي يسكت عنه الحافظ في الفتح
السؤال: ما حكم ما سكت عنه ابن حجر في الفتح؟ وهل صرح بشرطه في ذلك؟الجواب: نعم، أشار إلى هذا في أول الفتح، أو في المقدمة؛ أن ما يورده للاحتجاج ويسكت عليه فإنه لا يقل عن الحسن.
ترك صورة الصليب الموجود على السيارة
السؤال: يوجد في مقدمة بعض السيارات الصليب واضحاً كاللواء، فما هو حكم ترك هذا الصليب على تلك السيارات؟الجواب : إذا كان الصليب واضحاً فلا يجوز تركه وإبقاؤه، ولكن ليس كل ما يظن أنه صليب هو صليب؛ لأن بعض الناس يظن أن كل خطين متقاطعين -مثل علامة زائد في الحساب- صليب، وهذا ليس بصحيح، يعني: استعمال مثل هذا لا يقال له: صليب، وإنما الصليب له هيئة معينة، وهي: أنه له أطراف أربعة، والطرف الأعلى هو أقصرها، والطرفان الأيمن والأيسر أقصر منه، والأسفل أطول، وأطرافها مدببة، يعني: أطراف هذه الرءوس مدببة.فليس كل ما يظن أنه صليب هو صليب، وليس كل خطين متقاطعين يقال له: صليب، وإذا كان على هيئة الصليب الواضح البين فلا يجوز إبقاؤه وتركه.
المعنى الذي من أجله صار أبو الزناد لقباً وليس كنية
السؤال: يا شيخنا! ذكرتم أن أبا الزناد لقب لـعبد الله بن ذكوان، وأهل اللغة يعرفون اللقب بأنه ما أشعر بذم أو مدح، والكنية ما تصدر بأب أو أم، فهل أبو الزناد أشعر بالذم أو بالمدح، أم أن هذا يخرج من القاعدة؟الجواب: ما أدري هل فيه مدح أو ذم، لأنه كما هو معلوم الألقاب بعضها يكرهها صاحبها ويشعر بنقص، وبعضها مدح، وهذا هو لقب على صيغة الكنية وليس بكنية.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول
السؤال: هل نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول؟الجواب: التشهد الأول يخفف، والتشهد الأخير هو الذي يطول ويصلى فيه على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الإنسان إذا تأخر الإمام وأنهى الإنسان التشهد فله أن يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام.
موضع سكن أهل الصفة
السؤال: من هم أصحاب الصفة؟ هل كانوا يسكنون في المسجد النبوي أم خارجه؟الجواب: كانوا يسكنون في المسجد، يعني: في حجرة متصلة بالمسجد، يعني: كحجر الرسول عليه الصلاة والسلام.وليس الناس في حاجة إلى معرفة هذا المكان وتعيينه.
حكم النوم في المسجد
السؤال: ما حكم النوم في المسجد؟الجواب: النوم في المسجد جائز، ولكن لا يتخذ مسكناً، وإنما النوم به سائغ، وحديث علي رضي الله عنه في قصة تلقيبه بـأبي تراب دليل على ذلك، وهذا أيضاً لقب، أي: أبو تراب لقبه الرسول بـأبي تراب، وهو بلفظ الكنية، وكنيته أبو الحسن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان يحب ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (قم أبا تراب)، وكان نائماً في المسجد، وقد حصل له العرق، وعلق التراب بجسده رضي الله عنه وأرضاه عندما حصل بينه وبين فاطمة شيء من الكلام، فحصل أن غضب وخرج ونام في المسجد، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فاطمة، وقالت: إنه خرج، فذهب ووجده في المسجد نائماً، وإذا التراب قد علق في جسده، وقال له: (قم أبا تراب قم أبا تراب)، فالنوم في المسجد إذاً جائز، سواء كان معتكفاً، أو كان غير معتكف؛ لأن علياً رضي الله عنه نام هذه النومة التي نامها وليس بمعتكف.
المحارم اللاتي يجوز مصافحتهن
السؤال: من المحارم اللائي تجوز لنا مصافحتهن، ومن اللائي تحرم علينا مصافحتهن؟الجواب : المحارم اللاتي تحل مصافحتهن، وغيرهن لا تحل مصافحتهن، هن من تحرمن عليه على التأبيد: بنسب أو سبب مباح، فهذا هو المحرم.إذاً: المحرم للمرأة الذي له أن يسافر بها وتكشف له، ويصافحها هي التي تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، فإذا كانت الحرمة ليست على التأبيد، وإنما هي مؤقتة، كأخت الزوجة فليس بمحرم لها؛ لأن الرجل لا يجوز له أن ينكح أخت زوجته ما دامت أختها في عصمته، ولو طلقها، وخرجت العدة فله أن يتزوج أختها، فهي حرمة ليست على التأبيد، وإنما هي مؤقتة، وكذلك عمة المرأة وخالتها، يعني: اللاتي لا يجمع بينهن في النكاح فهذه حرمة مؤقتة وليست مؤبدة.وقولنا: بنسب كأخت وخالة وعمة، وقولنا: أو سبب كالرضاع والمصاهرة، وهن خمس عشرة من النساء، جاء ذكرها في القرآن في آية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، وقبلها: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، والآية التي بعدها: وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:24]، يعني: هؤلاء هن اللاتي يحرم على الإنسان نكاحهن، ومن المعلوم أن المحصنات من النساء من المحارم التي يحرم على الإنسان أن يتزوجها، وإلا فهي أجنبية، ولكن لا يتزوجها وهي ذات زوج؛ لأن المزوجة لا تتزوج، فيحرم على الإنسان أن يتزوج مزوجة، فهؤلاء المحارم بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع -الأسباب الثلاثة- ومنها ما هو من المحارم، ومنها ما ليس من المحارم.
نسبة تصحيح الحديث إلى ابن خزيمة بمجرد إخراجه للحديث في صحيحه
السؤال: هل يكفي مجرد إخراج ابن خزيمة الحديث في صحيحه يقال: صححه ابن خزيمة، أم لابد أن يصرح فيه بالتصحيح؟الجواب : لا يحتاج إلى أن يصرح بالتصحيح؛ لأنه ما يصرح بالتصحيح، والكتاب اسمه الصحيح، لكنه أحياناً يقول: (إن صح الخبر)، يعني: يتردد، فإذا كان في صحيحه يقال: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه.
رأي الشيخ العباد في السيوطي وكتبه
السؤال: فضيلة الشيخ! وفقكم الله ورعاكم، ما رأيكم في الحافظ السيوطي ومؤلفاته؟الجواب : السيوطي جَمّاع، يعني: صاحب جمع وعناية في الجمع، ومؤلفاته كثيرة، وعنده أمور منكرة، يعني: في بعض مؤلفاته، وغالبها فائدتها كبيرة، والذي فيه عليه مؤاخذات وفيه أغلاط من ذلك، ما جاء عنه في كتابه الحاوي للفتاوي -هذا الكتاب الحاوي فيه أشياء طيبة وأشياء غير طيبة، ومن ذلك قوله أو ما جاء عنه- أن الله أحيا أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهما آمنا به، فصارا مسلمين، ومعلوم أنه ما ثبت في ذلك شيء أصلاً، وكتبه كثيرة جداً، وغالبها سليمة.
صحة القول بأن السيوطي قبوري
السؤال: هل السيوطي قبوري؟الجواب: لا أعرف، وما أتذكر عنه شيئاً حول مسألة القبور، أو كلامه فيها، أو كونه من الذين عندهم غلو أو مخالفات.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:43 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(92)
- (باب فرض القبلة) إلى (باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد)
لقد كان الصحابة أشد الناس امتثالاً واتباعاً لما جاء عن الرسول الكريم، وتجلى ذلك عند تحولهم من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة وهم في الصلاة حين أخبروا بأن القبلة قد حولت، واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ومن اليسر الذي جاءت به الشريعة جواز التنفل على الراحلة في السفر وعدم استقبال القبلة في السنن والرواتب خلافاً للفرائض.
فرض القبلة
شرح حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض القبلة.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سفيان حدثنا أبو إسحاق عن البراء رضي الله عنهما قال: (صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، شك سفيان، وصرف إلى القبلة)].يقول النسائي رحمه الله: باب: فرض القبلة، المقصود من ذلك: هو إيجاب استقبال الكعبة المشرفة، التي وجه إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قدم المدينة، وكان عليه الصلاة والسلام، لما فرضت عليه الصلوات الخمس بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات يصلي إلى بيت المقدس، ثم لما هاجر إلى المدينة صلى سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً، ثم إنه حول وصرف إلى الكعبة المشرفة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر إلى المدينة، صلى إلى بيت المقدس نحواً من ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم إنه صرف إلى الكعبة المشرفة فاستقبلها، وصارت هي قبلة المسلمين التي حولوا إليها بعد أن كانوا قبل ذلك يتجهون إلى بيت المقدس، وصارت الكعبة المشرفة في مكة المكرمة هي قبلة المسلمين يستقبلها الناس من كل مكان، فالذين هم عندها يستديرون حولها، والذين هم في أقطار الأرض يتجهون إليها.
تراجم رجال إسناد حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].ومحمد بن بشار، هو الملقب بـبندار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأن وفاته قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، حيث توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، القدوة، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وسبق أن ذكرت الكلمة التي قالها الذهبي عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص، فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما معتبر، ولا يكاد يخطئ، بل هما مصيبان إذا اتفقا على جرح شخص، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].وسفيان هنا مهمل غير منسوب، وهذا يسمى عند المحدثين في أنواع علوم الحديث المهمل، أي: الذي يذكر اسمه ولا يذكر نسبه ولا اسم أبيه، أو يذكر اسمه واسم أبيه، ولكن يشترك معه أشخاص في الاسم واسم الأب ويفترقون فيما وراء ذلك، هذا يسمى المهمل، ومعرفة تمييز المهمل ونسبته تعرف: بالتلاميذ والشيوخ بكون الإنسان مكثراً عنه إذا اتفق في الأخذ عنه، فينظر من له به اختصاص ومن له ميزة، وهنا سفيان يحتمل: ابن عيينة ويحتمل: الثوري، ويحيى بن سعيد القطان روى عن سفيان بن عيينة، وعن سفيان الثوري كليهما، وأبو إسحاق السبيعي روى عنه السفيانان: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، فروى السفيانان عن أبي إسحاق السبيعي، وروى يحيى القطان عن السفيانين.وإذاً: فكيف يميز أحدهما وقد اتفقا في أن يحيى القطان أخذ عنهما، وأنهما أخذا عن أبي إسحاق السبيعي؟ ينظر لمن له اختصاص من حيث القرب والاتصال.فإذا نظرنا إلى الثوري وجدنا أنه كوفي، ووجدنا أن أبا إسحاق السبيعي كوفي، ويحيى القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخ سفيان في الإسناد هو أبو إسحاق السبيعي وهو كوفي، وسفيان بن عيينة مكي، معنى هذا: أن يحيى بن سعيد القطان يروي عن سفيان في حال سفر، وأما بالنسبة للثوري فإنه عنده؛ لأن البصرة قريبة من الكوفة، ثم أيضاً من ناحية أن سفيان الثوري هو من أهل الكوفة، وشيخه أبو إسحاق السبيعي من أهل الكوفة، فإذاً: الأقرب أن يكون سفيان الثوري، لكن كما عرفنا: إذا تردد الأمر بين شخصين وهما ثقتان فلا يؤثر لو جهل تعيين أحدهما فإن الإسناد صحيح، سواء كان هو هذا أو هذا؛ لأن كلاً من السفيانين من الثقات الأثبات الأجلاء، لكن من حيث الاحتمال الأقرب، وقد اتفقا في أن القطان أخذ عنهما، وأنهما أخذا عن أبي إسحاق السبيعي، يكون من كان من أهل البلد أو قريباً من البلد أولى، فإذاً: الأولى أن يكون سفيان الثوري وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، المحدث، الفقيه، وهو ممن وصف بأمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، منهم: سفيان الثوري، وسفيان الثوري خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع بطن من همدان، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة يدلس، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن البراء].وهو البراء بن عازب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن أبيه؛ لأنه صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وقد قال في آخر الحديث: شك سفيان، الذي قلنا: إن الأرجح أن يكون الثوري، هو الذي شك وتردد بين سبعة عشر أو ستة عشر، يعني: المدة التي صلاها رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمون معه بعدما هاجروا إلى المدينة إلى بيت المقدس، وبعدها حولوا إلى الكعبة المشرفة.
شرح حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا إلى الكعبة)].أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله، ولكن لا يوجد شك بين الستة عشر والسبعة عشر شهراً وإنما هي ستة عشر، وهذا من طريق أبي إسحاق السبيعي، لكن من غير طريق سفيان، وإنما من طريق زكريا بن أبي زائدة الكوفي، ففيه الجزم بأنها ستة عشر شهراً، فهذا يقوي أحد الاحتمالين اللذين شك فيهما سفيان، وهو الستة عشر شهراً.ثم ذكر في آخر الحديث أنه ذهب رجل إلى جماعة من الأنصار وهم يصلون، فأخبرهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام أنزل عليه القرآن وأنه وجه إلى الكعبة، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم في صلاتهم، فكانوا ابتدءوها إلى جهة بيت المقدس، وأكملوها إلى جهة الكعبة؛ وذلك باستدارتهم من جهة الشمال إلى جهة الجنوب، والإمام كما هو معلوم كان في جهة الشمال، ولا شك أنه اتجه وخرق الصف وتقدمهم، وأكمل بهم الصلاة إلى جهة الكعبة، وهذا يدل على أن فعلهم الذي فعلوه من كونهم استداروا واتجهوا إلى الكعبة، يدل على سرعة امتثالهم واتباعهم لما جاء عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن قيامهم بذلك، إنما حصل بعد تحققهم من حصول ذلك الخبر بواسطة ذلك الشخص الذي جاء وأخبرهم. وفيه دليل على الأخذ بأخبار الآحاد، وأن الشخص الواحد إذا أخبر بخبر، أو حدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه يعتمد ويعول عليه، وكان هذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه علم بذلك، وأنه قد أقره، فحصول ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وبفعل أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، يدل على اعتبار خبر الواحد وقبوله، وأنه حجة يعول عليه؛ لأن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قبلوا خبره واتجهوا إلى الكعبة، وكانوا قبل ذلك في أول صلاتهم متجهين إلى بيت المقدس.وفيه دليل على أنه إذا جاء الحكم الشرعي فإنه يعتبر بعد العلم به وليس قبل ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى وهم صلوا متجهين إلى بيت المقدس بعدما حصل النسخ، لكنهم ما علموا إلا في أثناء الصلاة، ومن أجل ذلك استداروا، فكان جزء من صلاتهم التي كان أولها إلى بيت المقدس، ولكنه بعدما حصل النسخ، لكن علمهم بالناسخ هو الذي تأخر، فهذا يدل على أن الذي أخذ بالمنسوخ وعمل به، ثم جاء الناسخ؛ فإنه معذور في عدم عمله بالناسخ بعد ثبوته وقبل علمه، أي: علم ذلك الشخص الذي بلغه الخبر فاستدار إلى الكعبة، ولو كان الأخذ بالمنسوخ أو الأخذ بالناسخ من حيث ثبوته، لكان عليهم أن يعيدوا الصلوات التي صلوها قبل ذلك، وأن يستأنفوا تلك الصلاة التي هم في آخرها، لكن لما استداروا في آخرها، وكان أولها إلى بيت المقدس، وكان النسخ قد حصل قبل صلاتهم، دل ذلك على أن المعتبر هو وقت علمهم بالناسخ.
تراجم رجال إسناد حديث البراء في صرف النبي إلى القبلة بعد صلاته نحو بيت المقدس لأشهر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية، أبوه إسماعيل وهو المشهور بـابن علية؛ لأن هذا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، والمعروف بـابن علية وهو إسماعيل، يعني: معروف بنسبته إلى أمه، يقال له: ابن علية، وهو مشهور بهذه النسبة، فابنه هذا هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم. ومحمد هذا ثقة خرج له النسائي وحده، لكن هناك شخص آخر ابن لـإسماعيل، وهو سيئ وجهمي ومنحرف عن مذهب أهل السنة، وهو: إبراهيم بن إسماعيل، ذاك لما ترجم له الذهبي في الميزان قال: جهمي هالك، وهو الذي عرف بالشذوذ في مسائل الفقه، حيث يقال: قال فيها ابن علية، وليس المقصود ابن علية الذي هو الأب؛ الذي هو إسماعيل؛ فهو إمام من أئمة أهل السنة، ثقة، ثبت، وأما الذي يقال له: ابن علية، وله في مسائل الفقه شذوذ، فهو إبراهيم بن إسماعيل أخو محمد هذا الذي معنا.ومن المسائل التي شذ فيها هو وأبو بكر الأصم، أن الإجارة حرام لا تجوز. وكيف يستغنى عن الإجارة؟ ما أحد يستغني عن الإجارة أبداً؛ لأن الإنسان يحتاج إلى الناس، والناس ما يقومون ببذل ما عندهم بالمجان. والقرآن جاء أيضاً في شرع من قبلنا في قصة الخضر وموسى: قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف:77]، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله، وكذلك المسلمون اتفقوا عليها، ولم يخالف فيها إلا ابن علية الجهمي، وأبو بكر الأصم المعتزلي، وهما من أهل البدع، فقد أنكرا الإجارة وقالا: إنها لا تصح ولا تجوز، وهذا شذوذ واضح.[حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق].إسحاق بن يوسف الأزرق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زكريا بن أبي زائدة].هو زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتبة الستة.[عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة
شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة.أخبرنا عيسى بن حماد زغبة وأحمد بن عمرو بن السرح والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قِبَل أيِّ وجهٍ تتوجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الحال التي يجوز فيها استقبال غير القبلة، يعني: كون الإنسان يصلي إلى غير جهة الكعبة، والمقصود منه هو: لما ذكر أن استقبال الكعبة فرض، وأنه واجب؛ وأن الناس يستقبلون القبلة، لكن جاءت السنة ببعض الحالات التي يجوز فيها استقبال غير القبلة، فأورد النسائي في ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسبح على الراحلة قبل أي وجه تتوجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)، يعني: على الراحلة، ويتجه إلى غير القبلة، فدل هذا الحديث على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتنفل، وهو على راحلته، ويسبح بمعنى يتنفل؛ لأن السبحة هي صلاة النافلة، ولهذا جاء في أثر ابن عمر: (لو كنت مسبحاً لأتممت) يعني: بدلاً ما أصلي ركعتين في السفر أصلي أربعاً.ثم أيضاً قضية الصلاة في مزدلفة، فإنه لم يسبح بين المغرب والعشاء، يعني: التسبيح هو النافلة، وجاء في بعض الأحاديث: سبحة الضحى، يعني: نافلة الضحى، فالسبحة هي النافلة، والتسبيح هو صلاة النافلة، هو يسبح يعني: يصلي النافلة، هذا هو المقصود بالتسبيح هنا، (كان يسبح على راحلته أينما توجهت)، يعني: في النوافل، وهذا فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتنفل في سفره النوافل المطلقة، وكان يستقبل غير الكعبة، لكن جاء في بعض الأحاديث: أنه في البداية يتجه إلى الكعبة، ثم يتجه إلى الجهة التي هو متجه إليها، ويصلي أينما توجهت راحلته على وجهتها، هذه هي السنة التي جاءت في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم كان يسبح ويوتر، يعني: ويصلي الوتر عليها، أما الفريضة فإنه كان ينزل، إذا جاء الفرض نزل وصلى، ولهذا جاء في الحديث: (غير أنه لا يصلي عليها الفريضة)، يعني: على راحلته، وإنما ينزل بالأرض، ويصلي متجهاً إلى القبلة، وهذا مما تتميز فيه الفرائض عن النوافل، الفرائض لا يجوز التنفل فيها متجهاً إلى غير القبلة، ولا يجوز الصلاة على الراحلة، وإنما عليه أن ينزل، وأما بالنسبة للنافلة فيجوز أن يصلي على الراحلة، ويجوز أن يصلي متجهاً إلى أي جهة كانت، يعني: غير الكعبة، فهذه من الأحكام التي تختلف فيها الفرائض عن النوافل؛ لأن الفريضة من شرطها أن يتوجه فيها إلى القبلة، وأما النافلة ليس من شرطها، بل يجوز أن يتوجه إلى غير القبلة.ثم قوله: (ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها الفريضة)، يدل على أن الوتر ليس بفرض ولا واجب، وإنما هو سنة مؤكدة أنه لا يصلي عليها الفريضة، هو وركعتا الفجر، وقد كان يحافظ عليهما عليه الصلاة والسلام في الحضر والسفر، وما كان يتركهما لا في حضر ولا في سفر، بل كان يحافظ عليهما، وهذا يدل على تأكدهما، والتساهل بالنوافل قد يكون ذريعة إلى التساهل في الفرائض، والمحافظة على النوافل هو وقاية للفرائض، وهو تكميل للفرائض لحديث: (أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن وجدت ناقصة قال: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به).
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد زغبة].عيسى بن حماد زغبة، وأحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، هؤلاء ثلاثة شيوخ للنسائي روى عنهم هذا الحديث، وجمعهم في هذا الإسناد، وكلهم مصريون، عيسى بن حماد زغبة وهو مصري ثقة، خرج حديثه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[وأحمد بن عمرو بن أبي السرح].هو أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أيضاً مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، فالذين خرجوا لـعيسى بن حماد زغبة، هم الذين خرجوا لـأحمد بن عمرو بن أبي السرح المصري. [و الحارث بن مسكين].هو الحارث بن مسكين المصري، ثقة، فقيه، وحديثه خرجه أبو داود، والنسائي فقط، ما خرج له البخاري، ولا مسلم، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه.(قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له).يعني: اللفظ الموجود الذي هو متن الحديث لفظ الحارث بن مسكين، وأما لفظ عيسى بن حماد زغبة وأحمد بن عمرو بن أبي السرح فهو لفظ آخر، فيه اختلاف.[عن ابن وهب].هو ابن وهب، وهو: عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يونس].هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة، محدث، فقيه، معروف بكثرة رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة وتدوينها، ولهذا يقول فيه السيوطي: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمراً له عمر وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سالم].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هو ثقة فاضل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن ستة متفق عليهم، والسابع مختلف فيه، فأحد الأقوال: أنه سالم بن عبد الله بن عمر هذا، والقول الثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والقول الثالث: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، هؤلاء فقهاء سبعة في المدينة، مشهورين في عصر التابعين، اشتهروا بالفقه والحديث، وأطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وسالم هذا هو أحدهم، وهو السابع على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن أبيه].وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهم في زمن متقارب، وهم من صغار الصحابة، وإذا أطلق لفظ: العبادلة في الصحابة فالمراد به هؤلاء الأربعة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفقوله: أبو هريرة يليه ابن عمر، فـابن عمر هو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم.
شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى عن يحيى عن عبد الملك حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة، وفيه أنزلت: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115])].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنه، من طريق أخرى وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته، وهو مقبل من مكة إلى المدينة)، معناه أن مكة وراءه، ومتجه إلى المدينة، فهو يصلي إلى جهة المدينة؛ لأنه مسافر إليها، ومن المعلوم أن الصلاة التي يصليها هي النافلة وليست الفريضة، كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث؛ لأن الفريضة لا يجوز صلاتها على الراحلة، ولا يجوز صلاتها إلى غير القبلة، بل يجب النزول عند أدائها إلى الأرض لمن كان راكباً، وأن يتجه إلى الكعبة المشرفة، وهنا ما ذكر من إطلاق الصلاة، محمول على النافلة، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عبد الله بن عمر. قال: وفيه أنزل قوله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، ومعناه: أن الإنسان أينما صلى بالنسبة للنافلة فهو مصيب الوجهة التي يتجه إليها، وهذه الآية فيها خلاف بين العلماء، هل هي من آيات القبلة؟ أو أنها ليست من آيات القبلة؟! بل وهل هي من آيات الصفات؟ فمن العلماء من قال: إنها من آيات الصفات، والمراد الوجه هو وجه الله، ومنهم من قال: إن المقصود من ذلك الوجهة هي الكعبة، القبلة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس، وهو ثقة، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ومحمد بن المثنى، هو: العنزي أبو موسى الملقب بـالزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، مثل محمد بن بشار، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى].يحيى هو ابن سعيد القطان. [عن عبد الملك].هو ابن أبي سليمان، وهو صدوق له أوهام، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سعيد بن جبير].هو سعيد بن جبير المكي، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].ابن عمر قد مر ذكره.
شرح حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثالث
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت به)، قال مالك: قال عبد الله بن دينار: وكان ابن عمر يفعل ذلك].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وفيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي النافلة على راحلته أينما توجهت به)، يعني: معناه أنه يصلي إلى غير القبلة، وهذا إنما هو في النافلة كما هو واضح، وكما يدل عليه الحديث، بخلاف الفريضة، فقد جاء بيانها في الرواية السابقة، وهو (أنه كان لا يصلي عليها الفريضة) على الراحلة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في تسبيح النبي ووتره على راحلته أنى اتجهت به من طريق ثالث
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أبو عبد الله، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن دينار].وهو المدني مولى عبد الله بن عمر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].وهذا الحديث من الرباعيات، من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي هو الرباعي، الذي فيه بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، وهم قتيبة، ومالك، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن عمر، أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو رباعي، والإسناد الرباعي هو أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عند النسائي ثلاثيات، بل أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا منها.والأئمة الذين عندهم ثلاثيات هم:البخاري، وابن ماجه ، والترمذي، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً، والترمذي، عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات وليس عندهم ثلاثيات.
استبانة الخطأ بعد الاجتهاد
شرح حديث ابن عمر في تحول الناس بقباء عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة في صلاة الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبِلوُها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب: استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، هذه الترجمة لا أفهم المراد منها مع الحديث الذي أورده؛ لأن الحديث الذي أورده: (أن أهل قباء كانوا يصلون الصبح، وبينما هم في أثناء صلاتهم، إذ أتاهم آتٍ وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قد وجه إلى القبلة، فاستقبلوها، فانحرفوا إلى الكعبة)، يعني: استداروا إليها، بدل ما كانت وجوههم إلى الشام، في أول الصلاة، صارت وجوههم في آخر الصلاة إلى الكعبة، فلا أدري إذا كان يقصد النسائي بإيراد هذا الحديث: كونهم قبل ذلك كانوا يصلون بعدما وجد الناسخ، ولكنه ما بلغهم، ثم بعدما بلغهم تحولوا، فيكون استبانة الخطأ على اعتبار أن صلاتهم كان أولها إلى قبلة منسوخة، لا أدري هل مراده هذا، أو ما هو وجه إيراده الحديث؟ لأن كونه حصل خطأ، معناه أن العمل غير مطابق للسنة بعدما وجد الناسخ، لكن ما وجد عندهم العلم إلا في أثناء الصلاة، فالذي حصل منهم أولاً كان مبنياً على الأصل، وهو الأخذ بالمنسوخ، والناسخ جاء بعد ذلك فتحولوا حين بلغهم ذلك.والحديث دل على تعيين أن الصلاة التي حصل فيها التحول من جهة الشام إلى جهة الكعبة في قباء، وهو ثابت في الصحيحين، فكما جاء في حديث عبد الله بن عمر هنا، والحديث الذي هو إتيان الخبر إلى أهل قباء وهم في صلاتهم، وأنهم اتجهوا إلى الكعبة، هذا خرجه البخاري، ومسلم.وأما الإسناد هو نفس الإسناد الذي قبل هذا، وهو إسناد رباعي: قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، وهو رباعي أيضاً، كما هو واضح. والله أعلم.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(93)
- (من أول الكتاب) إلى (باب تعجيل الظهر في السفر)
من فضل الله على عباده أن شرع لهم الصلاة، وخففها من خمسين صلاة إلى خمس صلوات، وجعل أجر الخمس كأجر خمسين، ولها مواقيت معلومة بينها جبريل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أمَّ به في بداية وقت كل صلاة ونهايته، وخففت عن المسافر وغيره من أهل الأعذار بجمعها تقديماً وتأخيراً وقصراً.
كتاب المواقيت
شرح حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي لتعليمه مواقيت الصلوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب المواقيت.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئاً، فقال له عروة: أما إن جبريل عليه السلام قد نزل فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: اعلم ما تقول يا عروة، فقال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات )].يقول النسائي رحمه الله: كتاب المواقيت, أي: مواقيت الصلاة، والمراد من ذلك: أن كل صلاة من الصلوات الخمس لها وقت محدد, لا تتقدم عنه ولا تؤخر عنه، ولو قدمت عن وقتها فإنها لا تصح، وتكون باطلة، إلا إذا كان الجمع جمعاً سائغاً ومشروعاً، كالجمع في السفر، وجمع المريض، وما إلى ذلك مما جاءت به السنة في أن الصلاتين يجمع بعضهما إلى بعض، وذلك بالنسبة للظهر والعصر، وللمغرب والعشاء، والصلوات الخمس لها مواقيت محددة، لها بداية ولها نهاية، وقد جاء ذلك مبيناً من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن قوله، وجاء في هذا الحديث الذي أورده النسائي: أن جبريل أمه في الصلوات الخمس كلها، وكان ذلك في يومين، فأمه في يوم وكانت كل صلاة تصلى في أول وقتها، وأمه في يوم وكانت كل صلاة تصلى في آخر وقتها، فبين له أن الصلاة تكون بين هذين الوقتين، البداية والنهاية، وكل صلاة فإن وقتها ينتهي بدخول وقت الصلاة التي بعدها، إلا الفجر فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، ومن طلوع الشمس إلى الزوال ليس وقتاً من أوقات أداء الصلاة، ولكن الظهر وقتها يبدأ من الزوال وينتهي بدخول العصر، ويبدأ وقت العصر، ويكون الوقت الاختياري إلى اصفرار الشمس، أو صيرورة ظل كل شيء مثليه، ووقت الاضطرار إلى غروب الشمس، والمغرب وقتها من الغروب إلى دخول وقت العشاء، ووقت العشاء يبدأ من انتهاء وقت المغرب وهو غيبوبة الشفق ثم يستمر اختياراً إلى نصف الليل، وبعد نصف الليل إلى طلوع الفجر هذا وقت اضطراري.وقد جاء في بيان الوقت الاضطراري, قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة التي بعدها)، فهذا يدل على أن كل صلاة يمتد وقتها إلى أول وقت الصلاة التي بعدها، ويستثنى من ذلك الفجر، فإن وقتها ينتهي بطلوع الشمس، والصلاة التي بعدها الظهر تبدأ بزوال الشمس، والمدة التي بين طلوع الشمس وبين زوالها ليس وقتاً من أوقات الصلوات، وأما الصلوات التي لها أوقات اختيارية واضطرارية، فهي العصر والعشاء، العصر إلى اصفرار الشمس، أو بلوغ ظل كل شيء مثليه، والعشاء إلى نصف الليل اختياري، وإلى طلوع الفجر هو الوقت الاضطراري.فالصل� �ات لها أوقات قد جاء تحديدها في السنة المطهرة، فلا يجوز تقديمها عن أوقاتها، ولا يجوز تأخيرها عن أوقاتها، وإذا أخرت عن أوقاتها وكان ذلك عمداً فيحصل الإثم، ويكون الإتيان بها بعد ذلك قضاء، وأما قبل وقتها فإذا أديت فإن ذلك لا يصح؛ لأن من شرطها أن تكون في وقتها، وأداؤها لا يتقدم وإن وقع قبل ذلك فلا يصح, وإن تأخر عن ذلك يكون قضاء وليس أداء؛ لأن الأداء إنما هو في الوقت.وقد أورد النسائي حديث أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمه جبريل في الصلاة، قال: فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، حتى عد خمس صلوات)، يعني: أنه صلى الصلوات الخمس مع جبريل، وكان ذلك في يومين، يوم يكون في ابتداء الوقت ويوم يكون في انتهائه، والصلاة تكون بين الوقتين، الابتداء والانتهاء.وقد جاء في إسناد الحديث: أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخر الصلاة بعض الشيء، فقال له عروة: إن جبريل نزل وصلى إماماً برسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له: اعلم ما تقول، يعني: أن الذي تقوله يجب أن يكون مبنياً على علم، فبين له وساق له الحديث الذي رواه عن ابن أبي مسعود عن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه، وذكر إمامة جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، وبيان أول الأوقات وآخرها له عليه الصلاة والسلام.فمقصود عروة: أن شأن الصلاة وأوقاتها شأن عظيم، وأن جبريل نزل وحدد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بالفعل، حيث صلى في يوم من الأيام كل صلاة في أول وقتها، وصلى في اليوم الثاني كل صلاة في آخر وقتها وقال: (الصلاة بين هذين الوقتين).فالمقصو د منه: أن شأن الصلاة عظيم، وأن التنبه للأوقات، ومراعاة الأوقات، والاحتياط فيها أمر مهم؛ لأن جبريل نزل لهذه المهمة وهي تحديد المواقيت.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي لتعليمه مواقيت الصلوات
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].هو المصري، الفقيه, المحدث, المشهور, فقيه مصر, ومحدثها، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده شهاب، وينسب إلى جده زهرة، فيقال: الزهري، ويقال: ابن شهاب، وهو فقيه محدث مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين.(أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر).عمر بن عبد العزيز ليس راوياً في الإسناد، وإنما جاء ذكره؛ لأن التحديث بالحديث كان بمناسبة تأخيره الصلاة يوماً من الأيام، فهو ليس من الرواة في الإسناد، وعمر بن عبد العزيز هو الخليفة الراشد، المعروف بتقواه وبعلمه وفضله وحديثه، وهو من رواة الحديث وأهل الفقه، ويذكر رأيه في المسائل الفقهية في كتب الفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من الرواة في الإسناد الذي معنا، وإنما من رواته الزهري يروي عن عروة؛ لأن عروة هو الذي حدثه.[عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[بشير بن أبي مسعود].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا الترمذي.[عن أبيه].عقبة بن عمرو الأنصاري, وهو صحابي مشهور, رضي الله تعالى عنه وأرضاه.الصحابة لا يحتاج إلى أن يقال فيهم: ثقات، وإنما يكفي أن يقال عنه: إنه صحابي، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي مسعود، ويأتي في بعض الأحيان أبو مسعود فقط، وهو يلتبس بـابن مسعود، وابن مسعود يأتي ذكره، وأبي وابن متقاربة، وأحياناً يحصل التصحيف بين ابن وأبي.ومما حصل فيه التصحيف بين ابن مسعود وأبي مسعود، حديث: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، هذا حديث رواه أبو مسعود هذا، ولما ذكره في سبل السلام، قال: عن ابن مسعود، فحصل التصحيف أو الخطأ في الطباعة، فهو أبو مسعود لكن للتقارب بين اللفظين أبي وابن، وكل منهما مشهور, فيحصل أحياناً في المطابع الخطأ بين: أبي مسعود وابن مسعود, وأبو مسعود الأنصاري هو صحابي, حديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
أول وقت الظهر
شرح حديث أبي برزة الأسلمي في وقت صلاة الظهر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أول وقت الظهر.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة حدثنا سيار بن سلامة قال: ( سمعت أبي يسأل أبا برزة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: أنت سمعته؟ قال: كما أسمعك الساعة، فقال: سمعت أبي يسأل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان لا يبالي بعض تأخيرها -يعني: العشاء- إلى نصف الليل، ولا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها، قال شعبة: ثم لقيته بعد فسألته، قال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية، والمغرب لا أدري أي حين ذكر، ثم لقيته بعد فسألته، فقال: وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة ) ].أورد النسائي حديث: أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه, الذي يبين فيه صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سئل عنها، سأله سلامة أبو سيار، وسلامة ليس من رواة الحديث، وإنما الذي من الرواة هو سيار، وأبوه كان يسأل أبا برزة، وأبو برزة يحدثه: فذكر أبيه لكونه السائل، لا لكونه من الرواة، وإنما الراوي هو سيار, يروي عن أبي برزة، وهو الذي سمع أبا برزة يجيب أباه، عندما سأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.فكان من جواب أبي برزة رضي الله تعالى عنه: أنه كان لا يبالي بتأخيرها -يعني: العشاء- إلى نصف الليل، الذي هو نهاية الوقت الاختياري، وهذا فيه أن صلاة العشاء وقتها يمتد ويصل إلى نصف الليل, ولكن هذا في الاختيار، أما في الاضطرار فلا تؤخر عن نصف الليل إلا لضرورة، وإذا جعلت بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر، ففعلها أداء وليس بقضاء؛ لأنه إلى طلوع الفجر هو وقت لها، لكنه من نصف الليل إلى طلوع الفجر اضطراري، ما يؤخرها الإنسان إلا إذا كان مضطراً، وتأديتها في ذلك الوقت هو أداء وليس قضاء.قوله: (ولا يحب النوم قبلها).يعني: ما كان يحب النوم قبل صلاة العشاء؛ لأن ذلك يؤدي إلى فواتها؛ لأن الوقت بين المغرب والعشاء قصير، وإذا نام الإنسان قد تفوت عليه صلاة العشاء، فكان يكره ذلك لما يترتب عليه التعريض لفوات صلاة العشاء.قوله: (ولا الحديث بعدها).يعني: الاشتغال بعدها والسمر بعدها؛ وذلك لما يترتب عليه من النوم عن صلاة الليل إذا كان من عادته أن يصلي الليل, أو عن صلاة الفجر بحيث يكون سهره في أول الليل سبباً في نومه وقت صلاة الفجر فتفوته الصلاة، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا كان هناك أمر يقتضي هذا، كما جاء عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسمر مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر هذا في كتاب العلم من صحيح البخاري.والمقصو� �: أن كراهية النوم بعدها لما يترتب عليه من فوات، ولكن هذا مخصوص بما إذا كان لمصلحة تنفع المسلمين، ولا يترتب على ذلك مضرة فوات صلاة الفجر؛ لأن كون الإنسان يشتغل بأمور مستحبة، ثم يترتب على ذلك تفويت فرض لازم، هذا من الخطأ، فلا يتشاغل بالنوافل وتتعرض الفرائض للفوات, أو تأخيرها عن وقتها؛ لأن أداء الفرائض أهم من فعل النوافل، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).. الحديث، فلا يتشاغل بالأمور المستحبة إذا كان ذلك يؤدي إلى فوات ما هو واجب، وما هو فرض لازم.قوله: ( فقال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس ).يعني: يصليها في أول وقتها حين تزول الشمس، والمراد بالزوال هو كونها تتحرك، يعني: تميل الشمس من جهة الشرق إلى جهة الغرب، والله عز وجل لما جعل المواقيت جعلها في أمور مشاهدة معاينة، يعرفها الخاص والعام، يعرفها العالم والجاهل، يعرفها الحضري والبدوي، ما يحتاج إلى أمور خفية، ولا يحتاج إلى أمور دقيقة، وإنما الله سبحانه وتعالى جعل الأوقات أموراً محسوسة, مشاهدة, معاينة؛ لأنها أمور ما تحتاج إلى دقة فهم وذكاء وفطنة، وإنما هي أمور طبيعية, إذا زالت الشمس، وذهبت من جهة الشرق إلى جهة الغرب، وراحت عن وسط الرأس، فإنه يبدأ وقت الظهر, والفجر أوله عند طلوع الفجر والانتهاء عند طلوع الشمس، والمغرب بعد غروب الشمس، وكلها أمور مشاهدة معاينة، وكذلك بالنسبة للصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم)، أمور حسية، كذلك بالنسبة للحج، جعله الله عز وجل أيضاً مبنياً على الزمن, وعلى الشهور القمرية التي هي مبنية على الحس والمشاهدة.قوله: (والعصر يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية).والعصر كان يصليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يذهب الذاهب بعد فراغ الرسول صلى الله عليه وسلم من صلاته إلى أقصى المدينة والشمس حية، معناه: أن حرارتها موجودة وما حصل اصفرارها وكونها قربت من الغروب, معناه: أنه يبكر بصلاة العصر.قوله: ( والمغرب لا أدري أي حين ذكر ).يعني: اللفظ الذي قاله، هذا كلام شعبة يحكيه عن سيار بن سلامة.قوله: (ثم لقيته بعد فسألته، فقال: وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل، فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه فيعرفه).وكان يصلي الصبح، ثم بعد انصرافه ينظر الشخص إلى جليسه الذي كان يعرفه فيعرفه، فمعنى هذا - إذا كان هذا في وقت الفراغ من الصلاة، والقراءة تطول فيها- أنه يصليها بغلس؛ لأنه يدخل فيها في وقت مبكر، ويفرغ منها بعد أن يقرأ فيها من الستين إلى المائة، والإنسان ينظر إلى وجه جليسه فيعرفه، فمعناه: أنه حصل شيء من اتضاح الوجوه، ومعرفة الوجوه عندما ينظر الإنسان إلى الشخص.
تراجم رجال إسناد حديث أبي برزة الأسلمي في وقت صلاة الظهر
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وهو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا خالد].وهو: ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو: ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، ثقة, ثبت, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سيار بن سلامة].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال سمعت أبي يسأل أبا برزة].وأبو برزة الأسلمي هو نضلة بن عبيد صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث أنس: (إن رسول الله خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري قال: أخبرني أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر)].هنا أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم الظهر)، يعني: (خرج حين زالت الشمس فصلى بهم الظهر)، وهذا فيه بيان أول وقت الظهر، وأنه عند زوال الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (إن رسول الله خرج حين زاغت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر)
قوله: [أخبرنا كثير بن عبيد].وهو الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود, والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا محمد بن حرب].وهو محمد بن حرب الخولاني الحمصي، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي أيضاً، وهو ثقة ثبت، وهو من أكبر أو أشهر أصحاب الزهري، وحديثه خرجه أصحاب الكتب, إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن الزهري].وقد تقدم ذكره.[أخبرني أنس].وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وقد خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بطول العمر وكثرة الولد فحصل ذلك له، وكان من المعمّرين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث خباب: (شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب عن خباب رضي الله عنه أنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء، فلم يشكنا، قيل لـأبي إسحاق في تعجيلها؟ قال: نعم )].أورد النسائي حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه, أنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا، قيل لـأبي إسحاق: في تعجيلها؟ قال: نعم)، يعني: أنه كان يصلي الصلاة في أول وقتها، وكانوا يذهبون إليها في شدة الرمضاء، وطلبوا منه أن يؤخرها, فلم يشكهم، يعني: فلم يجبهم إلى ما طلبوا.وقد جاءت أحاديث صحيحة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) فيحمل على أن هذا كان في أول الأمر، يعني: كونه لم يشكهم بأن يؤخروا، أو أنهم أرادوا أن يؤخروا زيادة على الوقت الذي كان يبرد به، وبهذا يوفق بينه وبين ما جاء في حديث الإبراد، وأنه إذا اشتد الحر يبرد بالصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث خباب: (شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء فلم يشكنا)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو الدورقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد بن عبد الرحمن].وهو حميد بن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا زهير].وهو زهير بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة, مدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن وهب].وهو الهمداني, ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, والنسائي فقط.[عن خباب].وهو خباب بن الأرت, صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السابقين إلى الإسلام، والذين عذبوا في سبيل الله عز وجل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تعجيل الظهر في السفر
شرح حديث: (كان النبي إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر ... وإن كانت بنصف النهار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تعجيل الظهر في السفر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني حمزة العائذي سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً, لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر، فقال رجل: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: وإن كانت بنصف النهار)].تعجيل الظهر في السفر, وأورد فيه حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً, لم يرحل منه حتى يصلي الظهر، قال: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: وإن كانت بنصف النهار)، يعني: بعد الزوال، والمقصود من ذلك: أنه إذا كان نازلاً ودخل وقت الظهر؛ فإنه لا يرتحل حتى يصلي الظهر، لكنه إذا كان نازلاً قبل الزوال, فإنه يرتحل، وإنما الكلام فيما إذا كان نازلاً، يعني: جاء وقت الظهر وهو نازل، فإنه لا يرتحل إلا وقد صلى الظهر في أول وقتها ثم يرتحل بعد ذلك، لكنه إذا كان سائراً فإنه يستمر في سيره.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (كان النبي إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر ... وإن كانت بنصف النهار)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي. وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو القطان، المحدث, الناقد, المشهور، الثقة, القدوة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني حمزة].وهو حمزة بن عمرو العائذي أبو عمرو الضبي، صدوق، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أنس].
الأسئلة
العلة من الجمع بين الصلاتين
السؤال: ما هي العلة في الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر؟الجواب: العلة في الجمع بين الصلاتين في السفر هي التخفيف على الناس؛ لأن كونهم ينزلون لكل صلاة, قد يكون عليهم مشقة، فإذا جمعوا بينهما فإنهم يمكنهم أن يواصلوا المدة الطويلة لا يقطعوها بنزول من أجل الصلاة، فهي رخصة رخص الله تعالى لهم بها، وجاءت السنة بها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما في الحضر فإن الجمع يكون إذا كان هناك مطر شديد ودحض، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء لهذا السبب، وكذلك لو حصل خوف فإنه يمكن الجمع، وكذلك المريض يجمع بين الصلاتين إذا كان يشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها، وكذلك إذا حصل أمر طارئ يقتضي ذلك، فإن حديث ابن عباس الذي جاء في صحيح مسلم يدل على هذا.
مدة الخلافة الراشدة ومدى ارتباطها بخلافة عمر
السؤال: متى انتهت الخلافة الراشدة؟ وهل خلافة عمر بن عبد العزيز خلافة راشدة، أم هي خلافة ملك؟الجواب: مدة الخلفاء الراشدين التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، مدتها ثلاثون سنة، مدة الخلفاء الراشدين الأربعة، لكن من جاء بعدهم ممن يسير على منهاجهم، ويلتزم بما جاء في الكتاب والسنة, هو أيضاً خليفة راشد، ولهذا قيل لـعمر بن عبد العزيز: إنه خليفة راشد، وكذلك معاوية رضي الله عنه هو خليفة راشد، لأنه صاحب رسول الله فيكون أفضل من عمر بن عبد العزيز، فخلافة النبوة هي ثلاثون سنة، وما بعدها هي خلافة راشدة.ولهذا جاء في الحديث ذكر الخلافة لغير الخلفاء: ( لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فأطلق عليهم أنهم خلفاء.
كيفية الجمع بين شرب النبي قائماً ونهيه عن ذلك
السؤال: كيف يجمع بين الحديث الذي فيه النهي عن الشرب قائماً، والحديث الوارد بأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائماً؟الجواب: يجمع بينهما بأن الأصل والأولى هو الجلوس، وإذا شرب الإنسان قائماً فإنه جائز، والأولى أن يشرب الإنسان جالساً، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز، وما عرف من كثرة فعله وإرشاده يدل على أن الجلوس هو الأصل في الشرب.
حكم الاجتماع لقراءة القرآن
السؤال: ما حكم الاجتماع في المسجد، أو في البيت لتلاوة كتاب الله بصوت مرتفع؟الجواب: لا بأس بذلك، كونه يجتمع جماعة ويقرأ واحد القرآن والباقون يسمعون، أو يتناوبون القراءة، وإذا كان أيضاً فيهم من عنده علم ويفسر لهم شيئاً من القرآن، أو يعلمهم شيئاً من أحكام القرآن، فهذا طيب.
صرف الزكاة بين الإسرار بها والجهر
السؤال: هل تصرف زكاة المال سراً أو جهراً؟ وإذا كانت تصرف جهراً فهل أخبر من أعطيته أنها زكاة مالي؟الجواب: الواجب إخراج الزكاة، سواء حصل ذلك سراً أو جهراً، وليس بلازم أن الإنسان عندما يعطي الفقير يقول: هذه زكاة، يعطيه إياها ولو ما قال: هي زكاة، ولا يلزم أن يعلمه بأن هذه زكاة.
حكم من نام عن العصر ولم يقم إلا في المغرب
السؤال: شخص نام عن صلاة العصر، ولم يستيقظ إلا في صلاة المغرب، فماذا يفعل؟الجواب: يصلي العصر أولاً، ثم يصلي المغرب؛ لأن العصر قضاء والمغرب بعدها أداء، تلك فات وقتها، وهذه في وقتها.
أحسن كتاب يتحدث عن التابعين
السؤال: ما هو أجمع وأحسن كتاب يتحدث عن التابعين؟الجواب : ما أذكر كتاباً معيناً, لكن ابن حبان له كتاب الثقات في التابعين، وكذلك في طبقات ابن سعد، لكن كتاب معين خاص ما أذكر الآن، ما يحضرني كتاب معين خاص بالتابعين.
موضوع كتاب الإتمام لابن ماكولا
السؤال: ما هو موضوع كتاب الإتمام لـابن ماكولا؟الجواب: طبعاً هو في الرجال، لكن ما هو موضوعه ما أتذكر.
السنة في لبس الخاتم للرجال
السؤال: ما هي السنة في لبس الخاتم للرجال، أهو في اليمين أم في اليسار؟ وفي أي أصبع يكون؟الجواب: الأمر في ذلك واسع بالنسبة لليمين أو اليسار، يعني: الخنصر في اليسار أو اليمين، والتختم ليس بلازم، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله إلا لما كتب كتاباً للروم أو لقيصر؟! فقيل: إنهم لا يقرءون الكتاب إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً، قال أنس: (فكنت أرى وبيصه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم). والخواتم قد بحثها العلماء، ومن أحسن ما كتب فيها كتاب لـابن رجب اسمه: (كتاب الخواتم)، جمع فيه المباحث المتعلقة بالخواتم من جميع الوجوه، وهو: كتاب واسع كبير خاص بالخواتم وأحكامها، فيمكن الرجوع إليه، ومعرفة ما قاله العلماء، وما جاء فيه من الآثار والأحاديث.
الجمع بين قوله: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون..) وبين قول النبي: (لا يزيد في العمر إلا البر ...)
السؤال: كيف الجمع بين قوله تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يزيد العمر إلا البر)؟الجواب: لا تنافي بين ما جاء في الآية والحديث؛ لأن الأجل الذي كتبه الله عز وجل في اللوح المحفوظ لا يتأخر عنه إنسان ولا يتقدم عليه إنسان، ولكن هذا الأجل الذي قدره الله عز وجل قدر له أسباباً، ومن الأسباب: البر، فالله عز وجل قدر أن يكون هذا عمره طويلاً، وقدر أن يكون من أسبابه البر، أن يكون باراً، وليس معنى ذلك أنه كان عمره قصيراً، ثم بر فغير الأجل وزاد، لا، الأجل هو الأجل، لكن الله قدر المسبب الذي هو الأجل، وقدر السبب الذي هو البر، مثلما يجري في الدنيا وجود المسببات والأسباب؛ لكن الأسباب تفضي إلى المسببات، وتنتهي إلى المسببات.فإذاً: هذا هو الجمع بين ما جاء في الآية والحديث، الذي جاء في الآية وهو الذي في اللوح المحفوظ, والأجل لا يتقدم ولا يتأخر، لكن الله قدر أن هذا يكون باراً فيكون عمره طويلاً، وقدر البر منه، وقدر طول العمر، قدر السبب والمسبب، فلا إشكال ولا تنافي.
حكم دعاء الرسول أو الاستغاثة به عند قبره أو بعيداً منه
السؤال: رأى شخص ما يدور حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع والشركيات، فقال: هذه الأعمال تجوز، فقال له شخص: وما دليلك؟ قال: أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، والنبي صلى الله عليه وسلم مستجاب الدعوة، فإن كل هذه الأعمال جائزة، فكيف يرد على هذا؟الجواب: نقول: نعوذ بالله من الجهل، إذا وجد الشرك ووجد أحد يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم يقال: هذا جائز؟! أبداً، الرسول صلى الله عليه وسلم استجاب الله دعاءه؛ لأن قبره محفوظ، ما أحد يصل إليه فيعمل أعمالاً له أو يسجد عليه، أما قضية عبادة الرسول، فيمكن أن يعبده وهو في المغرب، أو في المشرق في أقصى الدنيا، إذا دعا الرسول واستغاث بالرسول فهذا شرك بالله عز وجل، سواء كان عند قبره أو في أقصى الدنيا في أي مكان، ما هي المسألة خاصة عند القبر، الحرام حرام في أي مكان كان.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(94)
- (باب تعجيل الظهر في البرد) إلى (باب آخر وقت الظهر)
جاءت الشريعة بمواقيت خاصة للصلاة، إلا أنه رُخص في صلاة الظهر أن تؤخر إلى آخر وقتها، وذلك عند اشتداد الحر، تيسيراً من الله ورحمة بعباده.
تعجيل الظهر في البرد
شرح حديث: (كان رسول الله إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تعجيل الظهر في البرد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل ) ].يقول النسائي رحمه الله: باب: تعجيل الظهر في البرد, المقصود من هذه الترجمة: أن صلاة الظهر في وقت الشتاء تعجل وتصلى في أول وقتها، وهذا هو الأصل؛ أن الصلاة تصلى في أول وقتها، لكن جاء في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث: أنه إذا اشتد الحر فإنها تؤخر عن أول وقتها, ويحصل الإبراد بها، ولكن النسائي أورد الترجمة في تعجيلها بالبرد، وإن كان الحديث الذي أورده يشمل تعجيلها في البرد وتأخيرها في الحر، وهو دال على الاثنين، وتعجيلها إنما هو على الأصل, الذي هو صلاتها في أول وقتها.وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام الحث على الصلاة في أول وقتها، وأن ذلك عظيم عند الله عز وجل، وجاء في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث, أنها في وقت الحر تؤخر، كما في هذا الحديث وفيما بعده من الأحاديث التي فيها تأخير الصلاة، أي: صلاة الظهر في شدة الحر.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا كان الحر أبرد بالصلاة وإذا كان البرد عجل)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، وحديثه خرجه البخاري, ومسلم, والنسائي، وقد أظهر السنة في بلده فقيل له: سني.[حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم].وهو عبد الرحمن بن عبد الله البصري, وهو صدوق, ربما أخطأ، خرج له البخاري, وأبو داود في كتاب فضائل الأنصار، والنسائي, وابن ماجه.[حدثنا خالد بن دينار].وهو أبو خلدة, صدوق خرج له البخاري, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.[سمت أنس بن مالك].وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـأنس بن مالك رضي الله عنه, هو أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات ربي وسلامه وبركاته عليه، وهذا الإسناد رباعي, من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى أسانيد عند النسائي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، وإنما أعلى ما عنده هي الرباعيات، وهذا منها.وسبق أن مر إسناد واحد فيه حديثان، وهو رباعي، وهذا رباعي، وكما أشرت من قبل أن الثلاثيات هي عند البخاري, وعند الترمذي, وعند ابن ماجه, من أصحاب الكتب الستة، فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية إسنادها واحد.وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي فأعلى ما عندهم هي الرباعيات، وليس عندهم شيء من الثلاثيات، وهذا الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية عند النسائي.
الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر
شرح حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الإبراد بالظهر إذا اشتد الحر, والحديث الذي قبل هذا يدل على الإبراد، يعني: أنه في شدة الحر يبرد بها، معناه: أنه يؤخرها، وذاك من فعله عليه الصلاة والسلام، وأما هذا فهو من قوله، والحديث الذي قبل هذا فيه الإبراد من فعله؛ لأنه إذا كان في البرد عجل، وإذا كان في الحر أبرد، أخرها إلى وقت الإبراد، وهو: انكسار حدة الشمس، وخفة حرارتها، وفي هذا الحديث الذي معنا من قوله وتوجيهه وإرشاده عليه الصلاة والسلام.قوله عليه الصلاة والسلام: (فأبردوا عن الصلاة).يعني: يبردون بصلاة الظهر، أي: أنهم يؤخرونها عن أول وقتها، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا اشتد الحر فأبردوا )؛ هذا يفيد بأن الأصل هو التعجيل، ولكن الإبراد يحصل لأمر يقتضي ذلك، وهو شدة الحرارة، فتؤخر الصلاة حتى تنكسر حدة الشمس وتخف الحرارة، وقد قال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: (فإن شدة الحر من فيح جهنم)، يعني: مما يظهر من حرارتها، وقيل في معناه: إنه على بابه، وقيل: إن معنى ذلك أنه مثل حرارة جهنم وشدة حرارة جهنم، لكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن ذلك من حرارة جهنم، حيث جاء في الحديث: (أن الله تعالى أذن للنار بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحرارة إنما هو من حرها)، يعني: في الصيف، ومن العلماء من قال: إن المقصود من ذلك أن هذا يشبه حرارة النار وحرارة جهنم، والمقصود من توجيهه وإرشاده عليه الصلاة والسلام أنهم يؤخرونها حتى تخف الحرارة، وحتى تذهب الحرارة الشديدة وتخف، ولا يحصل لهم ضرر من مجيئهم إليها في شدة الحر، وذلك في أول وقت الظهر، فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى أن يؤخروها، وأن يبردوا بها.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة...)
قوله: [قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو ابن سعد المصري المحدث الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، الثقة, المحدث, الفقيه، المكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن].وابن المسيب هو: سعيد بن المسيب، وهو ثقة, من الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وهو أحد السبعة بلا خلاف.وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فهو أحد السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن في السابع منهم ثلاثة أقوال، أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والثاني: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة المكثرين حديثاً.
شرح حديث: (أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي، ح وأخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا يحيى بن معين حدثنا حفص ح، وأخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم عن يزيد بن أوس عن ثابت بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه يرفعه قال: ( أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو بمعنى الحديث الذي قبله, فقوله عليه الصلاة والسلام: ( أبردوا بالظهر، فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم )، هو بمعنى الحديث الذي قبله, حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أمر من الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن الذي قبله أيضاً كذلك أمر منه بالإبراد، وفيه من المعنى ما في الذي قبله من أن شدة الحر من فيح جهنم، أو الذي تجدونه من الحر من فيح جهنم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].وهو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة حافظ، رمي بالنصب، خرج حديثه: أبو داود, والترمذي, والنسائي. خرج له أصحاب السنن الأربعة, إلا ابن ماجه.[حدثنا عمر بن حفص].وهو ثقة, ربما وهم, أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه.[حدثنا أبي].وهو: حفص بن غياث, ثقة, فقيه، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هنا أتى بالتحويل، حاء التحويل، وهذه طريق أخرى، عن طريق شيخه الأول؛ إلا أنه بإسناد آخر، يعني: أن شيخ شيخه إبراهيم, هو غير شيخ شيخه في الإسناد الأول، فالإسناد الأول هو عمر بن حفص، وأما الإسناد الثاني فشيخ إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني هو يحيى بن معين، وحاء التحويل أتى بها للإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، ويشعر ذكرها بأنه رفع إلى الإتيان بإسناد جديد يبدأ من شيخ المصنف، وهنا شيخه في الإسناد الثاني هو شيخه في الإسناد الأول، إلا أن شيخ شيخه يختلف عن الإسناد الأول.[حدثنا يحيى بن معين].وشيخه في هذا الإسناد يحيى بن معين، وهو ثقة حافظ، إمام في الجرح والتعديل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعنده اصطلاح خاص، وهو أنه إذا قال: لا بأس به فتعني التوثيق؛ فقول: لا بأس به عند يحيى بن معين يعتبر توثيقاً، فلا يؤثر، أو لا يظن أن الشخص الذي يقول فيه: لا بأس به أنه دون الثقة، بل هو ثقة؛ لأن هذه العبارة في اصطلاح يحيى بن معين يراد بها الثقة، وهذه من الاصطلاحات الخاصة لبعض المحدثين، وهي مما يحتاج إلى معرفتها؛ لأن معرفة الاصطلاح يتبين المراد. ومن المعلوم أن قول: لا بأس به درجتها نازلة، وأما عند يحيى بن معين فهو بمنزلة ثقة.[أخبرنا حفص].شيخ يحيى بن معين هنا هو شيخ ابنه، وهو حفص بن غياث، وفي الإسناد الأول يروي عنه ابنه عمر بن حفص، وهنا: يروي إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن يحيى بن معين, عن حفص بن غياث، ثم ذكر طريقاً ثالثة وهي قوله: [ح وأخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة ثبت, خرج حديثه النسائي وحده، وهو من بلد النسائي.[حدثنا عمر بن حفص].وهو ابن غياث، قال: [حدثنا أبي]، وهذا مثل الإسناد الأول عن إبراهيم بن يعقوب؛ لأن الواسطة أو الذي بعده عمر بن حفص عن أبيه حفص بن غياث.[عن الحسن بن عبيد الله].يعني: أن حفص بن غياث في تلك الأسانيد الثلاثة كلها يروي فيها عن الحسن بن عبيد الله, فكل الطرق الثلاث التي انتهت إلى حفص بن غياث شيخه فيها هو: الحسن بن عبيد الله النخعي الكوفي وهو ثقة فاضل, أخرج له مسلم, والأربعة.[عن إبراهيم].وهو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي, الفقيه, المحدث، يأتي ذكره كثيراً في مسائل الفقه، ويأتي ذكره كثيراً في أسانيد الحديث، وهو الذي سبق أن ذكرت فيما مضى أن ابن القيم قال في كتابه (زاد المعاد): إن أول من عرف عنه أنه عبر بالعبارة المشهورة عند الفقهاء: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)، قال: وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أوس].وهو النخعي، وهو مقبول, خرج له أبو داود, والنسائي.] عن ثابت بن قيس[.وهو مقبول, خرج له النسائي وحده.] عن أبي موسى[.وهو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والذي فيه اثنان مقبولان، لكن هو بمعنى الحديث الذي قبله، فهو شاهد له حديث أبي هريرة.
آخر وقت الظهر
شرح حديث أبي هريرة في آخر وقت الظهر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ آخر وقت الظهر.أخبرنا الحسين بن حريث أنبأنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هذا جبريل عليه السلام جاءكم يعلمكم دينكم، فصلى الصبح حين طلع الفجر، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد, فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله، ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه، ثم صلى المغرب بوقت واحد حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعة من الليل، ثم قال: الصلاة ما بين صلاتك أمس وصلاتك اليوم ) ].ذكر النسائي رحمه الله باب: آخر وقت الظهر. وهو: أن يكون ظل كل شيء مثله، فعند ذلك ينتهي وقت الظهر، ويدخل مباشرة وقت العصر؛ لأنه لا فاصل يفصل بين وقت العصر ووقت الظهر، فمتى خرج هذا دخل هذا, ولا فاصل بينهما, والترجمة معقودة لبيان آخر وقت الظهر، وأنه حيث يبلغ ظل الشيء مثله، عند ذلك ينتهي وقت الظهر، وأول وقتها -كما مر- عندما تزول الشمس، وعندما تذهب الشمس إلى جهة الغرب يبدأ وقت الظهر، ويستمر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، فالترجمة معقودة لهذا.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، وصلى العصر حيث صار ظل الشيء مثله، وصلى المغرب حين غربت الشمس وحل فطر الصائم، وصلى العشاء حين ذهب شفق الليل، ثم جاءه الغد فصلى به الصبح حين أسفر قليلاً، ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله ).وهذا هو محل الشاهد: (فصلى الظهر حين كان الظل مثله)، يعني: حين وقت دخول العصر؛ لأن في الحديث أنه صلى اليوم الأول العصر, حيث كان ظل الشيء مثله، وهذا أول وقتها، وفي اليوم الثاني صلى الظهر حيث كان ظل الشيء مثله، يعني: في آخر وقتها، فآخر وقتها هو أول وقت دخول العصر، ليس بينهما وقت فاصل، بل وقت هذه متصل بهذه، فحيث انتهى وقت هذه دخل وقت هذه، فآخر وقت الظهر حيث يكون ظل الشيء مثله، وأول وقت العصر حيث يكون ظل الشيء مثله.قوله: (ثم صلى العصر حين رأى الظل مثليه).وهذا هو آخر وقتها الاختياري، أما الاضطراري فإنه إلى غروب الشمس، كل ذلك يعتبر أداء، لكنها لا تؤخر عن بلوغ الظل مثليه؛ إلى اصفرار الشمس، وإنما تصلى قبل دخول الوقت الاضطراري، وإذا كان الإنسان معذوراً، كأن يكون نائماً ثم استيقظ بعدما جاء وقت الاضطرار، فإنه يصليها ويكون أداء وليس بقضاء.ثم صلى المغرب في الوقت الذي صلى فيه المغرب في اليوم الأول، يعني: حين غربت الشمس وحل الفطر للصائم، والعشاء بعد ساعة من الليل، وجاء في بعض الأحاديث: ( أن الرسول عليه الصلاة والسلام صلى المغرب عندما غاب الشفق)، يعني: عند أول وقت العشاء؛ لأنه ليس هناك فاصل بين أول وقت العشاء وآخر وقت المغرب، فهما متصلان، مثل وقت صلاتي الظهر والعصر، فهما متصلان، وهذه إذا غاب الشفق يبدأ وقتها التي هي العشاء.وفيه أيضاً: ما جاء في بعض الأحاديث أنه صلاها عند نصف الليل، وهذا هو آخر وقتها الاختياري، وأما وقتها الاضطراري فهو إلى طلوع الفجر، وفي هذا الحديث ذكر فيه أن وقت المغرب لا فرق بين اليوم الأول ولا اليوم الثاني، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه صلى المغرب عند مغيب الشفق، أو في آخر الوقت الذي يغيب فيه الشفق، وصلى العشاء بعد ذلك، وهذا هو الذي يتفق مع قوله: (الصلاة بين هذين الوقتين)؛ لأنه إذا كانت صلاة المغرب هي في وقت المغرب، ما كان هناك وقتان يكون بينهما، يعني: أوقاتاً تصلى فيها الصلاة، لكن جاء في بعض الأحاديث بيان البداية والنهاية لكل وقت من أوقات الصلوات، وهو الذي يتفق مع قوله: ( الصلاة بين هذين الوقتين )، يعني: في كل صلاة من الصلوات الخمس تكون بين وقتين، يعني: في الوقت الذي صلى فيه اليوم الأول، والوقت الذي صلى فيه في اليوم الثاني؛ لأنه في اليوم الأول صلى به في أول الوقت، وفي اليوم الثاني صلى به في آخر الوقت الاختياري، هذا بالنسبة للصلوات التي لها وقت اختياري.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في آخر وقت الظهر
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].وهو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه، خرج له أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه.[أنبأنا الفضل بن موسى].وهو الفضل بن موسى المروزي أيضاً، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن عمرو].وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره قريباً.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره أيضاً.
شرح حديث: (كان قدر صلاة رسول الله الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأدرمي حدثنا عبيدة بن حميد عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ( كان قدر صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام ) ].هنا أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهو يتعلق بتأخير صلاة الظهر في الصيف، وأنه يكون في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام, وفي الشتاء من خمسة إلى سبعة أقدام، وهذا يتعلق بتأخيرها، وهذا ليس في كل البلدان، وإنما يكون في بعض البلدان، يعني: هذا المقدار؛ لأن البلدان تختلف باختلاف الظل, وتقدم الأوقات وتأخرها، وكذلك في الحرارة والبرودة تختلف.وهنا أورد النسائي الحديث في ذكر آخر وقت الظهر، وكأنه فيه الإشارة إلى التأخير إلى آخر وقت الظهر.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان قدر صلاة رسول الله الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام...)
قوله: [أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأدرمي].وهو ثقة، خرج له أبو داود, والنسائي.[حدثنا عبيدة بن حميد].وهو عبيدة بن حميد الضبي الكوفي، وهو صدوق, ربما أخطأ، وحديثه عند البخاري وأصحاب السنن الأربعة.عبيدة بفتح العين، وليس بضمها.[عن أبي مالك الأشجعي].وهو سعد بن طارق، وهو ثقة, خرج له البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن كثير بن مدرك].وهو ثقة أيضاً، خرج له مسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن الأسود بن يزيد].وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة مخضرم, خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن مسعود].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من فقهاء الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم الجلوس في المسجد بدون وضوء
السؤال: هل يجوز الجلوس في المسجد بدون وضوء؟الجواب: نعم يجوز، لكن كون الإنسان يكون على طهارة فهذا هو الذي ينبغي، وإذا حصل له الحدث, فلا يلزمه أن يقوم لكونه حصل منه الحدث، وإنما له أن يبقى، لكن كونه يكون في المسجد على طهارة, فهذا هو الذي ينبغي.
مدى صحة القول بعدم وجود دليل يمنع الحائض من قراءة القرآن
السؤال: قال بعض العلماء: ليس هناك دليل بمنع الحائض من قراءة القرآن، وإنما منع ذلك العلماء إجماعاً؟الجواب: لا، ليس هناك إجماع، بل يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن, فإذا خافت على نفسها من النسيان فلتقرأ من حفظها؛ لأن حيضتها وانتهاءها ليس بيدها، بخلاف الجنابة؛ فإن الجنابة بيد الإنسان, يستطيع أن يتخلص منها، وأن يرفعها متى شاء، فإن كان الماء موجوداً يغتسل، وإن كان غير موجود يتيمم، وأما بالنسبة للحائض فانتهاء الحيض ليس بيدها, وهذا الكلام إنما هو بالنسبة للحفظ، أما بالنسبة لمس المصحف فمن دون الحائض، وهو الذي ليس على طهارة، يعني: ليس متوضئاً فلا يمس القرآن، كما جاء في الحديث: ( لا يمس القرآن إلا طاهر )، وإنما المقصود من القراءة بالنسبة للحائض القراءة عن ظهر قلب.
حكم رواية الصحابي الحديث بالمعنى
السؤال: هل يجوز للصحابي أن يروي الحديث بالمعنى دون بيان هذا المعنى؟الجواب: نعم، يجوز للصحابي وغير الصحابي؛ لأن تبليغ ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا أمر لا بد منه، فإذا كان متمكناً من اللفظ فالأولى أن يقتصر على اللفظ وألا يتجاوز اللفظ، لكن إذا لم يضبط اللفظ ولكن ضبط المعنى، فالإنسان يأتي بالمعنى، وبالعبارة التي تؤديه، وهذا هو الرواية بالمعنى.
بيان بداية الوقت لقراءة سورة الكهف يوم الجمعة
السؤال: متى يبدأ وقت قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟الجواب: ما أعلم له تحديداً، لكنه يكون من أول النهار، يعني: يمكن أن يبدأ من أول النهار.
حكم صرف خمسة ريالات ورق بأربعة ريالات معدنية
السؤال: ما حكم لو أعطى إنسان الصراف خمسة ريالات ورق، فأعطاه أربعة ريالات حديد؟ الجواب: الأولى اجتناب هذا العمل، وأن يكون الورق بما يقابله من الحديد، بمعنى: أن تكون خمسة مع خمسة، وهذا هو الذي لا إشكال فيه، وبعض العلماء يفتي بالجواز، ولكن الأولى للإنسان أن يبتعد عما فيه شبهة: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ).
المراد بكون القصاص كفارة عن القتل
السؤال: القصاص كفارة للقاتل، فما معنى هذه الكفارة؟الجواب: المراد بالكفارة أنه قتل فقتل، وهذا معناه أن الشيء الذي حصل منه حصل له شيء يقابله، لكن هل يكون ذلك كفارة؟ وهل يكون بذلك انتهى؟ وأنه يؤاخذ على ذلك في الآخرة؟ الله أعلم لا ندري، لكن بالنسبة لأوليائه فقد حصل لهم ما يريدون إذا أرادوا القصاص، لكن هل العلاقة تنتهي بين القاتل والمقتول؟ لا أدري والله أعلم.
حكم الأكل من طعام من يتكسب من الخمر
السؤال: رجل زار عمته في بيتها، فهل يجوز له تناول شيء من الطعام أو الشراب إذا كان زوجها يشتغل ببيع الخمر؟الجواب: الذي يجب هو نصح هذا الزوج, الذي هو زوج عمته، نصحه وبيان خطورة ما هو واقع فيه، وأن المكاسب التي يحصلها من وراء الخمر أنها حرام؛ لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة، ومنهم بائعها، فالواجب هو تنبيهه، لكن إذا كان هذا هو الغالب على مكاسبه، أو أن مكاسبه من هذا القبيل فلا ينبغي له أن يأكل من طعامه إذا كان مكاسبه من الخمر، أما إذا كان الغالب هو من غير الخمر، فإذا تركه تعففاً فهو الأولى، وإن أكل فلا بأس.
المقصود بقول: انفرد به النسائي كما في تحفة الأشراف
السؤال: ما معنى ما يرد في الحاشية: انفرد به النسائي، تحفة الأشراف؟الجواب: المقصود من ذلك أنه ما رواه أحد من أصحاب الكتب الستة الباقين؛ لأن (تحفة الأشراف) هي لأصحاب الكتب الستة, ولرواياتهم، فإذا كان الحديث موجوداً عند غير النسائي، فإنه يذكر أنه خرجه فلان وخرجه فلان، ثم يشير إلى تحفة الأشراف التي جمعت فيها الأطراف لهذه الكتب، فقد يكون الحديث عند النسائي وحده، وعند ذلك يقول: انفرد به النسائي، وقد يكون أيضاً عند أبي داود، فيقول: أخرجه أبو داود في كتاب كذا، وفي آخر هذا التخريج يقول: تحفة الأشراف رقم كذا، يعني: هذا الحديث الذي انفرد به النسائي، أو رواه النسائي، وغيره معه ممن ذكروا في التعليق، بأنه أخرجه فلان وفلان وفلان، فإنه أشير في تحفة الأشراف إلى من خرجوه من أصحاب الكتب الستة، فإذا كان الحديث ممن انفرد به النسائي قال: انفرد به النسائي، ثم قال: تحفة الأشراف، والإنسان إذا رجع إلى تحفة الأشراف ما وجد أنه أخرجه إلا النسائي من أصحاب الكتب الستة.
مدى خصوصية مضاعفة الصلاة بمسجد الكعبة على غيره في محيط الحرم
السؤال: هل الصلاة في أي مكان بمكة تعدل الصلاة في المسجد الحرام؟الجواب: فيها خلاف بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن الصلاة التي تضاعف بمائة ألف ضعف هي في المسجد المحيط بالكعبة، ومن العلماء من يقول: إن مكة كلها يقال لها المسجد الحرام، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، قوله: (المسجد الحرام)، يعني: يصلي في مكة كلها، والقول بأن مكة كلها مسجد حرام، جاء في الآيات والأحاديث ما يدل عليه.ومما ورد في الآيات: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، والمقصود بالمسجد الحرام هو مكة كلها، وليس المقصود منه المسجد فقط ومكة لهم أن يدخلوها، لا، وإنما لا يدخلون مكة كلها، ومعنى الآية أي: لا يقربوا مكة، فكلها يطلق عليها أنها المسجد الحرام، وكذلك أيضاً جاء في غير هذه الآية، فمن العلماء من قال: إن التضعيف يكون في مكة كلها، لكن على هذا القول الذي قال به بعض العلماء، ليسوا سواء من يصلي عند الكعبة، ومن يصلي في أي مكان من مكة، كما أن من يصلي في الصف الأول ليس مثل الذي يصلي في أواخر الصفوف، فبينهما فرق.
معنى ما ورد في الحديث: (من ثلاثة إلى خمسة أقدام)
السؤال: ما معنى ما ورد في الحديث الأخير: (ثلاثة إلى خمسة أقدام، خمسة إلى سبعة أقدام)؟الجواب: يعني: كأن هذا في الشتاء, وهذا في الصيف، وهذا في بعض البلدان وليس مطرداً في كل مكان، والنسائي أورد هذا في آخر وقت الظهر، لكن هل يكون ظل كل شيء مثله في هذا المقدار؟ معلوم أن الثلاثة الأقدام لا تأتي مثل الشيء، يعني: ظلها مثله، لكن كأن المقصود بذلك إبراد وتأخير، لكن يشكل عليه ما قال: (وأنه في وقت الشتاء من خمسة إلى سبعة).
مدى جواز قول الرجل لأخيه: ما أحوال إيمانك
السؤال: هل يجوز للرجل أن يقول لأخيه إذا لقيه: ما أحوال إيمانك؟الجواب: أنا ما أعلم له أثراً، يعني: الإنسان يسأل عن حال الإنسان، وأما عن إيمانه وأحوال إيمانه, فالإنسان هنا يزكي نفسه! وإنما يمكن أن يقول: تعال نزداد إيماناً، يعني: يعملون أعمالاً صالحة تزيد في إيمانهم، أو يتذاكرون مثلما كان الصحابة يطلب بعضهم من بعض أن يجلسوا إلى بعض، وأن يزدادوا إيماناً.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(95)
- باب أول وقت العصر - باب تعجيل العصر
للصلاة وقتان: اضطراري، واختياري، ووقتها الاختياري موسع بين أول الوقت وآخره، منها صلاة العصر، ويستحب تعجيلها أول وقتها؛ عندما تكون الشمس بيضاء نقية لم يذهب ضياؤها ولم تصفر.
أول وقت العصر
شرح حديث جابر في أول وقت العصر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أول وقت العصر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا ثور حدثني سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة، فقال: صل معي، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، والعصر حين كان فيء كل شيء مثله، والمغرب حين غابت الشمس، والعشاء حين غاب الشفق، قال: ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، والعصر حين كان فيء الإنسان مثليه، والمغرب حين كان قبيل غيبوبة الشفق)، قال عبد الله بن الحارث: ثم قال في العشاء: أُرى إلى ثلث الليل ].يقول النسائي رحمه الله: باب: أول وقت العصر، أورد فيه حديث: جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقد جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام رجل وسأله عن مواقيت الصلوات، فقال: (صل معي)، ثم إنه صلى يوماً من الأيام الصلوات من أول الوقت، ثم في اليوم الثاني في آخر الوقت، أي: الوقت الاختياري، وأرشده عليه الصلاة والسلام، وبين له فعلاً وعملاً, حيث جعله يشاهد ويعاين الصلوات في أوائل أوقاتها، وفي أواخر أوقاتها، وعلم بذلك البداية والنهاية، وقد اشتمل على أوقات متعددة، ولكن النسائي أورده للاستدلال به على أول وقت العصر، وأنه عندما يكون ظل الشيء مثله، أي: عند انتهاء وقت الظهر يأتي مباشرة ابتداء وقت العصر؛ لأنه لا فاصل بين الوقتين؛ وقت الظهر ووقت العصر، بل بمجرد انتهاء هذا يدخل هذا، ولا فاصل ولا وقت بينهما، بل الوقتان متصلان. قوله: (فصلى الظهر حين زاغت الشمس).يعني: صلى الظهر في أول وقتها. قوله: (والعصر حين كان فيء كل شيء مثله).يعني: وصلاها في أول وقتها، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة؛ لأن أول وقت العصر هو عندما يكون ظل كل شيء مثله، معناه: أن هذا هو نهاية وقت الظهر, وعند ذلك يبدأ وقت العصر.قوله: (والمغرب حين غابت الشمس).وهذا هو وقتها الأخير.قوله: (والعشاء حين غاب الشفق).وهذا هو أول وقتها.قوله: (ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله).يعني: صلى في اليوم الثاني الظهر حيث كان فيء الشيء مثله، يعني: آخر وقتها، فهذا هو آخر وقت صلاة الظهر، وبعده مباشرة يأتي وقت صلاة العصر.قوله: (والعصر حين كان فيء الإنسان مثليه).يعني: عندما يكون ظل الشيء مثليه، يعني: ضعفه, مثله مرتين، هذا هو نهاية وقت العصر، والمراد بذلك: الوقت الاختياري الذي يمكن للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت، ولكن كما عرفنا أن الصلاة في أول وقتها قد رغب فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحث على أن يكون أداء الصلوات في أوائل أوقاتها؛ لأن في ذلك مبادرة إلى الخيرات، ومسابقة إلى الإتيان بالشيء في أول وقته بعد تحقق دخول الوقت، ففيه المبادرة والإتيان بالصلاة في أول وقتها، لكن للإنسان أن يؤخرها وهو مختار إلى أن يكون ظل كل شيء مثليه، وعند ذلك ينتهي الوقت الاختياري لصلاة العصر، ويبدأ الوقت الاضطراري وهو إلى غروب الشمس، يعني: الإنسان لو نام، أو حصل له أمر جعله ينشغل من غير أن يكون هناك غفلة عن الصلاة، وإنما جاءه ما يقهره عن أن يصلي الصلاة في وقتها المختار، فإنه يصليها في الوقت الاضطراري، وهو أداء وليس بقضاء؛ لأنه إلى غروب الشمس هو وقت لصلاة العصر، ولكن من بلوغ الشيء مثليه إلى الغروب، فهذا يعتبر وقتاً اضطرارياً، ومن بلوغ ظل الشيء مثله إلى بلوغه مثليه، هذا وقت اختياري.قوله: (والمغرب حين كان قبيل غيبوبة الشفق).لأنه إذا غاب الشفق يأتي أول وقت العشاء، فإذاً: قبيل الغيبوبة، هذا هو آخر وقتها، فصلاها في آخر وقتها، وذلك قبل صلاة العشاء مباشرة؛ لأن وقت المغرب ووقت العشاء متصلان ليس بينهما فاصل، كالظهر والعصر ليس بينهما فاصل، فبمجرد ما يخرج وقت هذه يدخل وقت هذه، فالمغرب صلاها قبيل غيبوبة الشفق، والعشاء كان قد صلاها كما في اليوم الأول عندما غاب الشفق، يعني: هذه صلاها في أول وقتها، وهذه صلاها في آخر وقتها.قوله: (قال عبد الله بن الحارث: ثم قال في العشاء: أرى إلى ثلث الليل).ثم قال عبد الله بن الحارث وهو أحد رجال الإسناد: أُراه إلى ثلث الليل، وهذا شك وعدم جزم، ولكن جاءت أحاديث تدل على أن نهاية وقتها -أي: الاختياري- نصف الليل، وليس إلى ثلث الليل فقط، بل إلى نصفه، هذا هو الوقت الاختياري، وبعد ذلك يبدأ الوقت الاضطراري من نصف الليل إلى طلوع الفجر، ولم يأت في الحديث ذكر صلاة الصبح، ولعل ذلك إما أنه وقع اختصاراً من الراوي، أو عدم ضبطٍ له، وأما الأوقات الأربعة فقد ذكرت في أوائل أوقاتها وفي أواخر أوقاتها، أي: الأواخر الاختيارية بالنسبة لما كان له وقت اختياري ووقت اضطراري.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في أول وقت العصر
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو اليشكري السرخسي، وهو ثقة, مأمون, سني، قد تكرر ذكره، وهو ثقة خرج حديثه البخاري, ومسلم, والنسائي.[حدثنا عبد الله بن الحارث].وهو ابن عبد الملك المخزومي، وهو ثقة, خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا ثور].وهو ثور بن يزيد الحمصي، وهو ثقة ثبت, خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني سليمان بن موسى].وهو سليمان بن موسى الدمشقي، صدوق, فقيه, في حديثه بعض لين، وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، فهو مثل: عبد الله بن الحارث في الإسناد؛ لأن كلاً من عبد الله بن الحارث وسليمان بن موسى خرج لهما مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن عطاء بن أبي رباح].وهو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة, يرسل كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن جابر وعن الصحابة أجمعين، وهو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر رضي الله عنه هو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تعجيل العصر
شرح حديث عائشة: (إن رسول الله صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تعجيل العصر.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء من حجرتها) ].أورد النسائي رحمه الله: تعجيل صلاة العصر. يعني: في أول وقتها، فإنه بعدما ذكر في الباب الذي قبله: بيان أول الوقت، وأنه عندما يكون ظل الشيء مثله، أي: أول وقت العصر، بعد ذلك أتى بالترجمة التي تدل على التعجيل، وأنها تصلى في أول وقتها، وقد أورد في ذلك عدة أحاديث، أولها حديث عائشة رضي الله عنها.قولها رضي الله عنها: (لم يظهر الفيء من حجرتها).المقصود من ذلك: أنه بكر بها، وأنه عجلها وصلاها في أول وقتها.قالت: (والشمس في حجرتها).يعني: لم تخرج من الحجرة, ومن المعلوم أن ذلك إنما يكون في أول الوقت. وقولها: (لم يظهر الفيء من حجرتها)، بمعنى: أنه ما حصل ذهاب الشمس بحيث يأتي الظل, ويغطي مكان ذلك الضياء الذي دخل في الحجرة، وهذا تنبيه وإشارة؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام إنما صلاها في وقتها، والمراد من ذلك: هو تعجيلها في أول وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن رسول الله صلى صلاة العصر والشمس في حجرتها...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو الليث بن سعد المصري، المحدث, الفقيه, الثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو ثقة, فقيه, محدث، عرف بكثرة رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].وهو عروة بن الزبير بن العوام، وهو تابعي, ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهو ابن أسماء بنت أبي بكر.[عن عائشة].وهي عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها وعن الصحابة أجمعين، وهي الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى من سورة النور، وهي المكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي أحد السبعة الذين مر ذكرهم، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم ستة من الرجال وواحدة من النساء، وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث: (إن رسول الله كان يصلي العصر ... والشمس مرتفعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن مالك قال: حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فقال أحدهما: فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: والشمس مرتفعة )].أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم وهم يصلون)، وهم صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعلوم أنهم يصلون في الوقت، ومعنى هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة في أول وقتها، حيث ذهب الذاهب بعد صلاة النبي عليه الصلاة والسلام هذه المسافة، ووجد أهل قباء يصلون، ولكون أنس بن مالك يروي عنه الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فأحدهما قال: (وهم يصلون)، والثاني قال: (والشمس مرتفعة)، معناه: أنه صلى الصلاة في أول وقتها، ففيه: تعجيل الصلاة، أي: صلاة العصر في أول وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يصلي العصر ... والشمس مرتفعة)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، وهو ثقة, خرج حديثه الترمذي, والنسائي.قوله: [أخبرنا عبد الله ].وهو عبد الله بن المبارك المروزي.وهو ثقة ثبت, إمام، حجة، جواد، مجاهد، لما ذكر ابن حجر في التقريب جملة من صفاته، قال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديث عبد الله بن المبارك خرجه أصحاب الكتب الستة، ولم ينسب عبد الله، ولكن كون الراوي عنه سويد بن نصر يدل على أنه عبد الله بن المبارك؛ لأن سويد بن نصر هو راوية عبد الله بن المبارك، يعني: راوي أحاديثه، والمكثر من رواية حديثه وكل منهما مروزي.[عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أبو عبد الله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله].الزهري قد مر ذكره. أما إسحاق فهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الله بن أبي طلحة هو أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أبا طلحة تزوج أم أنس وأتت بـعبد الله، وإسحاق يروي عن عمه أنس بن مالك رضي الله عنه؛ لأنه أخو أبيه لأمه، وهو ثقة حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنين، وخدمه عشر سنين منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله، فكان عمره يومئذ عشرين سنة رضي الله عنه، فهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من المعمرين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن أنس وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، ويذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة )].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية), يعني: أنها في شدة ضوئها, ولم يحصل تغير لونها, لكونها قربت من الغروب، وإنما هو في حال شدة ضوئها، وهي مرتفعة في السماء، يعني: ما اتجهت إلى الغروب، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة، وهذا هو المقصود بالتعجيل؛ لأن كونه يصلي الرسول صلى الله عليه وسلم العصر، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة، يعني ذلك أنها ما مالت إلى الغروب، وتغير لونها، وهذا دليل على تعجيله إياها.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد، وقد مر ذكره.[حدثنا الليث].والليث قد مر ذكره.[عن ابن شهاب].وابن شهاب قد مر ذكره.[عن أنس بن مالك].وأنس بن مالك قد مر ذكره. وهذا الإسناد من الأسانيد الرباعية عند النسائي، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي كما ذكرت فيما مضى؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، فأعلى ما عنده هي الرباعيات، وهذا الإسناد منها، والزهري من صغار التابعين؛ لأنه أدرك الذين تأخرت وفاتهم من الصحابة، يعني: أدرك أواخر الصحابة، فهو يعتبر من صغار التابعين.
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي الأبيض عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك أيضاً: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)، معناه: أنها مرتفعة في السماء، وهذا يدل على التبكير فيها؛ لأنه كونه يصليها وهي بيضاء، وهذا هو معناه كونها حية في الحديث الذي قبل هذا، معناه: أنه ما تغير لونها إلى الاصفرار، بل هي بيضاء كهيئتها وحالتها لم تتغير في اتجاهها إلى الغروب، وهذا يدل على التبكير، ويدل على تعجيلها في أول وقتها، كونه يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة، يعني: أنها مرتفعة؛ لأن التحليق معناه: أنها مرتفعة في السماء لم يحصل ذهابها كثيراً إلى جهة الغروب، وذلك لأنه قد بكر بها؛ لأنها بيضاء حية مرتفعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، المحدث, الفقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأحد الأشخاص الذين وصفوا بهذا الوصف، وهو من أعلى صيغ التعديل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا جرير].وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].وهو ابن المعتمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ربعي بن حراش].وهو ثقة, عابد, مخضرم، خرج حديثه الجماعة.[عن أبي الأبيض].وهو الشامي، وهو ثقة, خرج حديثه النسائي وحده.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.
شرح حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، قلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف صلى مع عمر بن عبد العزيز الظهر، وكان ذلك في آخر وقتها، ثم إنهم جاءوا إلى أنس بن مالك في بيته وهو قريب من المسجد، ووجدوه يصلي، قالوا: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر، فمعناه, أنه صلاها في أول وقتها، وقال: (وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كنا نصلي)، يعني: نصلي معه في هذا الوقت، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله أخر الصلاة، ولعل ذلك قبل أن يعلم السنة في تعجيلها والمبادرة بها، أو أنه حصل عنده ما يشغله حتى صلاها في آخر وقتها، ومعلوم أن وقت صلاة الظهر الاختياري هو من الزوال إلى بلوغ كل شيء مثله، ولكن تعجيلها هي السنة، ولعل ذلك أن عمر بن عبد العزيز لم يكن يعلم أن السنة التعجيل. وفي قول أبي أمامة بن سهل بن حنيف لـأنس بن مالك: يا عم, هذا من الألفاظ التي يخاطب فيها الصغار الكبار، وهي من الأدب، وإن لم يكن عمه في النسب، يعني: يقول الصغير للكبير: يا عم, وهنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف يقول لـأنس بن مالك: يا عم, وهو ليس عمه في النسب، يعني: سأله عن هذه الصلاة، وأخبرهم أنه صلى العصر، وأن هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانوا يصلونها مع النبي عليه الصلاة والسلام.والمقصو� � من ذلك: هو تعجيل صلاة العصر؛ لأن الترجمة هي: تعجيل صلاة العصر، وأنس بن مالك رضي الله عنه عجلها، وقال: إنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت، وهذا هو محل الشاهد، وهو كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أول الوقت، وهو الدليل على تعجيلها في أول وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق رابعة
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله].وهما سويد بن نصر المروزي, وعبد الله بن المبارك المروزي وقد مر ذكرهما.قال: [عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف].وهو أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف، وهو مقبول، خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي.[سمعت أبا أمامة].وشيخ أبي بكر بن عثمان هو عمه أبو أمامة بن سهل، يعني: أن أبا أمامة هو أخو عثمان.وأبو أمامة مشهور بكنيته، واسمه أسعد، وقيل: سعد، وهو معدود في الصحابة؛ لأنه له رؤية، ولكنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد مر ذكره.وعمر بن عبد العزيز ليس من رجال الإسناد، وإنما جاء ذكره لأنهم صلوا معه ثم ذهبوا، والإسناد كله بين أبي أمامة وأنس، ولكن عمر بن عبد العزيز كان صلى بهم وخرجوا معه إلى أنس بن مالك، ولم يكن هذا في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز، وإنما في زمن ولايته على المدينة وإمارته عليها في خلافة الوليد بن عبد الملك؛ لأن عمر كان أميراً على المدينة، وعندما صلوا معه ذهبوا إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
شرح حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق خامسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبو علقمة المدني حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال: (صلينا في زمان عمر بن عبد العزيز، ثم انصرفنا إلى أنس بن مالك فوجدناه يصلي، فلما انصرف قال لنا: صليتم؟ قلنا: صلينا الظهر، قال: إني صليت العصر، فقالوا له: عجلت؟ فقال: إنما أصلي كما رأيت أصحابي يصلون ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه تعجيل صلاة العصر، وهي مثل القصة السابقة، يعني: أبو سلمة يقول: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم أتينا أنس بن مالك فوجدناه يصلي، قلنا: ما هذه الصلاة؟ قال: العصر، قالوا: عجلت، قال: إنما أصلي كما رأيت أصحابي يصلون)، يعني: أصحاب رسول الله، يعني: هذه طريقتهم التي تلقوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي كانوا عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في تعجيل صلاة العصر من طريق خامسة
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وقد مر ذكره وهو ابن راهويه.[حدثنا أبو علقمة المدني].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة المدني، وهو ثقة, صدوق, خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن محمد بن عمرو].هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق له أوهام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: إن سابعهم هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهو أحد السبعة على أحد الأقوال، ليس محل الاتفاق في عده منهم؛ لأن من العلماء من يعد مكانه سالم بن عبد الله، ومنهم من يعد مكانه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.[أنس بن مالك].وقد مر ذكره.
الأسئلة
الفرق بين قول: (أخرجه البخاري) و(خرجه البخاري)
السؤال: ما هو الفرق بين أن يقال: خرجه البخاري, وأخرجه البخاري؟الجواب: خرجه, وأخرجه لا أعلم بينهما فرقاً.
حكم الصلاة على رسول الله بصيغة النداء
السؤال: هل إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: اللهم صل وسلم عليك يا رسول الله، هل يعتبر هذا نداء؟الجواب: هو من جنس: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، لكن العبارات المشهورة أنها تأتي بالغيبة، يعني: بضمير الغيبة, وليس بضمير الخطاب، فيقال: صلى الله عليه وسلم، أو عليه الصلاة والسلام، أو اللهم صل وسلم وبارك عليه.
حكم تملك كتاب سنن النسائي من الشيخ مع عدم حضور للدرس
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيمن أخذ نسخاً من عندكم من سنن النسائي لأجل الحضور والالتزام، ثم هو بعد ذلك لم يلتزم ولم يحضر، فهل يحق له أخذ ذلك؟الجواب: الإنسان الذي أخذ النسخة وهو يريد أن يدرس ولم يتمكن من الدراسة، من المناسب أن يعطيها لمن هو ملازم للدراسة.
حكم تأخير الصلاة إلى وقتها الاضطراري
السؤال: هل إيقاع الصلاة في الوقت الاضطراري يلحق صاحبها الإثم؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يؤخر؛ لأنه لا يصل إليه إلا عن طريق الاضطرار، ولا يصل عليه عن طريق الاختيار؛ لأنه لو أخرها عمداً فلا شك أنه يأثم؛ لأن هذا ليس وقتاً اختيارياً فيه مجال له، بل لا مجال له إلا أن يكون مضطراً، كإنسان كان نائماً، فإنه يصلي إذا استيقظ، والصلاة عندئذ تكون في وقتها، وهو مضطر إلى ذلك؛ لأن النوم غلبه.
معنى الإبراد والتهجير
السؤال: ما معنى الإبراد والتهجير؟الجواب : الإبراد هو: تأخير الصلاة عن أول وقتها، أي: حتى تنكسر حدة الشمس، وتخف حرارتها قليلاً، وأما التهجير فهو التبكير بها، والإتيان بها في الهاجرة.
حكم التيمم للجنب عند الخوف من خروج وقت صلاة الفجر
السؤال: شخص استيقظ من نومه ووجد أنه محتلم قبيل طلوع الشمس، هل يغتسل ويصلي بعد طلوع الشمس أم يتيمم ويصلي قبل طلوع الشمس؟الجواب: لا يجوز له أن يتيمم، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي إن أدرك شيئاً قبل طلوع الشمس، وإلا فإنه يصلي بعد طلوع الشمس.
سبب عدم تبويب النسائي لكتاب مواقيت الصلاة
السؤال: لم يذكر النسائي رحمه الله في كتاب المواقيت أبواباً للتراجم، فما السبب في ذلك؟الجواب: لا أدري؛ لأنه هذا شأنه، يعني: أحياناً يأتي بباب، وأحياناً بدون باب، والكثير بدون باب.
إمامة حاسر الرأس
السؤال: هل يصح أن يُؤتم بمن لا يغطي رأسه في الصلاة وخارجها؟الجواب: نعم تصح إمامته وإن كان كاشف الرأس، فليس من شرط الصلاة أن يكون الإنسان مغطياً رأسه، لكن لا شك أن هذا أكمل.
إمامة المتهاون بالسنن المؤكدة
السؤال: هل يصح أن يؤتم بالمعرض عن السنن المؤكدة؟الجواب: الإنسان الذي يتساهل في النوافل لا شك أن غيره أولى منه، ومن المعلوم أن من السنن المؤكدة هي ركعتا الفجر والوتر، فقد جاء عن بعض العلماء أنه شدد فيمن يترك الوتر، قيل عن الإمام أحمد أنه قال: إن الذي لا يصلي الوتر رجل سوء، ومن المعلوم أن التساهل في النوافل يكون سبباً ووسيلة إلى التساهل بالفرائض، فإن من يتساهل في النوافل من السهل عليه أن يتساهل في الفرائض، فصلاته تصح، ولكن عند الاختيار للإمامة يختار غيره ممن يكون محافظاً على النوافل.
حكم تبرج المرأة وتعطرها عند الخروج وتشبهها بالكافرات
السؤال: ما حكم تبرج المرأة وتعطرها عند الخروج، وتشبهها بالكافرات وبلبس الكافرات؟الجواب : لا يجوز للمرأة أن تتعطر عندما تخرج، ولا يجوز لها أن تتبرج، ولا يجوز لها أن تتشبه بالكافرات، كل ذلك حرام على النساء.
حكم التصوير الفوتوغرافي
السؤال: ما رأي فضيلتكم في التصوير الفوتوغرافي؟الج واب: التصوير الفوتوغرافي اسمه تصوير، والصورة التي تخرج منه يقال لها: صورة، والذي يقوم بهذه المهمة يقال له: مصور، فالتصوير الفوتوغرافي مثل غيره، ولكن يجوز ذلك للضرورة، يعني: مثل: الجواز، ومثل: الأشياء التي يضطر إليها الإنسان كرخصة القيادة، وما إلى ذلك من الأشياء التي يضطر إليها الإنسان.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:52 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(96)
- (باب التشديد في تأخير العصر) إلى (باب من أدرك ركعتين من العصر)
على المسلم ألا يؤخر العصر إلى آخر وقتها, وقد شدد الشارع على من أخر العصر إلى وقتها الاضطراري لغير عذر, ومن أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس، فقد أدرك العصر.
التشديد في تأخير العصر
شرح حديث: (تلك صلاة المنافق جلس يرقب صلاة العصر حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التشديد في تأخير العصر.أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد, حدثنا إسماعيل حدثنا العلاء: (أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ قلنا: لا، إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، قال: فقمنا فصلينا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تلك صلاة المنافق جلس يرقب صلاة العصر، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله عز وجل فيها إلا قليلاً) ].الإمام النسائي رحمه الله لما ذكر تعجيل صلاة العصر، وأورد الأحاديث الدالة على تعجيلها، وأن هذا هو الذي فعله الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وكان أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم يفعلونه، ذكر بعد ذلك ما يقابل هذا التعجيل الذي هو التأخير، ومن المعلوم أن العصر نهاية وقتها له حالان: حال هي نهاية وقت اختياري، وحال هي نهاية وقت اضطراري، والوقت الاختياري هو الذي يسوغ للإنسان أن يؤخر الصلاة إليه، لكن عليه أن يحرص على أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، وأما الاضطراري الذي يكون بعد بلوغ ظل الشيء مثليه إلى غروب الشمس، فإن هذا لا يجوز التأخير إليه، ولكن من كان مضطراً، وأخر إلى ذلك الوقت لضرورة، كنوم, أو نسيان, أو ما إلى ذلك، ثم إنه فعل ذلك في هذا الوقت، فإن ذلك صلاة في الوقت، ولكنه في الوقت الاضطراري الذي لا يؤخر الإنسان إليه إلا مضطراً، أما اختياراً فليس للإنسان أن يؤخر إليه؛ لأنه لو أخر إلى الوقت الاضطراري وهو مختار غير مضطر، فإنه يأثم وصلاته صحيحة، وصلاته في الوقت وليست قضاء. وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال العلاء بن عبد الرحمن: صلينا الظهر، ثم جئنا إلى أنس بن مالك في داره، وكانت قريبة من المسجد، فوجدناه يصلي، فسألوه عن صلاته، فقال: إنها العصر، قالوا: إننا صلينا الظهر، فقال: صلوا العصر، فصلوا، ولما صلوا حدثهم، وقال: (تلك صلاة المنافق)، يعني: تأخير صلاة العصر إلى قرب غروب الشمس، هذه صلاة المنافقين، ينتظر الشمس حتى إذا قرب نهاية وقتها الاضطراري صلى أربعاً ينقرها، يعني: يسرع بها، لا يطمئن فيها ولا يخشع فيها، ولا يذكر الله فيها إلا قليلاً، فتلك صلاة المنافقين الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، من غير اضطرار، أما مع الاضطرار فكما عرفنا كل ذلك وقت أداء إلى غروب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (تلك صلاة المنافق جلس يرقب صلاة العصر حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعاً...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر بن إياس بن مقاتل بن مشمرج بن خالد].وهنا نسب النسائي شيخه، وكما عرفنا فيما مضى: أن التلميذ يمكن أن ينسب شيخه بما يريد، يذكر ما شاء من نسبه، ولكنه إذا ذكر شيخه بلفظ، فمن جاء بعده لا يزيد على ما ذكر التلميذ، وإذا أراد أن يزيد فليأت بكلمة (هو)، أو بكلمة (يعني)، أما التلميذ فإنه يذكر شيخه بما يريد أن يذكره، بنسبه, وأوصافه, والثناء عليه، وبغير ذلك من الأمور التي يحتاج إلى ذكرها، ولهذا النسائي هنا ذكر نسب شيخه، وأطال في ذكر النسب ما يقرب من سطر، كله نسب لشيخ النسائي: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة, خرج حديثه البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي.[حدثنا إسماعيل].وهو ابن جعفر بن أبي كثير، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا العلاء].وهو ابن عبد الرحمن الحرقي أبو شبل، والحرقة بطن من جهينة، وهو صدوق ربما وهم، خرج له أصحاب الكتب الستة: البخاري في جزء القراءة، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[أنه دخل على أنس بن مالك...].وأنس هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي؛ لأن فيه أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: علي بن حجر، وإسماعيل بن جعفر، والعلاء بن عبد الرحمن، وأنس بن مالك، هؤلاء الأربعة هم إسناد الحديث، وهو من أعلى أسانيد النسائي الرباعية، وكما ذكرت مراراً: النسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات.
شرح حديث: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم عن أبيه رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) ].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)، أي: أصيب بمصيبة فادحة ومصيبة كبيرة هي خسارة الأهل والمال، فهذا يوضح خطورة تأخير صلاة العصر، والنسائي هنا أورده في التشديد في تأخير صلاة العصر، والمقصود من ذلك أنها تفوته، بحيث يخرج وقتها وهو لم يصلها، أو أنه يؤخرها إلى آخر وقتها الاضطراري، وهنا؛ لأنه أورد النسائي الحديث في التشديد في تأخير صلاة العصر، الذي هو عدم تعجيلها، ولكن هذا إنما يكون في تأخيرها إلى آخر وقتها الاضطراري، أو إلى وقتها الاضطراري، أما تأخيرها إلى الوقت الاختياري فإنه سائغ، ولكن الإسراع بالمبادرة بها وتعجيلها في أول وقتها، هذا الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.والحديث سبق أن مر في الأبواب السابقة، ولكنه أعاده النسائي هنا بإسناد آخر؛ لأنه يتعلق بخطورة تأخير صلاة العصر، وأن خطره كبير، وأن الذي تفوته كأنما وتر، يعني: كأنه أصيب بمصيبة أفقدته أهله وماله، وصار بدون أهل ومال.
تراجم رجال إسناد حديث: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد بن راهويه الحنضلي، الفقيه, المحدث، أمير المؤمنين في الحديث، كما وصف بذلك، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع مراتب التعديل، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة, إلا ابن ماجه.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وهو مهمل لم ينسب، وسفيان في هذا السند يحتمل أن يكون الثوري، ويحتمل أن يكون ابن عيينة، وإذا أطلق سفيان في هذه الطبقة فهو يحتمل سفيان الثوري ويحتمل سفيان بن عيينة، إلا أن سفيان بن عيينة هنا هو المتعين؛ لأن الزهري أكثر ابن عيينة في الرواية عنه، وأما الثوري فقد ذكر الحافظ ابن حجر: بأنه لم يرو عنه إلا بواسطة، فإذاً: يكون هذا المهمل الذي لم ينسب محمولاً على سفيان بن عيينة .وسفيان بن عيينة ثقة حجة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري]. وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، يقال له: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب, يقال له: ابن شهاب، وهو محدث, فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ثقة، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سالم].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، وهو أحد الفقهاء السبعة, على أحد الأقوال في السابع؛ لأن السابع في الفقهاء السبعة في المدينة قيل فيه ثلاثة أقوال, أحدها: سالم بن عبد الله بن عمر الذي هو هذا، والثاني: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والثالث أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وأبوه هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة؛ لأنه في أحد استصغر، وأراد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له في القتال، وأن يكون مع الجيش، فاستصغر, فلم يأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه أذن له بعد ذلك في الخندق.
آخر وقت العصر
شرح حديث جابر في آخر وقت العصر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ آخر وقت العصر.أخبرنا يوسف بن واضح حدثنا قدامة يعني: ابن شهاب عن برد عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه قال: (إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، والناس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الغداة، ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع مثلما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصيه، فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب، فنمنا، ثم قمنا، ثم نمنا ثم قمنا، فأتاه فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر، وأصبح والنجوم بادية مشتبكة، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الغداة، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت ) ].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، وهو يتعلق بمجيء جبريل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وإمامته إياه في الصلاة، والرسول يصلي وراءه, والناس يصلون خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان مجيئه في أحد الأيام في أوائل الوقت، ثم جاءه في أواخر الوقت، وقال له: الصلاة بين هذين الوقتين، يعني: أن ما بين هذين الوقتين هو الصلاة.والمقصود بالترجمة: آخر وقت العصر، وقد ذكر فيه آخر وقت العصر الاختياري، الذي هو كون ظل الشيء مثليه، هذا هو آخر وقتها الاختياري، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة؛ لأن آخر صلاة العصر على سبيل الاختيار هي: أن يكون ظل الشيء مثليه، وأولها: أن يكون ظل كل شيء مثله، هذا هو أول وقتها، عندما ينتهي وقت الظهر يدخل مباشرة وبدون فاصل وقت العصر، وإذا كان ظل الشيء مثليه، فإنه ينتهي وقت العصر الاختياري، وبعد ذلك يبدأ الوقت الاضطراري إلى غروب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في آخر وقت العصر
قوله: [أخبرنا يوسف بن واضح].وهو ثقة خرج له النسائي وحده.[حدثنا قدامة يعني: ابن شهاب].وقوله: قدامة، الذي قالها: يوسف بن واضح؛ لأنه ما قال: ابن شهاب، لكن من دون يوسف بن واضح هو الذي نسب قدامة، وقال: ابن شهاب، لكنه أتى بكلمة (يعني) التي تدل على أنه ما قالها يوسف بن واضح، وإنما قالها النسائي أو من دون النسائي، وكلمة (يعني) لها فاعل, ولها قائل، فقائلها: هو من دون يوسف بن واضح، وفاعلها هو: يوسف بن واضح؛ لأن (يعني) فاعلها ضمير مستتر يرجع إلى يوسف بن واضح.[عن برد].وهو ابن سنان، صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عطاء بن أبي رباح].وهو المكي، وهو ثقة, يرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر بن عبد الله].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الصحابة السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة, وعبد الله بن عمر, وأنس بن مالك, وعبد الله بن عباس, وأبو سعيد الخدري, وجابر بن عبد الله, وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم، وقد قال السيوطي في هؤلاء السبعة:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
من أدرك ركعتين من العصر
شرح حديث: (من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ... فقد أدرك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من أدرك ركعتين من العصر.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا معتمر سمعت معمراً عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: من أدرك ركعتين من العصر قبل أن تغرب الشمس، وجاء في بعض النسخ: ركعة بدل ركعتين، وذكر الركعة هو الذي جاء في أكثر الروايات، يعني: (أن من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة)، يعني: أدرك صلاة العصر في وقتها، وكذلك بالنسبة لصلاة الصبح.فالحاصل: أنه جاء في بعض الروايات ركعتين: من أدرك ركعتين قبل الغروب، وجاء في أكثر الروايات: من أدرك ركعة واحدة قبل أن تغرب الشمس, فقد أدرك الصلاة في وقتها، أي: وقتها الاختياري.وهذه الترجمة معقودة لبيان نهاية الوقت الاضطراري، وهو غروب الشمس، أما الاختياري فهو: أن يكون ظل الشيء مثليه, وهو الذي لا يجوز للإنسان أن يؤخر عنه، ولو أخر عامداً يأثم، وإذا كان مضطراً وغير متعمد، كأن يكون نائماً، أو ناسياً، أو ما إلى ذلك، وأدرك، وصلى الصلاة قبل أن تغرب الشمس، بل لو أدرك ركعة واحدة قبل أن تغرب الشمس، فإنه يكمل ما بقي من صلاته، ويكون بذلك قد أدرك الصلاة في وقتها أداء وليس بقضاء.وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (من أدرك ركعتين من العصر قبل أن تغرب الشمس، أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)، يعني: فقد أدرك الصلاة في وقتها، أي: الوقت الاضطراري، وهذا عندما يكون الإنسان مضطراً بأن يكون نائماً, أو ناسياً, أو ما إلى ذلك، فإذا أدرك ركعة واحدة قبل غروب الشمس فإنه يكون مدركاً للصلاة في وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس ... فقد أدرك)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].وهو الصنعاني، وهو ثقة، روى له مسلم, وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.وكثيراً ما يأتي محمد بن عبد الأعلى يروي عن خالد بن الحارث عن شعبة، فأكثر الأسانيد التي مرت فيها محمد بن عبد الأعلى، روايته غالباً أو كل ما مضى هو من هذا القبيل، من رواية محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن شعبة بن الحجاج، أما هنا فهو: من طريق أخرى غير الطريق المشهورة عنه، وهي: خالد بن الحارث عن شعبة، وإنما هنا يروي محمد بن عبد الأعلى عن معتمر.[حدثنا معتمر].وهو ابن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن معمر].وهو ابن راشد الأزدي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن طاوس].وهو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو طاوس بن كيسان اليماني، وهو ثقة أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة: عبد الله بن عباس, وعبد الله بن عمرو, وعبد الله بن عمر, وعبد الله بن الزبير، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله عنه هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله، بل هو أكثر السبعة حديثاً، والحديث من رواية صحابي عن صحابي، من رواية ابن عباس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، وهما من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس ... فقد أدرك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا معتمر سمعت معمراً عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس، أو أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس فقد أدرك) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس أو أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك)، وهذه الرواية التي هي رواية إدراك ركعة واحدة، هي التي عليها أكثر الروايات، وبهذا يتبين أن بإدراك ركعة واحدة يكون الإنسان مدركاً بها للوقت، وليس من شرط ذلك أن يكون مدركاً لركعتين، ولو أدرك أقل من ركعتين لا يكون مدركاً، بل إذا أدرك ركعة واحدة فيكون مدركاً للصلاة في وقتها، أي: صلاة العصر.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس ... فقد أدرك)
إسناد الحديث فيه ثلاثة هم أصحاب الإسناد الأول، وهم: محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، عن معمر بن راشد، فهؤلاء الثلاثة هم الذين روى عنهم النسائي في الإسناد الذي قبل هذا، ثم يختلف الإسناد، فيروي معمر هنا عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه.[عن الزهري].والزهري أيضاً قد تقدم ذكره.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره أيضاً.
شرح حديث: (إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا الفضل بن دكين حدثنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس, فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس, فليتم صلاته)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه: (إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته)، يعني: يأتي بآخرها وقد أدركها في الوقت، فالمقصود هنا بالإتمام: أن يأتي ببقيتها، وإن كان بعد خروج الوقت، إلا أن الصلاة هي في الوقت؛ لأنه أدرك أول سجدة منها، يعني: أول ركعة، والمقصود بالسجدة هنا هي الركعة، وليس المقصود بها السجود, أو سجدة من السجدات، وإنما المقصود من ذلك الركعة؛ لأن الركعة يقال لها: سجدة، تسمية لها ببعض أجزائها الذي هو السجود.قوله: (من أدرك أول سجدة من صلاة العصر).أي: من أدرك أول ركعة، مثلاً: الركعة الأولى إذا صلاها قبل أن تغرب الشمس، معناه أدرك ركعة، فهو مثل من أدرك ركعة، والرواية التي مضت: (من أدرك ركعة) هي من جنس من أدرك أول سجدة، يعني: التي هي أول ركعة من الركعات؛ لأن أول ركعة يقال لها: أول سجدة، فأول سجدة هي أول ركعة، وسميت الركعة سجدة؛ لأن السجدة جزء من الركعة، وهي آخر أجزاء الركعة؛ لأن الركعة فيها قيام وركوع وسجود وجلوس بين السجدتين، وآخر أجزائها، أو آخر أعمال الركعة هي السجدة، ولهذا يقال لها: سجدة، كما يقال للصلاة أيضاً: سجدة، ويقال للصلاة: سجود، كما يقال لها أيضاً: ركوع، يعني: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، يعني: صلوا مع المصلين، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:40]، يعني: أدبار الصلوات؛ لأن الصلوات يقال لها: سجدات، تسمية للشيء باسم بعضه، وقد أطلق على المساجد مساجد؛ ذلك لأنها مواضع السجود، ولأنها موضع الصلاة، وخصت لفظة (سجود) ونسب إليه المساجد؛ لأن حالة السجود هي: الحالة التي يتمكن الإنسان بها من الأرض أكثر من غيره، بخلاف حالة القيام، وحالة الركوع, وحالة الجلوس، أما حالة السجود ففيه اليدان والركبتان والوجه، كل ذلك قد وضع على الأرض، فلهذا قيل لأماكن الصلاة: مساجد؛ لأنها مواضع السجود، فالسجدة المراد بها الركعة، وأول سجدة يعني: أول ركعة.وقوله: (أول سجدة) يدل على أن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته وليس أول صلاته؛ لأن بعض العلماء يقول: إن ما يقضيه المسبوق يكون أول صلاته، وبعضهم يقول: هو آخر صلاته، وهنا يقول: من أدرك أول سجدة، يعني: أول ركعة من الركعات، ثم قال: (فليتم صلاته)، فهي مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أدرتكم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، يعني: الذي أدركوه هو أول الصلاة، والذي يتمونه هو آخر الصلاة.وقولي: أن فيه دليلاً على أن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، وفي الحقيقة لا يصلح أن يقال: إن فيه مسبوقاً؛ لأنه ما فيه مسبوق، لكن فيه ذكر الأولية وذكر الإتمام، والأول أول والآخر آخر، في مسألة ما يقضيه المسبوق، ما يأتي به الإنسان مع إمامه أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام إمامه هو آخر صلاته، وذكر الإتمام معناه: أن الأول هو الأول، ويأتي بالآخر بعده، وأما رواية: (فاقضوا)، التي جاءت في بعض الروايات، فرواية: (أتموا)، أرجح منها، ثم أيضاً (اقضوا) محمولة على (أتموا)؛ لأن القضاء يطلق بمعنى الإتمام، وليس المراد به القضاء الذي هو قضاء الفائت فقط، وإنما يراد به الإتمام.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، من بلد النسائي، ينسب كنسبة النسائي، وهو ثقة, حديثه خرجه النسائي وحده.[حدثنا الفضل بن دكين].وهو أبو نعيم الكوفي، مشهور بكنيته، وكثيراً ما يأتي أبو نعيم، وأحياناً يذكر باسمه كما هو هنا، فإنه قال: الفضل بن دكين, وما ذكر كنيته، وأحياناً يأتي أبو نعيم، وهو مشهور بهذه الكنية.ومعرفة الكنى والأسماء؛ أسماء ذوي الكنى، وكنى ذوي الأسماء، هذه مهمة؛ لأن من لا يعرف هذا الشيء يظن أن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته، فلو جاء مثلاً: أبو نعيم، وجاء الفضل بن دكين في إسناد، يظن الذي يعرف أن الفضل بن دكين كنيته أبو نعيم، يظن أن أبا نعيم شخص، وأن الفضل بن دكين شخص آخر، لكن من عرف أن هذه كنية لهذا، عرف أنه إن جاء بكنيته أحياناً وباسمه أحياناً، فإنه لا يلتبس على الإنسان.وأبو نعيم الفضل بن دكين ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من كبار شيوخ البخاري، روى عنه البخاري مباشرة، وأما النسائي: فلم يرو عنه إلا بواسطة؛ لأنه توفي سنة (219هـ) فوق المائتين، والنسائي ولد سنة (215هـ)، يعني: أن أبا نعيم مات بعد ولادة النسائي بأربع سنوات، معناه: أنه ما أدركه، وإنما يروي عنه بالواسطة، كما أنه هنا يروي بواسطة شيخه عمرو بن منصور النسائي. [حدثنا شيبان].وهو شيبان بن عبد الرحمن التميمي، ويقال له: النحوي، وليس المقصود من ذلك أنه منسوب إلى علم النحو، وإنما هو منسوب نسبة أخرى، وكنيته أبو معاوية, وهو ثقة, صاحب كتاب، حديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى].وهو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة، على أحد الأقوال الثلاثة في السابع، قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وقيل: سالم بن عبد الله، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره.
شرح حديث: (... ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج أنهم يحدثون عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو على أكثر الروايات في ذكر الركعة, وليس الركعتين، أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك الصلاة، ومعنى هذا: أن رواية الركعة هي الأرجح، وأن الإنسان يكون مدركاً الصلاة بإدراك ركعة واحدة، وليس بإدراك ركعتين، بل ركعة واحدة يكون مدركاً بها، كما جاء في أكثر الروايات عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الحديث يرويه عن أبي هريرة ثلاثة أشخاص.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، والمحدث, الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم].وهو زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يسار].وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وعن بسر بن سعيد].وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وعن الأعرج].وهو عبد الرحمن بن هرمز، مشهور بلقبه الأعرج، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهؤلاء الثلاثة كلهم يحدثون عن أبي هريرة، والراوي عنهم هو: زيد بن أسلم.
شرح حديث: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود حدثنا سعيد بن عامر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نصر بن عبد الرحمن عن جده معاذ: (أنه طاف مع معاذ بن عفراء رضي الله عنه فلم يصل، فقلت: ألا تصلي؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس)].أورد النسائي رحمه الله حديث معاذ بن الحارث بن عفراء أنه طاف بالبيت ولم يصل، يعني: بعد الطواف، فقال له الذي طاف معه، وهو جد نصر بن عبد الرحمن، معاذ، قال: ما لك لا تصلي؟ قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس )، والحديث ليس مطابقاً للترجمة؛ لأن الترجمة: من أدرك ركعة من صلاة العصر، أو من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك الصلاة، اللهم إلا أن يكون وجه إيراده أن قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، معناه: أن هذا كله وقت لها، وغروبها هو نهاية وقتها، فإذا كان المقصود منه، أو وجه إيراده، أنه لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، أن هذا هو الوقت الاضطراري، لكن كونه فيه إدراك ركعة، فهذا لا يوجد في الحديث ما يشير إليه أو ما يدل عليه.ومن المعلوم أن الإنسان إذا طاف بالبيت فإنه يصلي إذا فرغ من الطواف, في أي وقت كان، سواء كان بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر، أو في أي وقت يطوف فيه الإنسان يصلي فيه ركعتين؛ لأن الطواف يسن له ركعتان، ففي أي وقت طاف فعليه أن يصلي ركعتين.ثم هذا الحديث لم يثبت، وهو من أفراد النسائي، وقد اختلف فيه على نصر بن عبد الرحمن الذي هو أحد رجال الإسناد، وقد ذكره الشيخ الألباني في قسم الضعيف من سنن النسائي.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس...)
قوله: [أخبرنا أبو داود].وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة, خرج له النسائي وحده.[حدثنا سعيد بن عامر].وهو سعيد بن عامر الضبعي، وهو ثقة, صالح ربما وهم، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن إبراهيم].وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن نصر بن عبد الرحمن].وهو نصر بن عبد الرحمن القرشي، وهو مقبول, خرج حديثه النسائي وحده.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:54 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(97)
- (باب أول وقت المغرب) إلى (باب تأخير المغرب)
من فوائد السنة النبوية أنها مبينة لما أجمل في القرآن، ومن ذلك أنها بينت أوقات الصلوات، فقد بينت أن وقت صلاة المغرب يبدأ من غروب الشمس إلى غياب الشفق الأحمر، إلا أنه كان من هديه صلى الله عليه وسلم التبكير بصلاة المغرب في أول وقتها.
أول وقت المغرب
شرح حديث بريدة في أول وقت المغرب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب أول وقت المغرب.أخبرني عمرو بن هشام حدثنا مخلد بن يزيد عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن وقت الصلاة. فقال: أقم معنا هذين اليومين، فأمر بلالاً فأقام عند الفجر فصلى الفجر، ثم أمره حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره حين رأى الشمس بيضاء فأقام العصر، ثم أمره حين وقع حاجب الشمس فأقام المغرب، ثم أمره حين غاب الشفق فأقام العشاء، ثم أمره من الغد فنور بالفجر، ثم أبرد بالظهر وأنعم أن يبرد، ثم صلى العصر والشمس بيضاء وأخر عن ذلك، ثم صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، ثم أمره فأقام العشاء حين ذهب ثلث الليل فصلاها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب أول وقت المغرب.هذه الترجمة معقودة لبيان أول وقت صلاة المغرب، كما هو واضح؛ لأن النسائي رحمه الله أراد أن يبين أول الوقت ويبين آخره، وقد فعل هذا في الأبواب السابقة، بالنسبة للظهر والعصر، وكذلك فعله بالنسبة للأوقات الأخرى.والمقصود من الترجمة هو الاستدلال على أول وقت المغرب، وأنه غروب الشمس، فإذا غربت الشمس دخل وقت المغرب، هذا هو المقصود من الترجمة، وقد أورد فيه حديث: بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه، قال: (جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عن الوقت)، يعني: سأله عن أوقات الصلاة، فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أمره بأن يصلي معهم يومين؛ وأن يبقى معهم يومين، ليعلمه بالفعل وبالمشاهدة والمعاينة، ونصلي في اليوم الأول الصلاة في أول الوقت، وصلى في اليوم الثاني الصلاة في آخر الوقت، ثم بعد ذلك قال له: الصلاة ما بين ما رأيتم، وفي سؤال هذا الرجل الرسول عليه الصلاة والسلام عن الوقت بيان ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة أمور الدين، وعلى التفقه في أمور الدين، وأنهم يسألون عما يحتاجون إلى معرفته، فكانوا يسألون رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويجيبهم بالقول والفعل، أو بهما معاً كما حصل في هذا الحديث.وفي الحديث أيضاً دلالة على التعليم بالفعل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علمه بالفعل؛ حيث صلى في اليوم الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، وصلى في اليوم الثاني الصلاة في آخر الوقت، فهذا فيه التعليم بالفعل، وفيه بيان أوائل أوقات الصلوات، وقد جاء في الحديث أنه أمر بلالاً فأقام عند طلوع الفجر، يعني: عند أول طلوع الفجر، وعندما دخل الوقت أمر بلالاً فأذن وأقام، وصلى الصلاة في أول وقتها، ولما زالت الشمس صلى الظهر في أول وقتها، ثم صلى العصر والشمس بيضاء في حال قوة حرارتها وشدتها، وذلك عندما كان فيء الشيء مثله، كما جاء في الأحاديث الأخرى التي تبين أول وقت صلاة العصر، وصلى المغرب حين غاب حاجب الشمس، يعني: عندما غابت كلها وذهب طرفها الأخير الذي يغيب أكثرها، ثم يبقى أقلها، فإذا ذهب هذا القليل ولحق بذلك الكثير، وتوارت عن الأبصار، وغاب القرص وزال بالكلية، فعند ذلك يدخل وقت المغرب.وهذا الحديث الذي أورده النسائي بطوله مشتمل على أوقات الصلوات الخمس، وهو أورده من أجل الاستدلال بهذا الموضع منه، أو بهذا الجزء منه الذي هو أول وقت المغرب، وأنه عند غياب الشمس وذهاب قرصها وزوال حاجبها الذي هو آخر ما يبقى منها، فإذا زالت بالكلية دخل وقت المغرب، ثم عندما غاب الشفق أمره فأقام للعشاء فصلاها. وبهذا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في اليوم الأول الصلوات الخمس في أوائل أوقاتها، ثم في اليوم الثاني نور بالفجر، أي: أسفر بها جداً، والمقصود من ذلك أنه بين له أول الوقت ونهايته، وقد جاء في الأحاديث الأخرى ما يوضح نهاية الوقت، وأنه طلوع الشمس، ولكن الإنسان لا يؤخرها إلى آخر وقتها إلا في حالة الاضطرار، وأما في حال الاختيار فإنه يبكر بها، ويبادر بها، ويصليها بغلس، وكذلك أيضاً إذا تأخر قليلاً لا بأس، أما أن يؤخرها إلى طلوع الشمس اختياراً فإن هذا لا ينبغي للإنسان؛ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن أخرها إلى آخر الوقت فقد ينتهي الوقت، ولكن في حال الضرورة فلا بأس بأن يكون الإنسان قد نام، أو حصل له نسيان، ثم تنبه ووجد أن الشمس قريبة من الطلوع فإنه يدرك الصلاة في وقتها، بل لو أدرك ركعة واحدة قبل طلوع الشمس فإنه يصليها ويصلي الركعة الباقية بعد طلوع الشمس، ويكون مدركاً للوقت ومؤدياً للصلاة في وقتها، ولكن كما ذكرت هذا إنما هو في حال الاضطرار، وأما في حال الاختيار فالإنسان لا يؤخرها، وإنما يبادر بها؛ لأن الصلاة في أول وقتها أفضل، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم صلى الظهر بعدما كانت الشمس بيضاء؛ لأنه في اليوم الأول صلاها عندما زالت الشمس، وفي اليوم الثاني: عندما كانت الشمس بيضاء في حال قوتها وشدتها، وذلك عندما يكون فيء الشيء مثله، كما جاء مبيناً في بعض الروايات الأخرى.قوله: (ثم أبرد بالظهر وأنعم أن يبرد).(أبرد بالظهر) يعني: أخرها عن أول وقتها، (وأنعم أن يبرد)، يعني: أطال الإبراد، وأطال تأخيرها، كما يقال: أنعم النظر في كذا، أي: أمعن التفكر فيه، وأطال التفكير فيه، فأنعم بالإبراد، يعني: أبرد كثيراً، وأطال الإبراد، بمعنى: أنه أخر الصلاة.قوله: (ثم صلى العصر والشمس بيضاء).يعني: أنه عند نهاية وقت الظهر، وعندما دخل وقت العصر صلاها والشمس بيضاء، معناه: أنها في حال شدتها وقوتها لم يتغير لونها، بل هي في حال بياضها وشدة حرارتها.قوله: (ثم صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق).معناه: في آخر وقتها؛ لأنه إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، فقبل أن يغيب الشفق لا يزال في وقت المغرب، فهو صلاها في آخر وقتها.قوله: (ثم أمره فأقام العشاء حين ذهب ثلث الليل فصلاها).وقد جاء في رواية أخرى: أنه عند منتصف الليل، وهذا هو آخر وقتها الاختياري، وأما الاضطراري فآخر وقتها طلوع الفجر؛ لأنه جاء في الحديث ما يدل على ذلك، وأن كل صلاة آخر وقتها بدء وقت التي تليها، ومنه ما هو اضطراري، ومنه ما هو اختياري، فمن منتصف الليل إلى طلوع الفجر هذا وقت اضطراري، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من يؤخر الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة التي بعدها)، فهذا يدلنا على أن كل صلاة من الصلوات إن أخر وقتها إلى أول وقت التي تليها فهو مفرط إن كان بغير عذر، وهذا باستثناء الفجر، فإن الفجر آخر وقتها طلوع الشمس، والظهر أول وقتها زوال الشمس، فالمدة التي بين طلوع الشمس وبين زوالها ليست من أوقات الصلاة، لا وقتاً للفجر ولا وقتاً للظهر؛ لأن الفجر لا يجوز أن يؤخر عن طلوع الشمس، وإن أخرت فهي قضاء، والظهر لا يجوز أن تقدم قبل زوال الشمس؛ لأنها إن قدمت عن الزوال فإنها صليت في غير وقتها ولا تصح تلك الصلاة.إذاً: ثلث الليل -كما جاء في هذه الرواية، والرواية الأخرى فيها نصف الليل- نهاية الوقت الاختياري، فنصف الليل هو نهاية الوقت الاختياري، وطلوع الفجر هو نهاية الوقت الاضطراري.ثم قال بعد أن صلى الصلوات الخمس في يومين متتاليين، يصلي في أول الوقت ويصلي في آخر الوقت، قال: (أين السائل؟ ثم قال: وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم)، يعني: ما بين الوقتين اللذين حصلا؛ في اليوم الأول، الصلاة في أول الوقت، وفي اليوم الثاني: الصلاة في آخر الوقت.
تراجم رجال إسناد حديث بريدة في أول وقت المغرب
قوله: [أخبرني عمرو بن هشام].وهو أبو أمية الحراني، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أصحاب الكتب الخمسة الآخرون الباقون.[حدثنا مخلد بن يزيد].وهو القرشي الحراني، وهو صدوق له أوهام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن سفيان الثوري].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، الإمام، الحجة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع ولقب عال، لا يظفر به إلا النادر القليل من المحدثين، ومنهم: سفيان الثوري رحمة الله عليه، ومنهم: شعبة، ومنهم: إسحاق بن راهويه، ومنهم: الدارقطني، ومنهم: أناس آخرون قليلون.فـسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري هو أحد هؤلاء، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن علقمة بن مرثد].وهو علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سليمان بن بريدة].وهو سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة هذا مروزي، وهو قاضي مرو، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا البخاري فإنه لم يخرج له شيئاً، وأخوه عبد الله بن بريدة خرج له أصحاب الكتب الستة، وأخوه عبد الله بن بريدة يروي عن أبيه أيضاً.[عن أبيه].أبوه هو: بريدة بن الحصيب الأسلمي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.
تعجيل المغرب
شرح حديث رجل من أسلم في تعجيل صلاة المغرب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تعجيل المغرب.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن أبي بشر سمعت حسان بن بلال عن رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أنهم كانوا يصلون مع نبي الله صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم يرجعون إلى أهاليهم إلى أقصى المدينة يرمون ويبصرون مواقع سهامهم) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب تعجيل المغرب. لأن الترجمة الأولى لبيان أول الوقت، وهنا لبيان التعجيل، وأنه يبادر بها في أول وقتها، وقد أورد النسائي هذا الحديث عن رجل من الصحابة من أسلم، قال: (أنهم كانوا يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ثم يرجعون إلى أهاليهم فيرمون ويبصرون موضع سهامهم)، ومن المعلوم أن هذا لا يتأتى إلا إذا حصل التعجيل بالمغرب؛ لكونهم يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم يرجعون إلى أهاليهم في أقصى المدينة، ثم يرجمون بسهامهم ويبصرون مواضع وقوع السهم أين يقع، وهذا يدل على التعجيل وعلى التبكير، ثم أيضاً يدل على أن المغرب يقرأ فيها بقصار السور؛ لأن هذا أيضاً لا يتأتى إلا بالقراءة بقصار السور؛ لأنه لو قرأ بطوال السور فإنه لا يتأتى ذلك، بل يشتد الظلام، ولا يحصل لهم أن يذهبوا هذه المسافة البعيدة، ثم يرمون بالسهام ويبصرون مواقع السهام عندما تقع في الأرض، أو في مكان يرسلونها إليه، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يقصر وكان يطيل، وكان يقرأ فيها بقصار السور، وفي بعض الأحيان يقرأ فيها بطوال السور، وقد جاء أنه قرأ فيها بالأعراف، وهي جزء وربع جزء، يعني: طويلة، بل من أطول السور، فكان أحياناً يقرأ بقصار السور، وأحياناً يقرأ بطوالها كما جاء ذلك عن رسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكن كونهم يصلون معه ويذهبون ويرمون ويبصرون مواقع السهام، هذا لا يتأتى إلا إذا عجل بصلاة المغرب وصليت في أول وقتها، وقرئ بسور قصار، فإن هذا هو الذي يتأتى منه حصول ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث رجل من أسلم في تعجيل صلاة المغرب
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. وهو بندار، لقبه بندار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كلهم، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري الذين ليس بينهم وبين وفاة البخاري إلا الشيء اليسير؛ لأنه توفي سنة: (252هـ)، والبخاري توفي بعد ذلك بأربع سنوات، يعني: سنة: (256هـ)، فهو من صغار شيوخه الذين أدركهم، وكان زمن وفاتيهما متقارب، بل أدركه أصحاب الكتب الستة كلهم حتى النسائي الذي هو آخر أصحاب الكتب الستة، فقد أدركه وروى عنه، وكانت وفاة النسائي سنة: (303هـ)، وكانت وفاة محمد بن بشار سنة: (252هـ)، ويماثله في هذا محمد بن المثنى المقلب بـالزمن أبو موسى، وهو مثل: محمد بن بشار، فقد اتفق معه في سنة الولادة واتفق معه في سنة الوفاة، واتفق معه في الشيوخ والتلاميذ، واتفق معه في كون كل منهما من أهل البصرة.قال الحافظ ابن حجر عنهما: وكانا كفرسي رهان، معناه: أنهما متماثلان لا يسبق أحدهما الآخر، وهو مشهور باسمه ومشهور بلقبه، يقال له: محمد بن بشار، ويقال له: بندار.ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة؛ لأن من لا يعرف الألقاب يظن أن الشخص إذا جاء باسمه مرة، وبلقبه مرة أخرى يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ومن يعرف أن هذا لقب لـمحمد بن بشار لا يلتبس عليه الأمر، ويعلم أن محمد بن بشار هو بندار، وبندار هو محمد بن بشار، يذكر باسمه أحياناً، ويذكر بلقبه أحياناً أخرى. [حدثنا محمد].ومحمد إذا جاء مهملاً غير منسوب، والراوي عنه محمد بن بشار، أومحمد بن المثنى، ويروي عن شعبة بن الحجاج، فهو: محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة] .وهو شعبة بن الحجاج، المحدث، الناقد، الذي وصف أيضاً بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف عال، ولقب رفيع، لم يظفر به إلا النادر من المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي بشر].وهو جعفر بن إياس أبو أمية بن أبي وحشية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وأبو بشر يطلق على عدد كلهم اشتهروا بكناهم، فيقال: أبو بشر، ومعرفة تعيين أحدهم إنما يكون بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، يعني: يأتي الإنسان إلى ترجمة شعبة، وينظر شيوخه ممن يقال له: أبو بشر، وكذلك ترجمة حسان بن بلال الذي روى عنه، فينظر في تلاميذه من روى عنه، فيجد تسمية تلميذه الذي يروي عنه ممن يسمى بهذه الأسماء، أو ممن يعرف بهذه الكنية، وهو أبو بشر؛ لأن أبا بشر يطلق على عدد، فهو هنا: جعفر بن إياس أبو أمية بن أبي وحشية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حسان بن بلال].خرج له أصحاب الكتب الأربعة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً، ويغلب على ظني أنه قيل عنه: إنه صدوق. [عن رجل من أسلم صحب النبي عليه الصلاة والسلام]. وهذا يقال له: المبهم، يعني: الذي يشار إليه ولا يذكر؛ بأن يقال: رجل أو امرأة هذا هو المبهم، وهو يضر في غير الصحابة، وأما الصحابة فإن المبهم منهم لا يؤثر، وإنما المهم أن يعرف أنه صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجهالته لا تؤثر ما دام أنه ثبتت له الصحبة، وأنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كاف في التعويل على ما جاء عنه، وفي قبول ما جاء عنه؛ لأن الصحابة لا يحتاجون إلى تعديل وتوثيق بعد أن حصل ثناء الله عز وجل، وثناء رسوله عليهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهم لا يحتاجون مع ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم إلى تعديل المعدلين، ولا توثيق الموثقين، وإنما يكفيهم شرفاً ويكفيهم فضلاً ونبلاً أن يقال عن الواحد منهم: إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فإن كل راوٍ من الرواة ما عدا الصحابة لابد من معرفته، وجهالته تضر وتؤثر، وأما الصحابة فإذا عرف أن الواحد منهم صحب رسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يعرف اسمه، وإن لم يعرف شيئاً عنه فإن ذلك كافٍ في قبول ما يأتي عنه، وفي قبول ما يرويه؛ لأنهم عدول بتعديل الله عز وجل، وتعديل رسوله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
تأخير المغرب
شرح حديث أبي بصرة الغفاري في تأخير صلاة المغرب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تأخير المغرب.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن خالد بن نعيم الحضرمي عن ابن جبيرة عن أبي تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص، قال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، ومن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب تأخير المغرب. وأورد فيه حديث: أبي بصرة الغفاري رضي الله تعالى عنه: (أنه صلى العصر وقال: إن هذه الصلاة -أي: العصر- عُرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كُتب له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها -أي: العصر- حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم).فـالنسائي أورد هذا الحديث تحت هذه الترجمة ليستدل به على تأخير المغرب، وبعض العلماء يقول: إن هذا الحديث لا يدل على التأخير، وإنما المراد به: أن صلاة المغرب تصلى في أول وقتها، ولا تؤخر، وأنه ليس الحكم بأنه يتحتم تأخيرها، وإنما يجوز تأخيرها كما جاء مبيناً في الأحاديث التي تبين أول الوقت وآخره، فبعض العلماء يقول: إن المقصود بطلوع النجم هو كناية عن غروب الشمس، وليس المقصود من ذلك أنها تؤخر كثيراً، وإنما إذا غابت الشمس رؤيت النجوم المضيئة، أو شديدة الإضاءة؛ فإنها ترى بمجرد غروب الشمس، فالمقصود من ذلك هو غروب الشمس، وليس المقصود من ذلك التأخير؛ لأنه يكون معارضاً للأحاديث الأخرى التي تدل على الصلاة في أول وقتها، وهذا الحديث يدل ظاهره أنه لا يجوز أن تصلى الصلاة في أول وقتها، والنسائي استدل به على التأخير، ولكن الاستدلال به على التأخير ليس بواضح؛ لأن هذا يقتضي أنه لا يجوز أن تصلى المغرب إلا إذا طلعت النجوم واشتد الظلام، وهذا ليس بصحيح، وعلى هذا فلا تعارض بين الحديث وبين الأحاديث الدالة على أن الصلاة تصلى في أول وقتها.إذاً: فتفسيره وتأويله بأن المقصود من ذلك الغروب، وأن النجوم ترى عندما تغرب الشمس، وهذا هو الأولى، وهو أوضح مما ذكره النسائي في الاستدلال به على التأخير.والحافظ ابن حجر في (فتح الباري) أشار إلى ضعف الحديث، وقال عندما ذكر الأحاديث الكثيرة الدالة على الصلاة في أول وقتها، قال: واستدل بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة الغفاري أنه قال: (ولا صلاة بعدها -أي: العصر- حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم)، ولكن الحديث في صحيح مسلم، فالحديث كما رواه النسائي رواه مسلم في صحيحه.وتفسيره بأن المقصود منه الغروب، وأنه كناية عن غروب الشمس، أولى من تفسيره بالتأخير، ومن الحكم عليه بالضعف، بل الجمع بينه وبين غيره من الأحاديث هو الأولى، وتفسيره بهذا التفسير الذي أشرت إليه والذي ذكره السيوطي، وأن المقصود من ذلك غروب الشمس هو الأولى.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بصرة الغفاري في تأخير صلاة المغرب
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو ابن سعد المصري المحدث، الفقيه، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن خالد بن نعيم الحضرمي].الصحيح عن خير بن نعيم الحضرمي، وخالد هذا خطأ؛ لأن المعروف أنه خير، وفي كتب الرجال خير، وليس خالد، اسمه خير بن نعيم الحضرمي، وهو صدوق، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في المراسيل، وخرج حديثه النسائي.[عن ابن جبيرة].وهو ابن هبيرة، وجبيرة خطأ أيضاً، فهو: أبو هبيرة عبد الله بن هبيرة، فكنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو هبيرة، وهو ابن هبيرة، فإذا جاء ابن هبيرة فهو صحيح، وإذا جاء أبو هبيرة فهو صحيح، وقد ذكرت فيما مضى أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة ذلك دفع توهم التصحيف؛ لأنه إذا كان معروفاً بنسبه، ثم ذكر بكنيته، فإن من لا يعرف يظن أن فيه تصحيف، وهو صواب. سواء قيل: أبو هبيرة، أو قيل: ابن هبيرة هو عبد الله بن هبيرة الحضرمي المصري، وهو ثقة خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي تميم الجيشاني].واسمه عبد الله بن مالك المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [عن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه].أبو بصرة الغفاري هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج حديثه البخاري في كتاب الأدب المفرد، وخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، هؤلاء هم الذين خرجوا حديث أبي بصرة الغفاري، واسمه: جميل بن بصرة، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأنه أبو بصرة وأبوه بصرة.
الأسئلة
اشتراط المكث في نفس المكان لتحقيق قول النبي: (من صلى الفجر ... الحديث)
السؤال: قوله عليه الصلاة والسلام: (من صلى الفجر ثم جلس في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يصلي ركعتين ... إلخ). هل يشترط أن يجلس في نفس المكان الذي صلى فيه، أم المراد بالمصلى جميع المسجد؟الجواب: أقول: لا ندري، لكن من جلس في المكان فهذا أمره واضح ولا إشكال فيه، وأما إذا تحول فلا أدري. الله تعالى أعلم.
إجزاء ركعتي الشروق عن ركعتي الضحى
السؤال: هل الركعتان بعد الشروق تغني عن صلاة الضحى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)؟الجواب: نعم، تجزئ عن صلاة الضحى؛ لأن صلاة الضحى هي ركعتان بعد ارتفاع الشمس إلى الزوال، هذا وقت صلاة الضحى، فتجزئ عن صلاة الضحى؛ لأنها في وقت صلاة الضحى، وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، والذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، يعني: هذا يبين أن صلاة الضحى الأولى أن تكون في وقت اشتداد الشمس، ووقت اشتداد الحرارة، ولكن لا يعني أنها لا تصلى في غير هذا الوقت، بل إنها من ارتفاع الشمس إلى الزوال، فكل هذا وقت لصلاة الضحى.
الاغتسال للجمعة قبل صلاة الفجر
السؤال: هل للإنسان أن يغتسل للجمعة قبل أذان الفجر بقليل؟الجواب: الذي يبدو أنه لا يجزئ؛ لأن هذا كما هو معلوم ليس في اليوم؛ لأن اليوم إنما يبدأ بطلوع الفجر، والذي ينبغي أن يكون الاغتسال عند الذهاب إليها، وعندما يريد أن يتجه إليها، وأما قبل طلوع الفجر، فهذا في الليل وليس في اليوم، وإذا كان سيذهب ويصلي الفجر، ويستمر بعد صلاة الفجر إلى الجمعة يجزئ في ذلك.
الجلوس للعزاء
السؤال: إذا مات لي قريب كالأب مثلاً وجلست في بيتنا، وجلس عندنا إخواني، وأتانا الناس في البيت ليزورنا، ثم ينصرفون، فهل هذا العمل جائز؟ مع التوجيه، بارك الله فيك.الجواب: الالتزام بالجلوس لا أعلم له وجهاً.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 10:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(98)
- باب آخر وقت المغرب
أكرمنا الله سبحانه وتعالى بهذه الصلوات الخمس التي يكون بها تكفير الخطايا ورفعة المنزلة عند الله، ومن هذه الصلوات صلاة المغرب التي يكون آخر وقتها عند سقوط الشفق.
آخر وقت المغرب
شرح حديث: (... ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ...)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ باب آخر وقت المغرب.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبا أيوب الأزدي يحدث عن عبد الله بن عمرو قال شعبة: كان قتادة يرفعه أحياناً وأحياناً لا يرفعه، قال: (وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل، ووقت الصبح ما لم تطلع الشمس) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب آخر وقت المغرب.هذه الترجمة لبيان آخر وقت المغرب، وقد سبق أن مرت التراجم السابقة، وهي باب: أول وقت المغرب، وهذه الترجمة تقابل تلك الترجمة؛ لأن تلك الترجمة تعني أول وقت المغرب، وهذه الترجمة تعني آخر وقت المغرب.وأورد النسائي في هذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الذي بين فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام أواخر أوقات الصلوات الخمس، والمراد من ذلك الوقت الاختياري؛ لأن صلاة العصر لها وقت اضطراري واختياري، والعشاء لها وقت اختياري واضطراري، والذي جاء في هذا الحديث هو بيان الوقت الاختياري، على أن بعض الصلوات ليس لها إلا وقت اختياري، وليس لها وقت اضطراري، فيقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: (وقت صلاة الظهر)، أي: آخره، أي: الوقت الاختياري، ثم قال: (ما لم تحضر العصر)، يعني: ما لم يدخل وقت العصر، وذلك أن وقت العصر متصل بوقت الظهر، ليس هناك فجوة بينهما، وليس هناك وقت لا يعتبر لا للظهر ولا للعصر؛ لأن بانتهاء وقت الظهر يبدأ وقت العصر.فقوله هنا: (ما لم تحضر العصر). معناه: ما لم يدخل وقت العصر؛ لأن آخر وقت الظهر يليه أول وقت العصر، وقوله: (ما لم تحضر العصر)، يفهم منه أن وقت العصر كان معلوماً، ولهذا ربط الحكم به، وأناط الحكم به، وجعل وقت الظهر ينتهي بدخول وقت العصر.وقوله: (ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس).يعني: ما لم يتغير لونها من القوة، والشدة، والبياض، والحرارة إلى الاصفرار متجهة إلى الغروب، فهذا هو وقت العصر، والمراد به: الوقت الاختياري، أما الاضطراري فإنه يمتد إلى غروب الشمس، وأما الوقت الاختياري فهو ما لم تصفر الشمس، معناه: أنها مادامت حية، وما دامت قوية، ولا زالت حرارتها موجودة، فهذا هو وقت العصر الاختياري، وقد جاء في بعض الروايات التحديد بالظل والفيء، وأنه إذا كان ظل الشيء مثليه، وكان ظل الرجل مثليه، فإنه عند ذلك ينتهي الوقت الاختياري، وبعد ذلك يبدأ الوقت الاضطراري.قوله: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق).المراد بثور الشفق: انتشاره، أي: ما لم يذهب هذا الضياء وهذا النور الذي هو ضوء الشفق، وما لم يسقط، فهذا هو وقت صلاة المغرب؛ أي: آخر وقتها، وآخر وقت المغرب متصل بأول وقت العشاء، وليس هناك فجوة بينهما، والحال في ذلك كالحال فيما بين الظهر والعصر، لأنه لا فجوة في الوقت بين الظهر والعصر، فكذلك أيضاً لا فجوة بين المغرب والعشاء، بل بانتهاء وقت المغرب يبدأ وقت العشاء.وليس للمغرب وقت اضطراري وإنما هو وقت اختياري فقط، لكن من المعلوم أن الصلوات تصلى في أول وقتها، وأن التساهل في تأخيرها قد يترتب عليه الفوات، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ومن حام حول الوقت وقارب الوقت يمكن أن يقع فيه، فالذي ينبغي للإنسان المبادرة بالصلاة، وأن لا يؤخرها إلى آخر وقتها، وإن كان ذلك سائغاً وجائزاً وهو وقتها، خشية أن يقع في المحذور، وخشية أن يفوت الوقت ويحصل ما يترتب عليه فواتها، ولكنه إذا أخرها فكل ذلك يكون وقتها، ولكن المبادرة إلى الصلوات في أول أوقاتها هذا هو المطلوب، وهذا هو المستحب إلا في حال شدة الحر، فإن الإبراد مستحب، أي: تأخير الصلاة عن أول وقت الظهر، وكذلك صلاة العشاء أيضاً تأخيرها مستحب، إلا إذا كان يترتب على ذلك نوم الناس، وحصول المشقة عليهم، فإنها تصلى في أول وقتها، كما هو الغالب على فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله: (ووقت العشاء ما لم ينتصف الليل).يعني: إلى نصف الليل، هذا هو وقت العشاء، والمراد بانتصاف الليل؛ من حين غروب الشمس إلى طلوع الفجر، هذا هو الليل، فمنتصفه من الزمان ومن الوقت فهذا هو نهاية وقت العشاء الاختياري، أما الاضطراري فإنه يستمر إلى طلوع الفجر، والعشاء لها وقت اختياري ووقت اضطراري، والعصر -كما عرفنا- لها وقت اختياري ووقت اضطراري، وقد دل ذلك على أن كل صلاة تتصل بالتي بعدها إما اختياراً وإما اضطراراً إلا الفجر؛ فإنها لا تتصل بالتي بعدها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ليس في النوم في التفريط، وإنما التفريط على من أخر الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة التي بعدها)، فهذا يدل على أن كل صلاة يستمر وقتها إلى وقت التي تليها إما اختياراً كالظهر والمغرب، وإما اضطراراً كالعصر والعشاء.وأما الفجر فإنها لا تصل إلى وقت التي بعدها؛ لأن آخر وقتها طلوع الشمس، والمدة التي بين طلوع الشمس وزوالها ليس من أوقات الصلوات، وليس وقتاً لصلاة الظهر، فلا يجوز تقديمها عن الزوال، وليس وقتاً للفجر، فلا يجوز تأخيرها عن طلوع الشمس؛ لأنها لو أخرت عن طلوع الشمس لكان قضاء ولا يكون أداءً، فلا يجوز تأخيرها عن ذلك.قوله: (ووقت الصبح ما لم تطلع الشمس).يعني: إلى وقت طلوع الشمس، وقد جاء في بعض الأحاديث التي مرت: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته)، معناه: أنه أدرك وقتها، فإذا أدرك ركعة واحدة من ركعتي الفجر، أي: من الصلاة المكتوبة فإنه يدرك الوقت، ويأتي بما بقي من صلاته، لكن إذا لم يدرك ركعة فإنه يكون الوقت قد انتهى، ويكون فعله بعد طلوع الشمس قضاء وليس أداء، أما إذا أدرك ركعة واحدة قبل طلوع الشمس، وركعة أتى بها بعد ذلك، فإن الصلاة مؤداة وليست مقضية.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، المحدث، الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو داود].هو سليمان بن داود الطيالسي، كنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو داود واسم أبيه داود، وسليمان بن داود أبو داود، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج المحدث، الناقد، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وكما ذكرت أن هذا وصف رفيع، ولقب عال، ولم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، ومنهم: شعبة بن الحجاج هذا، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس، لكن المعروف عن شعبة أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أمن تدليسهم فيه، وهذا من رواية شعبة عن قتادة، فإذا روى شعبة عن مدلس فإنه مأمون تدليس ذلك المدلس الذي هو شيخه؛ لأن المعروف عن شعبة أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وما أمن تدليسهم فيه.[سمعت أبا أيوب الأزدي].أبو أيوب الأزدي قيل: اسمه يحيى، وقيل: حبيب بن مالك، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن عبد الله بن عمرو].هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعروف بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بين ذلك أبو هريرة رضي الله عنه وقال: إنه كان يكتب، وأبو هريرة لا يكتب، وبيّن كثرة حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. [قال شعبة: إن قتادة أحياناً يرفعه وأحياناً لا يرفعه].يعني: أحياناً يقول فيه: عن عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحياناً لا يرفعه، يعني: يقفه على عبد الله بن عمرو بن العاص، أي: أنه أحياناً يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً، وأحياناً لا يذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يكتفي بذكر عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون موقوفاً.وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص خرجه أصحاب الكتب الستة، وعبد الله بن عمرو بن العاص هو أكبر أولاد أبيه عمرو بن العاص، وقد ذكروا في ترجمته وترجمة أبيه أنه ولد لأبيه وعمره اثنتا عشرة سنة، معناه: أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه تزوج وهو صغير، وولد له ابنه عبد الله وعمره اثنتا عشرة سنة، أي: أن عمر عمرو بن العاص لما ولد له ابنه عبد الله كان اثنتا عشرة سنة، وهذا فيه أن الإنسان قد يحتلم في زمن مبكر، وأن البلوغ يحصل بحصول الاحتلام والإنزال، ولو كان في سن مبكر، وإذا لم يحصل أسباب البلوغ أو علامات البلوغ؛ فإنه يكون ببلوغه خمس عشرة سنة، لكنه إذا وجد قبل ذلك ما يقتضي البلوغ، فيكون بالغاً قبل الخمس عشرة سنة.
شرح حديث أبي موسى في آخر وقت المغرب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الله وأحمد بن سليمان واللفظ له، قالا: حدثنا أبو داود عن بدر بن عثمان قال: إملاء على حدثنا أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: (أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم سائل يسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يرد عليه شيئاً، فأمر بلالاً فأقام بالفجر حين انشق، ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: انتصف النهار، وهو أعلم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين غربت الشمس، ثم أمره فأقام بالعشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حين انصرف، والقائل يقول: طلعت الشمس، ثم أخر الظهر إلى قريب من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف، والقائل يقول: احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: الوقت فيما بين هذين) ].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقت؟ أي: أوقات الصلاة، فلم يرد عليه شيئاً؛ يعني: بالكلام، وما قال: الوقت هو كذا وكذا وكذا، يعني: ما أجابه قولاً، ولكن أمره بأن يصلي معه يومين، وينظر ويشاهد ويعاين البداية والنهاية، وهذا فيه التعليم بالفعل، ثم أيضاً التعليم بالقول؛ لأنه قال بعد ذلك: (وقت الصلاة ما بين هذين الوقتين) يعني: بعد أن أراه وأطلعه ووقفه مشاهداً ومعياناً الأوقات بالفعل، قال بعد ذلك: (الوقت فيما بين هذين).ففيه: التعليم بالفعل، وهذا من تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفعل، حيث يشاهد الإنسان الوقت ويعرفه بالحالة الراهنة، والوقت الحاضر، فصلى في اليوم الأول الصلوات في أول وقتها، وصلى في اليوم الثاني الصلوات في آخر وقتها، وقال له: (الصلاة ما بين هذين الوقتين).ثم فيه: ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام من الحرص على التفقه في الدين، وسؤالهم عن أمور دينهم، وعن عباداتهم -كيفياتها وأوقاتها- وما إلى ذلك مما هم بحاجة إلى معرفته، وهذا يدل على فضلهم وعلى نبلهم وحرصهم على معرفة الحق والهدى؛ ليتعبدوا الله عز وجل على بصيرة، وليرشدوا غيرهم، وليدلوا غيرهم، وليبينوا للناس الحق والهدى الذي جاء به المصطفى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فرضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.قوله: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل يسأله عن مواقيت الصلاة؟ فلم يرد عليه شيئاً، فأمر بلالاً فأقام بالفجر حين انشق).لأن هذا اليوم الأول، وقوله: (أمر بلالاً فأقام في الفجر حين انشق)، أي: حينما طلع الصبح وبدأ الوقت أمره فأقام، فهذا بيان أن أول وقت الفجر عندما ينشق الصبح، ويبدأ ويظهر الوقت.قوله: (ثم أمره فأقام بالظهر حين زالت الشمس).أي: حصل زوالها واتجاهها إلى جهة المغرب بعد أن كانت جاءت من جهة المشرق، ثم صارت على الرءوس، ثم اتجهت إلى جهة المغرب، وحصل الزوال؛ لأن الزوال هو الفيء، يعني: بدل ما كان الفيء إلى جهة الغرب؛ لأن الشمس في جهة الشرق، ولما اتجهت إلى الغرب حصل الفيء إلى جهة الشرق؛ أي: وجد الشيء اليسير الذي يدل على أن الشمس ذهبت عن وسط الرءوس، وأنها مالت إلى جهة الغرب.قوله: (والقائل يقول: انتصف النهار، وهو أعلم).أي: القائل من الناس الذين صلوا معه يقول: (انتصف النهار) يعني: هل انتصف النهار؟ يعني: هذه كناية عن التبكير بها جداً؛ قال: (وهو أعلم)، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره بأن يقيم كذلك بعد زوال الشمس، هو أعلم بأنه قد انتصف النهار، وإن كان غيره يقول: هل انتصف؟ ويستفهم: هل انتصف النهار؟ وذلك إشارة إلى شدة التبكير بها، ومعنى هذا: أن أول وقت الظهر هو عندما تزول الشمس.قوله: (ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة).معناه: أنه لما خرج وقت الظهر والشمس حية، وكان ظل كل شيء مثله أمره فأقام العصر، يعني: في أول وقتها، والشمس مرتفعة في السماء ما مالت إلى جهة الغروب كثيراً، وإنما هي مرتفعة في السماء.قوله: (ثم أمره فأقام بالمغرب حين غربت الشمس).وهذا هو أول وقتها، إذا غربت الشمس وغاب قرصها، وذهب حاجبها الذي هو طرف قرصها الآخر الذي يبقى منه ويذهب أكثره، فعند ذلك يبدأ وقت المغرب، فأمره أن يقيم المغرب حين غابت الشمس.(ثم أمره فأقام بالعشاء حين غاب الشفق).وهذا هو أول وقتها وذلك حين غاب الشفق وهو الضياء الذي يكون بعد غروب الشمس، وقد كان بعد ذلك اشتداد الظلام وشدته وقوته، ولم يبق أي أثر للشفق أو للنور وصار المغرب مثل المشرق، وكله سواء في الظلام الدامس، وبهذه الصلوات انتهى اليوم الأول الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصلوات في أول وقتها، ثم بعد ذلك صلى في اليوم الثاني مع آخر الوقت.قوله: (ثم أخر الفجر من الغد حين انصرف، والقائل يقول: طلعت الشمس).أي: من شدة الضياء؛ معناه: أن الشمس أوشكت أن تطلع، وهذا هو آخر وقتها الذي هو طلوع الشمس، معناه أنه صلاها في آخر وقتها، أو قريباً من آخر وقتها.قوله: (ثم أخر الظهر إلى قريب من وقت العصر بالأمس).أي: حين كان ظل الشيء مثله، فأخرها إلى آخر وقتها.قوله: (ثم أخر العصر حتى انصرف، والقائل يقول: احمرت الشمس).يعني: تغير لونها، وبدل ما كانت بيضاء واضحة تغيرت إلى الاصفرار والاحمرار متجهة إلى الغروب، وهذا هو نهاية الوقت الاختياري، وأما الوقت الاضطراري فإنه إلى غروب الشمس، بل إن الإنسان إذا اضطر وأدرك ركعة قبل الغروب يضيف إليها ركعة ويكون أدرك الصلاة في وقتها، مثل الفجر فإنه إذا أدرك ركعة قبل طلوع الشمس فإنه يضيف إليها أخرى ويكون قد أدرك الصلاة في وقتها، والمراد بذلك أنه ما لم تحمر الشمس؛ يعني: الوقت الاختياري، أما الوقت الاضطراري فإنه يستمر إلى غروب الشمس.قوله: (ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق).يعني: عند نهاية وقت المغرب، وقرب دخول وقت العشاء، وحيث سقط الشفق، يعني: ذهب البياض الذي يكون بعد الغروب، ويكون -كما هو واضح- المشرق والمغرب كله سواء في الظلام الدامس.قوله: (ثم أخر العشاء إلى ثلث الليل).وقد جاء في بعض الروايات: (نصف الليل)، والمعتبر هو النصف، والثلث داخل في النصف، والأحاديث ثبتت في النصف، فيكون هو نهاية الوقت الاختياري والذي هو النصف.قوله: (ثم قال: الوقت فيما بين هذين).ثم لما صلى في هذين اليومين، اليوم الأول يصلي الصلوات الخمس في أوائل أوقاتها، واليوم الثاني يصلي الصلوات الخمس في أواخر أوقاتها، فيما كان له وقت اختياري واضطراري، قال: (الصلاة ما بين هذين الوقتين)، وفي هذا بيان بالقول بالإضافة إلى البيان بالفعل؛ لأن البيان بالفعل هو كونه يصلي والشمس ترى، وهذه العلامات التي نصبها الله عز وجل يشاهدها الإنسان ويعاينها، ثم قال له: (الصلاة ما بين هذين الوقتين)؛ يعني: إذا فعلت بين هذين الوقتين، فهذا هو وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في آخر وقت المغرب
قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الله وأحمد بن سليمان واللفظ له ].عبدة بن عبد الله هو الصفار، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً.أما أحمد بن سليمان فهو الرهاوي، وهو ثقة، عابد، خرج له النسائي وحده، قال: [واللفظ له]، أي: لـأحمد بن سليمان؛ لأنه ذكر الشيخين، فأشار إلى من له اللفظ منهما، وأنه الثاني من شيخيه، وهو أحمد بن سليمان، وليس سياق لفظ شيخه الأول: عبدة بن عبد الله .[ قالا: حدثنا أبو داود].هو عمر بن سعد بن عبيد الحفري، والحفري نسبة إلى موطن أو موضع بالكوفة يقال لها: الحفر، فنسبة إليها يقال: الحفري، وهو ثقة عابد، وخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن بدر بن عثمان].هو بدر بن عثمان الأموي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه في التفسير، وما خرج له البخاري، وما خرج له أبو داود، ولا الترمذي.[قال: إملاء علي].يعني: أن شيخه، وهو أبو بكر بن أبي موسى يملي عليه إملاء، يعني: من حالة التحمل أنه يملى عليه، قال: (إملاء علي)، يعني: هذه طريقة التحمل من شيخه، والإملاء هي من أحسن أو أعلى صيغ التحمل؛ لأنه يسمع من لفظ شيخه إملاء، يعني: يملي عليه وهو يكتب، فهي تكون من أعلى ما يكون من صيغ التحمل.[حدثنا أبو بكر بن أبي موسى].هو أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، وأبو بكر هذا قيل اسمه: عمرو، وقيل: عامر، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه].هو عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث جابر في آخر وقت المغرب
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت حدثني الحسين بن بشير بن سلام عن أبيه قال: (دخلت أنا ومحمد بن علي على جابر بن عبد الله الأنصاري، فقلنا له: أخبرنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك زمن الحجاج بن يوسف، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وظل الرجل، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى من الغد الظهر حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، قدر ما يسير الراكب سير العنق إلى ذي الحليفة، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل، شك زيد، ثم صلى الفجر فأسفر) ].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن بشير بن سلام دخل هو ومحمد بن علي بن الحسين وهو ابن علي بن أبي طالب المعروف بـالباقر، فدخلوا على جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فسألوه عن أوقات الصلوات، وهذا أيضاً فيه أن التابعين كانوا يحرصون على سؤال الصحابة عن أمور الدين، وعن أفعال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، والحديث الذي مضى رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأوقات، وهؤلاء تابعون سألوا الصحابة عن الأوقات، فالصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم، والتابعون يسألون الصحابة، فهي سلسلة متصلة، والكل معني في أمور دينه، والكل حريص على أمور دينه، وهذا يدلنا على أن سلف هذه الأمة تلقوا الحق والهدى عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأعطاه بعضهم لبعض، وحمله بعضهم لبعض.فإن في هذا الحديث أن بشير بن سلام ومحمد بن علي بن الحسين الباقر سألا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.قوله: (فقلنا له: أخبرنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذاك زمن الحجاج بن يوسف).يعني: ذاك الوقت الذي سألوه في زمن الحجاج بن يوسف.قوله: (قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر حين زالت الشمس).أي: أن جابراً رضي الله عنه يحكي فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنها كانت في أول وقتها.قوله: (وكان الفيء قدر الشراك).الشراك هو: شراك النعل الذي يكون على وجهها وعلى ظهرها، يعني: هذا كناية عن صغر أو عن قلة الفيء، وأنه بمجرد ما حصل الفيء دخل وقت الظهر، فصلاها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه إشارة إلى التقليل، وأنه بمجرد ما انكسر الفيء ووجد ظل يسير جداً إلى جهة المشرق بعد أن زالت الشمس إلى جهة المغرب، عند ذلك تحقق الزوال، وذهبت الشمس عن الرءوس، واتجهت إلى جهة المغرب.قوله: (ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وظل الرجل).معناه: بعدما صار ظل الشيء مثله بعد دخول وقت الظهر عند ذلك يدخل وقت العصر، إذا كان ظل الشيء مثله بدأ وقت العصر، وإلى أن يكون ظل الشيء مثله فهذا هو نهاية وقت الظهر.قوله: (ثم صلى المغرب حين غابت الشمس).يعني: أول وقتها.قوله: (ثم صلى العشاء حين غاب الشفق).يعني: في أول وقتها.قوله: (ثم صلى الفجر حين طلع الفجر).يعني: في أول وقتها، فهو أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في يوم من الأيام صلى الصلوات في أوائل أوقاتها.قوله: (ثم صلى من الغد الظهر حين كان الظل طول الرجل).يعني: في اليوم الثاني؛ حيث كان ظل الرجل مثله، هذا هو الوقت الذي ينتهي فيه وقت الظهر، فعندما يكون ظل الشيء مثله معناه: أنه يصليها في آخر وقتها، وبعده مباشرة يدخل وقت العصر.قوله: (ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه).يعني: مثله مرتين؛ وهذا يفيد تساوي وقت الظهر مع وقت العصر الاختياري؛ لأنه من الزوال إلى أن يكون ظل الشيء مثله، فهذا هو وقت الظهر، ثم من أن يكون مثله إلى مثليه فهذا وقت العصر الاختياري، يعني: أنه متساوي مع وقت الظهر، لكن بعد أن يكون ظل الشيء مثليه، فهو وقت اضطراري إلى غروب الشمس.قوله: (قدر ما يسير الراكب سير العنق إلى ذي الحليفة).والعنق هو السير المتوسط؛ لأن أنواع السير له أسماء، وقد جاء في الحديث في حجة الوداع: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص)، يعني: أسرع، (كان يسير العنق)، معناه: أن السير متوسط معتدل، فإذا وجد فجوة أمامه، أي: لا يوجد زحام أمامه أسرع في هذه الفجوة، فهذا يسمى النص، يعني: نوع من أنواع السير اسمه النص، وهو السريع، وكان يوصي أصحابه صلى الله عليه وسلم، وهو في تلك الحال فيقول: (أيها الناس! السكينة السكينة، فليس البر بالإيضاع)، وقوله: (الإيضاع) أي: الإسراع؛ لأنهم إذا حصل منهم الإسراع يضر بعضهم ببعض، وكان عليه الصلاة والسلام لا يسرع إلا إذا كان أمامه متسع، ولا يتضرر به أحد، فكان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص، وكان يقول لأصحابه: (أيها الناس! السكينة السكينة)؛ يعني: عليكم بالسكينة في المشي، (فإنه ليس البر بالإيضاع)، يعني: ليس البر بأن تسرعوا، وإنما عليكم بالسكينة، وهو المشي الهين الذي لا يترتب عليه مضرة.قوله: (ثم صلى المغرب حين غابت الشمس).معناه: أنه في أول الوقت، وأنه في الأول حين غابت الشمس، يعني: ليس فيه تحديد، والوقت بالنسبة للآخر.قوله: (ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل، شك زيد).هل قال النصف أو قال الثلث؟ لكن -كما ذكرت فيما مضى- صحت الأحاديث بالنصف، فيكون هو نهاية الوقت الاختياري، والثلث داخل في النصف، وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الثلث بدون النصف، وهنا الشك بين الثلث والنصف.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في آخر وقت المغرب
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان.]هو الرهاوي شيخه في الإسناد الأول، والذي هو شيخه الثاني في الإسناد الماضي، وهو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، عابد، وخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا زيد بن الحباب].وهو صدوق، يخطئ في حديث الثوري، وقد خرج حديثه مسلم، والأربعة.[حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت].وهو صدوق له أوهام، وقد خرج حديثه الترمذي والنسائي.[حدثني الحسين بن بشير بن سلام عن أبيه].الحسين بن بشير مقبول عند ابن حجر، روى عن أبيه عن جابر هذا الحديث، ولم يرو له النسائي حديثاً غيره.وأبوه هو بشير بن سلام، وهو تابعي صدوق، وقد خرج حديثه النسائي من أصحاب الكتب الستة.[جابر بن عبد الله الأنصاري].صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:00 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(99)
- (باب كراهية النوم بعد صلاة المغرب) إلى (باب تعجيل العشاء)
إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أحسن وأكمل هدي، فمن هديه أنه كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، وربما فعل ذلك لمصلحة كمناقشة أحوال المسلمين، كما كان من هديه في صلاة العشاء أن يعجل الصلاة إذا رأى الناس قد اجتمعوا، وإن تأخروا انتظرهم.
كراهية النوم بعد صلاة المغرب
شرح حديث: (... وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب كراهية النوم بعد صلاة المغربأخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى حدثنا عوف حدثني سيار بن سلامة قال: (دخلت على أبي برزة فسأله أبي: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، وكان يصلي العصر حين يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، ونسيت ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة)].هنا أورد النسائي حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، والترجمة باب كراهية النوم بعد صلاة المغرب, والمقصود من الكراهية هو حتى لا ينام عن صلاة العشاء، ومن المعلوم أنه قد جاء في الحديث (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)؛ وذلك أن العشاء تكون في أول الليل، حيث يكون الناس بحاجة إلى النوم بعد الكدح بالنهار، والفجر تكون في آخر الليل عندما ينتهي الليل، عندما يتلذذ الناس في الفراش, وفي النوم, ويطيب لهم النوم، ويتمكنون منه ويتلذذون به، فكانت الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين، ولكن العشاء والفجر أشدهما ثقلاً، وأثقل الصلاة جميعاً هاتان الصلاتان على المنافقين.والتر� �مة هي: كراهية النوم بعد المغرب؛ لأن ذلك يؤدي إلى النوم عن صلاة العشاء، وهذا من أحاديث سد الذرائع، والنصوص في سد الذرائع عديدة، وقد أورد ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) تسعة وتسعين دليلاً من الكتاب والسنة، هي من أدلة سد الذرائع، فكراهية النوم قبل صلاة العشاء وبعد صلاة المغرب؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى النوم عن صلاة العشاء.وقد أورد النسائي حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، أن سيار بن سلامة دخل هو وأبوه على أبي برزة الأسلمي فسأله أبوه، وأبوه ليس راوياً هنا، وإنما الراوي هو سيار بن سلامة، يعني: ذكر أباه؛ لأنه هو السائل، وكان معه مثلما كان بشير بن سلام مع محمد بن علي، يعني: السؤال حصل منهما، والراوي أحدهما، وهنا السؤال من أبيه والرواية منه؛ لأنه كان مع أبيه.قوله: (فسأله أبي: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟).وهذا أيضاً فيه ما في الذي قبله من حرص التابعين على سؤال الصحابة عن أمور دينهم، وعن أفعال رسول الله عليه الصلاة والسلام.قوله: (قال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى).الهجير هي: الظهر؛ لأنها تقع في الهاجرة، يعني: في منتصف النهار، بعدما تزول الشمس.ويقال لها: الأولى؛ لأنها أول صلاة في النهار، يعني: بعد طلوع الشمس، وإلا فإن الفجر هي في النهار؛ لأن النهار يبدأ بطلوع الفجر، والصيام؛ صيام النهار يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولكنها الأولى، يعني: بعد طلوع الشمس وحصول الضياء والإشراق، فهي الأولى بهذا الاعتبار، وقيل: إنها الأولى؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالرسول عليه الصلاة والسلام لما فرضت عليه الصلوات.قوله: (حين تدحض الشمس).يعني: حين تزول، هذا هو المقصود بالدحض.قوله: (وكان يصلي العصر حين يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية).معناه: في أول وقتها.قوله: (ونسيت ما قال في المغرب).الذي نسيه هو سيار بن سلامة، وهو الذي يتحدث ويحكي ما أخبره به أبو برزة.قوله: (وكان يستحب أن يؤخر العشاء).وما كان يمنعه من ذلك إلا نوم الصبيان والنساء، وكون الناس يحصل لهم النوم وهم ينتظرونها، فكان يستحب ذلك، ولكنه كان الغالب عليه أن يصليها في أول وقتها؛ رفقاً بأمته، ورفقاً بأصحابه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.قوله: (التي تدعونها العتمة).سيأتي أبواب تتعلق بالعتمة، وأنه جاء في الأحاديث إطلاق العتمة عليها.قوله: (وكان يكره النوم قبلها)، يعني: قبل صلاة العشاء؛ لئلا يؤدي ذلك إلى النوم عنها، (والحديث بعدها)؛ لئلا يحصل السهر الذي يترتب عليه النوم عن صلاة الفجر، ولكنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أحياناً، وكان يسمر مع أبي بكر في النظر في أمور الناس، وفي أمور المسلمين عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا هو هديه، وهذا هو الذي كان يستحبه، فكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، ولكنه كان يسهر أحياناً مع أبي بكر في بعض المصالح، وهذا يدل على أن السمر للحاجة لا بأس به، ولكن بشرط أن لا يترتب عليه مضرة، ومن أعظم المضار التي تترتب عليه النوم عن صلاة الفجر.وقد مر في بعض الأحاديث قريباً: أن جبريل عندما صلى بالرسول صلى الله عليه وسلم أنه لما صلى المغرب ناموا، ثم قاموا، ثم ناموا، ثم قاموا، ثم صلى العشاء.قوله: (وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه).يعني: الذي يصلي بجواره، ومن المعلوم: أن معناه: أنه بغلس؛ معناه: أنه كان يصلي الصلاة في أول وقتها، وكان يقرأ بالستين إلى المائة، وإذا فرغوا من الصلاة الواحد يعرف جليسه، معناه: أنه حصل شيء من الضياء بحيث يعرف الواحد جليسه، وهذا يدل على التبكير بالصلاة في أول وقتها؛ لأنه كان يصلي ويقرأ هذه الآيات الكثيرة، وكان يرتل في قراءته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك حصل الضياء الذي به يعرف الواحد جليسه، وليس معناه: ضياء واضح، وإنما معناه: الواحد ينظر إلى جليسه فيعرفه، فهي أقل الصلوات من ناحية العدد -أي: عدد الركعات- ولكنها أطول الصلوات من حيث القراءة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو الملقب بندار، وهو ثقة, خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرة بدون واسطة، وقد مر ذكره في الدرس الماضي.[حدثنا يحيى].وهو يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عوف].وهو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني سيار بن سلامة].وهو سيار بن سلامة الرياحي أبو المنهال، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال: دخلت على أبي برزة].هو أبو برزة الأسلمي، واسمه، نضلة بن عبيد مشهور بكنيته أبو برزة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، فهذا الإسناد كل رجاله خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة: محمد بن بشار، ويحيى بن سعيد القطان، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي، وسيار بن سلامة الرياحي، وأبو برزة الأسلمي.
أول وقت العشاء
شرح حديث جابر في أول وقت العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أول وقت العشاء.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن حسين بن علي بن حسين أخبرني وهب بن كيسان حدثنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمد! فصل الظهر حين مالت الشمس، ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر، فقال: قم يا محمد! فصل العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه، فقال: قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه، فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح، فقال: قم يا محمد! فصل، فقام فصلى الصبح، ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد! فصل، فصلى الظهر، ثم جاءه جبريل عليه السلام حين كان فيء الرجل مثليه، فقال: قم يا محمد! فصل، فصلى العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه، فقال: قم فصل، فصلى المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصل، فصلى العشاء، ثم جاءه للصبح حين أسفر جداً، فقال: قم فصل، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقت كله)].الآن لما فرغ المصنف من التراجم المتعلقة بصلاة المغرب وما قبلها من الصلوات التي هي: الظهر, والعصر انتقل بعد ذلك إلى صلاة العشاء، فقال: باب: أول وقت العشاء، وكان من عادته أنه يترجم لكل صلاة عدة تراجم، من هذه التراجم أول وقت الصلاة, وآخر وقت الصلاة، ويبدأ بأول وقت الصلاة، وهنا لما فرغ من المغرب التي هي قبل العشاء أتى بأول تراجم صلاة العشاء، وهي: باب أول وقت العشاء، وأورد فيه عدة أحاديث: أولها: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: أن جبريل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في يومين، وأمره بأن يصلي الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخر الوقت.والمقصود من هذا الحديث الطويل الذي أورده عن جابر هو الاستدلال على أول وقت العشاء؛ لأنه مشتمل على أول وقت العشاء, وآخره، وعلى أوائل الصلوات الأخرى, وأواخر أوقاتها، ولكن يأتي في الترجمة، ويذكر الحديث الطويل المشتمل على ما تقتضيه الترجمة أو ما يريده من الاستدلال على الترجمة.قوله: (جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين زالت الشمس، فقال: قم يا محمد، فصل الظهر حين مالت الشمس).يعني: حيث زالت الشمس، وهذا هو أول وقت صلاة الظهر، وصلاتها في أول وقتها هو الأفضل، إلا إذا اشتد الحر فقد جاءت السنة بالإبراد، وهو تأخيرها حتى تنكسر حدة الشمس بمضي وقت بعد الزوال، أما في غير هذه الحالة فإن الأفضل هو صلاتها في أول وقتها.قوله: (ثم مكث، حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه للعصر).وهذا هو أول وقت صلاة العصر: إذا كان ظل الشيء مثله، وهو نهاية وقت الظهر؛ لأن ببلوغ ظل الشيء مثله ينتهي وقت الظهر، ويبدأ وقت العصر، وليس هناك فجوة من الوقت تفصل بين وقتي الصلاتين الظهر والعصر.قوله: (ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه، فقال: قم فصل المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء).يعني: حينما حصل الغروب حصلت الصلاة، وذلك -كما عرفنا فيما مضى-: إذا غاب حاجب الشمس؛ وهو طرفها الذي بقي منها بعد ما يغيب أكثرها، فإذا غاب آخرها، وتوارت بالحجاب عند ذلك تبدأ وقت صلاة المغرب.قوله: (ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه، فقال: قم فصل العشاء، فقام فصلاها).يعني: غاب الشفق، وهو الضياء الذي يبقى بعد غروب الشمس، فإذا ذهب ذلك الضياء ولم يبق له أثر، وصارت جهة المغرب وجهة المشرق على حد سواء؛ كلها ظلام دامس عند ذلك يدخل وقت صلاة العشاء، فجاءه حين ذهب الشفق، فقال له: قم فصل العشاء فصلاها، يعني: صلاها في أول وقتها.قوله: (ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح، فقال: قم يا محمد فصل، فقام فصلى الصبح).قوله: (ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح)، يعني: بدا نوره، وهذا هو أول وقت صلاة الفجر، إذا طلع الفجر، وهو الفجر الصادق المعترض الذي يمتد في الأفق، ويظهر شيئاً فشيئاً حتى تطلع الشمس، وليس الفجر الكاذب الذي يظهر في آخر الليل، ويمتد مستطيلاً في السماء، أغبر مثل ذنب السرحان فإن هذا ليس وقتاً لصلاة الصبح، وإنما المقصود بذلك الذي يكون معترضاً في الأفق، ثم يتزايد حتى طلوع الشمس، فلما سطع الفجر جاءه وقال: قم فصل الفجر، فصلاها، وهذا في اليوم الأول أمره بأن يصلي الصلوات في أول أوقاتها.قوله: (ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله، فقال: قم يا محمد! فصل، فصلى الظهر).يعني: في اليوم الثاني حين كان ظل الشيء مثله، وقال: فصل الظهر فصلاها، وهذا في آخر وقتها، فعندما يبلغ ظل الشيء مثله هو آخر وقت صلاة الظهر، وبعده مباشرة أول وقت صلاة العصر.قوله: (ثم جاءه جبريل عليه السلام حين كان فيء الرجل مثليه، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى العصر).وهذا هو آخر وقت صلاة العصر، أي: الوقت الاختياري لأن أول وقتها الاختياري، هو عندما يبلغ ظل الرجل مثله الذي هو نهاية الظهر، ويستمر حتى يكون ظل الشيء مثليه، وهذا هو نهاية الوقت الاختياري، وبعده يبدأ الوقت الاضطراري الذي لا يجوز للإنسان أن يؤخر إليه، ولكنه لو اضطر وحصل له نوم, أو حصل له نسيان، أو حصل شيء شغله وغفل عن الوقت، ثم صار بعد أن يكون ظل الشيء مثليه، فإنه يصلي العصر حينئذ، ولكنه ليس وقتاً اختيارياً، وإنما وقت اضطراري، فإذا بلغه الإنسان مضطراً فإن الصلاة ما زالت في وقتها، ولكن لا يجوز للإنسان أن يبلغه مختاراً، وقد جاء في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته)، معناه: أنه أدرك الصلاة في الوقت؛ لأن الوقت الاضطراري نهايته غروب الشمس، ومن أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، فإنه يكون مدركاً لصلاة العصر في وقتها، لكن هذا في حال الاضطرار، وجبريل جاءه في اليوم الثاني حين كان ظل الشيء مثليه الذي هو نهاية الوقت الاختياري، وقال: قم فصل العصر، فصلاها.قوله: (ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه، فقال: قم فصل، فصلى المغرب).يعني: وقتاً واحداً لم يزل عنه، يعني: في اليوم الأول وفي اليوم الثاني جاءه بعد غروب الشمس، وقد سبق أن مر الحديث عن جابر رضي الله عنه, أنه جاءه في اليوم الثاني حين غابت الشمس، وهو مطابق لما هنا، ومعناه: أنه في حديث جابر ما ذكر أولاً وآخراً بالنسبة للمغرب، وإنما ذكر وقتاً واحداً، هو الأول، ولكنه جاء في حديث غيره، وفي الأحاديث المتعددة الكثيرة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل عندما كاد الشفق أن يغرب، وصلى المغرب.إذاً فنهاية وقتها مغيب الشفق، وبدء صلاة العشاء إذا غاب الشفق.قوله: (ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول، فقال: قم فصل، فصلى العشاء).وقد عرفنا فيما مضى أن الروايات أو بعض الأحاديث جاءت بأنها منتصف الليل، فيكون الوقت الاختياري نهايته منتصف الليل، وبعد منتصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني يكون وقتاً اضطرارياً، يعني: من نام واستيقظ بعد نصف الليل فإنه يصلي العشاء في وقتها، ولكن ليس للإنسان مختاراً أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل، بل يأثم بالتأخير.قوله: (ثم جاءه للصبح حين أسفر جداً، فقال: قم فصل، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقت كله).يعني: أن الإسفار حصل وكادت الشمس أن تطلع فعند ذلك جاءه وقال: (قم فصل الفجر، فصلاها، ثم قال: ما بين هذين وقت كله)، يعني: ما بين الوقتين كله وقت، فكون الإنسان صلاها في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، كل ذلك وقت للصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في أول وقت العشاء
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ويلقب الشاه، وهو ثقة, خرج حديثه الترمذي, والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك، وهو مروزي، كما أن عبد الله بن المبارك مروزي.[حدثنا عبد الله بن المبارك].هو المروزي، وهو ثقة، ثبت، إمام، جواد، مجاهد, ذكر الحافظ ابن حجر في (التقريب) جملة من أوصافه، وقال: جمعت فيه خصال الخير.وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن حسين بن علي بن حسين].وهو الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، وهو صدوق, مقل من الحديث، وحديثه أخرجه الترمذي, والنسائي، مثل: سويد بن نصر، فقد خرج له الترمذي, والنسائي، وهو صدوق مقل من رواية الحديث.[أخبرني وهب بن كيسان].وهو وهب بن كيسان, ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جابر بن عبد الله].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه، وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ستة من الرجال وامرأة واحدة، هي أم المؤمنين عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر هو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
تعجيل العشاء
شرح حديث: (... والعشاء أحياناً كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تعجيل العشاء.أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن عمرو بن حسن قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس بيضاء نقية، والمغرب إذا وجبت الشمس، والعشاء أحياناً كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر) ].هنا أورد النسائي تعجيل صلاة العشاء، يعني: صلاتها في أول وقتها؛ لأن الترجمة السابقة هي: لبيان أول الوقت، وهنا الترجمة لتعجيل الصلاة في أول الوقت، فالترجمة لتعجيل العشاء، وقد أورد في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أنه سئل حين قدم الحجاج عن وقت صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة), يعني: منتصف النهار عندما تزول الشمس، فالهاجرة هي عندما ينتصف النهار وتزول الشمس، فكان عليه الصلاة والسلام يصليها في أول وقتها، وهذا هو المقصود بالهاجرة.قوله: (والعصر والشمس بيضاء نقية).يعني: في أول وقتها حال شدتها وحرارتها وبياضها.قوله: (والمغرب إذا وجبت الشمس).يعني: إذا غابت الشمس، ووجبت، يعني: سقطت عن الأعين, وغابت عن الأعين، فكان يصليها عليه الصلاة والسلام إذا وجبت الشمس، والوجوب هو: السقوط، يعني: سقط آخرها بمعنى أنها غابت وذهبت عن الأبصار، فهذا هو أول وقت صلاة المغرب.قوله: (والعشاء أحياناً كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر).يعني: بالنسبة لأول الوقت؛ لأنه ذكر أوائل الأوقات، بالنسبة للظهر والعصر والمغرب، ثم قال: العشاء أحياناً، يعني: معناه أنه يصليها في أول وقتها أحياناً، إن رآهم عجلوا عجل، وإن رآهم أخروا أخر.قوله: (وإذا رآهم قد أبطئوا أخر).يعني: أخر الصلاة، فمحل الشاهد منه: (إذا رآهم قد اجتمعوا عجل)، يعني: إذا اجتمع الناس فإنه يبادر إلى الصلاة في الوقت، وإذا رآهم تأخروا فإنه ينتظر.ومن المعلوم أن تأخير الصلاة مستحب؛ أي: صلاة العشاء، ولكن مراعاة للمصلحة بالصلاة في أول وقتها, وعدم المشقة على الناس فإنها تصلى في أول الوقت، ولهذا كان يراعي المصلحة، إذا رآهم عجلوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر، ومحل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة: (إذا رآهم عجلوا عجل)، يعني: عجل الصلاة في أول وقتها.قوله: (قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله).فسألنا جابر يعني: عن الوقت، ولعل ذكر الحجاج يعني: في ذكر قدومه، وأنهم سألوه عندما قدم؛ ليسمع الجواب، وأنهم كانوا يؤخرون الصلاة، لعلهم أرادوا أن يسمع الجواب؛ لأن الصلاة تصلى في أول وقتها، ومن المعلوم أن الصلاة في آخر وقتها إذا كان مختاراً سائغ، ولكن المبادرة إليها في أول وقتها هو الذي ينبغي، وهذا هو المطلوب؛ لأن فيه مسارعة إلى أداء الواجب، والمسارعة إلى الخيرات، والحرص إلى الإتيان إلى الصلاة من حينما تجب الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... والعشاء أحياناً كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل وإذا رآهم قد أبطئوا أخر)
[أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار].عمرو بن علي هو الفلاس، وهو ثقة, ناقد من النقاد المتكلمين في الرجال وفي الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير، فعندما يقال: قال الفلاس، أو وثقه الفلاس، وقال الفلاس: ثقة، وقال الفلاس: ضعيف فالمراد به: عمرو بن علي، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وأما محمد بن بشار فهو الملقب بندار، وهو من صغار شيوخ البخاري، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله في كونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة: محمد بن المثنى, ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فإن هؤلاء الثلاثة كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم ماتوا قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فالثلاثة: محمد بن بشار, ومحمد بن المثنى, ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكانت وفاة الثلاثة في سنة واحدة، وهي سنة (252هـ)، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، يعني: البخاري توفي سنة (256هـ)، وشيوخه الثلاثة -بل شيوخ أصحاب الكتب الستة جميعاً رووا عنهم مباشرة وبدون واسطة- ماتوا في سنة: (252هـ). [قالا: حدثنا محمد].وهو محمد بن جعفر غندر، الملقب غندر، هذا هو محمد المهمل، ويسمى الرجل الذي يذكر في الإسناد غير منسوب: المهمل، وأما إذا لم يذكر اسمه، ولكن ذكر بلفظ رجل عن رجل، فهذا لا يقال له: مهمل، ولكن يقال له: مبهم، فهذا نوع يسمى المبهم، وذاك يقال له: المهمل، والمهمل يعرف نسبه وتسميته عن طريق الشيوخ والتلاميذ وهو ثقة أي: غندر، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وهي صيغة وصف بها قليل أو عدد نادر قليل من المحدثين منهم: شعبة بن الحجاج هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن إبراهيم].وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة, عابد, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن محمد بن عمرو بن حسن].وهو محمد بن عمرو بن حسن بن علي بن أبي طالب، وهو ثقة, خرج حديثه البخاري, ومسلم, وأبو داود, والنسائي، بمعنى: خرج له الشيخان واثنان من أصحاب السنن.[عن جابر بن عبد الله].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه، وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ستة من الرجال وامرأة واحدة، هي أم المؤمنين عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر هو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:02 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(100)
- باب الشفق
لقد تقرر في الشريعة أن وقت العشاء يبدأ من غياب الشفق الأحمر وهو يوافق وقت غياب القمر لليلة الثالثة من الشهر.
الشفق
شرح حديث: (كان رسول الله يصليها لسقوط القمر لثالثة) يعني العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الشفق.أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن رقبة عن جعفر بن إياس عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال: (أنا أعلم الناس بميقات هذه الصلاة عشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الشفق، والشفق كما عرفنا هو زوال الضوء الذي يكون بعد غروب الشمس، وقد مر في أحاديث عديدة في بيان صلاة المغرب، أي: آخر وقتها، وأول وقت صلاة العشاء، وأن غيبوبة الشفق يحصل به دخول وقت صلاة العشاء، وقبل ذلك من حين غروب الشمس إلى غيبوبة الشفق وقت لصلاة المغرب، وقد جاء ذكر الشفق في أحاديث كثيرة مضت في بيان وقت صلاة المغرب، أي آخرها، وأول صلاة العشاء.وهنا قال: باب الشفق، وأورد فيه حديث النعمان بن بشير من طريقين، وليس فيه ذكر الشفق، ولكن فيه ذكر وقت صلاة العشاء، وأنها عند غياب القمر لليلة الثالثة من الشهر، فليس فيه تنصيص على ذكر الشفق، ولكن فيه إشارة إليه؛ لأن مغيب القمر الليلة الثالثة من الشهر تكون عند دخول الوقت، فالدلالة على الشفق لا يدل صراحة ونصاً، وإنما يدل احتمالاً أو فهماً وليس نصاً؛ لأن النص ما فيه ذكر الشفق، ولكن فيه أنه كان يصلي العشاء عند غيبوبة القمر لليلة الثالثة من الشهر.قوله: (أنا أعلم الناس بميقات هذه الصلاة).أي: صلاة العشاء الآخرة.وقوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة).يعني: لليلة الثالثة من الشهر إذا سقط القمر وغاب صلاها، يعني: في أول وقتها، وذلك معناه: إذا غاب الشفق، فاستفادة الشفق هو بالمفهوم واللزوم، وليس عن طريق النص؛ لأن وقت سقوط القمر ليلة الثالث هو غيبوبة الشفق.
تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير: (كان رسول الله يصليها لسقوط القمر لثالثة) يعني العشاء
قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].وهو محمد بن قدامة بن محمد بن المصيصي، وهو ثقة, خرج حديثه أبو داود, والنسائي.[حدثنا جرير].وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن رقبة ]. وهو رقبة بن مصقلة العبدي الكوفي، وهو ثقة, وقد خرج له الجماعة, إلا ابن ماجه فلم يخرج له في السنن وإنما خرج له في التفسير؛ لأنه رمز له بالفاء والقاف، القاف لـابن ماجه والفاء للتفسير، فالقاف، يعني: القزويني مأخوذة من نسبته إلى قزوين، فيرمز له بالقاف، والفاء للتفسير.[عن جعفر بن إياس].وهو ابن أبي وحشية أبو بشر، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، يذكر أحياناً بكنيته، وأحياناً باسمه، وفي هذا الحديث الذي هو حديث النعمان بن بشير في الإسناد الأول ذُكر فيه باسمه، وفي الإسناد الثاني ذكر فيه بكنيته أبو بشر، وأبو بشر هو: جعفر بن إياس، مرة ذكر بكنيته، ومرة ذكر باسمه، وكما ذكرت فيما مضى أن من أنواع علوم الحديث معرفة الكنى للمحدثين، وفائدة معرفتها: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين وذلك فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بكنيته مرة أخرى، فيظن من لا يعرف أن أبا بشر هو غير جعفر بن إياس.[عن حبيب بن سالم].وهو مولى النعمان بن بشير, وكاتبه، وهو ممن خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن النعمان بن بشير].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وقد مات رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، وقد جاء في بعض الأحاديث عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه تحمل الصغير في حال صغره، وتأديته في حال كبره، وهذا شيء معتبر عند المحدثين؛ لأن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه وأرضاه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره ثمان سنوات، ومع ذلك يروي ويقول: سمعت، فرواية الصغير في حال صغره، وتأديته في حال كبره، والكافر تحمله في حال كفره، وتأديته في حال إسلامه، هذا معتبر عند المحدثين.وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
حديث: (كان رسول الله يصليها لسقوط القمر الثالثة) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عثمان بن عبد الله حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن بشير بن ثابت عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال: (والله إني لأعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر لثالثة) ].وهذه طريق أخرى لحديث النعمان بن بشير، وهي مثل التي قبلها في المتن والمدلول.قوله: [أخبرنا عثمان بن عبد الله].وهو عثمان بن عبد الله بن محمد بن خرزاذ، روى له النسائي وحده.[حدثنا عفان].وهو ابن مسلم الصفار، وهو ثقة, ثبت, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو عوانة].وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي بشر].وهو جعفر بن إياس الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، ذكر في هذا الإسناد بكنيته، وفي الإسناد الأول باسمه ونسبه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما عرفنا.[عن بشير بن ثابت].هو بشير بن ثابت الأنصاري, بصري, ثقة، خرج له أبو داود, والترمذي, والنسائي.[عن حبيب بن سالم].وهو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، مولى النعمان بن بشير وكاتبه، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن النعمان بن بشير].وهو صحابي الحديث الأول، والحديث إنما هو حديثه، ولكنه جاء من طريقين، ولفظهما واحد، ومؤداهما واحد.
الأسئلة
ترك المعتمر والمسافر للنوافل
السؤال: هل يجوز للمعتمر أن يترك الرواتب والنوافل لكونه مسافراً؟الجواب: المعتمر أو المسافر يصلي ما أمكنه من النوافل؛ لأن المسجد الحرام والمسجد النبوي تضاعف فيهما الصلوات، فكون الإنسان يصلي ما أمكنه من النوافل في المسجدين هذا أمر فيه فائدة عظيمة لهذه المضاعفة التي تكون في الصلوات، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الكلام أثناء الوضوء
السؤال: هل يوجد نهي عن الكلام أثناء الوضوء؟الجواب: ما نعلم شيئاً يدل على منع الكلام في أثناء الوضوء.
بيع العملة بالعملة مع اختلاف القيمة
السؤال: هل يجوز التعامل ببيع وشراء العملة، علماً بأن رصيد كل منهما ذهب، مع اختلاف القيمة بينهما في البيع والشراء؟الجواب: البيع بالعملة، يعني: تبديل النقود بالنقود أي فئة من الفئات، يعني: أي عملة من العمل، فبيعها بالأخرى لا بأس به؛ لأن الأصل الذي هو عوض عنها لا وجود له، وليس بأيدي الناس إلا هذه الورق، فبيع الورق بالورق سائغ، ولابد للناس منه؛ لأنه إذا لم يحصل بيع ورق بورق ماذا سيفعل الإنسان عندما يذهب إلى بلد وما عنده إلا عملته، والناس يريدون عملة البلد الذي هم فيه، فبيع العملة بالعملة ليس هناك شيء يمنعه، ولو كانت تلك الأصول لا وجود لها عند الناس، ولا يعرف الناس عنها شيئاً، التي هي الذهب والفضة.
حضور الوليمة التي تذبح صدقة للميت
السؤال: يقوم بعض الناس بوليمة بنية صدقة على متوفى، فهل يجوز لي أن أجيب دعوة هذه الوليمة، وأنا غير محتاج؟الجواب: الصدقة تكون على الفقراء والمساكين، وأما كونه يصنع طعاماً ويدعو الناس، فلا بأس أن يصنع طعاماً ويدعو الناس، ولكن إذا كان صدقة فالصدقة للفقراء والمساكين.
المرور بين يدي المصلي في الحرم
السؤال: هل يعذر المار بين يدي المصلي في الحرمين، وخاصة في حالة الازدحام؟الجواب : لا ينبغي للإنسان أن يمر بين يدي المصلي في أي مكان، وأما بالنسبة للمسجد الحرام في المطاف إذا كان أحد يصلي في المطاف فله أن يمر؛ لأن الحق للطائفين، والمصلي يمكن أن يصلي في مكان بعيد، وأما في غير ذلك فعلى الإنسان أن يحرص أن لا يمر بين يدي مصلي، فإما أن ينتظر وإما أن يتحول من صف إلى صف؛ يعني: يطلب من اثنين متجاورين أن يفسحوا له حتى ينتقل من صف إلى صف، ثم ينتقل عن هذا الذي يصلي، وإذا ما كان هناك ضرورة فليصبر، فإن الناس بعد الصلاة يزدحمون في الخروج، ولو صبروا قليلاً لانفض الزحام في وقت يسير.
ما يلزم الشاك في سجوده هل هي السجدة الأولى أم الثانية
السؤال: كيف يفعل رجل كان ساجداً في صلاته فطرأ عليه الشك، فلم يدر هل هو في السجدة الأولى أم الثانية؟الجواب: إذا كان شك، هل هو في الأولى أو في الثانية؟ فليعتبر أنه في الأولى، وليأت بالثانية، بأن يبني على اليقين، وهو المتيقن، فالثانية ما دام مشكوكاً فيها لا يعول عليها، وإنما يعول على أنه في الأولى ثم يأتي بالثانية بعدها، فيقطع الشك باليقين.
المقصود: (وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة)
السؤال: قوله: (وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة)، هل هذا في الركعتين أم في الركعة الواحدة؟الجواب: (كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة)، يعني: في الركعتين.
معنى اشتمال الصماء وبيع فضل الماء
السؤال: فضيلة الشيخ! ورد في حديث النهي عن انتقاص الماء واشتمال الصماء النهي عن بيع فضل الماء, بينوا لنا معنى هذه الجمل!الجواب: فضل الماء، يعني: هو الزائد، فالإنسان يجود به إذا كان عنده ماء يكفيه وزيادة؛ فإنه يتيح لغيره أن يستفيد منه، ولا يمنع فضل الماء.وأما إذا حازه، كمثل الإنسان الذي يكون معه سيارة يعبيها بالماء ويبيعه؛ فإن له ذلك.واشتمال الصماء هي نوع من اللبس؛ يلتف بالثوب وتكون يديه في داخله، بحيث لو حصل عنده أمر يقتضي إخراج اليدين لصعب عليه أن يخرج اليدين، يعني: يكون مثل الحصاة الصماء ليس له منافذ.
الأذان عند تأخير أداء صلاة العشاء
السؤال: إذا أراد جماعة أن يؤخروا صلاة العشاء، فهل الأفضل لهم أن يؤذنوا في أول الوقت ثم يؤخروا الإقامة؟الجواب: إذا كان لا يشوش على الناس فيؤذنون في أول الوقت؛ حتى لا يحصل التشويش على الناس، وأما إذا كانوا وحدهم وفي مكان بعيد فلا بأس، ولكن كونهم يؤذنون في أول الوقت؛ حتى يحصل إعلام لمن سمعهم بدخول الوقت فهذا هو الذي ينبغي، فإذا أذنوا في أول الوقت فلهم أن يصلوا في أي وقت شاءوا، وهذا فيما إذا كانوا مع بعض في مكان ما يتضرر غيرهم بتأخيرهم، وأما إذا كان معهم غيرهم ويتضرر بتأخيرهم فلا يفعلوا، وأما إذا كانوا مع بعض مثلاً: كانوا في بر أو في فلاة وكلهم لا يتضرر بالتأخير فيؤذنون في أول الوقت، وإذا أخروها إلى ما شاءوا أن يؤخروها لا بأس بذلك.
معنى سقوط القمر لثالثة
السؤال: هل معنى قوله: (سقوط القمر لثالثة)، أي: أن القمر في كل شهر يذهب في اليوم الثالث من بداية الليل؟الجواب: لا، ليس بلازم، ولكن الغالب أنه ليلة ثلاثة من الشهر هي التي تكون مع غيبوبة الشفق، وإلا فإن القمر كما هو معلوم أحياناً يتفاوت، فأحياناً يغيب في ليلة ثالث قبل دخول وقت العشاء، ولكن يمكن أن يكون هذا في الغالب.
صلاة العشاء قبل غروب الشفق
السؤال: ما حكم صلاة العشاء قبل غروب الشفق؟الجواب: لا يجوز أن تصلى العشاء قبل غروب الشفق.
حكم ما نسب إلى ابن خزيمة من إنكار الصورة لله
السؤال: ما هو القول فيمن يقول: إن الإمام ابن خزيمة ينكر عموماً الصورة لله؟الجواب: ما أعلم قضية إنكاره للصورة عموماً، وإنما الذي جاء عنه في قضية: (خلق الله آدم على صورته)، فإنه لا يضيف الضمير إلى الله عز وجل، وإنما يرجعه إلى آدم، وإلا فإنه قد جاء ذكر الصورة مضافة إلى الله عز وجل في أحاديث صحيحة ليس فيها احتمال إضافتها إلى غيره.وأما هذا الحديث الذي فيه: (خلق الله آدم على صورته)، فهو محتمل أن يرجع إلى الله، ومحتمل أنه يرجع إلى آدم، وابن خزيمة ممن يقول برجوعه إلى آدم، وأما إنكاره إضافة الصورة إلى الله عز وجل فلا أعلم هذا، وقد جاء الحديث الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بإضافة الصورة إلى الله سبحانه وتعالى، في الصحيحين.
البقاء عند قبر الميت القريب للدعاء له
السؤال: ما حكم من يبقى عند قبر الميت الذي من أقربائه يدعو للميت فترة، ويقول: أنا أدعو له بمقدار نحر جزور؟ وهل هذا ثابت أم لا؟الجواب: لا أعلم , وإنما هذا جاء عن عمرو بن العاص.وأما الذي جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنه عندما يدفن يقول: استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل، ثم ينصرفون).
حكم اقتناء القرود
السؤال: بعض الناس يقتني قرداً ويربيه، فما حكم الشرع في ذلك؟الجواب: والله لا أعلم حكماً فيه، ولكن اتخاذ القرد وتربيته من غير أن يكون أمر يقتضيه يعتبر هذا من الشيء الذي لا مبرر له، ولا وجه له.وأما حكمه لا أعلم، هل هو ممنوع أو غير ممنوع؟ لا أدري.
حكم الجمع الصوري
السؤال: ما حكم جمع العصرين؛ الظهر في آخر وقته، والعصر في أول الوقت، والعشائين؛ المغرب في آخر وقته، والعشاء في أول وقته؟الجواب: هذا يسمى الجمع الصوري، وهو صعب تحقيقه وتنفيذه، ولكن كما هو معلوم أن الإنسان المسافر يجمع في وقت الظهر وفي وقت العصر، وإنما بعض العلماء قال في الحديث الذي جاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم: (جمع في المدينة بين الصلاتين الظهر والعصر)، قالوا: إنه جمع صوري، أي: أنه أخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها، وقدم صلاة العصر في أول وقتها، ولكن جاء في بعض الروايات: (أنه أراد أن لا يحرج أمته)، وهذا يدل على أن هناك ضرورة، وهناك شيء ألجأ إلى ذلك ففعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام، ولكن ليس مستمراً.
قيام العمرتين مقام حجة مع النبي
السؤال: هل تعتبر العمرتان في رمضان كحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم؟الجواب: ما أعلم في هذا شيء، ولكن جاء في الحديث (أن امرأة من الصحابيات قالت: ما يعدل حجة معك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: عمرة في رمضان تعدل حجة معي)، وأما كون العمرتان تعدل حجة ما أعلم في هذا شيئاً.
التوفيق بين القول بكراهية تسمية العشاء بالعتمة وورود ذلك في السنة
السؤال: كيف نوفق بين كراهية تسمية العشاء بالعتمة, والترخيص بذلك كما عند النسائي؟الجواب: جاء في السنة تسميتها بالعتمة، ولعل ما ذكر من الكراهة مبني على كونه قال: تدعونها العتمة، يعني: يشعر بأن الأولى عدم إطلاقها.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:05 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(101)
- باب ما يستحب من تأخير العشاء
جاءت الأحاديث دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لكل صلاة وقتاً معيناً يخصها، منها صلاة العشاء التي كان النبي عليه الصلاة والسلام في أغلب أحيانه يصليها مبكراً، ومع ذلك فقد كان يحب تأخيرها ولكنه خشي أن يشق على أمته.
ما يستحب من تأخير العشاء
شرح حديث: (... وكان يستحب أن تؤخر صلاة العشاء ...)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما يستحب من تأخير العشاء.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن عوف عن سيار بن سلامة قال: (دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: أخبرنا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، وكان يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، قال: ونسيت ما قال في المغرب، قال: وكان يستحب أن تؤخر صلاة العشاء التي تدعونها العتمة، قال: وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ما يستحب من تأخير العشاء.هذه ترجمة عقدها النسائي للاستدلال على أن صلاة العشاء يستحب تأخيرها ما لم يكن هناك مشقة على المصلين، وقد أورد في هذه الترجمة عدة أحاديث، أولها حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، يقول سيار بن سلامة: (دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فسأله أبي عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى).وقوله: (الهجير) أي: الظهر؛ لأنها تأتي في الهاجرة، قال: (تدعونها الأولى)، فهي الأولى من صلاتي النهار التي تكون في النهار، والمراد من ذلك: ما بعد طلوع الشمس، وإلا فإن صلاة الفجر تقع النهار اليوم وليست في الليل؛ لأن الصائم يصوم ابتداء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا هو النهار وهذا هو اليوم.وقيل: إن إطلاق الأولى عليها؛ لأن جبريل عندما نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام ليبين له أوقات الصلوات وليصلي به ويبين له كيفية الصلوات كان البدء بالظهر، فقيل لها الأولى.قوله: (تدحض الشمس).يعني: تزول وتميل إلى جهة الغرب بعد أن كانت في جهة الشرق، فإذا صارت فوق الرءوس، ثم اتجهت إلى جهة الغرب، وانكسر الفيء، وحصل فيء يسير يدل على حصول الزوال، فعند ذلك يبدأ وقت صلاة الظهر.قوله: (وكان يصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية).أي: أنه يصليها في أول وقتها؛ لأن كونه يمشي هذه المسافة بعد الصلاة، ويصل إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية، معناه: أنه يبكر بها، فالحديث فيه التبكير بصلاة الظهر، وفيه التبكير بصلاة العصر.قوله: (قال: ونسيت ما قال في المغرب).الذي قال: (ونسيت) هو سيار بن سلامة الذي يحكي ما سمعه من أبي برزة الأسلمي عندما سأله أبو سيار عن صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: (ونسيت ما قال في المغرب)، يعني: ما قاله أبو برزة في وقت صلاة المغرب.قوله: (وكان يستحب أن تؤخر صلاة العشاء التي تدعونها العتمة).وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة، وهي باب: ما يستحب من تأخير صلاة العشاء. فهذا هو الدليل على استحباب تأخيرها، لكن هذا الاستحباب وهذا التأخير حيث لا تكون هناك مشقة، وحيث لا تكون هناك مضرة، وحيث لا يترتب على ذلك النوم في سبيل انتظارها وحصول المشقة على الناس في ذلك. وقوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)، أي: كان عليه الصلاة والسلام يكره النوم قبلها، لما يترتب على النوم قبلها من النوم عنها، أي: عن صلاة العشاء، والحديث بعدها، لما يترتب عليه من التأخر عن صلاة الفجر، أو النوم عن صلاة الفجر، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسمر أحياناً مع أبي بكر في مصالح المسلمين، فإذا حصل ذلك لأمر يقتضيه، كما حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه لا بأس، لكن بشرط أن لا يكون لهذا السمر ولهذا التأخر والحديث بعدها -صلاة العشاء- أي أثر على تفويت صلاة الفجر جماعة، والتأخر عنها.(وكان ينفتل من صلاة الغداة -وهي الفجر- حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة).ومن المعلوم: أنه إذا كان يقرأ بالستين إلى المائة عليه الصلاة والسلام كان يرتل، فهو يصليها في أول وقتها، وعندما يفرغ من الصلاة يعرف الرجل جليسه يعني: الذي يكون بجواره -يصلي بجنبه- ويتضح له معرفته وتمييزه عن غيره؛ لأنه ذهب الظلام الذي لا يحصل معه معرفة الشخص القريب، وهذا يدل على التبكير بها؛ لأن كونه يقرأ بالستين إلى المائة وهو يرتل، ثم يكون الإنسان يميز جليسه بعد هذه القراءة الطويلة مع هذا الترتيل؛ معناه: أنه كان يبكر بها.إذاً: فحديث أبي برزة اشتمل على التبكير لصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة الفجر، واشتمل على بيان استحباب تأخير صلاة العشاء، لكن حيث يكون في ذلك مصلحة ولا يترتب عليه مضرة، أما إذا ترتب عليه مضرة، فإن الصلاة تصلى في أول وقتها، كما هو الغالب على فعله عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... وكان يستحب أن تؤخر صلاة العشاء ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، ويلقب الشاه، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا أبو داود، ولا ابن ماجه.[حدثنا عبد الله] هو ابن المبارك المروزي أيضاً، وهو من مرو، كتلميذه سويد بن نصر، بل سويد بن نصر راويته المعروف بالرواية عنه، وعبد الله بن المبارك المروزي ثقة، ثبت، إمام، جواد، مجاهد، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من أوصافه، وخصاله الحميدة، وقال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عوف].هو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سيار بن سلامة].هو الرياحي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي برزة الأسلمي].هو نضلة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عباس في تأخير العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد واللفظ له، قالا: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال: (قلت لـعطاء: أي حين أحب إليك أن أصلي العتمة إماماً أو خلواً؟ قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعتمة، حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا، فقام عمر رضي الله عنه فقال: الصلاة الصلاة! قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء، واضعاً يده على شق رأسه، قال: وأشار، فاستثبت عطاء كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه، فأومأ إلي كما أشار ابن عباس رضي الله عنهما، فبدد لي عطاء بين أصابعه بشيء من تبديد، ثم وضعها فانتهى أطراف أصابعه إلى مقدم الرأس، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس، حتى مست إبهاماه طرف الأذن مما يلي الوجه، ثم على الصدغ وناحية الجبين، لا يقصر ولا يبطش شيئاً إلا كذلك، ثم قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي أخبر فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر يوماً صلاة العشاء والناس ينتظرونه، فناموا، ثم اسيتقظوا، ثم ناموا، ثم استيقظوا، وأذن عليه الصلاة والسلام بالصلاة، فخرج ورأسه يقطر ماء، ثم وصف عطاء بن أبي رباح كيفية الهيئة التي كانت يد رسول الله عليه الصلاة والسلام على رأسه حين خرج عليهم، ورأسه يقطر ماء، يعني: أنه يعصر هذا الماء الذي في رأسه بيده حيث يمرها عليه؛ ليخفف الرطوبة التي علقت به، وهذا يشير إلى أنه حصل منه اغتسال صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ألا يصلوها إلا هكذا)، يعني: في هذا الوقت، لكن لما حصلت لهم المشقة كان الغالب على عادته أنه يبكر بها، ولكنه فعل هذا ليبين فضيلة التأخير، وأنه لولا المشقة لكان حصول ذلك هو الأولى، وهو المقدم على غيره.قوله: (ناموا واستيقظوا، وناموا واستيقظوا).يحتمل أن يكون هذا حصل منهم عن جلوس، ويكون هذا هو نعاس مع التمكن، ويحتمل أن يكون عن اضطجاع، ولكن يكون معه وضوء، ولم يذكر الوضوء؛ لما علم من أن النوم ناقض للوضوء، وأنهم يتوضئون من النوم، إلا إذا حصل النوم اليسير الذي هو نعاس في حال جلوس وتمكن، وكون الإنسان إذا خفق رأسه تنبه، فإن هذا لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض الوضوء هو النوم الطويل، أو الذي يكون عن طريق اضطجاع، أو عن جلوس مع عدم تمكن، أو نوم يحصل معه غطيط ورؤى وأحلام، وما إلى ذلك من النوم العريض، أو الطويل الذي يكون مظنة لانتقاض الوضوء؛ لخروج ريح، كما جاء في الحديث الآخر: (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء)، وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ينتظرون الصلاة، فتخفق رءوسهم وهم جالسون، ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضئون.إذاً: فهذا الذي جاء في الحديث من كونهم ناموا، ثم استيقظوا، ثم ناموا، ثم استيقظوا، إما المقصود به كناية عن النعاس الذي يحصل به.والحديث دال على ما ترجم له المصنف من استحباب تأخير العشاء؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن لا يصلوها إلا هكذا)، أي: إلا في هذا الوقت، وفي حال التأخر.ثم ما جاء في الحديث من ذكر الإشارة باليد إلى الرأس، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إليهم واضعاً يده على رأسه فهذا يدل على الضبط وعلى الإتقان للرواية؛ لأن الراوي عندما يعرف الحديث، ويعرف الملابسة والظروف التي حصلت، والحديث الذي يحدث به، هذا يدل على الضبط والإتقان؛ لأن كونه يتذكر الهيئة التي حصلت في تلك الحال، وما حصل من فعل، فإذا تذكره الراوي وعرفه، فهذا مما يدل على ضبطه لما رواه، وهذه الهيئة التي فعلها ابن عباس يحكي ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يمر يده على رأسه؛ وذلك لعصر رأسه من البلل الذي أصابه بسبب الاغتسال، وكذلك عطاء يصف ذلك لـابن جريج، ثم ابن جريج أثبت هذا الذي وصف له عطاء، قال: (استثبت)، يعني: طلب منه أن يبين له الكيفية التي فعلها ابن عباس وهو يحكي فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام فوضع وبدد بين أصابعه، أي: فرقها قليلاً بعض التمديد، يعني: بدل ما كانت الأصابع ملتصقة فرق بينها، حتى صارت أطراف الأصابع على مقدم الرأس، وصار الإبهامين عند الأذنين، وعند الصدغ الذي هو المنطقة التي بجوار الأذن، (ولا يقصر ولا يبطش)، يعني: أنه ليس يسرع إسراعاً شديداً، ولكنه يبطئ في حركة يده وهو يمرها يعصر رأسه عليه الصلاة والسلام.والحاصل: أن الحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف من استحباب التأخير.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في تأخير العشاء
قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد واللفظ له].إبراهيم بن الحسن هو المصيصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.ويوسف بن سعيد هو أيضاً المصيصي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي وحده، فقوله: (واللفظ له)، أي: لـيوسف بن سعيد شيخه الثاني؛ أي: أن المتن الموجود هو سياق لفظ الشيخ الثاني. وأما الشيخ الأول فهو ليس بهذا اللفظ، ولكنه يختلف في الألفاظ، هذا هو المقصود بكلمة: واللفظ لفلان؛ يعني: أن اللفظ ليس واحداً، وقد ذكر لفظ واحد منهما فنص على من له اللفظ، والثاني يكون بالمعنى، وأما الذي ذكر فنفس الحروف ونفس السياق هو سياق الشيخ الثاني، والسياق هو لـيوسف بن سعيد المصيصي .[حدثنا حجاج].هو ابن محمد المصيصي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وابن جريج مشهور بنسبته إلى جده.[قلت لـعطاء].هو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقول ابن جريج لـعطاء: (أي: حين أحب إليك أن أصلي العتمة إماماً أو خلواً) يعني: إذا كنت إماماً أو منفرداً، الخلو: هو المنفرد؛ لأنه ذكر كونه إماماً وكونه منفرداً؛ لأنه هذا هو الذي يكون الأمر بيده، ولم يذكر المأموم؛ لأن المأموم تابع لغيره، ويصلي مع الناس؛ أي: إن بكروا وإن أخروا، لكنه ذكر الشيء الذي يتعلق به فيما إذا كان إماماً أو منفرداً؛ يعني: إذا كان يسوغ له أن يصلي منفرداً بأن يكون وحده، وإلا فإن صلاة الجماعة -كما هو معلوم- واجبة، ويجب على المسلم أن يحافظ على صلاة الجماعة، ولا يتأخر عنها، ولكن إذا صلاها منفرداً، حيث يسوغ له أن يصليها منفرداً، هذا هو المقصود بالسؤال: إذا كنت إماماً أو خلواً، أي: منفرداً.وهذا يدلنا على ما كان عليه أتباع التابعين من الحرص على معرفة أمور الدين، كما كان التابعون يسألون الصحابة، والصحابة يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم هكذا كان سلف هذه الأمة كل يسأل من قبله ومن لقيه.. وهكذا.[سمعت ابن عباس].أي: أنه حكى ما سمعه من صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على أن معولهم على النصوص، وأنهم عندما يسألون أحياناً يجيبون بالنصوص؛ لأنه قال: (أي شيء أحب إليك) ومن المعلوم: أن أحب إليه هو ما كان موافقاً للسنة، وما كان مطابقاً للسنة، فحكى ما سمعه من صحابي رسول الله عليه الصلاة والسلام ابن عباس وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء.وأما ابن عباس فهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، وكان في حجة رسول الله عليه الصلاة والسلام قد ناهز الاحتلام، كما جاء في حديث ركوبه على الأتان: (أنه جاء راكباً على أتان، والرسول يصلي بالناس في منى، قال: وقد ناهزت الاحتلام)، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وليس فيهم: عبد الله بن مسعود؛ لأن عبد الله بن مسعود كبير متقدم عليهم؛ لأنه توفي سنة (32هـ).وأما هم فكانوا من صغار الصحابة، فتأخروا بعد ابن مسعود كثيراً، وكانوا في عصر واحد، فكان يقال لهم: العبادلة، وعندما يقال في مسألة: قال بها العبادلة الأربعة من الصحابة، المراد بهم هؤلاء الأربعة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.وعبد الله بن عباس هو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين ذكرهم السيوطي في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِالمقصود بالبحر: ابن عباس، والبحر أو الحبر، فهو حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث ابن عباس في تأخير العشاء من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور المكي حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة حتى ذهب من الليل، فقام عمر رضي الله عنه، فنادى: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والولدان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والماء يقطر من رأسه، وهو يقول: إنه الوقت، لولا أن أشق على أمتي)].ثم ذكر النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة ذات ليلة)، يعني: في يوم من الأيام، وهذا فيه إشارة إلى قلة هذا العمل؛ لأنه قال: (ذات ليلة)، يعني: شيء نادر، والغالب على فعله أنه يقدم الصلاة ويبكر بها، وكان يمنعه من تأخيرها ما يخشاه من المشقة على أمته، فلما أخر الصلاة ذات ليلة، ورقد النساء والصبيان جاء عمر وقال: (الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والولدان)، فالمقصود بقوله: (رقد النساء والولدان)، يحتمل أنهم جاءوا للمسجد، ويحتمل أنهم كانوا في البيوت ينتظرون، فالنساء تنتظر الأزواج، والأولاد ينتظرون الآباء ليأتوا من الصلاة، وقد تأخروا عليهم في المسجد في انتظار الصلاة، ومن المعلوم: أن هذا لا يختص بالمسجد؛ لأن حتى غير النساء والصبيان يحصل منهم النوم، ولهذا جاء في الطريق الأخرى: (رقد الناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا)، يعني: ليست المسألة خاصة بالنساء والصبيان، لكن ذكر النساء والصبيان يحتمل أن يكون المراد به: كونهم حصل منهم مع غيرهم في المسجد، أو أنه حصل منهم وهم في البيوت؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم خرج عليهم يقطر رأسه، وقـال: (إنه الوقت)، أي: الأكمل والأفضل، إنه الوقت الذي ينبغي أن يحصل، أو الذي هو أفضل من غيره، وقوله: (لولا أن أشق على أمتي)، أي: لولا المشقة على أمته، وهذا يدل على كمال شفقته ورفقه بأمته عليه الصلاة والسلام، وحرصه على إبعادها عما فيه عنتها ومشقتها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في تأخير العشاء من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور المكي].سبق أن مر ذكر محمد بن منصور كثيراً، لكنه لا ينسبه، وإنما يقول: محمد بن منصور، والنسائي له شيخان كل منهما محمد بن منصور، أحدهما: طوسي، والثاني: مكي، وسبق أن ذكرنا -فيما مضى- أن كونه يروي عن سفيان، وسفيان بن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، قالوا: فالأقرب أن يكون المراد به: محمد بن منصور الجواز الذي هو المكي؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، محمد بن منصور الجواز مكي، لكن هذا الإسناد فيه تعيين ذلك المهمل في المواضع المتعددة التي مضت؛ لأنه قال: المكي، فخرج احتمال أن يكون محمد بن منصور الطوسي، فهذا الموضع يبين أن المراد بالمهمل في المواضع المختلفة التي كان يذكرها النسائي ويسكت عنها أو عن تمييزه، أن المراد به: المكي الذي هو الجواز، وليس الطوسي.ومحمد بن منصور المكي الجواز ثقة، وخرج حديثه النسائي وحده، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، وهذه من الطرق التي يعرف بها تعيين المهمل؛ أي: كونه يذكر في بعض المواضع منسوب، يعني: يأتي ما يبين المراد -كما هنا- فهذا الموضع بين فيه من هو محمد بن منصور، وأنه المكي وليس الطوسي، والمواضع التي تقدمت كلها محمد بن منصور فقط، وهو يحتمل الطوسي ويحتمل المكي، لكن لما جاء التصريح بالمكي هنا عرف بأن هذا أيضاً نص من النسائي على تعيينه، ولو لم يحصل التعيين فرواية المكي عن المكي هي الغالب، وإن كان قد يروي عن غير المكي، إلا أنه عند الإطلاق يحمل على من له به خصوصية، وله به اتصال، ومن يكون في متناوله أن يتصل به في كل وقت وحين، وذلك فيما إذا كانا من بلد واحد، بخلاف إذا كان الشيخ في بلد آخر، فإنه لا يحصله إلا برحلة وبسفر، والسفر لا يدوم، فيجلس مدة ثم يذهب، لكن من يكون معه في البلد ويلازمه، وكلما أراد أن يأخذ ذهب إليه، وكلما أراد أن يتعلم ذهب إليه، فهذه الطريقة التي يعرف بها، أو يكون بها تمييز المهمل.[حدثنا سفيان]هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو].هو ابن دينار المكي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء].هو ابن أبي رباح المكي، وهو -كما ذكرت- ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وقد مر ذكره، وكان بمكة، ثم خرج إلى الطائف، فعلى هذا يكون الإسناد مسلسل بالمكيين؛ لأن محمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، وعمرو بن دينار مكي، وعطاء بن أبي رباح مكي، وابن عباس كان مكياً في بعض أحواله، فهو مسلسل بالمكيين، وكلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، إلا محمد بن منصور الجواز فإنه أخرج له النسائي وحده، وأما سفيان بن عيينة، وعمرو بن دينار، وعطاء بن أبي رباح، وابن عباس، فهؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج].يعني: هذه طريق أخرى هي مثل الطريق الأولى؛ لأن سفيان بن عيينة يروي عن شيخيه، أي: سفيان عن عمرو عن عطاء، وكذلك سفيان عن ابن جريج عن عطاء، فالإسنادان متفقان من حيث العلو أو النزول، وليس بينهما فرق؛ يعني: سفيان بن عيينة يروي عن عمرو عن عطاء، ويروي عن ابن جريج عن عطاء، وعطاء يروي عن ابن عباس، وقد مر ذكر ابن جريج في الإسناد السابق.
شرح حديث: (كان رسول الله يؤخر العشاء الآخرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعال: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة)].ثم أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة).وقوله: (كان يؤخرها)، هذا هو المقصود من الترجمة من أنه يستحب تأخير العشاء؛ يعني: أحياناً، وليس هذا الغالب على فعله، بل هو القليل من فعله عليه الصلاة والسلام، والغالب على فعله أنه كان يبكر خشية المشقة على الناس؛ فهذا هو الذي يمنعه من التأخير، فكان يؤخر في بعض أحواله وليس دائماً، مثلما مر -فيما مضى- في باب الشفق أن النعمان بن بشير كان يقول: (كنت أعلمكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: كان يصليها لسقوط القمر ليلة الثالثة، يعني: في بعض الأحيان، أو في غالب الأحيان، وذلك كان في أول الوقت، فليس معنى ذلك: أنه يداوم على هذا ويداوم على هذا، وإنما يحصل منه التبكير كثيراً، ويحصل منه التأخير قليلاً، وكان يستحب التأخير؛ لولا ما يخشاه من المشقة على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يؤخر العشاء الآخرة ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة] .هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو الأحوص].و أبو الأحوص كنية اشتهر بها، واسمه سلام بن سليم الحنفي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سماك].هو سماك بن حرب، وهو صدوق، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن جابر بن سمرة].هو جابر بن سمرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وهو جابر بن سمرة بن جنادة السوائي، وهو صحابي ابن صحابي، وله مائة وستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثاً.
شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة)].ثم أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو دال على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، وهي عن جابر بن سمرة وعن ابن عباس، وهنا قال عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك عند كل صلاة)، يعني: وحصول السواك عند كل صلاة، فقوله: (لأمرتهم بتأخير العشاء)؛ يدل على ما دل عليه الذي قبله من الأحاديث، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستحب تأخير العشاء، ولا يمنعه من ذلك إلا ما يخشاه من المشقة على أمته عليه الصلاة والسلام، فكل هذه الأحاديث دالة على استحباب تأخير العشاء حيث لا يكون مشقة على الناس.
تراجم رجال إسناد حديث: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور] .هنا أهمله، أي: لم ينسبه كما نسبه في الإسناد الذي قبل هذا، وكما قلت: المواضع التي يرد فيها ذكر محمد بن منصور يروي عن سفيان كثيرة جداً، ولم يأتِ منسوباً -فيما مضى- إلا في هذا الموضع، وهو -كما قلت- دال على تمييز المهمل، وهو تمييزه عن محمد بن منصور الطوسي.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة.[حدثنا أبو الزناد].هو عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي كثيراً باللقب. وهنا ذكره بلقبه الأعرج، فيأتي ذكره أحياناً باسمه وأحياناً بلقبه، ومعرفة ألقاب المحدثين -كما ذكرت مراراً وتكراراً- فائدتها دفع توهم أن يظن أن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن الذي لا يعرف يظن أن الأعرج شخصاً آخر غير عبد الرحمن بن هرمز، مثلما ذكرنا في الحديث السابق: جعفر بن إياس في إسناد، ثم يأتي بعده إسناد أبا بشر، فالذي لا يعرف أن أبا بشر هو جعفر بن إياس يظن أن هذا شخص وذاك شخص، فكذلك هنا فالذي لا يعرف أن الأعرج لقب لـعبد الرحمن بن هرمز، وذلك لو رأى إسناداً فيه عبد الرحمن بن هرمز وإسناداً آخر فيه الأعرج، يظن هذا شخصاً غير هذا، ففائدة معرفة ألقاب المحدثين هي دفع توهم أن يظن أن الشخص الواحد شخصين؛ وذلك فيما لو ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، والأعرج ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبي هريرة].هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:09 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(102)
- باب آخر وقت العشاء
بيّن الشرع الحكيم وقت صلاة العشاء وأنها في وقت متأخر من الليل، ثم بعد ذلك خفف على هذه الأمة ورفع عنها المشقة.
آخر وقت العشاء
شرح حديث عائشة في آخر وقت العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [آخر وقت العشاء.أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا ابن حمير حدثنا ابن أبي عبلة عن الزهري وأخبرني عمرو بن عثمان حدثني أبي عن شعيب عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: (أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعتمة، فناداه عمر رضي الله عنه: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما ينتظرها غيركم، ولم يكن يصلى يومئذ إلا بالمدينة، ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل)، واللفظ لـابن حمير].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: آخر وقت العشاء. هذه الترجمة هي كالتراجم السابقة بالنسبة لأوقات الصلوات، يذكر النسائي أول الوقت وآخره، وكذلك ما يتعلق بالتعجيل، وما يتعلق بالتأخير إذا كان هناك تأخير، كما في صلاة العشاء التي سبق أن مر الباب الذي فيه استحباب تأخيرها، حيث لا يكون هناك مشقة، وهنا قال: (باب: آخر وقت العشاء)؛ لأنه يترجم لأول الوقت ولآخر الوقت، وقد أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة عدة أحاديث.أولها: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أعتم ليلة بالعتمة -والعتمة هي العشاء-). قوله: (أعتم ليلة) يعني: أخرها عن أول وقتها إلى آخر وقتها، أو إلى قريب من آخر وقتها، حيث جاء في هذا الحديث أنه أخرها إلى ثلث الليل، يعني: بعد أن مضى ثلث الليل صلاها رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما أعتم بالصلاة؛ أي: أخرها، ونام النساء والصبيان نادى عمر رسول الله عليه الصلاة والسلام وطلب منه أن يصلي، وأخبره بأن النساء والصبيان ناموا، فالرسول عليه الصلاة والسلام خرج إليهم وصلى بهم، فقال: (ما ينتظرها غيركم) أي: هذا شرف لكم؛ يعني: كونكم أنتم الذين تنتظرون الصلاة، ولازلتم في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ففي ذلك فضل، وفي ذلك زيادة أجر؛ لأن المصلي إذا جاء إلى المسجد وجلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، ففي ذلك فضل له، وفي ذلك أجر عظيم له، وفيه زيادة في الأجر، حيث أن كل وقت يمضي عليه وهو ينتظر الصلاة فهو في صلاة، أي: أنه مأجور كما أنه يكون مأجوراً إذا كان في الصلاة. وقوله: (نام النساء والصبيان) يحتمل أن يكون المراد أنهم كانوا موجودين في المسجد، ويحتمل أن يكونوا في البيوت، ومن المعلوم: أنه قد جاء في بعض الأحاديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل في الصلاة يريد أن يطول بها، ثم يسمع بكاء الصبي الذي حضر مع أمه إلى المسجد، فيخفف الصلاة شفقة على أمه )؛ حتى لا تنشغل به، وحتى لا يحصل لها تشويش في صلاتها بسبب بكاء طفلها، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يدخل في الصلاة يريد التطويل، ثم يسمع بكاء الصبي فيخفف خوفاً على أمه، وشفقة على أمه عليه الصلاة والسلام، فيحتمل أن يكون النساء والصبيان جاءوا إلى المسجد، ويحتمل أن يكونوا في البيوت والنساء ينتظرن أزواجهن، والصبيان ينتظرون آباءهم، ويحتمل أن يكون الجميع مقصوداً؛ بحيث يكون من كان في المسجد من النساء والصبيان حصل لهم النوم، ومن كان في البيوت أيضاً من النساء والصبيان يكون حصل لهم النوم؛ لأنه مضى وقت طويل من الليل.وقوله: (نام النساء والصبيان) يعني: يريد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن تحصل منه الصلاة؛ لأنه قد حصل النوم للنساء والصبيان، بل قد جاء في بعض الأحاديث: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخر الصلاة قال -في الحديث- نمنا ثم قمنا، ثم نمنا ثم قمنا )؛ يعني: أنه يحصل حتى من الكبار، فيحصل لهم النوم وهم ينتظرون الصلاة.وقوله: (صلوها فيما أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل).هنا أرشد عليه الصلاة والسلام إلى وقتها، فقال: (صلوها فيما أن يغيب الشفق)؛ الذي هو بداية وقت صلاة العشاء، ثم قال: (إلى ثلث الليل)، وقد جاء في أحاديث أخرى صحيحة أن وقت صلاة العشاء يمتد إلى نصف الليل، فتكون النهاية هي نصف الليل، أي: نهاية الوقت الاختياري، أما الوقت الاضطراري فإنه يستمر بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في آخر وقت العشاء
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو الحمصي، وهو صدوق، وخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[حدثنا ابن حمير].هو محمد ، وهو أيضاً صدوق، خرج له البخاري في صحيحه، وأبو داود في كتاب المراسيل، والنسائي .[ابن أبي عبلة].هو شمر بن يقظان بن أبي عبلة الشامي، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي .[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، فـقصي وزهرة أخوان، فهو ينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب، وهو مشهور بهاتين النسبتين؛ إلى جده زهرة، وإلى جده كلاب، وهو إمام، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عمرو بن عثمان].عمرو بن عثمان هذه طريق أخرى، وإسناد آخر، فـعمرو بن عثمان هو شيخه في الإسناد الأول.[حدثني أبي]هو عثمان بن سعيد بن كثير، وهو ثقة، عابد، وخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ يعني: مثل ابنه، فالذين رووا عنه هم الذين رووا عن ابنه عمرو بن عثمان.[عن شعيب].هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، ثبت، وأخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهنا يلتقي الإسنادان؛ يعني: بـالزهري.[عن عروة].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والفقهاء السبعة في المدينة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير هذا، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أو سالم بن عبد الله بن عمر، السابع فيه ثلاثة أقوال، والستة الأولون متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وإنما الخلاف في السابع، وعروة بن الزبير الذي معنا هو أحد هؤلاء الفقهاء السبعة. وقد ذكر ابن القيم في كتابه: (إعلام الموقعين) -في أوله- العلماء المعروفين بالفقه، والذين يرجع إليهم بالفتوى في البلاد المختلفة في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولما جاء عند ذكر المدينة وجاء إلى عصر التابعين ذكر أن من الفقهاء فيها في عصر التابعين هؤلاء الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا الوصف، ويأتي ذكرهم بهذا الوصف في بعض المسائل، فيقال: هذه مسألة قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، الأئمة الأربعة يعني: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفقهاء السبعة الذين هم هؤلاء، وقد ذكر ابن القيم بيتين من الشعر، اشتمل البيت الثاني على هؤلاء السبعة، حيث قال:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفذكر أسماءهم في البيت الثاني، وعد السابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهذا -كما ذكرت- أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، فمن العلماء من جعل السابع: أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم من جعل السابع: أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومنهم من جعل السابع: سالم بن عبد الله بن عمر، وقد ذكر ذلك العلماء في المصطلح، يعني: هؤلاء الفقهاء نصوا عليهم في المصطلح، وقد ذكرهم ابن الصلاح في مقدمته، وذكر الفقهاء السبعة والمختلف فيهم، وكذلك ذكرهم غيره، وهم قد اشتهروا بهذا الوصف الذي هو الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة].يروي خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هي المرأة الوحيدة من الصحابيات التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدوها ضمن السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي عليه الصلاة والسلام المقصود بها: عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وسبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ستة من الرجال وواحدة من النساء، زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث: (أعتم رسول الله ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل... وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج قال ابن جريج ح وأخبرني يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني المغيرة بن حكيم عن أم كلثوم بنت أبي بكر : أنها أخبرته عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء حتى ذهب عامة الليل )، أي: ذهب معظمه، ويحتمل أن يكون المقصود منه النصف فما دون، ويحتمل أن يكون فيه زيادة، لكن الأحاديث المختلفة جاءت بالتحديد بالنصف، ومنها ما كان فيه التحديد بالثلث، وحديث عائشة رضي الله عنها جاء في بعض الروايات، وهي الروايات المتقدمة أنه إلى ثلث الليل، وهنا قال: (عامة الليل)، فيكون الحد الذي ثبت بالنص هو النصف، فيحمل أن يكون عامته، يعني: الكثير منه، ويحتمل أن يكون فيه زيادة، لكن الحديث روي بألفاظ مختلفة، وفي بعض الألفاظ التنصيص على الزمن وأنه الثلث، وهي الرواية السابقة التي قبل هذه.إذاً: فالحديث دال على ما ترجم له من تأخير صلاة العشاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخرها، وكان يستحب تأخيرها، لولا ما يخشاه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه من المشقة على أمته.
تراجم رجال إسناد حديث: (أعتم رسول الله ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل... وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)
قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن].هو أبو الحسن المصيصي، وهو ثقة، وخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير، وهكذا هو موجود في النسخة المصرية، لكن الموجود في تهذيب الكمال هو ذكر أبي داود، والنسائي فقط، وصاحب تهذيب الكمال ينص على من خرج لهم بالأسماء، ولم يذكر فيه ابن ماجه في التفسير، فلا أدري هل هذه الزيادة التي هي ابن ماجه في التفسير خطأ؟ وأن الواقع هو ما جاء في تهذيب الكمال؟ أو أن ذلك صحيح، وأنه مما أضافه ابن حجر على ما في تهذيب الكمال؟ فلا ندري ما هي الحقيقة، ولكن الأمر في ذلك سهل، فـابن ماجه في السنن لم يرو له، وإنما الشأن هل روى له في كتاب التفسير أو لم يرو له؟ أما في السنن فإنه -ابن ماجه- لم يخرج له شيئاً، الذي هو إبراهيم بن الحسن المصيصي أبو الحسن، وكنيته توافق اسمه أبيه، وهذا من أنواع علوم الحديث الذي سبق أن نبهت فيها على أن معرفة ذلك له فائدة، وهي دفع توهم التصحيف فيما إذا ذكر بنسبه فيقال: ابن، أو ذكر في كنيته فيقال: أب؛ لأنه صواب، سواء قيل: إبراهيم أبو الحسن، أو قيل: إبراهيم بن الحسن، الكنية توافق اسم الأب، فهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فائدة معرفته دفع توهم التصحيف؛ لأن أبو مصحف عن ابن، أو ابن مصحف عن أب. [حدثنا حجاج].هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، ثبت، وخرج له أصحاب الكتب الستة.[قال ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرني يوسف بن سعيد].يوسف بن سعيد، وهو أيضاً مصيصي، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا حجاج].وهو الذي في الطريق الأولى: حجاج بن محمد المصيصي .[أخبرني المغيرة بن حكيم].هو المغيرة بن حكيم الصنعاني، وهو ثقة، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[عن أم كلثوم بنت أبي بكر].هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقيل عنها: أنها توفي أبوها وهي حمل، يعني: وهي في بطن أمها، وهي ثقة، وخرج حديثها البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وابن ماجه، والنسائي .[عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن عمر في آخر وقت العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن منصور عن الحكم عن نافع عن ابن عمر أنه قال: (مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشاء الآخرة، فخرج علينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فقال حين خرج: إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام، ثم صلى)].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو بمعنى حديث عائشة المتقدم: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ليلة حتى ذهب ثلث الليل أو بعده، ثم خرج إليهم وقال: ما ينتظرها أحد سواكم، وأمر المؤذن فأقام، ثم صلى بالناس ) فهو دال على تأخير صلاة العشاء، ولكن آخر الوقت المختار ليس هو الثلث، بل هو إلى النصف.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في آخر وقت العشاء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بـابن راهويه ، وهو ثقة، ثبت، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من القلائل الذين وصفوا بهذا الوصف، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أنبأنا جرير].هو ابن عبد الحميد الضبي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].هو ابن المعتمر، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].هو ابن عتيبة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن نافع] .هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].ابن عمر هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهؤلاء الذين هم رواة هذا الإسناد كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي: إسحاق بن راهويه، فإنه لم يخرج له ابن ماجه، وأما الباقون فكلهم خرج له في الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:12 PM
شرح حديث أبي سعيد في آخر وقت العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن موسى حدثنا عبد الوارث حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب، ثم لم يخرج إلينا حتى ذهب شطر الليل، فخرج فصلى بهم، ثم قال: إن الناس قد صلوا وناموا، وأنتم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إلى شطر الليل)].هنا أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو بمعنى ما تقدم من الأحاديث، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر وخرج إليهم وقال: (ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، لأمرت بهذه الصلاة أن تؤخر إلى شطر الليل)؛ يعني: إلى نصفه، فهو بمعنى الأحاديث المتقدمة، وهو دال على ما ترجم له النسائي .
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في آخر وقت العشاء
قوله: [أخبرنا عمران بن موسى].هو الفزاري البصري، وهو صدوق، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له أبو داود، والبخاري، ومسلم.[حدثنا عبد الوارث].هو ابن سعيد، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا داود].هو داود بن أبي هند، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي نضرة].هو المنذر بن مالك، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سعيد الخدري].هو سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين مر ذكرهم عند ذكر عائشة، وعند ذكر ابن عمر.
شرح حديث أنس في آخر وقت العشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل ح وأنبأنا محمد بن المثنى حدثنا خالد حدثنا حميد قال: (سئل أنس: هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً؟ قال: نعم، أخر ليلة صلاة العشاء الآخرة إلى قريب من شطر الليل، فلما أن صلى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم علينا بوجهه، ثم قال: إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه. في حديث علي: إلى شطر الليل )].ثم أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه سئل: ( هل اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً؟ فقال: نعم )، وأورد الحالة التي شاهد عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد لبس الخاتم، فقال: (إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالناس صلاة العشاء الآخرة، إلى قريب من شطر الليل، ثم خرج وصلى بهم، ولما انصرف إلى الناس بعد الصلاة قال أنس : كأني أنظر إلى وبيص خاتمه)، يعني: بعدما صلوا العشاء، وانصرف إلى الناس بوجهه، كان يرى خاتمه بيده صلى الله عليه وسلم، ويقول: (كأني أنظر إلى وبيص خاتمه)، والوبيص هو البريق واللمعان، وقوله: (وبيصه) يعني: بريقه ولمعانه، فأجاب بقوله: (نعم)، وذكر الهيئة التي شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد لبس الخاتم، حيث كان شاهده بعد فراغه من صلاة العشاء التي أخر تلك الصلاة، وبعد انصرافه رأى خاتمه بيده وله وبيص، أي: بريق ولمعان.قوله -في حديث علي- : (إلى شطر الليل)، والحديث الذي قبله قال: (إلى قريب من شطر الليل).هذه رواية الشيخ الثاني، وهو: محمد بن المثنى؛ يعني: هذا اللفظ الذي هو: (إلى قريب من شطر الليل)، فهذا لفظ محمد بن المثنى، شيخه الثاني، وأما شيخه الأول علي بن حجر فلفظه: (إلى نصف الليل) أي: قريب من نصف الليل، يعني: فاللفظان مختلفان: لفظ علي : (شطر الليل)، ولفظ محمد بن المثنى : (قريب من نصف الليل).
تراجم رجال إسناد حديث أنس في آخر وقت العشاء
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو السعدي المروزي، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .[حدثنا إسماعيل].هو إسماعيل بن جعفر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ح، وأنبأنا محمد بن المثنى].وهو الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.وسبق أن ذكرت أن ثلاثة من المحدثين وهم: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي هؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكان وفاة الثلاثة جميعاً في سنة واحدة، وهي سنة (252هـ)؛ أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات.[حدثنا خالد].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد].هو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك] أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا، وحصل النفع بعلمهم، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
حكم تأخير التسبيح الذي بعد الفريضة إلى ما بعد النافلة
السؤال: هل يصح للإنسان أن يؤخر التسبيح الذي يقال بعد الفريضة إلى بعد السنة الراتبة؟الجواب: لا؛ لأن التسبيح هو تابع للصلاة، ويؤتى به دبر الصلاة، وليس للإنسان أن يؤخره إلى ما بعد النافلة، وإنما يأتي به في موطنه، ثم يأتي بالنافلة، لكن إذا كان هناك مثلاً صلاة تفوت، مثل صلاة الجنازة، ولم يفعل ذلك، فإنه يصلي على الجنازة، ثم يأتي بالتسبيح، أما كونه يقوم يتنفل، ثم يأتي بالتسبيح، فهذا إتيان به في غير موطنه، وعلى الإنسان أن يأتي به في موضعه، وهو بعد الصلاة؛ لأن هذه أذكار بعد السلام -بعد الفراغ من الصلاة- وقبل أن يأتي الإنسان بالنوافل.
الفرق بين العقيدة والمنهج
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك كلام يدور حول العقيدة والمنهج، فيقال: فلان معتقده صحيح، ومنهجه فيه انحراف، فهل هذا التقسيم صحيح؟ فإذا كان هناك فرق بين المعتقد والمنهج، فأرجو أن تبينوا لنا معنى منهج أهل السنة والجماعة، وفي أي شيء يتعلق؟الجواب: المنهج كلمة عامة؛ تأتي ويراد بها العقيدة، أو الطريقة في العقيدة، أو المسلك في العقيدة، وتأتي ويراد بها ما هو أعم من ذلك، مثل الطريقة في عمل من الأعمال، مثل الدعوة، أو الطريقة في الدعوة هذا يقال له: منهج، فالمنهج أعم من العقيدة؛ لأن العقيدة يقال لها: منهج ومسلك، ويكون منهج أيضاً في غير العقيدة، فكلمة منهج أعم وأوسع من كلمة العقيدة.
الكلام في نعيم بن حماد المروزي
السؤال: ما حكم أهل الجرح والتعديل في الإمام الحافظ: أبي عبد الله نعيم بن حماد المروزي؟ وما رأيكم في كتاب الفتن الذي ألفه من ناحية الرجال؟الجواب: كما هو معلوم فإن كتابه مبني على الأسانيد، ومادام أن الأسانيد موجودة فيحكم على الأحاديث باعتبار الأسانيد، و-كما هو معلوم- هو كغيره من الكتب التي تجمع الصحيح والضعيف، وأما نعيم بن حماد فهو من العلماء، وهو شيخ للبخاري .أي: أخرج له البخاري، ومسلم في مقدمة الصحيح، فالرمز ميم قاف، المراد به: مسلم في مقدمة صحيحه، ورمز البخاري خاء ميم قاف.
اقتناء كتاب حلية طالب العلم
السؤال: بالنسبة لكتاب الشيخ بكر أبو زيد حلية طالب العلم، هل تنصحون به أم لا؟الجواب: كتاب حلية طالب العلم للشيخ بكر أبو زيد هو كتاب مفيد، وكتابات الشيخ بكر أبو زيد مفيدة، وله عناية بالاطلاع على كلام العلماء والرجوع إلى المصادر، ومن المعلوم أن هذا من أهم ما يحتاج إليه طالب العلم؛ لأن الناس بحاجة إلى كلام العلماء، وطالب العلم إذا عني بكلام العلماء خدم طلبة العلم بأن جمع لهم المتناثر، وقرب لهم البعيد، وجعل كلام أهل العلم بين أيديهم، فجمع كلام أهل العلم في المسائل، أو في موضوعات معينة، وحصرها وجمع شتاتها، فهذا من أحوج ما يكون إليه، وهو خير من كلام الإنسان نفسه، فعندما يتكلم الإنسان بكلام من نفسه ينشئ خير منه وأفضل منه إذا عني بكلام العلماء وبين كلام العلماء، فالشيخ بكر أبو زيد عنده عناية في الاطلاع على كلام أهل العلم وعلى جمع شتاته، ووضعه في مكان واحد، فهو كتاب مفيد وكتاباته مفيدة، وطالب العلم عليه أن يحرص على أن يكون قدوة طيبة، وأن يكون مجداً في الطلب، وأن يكون مخلصاً في القصد، وأن يكون حافظاً للوقت، وأن يعنى بكثرة القراءة والمراجعة، وأن يحرص على معرفة كلام أهل العلم المعتبرين المعتد بهم، فهذه من جملة الآداب التي يتأدب بها، وعلى طالب العلم أن يحرص على أن يكون متأدباً بها. السؤال: هل حلف الفضول منسوخ أم لا؟الجواب: لا أدري، وليس عندي علم في هذا.
ما يترتب على من لم يبيت النية في الصيام
السؤال: شخص لم يبيت النية في الليل بالصيام، هل يقضي هذا اليوم؟الجواب: ما هو الصيام، إذا كان نفلاً فلا يشترط تبييت النية، وإنما تبييت النية يكون بالفرض، سواء كان أداء أو قضاء، أداءً كأن يكون في أيام رمضان، أو قضاء إذا أراد أن يقضي أيام رمضان، فهذا لا بد من تبييت النية، ولا يكفي أن يصبح ولم يكن بيت النية، ولم يكن أكل شيئاً، فيقول: نويت الصيام، ويستمر ويقول: أنا صمت، فإن الفرض لا بد من تبييت النية؛ بحيث يكون من أول وقت الصيام إلى آخره، ولا يكون هناك جزء من اليوم ما حصلت فيه النية. إذاً: فلابد من التبييت النية في الفرض قضاء وأداء، فإذا كان هذا قضاء لفرض ولم يبيت النية، وإنما طرأ عليه الصيام من أثناء النهار فلا يجزئه ذلك، بل عليه أن يقضي ذلك.
حكم لبس العمامة
السؤال: ما الحكم في الأشياء التي يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من قبيل العادة كلبس العمامة؟الجواب: لبس العمامة من هيئات لبسه عليه الصلاة والسلام، وكونه يكون عليه عمامة وهو يصلي هذا من الهيئة الكاملة، والإنسان عليه أن يكون على هيئة كاملة، لكنه لو صلى وليس على رأسه شيء فإن صلاته صحيحة وليس في ذلك شيء؛ لأنه ليس لازماً أن يكون الإنسان مغطياً رأسه، لكن الهيئة التي يكون عليها الإنسان ويعتبرها حالة كمال في غير الصلاة عليه أن يعنى بذلك في الصلاة من باب أولى.
الكتب التي يبدأ بها طالب علم الحديث
السؤال: ما هي أفضل الكتب التي ينبغي على طالب الحديث أن يقرأها؟ وبم تنصحه؟الجواب: كتب الحديث كثيرة، مثل: الصحيحين، والسنن الأربعة، وكذلك المسانيد، والمصنفات، والمعاجم، فكل كتب الحديث على طالب العلم أن يحرص على اقتنائها، مادام أنها بالأسانيد وكلها فيها الأسانيد، الإنسان يحرص على اقتناء الكتب، وأهم ما يبدأ به هذه الكتب الستة، التي هي الصحيحان والسنن الأربعة.
حكم من نسي التشهد الأول
السؤال: شخص ما نسي التشهد الأول، ثم عند قربه من القيام ذكر فجلس فما الحكم؟الجواب: إذا كان لم ينتصب قائماً ولم يدخل في الركعة التي بعدها، فإنه يجلس ويأتي به، أما إذا كان قام وانتصب قائماً ودخل في الركعة، فإنه يستمر في صلاته، ويجبر ذلك بسجود قبل السلام، كما جاء في حديث عبد الله بن بحينة رضي الله عنه: حيث صلى ركعتين ثم قام، وقبل أن يسلم سجد سجدتين للسهو قبل السلام.
ما يلزم من أتم صيامه بعد قطع النية
السؤال: إذا بيت النية، ثم نوى قطعها في قضاء واجب، ثم أتم صيامه، فهل عليه شيء؟الجواب: نوى قطعها متى؟ يعني: قبل الصيام أو بعد الدخول في الصيام؟ إذا كان بيت النية، ثم بيت قطعها؛ أي: كان يريد أن يصوم وبعد ذلك عزم على ألا يصوم، فكونه بيت أولاً في أول الليل قال: أنه سيصوم، ثم بعد ذلك طرأ عليه ألا يصوم، ثم نام واستيقظ بعدما طلع الفجر، فلا يقال: إنه بيت النية، لأنه قد نسخ التبييت؛ يعني: بالعزم على عدم الصيام، فلا يقال: إنه بيت النية، وإنما الذي يبيت النية هو الذي ينام ويستيقظ وقد دخل الوقت، فهذا هو الذي يواصل؛ لأنه مبيت للنية، أما من بيتها، ثم فسخها وألغاها ونام، فإنه نام غير مبيت للنية.
حكم قطع الصيام الواجب
السؤال: هل يأثم من أفطر وكان صائماً في واجب؟الجواب: لا شك أن من دخل في واجب ثم قطعه، فإن قطعه لا يجوز، وإنما الذي يمكن قطعه هو النفل، والأولى ألا يقطع إلا بأمر يقتضي ذلك، أما بالنسبة للفرض فالإنسان إذا دخله لا يقطعه.
الفرق بين المحكم والمتشابه
السؤال: ما هو المحكم والمتشابه؟الجوا ب: المحكم: هو الواضح البين الذي يتضح معناه ولا يخفى. وأما المتشابه: فهو الذي لا يعلمه كثير من الناس، وإنما يعلمه من عنده فهم وعنده علم، ويكون من المتشابه أيضاً من لا يعلم ما لا يعلمه الناس، مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، فإن هذه لا أحد يعلم معناها والمراد بها، إنما الله تعالى أعلم بمراده بها، لكن المتشابه يعلمه، أو يمكن أن يعلمه بعض أهل العلم، ولهذا جاء في القرآن: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، و(الراسخون في العلم) هذه يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة، وعلى هذا يكون من العلماء من يعلم المتشابه، ويحتمل أن تكون مقطوعة وأن تكون استئنافاً، وأنها ليست معطوفة على لفظ الجلالة، ويكون معناها أنهم لا يعلمون المتشابه، وإنما يقولون: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، ويؤمنون به، وإن لم يعرفوا معناه، أو يعرفوا حقيقته التي هو عليها، فالمتشابه منه ما يعلمه بعض أهل العلم، ومنه ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، وأما المحكم فهو الذي يعلمه الكثير من الناس.
حكم تلقين الميت عند الدفن
السؤال: ما حكم تلقين الميت بعد موته ودفنه فوق القبر؟الجواب: ما ثبت في ذلك شيء، وإنما ورد فيه أحاديث ضعيفة، والتلقين إنما يكون قبل الموت؛ حيث هناك فائدة، كما جاء في الحديث: (لقنوا مواتكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة)، هذا هو الذي ينفعه التلقين؛ لأنه حتى يخرج من الدنيا بها، ولهذا قال: ( لقنوا مواتكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله ). أما من مات وانتهى فإنه أقدم على ما قدم، والختام قد انتهى بالموت، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالخواتيم)، وهذا الحديث قال: (فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله)، آخر كلامه من الدنيا، وإذا مات قد انتهى من الدنيا، فتلقينه بعد الموت لا يصح، ولم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام التلقين بعد الموت، بل الثابت هو التلقين قبل الموت؛ لأن فيه فائدة؛ لأنه يخرج من الدنيا بكلمة الإخلاص، وهي التوحيد، يكون آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله.
حكم زيارة بعض المشاهد في مكة والمدينة
السؤال: فضيلة الشيخ! هل يجوز للحاج أو المعتمر أن يزور بعض المشاهد في مكة والمدينة بقصد الرؤية فقط، لا بقصد العبادة؟ وهل تكون من البدعة أم لا؟ جزاكم الله خيراً.الجواب: قضية كونه يذهب إلى قباء فهذه من الأمور التي تقصد تعبداً، لكن كونه يذهب إلى أحد، ويرى أحداً فلا بأس بذلك، لكن لا يكون قصده أنه يفعل أمراً مشروعاً، وإنما قصده يطلع على شيء لا يتيسر له أن يطلع عليه إلا في مثل هذه السفرة، لكن كونه يأتي أو يذهب إلى أماكن ما جاء نص، ويعتبر نفسه يتقرب إلى الله عز وجل طبعاً هذا من البدع.وإذا كان للمشاهدة والاطلاع، وليس المقصود من ذلك أن التعبد، فهذا لا بأس به.
الصلاة خلف قبر النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: أحياناً نصلي في المسجد النبوي في مكان متجه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فما حكم ذلك؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يقصد الاتجاه إلى القبر الشريف في الصلاة؛ بأن يأتي ويبحث عن مكان وراء القبر فيصلي فيه مثلما هو موجود في دكة، الذي يقال لها: دكة الأغوات، يأتي أناس ويتركون الصفوف الأولى ويجلسون عليها ويصلون خلف القبر، فهؤلاء متعمدون مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)، فالإنسان الذي يترك الصف الأول ويترك الصفوف ويختار مكاناً يستقبل فيه القبر؛ لأن القبر أمامه، هذا عاص للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا تصلوا إلى القبور)، وقد جاء في صحيح البخاري : ( أنه كان دخل وصلى وهو في مكان من الأمكنة وكان أمامه قبر، فصاح به -لا أدري أهو عمر أو غيره- القبر القبر ). يعني: معناه القبر أمامك لا تصلي إليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا إلى القبور)، وقوله: (القبر القبر)، يعني: معناه تنفير وتحذير. أما إذا كان الإنسان في مكان بعيد، ولا يدري هل هو وراء القبر أو ليس بوراء القبر فهذا معذور، وإنما المحذور هو أن الإنسان يبحث عن المكان الذي يكون فيه وراء القبر ويختاره للصلاة فيه، فهذا فيه تعمد معصية الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تصلوا إلى القبور).
التفقه في الأحكام الشرعية ودعوة الناس إلى ذلك
السؤال: يا شيخ! بعض الشباب لا يهتموا بالعلم الواجب كأحكام الوضوء والصلاة والطهارة، وغير ذلك، وإذا دعوناهم إلى العلم يقول البعض: إنه ينفرهم؟الجواب: ماذا عندهم من الدين إذا ما عرفوا أحكام الوضوء، وما عرفوا طريقة الوضوء؟! الوضوء شرط من شروط الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فمعرفة الوضوء مثل معرفة الصلاة؛ يعني: هذا شرط وهذا مشروط، وتعلم العلم ومعرفة أحكام الدين، فهذا هو المطلوب؛ حتى يعبد الإنسان ربه على بصيرة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، وكيف يكون التنفير بالدعوة إلى معرفة الأحكام الشرعية وإلى تعلم العلم، حتى يكون الإنسان يعبد الله على بصيرة، ومن المعلوم أن العبادة المقبولة عند الله لها شرطان أساسيان لا بد منهما: أن يكون العمل لله خالصاً، وأن يكون لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مطابقاً وموافقاً، ولا يكون مطابقاً وموافقاً إلا إذا عرف الأحكام الشرعية وعمل بها، فعند ذلك يكون مطابقاً وموافقاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:14 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(103)
- (باب الرخصة في أن يقال للعشاء العتمة) إلى (باب أول وقت الصبح)
الصلوات الخمس تضاف إلى أوقاتها، فصلاة العشاء مضافة إلى وقت العشاء؛ لأنها تؤدى فيه، ويقال لها أيضاً: العتمة، إلا أن هذا اللفظ مكروه، وأول الصبح حين يطلع الفجر وآخره عند الإسفار.
الرخصة في أن يقال للعشاء: العتمة
شرح حديث: (... ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في أن يقال للعشاء: العتمة.أخبرنا عتبة بن عبد الله قرأت على مالك بن أنس، ح والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا)].يقول النسائي رحمه الله: باب: الرخصة في أن يقال للعشاء: العتمة، جاء في بعض الأحاديث ما يدل على كراهة أن يقال لها: العتمة، وجاء في بعضها - وقد مر -: (التي تدعونها العتمة) وهذا يشعر بكراهية ذلك اللفظ، لكن جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إطلاق العتمة على العشاء، وهذا يدل على أن إطلاقها سائغ، ولكن الأولى أن يقال لها: العشاء كما سماها الله عز وجل بذلك بقوله: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ [النور:58]، فإطلاق العشاء عليها هو اللفظ الذي جاء في القرآن، فاستعماله والإتيان به أولى من الإتيان بالعتمة، وإذا قيل في بعض الأحيان: العتمة، فإنه لا بأس بذلك.وهذه الترجمة عقدها المصنف النسائي رحمه الله لبيان جواز أن يقال لها: العتمة، وإن كان قول: العشاء، لها أولى. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الدال على فضل أمور متعددة، منها: الأذان، والصف الأول، ومنها: التهجير إلى الصلوات، ومنها: حضور الجماعة لصلاتي العشاء والفجر.يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) النداء المراد به: الأذان، وهذا يدل على فضيلة الأذان، وعلى استحباب أن يكون الإنسان مؤذناً إذا تيسر له ذلك؛ لأن فيه دعوة الناس إلى الخير، وفيه المحافظة على الصلاة، وحضور المساجد من أول أوائل أوقاتها، والمؤذن إذا أذن وجلس في المسجد ينتظر الصلاة، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وهكذا كل من جاء مبكراً إلى المسجد، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، فالأذان فيه فوائد عدة، وفضيلته من أوجه متعددة:أولاً: كونه فيه الدعوة إلى الخير، ونداء الناس إلى الصلاة والفلاح، ولأن فيه أيضاً: التبكير، وحضور الجماعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، والمؤذن يحصل على الفضيلتين: يحصل على الأذان، ويحصل على الصف الأول، ومن لم يحصل له الأذان، وحصل له الصف الأول فهذا من أهم المهمات، وكل من الاثنين - الذي هو الأذان والصف الأول - قال عنهما رسول الله عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول -يعني: من الأجر- ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، والاستهام: هو الاقتراع، يعني: يعملون قرعة، فكل واحد يقول: أنا السابق، وكل واحد يقول: أنا صاحب الحق، والطريقة الشرعية فيما إذا تساوى الناس، ولم يميز بعضهم على بعض، فإنه تستخدم القرعة، وهذا الحديث يدلنا على مشروعية القرعة، وأنها سائغة، وقد جاء في السنة أحاديث متعددة تدل على مشروعية القرعة، وهي: تمييز المتساوين في شيء، عندما يراد أن يميز بعضهم على بعض، فيميز من يكون الأول، ومن يكون متقدماً، ومن يكون وراءه.وقوله عليه الصلاة والسلام: (لاستهموا عليه)، يعني: لو لم يفصل بينهم إلا القرعة لصاروا إليها، وهذا يدل على فضيلة الصف الأول، وعلى الحث على المبادرة إلى الصلاة؛ ليحصل الإنسان على الصف الأول، وتحصيل الصف الأول الذي جاءت النصوص ببيان فضله يكون في حق من يأتي مبكراً، لا من يأتي متأخراً، ثم إذا جاء وقد امتلأ المسجد يتخطى رقاب الناس ويشق الصفوف، يريد أن يكون في الصف الأول، وهو ممن تأخر، فإن هذا قد آذى الناس حيث يتخطى رقابهم، وآذاهم حيث يضيق عليهم، وآذى نفسه حيث تسبب في الإضرار بالناس، فتناله مغبة ذلك ومضرة ذلك، ( والرسول عليه الصلاة والسلام لما كان يخطب ورأى رجلاً يتخطى رقاب الناس، قال له: اجلس فقد آذيت )، يعني: كونه يشق الصفوف وينتقل من صف إلى صف، فهو يؤذي الناس.قوله عليه الصلاة والسلام: ( ولو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه ) التهجير: هو التبكير إلى الصلوات، والمبادرة إليها، والمراد بذلك: الصلوات كلها، وقيل إن المراد به: المبادرة إلى صلاة الظهر؛ لأنها هي التي تكون في الهاجرة، التي هي عند منتصف النهار، لكن حمله على الصلوات كلها هو الأولى، وتكون صلاة الظهر كغيرها من الصلوات داخلة في هذا الذي حث عليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.والحديث يدلنا أيضاً على فضل صلاة الجماعة؛ لأن التهجير هو التبكير إلى المساجد، ودال أيضاً على فضل التبكير إلى المساجد؛ لأن من بكر فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، كما جاء ذلك في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
دلالة الحديث على الحث على صلاة العشاء جماعة وتسميتها بالعتمة
ثم قال: (ولو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوهما) أي: أتوا هاتين الصلاتين في المساجد، قوله: (ولو حبواً) أي: حبواً على الركب، ولو كان عليهم مشقة ولا يستطيعون أن يصلوا إلا بالحبو على ركبهم فإنهم يفعلون ذلك، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الباب؛ لأنه أطلق على العشاء العتمة، قال: الصبح والعتمة، أي: العشاء.وهذا يدل أيضاً على الحث على صلاة الجماعة، والحث على هاتين الصلاتين، وهما: العشاء والفجر، وقد جاء في حديث آخر: ( أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر )، أي: الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين، ولكن العشاء والفجر أثقل من غيرهما؛ لأن العشاء تكون في أول الليل، عندما يكدح الناس في النهار ويتعبون وينصبون، ثم يأتون وهم بحاجة إلى النوم، فإنهم ينامون عن صلاة العشاء، فهي تأتي في أول الليل، ولهذا جاء في الحديث: (وكان يكره النوم قبلها)، أي: صلاة العشاء، وقد مر بنا قريباً، وذلك لأنه يؤدي إلى تفويت صلاة العشاء والفجر، لأنها تأتي في الوقت الذي طاب فيه النوم، واستغرق الإنسان فيه، وتلذذ في الفراش، فيثقل عليه أن يقوم من هذا الفراش، ومن هذا المكان الدافئ، ويخرج إلى البرد، وهذا شأن المنافقين.ثم قال: (ولو يعلمون ما فيهما من أجر، لأتوهما ولو حبواً)، وهذه طريقة المنافقين، أنها تثقل عليهم الصلوات، كما بين الله عز وجل ذلك عنهم في كتابه العزيز بقوله: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54].وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا سباقين إلى كل خير وحريصين على كل خير، رضي الله عنهم وأرضاهم، فكان الواحد منهم يصيبه المرض، ولا تسمح له نفسه أن يصلي في بيته مع شدة مرضه؛ لأنهم يعلمون أن الأجر العظيم هو في حضور الجماعة، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف، يعني: أن الواحد منهم يؤتى به يهادى بين الرجلين لمرضه، حتى يقام في الصف أو يجلس في الصف؛ لأنه لا يستطيع أن يأتي مشياً بمفرده، بل يحتاج إلى من يعضده من يمينه ومن شماله، فهذا هو شأن الذين وفقهم الله عز وجل، ويعلمون ما لحضور الجماعة من الأجر، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً)، هذا من فضل الله عز وجل، أن الإنسان إذا كان محافظاً على الصلوات ومحافظاً على الأعمال، ثم حصل له مرض أو سفر، فإن الله تعالى يُجري له ذلك الثواب في حال مرضه وفي حال سفره، مثلما كان في حال إقامته وفي حال صحته وعافيته، وهذا من فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه على عباده. فقوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: (ولو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبواً)، أي: أتوا إلى الصلاتين في المساجد ولو حبواً على ركبهم، و(حبواً) خبر لكان المحذوفة مع اسمها؛ لأن كان تحذف هي واسمها في بعض الأحيان، ومنها هذا الموضع، (ولو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوهما) أي: ولو كان إتيانهما حبواً، فحذفت كان واسمها وبقي خبرها، وهذا سائغ في اللغة، ومنه ما جاء في هذا الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن هذا فيه إبقاء خبر كان مع حذفها وحذف اسمها.وقد جاء في ذلك الحديث الذي ذكرته: (أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، أي: لو كان هناك في المسجد شيء يقسم من أمور الدنيا، لحضروا إلى المساجد من أجل أن يأخذوا نصيبهم من الدنيا؛ لأن رغبتهم في الدنيا وليس رغبتهم في الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم -أي: المنافقون- أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، أي: لو يعلم أحدهم أن في المسجد لحم يوزع، لجاء إلى المسجد، ليحصل هذه الدنيا، مع أن ثواب الآخرة خير وأبقى، والإنسان يأتي يرجو ما عند الله، ويرجو الثواب عند الله، هذا هو الباقي، وهذا هو الذي ينفع صاحبه، فهم ليس همهم الآخرة، وإنما همهم الدنيا، والعرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم، أو مرماتين حسنتين يعني: ضلعين بينهما شيء من اللحم، أو ظلفين بينهما شيء من اللحم.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)
قوله: [أخبرنا عتبة بن عبد الله].هو اليحمدي المروزي، وهو صدوق خرج له النسائي وحده. [قرأت على مالك بن أنس].وهو إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة، التي كان لها أصحاب عنوا بتدوينها وبجمعها، وكما هو معلوم: هناك أئمة فقهاء غيرهم، لهم أقوال ولهم اجتهادات، لكن ما حصل لهم مثلما حصل لأصحاب المذاهب الأربعة، أصحاب يعنون بها وبتدوينها وبالتفريع عليها، وما إلى ذلك مما يلزم في خدمتها وتدوينها، وهؤلاء الأربعة ومنهم الإمام مالك رحمة الله عليه، حصل لمذاهبهم ولأقوالهم عناية من أصحابهم الذين عنوا بجمع كلامهم، وترتيبه، وتنظيمه، وتفصيله، وتوضيحه، وما إلى ذلك مما يتعلق بخدمته، وهو محدث فقيه، إمام مشهور، وكنيته أبو عبد الله، كما أن الشافعي كنيته أبو عبد الله، والإمام أحمد كنيته أبو عبد الله، فثلاثة من أصحاب المذاهب يكنون بأبي عبد الله، والشافعي يروي عنه الإمام أحمد، فـأحمد روى عن الشافعي، والشافعي روى عن مالك.وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر هؤلاء الثلاثة في إسناد، وهو حديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، وهو في مسند الإمام أحمد، وقد رواه عن الشافعي، والشافعي رواه عن الإمام مالك، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره عند قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، ثم قال: وهذا حديث عزيز اجتمع فيه - عزيز: يعني نادر، ليس عزيزاً في الاصطلاح الذي جاء من طريقين، وإنما أراد بالعزة: الندرة، وكذلك القوة من حيث قوة الإجازة - ثلاثة من أصحاب المذاهب المشهورة. والإمام مالك خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد أفراد السلسلة التي قال عنها البخاري: إنها أصح الأسانيد، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر .[ح والحارث بن مسكين]. هنا ما قال: وأخبرني الحارث بن مسكين، أي: وحدثني الحارث بن مسكين؛ لأن النسائي أحياناً يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، فقد قيل في هذا: أن للنسائي مع الحارث بن مسكين حالتين: حالة جرى بينه وبينه وحشة، فمنعه من أن يأخذ عنه، فكان يأتي من وراء الستار ويسمع، والحارث لا يدري، ثم يروي عنه بالإسناد، وفي هذه الحالة لا يقول: حدثني، ولا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصد تحديثه ولا إخباره، بل منعه، فكان يترك أن يعبر بـ(حدثني) و(أخبرني) وفي بعض الحالات كان قد أذن له، وزال ما بينه وبينه من الوحشة، فكان يأخذ عنه، وفي تلك الحال يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، فهذا الفرق بين ما جاء فيه: أخبرني الحارث، وبين ما جاء فيه الحارث بن مسكين بدون أخبرنا. والحارث بن مسكين هو المصري، وهو ثقة فقيه، خرج له أبو داود والنسائي .[عن ابن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم، وهو صاحب الإمام مالك، وهو مصري، ثقة، فقيه، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي . ولم يخرج له مسلم، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه، ولا أبو داود في السنن.[حدثني مالك عن سمي].وهنا التقى الطريقان: طريق عتبة بن عبد الله عن مالك، وطريق الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، التقت الطريقان في الإمام مالك رحمه الله، ثم اتحد الطريقان بعد ذلك.وسمي هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي صالح].وهو ذكوان السمان، مشهور بكنيته، ويأتي ذكره أحياناً باسمه، واسمه ذكوان السمان، قيل: إنه كان يبيع السمن، فقيل له: السمان، نسبة إلى بيع السمن، ويأتي ذكره كثيراً بكنيته، وهو كثير الرواية عن أبي هريرة، وذكوان السمان ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، واسمه عبد الرحمن بن صخر في أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو المعروف بكثرة الحديث عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
الكراهية في أن يقال للعشاء: العتمة
شرح حديث: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه... وإنها العشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الكراهية في ذلك.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو داود هو الحفري عن سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن أبي سلمة عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه، فإنهم يُعتمون على الإبل وإنها العشاء) ].أورد النسائي رحمه الله الترجمة، وهي: الكراهية في ذلك. يعني: كراهية إطلاق العتمة على العشاء.والباب الأول يدل على جواز أن يقال لها: العتمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنها: العتمة، حيث قال: (ولو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة...) أي: في العشاء والفجر، فأطلق على العشاء أنها العتمة، وهذه الترجمة تدل على كراهة ذلك.والمقصود من ذلك أن الأولى أن يطلق عليها العشاء؛ لأن الله تعالى أطلق عليها العشاء في كتابه، وكثيراً ما جاء ذكرها في السنة، وإن كان قد جاء ذكر العتمة في بعض الأحاديث، إلا أن ما أورده المصنف هنا، وما سبق أن مر في بعض الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: (التي تدعونها العتمة) لأن قوله: (التي تدعونها العتمة)، يشعر بأن الأولى عدم التعبير بهذا، فهذا هو المقصود من الترجمة.ثم أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه، فإنهم يعتمون على الإبل، وإنها العشاء)، يقال لها: العتمة؛ لأن العتم أو العتمة هي الظلام أو شدة الظلام، فقال: (لا تغلبنكم الأعراب) لأنهم يطلقون عليها العتمة، والله عز وجل أطلق عليها في كتابه العزيز: العشاء، فلا تغلبنكم الأعراب على أن تكثروا من استعمال هذا الاسم، وتتركوا الاسم الذي سماها الله عز وجل به في كتابه العزيز، بل الذي ينبغي أن يكون الأمر بالعكس، وهو أن يكون الإكثار من إطلاق العشاء، وإطلاق العتمة يكون قليلاً كما جاء في بعض الأحاديث، منها الذي مر: (ولو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة).فإذاً: فإطلاق العتمة عليها جائز، ولكن الأولى أن يكون التعبير عنها بلفظ العشاء؛ لأنه اللفظ القرآني الذي جاء في الكتاب العزيز.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم هذه... وإنها العشاء)
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا أبو داود هو الحفري ].وهو الحفري، وقوله بعدها: هو الحفري، القائل لها هو ممن دون تلميذه؛ لأن تلميذه وهو أحمد بن سليمان الرهاوي قال: أخبرنا أبو داود فقط، وما زاد على هذه الكلمة، لكن من دونه وهو النسائي، أو من دونه عندما أرادوا أن يوضحوا من هو أبو داود قالوا: هو الحفري. والحفري نسبة إلى موضع بالكوفة، يقال لها: الحفر بالحاء والفاء المفتوحتين.وهو عمر بن سعد بن عبيد الحفري، وأبو داود الحفري ثقة، خرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، وفي طبقتهم أبو داود الطيالسي، يعني: النسائي روى عنه بواسطة، وهذا يروي عنه بواسطة، فقوله: (هو الحفري) حصل به التمييز والإيضاح.[عن سفيان].وهو الثوري، وأبو داود الحفري يروي عن سفيان الثوري، وهما من بلد واحد، يعني: من الكوفة. وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق، الإمام، المحدث، الفقيه، الحجة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وكانوا يميزون بين الرجال في قوة الحفظ، والتمكن من الحفظ، بأن يعدوا أخطاءه وأغلاطه، يعني: إذا أرادوا أن يعرفوا أي الاثنين أشد تمكناً، وأشد تثبتاً، وأعظم حفظاً، يعرفون ذلك بِعدِّ أخطاء هذا وأخطاء هذا، فإذا جمعوا أخطاء هذا وأخطاء هذا، ووازنوا بينها، من كان أقل خطأً اعتبروه أثبت وأحفظ من الثاني، وسفيان الثوري هذا من الحفاظ المتقنين، الذي وصف بهذا الوصف الرفيع، واللقب العالي، وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي لبيد].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن أبي سلمة].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن السابع من الفقهاء السبعة في المدينة قيل فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا، والثاني: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. فأبو سلمة هذا هو سابع الفقهاء السبعة في أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.قوله: [عن ابن عمر رضي الله عنهما].وهو عبد الله بن عمر الصحابي الجليل المعروف بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
حديث: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن عيينة عن عبد الله بن أبي لبيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه زيادة أن ذلك كان على المنبر، يعني: قال لهم هذه المقالة وهو على المنبر، وهو بمعنى الحديث الذي قبله وبلفظه تقريباً. قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر المروزي، راوية عبد الله بن المبارك، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله بن المبارك].وهو المروزي أيضاً، وهو: ثقة، إمام، حافظ، جواد، مجاهد، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من خصاله وصفاته، وقال بعدها: جمعت فيه خصال الخير. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عيينة].وهو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي لبيد].ثم بعد ذلك يتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبل هذا.
أول وقت الصبح
شرح حديث: (صلى رسول الله الصبح حين تبين له الصبح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب أول وقت الصبح.أخبرنا إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح حين تبين له الصبح)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة: باب أول صلاة الصبح. وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح حين تبين له الصبح)، يعني: تبين له ضوء الفجر، وهو الضوء الذي يأتي معترضاً في الأفق، ثم يتزايد حتى تطلع الشمس، فلما تبين له الصبح صلى الصبح التي هي الفجر، وهذا يدل على أنه صلاها في أول الوقت.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلى رسول الله الصبح حين تبين له الصبح)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن هارون].هو البلخي، وهو صدوق أخرج له الترمذي في الشمائل والنسائي.[حدثنا حاتم بن إسماعيل].وهو صدوق يهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين].وهو المعروف بـالصادق، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الرافضة الذين يقدسونهم ويعظمونهم، بل يغلون فيهم، ويجعلون الواحد منهم أفضل من الملائكة والنبيين، وقد قال هذا كبيرهم الذين هلك قبل ثلاث سنوات، وهو الخميني في كتابه الحكومة الإسلامية، وفي الصفحة الثانية والخمسين منه قال: (وإن من ضروريات مذهبنا، أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل)، وأهل السنة لا يغلون ولا يجفون، لا يتجاوزون الحدود ولا يقصرون، وإنما ينزلون الناس منازلهم، ولكن من يكون من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يحبونه لتقواه ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـجعفر هذا رحمة الله عليه هو أحد أئمة أهل السنة، وهو صدوق، فقيه، خرج له البخاري في كتاب الأدب المفرد، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].وهو محمد بن علي بن الحسين المشهور بـالباقر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وأما الرافضة فإنهم يقولون في جعفر وأبيه محمد، وجده علي، وأبي علي الحسين، وأبي الحسين علي، يقولون: هؤلاء معصومون، لا يسهون، ولا يغفلون، ولا يخطئون، بل يعتبرونهم أفضل من الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين، وهذه الكلمة التي قلتها ليست مقالة جاهل من جهالهم، أو غير متمكن في مذهبهم، بل زعيمهم الأكبر، وآيتهم العظمى، فهو الذي يقول هذه المقالة الفاجرة الكاذبة، التي هي أبعد ما تكون عن الحق والصواب.[أن جابر بن عبد الله].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث أنس في وقت الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن وقت صلاة الغداة، فلما أصبحنا من الغد أمر حين انشق الفجر أن تقام الصلاة فصلى بنا، فلما كان من الغد أسفر، ثم أمر فأقيمت الصلاة فصلى بنا، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ ما بين هذين وقت) ].أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت صلاة الغداة) يعني: الفجر، فصلى في يوم من الأيام (حين انشق الفجر) يعني: حين طلع الفجر صلى ثم في اليوم التالي لما أسفر جداً صلى (ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة؟ ما بين الوقتين وقت) يعني: ما بين هذه البداية والنهاية وقت، يعني: أي وقت صليت من هذا الزمن إلى هذا الزمن فكل ذلك وقت لها.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في وقت الصبح
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو السعدي المروزي، وهو ثقة حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .[حدثنا إسماعيل].وهو ابن جعفر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد].وهو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، يدلس، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة، وقد ذكر في ترجمته أنه مات وهو قائم يصلي.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:16 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(104)
- (باب التغليس في الحضر) إلى (باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح)
حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة جماعة في وقتها ورتب على ذلك الأجر والثواب، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التبكير إلى الصلاة وأداءها في أول وقتها يكون أفضل وأولى من تأخيرها، وأرشدنا إلى أن من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصلاة.
التغليس في الحضر
شرح حديث: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التغليس في الحضر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: التغليس في الحضر. المراد من ذلك التغليس لصلاة الصبح في الحضر؛ يعني: في حال الإقامة، فالتغليس: هو الإتيان بصلاة الفجر في أول وقتها، فيأتي بها بغلس، يعني: بالظلام، هذا هو التغليس، وكذلك أيضاً الصلوات الأخرى يؤتى بها في أول وقتها؛ لأن الصلاة في أول الوقت مبادرة إلى الخير، ومبادرة إلى أداء الواجب، وحرص على أداء ما فرض الله عز وجل.وعرفنا -فيما مضى- أنه في حال شدة الحر يبرد لصلاة الظهر، وأن صلاة العشاء تؤخر ما لم يكن هناك مشقة على الناس، وإلا فإنه يبكر بها ويبادر بها. وقد أورد النسائي حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)؛ يعني: أنهن يحضرن الجماعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم يذهبن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس؛ أي: أنه ما حصل ظهور الضياء الشديد الذي يحصل به التبين والتعرف على الإنسان، فهذا يدلنا على التبكير بصلاة الصبح، وعلى حضور النساء الصلاة في المساجد، وعلى أنهن يتسترن إذا خرجن، فالتلفع هو: التلفف، ويكون ذلك أيضاً بتغطية الرءوس؛ لأن التلفف قد يكون بتغطية الرءوس وقد يكون بغيرها، لكن التلفع فيه تلفف مع تغطية الرأس.ومن المعلوم: أن كونهن ينصرفن وهن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، معنى هذا أن الصلاة قد فرغ منها والغلس موجود، أي: الظلام، وهذا يدل على التبكير لصلاة الفجر، وهو مطابق لما ترجم له المصنف.وأما ذكر الحضر فهو عند ذكر النساء وأنهن يحضرن الصلاة وينصرفن متلفعات بمروطهن إلى منازلهن فهذا إنما يكون في الحضر.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن كان رسول الله ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المعروف المشهور، وأحد الأئمة الأربعة الذين دونت مذاهبهم، واعتني بأقوالهم، وصار لهم أصحاب عنوا بها وقاموا بتدوينها. لكن هذا لا يعني أن غير الأئمة الأربعة ليس مثلهم في الفقه وفي العلم، بل من العلماء من هو في زمانهم وقبل زمانهم من هو متمكن، وهناك من هو مثلهم، ومن هو مجتهد في الفقه، ولهم أقوال، إلا أنه ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة؛ أي: لا يوجد لديهم أصحاب يعنون بجمع كلامهم وجمع فقههم وتدوينه وترتيبه والعناية به، وهذا لا يعني أن الحق محصور في أقوال الأئمة الأربعة، ولكن الأئمة الأربعة مجتهدون، وهم إما مجتهدون مصيبون أو مخطئون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، فاللائق بطالب العلم هو محبتهم، والثناء عليهم، والاستفادة من علمهم، لكن لا يلتزم الإنسان بقول واحد منهم؛ لأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا يقال هذا حتى في حق الخلفاء الراشدين، لكن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكثر صواباً من غيرهم، ولكن لا يعني هذا أن الواحد منهم معصوم لا يخطئ، ولكنه سواء أصاب أم أخطأ فهو مأجور، وكذلك أصحاب المذاهب الأربعة رحمة الله عليهم هم مجتهدون، ولا يعدم كل واحد منهم الأجر أو الأجرين؛ كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد).إذاً: فطالب العلم والمسلم أيضاً عليه أن يعنى بمعرفة الحق بدليله، ويستفيد من كلام العلماء، فيرجع إلى كلام العلماء، لكن هذا لا يعني أن يقول: الحق مع فلان، وأنا ألتزم بقول فلان، ولا أخرج عن قول فلان، بل عليه أن يرجع إلى كلام أهل العلم، وأن يسأل أهل العلم، وأن يعرف الحق بدليله، وإذا ثبت الدليل عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه لا يجوز لأحد أن يتركه، وهذه هي وصية الأئمة الأربعة، ولذلك فكل واحد منهم أوصى بأنه: إذا وجد حديث صحيح بخلاف ما قاله واحد منهم فإنه يعول على الحديث الصحيح، ويترك ما قاله الواحد منهم، وقد قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، فهذا هو المنهج، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح: إن المطلوب هو الرجوع إلى كلام أهل العلم، وإلى الاستفادة منهم، ومعرفة أقوالهم، ولكنه إذا وجد الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يصار إلى غيره.إذاً: فيعنى بمعرفة الدليل، ويستفاد من كلام الفقهاء، ويترحم عليهم ويترضى عنهم ويحبون، ويعتقد بأنهم غير معصومين، وأنهم مجتهدون، وأن المجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وقال: إن الإنسان إذا كان في الفلاة، فإنه يستدل على القبلة بالنجم، لكن الإنسان إذا وصل إلى القبلة وصارت الكعبة أمامه فإنه لا يحتاج إلى أن ينظر في النجوم ليعرف القبلة؛ لأن القبلة أمامه، قال: فكذلك العلماء، فالإنسان عندما لم يتبين له الحق يستفيد منهم، ويستدل على الحق بكلامهم وذلك حين لا يوجد الدليل، لكن إذا وجد الدليل فقد وصل إلى الغاية، وهذا هو معنى كلام الإمام الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان. وكان الإمام الشافعي رحمة الله عليه عندما يسأل في مسألة، ويكون عنده فيها حديث لكنه ثبت عنده، يقول: إن صح الحديث قلت به، وكان بعض أتباعه كـالبيهقي والنووي عندما يصح الحديث يقولون: وقد صح الحديث فهو مذهب الشافعي؛ لأن الشافعي علق الحكم على ثبوت النص، فإذا ثبت فإنه لا يتجاوز ولا يتعدى إلى غيره.فالإمام مالك رحمة الله عليه هو أحد الأئمة الأربعة الذين هم أصحاب المذاهب المشهورة، وكما قلت فإن الفقهاء في زمانهم كثيرون، منهم: الأوزاعي، ومنهم: الثوري، ومنهم: إسحاق بن راهويه، ومنهم: إبراهيم النخعي وغيرهم.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو من صغار التابعين، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة].هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاري، وهي ثقة، وكثيرة الرواية عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أكثر الصحابيات حديثاً، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ستة من الرجال وواحدة من النساء، هذه الواحدة هي عائشة، وهم الذين جمعهم السيوطي بقوله في الألفية:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
حديث: (كن النساء يصلين مع رسول الله ... فيرجعن فما يعرفهن أحد من الغلس) وتراجم رجال إسناده
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كن النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح متلفعات بمروطهن، فيرجعن فما يعرفهن أحد من الغلس) ].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله: ( أن النساء كن يصلين مع الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح متلفعات بمروطهن، فيرجعن ما يعرفهن أحد من الغلس ). وهو دال على ما ترجم له المصنف، وهو كالرواية التي قبله من التغليس بصلاة الصبح في الحضر. قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المعروف بـابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف عال، من أرفع صيغ التعديل، ولم يظفر به إلا القليل النادر من المحدثين، ومنهم إسحاق بن راهويه هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة؛ لأنه يروي عن الزهري، والذي يروي عن الزهري هو سفيان بن عيينة؛ لأن الثوري ليس معروفاً بالرواية عن الزهري، بل قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إنما يروي عنه بواسطة، والذي يروي عنه مباشرة - أعني الزهري - هو سفيان بن عيينة، فـسفيان مهمل غير منسوب، لكن إذا جاء سفيان مهمل غير منسوب، وهو يروي عن الزهري، فيحمل على أنه ابن عيينة وليس الثوري، وابن عيينة، ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومنسوب أيضاً إلى جده شهاب فيقال له: ابن شهاب، وهذان أكثر ما يأتي الإطلاق عليه، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، وهو إمام، محدث، فقيه، جليل القدر، كثير الرواية، وهو أول من قام بجمع السنة بتكليف من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته، وقد قال السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروالمراد بذلك: الجمع بتكليف من الخليفة، وبتكليف من السلطان، أما الجمع والتدوين بغير تكليف، وإنما بأفعال وبجهود فردية، فهذا موجود قبل ذلك، كما جاء عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب، وكذلك في التابعين، ولكن الجمع بطريقة رسمية بتكليف من الخليفة، فهذا حصل في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، وحصل التكليف لـابن شهاب الزهري، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].هو ابن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهو يروي عن خالته عائشة؛ لأن عروة بن الزبير هو ابن أسماء بنت أبي بكر، وهنا يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.
التغليس في السفر
شرح حديث: (صلى رسول الله يوم خيبر صلاة الصبح بغلس...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التغليس في السفر.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر صلاة الصبح بغلس، وهو قريب منهم، فأغار عليهم وقال: الله أكبر خربت خيبر مرتين، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب التغليس في السفر. الترجمة الأولى التغليس في الحضر، وأورد حديث عائشة من طريقين، وهذه الترجمة التغليس في السفر، يعني: كونه يصليها بغلس في السفر، وأورد فيه حديث أنس في قصة غزوة خيبر، وهي: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس قريباً من خيبر) وهذا هو محل الشاهد: (صلاها بغلس)؛ يعني: مبكراً في أول وقتها، ثم قال: (الله أكبر خربت خيبر مرتين، إنا إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين) وقوله: (خربت خيبر)؛ يعني: خربت على أهلها، وأنهم خذلوا، وأنهم هزموا، وأن النصر للمسلمين عليهم.فمحل الشاهد منه قوله: (صلاها الصبح بغلس، قريباً من خيبر) يعني: في السفر، فهو مطابق لما ترجم له، وأنه في السفر؛ لأنه قريباً من خيبر.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلى رسول الله يوم خيبر صلاة الصبح بغلس...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن راهويه الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[أخبرنا سليمان بن حرب].هو الأزدي البصري، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن زيد].هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة الذين عاشوا بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم الفترة الطويلة، واستفاد الناس من علمهم، وقد خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين؛ لأنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان عمره عشر سنوات، وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وعمره - أي أنس - عشرين سنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعمر بعد ذلك مدة طويلة، وهو من المعمرين، ومن أواخر الصحابة موتاً، وقد استفاد الناس من علمه وحديثه، ورجعوا إليه، واستفادوا منه، ولهذا هو أحد السبعة الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث. ورجال هذا الإسناد كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي إسحاق بن راهويه فإنه لم يخرج له ابن ماجه شيئاً، وأما الباقون وهم سليمان بن حرب، وحماد بن زيد، وثابت البناني، وأنس بن مالك، فهؤلاء جميعاً حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
الإسفار
شرح حديث: (أسفروا بالفجر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإسفار.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أسفروا بالفجر)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الإسفار. أي: الإسفار بالصبح، وهو: صلاتها عندما يحصل الإسفار والاتضاح، يعني: الضياء، وقد أورد النسائي فيه حديث رافع بن خديج رضي الله عنه (أسفروا بالفجر)، وهذا ظاهره يتعارض مع ما تقدم من التغليس بها، لكن جمع العلماء بين الحديثين، بأن المقصود من ذلك: أن الصلاة تصلى في أول الوقت، وأنه يغلس بها، ويكون معنى الإسفار هو تحقق طلوع الفجر، أو يكون المراد: أنه يبدأ بالصلاة فيها في وقت مبكر ثم تطول القراءة حتى إذا انتهى من الصلاة وحصل اتضاح النور، فجمعوا بين الحديثين بهذا، وقالوا: إنه لا تعارض مع ما جاء في التغليس، ومن المعلوم: أن صلاة الفجر تطول فيها القراءة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالستين إلى المائة كما جاء ذلك في الحديث.إذاً: فمعنى: (أسفروا بالفجر) لا يعني أنه لا يبكر بها، وإنما يبكر بها، ولكن يحمل حديث الإسفار على تحقق الصبح، أو إطالة القراءة حتى عندما يفرغ منها فيكون قد حصل الإسفار.
تراجم رجال إسناد حديث: (أسفروا بالفجر)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني؛ وقيل عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، فقيل له: سني، وقد خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان المحدث، الناقد، المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتابه: إنه ممن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، هو وعبد الرحمن بن مهدي، وقال: إنهما إذا اتفقا على جرح شخص، فإنه لا يكاد يندمل جرحه؛ معناه: أنهما يصيبان الهدف.[عن ابن عجلان].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني عاصم بن عمر بن قتادة].وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمود بن لبيد].هو صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة، ومن المعلوم أن الصحابة لا يحتاجون إلى أن يقال عن الواحد منهم كذا وكذا من التوثيق والتعديل؛ لأنه من حصل له الوصف بأنه صحابي فيكفيه شرفاً ونبلاً وفضلاً، ولا يحتاج وراء ذلك إلى شيء آخر.[عن رافع بن خديج].هو رافع بن خديج الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رجال من قومه من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر) ].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث محمود بن لبيد لكنه لم يذكر الصحابي، وإنما عن رجال من قومه من الأنصار، وقد ذكر في الإسناد الأول واحداً منهم، وهو رافع بن خديج، وهنا ذكر أنه عن رجال، ومن المعلوم أن رافع بن خديج من الأنصار، فهو واحد من هؤلاء، وقد عرفنا أن جل روايته عن الصحابة فيما يرويه، وهنا فيه التصريح أنه عن رجال من قومه من الأنصار، وفي الرواية الأولى تسمية واحد منهم وأنه رافع بن خديج الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو بمعنى الحديث الأول: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم بالأجر أو أعظم للأجر)، يعني: هذا يدل على الإسفار بها، وأن فيه عظم الأجر، وقد عرفنا في الحديث الأول أن المقصود من ذلك أنه يكون - الإسفار - بتحقق طلوع الفجر، أو بإطالة القراءة؛ بحيث يبدأ بها مبكراً، وينتهي من الصلاة وقد حصل الإسفار.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)
قوله: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب].هو إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، وقد رمي بالنصب، وحديثه أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا ابن أبي مريم].هو سعيد بن الحكم المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وابن أبي مريم يطلق على جماعة، فيهم مصري، وفيهم حمصي، وفيهم شامي، وفيهم بصري، وكلهم يقال لهم: ابن أبي مريم، لكن يعرف ذلك بمعرفة الطبقات، وإذا اتحدت الطبقة يعرف بالتلاميذ والشيوخ، وقد ذكروا في ترجمة سعيد بن الحكم المصري بأنه روى عن أبي غسان محمد بن مطرف.[أخبرنا أبو غسان].هو محمد بن مطرف، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني زيد بن أسلم].هو زيد بن أسلم المدني، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عاصم بن عمر بن قتادة].هو عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[عن محمود بن لبيد].هو صحابي صغير، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.ويروي عن رجال من الأنصار من قومه، وجل روايته عن الصحابة، ومن هؤلاء رافع بن خديج الأنصاري الذي مر ذكره في الإسناد السابق.ومن المعلوم: أن الصحابة رضي الله عنهم الجهالة فيهم لا تؤثر، بل الجهالة تؤثر في غيرهم، أما هم فيكفي أن يقال عن الواحد منهم: أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من أدرك ركعة من صلاة الصبح
شرح حديث: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب من أدرك ركعة من صلاة الصبح.أخبرنا إبراهيم بن محمد ومحمد بن المثنى واللفظ له، قالا: حدثنا يحيى عن عبد الله بن سعيد أخبرني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)، أي: أدرك الصلاة في وقتها، وقوله: (من أدرك سجدة) المراد بالسجدة: الركعة، وليس المقصود من ذلك السجدة التي هي أحد أجزاء الركعة، ولهذا النسائي أورد الحديث تحت: من أدرك ركعة، والسجدة يراد بها الركعة، وقد جاء في عدد من الأحاديث إطلاق السجدة على الركعة.وقد ذكرت -فيما مضى- أن المساجد إنما سميت مساجد نسبة إلى السجود؛ وذلك أن الإنسان عندما يسجد يتمكن من الأرض في حال سجوده، وأشرف شيء فيه إنما يصل إلى الأرض في حال السجود، فلهذا قيل لأماكن الصلاة: مساجد، يعني: مكان السجود، ومكان الصلاة، والركعة يطلق عليها سجدة، وقد جاء ذلك في أحاديث عديدة منها: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)؛ يعني: أدرك الصلاة في وقتها، أي: يضيف إليها أخرى ويصبح قد أدرك الصلاة في وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك سجدة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ...)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد].هو إبراهيم بن محمد بن عبد الله التيمي المعمري، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي. [ومحمد بن المثنى واللفظ له].هو الملقب بـالزمن وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[قالا: حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، ثبت، ناقد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن سعيد].هو عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري، وهو صدوق ربما وهم، وخرج له أصحاب الكتب الستة.[أخبرني عبد الرحمن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة] رضي الله تعالى عنه.هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
حديث: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا زكريا بن عدي حدثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها) ].هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:18 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(105)
- باب آخر وقت الصبح - باب من أدرك ركعة من الصلاة
لقد فرض الشارع علينا الصلوات، وبين الأوقات التي تؤدى فيها، فمن أدرك ركعة من الصلاة في وقتها المحدد فقد أدرك الصلاة، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يبادر بالصلاة في أول وقتها، إلا صلاة الظهر في شدة الحر وصلاة العشاء إذا لم توجد مشقة فإنه يستحب تأخيرها.
آخر وقت الصبح
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي الظهر إذا زالت الشمس... ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب آخر وقت الصبح.أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد عن شعبة عن أبي صدقة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ويصلي العصر بين صلاتيكم هاتين، ويصلي المغرب إذا غربت الشمس، ويصلي العشاء إذا غاب الشفق، ثم قال على إثره: ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر)].يقول النسائي رحمه الله: (باب: آخر وقت الصبح). كما جاء في الحديث الذي تقدم: (من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)، أي: أن طلوع الشمس هو آخر وقت صلاة الصبح، ولكن المبادرة إلى الصلوات في أول أوقاتها هذا هو المطلوب، وهذا هو الذي ينبغي ويستحب، وذلك أن المبادرة إليها في أول أوقاتها فيه مسارعة إلى الخير، وفيه مبادرة إلى أداء الواجب، والتخلص مما هو دين على الإنسان، وذلك في أول وقت يوقع فيه ذلك الفعل. وقد عرفنا فيما مضى أن الصلوات كلها تصلى في أول وقتها، والتبكير بها في أول وقتها هو المستحب، ويستثنى من ذلك الظهر في وقت شدة الحر، فإنه يبرد بها، وكذلك صلاة العشاء فإنه يستحب تأخيرها إلا إذا ترتب على ذلك مشقة ومضرة، فإنها تقدم، وتعجل في أول وقتها.وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد ذكر فيه أوقات الصلوات، (فكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس)، والمراد من ذلك أنه كان يصليها في أول وقتها؛ لأن أول وقتها يبدأ بالزوال، (فكان يصليها إذا زالت الشمس)، أي: يبكر بها. ومن المعلوم أنه جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)، فيبرد بصلاة الظهر في وقت شدة الحر، وفي غير ذلك التبكير هو الأولى.قوله: (ويصلي العصر بين صلاتيكم هاتين)، أي: الظهر، والعصر، فالمقصود من ذلك أنهم يؤخرون صلاة العصر، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يقدمها في أول وقتها، ومعنى ذلك: أن صلاة العصر إذا صليت في آخر وقتها الاختياري -وهو أن يكون فيء الشيء مثليه، وأول وقتها أن يكون فيء الشيء مثله- معنى هذا: أن صلاة العصر في أول وقتها يكون بين الصلاتين؛ صلاة الظهر في أول وقتها، وصلاة العصر في آخر وقتها الاختياري؛ لأنها إذا صليت في أول وقتها عندما يكون فيء الشيء مثله -وآخر وقت صلاة العصر الاختياري إذا كان فيء الشيء مثليه، وآخر وقت الظهر إذا كان فيء الشيء مثله، أي: المنتصف والوسط هو حيث يكون فيء الشيء مثله- فتكون بين الصلاتين، صلاة الظهر في أول وقتها، وصلاة العصر في آخر وقتها الاختياري.وأما قوله: (ويصلي المغرب إذا غربت الشمس)، هذا هو أول وقتها، يصلي المغرب إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب، وغاب القرص، وذهب، فإنه يبدأ أو يدخل وقت صلاة المغرب، فكان عليه الصلاة والسلام يصليها إذا غربت الشمس.قوله: (ويصلي العشاء إذا غاب الشفق)، وهذا هو أول وقتها إذا غاب الشفق؛ وهو الضياء الذي يكون تبعاً لغروب الشمس، فإذا غاب الشفق واشتد الظلام، وكان المغرب مثل المشرق؛ كله ظلام دامس عند ذلك يبدأ وقت صلاة العشاء، فكان يصليها في ذلك الوقت.قوله: (ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر)، أي: يتسع، بأن يرى الإنسان الشيء أمامه، فيرى مسافة بعيدة دون أن يحجبه ظلام، وليس المقصود من هذا أن هذا آخر وقت صلاة الفجر، بل آخر وقته طلوع الشمس، كما جاء ذلك في الحديث: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك)، أي: الصلاة، يعني: أدركها في وقتها، وإنما المقصود من ذلك أنه كان يصليها في وقت متأخر، ولكنه لا يصل إلى النهاية، ومن المعلوم أن التأخير إلى النهاية يترتب عليه مضرة، وهي خوف الفوات وخروج الوقت، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها إلى أن ينفسح البصر، أي: يتسع، ويرى الإنسان المسافة البعيدة دون أن يحجبه ظلام، فهذا هو الذي كان عليه عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا لا يعني: أن هذا آخر وقت صلاة الصبح، بل آخرها كما جاء في الحديث: طلوع الشمس، ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل طلوع الشمس فإنه يكون مدركاً الصلاة في وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي الظهر إذا زالت الشمس... ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو إسماعيل بن مسعود أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي.[ومحمد بن عبد الأعلى].وهو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[قالا: حدثنا خالد].وهو خالد بن الحارث، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو المحدث، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأوصاف الرفيعة والألقاب العالية التي لم يظفر بها إلا النادر من المحدثين ومنهم شعبة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي صدقة].أبو صدقة، هو: توبة مولى أنس بن مالك، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين قال عنهم السيوطي في الألفية:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـأنس رضي الله عنه هو أحد هؤلاء السبعة، وهو من صغار الصحابة المعمرين، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة، وقدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وعمره عشر سنوات، وخدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة، واستفاد الناس من علمه، وحديثه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
من أدرك ركعة من الصلاة
شرح حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من أدرك ركعة من الصلاة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)].أورد النسائي هذه الترجمة: (باب من أدرك الصلاة). وإيراد النسائي لهذا الباب في كتاب المواقيت يشعر بأن المقصود منه الدلالة على إدراك الصلاة في وقتها، وأنه إذا أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فإنه يكون مدركاً للصلاة في الوقت، ويوضح هذا ما جاء وما تقدم: (من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس... إلخ، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس... إلخ)، فإنه يكون مدركاً للصلاة في وقتها، فتكون هذه الأحاديث في هذا الباب بمعنى تلك الأحاديث التي فيها بيان آخر وقت صلاة العصر، وآخر وقت صلاة الفجر، وأن الوقت يدرك بإدراك ركعة من الصلاة في الوقت، وأن الصلاة تدرك أداءً في إدراك ركعة من الصلاة فيكون مدركاً لها، ويكون هذا الحديث بمعنى الأحاديث التي ستأتي، وهذا الحديث أولها، وهو بمعنى: الأحاديث المتقدمة في إدراك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس، وركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المحدث، الفقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].ابن شهاب الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو: إمام، محدث، فقيه، مكثر من رواية الحديث، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، فقد اختلف العلماء هل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أو سالم بن عبد الله بن عمر ؟ فـأبو سلمة هذا هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، لم يرو عن صحابي مثلما روي عنه من كثرة الحديث رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس حدثنا عبيد الله بن عمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)].هنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الأول.قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو فقيه أيضاً، ومن الفقهاء المعروفين المشهورين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا عبد الله بن إدريس].وهو عبد الله بن إدريس الأودي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبيد الله بن عمر].وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: عبيد الله المصغر، وهو الثقة، أما أخوه عبد الله المكبر فهو ضعيف، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ولهذا يفرقون بينهما بأن يقولوا: المصغر والمكبر، بأن هذا عبيد الله بتصغير عبد، وهناك عبد الله بالتكبير، فالمصغر ثقة، والمكبر ضعيف.[عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة].وقد مر ذكرهم سابقاً.
حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني يزيد بن محمد بن عبد الصمد حدثنا هشام العطار حدثنا إسماعيل، وهو ابن سماعة عن موسى بن أعين عن أبي عمرو الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة)].وهنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى ما تقدم من الروايات عن أبي هريرة رضي الله عنه. قوله: [أخبرني يزيد بن محمد بن عبد الصمد].وهو صدوق، روى له أبو داود، والنسائي.[حدثنا هشام العطار].هشام العطار، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا إسماعيل وهو ابن سماعة].إسماعيل بن سماعة، ثقة، قديم الموت، من الثامنة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن موسى بن أعين].موسى بن أعين الجزري مولى قريش أبو سعيد ثقة، عابد، من الثامنة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[عن أبي عمرو الأوزاعي].أبو عمرو الأوزاعي، وهو: عبد الرحمن بن عمرو، كنيته توافق اسم أبيه، أبي عمرو الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو، وهو فقيه الشام، ومحدثها، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة].وهؤلاء هم الذين جاءوا في الإسنادين قبل هذا.
حديث: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق أخبرنا أبو المغيرة حدثني الأوزاعي حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)].وهنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى رابعة، وهو بمعنى ما تقدم. قوله: [أخبرني شعيب بن شعيب بن إسحاق].هو شعيب بن شعيب بن إسحاق الدمشقي، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده، وقيل: إنه توفي أبوه وهو حمل في بطن أمه، فسمي باسم أبيه، فهو شعيب بن شعيب بن إسحاق الدمشقي.[أخبرنا أبو المغيرة].أبو المغيرة، وهو عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثني الأوزاعي عن الزهري].مر ذكرهم في الأسانيد الماضية[عن سعيد بن المسيب].سعيد بن المسيب الفقيه، المحدث، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة].وقد تقدم ذكره.
شرح حديث: (من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني موسى بن سليمان بن إسماعيل بن القاسم حدثنا بقية عن يونس حدثني الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته)، هذا اللفظ قد يكون المقصود منه المسبوق إذا أدرك ركعة من الجمعة فإنه يكون مدركاً للصلاة، وإذا لم يدرك ركعة من الجمعة فإنه يدخل مع الجماعة، ولكن يتمها ظهراً.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته)
قوله: [أخبرني موسى بن سليمان بن إسماعيل بن القاسم].وهو موسى بن سليمان بن إسماعيل بن القاسم المنبجي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: أنه صالح الحديث إلا في الرواية عن بقية، وهذا الحديث هو من روايته عن بقية.[حدثنا بقية]. وبقية مدلس، وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وذاك الذي هو المنبجي خرج حديثه النسائي، وبقية خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، ولكن الحديث كما هو واضح جاء من طرق متعددة.[عن يونس].يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني الزهري].وقد تقدم ذكره.[عن سالم ].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي جليل، وهو من صغار الصحابة، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا أيوب بن سليمان حدثنا أبو بكر عن سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب عن سالم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها، إلا أنه يقضي ما فاته)].هنا أورد النسائي حديث سالم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها، إلا أنه يقضي ما فاته)، وسالم هو من التابعين كما هو معلوم فإذا أضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حديثاً فهو مرسل، وهو معروف بالرواية عن أبيه، فالحديث الذي قبل هذا هو من روايته عن أبيه، وهذا مرسل، ولكن مطابق للأحاديث التي وردت في هذا الباب، فيكون صحيحاً بها، أما لو لم يأتِ الحديث إلا من هذه الطريق فإنه يكون مرسلاً، والمرسل معروف حكمه عند المحدثين؛ أنه لا يكون حجة على القول الصحيح؛ لأن التابعي إذا أضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون روى عن صحابي أو تابعي، وذاك التابعي يحتمل أن يكون ثقة أو ضعيفاً، وإذا كان ثقة فيحتمل أن يكون روى عن تابعي ثقة أو ضعيف، واحتمال الضعف فيه من جهة أنه يكون تابعياً ضعيفاً، فإنه لا يحتج بالحديث المرسل، ولكن الحديث جاء من طرق عن أبي هريرة وعن غيره، وهو بمعنى تلك الأحاديث، فيكون ثابتاً ولا يكون ضعيفاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها...)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي].هو محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي أبو إسماعيل الترمذي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا أيوب بن سليمان].هو أيوب بن سليمان بن بلال القرشي، ثقة لينه التاجي بلا دليل، وقد خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني: ما خرج له مسلم، ولا ابن ماجه.[حدثنا أبو بكر].أبو بكر، وهو عبد الحميد بن عبد الله الأويسي، ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن سليمان بن بلال].سليمان بن بلال، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يونس].وهو يونس بن يزيد الأيلي، وقد تقدم ذكره.[عن ابن شهاب].وابن شهاب، كذلك تقدم.[عن سالم].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقد تقدم.
الأسئلة
المدة التي يعتبر فيها المسافر مقيماً
السؤال: متى يعتبر المسافر مقيماً؟الجواب: إذا وصل المسافر إلى بلد وعند دخوله فيها عزم على الإقامة أربعة أيام فأكثر، فإنه يعتبر مقيماً، وعليه أحكام المقيم، بمعنى: أنه يتم، وحكمه حكم المقيمين، والدليل على هذا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يثبت عنه أنه مكث في بلد أو في مكان مدة عند الدخول يعلم المدة التي يمكثها إلا في حجة الوداع، فإنه لما دخل مكة في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة، وكان يريد أن يخرج منها في اليوم الثامن إلى منى، فهذه إقامة محققة، فيكون في خلال تلك المدة المسافر يقصر. وأما إذا نوى إقامة أكثر من ذلك فإنه يتم؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إقامة تزيد على هذه المدة، وذلك عند الدخول أنه يريد أن يبقى هذه المدة، نعم الرسول صلى الله عليه وسلم مكث في أماكن أكثر من هذه المدة، ولكن ما جاء أنه كان عند الدخول يريد أن يمكث هذه المدة، ومن المعلوم أن المسافر إذا دخل وله حاجة، وهو لا يعلم متى تنتهي فإنه يقصر ولو طالت المدة. وأما إذا كان عند الدخول عنده عزم على مكث هذه المدة التي هي أكثر من أربعة أيام فإنه في هذه الحالة يتم، إلا إذا كانت أربعة أيام فأقل؛ لأن هذا هو الذي جاء فيه دليل في حجة الوداع لما قدم النبي مكة في اليوم الرابع وخرج منها في اليوم الثامن.
تحديد وقت صلاة العشاء بالساعات
السؤال: متى يكون آخر وقت العشاء بالتحديد بالساعة؟الجواب: لا يحدد بالساعة؛ لأن الليل يطول ويقصر، ولكن تحديده من وقت غروب الشمس إلى طلوع الفجر، والمنتصف بينهما هو آخر وقت صلاة العشاء الاختياري، مثلاً: هذه الأيام المغرب يكون السابعة إلا عشرين دقيقة، والفجر يكون على الخامسة إلا عشر دقائق، يعني: هذه المدة منتصفها هو منتصف الليل.
الأفضلية في أداء ركعتي الفجر النافلة في البيت مع فوات الصف الأول أم في المسجد مع إدراكه
السؤال: أيهما أفضل للرجل أن يصلي سنة الفجر في بيته -مع العلم بأنه لن يدرك الصف الأول في المسجد- أو أن يصليها في المسجد؛ لأجل إدراك الصف الأول؟الجواب: الأولى له أن يذهب إلى المسجد ويدرك الصف الأول ويصلي ركعتي الفجر، يعني: في المسجد؛ لأنه كما هو معلوم لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة، والصف الأول هو الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، فالمبادرة إلى المساجد، ولو كان ذلك قبل الأذان، وإذا أذن المؤذن يقوم ويأتي بركعتي الفجر هذا أولى له من أن يبقى في البيت حتى يؤذن ويصلي ثم يذهب، فإن المبادرة إلى الصلاة لا سيما إذا تمكن قبل أن يؤذن، ثم جلس ينتظر الصلاة، وإذا أذن المؤذن قام وأتى بالركعتين هذا هو الذي ينبغي للإنسان.ومن المعلوم أن صلاة الرجل في بيته أفضل من المكتوبة، ولكن هناك أمور يراد إدراكها، وهي كثرة المكث في المسجد وانتظار الصلاة، وأيضاً تحصيل الصف الأول، فهو يدرك في هذا التبكير فضيلة الصف الأول، وشأنها كبير، وفضيلة التبكير الذي يكون في صلاة ما دام ينتظر الصلاة.
حكم الاستمرار في صلاة النافلة بعد الإقامة
السؤال: في حالة أدائي للسنة وأقيمت الصلاة وأنا ما زلت في الركعة الثانية أو الأولى، هل أقطع الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا القائمة)؟الجواب: الإنسان إذا كان يتنفل وأقيمت الصلاة، فإن كان في أولها فإنه يقطعها، وإن كان في آخرها فإنه يتمها خفيفة؛ لأن إتمامها خفيفة لا يترتب عليه فوات شيء، وأما إذا كان في أولها فإنه يترتب عليه فوات الدخول مع الإمام في الصلاة من أولها، فالمسألة فيها تفصيل.
حكم تحية المسجد لمن حضر درساً
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا دخلت المسجد في غير وقت النهي لأجل أن أحضر درساً من الدروس، فهل أصلي ركعتين تحية المسجد أو أجلس للدرس الذي جئت من أجله؟الجواب: تصلي ركعتين ثم تجلس في الدرس لحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، سواء كان لدرس أو لغير درس، من دخل المسجد وسيجلس فإنه يصلي ركعتين قبل أن يجلس، ثم يدخل في الدرس.
حكم الصفرة والكدرة في زمن الحيض وزمن الطهر
السؤال: امرأة أحرمت بالعمرة، وفي الطريق رأت الصفرة في زمن العادة، فأفتاها أحد المبتدئين بطلب العلم بأن الصفرة والكدرة كانت لا تعد شيئاً، فأكملت عمرتها، فماذا عليها؟ وماذا على من أفتاها؟الجواب: الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض؛ وأما إذا كانت خارج الحيض وليست في زمن العادة فإنها طهر ولا تعتبر حائضاً، ولا تمتنع من الصلاة ولا من الصيام ولا من غير ذلك، والامتناع عن الأمور الواجب عليها أداؤها كالصلاة والصيام إنما يكون في زمن العادة، وأما إذا كانت في غير العادة فإنها لا تعد شيئاً، وإذا كان أنه حصل كدرة وما حصل بعدها الحيض، وإنما حصل صفرة فلا يؤثر؛ لأن الصفرة والكدرة تتصل بالحيض، يعني: إما أن تكون في أوله أو في آخره، فإذا كان بعد الكدرة والصفرة طهر وما حصل شيء من الحيض فذلك لا يؤثر، وأما إذا أعقب الكدرة والصفرة الحيض واتصل بها الحيض فهذا حيض، فلا ندري ما هو الواقع بالنسبة لهذه المسألة، هل هي صفرة وكدرة وخلاص وما جاء بعدها شيء من الحيض؟ أو أنها صفرة وكدرة وتبعها الحيض؛ لأن هذا أول الحيض؟
المقصود بأول الوقت في الصلاة
السؤال: ما هو المقصود بأول الوقت؟الجواب: المقصود بأول الوقت هو أول وقت يمكن للإنسان أن يؤدي فيه الصلاة، ولو أداها قبله لم يصح، وصلاته باطلة، مثل الزوال، إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فلو صلاها قبل الزوال فصلاته باطلة، وبعد الزوال يبدأ الوقت؛ لأن الوقت له بداية وله نهاية، فأول الوقت هو البداية التي يمكن للإنسان أن يصلي الصلاة فيها، ويكون في وقتها.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:21 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(106)
- (باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها) إلى (باب النهي عن الصلاة نصف النهار)
من محاسن التشريع في الإسلام أن جعل الشارع الحكيم للعبادات أوقات وجوب، واستحباب، ونهي وكراهة، ومن ذلك الصلاة فلا يجوز أن تؤدى في كل الأوقات، فهناك أوقات نُهي عن الصلاة فيها أو أن يدفن فيهن الموتى، وذلك عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند قيامها حتى تزول، ما عدا ذوات الأسباب.
الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
شرح حديث الصنابحي في الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها.أخبرنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات)].يقول النسائي رحمه الله: (باب: الساعات التي نهي عن الصلاة فيها). والساعات التي نهي عن الصلاة فيها يراد به ثلاثة أوقات قصيرة، وهي: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند قيامها حتى تزول، وعند قربها من الغروب حتى تغرب، فهذه الأوقات نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الصلاة فيها.وقد أورد النسائي فيه أحاديث منها: حديث أبي عبد الله الصنابحي: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا قربت من الغروب قارنها، فإذا غربت فارقها)، والمراد من ذلك أن الشيطان عند طلوع الشمس وعند غروبها يخرج، فتطلع وتغرب على قرن الشيطان، ومعنى: (أنه يكون قرنه عند طلوعها)، أن يحصل له سجود الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها فيكون له؛ لأن من الناس من يعبد الشمس، فهم يصلون لها، والذين يعبدون الشمس ويسجدون لها، يريد الشيطان أن يكون سجودهم له، فنهي المسلمون أن يصلوا في هذه الأوقات حتى لا يصح التشبه بالكفار الذين يصلون في هذه الأوقات، والتي يحرص الشيطان على أن يكون بارزاً فيها، أي: عند طلوع الشمس وعند غروبها، ليكون معبوداً للذين يعبدون الشمس ويسجدون لها، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذه الثلاثة الأوقات: عند طلوع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها.وحديث الصنابحي هذا ما ورد فيه يشهد له أحاديث عديدة، إلا فيما يتعلق بالنسبة لقيامها، وأنه يقارنها عند قيامها، وإذا زالت فارقها، فهذا ليس له ما يشهد له ويؤيده، فيكون ما ورد في حديث الصنابحي في هذا الموضع منكراً وغير ثابت. أما كونه يكون عند طلوع الشمس وغروبها، فهذا جاء فيه أحاديث كثيرة.والصنابحي هذا ليس بصحابي، بل هو تابعي، وروايته عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلة؛ لأنه ما أدرك النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه أدرك زمنه وما لقيه، فإنه قدم إلى المدينة من اليمن ليلقى الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما كان بالجحفة وهو الموضع القريب من رابغ، مر بهم راكب وأخبرهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، فواصل السير إلى المدينة، ووصلها بعد وفاته بخمسة أيام، ولهذا قال بعض العلماء في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، ليس بينه وبين الصحبة إلا شيئاً يسيراً، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجحفة في طريقه إلى المدينة، فلم يحصل له هذا الشرف، ولم يظفر بهذا الشرف الذي هو صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا فهو من كبار التابعين، وروايته عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلة، وهذا مرسل.فإذاً: هذا الذي ورد فيما يتعلق بكون الشيطان يقارن الشمس عند قيامها، ما جاء فيه أحاديث أخرى، والذي عند طلوع الشمس وغروبها ثابت في أحاديث عديدة، فيكون ما جاء عند طلوع الشمس وعند غروبها له ما يشهد له، ويكون هذا المقدار منه صحيحاً، وما كان عند قيام الشمس، وليس له ما يؤيده، والراوي مرسِل وليس صحابياً، فإنه يكون هذا غير ثابت، وقد نبه على هذا الشيخ ناصر الدين الألباني في ضعيف سنن النسائي، فإنه قال: إن الحديث صحيح ما عدا ما جاء من المقارنة عند استواء الشمس، فإن هذا هو الذي ليس له ما يؤيده.
تراجم رجال إسناد حديث الصنابحي في الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه الإمام المشهور، صاحب المذهب المعروف، أحد الأئمة الأربعة رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم العدوي المدني].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يسار الهلالي].هو مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها، وهو ثقة، فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله الصنابحي].عبد الله الصنابحي ليس اسمه عبد الله، وإنما اسمه عبد الرحمن، وهو عبد الرحمن بن عسيلة، وكنيته أبو عبد الله، وقد جاء هذا الحديث عند ابن ماجه وذكره بلفظ أبي عبد الله الصنابحي، وليس هناك من الرواة من يسمى: عبد الله الصنابحي، وهو من كبار التابعين، ورمز الحافظ في التقريب أنه من رجال الكتب الستة.
شرح حديث عقبة بن عامر في الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن موسى بن علي بن رباح سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)].أورد النسائي حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، أنه قال: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: عندما تطلع الشمس حتى ترتفع، وعندما يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وعندما تضيف للغروب حتى تغرب)، فهذه الساعات الثلاث وهي أوقات قصيرة، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، وعن قبر الموتى في هذه الأوقات، وهو بمعنى الحديث المتقدم حديث الصنابحي.قوله: (نهى عن الصلاة فيها)، أي: في هذه الساعات، وهو دال على ما دل عليه ذلك الحديث المتقدم من حيث النهي عن الصلاة في هذه الثلاث الساعات، لكن ذكر كون الشيطان يقارنها عند الاستواء ما جاء إلا في حديث الصنابحي، والصنابحي ليس صحابياً، وحديثه مرسل، فهذا المقدار لا يكون ثابتاً، والثابت غيره.أما النهي عن الصلوات في هذه الأوقات فهذا ثابت في حديث الصنابحي وفي هذا الحديث وفي غيرها من الأحاديث، وهو دال على النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، وعن قبر الموتى في هذه الصلوات. و(أو) هنا بمعنى الواو، يعني: نهانا أن كذا وأن نقبر فيها موتانا.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر هو: المروزي الذي يلقب بالشاه، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو راوية عبد الله بن المبارك. [حدثنا عبد الله بن المبارك].وهو المشهور الذي قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، حجة، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن علي بن رباح].وهو موسى بن علي بن رباح اللخمي، وهو صدوق ربما أخطأ، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[سمعت أبي يقول].وهو بضم العين وتصغيرها علي، وقيل أنه كان يغضب أن يقال له: علي، وهذا هو المشهور فيه، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فالرواة عنه وعن ابنه سواء، كل منهما روى عنه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والابن صدوق ربما أخطأ، والأب ثقة، الذي هو علي بن رباح اللخمي.[سمعت عقبة بن عامر الجهني].وهو عقبة بن عامر الجهني، صحابي جليل مشهور، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
النهي عن الصلاة بعد الصبح
شرح حديث: (أن النبي نهى عن الصلاة بعد العصر ... وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الصلاة بعد الصبح.أخبرنا قتيبة عن مالك عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب النهي عن الصلاة بعد الفجر. وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)، والحديث يدل على أن هذين الوقتين وقت نهي، وهما وقتان طويلان؛ لأنه من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكل منهما متصل بالوقت القصير الذي مر في حديث الثلاث الساعات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، وهي: عند غروبها، وعند طلوعها، وعند قيامها، فإن هذين الوقتين متصلين بالغروب ومتصلين بالطلوع، أحدهما متصل بالطلوع، والثاني متصل بالغروب، وقد نهى رسول الله عن الصلاة في هذين الوقتين الطويلين.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن الصلاة بعد العصر ... وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)
قوله: [أخبرنا قتيبة، عن مالك].وقد مر ذكرهما قريباً.[عن محمد بن يحيى بن حبان].وهو محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ ابن حبان بفتح الحاء، وهو ثقة، فقيه، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، إذ لم يرو عن صحابي من الحديث قريباً مما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد رجاله خرج لهم أصحاب الكتب الستة، قتيبة، ومالك، ومحمد بن يحيى بن حبان بن منقذ، والأعرج، وأبو هريرة، هؤلاء الخمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:23 PM
شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن منيع حدثنا هشيم حدثنا منصور عن قتادة حدثنا أبو العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر، وكان من أحبهم إلي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس الذي يرويه عن جماعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من أحبهم إليه، فهذا الحديث يعتبر من مسند عمر ويرويه عنه ابن عباس، كما يرويه عن غيره من الصحابة، وهذا فيه رواية الصحابة عن الصحابة، والحديث بمعنى الحديث المتقدم في النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن منيع].وهو ثقة، حافظ، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا هشيم].وهو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، والتدليس: هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ يوهم السماع، كعن وقال، أما المرسل الخفي: فهو رواية الراوي عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه؛ فيظن أنه قد سمعه للمعاصرة، أما إذا كان لم يعاصره فالإرسال واضح؛ لأنه ما أدرك زمانه، فالإرسال هذا جلي وواضح، أما الإرسال الخفي فليس بواضح؛ لأنه مدرك لزمانه وعصرهما واحد، إلا أنه ما لقيه، فـهشيم بن بشير كثير التدليس والإرسال الخفي، يعني: أنه يروي عن شيوخه ما لم يسمعه منهم، ويروي عمن عاصروه، وهذا هو كما ذكرت الإرسال الخفي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا منصور].وهو ابن المعتمر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة، وهو مدلس معروف بالتدليس.[حدثنا أبي العالية].وهو رفيع بن مهران الرياحي، وهو ثقة كثير الإرسال، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهو من صغار الصحابة، وهو يروي عن الصحابة، ويروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، ولكن كثيراً من روايته عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن رواية الصحابي عن الصحابي عمدة وحجة ومعتبرة؛ لأن رواية ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما هو رواية عنه مباشرة، ومنها ما هو رواية عنه بواسطة ولم تذكر الواسطة، ولكن مرسل الصحابي معتبر وحجة؛ لأنهم لا يأخذون غالباً إلا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو هنا يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جماعة من الصحابة، منهم عمر وقال: وكان من أحبهم إلي.منهم عمر وكان أحبهم إلي.وهو: الخليفة أبو حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه الراشد الفاروق، ذو المناقب الكثيرة، والفضائل المشهورة، وهو أحد الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة الذين سردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، وقد أخبره بأنه رأى قصراً في الجنة، وسأل عنه لمن؟ فقيل: هذا لـعمر بن الخطاب، ومناقبه جمة وفضائله كثيرة، ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، لا يجتمع عمر، والشيطان في طريق واحد، فإذا كان عمر في الطريق هرب الشيطان من ذلك الطريق الذي فيه عمر، (ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، وتولى الخلافة بعد أبي بكر بعهد من أبي بكر، وبإجماع من الصحابة على تنفيذ عهد أبي بكر، ويعتبر عهد أبي بكر إليه من أعظم حسنات أبي بكر، ومن أعظم ما أسداه إلى المسلمين من الخير، وقد حصل في خلافته النفع العظيم وانتشار الفتوح، ومكث عشر سنوات وأشهراً، حصل فيها اتساع البلاد الإسلامية، ودخول الناس في دين الله عز وجل، بل قضي على الدولتين الكبيرتين في ذلك الزمان، وهي دولة فارس والروم، وتحقق ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من إنفاق كنوزهما في سبيل الله عز وجل، فإن تلك الكنوز جاءت وأحضرت إلى عمر في المدينة، وتولى قسمتها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس
شرح حديث: (لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. وهذا داخل فيما تقدم في ذكر الساعات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، ولكنه أورده بترجمة مستقلة، وأتى بما يتعلق بذلك الوقت، وبوقت الغروب، وأن يتحرى الصلاة في هذه الأوقات، فلا يجوز للإنسان أن يصلي عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعندما تضيف للغروب حتى تغرب.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يتحر أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك].وقد مر ذكرهما.[عن نافع].نافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث. وهذا الإسناد رباعي من رباعيات النسائي، فهو من أعلى الأسانيد عند النسائي: قتيبة، مالك، نافع، ابن عمر، ثم أيضاً هو مشتمل على السلسلة الذهبية التي تعتبر أصح الأسانيد عند الإمام البخاري، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر.
شرح حديث: (أن رسول الله نهى أن يصلى مع طلوع الشمس أو غروبها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى مع طلوع الشمس أو غروبها)].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى عند طلوع الشمس وعند غروبها)، فهو دال على ما ترجم له المصنف من النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وكذلك أيضاً دال على النهي عنها، أي: الصلاة عند غروب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى أن يصلى مع طلوع الشمس أو غروبها)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي.[حدثنا خالد].وهو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبيد الله].وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المصغر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن نافع، عن ابن عمر].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
النهي عن الصلاة نصف النهار
شرح حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة نصف النهار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الصلاة نصف النهار.أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا سفيان وهو ابن حبيب عن موسى بن علي عن أبيه سمعت عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف للغروب حتى تغرب)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: باب النهي عن الصلاة نصف النهار، وأورد فيه حديث عقبة بن عامر الجهني المتقدم، لدلالته على ما ترجم له، كما أنه دال على النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ولهذا تقدم ذكره فيما مضى بدلالته أيضاً على غير ما ترجم له المصنف هنا.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة نصف النهار
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].وهو صدوق، خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان وهو ابن حبيب].وهو ابن حبيب، ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، والأربعة، وكلمة ( وهو ابن حبيب )، هذه ما قالها حميد بن مسعدة الذي هو تلميذه، وإنما قالها من دونه؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يعبر بهذه العبارة، يقول: سفيان بن حبيب رأساً، دون أن يقول: هو، لكن من دونه عندما يريد أن يوضح ذلك الذي ذكره التلميذ مهملاً، فإنه يأتي بكلمة: هو، حتى يتبين أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ ليوضح هذا الذي أهمله التلميذ، ويأتون بمثل هذه العبارة: هو، أو يقولون: الفلاني، أو يعني ابن فلان.[عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر].وقد تقدم ذكرهم في الرواية المتقدمة.
الأسئلة
حكم لبس الخاتم في غير الخنصر
السؤال: هل يعتبر لبس الخاتم في غير الخنصر لا بأس به؟ علماً بأنك قلت سابقاً: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما لبسه حين قيل له: إن الرسائل لا تقبلها الملوك إلا بالختم، فاتخذه عليه الصلاة والسلام لأجل ذلك؟الجواب: اللبس في غير الخنصر ما أعرف عنه شيئاً، للحافظ ابن رجب رحمه الله كتاب واسع في أحكام الخواتيم أو الخواتم، وضح فيه كل ما يتعلق بذلك، فيمكن أن يرجع إليه، أما أنا فلا أعرف شيئاً فيما يتعلق بلبسها في غير الخنصر.
حكم صلاة الضحى وأفضل أوقاتها
السؤال: هل هناك فرق بين شروق الشمس والضحى؟الجواب: لعل السائل يقصد صلاة الإشراق، التي يقال لها: صلاة الإشراق. يعني: كما هو معلوم إذا ارتفعت الشمس قيد رمح بدأ وقت صلاة الضحى إلى زوال الشمس، كل هذا وقت لصلاة الضحى، فإذا صلاها الإنسان بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، فإنه يكون صلى صلاة الضحى، وإذا كان أخذ بالحديث الذي جاء: (من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين فهو بحجة وعمرة تامة تامة)، والحديث صححه بعض أهل العلم، فإذا كان من عادته أن يصلي الضحى، وصلى هذا الوقت، فإنه يجزئ عن صلاة الضحى؛ لأنه وقت لصلاة الضحى.وجاء في الحديث في صحيح مسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، والمراد من ذلك صلاة الضحى في وقت شدة حرارة الشمس، والفصال: أولاد الإبل أو البقر التي تصيبها الرمضاء وتشتد عليها، فمعناه في وقت شدة الحرارة، فهذا الحديث يدل على أن هذا هو الأولى، لأنه قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، والمراد من ذلك صلاة الضحى.
حكم تأخير العصر إلى قبل الاصفرار والفجر حتى الإسفار
السؤال: في بعض البلاد الإسلامية لا يصلون العصر إلا قبل اصفرار الشمس، ولا يصلون الفجر حتى يسفر الصبح، فهل لهذا العمل من أصل؟الجواب: العصر وقتها إلى اصفرار الشمس، أو إلى أن يكون ظل الشيء مثليه، وهذا هو الوقت الاختياري، لكن كما هو معلوم الأفضل الابتعاد عن المحذور، وعن أن يقع الإنسان في خروج الوقت، أو يكون هناك ضيق عليه، فالابتعاد عما فيه محذور هو الذي ينبغي، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ثم قال: ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)، فالإنسان إذا أخر إلى وقت الاضطرار أو قريباً منه يمكن أن يقع في الأمر المحذور من غير ضرورة وكذلك أيضاً فيما يتعلق بصلاة الصبح، يعني: الإسفار، جاء ما يدل على ذلك، وقد مر بنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (حتى ينفسح البصر)، ووقتها يمتد إلى طلوع الشمس، لكن المبادرة بها في أول أوقاتها هذا هو الذي ينبغي، وهذا هو المطلوب الذي فيه المسارعة إلى أداء الواجب، وفيه المسابقة إلى الخيرات، والصلاة إذا صليت في الوقت فهو أداء لها، لكن كون الإنسان يؤديها في أول وقتها، ويتخلص من أن يتعرض لتأخيرها حتى يخرج وقتها، هذا هو الذي على الإنسان أن يحرص عليه.
الصلوات ذوات الأسباب وعلاقة تحية المسجد بها
السؤال: ما هي الصلوات ذوات الأسباب؟ وهل ركعتي تحية المسجد منها؟الجواب: ذوات الأسباب مثل: صلاة الجنازة، ومثل: صلاة الكسوف، عندما تأتي في وقت النهي فإنها تصلى؛ لأنها أنيطت بسبب، لكن تحية المسجد من العلماء من قال: إنها من ذوات الأسباب، وأن الإنسان إذا دخل فإنه يصليها وتكون مستثناة من النهي، ومنهم من قال: إنها ليست من ذوات الأسباب؛ لأنها تتعلق بفعل الإنسان، والإنسان يمكنه أن يدخل، وأن يتعمد دخول المسجد في وقت النهي فيصلي؛ لأن هذا بفعله وبسببه، بخلاف الكسوف فإنه لا قبل للإنسان به، وكذلك صلاة الجنازة عندما تحضر تصلى، لكن تحية المسجد هي محل خلاف، والذي يظهر في هذا أن الأمر واسع، من دخل وصلى لا حرج، ومن دخل وجلس لا حرج؛ لأنه إن صلى فمعه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، وإن جلس فمعه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس).
مدى قرب الأشاعرة من أهل السنة والجماعة وبعدهم
السؤال: هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟الجواب : الأشاعرة هم من أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يوافقون أهل السنة والجماعة في أمور ويخالفونهم في أمور، لكنهم لا يقال: إنهم من أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم مخالفون لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في كثير من الأمور، ولكنهم هم من أقرب الفرق التي حصل منها الخروج عما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن لا يقال: إنهم من أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنهم كانوا على عقيدة ولدت بعدما مضى عصر الصحابة، كانت ميتة في زمن الصحابة، وولدت بعد ذلك الوقت بمدة طويلة، فهي عقيدة محدثة، وليست على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل هي نبتت وولدت بعد ذلك بزمن طويل، فلا يقال: إنهم من أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكنهم موافقون لأهل السنة في بعض الأمور، ومخالفون لهم فيها، وهم من أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة.مداخلة: هل تأويل الأسماء والصفات عندهم يخرجهم من أهل السنة والجماعة أم لا؟ الشيخ: هذا يخرجهم، لكن لا يقال: إنهم ليسوا على سنة أبداً، بل عندهم شيء من السنة، وعندهم موافقة في بعض الأمور، لكن إذا قيل: أهل السنة والجماعة من كان على ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنه يقال: إنهم ليسوا من هؤلاء، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، ثم قال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، فالاختلاف كثير، لكن الذي هو منهج السلامة والنجاة، والذي هو طريقة أهل السنة والجماعة، هو الأخذ بما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ).
الضابط في الحكم على الإنسان بالبدعة
السؤال: متى يحكم على المرء أنه مبتدع؟الجواب: كما هو معلوم أن من المبتدعة من يكون صاحب بدعة ويدعو إليها وينشرها مثل الجهم بن صفوان فهذا يقال له: مبتدع، وأيضاً مثل: الجعد بن درهم يقال له: مبتدع، ومثل أناس كثيرون من المبتدعة يوصفون بأنهم مبتدعة، ومن العلماء من يحصل منه بدعة، ويحصل منه مخالفة، لكن لا يقال: إنه من المبتدعة الذين يعاملون معاملة المبتدعة، بل يستفاد من علمه ويترحم عليه يدعى، وما حصل منه من خطأ في بعض الأمور، فيرجى أن يكون مغموراً في جانب حسناته وفضله، وأن يحصل له عفو الله ورحمته، وأن يدخل في سعة عفو الله ورحمته بما حصل منه من الخير الكثير. مداخلة: لكن هل يلزم من فعل البدعة أن يكون مبتدعاً؟الشيخ: من يفعل البدع ويدعو إليها، ويكون مرجعاً فيها، ومن الناس من يكون حصل منه خطأ، ويكون حصل منه خير كثير، فيرجى له العفو والتجاوز من الله عز وجل.
مدى تأثير الابتداع في المنهج على الابتداع في العقيدة
السؤال: هل الابتداع في منهج الدعوة كالابتداع في العقيدة؟الجواب: الابتداع في العقيدة كما هو معلوم مخالفة ما جاء في الكتاب والسنة مما يجب اتباعه والأخذ به، وهو السير على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأما المناهج في الدعوة فإنها متفاوتة، فإذا كانت على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهي الحق الذي لا شك فيه، وإذا كان فيها انحراف، فلا شك أن ذلك بحسبه من الذنب، وهو يتفاوت قرباً وبعداً إلى منهج أهل السنة والجماعة، ولا شك أن هذا فيه مخالفة وهذا مخالفة، لكن المخالفة في العقيدة لا شك أن أمرها خطير وأمرها عظيم، وكذلك المخالفة في المنهج أيضاً؛ لأنها تنبني أيضاً على الاهتمام بالعقيدة، أو عدم الاهتمام بالعقيدة.
ضابط الدراسة على المبتدع عند الحاجة
السؤال: ما رأيكم في الدراسة على المبتدعة؟الجواب : لا يدرس عليهم إذا وجد غيرهم ممن يغني عنهم، وإذا احتيج إلى الدراسة عليهم ولم تكن الدراسة فيما يتعلق بالبدعة، فإن الإنسان يستفيد منهم حيث لا يجد غيرهم ممن فيه السلامة، ولكن يحذر بدعتهم، وإذا كان سيترتب على دراسته أن يقع في البدعة فليفر منهم فراراً مثلما قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، يعني: يفر منهم كما يفر الإنسان من الأسد حتى لا يقضي عليه.
كيفية طلوع الشمس بين قرني الشيطان
السؤال: كيف تطلع الشمس بين قرني شيطان؟الجواب: هذا السؤال كتب العلماء الجواب عنه، فقالوا: قوله: (تطلع بين قرني شيطان) أي: يكون معترضاً عند طلوعها حتى تكون عبادة الذين يعبدونها له؛ الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها تكون عبادتهم له، أما الكيفية والوصف، فما أحد يستطيع أن يعرف كيفية الشيطان ووصف الشيطان.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(107)
- باب النهي عن الصلاة بعد العصر
الصلاة صلة بين العبد وربه فتصلى في أي وقت عدا أوقات جاء النهي عن الصلاة فيها، منها: بعد العصر حتى تغرب الشمس وكذلك عند الزوال.
النهي عن الصلاة بعد العصر
شرح حديث: (نهى رسول الله عن الصلاة بعد الصبح حتى الطلوع وعن الصلاة بعد العصر حتى الغروب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الصلاة بعد العصر.أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا ابن عيينة عن ضمرة بن سعيد أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح حتى الطلوع، وعن الصلاة بعد العصر حتى الغروب)].يقول النسائي رحمه الله: (باب النهي عن الصلاة بعد العصر). سبق في التراجم السابقة النهي عن الصلاة بعد الفجر، والنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند قيامها في وسط النهار، وهذه الترجمة من جملة هذه التراجم المتعلقة ببيان أوقات النهي عن الصلاة فيها، وهي ثلاثة أوقات قصيرة، ووقتان طويلان يضافان إلى هذه الثلاثة الأوقات، وهما متصلان بوقتين من هذه الأوقات الثلاثة، وهو النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وأما الترجمة فيها النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. وقد أورد النسائي في هذا الباب أحاديث، أولها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى الطلوع-أي: طلوع الشمس-وبعد صلاة العصر حتى الغروب)، أي: غروب الشمس، والحديث مطابق للترجمة، وهو مشتمل على النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فيكون هذا الوقت الطويل متصلاً بالوقت القصير الذي هو عند غروبها، وقد جاء فيه، وفي الوقتين الآخرين أحاديث تخصها، مثل حديث عقبة بن عامر المتقدم: (ثلاثة أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا، ومنها هذا الوقت الذي هو غروب الشمس).فإذاً: فوقتان طويلان متصلان بوقتين من هذه الأوقات الثلاثة، فيكون التحريم أو النهي مستمراً من حين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله عن الصلاة بعد الصبح حتى الطلوع وعن الصلاة بعد العصر حتى الغروب)
قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].وهو مجاهد بن موسى الخوارزمي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا ابن عيينة].وهو سفيان بن عيينة المحدث، الفقيه، المشهور، الثقة، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ضمرة بن سعيد].هو ضمرة بن سعيد وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أنه سمع أبا سعيد].هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسمه سعد بن مالك بن سنان، وهو مشهور بكنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري، أو لا يكاد يذكر إلا هكذا: أبو سعيد الخدري، وهو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرو� � في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالإسناد من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ وليس عنده ثلاثيات، وإنما أعلى ما عنده الرباعيات، وذلك بأن يكون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً في صحيحه، والترمذي عنده حديث واحد، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث بإسناد واحد.وأما مسلم، والنسائي، وأبو داود فليس عندهم ثلاثيات، وأعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا من أعلى الأسانيد عند الإمام النسائي رحمه الله.وكلمة (الطلوع) و(الغروب) المراد بها طلوع الشمس وغروبها، و(أل) فيها عوضٌ عن المضاف إليه، يعني: طلوع الشمس، وغروب الشمس، فيحذف أحياناً المضاف إليه ويؤتى بأل في أول المضاف فتكون مغنية عنه، وهذا يكون على سبيل الاختصار، وهذا يوجد كثيراً في الكلمات، ويستعمل في أسماء الكتب كثيراً من أجل الاختصار، مثلما يقال: الفتح، والبلوغ، والعمدة، والروضة، وما إلى ذلك من أسماء الكتب، فيذكرون المضاف مسبوقاً بأل، ويحذفون المضاف إليه، يعني: تأتي أسماء كتب مختصرة يحذف المضاف إليه، ويؤتى بأل في أول المضاف، فتكون مغنية، وعوضاً عن المضاف إليه.
شرح حديث: (لا صلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الحميد بن محمد حدثنا مخلد عن ابن جريج عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد: أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)].وهنا أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري من طريق أخرى، ويقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس)، يعني: حتى تطلع، (ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فالحديث مطابق أو شاهد أو دال على ما ترجم له النسائي، وهو النهي عن الصلاة بعد العصر، أي: حتى تغرب الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا صلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)
قوله: [حدثنا عبد الحميد].هو أبو عمر عبد الحميد بن محمد الحراني، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.[حدثنا مخلد].هو مخلد بن يزيد، وهو صدوق له أوهام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، كثير التدليس، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو إمام، محدث، فقيه، مكثر من الرواية، هو من صغار التابعين، وهو الذي كلفه، أو أسند إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه أن يقوم بتدوين السنة، وهو الذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يزيد].هو عطاء بن يزيد الليثي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع أبا سعيد الخدري].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
طريق أخرى لحديث: (نهى رسول الله عن الصلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمود بن غيلان حدثنا: الوليد أخبرني عبد الرحمن بن نمر عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه].وهنا أورد النسائي حديث أبي سعيد الخدري من طريق أخرى، ولم يسق المتن، بل قال: بنحوه، أي: بنحو المتن الذي قبل هذا، فالضمير في نحوه يرجع إلى المتن الذي قبل هذا، وهو قول أبي سعيد: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الفجر حتى تبزغ الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، هذا هو المتن الذي ذكر قبل هذا، والذي يرجع إليه الضمير في قوله نحوه، والمقصود بنحوه، أنه مثله في المعنى وليس باللفظ؛ لأنه إذا كان المتن المحال إليه يماثله المتن المحال يقال: بمثله أو مثله، أما إذا كان ليس مطابقاً في اللفظ، وإنما هو موافقٌ في المعنى مع اختلاف في الألفاظ، فالتعبير عنه يقال: بنحوه، هذا هو الفرق بين: بمثله، ونحوه.قوله: [أخبرني محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وقد جاء في بعض النسخ: محمود بن خالد السلمي، وكل منهما روى عن الوليد بن مسلم، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا، وكل منهما ثقة، أعني: محمود بن غيلان المروزي، ومحمود بن خالد السلمي، ولكن اختلفوا في الذين خرجوا لهم، فـمحمود بن غيلان خرج له أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.وأما محمود بن خالد السلمي فقد خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وفي ترجمة الوليد بن مسلم أنه روى عنه هذا وهذا، فسواء كان هذا، أو هذا فالمؤدى واحد، والنتيجة واحدة، وهما ثقتان، وهما جميعاً من شيوخ النسائي.[حدثنا الوليد بن مسلم].هو الوليد بن مسلم، وهو ثقة، كثير التدليس والتسوية، والتدليس: رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، وإذا جاء عنه سمعت، وحدثني، وأخبرني وأنبأني فلا مجال للتدليس؛ لأنه إذا صرح بالسماع في موضع آخر انتهى، فلا إشكال، وإنما الإشكال فيما إذا لم يوجد عنه التصريح بالسماع، فيحتمل الاتصال، ويحتمل الانقطاع.وأما التسوية فهو نوع آخر من التدليس، وهو أسوأ أنواع التدليس، وهو أن يأتي إلى إسناد فيه ثقات وضعفاء، فيحذف الضعفاء الذين في أثناء الإسناد، ويذكر الثقات فيروي بعضهم عن بعض، ولكن ليس بلفظ سمعت، ولا حدثني، وأخبرني، وإنما يأتي به بعنعنة أو قال، فيسوي الإسناد، حتى يصير كأنه ثقات، مع أن فيه ضعفاء قد حذفوا، وهذا أسوأ أنواع التدليس، وليس الأمر مقصوراً على الشخص المدلس، بل يضاف الحذف إلى غيره، فيحذف شيخ شيخه، أو من فوقه، ثم يأتي بثقتين متصل بعضهما ببعض، وقد حذف بينهما ضعيفاً، فهذا يسمونه تدليس التسوية، وهو أسوأ أنواع التدليس؛ لأن التدليس ليس خاصاً بالمدلس، بل أضيف الحذف إلى من فوق المدلس، أي: شيوخ شيوخه، ومن فوقهم.والوليد بن مسلم أخرج له أصحاب السنن الأربعة.قوله: [أخبرني عبد الرحمن بن نمر].هو عبد الرحمن بن نمر، وهو ثقة، قيل: إنه لم يرو عنه إلا الوليد بن مسلم، وقد أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.قوله: [عن ابن شهاب عن عطاء عن أبي سعيد].وقد مر ذكر الثلاثة في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث: (أن النبي نهى عن الصلاة بعد العصر) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن حرب حدثنا سفيان عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر)، يعني: إلى أن تغرب الشمس، فهو دالٌ على ما ترجم له المصنف من النهي عن الصلاة بعد العصر. قوله: [أخبرنا أحمد بن حرب].هو أحمد بن حرب النسائي، وهو من بلد النسائي، فنسبته كنسبة النسائي، وقد خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا سفيان].وهو سفيان بن عيينة وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن حجير].هو هشام بن حجير، صدوق له أوهام، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.[عن طاوس].هو طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فاضل، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].هو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، فهؤلاء يقال لهم: العبادلة من الصحابة، وهم من صغار الصحابة، وكانوا في سن متقارب، وفي عصر واحد، فلهذا يطلق عليهم العبادلة، وأما عبد الله بن مسعود فإنه ليس منهم؛ لأنه متقدم عليهم بكثير، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.وعبد الله بن عباس أيضاً هو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين أشرت إليهم عند ذكر أبي سعيد الخدري في الحديث المتقدم.
شرح حديث: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا الفضل بن عنبسة حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال: قالت عائشة رضي الله عنها: (أوهم عمر رضي الله عنه، إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان)].وهنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، قالت: (أوهم عمر، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)، فالحديث بهذا اللفظ لا يطابق هذه الترجمة التي هي: النهي عن الصلاة بعد العصر؛ لأنه يتعلق بطلوع الشمس وغروبها، ولكن حديث عمر الذي أُشير إليه، والتي قالت فيه عائشة: (أوهم عمر)، هو مشتمل على ما ترجم له، وقد تقدم في الأحاديث السابقة من رواية ابن عباس عن عمر رضي الله عنه: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، حيث قال: سمعت رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر -وهو من أحبهم إلي- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس).وقول عائشة: (أوهم عمر)، قيل: إن المراد بها أنه ذهب وهمه، وقالت: (إنما قال رسول الله: لا تتحروا)، نعم الرسول صلى الله عليه وسلم جاء عنه هذا، وجاء عنه ذاك، فهذا الإطلاق الذي جاء عن عمر أيضاً وافقه غيره عليه من الصحابة، فكثيرون الذين رووا الحديث مطلقاً عن النهي بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وليس الأمر مقصوراً على النهي عن الصلاة عند الغروب، بل جاء فيه أحاديث النهي عن الصلاة عند الغروب، وجاء أحاديث تدل على المنع من صلاة العصر حتى الغروب، فيكون الوقتان متصلين بعضهما ببعض؛ الوقت الطويل مع الوقت القصير؛ والوقت القصير الذي هو عند غروب الشمس، والوقت الطويل الذي هو بعد العصر حتى تغرب.وأما فيما يتعلق بقرني الشيطان، فإن هذا إنما هو خاص بالغروب كما جاء فيه هذا الحديث، وفي غيره من الأحاديث؛ أنهم لا يتحروا، ويقصدوا الصلاة في ذلك الوقت؛ لأنها تغرب بين قرني شيطان، والشيطان يعترض حتى يكون الساجدون للشمس، والعابدون لها ساجدين له وعابدين له.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني الشيطان)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، روى له البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا الفضل بن عنبسة].هو الفضل بن عنبسة، وهو ثقة، خرج له البخاري، والنسائي مثل الذي قبله، إلا أن الذي قبله عنده زيادة أبي داود.[حدثنا وهيب].وهو وهيب بن خالد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن ابن طاوس].وهو عبد الله بن طاوس بن كيسان، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[قالت عائشة].وهي الصديقة بنت الصديق، وهي من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ستة من الرجال، وواحدة من النساء، هذه الواحدة من النساء هي أم المؤمنين عائشة، وهي التي قال فيها السيوطي:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوزوجة النبي يعني بذلك عائشة رضي الله عنها، فهي الصحابية الوحيدة التي كثر حديثها، ولم يقاربها أحد من الصحابيات، وقد زاد حديثها على ألف حديث.
شرح حديث: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تطلع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام بن عروة أخبرني أبي أخبرني ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تشرق، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عمر: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تطلع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب)، حاجب الشمس هو إذا طلع طرفها فإنها تؤخر الصلاة حتى يتم الطلوع وترتفع، وإذا غاب حاجبها -أي: ذهب جزء منها، يعني: الذي هو مقدمها، أولها أو طرفها- فإنها تؤخر حتى تغرب كلها، والمقصود من ذلك الإشارة للوقتين القصيرين.ومن المعلوم أن الوقتين الطويلين متصلان بهذين الوقتين القصيرين (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس)، ولكن هذا إشارة إلى الوقت القصير الذي يعترض فيه الشيطان عند طلوع الشمس، وعند الغروب حتى تكون العبادة له من الكفار الذين يعبدون الشمس، فيكون سجودهم له؛ لأنهم يسجدون للشمس حال كونه معترضاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تطلع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد القطان، وهو المحدث، الثقة، الثبت، الناقد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني أبي].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين المعروفين في عصر التابعين، فعندما تأتي بعض المسائل التي اتفقوا عليها يقال: قال بها الفقهاء السبعة، أو اتفق عليها الفقهاء السبعة.[أخبرني ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة، وهو الذي قال: (عرضت على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق فأجازني)، يعني: يريد أن يكون من المجاهدين، ولكن الرسول لم يجزه لصغره، ولما كان في غزوة الخندق أجازه، وهذا يدل على حرص الصحابة، وصغارهم على الجهاد في سبيل الله، وأن الواحد منهم يأتي يعرض نفسه وهو صغير يريد أن يكون من المجاهدين، ولكن لصغره لم يظفر بالإذن له، وفي السنة التي بعدها وفي غزوة الخندق أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث عمرو بن عبسة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور أنبأنا آدم بن أبي إياس حدثنا الليث بن سعد حدثنا معاوية بن صالح أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول: سمعت عمرو بن عبسة يقول: (قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أقرب من الأخرى؟ أو هل من ساعة يُبتغى ذكرها؟ قال: نعم، إن أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله عز وجل في تلك الساعة فكن، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار، فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس، فإنها تغيب بين قرني شيطان، وهي صلاة الكفار)].وهنا أورد النسائي حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه الذي يرويه عنه أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان، وهو من رواية صحابي عن صحابي؛ لأن الاثنين من رواية الصحابة رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، والحديث يتعلق بالأوقات المنهي عنها، لكنه ليس واضحاً فيما ترجم له، وهو النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فيقول: (قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أقرب من الأخرى؟ أو هل من ساعة يبتغى ذكرها؟ قال: نعم، إن أقرب ما يكون الرب عز وجل من العبد جوف الليل الآخر).هذا من الأحاديث الدالة على نزول الرب سبحانه وتعالى كما جاء في الأحاديث الأخرى: (أنه في الثلث الآخر ينزل إلى السماء الدنيا ويقول: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).. الحديث.قوله: (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله عز وجل في تلك الساعة فكن).أي: في الثلث الآخر من الليل.قوله: (فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس).يعني: تحضرها الملائكة وتشهدها إلى طلوع الشمس، والمقصود من ذلك أن الصلاة في آخر الليل -أي: في الثلث الآخر من الليل- من الأوقات التي لها مزية ولها فضيلة؛ لأنه الثلث الذي ينزل فيه الرب، ثم بعد ذلك صلاة الفجر وهي مشهودة، ووقتها إلى طلوع الشمس، ولكنه إذا صلي الصبح فقد جاءت الأحاديث بالنهي عن الصلاة بعد الفجر حتى طلوع الشمس.قوله: (فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهي ساعة صلاة الكفار).فإنها تطلع، يعني: أي الشمس بين قرني الشيطان؛ لأن الشيطان يعترض ليكون العابدون للشمس عابدين له، والحديث واضح الدلالة على النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس؛ لأنها تغرب بين قرني شيطان، ولكن ما ترجم له النسائي فليس واضحاً في الدلالة على ما ترجم له، وهو النهي عن الصلاة بعد العصر، وبعد الفجر.قوله: (فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح ويذهب شعاعها).يعني: إذا ذهب وقت النهي بعد ذلك يبدأ وقت صلاة الضحى، ويستمر إلى أن تكون الشمس فوق الرءوس، أي: قبل الزوال، حيث يقوم قائم الظهيرة، وعند ذلك يمتنع من الصلاة في ذلك الوقت.قوله: (ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار).يعني: فتكون الشمس على الرأس، وليس هناك ظل لا من جهة المغرب، ولا من جهة المشرق، ففي هذه الحالة نهي عن الصلاة، فإذا انكسر الفيء ووجد الظل، وبدأ إلى جهة المشرق حيث ذهبت الشمس إلى جهة المغرب عند ذلك يبدأ وقت صلاة الظهر.قوله: (فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء).يفيء الفيء، يعني: ينكسر الظل ويوجد الظل إلى جهة الشرق، حيث انحرفت الشمس إلى جهة الغرب فوجد الظل من جهة المشرق.قوله: (ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس).(ثم الصلاة محضورة مشهودة)، يعني: من ذلك الوقت إلى غروب الشمس، ولكن ليس المقصود من ذلك أن الإنسان يصلي كيفما يشاء، ولكن صلاة العصر تستمر في وقت الاضطرار إلى غروب الشمس، ولكن إذا صليت العصر فقد جاءت الأحاديث النهي عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهذا هو الذي ترجم له المصنف؛ النهي عن الصلاة، ولكن الحديث الذي معنا لا دلالة فيه على نفس الترجمة، ولكن فيه الدلالة على النهي عن الصلاة عند الغروب، وعند الزوال وعند طلوع الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن عبسة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[أنبأنا آدم بن أبي إياس].هو آدم بن أبي إياس، وهو ثقة، وهو من شيوخ البخاري، والنسائي يروي عنه بواسطة، وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود في الناسخ.[حدثنا الليث بن سعد].هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الثقة، الثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معاوية بن صالح].هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر].هو أبو يحيى سليم بن عامر، ثقة خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[و ضمرة بن حبيب].هو ضمرة بن حبيب، ثقة، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[و أبو طلحة].هو أبو طلحة نعيم بن زياد، وهو ثقة، يرسل، خرج له النسائي، وأبو داود في التفرد.[قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي].وهو أبو أمامة صدي بن عجلان الباهلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت عمرو بن عبسة].وهو أيضاً صحابي مشهور، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:29 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(108)
- (باب الرخصة في الصلاة قبل المغرب) إلى (باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة)
استثنى الشرع من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها صلاة ركعتي الطواف في أي ساعة من ليل أو نهار، ويستحب الصلاة في غير أوقات النهي، كما يستحب صلاة ركعتين بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، وتجوز الصلاة من بعد المغرب إلى طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر.
الرخصة في الصلاة قبل المغرب
شرح حديث عقبة بن عامر في الصلاة قبل المغرب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الصلاة قبل المغرب.أخبرنا علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل أخبرنا سعيد بن عيسى حدثنا عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: حدثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير حدثه: (أن أبا تميم الجيشاني قام ليركع ركعتين قبل المغرب، فقلت لـعقبة بن عامر رضي الله عنه: انظر إلى هذا أي صلاة يصلي؟ فالتفت إليه فرآه فقال: هذه صلاة كنا نصليها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)].يقول النسائي رحمه الله: باب الرخصة في الصلاة قبل المغرب. المقصود من هذا هو الصلاة أو التنفل قبل صلاة المغرب، وبعد الأذان، أي: بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، فهذا هو المقصود من الترجمة، وقد جاء في الدلالة على هذا المعنى هذا الحديث وغيره من الأحاديث الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي دالة على أنه يصلى قبل المغرب بعد الأذان، أو بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب، وأن ذلك سائغ، وصاحبه مأجور عليه، وليس هذا من السنن الرواتب التي جاء في الحث عليها حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي: أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، اثنتا عشرة ركعة، كما جاء في حديث عائشة، وعشر ركعات كما جاء في حديث ابن عمر فجعل ما قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ركعتين.هذه الصلاة التي جاءت في هذا الحديث، وهو حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه، يدل على أن هذه الصلاة تصلى في هذا الوقت، وأن الإنسان إذا كان في المسجد، وأذن المؤذن، فإنه يستحب له أن يقوم ويصلي قبل صلاة المغرب، وقد جاء في الحديث: (بين كل أذانين صلاة)، فبين الأذان والإقامة يصلي الإنسان.في هذا الحديث يقول مرثد بن عبد الله اليزني أبو الخير أنه رأى أبا تميم الجيشاني يصلي قبل المغرب، وكان عقبة بن عامر صاحب رسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، فقال له: انظر إلى هذا كيف يصلي؟ أي: إلى أبي تميم الجيشاني، فالتفت إليه فرآه يصلي، يعني: قبل المغرب، فقال: هذه صلاة كنا نصليها على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: عمله صحيح، وكأن أبا الخير استغرب هذا، أو أنه ليس عنده شيء في هذا، فلفت نظر ذلك الصحابي الجليل وهو عقبة بن عامر، فالتفت إليه فرآه يصلي، فقال: (هذه صلاة كنا نصليها على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: فإنها سائغة وأنها سنة، وأنه لا مانع منها ولا محذور فيها ولا إشكال فيها؛ لأنها ثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك بإقراره لأصحابه وهم يصلون، وجاء التنصيص عليها في أحاديث أخرى، مثل قوله عليه الصلاة والسلام الذي أشرت إليه: (بين كل أذانين صلاة)، وقوله: (صلوا قبل المغرب، ثم قال: لمن شاء)، فهذا يدلنا على استحبابها، ولكنها ليست من السنن الرواتب المؤكدة التي حث عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي اثنتا عشرة ركعة التي أشرت إليها.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في الصلاة قبل المغرب
قوله: [ أخبرنا علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل].هو علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل، والنسائي نسب شيخه وأطال في نسبته، وكما ذكرت سابقاً أن الراوي يمكن أن يذكر شيخه بما يريد؛ لأن هذا كلامه، بخلاف ما إذا كان التلميذ قد ذكر شيخه بلفظ مختصر، فليس لمن دونه أن يزيد في نسبه دون أن يبين بأن يقول: هو فلان ابن فلان، أو يقول: يعني: ابن فلان، أو هو الفلاني؛ لأنه ليس لمن دون التلميذ أن يزيد على ما قال التلميذ إلا إذا أتى بلفظ يبين أن الزيادة ليست من التلميذ، بأن يقول: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أما التلميذ فإنه ينسبه كما شاء، مثلما فعل النسائي هنا، فذكر نسب شيخه الطويل، فقال: علي بن عثمان بن محمد بن سعيد بن عبد الله بن نفيل، ستة أشخاص، يعني: ذكر خمسة من أسماء آبائه، فالتلميذ ينسب شيخه بما يريد، ويمكن أن يضيف إلى ذلك، بأن يقول: في المكان الفلاني، وفي البلد الفلاني، كما يريد، وأما التلميذ فله أن يقول مثلاً: حدثنا سفيان هو ابن عيينة مثلاً، أو هو الثوري، أو يعني ابن عيينة، أو يعني الثوري.. وما إلى ذلك.وهو لا بأس به، وخرج حديثه النسائي وحده.[ أخبرنا سعيد بن عيسى].هو سعيد بن عيسى، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، والنسائي.[ حدثنا عبد الرحمن بن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو صاحب الإمام مالك، وهو ثقة فقيه خرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، ولم يخرج له مسلم، ولا أبو داود في السنن، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه .[ حدثنا بكر بن مضر].هو بكر بن مضر المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ عن عمرو بن الحارث].هو عمرو بن الحارث المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب].هو يزيد بن أبي حبيب المصري أيضاً، وهو أيضاً ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن أبا الخير حدثه].و أبو الخير كنية وصاحبها مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وهو أيضاً ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عقبة بن عامر الجهني].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.أما أبو تميم الجيشاني فهذا ليس من الرواة في هذا الإسناد، ولكنه سبق أن مر في بعض الأسانيد الماضية، وأما هنا فجاء ذكره لأنه كان يصلي قبل المغرب، فرآه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وكان لا يعرف الحكم في هذه الصلاة، وكأنه استغربها.
الصلاة بعد طلوع الفجر
شرح حديث: (كان رسول الله إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة بعد طلوع الفجر.أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن زيد بن محمد أنه قال: سمعت نافعاً يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)].قوله: (باب الصلاة بعد طلوع الفجر)، أي: التنفل بركعتين وهما ركعتا الفجر، وهي مع الوتر آكد الرواتب المتعلقة بالصلوات، وكان عليه الصلاة والسلام يحافظ عليهما، ويداوم عليهما في الحضر والسفر، فحديث حفصة رضي الله تعالى عنها قالت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر كان لا يصلي إلا ركعتين)، يعني: أنه يقتصر على صلاة ركعتين، وهما ركعتا الفجر، وذلك إما في البيت وإما في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في البيت، ثم يخرج، وتقام الصلاة ويصلي بالناس، وإذا صلى الإنسان في بيته هاتين الركعتين، ثم جاء إلى المسجد والصلاة لم تقم فإنه يصلي تحية المسجد، ولا يجلس حتى يصلي تحية المسجد، أما إذا جاء والصلاة مقامة فإنه قد أدى هذه الراتبة في بيته، وكان هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتين خفيفتين، وهما السنة الراتبة التي كان يحافظ عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحضر والسفر.وعلى هذا فإن حديث حفصة يدل على أنه لا يصلى بعد طلوع الفجر إلا ركعتين، فليس للإنسان أن يتنفل ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، وإنما يصلي ركعتين فقط ويجلس، فإن صلاها في البيت، ثم جاء إلى المسجد والصلاة لم تقم فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)
قوله: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي.[ حدثنا محمد بن جعفر].وهو محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا شعبة].وهو شعبة بن الحجاج، الثقة الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن زيد بن محمد].هو زيد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي.[ سمعت نافعاً].وهو نافع مولى ابن عمر، الثقة الثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[يحدث عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما].وهو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الصحابي الجليل، وهو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير. وعبد الله بن عمر هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ[ عن حفصة رضي الله عنها].وهي أم المؤمنين، حفصة بنت عمر، وهنا عبد الله بن عمر يروي عن أخته حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها خرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:31 PM
إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح
شرح حديث عمرو بن عبسة في إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح.أخبرني الحسن بن إسماعيل بن سليمان، وأيوب بن محمد، قالا: حدثنا حجاج بن محمد قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شعبة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! من أسلم معك؟ قال: حر وعبد، قلت: هل من ساعة أقرب إلى الله عز وجل من أخرى؟ قال: نعم، جوف الليل الآخر، فصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس، وما دامت، وقال أيوب: فما دامت كأنها حجفة حتى تنتشر، ثم صل ما بدا لك حتى يقوم العمود على ظله، ثم انته حتى تزول الشمس، فإن جهنم تسجر نصف النهار، ثم صل ما بدا لك حتى تصلي العصر، ثم انته حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: (باب إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح)، هذه الترجمة المراد بها أن النهي الذي يكون بعد الصبح إنما يكون بالفراغ من الصلاة، وبالانتهاء من الصلاة، فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى طلوع الشمس، معناه: إلى أن تصلى الفجر فإن الصلاة مباحة، لكن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ما كان يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتين خفيفتين هما ركعتا الفجر، وقد أورد النسائي حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في أول الإسلام وفي أول البعثة، فقال له: (من أسلم معك؟ قال: حر وعبد) الحر هو: أبو بكر والعبد هو: بلال، ثم إنه قال: (هل من ساعة هي أرجى)، يعني: يرجى فيها قبول الدعاء، قال: (نعم، جوف الليل الآخر).قوله: (وصل ما بدا لك حتى تصلي الصبح)، معناه: أن الإنسان يصلي ما بدا له في جوف الليل إلى أن يصلي الصبح، والامتناع من الصلاة إنما يكون بعد صلاة الصبح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، أي: بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ومن ذلك الوقت الذي هو آخر الليل إلى أن تصلى هو وقت إباحة، لكن بعد الأذان، أي: أذان الفجر، وبعد طلوع الفجر، فهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلى إلا ركعتان، وهما ركعتا الفجر اللتان هما آكد السنن، وآكد الرواتب التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المقطع من الحديث هو محل الشاهد للترجمة، إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح.قوله: (ثم انته حتى تطلع الشمس، وما دامت).أي: بعدما تصلي الصبح انته من الصلاة، وتوقف عن الصلاة إلى أن تطلع الشمس.قوله: (وقال أيوب: وما دامت كأنها حجفة حتى تنتشر).يعني: كأنها ترس، أي: أنها مستديرة يمكن رؤيتها، ليست قبل أن ينتشر شعاعها، وذلك في أول طلوعها، معناه: أنها إذا طلعت، ثم مضى وقت يسير بعد طلوعها وهي على هذه الهيئة التي يمكن رؤيتها، وهي مستديرة لم ينتشر شعاعها، ولم يظهر شعاعها بقوة، وهذا هو معنى أنه بعد طلوع الشمس ينتظر قليلاً حتى ترتفع قيد رمح، يعني: حتى ترتفع قليلاً، وينتهي هذا الوضع الذي هي عليه، بحيث أنها كالترس، تُرى أطرافها؛ لأنه لا شعاع لها في ذلك، بحيث يصعب معه رؤيتها، أي: أنها بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع وترتفع قليلاً.قوله: (ثم صل ما بدا لك حتى).أي: بعد ارتفاعها إلى الزوال الذي هو وقت صلاة الظهر، يصلي الإنسان ما بدا له في ذلك الوقت، لا مانع في هذا الوقت الذي هو الضحى من ارتفاع الشمس إلى الزوال، ثم إذا زالت الشمس وقام قائم الظهيرة، وصارت على الرءوس، يعني: في وسط النهار قبل أن ينكسر الفيء إلى جهة الشرق، عند ذلك يتوقف الإنسان عن الصلاة؛ لأنه وقت تسجر فيه جهنم.قوله: (حتى يقوم العمود على ظله، ثم انته حتى تزول الشمس).أي: ثم انته عن الصلاة حيث يكون العمود الواقف ليس له ظلال من جهة الشرق، فإذا وجد الظلال من جهة الشرق فعند ذلك ينتهي ذلك الوقت القصير الذي نهي عن الصلاة فيه، وقد جاء النهي في أحاديث أخرى، حديث عقبة بن عامر: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: عند طلوع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها).قوله: (ثم صل ما بدا لك حتى تصلي العصر).أي: ثم يصلي الإنسان ما بدا له بعد الزوال إلى أن يصلي العصر، وإذا صلى العصر جاء وقت النهي: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فإذا صلاها انتهى عن الصلاة، وتوقف عن الصلاة إلى أن تغرب الشمس.قوله: (ثم انته حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان).وذلك أنه يعترض الشيطان عند طلوعها وتظهر بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، يريد من ذلك أن يسجد له الساجدون لها، وأن يعبده العابدون لها؛ لأن من يسجد للشمس وهي تطلع بين قرني شيطان، معناه أنه يعبد الشيطان، ويصلي للشيطان.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن عبسة في إباحة الصلاة حتى يصلي الصبح
قوله: [ أخبرني الحسن بن إسماعيل بن سليمان].هو الحسن بن إسماعيل بن سليمان، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[و أيوب بن محمد].وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ قالا: حدثنا حجاج بن محمد].هو حجاج بن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ثم إن كلاً من الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمد اختلف لفظ حجاج بن محمد الذي روى فيه عن شعبة، فقال أيوب بن محمد: حدثنا شعبة، والحسن يقول: أخبرنا، وأخبرنا وحدثنا عند بعض العلماء لا فرق بينهما، لكن المشهور التفريق بينهما بأن (حدثنا) فيما إذا سمع من لفظ الشيخ، و(أخبرنا) فيما إذا قرئ على الشيخ، فيعبرون بـ(أخبرنا) فيما إذا قرئ على الشيخ الذي يسمى العرض، و(حدثنا) فيما إذا كان الشيخ يقرأ وهم يسمعون، ومن العلماء من لا يفرق بين حدثنا وأخبرنا، ويجعل معناهما واحد.ثم أيضاً الحسن يقول في روايته عن شعبة: أخبرني، وكلمة (أخبرني) تعني أن شعبة حدثه وحده ليس معه أحد عندما قال: أخبرني، أما رواية أيوب بن محمد فيقول: حدثنا، أي: أنه هو ومعه غيره، هذا هو الفرق بين حدثني وحدثنا، وأخبرني وأخبرنا؛ أن أخبرني أنه سمع من شيخه وحده ليس معه مشارك عند السماع من الشيخ، وأما إذا قال: (حدثنا) و(أخبرنا) فإنه ليس وحده، بل معه غيره. [أخبرني شعبة].هو ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة وقد مر ذكره قريباً.[ عن يعلى بن عطاء].يعلى بن عطاء ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، يعني: البخاري ما خرج له في الصحيح، وإنما خرج له في جزء القراءة خلف الإمام، فهو من رجاله في جزء القراءة، وليس من رجاله في الصحيح.[ عن يزيد بن طلق].يزيد بن طلق قال عنه الحافظ في التقريب: أنه مجهول، وقال عنه الدارقطني: يعتبر به، وأورده ابن حبان في الثقات.[ عن عبد الرحمن بن البيلماني].وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ضعيف.[عن عمرو بن عبسة].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وله ثمانية وأربعون حديثاً، عند مسلم منها حديث واحد، وأما البخاري فليس في صحيحه رواية عن عمرو بن عبسة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورضي الله تعالى عنه وأرضاه.وهذه الجهالة التي ذكرت في يزيد بن طلق، والضعف الذي ذكر في حق عبد الرحمن بن البيلماني لا يؤثر؛ لأنه لم يحصل التفرد، بل جاءت طرق أخرى تدل على ما دل عليه الحديث، ومن ذلك نفس حديث عمرو بن عبسة، سبق أن مر في رقم: (571) من طريق أخرى ورجاله ثقات، فتكون هذه الطريق التي في رواتها ضعف لم يكن معولاً عليها، ولم يأتِ الحديث من هذه الطريق فقط، بل قد جاء من طرق أخرى، فيدل على أن الحديث صحيح؛ لأنه ثابت من غير هذه الطريق، فتكون هذه الطريق هي مثل تلك الطرق التي ثبت فيها الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان الحديث ما جاء إلا من هذا الطريق، وحصل التفرد به من هذا الطريق ما ثبت، لكنه لما كان ثابتاً عن عمرو بن عبسة من طريق أخرى، فإن هذه الرواية يكون حكمها حكم الرواية السابقة.
إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة
شرح حديث: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت من أبي الزبير أنه قال: سمعت عبد الله بن باباه يحدث عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)].أورد النسائي: باب: إباحة الصلاة في الساعات كلها في مكة.مكة كما هو معلوم حكمها حكم البلاد الأخرى، وما جاء من النهي عن الصلاة بعد العصر فإنه يشملها، وعن الصلاة بعد الفجر فإنه يشملها أيضاً، في كون الإنسان يقوم ويتنفل، لكن من دخل وطاف فإنه يصلي ركعتي الطواف في أي وقت طاف، ولو كان ذلك في الأوقات المنهي عنها، أما كون الإنسان يكون في المسجد الحرام، ثم يقوم ويتنفل بعد الفجر، فإن الأحاديث الأخرى تدل على المنع منه، ولكن هنا قال: طاف بالبيت وصلى، يعني: أنه يطوف ويصلي الصلاة التي هي سنة الطواف، أما كون الإنسان يتنفل ويصلي في وقت النهي، فإن الحكم يشمل مكة ويشمل غير مكة، وهذه الترجمة التي قيدها المصنف بالساعات كلها في مكة، والحديث: (لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)، يعني: أنه لا يمنع من دخول المسجد في أي وقت من الليل أو النهار الذي هو المسجد الحرام، ويكون المسجد مفتوحاً، ويدخله الناس في كل وقت وفي كل حين، ولا يمنع أحد من دخوله في أي وقت من الأوقات، وإذا دخل فإنه يصلي ركعتي الطواف، أو يصلي تحية المسجد على الخلاف في هل هي من ذوات الأسباب التي تستثنى من النهي أو لا تستثنى؟ لكن يستثنى من ذلك الذي هو الطواف والصلاة في حال الخطبة، وفي حال الصلاة، فإنه لا يطاف بالبيت في وقت الصلاة، ولا يصلى ويطاف في وقت الخطبة، وإنما من دخل فإنه يصلي ركعتين، ثم يجلس يستمع الخطبة، فهذا مستثنى من هذا العموم.
تراجم رجال إسناد حديث: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار)
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور].هو محمد بن منصور الجواز، وللنسائي شيخان، كلٌ منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما مكي، والثاني كوفي، وقد سبق أن مر بنا في بعض الأسانيد في الرواية عن سفيان: محمد بن منصور المكي، نسبه النسائي فقال: المكي، فعين أن الذي يروي عن سفيان هو المكي؛ لأن سفيان بن عيينة مكي.ومحمد بن منصور الذي هو الجواز مكي، ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.و سفيان هو ابن عيينة، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمعت من أبي الزبير].هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي أيضاً، وهو صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ سمعت عبد الله بن باباه].وعبد الله بن باباه ثقة، روى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن جبير بن مطعم].هو جبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف، وروى هذا الحديث: يا بني عبد مناف! وهو من بني عبد مناف، وأولاد عبد مناف أربعة، هم: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل.وجبير بن مطعم هذا النوفلي هو الذي جاء هو وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إنك أعطيت بني المطلب، ونحن وإياهم أولاد عبد مناف، فقال: إنا وبنو المطلب شيء واحد)، يعني: أن بني المطلب بن عبد مناف هم الذين ساندوا بني هاشم، وهم الذين صاروا معهم عندما قاطعتهم قريش، فصاروا يُعطون من الخمس، ولا يعطون من الزكاة، فـعثمان بن عفان وهو من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم وهو من بني نوفل، وعبد شمس ونوفل هما أخوان للمطلب ولـهاشم في نسب الرسول عليه الصلاة والسلام: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.وأبوه مطعم هو الذي أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة، ودخل في جواره، ومنعه من أن يصل إليه إيذاء كفار قريش؛ لأنه أجاره فصار في جواره.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:33 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(109)
- (باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر) إلى (باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم)
ما جعل الله في الدين من حرج، بل رخص الله للعباد وخفف عنهم في حال المشقة، ومن ذلك أنه رخص للمسافر أن يقصر الصلاة ويجمع بين الصلاتين سواء جمع تقديم في أول وقت الأولى أو جمع تأخير في وقت الأخرى، كذلك يجوز للمقيم في بلده أن يجمع بين الصلاتين إذا دعت الحاجة وعرض له أمر ضروري يستدعي الجمع؛ رفعاً للمشقة والحرج.
الوقت الذي يجمع فيه بين الظهر والعصر
شرح حديث أنس في الوقت الذي يجمع فيه بين الظهر والعصر
قال المصنف رحمه الله تعالى [باب الوقت الذي يجمع فيه بين الظهر والعصر.أخبرنا قتيبة قال: حدثنا مفضل عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب) ].الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء جمع التأخير في وقت الثانية، وجمع التقديم في وقت الأولى، بحيث يؤخر الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء، أو يعجل العصر إلى وقت الظهر، والعشاء في وقت المغرب، جمع تقديم وجمع تأخير.وقد أورد النسائي رحمه الله في ذلك أحاديث، أولها: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا كان سائراً وقد حصل الزوال، فإنه يؤخر الظهر إلى أن يأتي وقت العصر فيصليهما جميعاً، يصلي الظهر ثم يصلي العصر في وقت الثانية التي هي العصر، والجمع جمع تأخير، أما إذا كان نازلاً قبل أن تزول الشمس، فإنه إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر ثم ركب، وليس في هذا الحديث ذكر جمع التقديم، ولكنه جاء في أحاديث أخرى: أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين الظهر والعصر في وقت الأولى الذي هو جمع تقديم، وحديث أنس بن مالك هذا ليس فيه إلا جمع التأخير، وليس فيه جمع التقديم.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الوقت الذي يجمع فيه بين الظهر والعصر
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد أكثر عنه النسائي في سننه، بل هو أول شيخ روى عنه في سننه. [حدثنا مفضل].وهو ابن فضالة بن عبيد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عقيل].عقيل بالتصغير، وهو عقيل بن خالد بن عقيل هو بالتصغير، وأما جده فهو على وزن عظيم، وهذا اللفظ عَقيل وعُقيل هي من الألفاظ التي تتفق في الرسم، ولكنها تختلف في النطق وتختلف فيهما الحركات، أما بالنسبة للحروف والشكل فهي متفقة، والفرق بينها إنما هو بالحركات، وعقيل بن خالد بن عقيل الأيلي ثم المصري، هو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا من تأخرت وفاتهم من الصحابة، مثل أنس بن مالك رضي الله عنه، فإن أنس بن مالك رضي الله عنه من صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم حتى أدركه أناس كثيرون من التابعين، وابن شهاب يروي عن صغار الصحابة الذين عاشوا وعمّروا، وهنا يروي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهو من صغار التابعين؛ لأن التابعين فيهم كبار وأوساط وصغار.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة، وكان عمره حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة عشر سنوات، وخدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات منذ هاجر إلى أن توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عشرون سنة، وقد عمّر حتى أدركه صغار التابعين، كما هنا حيث أدركه ابن شهاب الزهري المتوفى سنة (124هـ أو 125هـ). وأنس بن مالك هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث معاذ بن جبل في الجمع بين الصلاتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه، أن معاذ بن جبل رضي الله عنه أخبره: (أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان في غزوة تبوك، وكانوا مقيمين في تبوك، أخر الظهر ثم خرج وجمع بين الظهر والعصر، ثم إنه خرج فجمع بين المغرب والعشاء، وذلك في حال الإقامة في تبوك، ومن المعلوم أن ذلك كان في سفر، ولكنه كان في حال إقامة في تبوك، وهو دليل على أن المقيم يجوز له أن يجمع، أي: المسافر المقيم في بلد، وهو له حق القصر والجمع، فإنه يجوز له أن يجمع، وإن كان الأولى ألا يجمع مادام مقيماً؛ لأن المعروف من عادته عليه الصلاة والسلام أنه ما كان يجمع إذا كان مقيماً، كما كان يفعل في منى، فإنه كان يقصر ولا يجمع، يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة بدون جمع، ولكنه فعل هذا لبيان الجواز، وأن ذلك جائز، وهو وإن كان جائزاً إلا أن الأولى عدمه، أي: في حال الإقامة، أما إذا جّد به السير وكان سائراً، ومن المصلحة له أن يجمع بين الصلاتين، فإن له أن يفعل ذلك، وقد جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما في حال الإقامة فالأولى عدم الجمع، وإذا جمع جاز كما فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في تبوك وهو مقيم؛ لأن كونه يقول: خرج، يعني: خرج من مقر سكنه الذي هو ساكن فيه في تبوك، يعني: مع أصحابه، خرج من مكانه الذي هو نازل فيه، وصلى بهم جامعاً بين الظهر والعصر، ثم خرج من مكانه وصلى بهم جامعاً بين المغرب والعشاء، فهذا هو الدليل على جواز الجمع في حال الإقامة.
تراجم رجال إسناد حديث معاذ بن جبل في الجمع بين الصلاتين
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو المرادي المصري، وهو ثقة حافظ، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له]وهو أيضاً مصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.قوله: (واللفظ له)، أي: للحارث بن مسكين؛ لأنه ذكر الشيخين وبيّن من له اللفظ منهما، وأنه للثاني من الشيخين، وهو الحارث بن مسكين المصري الثقة، وقد خرج عنه أبو داود، والنسائي.[عن ابن القاسم].وهو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو صاحب الإمام مالك، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.[حدثني مالك].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، صاحب أحد المذاهب الأربعة المشهورة، وهذه المذاهب الأربعة حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع فقههم وتدوينه والعناية به، وهناك فقهاء آخرون هم أئمة أجلة، ولكنه ما حصل أن اعتنى أحدٌ بأقوالهم واجتهاداتهم، وما أثر عنهم من الأقوال، وما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، فلا يقال: إن الأئمة الأربعة هؤلاء هم أهل الفقه وغيرهم ليس كذلك، ففي زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة فقهاء معروفون مشهورون، ومنهم إسحاق بن راهويه، ومنهم وكيع، ومنهم الثوري، ومنهم الأوزاعي، ومنهم الليث بن سعد، ومنهم أئمة كثيرون، وفقهاء أجلة، وأقوالهم امتلأت بها الكتب التي تنقل مذاهب وأقوال الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لكن الأئمة الأربعة وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، حصل لهم أتباع عنوا بجمع أقوالهم وترتيبها وتنظيمها والعناية بها، فلهذا اشتهرت هذه المذاهب الأربعة، والإمام مالك هو أحد أصحاب هذه المذاهب.[عن أبي الزبير المكي].وهو محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الطفيل عامر بن واثلة].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا وعاشوا مدة طويلة، وذكر الإمام مسلم وغيره أنه آخر من مات من الصحابة على الإطلاق، وقالوا: إنه توفي سنة مائة وعشرة من الهجرة، وكانت ولادته في عام أحد، وروى عن كبار الصحابة مثل أبي بكر ومن بعده، وهنا يروي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وحديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عند أصحاب الكتب الستة.[أن معاذ بن جبل].معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وهو من فقهاء الصحابة، وقد روى الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه ليس كالسبعة الذين رووا الكثير، وزادت أحاديثهم على ألف حديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
بيان ذلك
شرح حديث ابن عمر في الجمع بين الصلاتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بيان ذلك.أخبرني محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا يزيد بن زريع حدثنا كثير بن قاروندا (سألت سالم بن عبد الله عن صلاة أبيه في السفر، وسألناه: هل كان يجمع بين شيء من صلاته في سفره؟ فذكر أن صفية بنت أبي عبيد كانت تحته فكتبت إليه وهو في زراعة له: أني في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب فأسرع السير إليها، حتى إذا حانت صلاة الظهر قال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فلم يلتفت، حتى إذا كان بين الصلاتين نزل، فقال: أقم، فإذا سلمت فأقم، فصلى، ثم ركب حتى إذا غابت الشمس قال له المؤذن: الصلاة، فقال: كفعلك في صلاة الظهر والعصر، ثم سار حتى إذا اشتبكت النجوم، نزل ثم قال للمؤذن: أقم، فإذا سلمت فأقم، فصلى، ثم انصرف، ثم التفت إلينا، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فوته فليصل هذه الصلاة)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب: بيان ذلك، يعني: بيان الجمع؛ لأنه في الترجمة السابقة ذكر الوقت الذي يجمع فيه بين الظهر والعصر، ثم هذه الترجمة فيها بيان لما تقدم، وقد أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن زوجته صفية بنت أبي عبيد كتبت له وكانت مريضة، وقالت: (إنها في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة)، يعني: أنها كانت في مرض شديد، وأنها تحتضر؛ لأن قولها: كانت في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، معناه أنها بلغت الغاية في الشدة، فكتبت إليه، فلما بلغه ذلك اتجه إليها وأسرع، وكان في مكان بعيد، فلما حان وقت الظهر قال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فلم يلتفت إليه، يعني: ما استجاب له بأنه ينزل ويصلي، فلما كان بين الصلاتين، يعني: بين صلاة الظهر وصلاة العصر، فنزل وصلى، فجمع بين الظهر والعصر، ثم واصل السير، ولما دخل وقت المغرب قال المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فقال مثلما كان بين الظهر والعصر، ثم إنه بعدما اشتبكت النجوم واشتد الظلام نزل وصلى وجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء.قوله: (إذا حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فوته فليصل هذه الصلاة)، يعني: كونه سائراً وجاداً به السير، ويريد الوصول إلى غاية بسرعة فإنه يجمع، وهذا الجمع إنما هو في حال السير، وكما عرفنا أن الجمع يكون في حال السير وفي حال الإقامة؛ يكون في حال السير كما في هذا الحديث وغيره من الأحاديث، ويكون في حال الإقامة كما حصل في غزوة تبوك في الحديث المتقدم الذي مر بنا قبل هذا.قوله: (وسألناه: هل كان يجمع بين شيء من صلاته في سفره؟)، فذكر هذا الحديث الذي فيه أنه جاءه من زوجته أنها في مرض شديد، وأنه أسرع إليها، وكان يجمع في الطريق بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الجمع بين الصلاتين
قوله: [أخبرني محمد بن عبد الله بن بزيع].وهو محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.[حدثنا يزيد بن زريع البصري].وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا كثير بن قاروندا].هنا ابن قاروندا، وفي التقريب قال: قاوند، بقاف ونون ساكنة قبلها واو مفتوحة، وكثير بن قاوند هذا كوفي سكن البصرة، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وتفرد النسائي بإخراج حديثه، فلم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.[سألت سالم بن عبد الله].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن ستة لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم هذا، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.أما أبوه عبد الله بن عمر.رضي الله عنه فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة، وهو من العبادلة الأربعة في الصحابة، وهو من المكثرين السبعة من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوقت الذي يجمع فيه المقيم
شرح حديث ابن عباس: (صليت مع رسول الله بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة: الوقت الذي يجمع فيه المقيم. المقيم المراد به هو: المقيم في بلده، وسبق أن عرفنا أن المقيم في حال سفره، يعني: الإقامة التي يقصر فيها أنه يجمع، والأولى عدم الجمع كما تقدم في الحديث الذي مضى، وهو حديث معاذ الذي فيه جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في تبوك، وهو مقيم في تبوك، فذاك جمع في السفر، وأما هذا فهو جمع في حال الإقامة في البلد الذي يسكن فيه الإنسان.وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: (صليت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعاً)، يعني: الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات جمع بينهما، (وسبعاً جميعاً)، أي: المغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات ولم يقصر؛ لأنه مقيم في بلده، ولكن الجمع حصل منه عليه الصلاة والسلام. وبعض العلماء قال: إن هذا يراد به الجمع الصوري، وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها، وإذا فرغ منها يكون حينئذ قد دخل وقت العصر، فيصليها في أول وقتها، ويؤخر المغرب حتى يصليها في آخر وقتها، وإذا فرغ منها يكون حينئذ قد دخل وقت العشاء، فيصلي العشاء في أول وقتها. وقد جاء في بعض الروايات ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا حتى لا يحرج أمته، يعني: دفعاً للحرج والمشقة عنها، وليس ذلك جمعاً صورياً كما قاله بعض العلماء؛ لأن الجمع الصوري أولاً: تحقيقه وحصوله فيه مشقة، والأمر الثاني: أنه لا يقال له: جمع، إلا من حيث الصورة، وقد جاء في الحديث أنه قال: (أراد ألا يحرج أمته)، يعني: دفعاً للحرج عنها، ومعنى ذلك أنه جمع بين الصلاتين في وقت إحداهما، لكن هذا ليس متكرراً، وإنما حصل في يوم من الأيام، حصل أمرٌ يقتضي ذلك من العوارض التي طرأت، وفيها تيسير وتخفيف، ولم يكن هذا عمله دائماً، بل ولا كثيراً، وإنما كان فعله مرة واحدة، وقد بين ذلك في بعض الروايات أنه أراد ألا يحصل لها حرج ومشقة عندما يحصل ضرورة تلجئ إلى ذلك.وأما ما جاء من قوله: (عجل وأخر)، فهذه قيل: إنها مدرجة، وقد ذكر هذا الشيخ ناصر الدين الألباني في صحيح النسائي اعتباراً بصحة أوله وذكره في ضعيف سنن النسائي اعتباراً بأن ذكر التعجيل والتأخير مدرج، والذي هو غير مدرج هو أول الحديث أنه صلى ثمانياً وصلى سبعاً، ثمانياً الظهر والعصر، وسبعاً المغرب والعشاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (صليت مع رسول الله بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد، وقد مر ذكره قريباً.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وهو ثقة ثبت، وهو مكي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو].وهو ابن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن جابر بن زيد].وهو أبو الشعثاء، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].ابن عباس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث ابن عباس: (أنه صلى مع رسول الله بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم أخبرنا حبان بن هلال حدثنا حبيب وهو ابن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء)].أورد النسائي رحمه الله حديث ابن عباس من طريق أخرى، وفيه أنه فعل ذلك بالبصرة، وذكر أنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة مثل هذه الصلاة، يعني: جمع بين الصلاتين، فعل ذلك ابن عباس وبين مستنده في ذلك، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا في المدينة، وكان لشغل حصل له، فاضطره إلى أن يجمع هذا الجمع، وذلك فيما أخبر به من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جمع بين الصلاتين الظهر والعصر في المدينة، وهو جمع في حال إقامة، وجاء في بعض الروايات في الصحيح أنه ما كان ذلك من مطر، وما كان من خوف، ولكنه لأمر عارض طرأ عليه في ذلك اليوم، وأراد ألا يحرج أمته بأن يحصل لهم حرج ومشقة عندما يحصل لهم اضطرار إلى مثل هذا العمل.قوله: (أنه صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء).الأولى هي الظهر، يقال لها: الأولى لأنها هي أول صلاة صلاها جبريل بالرسول صلى الله عليه وسلم لما فرضت عليه الصلوات الخمس، وقيل: إنها الأولى؛ لأنها الأولى من صلوات النهار، ليس المراد بذلك النهار الذي هو محل الصيام؛ لأن الفجر في محل الصيام، واليوم يبدأ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كما يحصل الصيام، لكن في حال الضياء والنور، أو لأنها الأولى من صلاتي العشي؛ لأن الظهر والعصر يقال لهما: صلاة العشي، فهي الأولى من صلاتي العشي.قوله: (والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء).يعني: ما صلى كل صلاة في وقتها، بل جمع بينهما.قوله: (وزعم ابن عباس رضي الله عنهما).قوله: (زعم) هذه يراد بها الخبر المحقق؛ لأنها تأتي لمعان، ومنها الخبر المحقق، وهنا هذا هو معناها، وليس المراد بها معنى آخر غير هذا المعنى الذي هو الخبر المحقق.قوله: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ليس بينهما شيء).أطلق في هذا الحديث السجدات على الركعات، وقد مر بنا أنه قد جاءت أحاديث كثيرة يطلق فيها على الركعة أنها سجدة، وهذا منها، أطلق على الثمان السجدات التي هي أربع الظهر وأربع العصر التي هي الركعات، أطلق عليها سجدات.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (أنه صلى مع رسول الله بالمدينة الأولى والعصر ثمان سجدات ...)
قوله: [أخبرنا أبو عاصم].هو أبو عاصم خشيش بن أصرم، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[أخبرنا حبان بن هلال].وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحبان بفتح الحاء وليس بكسرها؛ لأن بعض الرواة يقال له: حبان، مثل حبان بن موسى بكسر الحاء، وأما هنا حبان بفتح الحاء.[حدثنا حبيب وهو ابن أبي حبيب ].وابن أبي حبيب صدوق يخطئ، روى له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه . وكلمة (هو ابن أبي حبيب) هذه ليست من تلميذه الراوي عنه، وإنما هي ممن دونه كما عرفنا ذلك مراراً؛ لأن التلميذ لا يحتاج إلى أن يقول: هو، بل ينسبه كما يريد، كما عرفنا ذلك قريباً عن النسائي، حيث ذكر شيخاً من شيوخه فذكر ستة أسماء، ذكر اسمه واسم خمسة من آبائه، فالتلميذ قد ينسب شيخه كما يريد، لكن إذا كان التلميذ قد اختصر اسم شيخه، وأراد من دونه أن يوضح، يأتي بكلمة (هو) أو (يعني) أو ما إلى ذلك من الألفاظ التي تدل على أن الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن هو دون التلميذ.[عن عمرو بن هرم].وهو ثقة، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه . [عن جابر بن زيد].وهو أبو الشعثاء وقد تقدم.[عن ابن عباس].وقد مر ذكره.
الأسئلة
بيان من له الشأن في تنصيب الإمام ومبايعته
السؤال: شيخنا الفاضل! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.هل الإمام ينصب إماماً بمبايعة العلماء والأمراء وأهل الحل والعقد، أم بكل أفراد الشعب؟الجواب: تنصيب الإمام يكون باتفاق أهل الحل والعقد، وليس بكل أفراد الشعب، ولا بأكثرهم، ولا بالكثيرين منهم، وإنما يكفي أهل الحل والعقد أن يتولوا ذلك، ثم غيرهم تبعٌ لهم، وهذا هو الذي جرى في مبايعة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنه قد بايعهم الموجودون عندهم في المدينة، وغيرهم تبع لهم في ذلك، ثم أيضاً الذين لم يبايعوا هم مبايعون وإن لم يضعوا أيديهم في يد الإمام؛ لأنه لا يلزم أن كل واحد يضع يده في يد الإمام، وأن البيعة لا تتم إلا بوضع يده، بل إذا بايع أهل الحل والعقد فالجميع تبع لهم، وليس لأحد الخروج عليه، أو الامتناع من بيعته، وإنما عليه أن يكون مع الناس، وألا يخرج عما اتفق عليه أهل الحل والعقد، ومن المعلوم أن التولية تكون باتفاق أهل الحل والعقد، وتكون أيضاً بأن يعهد الخليفة الذي قبله إليه، كما حصل من أبي بكر لـعمر، وتكون أيضاً بأن يتغلب شخص ويقهر الناس ويغلبهم ويخضعون له، فأيضاً يكون توليه بذلك، ويجب السمع له والطاعة بذلك؛ لما في الخروج عليه من إزهاق النفوس وكثرة الفتن التي لا نهاية لها.
حال أبي حنيفة ومدى اعتماد أقواله في باب العقيدة
السؤال: هل أبو حنيفة معدود من السلف الذين يؤخذ عنهم في باب العقيدة؟ وهل هو ثقة أم لا؟الجواب: أبو حنيفة رحمه الله من علماء السلف، وإن كان قد حصل منه في بعض الأمور مثل مسألة الإيمان في كون الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان كما ذكر ذلك الطحاوي في عقيدته، لكن هو من أئمة أهل السنة، ومن علماء السلف، وهو من الفقهاء، وليس معروفاً بكثرة الحديث والعناية به، ولكنه فقيه مشهور، وإمام من الأئمة الأربعة الذين حصل لمذاهبهم عناية خاصة من أتباعهم.
حكم التوسل بالنبي عليه السلام بعد وفاته
السؤال: ما حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مع الدليل؟ وهل هذه المسألة فقهية أم عقائدية؟الجواب: حكم التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم وبغيره إن كان في الحياة بأن يطلب منه الدعاء، أو يطلب الدعاء من الحي، فهذا قد جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يأتيه أصحابه ويسألونه الدعاء فيدعو لهم، كما جاء الرجل الذي دخل وهو يخطب، وسأله أن يستسقي لهم فاستسقى، ولما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ما كانوا يأتون قبره ويطلبون منه أشياء، وما كانوا يتوسلون به، بل الذي فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، قم يا عباس فادع الله.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:35 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(110)
- باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
من رحمة الله بهذه الأمة أن شرع لها الجمع بين الصلاتين في السفر، وقصر الرباعية منها، وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس وجدّ به السير أخر الظهر إلى العصر.
الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
شرح حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش قال: (صحبت ابن عمر رضي الله عنهما إلى الحمى، فلما غربت الشمس هبت أن أقول له: الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء ثم نزل فصلى المغرب ثلاث ركعات ثم صلى ركعتين على إثرها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل)].يقول النسائي رحمه الله: باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء. أورد النسائي رحمه الله في هذا الباب أحاديث عديدة، أولها حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان معه إسماعيل بن عبد الرحمن، فذهب معه ولما آن وقت المغرب أراد أن يقول له: (الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء)، يعني الظلام، فعند ذلك نزل فصلى المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، جمع بين المغرب والعشاء، ومعنى ذلك أنه جمع في آخر وقت المغرب، فجمع بين الصلاتين، ومن المعلوم أن وقت كل من الصلاتين هو وقت للأخرى سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير.وقوله: (هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل) في هذا بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الاقتداء به ومتابعته في أفعاله، وكذلك أنهم إذا عملوا الأعمال وكانوا متبعين فيها للرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يبينون ذلك، فيقولون كما قال ابن عمر هنا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا يفعل، فهم يفعلون ويذكرون الدليل على فعلهم؛ ليبينوا للناس أنهم متبعون فيما يفعلون سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا يدل على فضلهم، ونبلهم، وسبقهم إلى الخير، وحرصهم على متابعة النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ومن المعلوم أن العمل المقبول عند الله لا بد فيه من أمرين: أن يكون خالصاً لله، وأن يكون عامله موافقاً فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلابد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولابد من تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي أن يخلص له، وأن يفرده بالعبادة وأن لا يجعل له شريكاً فيها، وشهادة أن محمداً رسول الله تقتضي بأن يفرد ويوحد بالمتابعة، كما قال بعض العلماء: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما توحيد الرسول وتوحيد المرسل، فتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، وتوحيد المرسل -وهو الله عز وجل- يكون بإخلاص العمل لله عز وجل، وهذا هو معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المعروف بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأوصاف الرفيعة العالية التي لم يظفر بها إلا النادر من المحدثين، ومنهم إسحاق بن إبراهيم بن راهويه هذا، ومثل هذا اللفظ المركب المختوم بـ(ويه)، فإن أهل اللغة يجعلون الواو مفتوحة والياء ساكنة، وأما المحدثون فإنهم يجعلون الواو ساكنة وما قبلها مضموم والياء مفتوحة. وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه هذا خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مكي.[عن ابن أبي نجيح]هو عبد الله بن يسار المكي، وهو ثقة، ربما دلس، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة، واسمه عبد الله، واسم أبيه يسار، فهو عبد الله بن يسار، مشهور أبوه بكنيته الذي هو أبو نجيح.[عن إسماعيل بن عبد الرحمن].وهو شيخ من قريش، هو ابن ذؤيب، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[قال: صحبت ابن عمر]عبد الله بن عمر، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي الجليل ابن الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين اشتهروا بهذا الوصف، فإذا قيل: العبادلة الأربعة في الصحابة، هم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم ممن يسمى عبد الله كثير، ومنهم عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، لكن هذا الوصف أُطلق على هؤلاء الأربعة الذين هم من صغار الصحابة وهم متقاربون في السن، لهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة.وعبد الله بن عمر هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عبد الله بن عمر عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا عجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن ابن أبي حمزة ح وقال أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان واللفظ له عن شعيب عن الزهري أنه قال: أخبرني سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجله السير في السفر)، يعني إذا كان جاداً في السير فإنه يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، يعني في وقت العشاء، وهذا من الأحاديث الدالة على الجمع بين الصلاتين صلاة المغرب وصلاة العشاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا أعجله السير في السفر يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)
قوله: [أخبرني عمرو بن عثمان].هو ابن سعيد بن كثير بن دينار، وهو صدوق خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، أي خرج له أصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي، ولم يخرج له الشيخان البخاري، ومسلم.[حدثنا بقية].هو بقية بن الوليد، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن أبي حمزة].هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ثم ذكر النسائي إسناداً آخر رجع فيه إلى ذكر شيخ آخر له.[أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة].وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[حدثنا عثمان].هو ابن سعيد بن كثير بن دينار أبو عمرو، وهو أبو شيخ النسائي في الإسناد الأول؛ لأن الإسناد الأول عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وهذا عثمان أبوه وهو شيخ أحمد بن محمد بن المغيرة، الذي هو شيخ النسائي وعثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، ثقة، عابد، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، مثل الذين خرجوا لابنه، لم يخرج له ولا لابنه الشيخان، ولا الترمذي، والابن صدوق، والأب ثقة عابد.[عن شعيب]هو ابن أبي حمزة الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا؛ لأن هناك ما ذكر اسمه ولكن ذكر نسبه، وهنا ذكر اسمه، ولم يذكر نسبه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قال: واللفظ له، يعني أن اللفظ لـعثمان بن سعيد وليس لـبقية بن الوليد.[عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقصي بن كلاب هو الذي في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلتقي نسب الزهري مع نسب الرسول في جد رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاب، أي قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب أخوان. ويقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ويقال له: ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب، وهو محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة، وقد مر بنا في بعض الأحاديث أنه يروي عن أنس بن مالك.وأنس بن مالك هو من صغار الصحابة الذين عمروا وأدركهم صغار التابعين، وابن شهاب الزهري المتوفى سنة: (124هـ أو 125هـ) هو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وابن شهاب هذا هو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز بأن يجمع السنة ويدونها، وهو الذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمراً له عمروعرفنا أن الجمع الذي حصل إنما هو جمع بتكليف من الخليفة، وأما الجمع بجهود فردية وبأعمال خاصة فهذا موجود قبل هذا العمل الذي عمله ابن شهاب الزهري، كما كان معروفاً من عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يكتب كما جاء في حديث أبي هريرة لم يكن هناك أحد أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.[أخبرني سالم عن أبيه].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من المحدثين الفقهاء، وهو من التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع من السبعة؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة المعروفين في عصر التابعين، هم سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة. وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال منهم من قال: إن السابع سالم بن عبد الله بن عمر هذا الذي معنا، ومنهم من قال: إن السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومنهم من قال: إن السابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في أول كتابه (إعلام الموقعين) الذين عرفوا بالفتوى واشتهروا بالفقه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في مختلف الأمصار ومختلف البلاد، ولما جاء عند ذكر المدينة، وذكر الذين هم معروفون بالفقه والفتوى من الصحابة ومن التابعين ومن بعدهم، ذكر هؤلاء الفقهاء السبعة، وذكر السابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين يشتمل الثاني منهما على أسماء هؤلاء السبعة حيث قال:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله وعروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفهذا البيت الثاني يشتمل على أسماء الفقهاء السبعة في المدينة.وسالم بن عبد الله بن عمر حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن أبيه عبد الله بن عمر، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (غابت الشمس ورسول الله بمكة فجمع بين الصلاتين بسرف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا المؤمل بن إهاب حدثني يحيى بن محمد الجاري حدثنا عبد العزيز بن محمد عن مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (غابت الشمس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فجمع بين الصلاتين بسرف)].هنا ذكر النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: (غابت الشمس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وجمع بين الصلاتين بسرف)، في سرف وهو مكان قريب من مكة، والمقصود من ذلك أنه أخر المغرب عن أول وقتها وجمع بينها وبين العشاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (غابت الشمس ورسول الله بمكة فجمع بين الصلاتين بسرف)
قوله: [أخبرنا المؤمل بن إهاب].وهو صدوق له أوهام، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثني يحيى بن محمد الجاري].وهو صدوق يخطئ، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني مثل الذين رووا لـمؤمل بن إهاب بزيادة الترمذي، أي خرج له أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، والشيخان البخاري ومسلم لم يخرجا له شيئاً.[حدثنا عبد العزيز بن محمد].هو الدراوردي، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، قيل عنه: إنه يحدث من كتب غيره فيخطئ، وقيل عنه: إن أحاديثه عن عبيد الله بن عمر منكرة.[عن مالك بن أنس].مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد الفقهاء، وأحد الأئمة الأربعة الذين اشتهرت مذاهبهم والذين حصل لهم أتباع عنوا بجمع فقههم وبجمع أقوالهم وتدوينها، حتى حصل لها ما لم يحصل لغيرها من الشيوع والذيوع، ومن المعلوم أن في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة أجلة فقهاء، ولكن ما حصل لهم مثل ما حصل لهؤلاء من وجود أتباع يعنون بجمع فقههم وجمع اجتهاداتهم ويدونونها ويرتبونها وينظمونها، وهم من الفقهاء الأجلة، مثل إسحاق بن راهويه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وغيرهم ممن عرفوا بالفقه واشتهروا به، لكن ما حصل لهم مثلما حصل للأئمة الأربعة.[عن أبي الزبير].هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق له أوهام، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث أنس في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو أخبرنا ابن وهب حدثنا جابر بن إسماعيل عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا عجل به السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتى يغيب الشفق)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه كان إذا جدَّ به السير يؤخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، يعني يؤخرها حتى يغيب الشفق ويجمع بينها وبين العشاء في وقت صلاة العشاء، أي يصليهما في وقت صلاة العشاء، فهو من الأحاديث الدالة على الجمع بين المغرب والعشاء.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو].وهو ثقة، لم يخرج له البخاري، ولا الترمذي، بل خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي.[أخبرنا ابن وهب].هو عبد الله بن وهب المصري، الثقة، الفقيه، المحدث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جابر بن إسماعيل].وهو مقبول، خرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، يعني ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا خرج له الترمذي.[عن عقيل].عقيل بالتصغير، هو عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب عن أنس].ابن شهاب، وهو الذي تقدم قريباً الزهري، وأنس بن مالك، وهذا فيه رواية الزهري عن أنس، وهو من صغار التابعين، يروي عن أنس وهو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه.وأنس بن مالك هو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل، وكان عمره لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة عشر سنوات، وقد عمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى الحديث الكثير عن النبي عليه الصلاة والسلام، وتلقى عنه الأحاديث الكثير من التابعين، وهو أحد السبعة الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
شرح حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا ابن جابر حدثني نافع قال: (خرجت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سفر يريد أرضاً له، فأتاه آت فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها، فانظر أن تدركها، فخرج مسرعاً ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يصل الصلاة، وكان عهدي به وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إليَّ ومضى، حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عجل به السير صنع هكذا)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وقد مر ذكر بعض رواياته، وهو أنه كان في سفر ومعه رجل من قريش، ولما دخل وقت المغرب، وكان يعلم محافظته على الصلاة يعني في أول وقتها، فقال له: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فالتفت إليه ومضى يعني معناه أنه قد علم ما قال أو فهم ما قال، ولما جاء في آخر وقت صلاة المغرب وعند مغيب الشفق نزل وصلى المغرب ثلاثاً ثم صلى العشاء بعدها ركعتين، وقال: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، يعني أنه يؤخر صلاة المغرب إذا أدركه السير، فإنه يستمر في سيره ويجمع المغرب مع العشاء.و إسماعيل بن عبد الرحمن قال: صحبت ابن عمر، إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش، فهذا هو الذي كان يعنيه نافع، قال: ومعه شيخ من قريش يسايره، يعني يسير معه ويرافقه في الطريق.(فأتاه آتٍ فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها).صفية بنت أبي عبيد يعني زوجة عبد الله بن عمر، أنه لما بها أو لما بها، يعني أنها تستعجله أو تطلب منه الحضور أو تخبره بما فيها من شدة المرض، ولهذا جاء في بعض الروايات أنها كتبت إليه وقالت: إنها في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فأسرع السير ليصل إليها ويدركها.(فانظر أن تدركها، فخرج مسرعاً ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يصل الصلاة، وكان عهدي به وهو يحافظ على الصلاة).قوله: (وغابت الشمس فلم يصل الصلاة)، يعني في أول الوقت، وكان عهدي به أنه يحافظ على الصلاة، يعني في أول وقتها، فهو لما لم يصل في أول الوقت خشي أن يكون نسي فذكّره وقال: الصلاة، فالتفت إليه ثم مضى، معناه أنه قد فهم ما ذكره به، وهو يريد أن يؤخر الصلاة ليجمع بينها وبين صلاة العشاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمود بن خالد].هو السلمي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثنا الوليد].هو الوليد بن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، خرج له الجماعة، كثير تدليس التسوية، وهو نوع من أنواع التدليس وهو أشد الأنواع، ويعرف بأنه أن يعمد إلى إسناد فيه ثقات وضعفاء، فيحذف الضعفاء ويجعل الإسناد له ثقات فيسويه على أساس أن الذي يرى الإسناد يراه ليس فيه إلا الثقات، مع أنه حذف الضعفاء منه، أما بقية بن الوليد فكان كثير التدليس عن الضعفاء.[حدثنا ابن جابر].هو عبد الله بن عبد الله بن جابر، ويقال له أيضاً: ابن جبر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني نافع].هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].وقد مر ذكره.
حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا العطاف عن نافع أنه قال: (أقبلنا مع ابن عمر رضي الله عنهما من مكة فلما كان تلك الليلة سار بنا حتى أمسينا، فظننا أنه نسي الصلاة، فقلنا له: الصلاة، فسكت وسار حتى كاد الشفق أن يغيب ثم نزل فصلى وغاب الشفق فصلى العشاء، ثم أقبل علينا فقال: هكذا كنا نصنع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير)].هنا أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وقد مر ذكره بهذا المعنى قريباً.قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر الرواية عنهم، بل هو أول شيخ خرج له في سننه.[حدثنا العطاف].هو العطاف بن خالد بن عبد الله بن العاص المخزومي، صدوق يهم، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له مسلم، ولا ابن ماجه .[عن نافع عن ابن عمر].وقد مر ذكرهما في الذي قبل هذا.
حديث ابن عمر في الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم حدثنا ابن شميل حدثنا كثير بن قاروندا أنه قال: (سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر، فقلنا: أكان عبد الله يجمع بين شيء من الصلوات في السفر؟ فقال: لا إلا بجمع، ثم أتيته فقال: كانت عنده صفية فأرسلت إليه: إني في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه فأسرع السير حتى حانت الصلاة، فقال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن فسار حتى إذا كان بين الصلاتين نزل، فقال للمؤذن: أقم فإذا سلمت من الظهر فأقم مكانك، فأقام فصلى الظهر ركعتين ثم سلم ثم أقام مكانه فصلى العصر ركعتين، ثم ركب فأسرع السير حتى غابت الشمس، فقال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن فقال كفعلك الأول، فسار حتى إذا اشتبكت النجوم نزل فقال: أقم فإذا سلمت فأقم فصلي المغرب ثلاثاً ثم أقام مكانه فصلى العشاء الآخرة، ثم سلم واحدة تلقاء وجهه، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حضر أحدكم أمراً يخشى فواته فليصل هذه الصلاة)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وقد مر هذا الحديث فيما مضى، وأورده هنا للاستدلال به على الجمع بين صلاة المغرب والعشاء، وهناك أورده في الجمع للاستدلال به بين الظهر والعصر، وقد مر ذكره فيما مضى.قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم].وهو صدوق، ولم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي والبخاري في الأدب المفرد وليس في الصحيح، والكتب الستة التي هي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وابن ماجه ، وأبي داود. وسنن النسائي.[حدثنا ابن شميل].النضر بن شميل، هو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا كثير بن قاروندا].وقد مر ذكره في الإسناد السابق، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده.أما عبد الله بن عمر فقد مر ذكره في الأسانيد الماضية.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:37 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(111)
- باب الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
إن الشريعة الإسلامية شريعة يسر، لم تقصد التعنت والمشقة في تشريعاتها، بل فيها الرخص، ومن ذلك الجمع بين الصلاتين في الحضر من غير خوف ولا مطر ولا سفر، وإنما لوجود ما يستدعي ذلك من مرض ونحوه.
الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين
شرح حديث: (أن النبي كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)].يقول النسائي رحمه الله: (باب الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين)، الحال: أي الهيئة التي يكون بها الجمع بين الصلاتين؛ وذلك مثل كون السير جد بالإنسان فإنه يجمع بين الصلاتين من أجل مواصلة السير؛ لأن نزوله عند كل صلاة قد يحصل معه شيء من التأخير، والله تعالى يسر وخفف فشرع الجمع بين الصلاتين وجعل ذلك سائغاً، وذلك في حال كون السير جد بالإنسان، وحتى يواصل سيره، وينزل نزولاً واحداً يصلي فيه الصلاتين معاً كالمغرب والعشاء والظهر والعصر. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)، يعني أنه ينزل نزولاً واحداً فيصلي فيه الصلاتين المغرب والعشاء، إذا كان سائراً قبل غروب الشمس. وغربت الشمس وهو سائر فإنه يؤخر المغرب ثم ينزل ويصليها ويصلي معها العشاء، فيكون بذلك جامعاً بين الصلاتين.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك]. هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع]. هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد رباعي، ومن أعلى أسانيد النسائي؛ لأن النسائي ليس عنده إسناد من الثلاثيات، بل أعلى شيء عنده الإسناد الرباعي، وهذا السند من هذه الأسانيد العالية: قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر، بين النسائي -وكانت وفاته سنة: (303هـ)- وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص قتيبة، ومالك، ونافع، وعبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما. وقد ذكرت فيما مضى: أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم أعلى ما عندهم الثلاثيات، وثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، فالثلاثة الذين أعلى ما عندهم الثلاثيات هم: البخاري، فإن عنده اثنين وعشرين حديثاً ثلاثياً في صحيحه، والترمذي عنده ثلاثي واحد، وابن ماجه عنده خمسة ثلاثيات، وكلها بإسناد واحد. وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي فهؤلاء الثلاثة ليس عندهم ثلاثيات بل أعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من الرباعيات. ثم هذا الإسناد فيه مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذه هي السلسلة التي تعتبر أصح الأسانيد عند الإمام البخاري، والأربعة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (كان النبي إذا جد به السير أو حزبه أمر جمع بين المغرب والعشاء) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير أو حزبه أمر جمع بين المغرب والعشاء)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، وفيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير أو حزبه أمر جمع بين المغرب والعشاء)، فهو مثل الذي قبله إلا أن فيه الزيادة: (أو حزبه أمر)، وهذه الزيادة ذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني أنها شاذة؛ لأن جميع أصحاب نافع الذين رووا هذا الحديث وغيرهم ما ذكروا هذه الزيادة (أو حزبه أمر)، ثم قال: ويحتمل أن تكون مصحفة؛ لأن هذا الحديث بهذا الإسناد موجود في مصنف عبد الرزاق، وفيه بدل: (أو حزبه أمر) (أو جد به السير، أو أجد به المسير)، فتكون الكلمة قريبة من الجملة السابقة فيكون فيها تصحيف. كما قال: إن كلمة (أو حزبه أمر) هذه لم يروها أحد من أصحاب نافع، وإنما جاءت في هذا الإسناد. والحديث هنا كالذي قبله (إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)، وفيه هذه الزيادة التي هي شاذة أو مصحفة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا جد به السير أو حزبه أمر جمع بين المغرب والعشاء) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد، المشهور بـابن راهويه، وهو محدث، فقيه، مصنف، وله كتاب المسند، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث وهو وصف عال ولقب رفيع لم يظفر به إلا النادر من المحدثين.[حدثنا عبد الرزاق].هو ابن همام بن نافع الحميري، مولاهم الصنعاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وهو شيخ الإمام أحمد، وقد أكثر من الرواية عنه، وهو الذي رويت عنه صحيفة همام بن منبه؛ لأن إسنادها: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة. وعبد الرزاق مكثر من الرواية، وهو مصنف، وله كتاب (المصنف)، وهو كتاب واسع عظيم، فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه الآثار عن الصحابة ومن بعدهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وذكروا في ترجمته أنه كان يتشيع، ولكن التشيع أحياناً يراد به ما لا يضر وما لا يؤثر؛ وذلك أنه يقول، وقاله أيضاً غيره: إن علياً أفضل من عثمان، فبعض العلماء يعتبر هذا تشيعاً، ويصف من يقول بهذا القول بأنه تشيع، ولكن هذا لا يؤثر؛ لأن تفضيل علي على عثمان قال به بعض السلف وقال به بعض الأئمة الكبار من المحدثين، وهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (العقيدة الواسطية) في آخرها: إن الخلفاء الراشدين مرتبون في الخلافة على حسب ما وقع وحصل أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وخلافتهم حق، وهم مرتبون هذا الترتيب، ولا يقدح في خلافتهم والقدح فيها ابتداع، ويبدع من يتكلم في تقديم بعضهم على بعض في الخلافة على خلاف الذي تم وحصل، وعثمان مقدم على علي بالخلافة كما وقع وكما حصل، وكما اختاره أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام واتفقوا على بيعته، وكان الأمر دائراً بينه وبين علي، واختاروا تقديم عثمان على علي، أما كون عثمان أفضل من علي، فهذا هو المعروف عن أهل السنة وهو المشهور عن أهل السنة، وقد جاء به حديث عبد الله بن عمر: (كنا نخير ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فنقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان فيبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره) وبعض العلماء يقول: إن علياً أفضل من عثمان، فلا يبدع بها، وإنما يبدع بمن يقول: بتقديمه عليه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على فعل الصحابة، وفيه اعتراض على اتفاق الصحابة على تقديم عثمان على علي، وأما تقديمه بالفضل فقال به بعض أهل السنة، وذلك لا يؤثر ولا يعاب من قاله ولا يقدح في عدالته، فكونه يفضل علياً على عثمان، هذه مسألة لا يبدع من قال بها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، وإنما التي يبدع بها هي القول بأنه أولى بالخلافة منه.وعبد الرزاق هذا ممن يقول بتقديم علي على عثمان في الفضل، ومنهم: عبد الرحمن بن أبي حاتم، والأعمش، وابن جرير .[حدثنا معمر].وهو معمر بن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق والذي أكثر عبد الرزاق من الرواية عنه، وصحيفة همام بن منبه هي من رواية عبد الرزاق عن معمر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن عقبة].هو ثقة، فقيه، إمام في المغازي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن نافع عن ابن عمر].قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن عمر: (رأيت النبي إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان سمعت الزهري أخبرني سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قالhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=رأ يت النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)].هنا أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو بمعنى ما تقدم، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، فهذه هي الحال التي يجمع فيها المسافر وهي كون السير يجد به، بمعنى أنه مواصل السير، ونزوله لكل صلاة قد يكون فيه مشقة، فرخص الجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء والظهر والعصر.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت النبي إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء) من طريق ثالثة
قوله : [أخبرنا محمد بن منصور]. قد عرفنا فيما مضى أن محمد بن منصور الذي يروي عن سفيان هو الجواز المكي، وقد مر في إسناد عند النسائي أن نسبه، وقال: محمد بن منصور المكي، والنسائي له شيخان: أحدهما: محمد بن منصور الجواز المكي. والثاني: محمد بن منصور الطوسي، ولكن حيث جاء يروي عن سفيان فإن المراد به: محمد بن منصور الجواز المكي، وسفيان بن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، والغالب أن الشخص إذا كان شيخه من بلده أنه يكثر الرواية عنه، بخلاف الذي يكون في بلد آخر غير بلده فإنه لا يروي عنه إلا إذا التقى به في سفر؛ في رحلة، أو في عمرة، أو حج، هذا هو الذي يحصل به الالتقاء بين الراويين. إذاً محمد بن منصور هو المكي الجواز، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[عن سفيان].سفيان بن عيينة وهو مكي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت الزهري] .هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني سالم].هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو محدث، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، فـسالم هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن ستة منهم معدودون في الفقهاء السبعة بلا إشكال، والسابع فيه خلاف، فمن العلماء من قال: السابع سالم بن عبد الله بن عمر هذا، ومنهم من قال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.[عن أبيه]، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
الجمع بين الصلاتين في الحضر
شرح حديث: (صلى رسول الله الظهر والعصر جميعاً ... من غير خوف ولا سفر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهـما أنه قـال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب الجمع بين الصلاتين في الحضر؛ لأنه ذكر الجمع في السفر بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر، وهنا ذكر هذه الترجمة التي هي الجمع بين الصلاتين في الحضر، يعني وهو حاضر مقيم غير مسافر، وقد أورد النسائي فيها حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ثمانياً الظهر والعصر، وسبعاً المغرب والعشاء)، ثمانياً جميعاً، يعني أربع للظهر وأربع للعصر وسبعاً جميعاً ثلاث للمغرب وأربع للعشاء يعني جمعاً بدون قصر، ففي الحضر جمع ولم يقصر. وقد جاء في بعض الروايات أنه لما سئل الصحابي عن ذلك قال: (أراد أن لا يحرج أمته)، أن لا يجعل عليها حرجاً، وذلك بكونه إذا حصل أمر اقتضى ذلك في يوم من الأيام لضرورة دعت إليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في المدينة من غير خوف ولا سفر، وفي بعض الروايات: (من غير خوف ولا مطر).
تراجم رجال إسناد حديث: (صلى رسول الله الظهر والعصر جميعاً ... من غير خوف ولا سفر)
قوله: [أخبرنا قتيبة] .هو ابن سعيد، وقد مر ذكره.[عن مالك] .وقد مر ذكره أيضاً.[عن أبي الزبير] .هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير] .وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس رضي الله عنهما].وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد صغار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث: (إن النبي كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا مطر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة واسمه غزوان حدثنا الفضل بن موسى عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين؛ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، قيل له: لم؟ قال: لئلا يكون على أمته حرج)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الظهر والعصر جميعاً في المدينة، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر)، وهذا يدل على أن الخوف والمطر من أسباب الجمع، أو من الأشياء التي يجمع من أجلها، ولما سئل ابن عباس: (لم يفعل هذا وهو في الحضر؟ قال: أراد أن لا يكون على أمته حرج) بمعنى أنها عندما تضطر إلى ذلك فإنه مرخص لها أن تفعل مثل هذا الفعل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا مطر)
[أخبرنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة واسمه غزوان].يعني أن أبا رزمة -الذي هو جده- هذه كنيته، ولكن اسمه غزوان، وهو مروزي، ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، يعني لم يخرج له مسلم.[حدثنا الفضل بن موسى].الفضل بن موسى، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].هو سليمان بن مهران الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه هذا، واسمه سليمان بن مهران، ويأتي ذكره أحياناً باسمه وأحياناً بلقبه، ومعرفة ألقاب المحدثين مهمة، وهو نوع من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف أن هذا لقب لهذا يظن أن هذا شخص وهذا شخص آخر والواقع أنهما شخص واحد.[عن حبيب بن أبي ثابت] .وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن جبير] .وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وقد مر ذكره.
شرح حديث ابن عباس: (صليت وراء رسول الله ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طريق أخرى، قال: (صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً)، يعني الظهر والعصر ثمانياً؛ لأنه جمع ولم يقصر وسبعاً جميعاً المغرب والعشاء جمع ولم يقصر، والمتن الذي قبل هذا (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالمدينة يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر).التعبير بـ(كان) المتبادر منه أنه يدل على تكرر الفعل، كان يفعل كذا، يعني -يتكرر منه الفعل، ولكن أحياناً يأتي لفظ (كان) ولا يدل على التكرار ولا يقتضي التكرار ولعل هذا من هذا القبيل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عرف عنه تكرار هذا الجمع وإنما فعله في المدينة مرة وقال الراوي: (أراد أن لا يحرج أمته)، أي أن لا يقع عليها حرج، وقد ذكر هذا ابن حجر في (فتح الباري) وقال: إن (كان) تأتي أحياناً لغير التكرار ومثل لذلك بمثال واضح أن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، والرسول ما حج إلا مرة واحدة، فهذا يدل على أن (كان) لا تقتضي التكرار، وهذا من هذا القبيل (أنه جمع في المدينة بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر أو من غير خوف ولا مطر) فهذا ما تكرر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه فعله ليبين أن ذلك سائغ عندما يوجد أمر يقتضي ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (صليت وراء رسول الله ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. [حدثنا خالد].هو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا ابن جريج] .هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الشعثاء].هو جابر بن زيد مشهور بكنيته أبي الشعثاء، وكذلك يأتي ذكره كثيراً باسمه جابر بن زيد، وهو ثقة، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].قد مر ذكره فيما مضى.
الأسئلة
المقصود بالقلة والذلة
السؤال: جاء في الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر وأعوذ بك من القلة والذلة).. الحديث، ما معنى القلة؟ وجزاكم الله خيراً.الجواب: أولاً: نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتحابين فيه وأن يوفقنا جميعاً لما يرضيه. وأما الحديث الذي هو القلة والذلة، ما أعرف عنه شيئاً، وأما الاستعاذة من الفقر فهي ثابتة في أحاديث، وأما القلة والذلة ما أعرف عنهما، ولكن إذا ثبت وصح فالقلة معروفة، يعني هي بمعنى الفقر، وكذلك أيضاً قد تكون أيضاً مع الفقر قلة الأعوان وقلة الأقارب والمعينون والمساعدون، هذا إذا ثبتت هذه اللفظة، وأما الفقر فقد ثبت.
مدى اشتراط الجد في السير للجمع في السفر
السؤال: هل الجمع في السفر لابد أن يكون بعد الجد في السير أم لا يشترط الجد في السير؟الجواب: لا يشترط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع في تبوك وهو نازل، كان نازلاً في منزله في مخيم، أو في المكان الذي هو ساكن فيه في تبوك، وخرج وجمع بين الظهر والعصر ثم خرج وجمع بين المغرب والعشاء، فدل هذا على أن الجمع جائز في حال الإقامة وبغير جد السير، ولكن المعروف من عادته أنه كان إذا جد به السير يجمع، وفعله في تبوك يدل على جواز الجمع من غير جد في السير.
حكم الإتيان بالاستعاذة بعد قول: قال الله تعالى
السؤال: هنالك بعض الأشخاص عندما يقرأ من كتاب الله تعالى يقول: يقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ثم يقرأ الآية، فهل هذا القول سائغ؟الجواب: الذي يبدو أن الإنسان عندما يقول: يقول الله عز وجل ما يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وإنما يأتي بالآية رأساً؛ لأنه ما يقرأ قرآناً حتى يستعيذ، وإنما هو يأتي بآية يستدل بها على شيء، فالاستعاذة تكون عند قراءة القرآن فيقدم الاستعاذة: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، ولكن كونه يريد أن يستشهد بآية في أثناء الكلام ثم يقول: يقول الله عز وجل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كذا. فهذا خلاف المعروف والمشهور في الكتب والتي امتلأت به الكتب من المتقدمين والمتأخرين المعروف أنهم يقولون: يقول الله تعالى: كذا، ويأتون رأساً بالآية.
مدى تلازم القول بأفضلية علي على عثمان بأولويته بالخلافة
السؤال: أليس القول بتفضيل علي على عثمان ملازماً لتقديمه عليه في الخلافة فكيف يقدم الصحابة عثمان في الخلافة وعلي أفضل منه؟الجواب: الصحابة ما قالوا: إن علياً أفضل من عثمان، الصحابة كما قال عبد الله بن عمر: كنا نخير يعني نقول: فلان خير من فلان، نقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فهذا هو المعروف عن الصحابة، وهذا هو المشهور عمن بعد الصحابة، ولكن جاء عن بعض السلف وهم قليلون أن علياً أفضل من عثمان، وعلى هذا القول لا تلازم بين التفضيل وبين الخلافة؛ لأن الذين قالوا بالتفضيل يقولون: بأن عثمان أولى بالخلافة؛ لأن الصحابة قدموه وليس هناك تلازم بين التفضيل وبين أنه لا يقدم في الخلافة إلا الأفضل، فإنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل، وقد يؤمر من هو دون غيره ممن أمر عليه، مثلما حصل في غزوة ذات السلاسل، فقد أمر عمرو بن العاص وفيها أبو بكر وعمر، ولهذا لما رأى أنه أمر سأل الرسول عليه الصلاة والسلام: (من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ قال: أبو بكر)، فقضية الخلافة لا تقتضي أن لا يقدم إلا الأفضل، فقد يقدم المفضول مع وجود الفاضل، ولكن جمهور الصحابة وجمهور أهل السنة على أن عثمان أفضل من علي، كما أنه هو الذي قدم في الخلافة. فإذاً التقديم بالخلافة ما فيه إشكال ولا يقول به أحد، ومن قال به فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ويبدع من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة؛ لأن الصحابة قدموه فهم ما أجمعوا على ضلاله وإنما أجمعوا على حق. وأما كونه أفضل فأكثر أهل السنة على أن عثمان أفضل وقلة قليلة ممن جاء بعد الصحابة على أن علياً أفضل، ولكن هؤلاء القائلين بأنه أفضل لا يقولون بأنه أولى منه في الخلافة، وكما قلت: ليس هناك تلازم بين الفضل وبين الخلافة، بل قد يكون المفضول يؤمر ويولى مع وجود من هو أفضل منه؛ وذلك يمكن أن يكون لهذا الذي ولي، فقد يكون له ميزة على غيره ممن هو أفضل منه، يعني في هذا الشيء الذي أُسند إليه، فكون بعض السلف قال: إن علياً أفضل من عثمان فليس بلازم أن يكون ولى منه بالخلافة.
انتقاض وضوء الأم بتغسيلها النجاسة من ولدها الصغير
السؤال: هل ينتقض وضوء الأم عندما تغسل لولدها الصغير النجاسة؟الجواب: إذا مست ذكره فإنها تتوضأ، وأما مجرد مجيء النجاسة على يدها، فإنه لا ينقض وضوءها مجيء النجاسة على يدها بل تغسلها وهي على طهارتها وعلى وضوئها.
حكم نظر المرأة إلى الرجال الأجانب والاستدلال على جوازه بنظر عائشة إلى الأحباش
السؤال: استدل بعض علمائنا الأفاضل على جواز نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي؛ بحديث عائشة رضي الله عنها لما كانت تنظر إلى الأحباش وهم يلعبون بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل هذا صحيح؟ وما حكم نظر المرأة إلى الرجال؟الجواب: الله تعالى يقول: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31]، هذا هو قول الله عز وجل، وهو الفيصل في هذا، وأما ما حصل من عائشة رضي الله عنها فهي ترى أشخاصاً من بعد، يعني تنظر لأشخاص من بعد يقفزون ويتحركون ويمشون، فالرؤية من بعد ليست كالرؤية من قرب ومشاهدة الوجوه والنظر إليها، يعني مثل الإنسان ينظر أشخاصاً من بعيد يتحركون، فلا يقال: إن هذا فيه نظر إليهم، وأنه فيه رؤية هيئاتهم ووجوههم وما إلى ذلك؛ لأنه نظر من مسافة، وكذلك الحديث لا يقال: فيه جواز نظر المرأة إلى الرجل، والله عز وجل يقول: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31]، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، فغض البصر مطلوب ومأمور به. وما جاء عن عائشة في الحديث فهو محمول على ما ذكرت.
حكم الخلوة بجمع من النساء
السؤال: هل وجود الرجل وحده مع امرأتين أو أكثر يعتبر خلوة أم لا؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يخلو مع النساء ولو كن أكثر من واحدة إذا كن أجنبيات منه، وأما إذا كان فيهن من هي من أقاربه، وكان حضورهن لأمر يقتضي ذلك أو اجتماعهن به لأمر يقتضي ذلك، ومعهن أحد من محارمه فإنه لا بأس بذلك.
الخروج إلى الأسواق والأماكن العامة بشكل جماعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال: إذا قام بعض من طلاب العلم جماعات أو فرادى بالتجول في الأسواق والأماكن العامة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طواعية من أنفسهم فما رأيكم حفظكم الله؟الجواب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب من الجميع، وكما هو معلوم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولكن ما يلزم أن يكون هناك تجمع فيمكن للإنسان إذا رأى أمراً منكراً أن يأتي إلى من يراه يعمل ذلك فيقول له: يا فلان! اتق الله، وإذا كان عنده فتوى من بعض المشايخ المعتبرين، مثل الشيخ ابن باز، أو الشيخ ابن عثيمين، يعني: مكتوبة فيعطيها إياه ويقول: هذا كلام أهل العلم وهذا بيان الحكم الشرعي، فهذا أمر مطلوب، وهذا شيء طيب. وأما حصول تجمعات وما إلى ذلك، أو كون الإنسان يمد يده ثم يترتب على ذلك مضرة فلا، وأما كون الإنسان يأمر وينهى ويدل على الخير فالناس لا يزالون بخير ما تناصحوا، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً وخير ما يهدى إلى الإنسان أو يعان به الإنسان أن يؤمر بمعروف أو يُنهى عن منكر أو يدل على خير؛ لأن هذا فيه إعانته على التخلص من العذاب وعلى السلامة من العذاب.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:39 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(112)
- (باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة) إلى (باب كيف الجمع)
لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في مواطن متعددة، ومنها: أنه جمع بين الظهر والعصر بنمرة من غير أن يصلي بينهما شيئاً، وجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة وكان بينهما فاصل خفيف.
الجمع بين الظهر والعصر بعرفة
شرح حديث جابر في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة.أخبرني إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً)].يقول النسائي رحمه الله: (باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة). هذه الترجمة تتعلق بهذا الجمع المخصوص الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم يوم عرفة وهو جمع تقديم، حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ثم العصر ركعتين وهو جمع تقديم، وذلك ليكون الحاج بعد صلاته مشتغلاً بالذكر والدعاء، والإقبال والتوجه إلى الله سبحانه وتعالى حتى تغرب الشمس، من حين ما يصلي الظهر والعصر في أول وقت الظهر ويستمر حتى غروب الشمس وهو في الدعاء والذكر والاستغفار وسؤال الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة. وقد أورد النسائي رحمه الله في هذا حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما والذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سار حتى أتى عرفة ووجد القبة قد نصبت له في نمرة فنزل بها، ثم إنه سار حتى جاء الوادي فخطب الناس فيه، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام للظهر فصلى ركعتين ثم أقام للعصر فصلى ركعتين ولم يصل بينهما)، يعني لم يتنفل بين الصلاتين.فهذا الحديث دال على ما ترجم له المصنف من حصول الجمع بين الظهر والعصر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفة، وكان ذلك اليوم يوم جمعة، وصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، يعني صلاها صلاة المسافر، ولم يحصل منه التجميع، ولهذا صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، ولو كانت جمعة فالجمعة يجهر فيها بالقراءة ثم الجمعة لها خطبتان، وإنما خطب خطبة واحدة بين للناس فيها أحكام الحج، وصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين جامعاً بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة
قوله: [إبراهيم بن هارون].هو البلخي، وهو صدوق، خرج له الترمذي في الشمائل، والنسائي .[ حاتم بن إسماعيل] .وهو صدوق يهم، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[جعفر بن محمد].هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو المشهور بالصادق، وهو أحد الأئمة عند أهل السنة. وهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الرافضة الذين يغلون فيهم وينزلونهم منازل ليسوا أهلاً لتلك المنازل، بل يتجاوزون فيهم بأن يجعلوهم أفضل من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، وهذا القول ليس قول أشخاص عاديين من الرافضة. بل قول بعض كبرائهم وزعمائهم الذين لهم شأن عندهم ولهم منزلة رفيعة عندهم، حيث يقول إمامهم وزعيمهم الذي هلك قبل ثلاث سنوات: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل. فهو أحد الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو أحد الأئمة عند أهل السنة، وأهل السنة يعرفون لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حقهم وفضلهم وينزلونهم المنزلة التي يستحقونها، ومن كان من أهل البيت من المؤمنين المتقين فإنهم يحبونه لتقواه ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يغلون، ولا يجفون، ولا ينقصون عما يستحقه الإنسان، ولا يتجاوزون الحد الذي يستحقه الإنسان، بل اعتدال وتوسط لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء فهذه طريقة أهل السنة وهذا هو منهج أهل السنة، ولهذا فإنهم يتولون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون من كان منهم مؤمناً لإيمانه ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن محمد الملقب: بـالصادق، صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبيه].محمد بن علي بن الحسين، وهو الملقب الباقر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن جابر بن عبد الله].هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أحد الصحابة المشهورين، وهو من السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة
شرح حديث أبي أيوب: (أنه صلى مع رسول الله في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.وقال: أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه أخبره: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً)].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة. وهذا من هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام في حجته حجة الوداع أنه كما جمع بين الظهر والعصر بعرفة أو بالوادي الذي هو قريب من عرفة فإنه جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، وقد جاءت الأحاديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه هذا الذي أخبر بأنه لما حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً، أي جمع بينهما. فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي أيوب: (أنه صلى مع رسول الله في حجة الوداع المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك بن أنس].هو إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المشهور، أحد الأئمة الأربعة الذين لهم مذاهب اشتهروا بها ولهم أتباع عنوا بجمع فقههم وتدوينه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن سعيد] .هو الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين.[عن عدي بن ثابت].هو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن يزيد] .هو عبد الله بن يزيد الخطمي، وهو صحابي صغير، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن أبا أيوب الأنصاري أخبره].هو خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه، وهو أحد الصحابة المشهورين، وهو الذي نزل النبي عليه الصلاة والسلام في داره أول ما قدم المدينة، وأبو أيوب الأنصاري، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة: (فلما أتى جمعاً جمع بين المغرب والعشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير أنه قال: (كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما حيث أفاض من عرفات فلما أتى جمعاً جمع بين المغرب والعشاء، فلما فرغ قال: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان مثل هذا)].هنا أورد النسائي حديث: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سعيد بن جبير: (إنه كان معه في الحج وأنه لما جاء المزدلفة جمع فيها بين المغرب والعشاء، وقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا) يعني في هذا المكان، فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة: (فلما أتى جمعاً جمع بين المغرب والعشاء)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه جميعاً مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا هشيم].هو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، والتدليس: هو أن يروي الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، كعن، أو قال وأما الإرسال الخفي: فهو أن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه؛ لأنه معاصر له ولم يسمع منه، فإذا روى بلفظ عن، أو قال فهو مرسل؛ لأنه ليس من شيوخه؛ لأن التدليس هو تدليس في الرواية عن الشيوخ، وأما الإرسال فليس في الرواية عن الشيوخ وإنما عن غير الشيوخ وقد يكون معاصراً لذلك الذي أرسل عنه وقد يكون غير معاصر له، فإذا كان غير معاصر فهذا إرسال جلي وإرسال واضح، وأما إذا كان معاصراً له فإنه يقال له: الإرسال الخفي. وحديث هشيم بن بشير خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن إسماعيل بن أبي خالد].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه لما ذكر الثقات الأثبات الذين هم في القمة، ذكر من بينهم: إسماعيل بن أبي خالد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، المشهور بـالسبيعي، وأبو إسحاق السبيعي مشهور بكنيته وكذلك مشهور بنسبته السبيعي، وسبيع بطن من همدان، نسبة خاصة وهمدان نسبة عامة، وهو ثقة، مدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر] هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وأحد الصحابة المشهورين وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العبادلة الأربعة في الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الإسناد: يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن هشيم بن بشير عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عمر فهؤلاء الستة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
حديث ابن عمر في الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة من طريق أخرى وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الرحمن حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عمر من طريق أخرى، وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة)، يعني جامعاً بين المغرب والعشاء بالمزدلفة. قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، أظهر السنة في بلاده، وقد خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي .[حدثنا عبد الرحمن].هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مالك] .هو ابن أنس إمام دار الهجرة، وقد مر ذكره قريباً.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سالم عن ابن عمر] .هو ابن عبد الله بن عمر، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة والسابع فيه خلاف، وأحد الأقوال الثلاثة في السابع أنه سالم بن عبد الله بن عمر، والثاني: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثالث أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. [عن أبيه].عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن مسعود: (ما رأيت النبي جمع بين صلاتين إلا بجمع ...)
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين إلا بجمع، وصلى الصبح يومئذ قبل وقتها)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وفيه أنه قال: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين إلا بمزدلفة، وصلى الصبح يومئذ قبل وقتها)، والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حصول الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، وما جاء في هذا الحديث من قول ابن مسعود: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين إلا بين المغرب والعشاء..)، يفيد بأنه اطلع على هذا الجمع الذي هو بين المغرب والعشاء ولا يعني أن غيره مما لم يطلع عليه لم يحصل، فقد جاء في الأحاديث الكثيرة المتواترة حصول الجمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أماكن متعددة، ولكن هذا هو الذي أخبر به ابن مسعود بأنه شاهده وعاينه. أما قوله: (صلى الصلاة قبل وقتها الفجر)، فليس المقصود أنه صلاها قبل دخول الوقت، وإنما صلاها قبل الوقت المعتاد الذي كان يصليها به، وهو أنه بعدما يدخل الوقت، وينتظر اجتماع الناس يصلي، لكنه في يوم ليلة مزدلفة صلى الصلاة حين تبين الفجر، يعني في أول وقتها، فالمقصود بقوله: (قبل وقتها) ليس قبل دخول الوقت، وإنما قبل الوقت المعتاد الذي كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، يعني: بعدما يمضي شيء قليل من دخول الوقت في انتظار الناس يصلي، هذا الوقت المعتاد، ولكن هذه الصلاة بكر بها، من حين ما طلع الفجر صلاها دون تأخير، وهذا هو معنى كلام ابن مسعود.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (ما رأيت النبي جمع بين صلاتين إلا بجمع ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة]قد مر ذكره.[عن سفيان].هو ابن عيينة؛ لأن قتيبة روى عن سفيان بن عيينة، ولم يرو عن سفيان الثوري، فإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان، وسفيان غير منسوب، فالمراد به: ابن عيينة، فيكون هذا الإهمال محمولاً على من عرف أنه روى عنه، وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، مدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، واشتهر بلقبه الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث؛ وفائدتها حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه أحياناً وبلقبه أحياناً أخرى، فإن من لا يعرف يظن أن الأعمش شخص وأن سليمان بن مهران شخص آخر، ولكن من يعرف يلتبس كونه يذكر بلقبه أو يذكر باسمه.[عن عمارة].هو ابن عمير التيمي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن يزيد].هو عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن مسعود]. وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الصحابة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
كيف الجمع
شرح حديث: (... فلما أتى مزدلفة صلى المغرب ثم نزعوا رحالهم ثم صلى العشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الجمع.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا سفيان عن إبراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة، فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل: أهراق الماء، قال: فصببت عليه من إداوة فتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقلت له: الصلاة فقال: الصلاة أمامك، فلما أتى المزدلفة صلى المغرب ثم نزعوا رحالهم ثم صلى العشاء)].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب كيف الجمع. أي كيفية الجمع، وقد جاء الجمع كما في الحديث الذي أورده النسائي هنا على وجود فاصل بين المغرب والعشاء، وهو نزع الرحال، وجاء في غير هذا الحديث أنه ما كان هناك فاصل بين الصلاتين المجموعتين، كما تبين في حديث جابر الذي مر (أن الرسول خطب الناس، ثم أمر بلالاً فأذن وأقام للظهر، ثم أقام للعصر) يعني أنه جاء الفصل بين الصلاتين بشيء يسير أو بعمل يسير، وجاء عدم الفصل بينهما، فهذا الحديث الذي معنا وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فيه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جمع بالمزدلفة فإنهم صلوا المغرب أولاً ثم نزعوا رحالهم ثم صلوا العشاء بعد ذلك)، فيفيد أن الفصل اليسير بين الصلاتين المجموع بينهما لا يؤثر على الجمع شيئاً.قوله: [عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل: أهراق الماء)].فالرسول صلى الله عليه وسلم لما انصرف من عرفة أردف معه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ أردفه معه من عرفة إلى مزدلفة، وقد جاء في حديثه هذا أنه لما كان في الشعب يعني في الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، وقد جاء أن هذا الماء الذي توضأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من ماء زمزم، وجاء في الحديث أنه قال: فبال ولم يقل: أهراق، يعني أن أسامة الذي يحكي ما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عبر بأن قال: بال، ولم يقل: أهراق الماء، وكان من عادتهم أن يعبروا عن البول بإراقة الماء، يقصدون من ذلك البول، ولكنه هنا بين أن اللفظ هذا هو الذي قاله أسامة، ولهذا قال: ولم يقل: أهراق الماء. قوله: [(قال: فصببت عليه من إداوة فتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقلت له: الصلاة)]. (فصببت عليه من إداوة)، يعني وعاء معه فيه ماء، وكان يصب عليه وهو يتوضأ، وهذا يدل -كما عرفنا من قبل- أن كون الإنسان يساعد على الوضوء بأن يفرغ عليه ويتوضأ أن هذا سائغ وجائز ولا بأس به، وقد فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في هذا الحديث كان يصب عليه وهو يتوضأ. قوله: [(فقال: الصلاة أمامك)].يعني: كأنه لما رآه يتوضأ، ظن أنه يريد أن يصلي فقال: الصلاة، يعني: أتريد الصلاة، فقال: الصلاة أمامك: ثم ساروا حتى أتوا المزدلفة. قوله: [(فلما أتى المزدلفة صلى المغرب، ثم نزعوا رحالهم، ثم صلى العشاء)].صلى المغرب، ثم نزعوا رحالهم، يعني من على دوابهم، والرحل هو: ما يوضع على الدابة مما يركب عليه الراكب، فهذا يقال له: الرحل، ولهذا يقولون في سترة المصلي أنها مثل مؤخرة الرحل، يعني العود الذي يكون في آخر الرحل يستند عليه الراكب.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فلما أتى مزدلفة صلى المغرب ثم نزعوا رحالهم ثم صلى العشاء)
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].هو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا سفيان] .هو ابن عيينة، وسفيان هنا غير منسوب، ولكن في تهذيب التهذيب ذكر: أن الحسين بن حريث روى عن سفيان بن عيينة.[عن إبراهيم بن عقبة].هو إبراهيم بن عقبة المدني، وهو أخو موسى بن عقبة، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ومحمد بن أبي حرملة].هو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو مثل الحسين بن حريث، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن كريب].هو كريب بن أبي مسلم، وهو مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وابن عمه، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
الأسئلة
الصلاة في مسجد فيه قبر
السؤال: ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر أو بجواره قبر؟الجواب: المسجد الذي فيه قبر لا يجوز للإنسان أن يصلي فيه، وأما إذا كان القبر خارج المسجد وليس في المسجد فإنه لا مانع من الصلاة فيه، وأما إذا كان القبر بالمسجد فإنه لا يجوز، والحكم كما قال ابن القيم: أن المسجد إذا وضع فيه القبر والمسجد هو الأول فإنه ينبش القبر، وإذا كان المسجد بني على قبر فإنه يهدم المسجد، ثم هناك أمر ينبه عليه وهو أن مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه قبره، نقول: الرسول صلى الله عليه وسلم قد بنى المسجد، وقد قبر في خارج المسجد، وقد جاء لهذا المسجد فضائل منها أن الصلاة فيه بألف صلاة، فهذا الحكم ثابت له أدخل القبر في المسجد أو لم يدخل، وإدخال القبر في المسجد لم يكن في زمن الخلفاء الراشدين وإنما كان في زمن بني أمية، فلا يقال: إن الذي يقال في غيره من المساجد التي فيها قبور يمكن أن يقال في هذا المسجد؛ لأن هذا المسجد فضيلته ثابتة أدخل القبر فيه أو لم يدخل، وكان القبر خارج المسجد.
ضوابط وأحكام التكليف
السؤال: ما ضوابط الجائز، أو الإباحات؟ وما ضوابط المستحب والمندوبات؟الجواب: الأحكام المعروفة عند الفقهاء هي خمسة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. والواجب: هو الذي جاء الأمر فيه أمراً محتماً، ولم يكن هناك صارف يصرفه عن الوجوب.وأما المندوب: فهو الأمر الذي جاء ما يصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب. وأما الجائز فهو الذي يتساوى فيه الطرفان، الفعل وعدمه. وأما المحرم فهو الذي جاء النهي عنه دون أن يأتي شيء يصرفه إلى الكراهة. والمكروه هو النهي الذي جاء صارف يصرفه عن التحريم إلى الكراهة، فهذه هي الأحكام الخمسة، وهذا هو الفرق بينها.
المقصود بالسنة عند الأصوليين والمحدثين والفقهاء
السؤال: ما معنى (السنة) عند أهل الأصول، والحديث، والفقه نرجو التوضيح؟الجواب: السنة عند الفقهاء بمعنى المندوب، يقال: يسن كذا، أي: يندب كذا، ويستحب كذا، ويستحب ويندب ويسن بمعنى واحد، ولكن السنة تأتي بمعنى عام يشمل الأحكام الشرعية كلها، فالواجب يدخل تحت السنة، والمندوب كذلك، والمحرم كذلك، والمستحب كذلك، والمباح كذلك، فكلها داخلة تحت السنة بالمعنى العام؛ لأن السنة تطلق إطلاقاً عاماً، وتطلق عند الفقهاء إطلاقاً خاصاً، ومن إطلاق السنة بالمعنى العام قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني)، فإن السنة هنا تشمل الواجب والمندوب والمحرم والمكروه وهكذا، وتطلق عند الفقهاء على المندوب الذي جاء الأمر فيه أمراً غير جازم بحيث جاء ما يصرفه عن اللزوم أو التحتم إلى الاستحباب والندب.
بناء القباب في المساجد
السؤال: سمعنا في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن الصحابة ضربوا للرسول عليه الصلاة والسلام قبة، فالسؤال: هل يجوز بناء القباب في المساجد؟الجواب: القبة ليست بناء، وإنما القبة خيمة هذا هو المقصود، وأما القباب بمعنى أن المساجد يصير فيها قباب ما في بأس، يعني كونه يصير فيها قباب أو البناء يكون مقبب، أقول: لا بأس بذلك، وإنما المحرم هو أن يكون فيها قبور، وترك القباب أولى؛ لأنه لا يستفاد من السطوح مع وجود القباب عليها، بخلاف ما إذا كانت السطوح مستوية، فإنه يستفاد منها عند الحاجة إليها، وأما إذا كانت مقببة فلا يستفاد منها، فعدم وجودها أولى من وجودها، فالقبة المقصود بها الخيمة؛ وإنما فعلوها ليستظل بها الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول كان يستظل في الخيام وفي البيوت، وكذلك عند جمرة العقبة ظلل عليه بثوب حين رمى جمرة العقبة، وهذا فيه دليل واضح ببطلان ما يقوله بعض الغلاة، الذين يغلون برسول الله عليه الصلاة والسلام ويقولون: إنه لا ظل له؛ لأن ضوءه يقابل ضوء الشمس، ولا يكون له ظل، وهذا من الغلو ومن القول بغير علم؛ لأن هذا خلاف الواقع، والرسول صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة ليستظل بها عن الشمس.
حكم من يقول بعد الترحم على النووي وابن حجر وأبي حنيفة بحجة أنهم مبتدعة
السؤال: ما رأيكم في فئة غير قليلة من طلبة العلم يقولون: إن أبا حنيفة، والحافظ ابن حجر، والنووي وغيرهم مبتدعة، ولا يجوز الترحم عليهم، ويقولون بترك كتبهم؟ وما هو ضابط الترحم على الأموات؟الجواب: هؤلاء جهال، وما سبقهم إلى ذلك أحد، فـأبو حنيفة، والنووي، وابن حجر لم يزل العلماء من بعدهم يترحمون عليهم، ويدعون لهم، ويستفيدون من علمهم، وإذا حصل من أحدهم أخطاء فيؤخذ صوابه ويترك خطؤه. وأما كونه لا يترحم عليهم فهذا لا يقوله إلا جاهل، ولا يقوله إلا إنسان ضار نفسه ومسيء إلى نفسه ومؤذ لنفسه، بل الذي ينبغي هو الترحم عليهم، والدعاء لهم، والاستفادة من علمهم. وأما كون كتبهم تجتنب فهذا كلام باطل.
ضابط الترحم على الأموات
السؤال: ما هو ضابط الترحم على الأموات؟الجواب: يترحم على كل مسلم، أقول: المسلمون يترحم عليهم، وهذا هو الأصل، ولكن إذا كان أحد معروفاً مثلاً بالبدع، مثل الجعد بن درهم، ومثل الجهم بن صفوان فهؤلاء لا يترحم عليهم عند الذكر؛ لأن الترحم عليهم عند ذكرهم يعني فيه لفت الأنظار إليهم وهم من أئمة أهل البدع.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:42 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(113)
- (باب فضل الصلاة لمواقيتها) إلى (فيمن نام عن الصلاة)
بين الشارع فضل الصلاة لوقتها، لكن ليس الوقت كله على حد سواء، وإنما المبادرة إلى الصلوات في أول وقتها هو الذي له فضل عظيم على غيره، ومن نام عن صلاة أو نسيها دون تفريط منه فليصلها إذا ذكرها أو عند يقظته إن كان نائماً، لا كفارة له إلا ذلك.
فضل الصلاة لمواقيتها
شرح حديث ابن مسعود: (سألت رسول الله: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الصلاة لمواقيتها.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثنا الوليد بن العيزار قال: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار إلى دار عبد الله رضي الله عنه، أنه قال: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله عز وجل )].يقول النسائي رحمه الله: باب فضل الصلاة لمواقيتها. يعني فضل الإتيان بها في مواقيتها المندوبة، المقصود من ذلك هو أن الوقت كله وقت أداء للصلاة، لكن ليس الوقت كله على حد سواء، وإنما المبادرة إلى الصلوات في أوائل أوقاتها هذا الذي له فضل عظيم على غيره؛ لأن فيه المسارعة إلى الخيرات، والصلاة في أوقاتها كلها أداء في الوقت، ولكنه إذا بودر بها فإن ذلك يكون أفضل؛ لأن فيه مبادرة إلى أداء الواجب وإلى تخليص الذمة من الدين الذي يكون عليها عندما يدخل الوقت.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال: الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله عز وجل)، وهذا السؤال الذي وجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام من الحرص على معرفة الأعمال الفاضلة وتفاضلها؛ وذلك لحرصهم على فعل الخير، وعلى التقرب إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، ويعرفون الفاضل من المفضول؛ حتى يحرصوا على أداء الفاضل، وحتى يبدءوا بالأهم فالأهم، وفيه أن السؤال، حين قال: أي الأعمال أحب إلى الله؟ في هذا دليل على أن الأعمال الصالحة محبوبة إلى الله عز وجل، لكن بعضها أحب من بعض، وهي متفاوتة، ليست على حد سواء.وفيه: اختصاص الله عز وجل بالمحبة وأنه سبحانه وتعالى يحب المتقين ويحب الأعمال الصالحة، ولهذا قال: (أي الأعمال أحب إلى الله)، هذه الأعمال الصالحة أيها أحب إلى الله عز وجل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة في وقتها، والصلاة هي عمود الإسلام وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والمحافظة عليها في أوقاتها، والحرص على أن يكون ذلك في أوائل أوقاتها، إلا ما جاء دليل على استحباب تأخيره كالعشاء حيث لا يكون هناك مضرة على الناس المصلين، والظهر في حال شدة الحر فإنه يبرد بها وتؤخر عن أول وقتها، وما عدا ذلك فإن الصلوات في أوائل وقتها مطلوبة ومرغب فيها ومحثوث عليها وفعلها في أول الوقت أفضل من فعلها في غيره، أي في غير أول الوقت.ثم قال: (وبر الوالدين)، لما ذكر حق الله عز وجل الذي هو الصلاة، وهو أهم وأعظم الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل وأعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ذكر حق الوالدين، وهو برهما والإحسان إليهما وإيصال النفع إليهما ودفع الضرر عنهما، وكثيراً ما يجمع الله عز وجل في القرآن بين حقه وحق الوالدين، جاء ذلك في آيات كثيرة، قال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14]، وقال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، ثم قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فذكر حق الله عز وجل الذي هو عبادته، وحق الوالدين الذي هو الإحسان إليهما.ثم ذكر الجهاد في سبيل الله عز وجل الذي هو إيصال النفع إلى الكفار بدعوتهم إلى الإسلام، وجهادهم حتى يدخلوا في دين الله وحتى يخرجوا من الظلمات إلى النور، وكذلك جهاد غيرهم باستصلاحهم إذا كان عندهم انحراف ونقص، حيث يؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى الخير.فهذه الحقوق الثلاثة أعظم حقوق الله عز وجل بعد التوحيد، وهي الصلاة، ثم ذكر حق الوالدين، ثم ذكر حق سائر الناس الذين هم الكفار وغيرهم، حيث يسعى إلى هدايتهم وإيصال النفع العظيم إليهم الذي فيه سعادتهم ونجاتهم وسلامتهم من عذاب الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (سألت رسول الله: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد أيضاً، الثقة، الثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة أيضاً. [حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، هو أحد الأشخاص القلائل الذين حضوا بهذا اللقب، وبهذا الوصف، وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن الوليد بن العيزار].هو الوليد بن العيزار الكوفي ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي.[سمعت أبا عمرو الشيباني].هو سعد بن إياس، وهو ثقة، مخضرم، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.يقول: حدثنا صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود، يعني: الوليد بن العيزار يقول: سمعت أبا عمرو الشيباني يقول: حدثني صاحب هذه الدار، وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود، وهذا من العلامات التي يستدل بها على ضبط الراوي، وذلك أن الوليد بن العيزار حكى الصورة والكيفية التي قد حصلت، وهي إشارته إلى دار عبد الله بن مسعود، ما قال: حدثني عبد الله بن مسعود وإنما قال: حدثني صاحب هذه الدار.[عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه].فهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة، وهو من المهاجرين، وقد توفي سنة: (32هـ)، وليس هو أحد العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة، وهو من الكبار، وأما أولئك الأربعة فهم من صغار الصحابة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما توفي فيهم من قارب البلوغ وفيهم من كان دون ذلك، ولهذا أُطلق عليهم العبادلة الأربعة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.وحديث عبد الله بن مسعود عند أصحاب الكتب الستة، وعلى هذا فرجال الإسناد كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا الوليد بن العيزار فإنه لم يخرج له أبو داود، ولا ابن ماجه .
شرح حديث ابن مسعود: (سألت رسول الله: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: إقام الصلاة لوقتها ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان حدثنا أبو معاوية النخعي سمعه من أبي عمرو عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: إقام الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله عز وجل )].هنا أورد النسائي حديث: عبد الله بن مسعود من طريق أخرى، وهو بمعنى ما تقدم؛ سئل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً وهو أي العمل أحب إلى الله؟ فقال: (إقام الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله)، فهو نفس الحديث المتقدم إلا أنه من طريق أخرى، وهو بنفس الثلاث التي جاءت في الرواية السابقة، أداء الصلاة في وقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (سألت رسول الله: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: إقام الصلاة لوقتها ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري الكوفي، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة المحدث، الفقيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو معاوية النخعي] .هو عمرو بن عبد الله الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجه.[أنه سمعه من أبي عمرو عن عبد الله بن مسعود].وقد مر ذكر أبي عمرو وعبد الله بن مسعود في الإسناد الذي قبل هذا، وأبو عمرو الشيباني هو سعد بن إياس، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث: (أن النبي نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حكيم وعمرو بن يزيد قالا: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه (أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فقال: إني كنت أوتر، قال: وسُئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإقامة، وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، ثم صلى ) واللفظ لـيحيى].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى طلعت الشمس ثم قام وصلى)، ثم ذكر رواية محمد بن المنتشر أنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة فجعلوا ينتظرونه، فقال: إني كنت أوتر، قال: وسئل عبد الله بن مسعود هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإقامة، ثم حدث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بذكر الصلاة أو النوم عن الصلاة، (أنه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس، ثم صلى)، واللفظ لـيحيى، أي شيخه الأول في الإسناد المذكور.وهذا الإسناد فيه أن محمد بن المنتشر كان في مسجد عمرو بن شرحبيل وأنه لما أقيمت الصلاة جعلوا ينتظرونه، فأخبرهم بأنه تأخر؛ لأنه يوتر، يعني وذلك بعد الأذان، وقال:- أي محمد بن المنتشر -: سئل ابن مسعود هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإقامة، وهذا ليس بمرفوع، وإنما هو مسند إلى عبد الله بن مسعود.ثم محمد بن المنتشر هل سمع من عبد الله بن مسعود؟ ذكر الشيخ الألباني بأن الإسناد صحيح إن كان محمد بن المنتشر سمع من عبد الله بن مسعود.لكن فيما يتعلق بصلاة الوتر بعد الأذان لم يثبت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، وإنما الذي ثبت أنه إذا فات الوتر فإنه يصلي من الضحى اثنتي عشرة ركعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصل ورده من الليل أو لم يصلِ صلاته من الليل لأمر منعه من ذلك، فإنه يصلي من النهار، أي في الضحى اثنتي عشرة ركعة؛ لأن من عادته أن يصلي إحدى عشرة فيضيف واحدة حتى يكون العدد شفعاً بأن يأتي بإحدى عشرة وزيادة، ولا يؤتى بالوتر على ما هو عليه كما كان في الليل، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة يوتر ما مضى)، وهذا يدل على أن الوتر نهايته طلوع الفجر، وإذا طلع الفجر معناه انتهى وقت الوتر فلا يوتر بعد طلوع الفجر، ولكن من طلع عليه الفجر وهو لم يصل وتره، فإنه يصلي من النهار مقدار ما كان يصليه وزيادة ركعة، فإذا كان من عادته أن يصلي خمس ركعات يصلي ست ركعات في الضحى، وإذا كان من عادته يصلي ثلاث ركعات يصلي أربع ركعات، وإذا كان من عادته يصلي سبع ركعات يصلي ثمان ركعات، هكذا جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما كونه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى، فهذا ثابت من طرق أخرى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حصل له ذلك، وأما الذي جاء عن ابن مسعود، فهذا هو الذي لا نعلم شيئاً يدل على ثبوته، ثم أيضاً ثبوته عن ابن مسعود فيه شك من جهة أن محمد بن المنتشر، هل سمع من عبد الله بن مسعود أم لا؟ كذلك مناسبة الحديث للترجمة ما هو واضح من جهة أداء الصلاة في وقتها، إلا أن يكون المقصود من ذلك أن الإنسان يصليها في وقتها إلا إذا حصل أمر يمنع من ذلك، يعني من غير أن يكون في إرادة وفي وسع الإنسان وهو حصول النوم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (أن النبي نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثم صلى)
قوله: [أخبرنا يحيى بن حكيم].وهو ثقة، روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[عمرو بن يزيد الجرمي].وهو صدوق، خرج له النسائي وحده، وهذان هما شيخا النسائي في هذا الإسناد، واللفظ المذكور هو لفظ يحيى شيخه الأول، ولهذا بعدما فرغ من الحديث قال: (واللفظ لـيحيى)، يعني أن الإسناد فيه شيخان للنسائي، واللفظ الذي ذكره هو لفظ أحدهما وهو شيخه الأول يحيى بن حكيم.[قالا: حدثنا ابن أبي عدي].هو محمد بن إبراهيم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وقد مر ذكره.[عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو محمد بن المنتشر، وهو كذلك ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.أما عمرو بن شرحبيل الذي جاء ذكره في الإسناد فليس من الرواة، وإنما جاء ذكره في كلام محمد بن المنتشر وأنه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة وجعلوا ينتظرونه، فقال: إني أوتر، ثم قال محمد بن المنتشر: وسئل عبد الله بن مسعود هل هناك وتر بعد الأذان؟ قال: نعم وبعد الإقامة.[عبد الله بن مسعود]مر ذكره رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فيمن نسي صلاة
شرح حديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن نسي صلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)].هنا أورد النسائي باب فيمن نسي صلاة، يعني ماذا يفعل؟ وقد جاء بيان ذلك في هذا الحديث الذي أورده النسائي، وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)، يعني أنه بمجرد ذكره لها فإنه يبادر إلى أدائها، من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ولا يؤخرها عن الوقت الذي يذكرها به؛ لأنه معذور في حال النسيان، وبعد أن تنبه وعلم فعليه أن يبادر ولا يؤخر الصلاة عن الوقت الذي ذكرها فيه إذا كان قد نسيها.
تراجم رجال إسناد حديث: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)
قوله: [أخبرنا قتيبة]هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو عوانة].هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وأبو عوانة يطلق على عدد، منهم: أبو عوانة الإسفراييني صاحب المستخرج على صحيح مسلم فكنيته أبو عوانة، وهو مشهور بهذا، وأما أبو عوانة هذا فهو من طبقة شيوخ البخاري، وكذلك النسائي.[عن قتادة].هو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك رضي الله عنه]صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي أعلى ما عنده الأسانيد الرباعية التي يكون فيها بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وليس عند النسائي ثلاثيات، ومثل النسائي من أصحاب الكتب الستة: مسلم وأبو داود، فهؤلاء الثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، أما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، كلها بإسناد واحد.
فيمن نام عن صلاة
شرح حديث: (سئل رسول الله عن الرجل يرقد عن الصلاة ... قال: كفارتها أن يصليها إذا ذكرها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن نام عن صلاة.أخبرنا حميد بن مسعدة عن يزيد قال: حدثنا حجاج الأحول عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يرقد عن الصلاة أو يغفل عنها؟ قال: كفارتها أن يصليها إذا ذكرها)].هنا أورد النسائي باب: فيمن نام عن صلاة، يعني كيف يفعل، وقد بين ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي أورده المصنف، وهو أنه من رقد عن صلاة أو غفل عنها، فإنه يصليها إذا ذكرها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، فقوله: (يرقد أو يغفل)؛ لأن يغفل هو النسيان وأما يرقد الذي هو النوم، وقد جاءت الرواية المتقدمة من حديث أنس : (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)، وهنا: (من رقد أو غفل فليصلها إذا ذكرها)، وفي بعض الطرق: ( من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )، والحديث يدل على أن النائم عن الصلاة عليه أن يبادر إلى أدائها بمجرد استيقاظه وتنبهه من نومه ومعرفته أنه قد فاته صلاة، أو أنه مضى عليه وهو نائم وقت صلاة وخرج ذلك الوقت فعليه أن يبادر إلى فعلها، ولكن ذلك يكون قضاء ما دام الوقت قد خرج ولا يكون أداء.
تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله عن الرجل يرقد عن الصلاة... قال: كفارتها أن يصليها إذا ذكرها)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].حميد بن مسعدة صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن يزيد].هو ابن زريع، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حجاج الأحول].هو حجاج بن حجاج الأحول، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن قتادة، عن أنس].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (... ليس في النوم تفريط ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة أنه قال: (ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة؟ فقال: إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها )].هنا أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم النوم عن الصلاة؟ فقال: ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحد صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها)، فقوله عليه الصلاة والسلام (ليس في النوم تفريط) يعني أن الإنسان عندما تفوته الصلاة وهو نائم فهذا لا يعتبر تفريطاً، إنما التفريط في اليقظة للذي يكون مكلفاً ويحصل منه تأخير الصلاة، أما النائم فإنه قد رفع عنه القلم، (رفع القلم عن ثلاثة: ومنهم النائم حتى يستيقظ).لكن من المعلوم أن المراد في الحديث ما إذا لم يكن حصل تفريط أصلاً بأن يعمل السبب الذي يفوته الصلاة، وذلك بأن ينام أو أن يتعمد النوم في وقت يسبق الصلاة ثم تفوته الصلاة، مثل أن ينام قبل صلاة العشاء، ولهذا جاء: (وكان يكره النوم قبلها)؛ لأن ذلك يؤدي إلى النوم عن صلاة العشاء فهذا فيه تفريط، وكذلك الإنسان الذي ينام ولا يتخذ الاحتياطات لنفسه التي يتمكن بها من القيام من النوم، ما يجعل عنده المنبه ولا يوصي أحداً أن يوقظه حيث يكون هناك من يوقظ فإن ذلك تفريط، إذا كان الإنسان يأتي وينام ثم يستمر في النوم حتى يخرج الوقت ويكون هذا عادة له لا شك أنه تفريط وصاحبه يأثم، وعلى الإنسان أن يحتاط، لكن إذا كان الإنسان حصل له أن نام في يوم من الأيام واستمر معه النوم حتى دخل وقت الصلاة واستمر في النوم ولم يكن هناك أحد يعلم به حتى ينبهه فهذا هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة)، يعني كونه يؤخر الصلاة وهو مستيقظ غير نائم، والنائم قد رفع عنه القلم حتى يستيقظ، كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ليس في النوم تفريط ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.[حدثنا حماد بن زيد].هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ثابت] .هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن رباح] .وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي قتادة رضي الله عنه].أبو قتادة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. واسمه قد اختلف فيه، قيل: الحارث، وقيل: النعمان، وقيل: عمرو بن ربعي، ولكنه مشهور بكنيته أبي قتادة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث: (... ليس في النوم تفريط ...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله وهو ابن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط فيمن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى حين ينتبه لها)].هنا أورد النسائي حديث أبي قتادة من طريق أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط فيمن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، حين ينتبه لها ). وهذا الحديث كما ذكرت من قبل يدل على أن وقت كل صلاة يمتد إلى وقت التي بعدها إما اختياراً، وإما اضطراراً ما عدا صلاة الفجر فإن وقتها لا يتصل بالتي بعدها؛ لأن وقتها ينتهي بطلوع الشمس والظهر التي بعدها يدخل وقتها بالزوال، فهناك فجوة، ومدة، وزمن بين وقتي الصلاتين، وأما الصلوات الأخرى فهذا الحديث يدل على أن كل صلاة يمتد وقتها إلى وقت التي بعدها إما اضطراراً وإما اختياراً، والذي يمتد اختياراً هو وقت صلاة الظهر والمغرب، فإن وقت صلاة الظهر يمتد إلى وقت صلاة العصر وليس فيه وقت اضطراري، وكذلك أيضاً وقت صلاة المغرب يمتد إلى وقت العشاء وليس فيه اضطراري، وأما العصر فيمتد وقته الاختياري إلى اصفرار الشمس ثم بعد ذلك يكون اضطرارياً إلى غروبها، وأما العشاء فإنه اختياري إلى نصف الليل وبعد نصف الليل إلى طلوع الفجر يكون وقتاً اضطراراً، وهذا الحديث هو الذي يدل على امتداد وقت الصلاة إلى وقت التي بعدها، حيث قال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من يؤخر الصلاة حتى يجيء وقت التي بعدها حين ينتبه لها)، يعني حيث يكون متنبهاً هذا هو الذي يكون مفرطاً، إذا جاء وقت التي بعدها، أما إذا كان غافلاً، أو ناسياً فإنه معذور، ويجب عليه أن يبادر حينما يتذكر وقد خرج الوقت.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ليس في النوم تفريط ...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو: سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي .[عن عبد الله]هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، جواد، مجاهد، ذكر ابن حجر جملة من صفاته، وقال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسويد بن نصر هو راوية عبد الله بن المبارك .[عن سليمان بن المغيرة].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة].وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
الفرق بين الموالاة والتولي
السؤال: هل هنالك فرق بين الموالاة والتولي، وما هو حكمهما؟ وجزاكم الله خيراً.الجواب: الموالاة والتولي، ما أدري هل هناك بينهما فرق؟! لكن كل منهما فيه الولاء وفيه القرب ممن يوالى وممن يتولى أما هل بينهما فرق؟ لا أدري.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المواقيت
(114)
- باب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد - باب كيف يقضي الفائت من الصلاة
يجب على المسلم أن يؤدي الصلاة في وقتها، إلا إذا وجد عذر خارج عن إرادته كالنوم، فإنه إذا نام عن الصلاة حتى خرج وقتها فعليه أن يؤديها إذا استيقظ من نومه كما كان يؤديها في وقتها.
إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد
شرح حديث أبي قتادة في وقت إعادة الصلاة على من نام عنها
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ناموا عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليصلها أحدكم من الغد لوقتها)].يقول النسائي رحمه الله: باب إعادة من نام عن الصلاة لوقتها من الغد. هذه الترجمة تتعلق بمن نام عن الصلاة فإنه يصليها من الغد، فإذا كانت مثلاً الظهر فإنها تصلى في وقت الظهر من الغد، لكن سبق أن مر في بعض الأحاديث ومنها حديث أبي قتادة نفسه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن صلاة، فليصلها إذا ذكرها)، فهذا هو الذي جاءت به الأحاديث المتعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها تصلى حين يذكرها، وأنها لا تؤخر عن الوقت الذي تذكر فيه؛ لأن النائم في حال نومه قد رفع عنه القلم فإذا استيقظ فعليه أن يبادر إلى أداء ما فاته من الصلوات في حال نومه، وقال بعض العلماء: إن حديث أبي قتادة، وقوله: (فليصلها لوقتها من الغد). ليس المقصود منه أنه يؤخرها إلى الغد فيصليها في وقت مثلها من الغد وإنما المقصود من ذلك أن هذا تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن هذه الصلاة التي نيم عنها، أو لا يصلح أن يتكرر منه ذلك بل يحافظ على الصلوات في أوقاتها، وهذا هو المناسب في تفسير الحديث؛ لأن حديث أبي قتادة وبالإسناد نفسه من رواية ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة، وفيه كما تقدم قريباً: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من نام عن صلاة أو من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها). فبين عليه الصلاة والسلام أن الصلاة المنسية أو التي نيم عنها أنه يبادر إلى أدائها عند ذكرها، ويكون المراد بالحديث أنه يحرص من الغد على ألا يتكرر منه مثل هذا الذي حصل في هذا اليوم، هذا هو الذي يحمل عليه الحديث توفيقاً وجمعاً بينه وبين الأحاديث الأخرى.انظروا حديث أبي قتادة حيث قال: (ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة، فقال: إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها).هذا هو حديث أبي قتادة المتقدم، يقول: (من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها)، فيكون هذا هو الذي جاء عن أبي قتادة وغيره، والذي جاء من أحاديث متعددة أن الصلاة المنسية أو التي نيم عنها تصلى عند ذكرها، وعلى هذا فيحمل ما جاء من حديث أبي قتادة هذا إن كان محفوظاً، على أن المراد به أنه يحافظ عليها من الغد بحيث لا يتكرر منه ذلك الذي حصل منه في هذا اليوم الذي حصل النوم فيه عن الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في وقت إعادة الصلاة على من نام عنها
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس المحدث، الناقد، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو داود ].هو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مشهور بكنيته أبي داود .[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، الثقة الثبت، الذي وصف أنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ثابت البناني] .هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن رباح].وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي قتادة].هو أبو قتادة الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أبي هريرة في وقت إعادة الصلاة على من نسيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى حدثنا يعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت فإن الله تعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14])، قال عبد الأعلى حدثنا به يعلى مختصراً].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نسيت الصلاة فصل إذا ذكرت فإن الله يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14])، وهذا الحديث بمعنى ما تقدم من الأحاديث؛ من أن الصلاة المنسية والتي نيم عنها أنها تصلى عند ذكرها، وأنها لا تؤخر، بل يبادر إلى أدائها ولو كان ذلك في أوقات النهي، مثل بعد العصر إلى غروب الشمس، ومثل بعد الفجر إلى طلوع الشمس، فإن الصلوات المقضية تصلى عند ذكرها إذا ذكرها الإنسان في وقت النهي أو استيقظ في وقت نهي، فإنه يصلي الصلاة التي نسيها أو نام عنها، ولا يؤخرها إلى وقتها من الغد.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في وقت إعادة الصلاة على من نسيها
قوله: [أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى].عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي .[حدثنا يعلى].هو ابن عبيد الطنافسي، وهو ثقة.خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا محمد بن إسحاق].هو ابن يسار المدني، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بنسبته إلى جده زهرة، ومشهور بنسبته إلى جده شهاب، وهو ثقة، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك وغيره من صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد].هو ابن المسيب، وهو ثقة، ثبت، فقيه، محدث، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين وهم الذين جمعهم الشاعر في قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـسعيد هذا هو سعيد بن المسيب .[عن أبي هريرة].أبو هريرة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهو أحد السبعة المكثرين، بل هو أكثر السبعة الذين قال فيهم السيوطي :والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ
شرح حديث أبي هريرة في وقت إعادة الصلاة على من نسيها من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو حدثنا ابن وهب حدثنا يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها. فإن الله تعالى قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] )].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وبمعنى الذي قبله وبلفظه: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها)، يعني: مثلما تقدم في الروايات السابقة: (فإن الله قال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في وقت إعادة الصلاة على من نسيها من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو] .عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو، ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود ، والنسائي، وابن ماجه .[عن ابن وهب]هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه.[حدثنا يونس].هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة].عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة، وقد مر ذكر هؤلاء الثلاثة في الإسناد الذي قبل هذا.وقول عبد الأعلى: (حدثنا به يعلى مختصراً) يعني أن الحديث مختصر، أي: ليس مطولاً، وعبد الأعلى هو نفسه الذي في الإسناد، شيخه، وشيخ شيخه يعلى بن عبيد.
حديث أبي هريرة في وقت إعادة الصلاة على من نسيها من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول: (أقم الصلاة للذكرى))، قلت للزهري : هكذا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بلفظ ما تقدم، إلا أن فيه تلاوة الآية: (أقم الصلاة للذكرى)، وهي غير القراءة المشهورة: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]. قوله: [أخبرنا سويد بن نصر] .هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله] .هو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، إمام، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب بعدما ذكر جملة من خصاله الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن معمر].هو ابن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة] .وقد مر ذكرهم في الإسنادين اللذين قبل هذا.
كيف يقضى الفائت من الصلاة
شرح حديث أبي مريم في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يقضى الفائت من الصلاة.أخبرنا هناد بن السري عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن بريد بن أبي مريم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام ونام الناس، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذن فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أمره فأقام فصلى بالناس، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة )].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي مريم مالك بن ربيعة السلولي، وفيه أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما ساروا من الليل نزلوا في آخر الليل وناموا ثم لم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن فأذن ثم صلوا الركعتين التي هي الراتبة ثم صلوا الصلاة التي هي صلاة الفجر، والترجمة هي باب كيف يقضى الفائت من الصلاة، فبين أنه أذن للصلاة وأديت الراتبة قبلها ثم أتي بالصلاة المفروضة بعد أداء الراتبة، ففيه الأذان، وفيه أداء الراتبة قبل الصلاة المقضية ثم قضى الصلاة، ومن المعلوم أن هذا بعد خروج الوقت، فهي قضاء فوائت؛ لأن وقت الفجر ينتهي بطلوع الشمس فبعد طلوع الشمس هو قضاء فائت؛ لأنه ليس أداء؛ لأن ذلك بعد خروج الوقت.قوله: [(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح، نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام ونام الناس)].(فأسرينا ليلة)، السري هو السير في الليل. (فلما كان في وجه الصبح)، يعني في آخر الليل قرب الصبح، نزلوا فناموا ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مريم في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قوله: [أخبرنا هناد بن السري].هو أبو السري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهناد بن السري كنيته أبو السري، فوافقت كنيته اسم أبيه، وقد سبق أن ذكرت أن هذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهو أنه ينبغي أن يعرف من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة ذلك حتى لا يظن التصحيف فيما إذا قيل: حدثنا هناد أبو السري، يعني من لا يعرف يظن أن ابن صحفت إلى أبو، وليس فيه تصحيف بل هذا صواب، فهو أبو السري، وهو ابن السري.[عن أبي الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن السائب].وهو صدوق اختلط، وحديثه أخرجه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[عن بريد بن أبي مريم].وبريد بن أبي مريم ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].أبوه هو مالك بن ربيعة السلولي، حديثه أخرجه النسائي.
شرح حديث ابن مسعود في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فاشتد ذلك علي، فقلت في نفسي: نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله! فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام، فصلى بنا الظهر، ثم أقام فصلى بنا العصر، ثم أقام فصلى بنا المغرب، ثم أقام فصلى بنا العشاء، ثم طاف علينا فقال: ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء، ثم قال: ليس هناك عصابة يذكرون الله تعالى غيركم )، وإسناد الحديث فيه ضعف من جهة أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، ومن جهة أن أبا الزبير مدلس، وقد روى عن نافع بن جبير بن مطعم بالعنعنة، ففيه تدليس، وفيه إرسال، فهو غير ثابت، أي: هذا الحديث الذي فيه الحبس عن الصلوات الأربع، التي هي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قضاها وأتى بها مرتبة، الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ففيه انقطاع، وفيه تدليس.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما قريباً.[عن هشام الدستوائي].هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزبير].هو محمد بن مسلم بن تدرس، وهو صدوق، يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].هو نافع بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة، وقد قال: الحافظ في التقريب: إن الراجح أنه لم يسمع من أبيه، وهذا الحديث من روايته عن أبيه، يعني ففيه انقطاع بينه وبين أبيه.[عن عبد الله بن مسعود].وأما أبوه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد فقهاء الصحابة، وهو صحابي مشهور، توفي سنة (32هـ)، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وليس هو أحد العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه متقدم الوفاة وأما العبادلة الأربعة فهم من صغار الصحابة، وهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
شرح حديث أبي هريرة في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل رجل برأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، قال: ففعلنا، فدعا بالماء فتوضأ ثم صلى سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (عرسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني أننا نزلنا في آخر الليل ونمنا، فالتعريس: هو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، قال: (فلم نستيقظ إلا بعد طلوع الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل برأس بعيره فهذا موضع حضرنا فيه الشيطان، ففعلنا، ثم إن الرسول دعا بالوضوء فتوضأ وصلى سجدتين )، أي الركعتين اللتين هما ركعتا الفجر -السنة الراتبة- ثم أقيمت الصلاة فصلوا الغداة، وهذا مثل الحديث المتقدم، الذي فيه أنهم لما رقدوا أنه أذن للصلاة ثم صلوا الركعتين ثم بعد ذلك أقيمت الصلاة وصلوا صلاة الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو الدورقي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان، وهو ثقة، ناقد، محدث، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن كيسان].وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني أبو حازم].هو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قد مر ذكره قريباً.
شرح حديث جبير بن مطعم في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم حدثنا يحيى بن حسان حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن أبيه رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سفر له: من يكلؤنا الليلة لا نرقد عن صلاة الصبح؟ قال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس، فضرب على آذانهم حتى أيقظهم حر الشمس فقاموا، فقال: توضئوا، ثم أذن بلال فصلى ركعتين وصلوا ركعتي الفجر ثم صلوا الفجر)].أورد النسائي رحمه الله حديث جبير بن مطعم النوفلي رضي الله عنه: (أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فلما كانوا في آخر الليل نزلوا، وقال: من يكلؤنا لا ننام عن صلاة الصبح؟ فقال بلال: أنا، فاستقبل مطلع الشمس، ثم إنه ضرب على آذانهم - بمعنى أنه حصل منهم النوم بحيث لم يحصل منهم إحساس، ولم يدخل آذانهم شيء من الأصوات بحيث يسمعون أصواتاً أو يسمعون حركة بمعنى أن النوم غلب عليهم- حتى استيقظوا بعد طلوع الشمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن، وصلوا الركعتين اللتين هما الراتبة، ثم أقيمت الصلاة فصلوا صلاة الفجر)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من يكلؤنا؟)، يعني: من يحرسنا ويوقظنا؟ حتى لا يناموا عن صلاة الفجر، وفي هذا التنبيه على أن الإنسان يحتاط في صلاته ولا يغفل حتى يتمكن منه النوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من يقوم بهذه المهمة، فقال بلال: أنا، ثم إنه استقبل مطلع الشمس، واستقبال مطلع الشمس من أجل أن ينظر إلى الفجر إذا طلع الفجر حتى ينبههم ويؤذن، فنام، ولما طلعت الشمس وقاموا بعد طلوع الشمس، أمر بلالاً فأذن وصلوا الراتبة ثم بعد ذلك أدوا الفريضة.
تراجم رجال إسناد حديث جبير بن مطعم في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قوله: [أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم].هو النسائي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أبو داود ، والنسائي .[حدثنا يحيى بن حسان].وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا حماد بن سلمة].هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عمرو بن دينار].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].هو نافع بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبيه].هو جبير بن مطعم النوفلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عباس في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو عاصم حدثنا حبان بن هلال حدثنا حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( أدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس أو بعضها، فلم يصل حتى ارتفعت الشمس فصلى وهي صلاة الوسطى )].أورد النسائي رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي عليه السلام عرس )، أي: نام في آخر الليل؛ لأن المسافر عندما ينزل آخر الليل وينام ويستريح فهذا يسمى التعريس، فلم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس فصلوا الصلاة، قال: ( وهي الوسطى )، وحديث ابن عباس هذا موافق لما تقدم من الأحاديث من النوم عن الصلاة، وأنهم قاموا بأداء الصلاة وقضائها حينما قاموا وتنبهوا، يعني بعد طلوع الشمس، لكن فيه زيادة (وهي الوسطى) وهذه غير محفوظة؛ لأنها مخالفة لما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن الوسطى هي صلاة العصر وليست الفجر؛ لأنه هنا أطلق على الفجر بأنها الوسطى، والذي ثبت في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر وليست الفجر، فتكون هذه الزيادة التي (هي الوسطى) منكرة، والمحفوظ أو المعروف سواها؛ وهو أنها العصر وليست الفجر، لكن ما عدا هذا فهو ثابت في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث، يعني من جهة أنهم ناموا عن الصلاة، وأنهم قاموا وصلوا الفجر بعدما خرج وقتها أي بعد طلوع الشمس.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في كيفية قضاء الفائت من الصلاة
قوله: [أخبرنا أبو عاصم]. هو الذي تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا حبان بن هلال].بفتح الحاء، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهناك من الرواة من يقال له: حَبان بفتح الحاء، وفيهم حِبان بكسر الحاء، مثل: حبان بن موسى.[حدثنا حبيب].هو ابن أبي حبيب، وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه .[عن عمرو بن هرم].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، يعني ما خرج له أبو داود من أصحاب السنن الأربعة، وما خرج له البخاري في الصحيح في الأصول، وإنما خرج له في التعليق.[عن جابر بن زيد].هو أبو الشعثاء، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس].وابن عباس هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الأسئلة
حكم تعلم السحر وتعليمه
السؤال: ما حكم تعلم السحر وتعليمه؟الجواب: تعلم السحر وتعليمه من أكبر الكبائر، لا يجوز تعلم السحر ولا تعليمه ولا يجوز تعاطيه، بل هو من أكبر الكبائر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها السحر)، والسحر عد من نواقض الإسلام وأنه كفر بالله عز وجل.
معنى حديث: (اجتنبوا السبع الموبقات)
السؤال: ما معنى الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)؟الجواب: معنى الحديث في غاية الوضوح، قوله: (اجتنبوا السبع الموبقات )، أي المهلكات التي هي من أكبر الكبائر، وفيها الشرك الذي هو أكبر الكبائر، وأظلم الظلم، وأبطل الباطل، وهو الذنب الذي لا يغفره الله عز وجل، والسحر وهو كفر أيضاً، وفي حجة الوداع قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وأما ما عدا ذلك الذي هو الربا، وقتل النفس، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل مال اليتيم. فهذه الخمسة من الكبائر وليست كفراً، وصاحبها لا يكون كافراً.
حكم إدخال الجرائد إلى مكتبة المسجد النبوي لقراءتها
السؤال: ما حكم إدخال الجرائد اليومية للمكاتب التي في المسجد النبوي لقراءتها؟الجواب: كما هو معلوم أن الصور ابتلي بها الناس، ولا يكادون يسلمون منها أبداً إلا ما شاء الله، وإدخال الشيء الذي ليس هناك ضرورة إليه ولا ملجأ إليه لا ينبغي، والجرائد لا ضرورة إليها حتى تدخل في المساجد، بخلاف غيرها مما يضطر الإنسان إلى دخوله، ولا يستطيع الانفكاك منه والتخلص منه.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:47 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(115)
- (باب بدء الأذان) إلى (باب خفض الصوت في الترجيع في الأذان)
الأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة، وقد شرع فيه التثنية والترجيع، وشرع الإيتار في الإقامة كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
بدء الأذان
شرح حديث ابن عمر في بدء الأذان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الأذان. باب بدء الأذان.أخبرنا محمد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن قالا حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر رضي الله عنه: أو لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم فناد بالصلاة)].هنا أورد النسائي رحمه الله: كتاب: الأذان.الأذان في اللغة هو: الإعلام.ومن إطلاقات اللغة في الأذان، وأنه بمعنى الإعلام ما جاء في الكتاب والسنة: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ [التوبة:3]، أي: إعلام، (من عادى لي ولي ولياً فقد آذنته بالحرب)، أي: أعلمته بأنني محارب له.وأما في الشرع: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهي: الله أكبر الله أكبر... إلى آخر الأذان.والمعاني الشرعية يكون بينها وبين المعاني اللغوية في الغالب تناسب، باعتبار أن المعنى الشرعي جزء من جزئيات المعنى اللغوي، هذا هو الغالب في الألفاظ الشرعية؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام مطلقاً.وأما في الشرع: فهو إعلام مخصوص، ليس إعلاماً عاماً، وإنما هو إعلام خاص، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، هذا هو الأذان الشرعي، وهكذا -كما ذكرت-: الألفاظ الشرعية تعتبر معانيها جزء من جزئيات المعاني اللغوية، وهذا مضطرد في كثير من الألفاظ، فإذا جئنا إلى لفظ (الصوم) نجد أن الصوم في اللغة: الإمساك، وكل إمساك فهو صوم.وأما في الشرع: فإمساك مخصوص، وهو: الإمساك عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهو إمساك مخصوص، كذلك الحج، فالحج لغة: القصد، وأي قصد يقال له: حج، وفي الشرع: قصد البيت الحرام لأداء أعمال مخصوصة، هي: أركان الحج، وواجباته، ومستحباته، كذلك العمرة، العمرة لغة: الزيارة، وفي الشرع: زيارة البيت لأداء أعمال مخصوصة.فالمعاني الشرعية جزء من جزئيات المعاني اللغوية، والأذان هو من هذا القبيل.الباب: بدء الأذان، أي: كيف بدأ الأذان؟ وما هي بداية الأذان؟ كيف كانت؟الأذان شرع في المدينة بعدما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما جاء في هذا الحديث عن ابن عمر: (أنهم كانوا يتحينون وقت الصلاة)؛ أي: يتحرونه ويقدرون الوقت، وينظرون في الشمس والغروب، وظل الشيء مثله ومثليه، وما إلى ذلك، ففكروا وجعلوا يتذاكرون، فقالوا: لو أنهم فعلوا مثلما فعلت النصارى بأن اتخذوا ناقوساً، ومنهم من قال: بل نتخذ قرناً، وهو بوق ينفخ به، وكانت تفعل اليهود ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: (لو بعث رجل ينادي للصلاة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً فنادى بالصلاة)، وهذا النداء يحتمل أن يكون الأذان؛ وذلك كما جاء في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه (أنه أري الأذان، فأخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمره بأن يلقيه على بلال)، أي: أن يخبر بلالاً به، فأذن بلال، وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: لو اتخذ منادياً ينادي في الأذان، فيحتمل أن يكون ذلك بعدما حصلت الرؤيا، وكان عمر أيضاً وقع في نفسه هذا الشيء فقاله، ويحتمل أن يكون هذا قبل رؤيا عبد الله بن زيد، ويكون المراد بالنداء هو غير الأذان المعروف بالتكبيرات، وذلك بأن يقال: الصلاة، أو الصلاة جامعة، أو ما إلى ذلك من العبارات التي فيها نداء وإخبار بالصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في بدء الأذان
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن].هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، والمشهور أبوه بـابن علية، وهو ثقة، وخرج حديثه النسائي وحده، ومحمد هذا من أهل السنة على طريقة أبيه، كما أن أباه من أهل السنة، ولأبيه ولد منحرف عن منهج أهل السنة وهو إبراهيم بن إسماعيل، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل الفقه الشاذة، فعندما يأتي شذوذ في بعض مسائل الفقه، فيقال: قال به ابن علية، يراد به: ابنه المنحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، والذي ترجم له الذهبي في الميزان وقال: جهمي، هالك، و-كما قلت- يأتي في المسائل الشاذة في الفقه عزو بعض تلك المسائل إليه، ومن ذلك مسألة الإجارة، فالعلماء على مشروعيتها، والضرورة داعية إليها، ولا يستغني الناس عن الإجارة هذا هو المعروف عن العلماء أنهم يقولون: بمشروعية الإجارة، وابن علية هذا الجهمي الهالك، الذي هو إبراهيم بن إسماعيل، وأبو بكر بن الأصم المعتزلي يقولان: بأن الإجارة لا تجوز، وهي غير مشروعة، وهذا بلا شك شذوذ؛ لأن الإجارة لا يستغني الناس عنها.أما إبراهيم بن الحسن الذي يروي عنه النسائي، فهو المصيصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.[ قالا: حدثنا حجاج].هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ قال ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني نافع].هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن عمر].هو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة المعروفين في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
تثنية الأذان
شرح حديث: (إن رسول الله أمر بلالاً أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تثنية الأذان.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب تثنية الأذان.أي: شفع الأذان، وقد أورد النسائي تحته حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالاً أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة)، وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة؛ يعني: يجعله شفعاً، والإقامة يجعلها وتراً؛ أي: كلمة واحدة، وهذا إنما هو في الغالب، فالأذان مشفوع غالباً، وفيه كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وهي مرة واحدة ليست مشفوعة، فالأذان مكرر الألفاظ منه ما يكون أربع، وهو: الله أكبر في أوله، ومنه ما يكون اثنتين، وهو: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، والله أكبر في آخره مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة.فإذاً: الشفع إنما للغالب؛ لأن كلمة التوحيد وكلمة الإخلاص التي هي ختام الأذان تكون مرة واحدة، فيكون الشفع محمولاً على الغالب، وليس على جميع الألفاظ.وأما الإقامة فإنها تكون وتراً، وهذه أيضاً في الغالب؛ لأن منه ما هو مشفوع، مثل: الله أكبر في أول الإقامة وفي آخرها: الله أكبر الله أكبر، وقد قامت الصلاة مشفوعة أيضاً، والباقي يكون وتراً، مثل حي على الصلاة حي على الفلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله مرة واحدة، أي: تكون وتراً، ولكن إيتار الإقامة إنما هو في الغالب، مثل الأذان شفعه في الغالب.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله أمر بلالاً أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر من الرواية عنه، وهو أول شيخ روى عنهم في سننه، وأول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد، وقتيبة اسمه من الألفاظ المفردة التي لم تتكرر، ولم يشابهه أحد في ذلك؛ لأنه هو الشخص الوحيد في رجال الكتب الستة الذي يقال له قتيبة .[حدثنا عبد الوهاب].هو ابن عبد المجيد الثقفي البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أيوب].هو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، ثبت، حجة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي قلابة].هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، كثير الإرسال، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تشرف بخدمة النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، وذلك منذ أن قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة كان عمر أنس عشر سنوات، فكانت مدة خدمته إياه مدة كونه في المدينة، وهي عشر سنوات، وحديث أنس بن مالك عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (كان الأذان على عهد رسول الله مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني أبو جعفر عن أبي المثنى عن ابن عمر أنه قال: (كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك تقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن الأذان كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك تقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة)، وهذا مثل حديث أنس: (أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)، وهذا إنما هو على الغالب، والتثنية إنما هي على الغالب؛ لأن من ألفاظ الأذان ما هو أكثر من مرتين، وهو الله أكبر في أول الأذان، فإنها أربع مرات، إلا أن يكون المراد بالتثنية ما ينطق به؛ لأن الله أكبر الله أكبر ينطق بها مرة واحدة، فيكون معناه: النطق حصل مرتين، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقولوا: الله أكبر الله أكبر، وإذا قال: الله أكبر الله أكبر، فقولوا: الله أكبر الله أكبر)، وهو من هذه الحيثية مثنى، لكن هي من حيث الجمل، ومن حيث الألفاظ هي أربع، فتكون التثنية إنما هي في الغالب؛ فلهذا عندما يأتي في الأحاديث القادمة أن الأذان تسعة عشر كلمة، وهذا معدود على اعتبار أن كل واحدة جملة مستقلة، الله أكبر أربع مرات، فهي من جملة التسعة عشر، ومع الترجيع في الشهادتين، فتكون تسعة عشر، والإقامة مرة إلا قد قامت الصلاة، فإنها تكون مرتين، ومن المعلوم: أن الله أكبر تكون في أوله مرتين، والله أكبر قبل آخره تكون مرتين.فإذاً: عدم الإفراد ليس خاصاً بـ(قد قامت الصلاة)، وإنما أيضاً مثلها الله أكبر في الأول، والله أكبر قبل الآخر.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان الأذان على عهد رسول الله مثنى مثنى، والإقامة موترة ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، المعروف كلامه بالجرح والتعديل، وهو من النقاد، وكثيراً ما يأتي في تراجم الرجال: وقال الفلاس كذا، فالمراد به: عمرو بن علي الفلاس، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان المحدث، الناقد، والمعروف كلامه في الجرح والتعديل، وهو الذي وصفه الذهبي - هو وعبد الرحمن بن مهدي - في كتابه: ممن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال: إذا اجتمع يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على جرح شخص، فهو لا يكاد يندمل جرحه، بمعنى: أنهما يصيبان الهدف، ويصيبان في قولهما عندما يتفقان على جرح شخص، وحديث يحيى بن سعيد القطان عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، وهو الثقة، الثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا -كما ذكرت مراراً- من الأوصاف العالية التي هي من أعلى صيغ التعديل، والتي لم يظفر بها إلا عدد يسير من المحدثين، منهم: شعبة بن الحجاج، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني أبو جعفر].هو محمد بن إبراهيم بن مسلم الكوفي المؤذن، وهو صدوق ويخطئ، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن أبي المثنى].هو محمد بن المثنى، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو المثنى محمد بن المثنى كنيته توافق اسم أبيه.[عن ابن عمر].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
خفض الصوت في الترجيع في الأذان
شرح حديث أبي محذورة في خفض الصوت في الترجيع في الأذان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب خفض الصوت في الترجيح في الأذان.أخبرنا بشر بن معاذ حدثني إبراهيم وهو ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة حدثني أبي عبد العزيز وجدي عبد الملك عن أبي محذورة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقعده فألقى عليه الأذان حرفاً حرفاً، قال إبراهيم: هو مثل أذاننا هذا، قلت له: أعد علي، قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، ثم قال: بصوت دون ذلك الصوت يسمع من حوله: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب خفض الصوت بالترجيع في الأذان.الترجيع في الأذان: هو إعادة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين بعدما يفرغ من الشهادتين، ويعود إليهما ذاكراً لهما بصوت منخفض، هذا هو الترجيع في الأذان، وعلى هذا تكون الألفاظ تسعة عشر، لكن هذا اللفظ الذي موجود معنا ليس فيه التكبير في أول الأذان إلا مرتين، وقد قال الشيخ ناصر الدين الألباني: إن هذه الرواية منكرة؛ لأنها تخالف الرواية الأخرى الثابتة عن أبي محذورة عند النسائي وغيره، وفيها: (الله أكبر في أول الأذان أربع مرات)؛ يعني: كما عند غير أبي محذورة، وهو أن الله أكبر تكون أربع مرات في أول الأذان، وفي هذه الرواية: (الله أكبر في أول الأذان مرتين)، وبقية الألفاظ موافقة لما جاء في حديث أبي محذورة من أن الشهادتين يؤتى بهما، ثم يؤتى بالترجيع، ثم حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، ثم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فتكون على هذا سبعة عشر جملة، وليس تسعة عشر جملة، والذي جاء عن أبي محذورة تسعة عشر جملة؛ يعني: بذكر الله أكبر أربع مرات في أول الأذان، ويكون على هذا عدد ألفاظ الأذان مع الترجيع في حديث أبي محذورة تسعة عشر جملة، وهذه الرواية مخالفة للرواية الأخرى التي جاءت عن أبي محذورة، والتي فيها أن التكبيرات في أول الأذن تكون أربعاً.
تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في خفض الصوت في الترجيع في الأذان
قوله: [أخبرنا بشر بن معاذ].هو البصري، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثني إبراهيم].هو ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو صدوق يخطئ، وخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، والترمذي، والنسائي .[حدثني أبي عبد العزيز].هو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، وهو مقبول، وقد خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[وجدي عبد الملك] وجده أيضاً مقبول، وخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه شيئاً.[عن أبي محذورة].أبو محذورة قيل اسمه: أوس، وقيل غير ذلك، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.وهذا الإسناد يعتبر من رباعيات النسائي؛ لأن عبد العزيز وعبد الملك في طبقة واحدة، ليس في طبقتين؛ لأن إبراهيم يروي عن أبيه وعن جده، وليس أبوه يروي عن جده فيكون الإسناد خماسي، وإنما هو يروي عن أبيه وعن جده، فيكون رباعي، يعني: بشر بن معاذ، وإبراهيم بن عبد العزيز، وعبد العزيز، وعبد الملك، وهما في طبقة واحدة؛ يعني: من حيث الرواية، وجده أبو محذورة.
الأسئلة
حكم القراءة على خلاف ترتيب المصحف
السؤال: هل يجب علي أن أقرأ في الركعة الأولى من صلاتي سورة متقدمة عن السورة التي أقرؤها في الركعة الثانية حسب ترتيب المصحف؟الجواب: القراءة في الصلاة الأولى أن تكون السور على حسب ترتيبها في المصحف، بحيث يقرأ الإنسان سورة ثم يقرأ بعدها سورة تليها، فهو ليس بلازم أن تكون بعدها مباشرة، لكنها مما يكون بعدها، وليس مما يكون قبلها، هذا هو الأولى، ولو قرئ بسورة قبل سورة متقدمة عليها، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه قد جاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران)، وجاء أيضاً في قصة الرجل الذي كان يؤم قومه، ويقرأ في كل ركعة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ثم يقرأ سورة أخرى، ومن المعلوم: أن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ليس بعدها إلا سورتان في المصحف، ومعنى هذا: أنه يقرأ سورة قبلها، والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، لكن الأولى أن يكون الترتيب كترتيب المصحف، وإن فعل خلاف الترتيب، فإنه جائز، وهذا هو الدليل الذي يدل على جوازه.
حكم براز الحمام
السؤال: هل براز الحمام طاهر غير نجس؟ وما الدليل على ذلك؟ جزاكم الله خيراً.الجواب: براز الحمام طاهر؛ لأن بول وروث كل ما يؤكل لحمه طاهر، فأرواث الإبل وأبوالها، والغنم وأبوالها، وكل ما يؤكل لحمه يكون طاهراً.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(116)
- (باب كم الأذان من كلمة) إلى (باب الأذان في السفر)
شرع في الأذان التثنية والترجيع كما في حديث أبي محذورة، وعدد الجمل في الأذان تسع عشرة جملة إن كان هنالك ترجيع، وأما الإقامة فسبع عشرة.
كم الأذان من كلمة
شرح حديث: (الأذان تسع عشرة كلمة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم الأذان من كلمة.أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن همام بن يحيى عن عامر بن عبد الواحد حدثنا مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عدها أبو محذورة تسع عشرة كلمة وسبع عشرة)].يقول النسائي رحمه الله: كم الأذان من كلمة. يعني: كم عدد كلمات الأذان، والمراد بالكلمات الجمل، وليس المراد بها الكلمة الواحدة المفردة، وإنما المقصود بها الجملة، مثل: لا إله إلا الله، الله أكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فكل واحدة منها كلمة، هذا هو المراد بها؛ لأن الكلمة تطلق على اللفظة الواحدة، والتي هي اسم، أو فعل، أو حرف، وتطلق على الجملة، وقد تطلق على الكلام الكثير، كأن يقال: ألقى فلان كلمة، وتكون من عدة صفحات، وقد جاء ذلك في أحاديث عديدة فيها إطلاق الكلمة ويراد بها الكلام، مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو آخر حديث في صحيح البخاري-: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالمراد بالكلمتين: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ)، فإن هذا هو المقصود بالكلمة، أي: الجملة من الكلام، وإليه أشار ابن مالك في الألفية بقوله:واحده -أي الكلام- كلمة والقول عموكلمة بها كلام قد يؤمأي: أن الكلمة قد يقصد بها الكلام، وهنا قول النسائي: كم الأذان من كلمة، المقصود من ذلك الجملة.وأورد النسائي حديث أبي محذورة؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة تسع عشرة كلمة)، ثم عدها تسع عشرة، وسبع عشرة، وهذه التسع عشرة كلمة هي: التكبير أربع؛ الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، والشهادة بالوحدانية أربع؛ لأنه بالترجيع؛ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أشهد أن محمداً رسول الله أربع بالترجيع؛ أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، المجموع تسعة عشر، التكبير أربع في الأول، والشهادتان مع الترجيع ثمان؛ لأنها أربع بدون ترجيع، وأربع مع الترجيع، فتصير اثني عشرة، ثم بعد ذلك يكون حي على الصلاة مرتين، فتصبح أربع عشرة، وحي على الفلاح مرتين، فتصبح ست عشرة، والله أكبر الله أكبر مرتين، فتكون ثماني عشرة، ولا إله إلا الله تكملة التسع عشرة كلمة، وقد جاءت مبينة في حديث أبي محذورة من طرق أخرى.وأما الإقامة فهي سبع عشرة، وهي بتثنية أكثر الألفاظ، وبتربيع التكبير في الأول، وبإفراد كلمة التوحيد في الآخر: الله أكبر أربع مرات في الأول، ثم أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً مرتين، لا يوجد ترجيع مثل الأذان، ثم حي على الصلاة حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح حي على الفلاح كذلك، ثم قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، ثم الله أكبر الله أكبر، ثم لا إله إلا الله، فتكون سبع عشرة؛ الله أكبر أربع مرات، والشهادتان أربع مرات فتصير ثمان، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، وقد قامت الصلاة مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة، فيكون المجموع سبع عشرة كلمة، أي: جملة، فهذه ألفاظ الإقامة وألفاظ الأذان كما جاءت في حديث أبي محذورة، وقد جاء في الأحاديث الأخرى أنها بألفاظ أقل، الذي هو خمس عشرة جملة بدون ترجيع كما هو موجود، وكما هو مستعمل كثيراً، مثل ما جاء في حديث أبي محذورة ولكن بدون ترجيع، أربع تكبيرات في الأول، وأشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، ثم الله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة، فيكون مجموعها خمس عشرة كلمة، يسقط منها الأربع التي هي الترجيع، فيكون المجموع خمس عشرة كلمة.وألفاظ الأذان جاءت بصيغ متعددة، وبألفاظ مختلفة، وكل ما ثبت من ذلك فهو حق، والخلاف هو خلاف تنوع، وكون بعض العلماء يقول: الأولى أن يكون كذا، وبعضهم يقول: بل الألفاظ كذا هذا من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد؛ لأن ألفاظ الأذان، وألفاظ الاستفتاح، وألفاظ التشهد، وكل ما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام الأخذ بأي واحد منه هو حق.
تراجم رجال إسناد حديث (الأذان تسع عشرة كلمة ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أنبأنا عبد الله].وهو ابن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسويد بن نصر هو روايته، يعني: الذي يروي عنه كثيراً، وإذا جاء مهملاً، أي: عبد الله ويروي عنه سويد بن نصر، فالمراد به عبد الله بن المبارك .[عن همام بن يحيى].وهو ابن دينار العوذي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عامر بن عبد الواحد].وهو الأحول، وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا مكحول].وهو الشامي أبو عبد الله، وهو ثقة،كثير الإرسال، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن محيريز].وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي محذورة].واسمه أوس، وقيل فيه غير ذلك، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
كيف الأذان
شرح حديث أبي محذورة في صفة الأذان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف الأذان.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن عامر الأحول عن مكحول عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان، فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)].وهنا أورد النسائي حديث أبي محذورة وفيه بيان كيفية الأذان كما علمه إياه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو تسع عشرة جملة، وهذا يوضح الإجمال الذي في الرواية السابقة؛ لأن الرواية السابقة يقول: الأذان تسع عشرة كلمة، وهنا فصل هذه الكلمات وبينها وأوضحها، وأنها التكبير أربع مرات، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين فيكون أربع، ثم يعود فيأتي بها بصوت عال الذي هو الترجيع، فتكون الشهادتان ثمان، ثم حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، الله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة، فيكون المجموع تسع عشرة كلمة، هذه هي عدد ألفاظ الأذان كما جاء في حديث أبي محذورة . وقد مر بنا طريق من الطرق عن أبي محذورة وفيه أن التكبير الأول مرتان، وعرفنا أن تلك الرواية مخالفة للروايات المختلفة المتعددة عن أبي محذورة التي فيها تربيع الأذان في الأول، وأنه أربع كلمات وليس كلمتين، وهذه هي الصحيحة الثابتة، وتلك منكرة؛ لأنها تخالف الروايات المتعددة التي جاءت عن أبي محذورة، وأن التكبير في الأول أربع مرات.
تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في صفة الأذان
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من أعلى الأوصاف، وأرفع صيغ التعديل، وهي أن يقال عن الشخص: أمير المؤمنين في الحديث، وإسحاق بن راهويه ممن وصف بهذا الوصف، ولقب بهذا اللقب الرفيع، وحديث إسحاق بن راهويه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا معاذ بن هشام].وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ومعاذ بن هشام صدوق، وربما وهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثني أبي].هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة].هؤلاء الأربعة مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث أبي محذورة في صفة الأذان من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن ويوسف بن سعيد واللفظ له، قالا: حدثنا حجاج عن ابن جريج حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: (أن عبد الله بن محيريز أخبره، وكان يتيماً في حجر أبي محذورة حين جهزه إلى الشام، قال: قلت لـأبي محذورة: إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون، فظللنا نحكيه ونهزأ به، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلينا حتى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم إلي، وصدقوا، فأرسلهم كلهم وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه، قال: قل: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: ارجع فامدد صوتك، ثم قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، فقلت: يا رسول الله! مرني بالتأذين بمكة، فقال: قد أمرتك به، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي حديث أبي محذورة من طريق أخرى، وفيه بيان كيفية الأذان، وأنه تسع عشرة كلمة، وذلك باعتبار الترجيع في أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، بحيث تكون ثمان كلمات أو ثمان جمل، وهو بمعنى اللفظ المتقدم، أو بمعنى الرواية المتقدمة قبل هذه، وفي هذا بيان كيف كان بدء أبي محذورة بالأذان، وأيضاً فيه بيان كيف تحمل عبد الله بن محيريز الأذان عن أبي محذورة؛ لأن عبد الله بن محيريز أراد أن يذهب إلى الشام، وعبد الله بن محيريز له صلة بـأبي محذورة ؛ لأنه كان يتيماً في حجره، ولما أراد أن يذهب إلى الشام، وكانت العلاقة بينه وبين أبي محذورة وثيقة، وأنه في حجره، فخشي أن يسأل عن تأذين أبي محذورة ؛ وذلك لصلته به وعلاقته به، فقال: أخشى أن أسأل عن تأذنيك، فأخبرني، فأخبره، وأنهم لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قافلاً من حنين، وكان معه أشخاص خرجوا من مكة، وسمعوا مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يحكون أذانه، والنبي عليه الصلاة والسلام سمع حكايتهم للأذان، أي: كونهم يأتون بالأذان على وفق ما يأتي به المؤذن، وكان فيهم شخص ندي الصوت، حسن الصوت، هو أبو محذورة، فدعا بهم وجاءوا فسألهم عن الرجل الذي كان رفيع الصوت؟ فأشاروا إليه، قال: وصدقوا، أي: عندما أشاروا إليه، وأنه هو الذي أذن وكان صوته حسناً، فأرسلهم وحبسه عنده، ولما جاء الأذان أمره بأن يؤذن، وعلمه كيفية الأذان، فعلمه إياه تسع عشرة جملة على نحو ما تقدم: التكبير أربع مرات، والشهادتان مع الترجيع ثمان مرات، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة، فالمجموع تسع عشرة جملة.ثم إنه قال له: ائذن لي أن أؤذن في المسجد الحرام، فأذن له، فذهب إلى أمير مكة، عامل الرسول صلى الله عليه وسلم على مكة، وهو عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة أمره عليها، وكان صغيراً من صغار الصحابة، قيل: إن عمره في حدود العشرين حين أمره على مكة، وذهب أبو محذورة وجعل يؤذن في المسجد الحرام بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في صفة الأذان من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن].وهو المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.[ويوسف بن سعيد].وهو المصيصي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي وحده.قوله: (واللفظ له) أي: لـيوسف بن سعيد ؛ لأن النسائي ذكر شيخين في هذا الحديث، هما إبراهيم بن الحسن المصيصي ويوسف بن سعيد المصيصي . وقال: (واللفظ له)، أي: لـيوسف بن سعيد، وليس هذا لفظ إبراهيم بن الحسن، وهذه طريقة النسائي عندما يذكر الحديث عن شيخين يعين من له اللفظ، وغالباً ما يكون الأخير، وأحياناً يجعل ذلك في الآخر؛ بعد ما ينتهي الحديث يقول: واللفظ لفلان، وفي بعضها كما هنا بعد ذكر الشيخ الثاني يقول: واللفظ له، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهو يوسف بن سعيد المصيصي . [حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي أيضاً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عبد العزيز بن عبد الملك].وهو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[أن عبد الله بن محيريز].وقد عرفنا في الحديث السابق أنه ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
الأذان في السفر
شرح حديث أبي محذورة في الأذان في السفر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأذان في السفر.أخبرنا إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج عن ابن جريج عن عثمان بن السائب أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة أنه قال: (لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين، خرجت عاشر عشرة من أهل مكة نطلبهم، فسمعناهم يؤذنون بالصلاة، فقمنا نؤذن نستهزئ بهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت، فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل، وكنت آخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي، وبرّك علي ثلاث مرات، ثم قال: اذهب، فأذن عند البيت الحرام، قلت: كيف يا رسول الله، فعلمني، قال كما تؤذنون الآن بها: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح، قال: وعلمني الإقامة مرتين: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، قال ابن جريج: أخبرني عثمان هذا الخبر كله عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة)].وهنا أورد النسائي رحمه الله هذا الباب، وهو باب الأذان في السفر، وهو مثل الحضر، لا فرق بين السفر والحضر في الأذان، ولكنه أورده؛ لأن الأذان الذي سمعوه كان في السفر، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي محذورة كان في السفر، لهذا ترجم النسائي هذه التراجم وهي: باب الأذان في السفر.وقد أورد النسائي حديث أبي محذورة من طريق أخرى، وفيه بيان كيفية الأذان والإقامة، وأن الأذان تسع عشرة جملة مع ترجيع الشهادتين فتكون ثمان، والإقامة سبع عشرة جملة كما جاء في الحديث المتقدم؛ التكبير أربع مرات، وأشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن محمداً رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتينو، حي على الفلاح مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة، والإقامة، التكبير أربع مرات، والشهادتان أربع، فهذه ثمان، وحي على الصلاة حي على الصلاة مرتين، وهذه عشر، وحي على الفلاح حي على الفلاح مرتين، وقد قامت الصلاة مرتين، والله أكبر مرتين، ولا إله إلا الله مرة، فيكون المجموع سبع عشرة، وهذا تفصيل الإجمال الذي في الطريق الأولى، وهي قول أبي محذورة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، فهذا هو التفصيل في الإقامة لذلك الإجمال الذي تقدم في الرواية السابقة، الأذان تسع عشرة جملة، ويضاف إليها في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتان، فيكون العدد واحد وعشرين، بإضافة الصلاة خير من النوم في أذان الصبح، وأما الإقامة فهي سبع عشرة جملة؛ وذلك بإضافة: قد قامت الصلاة مرتين.
تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في الأذان في السفر
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن الحسن].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي، وقد مر ذكره أيضاً.[عن ابن جريج].وقد مر ذكره كذلك.[عن عثمان بن السائب].وهو الجمحي المكي، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي . [عن أبي].وهو السائب الجمحي المكي، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، أي: كالذين خرجوا لابنه عثمان .[وأم عبد الملك بن أبي محذورة].وهي زوجة أبي محذورة، وهي مقبولة، وقد رمز في التقريب بـأبي داود، والترمذي، ومن المعلوم أن النسائي خرج لها، والحديث الذي معنا في النسائي، فلا أدري هل التاء بدل السين، أو أن السين سقطت فيكون أبو داود، والترمذي، والنسائي خرجوا لها.قوله: [عن أبي محذورة].وقد مر ذكره.
الأسئلة
مدى صحة رؤيا عمر لنفس الرؤيا التي رآها عبد الله بن زيد في الأذان
السؤال: يا فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل عمر رضي الله عنه رأى نفس الرؤيا التي رآها عبد الله بن زيد في بدء الأذان، وقد أخبرت أن خبر رؤيا عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري؟الجواب: لا، أنا ما ذكرت رؤيا عمر .فأنا لا أعرف شيئاً عن الرؤيا، الرؤيا لـعبد الله بن زيد، وعبد الله بن عمر قال: نادِ في الصلاة، ولا أدري هل له رؤيا أو ليس له رؤيا؟ وقد يكون في الأحاديث التي ستأتي شيء يوضح شيئاً من ذلك، ولكن كون عمر رأى رؤيا لا أدري.
حكم لبس المرأة للذهب المحلق
السؤال: يا شيخ! حفظك الله، ما حكم لبس الذهب المحلق للمرأة، فهناك بعض طلبة العلم قال لزوجته: لا تلبسي الذهب المحلق؛ لأن هذا فيه خلاف بين العلماء، والأفضل أن تتركيه خروجاً من الخلاف، ومن باب ترك الشبهات، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والأحوط لك أن تتورعي في هذا الأمر، فهل هذا صحيح؟ وهل تركه يعتبر تورعاً؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.الجواب: الذهب مطلقاً مباح للنساء، محلق أو غير محلق، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ذهباً وحريراً وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها)، وقد جاء في الأحاديث حل الذهب مطلقاً للنساء، وجاء في بعض الأحاديث ما يدل على حل الذهب المحلق؛ وذلك في قصة مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى النساء يوم العيد ووعظه إياهن، ومعه بلال، وعبد الله بن عباس، وقال: (تصدقن يا معشر النساء! فإنكن أكثر حطب جهنم، فجعلن يلقين من خواتيمهن وأقراطهن)، ومن المعلوم أن الخواتيم محلقة، فالخواتيم التي يخرجنها من أصابعهن كانت محلقة. ثم صاحبة المسكتين اللتين قال فيهما: (أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا)، الحديث، وهي محلقة.فإذاً جاء في النصوص ما يدل على حل الذهب مطلقاً محلقة وغير محلقة، وجاء في بعض النصوص ما يدل على حل المحلقة، فتكون هذه النصوص العامة والخاصة دالة على إباحته، وتلك الأحاديث التي جاءت فيها النهي عن الذهب المحلق تكون مرجوحة، ويكون ذلك الذي جاء فيه العموم، وجاء فيه النصوص الخاصة بالذهب المحلق دالة على إباحته مطلقاً، وأن النساء لا حرج عليهن إذا لبسن أي شيء من الذهب، سواء كان محلقاً أو غير محلق.
حكاية الإجماع على ترك لبس الذهب المحلق
السؤال: هل لبس الذهب المحلق يكون مخالفاً للإجماع؟الجواب: لا، ما يكون مخالفاً للإجماع، فالمسألة خلافية، والجمهور على أنه مباح، ولكن لا يقال: إنه مخالف للإجماع، مع أنه ما فيه إجماع، وإن كان بعض العلماء حكى الإجماع.
مضاعفة أجر النوافل في مكة والمدينة
السؤال: هل النوافل في مكة والمدينة تضاعف؟ وما الدليل؟الجواب: أما في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الصلوات النوافل تضاعف كالفرائض؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي)، هذا لفظ يشمل الفرض والنفل، وبالنسبة للمسجد النبوي الصلاة فيه بألف صلاة، الفريضة بألف فريضة، والنافلة بألف نافلة، وأما في مكة فهي بمائة ألف صلاة، والخلاف بين العلماء، هل التضعيف يكون للصلاة في المسجد المحيط بالكعبة، أو أن الصلاة في مكة كلها تضاعف؛ لأن مكة يطلق عليها مسجد حرام كلها، والقول بأن مكة يقال لها: مسجد حرام، هو قول قوي؛ لأنه جاء ما يدل عليه، مثل قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، والمراد بالمسجد الحرام مكة كلها، وليس المقصود المسجد الذي فيه الكعبة، فالكفار يمنعون من دخول مكة كلها، وليس المسجد الذي فيه الكعبة فقط.ثم أيضاً قول الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، والنبي صلى الله عليه وسلم أسري به من بيت من بيوت مكة، وقد أُطلق على الإسراء به أنه من المسجد الحرام، والإسراء به كان من بيت من بيوت مكة.الحاصل: أن المسجد الحرام يطلق على مكة كلها، ولكن كما هو معلوم، وإن كان هذا القول له وجاهة وقول قوي، وقال به بعض أهل العلم، وألف فيه من العلماء القريبين من عصرنا المعاصرين، وقد توفي يقال له: التباني، ألف رسالة صغيرة فيما يتعلق بالمسجد الحرام، وإطلاق على مكة أنها كلها مسجد حرام، إلا أنه كما هو معلوم ليس سواء من يصلي عند الكعبة، ومن يصلي في أماكن مختلفة من مكة، كما أن الذين يصلون في المسجد يتفاوتون؛ فالصف الأول أفضل من الذي يليه وهكذا، فالذي يصلي عند الكعبة ليس كالذي يصلي في أماكن مختلفة من مكة.
الأفضل في أداء صلاة النافلة البيت أم المسجد الحرام
السؤال: هل صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة؟الجواب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في بيته أفضل من المكتوبة)، تشمل الحرمين وغيرهما.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:51 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(117)
- (باب أذان المنفردين في السفر) إلى (باب هل يؤذنان جميعاً أو فرادى؟)
إن الأحق بإقامة الصلاة هو الأقرأ ثم الأفقه بالسنة ثم الأقدم هجرة ثم الأكبر سناً، وأما بالنسبة للأذان فإنه إذا حضرت الصلاة يشرع للرجل أن يؤذن لها حتى ولو كان منفرداً، ويكفي الجماعة أن يؤذن لهم أحدهم.
أذان المنفردين في السفر
شرح حديث: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أذان المنفردين في السفر.أخبرنا حاجب بن سليمان عن وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، وقال مرة أخرى: أنا وصاحب لي، فقال: إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما)].يقول النسائي رحمه الله: (باب أذان المنفردين في السفر)، المقصود من هذه التراجم: أن الاثنين إذا سافرا فإنه يؤذن أحدهما ويقيم، ويؤمهما أكبرهما. وقد أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث بهذا المعنى، أنه قال: أي مالك بن الحويرث: ذهبت أنا وابن عم لي أو صاحب لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما)، ومحل الشاهد منه قوله: (فأذنا وأقيما)، فهما اثنان، وقد أمرهما النبي عليه الصلاة والسلام عندما يحين وقت الصلاة أن يؤذنا، بل إن الأذان يكون حتى من الواحد إذا كان وحده فإنه عندما يأتي وقت الصلاة يؤذن ولو كان وحده، وقد جاء بذلك بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الحديث -الذي هو حديث مالك بن الحويرث- فيه أن الإمامة أنها تتميز على الأذان؛ وذلك أن الإمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فليؤمكما أكبركما)، وأما الأذان فقال: (أذنا وأقيما)، وفي بعض الروايات: (فليؤذن أحدكم)، فجعل الإمامة للأكبر، وجعل الأذان لواحد منهما، فدل على تمييز الإمامة على الأذان، وأن الذي يتولى الإمامة من يكون أكبر، وهذا في حالة التساوي في الأمور التي قبل الكبر، وهي الأقرأ للقرآن، والأعلم بالسنة، ثم بعد ذلك يكون الأكبر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (وليؤمكما أكبركما)؛ لأنهما كانا متماثلين، فيما قبل الكبر، فجعل الإمامة للكبير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما)
قوله: [أخبرنا حاجب بن سليمان].هو المنبجي، وهو صدوق يهم، وحديثه أخرجه النسائي وحده، ومنبج بلدة من بلاد الشام، نسب إليها، فيقال له: المنبجي، وهو صدوق يهم، خرج حديثه النسائي. [عن وكيع].وهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].وسفيان غير منسوب هنا، ولكنه محمول على الثوري؛ لأنه إذا جاء ذكر وكيع يروي عن سفيان، وسفيان غير منسوب فإنه يحمل على الثوري، وهذا هو الذي ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: إذا جاء وكيع عن سفيان فالمراد به الثوري، وليس المراد به ابن عيينة، والثوري ووكيع من بلد واحد، وهي الكوفة.وسفيان الثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، الحجة، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من الأوصاف الرفيعة والألقاب العالية التي لم يظفر بها إلا عدد قليل جداً من المحدثين، ومنهم سفيان الثوري رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن خالد الحذاء].وهو خالد بن مهران الملقب الحذاء، ولم يكن تلقيبه بالحذاء لأنه كان حذاء يصنع الحذاء أو يبيعها، لم يكن كذلك، ولكنه قيل: إنه كان يجالس الحذائين، فقيل له: الحذاء، أو إنه كان يقول للحذاء: احذ على كذا، أي: قف على كذا، واحذي حذو كذا، فقيل له: الحذاء لهذا، وهذه نسبة لغير ما يتبادر إلى الذهن؛ لأن الذي يتبادر إلى الذهن -إذا قيل: الحذاء- أنه صانع الأحذية أو بائع الأحذية، وأما أن يكون يجالس الحذائين أو يقول: احذ على كذا، فهذا ليس متبادراً إلى الذهن. وهو ثقة، يرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي قلابة].وهو عبد الله بن زيد الجرمي، وهو ثقة، كثير الإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي قلابة.[عن مالك بن الحويرث].مالك بن الحويرث، صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر
شرح حديث: (... إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر.أخبرني زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه أنه قال: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركناه من أهلنا، فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا عندهم، وعلموهم، ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)].هنا أورد النسائي هذه التراجم وهي: اجتزاء المرء بأذان غيره في الحضر، مقصود هذه التراجم أنه في الحضر، وكذلك في السفر إذا أذن واحد للجماعة الواحدة فإنه يجزئ ويكفي، ولا يحتاج إلى أن يؤذن غيره، فإذا أذن مؤذن المسجد فإنه يجزئ عن غيره، ولا يحتاج إلى أن كل واحد يؤذن كما يكون في السفر، لو كان الإنسان وحده فإنه يؤذن ولو كان وحده، أما أن يكون في الحضر والناس جماعة، فإنه يكفي أذان واحد منهم.وقد أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى، وأنه جاء جماعة من الشباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسوا عنده عشرين ليلة، وكانوا يتفقهون، ويتعلمون، فلما رآهم قد اشتاقوا إلى أهليهم، وقد مكثوا هذه المدة، وهي عشرين ليلة، سألهم عمن وراءهم، فأخبروه، ثم قال: (ارجعوا إلى أهليكم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه هؤلاء الجماعة من الشباب، وتغربوا من بلدهم وجلسوا في المدينة يلازمون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتحملون عنه، ويأخذون عنه الحق والهدى، فلما طالت المدة عليهم، ورأى أنهم قد اشتاقوا إلى أهليهم؛ لمكثهم هذه المدة، وهي عشرون ليلة سألهم عمن وراءهم، أي: سألهم عن أهليهم، وكان عليه الصلاة والسلام رحيماً رفيقاً، رحيماً بأمته رفيقاً بهم، وقد وصفه الله عز وجل بذلك في قوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، فهذا وصفه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه الذي وصفه الله تعالى به، والذي وصفه به أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (علموهم ومروهم)، معناه: أن الإنسان إذا حصل شيئاً من العلم فإنه يبذله، وإذا تعلم ولو شيئاً قليلاً فإنه يبلغ ذلك الشيء الذي تحمله؛ لأن هؤلاء الشباب الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلسوا عنده عشرين ليلة، وأخذوا منه ما أخذوا قال لهم: (ارجعوا إلى أهليكم وعلموهم ومروهم)، أي: بالشيء الذي أرشدهم إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأوامر التي أمرهم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنهم يبلغونها من وراءهم.ثم قال: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، أي: واحد من الناس في الحضر يكفي عن غيره، وكذلك في السفر، إذا كانوا مجموعة واحدة فيؤذن واحد منهم، ولكن الإمامة يتولاها الأكبر، والرسول صلى الله عليه وسلم قال هنا: (وليؤمكم أكبركم)، مع أنه جاء في حديث أبي مسعود الأنصاري البدري قوله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم سناً)، وقد جعل الكبر في السن متأخراً عن هذه الأمور؛ لأن هؤلاء متساوون فيما قبل ذلك؛ وذلك لأنهم جاءوا وهم شباب، وجلسوا مدة، وتعلموا ما تعلموا من القرآن جميعاً، وتعلموا ما تعلموا من السنة جميعاً، فكانوا متساويين في هذه الأمور، فلم يقل: (يؤمكم أقرأكم)؛ لأنهم متساوون في هذه الأشياء.فإذاً: يكون التمييز بعد ذلك عند التساوي لمن يكون أكبر، وهذا هو التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فهو لا يعارضه، بل المعول على حديث أبي مسعود.
تراجم رجال إسناد حديث (... إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)
قوله: [أخبرني زياد بن أيوب].وزياد بن أيوب لقبه دلويه، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا إسماعيل].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أيوب].وهو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي قلابة عن مالك].قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (... إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن سلمة فقال لي أبو قلابة: هو حي، أفلا تلقاه؟ قال أيوب: فلقيته فسألته، فقال: لما كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فذهب أبي بإسلام أهل حوائنا، فلما قدم استقبلناه، فقال: جئتكم والله من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، فقال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً)].وهنا أورد النسائي حديث سلمة بن قيس الجرمي أنه لما كان عام الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وبادر الناس إلى الدخول في الإسلام، وجاءت كل جماعة بمن يخبر بإسلامها، وأنها دخلت في الإسلام -كان أبوه، أي: أبو عمرو الذي هو سلمة بن قيس الجرمي- ذهب يخبر بإسلام قومه، فلما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جئتكم والله من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، قال: (صلوا صلاة كذا في حين كذا)، أي: هذا مما أخبرهم به، ومما علمهم إياه رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله: (فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً)، فهذا محل الشاهد، قوله: (فليؤذن أحدكم)، أي: واحد منهم يتولى الأذان، ثم يؤمهم أكثرهم قرآناً، وهذا حديث سلِمة بن قيس الجرمي مطابق لما جاء في حديث أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري في صحيح مسلم، حيث قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)؛ لأنه هنا قال: (وليؤمكم أكثركم قرآناً)، فهذا يدل على أن الأقرأ هو الذي يقدم، وما جاء في حديث مالك بن الحويرث من أنه يؤمهم أكبرهم؛ لأنهم كانوا متساوين في القراءة كما عرفنا، فصار الحكم للأكبر، أما إذا كانوا ليسوا متساوين في القراءة فإن التقديم يكون للأكثر قرآناً كما جاء ذلك في حديث أبي مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري، وكما جاء في حديث سلمة بن قيس الجرمي هذا، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (وليؤمكم أكثركم قرآناً)، ومحل الشاهد منه قوله: (فليؤذن لكم أحدكم).قال: (لما كانت وقعة الفتح)، أي: فتح مكة قوله: (بادر كل قوم بإسلامهم) وقد حصل ما أخبر الله عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، فدخل الناس في دين الله أفواجاً؛ وذلك أن أهل مكة الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والذين هم أشد الناس مناوأة له، ومعاداة له لما دخلوا في الدين غيرهم تبعهم في ذلك؛ لأن هؤلاء هم الرءوس الذين كانوا مناوئين، وقاموا بمعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله عليه مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ودخل هؤلاء في الدين، دخل الناس في دين الله أفواجاً، فذهب من كل جماعة، من يخبر بإسلامها، وأنها دخلت في الدين، وكان سلمة بن قيس الجرمي ذهب بإسلام قومه، يخبر بأن قومه دخلوا في الإسلام، وأنهم دخلوا في دين الله عز وجل قوله: (بإسلام أهل حوائنا)، والمقصود بالحواء البيوت المجتمعة على ماء، هذا يقال له: الحواء، فذهب بإسلام قومه، يخبر بإسلام قومه ويبشر بإسلام قومه، فلما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (جئتكم والله من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً، وأخبر أنه قال: صلوا صلاة كذا في وقت كذا، وصلاة كذا في وقت كذا، ثم قال: وليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً).
تراجم رجال إسناد حديث (... إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً)
قوله: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب].وهو إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وأبو داود.[حدثنا سليمان بن حرب].هو: سليمان بن حرب الأزدي البصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن زيد].هو:حماد بن زيد بن درهم، وهو بصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أيوب].هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وقد تقدم.[عن أبي قلابة].وقد تقدم أيضاً.[عن عمرو بن سلمة].هو عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي، وهو صحابي صغير، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي. وهو الذي جاء عنه في البخاري أنه لما جاء بهذا الخبر عن أبيه، بحثوا ووجدوه أنه أقرأهم، فقدموه، أي: قدموا عمرو بن سلمة الجرمي، وكان صغيراً، فقدموه في الإمامة لكونه أقرأهم لكتاب الله عز وجل، وكان إذا جاء أحد من عند الرسول صلى الله عليه وسلم لقيه وتعلم منه شيئاً من القرآن، فكان أقرأ قومه، أو أكثرهم معرفة بالقرآن، أو حفظاً للقرآن وحملاً للقرآن فقدموه. وعمرو بن سلمة يروي عن أبيه.وهو سلمة بن قيس الجرمي، وهو صحابي من أصحاب رسول الله، وهو الذي وفد على الرسول يخبر بإسلام قومه كما في الحديث الذي معنا، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، مثل ابنه عمرو بن سلمة.وأيوب يروي عن أبي قلابة عن عمرو بن سلمة، يعني: هذا الحديث كان يرويه عنه بإسناد نازل، ثم إنه قال: إن عمرو بن سلمة حي، لو أنك لقيته وأخذت عنه، فلقيه أيوب وروى عنه مباشرة، فصار الإسناد عالياً؛ لأنه أسقط أبا قلابة بعد أن لقي عمراً؛ لأنه يكون بهذا أيوب عن عمرو بن سلمة الجرمي عن أبيه سلمة بن قيس الجرمي.
المؤذنان للمسجد الواحد
شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المؤذنان للمسجد الواحد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة : المؤذنان في المسجد الواحد، أي: أن تعدد المؤذنين في المسجد الواحد -بأن يكون واحد يؤذن في وقت، وهذا يؤذن في وقت- سائغ وجائز، وليس المقصود بأنهما يؤذنان معاً دفعة واحدة في آن واحد، وإنما يتناوبان ويتعاقبان، بحيث يؤذن هذا لوقت، وهذا لوقت.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، أي: في الصيام، حتى ينادي ابن أم مكتوم، فهذان مؤذنان، هذا يؤذن أذان، وهذا يؤذن أذان، بلال يؤذن الأذان الأول الذي قبل طلوع الفجر، وابن أم مكتوم يؤذن الأذان الذي عند دخول الوقت الذي يمنع الأكل ويحل الصلاة؛ لأن الأذان الثاني إذا جاء جاء وقت الصلاة، وجاء الامتناع من الأكل، وأما الأذان الأول فإنه يبيح الأكل ويمنع الصلاة؛ لأنه ما جاء الوقت؛ لأن صلاة الفجر لا تجوز إلا بعد دخول الوقت الذي هو الأذان الثاني، ومن يريد أن يصوم فليأكل فإنه يباح له في ذلك الوقت الذي هو قبل الأذان الثاني.فإذاً: الأذان الأول يحل الأكل ويمنع الصلاة التي هي صلاة الفجر، والأذان الثاني يمنع الأكل ويحل الصلاة التي هي صلاة الفجر، ومحل الشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم له مؤذنان يؤذنان في مسجده؛ بلال يؤذن الأذان الأول الذي قبل طلوع الفجر، وعبد الله بن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني الذي هو عند دخول الوقت.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، المشهور، أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة التي حصل لأصحابها أتباع عنوا بتدوينها والعناية بها فاشتهرت، وإن كان يوجد في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم علماء مشهورون من الفقهاء، إلا أنه ما حصل لهم كما حصل لهؤلاء أناس عنوا بفقههم.وحديث مالك بن أنس أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن دينار].وهو عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن فيه بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: قتيبة، ومالك، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن عمر، فهو من أعلى الأسانيد عند النسائي، وهؤلاء الرواة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث المتقدم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا نداء ابن أم مكتوم)، وهو مثل الذي قبله، وقوله: (كلوا واشربوا)، هذا أمر للإباحة، معناه يباح لكم أن تأكلوا في هذا الوقت الذي هو قبل الأذان الثاني، فهو مباح لكم، وأحل لكم أن تأكلوا، وتشربوا في هذا الوقت؛ لأن هذا وقت ليس وقت صيام، وإنما هو من الليل، وإذا طلع الفجر الثاني وأذن ابن أم مكتوم، عند ذلك يجب الامتناع ويتحتم الامتناع عن الأكل والشرب؛ لأنه دخل وقت الصيام.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. [حدثنا الليث].هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، محدث مصر وفقيهها، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، [عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، وهو محدث، فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروحديث ابن شهاب أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين رووا عن صغار الصحابة، وقد روى عن أنس بن مالك، وقد مر بنا بعض الأحاديث التي رواها الزهري عن أنس بن مالك. [عن سالم].هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة هم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فهؤلاء الستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال:أحدها: أنه سالم بن عبد الله بن عمر الذي معنا.والثاني: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.والثالث: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.ويروي عن أبيه عبد الله بن عمر، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
هل يؤذنان جميعاً أو فرادى
شرح حديث: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [هل يؤذنان جميعاً أو فرادى؟أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)].وهنا أورد النسائي هذه التراجم وهي: هل يؤذنان جميعاً أو فرادى؟ أي: هذان المؤذنان للمسجد الواحد، هل يؤذنان جميعاً أو يؤذنان فرادى؛ بأن يؤذن هذا في وقت وهذا في وقت؟ والمقصود من ذلك أنهما يؤذنان فرادى؛ لأن الحديث الذي أورده، أن هذا يؤذن على حدة، وهذا يؤذن على حدة، هذا يؤذن أذان، وهذا يؤذن أذان، ولا يؤذنان دفعة واحدة بأن يناديان سواء. وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم).وهذا هو المقصود من التراجم؛ أي: إذا أذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن، أي: بين أذان هذا وأذان هذا أكل وشرب، يعني مباح، وسائغ وجائز، وليس بواجب ولازم أن الإنسان يأكل، وإنما يباح له أن يأكل إذا أراد أن يأكل؛ لأنه لا يزال في الليل. قالت: (وليس بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)، أي: أن الوقت متقارب، وليس المقصود أن هذا ينزل وهذا يصعد في الحال، وإنما هذا ينزل ثم هذا يستعد ويتهيأ، ثم يؤذن، فبينهما وقت؛ لأن الحديث جاء كما سيأتي ليوقظ النائم، وليرجع القائم، أي: حتى يستريح وينام نومة خفيفة إذا كان يتهجد في الليل حتى يستعد لصلاة الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن مكتوم...)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، المحدث، الثقة، الثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة. [حدثنا حفص].وهو ابن غياث، هو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عن عمر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهو الذي يقال له: عبيد الله المصغر، وهو الثقة، الثبت، بخلاف أخيه عبد الله المكبر فإنه ضعيف.[عن القاسم].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، والذين ذكرتهم آنفاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].القاسم يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين؛ لأنه عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهي الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها مما رميت به من الإفك في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية التي أكثرت من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفزوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث: (إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن هشيم أخبرنا منصور عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا)].وتحت هذه الترجمة كذلك أورد النسائي حديث أنيسة بنت خبيب الصحابية التي روت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا)، وهذا الحديث يخالف الأحاديث المتقدمة من أن بلالاً هو الذي يؤذن بالليل، وأن الناس يأكلون ويشربون حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فمن العلماء من قال: إن فيه قلب، وأن الأصل هو كما جاء في الروايات الأخرى: (إذا أذن بلال فكلوا واشربوا، وإذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا)، فيكون مقلوباً، والصحيح أنه ليس بمقلوب، بل هو ثابت، ولكن هذا كان في بعض الأحوال، وقيل: إنه كان في أول الأمر كان ابن أم مكتوم يؤذن أولاً، وبلال يؤذن أخيراً، ثم صار الأمر على أن بلالاً هو الذي يؤذن في الأول، وابن أم مكتوم هو الذي يؤذن في الآخر.
ابو الوليد المسلم
01-21-2026, 11:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(118)
- (باب الأذان في غير وقت الصلاة) إلى (باب رفع الصوت بالأذان)
بين الشرع الحكيم العلة من الأذان قبل دخول الوقت، وذلك ليوقظ النائم ويرجع القائم، وبين وقت أذان الصبح، وأنه عندما يظهر الفجر الصادق المعترض في الأفق، وأن السنة في الأذان رفع الصوت فيه؛ والسنة للمؤذن عند الحيعلتين تحريك الرأس يميناً وشمالاً.
الأذان في غير وقت الصلاة
شرح حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الأذان في غير وقت الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن بلالاً يؤذن بليل؛ ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم، وليس أن يقول هكذا، يعني في الصبح)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: الأذان في غير وقت الصلاة.أي: قبل دخول الوقت، والمراد من ذلك أذان الفجر الأول الذي يكون في آخر الليل قبل طلوع الفجر، والغرض منه كما جاء في الأحاديث: إرجاع القائم، وإيقاظ النائم.وقد أورد النسائي فيه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إن بلالاً يؤذن بليل)، أي: قبل طلوع الفجر، (ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم) أي: الذي كان مشتغلاً بالتهجد، فإنه ينام نومة خفيفة يستريح بها قبل دخول الوقت، ويوقظ النائم حتى يستعد ويتهيأ للصلاة.ثم قال: (وليس أن يقول هكذا، يعني: في الصبح)، وهذا إشارة إلى أن ذلك الأذان يكون عند طلوع الفجر الكاذب الذي يكون ممتداً في الأفق، وليس المعترض في الأفق الذي هو الفجر الصادق، فإنه أشار إلى أنه ليس أن يقول هكذا -هذا الأذان- عند دخول الوقت الذي يكون فيه الفجر معترضاً في الأفق، ويتزايد الضوء حتى تطلع الشمس؛ لأن الفجر فجران: فجر صادق، وفجر كاذب، والفجر الكاذب: هو الذي يكون مستطيلاً في الأفق، يظهر من جهة المشرق ويمتد فوق.أما الفجر الصادق: فهو الذي يكون معترضاً في الأفق، ويتزايد حتى تطلع الشمس، فهنا أشار: (وليس أن يقول هكذا)، أي: في الصبح، اي: ليس ذلك الوقت الذي يؤذن فيه هو الوقت الذي يكون فيه الصبح أو الفجر معترضاً، بل الذي يكون مستطيلاً يقال له: الفجر الكاذب.والمقصود من هذه الترجمة: أن الأذان حصل قبل دخول الوقت، وذلك للاستعداد والتهيؤ ممن يكون نائماً؛ ليستيقظ ويستعد ويتهيأ، لاسيما إذا كان عليه اغتسال، ثم من يكون متهجداً مشتغلاً بصلاة، فإنه يعلم قرب الوقت، فينام نومة خفيفة يستعد فيها لصلاة الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو المحدث، الفقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الأوصاف العالية التي لم يظفر بها إلا قليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا المعتمر بن سليمان].هو ابن سليمان بن طرخان التيمي، ويلقب بـالطفيل، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو سليمان بن طرخان التيمي، ويقال له: التيمي ليس لأنه من بني تيم، ولكنه نزل في التيميين فنسب إليهم، يعني: هذه النسبة ليست لكونه منهم، ولكنه نزل فيهم فنسب إليهم، وهو ثقة، ثبت، عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي عثمان].هو النهدي، وهو: عبد الرحمن بن مل أو مل مثلث الميم، يعني: يصلح في الميم الأوجه الثلاثة: الضم، والفتح، والكسر، فكل ذلك صحيح، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مخضرم من المخضرمين.[عن ابن مسعود].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد علماء الصحابة، وهو ليس من العبادلة الأربعة في الصحابة؛ لأنه متقدم الوفاة، والمراد بالعبادلة الصغار المتقاربون في السن، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وحديث عبد الله بن مسعود أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وقت أذان الصبح
شرح حديث أنس في وقت أذان الصبح
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وقت أذان الصبح.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه: (أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصبح؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن حين طلع الفجر، فلما كان من الغد أخر الفجر حتى أسفر، ثم أمره، فأقام فصلى، ثم قال: هذا وقت الصلاة)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب: وقت أذان الصبح.أي: أنه يكون عند طلوع الفجر، والمراد بذلك الفجر الثاني المعترض في الأفق، والذي يتزايد الضوء والنور في الأفق حتى تظهر الشمس، فوقت أذانه عند طلوع الفجر، وأورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصبح؟ فأمر بلالاً أن يؤذن حين طلع الفجر). فهذا هو وقت أذان الفجر.قال: (وفي اليوم الثاني أخر الفجر حتى أسفر، ثم أمره فأقام فصلى، ثم قال: هذا وقت الصلاة)، أي: أن وقت الصلاة ممتد، ولكنها تفعل في أول الوقت، ويبكر بها، ويبادر بها، ويجوز تأخيرها في الوقت، ولكن المبادرة بها هي الأفضل، وهي المطلوبة؛ لأن فيها المبادرة إلى الخير، والمسارعة إلى التخلص من أداء الواجب والفرض الذي افترضه الله عز وجل. إذاً: فـالنسائي ذكر الترجمتين، الترجمة الأولى قبل الوقت، والترجمة الثانية في الوقت، فالترجمة الأولى تعتبر في الأذان الأول الذي يكون في الليل، والترجمة الثانية تكون في الوقت، أي: في أوله، أي: عند طلوع الفجر الذي يكون عنده أو يحل معه الإتيان بالصلاة ويحرم معه -الأذان- الأكل والشرب لمن يريد الصيام.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في وقت أذان الصبح
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن راهويه الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا يزيد].هو ابن زريع، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد].هو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وقد خدمه عشر سنوات، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا، وأدركهم صغار التابعين ورووا عنهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد الذي هو: إسحاق بن إبراهيم يروي عن يزيد بن زريع، ويزيد بن زريع عن حميد، وحميد عن أنس من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه رباعي، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، ومثل النسائي في هذا: مسلم، وأبو داود، فهؤلاء الثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم ثلاثيات، أما الثلاثة الباقون، وهم: البخاري، والترمذي، وابن ماجه فعندهم أسانيد ثلاثية، فعند البخاري اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه خمسة أحاديث كلها بإسناد واحد ثلاثيات.
كيف يصنع المؤذن في أذانه
شرح حديث أبي جحيفة في انحراف المؤذن يميناً وشمالاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يصنع المؤذن في أذانه.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فخرج بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه هكذا؛ ينحرف يميناً وشمالاً)].هنا أورد النسائي رحم الله هذه الترجمة: باب كيف يصنع المؤذن في أذانه.أي: هل يثبت على هيئة واحدة مستقبلاً القبلة، أو أنه يلتفت يميناً وشمالاً؟ السنة جاءت بأنه يستقبل القبلة في أذانه إلا في الحيعلة فإنه يلتفت يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح، يلتفت لليمين والشمال، عند حي على الصلاة حي على الفلاح.وقد أورد النسائي حديث أبي جحيفة وهو ابن عبد الله السوائي رضي الله تعالى عنه: (أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج بلال فأذن فجعل يقول بأذانه هكذا، ينحرف يميناً وشمالاً)، ويقول هنا بمعنى يفعل، وهي من إطلاق القول ويراد به الفعل، والمراد من ذلك أنه يلتفت عند الحيعلة يميناً وشمالاً، وأما غير ذلك فإنه يكون مستقبلاً القبلة، يعني: في حال أذانه.والمقصود بذلك رأسه؛ أي: لا يلتفت بجسمه، وإنما يلتفت برأسه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي جحيفة في انحراف المؤذن يميناً وشمالاً
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا وكيع].هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان].وهو غير منسوب والمراد به الثوري؛ لأنه إذا جاء سفيان غير منسوب ويروي عنه وكيع فالمراد به الثوري وليس ابن عيينة، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن أبي جحيفة].عون بن أبي جحيفة ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو وهب بن عبد الله السوائي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:00 AM
رفع الصوت بالأذان
شرح حديث أبي سعيد الخدري في رفع الصوت بالأذان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع الصوت بالأذان.أخبرنا محمد بن سلمة أنبأنا ابن القاسم عن مالك حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: رفع الصوت بالأذان.لأن المقصود بالأذان هو: إعلام الناس بدخول الوقت، فيرفع الصوت حتى يحصل إسماع الناس، وحتى يحصل بلوغ ذلك إلى الناس، فيحضرون إلى الصلاة، ويتوجهون إلى الصلاة، والأذان فيه: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ أي: تعالوا هلموا وأقبلوا، فيرفع الصوت به حتى يحصل المقصود من الأذان الذي هو إبلاغ الناس دخول الوقت، فيتوجهون إلى المساجد لأداء الصلوات، وكذلك تقوم النساء اللاتي صلاتهن في البيوت في الإتيان بالصلاة؛ لأنهن علمن بأن الوقت قد دخل حيث حصل الأذان. وأورد النسائي فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي قال فيه لـعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك؛ فإنه لا يسمعك إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد لك يوم القيامة)، والمقصود منه قوله: (فارفع صوتك).ثم قال أبو سعيد: (سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا يبين بأنه مرفوع -هذا الذي قاله- لأنه أولاً أرشده إلى أن يفعل هذا الفعل، ثم بين له بأنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك الكلام الذي قاله أبو سعيد لـابن أبي صعصة مرفوعاً، ومسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم هذا من الأمور التي لا مجال للاجتهاد فيها، ولا مجال للرأي، ولو لم يأت التصريح برفعه فهو مرفوع حكماً؛ لأنه إخبار عن أنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له، فهذا لا يقال بالرأي، ولكن مع هذا فالتنصيص قد وجد برفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال أبو سعيد رضي الله عنه: (سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم).وفي هذا بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من التنبيه إلى فعل الخير، وإلى الترغيب في السنن والأخذ بها وتعليمها، وبيان ما اشتملت عليه من الأجر، حتى يأخذ من أرشد إلى ذلك بها، ويعلم الأجر الذي جعله الله عز وجل لمن يقوم بهذا العمل، فالحديث دال على رفع الصوت، بل إن الأذان هو المقصود به رفع الصوت؛ حتى يحصل إعلام الناس، وحتى يحصل توجه الناس إلى المساجد؛ بكونهم علموا بأن الوقت قد دخل بحصول الأذان وبسماعهم الأذان، وقد جاء في حديث قصة ابن أم مكتوم الذي جاء وقال: (إنه بعيد الدار، وأنه ليس له قائد يلائمه إلى المسجد، قال: هل تسمع النداء؟ -هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح- قال: نعم، قال: فأجب)؛ أي: هذا هو المقصود بالأذان، وهذا المقصود بالنداء؛ وهو أن الناس يعلمون دخول الوقت، فيتوجهون إلى المساجد، ثم أيضاً فيه فضل الأذان، فالحديث يدل على فضل الأذان، وأن المؤذن يشهد له يوم القيامة من يسمع صوته من جن وإنس وأي شيء، فإنه يشهد له يوم القيامة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في رفع الصوت بالأذان
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء خرجوا حديث محمد بن سلمة.[أنبأنا ابن القاسم].هو عبد الرحمن صاحب مالك، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب الأربعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبيه].وأبوه ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، أي: الذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه. [أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال له].أبو سعيد هو راوي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سعيد هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، مشهور بكنيته ونسبته أبو سعيد الخدري، وهو من الصحابة المشهورين، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـأبو سعيد الخدري رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث أبي هريرة: (المؤذن يغفر له بمد صوته ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا يزيد يعني: ابن زريع حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عثمان عن أبي يحيى عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعه من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المؤذن يغفر له بمد صوته، ويشهد له كل رطب، ويابس)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو دال على ما ترجم له المصنف من مد الصوت أو رفع الصوت بالأذان، وحديث أبي هريرة يقول: (إن المؤذن يغفر له بمد صوته، ويشهد له كل رطب، ويابس)، فهو دال على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن رفع الصوت بالأذان هو المقصود من الأذان؛ لأن المقصود به: إسماع الناس في بيوتهم حتى يحضروا إلى المساجد، وفيه فضل الأذان، وأن الإنسان يغفر له، وأنه يشهد له كل رطب ويابس، فهو دال على فضيلة الأذان، وعلى عظم أجره عند الله عز وجل، وأنه من أسباب المغفرة لصاحبه، وأنه يشهد له كل رطب ويابس يوم القيامة بما حصل منه من هذا العمل الصالح الذي هو ذكر الله عز وجل، ورفع الصوت بذلك؛ لمناداة الناس لأن يحضروا إلى المساجد.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (المؤذن يغفر له بمد صوته...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود هذا هو البصري، كنيته أبو مسعود، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده. [ومحمد بن عبد الأعلى].أما محمد بن عبد الأعلى فهو صنعاني، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[قالا: حدثنا يزيد يعني: ابن زريع].هو ابن زريع، والراويان عن يزيد هما: إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى، وقد قالا: يزيد في روايتهما عنه، لكن من دون تلميذيه هو الذي يقول: يعني: ابن زريع؛ لأن من دون التلميذ هو الذي يحتاج إلى أن يعبر بمثل هذه العبارة، وأما التلميذ فلا يحتاج إلى أن يعبر، بل ينسب شيخه كما يريد، وقد يذكر نسبه من خمسة أسماء أو ستة أسماء؛ لأن الكلام كلامه، وأما من دونه فإنه لا يزيد على كلام التلميذ، وإذا أراد أن يوضح فليأت بعبارة مثل: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، فكلمة يعني تقدمها اثنان، وهما محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود، فالمناسب أن يقال: يعنيان، أو يعني: كل واحد منهما، إذا بقيت على ما هي عليه، يعني: كل واحد منهما، يعني: ابن زريع .ويزيد بن زريع ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو صف من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عثمان].موسى بن أبي عثمان، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبي يحيى].هو المكي، يقال: اسمه سمعان، وهو مقبول، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبي هريرة].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن صخر، أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عن أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث البراء بن عازب: (... المؤذن يغفر له بمد صوته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي إسحاق الكوفي عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب، ويابس وله مثل أجر من صلى معه)].ثم أورد النسائي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم)، أي: الصف الأول، وهذا يدلنا على فضل الصف الأول، وهو من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل الصف الأول، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، وهو دال على فضل النداء، وقوله: (لو يعلم الناس ما في النداء)، أي: الأذان، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها)، فهو من الأحاديث الدالة على فضل الصف الأول، والمؤذن يغفر له بمد صوته، وهو بمعنى حديث أبي هريرة المتقدم. وقوله: (ويصدقه من سمعه من رطب ويابس)، معناه: يشهد له بالصدق، وأنه قد صدق فيما قال.وقوله: (وله مثل أجر من صلى معه)؛ لأنه هو الذي تسبب في دعوة الناس إلى الخير، (ومن دعا إلى هدى فله مثل أجر فاعله)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على فضيلة الأذان من وجوه متعددة، منها: كونه يغفر له، ويصدقه من سمعه ويشهد له، وله مثل أجر من صلى معه، أي: صلى معه إذا كان إماماً، أو مع إمامه الذين يقتدي به، وسبب حصول هذا الأجر أنه تسبب في دعوة الناس إلى الخير، وندائهم إلى الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دل إلى هدى فله مثل أجر فاعله)، وقال: (من دعا إلى هدى كان له من أجره مثل أجور من تبعه)، فهو يدل على فضيلة الأذان، وعلى عظم أجر المؤذن. وليس فيه دليل على أنه يقول: صدقت وبررت عند قوله: الصلاة خير من النوم، هذا قد قاله بعض الفقهاء، لكن ليس فيه حديث يدل عليه، وعموم الحديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، يدل على أنه يقول: الصلاة خير من النوم كما يقول المؤذن، ولا يخالف السامع المؤذن إلا في حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أما ما عدى ذلك فمقتضى الحديث أنه يقول كما يقول.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب (... المؤذن يغفر له بمد صوته ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الزمن، وكنيته أبو موسى ولقبه الزمن، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله في ذلك محمد بن بشار، ومثله في ذلك يعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ أي: سنة اثنتين وخمسين ومائتين. [حدثنا معاذ بن هشام].هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، ومعاذ هذا صدوق يهم، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثني أبي].وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي إسحاق الكوفي].وهو السبيعي، وأبو إسحاق السبيعي، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع هم جزء من همدان، وهي نسبة خاصة، وينسب إلى همدان نسبة عامة؛ أي: الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة، فهو مشهور بالنسبة إلى سبيع وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن البراء بن عازب].صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصحابي ابن الصحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
المقدم في الإمامة بالناس
السؤال: كيف نجمع بين رواية مالك بن الحويرث الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)، وحديث عمرو بن سلمة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً)؟الجواب: أنا أجبت على هذا في الدرس الفائت، وهو أن حديث عمرو بن سلمة يدل على من يقدم في الإمامة وهو الأكثر قرآناً، ومثله حديث أبي مسعود، وعقبة بن عامر الأنصاري البدري الذي رواه مسلم في صحيحه، والذي فصل فيه من يتولى الإمامة ورتبهم، فقال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً)، فجعل السن متأخراً بعد القراءة وبعد السنة وبعد التقدم في الهجرة، وحديث مالك بن الحويرث قال: (ليؤمكم أكبركم)؛ لأن هؤلاء الذين جاءوا وتعلموا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا متماثلين فيما أخذوه من القرآن، وفيما أخذوه من السنة، وحديث عمرو بن سلمة يدل على أن المقدم هو من يحفظ القرآن، وحديث أبي مسعود يدل على أن المقدم هو من يكون أكثر حفظاً للقرآن، ثم يليه من يكون أعلم بالسنة، ثم يليه من يكون أقدم هجرة، ثم يليه من يكون أكبر سناً.
لا يشترط أن يتولى المؤذن الإقامة
السؤال: إذا أذن المؤذن للصلاة، فهل بإمكان أي شخص آخر إقامتها؟ أعني هل يشترط أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة؟الجواب: يمكن أن يقيم غير المؤذن، ليس من شرط الإقامة أن يكون الذي يقيم هو الذي يؤذن، بل يجوز أن تكون الإقامة من شخص، والأذان من شخص آخر.
حكم أكل غير الصائم من الطعام الذي يوضع في المسجد النبوي للصائمين
السؤال: هل يجوز لغير الصائم أن يجلس ويأكل من سفر الصائمين التي تقام في المسجد النبوي يوم الاثنين والخميس؟الجواب: أولاً: إذا كان صاحب الطعام أذن لمن يأكل سواء كان صائماً أو غير صائم، فهذا إليه؛ لأن صاحب الطعام هو الذي يملك الإذن لمن يأكل، فإذا كان يخصه بالصائمين فلا يأكل معهم سواهم، وإن كان مبذولاً لمن يتقدم للأكل، سواء كان صائماً أو غير صائم، فالأمر يرجع إلى المالك الباذل، فإنه يكون بإذنه، وهو الذي يكون عليه التعويل، لكن كون الإنسان يأكل وهو غير صائم فقد يظن به أنه صائم، فيخشى عليه أن يكون من الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا؛ أي: يأكل مع الناس الصائمين، ويظن أنه صائم وهو غير صائم، ويكون في ذلك محذور. السؤال: هل صحيح ما ينسب إلى مقاتل بن سليمان بأنه اتهم بوضع الحديث، أرجو أن تعطي ترجمة موجزة له؟الجواب: لا أدري، ولا أعرف شيئاً عنه الآن.
حكم الأذان في المسجد وعدم الالتفات يميناً وشمالاً
السؤال: ما حكم الأذان داخل المسجد وعدم تحريك الرأس يميناً وشمالاً عند قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح؟الجواب: الأذان لا يكون إلا داخل المسجد، ما دام المكبرات أمام الإنسان والسماعات على رءوس المآذن، فالأذان الآن يكون داخل المسجد، ولا أحد يصعد للمئذنة؛ لأنه لا حاجة للصعود إليها؛ لأن الصوت يصعد وينطلق من بواسطة الكهرباء، ويسمعه الناس من قرب ومن بعد.أما عدم الالتفات فهذا خلاف السنة، ويصح الأذان بدون التفات، لكن السنة أن الإنسان يلتفت عند الحيعلة يميناً وشمالاً، وإذا حصل أذان بدون التفات فإنه يصح.
حكم استخدام الوسائل الحديثة في الأذان وغيره من الشعائر
السؤال: هل يجوز لنا أن نقدم التطورات العلمية مثل مكبر الصوت على الشرع، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعض العلماء يرخصون في عدم تحريك الرأس؛ لأن علة التحريك ذهب بسبب المكبر؟الجواب: أولاً: قضية استخدام مكبر الصوت ليس فيه معارضة للسنة، بل هو وسيلة أدت إلى إسماع الناس، وتبليغ الصوت إلى أماكن بعيدة، وهذا من فضل الله عز وجل على الناس، إذ يسر لهم هذه الوسائل التي يصل الصوت إلى أماكن بعيدة بواسطة الكهرباء، فاستعمال مكبر الصوت ليس فيه تقديم لاستعمال التطورات العلمية على الشرع، بل هو تسخير لهذه الوسائل العلمية التي حصلت أخيراً في تطبيق وتنفيذ الشرع؛ لأن الشرع جاء بأنه يمد الصوت بالأذان، وأنه يرفع الصوت بالأذان، وهذا مما يحقق رفع الصوت، ويحقق بلوغ الصوت إلى أماكن شاسعة، فما فيه تقديم وتأخير، بل فيه استعمال لهذه الوسائل في الأذان، وتطبيق ما جاء في الشرع. أما بالنسبة للحيعلة والالتفات، فإنه يلتفت ولو وجد مكبر الصوت، فإن الإنسان يلتفت يميناً وشمالاً عند الأذان ولو كان في داخل المسجد، والسنة يجب أن تنفذ دائماً وأبداً، وإن كان المكبر موجوداً عند الإنسان فإنه يلتفت يميناً وشمالاً.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:02 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(119)
(باب التثويب في أذان الفجر) إلى (باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة)
يستحب التثويب في أذان الفجر، وهو قول: الصلاة خير من النوم، وإذا نزل المطر يزاد في الأذان عبارة: صلوا في رحالكم.
التثويب في أذان الفجر
شرح حديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر
قال المصنف رحمه الله: [باب: التثويب في أذان الفجر.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سفيان عن أبي جعفر عن أبي سلمان عن أبي محذورة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أقول في أذان الفجر الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: التثويب في أذان الصبح. المراد بالتثويب هنا هو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، هذا هو المراد بالتثويب، والتثويب في الأصل هو: العود إلى الإعلام بعد الإعلام، ولهذا قيل للإقامة: تثويب، وقد جاء في الحديث: ( إن الشيطان إذا سمع الأذان ولى وله ضراط، فإذا انتهى الأذان رجع حتى يوسوس للناس، فإذا ثوب -إذا نودي بالإقامة- هرب كما هرب عند الأذان ) فهنا قيل في الإقامة: ثوب، وقيل لها: تثويب؛ لأنها عود إلى الإعلام، وكما أن الأذان إعلام بدخول الوقت، فالإقامة إعلام بالقيام إلى الصلاة.وقيل لقول المؤذن: الصلاة خير من النوم: تثويب؛ لأن له وجه؛ يعني: في العود بعد الإعلام، لكن ليس بواضح، وإنما الواضح هو الإقامة، لكنه أطلق على الصلاة خير من النوم تثويب، ولهذا بوب النسائي فقال: باب التثويب في أذان الفجر, أي: قول: الصلاة خير من النوم.وقد أورد النسائي فيه حديث أبي محذورة رضي الله تعالى عنه (أنه كان يقول في أذانه عندما يقول: حي على الفلاح، يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وهذا في الأذان الأول من أذان الصبح -أذان الفجر- والحديث واضح في أن التثويب إنما هو في الأذان الأول، أي: الذي يكون قبل دخول الوقت، والموجود في بلاد المسلمين هو أن التثويب يكون في الأذان الثاني، وقد جاء في بعض الأحاديث فيها ذكر إطلاق التثويب في أذان الصبح، كما جاء عن أنس: ( من السنة أن المؤذن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم ), فهذا لفظ مطلق، وحديث أبي محذورة فيه بيان أن التثويب إنما يكون في الأذان الأول, والذي يكون في آخر الليل, وقبل طلوع الفجر، والغرض منه إيقاظ النائم، وإرجاع القائم؛ أي: لينام نومة خفيفة؛ ليتهيأ لصلاة الصبح, وكون التثويب في بلاد المسلمين يكون في الأذان الثاني والذي هو عند دخول الوقت؛ لأن الأذان الأول ليس بلازم أن يحصل في كل مسجد من المساجد، بل لو لم يحصل لم يكن هناك المحذور الذي يحصل فيما إذا ترك الأذان لصلاة الصبح. وأما الأذان الذي هو النداء للصلاة، فهذا أمر لازم لابد منه، ولا يجوز تركه, والأذان الثاني هو الذي فيه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وهو كغيره من حصول الأذان في الأوقات الأخرى؛ لأن كل صلاة يؤذن لها عند دخول الوقت فيها، ولابد من الأذان، فكل مسجد من المساجد يؤذن عند دخول الوقت. أما بالنسبة للأذان الأول فليس بلازم أن كل مسجد يؤذن، ولا يلزم لزوم الأذان الثاني، وصار الإتيان بالصلاة خير من النوم إنما هو في الأذان الثاني، ولا شك أن في ذكر الصلاة خير من النوم تمييز بين الأذانين، ومعرفة للأذان الأول من الأذان الثاني، وإذا عرف عند الناس بأن الصلاة خير من النوم إنما تكون في الأذان الأول اتضح لهم ذلك، وإذا عرف أنها تكون في الأذان الثاني اتضح لهم ذلك، فيكون العلم بالتمييز بين الأذانين الأول والثاني بهاتين الجملتين: الصلاة خير من النوم, الصلاة خير من النوم, وموضعها كما جاء في الحديث بعد حي على الفلاح، وقبل الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
تراجم رجال إسناد حديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو المروزي، وهو ثقة، وخرج له الترمذي, والنسائي. [حدثنا عبد الله].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة, ثبت, إمام، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام, المحدث, الفقيه, الثقة, الثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي جعفر].قال عنه في التقريب: شيخ لـسفيان الثوري وهو مجهول، وخرج له النسائي، وقيل: إنه أبو جعفر الفراء، وأبو جعفر الفراء ثقة، وخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، والنسائي. وقد جاء في الإسناد الثاني الذي ذكره النسائي أن أبا عبد الرحمن قال: وليس هو الفراء، وفي نسخة تحفة الأشراف أن الذي قال ليس هو الفراء هو: عبد الرحمن بن مهدي أحد الرواة في الإسناد، وقد ذكر في تحفة الأشراف أنه جاء من بعض الطرق أن الراوي الذي روى عنه سفيان هو أبو جعفر الفراء، وكذلك جاء من طرق أخرى أنه الفراء، فيحتمل أن يكون الفراء، ويحتمل أن يكون شيخاً مجهولاً لـسفيان، وسواء كان أبا جعفر الفراء الذي هو ثقة، أو ذلك المجهول الذي هو شيخ لـسفيان فإن ذلك لا يؤثر؛ لأن أحاديث التثويب، وقول: الصلاة خير من النوم جاءت عن أبي محذورة من طرق أخرى، وقد تقدم بعضها، وجاءت أيضاً في بعض الأحاديث الأخرى التي هي غير حديث أبي محذورة، فتلك الجهالة لا تؤثر على صحة الحديث؛ لأن الحديث ثابت من طرق أخرى. [عن أبي سلمان]. هو أبو سلمان المؤذن، وهو مقبول، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، وقد خرج حديثه النسائي وحده.[أبي محذورة].أبو محذورة قيل: اسمه أوس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذنه، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية.
طريق أخرى لحديث أبي محذورة في التثويب في أذان الفجر وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه, قال أبو عبد الرحمن: وليس بـأبي جعفر الفراء].هذا إسناد آخر ذكره وأشار إلى أن المتن نحو هذا المتن، وفيه قال أبو عبد الرحمن: ليس هو الفراء أبو جعفر، وأبو عبد الرحمن هو النسائي. لكن -كما ذكرت- في تحفة الأشراف التنصيص على أن الذي قال هذا الكلام هو: عبد الرحمن بن مهدي الذي هو أحد الرواة في هذا الإسناد، والذي يروي هو ويحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري، وعلى هذا فيكون شيخاً لـسفيان الثوري، وهو مجهول كما قال الحافظ في التقريب. قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو الفلاس، وهو ثقة, ناقد، وله كلام كثير في الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي في التراجم -تراجم الرجال- وقال الفلاس:كذا، والمراد بـالفلاس هو عمرو بن علي هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى وعبد الرحمن].هو ابن سعيد القطان, المحدث, الثقة, الثبت, الناقد، المتكلم في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وعبد الرحمن بن مهدي أيضاً كذلك محدث, ناقد، ومتكلم في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهذان الرجلان وهما: يحيى بن سعيد القطان, وعبد الرحمن بن مهدي ذكرهما الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا جرحا شخصاً، أو اتفقا على جرح شخص، فإنه لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما يصيبان الهدف فيما يقولان.[قالا: حدثنا سفيان].هو الثوري وقد تقدم، وكذلك بقية الإسناد الذين هم: الثوري, وأبو جعفر, وأبو سلمان, وأبو محذورة، فهؤلاء هم الذين في الإسناد الذي قبل هذا.
آخر الأذان
شرح حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: آخر الأذان.أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى حدثنا الحسن بن أعين حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه قال: آخر الأذان: الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله].هنا أورد النسائي رحمه الله الترجمة هذه وهي: باب: آخر الأذان؛ أي: ختام الأذان ونهايته، بم يختم؟ وما هي نهايته؟ فأورد حديث بلال: (أن آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله).قال بعض الشراح: ولعل التنصيص على آخرية الأذان بقوله: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)؛ حتى لا يتوهم أن التكبير في آخر الأذان, كالتكبير في أول الأذان؛ لأن التكبير في أول الأذان يربع؛ أي: يؤتى به أربع جمل، وأما في آخر الأذان يؤتى به مثنى؛ يعني: جملتان فقط، وكذلك كلمة التوحيد: لا إله إلا الله مفردة، وهي اللفظة الوحيدة التي تأتي مفردة في الأذان؛ لأن بقية الألفاظ مكررة، إما مرتين، وإما أربع مرات، فالتكبير في الأول أربع مرات، وشهادة أن لا إله إلا الله مرتين، وشهادة أن محمداً رسول الله مرتين، وحي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، والله أكبر قبل الآخر مرتين، ولا إله إلا الله مرة واحدة.وجاءت مرة واحدة؛ لأن إفرادها يناسب معنى التوحيد، وهو إفراد الله وحده لا شريك له، وأن الله تعالى هو الواحد في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.وكلمة الإخلاص التي جاءت النصوص على أنه يحرص على أن تكون بها ختام هذه الحياة الدنيا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فمن ختم له بلا إله إلا الله فهو على خير.
تراجم رجال إسناد حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
قوله: [أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى].هو الحراني، وهو ثقة، وخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا الحسن بن أعين].هو الحسن بن محمد بن أعين، وأحياناً ينسب إلى جده -كما هنا- فيقال: الحسن بن أعين، وهو صدوق، وخرج له البخاري, ومسلم, والنسائي.[حدثنا زهير].هو ابن معاوية الكوفي، وهو ثقة, ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعمش، ويأتي ذكره أحياناً باسمه ونسبه، فيقال: سليمان بن مهران، وأحياناً يقال: سليمان، وكثيراً ما يأتي في لقبه الأعمش، ومعرفة ألقاب المحدثين من أنواع علوم الحديث، وفائدة معرفتها ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين, إذا ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وسليمان شخص آخر، والذي يعلم بأن سليمان بن مهران لقب لـالأعمش, فلا يلتبس عليه الأمر. [عن إبراهيم].هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث, فقيه, ومعروف بالفقه, وكما أنه معروف بالحديث، وهو الذي ذكرت -فيما مضى-: أنه عبر بعبارة وهي قوله: (ما لا نفس له سائلة, في مثل الجراد، والذباب، وأمثالها التي لا دم لها، فقد عبر عنها بـ (ما لا نفس له سائلة)؛ يعني: ليس له دم سائل، ويقولون: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ويذكرون لذلك حديث الذباب؛ أي: الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم ليلقه وليشرب)، قالوا: فإن الغمس قد يكون الماء حاراً، فإذا غمس مات، والرسول أرشد إلى استعماله، فلو كان يتنجس لما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى استعماله وغمسه، ثم استعمال الماء بعد غمسه، فهذا دليل على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، وذكر ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد حيث قال: وأول من حفظ عنه أنه عبر بهذه العبارة، فقال: ما لا نفس له سائلة هو إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة, مخضرم، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بلال].هو ابن رباح مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو من السابقين الأولين، ومؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:05 AM
حديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود أنه قال: ( كان آخر أذان بلال: الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله )].ثم أورد النسائي رحمه الله الحديث من طريق أخرى، عن إبراهيم عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، وهو مثل الذي قبله، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، هذا هو نهاية الأذان، التكبير مرتين، وكلمة التوحيد مرة واحدة، هذا هو آخر الأذان، وهذا هو ختام الأذان. قوله: [أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله].هو سويد بن نصر, وعبد الله هو ابن المبارك المروزي، وقد مر ذكرهما في الإسناد الماضي.[عن سفيان].هو الثوري، وقد مر ذكره أيضاً.[عن منصور].هو ابن المعتمر، وهو كوفي, ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم, عن الأسود].عن إبراهيم عن الأسود، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
طريق ثالثة لحديث بلال: (آخر الأذان: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد أخبرنا عبد الله عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود مثل ذلك].ثم أورد النسائي رحمه الله إسناد آخر هو مثل الإسناد الذي قبله، إلا أن فيه الأعمش, بدل منصور بن المعتمر، والأعمش مر ذكره في إسناد قبل هذا.وقد وقع في بعض النسخ التنصيص على مثل ما كان في العبارة في المتن الذي قبله، كان آخر أذان بلال: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)، وهنا قال: (مثل ذلك)؛ يعني: في بعض النسخ كلمة (مثل ذلك)، وفي بعضها نفس العبارة التي مرت، وهي آخر أذان بلال: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله)، وكلمة (مثل ذلك)، تعني: هي هذه؛ لأنه إذا قيل: (مثل) فمعناه: أنه مطابق للمتن الذي قبله تماماً بألفاظه ومعانيه، وبخلاف إذا قيل: (نحوه)، فإنه لا يطابقه في الألفاظ، ولكن يتفق معه في المعنى، وقد يخالفه في بعض الألفاظ.
حديث أبي محذورة: (أن آخر الأذان: لا إله إلا الله) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله عن يونس بن أبي إسحاق عن محارب بن دثار حدثني الأسود بن يزيد عن أبي محذورة: ( أن آخر الأذان: لا إله إلا الله )].ثم أورد النسائي رحمه الله حديث أبي محذورة أن آخر الأذان: (لا إله إلا الله)؛ يعني: كلمة الإخلاص مفردة مرة واحدة. قوله: [أخبرنا سويد حدثنا عبد الله].وقد مر ذكرهما في الأسانيد الماضية.[عن يونس بن أبي إسحاق].هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو أبو إسرائيل، وهو صدوق, ويهم قليلاً، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محارب بن دثار].هو محارب بن دثار، وهو ثقة, عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني الأسود بن يزيد].الأسود عن أبي محذورة وقد مر ذكرهما في الأسانيد الماضية.
الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة
شرح حديث رجل من ثقيف في النداء في الليلة المطيرة بالصلاة في الرحال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس أنه كان يقول: أخبرنا رجل من ثقيف، أنه سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم - يعني: في ليلة مطيرة - في السفر يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب الأذان في التخلف عن شهود الجماعة في ليلة مطيرة. يعني: الأذان المشتمل على الإذن بالتخلف عن الجماعة في ليلة مطيرة، وقد أورد النسائي فيه حديث رجل من ثقيف: (أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح قال: صلوا في رحالكم)، وهذا إذن وترخيص، وليس إيجاباً وإلزاماً؛ لأن من أراد أن يأتي فليأت، لكن من أراد أن يتخلف فله مندوحة، وله عذر، وقد أذن له في ذلك، فمن أراد أن يصلي في رحله، أي: في منزله، فله ذلك، لكن من أراد أن يأتي وقد سمع حي على الصلاة حي على الفلاح، يعني: هلموا وأقبلوا, فليأت، ومن أتى فعلى خير، ومن بقي فقد رخص له أن يبقى، وأن يتخلف عن الجماعة.
تراجم رجال إسناد حديث رجل من ثقيف في النداء في الليلة المطيرة بالصلاة في الرحال
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو المكي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عمرو بن أوس].هو عمرو بن أوس بن أبي أوس الثقفي الطائفي، وهو من كبار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا رجل من ثقيف].قال: (أخبرنا رجل من ثقيف)، وهذا يقال له: المبهم، فعندما يقال: رجل، فهو مبهم، وإذا ذكر الشخص غير منسوب يقال له: مهمل، مثل: سفيان غير منسوب، هل هو ابن عيينة أو الثوري؟ فيقال له: مهمل، ولكن إذا قيل: رجل أو امرأة، هذا يسمى المبهم، وهذا في غير الصحابة يؤثر، أما في الصحابة فإن الإبهام لا يؤثر مادام عرف أنه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنها لا تؤثر جهالته، ولا يؤثر عدم علم عينه ولا حاله؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدول بتعديل الله عز وجل لهم وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين، وتوثيق الموثقين بعد أن عدلهم رب العالمين وعدلهم رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا يكفي أن يقال عن الواحد: من أصحاب رسول الله، أو عن رجل من أصحاب رسول الله، أو عن رجل صحب رسول الله، أو ما إلى ذلك من العبارات، فالجهالة في الصحابة لا تؤثر، رضي الله تعالى عنهم وأرضهم.
شرح حديث ابن عمر في النداء في البرد والمطر بالصلاة في الرحال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع: (أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في الرحال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال)].ثم أورد النسائي حديث ابن عمر وهو أنه كان في ليلة باردة وريح شديدة، فقال في الأذان: صلوا في رحالكم، ثم أسند ذلك إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لمناديه، أي: لمؤذنه، أن يقول في الأذان: (صلوا في رحالكم)، والمقصود من ذلك -كما ذكرنا- هو الترخيص والإذن، وليس الإيجاب والإلزام، فإن من أراد أن يأتي إلى المسجد وقد سمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح فليأت، ولكن من أراد أن يتخلف فله رخصة، ولهذا جاءت الترجمة: الأذان في التخلف عن حضور الجماعة في ليلة مطيرة؛ يعني: من أراد أن يتخلف فليتخلف.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في النداء في البرد والمطر بالصلاة في الرحال
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث, الفقيه، صاحب المذهب المعروف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].هو مولى ابن عمر، وهو ثقة, ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن ابن عمر].رضي الله تعالى عنهما، وقد فعل ذلك وأسنده إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن عمر هو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عمرو, وعبد الله بن عباس, وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الثلاثة الذين في الإسناد، وهم: مالك عن نافع عن ابن عمر هي السلسلة التي قال عنها البخاري: إنها أصح الأسانيد.
الأسئلة
تحديد التثويب في الأذان
السؤال: هل تحديد التثويب بالأذان الأول ثبت من طرق أخرى غير طريق أبي جعفر؟الجواب: نعم؛ لأن نفس الطريق هذه التي عن أبي محذورة سبق أن مرت عند النسائي من طريق أخرى ليست من هذه الطريق، وفيها ذكر التثويب، وكذلك أيضاً عند غير النسائي.
حكم حلق الرأس كاملاً
السؤال: هل يجوز للرجل حلق رأسه كاملاً، وهل يكون ذلك تشبهاً بالخوارج، وقد جاء في وصفهم في الحديث: (سيماهم التحليق)؟الجواب: نعم، هذا هو المعروف عن الخوارج، أن سيماهم التحليق، والمعروف من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يحلق رأسه في النسك، يعني: في الحج والعمرة، وكما هو معلوم أن مجرد الحلق عندما يحصل لا يكون فيه تشبه بالخوارج، لكن الخوارج هذا شأنهم، وهذه طريقتهم، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يحلق رأسه في النسك.
معرفة رمز البخاري في جزء القراءة
السؤال: ما هو رمز البخاري في جزء القراءة؟الجواب: رمزه في جزء القراءة زاي.
كيفية معرفة القبول بعد الاستخارة
السؤال: كيف يعرف الإنسان إذا صلى الاستخارة أن الله اختار له هذا الأمر، ورضي له بفعله؟الجواب: إذا مالت نفسه إليه، فإنه يقدم عليه، وهذا هو الطريق المشروع؛ يعني: أن الإنسان عندما يستخير، فإذا مالت نفسه إلى الفعل فعل، وإذا مالت نفسه إلى الترك ترك، وهذا هو الذي يستطيعه الإنسان، والتوفيق بيد الله عز وجل.
طرق معرفة علامات الاستخارة
السؤال: هل يكون ذلك بالرؤيا، أم بالراحة النفسية، أم بغير ذلك؟الجواب: كما هو معلوم: قضية الرؤيا ما نعلم شيء يدل عليها، لكن الإقدام -كما هو معلوم- إنما يكون بانشراح الصدر، أو الإحجام، فقد ينشرح صدره لأن يقدم، ويرى أنه ارتاح، فيقدم عليه، أو يرى أن نفسه منشرحة ومرتاحة إلى الترك، فإنه يترك.
معنى قوله: (في رحالكم)
السؤال: ما معنى قوله: في رحالكم؟الجواب: المراد بالرحال: المنازل, هذا المراد بها، سواء كان في السفر، أو في الحضر، يعني: رحل الإنسان منزله، وسواء كان بيتاً أو خيمة، وهذا هو المقصود بالرحال، والحديث في قصة: ( صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف، فلما صلى، وإذا برجلين قد جلسا ناحية، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، قال: ما لكما لم تصليا معنا؟ قالا: إنا قد صلينا في رحالنا )؛ يعني: منازلهم من منى، كان ذلك في مسجد الخيف في منى، (صلينا في رحالنا) يعني: في منازلنا، كذلك الحديث الآخر: ( إن الإنسان يصلي، ثم يرجع إلى رحله في أقصى المدينة )، يعني: منزله، فالرحل هو المنزل، كما أن الرحل أيضاً يطلق على ما يوضع على البعير، ويركب عليه الراكب، يعني: يطلق على هذا ويطلق على هذا.
أجر من صلى في بيته عند وجود العذر
السؤال: إذا صلى الرجل في بيته على حصير رخصة المطر، هل يكون له أجر من صلى في المسجد جماعة؟الجواب: لا شك أن من رخص له وأذن له، فله أجر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل وهو قائم مقيم)؛ لأنه مرخص له في حال السفر أن يأتي بتلك الأعمال التي كان يأتي بها في الحضر، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له أجرها، فمن رخص له، فهو يرجى أن يكون له ذلك الأجر.
حكم اقتناء التلفاز
السؤال: هل التلفاز حلال شراؤه؟ وهل يجوز أن ينظر إليه أم لا؟الجواب: ينبغي للإنسان أن يستغني عن التلفاز, وفي ذلك الخير الكثير له.
حكم مجالسة صاحب المرض المعدي
السؤال: بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم، فقوله: (قل بسم الله توكلاً على الله)، فهل معنى هذا: أن الأكل مع من فيه مرض مؤذٍ خطير متوكل على الله؟الجواب: لا بأس بذلك، لكن كون الإنسان يأخذ بالأسباب المشروعة، وهي عدم الإقدام على الشيء الذي فيه مضرة لا شك أن ذلك خير، وإذا فعل فالأمر كما قال الرسول: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: أن الأمور كلها ترجع إلى قضاء الله وقدره، وإلى إرادته ومشيئته، ومن المعلوم: أن أول مجذوم ما حصل له إعداء، وإنما حصل بإيقاع البلاء عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك بقوله: (فمن أعدى الأول؟)، فإذا كانت القضية أن المرض يأتي من مريض، أو الصحيح ينتقل إليه مرض المريض، فالمريض الأول من أعداه؟ أي: المسألة كلها ترجع إلى إرادة الله تعالى ومشيئته.
حكم الدخان والشيشة
السؤال: ما حكم الدخان والشيشة؟الجواب: الشيشة هي نوع من أنواع الدخان فيه زيادة في الخبث والسوء، وأما الدخان فهو حرام بلا شك، والأدلة على تحريمه منها قول الله عز وجل في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، ومن المعلوم: أن هذا ليس من الطيبات، فإذاً: هو من الخبائث، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وهذا لا شك أنه من إضاعة المال، بل يضاف إلى ذلك أن فيه إهلاك للنفس، وقتل للنفس، وجلب للأمراض والأسقام، والله عز وجل يقول: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، ومن المعلوم: أن شرب الدخان فيه جلب المضرة إلى النفس.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:07 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(120)
- (باب الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما) إلى (باب الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة)
بينت السنة أحكام صلاة الفوائت والصلاتين المجموعتين بالنسبة للأذان والإقامة، وأنه يكتفى بأذان واحد لجميعها وأن الإقامة تتعدد بتعدد الصلوات.
الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما
شرح حديث جابر في الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما.أخبرنا إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله قال: (سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى إلى بطن الوادي خطب الناس، ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما. مراد النسائي بهذه التراجم كما هو واضح منها: أن الأذان لمن يجمع بين الصلاتين يكون في وقت الأولى منهما، وكذلك يكون في وقت الثانية منهما كما سيأتي، ولكن هذه التراجم معقودة للأذان في الجمع بين الصلاتين في وقت الأولى من الصلاتين، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى عرفة في حجة الوداع وجد القبة قد نصبت له بنمرة، فنزل بها حتى زاغت الشمس، ثم إن الناقة رحلت له، ثم إنه سار حتى جاء بطن الوادي فخطب الناس في ذلك المكان، ثم أذن بلال وأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين، ولم يصل بينهما شيئاً )، أي: أنه أذن أذاناً واحداً قبل الأولى منهما، وأقام للأولى, ثم أقام للثانية, ولم يتنفل بينهما، ولم يصل بينهما، أي: بين الصلاتين، والحديث واضح للدلالة على ما ترجم له المصنف, من جهة الاستدلال به على الأذان للجمع بين الصلاتين في وقت الأولى من الصلاتين، وهذا الذي حصل إنما هو الجمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع في يوم عرفة، جمع بين الظهر والعصر، وأذن في وقت الأولى منهما، ثم أقيم للظهر، ثم أقيم للعصر، وهذا الحديث قطعة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما الطويل في صفة حجة الوداع.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في الأذان لمن يجمع بين الصلاتين في وقت الأولى منهما
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن هارون]. وهو البلخي العابد، وهو ثقة, خرج له النسائي, والترمذي في الشمائل. [حدثنا حاتم بن إسماعيل] .وهو صدوق يهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وجعفر هذا هو المشهور بـالصادق، وهو أحد أئمة أهل السنة, الذين يحبونهم أهل السنة، وينزلونهم منازلهم؛ وذلك أن أهل السنة والجماعة من كان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, من المتقين ومن المؤمنين فإنهم يحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو مذهبهم، وهذه طريقتهم في أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، يحبونهم ويتولونهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، فكل من كان مؤمناً تقياً يحبونه لله ومن أجل الله، ولكنه إذا كان من أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام فيحبونه لتقواه، ولقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم: أن المؤمن الذي يكون من أهل البيت جمع له بين شرف الإيمان, وشرف النسب، ولكن إذا وجد شرف النسب، وما وجد الإيمان، أو وجد العصيان، فإن النسب لا يفيد شيئاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، يعني: من بطأ به عمله عن دخول الجنة فليس نسبه هو الذي يسرع به إليها، وإنما المعول على الأعمال الصالحة، كما قال الله عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، ويقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسوقد وضع الشرك النسيب أبا لهبفـسلمان الفارسي رفعه الله بالإسلام، وأعزه الله بالإسلام، وأما أبو لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم فخذله الله عز وجل بالشرك، ووضعه بالشرك.فـجعفر الصادق صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه]. وهو محمد بن علي بن الحسين الملقب بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن جابر بن عبد الله].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابي ابن الصحابي، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما
شرح حديث جابر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما.أخبرني إبراهيم بن هارون حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن جابر بن عبد الله قال: (دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئاً) ].هنا أورد النسائي الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما، أي: في وقت الثانية, يعني: الأذان للجمع بين الصلاتين جمع تأخير يكون في وقت الثانية منهما، والتراجم السابقة في وقت الأولى منهما، والثانية في وقت الثانية منهما، يعني: بعد ذهاب وقت الأولى, ودخول وقت الثانية يؤذن للصلاتين المجموعتين التي ذهب وقتها، والتي دخل وقتها؛ لأنه إذا كان في وقت الأولى، فهو جمع تقديم، وإذا كان في وقت الثانية, فهو جمع تأخير.وأورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو بالإسناد المتقدم من رواية إبراهيم بن هارون البلخي عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دفع إلى المزدلفة، ووصل إليها أذن, أو أمر بلالاً فأذن وأقام وصلى المغرب، ثم أقام وصلى العشاء، ولم يصل بينهما. فهو مثل الذي قبله إلا أن ذاك في الجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، وهذا في الجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء، فهو شاهد لما ترجم له النسائي، وهو حصول الأذان لمن جمع بين الصلاتين بعد ذهاب وقت الأولى منهما، وبعد دخول وقت الثانية منهما، ويكون ذلك بأذان واحد وإقامتين، هكذا فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
شرح حديث ابن عمر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: (كنا معه بجمع، فأذن ثم أقام فصلى بنا المغرب، ثم قال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هكذا صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان) ].وهنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان بجمع -أي: المزدلفة- أُذن للصلاة، ثم أقيمت الصلاة للمغرب، ثم صلاها، ثم قال: الصلاة، فصلى العشاء ركعتين)، وهو مثل الذي قبله، يعني: من حيث أنه حصل الأذان، ثم أقيمت الصلاة، أي: المغرب، ثم بعد الفراغ منها أقيمت صلاة العشاء، لكن في هذا الحديث: (ثم قال: الصلاة)، وهذا غير محفوظ، يعني: بعدما فرغ من الصلاة التي هي المغرب لم يثبت أنه قال: (الصلاة)، ولكن المحفوظ أنه: (ثم أقام)، يعني: كما حصلت الإقامة للمغرب حصلت الإقامة للعشاء، وهذا هو المحفوظ، وقد نبه على هذا الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود، حيث قال: إن قوله: (ثم قال: الصلاة) هذا غير محفوظ، والمحفوظ أنه: (ثم أقام) يعني: بدل (قال) (ثم أقام)، وهذا هو المتفق مع الروايات الأخرى، أن فيه أذان، ثم إقامة لصلاة المغرب، ثم إقامة لصلاة العشاء، ولم يأت في شيء من الأحاديث أنه قال: الصلاة بين تلك الصلاتين، وإنما المحفوظ أنه أقام، أي: حصلت الإقامة لصلاة العشاء بعد الفراغ من صلاة المغرب.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الأذان لمن جمع بين الصلاتين
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو ابن إياس السعدي المروزي ثقة, حافظ، خرج حديثه البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي. [حدثنا شريك].وهو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[سلمة بن كهيل].وهو سلمة بن كهيل الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي ابن الصحابي، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب, وعبد الله بن عمرو بن العاص, وعبد الله بن الزبير بن العوام, وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فهؤلاء أربعة صحابة أبناء صحابة، اشتهروا بوصف العبادلة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قيل في مسألة من المسائل: قال بها العبادلة الأربعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد بهم هؤلاء الأربعة، وليس ابن مسعود منهم, كما ذكر ذلك بعض أهل العلم؛ لأن: ابن مسعود توفي قبلهم بمدة، حيث توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وأما هؤلاء أربعة فكانوا في زمن واحد، وعمروا, وعاشوا, حتى لقيهم كثير من التابعين, الذين لم يلقوا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع، وعبد الله بن عمر بن الخطاب هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
الإقامة لمن جمع بين الصلاتين
شرح حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن جمع بين الصلاتين.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن حدثنا شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير: (أنه صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة، ثم حدث عن ابن عمر أنه صنع مثل ذلك، وحدث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك)].هنا أورد النسائي هذه التراجم, وهي الإقامة لمن جمع بين الصلاتين، وأورد تحت هذه التراجم حديث عبد الله بن عمر (أنه صلى المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة)، يعني: هذا اللفظ الذي هو أن المغرب والعشاء جمع بينهما بإقامة واحدة غير محفوظ، والمحفوظ أنه بإقامتين، كما جاء ذلك في صحيح البخاري, وفي غيره، فيكون هذا اللفظ الذي هو الاكتفاء بإقامة واحدة شاذاً، والمحفوظ أنه حصل بإقامتين؛ لأن حجة الرسول صلى الله عليه وسلم هي واحدة، وجمعه في مزدلفة إنما هو مرة واحدة، وقد جاء في بعض الروايات: أنه بإقامتين، وجاء في بعضها أنه بإقامة، والمحفوظ أنه بإقامتين، فيكون ما جاء من الرواية أنه بإقامة واحدة شاذاً، والشاذ: هو ما يرويه الثقة مخالفاً لمن هو أوثق منه، ورواية الأوثق هي أنه حصلت إقامتان، ورواية الثقة أنه حصلت إقامة واحدة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو المكنى بـأبي موسى الملقب الزمن، وهو ثقة, من صغار شيوخ البخاري، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة، وبدون واسطة، فهو شيخ للبخاري, ولـمسلم، ولـأبي داود, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه. [حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي، المحدث, الثقة, الثبت, المشهور, المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، الثقة, الثبت, الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع لم يظفر به إلا النادر أو القليل من المحدثين، ومنهم: شعبة هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة, فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وسلمة بن كهيل].وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
شرح حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا إسماعيل وهو ابن أبي خالد حدثني أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمع بإقامة واحدة)].وهنا أورد النسائي الحديث من طريق أخرى، والإسناد المتقدم كما عرفنا رجاله كلهم ثقات، وكلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، فأولهم: محمد بن المثنى الملقب الزمن، وبعده عبد الرحمن بن مهدي، وبعده شعبة بن الحجاج.وهذا الإسناد أيضاً هو من قبيل الشاذ، ومقابله المحفوظ، وهو أن ذلك بأذان واحد وإقامتين، والمقصود بإقامة لكل من الصلاتين، هذا هو الذي يتفق مع الرواية الأخرى، وأما أن يكون بإقامة واحدة للصلاتين فهذا شاذ مخالف لما جاء في الروايات الكثيرة التي فيها أن ذلك حصل بأذان واحد وبإقامتين.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة واحدة لمن جمع بين الصلاتين من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس المحدث، الناقد، الثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو ثقة, ناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إسماعيل وهو ابن أبي خالد].المقصود من ذلك أن يحيى بن سعيد القطان قال في روايته: إسماعيل فقط، ولم يزد عليها، ولكن من دون يحيى بن سعيد القطان أراد أن يوضح من هو إسماعيل، فأتى بنسبه باسم أبيه، ولكنه قال: هو ابن أبي خالد حتى لا يظن أن هذا كلام يحيى بن سعيد القطان؛ لأن يحيى بن سعيد القطان لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما من دون يحيى هو الذي يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، أو هو ابن أبي فلان، وإسماعيل بن أبي خالد هذا ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه لما مثل للطبقة الأولى من الرواة الذين يعول على روايتهم إذا وجدها ذكر منهم: إسماعيل بن أبي خالد .[حدثني أبو إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، مشهور بكنيته وهي أبو إسحاق.والهمداني، نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع جزء من همدان، وهو مشهور بالنسبة إلى سبيع، حيث يقال له: أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].وقد تقدم ذكره.
شرح حديث ابن عمر في الإقامة مرتين لمن جمع بين الصلاتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن وكيع حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم، عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بالمزدلفة؛ صلى كل واحدة منهما بإقامة، ولم يتطوع قبل واحدة منهما ولا بعد) ].وهنا أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وفيه: أن كل صلاة من الصلاتين في المزدلفة لها إقامة، وهذا هو المحفوظ الذي جاء عن النسائي وجاء عن غيره، فيكون ما تقدم من ذكر الاكتفاء بإقامة واحدة، أو الدلالة على الاجتزاء بإقامة واحدة أن ذلك غير محفوظ، بل المحفوظ أنه إقامتان؛ إقامة للمغرب, وإقامة للعشاء، والأذان واحد لهما، فما جاء في هذا الإسناد هذا هو المحفوظ، وهو الذي متفق مع ما جاء في الطرق الأخرى: من أنه بأذان واحد، وإقامتين، ولم يتنفل قبلها ولا بعدها، يعني: قبل هاتين الصلاتين ولا بعدهما.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الإقامة مرتين لمن جمع بين الصلاتين
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة, وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من المحدثين القلائل الذين وصفوا بهذا الوصف العالي، ولقبوا بهذا اللقب الرفيع، ألا وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن وكيع].وهو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة, ثبت, مصنف، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، من مؤلفاته الزهد لـوكيع بن الجراح.[حدثنا ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، وإلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، ويقال له: الزهري، وهو من المحدثين، ومن الفقهاء، ومن المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو الذي يقول فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: أنه أول من جمعه بتكليف من الخليفة، أما القيام بالكتابة وبجمع السنة فهذا حصل من أشخاص بجهود خاصة وليس بتكليف من ولي الأمر، ولكن الذي حصل من الزهري هو جمع بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.[عن سالم].وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من الفقهاء المحدثين، من ثقات التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، والفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين هم سبعة، ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه خلاف، فمن العلماء من قال: السابع: سالم بن عبد الله هذا، ومنهم من قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ومنهم من قال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أما الستة الذين لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فهؤلاء الستة لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة.سالم بن عبد الله بن عمر حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].عن أبيه، وقد تقدم ذكره.
الأذان للفائت من الصلوات
شرح حديث أبي سعيد الخدري في الأذان للفائت من الصلوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأذان للفائت من الصلوات.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: (شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس؛ وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عز وجل: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها) ].هنا أورد النسائي هذه التراجم وهي: باب الأذان للفائت من الصلوات. ثم أورد فيه حديث: أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، لكن ليس فيه الأذان للفائت، وإنما فيه ذكر الأذان للحاضرة التي هي المغرب، ولكن جاء في بعض الروايات أن الأذان كان في الأول، وعلى هذا فهو يكون للفائت التي هي الظهر والعصر، هذه هي الفائتة؛ لأنه بعد ما غربت الشمس فالمغرب وقتها موجود، ولكن التي فات وقتها هي الظهر والعصر، والأذان إنما هو للفوائت وللحاضرة، فأذن في الأول، فيكون الأذان للفوائت، يعني: أذن قبل الفوائت، وقد جاء أيضاً الأذان للفوائت بعد خروج الوقت في أحاديث أخرى، مثل: النوم عن صلاة الفجر، فإنه بعدما قام بعد طلوع الشمس أمر بلالاً فأذن، فصلوا الركعتين التي هي ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر، فحصل الأذان للفوائت، فجاء في بعض الروايات أن الأذان إنما حصل في الأول، فعلى ذلك يكون للفوائت، وأما على ما جاء في نفس الحديث الذي معنا، وبنفس الرواية فإن الأذان إنما هو للمغرب، والمغرب ليست فائتة؛ لأن المغرب في وقتها، وإنما الذي فات الظهر والعصر.يقول أبو سعيد رضي الله عنه: (شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس؛ وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل).يعني: وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، يعني: من مشروعية صلاة الخوف. (فأنزل الله عز وجل: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب:25]، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام لصلاة العصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها).
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد الخدري في الأذان للفائت من الصلوات
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].وهو الفلاس، وقد تقدم ذكره قريباً.[حدثنا يحيى] .وهو ابن سعيد القطان، وقد مر ذكره قريباً.[حدثنا ابن أبي ذئب].وقد مر ذكره أيضاً.[حدثنا سعيد بن أبي سعيد].وهو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن أبي سعيد].وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو ثقة خرج البخاري تعليقاً, وأخرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].وهو أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سعد بن مالك بن سنان، ولكنه مشهور بكنيته ونسبته أبي سعيد الخدري، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، المكثرين من رواية حديثه، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد والإقامة لكل واحدة منهما
شرح حديث ابن مسعود في الاكتفاء بأذان واحد للفائت من الصلوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد، والإقامة لكل واحدة منهما.أخبرنا هناد عن هشيم عن أبي الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة أنه قال: قال عبد الله: (إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء) ].وهنا أورد النسائي هذه التراجم وهي الاجتزاء لذلك كله بأذان واحد، والإقامة لكل واحدة منهما. قوله: (الاجتزاء لذلك كله بأذن واحد)، يعني: للفوائت يكتفى بأذان واحد، ويقام لكل صلاة من الصلوات الفائتة، وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.قوله: (إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق).شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق؛ الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولكن كما هو معلوم المغرب والعشاء يجمع بينهما، ووقت كل واحدة منهما وقت للأخرى. قوله: [عن عبد الله].وهو ابن مسعود، وقد تقدم ذكره.
الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة
حديث ابن مسعود في الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاكتفاء بالإقامة لكل صلاة.أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار حدثنا حسين بن علي عن زائدة حدثنا سعيد بن أبي عروبة حدثنا هشام أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: (كنا في غزوة، فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فلما انصرف المشركون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: ما على الأرض عصابة يذكرون الله عز وجل غيركم) ]. قوله: [أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار].وهو ثقة، خرج حديثه مسلم, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه .[حدثنا حسين بن علي].وهو الجعفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد بن أبي عروبة].تقدم ذكره.[حدثنا هشام].وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن أبا الزبير المكي حدثهم].تقدم ذكره.[عن نافع بن جبير].أيضاً تقدم ذكره.[أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
أداء صلاة الوتر في مزدلفة
السؤال: وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يتنفل قبل صلاة المغرب ولا العشاء في مزدلفة ولا بعد، فهل يسقط الوتر في تلك الليلة؟الجواب: ما يسقط، النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يحافظ على شيء من الصلوات في الحضر والسفر مثلما كان يحافظ على الوتر، وركعتي الفجر، فما كان يتركهما لا في حضر ولا في سفر، وإنما الذي حصل أنه ما تنفل بعدما صلى، ولا قبل ما صلى، لكنه لا يمكن أن يكون ما صلى في الليل وتره؛ لأنه كان يحافظ عليه في السفر، وكذلك ركعتا الفجر يحافظ عليهما في السفر، فالذي حصل أن النفي إنما هو للرواتب المتعلقة بالصلوات، أما الوتر فإنه لا يتعلق بالصلاة، وقته إلى طلوع الفجر، وقد جاء أنه كان يحافظ عليه، فهذا يدل على أن الإنسان لا يترك الوتر وهو في مزدلفة، بل يوتر.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:09 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(121)
- (باب الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة) إلى (باب إقامة كل واحد لنفسه)
يسن الأذان لمن أراد أن يصلي ولو كان منفرداً، والجماعة يكفيهم أن يؤذن ويقيم أحدهم، وأما بالنسبة لكيفية الأذان والإقامة فإن الأذان مثنى مثنى والإقامة مرة مرة، وهذا في الغالب، وإلا فإنه يوجد في الأذان ما يفرد وفي الإقامة ما يكرر.
الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة
شرح حديث معاوية بن حديج في الإقامة لمن نسي ركعة من الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس حدثه عن معاوية بن حديج: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوماً فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة، فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فدخل المسجد، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى للناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه فمر بي، فقلت: هذا هو، قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله)].يقول النسائي رحمه الله: (الإقامة لمن نسي ركعة من صلاة) التراجم التي ذكرها النسائي لفظها واضح، ومراده منها بين، وهو الإقامة عند إضافة الركعة التي نسيت من الصلاة، يعني: عندما يمضي عليها وقت يسير، وقد أورد النسائي فيه حديث معاوية بن حديج رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه، ثم لما انتهى من الصلاة أدركه رجل وقال له: إنه بقي ركعة، فدخل المسجد وأمر بلالاً بأن يقيم، فصلى تلك الركعة، قال: فأخبرت الناس بذلك، قالوا: أتعرف الرجل؟ -يعني: الذي أدركه، وأخبره بأنه نسي شيئاً من الصلاة- فقلت: لا، إلا أن أراه -يعني: أنه يعرفه بوجهه، ولكنه لا يعرف اسمه- فلما رآه قال: إن هذا هو، فإذا هو طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه).فالحديث معناه: هو أن من نسي ركعة من صلاته، ومضى عليه وقت يسير، ثم عاد وأتى بتلك الركعة، فإنه يقيم ويأتي بتلك الركعة، ثم يسلم، ومن المعلوم أن هذا فيه سهو، ولابد من سجود السهو وإن لم يذكر في الحديث، فعدم ذكره لا يدل على عدمه؛ لأن السهو للصلاة جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن حديج في الإقامة لمن نسي ركعة من الصلاة
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].وهو ابن سعد المصري، الثقة، الفقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب].وهو يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن سويد بن قيس حدثه].وسويد بن قيس ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن معاوية بن حديج].وهو معاوية بن حديج بالحاء، وهذا غير والد زهير بن معاوية بن حديج فوالد زهير متأخر، ومعاوية بن حديج -صحابي الحديث- متقدم، وهو صحابي صغير، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي فقط.
الكلام اليسير لمصلحة الصلاة لا يبطلها
(والحديث لفظه واضح، وقد خرجه أبو داود، والشيخ الألباني صححه، ولكن ما تكلم عليه في عون المعبود بشيء، ولم يأت له بشرح، وإنما أتى بالكلام المختصر، ولم يشرحه إلا في شيء يسير، ليس فيه توضيح هذه المسألة وبيان حكمها، وقد قال السندي في التعليق: لعل هذا الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من كونه أمر بلالاً فأقام من قبيل ما هو مباح، يعني في أثناء الصلاة؛ لأنه لما بنيت الركعة الأخيرة على الركعات المتقدمة كانت الصلاة كأنها متصلة، والكلام في أثنائها حصل لمصلحتها، وهذا - كما هو معلوم - شيء يسير، وقوله: (أدركه) معناه: أنه خرج، ثم إنه أدركه وأخبره فرجع، ومن المعلوم أنه عندما يصلي عليه الصلاة والسلام بأصحابه يذهب إلى بيته، وبيته متصل بالمسجد، وليس بينه وبين مصلاه إلا خطوات، فالمسافة يسيرة).
أذان الراعي
شرح حديث عبد الله بن ربيعة في أذان الراعي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أذان الراعي.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن ربيعة: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فسمع صوت رجل يؤذن، حتى إذا بلغ: أشهد أن محمداً رسول الله)، قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا لراعي غنم، أو رجل عازب عن أهله، فهبط الوادي فإذا براعي غنم، وإذا هو بشاة ميتة، قال: أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)].وهنا أتى النسائي بهذه الترجمة وهي باب أذان الراعي، والراعي هو راعي الغنم الذي يرعاها، يعني: راعي غنم أو إبل، وهنا راعي غنم، والمقصود بذلك هو الشخص المفرد الذي يكون وحده في الفلاة، فإنه يؤذن، وإنما ذكر الراعي ونص على الراعي -وإن كان المقصود من ذلك هو المفرد الذي يكون وحده- لأن القصة والحادثة إنما وقعت مع راعي، ولهذا جاءت التراجم منصوصاً فيها على الراعي، قال فيها: أذان الراعي، وإن كان المقصود منها أذان الشخص المفرد الذي يكون وحده فإنه يؤذن، ولا يقول: إن الأذان لا يكون إلا للجماعة، بل الإنسان يؤذن وحده ويرفع صوته بالأذان، وقد مر بنا أنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، ولا يسمعه رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة.فإذاً: حصول رفع الصوت بالأذان، ووجود الأذان من المفرد ولو لم يكن معه غيره هو السنة التي جاءت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا الحديث الذي أورده النسائي حديث عبد الله بن ربيعة، يحكي فيه أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر، فسمع صوت راع، أو صوت رجل يؤذن، فقال: هذا راعي غنم، أو هذا عازب عن أهله، فلما هبطوا الوادي وجد أنه راعي غنم يؤذن، فالرسول صلى الله عليه وسلم رأى شاة ميتة فقال: (أترون هذه هينة على أهلها؟ قالوا: نعم، قال: الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها)، يعني: من هذه الميتة على أهلها.المقصود منه أنه سمع صوت مؤذن، وقال الرسول: هذا راع، فهبطوا ووجدوه راعياً يؤذن، وقد جاء في هذا اللفظ الذي ذكره المصنف: قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، وهذا في بعض النسخ، وفي بعضها لم تذكر هذه الجملة، وقال الشيخ الألباني: إن هذه النسخة التي فيها ذكر: قال الحكم: لم أسمع هذا من ابن أبي ليلى، إن هذه نسخة ليست معتمدة، ولم يذكرها المزي في كتابه: تحفة الأشراف، وما نص عليها، والمعتمد غيرها الذي ليس فيه ذكر هذا النفي من الحكم أنه لم يسمع من ابن أبي ليلى، يعني: هذا إنما جاء في بعض النسخ، وفي بعضها ليس فيه هذا النفي، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال مثلما قال ذلك المؤذن، والحديث شاهد على ما ترجم له من حصول الأذان، وأن الرعاة الذين يرعون الإبل والغنم، ويكونون في الفلاة، وكذلك غيرهم ممن يكون في الفلاة فإنه يؤذن إذا جاء الوقت ويرفع صوته بالأذان؛ لأن ذلك فيه ذكر لله عز وجل، وفيه أيضاً رفع الصوت بذكر الله سبحانه وتعالى، وقد يسمعه أحد من بعد فيأتي ويهتدي إليه بسبب هذا الأذان، وحتى لو لم يكن هناك أحد يسمعه من الناس ويأتي إليه، فإنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مرَّت بعض هذه الأحاديث، وفي آخر الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى شاة ميتة، قال: (أترون هذه هينة على أهلها؟)، وكان عليه الصلاة والسلام يريد من تقديم هذا السؤال أن يبني عليه ما وراءه، ومن المعلوم أنهم سيقولون: إنها هينة، وهذا أمر معلوم؛ لأنهم ما تركوها إلا لهوانها عليهم؛ لأن الميتة لا تحل لهم، ولا قيمة لها عندهم، وهم يتركونها ويأنفون منها، فهي هينة على أهلها ليس لها قيمة عند أهلها، فلما قرر بهذا السؤال لهم هوانها على أهلها بيّن عليه الصلاة والسلام أن الدنيا أهون على الله من هذه، يعني: معناه أن الدنيا هينة، وأنها ليست بشيء عند الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)، فالدنيا كلها ليست بشيء، ولا قيمة لها بالنسبة للآخرة، و( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء )، وقد جاء في الحديث: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، فهي لا قيمة لها عند الله عز وجل، وإنما العبرة بالتزود فيها بالأعمال الصالحة، كما جاء في الحديث: (الدنيا ملعونة معلون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم)، هكذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان التنبيه على قيمة الشيء، أو على دناءة الشيء وهوانه بتقرير شيء قبله، فواضح أنها هينة، وأنها لا قيمة لها، ولا عبرة بها، وذلك كونه سألهم: (أترون هذه هينة على أهلها؟)، فلما قالوا: نعم، بعد ذلك أتى بالكلام الذي أراده، وجعل هذا تمهيداً له، وهو قوله: (الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها).
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن ربيعة في أذان الراعي
قوله: [أخبرنا إسحاق بن منصور].وهو ابن بهرام الكوسج، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي المحدث، الناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج، قد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].وهو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، كثيراً ما يأتي ذكره في الكتب خطأً فيقال فيه: الحكم بن عيينة، وليس هو الحكم بن عيينة، وإنما هو الحكم بن عتيبة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي ليلى].وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى المحدث، الفقيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله ابن اسمه محمد وهو ضعيف، وهو فقيه معروف بالفقه ومشهور بالفقه، ولكنه ضعيف في الحديث، وأبوه عبد الرحمن هذا من التابعين، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي روى عن كعب بن عجرة حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والذي قال فيه: (لقيني كعب بن عجرة وقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى، فاهدها إلي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذه هي الهدية التي أهداها كعب بن عجرة إليه، وهذا هو عبد الرحمن راوي حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب بن عجرة، والذي صدره كعب بن عجرة بقوله لـعبد الرحمن هذا ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن عبد الله بن ربيعة].وهو صحابي صغير، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي .
الأذان لمن يصلي وحده
شرح حديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الأذان لمن يصلي وحده.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه عن عقبة بن عامر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة؛ يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)].هنا أورد النسائي (أذان المصلي وحده) أي: الرجل الذي يصلي وحده وليس معه أحد، وهو مثل التراجم السابقة، إلا أن التراجم السابقة أتى بها بأذان الراعي، يعني: راعي الغنم أو راعي الإبل، وهنا أذان المصلي وحده، وهو بمعنى تلك التراجم؛ لأن الراعي هو وحده، يعني: يرعى الغنم ويرعى الإبل، ويؤذن ويصلي، وأتى بلفظ (الراعي) حيث قال: أذان الراعي؛ لأن القصة كانت مع راعي، وهنا قال: أذان المصلي وحده، وكما قلت: ليس المقصود هو الراعي، بل المقصود المنفرد الذي يكون وحده في الفلاة، فإنه يؤذن ويرفع صوته بالأذان. وقد أورد النسائي هنا حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل)، يعني: قطعة من جبل منبسطة، فيكون فيها راع ومعه غنمه يرعى، يؤذن ويصلي، يعني: يكون في ذلك الجزء من الجبل المكان المرتفع المنبسط، ترعى غنمه في ذلك المكان، وإذا جاء الوقت أذن وصلى، فيعجب الله عز وجل منه، ويقول: (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة؛ يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة)، والحديث يدل على مشروعية الأذان للمنفرد، وأن في ذلك الأجر العظيم من الله عز وجل، وأن الله تعالى يعجب من صنيع هذا أو من يكون كذلك، وفيه إثبات صفة العجب لله عز وجل على ما يليق بكماله وجلاله، وفيه: أن المنفرد يؤذن ويقيم، وفيه: أن ذلك من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب المغفرة من الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث: (يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية الجبل يؤذن بالصلاة ويصلي...)
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: مسلم من صاحبي الصحيح، وثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، وهم من عدا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن الحارث].وهو عمرو بن الحارث أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن أبا عشانة المعافري].واسمه حي بن يؤمن، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له الترمذي، ولا خرج له مسلم، ولا خرج له البخاري في الصحيح، وإنما خرج له في الأدب المفرد، وهو ثقة، وهو مصري أيضاً.[حدثه عن عقبة بن عامر الجهني].وهو أيضاً قد سكن مصر، فالحديث مسلسل بالمصريين، كله مسلسل بالمصريين، محمد بن سلمة المرادي المصري، وعبد الله بن وهب المصري، وعمرو بن الحارث المصري، وأبو عشانة المعافري المصري، وعقبة بن عامر الجهني، وهو أيضاً سكن مصر، فهو مسلسل بالمصريين.
الإقامة لمن يصلي وحده
شرح حديث رفاعة بن رافع في الإقامة لمن يصلي وحده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقامة لمن يصلي وحده.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه عن جده عن رفاعة بن رافع: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس في صف الصلاة ...)، الحديث].هنا أورد النسائي هذه التراجم وهي الإقامة لمن يصلي وحده، والترجمة السابقة الأذان لمن يصلي وحده، وهو مشتمل على الإقامة؛ لأنه (يؤذن ويقيم، يصلي يخاف مني)، الحديث الذي مرّ، ففيه ذكر الإقامة، وهو دال على نفس التراجم، إلا أن النسائي رحمة الله عليه يأتي بتراجم ، ويأتي بحديث آخر، وقد يأتي بالحديث من طريق أخرى وهو نفسه؛ لأن طريقته كما عرفنا مثل طريقة البخاري، يكثر من التراجم، ويكثر من الاستدلال والاستنباط، وإيراد الأحاديث بالطرق المتعددة من أجل الاستدلال على المسائل المختلفة، وقد أورد النسائي في هذا حديث الصحابي رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان الزرقي الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس في صف الصلاة ...)، الحديث، يعني: معناه أنه أتى بأوله ولم يأت بآخره، ومعنى كلمة (الحديث) يعني: اذكر الحديث، أو أكمل الحديث، هذا هو المقصود منها، مثل الآية، فعندما يذكر أول الآية ثم يقول: الآية، يعني: إلى آخر الآية، أو أكمل الآية، أو اقرأ الآية، وهنا الحديث، أي: أكمل الحديث، أو اذكر الحديث، هذا هو المقصود بمثل هذه اللفظة، والحديث في بعض الطرق عند أبي داود أنه قال: (توضأ وأذن وأقام وكبر)، ففيه الدلالة أو اشتماله على ما ترجم له، ولكن محل الشاهد ليس موجوداً؛ لأنه ذكر أول الحديث ولم يذكر بقيته، ومحل الشاهد موجود في البقية، محل الشاهد اشتملت عليه بقية الحديث التي أشار إليها بقوله: الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة بن رافع في الإقامة لمن يصلي وحده
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[أخبرنا إسماعيل].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد].وهو يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع الزرقي، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، أعني: يحيى الأول الحفيد؛ لأن عندنا يحيى (الحفيد) ويحيى (الجد)، فـيحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة بن رافع، هذا مقبول خرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.[عن أبيه].وهو علي بن يحيى بن خلاد، وهذا ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وأما جده يحيى فهو أيضاً ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم.ويحيى بن خلاد يروي عن جده رفاعة بن رافع، ورفاعة بن رافع صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان حديثه عند البخاري والأربعة، كحفيده يحيى بن خلاد بن رفاعة؛ لأن يحيى بن خلاد وجده رفاعة بن رافع، كل منهم خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهما مسلم، والحديث فيه رواية الأبناء عن الآباء، والأحفاد عن الأجداد؛ لأن فيه رواية ابن عن أب عن جد، ورواية حفيد عن جد؛ لأن يحيى بن علي يروي عن أبيه، ثم أبوه يروي عن أبيه، عن أبيه علي، عن جده يحيى، وجده يحيى يروي عن جده رفاعة بن رافع، فهو من أمثلة رواية الأبناء على الآباء، وهو شيء كثير، يعني: هذه الجادة، وهذا هو الأصل كون الصغير يروي عن الكبير، ولكن الذي هو قليل رواية الآباء عن الأبناء، يعني: الكبار عن الصغار.
كيف الإقامة
شرح حديث ابن عمر في صفة الإقامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف الإقامة.أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت أبا جعفر مؤذن مسجد العريان، عن أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع، قال: سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن الأذان؟ فقال: (كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك إذا قلت: قد قامت الصلاة، قالها مرتين، فإذا سمعنا: قد قامت الصلاة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة)].أورد النسائي هذه الترجمة ، وهي: كيف الإقامة، يعني: كيفية الإقامة، والمراد من ذلك ألفاظها كيف تكون؟ وقال: إنها مرة مرة، إلا عند قد قامت الصلاة فإنها تكون مرتين، وقد عرفنا فيما مضى أن هذا على الغالب، وإلا فإنها تكرر؛ لأن، (الله أكبر، الله أكبر)، في أولها مرتين، وفي آخرها: (الله أكبر، الله أكبر)، مرتين، و(قد قامت الصلاة) مرتين، فإذاً: قوله: مرة مرة، يعني: في الغالب، كما أن الأذان مثنى مثنى، يعني: أنه مكرر، هو في الغالب، وإلا فإن بعضه يكون مرة واحدة، وهو لا إله إلا الله. فإذاً: الإقامة مرة مرة، يعني: في الغالب؛ لأن من ألفاظ الإقامة ما هو مكرر مثل: الله أكبر في أول الإقامة، والله أكبر في آخرها، فإنها تأتي مرتين في الأول وفي الآخر، وقد قامت الصلاة فإنها تأتي مرتين، وقد جاء في الحديث: (أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)، إلا قد قامت الصلاة فإنها تكون مرتين، ولكن الإيتار هو في الغالب، وليس في جميع الألفاظ؛ لأن لا إله إلا الله هي مفردة في الأذان والإقامة.وقوله: (فإذا سمعنا: قد قامت الصلاة توضأنا)،من المعلوم أنهم ما كان هذا شأنهم، وإنما شأن من يكون قد تأخر، أو يكون هذا هو الذي يفعل كذا، وإلا فإنهم كانوا عندما يسمعون الأذان يخرجون إلى المسجد، ومن المعلوم أنهم كانوا يبادرون إلى الصلاة. ولعل قول ابن عمر: (فإذا سمعنا) لأنه من صغار الصحابة، وصفوفهم في الأواخر كما هو معلوم صفوف الصغار، وعبد الله بن عمر من صغار الصحابة؛ لأنه -كما هو معلوم- يوم أحد عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين، ولم يجزه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يمكنه من القتال، فلعل المقصود من ذلك أنه يشير إلى عمل بعض صغار الصحابة الذين يحصل منهم أحياناً التأخر، وأنهم عندما يسمعون الإقامة يتوضئون ويأتون إلى الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صفة الإقامة
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم].وهو المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].قد مر ذكره.[سمعت أبا جعفر].وأبو جعفر هذا محمد بن إبراهيم بن مسلم، وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه النسائي، وأبو داود، والترمذي. وقد مر بنا ذكره فيما مضى.[عن أبي المثنى].وهو مسلم بن مثنى أبو المثنى، كنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، فهو مثل تلميذه أبي جعفر، فقد روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو ثقة.[سألت ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، فهم صحابة أبناء صحابة، وهم من صغار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأربعة كلهم من الصغار؛ لأن عبد الله بن عباس في حجة الوداع يقول: (ناهزت الاحتلام) كما جاء في الحديث في الصحيحين: وابن عمر أيضاً من الصغار؛ لأنه يوم أحد تقدم يريد الجهاد وعمره أربعة عشر سنة، والرسول ما أجازه، وعبد الله بن الزبير ولد في قباء أول ما هاجروا إلى المدينة ولدت به أمه في قباء عندما وصلوا إليها، فهو من صغار الصحابة؛ لأنه توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام وعمره عشر سنوات؛ لأنه ولد في أول الهجرة، والرسول بقي في المدينة عشر سنوات ثم توفاه الله، فهو من صغار الصحابة، وعبد الله بن عمرو أيضاً هو من صغار الصحابة، فهم عبادلة أربعة في طبقة واحدة، وأسنانهم متقاربة، وقد عاشوا ولقيهم كثير من التابعين الذين لم يلقوا مثل عبد الله بن مسعود الذي توفي سنة: (32هـ)، وبعض العلماء يعده في العبادلة الأربعة، والصحيح أنه ليس منهم، وإنما هم هؤلاء الأربعة الذين ذكرت، وابن عمر أيضاً هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـابن عمر رضي الله تعالى عنهما هو أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً من المعروفين بكثرة الفتوى كما عرفنا في المصطلح، فهو معروف بكثرة الحديث، ومعروف بكثرة الفتوى.
إقامة كل واحد لنفسه
شرح حديث مالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة كل واحد لنفسه.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولصاحب لي: إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، ثم ليؤمكما أحدكما)].هنا أورد النسائي إقامة كل واحد لنفسه. هذه التراجم إذا كان المقصود بها أنهم إذا كانوا جماعة كل واحد يقيم لنفسه فهذا ليس بواضح، وهذا هو الحديث الذي أورده أنهم جماعة، أما لو كانوا متفرقين، وكان كل واحد وحده، وليسوا جماعة فمن المعلوم أن الواحد يؤذن ويقيم، كما مر بنا في حديث الراعي، والحديث الذي بعده أن الإنسان يؤذن ويقيم ويصلي وحده، ولكن إذا كانوا جماعة فالذي يؤذن واحد منهم، ويقيم واحد منهم، وليس كل واحد يؤذن، وكل واحد يقيم، ولفظ هذه الترجمة قد يكون ظاهره أن كل واحد يقيم في نفسه، والحديث لا يدل على ذلك؛ لأن قوله: (أذنا وأقيما)، معناه: أنه يتعين عليهما أن يوجد الأذان منهما، ووجوده بفعل واحد منهما، ولكن الخطاب موجه إليهما جميعاً، وليس معنى ذلك أن كل واحد يؤذن، ثم ينادون بالأذان وهم في مكان واحد، وهم جماعة واحدة، لا، وإنما المقصود من ذلك أنهم مأمورون بأن يوجد الأذان، لكن الذي يقوم به واحد منهما، ولهذا جاء في بعض الروايات: (يؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم)، كما جاء في بعض روايات حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، فالظاهر أن المقصود من الحديث هو أنهم لا يؤذنان جميعاً، ولا يقيمان جميعاً، وإنما يؤذن واحد منهم ويقيم واحد منهم، فهذا هو الذي يفهم من لفظ الحديث، ولكن ترجمة النسائي تفيد أن كل واحد يقيم، والأظهر أن الجماعة سواء كانوا اثنين أو أكثر لا يقيم كل واحد منهم الصلاة، وإنما يقيمها واحد منهم فقط، والباقون يقولون كما يقول المؤذن. قوله: (أذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما)، هنا قال: (فليؤمكما أحدكما)، قد جاء بعض الروايات: (وليؤمكما أكبركما)، كما سبق.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(122)
- (باب فضل التأذين) إلى (باب القول مثل ما يتشهد المؤذن)
بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الأذان، وأن من فضله أن المؤذن لا يسمع صوته شيء إلا شهد له يوم القيامة، وأن الشيطان يفر من سماع الأذان، ولذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على التنافس فيه والمسابقة إليه، ويستحب الترديد والقول مثلما يقول المؤذن.
فضل التأذين
شرح حديث: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: فضل التأذين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظل المرء إن يدري كم صلى)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: فضل التأذين.هذه الترجمة عقدها النسائي رحمه الله لبيان فضل التأذين في نفسه، وأن من فضله أنه يطرد الشيطان، وأنه يهرب الشيطان منه، أما بالنسبة لفضل المؤذنين وما لهم من الأجر العظيم، فقد مر جملة من الأحاديث التي تدل على ذلك، ومنها ما جاء في الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المؤذن يرفع صوته، وأنه لا يسمعه إنس ولا جن ولا رطب ولا يابس إلا شهد له يوم القيامة)، فذلك من فضل المؤذنين.وأما هنا فهو في بيان فضل التأذين، وأنه يطرد الشيطان، وأن الشيطان يهرب عندما يسمع ذكر الله عز وجل الذي يرفع وينادى به.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط؛ حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل)، يعني: إذا نودي بالإقامة، (حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر)، يعني: كما أدبر عند سماع الأذان فإنه يدبر عند سماع الإقامة؛ لأنه يهرب إذا حصل الأذان، ثم إذا فرغ منه عاد، فإذا ثوب بأن حصلت الإقامة، فإنه يهرب عند سماعها كما يهرب عند سماع الأذان، ثم يعود بعد الفراغ من الإقامة حتى يخطر بين الإنسان ونفسه، فيذكره أموراً كان قد نسيها، فيقول له: (اذكر كذا، اذكر كذا)، حتى يشغله في صلاته بتلك الأمور التي يذكره بها من أمور الدنيا، ثم تكون النتيجة أنه لا يدري كم صلى؛ لأنه انشغل عن صلاته بتلك الأمور التي وسوس له الشيطان بها، والتي ذكره إياها الشيطان، حيث شغله بها عن صلاته، فصار لذلك لا يعرف مقدار ما صلى من الركعات، فالحديث دال على فضل الأذان كما ترجم له المصنف.قوله: (أدبر وله ضراط)، هذا الكلام محمول على الحقيقة، وأن الشيطان يحصل منه ذلك؛ لفزعه ورعبه واستيائه، فإنه يولي وهو على هذه الحالة التي بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه فضل الأذان، فإذا فرغ من الأذان عاد حتى يوسوس ويخطر بين الإنسان ونفسه، فيشوش عليه في صلاته، وفي إقباله على صلاته، وفي استعداده لصلاته، وقوله: (فإذا ثوب)، أي: رجع إلى ذكر الله عز وجل؛ لأن التثويب هو الرجوع، وثاب بمعنى: رجع، ثم إنه يعود بعد الفراغ من الإقامة حتى يخطر بين الإنسان ونفسه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا لأمور كان قد نسيها، حتى لا يدري الإنسان كم صلى نتيجة لهذه الوسوسة، ولهذا الشغل الذي حصل للإنسان من الشيطان.ثم إنه من المعلوم أن الصلاة فيها قراءة قرآن، وهو ذكر لله عز وجل، ومع ذلك ما جاء أن الشيطان يهرب كما جاء الهروب من الأذان والإقامة، وقال العلماء في ذلك أجوبة، منها: أن الأذان ألفاظه محصورة، ويرفع ذكر الله عز وجل بها، ويرفع الصوت بها، فيسوءه ذلك كثيراً، لأنه لا ينشغل عنها عندما يأتي بها المؤذن، ولا يشغله عنها شاغل، بل يأتي بها لأنها تؤتى بها على هيئة، وألفاظ معروفة، وبصوت مرتفع، بخلاف القرآن فإنه قد يشغله عن قراءة القرآن، وينسيه ما هو فيه، ويشغله عن القراءة بالأمور التي يشغله بها؛ لأنه يتمكن من شغل الإنسان عن قراءة القرآن، لكنه لا يشغله عن الأذان، ولا يشغله عن الإقامة؛ لأنها ألفاظ محصورة، ويؤتى بها برفع الصوت، والإنسان مقبل عليهما، ولا ينشغل عنهما بشيء آخر.أما الصلاة، ومنها: قراءة القرآن، فإنه قد ينشغل حتى ينسيه قراءة القرآن، ويصرفه عن قراءة القرآن بالأمور التي يفكر بها، والأمور التي يشتغل بها، فهذا هو الفرق بين الأذان والإقامة التي منهما يحصل الهروب، وبين الصلاة التي هي مشتملة على القراءة، ومشتملة على الذكر، ومع ذلك يأتي الشيطان ويوسوس فيها.فالمقصود من ذلك: أن الفرق أن القراءة يمكن للشيطان أن يصرف عنها المصلي، بأن يذكره ما يشغله عنها، وأما الأذان فإنه لا يشغله عنه ولا يصرفه عنه؛ لأن ألفاظه محصورة، وألفاظه معدودة يأتي بها بصوت مرتفع، ثم ينتهي منها.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، بل هو أول شيخ روى عنه النسائي في سننه؛ لأن أول حديث في سنن النسائي هو من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد هذا، وقتيبة هذا اسمه من الألفاظ المفردة التي لم يتعدد التسمية بها؛ لأنه ليس في الكتب الستة من يسمى قتيبة سواه، فهو من الأسماء المفردة التي لم تتكرر، أو لم تتعدد التسمية بها.وقتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني أسماء أبوه وأجداده هي على وزن فعيل: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف فكلها على وزن فعيل.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة هذه المدينة المباركة، وهو من العلماء المشهورين فيها في عصر أتباع التابعين، ويمكن أن يقال: في عصر التابعين؛ لأن مالك أدرك زمنه زمن صغار الصحابة، فإذا كان لقي أحد منهم فإنه يعتبر من صغار التابعين، وهو إمام مشهور، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب الأربعة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن أصحاب المذاهب الأربعة هناك أناس مثلهم في العلم وعلو المنزلة قبل زمانهم وفي زمانهم وبعد زمانهم، ولكن ما حصل لهؤلاء العلماء مثلما حصل لهؤلاء الأربعة من وجود أتباع يعنون بفقههم وجمعه وترتيبه وتنظيمه والعناية به، فلهذا اشتهرت هذه المذاهب الأربعة، وهي مذاهب أهل السنة والجماعة، وحديث الإمام مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد].هو عبد الله بن ذكوان، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].الأعرج لقب به عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي أحياناً باسمه ونسبته، فيقال: عبد الرحمن بن هرمز، ومعرفة ألقاب المحدثين هي من أنواع علوم الحديث، وفائدتها: حتى لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، فيما لو ذكر مرة بلقبه ومرة باسمه، فإن من لا يعرف أن الأعرج لقب لـعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص، وأن عبد الرحمن بن هرمز شخص آخر، أما إذا عرف فإنه لا يلتبس عليه، وذلك إذا جاء في بعض الأسانيد عبد الرحمن بن هرمز، وفي بعضها الأعرج، فإنه يعرف أن هذا هو هذا، وأن الأعرج هو لقب لـعبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبي هريرة].هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهو أكثر السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالبحر هو ابن عباس، وزوجة النبي يعني: عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكثر الصحابة حديثاً، وأكثر هؤلاء السبعة: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهؤلاء الخمسة الذين هم رجال الإسناد: قتيبة بن سعيد، ومالك بن أنس، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وأبو هريرة، هؤلاء الخمسة حديثهم أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الاستهام على التأذين
شرح حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول... لاستهموا عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستهام على التأذين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً )].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب: الاستهام على الأذان.الاستهام هو الاقتراع؛ يعني: عمل قرعة حتى يميز من يكون الأحق، ومن يكون الأولى؛ لشدة التنافس والحرص على التأذين، فيكون الفاصل والمميز لهم هو القرعة، يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، يعني: لو يعلمون ما في النداء الذي هو الأذان، والصف الأول الذي هو أول الصفوف، لو يعلمون ما فيها من الأجر لتنافسوا وتسابقوا حتى لا يميز بينهم إلا بالقرعة، وكل يقول: أنا المستحق ولا يتنازل عن حقه، فيكون الفاصل بينهم القرعة، وهذا يبين لنا فضل التأذين، وعظم شأنه، وأن هذا دال على فضله، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا)، يعني: لم يجدوا شيئاً يميز بينهم، ويقدم بعضهم على بعض إلا الاستهام لاستهموا، وهذا فيه بيان فضل الصف الأول، وفضل التأذين، وأنهم لو يعلمون ما فيه من الأجر لكان التنافس والتسابق بينهم، بحيث لا يميز بعضهم على بعض، ويقدم بعضهم على بعض إلا القرعة، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الباب.وقوله: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، هذا من الأدلة الدالة على مشروعية القرعة، فقد جاء فيها أحاديث منها هذا الحديث، وجاء ذكرها في القرآن في قصة مريم: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، وجاءت أيضاً في قصة يونس: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، يعني: عملوا قرعة على من يرمى في البحر، فوقعت القرعة عليه فرمي في البحر فابتلعه الحوت، فجاء ذكرها في القرآن وجاء ذكرها في السنة في مواضع، منها هذا الموضع الذي معنا: (ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، فهو دال على مشروعية القرعة.ثم أيضاً قوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه)، التهجير: هو التبكير إلى الصلوات، قيل: إنها صلاة الظهر، وقيل: مطلقاً؛ يعني: لو يعلمون ما فيه من الأجر لاستبقوا إليه، ولكانوا يتنافسون في الوصول إلى المسجد مبكراً.ثم قال: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)، العتمة: هي العشاء، يعني: لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما، أي: لأتوا المساجد ليصلوهما، وليأتوا بهاتين الصلاتين اللتين هما صلاة العشاء وصلاة الفجر، وقوله: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً)؛ أي: لأتوا إلى المسجد لأدائهما ولو حبواً على الركب، يحبون على ركبهم لوجود المانع والعائق الذي يعوق ويحول بينهم وبين ذلك من شدة المرض، فإنهم يكون هذا حالهم لو يعلمون ما فيهما من أجر، وقد جاء في الحديث من حديث أبي هريرة من طريق أخرى أنه قال: (أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، وهنا يقول صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما)؛ أي: لأتوا إلى المسجد لأدائهما ولو حبواً على ركبهم، وكلمة: (ولو حبواً)، حبواً هذه خبر لكان واسمها، يعني: كان واسمها قد حذف وبقي الخبر، ولو كان إتيانهم إليهما حبواً على ركبهم، ففي هذا مثال على حذف كان واسمها.وجاء أيضاً في الحديث الذي أشرت إليه أنه قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)؛ يعني: لو كان يعلم أحدهم أنه يجد في المسجد لحماً يوزع في وقت صلاة العشاء ووقت صلاة الفجر، ولو كان ذلك اللحم شيئاً هزيلاً، ولم يكن نفيساً وثميناً، فإن ذلك يؤدي إلى أنهم يأتون ليحصلوا نصيبهم من الدنيا، وأما الآخرة فإنهم لا يفكرون فيها، ولا يشتغلون بها، ولا يستعدون لها، فهذا هو شأن المنافقين، وعلى عكس ذلك ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: [من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف]؛ يعني: من شدة المرض لا يستطيع أن يمشي على رجليه، ولكنه يأتي بمن معه يسنده على يمينه، ويسنده على شماله، فيمسك بعضده اليمنى وعضده اليسرى حتى يأتي إلى المسجد، ويقام في الصف من شدة المرض.وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم وأرضاهم لما كانوا يعلمون الفضل ويعلمون الأجر كانوا يبادرون ويأتون مع شدة المرض.أما المنافقون فإنهم يتخلفون، ولو يعلمون أن هناك لحماً يوزع في المسجد، ولو كان ذلك اللحم يسيراً وتافهاً لأتوا؛ لأن همهم الدنيا وليس همهم الآخرة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم همهم الآخرة، ولهذا يعلمون ما فيها من الأجر، ويأتي الواحد منهم يهادى بين الرجلين، فهذا الحديث يدلنا على فضل التأذين، وعلى فضل الصف الأول، ويدلنا على فضل التبكير إلى المساجد، ويدلنا على أن من علامة خسران المنافقين أنهم لا يعلمون الأجر الذي أعده الله تعالى لمن يصلي العشاء والفجر، فلهذا يتخلفون عنها.وإنما خصت العشاء والفجر دون بقية الصلوات؛ لأن العشاء تكون في أول الليل، والفجر تكون آخر الليل، ومن المعلوم أن الناس عندما يكدحون في النهار لتحصيل الرزق في أعمالهم، فإنه إذا جاء الليل فإنهم يبادرون إلى النوم، فيأتي وقت العشاء وقد ناموا عنها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ وذلك لأن ذلك يؤدي إلى تفويتها، فهي تأتي في أول الليل، وفي الوقت الذي الناس بحاجة إلى النوم، وأما صلاة الفجر فتأتي في آخر الليل، وفي الوقت الذي يكون الناس قد تلذذوا بالنوم، وطاب لهم الفراش، فيكون هذا شأن الذين لا يعلمون الأجر، ولا تهمهم الآخرة، وإنما تهمهم الدنيا والعياذ بالله.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:14 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول... لاستهموا عليه)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وقد مر ذكرهما.[عن سمي].هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم[عن أبي صالح].هو ذكوان السمان، أبو صالح ذكوان السمان، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً
شرح حديث عثمان بن أبي العاص في اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: (قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة باب: اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً.وقد أورد النسائي فيها حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه: أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله إمام قومه، فقال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم)، يعني: في الإمامة عندما يصلي بالناس يلاحظ الضعيف، بحيث لا يشق عليه، ولا يطيل الصلاة إطالة تشق على من كان ضعيفاً، وإنما يلاحظ جانب الأضعف، فيكون هو الذي يحسب حسابه في الصلاة من حيث الإطالة والتقصير، فلا يطيلها إطالة تشق على من كان ضعيفاً، أو تضر به وهذا يماثله ما جاء في كلامه صلى الله عليه وسلم مع معاذ، عندما شكاه بعض الصحابة الذين قالوا: إنه أطال في صلاته، فقال: (أفتان أنت يا معاذ!)، وهنا قال: (واقتد بأضعفهم)؛ يعني: في إطالتك للقراءة، وإطالتك الصلاة اعتبر الضعيف هو الذي يقاس عليه المقدار، فلا ينظر إلى القوي، بل ينظر إلى الضعيف، ويراعى جانب الضعيف ولا يراعى جانب القوي.قوله: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً).وهذا هو محل الشاهد، والعلماء اختلفوا في أخذ الأجرة على الأذان، فمنهم من أجاز ذلك واعتبره مثلما جاء في أخذ الأجرة على الرقية من اللّدغة في قصة اللديغ الذي رقاه أحد منهم، وأعطوه قطيعاً من الغنم، ولما أخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)، فقالوا: هذا منه، ومن العلماء من منع ذلك، وقال: إن هذا من قبيل القرب التي يكون الباعث عليها الإخلاص، ولا يكون الباعث عليها الدنيا، قالوا: فيمنع الأجر، ولكن يجوز أن يؤخذ الجعل، وهو ما يجعل من أوقاف، وما يجعل من التبرعات، وما يجعل من أعطيات ومنح، وخاصة لمن يقوم بهذه المهمة، فإن هذا جعل يعطاه من يتولى هذا العمل، ومن يهيئ نفسه لهذا العمل.والذين قالوا: بعدم أخذ الأجرة على الأذان، قالوا: إن هذا على سبيل الكراهة، وليس على سبيل التحريم؛ بحيث أنه لا يتخذ أجراً، وأنه لا يجوز غيره، قال: إن هذا هو الأولى؛ أي: الأولى هو المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً، أما كونه يأخذ فإن ذلك سائغ، ومن المعلوم أن الإنسان يلاحظ الإخلاص، ويكون الباعث له على ذلك هو رجاء الأجر والثواب من الله عز وجل الذي أعده الله تعالى للمؤذنين، ولكنه إذا وضع شيء، وخصص شيء من بيت المال، أو من أوقاف توقف لمن يقوم بهذه المهمة، فإن أخذه إياها لا بأس به، ولا مانع منه.
تراجم رجال إسناد حديث عثمان بن أبي العاص في اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً
قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، وقد أخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا عفان].هو ابن مسلم الصفار، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن سلمة].هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سعيد الجريري].هو سعيد بن إياس الجريري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي العلاء].هو يزيد بن عبد الله بن الشخير أخو مطرف بن عبد الله بن الشخير الذي يروي عنه في هذا الإسناد، وهو مشهور بكنيته أبو العلاء، فهو يروي عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مطرف].هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، زاهد، عابد، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن أبي العاص].هو عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائفي، وقد استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على الطائف، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
القول مثلما يقول المؤذن
شرح حديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول مثلما يقول المؤذن.أخبرنا قتيبة عن مالك عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)].يعني: مشروعية القول مثلما يقول المؤذن، والمقصود من ذلك: أن من يسمع النداء يقول مثلما يقول، ولكن يستثنى من ذلك: حي على الصلاة حي على الفلاح فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله عند كل منهما، أما ما عدا ذلك فإنه يقول كما يقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله مثل ذلك تماماً، وعند حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح يقول عند كل منها: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مثله تماماً، والصلاة خير من النوم يقول: (الصلاة خير من النوم)، وكذلك في الإقامة يقول كما يقول في الأذان إلا عند قد قامت الصلاة فإنه يقول: (قد قامت الصلاة)، يعني: أن من يسمع النداء يقول مثل قوله، ويستثنى من ذلك حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهو عام مراد به الخصوص؛ لأنه لا يقول: حي على الصلاة؛ لأن حي على الصلاة هي نداء، والإنسان لا ينادي، بل المؤذن هو الذي ينادي، وأما الباقي فهو ذكر لله عز وجل.أما حي على الصلاة حي على الفلاح فيقولها المؤذن لكي ينادي الناس.وقد أورد النسائي في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، والنداء هنا يشمل الأذان والإقامة، فإن الإقامة يقال فيها مثلما يقال في الأذان؛ لأن العموم يشملها: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)، ويستثنى من ذلك -كما قلنا- حي على الصلاة حي على الفلاح، فيقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وقد مر ذكرهما.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، وهو ينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وهو محدث فقيه مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين الذين رأوا صغار الصحابة، فإنه روى عن أنس بن مالك كما سبق أن مر بنا بعض الأحاديث التي يرويها الزهري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهو من صغار التابعين، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يزيد].هو عطاء بن يزيد الليثي المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي سعيد الخدري].هو سعد بن مالك بن سنان، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وكنيته أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم قريباً عند ذكر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
ثواب القول مثلما يقول المؤذن
شرح حديث أبي هريرة في ثواب من قال مثلما يقول المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب ذلك.أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكير بن الأشج حدثه أن علي بن خالد الزرقي حدثه أن النضر بن سفيان حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ثواب ذلك.يعني: ثواب القول مثلما يقول المؤذن؛ لأن ذلك يرجع إلى التراجم السابقة، وهي القول كما يقول المؤذن، وهذه الترجمة وهي باب: ثواب ذلك؛ أي: ثواب القول مثلما يقول المؤذن أورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بلال، فلما سكت قال: (من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة).وقوله: (من قال مثل هذا) يعني: مثلما قال هذا الذي قاله المؤذن، (يقيناً)؛ يعني: مخلصاً من قلبه، صادقاً في قوله، يرجو ثواب الله عز وجل، فإن ذلك من أسباب دخول الجنة، فهذا دال على فضل القول كما يقول المؤذن؛ لأن فيه هذا الأجر العظيم الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ثواب من قال مثلما يقول المؤذن
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].هو المرادي المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ولا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن الحارث].هوعمرو بن الحارث وهو المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن بكير بن الأشج حدثه].هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن علي بن خالد الزرقي حدثه].علي بن خالد الزرقي صدوق، وقد أخرج له النسائي وحده. [أن النضر بن سفيان حدثه].وهو مقبول، وأخرج له النسائي وحده.[أنه سمع أبا هريرة].وقد مر ذكره قريباً في الإسناد الذي قبل الذي قبل هذا.الزرقي هو نفسه الدؤلي، وقال الحافظ ابن حجر يقال: إنهما اثنان، لكن هو ذكره شخصاً واحداً، وكذلك في الخلاصة، وقال: إنه روى عنه بكير بن الأشج، وروى هو عن النضر بن سفيان، وقال: المدني الدؤلي، والحافظ في التقريب قال: (إنه مقبول).وغالب رجال الإسناد مصريين، بكير مصري، ومحمد بن سلمة مصري، وابن وهب مصري، وعمرو بن الحارث مصري، وبكير بن الأشج مصري، وعلي بن خالد الزرقي مدني، وشيخه مدني، وأبو هريرة مدني.والزرقي صدوق، وأما النضر بن سفيان هو المقبول.والزرقي هو بضم الزاي، نسبة إلى جماعة من الأنصار.
القول مثلما يتشهد المؤذن
شرح حديث معاوية بن أبي سفيان في القول مثلما يتشهد المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القول مثلما يتشهد المؤذن.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن مجمع بن يحيى الأنصاري قال: (كنت جالساً عند أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه، فأذن المؤذن، فقال: الله أكبر الله أكبر، فكبر اثنتين، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فتشهد اثنتين، فقال: أشهد أن محمداً رسول الله، فتشهد اثنتين، ثم قال: حدثني هكذا معاوية بن أبي سفيان عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم)].ثم قال النسائي رحمه الله باب: القول مثلما يتشهد المؤذن.يعني: أن من يسمع المؤذن يتشهد، بأن يقول مثلما يقول، وهذه تعتبر جزء من التراجم السابقة؛ لأن التراجم السابقة عامة، فيقول مثلما يقول المؤذن، والمؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: أشهد أن محمداً رسول الله، وقد أورد النسائي فيه حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه: (أنه لما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الله تشهد)، قال: مثل ذلك مرتين.قوله: (فكبر اثنتين)، يعني: أن هذا الذي قاله قاله مرتين، حتى يكون موافقاً لما جاء من ألفاظ الأذان بأنها أربع قبل الشهادتين، فقوله: (الله أكبر الله أكبر، كبر اثنتين)، يعني: قال ذلك مرتين، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فعلى هذا يكون أربع، وعلى هذا يتفق ما جاء في الروايات الأخرى أن المؤذن يقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فتربيع الأذان في الأول؛ يعني: إذا كان مرتين فسر؛ لأنه قال: الله أكبر الله أكبر، وكررها مرتين؛ معناه: أنه ربّع الأذان، فصار مطابق للروايات الأخرى.قوله: (فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فتشهد اثنتين)، يعني: أنه قال مثلما قال المؤذن، وهذا هو محل الشاهد من الحديث، ثم قال: إنه يرويه عن معاوية، ومعاوية يحدث بذلك عن رسول الله.(قال: حدثني هكذا معاوية بن أبي سفيان عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم).قوله: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا هو الذي يدل على أنه مرفوع؛ لأن معاوية حدّث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يتشهد عندما يتشهد المؤذن؛ أي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول كما يقول تماماً.
تراجم رجال إسناد حديث معاوية بن أبي سفيان في القول مثلما يتشهد المؤذن
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله بن المبارك].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال الحافظ ابن حجر في التقريب بعدما ذكر جملة من صفاته: (جمعت فيه خصال الخير)، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مجمع بن يحيى الأنصاري].هو مجمع بن يحيى الأنصاري، وهو صدوق، وخرج له مسلم، والنسائي. [عن أبي أمامة حدثني معاوية بن أبي سفيان].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:16 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(123)
- باب القول إذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح - باب الصلاة على النبي بعد الأذان
من الأذكار التي حث النبي صلى الله عليه وسلم عليها بقوله وفعله أذكار الأذان، فينبغي لمن سمع الأذان أن يقول مثلما يقوله المؤذن إلا في الحيعلتين فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ويصلي على النبي بعد الأذان ثم يدعو له بالوسيلة والفضيلة؛ من أجل أن تناله شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الذي يقال إذا قال المؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح
شرح حديث معاوية فيما يقوله من سمع الحيعلتين من المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول الذي يقال إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.أخبرنا مجاهد بن موسى وإبراهيم بن الحسن المقسمي قالا: حدثنا حجاج قال ابن جريج أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمر: أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن علقمة بن وقاص أنه قال: (إني عند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية رضي الله عنه كما قال المؤذن، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل ذلك)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة: القول عند قول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أي: أنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذا هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد أورد النسائي حديث: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: أن مؤذنه كان يؤذن فكان يقول مثلما قال، حتى إذا جاء عند حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم بعد ذلك قال مثلما يقول المؤذن، يعني: ما قبل حي على الصلاة، حي على الفلاح، وما بعدها، يقول كما يقول إلا في الحيعلتين: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
تراجم رجال إسناد حديث معاوية فيما يقوله من سمع الحيعلتين من المؤذن
قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].وهو مجاهد بن موسى الخوارزمي، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[وإبراهيم بن الحسن].وهو إبراهيم بن الحسن المصيصي، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.[قالا: حدثنا حجاج].وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال ابن جريج: أخبرني].هذا من تقديم الاسم على الصيغة، وهي مستعملة من بعض المحدثين، يقدم اسم الراوي على الصيغة التي هي صيغة التحمل، قال ابن جريج: أخبرني، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني عمرو بن يحيى].وهو عمرو بن يحيى المازني المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن عيسى بن عمر أخبره].وعيسى بن عمر مقبول، أخرج له النسائي وحده.[عن عبد الله بن علقمة بن وقاص].وعبد الله بن علقمة بن وقاص، هو مقبول أيضاً، خرج له البخاري في خلق أفعال العباد، والنسائي.[عن علقمة بن وقاص].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[إني عند معاوية].وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان
شرح حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول وصلوا علي ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان.أخبرنا سويد أنبأنا عبد الله عن حيوة بن شريح أن كعب بن علقمة سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي يحدث أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، وصلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)].وهنا أورد النسائي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، وقد أورد النسائي فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة).الحديث دال على ما ترجم له من الأمر بالصلاة، أو مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، فإن سامع المؤذن يقول مثلما يقول، وإذا فرغ صلى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم سأل الله عز وجل أو أتى بالدعاء الذي هو: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، فإن هذا الحديث مشتمل على سؤال الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، والوسيلة منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله عز وجل، ويرجو الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك العبد الذي لا تنبغي تلك المنزلة إلا له، ففيه مشروعية القول كما يقول المؤذن، ومشروعية أن يصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، ومشروعية أن تسأل الوسيلة من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالدعاء المشهور: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).وفيه أيضاً بيان فضل من يسأل الله عز وجل هذه الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها تحل له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول وصلوا علي ...)
قوله: [أخبرنا سويد].وهو سويد بن نصر أنبأنا عبد الله، وهو: ابن المبارك، وقد مر ذكرهما.[عن حيوة بن شريح].وهو حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن كعب بن علقمة ].وكعب بن علقمة صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. لم يخرج له البخاري في الصحيح، ولا خرج له ابن ماجه . [أنه سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي].وهو عبد الرحمن بن جبير، وهو ثقة، خرج له الذين خرجوا للذي قبله، باستثناء البخاري في الأدب المفرد، أي: مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.وقوله: [مولى نافع بن عمرو القرشي] هذا ليس من رجال الإسناد.[أنه سمع عبد الله بن عمرو].وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي ابن الصحابي، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فهو أحد العبادلة الأربعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويقال في ترجمته: إنه ليس بينه وبين أبيه إلا ثلاث عشرة سنة، معناه: أنه ولد وأبوه عمره ثلاث عشرة سنة، يعني: أن أباه احتلم، وبلغ في سن مبكرة، وتزوج، وولد له وعمره ثلاث عشرة سنة.
الأسئلة
رفع اليدين في تكبيرات الجنائز
السؤال: هل من السنة رفع اليدين في تكبيرات الجنائز؟ وهل فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟الجواب: نعم، جاء هذا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً وموقوفاً، والمرفوع صحيح؛ لأنه جاء من طريق عمر بن شبة فهو الذي رفعه، وهو ثقة، فمن السنة رفع اليدين عند التكبيرات في تكبيرات الجنازة كلها.
المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء)
السؤال: هل المقصود بلفظ (ما في النداء)، أي: التبكير في حضور المسجد، لحضور الأذان؟الجواب: لا، ليس هذا، بل المقصود هو القيام بالأذان، هذا هو المقصود من (لو يعلم الناس ما في النداء)، والصف الأول، أي: ما في الأذان، ولهذا في الترجمة أتى بالاستهام على الأذان.
إجزاء الهدي عن الفدية
السؤال: حاج متمتع وجبت عليه فدية، فهل يجزيه الهدي عن ذلك؟الجواب: لا، من عليه فدية فهي غير الهدي؛ لأن الهدي هو دم شكران، وأما الفدية فهي دم جبران، أي: جبر للنقص، فمن عليه فدية، فإن الهدي لا يجزئ عنها؛ لأن الهدي مشروع وواجب، وهو دم شكران، وأما هذا فهو جبران للنقص الذي قد حصل، فلا يجزئ هذا عن هذا، ولا هذا عن هذا.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:19 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(124)
- (باب الدعاء عند الأذان) إلى (باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام)
الأذان عبادة من العبادات، له شروط وأذكار وأحكام، ومن أحكامه: أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بغير حاجة، والأذان يطلق على الإقامة، لأن الأذان هو الإعلام، وقد ورد في السنة النبوية تسمية الإقامة بالأذان.
الدعاء عند الأذان
شرح حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الدعاء عند الأذان.أخبرنا قتيبة عن الليث عن الحكيم بن عبد الله عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: الدعاء عند الأذان، قد علمنا فيما مضى أن الإنسان عندما يسمع المؤذن، فإنه يقول مثلما يقول، وقد جاء في هذا الحديث أنه يقول: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وأن من قال ذلك حين يسمع المؤذن، فإنه يغفر له ذنبه، وهذا يدلنا على مشروعية هذا الذكر عند الأذان، وقد قيل: إن هذا يكون عند أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وقيل: إنه يكون بعد الأذان.لكن قوله: (وأنا أشهد) تفيد العطف، يدل على أنه يقوله عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فهو يقول مثلما يقول، ويقول هذه الجملة التي هي: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً).
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قولة: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف بن البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الليث].وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الثبت، المحدث، الفقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكيم بن عبد الله].وهو الحكيم بن عبد الله، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عامر بن سعد].وهو عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن أبي وقاص].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في مجلس واحد، وفي حديث واحد، فقال عنهم: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)، فهؤلاء عشرة أشخاص بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في حديث واحد، وقد بشر عليه الصلاة والسلام غيرهم بالجنة، ولكن هؤلاء اشتهروا بهذا اللقب؛ الذي هو لقب العشرة؛ لأنهم ذكروا في حديث واحد، وسردهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، مبشراً لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وسعد بن أبي وقاص هو آخر العشرة موتاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.إذاً: فهذا الإسناد رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا الحكيم بن عبد الله؛ فإنه أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث جابر فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قال حين يسمع النداء -يعني: قال ذلك بعدما يفرغ المؤذن من النداء- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، وقد جاء في هذا الحديث: أن من قال ذلك حلت له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعا للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعطيه الله تعالى الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده إياه، فتحل له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يكون قد دعا للرسول، والرسول يشفع له عند الله عز وجل، وهذا الدعاء يشرع الإتيان به بعد الفراغ من الأذان، فيقول السامع مثلما يقول المؤذن، وإذا فرغ صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الأحاديث، ثم يدعو بهذا الدعاء قائلاً: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة)، قوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، يعني: اللهم يا رب هذه الدعوة التامة، والمراد بالرب هنا الصاحب، يعني: صاحب الدعوة التامة، والدعوة التامة التي هي الأذان؛ لأنها دعوة إلى الصلاة، التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهو في نفسه، - أي: الأذان -، ذكر لله عز وجل وتوحيد له؛ لأن فيه: الله أكبر، الله أكبر، وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وفي آخره: لا إله إلا الله، فهي دعوة تامة، والمراد بها الأذان.قوله: (والصلاة القائمة)، أي: هذه الصلاة التي ينادى لها، هي الصلاة القائمة.قوله: (آت محمداً الوسيلة)، الوسيلة: سبق أن مر في الحديث أنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأرجو أن أكون ذلك العبد)، فالوسيلة هي: درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو أن يكون ذلك العبد، التي لا تنبغي هذه الوسيلة إلا له، قوله: (والفضيلة)، أي: المرتبة العالية، والمنزلة العالية، ومن المعلوم: أن الله تعالى فضل النبي عليه الصلاة والسلام، وجعله أفضل المرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، وخير البشر هم المرسلون، وخير المرسلين، وأفضلهم وسيدهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، فهو سيدهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكنه قال: إنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأن ذلك اليوم هو الذي يظهر فيه السؤدد والفضل على العالمين، على البشر جميعاً من أولهم إلى آخرهم، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، وذلك أنهم يجتمعون في صعيد واحد، فيموج بعضهم في بعض، ويسألون عن الخلاص، ويبحثون عن الطريق التي بها يحصل لهم الخلاص من هذا الذي هم فيه من شدة المحشر، فيموج بعضهم في بعض، فيقول بعضهم لبعض: ألا تأتون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون إلى آدم فيستشفعون به فيعتذر، ثم يحيلهم إلى نوح، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى موسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى عيسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى محمد عليه الصلاة والسلام فيقول: (أنا لها)، ثم يشفع ويشفعه الله عز وجل، ويأتي الله لفصل القضاء بين عباده.فيظهر سؤدده صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ويظهر فضله على الجميع.والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، التي تكون في تخليص الناس من الموقف، فإن هذا هو المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة.إذاً فهذا هو المقام المحمود: الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي الشفاعة في أن يأتي الله للفصل بين الناس، والقضاء بينهم ومحاسبتهم، حتى يذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فيحصل الخلاص من ذلك الموقف، بهذه الشفاعة العظمى.قوله: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وهذا يدلنا على استحباب الإتيان بهذا الدعاء، وعلى بيان عظم أجره وثوابه، وهو أنه يكون سبباً لحصول الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حصل منه ذلك، ولمن أتى بهذا الذكر، ولمن أتى بهذا الدعاء بعد الأذان.
تراجم رجال إسناد حديث جابر فيما يقال عند سماع المؤذن
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].علي بن عياش ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعيب].وهو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].وهو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي ابن الصحابي، أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثرï؟½ ï؟½ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفهذا جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية الحديث عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الصلاة بين الأذان والإقامة
شرح حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بين الأذان والإقامة.أخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن كهمس حدثنا عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)].أورد النسائي هذه التراجم، وهي: الصلاة بين الأذان والإقامة، (الصلاة)، أي: التنفل بين الأذان والإقامة، وأورد فيه هذا الحديث؛ حديث عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة؛ لأن الإقامة هي أذان؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والإقامة هي الإعلام بالقيام للصلاة، فكلها إعلام وكلها أذان، ولهذا قال: بين كل أذانين صلاة، أي: المقصود من ذلك هو التنفل؛ النوافل التي تكون بين الأذان والإقامة، وهذا الحديث يدل على استحباب ذلك، وعلى ندبه وأنه مستحب، والرسول صلى الله عليه وسلم كرر ذلك ثلاث مرات، وقال: (لمن شاء)، يعني: حتى يبين أن هذه ليست سنناً مؤكدة أو سنناً راتبة، ولكن بعض هذه الصلوات يكون فيها بين الأذان والإقامة رواتب، مثل الظهر، والفجر، فإنه بين الأذان والإقامة ركعتا الفجر، وهما آكد النوافل، وآكد السنن، وهي مع الوتر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحافظ عليهما في الحضر، والسفر، وبين الأذان والإقامة في الظهر، جاء في حديث ابن عمر: ركعتان، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أربع ركعات، وهي من السنن المؤكدة.أما ما عدى ذلك من الصلوات مثل: بين الأذان والإقامة في العصر، وفي المغرب والعشاء، فليس هناك سنن رواتب مؤكدة، ولكن هذا الحديث يدل على استحباب التنفل بين الأذان والإقامة، ولهذا يشرع للإنسان إذا كان في المسجد وجاء الأذان أن يقوم ويتنفل بين الأذان والإقامة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، والحديث كما قلت: يدل على أن الإقامة يقال لها: أذان، ومما يدل على ذلك أيضاً حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، قال: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، المراد بالأذان الإقامة، والإمساك عن السحور الذي يكون عند الأذان؛ لأن الإمساك عن السحور يكون عند الأذان، فيكون المدة التي بين الأذان والإقامة، هي مقدار قراءة خمسين آية، فالأذان في الحديث المراد به الإقامة.وقوله: (لمن شاء)، يدل على أن الاستحباب ليس مؤكداً، وليس من السنن الرواتب، ولكنه مستحب، ولكن السنن الرواتب التي هي اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء، واثنتان قبل الفجر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، وفي حديث ابن عمر: عشر ركعات، قبل الظهر ركعتان وليس أربعاً، ومن المعلوم: أن حديث عائشة صحيح، فالأخذ بالأربع هو الأفضل، وهو الأكمل.
تراجم رجال إسناد حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، خرج له صاحبا الصحيح، ومعهم النسائي من أصحاب السنن الأربعة.[عن يحيى].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن كهمس].وهو كهمس بن الحسن، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الله بن بريدة].وهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي فيبتدرون السواري يصلون ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيبتدرون السواري يصلون، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، ويصلون قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من أن الصحابة كانوا إذا أذن المؤذن قاموا وابتدروا السواري يصلون، أي: يتخذونها سترة، فيخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، وكانوا يصلون بين الأذان والإقامة في المغرب، وليس بينهما شيء، يعني: ليس بينهما وقت كبير، ومع ذلك كانوا يصلون، أي: يصلون النوافل بين الأذان والإقامة، فهذا يدلنا على ما ترجم له النسائي من حصول الصلاة بين الأذان والإقامة؛ لأن الحديث الأول هو من قوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (بين كل أذانين صلاة)، وهذا من فعل أصحابه الذين كانوا يفعلون ذلك، وهو يراهم ويقرهم على ذلك.وفيه اتخاذ السترة؛ لأنهم كانوا يبتدرون السواري، أي: يصلون، فيتخذوا السواري سترة لهم، ويدل أيضاً على مشروعية الصلاة واستحبابها بين الأذان والإقامة، ويدلنا أيضاً على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الحرص على أداء العبادات، وعلى التنفيذ، وعلى الإتيان بالسنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:21 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الأذان
(124)
- (باب الدعاء عند الأذان) إلى (باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام)
الأذان عبادة من العبادات، له شروط وأذكار وأحكام، ومن أحكامه: أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان بغير حاجة، والأذان يطلق على الإقامة، لأن الأذان هو الإعلام، وقد ورد في السنة النبوية تسمية الإقامة بالأذان.
الدعاء عند الأذان
شرح حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الدعاء عند الأذان.أخبرنا قتيبة عن الليث عن الحكيم بن عبد الله عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: الدعاء عند الأذان، قد علمنا فيما مضى أن الإنسان عندما يسمع المؤذن، فإنه يقول مثلما يقول، وقد جاء في هذا الحديث أنه يقول: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وأن من قال ذلك حين يسمع المؤذن، فإنه يغفر له ذنبه، وهذا يدلنا على مشروعية هذا الذكر عند الأذان، وقد قيل: إن هذا يكون عند أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وقيل: إنه يكون بعد الأذان.لكن قوله: (وأنا أشهد) تفيد العطف، يدل على أنه يقوله عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فهو يقول مثلما يقول، ويقول هذه الجملة التي هي: (وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً).
تراجم رجال إسناد حديث سعد بن أبي وقاص فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قولة: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف بن البغلاني، وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الليث].وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الثبت، المحدث، الفقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الحكيم بن عبد الله].وهو الحكيم بن عبد الله، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عامر بن سعد].وهو عامر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن أبي وقاص].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في مجلس واحد، وفي حديث واحد، فقال عنهم: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة)، فهؤلاء عشرة أشخاص بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، في حديث واحد، وقد بشر عليه الصلاة والسلام غيرهم بالجنة، ولكن هؤلاء اشتهروا بهذا اللقب؛ الذي هو لقب العشرة؛ لأنهم ذكروا في حديث واحد، وسردهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، مبشراً لهم بالجنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وسعد بن أبي وقاص هو آخر العشرة موتاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.إذاً: فهذا الإسناد رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا الحكيم بن عبد الله؛ فإنه أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث جابر فيما يقال من دعاء عند سماع المؤذن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)].أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قال حين يسمع النداء -يعني: قال ذلك بعدما يفرغ المؤذن من النداء- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة! آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، وقد جاء في هذا الحديث: أن من قال ذلك حلت له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعا للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعطيه الله تعالى الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه المقام المحمود الذي وعده إياه، فتحل له شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو يكون قد دعا للرسول، والرسول يشفع له عند الله عز وجل، وهذا الدعاء يشرع الإتيان به بعد الفراغ من الأذان، فيقول السامع مثلما يقول المؤذن، وإذا فرغ صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الأحاديث، ثم يدعو بهذا الدعاء قائلاً: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة)، قوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، يعني: اللهم يا رب هذه الدعوة التامة، والمراد بالرب هنا الصاحب، يعني: صاحب الدعوة التامة، والدعوة التامة التي هي الأذان؛ لأنها دعوة إلى الصلاة، التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهو في نفسه، - أي: الأذان -، ذكر لله عز وجل وتوحيد له؛ لأن فيه: الله أكبر، الله أكبر، وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، وفي آخره: لا إله إلا الله، فهي دعوة تامة، والمراد بها الأذان.قوله: (والصلاة القائمة)، أي: هذه الصلاة التي ينادى لها، هي الصلاة القائمة.قوله: (آت محمداً الوسيلة)، الوسيلة: سبق أن مر في الحديث أنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأرجو أن أكون ذلك العبد)، فالوسيلة هي: درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرجو أن يكون ذلك العبد، التي لا تنبغي هذه الوسيلة إلا له، قوله: (والفضيلة)، أي: المرتبة العالية، والمنزلة العالية، ومن المعلوم: أن الله تعالى فضل النبي عليه الصلاة والسلام، وجعله أفضل المرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، وخير البشر هم المرسلون، وخير المرسلين، وأفضلهم وسيدهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، فهو سيدهم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكنه قال: إنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأن ذلك اليوم هو الذي يظهر فيه السؤدد والفضل على العالمين، على البشر جميعاً من أولهم إلى آخرهم، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، وذلك أنهم يجتمعون في صعيد واحد، فيموج بعضهم في بعض، ويسألون عن الخلاص، ويبحثون عن الطريق التي بها يحصل لهم الخلاص من هذا الذي هم فيه من شدة المحشر، فيموج بعضهم في بعض، فيقول بعضهم لبعض: ألا تأتون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون إلى آدم فيستشفعون به فيعتذر، ثم يحيلهم إلى نوح، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى موسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى عيسى، فيأتون إليه ويعتذر، ثم يحيلهم إلى محمد عليه الصلاة والسلام فيقول: (أنا لها)، ثم يشفع ويشفعه الله عز وجل، ويأتي الله لفصل القضاء بين عباده.فيظهر سؤدده صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ويظهر فضله على الجميع.والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى، التي تكون في تخليص الناس من الموقف، فإن هذا هو المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة.إذاً فهذا هو المقام المحمود: الشفاعة العظمى التي اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي الشفاعة في أن يأتي الله للفصل بين الناس، والقضاء بينهم ومحاسبتهم، حتى يذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فيحصل الخلاص من ذلك الموقف، بهذه الشفاعة العظمى.قوله: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وهذا يدلنا على استحباب الإتيان بهذا الدعاء، وعلى بيان عظم أجره وثوابه، وهو أنه يكون سبباً لحصول الشفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حصل منه ذلك، ولمن أتى بهذا الذكر، ولمن أتى بهذا الدعاء بعد الأذان.
تراجم رجال إسناد حديث جابر فيما يقال عند سماع المؤذن
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].علي بن عياش ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعيب].وهو ابن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].وهو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصحابي ابن الصحابي، أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثر� �ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفهذا جابر بن عبد الله الأنصاري، أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية الحديث عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الصلاة بين الأذان والإقامة
شرح حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بين الأذان والإقامة.أخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن كهمس حدثنا عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)].أورد النسائي هذه التراجم، وهي: الصلاة بين الأذان والإقامة، (الصلاة)، أي: التنفل بين الأذان والإقامة، وأورد فيه هذا الحديث؛ حديث عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة لمن شاء)، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة؛ لأن الإقامة هي أذان؛ لأن الأذان في اللغة: الإعلام، والأذان هو الإعلام بدخول الوقت، والإقامة هي الإعلام بالقيام للصلاة، فكلها إعلام وكلها أذان، ولهذا قال: بين كل أذانين صلاة، أي: المقصود من ذلك هو التنفل؛ النوافل التي تكون بين الأذان والإقامة، وهذا الحديث يدل على استحباب ذلك، وعلى ندبه وأنه مستحب، والرسول صلى الله عليه وسلم كرر ذلك ثلاث مرات، وقال: (لمن شاء)، يعني: حتى يبين أن هذه ليست سنناً مؤكدة أو سنناً راتبة، ولكن بعض هذه الصلوات يكون فيها بين الأذان والإقامة رواتب، مثل الظهر، والفجر، فإنه بين الأذان والإقامة ركعتا الفجر، وهما آكد النوافل، وآكد السنن، وهي مع الوتر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحافظ عليهما في الحضر، والسفر، وبين الأذان والإقامة في الظهر، جاء في حديث ابن عمر: ركعتان، وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أربع ركعات، وهي من السنن المؤكدة.أما ما عدى ذلك من الصلوات مثل: بين الأذان والإقامة في العصر، وفي المغرب والعشاء، فليس هناك سنن رواتب مؤكدة، ولكن هذا الحديث يدل على استحباب التنفل بين الأذان والإقامة، ولهذا يشرع للإنسان إذا كان في المسجد وجاء الأذان أن يقوم ويتنفل بين الأذان والإقامة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، والحديث كما قلت: يدل على أن الإقامة يقال لها: أذان، ومما يدل على ذلك أيضاً حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، قال: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، المراد بالأذان الإقامة، والإمساك عن السحور الذي يكون عند الأذان؛ لأن الإمساك عن السحور يكون عند الأذان، فيكون المدة التي بين الأذان والإقامة، هي مقدار قراءة خمسين آية، فالأذان في الحديث المراد به الإقامة.وقوله: (لمن شاء)، يدل على أن الاستحباب ليس مؤكداً، وليس من السنن الرواتب، ولكنه مستحب، ولكن السنن الرواتب التي هي اثنتا عشرة ركعة: أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، واثنتان بعد المغرب، واثنتان بعد العشاء، واثنتان قبل الفجر، فهذه اثنتا عشرة ركعة، وفي حديث ابن عمر: عشر ركعات، قبل الظهر ركعتان وليس أربعاً، ومن المعلوم: أن حديث عائشة صحيح، فالأخذ بالأربع هو الأفضل، وهو الأكمل.
تراجم رجال إسناد حديث: (بين كل أذانين صلاة ...)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، خرج له صاحبا الصحيح، ومعهم النسائي من أصحاب السنن الأربعة.[عن يحيى].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن كهمس].وهو كهمس بن الحسن، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد الله بن بريدة].وهو عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي فيبتدرون السواري يصلون ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو عامر حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيبتدرون السواري يصلون، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، ويصلون قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو دال على ما دل عليه الحديث الذي قبله من أن الصحابة كانوا إذا أذن المؤذن قاموا وابتدروا السواري يصلون، أي: يتخذونها سترة، فيخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، وكانوا يصلون بين الأذان والإقامة في المغرب، وليس بينهما شيء، يعني: ليس بينهما وقت كبير، ومع ذلك كانوا يصلون، أي: يصلون النوافل بين الأذان والإقامة، فهذا يدلنا على ما ترجم له النسائي من حصول الصلاة بين الأذان والإقامة؛ لأن الحديث الأول هو من قوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (بين كل أذانين صلاة)، وهذا من فعل أصحابه الذين كانوا يفعلون ذلك، وهو يراهم ويقرهم على ذلك.وفيه اتخاذ السترة؛ لأنهم كانوا يبتدرون السواري، أي: يصلون، فيتخذوا السواري سترة لهم، ويدل أيضاً على مشروعية الصلاة واستحبابها بين الأذان والإقامة، ويدلنا أيضاً على ما كان عليه أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من الحرص على أداء العبادات، وعلى التنفيذ، وعلى الإتيان بالسنن التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:23 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي فيبتدرون السواري يصلون ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، فقيه، محدث، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من الصفات العالية، والألقاب الرفيعة التي هي من أعلى صيغ التعديل، أي: أن يقال عن شخص: أمير المؤمنين في الحديث، وقد قيل في إسحاق بن إبراهيم هذا: أنه أمير المؤمنين في الحديث، وقيل في عدد آخر غيره، مثل البخاري، وشعبة، وسفيان، الثوري، والدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف الرفيع، ولقبوا بهذا اللقب العالي، الذي هو من أعلى صيغ التعديل، وإسحاق بن راهويه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا أبو عامر].وهو عبد الملك بن عمرو العقدي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وصف أيضاً بهذا الوصف، وهو من أرفع صيغ التعديل، وأعلى صيغ التعديل، وحديثه - أي: حديث شعبة بن الحجاج - خرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن عامر الأنصاري].وهو عمرو بن عامر الأنصاري، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم عند ذكر جابر بن عبد الله قريباً.
التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان
شرح حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان.أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن عمر بن سعيد عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه أنه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه ومر رجل في المسجد بعد النداء حتى قطعه، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي هذه التراجم: وهي التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان.وفيه بيان خطورته وشدته، وأنه أمر خطير، وأنه يحذر منه، أي: يحذر الإنسان أن يقع فيه، ويحذر المسلم أخاه بأن يقع فيه.وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنه رأى رجلاً مر في المسجد حتى قطعه -يعني: رآه يمشي حتى خرج من المسجد- فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، (أما هذا)، أي: الذي خرج من المسجد بعد الأذان، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يقال بالرأي؛ لأن الإطلاق على الشيء بأنه معصية للرسول صلى الله عليه وسلم يدل على رفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي أن يقال لمن فعل، أو لمن خالف ذلك أنه عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، والخروج من المسجد بعد الأذان إذا لم يكن لضرورة هو الذي فيه هذا التشديد، وأما إذا كان لضرورة، بأن كان الإنسان غلبه الحدث، وأراد أن يخرج ليقضي حاجته فهذا لا يدخل تحت هذا؛ لأنه مضطر، وأما إذا كان الإنسان غير مضطر وخرج فهذا هو الذي يستحق أن يقال فيه هذا الكلام، ويوصف بأنه قد عصى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً الخروج بعد الأذان من غير ضرورة فيه تشبه بالشيطان؛ لأن الشيطان يهرب إذا سمع الأذان كما سبق أن مر بنا في الحديث في فضل التأذين: (إذا نودي في الصلاة أدبر الشيطان وله ضراط)، يعني: يهرب حتى لا يسمع الأذان، فالذي يخرج من المسجد بعدما يأتي الأذان فيه شبه بالشيطان الذي يهرب عندما يسمع النداء.وقول أبي هريرة: (فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)، يدلنا على تحريم ذلك، وأن أبا هريرة رضي الله عنه ما قال هذا إلا لشيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقتضي أن يقال لمن فعله: أنه عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا لا يقال بالرأي، ولا يقال بالاجتهاد، بل له حكم الرفع.ثم قول أبي هريرة رضي الله عنه: (أبا القاسم)، وهي كنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، كما قال ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: إن ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بكنيته حسن، وذكره بوصف الرسالة أحسن، بأن يقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].وهو الجواز المكي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وهناك: محمد بن منصور الطوسي، وقد عرفنا أن الذي يروي عن سفيان بن عيينة، أو الذي هو أخص بـابن عيينة هو الجواز ؛ لأن ابن عيينة مكي، والجواز مكي، فيكون المراد به هنا المكي، وقد سبق أن مر بنا في بعض الأسانيد عند النسائي أنه نص على نسبته فقال: أخبرنا محمد بن منصور المكي، ومعنى هذا أنه لا ينسبه في بعض المواضع؛ لشهرته ولمعرفته.[عن سفيان].وهو ابن عيينة، وهو مكي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عمر بن سعيد].وهو عمر بن سعيد بن مسروق الثوري، أخو سفيان الثوري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن أشعث بن أبي الشعثاء].وهو أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[رأيت أبا هريرة].وأبو هريرة هو راوي الحديث وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو الشعثاء يقول: إنه رأى أبا هريرة، وقد رأى رجلاً يمر في المسجد حتى قطعه وخرج، وهو ينظر إليه، فقال: أما هذا، ويشير إلى الرجل، فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا جعفر بن عون عن أبي عميس حدثنا أبو صخرة عن أبي الشعثاء أنه قال: (خرج رجل من المسجد بعدما نودي بالصلاة، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم)].وهنا أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، أن أبا هريرة رأى رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فهو بمعنى الذي قبله، وهو نفس الحديث إلا أنه من طريق أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذن من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].وهو ابن حكيم الأودي بن ذبيان الكوفي، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا جعفر بن عون].وهو جعفر بن عون بن الحارث صدوق روى له الجماعة.[عن أبي عميس].وهو عتبة بن عبد الله المسعودي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو صخرة].وهو جامع بن شداد، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي الشعثاء].وهو سليم بن أسود المحاربي، ويروي عن أبي هريرة، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا؛ لأن أبا الشعثاء اثنان: جابر بن زيد، والمحاربي والمراد به هنا: سليم بن أسود .
إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة
شرح حديث عائشة في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة.أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني ابن أبي ذئب ويونس وعمرو بن الحارث: أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، ويسجد سجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، ثم يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر ركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة، فيخرج معه)]، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث.هنا أورد النسائي هذه التراجم، وهي: إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة.يعني: إذا جاء وقت الصلاة يخبر المؤذن الإمام، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر إحدى عشرة ركعة، وأنه كان يطيل، وكان يسجد قدر قراءة خمسين آية، أي: كان يطيل السجود، ويطيل القراءة عليه الصلاة والسلام، وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يعني: ركعتين ركعتين، والوتر ركعة مفردة هي الآخر، فيكون ما مضى وتراً بها فإذا أذن المؤذن لصلاة الصبح الذي هو الأذان الثاني، أذان الفجر، صلى ركعتين خفيفتين، وهما ركعتا الفجر، وهما آكد السنن، وكان عليه الصلاة والسلام يحافظ على ركعتي الفجر والوتر في الحضر والسفر، ثم يضطجع حتى يأتي إليه بلال ويؤذنه بالصلاة فيقوم معه، ويذهب معه للصلاة، يعني: كان ذلك في منزله، وكان ذلك على خطوات من مصلاه صلى الله عليه وسلم.قال بعضهم: -أي: إن الثلاثة الذين يروون عن الزهري، وهم: يونس، وعمرو بن الحارث، وابن أبي ذئب- هؤلاء الثلاثة، بعضهم يزيد على بعض، أي: أن هذا أحد الألفاظ، وبعض هؤلاء الثلاثة يزيد على بعض في الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
قوله: [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح].وهو أحمد بن عمرو بن السرح، وهو أبو الطاهر المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، يعني: ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[أخبرني ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ويونس].وهو يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وعمرو بن الحارث].وهو عمرو بن الحارث، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، محدث، فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرهم عن عروة].أي: أخبر هؤلاء الثلاثة، عن عروة، وهو عروة بن الزبير بن العوام ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، الذين أطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، فـعروة بن الزبير أحدهم، وقد جمعهم بعض الشعراء في بيت فقال:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام الذي هو معنا، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والسابع اختلف فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهؤلاء هم الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين، فإذا جاء في مسألة قيل فيها: وقال بها الفقهاء السبعة، فالمراد بهم هؤلاء السبعة.[عن عائشة].وهي عائشة رضي الله تعالى عنها، الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين، التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به من الإفك، في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذين يقول فيهم السيوطي:والمكثرï؟½ ï؟½ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي المراد بها عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث ابن عباس في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال عن مخرمة بن سليمان أن كريباً مولى ابن عباس أخبره، قال: (سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قلت: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فوصف أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، ثم نام حتى استثقل، فرأيته ينفخ، وأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فصلى ركعتين، وصلى بالناس ولم يتوضأ)].وهنا أورد النسائي حديث ابن عباس وفيه أنه سئل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل؛ وذلك أنه كان قد نام عند خالته ميمونة، وعرف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر، يعني: هذه صلاته من الليل، وآخرها الركعة التي هي الوتر، ثم إنه لما أذن الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم نام، فاضطجع حتى استثقل، يعني: نوماً ثقيلاً حتى نفخ، يعني: مما يدل على أنه استغرق في نومه، ثم قام وصلى ركعتين، صلى الركعتين بعد النوم، ثم صلى بالناس ولم يتوضأ، ومن المعلوم كما جاء في الحديث: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه)، يعني: فلا يحصل له ما يحصل لغيره من الحدث، ومن المعلوم أيضاً، أن النوم ناقض للوضوء إذا كان مستغرقاً، وكان طويلاً فإنه ناقض للوضوء، وأما إذا كان نعاساً خفيفاً، والإنسان جالس متمكن، أو قائم، وحصل له نعاس فإن هذا لا ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض إذا كان الإنسان مضطجع، وحصل له النوم فإنه ينقض الوضوء، فقد جاء في الحديث: (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء)، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يحصل له انتقاض الوضوء؛ لأنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وأما غيره فإنه إذا حصل منه النوم الطويل الذي يكون عن طريق اضطجاع أو تمكن في النوم فعليه أن يتوضأ؛ لأنه انتقض وضوءه بنومه؛ لأن النوم من نواقض الوضوء؛ لأنه مظنة الحدث.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في إيذان المؤذن الإمام بالصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].وهو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[عن شعيب].وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، خرج له أبو داود، والنسائي فقط.[عن الليث].وهو ابن سعد المصري، ثقة، محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا خالد].وهو خالد بن يزيد المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي هلال].وهو سعيد بن أبي هلال الليثي، وهو صدوق، أخرج له الجماعة.[عن مخرمة بن سليمان].وهو مخرمة بن سليمان، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة أيضاً.[أن كريباً مولى ابن عباس أخبره].كريب، وهو مولى ابن عباس، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[سألت ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة فتوى، أي: معروف بكثرة الفتوى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.
إقامة المؤذن عند خروج الإمام
شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة المؤذن عند خروج الإمام.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)].هنا أورد النسائي هذه التراجم، وهي: باب إقامة المؤذن عند خروج الإمام. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون في بيته، فإذا جاء وقت الإقامة خرج، فيقيم المؤذن عندما يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم.وأورد فيه حديث: أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)، فليس هناك مطابقة بين الحديث والتراجم؛ لأن التراجم كونه يقول: إقامة المؤذن عند خروج الإمام، وهذا قد يفهم منه أن المؤذن قد يحصل منه الإقامة قبل أن يخرج الإمام، فليس هناك مطابقة بين الحديث والتراجم، والمقصود من ذلك: (أنهم لا يقومون في انتظاره، ولكن كونهم يقومون ليسووا الصفوف، ويتراصون، ويقرب بعضهم من بعض، ويسدوا الخلل، لا بأس بذلك).
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني خرجت)
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].وهو الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، مثل: إسحاق بن راهويه، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا الفضل بن موسى].وهو الفضل بن موسى، هو المروزي، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن معمر].وهو معمر بن راشد الأزدي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن يحيى بن أبي كثير].وهو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي قتادة].وهو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو الحارث بن ربعي الأنصاري، رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
قول المؤذن الدعاء بعد الأذان كالسامعين
السؤال: هل يقول المؤذن هذا الدعاء بعد الفراغ من الأذان؟ أم يقوله السامعون فقط؟الجواب: يقوله الجميع؛ المؤذن، والسامعون، فيدعون به بعد الفراغ من الأذان.
دعاء الاستفتاح بالنسبة للمأموم
السؤال: هل المأموم يقول دعاء الاستفتاح؟الجوا ب: نعم، دعاء الاستفتاح يدعو به الإمام والمأموم، بعد تكبيرة الإحرام، فكل منهما يشرع له أن يأتي بدعاء الاستفتاح.
حكم الصلاة بين السواري
السؤال: ما حكم الصلاة بين أعمدة المسجد؟الجواب: الصلاة بين الأعمدة فيها قطع للصفوف، ولا يصلى بينها إلا إذا امتلأ المسجد، وصار هناك حاجة إلى الصلاة بينها، فيصلي بينها، ولكن يصلي مجموعة، وليس واحداً، وإنما يصلي عدد، وهذا إنما يكون إذا امتلأ المسجد، واحتاج الناس إلى أن يصلوا بين الأعمدة، أما إذا لم يكن هناك حاجة -فكما هو معلوم- فهي تقطع الصفوف، ولا يصلى بينها.
تفسير المقام المحمود بجلوس النبي على الكرسي فوق العرش
السؤال: قرأت في كتاب السنة للخلال: أن المقام المحمود هو جلوس النبي صلى الله عليه وسلم على الكرسي فوق العرش؟الجواب: هذا ليس بثابت، الثابت هو: أن المقام المحمود هي الشفاعة العظمى التي يحمده عليها الأولون والآخرون، فهذا هو المقام المحمود.
حقيقة وجود ذنوب غير الشرك لا تدخل تحت مشيئة الله في غفرانها
السؤال: هل توجد ذنوب لا تدخل تحت المشيئة غير الشرك؟الجواب: أبداً، كل الذنوب تحت المشيئة إلا الشرك، الشرك هو الذي لا يغفره الله عز وجل، والله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فكل ذنب دون الشرك فأمره إلى الله عز وجل، إن شاء عفا عن صاحبه، وإن شاء عذبه، إلا الشرك فهو الذنب الذي لا يغفر، أما ما دون الكفر والشرك فإنه تحت المشيئة.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:26 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(125)
- (باب الفضل في بناء المساجد) إلى (باب ذكر أي مسجد وضع أولاً)
إنما بنيت المساجد للعبادة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زخرفتها وتحميرها وتصفيرها بغرض التباهي، وبين أن ذلك من علامات الساعة.
الفضل في بناء المساجد
شرح حديث: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب المساجد، باب الفضل في بناء المساجد.أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن بحير عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله عز وجل له بيتاً في الجنة)].هنا أورد قول النسائي رحمه الله: كتاب المساجد.الإمام النسائي وغيره من العلماء يفردون المساجد بكتب تخصها في مؤلفاتهم؛ والنسائي رحمه الله عقد هذا الكتاب للمساجد، وجمع فيه الأحاديث المتعلقة بالمساجد، من حيث فضلها، وفضل بنائها، وتفاضل بعض المساجد على بعض، والأحكام الأخرى التي تتعلق بالمساجد.والمساï؟½ ï؟½د: جمع مسجد، والمراد بها: مواضع الصلاة، وقيل لها: مساجد مع أن الصلاة فيها قيام وركوع وسجود؛ لأن المصلي يتمكن من الأرض في حال سجوده، ولأنه إذا سجد على الأرض تكون قدماه وركبتاه ويداه وجبهته وأنفه كلها على الأرض، فلهذا قيل لمواضع الصلاة: مساجد إشارة إلى المواضع التي يصلي عليها، ولم يقل لها: مراكع، ولا مواقف إشارة إلى القيام وإلى الركوع؛ لأن التمكن من الأرض إنما يكون أكثر في حالة السجود، ولهذا وصفت بهذا الوصف، وسميت بهذا الاسم فقيل لها: مساجد.والمساجد هي خير البقاع، كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (أنه سئل عن خير البلاد؟ فقال: مساجدها، وشر البقاع أو شر البلاد: أسواقها)، فبين صلى الله عليه وسلم أن المساجد هي خير البلاد، وهي خير مواضع فيه؛ لأنها أماكن ذكر الله عز وجل، وأماكن الصلاة، وشرها الأسواق التي يكون فيها اللغط والأصوات، وأحياناً الكلام الذي لا ينبغي، فتلك إنما تكون في الأسواق.ثم إن النسائي رحمه الله بدأ الأبواب في هذا الكتاب: باب: الفضل في بناء المساجد.أي: الترغيب في بناء المساجد، والحث على إيجادها، والإنفاق في بنائها؛ لأن ذلك فيه تمكين من ذكر الله عز وجل ومن إقامة الصلاة، ومن تمكين الناس، وتمكين أهل البلد من أن يجتمعوا في مكان مخصص للصلاة، وهو المسجد، فيذكرون الله عز وجل، ويؤدون الصلوات الخمس، ويؤدون ما شاء الله من النوافل، فبدأ النسائي رحمه الله بالفضل في بناء المساجد.وأورد فيه حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، فهذا دال على فضل بناء المساجد وعمارتها، وإيجادها، وصرف الأموال في بنائها والإنفاق عليها، فهذا من خير الأعمال، وهو من الإنفاق في سبيل الله عز وجل؛ لأنه إقامة لأماكن الذكر وأماكن العبادة وأماكن الصلاة.ففي الحديث ترغيب وحث على بناء المساجد، وبيان الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يكون لمن يبني المساجد، وهو أن الله تعالى يبني له بيتاً في الجنة، فالجزاء من جنس العمل، وكثيراً ما يأتي في الأحاديث ذكر الجزاء من جنس العمل، مثل هذا الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، ومثل حديث: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)؛ يعني: هذه من النصوص التي فيها بيان أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنه في هذا الحديث العمل الذي عمله هو بناءه للمساجد، فالله تعالى يثيبه على ذلك بأن يبني له بيتاً في الجنة.ثم في الحديث: دليل على أن الجنة موجودة، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة على وجودها، وأنها قد خلقت، ولكن الله عز وجل يخلق فيها، ويوجد فيها ما شاء الله تعالى أن يوجد؛ لأن أصلها موجود، ولكن الله ينشئ فيها، ويوجد فيها من الثواب لأهل الثواب ما شاء الله عز وجل كما جاء في الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، فإذا وجد البناء من العبد المسلم للمسجد، فالله تعالى يبني له بيتاً في الجنة يجده أمامه إذا غادر هذه الدار، وانتقل إلى الدار الآخرة ودخل الجنة، فإنه يجد ذلك البيت الذي بناه الله عز وجل له.ثم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه)، بيان الحكمة من بناء المساجد، والفائدة من بناء المساجد، وأنه لماذا تبنى المساجد؟ وهو أنها لإقامة ذكر الله عز وجل، ولهذا جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي في صحيح مسلم، الذي تكلم في الصلاة لما عطس وحمد الله، فجعل الناس يضربون على أفخاذهم؛ لأنه تكلم في الصلاة، فجعل يتكلم، يعني: لما رآهم قال: ما لكم؟ فلما فرغ من الصلاة، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله عز وجل)؛ يعني: الصلاة ليس فيها كلام، وإنما هي ذكر لله عز وجل، وقراءة القرآن، وتسبيح له سبحانه وتعالى، ولا يصلح فيها شيء من كلام الناس، والناس يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضاً، أو يرد بعضهم على بعض، وإذا عطس يشمته، والإنسان إذا عطس في صلاته فإنه يحمد الله عز وجل، ولا يرفع صوته؛ لأن هذا ذكر لله عز وجل، لكن غيره لا يقل له: يرحمك الله، ولا يخاطب غيره وهو يصلي، فلا يقل له: يرحمك الله، وهو لا يرد حتى لو قيل له: يرحمك الله، فلا يقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، وإنما له أن يحمد الله عز وجل، فالصلاة فيها ذكر الله، ولهذا في الحديث قال: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه)، والذكر يشمل الصلاة وغير الصلاة، فالصلاة هي من ذكر الله عز وجل، وهي مشتملة على ذكر الله عز وجل؛ لأنها قرآن وتكبير وتسبيح وتحميد، وغير ذلك من الثناء على الله سبحانه وتعالى، فهي مشتملة على ذكر الله سبحانه وتعالى.إذاً: فالمساجد بنيت للصلاة، ولذكر الله عز وجل أي: أنه في غير الصلاة فالإنسان يجلس فيها يسبح ويحمد الله ويهلله وكبره، هذا من ذكر الله سبحانه وتعالى، فهذا الحديث فيه: ترغيب في بناء المساجد، وبيان أن الجزاء من جنس العمل، وأن من بنى بيتاً لله عز وجل -مسجد يصلى فيه- بنى الله له بيتاً في الجنة، وأن المساجد إنما تبنى لذكر الله عز وجل ولإقامة الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (من بنى مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو الحمصي، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي.[حدثنا بقية].هو ابن الوليد الحمصي، وهو صدوق، وكثير التدليس عن الضعفاء، وقد روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. ومسلم روى له حديثاً واحداً متابعة، فبهذا رمز له بأنه من رجال البخاري تعليقاً، ومن رجال مسلم، ومن رجال أصحاب السنن الأربعة.[عن بحير].هو ابن سعد الحمصي، وهو ثقة، ثبت، وخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري في صحيحه، ولا مسلم في صحيحه.[عن خالد بن معدان].هو خالد بن معدان الحمصي، وهو ثقة، يرسل كثيراً، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن كثير بن مرة].هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وما خرج له البخاري شيئاً.[عن عمرو بن عبسة].هو عمرو بن عبسة السلمي الخزرجي صحابي مشهور، وقد خرج له مسلم حديثاً واحداً، وخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة، وليس له في البخاري شيء، وله ثمانية وأربعون حديثاً كما ذكر ذلك صاحب خلاصة تهذيب تهذيب الكمال، وعمرو بن عبسة سكن الشام.
المباهاة في المساجد
شرح حديث: (من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المباهاة في المساجد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المباهاة في المساجد.المباهاï؟½ ï؟½: هي المفاخرة، يعني: بناؤها تفاخراً وتباهياً شيء مذموم؛ لأن التباهي والتفاخر من المقاصد السيئة، ولهذا جاء في الحديث: (من أشراط الساعة)، يعني: من علاماتها؛ لأن الأشراط جمع شرط، والشرط هو العلامة، فالأشراط؛ أي: العلامات، من علامات الساعة أن يتباهى الناس في المساجد، يعني: يتفاخرون في بنائها، فيكون همهم والباعث لهم على بنائها هو المفاخرة والمباهاة، وهذا مقصد ذميم، وإنما فيكون المقصود في بناء المساجد هو إرادة وجه الله عز وجل، لا تفاخراً وتباهياً، وإنما رجاء ثواب الله عز وجل، ودون قصد سيئ.ثم إن بناء المساجد على هذا الوصف -الذي هو التباهي- مذموم.أما إذا بنيت على وجه فيه متانة، وفيه قوة؛ يعني: أنه يطول أمدها، ولا يسرع إليها التأثر، فإن هذا أمر مطلوب، لكن لا يكون فيه مغالاة، ولا يكون في مباهاة، ولا يكون فيه مفاخرة، وإنما يكون المقصود من ذلك ابتغاء وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ثم أيضاً زخرفتها من الأمور التي جاءت الشريعة بمنعها، فبين عليه الصلاة والسلام أن هذا القصد -الذي هو المباهاة- مذموم، وهو من أشراط الساعة، أي من العلامات الدالة على قربها.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أشراط الساعة أن يتباهي الناس في المساجد)
قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].هو المروزي، ويلقب الشاه، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي .[ أخبرنا عبد الله بن المبارك ]. هو المروزي، وهو ثقة، إمام، قال عنه الحافظ في التقريب بعد أن ذكر جملة من صفاته: إنه ثقة، حافظ، جواد، مجاهد، قال بعد ذلك: جُمِعَتْ فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن حماد بن سلمة ].هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أيوب ].هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وأبو تميمة اسمه كيسان، وهو ثقة، ثبت، حجة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً بصري مثل حماد بن سلمة.[ عن أبي قلابة ].هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو أيضاً ثقة إلا أنه كثير الإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأبو قلابة مشهور بكنيته، ومعرفة الكنى مهمة، وهي من علوم مصطلح الحديث؛ وذلك أن الشخص إذا كان مشهوراً بكنيته، فقد يذكر باسمه فيظنه من لا يعرفه أنه شخصين؛ وذلك إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بكنيته مرة أخرى، فيظن من لا يعرف أن هذا غير هذا، لكن من عرف أن أبا قلابة كنية لـعبد الله بن زيد الجرمي يعرف أن هذا شخص واحد.[ عن أنس ].هو أنس بن مالك الأنصاري ، وهو أيضاً بصري، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وقد خدمه عشر سنوات، من حين قدم المدينة وهو يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت مدة بقائه صلى الله عليه وسلم في المدينة وهي عشر سنوات خدمه فيها أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم سبعة عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء السبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تميزوا على غيرهم بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وابن عباس الذي هو الحبر، وعائشة أم المؤمنين زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهؤلاء السبعة هم أكثر الصحابة حديثاً، وأنس بن مالك أحد هؤلاء السبعة، وهو أيضاً من المـُعمِّرين الذين عاشوا وطالت حياتهم، واستفاد الناس من علمهم؛ لأنه أدركهم كبار التابعين، ومتوسط التابعين، وصغار التابعين، وصغار التابعين هم الذين أدركوا من تأخرت وفاتهم من الصحابة، فأدركهم الكبار والمتوسطون والصغار، وهذا من أسباب كثرة الرواية عنه؛ لأنه عُمِّر وعاش، وقدم الناس عليه يتلقون منه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بصري أيضاً؛ لأنه سكن البصرة.والحديث في إسناده مروزيان، وهما: سويد بن نصر ، وعبد الله بن المبارك ، والباقون بصريون، وهم: حماد بن سلمة ، وأيوب السختياني ، وأبو قلابة ، وأنس بن مالك فأربعة بصريون، واثنان مروزيان.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:28 AM
ذكر أي مسجد وضع أولاً
شرح حديث أبي ذر في بيان أي مسجد وضع أولاً
قال المصنف رحمه الله: [ باب: ذكر أي مسجد وضع أولاً.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن إبراهيم قال: ( كنت أقرأ على أبي القرآن في السكة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت: يا أبت! أتسجد في الطريق؟ فقال: إني سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي مسجد وضع أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاماً، والأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصل ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب: ذكر أي المساجد وضع أولاً.هذه الترجمة التي عقدها النسائي، أورد فيها حديث أبي ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان ما ترجم له وهو: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: أي المساجد وضع أولاً؟ فقال: المسجد الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قيل: وكم كان بينهما؟ قال: أربعون عاماً )، فالمطابقة واضحة؛ لأن السؤال عن أي مسجد وضع أولاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بأنه المسجد الحرام، ثم سئل عن المسجد الذي بني بعده أو وضع بعده؟ فقال: (المسجد الأقصى)، فسئل: (كم كان بينهما من السنين) فقال: (أربعون سنة)، وقد جاء في القرآن أن إبراهيم هو الذي بنى الكعبة، ثم جاء كذلك في بعض الأحاديث أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، لكن -كما هو معلوم- المدة بين إبراهيم وبين سليمان طويلة جداً؛ لأن موسى كان بعد يوسف بزمن، ومن المعلوم أن داود وسليمان بعد موسى؛ لأنه كما جاء في قصة موسى في سورة المؤمن -غافر- أنه ذكر يوسف من قبله، وأنه قد جاء بالبينات، ثم ذكر في سورة البقرة في الجند أو القوم الذين ذكرهم الله عز وجل من بني إسرائيل: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ [البقرة:251]، وأول القصة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [البقرة:246]، فداود وسليمان بعد موسى، وموسى كان بعد يوسف، ويوسف هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فليس في المدة أربعين سنة، ففي هذا إشكال، لكن أجاب بعض العلماء عن هذا الإشكال: أن الذي حصل من إبراهيم ومن سليمان إنما هو تجديد للبناء، وأن البناء كان أولاً؛ أعني: إن بناء المسجد الحرام كان قبل إبراهيم، وبناء المسجد الأقصى كان قبل سليمان، وهنا في الحديث ليس فيه ذكر الباني، وإنما هو مطلق، وما قيل: إنه بناه إبراهيم، وهذا بناه سليمان، لكن ما جاء في القرآن من إضافة البناء إلى إبراهيم، وما جاء في السنة -في بعض الأحاديث- من إضافة البناء إلى سليمان لا يعني أن هذا هو الأول؛ لأن المدة بين إبراهيم وبين سليمان مدة طويلة جداً ليست أربعين سنة، والحديث إنما قال: أنها أربعين سنة بين وضع هذا ووضع هذا، وبناء هذا وبناء هذا، فيكون البناء لهما أولاً، ولكن إبراهيم جدد المسجد الحرام، وسليمان جدد المسجد الأقصى، فما جاء في القرآن من إضافة البناء إلى إبراهيم، وما جاء في السنة من إضافة بناء المسجد الأقصى إلى سليمان إنما هو تجديد للبناء، هذا من أحسن ما أجيب به عن هذا الإشكال .والحديث ساقه النسائي للاستدلال به على ما ترجم له، وهو مطابق، وقد ذكر للحديث سبباً في إيراده، وهو أن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي كان مع أبيه يزيد بن شريك، وكان كما جاء في بعض الروايات: (كل واحد يقرأ القرآن على الثاني)، فكان أبوه يزيد بن شريك وكان ذلك في السكة، وقيل: إنه كان في رحبة البيت، يعني: مكاناً على طرف البيت في فنائه في دكته من جهة الشارع من جهة السوق والسكة، فكان إذا مر بآية فيها سجدة سجد، فقال إبراهيم بن يزيد لأبيه: (أتسجد في الطريق؟) فأورد الحديث، قال: (سمعت أبا ذر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المساجد وضع أولاً؟ فقال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم قال: والأرض لك مسجد، فأينما أدركتك الصلاة فصل)، وهذا هو محل الشاهد من استدلال يزيد بن شريك على ولده عندما استشكل؛ لأن قوله: (والأرض لك مسجد)، وهو قد سجد في هذا المكان، والأصل في الأرض الطهارة، والمراد بذلك أنها ما دامت على هيئتها وعلى حقيقتها، أما إذا عرف أنها تنجست، وأنه أصابها نجاسة، فعند ذلك تجتنب النجاسة أو تزال النجاسة.فالمقصوï؟½ ï؟½ من أن الأرض مسجد، يعني: مادامت على هيئتها، أما إذا تنجس شيء منها فلا يصلى عليها إلا بعد إزالة النجاسة، أو وضع ساتر يستر عن النجاسة؛ لأنه لابد من طهارة البقعة في المكان الذي يصلى فيه .ومحل الشاهد من إيراد يزيد بن شريك في الحديث هو آخره، وفي الحديث دليل على ما كان عليه سلف هذه الأمة إذا حصل شيء يستشكلونه أنهم يوردون الإشكال؛ لأن إبراهيم بن يزيد التيمي لما رأى أباه يسجد، وذلك الموضع هو طريق، وليس في داخل البيت، وليس في مسجد، وإنما هو في مكان في فناء البيت، وعلى مقربة منه، فأنكر واستشكل، فاستدل عليه أبوه بالحديث.ثم أيضاً فيه بيان ما كان عليه السلف من اتباع السنن والاحتجاج بالآثار، وأنه قد يورد الحديث والمراد بعضه؛ لأن يزيد بن شريك التيمي أورد الحديث بكامله، فمقصوده آخره الذي هو الاستدلال على الصلاة في المكان الذي يصلى فيه، فهم يذكرون الحديث بكامله، ومقصودهم جزء منه؛ لأن المقصود في هذا الحديث هو آخره وهو قوله : (والأرض لك مسجد)؛ يعني: أي مكان أدركت الصلاة فيه فصل، فإنه لك مسجد.
تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر في بيان أي مسجد وضع أولاً
قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له أبو داود ، ولا ابن ماجه، أي: خرج له أربعة من الكتب الستة، ومسلم أكثر من الرواية عنه.[ حدثنا علي بن مسهر ]، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأعمش ].هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، مدلس، وهو مشهور بلقبه، واسمه سليمان بن مهران، ومعرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في علوم الحديث؛ لأن فائدة ذلك أن لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف أن الأعمش هو سليمان بن مهران يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكن من يعلم أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، ولا يظن الشخص الواحد شخصين، وإنما يعرف أن هذا شخص واحد، ولكن ذكر مرة باسمه وذكر مرة بلقبه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم ].هو ابن يزيد بن شريك التيمي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبوه يزيد بن شريك التيمي ثقة أيضاً، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمعت أبا ذر ]. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
حكم حديث بقية بن الوليد إذا عنعن
السؤال: الحديث الأول فيه بقية، وهو مدلس وقد عنعن، فهل هذا الحديث متصل؟الجواب: بقية مدلس، وهنا دلس عن ثقة؛ لأن بحير بن سعد ثقة، ثبت كما ذكره صاحب التقريب، لكن الفضل في بناء المساجد، وحديث: (من بنى لله مسجداً يذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة)، جاء من طرق أخرى، وفي حديث آخر يقول: ( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة )، فهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض.
حكم حلق الرجل عانة أبيه عند عدم الاستطاعة
السؤال: هل يجوز للرجل أن يحلق عانة أبيه إذا لم يستطع الوالد؟الجواب: ليس بلازم الحلق؛ إذا لم يتمكن الوالد من حلاقتها فإنه يقصها قصاً، والقص كلٌ يستطيعه.أما إذا كان مقعداً، ولا يستطيع أن يخدم نفسه فممكن، وذلك مثلما يقوم بالأمور الأخرى لاستنجائه وإخراج القاذورات منه، كذلك يفعل بعانته، أما إذا كان يستطيع قصها، فإنه لا يحتاج إلى أن يحلقها غيره، أي: هذه ليست ضرورة، فيمكن بالقص.
ما يلزم من قرأ على غير ترتيب المصحف في الصلاة
السؤال: هل يلزم الشخص في القراءة في الصلاة أن يلتزم بترتيب المصحف؟الجواب: الأولى للإنسان أنه إذا قرأ القرآن فإنه يكون مرتباً في الصلاة وفي غير الصلاة، يعني: عندما يقرأ السور بالترتيب، لكن لو عكس جاز؛ بمعنى: أنه قرأ سورة، ثم قرأ سورة قبلها في ترتيب المصحف، فيجوز ذلك؛ لأن الحديث الذي ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران)، وكذلك الحديث الذي في قصة الرجل الذي كان يصلي بقومه، ويقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ويختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]؛ لأنه إذا كان في كل ركعة يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، يعني: أنه يقرأ شيء قبلها؛ لأن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ليس بعدها في المصحف إلا سورتين، سورة الفلق وسورة الناس؛ معناه: أنه لابد أن يقرأ شيئاً قبلها، فهذا مما استدل به العلماء على أنه يجوز أن تقرأ السورة بعد سورة هي بعدها في ترتيب المصحف.
حكم بناء المساجد على القبور
السؤال: هل يجوز أن تبنى المساجد على القبور ؟الجواب: لا يجوز أن تبنى المساجد على القبور، وقد قال ابن القيم رحمه الله في كتاب زاد المعاد: لا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، فإذا بني المسجد أولاً فلا يجوز إدخال القبر فيه، وإنما ينبش الميت ويخرج؛ لأن المسجد كان قبل، وإذا كان القبر أولاً، ثم أتي بالمسجد وبني على المقبرة فإنه يهدم المسجد، وتبقى المقبرة كما كانت. أما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بناه بيده الشريفة ومعه أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحجراته التي بناها كانت خارج المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يسكن في حجراته ومنها حجرة عائشة التي فيها قبره الآن صلى الله عليه وسلم، ولما مات دفن في بيته، ولم يدفن في المسجد، وظل الأمر كما كان بعد وفاته؛ أي: في زمن الخلفاء الراشدين، وفي زمن معاوية، وفي مدة طويلة من عهد بني أمية، ثم في عهد عبد الملك وسَّع المسجد فأدخل الحجرات في المسجد، فالمسجد فضيلته ثابتة دخل القبر أو ما دخل، وإدخاله إنما كان في زمن بني أمية، فلا يجوز أن يستدل على أن المساجد تبنى على القبور، أو أن الأموات يدفنون في المساجد استدلالاً بوجود قبره صلى الله عليه وسلم في مسجده، بل الحجة في المنع ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر لحظاته، وفي أواخر أيامه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس )، وقوله: (قبل أن يموت بخمس)، فالرسول توفي يوم الإثنين، والكلام هذا قاله يوم الأربعاء، وقبل الأربعاء الخميس والجمعة والسبت والأحد الإثنين؛ يعني: هذا الكلام قاله يوم الخميس، (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك )، فهذا كلام محكم غير منسوخ قاله الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس ليال، ثم بعد ذلك وبعد هذه المدة وهو في النزع كما جاء في الحديث المتفق على صحته: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم الموت طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )، فهذه أحاديث محكمة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دخلها نسخ، وقالها في أواخر أيامه، بل في آخر لحظاته صلى الله عليه وسلم، فالحجة بها.أما وجود قبر الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده فإن هذا ليس من فعله، ولا فعل خلفائه الراشدين، والقبر كان خارج المسجد، والفضل ثابت للمسجد أدخل القبر فيه أو لم يدخل، فلا يجوز أن يتخذ حجة، بل الحجة ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة التي قالها في آخر أيامه، وفي أواخر لحظاته صلى الله عليه وسلم وبارك عليه.
الواجب على من عليه كفارة صيام شهرين متتابعين
السؤال: عليه صيام شهرين متتابعين، ونوى أن يصومها في هذه المدينة، ولكن مع ظروف العمل لا يستطيع ذلك، فماذا يعمل؟الجواب: عليه صيام شهرين متتابعين؟مداخلة : نعم، لا يستطيع أن يصوم هنا إلا شهراً واحداً.الشيخ: ليس له مادام أن الواجب عليه صيام شهرين متتابعين، فلابد من التتابع فيهما، ولا يجوز له أن يفرقهما.ولكن مادام أنه ما حصل منه النذر أنه يصوم شهرين متتابعين في المدينة، وإنما عليه صيام كفارة، وصيام الكفارة ما له دخل في بلد معين، أما إذا نذر أنه يصوم مثلاً في المدينة أو يصوم في مكة، فإنه يوفي بنذره، وأما مجرد كونه عليه صيام شهرين متتابعين، ولكنه لا يتمكن من صيامها في المدينة، فليس بلازم أنه ينفذها في المدينة، فاللزوم هو أن تكون متتابعين، فإذا صام في المدينة شهراً ثم سافر وهو متابع للصيام في السفر، ووصل إلى البلد الذي استقر فيه، وواصل الصيام حتى أكمل شهرين متتابعين، فقد أدى ما عليه.
حكم العمل بالحديث الذي قيل عنه لا بأس به
السؤال: الحديث الذي قيل فيه: لا بأس به، هل يعمل به؟الجواب: الحديث الذي لا بأس به معناه أنه يحتج به، وهذا يعمل به.
مدى جواز تأخير الظهر إلى آخر وقتها
السؤال: شخص يصلي الظهر دائماً قبل العصر بربع ساعة، هل يعيد؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة إلى وقت العصر؛ لأن هذا تعريض لإخراجها عن وقتها، لكن الإنسان مطلوب منه أن يبادر إليها في أول أوقاتها، والظهر يؤخرها إذا اشتد الحر فيبرد بها، لكن لا يبرد بها إلى قرب العصر؛ لأن تأخيرها إلى قرب الوقت عرضة لأن يخرجها عن الوقت، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يأتي بها في أول وقتها، ومادام أنها وقعت قبل دخول وقت العصر فهي في وقتها، لكن ليس للإنسان أن يؤخرها إلى قرب الآخر؛ لأن هذا عرضة لخروجها عن الوقت، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه )؛ يعني: يمكن أن الوقت يخرج فيكون أخرجها عن وقتها، فيكون فعله قضاء لا أداء، لكن مادام أنه صلاها قبل دخول وقت العصر فهو أداء، لكنه مخاطر بالصلاة؛ حيث يعرض نفسه لتأخيرها عن وقتها.مداخلة: لا يؤمر بإعادتها؟الشيخ: لا، أبداً لا تعاد، فهي صلاة في الوقت، حتى لو صلاها في غير وقتها فهي قضاء ولا تعاد.
مدى ثبوت حديث فيه إهداء الصلاة للميت في صحيح مسلم
السؤال: هل ثبت في صحيح مسلم حديث فيه جواز أداء صلاة النوافل للميت؟الجواب: ما أعلم شيئا فيه إهداء الصلوات، والذي ثبتت به السنة وجاءت به النصوص في إهداء الثواب هو في الحج والعمرة والصدقة، وكذلك في الأضحية، وكذلك الدعاء -أي: ينفع الأموات- وكذلك الصيام جاء بالنسبة للصيام الواجب: ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ).أما الصلاة فلا نعلم لا في صحيح مسلم ولا في غيره شيئاً يدل على إهداء ثواب الصلاة، والذين قالوا بإهداء القرب غير ما ورد دليلهم القياس.
الأحاديث التي لا يعمل بها
السؤال: ما هي الأحاديث التي لا يعمل بها، ولو كان هناك شواهد؟الجواب: الحديث الذي ثبت فإنه يعمل به، سواء كان له شواهد أو ثبت بشواهده، أو ثبت استقلالاً بدون حاجة إلى شواهد.
حكم فصل قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟
السؤال: هل يجوز فصل قبر النبي صلى الله عليه وسلم ؟الجواب: لا شك أن هذا هو الذي ينبغي وهو أن يفصل من المسجد، ويكون خارج المسجد حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم التي دفن بها كان فيها باب بينها وبين المسجد، لكن كونه يفصل ويكون خارج المسجد، وليس داخلاً ضمن المسجد -بأن يكون مفصل وبينه وبينه أبواب- هذا هو الذي ينبغي؛ كما كان موجوداً في زمن الخلفاء الراشدين وزمن معاوية رضي الله تعالى عنه وكذلك بعده بمدة.
حكم التبرك بالصالحين
السؤال: ما حكم التبرك بالصالحين؟ وإذا كانت الإجابة بالمنع فما هو جوابكم عما حصل لبعض السلف مع بعض؟ كفعل جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حديث مسلم في صفة الحج: أنه وضع يده على صدر أحد أبناء محمد بن علي بن الحسين؟الجواب: التبرك بالذوات والأشخاص إنما هو خاص برسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وبعرقه، وببصاقه ومخاطه صلى الله عليه وسلم، كانوا يتبركون به، وما فعلوا هذا مع أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي بعده، وقد ذكر الشاطبي في الاعتصام أن الصحابة أجمعوا على عدم فعل هذا مع أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:30 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(126)
- (باب فضل الصلاة في المسجد الحرام) إلى (باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه)
للبركة مجالات كثيرة، فمن ذلك الصلاة في المسجد الحرام، فإنها تفضل على غيره من المساجد بمائة ألف صلاة إلا المسجد النبوي فإنها تفضل على الصلاة فيه بمائة صلاة، ومعنى ذلك: أن المسجد النبوي يفضل على غيره من المساجد بألف صلاة.
فضل الصلاة في المسجد الحرام
شرح حديث: (الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) يعني المسجد النبوي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل الصلاة في المسجد الحرام.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس أن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ( من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الكعبة ) ].يقول النسائي رحمه الله: باب فضل الصلاة في المسجد الحرام، هذه الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله لفضل الصلاة في المسجد الحرام، أورد تحتها حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وذلك أنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى في هذا المسجد -أي: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- فإن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)، فمقصود النسائي ما جاء في آخره من قوله: (إلا مسجد الكعبة)، والحديث يدل على فضل الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويدل على فضل الصلاة في المسجد الحرام على ما فهمه النسائي وغيره من أن الاستثناء في قوله: (إلا مسجد الكعبة)، أي: فإن الصلاة فيه أفضل من المسجد النبوي، أو الصلاة فيه أفضل من هذا المسجد، وهذا هو الذي فهمه جمهور العلماء، واستدلوا به على تفضيل مكة على المدينة، وكذلك تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد جاء عن مالك رحمه الله أنه يرى أن المدينة أفضل من مكة، وأن الحديث لا يدل على تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل قيل عنه أنه قال: إلا مسجد الكعبة فإنه ليس أفضل منه بألف صلاة، وإنما هو أفضل منه بأقل من الألف، وهذا على القول بتفضيل الصلاة في المسجد النبوي على الصلاة في المسجد الحرام، يعني: معناه: أن الاستثناء إلا مسجد الكعبة، فإنه لا يفضله بألف كغيره من المساجد، وإنما يفضله بدون الألف. ولكن الذي فهمه النسائي، وأورد الحديث بالاستدلال على فضله فهمه جمهور العلماء؛ على أن المقصود من ذلك هو تفضيل الصلاة في المسجد الحرام على الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات، أن الاستثناء الذي جاء عنه عليه الصلاة والسلام جاء تفسيره وبيانه بأن المسجد الحرام الصلاة فيه أفضل من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بمائة صلاة، وعلى هذا فتكون الصلاة في المسجد الحرام أفضل من غيره من المساجد بمائة ألف؛ لأن المائة بألف، فتكون مائة ألف.ومما يدل على تفضيل مكة على المدينة قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخرج منها ونظر إليها وقال: ( إنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا إني أخرجت لما خرجت )، يعني: أنه إنما خرج بإيذاء الكفار له، وأن سببه إيذاء الكفار له، وأنه خرج منها مهاجراً إلى المدينة؛ لأنه أخرج ولأن الكفار آذوه، ولا يعني: أن المدينة أفضل من مكة، فإن التفضيل إنما المعول عليه ما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء الحديث واضحاً بأن مكة أحب بلاد الله إلى الله، وكذلك أيضاً تفضيل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف على غيره من المساجد، وأما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره بألف ضعف: ( الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ). وهذا الحديث كذلك عن ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، والحديث جاء بلفظ: (من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) فيحتمل أن يكون المقصود به استفهام، يعني: من صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ تستفهم وتبين الفضل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)، وقد جاء هذا الحديث في بعض الكتب الأخرى، مثل مسند الإمام أحمد أن ميمونة قالته تخاطب امرأة كانت قد نذرت؛ حصل لها مرض إن شفاها الله عز وجل أن تذهب إلى المسجد الأقصى وتصلي فيه، فقالت لها: صل في هذا المسجد؛ في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة).فيكون على هذا احتمال أن يكون فيه شيء من التصحيف أو التحريف، أي: اللفظ، وأن الحديث أصله أن ميمونة قالت لامرأة: صلي، ويحتمل أن يكون على ما جاء هنا: من صلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني: استفهام، وتبين أو تريد أن تبين الفضل لمن صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
بيان اختلاف العلماء في المراد بالمسجد الحرام
وقد جاء في الحديث: (إلا مسجد الكعبة)، وجاء في بعض الأحاديث: (إلا المسجد الحرام)، بلفظ: (المسجد الحرام)، ومسجد الكعبة هو المسجد المحيط بالكعبة، ويحتمل أن يكون المراد بذلك المسجد الحرام مطلقاً. والمسجد الحرام اختلف العلماء في المراد به، هل يراد به المسجد المحيط بالكعبة؟ أو يراد به مكة كلها، وأنها يقال لها: المسجد الحرام، وأن التضعيف يكون لمن صلى في أي مكان منها؛ لأن مكة كلها يقال لها: المسجد الحرام؟ وقد قال بهذا جماعة من أهل العلم، وقال بعضهم بأن المراد بالمسجد الحرام هو المسجد المحيط بالكعبة. وإطلاق المسجد الحرام على مكة كلها جاء في القرآن، ومن ذلك قول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، فإن المسجد الحرام ليس المراد به المسجد المحيط بالكعبة، وإنما يراد به مكة كلها، فالكفار لا يجوز أن يدخلوا مكة، والله عز وجل يقول: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1]، وهو إنما أسري به من بيت من بيوت مكة، فأطلق على مكة كلها أنها المسجد الحرام، فلهذا فإن بعض أهل العلم يقولون: إن قوله: (إلا المسجد الحرام)، يراد به مكة كلها، وأن الصلاة فيها بمائة ألف صلاة.أما مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه جاء تقييده، وعلى هذا فلا يتعدى إلى المدينة، وعلى غير مسجده صلى الله عليه وسلم، بل يكون التضعيف خاصاً في مسجده صلى الله عليه وسلم، وأما المساجد الأخرى والأماكن الأخرى التي هي خارج مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها لا تكون داخلة ضمن مسجده عليه الصلاة والسلام، والتضعيف الذي ورد في الحديث إنما هو لمسجده خاصة، ولكن ليس المراد بالمسجد هو المسجد الذي كان في زمنه فقط، وأن الزيادات التي زيدت عليه بعد ذلك لا يكون لها هذا الفضل، نعم، قال بهذا بعض أهل العلم: أن التضعيف خاص بالمسجد الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وأن الزيادات التي زيدت عليه يختلف حكمها عما كان في زمنه، ولكن القول الواضح الجلي: أن الزيادات لها حكم المزيد، وأن الإضافات التي تضاف إلى المسجد مهما وسع المسجد، ومهما زيد في مساحته، سواء كان مغطىً أو مكشوفاً ما دام أن الجدران والأبواب تحيط به، فإن ذلك يشمله التضعيف، وأن الصلاة في الجميع بألف صلاة، والدليل على هذا أن الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما زادا في المسجد من جهة الأمام؛ من الجهة القبلية، ومعلوم أن عمر وعثمان خليفتان راشدان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )، والصحابة أقروهما على ذلك، ولم ينكروا عليهما، والإمام يصلي في الزيادة، والصفوف الأول تكون في الزيادة، فلولا أن الزيادة لها حكم المزيد ما كان عمر وعثمان يزيدان المسجد من جهة الأمام، ويحرمان الإمام والصفوف الأُول من ألف صلاة، ويكون التضعيف إنما هو للصف العاشر، أو ما وراء ذلك، لكن لما زاداه من جهة الأمام، والصحابة متوافرون ولم ينكروا ذلك، والإمام يصلي في الزيادة، والصفوف الأول في الزيادة دل هذا على أن الزيادة لها حكم المزيد، وأن المسجد مهما وسع، ومهما أضيف إليه من التوسعات، ما دام أن الجدران والأبواب تحيط به، سواء كان مغطى أو مكشوفاً فإن كل ذلك يدخل تحت اسم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والصلاة في الجميع بألف صلاة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ).
تراجم رجال إسناد حديث: (الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) يعني المسجد النبوي
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد أكثر عنه النسائي، واسمه من الأسماء المفردة التي لم يشاركه أحد في هذه التسمية، يعني: من رجال الكتب الستة فليس له مشارك فيقال لمثل هذا النوع الأسماء المفردة، يعني: التي هي قليلة الاستعمال أو نادرة الاستعمال، وهو ثقة ، إمام ، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث]. وهو ابن سعد المصري ، الفقيه، المحدث، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، إمام، مشهور بالحديث والفقه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد ].وهو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، وهو صدوق، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وفي هذه النسخة أنه يروي عن ميمونة، وفي بعض النسخ أنه يروي عن ابن عباس، وهو يروي عن عم أبيه عبد الله بن عباس ؛ لأن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، فـعبد الله بن عباس هو عم أبيه؛ لأنه عم عبد الله بن معبد ؛ لأن معبد هو أخو عبد الله بن عباس، وهو إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس بن عبد المطلب، فهو يروي عن عم أبيه عبد الله بن عباس، وعلى هذا فيكون ابن عباس يروي عن خالته ميمونة أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها وعن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.وذكر أن إبراهيم بن عبد الله بن معبد روى عن ميمونة مباشرة وبدون واسطة، وعلى هذا فيكون ما جاء في هذه النسخة أنه من قبيل المتصل، وما جاء في بعض النسخ أنه عن ابن عباس، فيكون بينه وبينها واسطة، وميمونة بنت الحارث الهلالية هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة في الكعبة
شرح حديث ابن عمر في صلاة النبي في الكعبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة في الكعبة.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، صلى بين العمودين اليمانيين ) ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب الصلاة في الكعبة، أي: في داخل الكعبة، وأورد فيها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، يعني: حاجب الكعبة، فأغلقوا عليهم الباب، ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج، قال ابن عمر : كنت أول من ولج، أو في أول من ولج، يعني: أول من دخل البيت، فسألت بلالاً، وكان بلال ممن دخل معه في الكعبة، ومن المعلوم أن الذين معه هم الذين يعرفون ماذا فعل، وهل صلى أو لم يصل، فسأل عن الصلاة: هل صلى فيه؟ يعني: بادر ابن عمر وسأل بلالاً : هل صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.فالصلï؟½ ï؟½ة في الكعبة الدليل عليها هو هذا الحديث الذي يقول فيه بلال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى فيها، أي: في الكعبة، بين العمودين اليمانيين، والصلاة إنما هي نافلة، وقد ثبتت السنة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه تنفل بها، وأما بالنسبة للفرض فلم يأتِ عنه أنه صلى فيها، والعلماء اختلفوا في الفرض: هل تصلى في الكعبة في داخلها أو لا تصلى؟ فمنهم من قال: إنها لا تصلى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما صلى فيها، وإنما صلى نافلة فقط، ومنهم من قال: يصلى فيها؛ لأن ما جاء في النفل يسري على الفرض. والنفل الحديث الذي ساقه المصنف هو دال عليه، وأما بالنسبة للفرض فلم يأتِ شيء يدل عليه، فالأولى من الأقوال هو عدم الصلاة في الكعبة، يعني: الفريضة. ومن المعلوم أن الحجر هو من الكعبة، وكان على قواعد إبراهيم، ولكن قريشاً لما قصرت بهم النفقة أخرجوا مكان الحجر منها، فكان جزءاً من الكعبة، فالطواف يجب أن يكون من ورائه ولا يجوز أن يكون من داخله، ومن طاف من داخل الحجر فإن طوافه غير صحيح؛ لأنه يعتبر ما طاف بالبيت، ومن صلى في الحجر كأنه صلى في البيت؛ لأنه من الكعبة.ثم أيضاً يدل الحديث على ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص الشديد، والتتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفتها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وأغلق عليه الباب حرص الذين لم يكونوا معه على أن يعرفوا ماذا فعل في داخلها، هل صلى أو لم يصل؟ فـ ابن عمر رضي الله عنه سأل بلالاً: هل صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يدلنا على حرص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم على معرفة السنن، وعلى معرفة الحق والهدى الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنهم تحملوا السنن وأخذوها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخذها بعضهم عن بعض، وأدوها وبلغوها لغيرهم كما تحملوها وكما تلقوها، فكان لهم هذا الفضل العظيم، الذي هو كونهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن كل حق وهدى وصل إلى الناس إنما جاء عن طريق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فإن ما حصل من ابن عمر من مبادرته إلى سؤال بلال: هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ دال على ما ذكرت.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي في الكعبة
قوله: [ أخبرنا قتيبة ]. وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا الليث ]، وقد مر في الإسناد الذي قبل هذا أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، كما أنه مشهور بالنسبة إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري نسبة إلى جده زهرة بن كلاب، الذي هو أخو قصي بن كلاب، ويلتقي مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي بن كلاب أخوه زهرة بن كلاب، وجده شهاب هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فهو جد جده.وهو أي: الزهري إمام، جليل، من الفقهاء، ومن المحدثين، ومن أوعية العلم، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز في زمن خلافته بأن يجمع السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان غيره كان قد اشتغل بجمعها بجهود خاصة، إلا أنه كلف من الخليفة ومن الإمام في وقته عمر بن عبد العزيز بجمع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمراً له عمريعني: أول من قام بجمعه بتكليف من الدولة، وأما جمعه وكتابته فقد كانت موجودة في الصحابة، وموجودة في غير الصحابة، ولكن كونه يتم عن طريق تكليف من الدولة، إنما كان من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، للزهري رحمة الله تعالى عليه، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سالم ].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عن عبد الله وأبيه وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله سالماً وسائر علماء المسلمين. وسالم هذا هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: سالم بن عبد الله بن عمر هذا، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأما الستة الباقون الذين هم لا خلاف في عدهم، فهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب. [ عن أبيه ].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن العبادلة الأربعة المشهورين بهذا اللقب أربعة، هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير؛ لأنهم من صغار الصحابة، وعاشوا واستفاد الناس منهم، والذين يسمون عبد الله كثير، ومن أشهر من يسمى عبد الله: عبد الله بن مسعود، وليس من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما هؤلاء فقد عاشوا، وكانوا من صغار الصحابة وعمروا وأدركهم الكثير من التابعين، ورووا عنهم، ولهذا اشتهروا بلقب العبادلة الأربعة. وهو أيضاً أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:32 AM
فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه
شرح حديث عبد الله بن عمرو في فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن ابن الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثة: سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه.والمسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، كما ثبت بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ).وقد عقد النسائي هذه الترجمة، وأورد تحتها هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل خلالاً ثلاثة؛ سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وحين فرغ من بناء المسجد سأل الله عز وجل أن من أتاه لا ينهزه إلا الصلاة أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ).والنسائي رحمه الله أورد الحديث من أجل الجملة الأخيرة التي فيه، وهي: أن سليمان سأل هذه المسألة؛ أن من أتى هذا المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، يعني: لا يخرجه ولا يحركه ولا يجعله يتجه إلى هذا المسجد إلا لهذا الغرض، وهو الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه، والحديث رواه ابن ماجه، وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وقد أوتي الخصلتان الأوليان، وأرجو أن يكون أوتي الثلاثة )، والنسائي رحمه الله، أورده للاستدلال به على فضل المسجد الأقصى، وفضل الصلاة فيه من أجل الجملة الأخيرة التي فيه، وقد عرفنا في حديث قريب: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأله أبو ذر : أي مسجد وضع أول؟ فقال: المسجد الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قال: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة )، وقد عرفنا عند ذكر ذلك الحديث أن بعض العلماء استشكل كون إبراهيم هو باني المسجد الحرام، وباني الكعبة، وكون سليمان هو باني المسجد الأقصى، وأن بينهما أربعين سنة، ومن المعلوم أن المدة التي بين إبراهيم وبين سليمان مدة طويلة، وأنه أجيب بأجوبة من أفضلها: أن بناء إبراهيم وبناء سليمان للمسجدين إنما هو تجديد، وليس البناء لأول مرة، بل كان بناؤهما قبل ذلك، وإبراهيم إنما هو مجدد للبناء، وسليمان إنما هو مجدد لبناء المسجد الأقصى. والحديث فيه: أن سليمان سأل الله عز وجل حكماً يصادف حكمه، يعني: حكماً يوافق حكمه، أنه إذا اجتهد في مسألة من المسائل يوافق اجتهاده حكم الله عز وجل، وقد أوتي ذلك. ومن الأفراد الدالة على هذا المعنى العام ما جاء في سورة الأنبياء: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79]، يعني: كلاً من داود وسليمان، ففيه تفهيمه للحكم وإصابته في اجتهاده، وهو من أفراد ما يدل عليه هذا الحديث أنه سأل الله حكماً يصادف حكمه، وسأل الله عز وجل أن يؤتيه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وقد حصل ذلك، فإنه حصل له ملك ما يحصل لأحد من بعده، ولا ينبغي لأحد من بعده، وقد جاء في القرآن وجاء في السنة النصوص الواضحة الجلية في تمكين الله عز وجل له، وتسخير الطير، وتسخير الجن والإنس، وتسخير الحيوانات لتنفيذ ما يريده، كما جاء ذلك مبيناً في القرآن، ومن المعلوم أن قصة إحضار عرش بلقيس من اليمن، وكان ذلك في وقت يسير، كما جاء مبيناً في سورة النمل، هذا الذي حصل له ما حصل لأحد من بعده، حتى في هذا العصر الذي حصلت فيه هذه الحضارة المادية، وحصل فيه ما حصل، فالذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام هو فوق هذه الأشياء التي حصلت في هذا الزمان، فأعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، حيث سخرت له الطير، وسخرت له الريح، وسخرت له الجن والإنس، وكما جاء في القرآن الشياطين منهم البناء ومنهم الغواص، فمنهم الذي يبني البنيان، ومنهم الذي يغوص في البحار؛ كل ذلك تسخيراً لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو في فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه
قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].وهو النسائي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه النسائي وحده، وهو نسائي؛ من بلد النسائي.[ حدثنا أبو مسهر ].وهو عبد الأعلى بن مسهر، يعني: كنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وهذا من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن من لا يعرف أن كنيته توافق اسم أبيه، وكان يعرفه مشهوراً بنسبه، فإذا سمع عبد الأعلى بن مسهر، وهذا مشهور عنده، ثم رآه مرة أخرى: عبد الأعلى أبا مسهر، يظن أن (أبا) تصحيف من (ابن)، وهو ليس بتصحيف، بل هو صواب؛ لأنه أبو مسهر وهو ابن مسهر، فإذا قال: أبو مسهر فهو صواب، والكل صواب؛ لأنه هو أبو مسهر وهو ابن مسهر؛ لأن كنيته توافق اسم أبيه، وعبد الأعلى بن مسهر هذا ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا سعيد بن عبد العزيز ].وهو سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، وذاك دمشقي أيضاً الذي هو عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي هو أيضاً ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ربيعة بن يزيد ].وهو الدمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي إدريس الخولاني].واسمه عائذ الله بن عبد الله، وهو ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن كبار الصحابة، وقال عنه سعيد بن عبد العزيز التنوخي الذي جاء في الإسناد: عالم الشام بعد أبي الدرداء ، مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن الديلمي ].هو عبد الله بن فيروز، وهو ثقة من كبار التابعين، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ عن عبد الله بن عمرو ].وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين مر ذكرهم قريباً عند ذكر عبد الله بن عمرو، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه
شرح حديث: (صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)
[ فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.أخبرنا كثير بن عبيد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر مولى الجهنيين، وكانا من أصحاب أبي هريرة : أنهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ( صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد، قال أبو سلمة وأبو عبد الله : لم نشك أن أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعنا أن نستثبت أبا هريرة في ذلك الحديث، حتى إذا توفي أبو هريرة ذكرنا ذلك، وتلاومنا أن لا نكون كلمنا أبا هريرة في ذلك، حتى نسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان سمعه منه، فبينا نحن على ذلك جالسنا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكرنا ذلك الحديث والذي فرطنا فيه من نص أبي هريرة، فقال لنا عبد الله بن إبراهيم : أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آخر الأنبياء، وإنه آخر المساجد ) ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر، وكانا من أصحاب أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: (صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد)، يعني: هذا اللفظ الذي ساقاه يشعر بأنه من كلام أبي هريرة وأنه لفظ أبي هريرة؛ لأنه قال: (فإنه آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد)، فهذا يشعر بأن اللفظ هو لفظ أبي هريرة وليس لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول أبو سلمة وأبو عبد الله الأغر: إننا لم نشك أن أبا هريرة يقول من حديث رسول الله، لكنهم ما ضبطوا النص، فمضت الأيام دون أن يستثبتوا من أبي هريرة، وأن يسألوه حتى يتثبتوا من كون أبي هريرة صرح بأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن هذا لو لم يصرح فيه أبو هريرة بأنه مضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لكان له حكم الرفع؛ لأن هذا من الأمور التي ليس للرأي فيها مجال، فله حكم الرفع، وهم قالوا: لم نشك أن أبا هريرة كان يقول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرادوا أن يستثبتوا، ومضت الأيام دون أن يستثبتوا.فلما مات أبو هريرة تلاوموا فيما بينهم كيف أنهم لم يستثبتوا من أبي هريرة، ثم جالسوا عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فذكروا ما حصل لهما من عدم استثباتهما، ومن تفريطهما في عدم سؤال أبي هريرة للتثبت، فقال: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد )، يعني: الآن الضمير يرجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الكلام هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: ( فإني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد )، ولفظ أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر : فإنه آخر الأنبياء، ومسجده آخر المساجد، معناه أنه من كلام أبي هريرة، لكن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ يقول: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد )، يعني: فالذي فات أبا سلمة وأبا عبد الله الأغر أدركاه بواسطة عبد الله بن قارظ، حيث روى لهما، وحيث شهد بأنه سمع من أبي هريرة أنه يصرح بإضافة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ذكر الحديث بالضمائر، حيث قال: ( فإني آخر الأنبياء، وإنه آخر المساجد )، يعني: مسجده عليه الصلاة والسلام.والأحادï؟½ ï؟½ث جاءت بالتنصيص على تفضيل الصلاة في مسجده، وأن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، في أحاديث أخرى صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً حديث أبي هريرة هذا ثابت من جهة أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ سمع من أبي هريرة إسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإضافته الحديث إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دال على ما ترجم له المصنف من جهة إثبات فضل هذا المسجد وفضل الصلاة فيه، وأن الصلاة الواحدة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد، والإطلاق الذي فيه يشمل الفرض والنفل، فالفريضة بألف فريضة، والنافلة بألف نافلة.
تراجم رجال إسناد حديث: (صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)
قوله: [ أخبرنا كثير بن عبيد ].وهو الحمصي , وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ حدثنا محمد بن حرب].وهو أيضاً الحمصي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة, ثبت، وهو من كبار أصحاب الزهري .[ عن الزهري ].وقد تقدم ذكره قريباً، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، يعني: يأتي مرة منسوباً إلى جده زهرة كما هنا، ويأتي منسوباً إلى جده شهاب كما مر.[ عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر ].أبو سلمة هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أيضاً أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع كما مر قريباً في سالم بن عبد الله بن عمر؛ لأننا ذكرنا أن السابع قيل: هو سالم، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .وأبو عبد الله الأغر . اسمه سلمان أبو عبد الله الأغر، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة.[عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أو إبراهيم بن عبد الله بن قارظ ].يعني: جاء هكذا وهكذا، وقال ابن حجر : وهم من ظن أنهما اثنان، بل هو واحد يقال فيه: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، ويقال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وهو صدوق, خرج له البخاري في الأدب المفرد , ومسلم ,وأبو داود , والترمذي , والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه .[ عن أبي هريرة] .وأبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً , الذين عرفوا بكثرة الحديث، وهم الذين ذكرتُ أن السيوطي قال فيهم:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.
الأسئلة
المقصود بقول النبي: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)
السؤال: ما معنى الحديث الصحيح: ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )، وفيم تكون الرؤيا له صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟الجواب: الحديث: ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة )، قيل في معناه: أن هذا قاله لمن كان موجوداً في زمانه ولم يكن رآه، فإنه من رآه في المنام فسيراه في اليقظة، فيطابق بين ما رآه في اليقظة وبين ما رآه في المنام، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يتشبه الشيطان به على هيئته التي هو عليها، فمن رآه على الهيئة التي هو عليها فإنما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل في معناه: أن هذا محمول على ما كان في زمانه، وقيل: إنه محمول على أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة، يعني: في الدار الآخرة، وأنه يكون هذا الذي رآه، يعني: في اليقظة، مطابقاً لهذا الذي رآه في منامه، هذا هو المقصود منه, وهذا إذا كان الذي رآه مطابقاً للهيئة التي هي معروفة عن أصحابه، والتي ذكرها أصحابه، أما إذا رآه على هيئة غير الهيئة التي وصفها أصحابه فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في شمائل الترمذي : أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال له رجل من التابعين: إني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: صف لنا هذا الرجل الذي رأيت، فوصفه، فلما وصفه، قال: لو كنت رأيته كما رأيناه ما زدت على هذا الوصف شيئاً، معناه: أن هذا الذي رآه مطابق للذي يعرفه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن رآه في المنام على الهيئة التي وصفها أصحابه فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الشيطان لا يتمثل به، ولكن من رآه على هيئة أخرى ليست هي هيئة الرسول صلى الله عليه وسلم التي يعرفها أصحابه، بأن رأى رجلاً قزماً صغيراً فهذا ليس رسول الله؛ لأن الرسول متوسط، ومن رآه عملاقاً فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول متوسط؛ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، فهذا هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا رأى أحد رسول الله ما عليه لحية فهذا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب لحية، وكان كث اللحية عليه الصلاة والسلام.الحاصل: أن من رآه على هيئته التي يعرفها أصحابه فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رآه على هيئة أخرى فليس هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.
حكم صلاة من صلى مستقبلاً الحجر ومستدبراً الكعبة
السؤال: صلى رجل في الحجر واتجه إلى جهة الشمال وظهره إلى الكعبة، بحجة أن الحجر من البيت فهل فعله صحيح؟الجواب: على كلٍ ما كان ينبغي له هذا، ولو كان من البيت، يعني: عليه أن يستقبل البناء الأكثر الموجود. وعلى كل: الصلاة صحيحة، ما دام أنه في ذات الكعبة، مثلما لو صلى في الكعبة، وهو مستقبل الباب، ولكن لا ينبغي هذا.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:34 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(127)
- (تابع باب فضل مسجد النبي والصلاة فيه) إلى (باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه)
بيّن الشرع الحكيم فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وأنه المسجد الذي أسس على التقوى، وبيّن فضل مسجد قباء والصلاة فيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً أو ماشياً، وجعل الصلاة فيه تعادل عمرة، وهو المسجد الذي أسس على التقوى على رأي بعض العلماء.
تابع فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه
شرح حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ) ].هذه الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله هي: فضل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه، وقد أورد فيه الحديث المتقدم، حديث أبي هريرة، وهو يدل على فضله عموماً، أي: أن كل ما يطلق عليه المسجد، فإن التضعيف يحصل فيه، كما عرفنا ذلك سابقاً، ثم بعد ذلك أورد بعض الأحاديث التي تتعلق بشيء خاص منه، لا تتعلق به عموماً، ولكن تتعلق بجزء منه، أو بشيء خاص منه، وهو الروضة الواقعة بين المنبر وبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي آل الأمر بعد ذلك إلى أن يكون فيه قبره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا أورد هذا الحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ).والمراد ببيته: هو حجرة عائشة التي هي محاذية للمنبر؛ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بيوته عليه الصلاة والسلام -التي هي حجر زوجاته رضي الله تعالى عنهن- متجاورة، ولكن حجرة عائشة هي التي محاذية للمنبر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، والحديث جاء بهذا اللفظ، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين منبري وبيت عائشة )، وجاء في بعض الروايات: ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة )، لكن هذا لم يثبت، وما جاء لعله روي بالمعنى؛ لأن الحجرة التي هي بيته -وهي حجرة عائشة رضي الله عنها- قبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل ذلك لو ثبت يكون مروياً بالمعنى، مع أنه لم يثبت، وإنما الذي ثبت: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ). وقوله صلى الله عليه وسلم: (روضة من رياض الجنة)، العلماء منهم من قال: إن هذا على حقيقته، وإن هذا أو هذه البقعة -التي هي الروضة- تؤول إلى الجنة، أو أنها من الجنة، ومنهم من قال غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.وقوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، يدل على فضل هذه البقعة، وعلى تميزها على غيرها من المسجد، وهذا إنما يكون في النوافل دون الفرائض، أما الفرائض فإن الصفوف التي أمامها، والتي هي قبلها بعدما زيد المسجد في عهد عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، من الجهة القبلية، والصفوف الأُول التي أمامها، صلاة الفريضة فيها أفضل من صلاتها بالروضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها )، فهذا يدل على تفضيل الصف الأول مطلقاً، أو الصفوف الأول التي أمامها، والتي هي متقدمة عليها إلى جهة القبلة هي أفضل منها، بل إن ميامن الصفوف أفضل من مياسر الصفوف، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم بيان فضل ميامن الصفوف، وميامن الصف: التي هي محاذية للروضة وليست في الروضة، يعني: غربي المنبر، أفضل في صلاة الفريضة من الصلاة في الروضة؛ لأن الروضة تقع في مياسر الصف، وما كان على اليمين، فإنه يقع في ميامن الصف، وكانت ميامن الصف التي هي غربي المنبر موجودة في زمنه صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأحاديث الدالة على ذلك، فدل على أن ما كان أمام الروضة أفضل منها، وكذلك ميامن الصفوف التي هي محاذية للروضة، تكون أفضل منها، وهذا إنما هو في الفريضة.أما بالنسبة للنافلة، فإن هذه البقعة يشملها عموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام )، يشملها ويشمل غيرها، لكن هذا الحديث يدل على خصوصيتها، وأنها روضة من رياض الجنة، وأن هذا وصف أُطلق على هذه البقعة الواقعة بين البيت والمنبر، فيكون لها ميزة، ويكون لها فضيلة على غيرها من المسجد، ولكن هذا إنما يكون في النوافل، وليس في الفرائض كما ذكرت، وإنما الفرائض الصفوف الأول، وما كان من ميامن الصفوف غرب الروضة فصلاة الفريضة في ذلك أفضل، وأما بالنسبة للنافلة: فلكونها متميزة على غيرها بهذه الميزة التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، يدل على أن النافلة فيها أفضل من النافلة في سائر المسجد، ولكن إذا كان الإنسان عندما يصلي في تلك البقعة -التي هي الروضة- لا يؤذي أحداً؛ لأنه إذا كان الوصول إليها لا يترتب إلا بالأذى، وبإلحاق الضرر بالناس، فإن الصلاة فيها مستحبة، وإلحاق الأذى والضرر بالناس حرام، والإنسان لا يجوز له أن يُقدم على أمر مستحب يرتكب في سبيل الوصول إليه إثماً، أو يحصل إثماً، أو يلحق ضرراً بالغير، فإن ذلك لا يسوغ للإنسان إذا كان سيترتب عليه مضرة إيذاء أحد من الناس، وهذا مثل تقبيل الحجر الأسود، هو مستحب، لكن إذا كان الوصول إليه لا يتأتى إلا بإيذاء أحد من الناس، فإنه لا يجوز للإنسان أن يرتكب الأمر المحرم ليصل إلى أمر مستحب، بل يترك الأمر المستحب ما دام أنه لا يصل إليه، أو يعلم أنه لا يصل إليه إلا بارتكاب أمر محرم وهو إيذاء الناس، فصلاة النافلة في الروضة لا شك أن لها ميزة لهذا الحديث، ولكن حيث لا يلحق ضرراً بأحد، وحيث لا يترتب على صلاته فيها أو الذهاب إلى صلاته فيها إيذاء أحد من الناس في سبيل الوصول إلى هذه البقعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والنسائي يكثر من الرواية عن هذا الشيخ الذي هو قتيبة، بل إن أول حديث أورده النسائي في سننه شيخه فيه هو قتيبة بن سعيد، وكثيراً ما يمر بنا ذكر شيخه: قتيبة بن سعيد، فإن النسائي رحمه الله مكثر من الرواية عنه. وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو ابن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، صاحب المذهب الذي هو أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وغير هؤلاء الأربعة كما هو معلوم من العلماء لهم اجتهادات، ولهم أقوال اجتهدوا فيها، ولهم منازل عالية، ومكانة رفيعة، ولكن هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بجمع أقوالهم وبترتيبها وتنظيمها ما لم يحصل لغيرهم، فمن أجل ذلك اشتهرت هذه المذاهب، ولا يعني أن غيرهم من الأئمة والعلماء ليسوا كذلك، وأنهم دونهم، أو يقلون عنهم، ليس الأمر كذلك، وإنما اشتهار هذه المذاهب لكونه حصل لها أصحاب عنوا بهذه المذاهب، وبجمع الأقوال فيها، وبترتيبها وتنظيمها والتأليف فيها، فاشتهرت هذه المذاهب الأربعة لذلك، وإلا فإن العلماء المجتهدين الآخرين لهم أقوال، وهي مبثوثة في الكتب، لا سيما الكتب التي تعنى بجمع أقوال فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإن الدارس لكتب الفقه التي تعنى بذكر الأقوال للفقهاء في مختلف العصور، وكذلك الرجوع إلى كتب التفسير، وكذلك الرجوع إلى كتب شروح الحديث، فإنهم يذكرون الأقوال المختلفة عن هؤلاء الأربعة وعن غيرهم، مثل سفيان الثوري، ومثل الأوزاعي، ومثل إسحاق بن راهويه، ومثل إبراهيم النخعي، وكذلك الليث بن سعد، وغيرهم من الفقهاء الذين اشتهروا بالأمصار في الأزمان المختلفة، وتشتمل مثل هذه الكتب التي أشرت إليها على أقوالهم وعلى آرائهم، لكن -كما ذكرت- هؤلاء الأربعة حصل لهم من الأصحاب والأتباع الذين عنوا بتدوين أقوالهم، والتأليف في مذاهبهم، فحصل اشتهار هذه المذاهب.
الموقف من الأئمة بين الغلو والجفاء
من المعلوم أن هؤلاء الأئمة الأربعة كغيرهم من الفقهاء المجتهدين, يصيبون ويخطئون، ولا يقال: إن الحق مع واحد بعينه، فإن هذا لا يقال في واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال في حق من جاء بعدهم؟! وإنما الذي يجب أن يعتقد في حق الجميع -هؤلاء الأئمة الأربعة، وغيرهم من العلماء المجتهدين- أنهم بذلوا وسعهم، وأنهم أتعبوا أنفسهم في البحث والتنقيب للوصول إلى الحق، وإلى معرفة الحق بدليله، وهم لا يعدمون أن يكونوا مأجورين، إما أجرين إذا كانوا مصيبين، وإما أجراً واحداً إذا كانوا مخطئين؛ كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر )، وهذا يدل على أن المصيب والمخطئ كلهم على أجر، وكلهم على خير، وكلهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، المجتهد المصيب له أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته، والمجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور، هذا هو الذي يجب أن يعتقد في الأئمة وفي غيرهم، ولا يجوز الغلو ولا الجفاء، فلا يغلو فيهم أو في أحد منهم بأن يقال: الحق مع فلان، وأن الدليل يكون مع فلان، وأنه لو كان في المسألة دليل لما خفي على فلان، لا يجوز أن يقال هذا؛ هذا غلو، وكذلك الجفاء لا يجوز، ليس للإنسان أن يجفو، وأن يتكلم في حق الأئمة الأربعة وغيرهم بكلام لا يليق، وإنما يحترمهم ويعظمهم ويستفيد من علمهم، ويرجع إلى كتبهم، لكن لا يكون التعويل على قول واحد منهم بعينه، وإنما يكون التعويل على ما يدل عليه الدليل؛ لأن هذا هو الذي أوصوا به، وهذا هو الذي رغبوا فيه وحثوا عليه رحمة الله عليهم، فـأبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد، كلٌ منهم جاء عنه أنه يقول: إذا وجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على خلاف ما جاء عنه، فإنه يترك ما جاء عنه، ويصار إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما ذاك إلا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يجب تجريد المتابعة له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وما يأتي به وحي يوحيه الله عز وجل إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو الذي قوله لا يجوز لأحد أن يعدل عنه إذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].فلا يجوز الغلو ولا الجفاء، لا يقال: إن فلان عنده العلم المحيط بكل شيء، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يخفى عليه، وأنه مصيب دائماً، وأنه لا يخطئ، فهذا لا يجوز أن يقال في أحد، وكذلك أيضاً لا يقال: أن الأئمة الأربعة وغيرهم لا يرجع إلى أقوالهم، بل يرجع إلى أقوالهم، ويرجع إلى كتبهم، ويستفاد من علمهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الإنسان مع الأئمة الأربعة ومع غيرهم، يستعين بهم على الوصول إلى الحق، ويستفيد من علمهم ما يصل به إلى الحق. وضرب لذلك مثلاً فقال: إن هذا مثل النجم الذي يستدل به الإنسان إلى القبلة إذا كان في الفلاة، وإذا كان في مكان لا يعرف القبلة، فإنه يستدل على القبلة بالنجم، فإذا وصل إلى القبلة وصار عند الكعبة، لا يحتاج إلى أن ينظر في السماء، يبحث عن القبلة في النجوم؛ لأن القبلة أمامه، فكذلك العلماء رحمة الله عليهم يستعان بهم، ويستفاد منهم في الوصول إلى الدليل، والوصول إلى الحق، والوصول إلى ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإنه عند ذلك لا يحتاج إلى أن يؤخذ بقول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي أوصى به الأئمة الأربعة، ومما قاله الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان.الحاصل: أن الواجب على طلبة العلم وغيرهم بالنسبة للعلماء - الأئمة الأربعة وغيرهم - أن يحترموهم، ويوقروهم، ويثنوا عليهم، ويعظموهم، ويستفيدوا من علمهم، ويستفيدوا من كتبهم، لكن الحق وسط بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. هذه كلمة جميلة قالها الطحاوي رحمة الله عليه في العقيدة التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الأثر والخبر: الذين هم المحدثون، وأهل الفقه والنظر: الذين هم الفقهاء، لا يذكرون إلا بالجميل، وعلماء السلف لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، يعني: غير سبيل المؤمنين الذين يثنون على أهل العلم، ويستفيدون من أهل العلم، ويرجعون إلى كلام أهل العلم، هذه كلمة استطرادية عند ذكر الإمام مالك رحمة الله عليه، وبيان ما يجب أن يكون عليه طالب العلم نحو العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم، وأن الإنسان يعظمهم ويستفيد منهم، وأن يحذر من الغلو ومن الجفاء، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الخطابي :ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميمُالذي هو الإفراط والتفريط؛ لأن الحق وسط بين الطرفين، الذي هو طرف الجفاء وطرف الغلو، طرف الإفراط وطرف التفريط، ولهذا الإنسان إذا رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في المسائل المختلفة في العقيدة، يجد أنهم متوسطون بين جفاة وغلاة، أو بين مُفَرطّين ومُفْرِطين، بين غالين وجافين، والإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد أفراد السلسلة التي قال عنها الإمام البخاري رحمه الله: إنها أصح الأسانيد، وهي: مالك عن نافع عن ابن عمر، فهو: إمام جليل محدث فقيه مشهور، انتشر علمه، واستفاد الناس من علمه على مختلف العصور.
تابع تراجم رجال إسناد حديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)
قوله: [عن عبد الله بن أبي بكر].هو ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عباد بن تميم].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.يروي عن [عبد الله بن زيد بن عاصم المازني]، وهو عمه أخو أبيه لأمه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد الذي معنا في هذا الحديث وهو: قتيبة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد .. كل هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمار الدهني عن أبي سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة ) ].أورد النسائي رحمه الله هنا حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة )، رواتب: جمع راتبة، والراتب: هو المنتصب المستقر على شيء، والمراد بذلك كما بينه الحديث الذي قبله هو: روضة من رياض الجنة، فقوائم منبره رواتب، يعني: منتصبة في هذه البقعة التي هي روضة من رياض الجنة، أو هذا المكان الذي هو روضة من رياض الجنة، والكلام فيه كالكلام في الحديث الذي قبله، وهو قوله: (روضة من رياض الجنة)، والله تعالى أعلم بمعناه، هل يكون أنه أصله من الجنة، أو أنه ينقل ويذهب به إلى الجنة بعد ذلك، أو غير ذلك؟ الله تعالى أعلم. ومن العلماء من قال: إن فيه تشبيه حذفت فيه الأداة، وهو الذي يسمونه التشبيه البليغ الذي يذكر فيه المشبه والمشبه به، وتحذف منه الأداة ووجه الشبه، يعني: أنه كروضة من رياض الجنة، من العلماء من قال هذا؛ وذلك لما يحصل فيه من الاشتغال بالعبادة، والتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم بالمراد.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمار الدهني].وهو عمار بن معاوية أبو معاوية الدهني، وهو صدوق، يتشيع، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سلمة].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، أحد فقهاء التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع؛ لأنه كما ذكرت سابقاً أن الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين يقال لهم: الفقهاء السبعة، عندما تأتي مسألة من المسائل في كتب الفقه، يقال: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، الفقهاء السبعة في عصر التابعين هم ستة متفق عليهم، والسابع فيه ثلاثة أقوال، فالستة المتفق عليهم: سعيد بن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، أما السابع ففيه ثلاثة أقوال: منهم من قال: إن السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومنهم من قال: إن السابع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف , ومنهم من قال: إن السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذه ثلاثة أقوال في السابع من الفقهاء السبعة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن الذي معنا في هذا الإسناد هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع من الفقهاء السبعة.وقد ذكرهم ابن القيم رحمه الله، وذكرهم العلماء في كتب مصطلح الحديث، يذكرونهم عندما يأتون بذكر التابعين، يذكرون منهم الفقهاء السبعة، عندما يأتي بحث التابعين، أو المبحث الخاص بالتابعين في علم المصطلح، يذكرون الفقهاء السبعة هؤلاء فيهم، وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ لأنه بدأه بالفقهاء من الصحابة ومن بعدهم في البلاد المختلفة، ولما جاء عند ذكر المدينة، في عصر التابعين، وذكر الفقهاء من التابعين، ذكر منهم الفقهاء السبعة، ولكنه ذكر أن السابع هو: أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وذكر بيتين من الشعر اشتمل البيت الثاني على ذكر السبعة، وهذان البيتان هما:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةهذا البيت الثاني يشمل هؤلاء السبعة، الاسم الأول، يقول: هم عبيد الله: وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة: هو عروة بن الزبير، وقاسم: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد: هو سعيد بن المسيب، وسليمان: هو سليمان بن يسار، وخارجة: هو خارجة بن زيد بن ثابت .وحديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عند أصحاب الكتب الستة.[عن أم سلمة ].وأم سلمة أم المؤمنين، وهي: هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها موجود في الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:36 AM
ذكر المسجد الذي أسس على التقوى
شرح حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى ... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر المسجد الذي أسس على التقوى:أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو مسجدي هذا ) ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: المسجد الذي أسس على التقوى، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( أنه تمارى رجلان )، أي: تجادلا، فقال أحدهما: (إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، قال الثاني: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: هو مسجدي هذا)، فهذا الحديث يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في القرآن ذكر المسجد الذي أسس على التقوى عند ذكر مسجد الضرار، ومسجد الضرار الذي أسس هو قريب من مسجد قباء، ولهذا من العلماء من قال: المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ومنهم من قال: إنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إن كلاً من المسجدين يوصف بأنه أسس على التقوى، أو أنه مؤسس على التقوى، وممن ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة عليه فإنه قال: إن مسجد قباء هو أسس على التقوى، وكذلك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى، فما جاء في القرآن من قوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة:108]، قال: إنه يراد به مسجد قباء، ويراد به مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل منهما أسس على التقوى، قال: ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم فيه، يعني: في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، وكان عليه الصلاة والسلام يذهب إليه كل سبت راكباً وماشياً كما جاء في بعض الأحاديث، وفي بعضها الإطلاق أنه كان يذهب إليه راكباً وماشياً كما في الحديث الذي سيأتي.فإذاً: الحديث يدل على أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس على التقوى، وهو صريح في ذلك، وكذلك ما جاء في ظاهر القرآن من أن مسجد قباء أسس على التقوى أيضاً كذلك، وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية : أن ذلك يطلق عليهما معاً، وأن كلاً منهما أسس على التقوى من أول يوم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، ثم يذهب إلى قباء فيقوم فيه يوم السبت، فيه امتثال للقرآن، أو بيان لما جاء في القرآن من أنه أحق أن يقوم فيه، وأنه كان يقوم في هذا وفي هذا، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد ذكر ابن تيمية رحمة الله عليه مما يشبه هذا: أن آية: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، فإن السياق في حق أمهات المؤمنين، ثم إنه لما نزلت هذه الآية جمع علياً وفاطمة والحسن والحسين، وجعل الكساء عليهم وقال: ( إن هؤلاء أهلي )، فإذاً: الآية تدل على أن أمهات المؤمنين هن من أهل البيت كما هو ظاهر القرآن، وكما أن السياق في حقهن، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن علياً وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هم داخلون ضمن أهل البيت الذين تشملهم الآية.فإذاً: ابن تيمية رحمه الله ذكر هذا الذي هو مسجد قباء مع مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم عند ذكر هذه الآية التي هي آية التطهير، وأنها كما أنها تشمل أمهات المؤمنين -لأن السياق في حقهن- فكذلك أيضاً بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل أيضاً على أنها شاملة لـعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع.
تراجم رجال إسناد حديث: (تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى... فقال رسول الله: هو مسجدي هذا)
قوله: [أخبرنا قتيبة].مر ذكره في الإسنادين السابقين.[حدثنا الليث].وهو الليث بن سعد المصري، فقيه مصر ومحدثها، وأحد الأئمة المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمران بن أبي أنس].وهو العامري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن ابن أبي سعيد].وهو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وأبوه مشهور بكنيته، واسمه: سعد بن مالك بن سنان الخدري وعبد الرحمن بن أبي سعيد ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].وهو أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو: سعد بن مالك بن سنان، صحابي مشهور من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء سبعة من الصحابة أكثر من غيرهم حديثاً.
فضل مسجد قباء والصلاة فيه
شرح حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فضل مسجد قباء والصلاة فيه.أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي قباء راكباً وماشياً ) ].أورد هنا النسائي فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، وأورد فيه حديث: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى قباء راكباً وماشياً، يعني: أحياناً راكباً، وأحياناً ماشياً، وجاء في بعض الروايات: (أنه كان يذهب إليه كل سبت)، وقوله: كل سبت، يحتمل أن يكون المراد كل أسبوع, ويحتمل أن المراد يوم السبت، وهذا هو الذي أشار إليه ابن تيمية في كلامه الذي ذكرته آنفاً؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ثم يذهب إلى مسجد قباء فيقوم به يوم السبت، ومن العلماء من يقول: إن المراد بذلك أسبوع، أنه يذهب إليه كل سبت، يعني: كل أسبوع، والأسبوع يطلق عليه سبت، ويطلق عليه جمعة، ولهذا جاء في الحديث في قصة خطبة استسقاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر يوم الجمعة؛ أنه لما دخل رجل وقال: ( هلكت الأموال... فادع الله أن يغيثنا، فسأل الله عز وجل، فنشأت سحابة وأمطرت قبل أن يذهبوا إلى منازلهم )، واستمرت أسبوعاً إلى يوم الجمعة الثانية، ولهذا جاء في الحديث: ( فما رأينا الشمس سبتاً )، يعني: أسبوعاً، فيحتمل أن يكون المراد بالسبت الذي جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه يوم السبت، ويحتمل أن يكون المراد به الأسبوع، وأنه يقال عن الأسبوع: سبت، كما يقال عنه: جمعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليه راكباً وماشياً، وهذا يدل على استحباب زيارته، واستحباب قصده لمن كان في المدينة، لكن لا يأتي الإنسان ويشد الرحل من بلد من أجل مسجد قباء؛ لأن الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد، لكن من جاء إلى المدينة لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو جاء لغرض من الأغراض، ووصل إلى المدينة، فإنه يستحب له أن يذهب إلى مسجد قباء ويصلي فيه، وقد ثبتت مشروعية واستحباب الذهاب إليه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فعله، وهذا الحديث الذي معنا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وكان يذهب إليه راكباً أحياناً، وأحياناً يذهب إليه ماشياً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يأتي قباء راكباً وماشياً)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر، والأحاديث التي مرت اليوم كلها عن قتيبة، أربعة أحاديث مضت وشيخه فيها قتيبة بن سعيد، ولهذا كما قلت: هو مكثر من الرواية عن شيخه قتيبة .[عن مالك].وقد مر ذكره أيضاً في الحديث الأول من الأحاديث الأربعة هذا اليوم.[عن عبد الله بن دينار] .وهو عبد الله بن دينار المدني، مولى عبد الله بن عمر؛ ولهذا يقال له: العدوي ولاءً، يعني: نسبة إلى عبد الله بن عمر العدوي، من بني عدي، وهو- عبد الله بن دينار- ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فالمولى الذي حصلت له النعمة يُقال له: مولى من أسفل، والذي حصلت منه النعمة يقال له: مولى من أعلى، فكلمة: (مولى) من الأضداد، تطلق على السيد المنعِم، وعلى المنعَم عليه، يقال: هذا مولى، ويقال: هذا مولى، ولهذا كلمة: (مولى) تطلق على المولى من أعلى والمولى من أسفل، فـعبد الله بن عمر هو مولاه من أعلى، وعبد الله بن عمر هو أحد الصحابة المشهورين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد رباعي، هو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات كما عند البخاري والترمذي وابن ماجه ، البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، ومسلم ليس عنده ثلاثيات، وأعلى ما عنده الرباعيات، وأبو داود أعلى ما عنده الرباعيات، والنسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أعلى ما عند النسائي من الأسانيد العالية ، والتي بين النسائي فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص.
شرح حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا مجمع بن يعقوب عن محمد بن سليمان الكرماني قال: سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف يقول: قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة ) ].أورد النسائي حديث سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء، فصلى فيه كان له عدل عمرة )، يعني: ما يساوي عمرة أو يماثل عمرة، وهذا يدل على فضل هذا المسجد من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكرنا مشروعية الذهاب إلى مسجد قباء، جاءت من فعله ومن قوله، فالحديث الأول من فعله، وهذا الحديث من قوله، بل هذا الحديث فيه الترغيب، وفيه بيان فضل الصلاة فيه، وأن من ذهب وصلى فيه صلاة، فإنه كعدل عمرة، وهنا الصلاة مطلقة، فسواء كان صلى فرضاً أو صلى نفلاً، فإنه يدخل تحت عموم هذا الحديث، وهو كما ذكرت يدل على فضل الصلاة في هذا المسجد الذي هو مسجد قباء.
تراجم رجال إسناد حديث: (من أتى هذا المسجد مسجد قباء فصلى فيه كان له عدل عمرة)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهذا حديث خامس شيخه فيه قتيبة، فأحاديث اليوم كلها شيخه فيها قتيبة، وقد مر.[حدثنا مجمع بن يعقوب] .وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن محمد بن سليمان الكرماني] .وهو المدني القبائي، ونزل كرمان فنسب إليها، وهو مقبول، خرج له النسائي، وابن ماجه .[عن أبي أمامة].وهو أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وهو مشهور بكنيته، واسمه أسعد، ويقال: سعد، وله رؤية، يعني: أنه ثبتت له رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا هو معدود في الصحابة من حيث الرؤية، وأنه من صغار الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، والذين لم يرووا عنه، ولم يسمعوا منه، فهو معدود في صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه سهل بن حنيف].رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم شرب الماء في صلاة النافلة
السؤال: ما حكم شرب الماء في النافلة، أي: في صلاة النافلة؟الجواب: الإنسان في صلاة النافلة عليه أن يعمل فيها مثلما يعمل في الفريضة، فلا يشرب الماء فيها، وإنما يقبل عليها كما يقبل على الفريضة، وليس له أن يشرب، وليس له أن يعمل الأعمال التي لا تسوغ في الصلاة، يعني: النفل مثل الفرض. مداخلة: يقول: أنه وجد أثراً عن عمر أنه فعل ذلك.الجواب: ما أدري عن صحته.
من جامع زوجته ناسياً في صيام النفل
السؤال: ما حكم من جامع ناسياً في صيام نفلٍ، هل يتم صيامه؟الجواب: لا أدري، لكن كما هو معلوم بالنسبة للنافلة ليس عليه شيء فيه، يعني: من حيث الكفارة.
حكم قول: سيدنا محمد في صلاة الجنازة
السؤال: هل يجوز أن نقول في صلاة الجنازة: اللهم صل على سيدنا محمد؟الجواب: تسييد الرسول صلى الله عليه وسلم، لا شك أنه سيد البشر، وسيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن الألفاظ التي وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقتصر عليها، ولا يزاد فيها شيء، على الإنسان أن يحرص على أن يؤديه كما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام هو سيدنا، وسيد البشر، وسيد ولد آدم، بل هو سيد الأولين والآخرين كما جاء عنه في حديث الشفاعة، حيث قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )، ثم ذكر حديث الشفاعة، وأن الناس يجتمعون في صعيد واحد، ويموج بعضهم في بعض، ويبحثون عمن يشفع لهم إلى ربهم ليخلصهم مما هم فيه، فينتهي الأمر إلى أن كل واحد من الذين طلبت منهم الشفاعة قبله، يعتذر حتى ينتهي الأمر إليه، ويقول: أنا لها، فيشفع ويشفعه الله، ويأتي الله لفصل القضاء، ويحصل سؤدده وفضله على الجميع، وهو سيد الناس في الدنيا والآخرة، لكن قال: ( أنا سيد الناس يوم القيامة )؛ لأنه ذلك اليوم الذي يظهر سؤدده على الناس، وأما في الدنيا ففيهم المتجبر، وفيهم المتكبر، وفيهم الكفار، لكن يوم القيامة يجتمع الخلق كلهم من آدم إلى الذين تقام عليهم الساعة، فيشفع فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع )، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حكم السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بُعد
السؤال: ما وجه الإنكار على من يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم عن بعد؟ وما دليل وجوب التسليم أو السلام على النبي مواجهة القبلة أو القبر؟الجواب: معلوم أن الإنسان عندما يأتي إلى القبر ويريد أن يسلم على صاحبه فيأتي إلى جهة الأمام؛ يأتيه من جهة أمامه، وعبد الله بن عمر الذي جاء عنه من الصحابة: أنه إذا قدم من سفر يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأبيه، كان يقف من جهة الأمام، فيسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسلم على أبي بكر، ثم يسلم على أبيه عمر رضي الله تعالى عن الجميع، وأما السلام من بعد، فهذا ما فيه شيء يدل عليه، ثم أيضاً هو يخالف ما كان معروفاً عن الصحابة في حياته؛ لأنه ما كان الواحد منهم يسلم عليه من بعد، الرسول كان قبل أن يتوفاه الله وهو بين أصحابه أو يكون في حجرته، ما وجد واحداً يقف في طرف المسجد، أو أي مكان يستقبل الحجرة التي فيها الرسول، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في الحجرة، في حياته ما كانوا يفعلون هذا، وإنما كان الواحد يأتي حتى يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ويقول: السلام عليك يا رسول الله، فكذلك بعد وفاته عندما يسلم الإنسان يقف مستقبلاً القبر، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، فالسلام من بعد ما فيه شيء يدل عليه، ما كانوا يفعلون هذا معه في حياته، وكذلك ما كان معلوماً عنهم أنهم يفعلونه معه بعد وفاته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو محدث مبتدع.
حكم الاحتباء يوم الجمعة
السؤال: ما حكم الاحتباء يوم الجمعة؟الجواب: الاحتباء فيه احتمال، يعني: يكون الإنسان يحصل منه النعاس، ثم يحصل منه انتقاض الوضوء بالريح التي تخرج منه؛ لأنه غير متمكن، المحتبي غير متمكن من الجلوس، فيمكن أنه يحصل منه نعاس فيحصل منه انتقاض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء وذهب يتوضأ، فاتته الخطبة أو يفوته شيء من الصلاة، فكونه يؤدي إلى هذا الشيء، جاء النهي عنه.
معنى قولهم: ورجاله رجال الصحيح
السؤال: ما معنى قوله: ورجاله رجال الصحيح؟الجواب: المقصود برجاله رجال الصحيح، يعني: أن هؤلاء الرواة الذين جاءت الرواية عنهم في غير الصحيحين هم رجال الصحيح، يعني: إذا جاء الإسناد عند النسائي فيه قتيبة، وفيه مالك، وفيه.. كذا، رجاله رجال الصحيح؛ لأن هؤلاء هم من رجال الصحيح، يعني: خرج لهم صاحبا الصحيح، معناه: أن كل واحدٍ منهم هو من رجال الصحيح.
الفرق بين الحديث المرسل والمنقطع وبين الأثر والخبر
السؤال: ما هو الحديث المرسل والمنقطع؟ وما الفرق بين الأثر والخبر؟الجواب: المرسل عند المحدثين: هو الذي يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المرسل في اصطلاح المحدثين، هذا هو المشهور في تعريف المرسل: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وهو من قبيل الضعيف، أو من قبيل المردود عند العلماء، المشهور من أقوال العلماء: أنه ليس بثابت، وإنما يكون من قبيل المردود إذا ما جاء إلا من هذا الطريق، لماذا؟ لأن المحذوف الذي بين التابعي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ثقة، وأن يكون ضعيف، فإذاً: احتمال الضعف موجود، يعني: ليس الإشكال أنه يكون ساقط صحابي، لو علم أنه ما سقط إلا الصحابي ما فيه إشكال؛ لأن الصحابة لا يؤثر جهالتهم؛ لأنهم عدول والجهالة فيهم لا تؤثر، يكفي أن يقال عن الواحد منهم: عن رجل صحب رسول الله وإن لم يعلم شخصه، لكن بالنسبة لغيرهم لا بد من معرفة شخصه وحاله، فيعتبر من قبيل المردود؛ لأنه يحتمل أن يكون الساقط صحابي، وأن يكون تابعي، وعلى احتمال أنه تابعي يحتمل أن يكون ذلك التابعي الساقط الذي روى عنه ذلك التابعي ثقة، أو أن يكون ضعيفاً، فمن أجل هذا الاحتمال صار من قبيل المردود، ومن قبيل غير الثابت، وأما عند الفقهاء -وهو يستعمل أيضاً عند المحدثين- فهو يراد به الانقطاع، إذا قال: أرسل، روى عمن لم يلقه، معناه: فيه انقطاع، فعند المحدثين المشهور: أن المنقطع ما كان فيه سقوط في أثناء الإسناد، سواء كان متفرق، أو الساقط واحد، يقال له: منقطع، هذا عند المحدثين، والمرسل هو: ما قال فيه التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند الفقهاء المرسل أعم، يشمل المرسل عند المحدثين، ويشمل المرسل في أثناء الإسناد الذي هو الانقطاع؛ لأنه أعم، وإذا قيل: أرسل فلان، وفلان يرسل أو كثير الإرسال، يعني: معناه أنه يروي عمن فوقه، يروي عمن لم يلقه، والرواية عمن لم يلقه تكون مرسلة؛ ليست متصلة. والفرق بين الأثر والخبر، قيل: إن الخبر والأثر بمعنى واحد، وقيل: إن الأثر هو ما انتهى إلى الصحابي أو إلى التابعي، يعني: ما انتهى إلى الصحابي والتابعي يقال له: أثر، وهذا هو الذي اشتهر، يعني: يقال: الأحاديث والآثار، عندما يقال: الأحاديث والآثار، يقصدون بالآثار المأثور عن الصحابة والتابعين، هذا يقال له: الآثار، ومنهم من يطلق الأثر كما يطلق الخبر، وأن ذلك يشمل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن غيره.
مدى صحة قول: إن الدين الإسلامي من التراث
السؤال: هل يصح القول: بأن الدين الإسلامي هو من التراث، وإن صحت هذه العبارة فما تعريف كلمة: تراث؟الجواب: الدين الإسلامي كما هو معلوم هو الدين الذي جاء به نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو الوحي الذي أوحاه الله إليه كتاباً وسنة، هذا هو الدين، لكن يطلق على كتب الحديث التي هي أحد نوعي الوحي، الوحي الذي هو غير متلو، يطلق عليها كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا الأسلاف، والتي ورثناها عنهم، يعني: هذا هو المقصود منها، لكن لا يقال عن الدين: إنه تراث، وإنما يقال: عن كتب السنة هي كتب التراث، يعني: التي خلفها لنا أصحابها الذين ألفوها فيطلق عليها التراث، وهي خير ميراث، ومن المعلوم أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ميراثه، والعلماء ورثة الأنبياء، و(العلماء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر)، فإذا قصد بالتراث ميراث النبوة، فميراث النبوة هو الكتاب والسنة، هذا الذي ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي هو ميراث عام مشاع؛ ذلك أن الأنبياء إنما جاءوا لهداية البشر، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولهذا ما جاءوا به ميراثهم لا يختص به أقرباءهم، إنما هو للناس كلهم، مشاع مشترك.
فوات دعاء الاستفتاح للمسبوق في الصلاة
السؤال: إذا أدرك المصلي الصلاة بعد التكبير للركوع في ركعة من الركعات، ثم قام للركعة الثانية، فهل يلزمه دعاء الاستفتاح؟الجوا ب: لا، لا يلزمه دعاء الاستفتاح؛ لأن دعاء الاستفتاح سنة فات محلها.
معنى وصف الراوي بالتشيع
السؤال: ذكرتم في عمار الدهني: أنه يتشيع، فما المقصود بهذا التشيع؟الجواب: ما أذكر، لكن المعروف عن التشيع هو التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر، يعني: مثلما قال الذهبي في أول كتابه الميزان: أن الجماعة الذين يوصفون بوصف التشيع، أنه ليس المراد بهم الغلاة، وليس المراد بهم الذين يسبون أبا بكر وعمر، فهؤلاء لا يروى عنهم ولا كرامة، فالتشيع معناه: أنهم عندهم ميل إلى أهل البيت، لكن لا يعني ذلك أنهم يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسبون أبا بكر وعمر .
شواهد في ثبوت أجر العمرة لمن صلى في مسجد قباء
السؤال: هل لـمحمد بن سليمان الكرماني متابع من حيث ثبوت أجر العمرة لا العمل وحده؟الجواب: الحديث جاء بألفاظ مختلفة، ما أذكر الآن.. يعني: أذكر أن من طرقه: ( من تطهر في بيته ثم ذهب إلى قباء لا يخرجه إلا الصلاة، ثم صلى فيه صلاة كان كعدل عمرة )، فأنا ما أذكر الآن، لكن الحديث ثابت، واستدل به العلماء على فضل الصلاة في مسجد قباء.والمقبول المقصود به عند ابن حجر : أنه الذي يحتاج إلى متابع، ومن المعلوم أن هذه كلمة ابن حجر، أيضاً؛ الحكم هذا هو حكم ابن حجر، لكن على رأي ابن حجر يحتاج إلى متابع.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:39 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(128)
- (باب ما تشد الرحال إليه من المساجد) إلى (باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً)
إن أفضل البقاع إلى الله هي المساجد، وأفضلها المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والنبوي وبيت المقدس، فلا تشد الرحال إلا إليها، وأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليها بقصد التبرك بها أو اعتقاد فضلها، وأما إن كان شد الرحال من أجل زيارة أخ ونحو ذلك فلا بأس.
ما تشد الرحال إليه من المساجد
شرح حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ما تشد الرحال إليه من المساجد.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) ].يقول النسائي رحمه الله: (ما تشد إليه الرحال من المساجد).الترجمة معقودة لبيان المساجد التي يشرع شد الرحال إليها، والتي للمسلم أن يسافر من أجلها، وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى )، وهذا الحديث واضح الدلالة على الترجمة؛ لأن الحديث دل على أن السفر، وشد الرحل للوصول إلى بقعة، أو الوصول إلى أرض من أجل فضلها، ومن أجل ميزتها إنما يكون لهذه المساجد الثلاثة.وعلى هذا فإن السفر للوصول إلى أرض من أجل التقرب إلى الله عز وجل فيها لذاتها إنما يكون لهذه الأماكن الثلاثة، فلا تشد الرحال إلى مقابر في مكان معين من الأرض، ولا تشد الرحال للوصول إلى بقعة من أجل فضلها، ومن أجل قداستها وميزتها، فإن ذلك لا يكون إلا لهذه المواضع الثلاثة، أو لهذه المساجد الثلاثة التي بينها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.أما إذا كان السفر ليس من أجل فضل الأرض، ولا من أجل ميزة الأرض، ولا من أجل التقرب إلى الله عز وجل في أرض معينة، وإنما يكون السفر المقصود منه زيارة أخ، أو كذلك طلب علم، أو ما إلى ذلك فإن السفر مطلوب ولا مانع منه، وإنما المنع في قصد بقعة من الأرض لذاتها، فإن هذا لا يكون إلا لهذه المساجد الثلاثة التي هي: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، فهي التي تشد إليها الرحال، والحديث دال على فضل هذه المساجد الثلاثة، وعلى ميزتها، ودال على أنه لا تشد الرحال إلا إليها.وقوله: (لا تشد الرحال)، الرحال: جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير، ويركب عليه الراكب، وهو للبعير بمنزلة السرج للفرس؛ لأن الذي يوضع على الفرس ليركب عليه الراكب يقال له: سرج، والذي يوضع على البعير ليركب عليه الراكب يقال له: رحل، والرحل له أعواد، وقد جاء في سترة المصلي أنها تكون مثل مؤخرة الرحل، وهي: العود الذي يكون في الرحل؛ ليستند عليه الراكب، فهذا هو مؤخرة الرحل التي جاء ذكرها في سترة المصلي، فهو شيء بارز وشيء بيّن يصلي إليه المصلي، وقد مثل به النبي صلى الله عليه وسلم للسترة، وأنها مثل مؤخرة الرحل.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].سبق أن عرفنا فيما مضى أن محمد بن منصور من شيوخ النسائي، وله شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور، وكل منهما روى عن سفيان بن عيينة، ولكن هناك شيء يستدل به على تعيين أحدهما، وتمييزه عن الآخر إذا جاء غير منسوب، وكذلك فيما إذا كان سفيان غير منسوب.ومحمد بن منصور أحدهما المكي، والآخر طوسي، فـمحمد بن منصور الجواز هذا مكي، ومحمد بن منصور الطوسي هذا طوسي، فنسبة كل منهما مختلفة من حيث البلد، ومن المعلوم أنه إذا جاء الإبهام فإنه يحمل على من يكون له بالشيخ صلة، وعلى من يكون له به علاقة، أو يكون من أهل بلده، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة مكي، ومحمد بن منصور مكي، فيحمل على أنه محمد بن منصور الجواز المكي ؛ لأن هذا هو الأقرب في أن يكون هو المراد، وأن يكون هو مقصود النسائي في قوله: محمد بن منصور الذي أهمله، ولم ينسبه النسبة التي يتميز بها عن الآخر.فإذاً: يحمل على أنه المكي؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، ومما يوضح أن سفيان هو سفيان بن عيينة أيضاً، كونه يروي عن الزهري، وسفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وهو قريب منه في البلد؛ لأن الزهري في المدينة، وسفيان بن عيينة في مكة، فيحمل على أنه سفيان بن عيينة، وسبق أن عرفنا فيما مضى أن الثوري قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وهنا الرواية عن الزهري مباشرة، فهو سفيان بن عيينة، ومحمد بن منصور الجواز ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.وأما سفيان بن عيينة فهو محدث مشهور، ثقة، حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، أحياناً يأتي بلفظ الزهري، وأحياناً يأتي بلفظ ابن شهاب ويراد به محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يعني: شهاب جد جده، يعني: جد جد محمد بن مسلم.والزهري إمام جليل، ومحدث فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد ].وهو ابن المسيب، وسعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي هريرة ].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو عبد الرحمن بن صخر على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو صحابي جليل مشهور، أكثر الصحابة حديثاً، والمكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، وأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
اتخاذ البيع مساجد
شرح حديث طلق بن علي في اتخاذ البيع مساجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ اتخاذ البيع مساجد.أخبرنا هناد بن السري عن ملازم حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي رضي الله عنه أنه قال: ( خرجنا وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا فقال: اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً، قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: مدوه من الماء، فإنه لا يزيده إلا طيباً، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيء، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي باب اتخاذ البِيَع مساجد، والبيع هي معابد أهل الكتاب، معابد اليهود أو النصارى يقال لها: بيعة، فهي محل العبادة التي يتعبدون بها.وقد أورد النسائي حديث طلق بن علي اليمامي رضي الله تعالى عنه، قال: ( قدمنا وفداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا معه، وقلنا له: إن بأرضنا بيعة لنا، واستوهبناه من فضل وضوئه، فأمر بماء يتوضأ به، فتوضأ، ثم وضع فضل وضوئه في إداوة وأعطاهم إياها، وقال: اخرجوا، يعني: اذهبوا إلى بلدكم، وإذا وصلتم فاكسروا البيعة التي لكم، وانضحوا على مكانها من هذا الماء، وصلوا فيها، قالوا: يا رسول الله! إن المسافة بعيدة، والحر شديد، والماء ينشف، يعني: يتلاشى ويضمحل ويتبخر وينتهي، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً) )، يعني: أن هذا الماء الذي يضاف إلى هذا الماء الذي هو فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم لا يزيد هذا الماء الجديد المضاف إليه إلا طيباً، يعني: أن البركة التي في هذا الماء الذي توضأ منه الرسول صلى الله عليه وسلم تسري وتمتد إلى ذلك الماء المضاف إليه حتى لا ينشف، وحتى لا يتلاشى ويضمحل مع طول الوقت، ومع طول المسافة، ومع شدة الحر، فلما وصلوا فعلوا ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكسروا البيعة، ونضحوا أرضها بالماء، واتخذوها مسجداً، أي: اتخذوا ذلك المكان -الذي هو مكان البيعة- مسجداً، وكان فيها راهب، فلما أذنوا فيها، وسمع ذلك الراهب صوت الأذان، - وكان من طيء - قال: دعوة حق، ثم إنه خرج واستقبل تلعة من تلاعهم فلم يروه بعد ذلك، والتلعة هي مجرى الوادي، أو التي تكون بين جبلين، فهذا يقال له: تلعة.والحديث مطابق لما ترجم له النسائي من اتخاذ البيع مساجد، حيث أن تلك البقعة التي كانت متعبداً لأهل الكتاب أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذها مسجداً، فبعدما كان يتعبد الله فيها على باطل، وعلى ضلال -كما هو معلوم من شأن النصارى؛ فإنهم يعبدون الله على جهل وضلال- صار يتعبد فيها المسلمون على حق وهدى، وعلى طريقة سليمة، وعلى هدى مستقيم؛ اتباعاً لما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث واضح الدلالة على الصلاة في المكان الذي كان بيعة ومتعبداً لأهل الكتاب، وأن كونهم تعبدوا فيه لا يؤثر ولا ضير فيه؛ لأن تعبدهم وإن كان بباطل إلا أنه خلفهم من يعبد الله عز وجل عليه بحق.وأما نضحه بالماء فذلك للبركة، وليس لكون الأرض نجسة.
تبرك الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم إن طلبهم منه أن يعطيهم فضل وضوئه هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ أنهم كانوا يحرصون على فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام، وعلى ما يسقط من جسده الشريف من شعر، وما يخرج منه من بصاق ومخاط وعرق، فكانوا يتنافسون عليه، وكانوا يحرصون عليه، وكانوا يتسابقون إليه، وكان يعطيهم ذلك، ويمكنهم من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو دليل على التبرك بما حصل من جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو تبرك أصحابه الذين ظفروا بهذا منه، والذين شرفهم الله بصحبته والنظر إليه، والتمكن من أخذ شيء من شعره، ومن بصاقه، ومن عرقه، ومن فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم، وتبركهم بذلك هو دليل دال على هذا، ولكن لا يقال: إن هذا دليل على جواز التبرك بالصالحين؛ وأنه يتبرك بالصالحين، أخذاً بهذا الحديث، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا تبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم، وغيره لا يقاس عليه، والدليل على هذا أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم الذين كانوا يتبركون بفضل وضوئه، وغير ذلك مما مس جسده صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا هذا مع أحد بعده عليه الصلاة والسلام، ولم يفعلوا هذا مع أحد غيره عليه الصلاة والسلام، وخير الصحابة، وخير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومع ذلك ما فعل الصحابة، وما فعل التابعون الذين أدركوهم معهم مثلما كان الصحابة يفعلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على أنه من خصائصه، وأنه لا يصح أن يقال: إن هذا دليل على جواز التبرك بالصالحين، وأن من كان معروفاً بالصلاح فإنه يتبرك بفضل وضوئه، أو يتبرك بعرقه، أو يتبرك ببصاقه، أو مخاطه، أو ما إلى ذلك، فهذا لا يقال إلا في حق الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن هذا هو الذي حصل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يحصل منهم مع أحد غيره.وقد ذكر هذا الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام، وقال: إن الصحابة أجمعوا واتفقوا على فعل هذا معه، ولم يفعلوه مع غير خير الخلق، ولم يفعلوه مع أهل الفضل؛ الذين هم: أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة، فدل إعراضهم وعدم فعلهم مثل ذلك مع غيره صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يفعل مع أحد غيره كما كان يفعل معه صلى الله عليه وسلم، بل إن هذا يكون من خصائصه، ولهذا بعض الشراح وبعض المؤلفين عندما يأتي مثل هذا الحديث الذي فيه التبرك برسول الله صلى الله عليه وسلم يطلق ويقول: إن هذا فيه دليل على التبرك بالصالحين؛ لأن أهل الصلاح أو من كان في مقدمة أهل الصلاح؛ وهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الذين هم مقدمة أهل الصلاح على الإطلاق ما فعلوا هذا مع خيرهم ومع أفضلهم أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله تعالى عن الجميع، فدل هذا على فعل الصحابة ذلك مع الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو من خصائصه، وأنه لا يتعداه إلى غيره، وأنه لا يفعل مع أحد غيره صلى الله عليه وسلم، بل يعتبر هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.والحديث عن طلق بن علي رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا وفداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبايعناه وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا).وعندما يذكرون ترجمة طلق بن علي يقولون: له وفادة، يعني: له وفادة على الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث يدل على وفادته؛ لأنه يقول: (خرجنا وفداً)، يعني: من بني حنيفة من اليمامة على الرسول صلى الله عليه وسلم، (فبايعناه، وصلينا معه)، بايعوه على الإسلام وصلوا معه عليه الصلاة والسلام، يعني: مدة من الزمان، وأخبروه بالذي في بلدهم من البيعة التي كان يتعبد بها أهل الكتاب، وأخبرهم ماذا يصنعون فيها، وأنهم يصلون في موضعها، وأنهم يتخذون ذلك الموضع مسجداً، وأن ذلك لا يؤثر.قوله: (فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء فتوضأ وتمضمض، ثم صبه في إداوة).هذا الفضل يحتمل أن يكون الذي تساقط من جسده وضع في طست، ثم صب في إداوة، ويحتمل أن يكون الذي بقي في الإناء بعد وضوئه؛ لأن يده الشريفة مسته، حيث غمسها فيه، فلامست يده الشريفة هذا الماء، فصار فيه بركة؛ لحصول ملامسة الرسول صلى الله عليه وسلم له، فلما أعطاهم إياها ليذهبوا بها إلى بلدهم قال: (انضحوا عليها من هذه الإداوة)، قالوا: إن المسافة بعيدة، والحر شديد، والماء ينتهي، فقال: (مدوه)، يعني: أضيفوا إليه ماء، يعني: من المدد، يضاف إليه ماء حتى لا ينتهي ذلك الماء، (فإنه) أي: الذي في الإداوة والذي هو فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام لا يزيد ذلك الماء الجديد المضاف الذي ألحق به أخيراً، لا يزيده إلا طيباً، يعني: أن ذلك الطيب وتلك البركة التي في ذلك الماء الذي مسه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أضيف إليه ماء فإنها تسري عليه وتشمله، وليس الماء الجديد إذا أضيف إلى ماء هو فضل وضوئه صلى الله عليه وسلم لا يحصل له هذا الفضل، ولا يحصل له هذه البركة، بل قال عليه الصلاة والسلام: (فإن ذلك لا يزيده إلا طيباً).
أمر النبي بنضح مكان البيعة بفضل وضوئه واتخاذه مسجداً
قال: (وأمرنا فقال: اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجداً).وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث الطويل هذا، قال: (واتخذوها مسجداً)، ثم إن الصلاة في البيع -وهي معابد النصارى أو اليهود- العلماء اختلفوا في الصلاة فيها -يعني: في أماكن عبادتهم- فمنهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من منعها مطلقاً، ومنهم من فصل: إذا كان فيها تصاوير فإنه لا يصلى فيها، وإذا كان ليس فيها تصاوير فإنه يصلى فيها، وقد ذكر الأقوال ابن القيم رحمه الله، في كتاب أحكام أهل الذمة، وهو كتاب نفيس، فهو مرجع عظيم فيما يتعلق بأحكام الكفار، ومعاملة الكفار، والتعامل مع الكفار، فهو من أحسن المراجع التي يرجع إليها، وقد بين فيه كثيراً من الأحكام المتعلقة بالكفار، والتعامل مع الكفار، ومن ذلك أنه ذكر ما يتعلق بالصلاة في البيع والكنائس، وذكر أقوال العلماء الثلاثة، وأن منهم كرهها مطلقاً، ومنهم من أجازها مطلقاً، ومنهم من فصل فيما إذا كان فيها تصاوير فإنه لا يصلى فيها، وإذا لم يكن فيها صور فإنه يصلى فيها، وذكر وجهات العلماء في هذه الأقوال المختلفة.والحاصï؟½ ï؟½ أن ذلك الكتاب نفيس، وطالب العلم يحتاج إليه في الرجوع إلى ما يتعلق بالكفار، وأحكام الكفار، والتعامل مع الكفار.قال: ( قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: مدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيباً، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيء، فلما سمع الأذان قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد ).قوله: (دعوة حق)، هذا لا يعني أنه دخل في الإسلام، وأنه أسلم، ومن المعلوم أن اليهود والنصارى يعلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى باعثه، وأنه يبعث رسول، وقد جاء ذكره في كتبهم، بل جاء ذكر الصحابة في كتبهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، كما جاء في آخر سورة الفتح: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ [الفتح:29]، فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وذكر أصحابه في الكتب السابقة، فهم يعلمون ذلك، وما كانوا يجهلون، ولكن الحسد والحقد هو الذي دفعهم إلى أن يعارضوه، أو لا يدخلوا في دينه، وأن يقول من قال منهم: إنه رسول إلى العرب خاصة، وليس رسولاً إليهم، وأن اليهود أتباع موسى، والنصارى أتباع عيسى، والعرب أتباع محمد، فكل هذا من الحسد، ومن الحقد الذي حصل منهم، والخذلان الذي حصل لهم. بقوله: (دعوة حق)، يعني هذا الذي قاله حق، وهذا لا يدل على أنه دخل في الإسلام، وإنما شهد بأن هذا الذي حصل حق، وهم يعلمون بأن الرسول حق، ولكنهم ما آمنوا به، ثم إنه استقبل تلعة من التلاع، وخرج وذهب ولم يروه، ومعناه: أنه ذهب ولا يعرفون عنه خبراً، ولا يقال -كما قال بعض الشراح-: إنه صار من رجال الغيب، يعني: مثلما يقال عن الخضر، وإنه موجود غائب، وما إلى ذلك، فإن هذا لا يصح، وليس بجيد، بل لا ينبغي أن يقال مثل هذا، وإنما هذا الرجل ذهب، ثم لا يعرفون عنه خبراً، فقد يكون هلك وأكلته السباع أو أكلته الذئاب، أو ما إلى ذلك.. أو لم يوقف له على خبر، ولكن ليس معنى ذلك أنه صار من أهل الغيب الذين يكونون في الدنيا ولا يعرف عنهم شيئاً، والناس لا يرونهم، مثلما يقال عن الخضر: إنه موجود، وإنه يطوف بالبلاد، وإن بعض الناس يراه، فصار فتنة لمن شاء الله تعالى فتنته من الناس.
تراجم رجال إسناد حديث طلق بن علي في اتخاذ البيع مساجد
قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].وهو هناد بن السري الكوفي، وكنيته أبو السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وقد تكرر مثل هذا، وعرفنا أن فائدة معرفة هذا النوع -وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه- أن لا يظن أنه لو ذكر بالكنية أنه تصحيف عن ابن، فلو قيل مثلاً: هناد بن السري، ووجد في بعض الأسانيد: هناد أبو السري، فالذي لا يعرف أن كنية هناد أبو السري يظن أن كلمة ابن صحفت وصارت أباً بدل ابن، والواقع أنه لا تصحيف، فحيث قيل: هناد بن السري صحيح، وحيث قيل: هناد أبو السري صحيح، ففائدة ذلك: حتى لا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالكنية، وهو معروف أنه ابن السري، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، وقد تكرر مثل هذا، وأقرب ما مر بنا عمار الدهني الذي مر في الدرس الماضي، فهو ابن معاوية، وكنيته أبو معاوية، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وكنيته أبو عمرو، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ملازم ].وهو ابن عمرو اليمامي من اليمامة، واليمامي واليماني متقاربة في اللفظ، ويأتي التصحيف أحياناً بين اليمامي واليماني، فإنه في بعض النسخ التي ترجمت لـملازم هذا قالوا: اليماني، وهو تصحيف، بل هو اليمامي نسبة لليمامة وليس لليمن، والتصحيف يأتي بين هذين اللفظين للتقارب فيما بينهما، وهو صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الشيخان البخاري، ومسلم .[ حدثني عبد الله بن بدر ].الحنفي اليمامي، فهو أيضاً من اليمامة، وهو ثقة، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[ عن قيس بن طلق ].اليمامي أيضاً، الحنفي اليمامي، وهو صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[ عن أبيه طلق بن علي ].وهو الصحابي الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى القصة، وحديثه خرجه أصحاب السنن الأربعة.إذاً فالإسناد فيه ملازم بن عمرو، وعبد الله بن بدر، وقيس بن طلق، وطلق بن علي، وهؤلاء الأربعة خرج لهم أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج لهم البخاري ولا مسلم، وكلهم من أهل اليمامة.
نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً
شرح حديث أنس في نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً.أخبرنا عمران بن موسى حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل في عرض المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار، فجاءوا متقلدي سيوفهم، كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر رضي الله عنه رديفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، فيصلي في مرابض الغنم، ثم أمر بالمسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا، فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل، قال أنس : وكانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالنخل فقطعت، وبالخرب فسويت، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهم يقولون: اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً. عقد النسائي هذه الترجمة وأورد فيها حديث أنس بن مالك في قصة بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة نزل في عرضها، يعني: في ناحية من نواحيها، والمراد بها أرض قباء، وهي المكان الذي يسكن فيه بنو عمرو بن عوف من الأنصار، وهم أهل قباء، يعني: أنه نزل في منطقة قباء، ومكث فيها أربع عشرة ليلة، وبنى مسجد قباء، يعني: بدأ تأسيسه، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلب من بني النجار أن يأتوا إليه، فجاءوا متقلدي سيوفهم، ورافقوه في ذهابه إلى المدينة؛ إلى حيث أرض مسجده صلى الله عليه وسلم، ثم نزل في فناء دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ونزل ضيفاً عليه، عليه الصلاة والسلام حتى بنيت الحجرات وبني المسجد، ثم انتقل من دار أبي أيوب الأنصاري إلى الحجرات، وقد جاء في الحديث الصحيح: أن أبا أيوب كانت داره مكونة من طابقين، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم في الطابق السفلي، وهو في العلوي، ثم عزم عليه وألح على أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في الطابق العلوي، وأن يكون هو في الطابق السفلي؛ إكراماً للرسول صلى الله عليه وسلم، فنزل في فنائه، وفناء الدار هو: المكان الذي يكون أمامها؛ الذي يكون تابعاً لها أمامها، ثم إنه أمر بالمسجد، وكان لجماعة من الأنصار، فدعاهم وقال: ثامنوني، يعني: معناه اذكروا الثمن الذي تبيعون به، يعني: معناه حدثت مساومة بينه وبينهم ليشتريه منهم بثمن، فقالوا: لا نبغي ثمنه إلا من الله، يعني: معناه أنهم لا يريدون له ثمناً، وإنما يتنازلون عنه، ويتركونه يرجون ثواب الله عز وجل، قال أنس : وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، أي: أخرجت تلك العظام التي هي عظام المشركين، ووضعت في مكان آخر، ثم أمر بالخرب فسوي، وأمر بالنخل فقطع، ووضع في قبلة المسجد، وبنى مسجده صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وجعلوا عضادتيه من الحجارة، وهما الجانبان للباب، يعني: الذي يقوم عليها سقف الباب ويكون الباب بينهما، جعلوها من الحجارة، وكانوا ينقلون الحجارة وهم يرتجزون: (اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة). المقصود من الحديث قوله: (وكان فيه قبور المشركين فأمر بها فنبشت)، واتخذ مكانها مسجداً، يعني: مكان تلك الخرب، ومكان تلك النخل، وتلك القبور التي نبشت اتخذه مسجداً، فصار مسجده صلى الله عليه وسلم، فقوله: باب نبش القبور واتخاذها مساجد، أطلق المصنف هنا العبارة، يعني: بالنسبة للقبور، والحديث الذي أورده إنما هي قبور المشركين، ومعلوم أن المشركين لا حرمة لهم، فإذا نبشت قبورهم، وأخرجت عظامهم، وذهب بها إلى مكان آخر، واتخذ مكانها مصلى فإنه لا بأس به؛ لأن المشركين لا حرمة لهم، وعظامهم لو كسرت لا بأس بذلك، بخلاف المسلمين فإنه لا يصار إلى نقلهم ونبشهم إلا لضرورة تلجئ إلى ذلك.قوله: (وكان يصلي حيث أدركته الصلاة)، يعني: كانت الأرض له مسجداً وطهوراً، كما جاء ذلك في الحديث، وهو من خصائصه ومن خصائص هذه الأمة حيث قال: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء من قبلي -ومنها- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره )، ويصلي في مرابض الغنم، وهذا يدل على طهارتها، وعلى عدم نجاستها، وهو دال على طهارة أبوالها أيضاً؛ لأن مرابضها هي موضع تبولها، فكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها يدل على طهارة أبوالها؛ لأنها لو كانت الأبوال نجسة لكانت الصلاة في مكان متنجس، فالرسول صلى الله عليه وسلم إنما صلى في مكان طاهر، فدل على طهارة أبوال الغنم، وكذلك أبوال الإبل طاهرة، بل كل ما يؤكل لحمه فإن روثه وبوله يكون طاهراً، ومما يدل على ذلك كون النبي صلى الله عليه وسلم أذن للعرنيين بأن يشربوا من أبوالها لما أصابهم الوباء في المدينة، وأمرهم بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فكونهم يشربون من أبوالها دليل على طهارتها وعلى عدم نجاستها، ثم كذلك إدخاله البعير للمسجد الحرام وهو يطوف عليه، ومن المعلوم أن البعير عرضة لأن يحصل منه الروث والبول، ولولا أنه طاهر لما عرض النبي صلى الله عليه وسلم المسجد لأن يلوث بالنجاسة، فذلك دال على طهارة بوله وروثه، فقوله: كان يصلي في مرابض الغنم، يدل على طهارتها.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في نبش القبور واتخاذ أرضها مسجداً
قوله: [ أخبرنا عمران بن موسى ].عمران بن موسى، وهو البصري، وهو صدوق، خرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[ حدثنا عبد الوارث ].وهو ابن سعيد البصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي التياح ].وهي كنية اشتهر بها يزيد بن حميد الضبعي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ولكنه مشهور بكنيته أبي التياح .[ عن أنس بن مالك ].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بصري، وعلى هذا فالإسناد مسلسل بالبصريين، وأيضاً هو رباعي من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أشخاص، فهو أعلى إسناداً عنده، وأقل رواة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وهذا الحديث منها؛ من الأحاديث الرباعية التي هي أعلى ما يكون عند النسائي ؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات كما عرفنا ذلك في الدرس الماضي.
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:41 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(129)
- (باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد) إلى (باب النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد)
حذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ القبور مساجد، وبين أن ذلك مستوجب للعنة، وبين أيضاً فضيلة المشي إلى المساجد وأجر ذلك، ونهى عن منع النساء من الذهاب إليها إن أردن ذلك، ولم يترتب عليه محذور شرعي.
النهي عن اتخاذ القبور مساجد
شرح حديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن اتخاذ القبور مساجد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن معمر ويونس قالا: قال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: ( لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، قال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن اتخاذ القبور مساجد.هذه الترجمة معقودة لبيان أن اتخاذ القبور مساجد مما نهى عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل نهى عنه وكرر، وكان ذلك في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، مما يدل على أن هذا الحكم محكم وأنه غير منسوخ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما عاش بعده مدة من الزمان حتى يكون فيه احتمال النسخ، بل كان ذلك في آخر لحظاته، وفي آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، وهذا من كمال نصحه لأمته وشفقته عليها، وحرصه على إبعادها عن كل ما فيه خلل في عقيدتها، وفي سيرها إلى الله عز وجل.فقد حذر عليه الصلاة والسلام من اتخاذ القبور مساجد، وحذر من فتنة القبور والافتتان بها، والغلو بها وبأهلها، وقد جاء ذلك عنه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته، كما في هذا الحديث الذي أورده النسائي، فإنه في حال النزع، وفي حال خروج الروح كان ينهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام، بل أيضاً قبل هذا بمدة وجيزة، وفي مرض موته نهى عن ذلك نهياً بليغاً بعبارات مختلفة، وبتأكيدات متنوعة متعددة، وذلك في حديث جندب بن عبد الله البجلي الذي أخرجه مسلم في صحيحه، والمشتمل على جملتين، وعلى أمرين، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل )، يقول جندب بن عبد الله البجلي : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -يعني: بخمس ليالٍ فقط، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين، وهذا الكلام قاله يوم الخميس الذي قبل يوم الإثنين- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك )، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته هاتين الكلمتين، أو هاتين الجملتين، إحداهما مبينة فضل أبي بكر وميزته على غيره، وفيه الإشارة إلى أنه الأحق بالأمر من بعده؛ لأن كونه يقول هذا الكلام في مرض موته، وقبل أن يموت بخمس ليالٍ فإنه ينوه بفضله، ويبين عظيم قدره، وأنه الشخص الوحيد الذي لا يساويه مساوٍ، ولا يدانيه مدان، حيث قال: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، لأن الله اتخذه خليلاً، لكنه لو كان هذا الحق لأحد، ولو كان هذا الاتخاذ حاصلاً لأحد، ما حصل لأحد غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فدل هذا على عظيم فضله، ودل هذا على الإشارة إلى أنه الأحق بالأمر من بعده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله قبل أن يموت بخمس.والأمر الثاني يتعلق باتخاذ القبور مساجد، وهذا فيه التنبيه إلى تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، وأن يحصل منها ما حصل من الأمم السابقة، من فتنة اتخاذ القبور مساجد، والغلو في الأنبياء والصالحين، فإن الأمرين كليهما يتعلقان بما يكون بعد موته عليه الصلاة والسلام.الأمر الأول: أبو بكر والتنبيه إلى أنه الأحق بالأمر من بعده، والأمر الثاني: فيما يتعلق باتخاذ القبور مساجد، وأن لا يُعمل معه ما عملت الأمم السابقة مع أنبيائها وصالحيها.فقوله عليه الصلاة والسلام: ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد )، هذه جملة فيها تنبيه، ثم قال: (ألا فلا تتخذوا القبور مساجد)، ثم قال: (فإني أنهاكم عن ذلك)، وهذا تأكيد بعد تأكيد؛ لأن قوله: (ألا فلا تتخذوا)، نهي، وقوله: (إني أنهاكم) نهي كذلك، ولكنه نهي بصيغ متعددة، وبتأكيدات متنوعة؛ بصيغة النهي، وبلفظ النهي، بصيغة النهي التي هي لا الناهية وذلك في قوله: (ألا فلا تتخذوا)، وبلفظ النهي في قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك)، وهذا من كمال بيانه، ومن كمال نصحه وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا الكلام قاله قبل أن يموت بخمس ليالٍ، كما في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم.
تحذير النبي من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد في آخر كلامه من الدنيا ودلالة ذلك
أما حديث عائشة وابن عباس، فإنهما يحكيان شيئاً حصل بعد هذا، بل في حال النزع، وفي حال قبض الروح.وعلى هذا : فهذا من آخر ما تكلم به، وأما آخره فإنه قال: ( اللهم في الرفيق الأعلى )، فهذا آخر ما تكلم به، وبعدها خرجت الروح، ولكنه قال وهو في النزع: ( لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد )، قال هذا متى؟ قال هذا وهو في النزع، تقول عائشة وابن عباس رضي الله عنهما: (لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم)، يعني: لما نزل به الموت.وقوله: (طفق يطرح خميصة له على وجهه)، (وطفق)، يعني: جعل خميصة، وهي كساء له أعلام فيه خطوط، وكان متغطياً به ومغط وجهه، فإذا اغتمَّ وحصلت حرارة، وحصل انحباس النفس كشفه، ثم بعد ذلك أعاده، يعني: يغطي وينزع، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، قال: (وهو كذلك)، يعني: في هذه الحالة التي يغطي وينزع ويغطي وينزع في حال خروج الروح من جسده الشريف صلى الله عليه وسلم، يقول وهو كذلك : (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)، ومقصوده صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذير أمته أن تقع فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وأن تقع أمته فيما وقعت فيه الأمم السابقة، من الغلو في الأنبياء والصالحين، والوقوع فيما وقعوا فيه، ولكن الكلام الأخير الذي ما بعده كلام فهو: (اللهم في الرفيق الأعلى)، هذا هو الذي قاله، وبعد ذلك خرجت الروح، كما جاء ذلك عن عائشة، مبيناً في بعض الأحاديث، ولكن الحديث الذي معنا يبين أنه حذر من فتنة القبور وهو في النزع، وهذا -كما قلت- من كمال نصحه، وكمال بيانه وفصاحته وحرصه وشفقته على أمته من أن تقع في الأمر الذي يعود عليها بالمضرة.واللعن يدل على أن الفعل من الكبائر؛ لأن الكبائر عند العلماء هي الذنب الذي جعل عليه حد في الدنيا، أو توعد عليه بلعنة أو غضب أو نار، يعني: الذي جعل فيه وعيد، كأن لعن صاحبه، أو أن الله غضب عليه، أو أنه من أهل النار، هذه علامة الكبائر، فالكبائر أصح ما قيل في تعريفها، والفرق بينها وبين الصغائر: أن الكبائر هي الذنب الذي جعل عليه حد في الدنيا، يعني: كالقطع في السرقة، وكالجلد في الخمر وفي الزنا، وكذلك الرجم، أي حد من الحدود الشرعية المقدرة التي جاءت في الكتاب والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه علامة الكبيرة، أو توعد عليها بغضب، أو لعنة، أو نار، وهنا توعد باللعنة: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يعني: ثم بين سبب هذا اللعن، وأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.ومن المعلوم أن النصارى أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، وعيسى هو آخر الرسل، وليس بينه وبين نبينا أحد، بل هو الذي يليه، وعيسى لم يمت، وإنما رفع إلى السماء، وسينزل من السماء في آخر الزمان، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتخذوا قبور أنبيائهم)، فالعلماء قالوا في الجواب عن هذا: إن الحديث جاء: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)، أن المقصود بالأنبياء، الأنبياء وأتباع الأنبياء الذين هم صالحو أتباع الأنبياء، وهذا هو الذي بينه حديث جندب : ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم وصالحيهم )، وهنا حصل الاكتفاء بذكر الأنبياء دون ذكر أتباعهم، وذكر الأتباع جاء مبيناً في حديث آخر: ( اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد )، فهذا مما قاله العلماء في كون عيسى الذي هو رسول النصارى، كونه رفع حياً وأنه لم يمت، وأنه لم يقبر، ولم يتخذ على قبره مسجداً؛ لأنه لم يمت حتى الآن؛ لأنه رفع وهو حي إلى السماء عليه الصلاة والسلام، وسينزل في آخر الزمان كما جاء ذلك مبيناً في الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث كما هو واضح يدل على التحذير من هذا العمل، والتنفير منه، وأن ذلك يؤدي إلى الشرك؛ لأن الغلو في الأنبياء والصالحين يؤدي إلى صرف شيء لهم من حق الله عز وجل، وجعل لهم نصيباً في العبادة مع الله، والعبادة يجب أن تكون خالصة لله عز وجل، لا تركة لغيره فيها، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل.إذاً: فالحديث صريح وواضح في النهي، بل بتأكيد النهي، وبيان أنه من الكبائر، وكما ذكرت في حديث جندب أن فيه تأكيداً بعد تأكيد، وبألفاظ مختلفة؛ بلفظ (لا) التي هي الناهية، وبلفظ النهي التي هي قوله: (فإني أنهاكم عن ذلك)، و(إن) من أدوات التوكيد، فأُكد بـ(إن)، وكرر لفظ النهي بلفظ النهي بعد أن ذكر بصيغة النهي التي هي (لا) الناهية الداخلة على الفعل: ( ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ).ثم مما بلي به الناس، أو كثير من بلاد المسلمين في هذا الزمان البناء على القبور، وبناء المساجد على القبور، ودفن الموتى في المساجد، فلا يخلو قطر من أقطار البلاد الإسلامية -إلا ما شاء الله- إلا ويوجد قبور في المساجد حيث دفن الموتى في المساجد، كوّن لهم بنايات مزخرفة، وعُمل فيها ما فيه الغلو الذي يجعل بعض الناس يعظمون، ويقعون في الأمر المحرم الذي حذر منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس عندما يذكر له المنع من هذا، والتحذير من هذا يستدل أو يذكر وجود قبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجده، فيقول: كيف لا تبنى المساجد على القبور، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، ومسجده خير المساجد بعد المسجد الحرام، وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها؟! وهذه شبهة هي من تسويل وتسويف الشيطان، ومن عمل الشيطان الذي يلحق الضرر بالإنسان، بحيث يزين له الباطل، ومن المعلوم أن مسجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه أصحابه الكرام، وبنى حجراته بجواره، فكانت حجرات أمهات المؤمنين، ومنها حجرة عائشة يبيت الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، ويجامع أهله، ويحصل في الحجر أمور لا تحصل في المسجد، فلما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام، دفن في حجرة عائشة ؛ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، فالمكان الذي مات فيه الرسول صلى الله عليه وسلم دفن فيه، وبقيت الحجر خارج المسجد وفي زمن الخلفاء الراشدين الهادين المهديين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ثلاثين سنة، ثم بعد ذلك مدة طويلة في عهد معاوية مقدار عشرين سنة؛ لأن معاوية بعد أن بويع له بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه بقي في الخلافة عشرين سنة؛ لأنه تولى أربعين سنة على الشام؛ عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، ثم بعد ذلك بعد زمن معاوية مدة طويلة، وعهد الذين بعده، حتى جاء الوليد بن عبد الملك، ووسع المسجد وأدخلت الحجرات في المسجد.فإذاً: هذا عمل جديد، وعمل طارئ في زمن بني أمية، فلا يتخذ حجة بأن تبنى القبور على المساجد، في الأماكن المختلفة في الدنيا، ويغفل عن الأحاديث المتواترة التي جاءت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أواخر لحظاته، وفي أواخر أيامه، فهي أحكام محكمة ليست منسوخة ولا سبيل لنسخها، ولا مجال لنسخها؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا الكلام وهو في مرض الموت، وهو في النزع؛ وروحه تنزع، فلا يمكن أن يكون بعده نسخ، بل هو آخر أو من آخر ما تكلم به صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يحتج على ذلك بعمل حصل في زمن بني أمية، وتترك الأحاديث المحكمة المتواترة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي منها ما قاله وهو في النزع، ومنها ما قاله قبل أن يموت بخمس ليالٍ، كما في حديث مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-22-2026, 12:43 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)
قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].وهو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[ أخبرنا عبد الله بن المبارك ].هو المروزي وهو ثبت، إمام، ذكر الحافظ ابن حجر جملة من صفاته الحميدة، وقال عقبها: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن معمر ويونس ].معمر هو ابن راشد الأزدي البصري، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.و يونس هو ابن يزيد الأيلي، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ قال الزهري ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً، وهو من أوعية العلم، ومن الفقهاء المحدثين، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وفي كتب الفقه، وفي العلماء الذين تعزى إليهم الأقوال في المسائل المختلفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني عبيد الله بن عبد الله ].وهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن عائشة وابن عباس ].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق، أكثر نساء هذه الأمة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو امرأة من النساء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما روته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها من الحديث، فهي مكثرة من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أوعية حديث رسول الله، وحفّاظه رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد روت الكثير، وحفظت الكثير، لاسيما ما يتعلق في بيوته عليه الصلاة والسلام التي لا يطلع عليها إلا أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فهي واحدة من سبعة أشخاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفهؤلاء السبعة هم المكثرون، وعائشة هي من هؤلاء السبعة، وهي الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها. وابن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي دعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يفقهه في الدين، وأن يعلمه التأويل، فكان من أوعية العلم، وكان من حفاظ السنة، وكان من المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين ذكرتهم، والذين هم سبعة مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلٌ منهما، أي: عائشة، وابن عباس، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى حدثنا هشام بن عروة حدثني أبي، عن عائشة رضي الله عنها: ( أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ) ].وهنا أورد النسائي رحمه الله، حديث أم سلمة وأم حبيبة، أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وكانتا ذهبتا إلى أرض الحبشة، فذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في أرض الحبشة فيها تصاوير، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين حال هؤلاء الذين يتخذون البناء على القبور؛ على قبور الأنبياء والصالحين، فقال: ( إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة )، فهاتان المرأتان من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، أخبرتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رأتاه، وهذا يدل على أن الإنسان إذا رأى شيئاً من الأمور التي رآها وشاهدها مما يلفت الأنظار فإنه يخبر به، ويقصه ويبين ما رآه؛ لأن أمي المؤمنين ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشيء الذي رأتاه في أمر تلك الكنيسة، والرسول صلى الله عليه وسلم بين الأساس الذي بنى عليه أولئك هذا العمل، وأنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور. ثم قال: ( أولئك شرار الخلق عند الله )، فكونهم شرار الخلق عند الله بسبب هذه الأمور؛ بسبب اتخاذ القبور مساجد، وبسبب التصاوير، بالإضافة إلى ما عندهم من الأمور الموبقة، وبالإضافة إلى ما عندهم من الكفر بالله عز وجل، لأن الكنيسة هي معبد النصارى، وكذلك أيضاً تطلق على معبد اليهود.فقوله: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)، يدل على التحذير من اتخاذ القبور مساجد -وهو ما ترجم له النسائي- وبيان أن الذين يفعلون ذلك شرار الخلق عند الله، ثم أيضاً يدل على تحريم التصاوير، وأنه لا يجوز أن تتخذ الصور التي هي صور ذوات الأرواح، سواء كانت مجسمة، أو غير مجسمة، سواء كانت على ورق، أو على قماش، أو ما إلى ذلك فكل هذا داخل في التصاوير الممنوعة التي حذر منها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالحديث دال على التحذير من هاتين الفتنتين: فتنة الغلو في القبور، وفتنة التصاوير، أي: تصوير ذوات الأرواح، ومن المعلوم أن الغلو، وأن عبادة الأوثان إنما حصلت في قديم الزمان بسبب الصور، كما جاء ذلك عن قوم نوح، وأنه حصل الشرك، ودخل فيهم باتخاذ الصور.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ... أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)
قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].وهو الدورقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة جميعاً، فكلهم رووا عنه، وهو من صغار شيوخ البخاري، وذكرت فيما مضى أن ثلاثة من شيوخ البخاري ماتوا في سنة واحدة، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة؛ شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه والنسائي، وقد مات الثلاثة في سنة واحدة، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار , وكانت وفاة الثلاثة في سنة: (252هـ)، أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة: (256هـ)، وهؤلاء الثلاثة، وهم من صغار شيوخه ماتوا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين.وصغار شيوخه هم الذين أدركهم مثل النسائي، وأما كبار شيوخه فإن النسائي ما أدركهم، فالذين ماتوا قبل أن يولد النسائي، وأدركهم البخاري وروى عنهم، فهؤلاء من كبار شيوخه، وأما الذين تأخرت وفاتهم، وصار عهدهم قريباً من وفاة البخاري فهؤلاء يقال لهم: صغار شيوخه، ولهذا أدركهم من كان بعد البخاري، ولكنه بعده في الميلاد، وبعده أيضاً في الوفاة مثل فـالنسائي، النسائي ولد سنة: (215هـ)، وتوفي سنة: (303هـ)، والبخاري ولد قبل المائتين، ومات سنة: (256هـ)، فكبار شيوخه لم يدركهم النسائي، ولكن صغار شيوخه مثل: يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى أدركهم النسائي وغير النسائي وروى عنهم.وحديثه أي: الدورقي أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما ذكرت.[ حدثنا يحيى ].وهو ابن سعيد القطان، فهو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، ثبت، ناقد، محدث، من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام بن عروة ].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، فقيه، فاضل، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثني أبي ].وهو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، والذين يأتي ذكرهم مراراً وتكراراً، وقد مر ذكرهم قريباً عند ذكر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فإن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة من الفقهاء السبعة، وعروة بن الزبير من الفقهاء السبعة .[ عن عائشة ].عروة بن الزبير يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها قريباً.والحديث من مسند عائشة ؛ لأنها تحكي أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للرسول صلى الله عليه وسلم فقال كذا وكذا، يعني: فتكون عائشة قد حضرت، هذا هو الذي يبدو.وأم حبيبة.هي رملة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها.و أم سلمة هي هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
الفضل في إتيان المساجد
شرح حديث: (حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده فرجل تكتب حسنة ورجل تمحو سيئة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الفضل في إتيان المساجد.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي عن أبي سلمة -هو ابن عبد الرحمن- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده، فرِجل تكتب حسنة، ورِجل تمحو سيئة ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي الفضل في إتيان المساجد، يعني: الفضل في الذهاب إلى المساجد، وأن ذلك فيه فضل عظيم، وأجر جزيل من الله عز وجل، وقد جاء فيه أحاديث كثيرة، منها ما أورده النسائي هنا: أن الإنسان عندما يذهب إلى المسجد فإن رِجلاً تكتب حسنة، ورِجلاً تمحو سيئة، يعني: أنه يحصل له بكل خطوة يخطوها حسنة، أو يمحى عنه سيئة، بل جاء أيضاً في الحديث: أن ذلك في حال الذهاب والإياب، حتى في حال الإياب، كل خطوة يخطوها يكتب له بها درجة، ويمحى عنه بها خطيئة، يعني: في ذهابه إلى المسجد، وإيابه من المسجد إلى بيته وإلى منزله، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل، وفيه بيان الحث على الذهاب إلى المساجد، وحضور صلاة الجماعة، وصلاة الجماعة كما هو معلوم واجبة على الرجال، ومن تخلف عنها فإنه يأثم؛ لأنه ترك أمراً واجباً عليه، والإنسان إذا فعل ذلك الأمر الواجب عليه فإنه يكتب له درجة، ويحط عنه خطيئة بكل خطوة يخطوها إلى المسجد في ذهابه وإيابه، وهذا فضل عظيم من الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث: (حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده فرجل تكتب حسنة ورجل تمحو سيئة)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو الفلاس، وهو ثقة، إمام، ناقد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، فعندما يأتي الكلام في الرجال يأتي ذكره بـالفلاس، فهو من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى ].وهو ابن القطان الذي مر ذكره قريباً.[ حدثنا ابن أبي ذئب ].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، وهو ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأسود بن العلاء بن جارية ].الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي؛ واحد من صاحبي الصحيح، وواحد من أصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي سلمة هو ابن عبد الرحمن ].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، والأسود بن العلاء بن جارية تلميذه، قال: عن أبي سلمة، ما قال: ابن عبد الرحمن، ولكن من دونه هو الذي قال: هو ابن عبد الرحمن ؛ لأن الأسود بن العلاء ما يحتاج إلى أن يقول: هو ابن عبد الرحمن بل ينسب كما يشاء، ويأتي بنسبه كما يريد، ولكن إذا كان تلميذه ذكره بلفظ مختصر، فمن بعد يأتي بنسب غير ما قال التلميذ.
النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد
شرح حديث: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد.حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن منع النساء من إتيانهن المساجد، يعني: نهي أولياء أمور النساء من أن يمنعوهن من الإتيان إلى المسجد إذا أرادت ذلك.وأورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، الذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها). وهذا نهي للأزواج أن يمنعوا زوجاتهم من الذهاب إلى المسجد إذا أردن ذلك، ولكن هذا النهي مقيد في أنها لا تخرج على هيئة لا يجوز الخروج عليها، كأن تخرج متجملة متزينة، وكأن تخرج متعطرة، وما إلى ذلك فإن هذا لا يجوز لها ، وله أن يمنعها أن تذهب بهذه الحالة، وبهذه الصورة التي هي عليها، ولكن إذا خرجت بدون ريبة، وبدون محذور، وبدون ما يكون سبباً في الفتنة فهذا هو الذي يقتضيه المنع، أو يقتضيه نهي الرسول صلى الله عليه وسلم للأزواج أن يمنعوا النساء.ثم إن النساء يرغبن في الصلاة في البيوت، وينبغي أن يكون أكثر صلاتهن في بيوتهن، وإذا أردن في بعض الأحيان أن يخرجن إلى المساجد فإنهن لا يمنعن إلا إذا كان هناك أمر يقتضي ذلك؛ من كونهن يخرجن على هيئة لا يجوز لهن أن يخرجن عليها، فعند ذلك لأزواجهن أو لأولياء أمورهن أن يمنعوهن.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)
قوله: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من الأوصاف العالية والألقاب الرفيعة التي لم يظفر بها إلا العدد القليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ أنبأنا سفيان ].سفيان هو ابن عيينة ؛ لأنه يروي عن الزهري، والمعروف بالرواية عن الزهري سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].الزهري قد مر ذكره قريباً.[ عن سالم ].وهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم كما ذكرت ذلك قريباً عند ذكر أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .[ عن أبيه ]. وهو عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المشهورين في الصحابة، وأحد المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، فهم أربعة من صغار الصحابة أطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من الصحابة رضي الله عنهم وأراضهم.وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
حكم من حكم بغير شرع الله مع اعتقاده وجوب تحكيم شرع الله
السؤال: ما حكم من لم يحكم شرع الله جملة وتفصيلاً، مع اعتقاده بوجوب تحكيم شرع الله؟الجواب: الذي لا يحكم شرع الله ويحكم شرع غيره إذا كان لا يحكمه استنقاصاً له، أو يعتقد بأنه لا يكفي، أو أنه لا يناسب العصر، أو أن الأحكام هذه ليس هذا وقتها فهذا كفر وردة عن الإسلام؛ لأن شريعة الله عز وجل صالحة لكل زمان ومكان، وأما إذا كان يعتقد بأن الحكم يجب أن يكون لشرع الله، وأنه لا يجوز أن يحكم شرع غيره، ولكن فعل ذلك معتقداً أنه مخطئ، وأنه مذنب، وأنه فعل أمراً كبيراً فهذا العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من قال: إنه يكفر؛ لأنه حكم غير شرع الله ولم يحكم شرع الله في كل شيء، ومنهم من يقول: إن من المعروف والمشهور أن القاضي إذا حكم في مسألة واحدة بخلاف حكم الله، مع معرفة أن الحكم بخلافه، ولكن قاده إلى ذلك الهوى فإنه يكون كفراً دون كفر، وإنه لا يكفر بذلك، وبعض العلماء يقول: إنه لا فرق بين المسألة، والمسألتين، والثلاث، والأربع، والخمس، والست، والسبع، والعشر، فليس فيه حد فاصل يميز بين مسألة، ومسألة، ولا شك أن الأمر خطير، وهذا مما ابتلي به الحكام في هذا الزمان إلا ما شاء الله.
حكم من شرع قانوناً وضعياً مع اعتقاده عدم جوازه
السؤال: ما حكم من شرع قانوناً وضعياً، مع اعتقاده أفضلية حكم الله، وعدم جواز الحكم بغيره؟الجواب: هذا من جنس الكلام السابق، وهو نفس السؤال السابق، يعني: كونه وضع شيئاً، وحكم به، أو وضع له وحكم به النتيجة واحدة.فكونه يقول: إن هذا شرع الله، وإنه يجوز في الشرع أن يحكم غير شرع الله، ولا يقول: إنه مذنب، وإن هذا ليس خطأ فهذا اعتقاد، ولكن إذا كان وضعها، ويعتقد أنه مذنب، وأنه مخطئ، وأنه أقدم على أمر منكر فهذا هو الذي فيه الكلام، وأما إذا قال: إنه لا فرق بين هذا وهذا، هذا شرع، وهذا شرع فهذا -كفر والعياذ بالله- واضح.
حكم اقتناء لعب الأطفال التي تسمى بالعرائس
السؤال: ما حكم اقتناء لعب الأطفال التي تسمى بالعرائس؟الجواب : اللعب المصورة ، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة -كما عرفنا- كلها محرمة ، ويدخل في ذلك لعب الأطفال؛ لأنه لا فرق، فمادام أنها صورة مجسمة، سواء كانت لطفل أو لغير طفل، وما جاء عن عائشة رضي الله عنها، واللعب التي كانت تعملها ليست من هذا القبيل، فتلك أعواد تعترض بعضها ويلف عليها خرق، وهذه ليست كالصور التي تعمل في هذا الزمان على هيئة الإنسان، وشكل الإنسان، فهذه شيء، وهذه شيء، فلعب الصبيان، ولعب الأطفال التي هي سائغة مثلما كانت تفعلها عائشة، أعواد تعترض بعضها في بعض، ويلف عليها خرق، أو تعمل مثلاً على شكل أرجل من خرق، وأيدي على شكل خرق، فهي غير هذه الصور التي على شكل إنسان، إلا أنها صورة، فتلك لا يجوز اقتناؤها، ولا يجوز بيعها، ولا يجوز تعاطيها.
أصحاب الفترة وبيان مصيرهم يوم القيامة
السؤال: هل هناك أهل فترة؟ وما الدليل على ذلك؟الجواب: أهل الفترة هم الذين في زمان ما بلغتهم الدعوة، يعني: ما بلغتهم الرسالة، فالذين لم تبلغهم رسالة، هؤلاء يقال لهم: أهل فترة.وهؤلاء أحسن ما قيل فيهم: أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء ذلك الامتحان تكون النتيجة، إن كانوا من السعداء، أو كانوا من الأشقياء.وغالبا
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:00 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(130)
- (باب من يمنع من المسجد) إلى (باب ضرب الخباء في المساجد)
رفع الله قدر المساجد وأعلى مكانتها؛ وذلك لما يؤدى فيها من أعمال صالحة ولوجود الملائكة فيها، فنهى الشرع من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يقرب المسجد حال الصلاة؛ لأنه بذلك يؤذي عباد الله، ويؤذي أيضاً ملائكته، وقد ورد جواز نصب الأخبية في المسجد أثناء الاعتكاف أو كان للحاجة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من يمنع من المسجد
شرح حديث جابر في المنع من إتيان المسجد في حق من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ من يمنع من المسجد.أخبرنا إسحاق بن منصور حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثنا عطاء عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أكل من هذه الشجرة، قال أول يوم: الثوم، ثم قال: الثوم، والبصل، والكراث، فلا يقربنا في مساجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ) ].يقول النسائي رحمه الله: من يمنع من دخول المسجد، وهذه الترجمة عقدها النسائي رحمه الله لبيان أن جماعة من الناس اتصفوا بوصف من الأوصاف، ففي حال اتصافهم بهذا الوصف فهم منهيون عن دخول المسجد أو دخول المساجد؛ وذلك لما يترتب على دخولهم في مواضع العبادة من إيذاء الناس بروائحهم الكريهة، بل وإيذاء الملائكة الذين يتأذون مما يتأذى منه الإنسان.وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، والذي يقول فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل من هذه الشجرة، قال في أول يوم: الثوم ) يعني: هذا بيان للشجرة، وأنه قال في أول الأمر: الثوم، ثم قال بعد ذلك: ( الثوم، والبصل، والكراث ) يعني: أن هذه الأنواع الثلاثة التي هي: الثوم، والبصل، والكراث، من أكل منها فلا يقربنا في مساجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما تتأذى منه الإنس، فهذا نهي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أكل الثوم والبصل والكراث أن يدخل المسجد؛ لأنه يؤذي الناس برائحته، ونهيه عن دخول المسجد فيه حرمان له، وحيلولة دون حصوله على هذا الخير الذي يفوته لمنعه من دخوله المسجد، وفيه أيضاً إراحة للناس وإراحة للملائكة؛ حيث يسلمون من الأذى بهذه الرائحة الكريهة.وهذا النهي المراد منه ومقتضاه: أن الإنسان إذا أراد أن يأكل الثوم، أو البصل، أو الكراث، فإنه يأكله مطبوخاً، ويأكله وقد ذهبت رائحته، وكذلك أيضاً إذا أكله نيئاً لا يأكله قرب وقت الصلاة وقرب وقت الذهاب إلى المسجد، بل يأكله في وقت مبكر، ثم إذا جاء الوقت الذي هو وقت الصلاة فتكون قد ذهبت تلك الرائحة، أو يأكل بعده شيئاً يزيل هذه الرائحة إذا كان يقضي عليها ويزيلها، فإذاً: هو ليس ترخيصاً، ليس رخصة، وإنما هو حرمان، ليس رخصة لمن أكل الثوم والبصل، وأن الإنسان له أن يأكل الثوم والبصل ويترك المسجد، ويقول: بحجة أن الرسول قال: ( لا يقربن مساجدنا )، بل عليه أن لا يفعل ذلك؛ حتى لا يحصل له هذا الحرمان، فليست القضية قضية ترخيص، بل القضية قضية حرمان من حصول خير لما يترتب على المجيء، وعدم المنع من دخول المسجد، وذلك لما يترتب عليه من الضرر، وما يترتب عليه من الأذى للملائكة وللناس، ثم أيضاً فيه دليل على الابتعاد عن كل ما يؤذي الناس، وعن إلحاق ضرر بالناس.ومن المعلوم أن الاجتماع بالناس قد يكون في الأسواق، وفيه هذه الرائحة، لكن الأسواق ليست كالمساجد؛ لأن الأسواق ليست لها حرمة المساجد، ثم أيضاً يمكن للإنسان إذا وجد الرائحة أن يذهب إلى مكان آخر، لكن المسجد.. ما يترك الإنسان المسجد، بل يبقى في المسجد، لكن الذي يتسبب في الإيذاء عليه أن لا يقصد ولا يعمد إلى فعل شيء يؤذي الناس، وإذا كان قد أكله وحصل منه الأكل ووجدت منه الرائحة، فإنه يتعين عليه أن يتأخر، وأن لا يأتي المسجد في ذلك الوقت الذي أكل فيه الثوم والبصل والكراث، ولكن عليه أن لا يفعل ذلك في المستقبل؛ حتى لا يتسبب في حرمان نفسه من هذا الخير، وذلك لكونه يؤذي الناس إذا أتى المسجد وهو على هذه الحالة.ثم أيضاً فيه دليل على أن الملائكة تتأذى من الروائح الكريهة، وتتأذى مما يتأذى منه الإنسان، ومن ذلك التأذي بالروائح؛ لأن الحديث إنما جاء في التأذي من الرائحة، وإذاً: فالملائكة تتأذى من الرائحة الكريهة كما أن الإنس يتأذون من الرائحة الكريهة، وإذا كان هذا الحديث جاء في المنع من دخول المسجد لمن أكل من هذه الأنواع الثلاثة لما فيها من رائحة كريهة، إلا أن الأصل يبقى فيها أنها طيبة، وأنها من الطيبات، ولكن المحذور إنما هو بالرائحة التي تكون عند الأكل أو بعد الأكل بوقت ليس بالطويل، فإنه يجب على الإنسان أن يعلم.أيضاً يجب على من ابتلي بشرب الدخان أن يعلم بأنه قد آذى نفسه وآذى غيره، وكذلك إيذاؤه لنفسه يكون بأنواع من الأذى وليس بنوع واحد؛ فإنه يؤذي نفسه بإضرار جسده، وبإقدامه على إهلاكه وإلى إمراضه وحصول المرض له، وكذلك أيضاً الأذى الذي فيه يرجع إلى إضاعة ماله، وإلى إتلاف ماله في أمر يعود عليه بالمضرة، ثم أيضاً قد يكون في ذلك إضرار بمن يعولهم وبمن تجب عليه نفقتهم؛ حيث يصرف جملة من المال الذي يحتاج إليه في مصالح الأهل ومن يعوله، فيصرفه في أمر محرم، أو يعود عليه بالمضرة والخسران.ثم كذلك أيضاً فيه إيذاء للناس، وإيذاء للملائكة؛ وإذا كانت الملائكة والإنس يتأذون من رائحة البصل والثوم والكراث -مع أنها من الطيبات، وقد منع من أكلها أن يأتي إلى المسجد- فإن امتناع الإنسان من الدخان وابتعاده عنه، والحيلولة بين نفسه وبين أن تبتلى فيه، فإن هذا من آكد الأمور المطلوبة التي يتعين على الإنسان أن يكون على علم بها، وأن يكون حذراً، وأن يكون يقظاً بأن لا يبتلى بشرب هذا البلاء الذي ابتلي به كثير من الناس.وشرب الدخان حرام من وجوه كثيرة؛ من جهة أن فيه إيذاء للناس وإيذاء للملائكة، ومن جهة أن فيه إضرار بالجسد وإمراض للنفس، وقد يكون سبباً للهلاك، وقد يكون سبباً للقضاء على الإنسان، ثم أيضاً فيه إضاعة للمال، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال )، ثم إضاعة المال بماذا؟ هل إضاعة المال بأمر يعود عليه بمنفعة؟ بل بأمر يعود عليه بالمضرة.ومن المعلوم أن الذي يقضي على ماله بإتلافه أن ذلك يعتبر سفهاً منه، ولا شك أن هذا أحسن حالاً ممن يضيع المال في شرب الدخان؛ لأن من أضاع المال بدون أن يلحق بنفسه ضرراً في استعماله في الدخان الذي يشربه فإن المال هو الذي ضاع، والجسم ما حصل له شيء نتيجة لاستعماله، ولكن إذا كان يضيع المال في إتلاف الجسم وفي إضعافه، فإنه يكون جمع بين مضرتين وبين خطرين كبيرين، هما: تضييع المال، وتضيعه بأي شيء؟ بقتل الإنسان نفسه، وبإهلاك الإنسان نفسه، وإذا كان من يضيع ماله ومن يتلف ماله من غير أن يستفيد منه شيئاً أصلاً، فإن ذلك يعتبر سفهاً منه، ومن يستعمله في شرب الدخان أشد سفهاً من هذا السفيه الذي يضيع المال في غير طائل وفي غير فائدة؛ لأن هذا ضيعه وأضاف إلى تضييعه أنه يكون بما فيه قتل النفس، فلو رأيت إنساناً معه نقود يمزقها ويرميها في الهواء، لاعتبرته سفيهاً؛ لأنه ضيع ماله وأتلف ماله، وهذا السفيه أحسن حالاً ممن يشتري به دخان ويشربه، هذا أحسن حالاً من هذا إذا كانت النفوس تعتبر، أو الناس يعتبرون أن مثل هذا هو غاية السفه، فإن هذا أحسن حالاً من ذاك، وهذا يبين لنا ويوضح لنا خطورة الوقوع في هذا الأمر، وفي هذا الإثم، وفي هذا الأمر الضار بالإنسان، والذي يعود على الإنسان بالمضرة.والحاصل أن الحديث الذي معنا فيه نهي الرسول صلى الله عليه وسلم من أكل بصلاً أو ثوماً أو كراثاً من قربان المسجد؛ وذلك لما يترتب عليه من إيذاء الناس وإيذاء الملائكة، مع أن هذان في الأصل من الطيبات، ولكن المحذور إنما هو من الرائحة الكريهة، وكذلك الدخان والتحذير من إيذاء الناس منه داخل فيه، ويكون من باب أولى وأحرى.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في المنع من إتيان المسجد في حق من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً
قوله: [ إسحاق بن منصور ].إسحاق بن منصور، وإسحاق بن منصور يلقب بـ: الكوسج، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود .[ حدثنا يحيى ].يحيى، وهو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الإمام في الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الإمام الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي، يقول عن هذين الرجلين: إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: معناه أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما مصيب، وأنهما مصيبان فيما قالا، فإنه يعول على تجريحهما وعلى حصول التجريح منهما إذا جرحا أحداً.فإنه يعول عليه؛ فهو إمام في الجرح والتعديل، وكلامه في الرجال كثير، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن جريج ].ابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو: ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا عطاء ].حدثنا عطاء وهو ابن أبي رباح عطاء بن أبي رباح المكي وهو: ثقة، فقيه، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن جابر ].وهو ابن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وجابر بن عبد الله الأنصاري أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـجابر رضي الله عنه هو أحد هؤلاء السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه عبد الله بن حرام استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
من يخرج من المسجد
شرح حديث في إخراج من وجد منه ريح البصل والثوم من المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا هشام حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين؛ هذا البصل والثوم، ولقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً ) ].أورد النسائي حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي يقول فيه، وهو يخاطب الناس: (إنكم أيها الناس، تأكلون من شجرتين ما أُراهما إلا خبيثتين؛ هذا البصل، والثوم، ولقد رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً)، يعني: حتى تذهب هذه الرائحة؛ لأنه إذا حصل الطبخ تذهب الرائحة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يخرج الرجل من المسجد، وذلك تأديباً له لما حصل منه من الأذى للناس، وهو أيضاً حرمان له بسبب فعلٍ اقترفه، وهو كونه ارتكب أمراً يلحق ضرراً بالناس، ويلحق ضرراً بالملائكة، وذلك بالتأذي من هذه الرائحة الكريهة، ولكن عندما يريد الإنسان أكلهما، فيمتهما طبخاً، بمعنى: أنهما يكونان مطبوخين، وأكلهما وهما مطبوخان، غير أكلهما وهما نيئان؛ وذلك لخبث الرائحة. وقوله: (ما أُراهما إلا خبيثتين)، يعني: معناه الخبث خبث الرائحة، وإلا فإن الأصل فهما من الطيبات التي أحلها الله عز وجل، ولكن المنع إنما هو في الرائحة، أو في إيذاء الناس بالرائحة، فإذا ذهب المحذور، وزال المحذور الذي هو هذه الرائحة الخبيثة، فللإنسان أن يأكلهما، لاسيما إذا كان ذلك عن طريق الطبخ، فإن ذلك يذهب الرائحة، أو يخففها كثيراً.والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث الإخراج.. من يخرج من المسجد، يعني: الترجمة الأولى من يمنع من المسجد، وهذه من يخرج من المسجد، يعني: معناه يمنع من الدخول، وهنا إذا وجد الدخول يخرج من المسجد، إذا وجد الدخول يؤمر بالخروج، والمقصود من ذلك كله: هو التوجيه الكريم من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الإنسان عندما يكون وقت الصلاة قريباً، وعندما يكون الوقت الذي يأتي وقت الصلاة، والرائحة موجودة معه، فإنه لا يأكله في ذلك الوقت، وإنما يأكله في وقت مبكر تذهب الرائحة قبل أن يأتي الوقت، أو يكون ذلك بإماتتهما طبخاً؛ بحيث لا تكون الرائحة، التي تؤذي الناس.
تراجم رجال إسناد حديث عمر في إخراج من وجد منه ريح البصل والثوم من المسجد
قوله: [ حدثنا محمد بن المثنى ].محمد بن المثنى العنزي الملقب بـ: الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، فـالبخاري رحمه الله هو أول أصحاب الكتب الستة، وهو أقدمهم، والمتقدم فيهم ولادة ووفاة، ولهذا فإن محمد بن المثنى هو من صغار شيوخه، والذي أدركه من بعد البخاري من هو متأخر عن البخاري، مثل: النسائي الذي توفي سنة: (303هـ)، ومحمد بن المثنى توفي سنة: (252هـ)، والبخاري مات سنة: (256هـ)، أي: بعد وفاة محمد بن المثنى بأربع سنوات، فهو من صغار الشيوخ للبخاري الذين أدركهم من تأخر عن البخاري، بخلاف كبار الشيوخ الذين ماتوا والبخاري عمره خمسة عشر سنة، أو عمره عشر سنين أو قريباً من ذلك، فهؤلاء من كبار الشيوخ الذين ما أدركهم النسائي ولا أدركهم غيره، ولهذا يقال للمتقدمين أو الذين أدركهم البخاري في صغره، وكانوا في أواخر حياتهم، فهؤلاء يقال لهم: كبار شيوخ البخاري، والذين أدركهم وعايشهم، وكان زمن وفاته قريباً من وفاتهم، وأدركهم من كان بعد البخاري، هؤلاء يعتبرون من صغار شيوخ البخاري، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، هؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري، وكل منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم ماتوا في سنة واحدة، وهي سنة: (252هـ)، أي: قبل وفاة البخاري رحمه الله بأربع سنوات.و محمد بن المثنى يماثله تماماً محمد بن بشار، فيوافقه في سنة الولادة وسنة الوفاة، والاتفاق في التلاميذ والشيوخ، وكون كل واحد منهما من أهل البصرة، ولهذا قال عنهما ابن حجر : وكان هو ومحمد بن بشار كفرسي رهان؛ لأنهم في عصر واحد، وفي زمن واحد، وعمرهما متفق، فهما كفرسي رهان، يعني: المتسابقين الذي أحدهما لا يسبق الثاني، أي: متساويان كفرسي رهان.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].يحيى بن سعيد، وهو: القطان الذي مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا هشام ].وهو ابن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام الدستوائي ].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا قتادة ].وهو ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سالم بن أبي الجعد ].و سالم بن أبي الجعد ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن معدان بن أبي طلحة ].هو معدان بن أبي طلحة اليعمري، وهو: شامي ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عمر ].هو: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، وصاحب المناقب الجمة الكثيرة، التي منها قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم له: ( إنك ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك )، أي: معناه أنه لا يجتمع عمر والشيطان في طريق واحد، فإما عمر وإما الشيطان، فيهرب الشيطان من الطريق الذي يكون فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا من أجل مناقبه، ومن خير مناقبه، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره عن قصر رآه له في الجنة، وأنه قيل: هذا لـعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ فهو صاحب المناقب الكثيرة، وهو الذي حصل في زمن خلافته الفتوحات العظيمة، حيث قُضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان، وهما دولتا فارس والروم، فإنه قُضي عليهما وانتهت في زمن خلافته، وأنفقت كنوزهما في سبيل الله على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من إنفاق كنوزهما في سبيل الله، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ضرب الخباء في المساجد
شرح حديث: (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ... فأمر فضرب له خباء ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو داود حدثنا يعلى حدثنا يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر فضرب له خباء، وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها أمرت فضرب لها خباء، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آلبر تردن؟ فلم يعتكف في رمضان، واعتكف عشراً من شوال ) ].أورد النسائي رحمه الله، ضرب الأخبية بالمسجد، وهي الخيمة أو المكان الذي يوضع في المسجد ليختص به الإنسان ليعتكف به، وكذلك لغير هذا كما يأتي في الحديث الآخر الذي بعد هذا، فأورد النسائي هذه الترجمة وأورد تحتها حديثين: حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف العشر دخل معتكفه بعد صلاة الصبح، فأراد أن يعتكف، فأمر بضرب الخباء، ثم أمرت أو استأذنت بعض نساء الرسول صلى الله عليه وسلم أن تضرب خباء وأن تعتكف، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن أمهات المؤمنين تتابعن على ذلك وتبع بعضهن بعضاً، يعني: من غير استئذان، ولما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم الأخبية في المسجد قال: (آلبر تردن؟)، ثم إنه ترك الاعتكاف، وأمر بالخباء فنقض، ثم اعتكف عشراً من شوال، يعني: بدلاً من هذه العشر في رمضان التي تركها من تتابع أمهات المؤمنين على أن يعتكفن معه.وهذا الذي قاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: (آلبر تردن؟)؛ لأنه خشي أن يكون الذي دفعهن على ذلك هو الغيرة، والتنافس على القرب منه، وأنه ليس المقصود من ذلك العبادة التي هي الاعتكاف، فيكون هناك أمر دنيوي أو حظ من الحظوظ التي هي تتعلق بصلتهن بالرسول صلى الله عليه وسلم، فتكون تلك الرغبة أو تلك النية طغت على المقصود من الاعتكاف الذي هو الخلوة، يعني: كون الإنسان يخلو بنفسه، ويتقرب إلى الله عز وجل، ويذكر الله عز وجل، ويقرأ القرآن، ويبتعد عن مشاغل الدنيا، ومتاعها، فخشي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون هذا هو الذي دفعهن، وهو الغيرة والتنافس الذي يكون بينهن أو منهن للقرب من الرسول صلى الله عليه وسلم والاتصال به.ثم أيضاً قالوا: إن ذلك إذا حصل -أي: اعتكافهن معه جميعاً ويكون بينهن- كأنه ما حصل الاعتكاف كما ينبغي، من جهة أن وجودهن معه في المسجد كأنه موجود معهن في البيت؛ فيكثر الاتصال والقرب منه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكنه عليه الصلاة والسلام كان إذا عمل شيئاً أثبته وداوم عليه، فاعتكف بدلاً من ذلك عشراً من شوال لما ترك الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان بسبب هذا الذي حصل من أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، ومن ذلك أيضاً جاء أنه ترك سنة الظهر وقضاها بعد العصر في يوم من الأيام، وداوم عليها واستمر على ذلك بعد العصر، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.[عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثم دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فأمر فضرب له خباء، وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها..)].ودخول المعتكف يكون من أول المدة التي يراد اعتكافها؛ فإذا كان يريد أن يعتكف الأيام فإنه يبدأ من أول اليوم، وإذا كان يعتكف الليالي، فإنه يبدأ من أول ليلة من الليالي، والأيام تكون تبعاً لها، فالعبرة بالبداية فيما يريده الإنسان، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وكان يتحرى ليلة القدر، وليلة القدر هي ليلة من ليالي العشر، فكان يعتكف ويتحرى ليلة القدر، ويطلبها في تلك الليالي.ومن المعلوم أن ليالي العشر أولها ليلة إحدى وعشرين، وعلى هذا فيكون الاعتكاف قبل غروب الشمس من ليلة واحد وعشرين؛ لأن الليلة هي التي تسبق اليوم، ليلة اليوم هي التي تسبقه، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح، فمن العلماء من قال: إن المقصود من ذلك أن اعتكاف العشر إنما يكون بعد صلاة الصبح من يوم واحد وعشرين، ومنهم من قال: إن المراد بالدخول في المعتكف، يعني: المكان الذي كان لاعتكافه، وقبل ذلك كان في المسجد وليس في المعتكف، وهو موجود في المسجد في تلك الفترة التي هي ليلة واحدٍ وعشرين، ومنهم من قال: إن المقصود من ذلك هو كونه يكون في صبيحة عشرين، يعني: بمعنى أنها تكون ليلة واحد وعشرين موجودة، ويضاف إليها بياض النهار الذي يكون قبلها، وجمهور العلماء على أن اعتكاف العشر إنما يكون عند غروب الشمس في يوم عشرين، بمعنى أن ليلة إحدى وعشرين تبدأ من غروب الشمس يوم عشرين، حينئذ تبدأ ليلة إحدى وعشرين، وجمهور العلماء على هذا، ويقولون: إن دخول الرسول صلى الله عليه وسلم يكون محمولاً على أنه بعد صلاة الصبح في اليوم الذي قبل تلك الليلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ويتحرى ليلة القدر، وليلة القدر إنما هي في العشر، وليلة واحد وعشرين هي منها، وقد وافق أنها كانت ليلة إحدى وعشرين في ليلة من الليالي في سنة من السنوات كما في حديث أبي سعيد الخدري في كونه يسجد على ماء وطين، وكان ذلك في صبيحة إحدى وعشرين، فمن العلماء من أخذ بظاهر الحديث وقال: إن اعتكاف العشر يكون بعد صلاة الصبح من ليلة واحد وعشرين، ومنهم من قال: إن ليلة واحد وعشرين داخلة في الاعتكاف، وهي من جملة ليالي العشر، واعتكاف ليالي العشر إنما يكون بفعلها من أولها، وأولها يكون بغروب الشمس يوم عشرين حيث تبدأ ليلة واحد وعشرين، وقالوا: إن دخوله يكون في صبيحة عشرين، وعلى هذا فيكون ليلة واحد وعشرين من ضمن المعتكف، وقد قال بعض العلماء: إن هذا هو أقرب الاحتمالات التي يحمل عليها الحديث.قالت: [( وأمرت حفصة فضرب لها خباء، فلما رأت زينب خباءها أمرت فضرب لها خباء، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آلبر تردن؟ فلم يعتكف في رمضان، واعتكف عشراً من شوال )].فلما ترك تركن أيضاً معه، ولكنه إذا فعل شيئاً أثبته وداوم عليه وقضاه، فقضى بدلاً من هذه العشر عشراً من شوال صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:03 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ... فأمر بضرب خباء ...)
قوله: [ أخبرنا أبو داود ].وهو سليمان بن سيف الحراني، وهو ثقة، ثبت، وخرج له النسائي وحده.[ حدثنا يعلى ].وهو ابن عبيد الطنافسي، يعلى بن عبيد الطنافسي، وهو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].وهو: الأنصاري المدني، هذا من صغار التابعين، يروي عن مالك، ويروي عنه يعلى بن عبيد، فهو غير يحيى بن سعيد الذي تكرر في الأسانيد السابقة، والذي يروي عنه النسائي بواسطة شخص واحد، وهنا يروي عنه بواسطة شخصين، وهذا الشخص يروي عن عمرة، يعني: بنت عبد الرحمن التي تروي عن عائشة، وهي من التابعين، فهو من صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرة ].وهي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وهي ثقة، وخرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرة من الرواية عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[ عن عائشة ].عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو عنه امرأة من الحديث مثلما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهي من أوعية السنة، وهي من حفاظها الذين حفظوها، لا سيما في الأمور التي تتعلق في البيوت، والتي لا يراها إلا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن وأرضاهن، فقد روت الكثير، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر جابر بن عبد الله، والسيوطي قال فيهم:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِزوجة النبي: عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
شرح حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش رمية في الأكحل، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب ) ].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن سعداً، وهو: سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله تعالى عنه، كان قد رمي على أكحله -وهو عرق- رماه رجل من قريش فأصيب، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم له خيمة ليكون قريباً منه ليعوده من قرب، والمقصود من الحديث هو ذكر بناء الخيمة في المسجد؛ ليعوده الرسول صلى الله عليه وسلم من قريب، فهذا هو الشاهد في الترجمة، وأن جواز مثل ذلك عند الحاجة كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذاً: بالنسبة للاعتكاف، وبالنسبة لهذا الصحابي الجليل الذي هو سيد الأوس، والذي ضرب له النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وسعد بن معاذ هو سيد الأوس، وأما سعد بن عبادة هو سيد الخزرج، وقد مات سعد بن معاذ بسبب هذا الجرح الذي أصابه بعد مدة، يعني: انفجر جرحه، وسأل الله عز وجل أن تكون وفاته بذلك، فانفجر الجرح، فكان موته بسبب ذلك وكان شهيداً، أما سعد بن عبادة فقد عاش بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أراد الأنصار أن يجعلوه أميراً كما يوم سقيفة بني ساعدة، حتى جاءهم أبو بكر رضي الله عنه وأخبرهم بما أخبرهم به، فجرى ما جرى، واتفقوا على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فـسعد بن معاذ سيد الأوس متقدم الوفاة، وكان ذلك بعد الخندق، وأما سعد بن عبادة سيد الخزرج، فعاش بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أصيب سعد يوم الخندق... فضرب عليه رسول الله خيمة في المسجد)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].وهو اليشكري السرخسي، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة مأمون سني، وقال عنه: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وقد خرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.[ حدثنا عبد الله بن نمير ].وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا هشام بن عروة ].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].عروة بن الزبير، وهو ثقة، فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في عصر التابعين، ومنهم عروة بن الزبير بن العوام هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة رضي الله عنها ].يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
زمن قراءة المأموم للفاتحة إذا لم تكن هناك سكتة من قبل الإمام
السؤال: كيف يتم لنا قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية إذا لم تكن هناك سكتة من الإمام؟الجواب: ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم سكتات إلا السكتة التي تكون قبل القراءة، وهي للاستفتاح، وهذا هو الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من السكتات، ولكن قراءة الفاتحة من المأموم في حالة الصلاة الجهرية تكون أثناء قراءة الإمام للسورة بعد الفاتحة، يعني: بعدما ينتهي من قراءة الفاتحة ويبدأ بقراءة السورة، ففي ذلك الوقت يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ السورة، لكن لا يقرأ غيرها.
الجمع بين قوله تعالى: (إذا قُرئ القرآن فاستمعوا له ..) وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
السؤال: كيف نوفق بين قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )؟الجواب: يوفق بينهما بأن تحمل الآية: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف:204] على غير الفاتحة، وأما الفاتحة فإنه يقرؤها لما جاء في الحديث: ( لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ).
شرب الدخان قبل الصلاة شر فوق شر
السؤال: بعض من ابتلي بشرب الدخان عندما يحضر لصلاة الجماعة يضع عمامته على فمه ويتلثم بالعمامة، وقد جاء النهي عن ذلك.الجواب: الرائحة الكريهة لا تمنعها العمامة، وإنما على الإنسان أن لا يشرب الدخان مطلقاً، وإذا ابتلي به لا يشربه قرب وقت الصلاة، بل لا يجوز له أن يشربه مطلقاً؛ لأن شربه حرام، وإيذاء الناس في المسجد زيادة شر على شر، وزيادة أمر منكر؛ لكونه فعل المحرم بشربه، وأيضاً كونه تسبب في إيذاء الناس.
التعليق على كلام السيوطي في جواز اتخاذ مسجد بجوار قبر رجل صالح
السؤال: ما تعليقكم على قول السيوطي في الشرح، يقول: فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالحٍ، وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد؟الجواب: الوعيد الذي جاء في النهي عن اتخاذ القبور مساجد لا شك أنه واضح الدلالة على حرمة هذا العمل، لكن هذا الذي ذكره بعض الشراح، وهو أن الإنسان إذا لم يسجد على القبر أو لم يتخذ القبر مسجداً، ولكنه قصد أن يبني المسجد بقرب رجل صالح تبركاً أن هذا لا يدخل في الوعيد، فهذا كلام ليس بصحيح؛ لأن المنع من اتخاذ القبور مساجد هو التحذير من الغلو في الصالحين الذي يؤدي إلى عبادتهم وإلى صرف شيء من حق الله لهم، ومن المعلوم أنه إذا قصد التبرك بالقبر أن المحذور موجود، ولو قال الإنسان: إنه لا يريد التعظيم إلا أنه يئول الأمر إلى التعظيم، ولو لم يحصل من الإنسان الذي بنى ، لكن من الناس الذين يبتلون بذلك فيما بعد، فالواجب هو الحذر من هذا والابتعاد عنه، وأن لا تقصد القبور، لا بأن يبنى عليها، ولا أن يبنى عندها مسجد، فلا تبنى المساجد على القبور، ولا تبنى عند القبور قصداً للبركة بالقرب من هذا الرجل.
نوع النهي الوارد في عدم قرب المسجد عند أكل الثوم أو البصل ونحوه
السؤال: هل النهي الوارد في عدم القرب من المسجد من أكل هذه الأشجار نهي تحريم أو كراهة؟الجواب: لا، نهي تحريم؛ لأن المقصود هو منع إيذاء الناس، والإنسان الذي يفعل هذا يأثم.
الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة ..) وقوله: (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
السؤال: كيف نوفق أو نجمع بين الآيتين: قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:8]؟الجواب: كما هو معلوم، إذا حصل العفو والتجاوز فإنه لا يرآه، فهو يراه إذا شاء الله أن يعاقبه عليه أو شاء أن يناله ضرر، أما إذا تجاوز عنه وعفا فإنه يسلم من مغبته ولا يناله ضرره، ويمكن أن يقال: إنه يراه، لكن يتذكر، أو يكون الله قد عفا عنه وحصل له فضل الله عز وجل مع كونه رأى ما هو سبب في عذابه لو لم يعف الله عنه، فيكون ذلك فيه ظهور فضل الله عز وجل عليه؛ حيث رأى سبب الهلاك والله تعالى قد عفا عنه وتجاوز عنه من الهلاك.فهو إما أن يكون أنه ما رآه وأنه ما حصل، أو رأى هذا الذي فعله ولكن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه ، فلا تناله مضرته ومغبته، فلا تنافي بين الآيتين.
المقصود بوصف البصل والثوم وغيرها بأنها خبيثة
السؤال: ما معنى الحديث الذي فيه أن البصل والثوم من الأشجار الخبيثة؟الجواب: قضية الخبث الذي في الحديث بهذا اللفظ أنا لا أعرف، لكن الذي جاء عن عمر : (ما أُراهما إلا خبيثتين)، والخبث إنما هو خبث الرائحة كما هو معلوم.
كيفية الفتح على الإمام من قبل المأموم
السؤال: هل الفتح على الإمام بتذكيره بالآية أو بسورة أخرى؟ وهل إذا فتح عليه بقول المأموم سورة كذا صحيح؟ يعني: يتكلم ويقول.الجواب: لا، ما يفتح عليه بكلام يقول: سورة كذا، وإنما يفتح عليه بالآية، والغلط الذي وجد يأتي به على الصواب، فما يقول له: سورة كذا؛ لأن هذا من كلام الناس وليس قرآناً، وإنما يأتي به على هيئته، فيأتي بالآية ويقرأها ويسمعها الإمام، لكن لا يقول: سورة كذا، فهذا لا يجوز؛ لأن (سورة كذا) من كلام الناس، والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
دخول خلفاء وأمراء الأقطار تحت السمع والطاعة
السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فالزم جماعة المسلمين وإمامهم ) الوارد في حديث حذيفة وغيره من الأحاديث التي توجب على المسلم السمع والطاعة، هل هما خاصة بالإمامة العظمى والخليفة العام، أم أنها تشمل خليفة كل قطر من الأقطار؟الجواب: لا.. تشمل خليفة كل قطر من الأقطار إذا وجد، إذا ما وجد خليفة عام وما وجد خليفة يتولى أمر المسلمين، ولكن وجد أئمة يتولون أمور المسلمين في أقطار، وهم يحكمونهم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يسمع ويطيع لذلك الذي تولى عليه، وليس معنى ذلك أن الإنسان ما يسمع ويطيع إلا إذا وجد إمام أعظم، وإذا ما وجد إمام أعظم يبقى بدون سمع وطاعة، لا .. يا ليت المسلمين مع تفرقهم يحكمهم حكامهم بكتاب الله عز وجل وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستحقون السمع والطاعة لهم فيما يأمرونهم به ويستحقون أن تلزم إمامتهم، لكن التفرق موجود، والبعد عن الدين موجود.
تعدد البيعات لكل إمام في كل قطر كما هو الحال اليوم بسبب التفرق
السؤال: هل يجوز تعدد البيعات في الأقطار الإسلامية؟الجواب: الأصل أن يكون إمام المسلمين واحداً، لكن إذا ما وجد هذا، فلا مانع من وجود أئمة ويبايعون، وكل قطر يبايعون من يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا بأس بذلك، مثلما كان موجوداً في زمن ابن الزبير، وزمن عبد الملك بن مروان، كان هذا في الشام يسمع له ويطاع، وهذا في الحجاز يسمع له ويطاع، فليس فيه بأس؛ إذا ما حصل الشيء الأحسن، فالحسن الذي يليه أحسن من الضياع والظلام، يعني: مثلما يقال في المثل: إما سراجان وإما ظلماء، يعني: حتى سراج واحد أحسن من الظلماء، يعني: إذا كان إمام يلي أمر المسلمين يسمع ويطاع، وإذا كان أئمة للمسلمين يحكمونهم بكتاب الله، وكل واحد يحكم له قطر من الأقطار، فكلٌ يسمع ويطيع لذلك الذي يحكمه.
مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء
السؤال: ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء والمعراج؟الجواب: المشهور عن أهل السنة والجماعة والمعروف هو أنه لم يره، فلم ير ربه بعيني رأسه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو الذي دلت عليه الأحاديث؛ فإنه لما سئل: ( أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه )، فلو كان رآه لقال: نعم، أو قال: رأيت ربي، وإنما قال: (نور أنى أراه)، فقوله: (نور أنى أراه) يدل على عدم الرؤية، وفي بعض الأحاديث قال: ( رأيت نوراً )، والذي رآه هو النور الذي قال: (نور أنى أراه)، في الحديث الذي قال فيه: (رأيت نوراً)، واللفظ الذي يقول: (نور أنى أراه)، يعني: رأى النور الذي هو نور الحجاب، كما جاء في الحديث: ( حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه )، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعيني رأسه عندما عرج به إلى السماء، ولم يثبت ذلك عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولو كان ذلك حصل لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا شيء عظيم ليس بالهين ولا بالسهل.ثم إن الله عز وجل لم يشأ أن يرى في الدنيا، بل شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة؛ لأن رؤيته أكمل نعيم يحصل في الجنة، فلو رؤي في الدنيا لحصل نعيم الآخرة قبل الآخرة، والله تعالى ادخر نعيم الآخرة حتى يكون غيباً، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، في صحيح مسلم؛ لأن الله تعالى شاء أن تكون رؤيته في الدار الآخرة ولا تكون في الدنيا؛ لأنه لو رؤي في الدنيا أو حصلت رؤيته في الدنيا لكان حصل هذا النعيم في الدنيا قبل الآخرة، فلا يكون للآخرة ميزة على الدنيا، والرسول صلى الله عليه وسلم لما عرضت عليه الجنة والنار وهو في صلاة الكسوف، ورأى عناقيد العنب متدلية، ومد يده ليأخذ عنقوداً، وترك، فهو رأى الجنة، ورأى العناقيد، والصحابة وراءه يرون اليد الممدودة، ولا يرون الذي مدت إليه، فسألوه، قالوا: ( رأيناك مددت يدك كأنك تأخذ شيئاً؟ فقال: إنها عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فمددت يدي لأخذ عنقوداً منه، ثم تركت، قال: ولو أخذت منه لأكلتم ما بقيت الدنيا )، لكن الله شاء أن يكون نعيم الآخرة في الآخرة، ولا يأتي في الدنيا، وحتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج، وإنما رؤيته ادخرها الله عز وجل في الدار الآخرة؛ لأنها أكمل نعيم يحصل لأهل دار النعيم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إنه لن يرى أحد ربه حتى يموت )، والحديث في صحيح مسلم.
رؤية الرب في المنام وتقريرها عند علماء السنة
السؤال: كيفية رؤية الله عز وجل في المنام وتقريرها عند علماء السنة؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في أحسن صورة في حديث اختصام الملأ الأعلى، يعني: هذا ثابت، وأما رؤية غيره فما أعلم شيئاً يدل عليه، والله تعالى أعلم.
معنى مكاشفة الأولياء
السؤال: ما هي مكاشفة الأولياء؟الجواب: أولياء الله حقاً هم الذين إذا حصلت لهم الكرامة لا ينشرونها ولا يشيدون بها ولا يفخرون بها، وإنما يخفونها ويحبون أن لا يدري عنها أحد، وهذا هو شأن أولياء الله عز وجل، أما أدعياء الولاية فهم الذين يحبون إظهار ذلك حتى يقدسهم الناس، وحتى يعظمهم الناس، وحتى يبجلهم الناس، وأما أولياء الله حقاً فهم الذين إذا حصل منهم شيء يخفونه؛ كما حصل لـأويس القرني، وهو خير التابعين كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، فإنه قال: ( إن خير التابعين رجل يقال له: أويس القرني، وذكر شيئاً من صفاته، قال: فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له، وإنه من أهل اليمن، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له )، فكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يسأل أمداد اليمن التي تأتي من اليمن وتذهب لبلاد فارس للجهاد في سبيل الله، كان يسأل عن أويس حتى لقي أويساً وهو مار في المدينة ذاهب إلى طريق البصرة والكوفة، فسأله عن الصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها متوفرة فيه، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، وأنا أطلب منك أن تستغفر لي، ماذا قال أويس؟ قال أويس : أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، لست أنا الذي يطلب منه الاستغفار، أنتم أصحاب الرسول، أنتم الذي يطلب منكم الاستغفار، يعني: فـعمر رضي الله عنه وهو من أهل الجنة، ولكون النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجده فليطلب منه أن يستغفر له ) فذلك طلب منه، وأويس أخبر بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن مع ذلك تواضع، وقال: أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، ثم إنه قال له: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى البصرة أو الكوفة، فقال: ألا أكتب لك إلى أميرها؟ قال: لا، دعني أكون في غبراء الناس، يعني: ما يريد أحد يدري عنه يبجله، ويقدره ويعظمه، ويفعل معه الأفعال التي تفعل مع كثير من الدجالين في هذا الزمان.وكذلك أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عائشة، أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى من كتاب الله عز وجل، ثم تقول: وكنت أتمنى أن يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى، يعني: يحصل لها الشرف ويحصل لها الفضل، وتتواضع لله عز وجل، وتقول: لا أستحق أن ينزل في قرآن، ولشأني في نفسي أهون من هذا، هذا هو شأن أولياء الله عز وجل، فحصول المكاشفة أو الكشف، فقد يكشف للإنسان ويرى شيء بعيد، مثلما جاء في قصة عمر رضي الله عنه في قوله: يا سارية الجبل! حيث كشف له عما حصل في الميدان في بلاد الشام، وتكلم والصوت وصل، والله تعالى على كل شيء قدير، لكن ليس كل ما يزعم يصدق به، ولكن ما يثبت عن أولياء الله حقاً فإنه من إكرام الله عز وجل لأوليائه، لكن من شأن الله عز وجل أنهم لا يتبجحون، ولا يحصل منهم الاغترار لما يحصل لهم من الكرامة، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكرامات الأولياء ويصدقون بها، ولكن ليس كل ما يزعم وكل ما يقال يصدق به، لكن ما ثبت أنه يصدق به، ومن حصل له هذا لا يغتر به.
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:05 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(131)
- (باب إدخال الصبيان المساجد) إلى (باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد)
للمساجد في الإسلام منزلة عظيمة، وقد بين الشرع الحكيم بعض الأمور الجائزة فيها، ومنها: إدخال الصبيان إليها، وربط الأسير فيها، وإنشاد الأشعار الحسنة، وإدخال البعير لحاجة.
إدخال الصبيان المساجد
شرح حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال الصبيان المساجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن عمرو بن سليم الزرقي : أنه سمع أبا قتادة رضي الله عنه يقول: ( بينا نحن جلوس في المسجد، إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ) ].يقول النسائي رحمه الله: إدخال الصبيان المساجد، وهذه الترجمة معقودة لبيان جواز إدخال الصبيان المساجد، والمراد بالصبيان الذين عقدت الترجمة لهم: هم الذين دون التمييز، أما المميز فهو مأمور بالصلاة حتى يتعود عليها، وحتى يكون على معرفة بها منذ صغره، وأما إذا لم يكن مميزاً وهو صغير يحمل، أو الذي فوقه بقليل، فإن هذا هو الذي عُقدت الترجمة من أجله، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: ( بينما نحن جلوس في المسجد، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وهي ابنة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صبية يحملها، فصلى بهم وهي على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام إلى الركعة الثانية حملها، ويفعل ذلك بها في صلاته ).المقصود من الترجمة: كونه أدخل معه أمامة بنت ابنته زينب، وأبوها أبو العاص بن الربيع، ويحملها في الصلاة، فدل ذلك على جواز إدخال الصبيان في المساجد، لكن هذا الإدخال مقيد حيث لا يكون ضرر من وراء إدخالهم، أما إذا أدخلوا، وتركوا يلعبون في المسجد، ويحصل منهم أصوات، وتشويش على الناس، فمثل هذا لا يجوز، ولا يسوغ، وإدخالهم، وإحضارهم جائز، لكن مع المحافظة عليهم، ومع عدم إفلاتهم يشوشون على الناس، ويحصل منهم الصخب واللعب الذي يحصل به الأذى، والإضرار بما هو موجود في المسجد، فمن أحضرهم فإنه يؤدبهم ويعودهم على عدم حصول إضرار، وعلى عدم حصول تشويش على أحد من الناس.ومما يدل على إدخال الصبيان المساجد وهم صغار: الحديث الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل في الصلاة وهو يريد التطويل، فيسمع بكاء الصبي -أي: الصبي الرضيع الصغير- فيخفف في صلاته شفقة على أمه)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والحديث أيضاً فيه أن مثل هذا العمل في الصلاة، أنه سائغ حيث يكون هناك حاجة إليه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليدل على الجواز، ومن العلماء من قال: إن هذا من خصائصه، والخصائص لا تثبت بمجرد الاحتمال، بل إنما تثبت بالدليل، وأن هذا يخصه، ولا يتعداه إلى غيره، لكنه فعله صلى الله عليه وسلم ليبين أن ذلك جائز عند الحاجة، وإذا لم يكن ضرورة إليه فإن الأولى الابتعاد عنه وتركه، وليس لأن كل ما هو جائز ينبغي أن يفعل، وإنما عند الحاجة الأمر سائغ وجائز، ولا سيما إذا كان عن ضرورة، فإن الأمر في ذلك واضح، وأما إذا كان من غير ضرورة فهو جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ليبين على أنه ليس بحرام، ولكنه جائز، لكن ليس كل جائز يفعله الإنسان؛ لأن هذا ليس من الأمور المستحبة التي يتعبد الإنسان بها، وإنما هو من الأمور الجائزة التي عند الحاجة تفعل، وعند عدم الحاجة إليها لا تفعل.وقوله: [وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم] المقصود منه بيان صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أولاً: نسبها إلى أبيها، ثم ذكر أنها ابنة ابنته، وقد أحضرها، فهو يبين صلتها بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها ابنة ابنته.ثم قوله: (وهي صبية يحملها)، قد جاء قبل ذلك: [خرج يحمل]، وقال في الآخر: [وهي صبية يحملها]، يعني: أنها تحمل عادة، يعني إنها صغيرة، المقصود بالثانية أن هذه من عادته، أو من العادة أنها تحمل؛ لأنه في الأول ذكر حملها في الحال الواقعة هذه القصة، خرج وهو يحملها، لكن في الآخر قوله: [وهي صبية يحملها]، يعني: في العادة أنها صغيرة تحمل، لم تكن تمشي على رجليها، وإنما تحمل، وهي صبية يحملها، أي: عادة.ثم قال: ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه، يضعها إذا ركع، ويعيدها إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها ).
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في صلاة النبي وهو يحمل أمامة على عاتقه
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الليث ].هو الليث بن سعد المصري، الثقة، المحدث، الفقيه، محدث مصر وفقيهها، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].هو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن عمرو بن سليم الزرقي ].هو عمرو بن سليم الزرقي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ سمع أبا قتادة ].هو الحارث بن ربعي الأنصاري، وهو صحابي مشهور بكنيته أبي قتادة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد رواته كلهم من رجال الكتب الستة: قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وعمرو بن سليم الزرقي، وأبو قتادة الأنصاري، فهؤلاء خمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
ربط الأسير بسارية المسجد
شرح حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ربط الأسير بسارية المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد : أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط بسارية من سواري المسجد ) ]، مختصر.هنا أورد النسائي ربط الأسير بسارية من سواري المسجد، والمقصود من ذلك: الدلالة على جواز مثل ذلك العمل، وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً قبل نجد فأتوا برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطه بسارية من سواري المسجد ) مختصر، قال النسائي : مختصر؛ أي: أن هذا الحديث مختصر في اللفظ، وهو مطول، قد جاء في الصحيحين وغير الصحيحين بقصة طويلة قبل ربطه وبعد ربطه.وفيه: أن الرسول كان يأتي إليه ويسأله ما عندك يا ثمامة، وبعد ذلك أطلقه الرسول فذهب واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخل في الإسلام، ثم ذهب إلى مكة معتمراً، ولما جاء إلى أهل مكة كفار قريش جعلوا يتكلمون عليه ويقولون: إنك صبأت، هذا هو الصابئ الذي خرج عن دين قومه، واتبع دين محمد، فقال لهم: أنه اتبع دين محمد، وأنه دخل في الإسلام، وهو سيد أهل اليمامة، وكانت تأتيهم الحنطة من اليمامة، أي: تجلب عليهم إلى مكة، فقال: والله لا يأتيكم حبة حنطة إلا إذا أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: يمنع جلب الحنطة عليهم، وقد كانت تجلب عليهم، فأسلم، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فالمقصود من الترجمة هو ما ذكره مختصراً من أجل محل الشاهد؛ وهو أنه أتي به فربط بسارية من سواري المسجد، ثم إنه بعد ذلك أسلم، والحديث مطول في الصحيحين وفي غيرهما.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ربط الأسير بسارية المسجد
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا الليث ].قد مر ذكره أيضاً.[ عن سعيد بن أبي سعيد ].أيضاً قد مر في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن أبي هريرة ].أبو هريرة رضي الله عنه، هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً، بل هو أكثر السبعة حديثاً.والإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهذا كذلك؛ لأن فيه قتيبة عن الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، فهم أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلى الأسانيد عند النسائي هي الرباعيات؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وقد ذكرت فيما مضى: أن أصحاب الكتب الستة عند ثلاثة منهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالثلاثة الذين عندهم الثلاثيات: البخاري، والترمذي، وابن ماجه ؛ فـالبخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثيات كلها بإسناد واحد، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فهؤلاء الثلاثة ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية التي هي أعلى ما عند النسائي، ورجاله حديثهم عند أصحاب الكتب الستة فثلاثة مروا في الإسناد الذي قبل هذا، والصحابي هنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
إدخال البعير المسجد
شرح حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إدخال البعير المسجد.أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله إدخال البعير المسجد، والمقصود من ذلك: بيان الجواز، ولكنه أيضاً يدل على أمر آخر، وهو طهارة بول البعير وروثه، ومثله كل ما يؤكل لحمه فروثه وبوله طاهران، ولكن المقصود هنا من إيراد الحديث هو إدخال البعير المسجد، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير يستلم الركن بمحجن )، الركن هو الحجر الأسود، وبمحجن، المحجن هو العصا المحنية الرأس، المحجن هو العصا التي هي محني رأسها، فكان على بعير لا يصل الحجر تحته، فكان يمد يده إلى الحجر بواسطة المحجن، فيستلم الحجر بالمحجن عليه الصلاة والسلام.والمقصود هنا ما عقد الترجمة له؛ وهو إدخال البعير المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم أدخل البعير بحاجته إلى ذلك؛ لأنه كان يريد أن يراه الناس؛ فأراد أن يكون عالياً حتى يراه الناس؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (أن الناس غشوه)، يعني: أحاطوا به حتى لا يراه الناس الآخرون، فكان طوافه على بعير، حتى يكون عالياً يرى الناس حركاته، وسكناته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على ما ترجم له النسائي، ويدل أيضاً على طهارة أبوال الإبل وأرواثها، ووجه الدلالة: أن إدخالها المسجد مع معرفة أنها عرضة لأن يحصل منها الروث، ويحصل منها البول، فلولا أنها طاهرة لما عرض الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد لحصول النجاسة فيه، فلما أدخلها دل على طهارتها، ومما يدل على طهارتها أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في شرب أبوالها في التداوي، وهذا يدل على طهارتها وعلى عدم نجاستها، فكونه أذن بشربها، وكذلك هنا كونه أدخل البعير المسجد وهو عرضة لأن يبول، وأن يحصل منه الروث، فدل على طهارة البول، ودل أيضاً على صحة طواف الراكب عند الحاجة إلى ذلك، كما فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، أي: إذا كان راكباً أو محمولاً فطوافه صحيح.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله طاف في حجة الوداع على بعير ...)
قوله: [ حدثنا سليمان بن داود ].هو أبو الربيع المصري، ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[ عن ابن وهب ].هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني يونس ].هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً في سنن النسائي، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام جليل، معروف بالفقه والحديث، وقد مر أيضاً أنه هو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمع السنة، وكتابة الحديث، وهو الذي قال فيه السيوطي :أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمروحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله ].هو ابن عتبة بن مسعود، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين بهذا اللقب في عصر التابعين؛ لأنه قد عرف في كتب الفقه، وفي شروح الحديث عندما يأتي مسألة خلافية، وتذكر أقوال العلماء فيها، فإذا كان الفقهاء السبعة اتفقوا على القول بها فإنهم يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فهو لقب أطلق عليهم، فإذا قيل: وقال به الفقهاء السبعة، فالمراد بهم فقهاء المدينة السبعة، وكذلك يقال: قال به الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والمراد بالأئمة الأربعة الذين هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفقهاء السبعة الذين هم فقهاء التابعين في المدينة المشهورين بهذا اللقب، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وأما السابع منهم ففيه ثلاثة أقوال: قيل: إنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . [ عن ابن عباس ].هو عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المشهورين بالعلم والفقه من الصحابة، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أعلم الناس بتفسير القرآن رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين رووا الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوالبحر المقصود به ابن عباس، يقال له: البحر، ويقال له: الحبر.فهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي وهو في البلوغ أو ناهز البلوغ؛ لأنه كما جاء في حجة الوداع، أنه كان راكباً على حمار أتان، قال: وكنت قد ناهزت الاحتلام، وكان في حجة الوداع في منى، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر تقريباً، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو أيضاً أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، فإذا قيل: العبادة الأربعة فهو أحدهم، وهم: ابن عباس هذا، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء من صغار الصحابة، وكانوا في سن متقارب، وقد عاشوا، واستفاد الناس من علمهم وحديثهم، ولهذا يطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة في الصحابة، وليس ابن مسعود من العبادلة الأربعة؛ لأنه متقدم الوفاة، وهو من كبار الصحابة، وقد توفي سنة: (32هـ)، وأما هؤلاء فقد عاشوا بعد ذلك بمدة طويلة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود من التابعين، وأخذوا عنهم الحديث، وأخذوا العلم، فـابن عباس رضي الله عنه أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن ابن عباس وعن الصحابة أجمعين.
النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة
شرح حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: النهي عن البيع والشراء في المسجد، وعن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد أورد النسائي الحديث الدال على الأمرين اللذين اشتملت عليهما الترجمة، وهما: البيع والشراء في المسجد، والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والتحلق هو الجلوس حلقاً لعلم أو لغيره؛ وذلك أنه يشغل عن الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها، وكذلك أيضاً الاشتغال بذكر الله عز وجل، والاستعداد لسماع الخطبة، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة.ونهى عن البيع والشراء في المسجد؛ وذلك أن البيع والشراء هو شأن الأسواق، وليس شأن المساجد؛ لأن المساجد ما بنيت لتحصيل الدنيا، وللبحث عن الدنيا، وإنما بنيت وعمرت لتحصيل مكاسب الآخرة، والعواقب الحميدة التي تحصل في الدار الآخرة، ولم تبن كما هو شأن الأسواق للبيع والشراء، ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء في المسجد؛ فإن ذلك لا يسوغ، ولا يجوز.فالحديث دال على الترجمة بشقيها، وهي: التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، والبيع والشراء في المسجد، فكل من هذين نهى عنه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والنهي عن البيع والشراء في المسجد مطلقاً يوم الجمعة وغير الجمعة، فليس المقصود منه أنه يوم الجمعة، وأنه ذكر التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وقد جاء في القرآن: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، يعني: في يوم الجمعة، فليس النهي عن البيع والشراء خاصاً بيوم دون يوم، وفي وقت دون وقت، بل هو ممنوع دائماً وأبداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنه مطلقاً، وليس مقيداً في وقت دون وقت، أو في يوم دون يوم، فذلك لا يسوغ ولا يجوز.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:07 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد)
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه المشهور بـابن راهويه، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه هذا محدث، فقيه، وهو ممن ظفر أو ممن حصل له لقب أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، ولم يحصل إلا لقليل من المحدثين ومنهم إسحاق بن إبراهيم هذا، وهذا لقب رفيع ومنزلة عالية لم تحصل للكثير من المحدثين، وإنما حصلت للنادر والقليل منهم، وهذا منهم رحمة الله عليه، وهو أيضاً معروف بالفقه والحديث، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.وكلمة (راهويه) هذا المعروف عند المحدثين بهذه الصيغة، تكون الواو ساكنة وما قبلها مضموم، وأما عند اللغويين، فتكون الواو مفتوحة والياء بعدها ساكنة، يعني: مختوم بـ(ويه) بصيغة ويه، أي: هذا عند اللغويين، وأما المحدثون فهم يقولون: راهويه، وأما اللغويون يقولون: راهويه.[ أخبرني يحيى بن سعيد ].هو القطان البصري، المحدث، الناقد، المعروف بكثرة كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عجلان ].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكروا في ترجمته أنه حملت به أمه ثلاث سنين أو أربع سنين.[ عن عمرو بن شعيب ].هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.يروي عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد وفي جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر بأنه ثبت سماعه عن جده عبد الله، وعلى هذا فيكون الذي يروي عن جده هو شعيب، وكذلك أيضاً يقال له: جد عمرو ؛ لأن جد الأب جد للإنسان، لكن الذي هنا في الإسناد المراد به الجد ليس الجد الأدنى، وإنما هو الجد الثاني؛ لأنه شعيب بن محمد بن عبد الله .فإذاً: عمرو يروي عن أبيه شعيب، وشعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو، فليس الضمير في جده يرجع إلى عمرو فيكون محمد الذي هو أبو شعيب ؛ لأن محمد ليس صحابياً، ويكون الإسناد مرسلاً، لو كان الرواية عن محمد، لكن الرواية هي: عن شعيب عن عبد الله الذي هو جده، فالرواية ليست عن جد عمرو الذي هو محمد، وإنما أبوه شعيب يروي عن جده عمرو، وشعيب سمع من جده عبد الله بن عمرو فيكون متصلاً، وإذا ثبت الإسناد إلى عمرو بن شعيب فحديثه من قبيل الحسن، إذا كان ما بقي إلا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهذه ما فيها إشكال، وفيها خلاف عند العلماء، ولكن المشهور والمعروف أن روايته ثابتة، وقد احتج العلماء بأحاديث كثيرة، وبمسائل عديدة جاءت من هذه الطريق التي هي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.وكما ذكرت: شعيب يروي عن جده عبد الله، وعبد الله بن عمرو هو عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
النهي عن تناشد الأشعار في المسجد
شرح حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن تناشد الأشعار في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، والترجمة معقودة للتناشد، ومفهومها أنها تكون من جانبين، أو من جوانب متعددة، بحيث هذا ينشد وهذا ينشد، وهذا قد يكون فيه شيء من المغالبة، وقد يكون فيه من الشيء المذموم، أي: عندما يكون فيه مقابلة، وكل يريد أن يغلب الآخر، فإن هذا يكون فيه محذور، فيكون من قبيل المذموم، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث؛ لأن الرسول نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، والتناشد يكون من جوانب متعددة أو من جانبين ، بحيث يكون اثنان يتقابلان، فهذا ينشد وهذا يرد عليه، أو هذا يعارضه، وغالباً أن ذلك مظنة الشعر المذموم، حيث يكون كل واحد يريد يغلب الآخر.وفي الحديث الذي بعده، وهو أن حسان رضي الله تعالى عنه، كان ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيجمع بين هذا والذي يأتي بعده بأن هذا فيما إذا كان مذموماً، أو كان فيه شيء من المقابلة والمعارضة، وحسان فيما إذا كان محموداً، ولم يكن فيه شيء من المغالبة التي يكون فيها شيء من تنافر النفوس، وحب الظهور، وحب الغلبة، وما إلى ذلك مما هو محذور.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى عن تناشد الأشعار في المسجد)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا الليث بن سعد ].الليث بن سعد أيضاً قد مر ذكره.[ عن ابن عجلان ].ابن عجلان قد مر ذكره في الذي قبله.[ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ].هذا الإسناد مثل الذي قبله تماماً، الإسناد هو إسناد الحديث الذي قبله تماماً.
الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
شرح حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: ( مر عمر بـحسان بن ثابت رضي الله عنهما وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد أنشدت وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟ قال: اللهم نعم ) ].هنا أورد النسائي حديث حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أنه كان ينشد الشعر في المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أن عمر رضي الله عنه مر وهو ينشد، فلحظه؛ يعني: نظر إليه نظرة كأنه ينكر عليه، فقال: قد كنت أنشده وفيه من هو خير منك؛ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استشهد بـأبي هريرة فشهد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له، وقال: اللهم أيده بروح القدس، والحديث دال على الترخيص في مثل ذلك، فيما إذا كان الشعر حسناً سليماً، وكان يلقى من شخص ليس فيه معارضة، وفيه مقابلة، ومنافسة، ومغالبة.ثم أيضاً ليس من قبيل ما يسمى في هذا الزمان بالأناشيد الإسلامية التي يجتمع فيه ناس، وينشدون بصوت واحد، ويكون فيها العناية بالأصوات أهم من العناية بالمعاني، فمثل هذا لا يصلح أن يكون في المسجد؛ لأن هذا فيه تلحين، وفيه اهتمام بالصوت أكثر من الاهتمام بالمعنى، وإنما الذي يسوغ مثلما كان يفعله حسان، والذب عن هذا الدين الحنيف الذي جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: فـالنسائي لما ذكر النهي ذكر الرخصة بعد ذلك، والنهي جاء بالتناشد، والرخصة جاءت بالإنشاد، ولكن ذلك فيما إذا لم يكن مذموماً، ولم يكن فيه محذور.
تراجم رجال إسناد حديث حسان بن ثابت في الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة قد مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].إذا جاء سفيان غير منسوب فالمراد به ابن عيينة ليس الثوري ؛ لأن الثوري ليس معروفاً بالرواية عنه، بل قال ابن حجر : إنه يروي عن الزهري بواسطة، وأما ابن عيينة فإنه ملازم له ومكثر من الرواية عنه، ومن المعلوم أن سفيان بن عيينة متأخر، أي: بعد الثوري، ولكنه لازم الزهري وروى عنه كثيراً، وعمر بعده كثيراً، فالزهري توفي سنة: (125 أو 124هـ)، وابن عيينة في حول المائتين، يعني: في العشر الأخيرة من المائة الثانية، فهو متأخر عن الثوري، ولكن هذا قريب منه؛ لأن ابن عيينة مكي، والزهري مدني، وهو على صلة به، وهو مكثر من الرواية عنه، وابن حجر يقول: إن الثوري روى عنه بواسطة، فعلى هذا عندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب، فالمراد به ابن عيينة حيث يروي عن الزهري، وهذا يسمونه في علم المصطلح المهمل؛ وهو أن الشخص غير منسوب، فيحتمل شخصين أو أكثر، ويمكن معرفة أيهما بمن يكون له به علاقة، أو يكون معروفاً بالرواية عنه، أو غير ذلك من الأمور التي يترجح بها أحد الجوانب على الأخرى.[ عن سعيد بن المسيب ].سعيد بن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم قريباً، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال: مر عمر بـحسان ].حسان ؛ لأن عمر ليس من الرواة، وإنما سبب إيراد الحديث هو هذه القصة، وهي كون عمر مر وهو ينشد فلحظه، وأجاب بإضافة ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحديث من مسند حسان وليس من مسند عمر؛ لأن عمر حصل منه ما حصل ، وسبب إيراد الحديث، وسبب ذكر الحديث، فهو عن حسان رضي الله تعالى عنه، وحسان بن ثابت هو الأنصاري شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
الجمع بين حديث: (لا عدوى) وحديث: (فر من المجذوم)
السؤال: أرجو من فضيلتكم إزالة التعارض الظاهر في الأحاديث التالية، فمنها ما يثبت العدوى ومنها ما ينفيها، حديث: ( لا عدوى ولا طيرة )، أخرجه مسلم، والحديث الآخر: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، وحديث آخر يقول: ( ما يعدي شيء شيئاً )، إلى آخر ما ذكر؟الجواب: الأحاديث التي فيها ذكر نفي العدوى، والأحاديث التي فيها حصولها؛ التوفيق بينها: قيل فيها عدة أقوال في التوفيق، ولكن من أشهرها أن قوله: (لا عدوى ولا طيرة)، أي: أنها لا تعدي بطبعها، وأنه مجرد التقاء المريض بالصحيح ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، وهذه عقيدة جاهلية كانوا يعتقدون أنه بمجرد ما يكون فإنه يحصل، لكن هناك شيء وراء هذا اللقاء؛ وهو قضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته، فإذا كان الله قد قدر وقضى بأنه يحصل انتقال المرض انتقل، وإذا شاء الله ألا ينتقل فإنه لا ينتقل، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: ( من أعدى الأول؟ )؛ الذي أصابه المرض أول مرة من أين جاءه المرض؟ جاءه من الله، الله تعالى هو الذي أنزله فيه، فليست القضية قضية أنه مجرد عدوى، فإذا شاء الله عز وجل أنه يوجد السبب، ويتخلف المسبب تخلف، مثل كون الإنسان يتزوج ولا يأتي له ولد، فهو أخذ بالسبب، ولكن تخلف المسبب الذي يريده، فهنا وجد السبب؛ وهو الاختلاط، ولكن الله ما شاء أنه ينتقل المرض من المريض إلى الصحيح، فقوله: (لا عدوى ولا طيرة)، يعني: بطبعها، وأن مجرد الالتقاء يحصل به العدوى.وأما قوله: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، فهو محمول على عدم الأخذ بالأسباب التي فيها الاحتياط، وفيها عدم التعرض لحصول شيء ينتج، أو قد ينتج عن ذلك اللقاء، فإذاً: يحمل هذا على شيء، وهذا على شيء.
حكم الحديث في المسجد عن أمور الدنيا
السؤال: بعد صلاة الجمعة يحدث في هذا المسجد تجمع من بعض العمال يتحدثون بأصوات مرتفعة، فما هذا الحكم؟الجواب: الاجتماع في المسجد، والتحدث بأمور الدنيا، لا سيما إذا كان برفع صوت، كل ذلك غير سائغ، أما إذا صاروا خارج المسجد، فالشوارع، والسوق هذا هو محل مثل هذه الأمور، أما المساجد فهي لذكر الله عز وجل، وعبادته، وليست للغط، والأصوات، والاشتغال في أمور الدنيا.
سماع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله بن عمرو
السؤال: هل سمع عمرو بن شعيب من جده محمد بن عبد الله ؟الجواب: لا أدري، لكن هو لو كان المقصود بالجد هو محمد لكان مرسلاً؛ لأن محمداً من التابعين، فما يضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون منقطعاً، من قبيل المرسل، ما أدري، هل يمكن يكون في ترجمة عمرو هل سمع منه؟
حكم دخول الكافر المسجد
السؤال: لماذا لم تذكر في حديث أبي هريرة الذي مر في حديث ثمامة حكم دخول الكافر للمسجد للحاجة؟الجواب: نعم، هو يدل على ذلك، فالحديث يدل على دخوله المسجد، أو إدخال الكافر المسجد لحاجة، لا بأس بذلك؛ لأن الرسول أدخله المسجد وربطه في سارية من سواريه.
عدد الأحاديث الضعيفة في كتاب المساجد من سنن النسائي
السؤال: لماذا لم تذكر صحة الحديث ليستفيد طلابكم وغيرهم؟الجواب: كل الأحاديث هذه صحيحة؛ لأن الأحاديث التي عند النسائي الضعيفة قليلة، وكتاب المساجد الآن الذي نحن نقرأه فيه حديث واحد ضعيف، وذلك على حسب ما عمله الألباني في صحيح النسائي وضعيفه، فكتاب المساجد كله فيه حديث واحد ضعيف فقط.
حكم الأناشيد خارج المسجد
السؤال: بينتم حكم الأناشيد في المسجد، فما حكمها في خارج المسجد؟الجواب: حكمها خارج المسجد مثل داخل المسجد؛ لأن إنشاد الشعر بالطريقة التي كان يفعلها حسان هذه التي جاءت، وأما هذه الطريقة من الأناشيد التي تكون بتلحين، وأناس يجتمعون عند المسجل أو عند الميكرفون، وينشدون بأصوات واحدة، أقول: هذا غير معروف، والعناية فيه بالأصوات -كما قلت- أكثر من العناية في المعاني، فيشتغل بما هو خير منه، وبما هو أولى منه.
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
السؤال: ما معنى قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]؟الجواب: الآية فيها عموم وفيها استثناء؛ لأنه معروف أن الشعراء، وتنافسهم، وتغالبهم، وكون كثير من الناس يتبعونهم ويعجبون بهم، وأيضاً كثير من أشعار الشعراء تكون بهجاء، وتكون بذم، وتكون في أمور غير طيبة، ولا يستثنى من ذلك: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227]، الذين استثناهم الله عز وجل، فأهل الغواية هم الذين يتبعون الشعراء، ولكن هذا في الشعر الذي يكون فيه مجون، ويكون فيه هجاء، ويكون فيه أمور غير مرضية.أما إذا كان الشعر سليماً، وقرأه الإنسان أو حفظ منه، فإنه لا بأس، لكن مع هذا فيه انشغال عما هو أهم منه، والرسول صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً )، وهذا يدل على التحذير من الاشتغال بالشعر وإن كان سليماً، أما إذا كان مذموماً فالقليل منه يذم ويحذر منه، ولكن هذا في الشعر السليم الذي يشغل عما هو أهم منه، يكون شغله الشاغل الشعر، ثم ينشغل عن القرآن، وعن الحديث، وعن أمور دينه، وعما ينفعه، فهو مذموم إذا طغى على الإنسان، وغلب على الإنسان، وشغله عما هو أهم منه.
كيفية معرفة سفيان إذا روى عن غير الزهري
السؤال: رواية سفيان إذا كانت عن غير الزهري في الكتب الستة يحمل على من؟الجواب: هذا يحمل كما ذكرت على من يكون له باختصاص، ويكون له من أهل بلده، أو يكون في قرابة، وما إلى ذلك، وهذا يعرف بالشيوخ والتلاميذ، أي: كون فلان روى عن فلان، ولم يرو عن فلان، يعرف بهذا الطريق؛ لأن بعض الأشخاص يكون روى عن شخص دون شخص، فيعرف أحد السفيانين بالتلاميذ، وكذلك الحمادين : حماد بن زيد وحماد بن سلمة، يعرف أيهما بالشيوخ والتلاميذ، كونه هذا التلميذ ما روى إلا عن أحد السفيانين، أو عن أحد الحمادين، يعرف إذا جاء سفيان غير منسوب فهو هذا الشخص الذي عرف بالرواية عنه، فهو يرجع إلى من له به خصيصة، ومن له به علاقة، ومن يكون من أهل بلده، أو يكون من المكثرين من الرواية عنه، وما إلى ذلك من الأمور التي يميز بها المهمل.
أنزل إسناد عند النسائي
السؤال: ما هو أنزل إسناد عند النسائي ؟الجواب: الظاهر أن أنزل الأسانيد عند النسائي هي التساعيات، أو العشاريات، وما مر بنا إلى الآن حديث تساعي أو عشاري، الذي مر بنا ثماني، لكن في بالي إما التساعي وإما العشاري.وحديث فيه قراءة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، أنه عند الإمام أحمد تساعي، وعند النسائي عشاري، وقد ذكره ابن كثير في التفسير.
تشيع النسائي
السؤال: وما هو قولكم في تشيع النسائي ؟الجواب: النسائي عرف عنه التشيع، لكن كما هو معلوم تشيعه لا يؤثر ولا يضر؛ لأنه حجة، وعمدة، واعتمد عليه أهل السنة، وسننه هي من المصادر التي اعتمد عليها أهل السنة، فتشيعه من قبيل التشيع الذي لا يؤثر ولا يضر.
الفرق بين مذهب الأشاعرة وعقيدة أهل السنة في القدر
السؤال: ما الفرق بين مذهب الأشاعرة وبين عقيدة أهل السنة في باب القدر؟الجواب: هو فيما يتعلق بالمشيئة والإرادة؛ مشيئة الله وإرادته، فأهل السنة عندهم أن الله تعالى متصف بالمشيئة والإرادة، وأن كل ما يقع في الكون فهو بمشيئة الله وإرادته، وأما الأشاعرة في مسألة المشيئة عندهم فيها فذلكة، قال عنها بعض العلماء: إن مجالات الكلام ثلاث: كسب الأشعري، وطفرة النظام، ولهم فيها كلام يخالف أهل السنة الذي هو الكسب عند الأشاعرة، أي هذا الذي هو بالنسبة لأفعال العباد وخلقها، وأهل السنة كما ذكرت عندهم كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن كل ما كان بمشيئة الله وإرادته، وأن العبد له مشيئة، ومشيئته تابعة لمشيئة الله عز وجل، وأولئك عندهم كما قلت: كسب الأشعري، ولا أتذكر تفصيله ما هو، لكنه كما قال بعض العلماء من مجالات الكلام.
مدى اعتبار المسعى من المسجد
السؤال: المسعى هل يعتبر من المسجد أو من خارج المسجد؟الجواب: هو الآن كما هو معلوم داخل المسجد، والأبواب هي خارج المسعى، والإنسان إذا أراد أن يدخل للمسجد، يدخل وهو من خارج المسعى، فالجدران محيطة بالمسعى كما هي محيطة بسائر المسجد، فهو من المسجد، ولكن طواف الحائض عند الحاجة؛ لأن المرأة قد تدخل عند الحاجة، يعني مرور أو ما إلى ذلك، فإذا كانت ما عليها إلا السعي وقد طافت، فإن لها أن تسعى وهي على حيضها؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، وأما الجلوس في المسجد المرأة لا تجلس، والمسعى حكمه حكم المسجد، فهي لا تجلس فيه، ولكن كونها عندما تحتاج إلى السعي، في كونها طافت ولم يبق عليها إلا السعي، فإنها تسعى وهي حائض؛ لأن دخول المرأة المسجد للحاجة مع أمن تلويث المسجد بدمها، بحيث أنها تعمل الاحتياطات التي تمنع من حصول نزول الدم، فإنه لا بأس بذلك.
مدى منافاة حمل الصبي في الصلاة للخشوع
السؤال: ألا يقال: حمل الصبي في الصلاة منافٍ للخشوع؟الجواب: ما يقال: إنه منافٍ للخشوع، وإنما هذا عند الحاجة كما هو معلوم يفعل الإنسان، ويكون مقبلاً على صلاته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو سيد الخاشعين، وسيد المتواضعين، وسيد المتوكلين، وسيد البشر عليه الصلاة والسلام، وقد فعل هذا، فيدل على أنه عند الحاجة سائغ، ولا يقال: إنه ينافي الخشوع.
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:09 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(132)
- (باب النهي عن إنشاد الضالة في المسجد) إلى (باب الاستلقاء في المسجد)
المساجد هي أطهر وأفضل البقاع وأحبها إلى الله، ولها خصوصيات تميزها عن غيرها من البقاع، ومن ذلك: أن الضالة لا تنشد في المساجد، وأما تشبيك الأصابع ووضع إحدى الرجلين على الأخرى مع الاستلقاء في المسجد ؛ لأنه قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
النهي عن إنشاد الضالة في المسجد
شرح حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم حدثني زيد بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: ( جاء رجل ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا وجدت ) ].يقول النسائي رحمه الله: النهي عن إنشاد الضالة في المسجد.إنشاد الضالة المراد به السؤال عنها مع رفع الصوت؛ لأن نشد، وأنشد كلها تتعلق بالصوت، ورفع الصوت، فيقال: نشد ينشد فهو ناشد إذا كان يطلب الحاجة، ويسأل عنها، ويقال: أنشد ينشد فهو منشد إذا كان يعرف بها حيث وجدها، فيقول: من له ضالة فليأتِ إلي، أو من ضاع له شيء فإنه موجود عندي، فيأتي ويصفه، ويعرفه بالهيئات التي هو عليها، وكله فيه رفع الصوت، ومن ذلك ما هو معروف في اللغة، وما جاء في بعض الأحاديث: (أنشدك الله)، يعني: أسألك رافعاً نشيدتي أو صوتي.والنسائي رحمه الله عقد هذه الترجمة التي هي النهي عن إنشاد الضالة في المسجد، وأورد تحتها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا وجدت )، والنفي في قوله: (لا وجدت) دعاء؛ لأن الأظهر فيه أنه دعاء عليه، وأنه لا يجد هذا الذي يسأل عنه؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس هو محل السؤال، وليس من الأماكن التي يبحث فيها عن الدنيا، ويشتغل فيها في الدنيا الذي هو المسجد، بل ذلك شأن الأسواق، وليس شأن المساجد، والمساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل، وعبادته، والصلاة، والذكر، والدعاء، ولم تبنَ للبحث عن الدنيا، وإنشاد الضالة، والسؤال عن الشيء المفقود وما إلى ذلك من الأمور التي هي أمور دنيوية، وليس المسجد محلاً للبحث عنها ولطلبها.ومن العلماء من قال: إن المعنى: أن (لا) ناهية، وأن الفعل المنهي عنه محذوف دل عليه ما تقدم، وتقديره: لا تنشد، أي: لا تسأل، ثم قال: (لا، وجدت)، أي: دعاء له بأن يجد بغيته، وأن يجد حاجته، ولكن الأظهر هو الأول، وهو أنه دعاء عليه، ويكون هذا معاملة للإنسان بنقيض قصده، بأنه كان يريد هذا الذي فقد منه في المسجد، فيبحث عنه، وصار جوابه الدعاء عليه بأن لا يجد هذا الذي فقده؛ لأنه سأل عنه في مكان ليس له أن يسأل عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل ينشد ضالة في المسجد فقال له رسول الله: لا وجدت)
قوله : [ أخبرنا محمد بن وهب ].هو الحراني، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده.[ حدثنا محمد بن سلمة ].وهو الحراني أيضاً، وهو ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، فهؤلاء كلهم خرجوا لـمحمد بن سلمة الحراني.ويماثله في الترجمة محمد بن سلمة المرادي، إلا أنه متأخر عنه؛ لأن ذاك من شيوخ النسائي، وأما هذا فمن شيوخ شيوخه، لم يدركه النسائي، وهو من طبقة شيوخ شيوخه، والنسائي يروي عنه بواسطة؛ لأنه لم يدركه، وأما محمد بن سلمة المرادي فهذا من شيوخه وقد أدركه، وقد جاء في بعض نسخ التقريب الطبعة المصرية: أنه من الحادية عشرة، وليس كذلك، بل هو من التاسعة؛ من طبقة شيوخ شيوخ النسائي، فهو من التاسعة وليس من الحادي عشرة كما جاء في تلك النسخة.[ عن أبي عبد الرحيم ].أبو عبد الرحيم، هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي ، وهو مشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره بها ليس مذكوراً مع ذلك اسمه.[ حدثني زيد بن أبي أنيسة ].وهو زيد بن أبي أنيسة الجزري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي الزبير].أبو الزبير.هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن جابر رضي الله عنهما ].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين قال عنهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبييعني: عائشة.وجابر هو أحد هؤلاء السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
إظهار السلاح في المسجد
شرح حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إظهار السلاح في المسجد.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري -بصري- ومحمد بن منصور، قالا: حدثنا سفيان قال: ( قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول: مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم ) ].يقول النسائي رحمه الله: إظهار السلاح في المسجد، يعني: وجوده، وبروزه، والدخول به للمسجد للحاجة.وأورد النسائي هذه الترجمة، وذكر تحتها حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، في قصة مرور رجل بسهام في المسجد، فقيل له: (خذ بنصالها)، ويقول فيه سفيان لـعمرو بن دينار : ( أسمعت جابراً يحدث أنه مر رجل بسهام، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: خذ بنصالها؟ قال: نعم )، وقد روي الحديث في البخاري، وفي غيره، وفي بعض الكتب أنه لم يقل فيه: نعم، ومثل هذا لا يؤثر عند المحققين من المحدثين، بل يكفي في ذلك سكوت الشيخ بعد أن يسأل فلا يجيب بالنفي، فإذا كان متيقظاً متنبهاً، وسئل عن مثل هذا السؤال وسكت فإن ذلك كافٍ، ولا يشترط فيه أن يقول: نعم، وقد اشترط بعض العلماء أن يقول: نعم، ولكن هذا ليس بلازم، وقد جاء في عدد من الأحاديث أن ذكر السؤال بدون ذكر نعم، واعتبره أكثر العلماء المحققين كافياً، ولا يحتاج معه، ولا يشترط أن يقول الشيخ عندما يسأل مثل هذا السؤال: نعم، وفي الحديث الذي معنا أنه قال: نعم، وإنما الخلاف فيما إذا لم يقل: نعم، وإنما سكت.وجاء في صحيح مسلم أن الرجل دخل بها في المسجد يتصدق بها، أي: يوزعها صدقة، والرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ بنصالها، وهي الجزء المحدد منها، أي: طرفه الذي يحصل منه الضرر، فأمره أن يأخذ بنصالها كما جاء في بعض الروايات؛ حتى لا تخدش مسلماً، أي: حتى لا تجرح مسلماً، فإذا كان طرفها المحدد ليس بيده، وإنما هو في جهة أخرى فقد تخدش أحداً من الناس فيحصل بذلك الضرر، وهذا من الأخذ بسد الذرائع؛ لأن كونه يأخذ بنصالها سداً لذريعة حصول الضرر؛ كون النصال بارزة، فقد تلمس أحداً فتجرحه، ويخرج منه الدم، وفي الحديث دليل على حرمة دم المسلم ولو كان قليلاً؛ لأن هذا النهي إنما هو لخدش، أو شيء يحصل سيلان الدم ولو كان يسيراً، وتحريم الدماء، والأموال، والأعراض من الأمور التي جاءت الشريعة بتأكيدها، والتحذير منها، وقد حذر من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في حجة الوداع حيث قال بعد أن سأل عن اليوم، والشهر، والمكان، ويريد أن يقرر حرمة ذلك كما أن هذا معلوم حرمته، فقال: ( إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا )، فالحديث يدل على حرمة إيذاء المسلم، وعلى حرمة دمه، ولو كان ذلك الدم يسيراً، ولو كان من غير قصد؛ لأن هذا الرجل معلوم أنه لا يقصد، ولكن كون النصال بارزة، وقد تلمس أحداً فتجرحه فيحصل له ضرر بذلك.
تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل بسهام في المسجد فقال رسول الله: خذ بنصالها)
قوله: [ أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، وهو ابن مخرمة، وهو بصري، والنسائي رحمه الله نسب شيخه، وأطال في نسبه، وقد ذكرنا فيما مضى أن التلميذ له أن يذكر شيخه بما يريد، وله أن ينسب كما يريد، إن أراد أن يطول نسبته فعل، وإن أراد أن يقصر نسبته فعل، وهذا هو ما يفعله النسائي وغيره، فأحياناً يذكر الشخص بكلمتين؛ اسمه واسم أبيه، وأحياناً يذكره بكنيته فقط، وأحياناً يطيل في نسبه كما هنا: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري بصري، فذكر اسمه واسم أبيه وجده وجد أبيه، وذكر نسبته في النسب ونسبته في البلد، الزهري نسبة نسبية، والبصري نسبة وطنية، وأما غير التلميذ فإنه إذا أراد أن يوضح اسماً مهملاً، ويزيد شيئاً يوضحه فإنه لا يأتي به كما يريد بأن ينسبه، ويأتي بنسبه كما يريد، فإن ذلك قد يظن أنه من التلميذ، ولكن الطريقة التي عملها العلماء، وأخذ بها، وامتلأت بها كتب الحديث أنه عندما يريد أن يضيف شيئاً يقول: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو هو الفلاني، فيأتي بكلمة تفيد بأن الإضافة ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ، وأما التلميذ فلا يحتاج أن يقول: فلان هو ابن فلان، بل ينسبه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، ولكن الذي يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان دون التلميذ، ويريد أن يوضح هذا الشخص الذي أهمله التلميذ؛ لأن المهمل هو اتفاق الأسماء، أو الأسماء وأسماء الآباء، وعدم تمييز الأشخاص، فيكون مشترك يحتمل هذا ويحتمل هذا، مثل سفيان، يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، وحماد يحتمل حماد بن زيد أو حماد بن سلمة، فكلمة (هو) يستعملها من دون التلميذ، وأما التلميذ فهو ينسب كما يريد كما فعل النسائي هنا.وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة البصري الزهري صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة؛ وقد نسبه النسائي هنا حتى وصل إلى الصحابي، الذي هو المسور بن مخرمة.و المسور، ومخرمة كلاهما من الصحابة، وهنا ذكر المسور، ولكنه ما ذكر مخرمة.[ ومحمد بن منصور ].محمد بن منصور شخصان: الطوسي، والجواز المكي، وقد عرفنا فيما مضى أن الأقرب وأن الأرجح أن يكون هو محمد بن منصور الجواز المكي ؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وهو مكي، وعندما يكون الأمر دائراً بين شخصين يرجح من له به اختصاص، إما من حيث الوطن، أو من حيث الملازمة، وكثرة الرواية عن ذلك الشيخ.ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهذا أقرب وأظهر؛ لأن عدم التمييز يكون أحياناً لشهرته، وعدم الحاجة إليه، وقد جاء في بعض المواضع أنه ينسبه ويقول: المكي، كما سبق أن مر بنا، محمد بن منصور المكي، ولكنه ما جاء ذكر محمد بن منصور الطوسي منسوباً، ولكن الغالب أنه يحمل على محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الجواز المكي ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[ قالا: حدثنا سفيان ].وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ قلت لـ: عمرو ].سفيان يقول: قلت لـعمرو، وعمرو هو ابن دينار، وهو مكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فـسفيان بن عيينة مكي، وعمرو بن دينار مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فهؤلاء ثلاثة مكيون من أهل مكة.قال سفيان : قلت لـعمرو : أسمعت جابراً يقول.وجابر هو الصحابي راوي الحديث، وقد مر ذكره قريباً.
تشبيك الأصابع في المسجد
شرح حديث عبد الله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ تشبيك الأصابع في المسجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: ( دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال لنا: أصلى هؤلاء؟ قلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فذهبنا لنقوم خلفه، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فصلى بغير أذان ولا إقامة، فجعل إذا ركع شبك بين أصابعه، وجعلها بين ركبتيه، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) ].وهنا أورد النسائي: تشبيك الأصابع في المسجد، ولكنه أورد تحته حديثاً منسوخاً لا يحتج بما جاء فيه التشبيك والتطبيق؛ الذي هو جعل اليدين بين الفخذين، أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن هذا منسوخ، وثبت نسخه في أحاديث، وقد ذكر النسائي النسخ في أحاديث ستأتي في سننه في كتابه هذا السنن.أورد هذا الحديث، أعني: حديث: أن الأسود قال: دخلت أنا، وعلقمة على عبد الله بن مسعود، فقال: أصلى هؤلاء؟ فقلنا: لا، قال: قوموا فصلوا، فتقدم، وأرادوا أن يصفوا وراءه، فجعل واحداً عن يمينه وواحداً عن شماله، ثم شبك بين أصابعه، يعني: عندما أراد أن يركع، وجعلهما بين ركبتيه، أو بين فخذيه، وهذا هو التطبيق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.ومحل الشاهد من إيراد الحديث ذكر التشبيك فيه، وإضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا العمل الذي ذكره قد نسخ، وثبت نسخه في أحاديث عند النسائي وعند غيره، ويسمى التطبيق، وهو وضع اليدين متلاصقة، أو مع التشبيك بينهما، ووضعهما بين الفخذين أو بين الركبتين في حال الركوع، فإن ذلك نسخ، وأمر الناس بأن يجعلوا أيديهم على ركبهم، فهذا هو الحكم الناسخ، وهذا الذي جاء في الحديث هو الحكم المنسوخ، ويحمل ما جاء عن عبد الله بن مسعود على أنه لم يبلغه الناسخ الذي هو وضع اليدين على الركبتين.ولكن الحديث الذي فيه تشبيك الأصابع في المسجد، أو يصلح شاهداً للترجمة حديث ذي اليدين، الحديث المعروف بحديث ذي اليدين، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صلى بالناس الظهر أو العصر، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فشبك بين أصابعه، واستند عليها، فقال له هذا الرجل الذي هو ذو اليدين : ( يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر، قال: بل نسيت، فالتفتَ إلى الناس وقال: أكما يقول ذو اليدين ؟ قالوا: نعم، فقام وصلى الركعتين الباقيتين )، فالحديث فيه التشبيك، وهو ثابت، وهو الذي يدل على التشبيك، ولكنه جاء بعد الصلاة، وجاء في بعض الأحاديث النهي عن التشبيك بين الأصابع قبل الصلاة.فالحاصل: أن الحديث الذي معنا يدل على التشبيك، ولكنه منسوخ، والناسخ له عند النسائي، وعند غيره، وهو وضع الأيدي على الركب، فيكون الحديث لا حجة فيه، أو هذا الاستدلال لا وجه له؛ لأنه منسوخ، فلم يبق له عمل.ثم في الحديث: أنه جعلهما عن يمينه وعن شماله، وقد قال بعض العلماء: إن المكان كان ضيقاً، ولكن يشكل عليه أنهم كانوا أرادوا أن يصفوا خلفه، أي: معناه أن فيه مجال، فلعل ذلك مثل التطبيق منسوخ، وأن هذا كان في أول الأمر، ثم بعد ذلك جاء بيان الحكم، وهو أنه إذا زاد على الواحد فإن المأمومين يكونون وراءه، ولا يكونون عن يمينه ولا عن شماله، فالأقرب أن يكون مثل التطبيق، وأن هذا كان متقدماً كما كان التطبيق متقدماً.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم، هو ابن مخلد بن راهويه المشهور، المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف رفيع لم يظفر به إلا عدد قليل من المحدثين، وهو محدث، فقيه، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرنا عيسى بن يونس ].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وجده أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مأمون، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره باسمه، وذكره بلقبه، وقد جاء في هذا الإسناد بـالأعمش، وفي الإسناد الذي يليه جاء بـسليمان، وسليمان هو الأعمش، أي أنه جاء في إسناد باسمه، وفي إسناد بلقبه.ومعرفة ألقاب المحدثين هي نوع من أنواع علوم الحديث، ولها أهمية، وتظهر أهميتها بحيث لا يظن الشخص الواحد شخصين إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي لا يعرف أن هذا اسم وهذا لقب لشخص واحد يظن أن هذا شخص وهذا شخص، أي: إذا كان سليمان موجود في إسناد كما في الإسناد الذي بعد هذا، والأعمش في إسناد كما في هذا الإسناد، يظن أن سليمان غير الأعمش، وأن الأعمش غير سليمان، ولكن الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان لا يلتبس عليه الأمر، فلا يظن الشخص الواحد شخصين، بل يعرف أن هذا شخص واحد ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.وقد أوصلها ابن الصلاح إلى فوق الستين، وزاد عليه غيره، وهذا نوعٌ من أنواع هذه العلوم، وهذه العلوم -التي هي علوم الحديث- نوع من أنواع علوم الحديث. وهو ثقة مدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن إبراهيم ].وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ، وهو ثقة، محدث، فقيه، معروف بالحديث، وبالفقه، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الفقه، فإذا قيل: إبراهيم في عد الفقهاء يحمل على إبراهيم النخعي .وقد ذكر ابن القيم في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد عندما جاء عند ذكر الذباب إذا وقع في الإناء، وأن الإنسان يغمسه، ثم يزيله، ويشرب الماء، قال: استدل به بعض العلماء على أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ووجه الاستدلال أن الماء قد يكون حاراً، وإذا وقع الذباب، وغمس فيه فيترتب عليه الموت، فيكون الذباب مات في ماء حار، والذباب لا نفس له سائلة، أي: ليس له دم؛ لأن الدم يقال له: نفس، فيقال: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.قال ابن القيم : وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة): إبراهيم النخعي ، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فهو أول من عبر بهذه العبارة عن مثل الجراد، والذباب، وغير ذلك من الحيوانات التي ليس فيها دم، فإن موتها في الشيء لا يؤثر، وإبراهيم النخعي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأسود ].والأسود خال إبراهيم، وهو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، مخضرم، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية، والإسلام، ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.[قال: دخلت أنا وعلقمة ].علقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ، وهو ثقة، فقيه، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ليس من رجال الإسناد هنا، وإنما ذكره الأسود ، قال: دخلت أنا وعلقمة على ابن مسعود ، فهو ليس من رجال الإسناد، ولكن الإسناد الذي بعده هو من رجاله؛ لأن إبراهيم يقول: عن علقمة، والأسود معناه: أنه يروي عنهما، فيكون علقمة في الإسناد الثاني من رجال الإسناد، وأما في هذا الإسناد الأول فهو ليس من رجاله، وإنما الذي يسند الحديث هو الأسود ، ويحكي أنه كان معه علقمة عندما فعل، وأن ابن مسعود فعل هذا الذي ذكره.و عبد الله بن مسعود الهذلي هو أحد فقهاء الصحابة، وأحد علماء الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين؛ لأنه متقدم الوفاة عن العبادلة الأربعة الذين هم من صغار الصحابة، وقد عده بعضهم أنه من العبادلة الأربعة، ولكن الصحيح والمشهور أن المراد بهم أربعة من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير.فـعبد الله بن مسعود ليس معهم؛ لأنه متقدم الوفاة؛ لأن وفاته سنة (32هـ)، وأما أولئك فكانوا بعد الستين، أي: تأخرت وفاتهم، واستفاد الناس منهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
طريق أخرى لحديث عبدالله بن مسعود في تشبيك الأصابع في المسجد وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن سليمان سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله فذكر نحوه ].وهنا أورد النسائي الحديث بطريق أخرى من طريق إسحاق بن إبراهيم .قوله: [ أخبرنا النضر ].النضر هو ابن شميل ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا شعبة ].هو شعبة بن الحجاج ، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سليمان ].سليمان ، هو الأعمش ، فهنا ذكر باسمه، وفي الإسناد الذي قبله بلقبه، وهو سليمان بن مهران الكاهلي.[ سمعت إبراهيم عن علقمة والأسود ].في الإسناد الأول الأعمش عنعن، وهنا صرح بالسماع من إبراهيم ، والأعمش مدلس كما عرفنا، وقد صرح بالسماع في الطريق الثانية.وفي الطريق الثانية إبراهيم يروي عن علقمة، والأسود ، فـعلقمة هو من رجال الإسناد في الطريق الثانية، وليس من رجال الإسناد في الطريق الأولى.[ عن عبد الله ].أي: علقمة والأسود يرويان عن ابن مسعود ، فيكون الحديث من روايتهما جميعاً، ولكن في الطريق الأولى من رواية الأسود وحده.[ قال: فذكر نحوه ].كلمة نحوه ومثله، إذا جاءت (مثله)، معناه، أن اللفظ مطابق للمتن، فالمتن مطابق للمتن، اللفظ مثل اللفظ، هذه كلمة مثله.وأما إذا قيل: نحوه، فهو مقارب له، أي: بالمعنى وليس مطابقاً باللفظ، مثل كلمة مثله؛ لأن قول: نحوه، يشعر بالقرب، وليس بالمماثلة، بخلاف مثله، فإنه يدل بلفظه على المماثلة، فهذا هو الفرق بين مثله ونحوه إذا جاء ذكرهما في مثل هذا الموضع، حيث يُذكر حديث بلفظه دون إسناده، ومتنه، ثم يذكر الحديث بإسناد آخر، ويحال على اللفظ المتقدم بكلمة (نحوه)، فهي تختلف عن كلمة (مثله).
الاستلقاء في المسجد
شرح حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الاستلقاء في المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد؛ واضعاً إحدى رجليه على الأخرى ) ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله تعالى عنه (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى).والترجمة التي عقدها النسائي هي الاستلقاء في المسجد، أي: أن ذلك سائغ وجائز، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين ذلك عبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنه حيث قال: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد)، أي: على قفاه مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، وهو يدل على جواز الاستلقاء، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى في حال الاستلقاء، ولكن هذا الوضع إذا كانت الرجلان ممدودتين فالأمر ليس فيه إشكال، ولكن لو كانت إحدى الرجلين منصوبة ثم وضع الأخرى عليها فإن هذا يشترط فيه أن لا يكون معه انكشاف العورة، والحديث يحتمل الأمرين؛ لأن وضع الرجل على الأخرى يحتمل أن تكون ممدودتين، ويحتمل أن تكون إحداهما منصوبة والأخرى عليها، ولكن الحالة الأولى الأمر فيها واضح من ناحية ستر العورة؛ لأن كون الرجلين ممدودتين، وواحدة فوق الثانية لا يؤثر شيئاً، مثلما لو كانت ممدودتين جميعاً، ولكن الإشكال فيما لو نصب إحداهما ووضع الثانية عليها فإن هذا قد يكون فيه انكشاف للعورة، فإذا أمن ذلك فمحتمل الوضع أن يكون هذا، وأن يكون هذا، وكل يطلق عليه أنه وضع إحدى الرجلين على الأخرى.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن زيد: (أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، أحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين لهم مذاهب عني بها ودونت، وصار لهم أصحاب عنوا بجمع أقوالهم ومذاهبهم، واشتهرت بسبب ذلك.وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وهو مشهور بنسبته الزهري ، وكذلك نسبته إلى جده شهاب ، فيقال: ابن شهاب ، ويقال: الزهري ، وهو ثقة، إمام، جليل، محدث، فقيه، من أوعية العلم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عباد بن تميم ].هو عباد بن تميم المازني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمه ].عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، وهو صحابي مشهور، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو عمه لأبيه ؛ لأن هذا عباد بن تميم بن غزية المازني ، وأما هذا الصحابي عبد الله بن زيد فهو عمه لأبيه، يعني: عم عباد لأبيه؛ لأن تميم وعبد الله أخوان لأم.
ابو الوليد المسلم
01-23-2026, 01:11 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(133)
- (باب النوم في المسجد) إلى (باب تخليق المساجد)
بين الشرع الحكيم جواز الاستلقاء في المسجد بشرط عدم انكشاف العورة، كما بين النهي عن البصاق فيه، وكفارتها دفنها أو دلكها وجعل شيء من الطيب مكانها.
النوم في المسجد
شرح حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النوم في المسجد.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم).هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النوم في المسجد.مقصوده من ذلك بيان جوازه، وأن ذلك سائغ، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الذي يحكي فيه قصة نفسه: (أنه كان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عزب لا أهل له في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وما جاء عن ابن عمر في هذا الحديث واضح الدلالة بأنه يخبر عن نفسه أنه ينام في المسجد، وهو شاب عزب لا أهل له؛ يعني: لم يتزوج ولم يتأهل، وأورد فيه الحديث الذي فيه قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وما حصل بينه وبين فاطمة شيء، ثم إنه غضب وخرج، ونام في المسجد، وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته يسأل عنه، وأخبرته بأنه خرج، فذهب ووجده في المسجد قد نام، وقد أثر التراب في جسده، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( قم أبا تراب )، فهذا مما يدل على ما دل عليه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من جواز النوم في المسجد.وقوله في الحديث: (أنه كان ينام وهو شاب عزب)، معلوم أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان من صغار الصحابة، وكان في غزوة أحد لم يبلغ، وقد جاء يطلب منه أن يكون في الجيش، وأن يكون في المجاهدين، ولكن كونه لم يبلغ الخامسة عشرة، فإنه لم يأذن له، وبعد ذلك أذن له، فهو في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره لم يبلغ الخامسة عشرة، وعند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الخامسة والعشرين تقريباً، فهو شاب عزب، أي: لا أهل له، وكان ذلك في مسجده، وفي عهده عليه الصلاة والسلام.وقوله: (في عهده)، هذا هو الذي يفيد إضافته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كونه فعل في عهده، ولم يمنع منه رسول الله عليه الصلاة والسلام دل على جوازه، بل قصة علي واضحة في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء إليه وهو نام في المسجد، وقد علق التراب في جسده رضي الله تعالى عنه، وقال له: ( قم أبا تراب )، وعزب هي اللغة المشهورة، وأما أعزب فقد قال ابن حجر : إنها لغة قليلة، والمشهور هو عزب، وهو الذي لم يتزوج ولم يتأهل.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (أنه كان ينام وهو شاب... في مسجد رسول الله)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو اليشكري السرخسي ، وهو ثقة، مأمون، سني، وصف بأنه سني لأنه أظهر السنة في بلده، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي .[ حدثنا يحيى ].هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الذهبي في كتابه: ومن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني بذلك: أنهما يصيبان الهدف، وأن كلامهما عمدة في التضعيف إذا ضعفا شخصاً وجرحاه، فإنه يعول على قولهما، وعلى جرحهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبيد الله ].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المصغر تمييزاً له عن أخيه عبد الله الذي يوصف بأنه المكبر، والمصغر هذا الذي هو عبيد الله ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني نافع ].ونافع هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن مولاه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل من المشهورين بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِوحديث عبد الله بن عمر عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال هذا الإسناد خمسة، هم: عبيد الله بن سعيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ونافع، وعبد الله بن عمر، وهؤلاء الخمسة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي: عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، فإنه خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، ولم يخرج له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه ، وإنما خرج له من أصحاب السنن الأربعة النسائي وحده.
البصاق في المسجد
شرح حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البصاق في المسجد.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب البصاق في المسجد.المقصود من ذلك بيان حكمه، وأنه خطيئة، وأنه مذموم؛ لأن البصاق شيء مستقذر، فكونه يوضع في المسجد، فهذا لا يليق بالمسجد، لاسيما إذا كان بارزاً ظاهراً يراه الناس ويتقذرونه، وقد أورد فيه حديث أنس بن مالك الصحابي الجليل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها )؛ أي: ذمه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبين أنها خطيئة، وأن هذه الخطيئة إذا وجدت فإن كفارتها دفنها بحيث لا يراها أحد، وأما دفنها فهو يدل على طهارتها، ولكنها شيء مستقذر، ولو كان نجساً لأمر بغسله، ولكنها -البصاق والمخاط- من الأشياء الطاهرة لكنها مستقذرة؛ أي: النفوس تستقذر رؤيتها، وإلا فإنها طاهرة، وليست بنجسة.قال: (وكفارتها دفنها)، أي: الإنسان إذا ابتلي بهذا، فإن عليه أن يبادر إلى دفنها؛ حتى تزول ولا يراها أحد، ومن العلماء من قال: إن دفنها إخراجها، لكن هذا ليس هو ظاهر اللفظ، بل ظاهر اللفظ أن يدفنها، وذلك في المسجد الذي فيه تراب، أولاً: لا يجوز للإنسان أن يبصق، ولكنه إذا بصق فإن عليه أن يبادر إلى دفنها، حتى لا تراها الأعين، وحتى لا يستقذرها أحد عندما يراها.
تراجم رجال إسناد حديث: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا أبو عوانة ].وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته: أبي عوانة ، ومعرفة كنى المحدثين نوع من أنواع علوم الحديث؛ لأنه لو وجد في بعض الأسانيد الوضاح بن عبد الله ، ووجد في بعض الأسانيد أبو عوانة ، فمن لا يعرف أن هذه كنية للوضاح يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكنه إذا عرف أن الوضاح بن عبد الله اليشكري كنيته أبو عوانة ، فلا يلتبس عليه الأمر لو جاء مرة باسمه، ومرة بكنيته، وهو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري ، وفي شيوخ النسائي أبو عوانة متأخر، وأبو عوانة الإسفراييني له كتاب له أسماء ثلاثة: يقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، ويقال له: المستخرج؛ أي: المستخرج على صحيح مسلم، وهو متأخر، لأنه بعد مسلم. وأما الوضاح بن عبد الله فهو في طبقة متقدمة.[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة، مدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين، وهو ممن تشرف بخدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه عشر سنوات، وذلك منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلى أن توفاه الله وهو يخدمه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد عمر وعاش طويلاً، ولقيه صغار التابعين، وأخذوا عنه الحديث، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أحد السبعة الذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين ذكرتهم آنفاً عند ذكر عبد الله بن عمر في الحديث الذي قبل هذا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الأربعة الذين هم رجال الإسناد، وهم: قتيبة، وأبو عوانة، وقتادة بن دعامة، وأنس بن مالك هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، والإسناد من رباعيات النسائي الذي هو أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي أربعة يكونون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد من هذه الأسانيد العالية عند النسائي .
النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد
شرح حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه، فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب النهي عن أن يتنخم الرجل في قبلة المسجد.الرجل هنا لا مفهوم له، بل المرأة كذلك، فالرجال والنساء كلهم لا يتنخمون في المسجد، وبالأولى في قبلة المسجد، والتنصيص على القبلة؛ لأهمية ذلك، ولكونه الذي يراه الناس، ويكون بارزاً أمامهم، وليس للإنسان أن يتنخم في المسجد كله، ولكن التنصيص على القبلة؛ لأنها هي البارزة أمام الناس؛ أي: أن الجدار الذي يكون في الصف الأول يكون أول من يصل يراه، وكذلك الذين يلونه يرونه، فهذا هو وجه تخصيصه، وإلا فإن البصاق في المسجد أو التنخم في المسجد كله محذور، وقد مر أن البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، ولكنه نص على جهة القبلة؛ لأهميتها ولشدة الاستقذار فيما كان فيها؛ لأن من يصل إلى المسجد أولاً يراه، فالذين يكونون في أوائل الصفوف هم الذين يأتون مبكرين ويذهبون متأخرين، فيكون في ذلك استقذار أو زيادة في الاستقذار عندما يرونه في القبلة.ثم قال: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة فحكه )، وهذا يدل على أن البصاق طاهر، ولهذا حكه، والحك يتساقط وينزل، ولكنه لا يظهر ذلك المنظر، ولو كان نجساً لغسل، ولا يكفي فيه الحك، لكنه إذا حكه وسقط، فيزول ذلك المنظر الكريه المستقذر، فحكه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ( ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه )، لعل ذكره هنا بعد أن حكه وكان في قبلة المسجد أنه قد يكون أحد بصق على الجدار وهو يصلي، يحتمل هذا، ويحتمل أن يكون البصاق بدون صلاة، ولكنه غالباً يكون في الصلاة؛ لأن المصلي يكون في الصف الأول والجدار أمامه، وقد يحصل منهم ذلك قبل أن يبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم المنع من ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم حكه، ونهى عن البصاق، وهذا يدل على منعه وعلى إزالته عندما يوجد، وإذا كان في تراب فإنه يدفن، وإن كان في جدار -البصاق- فإنه يزال بالحك كما فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم قال: ( فإن الله عز وجل قبل وجهه إذا صلى )، يعني: أن المصلي يناجي الله عز وجل والله تعالى أمامه، فعليه أن يحترم تلك الجهة التي هو يناجي الله عز وجل متجهاً إليها وهي جهة القبلة، وقوله: (فإن الله عز وجل قبل وجهه)؛ أي: الله عز وجل قبل وجه الإنسان أينما توجه، كما قال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، لكن الكلام هنا جاء في الصلاة، والمصلي يناجي الله عز وجل، ويجب أن يكون بجسده وقلبه مقبلا على الله عز وجل، فيناجي الله عز وجل فيحترم تلك الجهة؛ لأن الله عز وجل هو الكبير المتعال، وهو الذي في السماوات والأرضين وما حوته، والمخلوقات كلها في قبضته سبحانه وتعالى كالخردلة في كف أحدنا ولله المثل الأعلى، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن المعلوم أن من كان في داخل الخردلة، فإن الذي يكون خارجها فإنه يكون أمامه؛ لأن الخردلة حقيرة ليست بشيء، لكن هنا جاء التنصيص على قبل وجه المصلي لأنه متجه إلى الله عز وجل يناجيه ويدعوه، ويسأله ويرجوه، فله حالة يجب أن يحترم تلك الجهة التي هو متجه إليها، والتي الله عز وجل أمامه فيها وقبل وجهه، وألا يبصق قبل وجهه، ثم فيه المحذور الآخر -الذي مر- وهو سبب الحديث، حيث رأى الرسول نخامة في المسجد فحكها، ثم قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه)؛ يعني: ففيه الاستقذار، وفيه وجوب تعظيم الله تعالى؛ لأنه يناجي الله عز وجل، والله تعالى أمامه، وهو متجه إلى القبلة، وقد عرفنا أن قول الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، أنها من آيات الصفات، والإنسان أينما توجه فالله تعالى أمامه، ومعنى ذلك يتضح بمعرفة الأثر الذي جاء عن ابن عباس : أن السماوات والأرضين وما فيهن كالخردلة بكف واحدٍ منا ولله المثل الأعلى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة ، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن مالك ].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].هو مولى ابن عمر ، وقد مر ذكره .[ عن ابن عمر ].قد مر ذكره، وهذه السلسلة التي فيها: مالك عن نافع عن ابن عمر هي التي قال عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد .
ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته
شرح حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة، ونهى أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه، وقال: يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته.أي: لكن عن شماله، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة )، وقال: ( يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى )، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له من النهي عن البصاق في صلاته بأن يكون أمامه أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله؛ حيث يكون فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى، وفي هذا الحديث المنع من التنخم أمام الإنسان أو عن يمينه، ولكن يكون عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، وفيه تعظيم جهة القبلة حيث يكون الإنسان يصلي، ويناجي الله عز وجل، وكذلك اليمين، والبصاق يكون عن جهة الشمال أو تحت القدم اليسرى؛ لأن البصاق من الأمور المستقذرة، وهي من شأن الشمال، ولهذا يكون باليسرى، ولا يمتخط الإنسان باليد اليمنى، وإنما يكون باليد اليسرى التي تباشر مثل هذه الأمور، فاليد اليمنى للأمور التي لها شأن والأمور الحسنة، وأما اليسرى فإنها للأمور المستقذرة، وكذلك هنا منع أن يبصق عن يمينه، وكذلك بين يديه، ولكن عن شماله أو تحت قدمه اليسرى.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة مر ذكره.[ حدثنا سفيان ].هو: ابن عيينة ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده زهرة، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن حميد بن عبد الرحمن ].هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سعيد الخدري ].هو: سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وقد مر ذكرهم في أبيات السيوطي آنفاً.
الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:36 PM
الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله
شرح حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة للمصلي أن يبصق خلفه أو تلقاء شماله.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن ربعي عن طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك، وابصق خلفك أو تلقاء شمالك إن كان فارغاً، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله ودلكه ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب الرخصة للمصلي أن أيبصق خلفه أو عن شماله.ثم أورد حديث طارق بن عبد الله المحاربي رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبصق المصلي قبل وجهه أو عن يمينه، ولكن خلفه أو عن شماله إن كان فارغاً )؛ أي: لا أحد صاف بجواره، وإلا فعل هكذا وبصقها تحت قدمه اليسرى ودلكها، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا أنه يبصق عن شماله أو تحت قدمه اليسرى، والبصق خلفه يمكن أن يكون بدون أن يستدير ويتفل وراءه، ويمكن له إذا كان اليسار خالياً ليس فيه أحد أن يبصق عن يساره.أما إذا كان هناك أحد واقف يصلي، أو أحد لا يصلي ولكنه بجواره وهو يصلي، فإنها تكون تحت قدمه اليسرى ويدلكها، أو تكون وراءه بأن يرسل النخامة عن يساره إلى وراء ظهره، وذلك بدون أن يستدير وينحرف عن جهة القبلة، وتكون القبلة وراءه، ثم يبصق ثم يرجع، وإنما يكون بتمايله وإرسال النخامة عن يساره إلى وراء ظهره.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كنت تصلي فلا تبزقن بين يديك ولا عن يمينك وابصق خلفك أو تلقاء شمالك...)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو: اليشكري السرخسي الذي مر ذكره قريباً.[ حدثنا يحيى ].هو: القطان ، وقد مر ذكره قريباً.[ عن سفيان ].وسفيان هذا يحتمل أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، ولكن كونه الثوري أقرب؛ لأن منصور بن المعتمر الذي يروي عنه من أهل الكوفة، وسفيان الثوري كوفي، فهما من بلد واحد، وأيضاً كذلك يحيى بن سعيد القطان بصري، والبصرة قريبة من الكوفة.وأما سفيان بن عيينة فهو مكي، فالأقرب أو الأظهر أن يكون المراد به سفيان الثوري ؛ وإن كان سفيان بن عيينة روى عن منصور بن المعتمر ، لكن كونه من بلده، فيكون أكثر ملازمة له، فيحمل على أنه الثوري ، ولا يؤثر حتى لو لم يعلم أنه هذا أو هذا؛ فالإسناد دائر على ثقة، سواء يكون الثوري أو يكون ابن عيينة؛ لأن كل منهما ثقة.وسفيان الثوري ثقة، ثبت، إمام، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف من أعلى صيغ التعديل، وأعلى صيغ التوثيق، وما حصل إلا للقليل النادر من المحدثين، وقد حصل لـسفيان الثوري كما حصل لـشعبة، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم ممن وصف بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثني منصور ].هو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ربعي ].هو ربعي بن حراش ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن طارق بن عبد الله المحاربي ].هو طارق بن عبد الله المحاربي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج أيضاً حديثه أصحاب السنن الأربعة، وفي نسخة التقريب ذات المجلدين، وكذلك نسخة تهذيب التهذيب رمز له بـأبي داود وحده، وأما المزي في تهذيب الكمال فإنه ليس من عادته أن يرمز، ولكنه يأتي بالألفاظ وبالكلمات، فقال: أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأخرج له الباقون سوى مسلم ، فالرمز الصحيح له (عين خاء) أي البخاري في خلق أفعال العباد، ورمز أصحاب السنن الأربعة، ثم الحديث عند تخريجه ذكر كونه عند أبي داود، والترمذي، وعند ابن ماجه ، أي هو موجود عندهم، فهو من رجالهم، وليس كما جاء في نسخة تهذيب التهذيب، ونسخة تقريب التهذيب الرمز لـأبي داود فقط، والحديث عند النسائي معنا.فهو صحابي مقل؛ لأنه قيل: إن له حديثان أو ثلاثة أحاديث، فهو مقل.
بأي الرجلين يدلك بصاقه
شرح حديث عبد الله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.أخبرنا سويد بن نصر أنبأنا عبد الله عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن الشخير عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة: باب بأي الرجلين يدلك بصاقه.وأورد فيها حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تنخع، فدلكه برجله اليسرى )، المقصود أنه يدلك برجله اليسرى، وكما مر أنه يتنخع تحت قدمه اليسرى ويدلكه، فالتنخع يكون تحت الرجل اليسرى، ويكون الدلك بالرجل اليسرى.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن الشخير: (رأيت رسول الله تنخع فدلكه برجله اليسرى)
قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر ].هو سويد بن نصر المروزي ، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي .[ أنبأنا عبد الله ].هو ابن المبارك الإمام، الثقة، الثبت، والذي وصفه ابن حجر في التقريب بقوله بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة، قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد الجريري ].هو: ابن إياس ؛ أي: سعيد بن إياس الجريري ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي العلاء بن الشخير ].هو: يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبيه ].هو: عبد الله بن الشخير ]، وذاك مشهور بكنيته -الذي هو يزيد بن عبد الله- أبو العلاء ، وحديثه -كما ذكرت- عند أصحاب الكتب الستة.أما أبوه عبد الله بن الشخير رضي الله عنه فهو من مسلمة الفتح، وحديثه عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
تخليق المساجد
شرح حديث أنس في تخليق المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تخليق المساجد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عائذ بن حبيب حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا )! ].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب تخليق المساجد.أي: تطييبها، والتخليق هو: وضع الخلوق، وهو نوع من الطيب، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه )، وهذا فيه شدة الإنكار والكراهية، والبغض لهذا العمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب واحمر وجهه من شدة الغضب لهذا الذي رآه، وهذا فيه بيان وجوب العناية بالمساجد ونظافتها، وعدم تقذيرها، أو وضع شيء فيه قذر يستقذره الناس مثل: النخام، لاسيما إذا كان في قبلة المسجد الذي يراه من يأتي إلى المسجد مبكراً، ومن يبقى في المسجد، (فقامت امرأة من الأنصار فحكتها -تلك النخامة التي في الجدار- وجعلت مكانها خلوقاً)، وهذا هو محل الشاهد أنها وضعت عليها خلوقاً الذي هو نوع من الطيب، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسن هذا)؛ لأنها أزالت الشيء المستقذر، وأتت بالشيء الطيب مكان هذا المستقذر، وجعلت مكانه ما هو مستحب ومحبوب إلى النفوس الذي هو الطيب؛ حيث أزالت القذر، ووضعت مكانه طيباً، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما أحسن هذا!)؛ لأن فيه جمع بين حسنيين؛ وهو إزالة القذر، ووضع شيء طيب مكان هذا الشيء المستقذر الذي أزيل.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في تخليق المسجد
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو: ابن مخلد بن راهويه وهو ثقة، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو فقيه، محدث، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ حدثنا عائذ بن حبيب ].هو عائذ بن حبيب ، وهو صدوق، وقد رمي بالتشيع، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد الطويل ].هو حميد بن أبي حميد الطويل، وثقوه، وهو يدلس عن أنس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن أنس بن مالك ].وقد مر ذكره قريباً، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي ؛ لأنه فيه :إسحاق بن إبراهيم، وعائذ بن حبيب، وحميد الطويل، وأنس بن مالك، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي.
الأسئلة
حكم الصلاة خلف المبتدع
السؤال: ما حكم الصلاة خلف المبتدع ومن في عقيدته خلل؟الجواب: المبتدع الذي بدعته مكفرة لا يصلى وراءه ولا تصح صلاته، ولا صلاة لمن يصلي وراء من كانت بدعته مكفرة، وليس للإنسان أن يصلي وراءه.أما إذا كانت البدعة مفسقة وليست مكفرة، فإن مثله لا يصلح أن يكون إماماً، ولكنه إذا صلى، وصلي وراءه فالصلاة صحيحة، ولكنه لا يصلح أن يكون إماماً، وإنما يقدم في الإمامة من يكون من أهل السلامة.
حكم رفع اليدين عند الدعاء يوم الجمعة
السؤال: ما حكم رفع اليدين عندما يدعو الإمام يوم الجمعة؟الجواب: لا ترفع الأيدي في وقت خطبة الجمعة لا من الإمام ولا من المأمومين، ولا ترفع الأيدي إلا إذا حصل استسقاء فاللإمام أن يرفع، وللمأمومين أن يرفعوا.أما في غير الاستسقاء فإنها لا ترفع الأيدي في الخطبة، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث مالك بن رؤيبة : أن أحد بني أمية كان يرفع يديه، فقال: (قطع الله هاتين اليدين، ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بأصبعه)، أي: في حال خطبته عند ذكر الله عز وجل، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يرفع يديه، فلا ترفع الأيدي؛ اقتداء برسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
مقولة أن حدود الحرم سيصل إلى اليمن
السؤال: ما حدود الحرم؟ وهل ورد أن الحرم سوف يصل إلى اليمن؟الجواب: أي حرم -حرم مكة أو المدينة- يصل إلى اليمن؟ يعني: يختلط الحرمين، أقول: هذا كلام لا أساس له؛ فالحرم محدد، ومكة حرمها الله وحدودها معروفة، يعني: لا تزيد ولا تنقص، والمدينة حدودها أو حرمها حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ما بين عير إلى ثور، فهذا هو حدها كما حدها بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثور جبل صغير خلف أحد.
ما يلزم من توضأ بعد غسل الجنابة أو غسل الجمعة
السؤال: هل يلزم الوضوء بعد الغسل من الجنابة أو الغسل ليوم الجمعة؟الجواب: الغسل يوم الجمعة لا يغني عن الوضوء أبداً، وإنما الإنسان يتوضأ ويغتسل، وإذا اغتسل للجمعة يتوضأ وضوءه للصلاة، أما غسله للجنابة فإنه يكفي، لكن كونه يغتسل ويفيض الماء على جسده، ثم يكتفي عن الوضوء، فلا يكفي؛ لأن هذا الاغتسال لا يرفع حدثاً.أما الحدث الأكبر فإنه إذا ارتفع يرتفع معه الحدث الأصغر، أي: إذا اغتسل الإنسان وأفاض الماء على سائر جسده، وكان قبل ذلك غسل ذكره، وغسل ما يحتاج إلى غسل، فأفاض الماء على جسده، ولم يلمس ذكره وهو يغتسل، فإنه كافٍ في رفع الحدث الأكبر، وكذلك يغني عن الحدث الأصغر؛ لأن الأصغر يدخل تحت الأكبر، والأكمل والأفضل هو كون الإنسان يتوضأ أولاً ثم يغتسل، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما غسل الجمعة فإنه لا يجزئ عن الوضوء؛ لأنه ما رفع به الحدث، وأما غسل الجنابة فهو رفع فيه الحدث الأكبر.
مدى اعتبار سترة الإمام سترة للمأمومين
السؤال: هل تعتبر سترة الإمام سترة للمسبوق من المأمومين بعد سلام الإمام؟الجواب: لا، فالمأموم سترته سترة إمامه، لكن إذا انتهى الإمام من الصلاة لم تكن سترته سترة لغيره؛ لأن صلاته قد انتهت، وذاك إذا كان عنده سترة له فحسن، وإلا فيمنع من يمر بين يديه إذا كان قريباً، وإذا كان في مسافة مقدار ثلاثة أذرع من قدمه إلى جهة الأمام، فما بعد ثلاثة أذرع لا يرد أحداً؛ لأنه لا يملك الفضاء الذي أمامه وإن بعد، وإنما في حدود ثلاثة أذرع أمامه من قدمه، فيرد من يأتي في هذه المسافة، وإذا كان بعد هذه المسافة، فإنه ليس عليه بأس فيه.
كيفية التعامل مع المنتسبين لآل البيت إذا كانوا على مذهب الشيعة
السؤال: يوجد ممن يدعون بالأشراف، وينتسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمون بالتشيع، ولا نعلم عن حال تشيعهم، فما الحكم في التعامل معهم ومخالطتهم؟الجواب: إذا لم يكن معروفاً عنهم وقوعٌ في ما وقع فيه الشيعة، وما وقع فيه الرافضة، فالأصل سلامتهم حتى يثبت شيء بخلاف ذلك، ومن المعلوم أن كون الإنسان يكون شريفاً أو ذا نسب شريف فلا يعني ذلك أن يكون ملازماً للتشيع، وأن يكون متشيعاً، ولا يوجد تلازم بين التشيع وبين كونه ذا نسب شريف، فأصحاب النسب الشريف كانوا يقدرون الصحابة، وكانوا يجلون الصحابة، وما في نفوسهم على الصحابة جميعاً شيء رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا كان فقط مجرد أن كونه شريف، وما عرف عنه هذا الوصف الذميم -الذي هو كونه على طريقة الشيعة- فالأفضل سلامته.
حكم رواية الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي
السؤال: من المعلوم في علم الحديث أن شعبة بن الحجاج رحمه الله إذا روى عن الأعمش تقبل عنعنة الأعمش ؛ لما ثبت بسند صحيح عن شعبة بن الحجاج أنه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: أبو إسحاق السبيعي والأعمش وقتادة ، فالسؤال: إذا روى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي وائل أو أبي صالح السمان أو إبراهيم النخعي هل تقبل عنعنته؟ وما الدليل على ذلك؟الجواب: ما أدري إذا كان هناك شيء محدد للرواية عنهم أنه إذا روى عنه فيعتبر ما ذكره العلماء عنهم، لكن الذي أعرف عن شعبة أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعاً لهم ولم يكن مدلساً، ولهذا إذا كان شعبة يروي عن مدلس، فلا يضر كون المدلس معنعناً، يعني: روى بالعنعنة؛ لأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أُمن تدليسهم، أي: إلا ما هو مسموع لهم، وليس مدلساً.
الراجح في حديث ابن لهيعة
السؤال: ما هو القول الراجح في مسألة حديث ابن لهيعة ؟الجواب: هو صدوق، واختلط بعد احتراق كتبه، والمختلط طريقة الرواية عنه: أن ما روي عنه قبل اختلاطه، فهذا مأمون ولا يؤثر، وما كان بعد الاختلاط فهذا هو الذي فيه التوقف، ويحتاج إلى مساعدة وعضد.
مدى جواز البصق في منديل تجاه القبلة
السؤال: لو بصق المصلي في منديل إلى جهة القبلة، فهل هذا الفعل يشمله النص؟الجواب: النص جهة القبلة سواء كان على منديل، أو على فراش، أو على أي مكان، فالإنسان لا يبصق إلى جهة القبلة، لكن إذا كان معه منديل فإنه يبصق ويضعه في مخبأته، ولا يبصق قدامه.
تعليق جواز البصق في الصلاة بالفريضة أو بالنافلة
السؤال: هل جواز البصق في الصلاة خاص بالفريضة أم بالنافلة أم في كليهما؟الجواب: فيهما جميعاً الفريضة والنافلة.
بيان دلك النخامة بالرجل اليسرى
السؤال: هل دلك النخامة والبصاق بالرجل اليسرى إذا كانت حافية أم أنها في كل حال وفي كل مكان؟الجواب: إذا كان حافياً فإنه يدلكها برجله، وإذا كان عليه نعل فيدلكها بنعله؛ يعني: الأمر أنه يدلكها برجله، سواء كان حافياً أو منتعلاً.
مدى صحة التنصيص على أن النهي عن البصق الذي يكون في الصلاة
السؤال: في حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في صلاته، فمن أين استنبط المصنف كون الرجل في صلاته، مع أن الحديث ليس فيه: في صلاته؟الجواب: جاء في بعض الطرق التنصيص على الصلاة، ومن المعلوم أن هذه الهيئة ينبغي للإنسان أن يفعلها دائماً، حتى في غير الصلاة، فالإنسان لا يبصق أمامه ولا عن يمينه، وإنما يبصق عن يساره.
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:40 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(134)
- (باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه) إلى (باب صلاة الذي يمر على المسجد)
خصت المساجد بخصائص منها: أنه يستحب لمن دخلها أن يسأل الله الرحمة، وأن يسأله من فضله العظيم، واستحباب صلاة ركعتين تحية للمسجد.
القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه
شرح حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه.أخبرنا سليمان بن عبيد الله الغيلاني بصري حدثنا أبو عامر حدثنا سليمان عن ربيعة عن عبد الملك بن سعيد سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ) ].يقول النسائي رحمه الله: القول عند دخول المسجد، وعند الخروج منه، أي: الذكر، والدعاء الذي يشرع للإنسان أن يقوله عندما يدخل المسجد، وعندما يخرج منه، وقد أورد فيه حديث أبي حميد، وأبي أسيد الساعديين رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك ).هذا دعاء يشرع عند الدخول، ويشرع عند الخروج، وجاء في بعض الأحاديث أنه يصلى قبل ذلك ويسلم على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم يؤتى بهذا الدعاء الذي هو عند دخول المسجد سؤال الله رحمته، وعند الخروج من المسجد يسأل الله من فضله، وإنما جاء ذكر الرحمة عند الدخول، وذكر الفضل عند الخروج؛ لأن الإنسان إذا جاء إلى المسجد جاء يرجو رحمة الله، ويرجو مغفرته، ويرجو رفع الدرجات، وحط الخطيئات فناسب أن يكون الدعاء عند الدخول أن يسأل الإنسان ربه أن يفتح له أبواب رحمته، وأما إذا خرج فإنه يطلب الفضل من الله تعالى، أي: خارج المسجد، الذي يناسب طلب الرزق، وطلب الفضل من الله عز وجل، ولهذا جاء في الدعاء عند الخروج: (اللهم إني أسألك من فضلك)، وقد جاء في سورة الجمعة: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، أي: ابتغوا الرزق، واطلبوا الله من فضله أن يرزقكم، فجاء ذكر ابتغاء الفضل، وابتغاء الطلب، وطلب الرزق بعد الخروج من المسجد: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]، والله تعالى جعل الليل سكناً، والنهار موطناً لابتغاء الفضل وابتغاء الرزق: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص:73]، تسكنوا فيه، أي: في الليل، ولتبتغوا من فضله، يعني: في النهار، وذلك بطلب الرزق، وهذا يدل على أن الإنسان يفعل الأسباب ويتوكل على الله عز وجل، فلا يترك الأسباب، ولا يأخذ بالأسباب ويغفل عن مسبب الأسباب، وهو الله عز وجل، ولهذا جاء في الحديث: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً، وتروح بطاناً )، (تغدو خماصاً)، خاوية البطون، (وتعود بطاناً)، ممتلئة البطون من الرزق الذي حصلته، فتذهب في الصباح، وتعود في الرواح، وقد أخذت حاجتها، وأخذت نصيبها من الرزق الذي كتب الله لها.ولهذا جاء الدعاء في الدخول مناسباً لما جاء الإنسان من أجله، وهو طلب مغفرة الله ورحمته، وجاء الدعاء عند الخروج لطلب الله من فضله، وذلك بتحصيل الرزق الحلال، والقوت الذي يقيته، ويقيت من يعوله، ومن تلزمه نفقته.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك ...)
قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله].وهو الغيلاني، بصري، وهو صدوق، خرج له مسلم، والنسائي.[ حدثنا أبو عامر ].أبو عامر هو عبد الملك بن عمرو العقدي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عامر ، وكذلك مشهور بنسبته العقدي ، وهنا ذكره بأبي عامر فقط بالكنية، واسمه عبد الملك بن عمرو ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومعرفة كنى المحدثين من الأمور المهمة في مصطلح الحديث، وفائدتها كما أسلفت مراراً وتكراراً أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه أحياناً، وذكر بكنيته في بعض الأحيان، فإن من لا يعرف أن هذه كنية لهذا، يظن أن أبا عامر شخص، وأن عبد الملك بن عمرو شخص آخر، وليس كذلك وإنما هما شخص واحد، يأتي ذكره أحياناً بالكنية وأحياناً بالاسم.[ حدثنا سليمان ].سليمان هو ابن بلال المدني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ربيعة ].وهو ربيعة بن أبي عبد الرحمن المدني ، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الملك بن سعيد ].عبد الملك بن سعيد ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، أي: لم يخرج له ابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري ، فهو لم يخرج له الأول والأخير؛ لأن أول أصحاب الكتب الستة البخاري ، وآخرهم من حيث الرتبة وليس من حيث الزمن ابن ماجه؛ لأن آخرهم من حيث الزمن النسائي ؛ لأن وفاته سنة (303هـ)، وأما ابن ماجه فهو قبل الثمانين، ولكن من حيث الرتبة، يعني: رتبة الكتاب؛ لأن سنن ابن ماجه رتبته آخر الكتب الستة، فأول أصحاب الكتب الستة البخاري ، وآخرهم ابن ماجه ، لم يخرجا له، أي: لـعبد الملك بن سعيد.[ سمعت أبا حميد وأبا أسيد ].هما صحابيان مشهوران بكنيتهما: أبي حميد وأبي أسيد ، وهما ساعديان أنصاريان، وأبو حميد هو المنذر بن سعد ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة، وأما أبو أسيد الساعدي فهو: مالك بن ربيعة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأمر بالصلاة قبل الجلوس في المسجد
شرح حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه.أخبرنا قتيبة حدثنا مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الأمر بالصلاة قبل الجلوس فيه، أي: في المسجد، وهي التي تسمى تحية المسجد، وأورد فيها حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس )، وهو دال على ما ترجم له المصنف؛ من جهة الأمر، ومشروعية الصلاة فيه قبل أن يجلس الداخل فيه إذا كان يريد الجلوس، فإنه لا يجلس إلا وقد صلى ركعتين، وقد جاء في بعض الروايات: ( فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، نهياً عن الجلوس، إلا بعد أن يحصل منه أداء ركعتين، وهذا فيما إذا دخل في غير وقت إقامة الصلاة، وأما إذا كانت الصلاة مقامة فإنه يدخل في الصلاة، وهي تعتبر تحية المسجد.وقوله: (فليركع ركعتين)، لا مفهوم لهما من حيث الزيادة، فإن من أراد أن يزيد، وأن يصلي أكثر من ركعتين، يعني: يصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين إذا جاء في وقت مناسب فإنه لا بأس بذلك، وإنما المقصود هنا بيان الحدِّ الأدنى للصلاة، كذلك مفهومه أنه لا يصلي أقل من ركعتين، ولا يتنفل بركعة واحدة؛ لأن النوافل أقلها ركعتان، والركعة الواحدة إنما هي في الوتر التي هي آخر صلاة الليل .ثم إن إطلاق الحديث وعمومه يدل على أن الإنسان إذا دخل المسجد فإنه يصلي مطلقاً ولو كان في أوقات النهي؛ لأن عموم الحديث شامل لجميع الأوقات؛ لأنه قال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، يعني: في أي وقت، هذا مفهوم الحديث.وبعض العلماء قال: إن أوقات النهي لا يصلي فيها الإنسان تحية المسجد؛ أخذاً بما جاء في عموم النهي في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس )، وقالوا: إن هذا مخصوص بهذا، والعلماء اختلفوا: منهم من أخذ بما جاء في حديث أبي قتادة هذا من أن الإنسان يصلي، فأخذ بعمومه حتى في أوقات النهي، ومن العلماء من أخذ بعموم: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، وقال: إن هذا عام في جميع الصلوات، فلا يستثنى من ذلك إلا ما دل عليه دليل يدل على استثنائه، مثل صلاة الجنازة، وغيرها من الصلوات التي ورد فيها شيء يخصها، وأما ما عدا ذلك فإنه يكون باقياً على عمومه.والذي يظهر في المسألة أن الأمر في ذلك واسع، فمن دخل وصلى لا ينكر عليه، ومن دخل وجلس لا ينكر عليه؛ لأن عموم قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد) دليل عام يشمل جميع الأوقات، وقوله: (لا صلاة بعد العصر) دليل عام يشمل جميع الصلوات، ولا يخرج من ذلك شيء إلا ما استثني، والأمر كما ذكرت واسع، فلا ينكر على من جلس، ولا ينكر على من صلى.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا مالك ].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، وصاحب المذهب المعروف، أحد الأئمة المشهورين المعروفين بالفقه والحديث رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عامر بن عبد الله بن الزبير ].هو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن عمرو بن سليم ].هو عمرو بن سليم الأنصاري، وهو ثقة من كبار التابعين، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي قتادة ].وهو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه لغير الصلاة
شرح حديث كعب بن مالك في الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه لغير الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في الجلوس فيه والخروج منه لغير الصلاة.أخبرنا سليمان بن داود حدثنا ابن وهب عن يونس قال ابن شهاب: أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال: ( سمعت كعب بن مالك رضي الله عنه يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: وصَبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه؛ لقد أعطيت جدلاً، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب لترضى به عني ليوشك أن الله عز وجل يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت فمضيت.. ) مختصر ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه بغير صلاة، لما ذكر الترجمة السابقة، وهي الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عقبها بهذه الترجمة، وهي الترخيص في الجلوس والخروج منه بغير صلاة، يعني: هذه الترجمة تفيد بأن الحديث السابق الأمر فيه على الندب؛ وذلك لأن كعب بن مالك رضي الله عنه جاء ودخل وجلس، ثم خرج ومضى من المسجد، ولم يحصل منه صلاة، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في آخر الأمر، يعني: بعد غزوة تبوك، فهذا هو وجه إيراد النسائي الحديث بعد الحديث الذي قبله، وأن ذلك يكون محمولاً على الندب، ومحل الشاهد منه قوله: (فجئت حتى جلست بين يديه).وفي آخره قال: (فمضيت)، وهو محتمل لما ذكره النسائي من جهة أنه جلس ولم يصلي، ومحتمل بأن يكون صلى، ولكن احتمال أنه لم يصل أقرب، والحديث ذكره النسائي مختصراً، وهو في قصة تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك.قال عبد الله بن كعب : ( سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس ).قوله: (وصبح قادماً)، يعني: جاء في وقت الصباح قادماً من تبوك، وكان إذا جاء، أو إذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس؛ ليستقبلهم، وليسلموا عليه عند قدومه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا فيه دليل على استحباب البدء بالمسجد عند القدوم من السفر، وهذه من السنن التي هجرها الناس.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:42 PM
النبي يكل سرائر العباد إلى الله لأنه لا يعلم الغيب
قال كعب: (فلما فعل ذلك جاءه المخلفون).يعني جلس، وجاءه المخلفون الذين تخلفوا، وكانوا بضعة وثمانين، وجلهم من المنافقين، فجاءوا واعتذروا إليه، وقبل أعذارهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، وهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فلا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه؛ لأنه قبل منهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، فلو كان يعلم الغيب، وكان محيطاً بعلم الغيب لقال عندما جاءوا يعتذرون إليه: ليس الأمر كذلك، أنت كذا وأنت كذا، وأنت كذا وأنت كذا.. إلى آخره، ولكنه كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه: قبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، يعني: أخذ بظاهرهم وبكلامهم، ووكل ما في قلوبهم وما في نفوسهم إلى الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، والذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.وعلم الغيب على الإطلاق من خصائص الله عز وجل، لا يشارك الله عز وجل في علم الغيب أحد على الإطلاق، ولا يعلم أحد من الغيب إلا ما أطلعه الله عز وجل عليه، وما شاء الله عز وجل إخفاءه فإنه يكون خافياً ولا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، يقول الله عز وجل: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65].فالله تعالى هو الذي يعلم الغيب، ومن في السماوات والأرض لا يعلمون الغيب على الإطلاق، ولكن من شاء الله تعالى أن يطلعه على شيء من الغيب أطلعه عليه، ولهذا قال: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:26-27]، وقد جاء في القرآن الكريم أمر الله عز وجل له بأنه يقول: إنه لا يعلم الغيب: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50]، وقال: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]، فالرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في القرآن، وكما جاء في السنة لا يعلم الغيب، وإنما يعلم من الغيب ما أطلعه الله عز وجل عليه.وقد جاء في السنة النصوص الكثيرة الدالة على هذا، ومنها قصة الإفك، فـعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما رُميت بالإفك فإن الرسول ما كان يعلم الحقيقة، وما كان يدري عن الحقيقة والواقع، وقد جاء إلى عائشة وقال: ( يا عائشة إن كنت قد ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري )، فلو كان عنده علم بالغيب قبل أن يأتيه الوحي -لقال لما قيل له-: إن عائشة كذا وكذا، لقال: لا، أنا أعلم الغيب، وما حصل منها هذا الشيء، ولكنه بقي مدة، وقد حصل لها ما حصل من الألم والحزن والمرض والشدة، وكذلك حصل له من الحزن، ومن التأثر لما رميت به عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولو كان يعلم الغيب ما حصل شيء من ذلك، ولكنه انتظر حتى نزل الوحي، ونزلت آيات تتلى في سورة النور في براءتها.ومن ذلك أيضاً ما حصل في بعض الأسفار، وذلك عندما فرض التيمم، وعندما شرع للناس أن يتيمموا إذا لم يوجد الماء، فإنها فقدت عقداً لها، وجلسوا في انتظاره، وذهب الناس يبحثون عنه، وجلسوا ليس معهم ماء، حتى تأثروا وتألموا من ذلك الجلوس، وجاء أبو بكر مغضباً على عائشة التي كانت سبباً في هذا الجلوس، ثم إنهم ما وجدوا العقد، وأرادوا أن يذهبوا، وقد فقدوه، فلما أثاروا الإبل وإذا العقد تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب لأخرج العقد من أول وهلة، ولم يحتج الأمر إلى أن يبحثوا ويجلسوا هذه المدة؛ ليطلبوا هذا العقد الذي فقدته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.فنصوص الكتاب والسنة متظافرة على عدم علم الرسول صلى الله عليه وسلم للغيب إلا ما أطلعه الله عز وجل عليه، وليس هذا نقصاً في حقه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن الكمال المطلق هو لله عز وجل الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأما الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فقد أكرمه الله بما أكرمه به من الوحي، وأكرمه بما أكرمه به، ثم أطلعه على الأمور المغيبة، لكن ليس مطلعاً على كل غيب، وليس في ذلك نقص في حقه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالرسول هو أكمل الناس، والكمال الإنساني، له منه الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر عليه أفضل الصلاة والسلام .ومن الأمور التي لا يعلمها قيام الساعة، وعلمها عند الله عز وجل، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة على نفي علمه بها، وإضافة علمها إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث الذي معنا هو من هذا القبيل، أو من هذه الأدلة، ومن جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على عدم علمه بالمغيبات إلا ما أطلعه الله عز وجل عليه عليه الصلاة والسلام.قول كعب رضي الله عنه: ( فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك، ألم تكن ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله !).
موقف النبي من كعب بن مالك وعاقبة صدقه معه
(فلما جئت تبسم تبسم المغضب)، يعني: لما رآه رسول الله عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب، وكان قد علم بتخلفه، وكان قد فقده وهو في تبوك؛ لأنه سأل عنه، وقال: ( أين كعب بن مالك ؟) فلم يجدوه، ولم يكن في الجيش، ولما جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تبسم النبي تبسم المغضب، يعني: تبسم تبسماً، ولكن يظهر منه الغضب عليه الصلاة والسلام، فقال: تعال، فجاء وجلس بين يديه، فقال: ( ما خلفك؟ أما ابتعت ظهرك )، ابتعت، يعني: أما اشتريت ظهراً؟ يعني: بعيراً تركبه.( فقلت: يا رسول الله! إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه، ولقد أعطيت جدلاً، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب لترضى به عني ليوشك أن الله عز وجل يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله ).ثم تكلم بهذا الكلام البليغ العظيم، فقال: إني لو جلست بين يدي أحد من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه، وقد أوتيت جدلاً، يعني: في الكلام، والحديث، والبلاغة، والفصاحة، يقول: لو كان غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه، وأني أجد من المعاذير وأجد من الكلام اللين البليغ ما يجعله يقبل مني ويرضى عني، ولكن أنت تختلف عن أهل الدنيا، فأنا لو حدثتك بحديث أكون فيه كاذباً يسخطك الله علي؛ لأنه سينزل عليه الوحي بخلاف ما يقول الكاذب، ولئن حدثتك حديث صدق أرجو به عفو الله عز وجل، يعني: ولكني أحدثك بحديث صدق أرجو به عفو الله، فهو بين أنه لا يعتذر بحديث خلاف الواقع فيكون كاذباً، ولو كان غيره من أهل الدنيا لتمكن من أن يخرج من سخطه بما أوتيه من بلاغة وفصاحة وبيان، ولهذا قال: وقد أوتيت جدلاً، ولكنه لجأ إلى الصدق، واعتمد على الصدق، وأتى بالصدق، ولهذا مهد بهذا التمهيد، ثم قال بعد ذلك: والله ما كنت أقوى، ولا أيسر مني، أي: ما كنت أقوى في الجسد، ولا في قوة المال، ولا في اليسر -يعني: يسر المال- مني في تلك الغزوة، يعني: ليس هناك مانع يمنعه ويعتذر به؛ لأنه كان قوياً، وكان موسراً، ولم يكن أقوى ولا أيسر منه في تلك الحال، ولكن الذي حصل أنه كان كل يوم سيخرج، ثم سيخرج، وحصل التراخي، ثم انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه، كما جاء ذلك مبيناً في بعض الروايات المطولة في الصحيحين وفي غيرهما.( ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله )، يعني: تجد في نفسك علي فيه شيئاً، أرجو عفو الله عز وجل ومغفرته؛ لأنه صدق فيما قال، وتكلم بالصدق، وأتى بالصدق، ولم يلجأ إلى غيره، ولم يحصل منه غيره رضي الله تعالى عنه وأرضاه.(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت فمضيت ).هذه محل الشاهد من إيراد الحديث، وهو مختصر، والحديث مطول، قد جاء في البخاري ومسلم وفي غيرهما في حديث طويل، فيه قصته من أولها إلى آخرها، وقد ذكرها الله عز وجل في القرآن حيث أشار إليه وإلى صاحبيه، وهما هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة، قال الله عز وجل بعد أن قال: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ [التوبة:117] قال في الآية التي بعدها: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]، وهم: كعب بن مالك وصاحبيه: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118].ثم إن الله عز وجل أمر المؤمنين عموماً بأن يكونوا مع الصادقين، وذلك لما ذكر ما نجاهم به بسبب الصدق، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، هذه الآية مباشرة جاءت بعد قصة الثلاثة، وتوبة الثلاثة وصدقهم، وأن الله تعالى نجاهم بالصدق، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والصادقون هم أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأنهم هم الذين ذكر الله صدقهم، وهم الذين أثنى عليهم، وعفا عنهم، وتجاوز عنهم، وتاب عليهم، وقال عقب ما ذكره عنهم، وأنهم صادقون فيما يقولون، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، يعني: كونوا مع أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى نهج أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أثنى الله على المهاجرين بالصدق في سورة الحشر، قال: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، فالصادقون هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، وفي هذا دليل على فضل الصدق، وعلى عواقبه الطيبة، ونتائجه الحميدة، فإن هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا، والذين ما تكلموا إلا بالصدق نجاهم الله تعالى بصدقهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
تراجم رجال إسناد حديث كعب بن مالك في الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه لغير الصلاة
قوله: [ أخبرنا سليمان بن داود ].وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي .[ حدثنا ابن وهب ].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن يونس ].وهو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ قال ابن شهاب ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره كثيراً، من الفقهاء المحدثين، ومن المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك ].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أن عبد الله بن كعب ].وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي.[ سمعت كعب بن مالك ].وهو الأنصاري السلمي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
صلاة الذي يمر على المسجد
شرح حديث أبي سعيد بن المعلى: (كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله فنمر على المسجد فنصلي فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ صلاة الذي يمر على المسجد.أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين حدثنا شعيب حدثنا الليث حدثنا خالد عن ابن أبي هلال أخبرني مروان بن عثمان : أن عبيد بن حنين أخبره عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: ( كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنمر على المسجد فنصلي فيه ) ].هنا أورد النسائي صلاة الذي يمر على المسجد، يعني: كون الإنسان يمر بمسجد ثم يدخل ويصلي فيه، ولم يكن قاصداً ذلك من بيته، هذا هو المقصود من الترجمة، ولا شك أن من دخل المسجد وصلى فيه فهو على خير، ولكن إذا كان خرج من منزله بقصد ذلك فلا شك أن هذا أعظم أجراً وأكمل وأفضل.ومن المعلوم أن الإنسان إذا خرج إلى المسجد، فخطواته في ذهابه وإيابه إلى المسجد يؤجر عليها، فإذا خرج إلى السوق، وقصده من الخروج هو السوق، ولكنه مر بمسجد فدخل وصلى، فإنه مأجور لكن أجره ليس مثل من خرج من بيته يريد المسجد، ويكون قاصداً للمسجد، وسواء كان ذلك في الفرض أو النفل، فالإنسان الذي يكون في بيته، ويخرج من بيته ذاهباً إلى المسجد، ليس مثل الذي يكون في السوق، ثم يأتي وقت الصلاة فيدخل المسجد، فإن هذا خرج من بيته، كل خطوة يرفع له بها درجة ويحط بها عنه خطيئة، ذاهباً وآيباً، أما إذا ذهب إلى السوق فإنه لا يحصل له هذا الأجر، ولكنه إذا جاء وقت الصلاة، ودخل وصلى أدى ما عليه من الفرض، كذلك لو مر به ودخل وصلى نافلة، فإنه مأجور على ما حصل.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد بن المعلى: (كنا نغدو إلى السوق على عهد رسول الله فنمر على المسجد فنصلي فيه)
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين ].وهو الفقيه، الثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وهذا كما ذكرت سابقاً؛ أن التلميذ إذا أراد أن ينسب شيخه ينسبه كما يريد؛ يطول في نسبه أو يقصر؛ لأن الكلام كلامه، ولكن من دونه لا يزيد في نسب شيخ شيخه أكثر مما ذكره شيخه، أو كان فوق ذلك، وإنما إذا أراد أن يزيد شيئاً يوضح ويأتي بـ(هو)، أو بـ(هو ابن فلان)، أو ما إلى ذلك، وهنا النسائي نسبه، فقال: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين، فأطال في نسبه.[ حدثنا شعيب ].وهو شعيب بن الليث، يروي عن أبيه الليث بن سعد، وهو ثقة، نبيل، فقيه، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهو في طبقة شعيب بن أبي حمزة، إلا أنه إذا جاء شعيب يروي عن الليث، فالمراد به ابنه، وهو من رواية الأبناء عن الآباء.[ حدثنا الليث ].وهو الليث بن سعد المصري، الثقة، الفقيه، المحدث، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا خالد ].خالد بن يزيد المصري الجمحي، وهو ثقة، فقيه، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن أبي هلال ].وهو سعيد بن أبي هلال الليثي، صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني مروان بن عثمان ].وهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد، وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي .[ أن عبيد بن حنين أخبره ].وهو ثقة، قليل الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سعيد بن المعلى ].هو أبو سعيد بن المعلى الأنصاري، واسمه رافع، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .وإسناد الحديث ضعيف؛ لأن فيه مروان بن عثمان بن أبي سعيد، وهو ضعيف، ولكن كما هو معلوم أن الإنسان إذا دخل المسجد فصلى، سواء كان قاصداً الصلاة من بيته، أو من غير بيته فلا شك أنه مأجور على صلاته، ومثاب على صلاته.
الأسئلة
علامة محبة الله للعبد
السؤال: ما هي علامة محبة الرب للعبد؟الجواب: علامة محبة الرب للعبد أن يكون ملتزماً، وأن يكون واقفاً عند حدود الله عز وجل، والله عز وجل قال في كتابه العزيز: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، فعلامة المحبة المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والسير على نهج الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا هو الذي يرضاه الله تعالى ويحبه، والإنسان إذا اتبع محمداً عليه الصلاة والسلام فقد أخذ بسبب المحبة، وظفر بمحبة الله عز وجل، وهي متابعة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قال بعض السلف: إن هذه الآية تسمى آية الامتحان؛ لأن من ادعى محبة الله ورسوله فعليه أن يقيم البينة، والبينة هي المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: الدعاوى لابد من بينات عليها، فكما أن أمور الدنيا ما تنفع إلا ببينة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه )، وهنا كذلك لابد من البينة على من يدعي محبة الله ورسوله، وهي أن يتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، أما أن يدعي المحبة بمجرد الكلام، والتشدق بالكلام، وأفعاله تناقض ما كان عليه هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام فإن هذه دعوى كاذبة وغير صادقة؛ لأن المحب يطيع من يحب، ومن أحب الله ورسوله فعليه أن يطيع الله ورسوله.
الواجب على من وجد لقطة في الحرم المكي
السؤال: أنا جئت زائراً لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدت ابنتي في الشارع سلسلة ذهب صغيرة، وزنها ثلاثة جرامات تقريباً، يقول: وأتت بها لي، فماذا أعمل؟الجواب: الذي يناسب إذا لم يتمكن من تعريفها أنه يتصدق بها عن صاحبها.
الواجب على من أقيمت الصلاة وهو في أثناء تحية المسجد
السؤال: كيف يصنع الذي دخل المسجد فشرع في تأدية ركعتي المسجد، وأقيمت الصلاة في أثناء ذلك؟الجواب: إذا كان في أول الصلاة فإنه يقطعها، وأما إذا كان في آخرها فإنه يتمها خفيفة.
الاكتفاء بالوتر عن تحية المسجد
السؤال: هل يغني الوتر عن تحية المسجد؟الجواب: الوتر هو آخر صلاة الليل؛ ركعة يأتي بها في آخر صلاة الليل، ولكنه إذا دخل مسجد، وكان لم يوتر، وأراد أن يوتر فإن كونه يصلي ركعتين ثم بعدها ركعة يمكن أن تقوم مقام تحية المسجد، مثل النافلة؛ مثل سنة الفجر، وكذلك سنة الظهر، فالإنسان إذا دخل المسجد فإن ركعتي الفجر تغني عن تحية المسجد؛ لأنه يكون العمل لهما جميعاً؛ لأنه ما جلس حتى صلى ركعتين، وقد صلى ركعتي الراتبة، فالراتبة إذا صلاها لا يحتاج أن يصلي راتبة ويصلي تحية المسجد، بل تتداخل، يعني: يغني بعضها عن بعض، بمعنى أنه يجزئ بعضها عن بعض.
حمل قول كعب: (فلما سلمت) على التسليم من الصلاة
السؤال: هل يمكن أن يقال: أن قول كعب بن مالك : (فلما سلمت)، أي: من صلاة تحية المسجد؟الجواب: لا، فلما سلم، يعني: قال: السلام عليك يا رسول الله! هذا هو المقصود، فلفظ الحديث لم يقل: إنه دخل وصلى فلما سلم؛ لأنه قال: ( فجئت حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك؟ فلما سلمت تبسم )، يعني: لما سلم عليه تبسم.مداخلة: هل ما يدل على أن التسليم هو التسليم من الصلاة قوله صلى الله عليه وسلم لـكعب: تعال، أي: أنه كان بعيداً عنه؟الشيخ: لا، كما هو معلوم أن الناس جالسون حوله ومحيطون به، وهو جاء وسلم قائماً، فقال له: تعال، يعني: اقرب، فبدلاً من أن يكون في آخر الحلقة يأتي إلى أول الحلقة.
اعتبار الكلام في المهد من علم الغيب
السؤال: هل يعتبر حديث الثلاثة الذين تكلموا في المهد، وقول الصبي لأمه: (اللهم لا تجعلني مثله ..) هل يعتبر هذا من قبيل من أطلعهم الله على الغيب في بعض الأمور؟الجواب: هذا من الإلهام.
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:45 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(135)
- (باب الترغيب في الجلوس في المسجد) إلى (باب الصلاة على الحصير)
حثت السنة المباركة على المسارعة إلى الخيرات واغتنام الأماكن الفاضلة، ومنها المساجد التي ينبغي للإنسان أن يجعل قلبه مشغولاً بها، وكلما خرج منها أو فارقها حن إليها، ومن خصيصة هذه الأمة أن جعلت الأرض لها مسجداً وطهوراً، واستثني منها معاطن الإبل، ولا بأس للإنسان أن يصلي على حصير أو على شيء يحول بينه وبين الأرض.
الترغيب في الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة
شرح حديث: (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الترغيب في الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة .أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)].هنا أوردالنسائي رحمه الله: باب الترغيب في الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة.هذه الترجمة معقودة لبيان: أن الجلوس في المسجد، وذكر الله عز وجل فيه، وانتظار الصلاة بعد الصلاة أمر مرغب فيه، وفيه أجر عظيم، وثواب جزيل من الله سبحانه وتعالى، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ).وقوله: (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه)، هذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا؛ وذلك أن: جلوس الإنسان في المكان الذي صلى فيه، وذكره لله عز وجل، وانتظاره الصلاة أن ذلك يكتب له حسنات، والملائكة تدعو له، وتستغفر له، وتطلب من الله الرحمة له والمغفرة، وهذا يدل على فضل هذا العمل، وقد جاء في الأحاديث الأخرى، ومنها حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل قلبه معلق في المساجد)؛ لأنه مشغول في المسجد، واهتمامه بالبقاء في المسجد، والذهاب إلى المسجد، فكأنه معلق بالمسجد من شدة ارتباطه به، وحرصه على الجلوس فيه، وإذا خرج منه فهو يفكر في العودة إليه والرجوع إليه.وقوله: (إن الملائكة تصلي على أحدكم)، يعني: تدعو له، وتطلب له الرحمة والمغفرة، وهذا هو معنى صلاة الملائكة؛ لأن صلاة الملائكة معناها: الدعاء للذي تصلي عليه، ولهذا جاء مفسراً بنفس الحديث بيان مراد الصلاة، وأنها تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فهذا هو معنى صلاتها عليه، فصلاة الملائكة على العباد الاستغفار والدعاء لهم، وهذا دليل على محبة هذا العمل إلى الله عز وجل، وأنه محبوب له سبحانه وتعالى، ولهذا فإن الملائكة تدعو لمن حصل منه ذلك، وفيه ترغيب لهذا العمل، وحث على إيجاده وعلى حصوله. وقوله: (في مصلاه الذي صلى فيه)، المصلى يحتمل أن يكون المكان الذي حصلت منه الصلاة فيه، ويحتمل أن يكون المقصود من ذلك عموم المسجد، وأنه هو المصلى الذي يصلي فيه الناس، ولا شك أن البقاء في المكان الذي صلى فيه الإنسان، والاستمرار فيه، أو الذهاب إلى مكان أقرب، أو إذا كان في صف متأخر، ثم بعدما فرغت الصلاة ذهب للصف الأول، فإن هذا يرجى له هذا الخير، وكذلك يرجى الخير لمن كان في أي مكان في المسجد، لكن إذا كان بقي في مصلاه فهو أولى.قوله: (ما لم يحدث)، قيل: المراد به: ما لم يحصل منه حدث، الذي هو انتقاض الوضوء، وقيل: إن المراد بالإحداث هو حصول أمر سيئ، أو أمر محرم، أو إيذاء لأحد كما جاء في الحديث الذي بعده.وفيه أيضاً التحذير من إيذاء الناس، ومن حصول الأمور التي لا تصلح، وحصول الأمور المنكرة في المسجد من الإنسان، وكذلك أيضاً الترغيب في أن يبقى الإنسان على طهارة؛ لأنه إذا كان على طهارة، فإنه يتمكن من أن يقرأ القرآن في المصحف إذا شاء، وكذلك أيضاً يتمكن من الصلاة على جنازة لو جاءت جنازة يصلي عليها، بخلاف المحدث الذي على غير طهارة، فإنه لا يتمكن من القراءة في المصحف، ولا يتمكن أيضاً من الصلاة؛ لأن صلاة الجنازة تحتاج إلى طهارة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن مالك ].هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، والإمام المشهور، وصاحب المذهب المعروف، وأحد المذاهب الأربعة التي هي من مذاهب أهل السنة، وقد حصل لهذه المذاهب الأربعة الظهور والانتشار والبقاء؛ لأن هؤلاء لهم أصحاب عنوا بجمع فقههم وتنظيمه وتدوينه والعناية به، فصار لهم شهرة لم تحصل لغيرهم، ومن المعلوم أن في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة أجلة، ومحدثون وفقهاء، وأهل علم، وأهل اجتهاد، ولكنه ما حصل لهؤلاء مثلما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة من وجود أصحاب وأتباع يعنون بفقههم بجمعه وتدوينه وتنظيمه والعناية به، وحديث مالك بن أنس رحمة الله عليه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي الزناد ].هو: عبد الله بن ذكوان المدني، كنيته أبو عبد الرحمن، وهو مشهور بـأبي الزناد، ويقال: أن أبا الزناد لقب، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأعرج ].هو: عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعرج لقب اشتهر به عبد الرحمن بن هرمز، وقد ذكرت -مراراً وتكراراً- أن معرفة ألقاب المحدثين لها أهمية، وتظهر هذه الأهمية بأن لا يظن أن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف أن الأعرج لقب لـعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص، وأن عبد الرحمن بن هرمز شخص آخر، ولكن من عرف هذا لا يلتبس عليه الأمر، ولا يحصل له الالتباس، وإنما يعرف أنه إن جاء الأعرج في إسناد، أو جاء عبد الرحمن بن هرمز في إسناد، فهو شخص واحد، ولكن ذكر مرة باسمه، وذكر مرة بلقبه.[ عن أبي هريرة ].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، فإنه لم يرو صحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما روى أبو هريرة في كثرة الأحاديث رضي الله تعالى عنه.
حديث: (من كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا بكر بن مضر عن عياش بن عقبة أن يحيى بن ميمون حدثه، قال: سمعت سهلاً الساعدي رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة ) ].أورد النسائي رحمه الله حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة )، وهذا فيه حث على الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة، وأن في ذلك الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله؛ لأن الإنسان في صلاة ما دام أنه في المسجد ينتظر الصلاة، ففيه ما ترجم له المصنف من حصول الترغيب في المسجد، وانتظار الصلاة.قوله: [ أخبرنا قتيبة ].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[ حدثنا بكر بن مضر ].هو المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[ عن عياش بن عقبة ].هو الحضرمي، وهو صدوق، وخرج له أبو داود، والنسائي .[ أن يحيى بن ميمون حدثه].هو الحضرمي، وهو صدوق أيضاً، وخرج له أبو داود، والنسائي .[ سمعت سهلاً بن سعد ].هو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو العباس، ويقال: إن المعروفين بالتكنية بأبي العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان، وهما: سهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسهل بن سعد الساعدي حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أعطان الإبل
شرح حديث: (إن رسول الله نهى عن الصلاة في أعطان الإبل)
قال المصنف رحمه الله تعالى [ باب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن أشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل ) ].ثم أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب النهي عن الصلاة في أعطان الإبل.أعطان الإبل هي: أماكن بروكها قريباً من الماء، يعني: عندما تشرب، ثم تبرك، ثم ترجع وتشرب، فهذه يقال لها أعطان، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة فيها، لكن ليس ذلك لنجاستها؛ لأنه علم أن أبوال الإبل، وأرواثها طاهرة من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن بشرب أبوالها للاستشفاء، وذلك في قصة العرنيين الذين نزلوا المدينة، ثم أصابهم الوباء، فأمرهم أن يخرجوا إلى إبل له عليه الصلاة والسلام، ويشربوا من أبوالها وألبانها؛ حتى صحوا وحصل لهم الشفاء، وحصل ما حصل منهم كما جاء مبيناً في الحديث، فإذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بشرب أبوالها، فذلك يدل على طهارة أبوالها، وكذلك أيضاً إدخال الرسول صلى الله عليه وسلم البعير ليطوف عليه في المسجد الحرام، فإنه يدل على ذلك، وهنا النهي عن الصلاة في أعطان الإبل لعل ذلك لشدة نفارها، وأنها قد تزعج الإنسان، وقد يحصل له ضرر عندما يصلي في تلك الأماكن التي يحصل عليه فيها تشويش، ويحصل مضرة.ولهذا أورد النسائي بعد ذلك الرخصة في الصلاة فيها؛ أخذاً من عموم الحديث الذي ورد بأن الأرض كلها مسجد، وأن الإنسان يصلي في أي مكان إلا ما جاء فيه نص يخصه لكونه نجساً أو لأمر خاص، وهنا نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الصلاة، فيبتعد عنها، لكن لو حصلت الصلاة في ذلك المكان، فإن الصلاة صحيحة؛ لأن الأرض طاهرة وليست بنجسة، وإنما لعل المحذور في ذلك ما فيها من النفار، ومن الشدة التي قد تلحق بالإنسان ضرراً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم وأبوال الغنم، وأبوال الإبل كلها طاهرة، ولكن الفرق بين الاثنين هو: ما في الإبل من النفار والشدة، والتشويش على الإنسان، بخلاف الغنم فإن أمرها هين، ولا يحصل منها ما يحصل من الإبل.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله نهى عن الصلاة في أعطان الإبل)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].هو الفلاس المحدث، الناقد، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الرجال في الجرح والتعديل، يقال: قال الفلاس كذا، والفلاس هو عمرو بن علي هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، والمعروف كلامه كثيراً في الجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أشعث ].وأشعث هذا يحتمل أن يكون: أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني البصري، ويحتمل أن يكون: أشعث بن عبد الملك الحمراني البصري ؛ لأن كلاً من هذين روى عن الحسن البصري، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان، وكل منهما من البصرة، ويحيى بن القطان والحسن البصري من أهل البصرة، فيحتمل هذا ويحتمل هذا، وأشعث بن عبد الله بن جابر هذا صدوق، وخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.وأشعث بن عبد الملك الحمراني ثقة، وخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، وسواء كان هذا أو هذا، فإن كلاً منهما يحتج بحديثه، ويعتمد على حديثه؛ لأن أحدهما صدوق، والثاني ثقة، والأمر -كما قلت- محتمل لهذا ولهذا، وسواء كان هذا أو هذا، فإن الإسناد صحيح، والإسناد يعتمد عليه ويعتد به .[عن الحسن ].هو الحسن بن أبي الحسن البصري، المحدث، الفقيه المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الله بن مغفل ].هو عبد الله بن مغفل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الرخصة في الصلاة على أعطان الإبل
شرح حديث: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في ذلك.أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان حدثنا هشيم حدثنا سيار عن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلى ) ].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة: باب الرخصة في ذلك.يعني: الصلاة في أعطان الإبل، فيكون على هذا: النهي محمول على الكراهة، ويحتمل أن يكون محمولاً على التحريم، وأن يكون هذا العموم الذي جاء في حديث جابر مخصص منه معاطن الإبل، وإن لم تكن لنجاستها، لكن لما يترتب عليها من المفاسد، ولما يترتب عليها من مضرة نهي عن ذلك، والصلاة إذا وجدت على هذا تكون صحيحة، ولكن على القول بأنه للتحريم فإنه يحصل الإثم وإن صحت الصلاة، وأما على كونه للتنزيه، فإنه لا يحصل إثم، والصلاة بكل حال صحيحة.وحديث جابر هذا هو قطعة من الحديث الذي فيه: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي)، وفيه هذه الخصلة التي هي جعل الأرض كلها له ولأمته مسجداً، وأن الصلاة أينما تدرك إنساناً، فإنه عنده مسجده وطهوره؛ يعني: يصلي في أي مكان، فـالنسائي أخذ بعموم الحديث، لكن ما ذكره يحتمل أن يكون هذا العموم مخصص، أو استثني منه هذا الذي جاء في حديث أعطان الإبل، وأنه لا يصلى فيها . قوله: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أينما أدرك رجل من أمتي الصلاة صلى)، هذه خصيصة من خصائص هذه الأمة التي أكرم الله تعالى بها هذه الأمة، وأكرم نبيها بأن جعلها من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وقوله: (رجل) في الحديث لا مفهوم له، فالمرأة كذلك؛ لأن المرأة أيضاً إذا أدركتها الصلاة فإنها تصلي، وليس هذا من الأحكام الخاصة بالرجال، وإنما هو عام للرجال والنساء، ولكن جاء ذكر الرجل أو ذكر الرجال؛ لأن غالباً الحديث معهم والكلام معهم، وإلا فإنه لا مفهوم له من حيث أن المرأة بخلاف ذلك، بل لا فرق بين الرجل والمرأة، وهذا من جنس حديث: ( لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه )، وكذلك المرأة التي تصوم الخميس أو الإثنين إذا وافق يوم ثلاثين فإنها تفعل كما يفعل الرجل؛ لأن ذكر الرجل ليس له مفهوم، وإنما جاء لكونه غالب الخطاب يكون مع الرجال، فهذا هو السبب في ذكر الرجل، لا أن هذا حكم يخص الرجال وأن النساء بخلافه، بل الحكم عام شامل للرجال والنساء.
تراجم رجال إسناد حديث: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً...)
قوله: [ أخبرنا الحسن بن إسماعيل بن سليمان ].هو المصيصي، وهو ثقة، وخرج له النسائي .[ حدثنا هشيم ].هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، وكثير التدليس والإرسال الخفي، والفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، يعني: يروي عن شيخ من شيوخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع، كعن أو قال، أما الإرسال الخفي فهو أن يروي عمن عاصره ولم يلقه؛ لأن هذا يعتبر إرسالاً خفياً؛ لأنه ليس من شيوخه، وهو ممن عاصره، ولكنه لم يلقه، فهو إرسال خفي، بخلاف إذا روى عمن لم يعاصره، فإن هذا هو الإرسال الواضح، فـهشيم بن بشير قال عنه الحافظ في التقريب: إنه كثير التدليس والإرسال الخفي، وهذا على اعتبار أن المرسل بالمعنى العام الذي هو ليس مشهوراً عند المحدثين، وأما المشهور عند المحدثين: المرسل ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فهذا هو المرسل الذي اشتهر عند المحدثين، لكن عند الفقهاء، وكذلك أيضاً هو في استعمال المحدثين أنه كون الإنسان يروي عمن لم يدركه أو لم يلقه، يعني: إذا كان مدركاً له ومعاصراً له، فيكون فيه انقطاع .وحديث هشيم عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا سيار ].هو أبو الحكم العنزي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن يزيد الفقير ].هو يزيد بن صهيب الكوفي، ويقال له: الفقير لأنه كان يشكو فقار ظهره، وهذه من النسب التي لغير ما يتبادر إلى الذهن؛ لأن الذي يتبادر إلى الذهن من كلمة الفقير؛ أي: فقير المال، لكن كونه يشكو فقار ظهره فقيل له: الفقير فهذه نسبة ليست مما يسبق إلى الذهن، بل هي بعيدة من السبق إلى الذهن، وإنما الذي يسبق إلى الذهن نسبة الفقر فقر المال، هذا هو القريب في المعنى الذي يسبق إلى الذهن عندما يأتي إطلاق مثل هذا اللفظ، ومثل هذا: خالد الحذاء، فالحذاء الذي يسبق إلى الذهن كونه يصنع الأحذية أو يبيعها، ولكن كونه يأتي ويجالس الحذائين، ويقال له: الحذاء؛ بسبب مجالسته الحذائين، فهذه لا تسبق إلى الذهن، ويزيد بن صهيب الفقير ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أو الترمذي .[ عن جابر بن عبد الله ].رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـجابر رضي الله عنه هو أحد هؤلاء السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الصلاة على الحصير
شرح حديث أم سليم في صلاة النبي في بيتها على الحصير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الصلاة على الحصير.أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا أبي حدثنا يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن أم سليم رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيها فيصلي في بيتها فتتخذه مصلى، فأتاها، فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلى عليه، وصلوا معه ) ].هنا أورد النسائي رحمة الله هذه الترجمة وهي: باب الصلاة على الحصير.يعني: كون الإنسان يصلي وبينه وبين الأرض حاجز أو ساتر، مثل الحصير، فلا بأس بذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى على هذا الحائل الذي بينه وبين الأرض وهو الحصير، والحصير هو: الذي يتخذ من خوص النخل، وأورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن أم سليم -وهي أم أنس بن مالك - طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليها في منزلها، وأن يصلي في مكان في منزلها حتى تتخذ هذا المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلى لها تصلي فيه، وتجعله موضعاً للصلاة إذا أرادت أن تصلي، فجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخذت حصيراً له، فنضحته بالماء، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصلوا معه .وهذا يدل على ما ترجم له النسائي من حيث الصلاة على الحصير، أو الصلاة على حائل بينه وبين الأرض، وأن ذلك لا بأس، ومثله السجادة وغير السجادة، أو أي شيء يكون بين المصلي وبين الأرض، فإن ذلك سائغ وجائز، ولا بأس به، وقد فعل ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأنه لا يلزم أن تكون الصلاة على الأرض مباشرة وبدون حائل، بل يمكن أن تكون بحائل كالحصير، كما في هذا الحديث الذي معنا، حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.وهذا النضح الذي حصل قيل: إما أنه لتليينه، أو أنه لتنظيفه، يعني: مما علقه من أوساخ أو شيء مما حصل، فتريد أن يكون نظيفاً يصلي عليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في صلاة النبي في بيتها على الحصير
قوله: [ أخبرنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي ].وهو: ثقة ربما أخطأ، وأخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.أما أبوه يحيى بن سعيد الأموي فهو صدوق يغرب، وأخرج له أصحاب الكتب الستة كلهم. [ حدثنا يحيى بن سعيد ].هو الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو ثقة، حجة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهو يروي عن عمه أنس بن مالك ؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أبو طلحة هو زوج أم سليم، فقد ولدت أم سليم لـأبي طلحة عبد الله، فإسحاق يروي عن عمه لأمه، أي: عمه أخي أبيه لأمه، وهو ثقة حجة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس بن مالك ].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الأسئلة
حكم استجلاب خادمة من بلد آخر وسفرها بدون محرم
السؤال: أمي امرأة عمرها خمسون سنة، وأبي متوفى عنها، وهي ليس لها قدرة على أعمال البيت، وهي تريد خادمة من إندونيسيا، وكما تعلم يا شيخ! أن مجيء الخادمة من بلدها بدون محرم لا يجوز، فبماذا تشير علي؟الجواب: أولاً: التي عمرها في الخمسين إذا كان ما حصل لها أمراض، ولا حصل لها كذا، فلا يقال لها: كبيرة، فهي تستطيع أن تخدم نفسها، ثم قضية التوسع في استقدام الخدم فيه محاذير كثيرة، فمنها: المجيء بدون محرم، ومنها ما نسمع كثيراً من المشاكل، والبلاء الذي يحصل هو بسبب هذا التوسع، وما لم يظهر أكثر وهو خفي لا ينشر ولا يذكر، فكون الإنسان يستغني عن استقدام الخدم، فهذا هو الذي ينبغي، وإذا احتاج إلى ذلك يبحث عن أحد موجود في البلد لا تحتاج إلى سفر، ولا تحتاج إلى محرم، وإنما تأتي وتذهب، وإذا كان أيضاً اضطر ولم يجد، فيمكن أن يأتي بامرأة مع زوجها، بحيث تكون معه ويكون معها، ويكون أدعى إلى السلامة والبعد عن الريبة والمحذور.ومن المعلوم أن الاحتكاك والاختلاط بين الرجال والنساء الأجانب بعضهم من بعض لا شك أن فيه محاذير، والشيطان -كما هو معلوم- عدو الإنسان، (وما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما)، وقد تحصل الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية إذا ذهب أهل البيت ولم يبق إلا صاحب البيت، أو بعض أهل البيت، أو واحد من أهل البيت ليس صاحبه، ولكن بعض أولاده، فتكون حالة حضرها الشيطان، وإذا حضر الشيطان لا تسأل عن البلاء والشر، وإذا كان قد وجد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بسبب مثل هذا الاختلاط، فلا شك أن هذا يدل على خطورة الأمر، وقصة العسيف الذي يقول: ( إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنا بامرأته )؛ يعني: أجيراً يشتغل عنده، لكن بسبب هذا الاحتكاك حصل هذا الزنا والعياذ بالله، فنصيحتي أن الكل يحرص على الاستغناء عن الخدم، وإذا اضطر فليكن من داخل البلد؛ بحيث تأتي وتذهب، وتكون أيضاً بعيدة عن الرجال، وإذا كان أيضاً مضطر إلى الاستقدام، فليستقدمها ومعها زوجها؛ حتى يكون المحرم موجود، وحتى أيضاً تبيت معه ويبيت معها، ويحصل البعد من أن يقع الأمر المحرم.
عموم أجر البقاء في المسجد للإمام والمأموم
السؤال: هل الفضل الوارد في حديث أبي هريرة : ( الملائكة تصلي على أحدكم )، خاص بالمأموم أم يعم الإمام والمأموم؟الجواب: لا يخص أحداً، بل هو عام يشمل الإمام والمأموم.مدخلة: وهل تدخل المرأة في ذلك؟الشيخ: لا شك أنه كلما بقيت بعد الصلاة مدة تذكر الله، فهي على خير، لكن ليس معنى ذلك أنها تجلس في مصلاها تنتظر الصلاة وتهمل بيتها، لكنها إذا جلست بعد الصلاة فترة فهي على خير.
شبهة التشبهة بالرافضة في الصلاة على الحصير
السؤال: في وقتنا الحاضر أصبحت الصلاة على الحصير من علامات الرافضة الشيعة؟الجواب: الإنسان لا يحمل الحصير معه يأتي به المسجد يصلي عليه، لكنه إذا كان في بيته وصلى على الحصير فلا بأس أن يصلي على الحصير، أو على السجادة، أو على أي مكان، أما كونه يحضر معه حصيراً إلى المسجد يحمله بيده ثم يصلي عليه، فلا يفعل هذا في المسجد، سواء صلى على الفراش أو على البلاط، فكل ذلك يحصل به المطلوب.أما إذا كان هناك شيء يشغل فهذا ينبغي تجنبه، مثل: فراش سجادة يحملها معه وهي مزخرفة، فهذا ما يصلح، لكن إذا كان المسجد مفروشاً بشيء فيه نقش، صلى فيه فلا يؤثر.
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:53 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب المساجد
(136)
- (باب الصلاة على الخمرة) إلى (باب الصلاة على الحمار)
تنوعت صلوات النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان فقد كان يصلي على الخمرة وكان يصلي على المنبر تعليماً لغيره أمور الصلاة، وكذلك الصلاة على الدابة في السفر، وكل ذلك يدل على رفق الإسلام ورفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته.
الصلاة على الخمرة
شرح حديث: (إن رسول الله كان يصلي على الخمرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على الخُمرة.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة عن سليمان يعني الشيباني عن عبد الله بن شداد عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الخمرة ) ]. يقول النسائي رحمه الله: الصلاة على الخمرة، والخمرة هي: أخص من الحصير الذي ورد ذكره في الباب الذي قبل هذا؛ وذلك أن الحصير يطلق على ما يصلي عليه الإنسان، ويكون كافياً لمواضع أو أعضائه التي يسجد عليها من رجليه إلى وجهه، وأما الخمرة فقيل: إنها تتخذ على مقدار اليدين والوجه، يعني: ما يسجد عليه على مقدار يديه ووجهه، ثم أيضاً هي بالإضافة إلى كونها مأخوذة من الخوص، هي حصير في داخله خيوط، قيل: إنها سميت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بالسعف أو الخوص الذي نسجت معه، أي: مع تلك الخيوط، فقيل لها: خمرة؛ لأن الخيوط فيها مستورة مغطاة، وأصل مادة (الخاء والميم والراء) تفيد التغطية، ولهذا سميت الخمر خمراً؛ لأنها تغطي العقل وتحجبه، وكذلك سمي الخمار الذي تلبسه المرأة، وتغطي به رأسها ووجهها؛ فسمي خماراً لأنه يغطي الوجه والصدر، وكذلك أيضاً جاء في الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته دابته وهو محرم، قال: ( ولا تخمروا وجهه ) يعني: لا تغطوه، وكذلك تخمير الإناء، يعني: أنه يوضع عليه شيء يغطى به، فالمادة هي بمعنى التغطية والستر، والخمرة هنا اسم لهذا المقدار الذي يسجد عليه، ويكون كافياً لمقدار اليدين والوجه.والنسائي أورد في هذا حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الخمرة ) وهذا يدل كما دل عليه الذي قبله على الصلاة على ساتر، أو على حاجز يكون بين المصلي وبين الأرض، وأن ذلك سائغ وجائز، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه الذي هو الأسوة والقدوة لأمته عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يصلي على الخمرة)
قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].وهو البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، ويكنى بـأبي مسعود، يعني: كنيته توافق اسم أبيه، وقد ذكرت فيما مضى أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، فهذا نوع من أنواع علوم الحديث، وهذا من أمثلته، وكذلك الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو هو أبو عمرو، وكذلك هناد بن السري، هو أبو السري، فالكنية توافق اسم الأب، ومعرفة هذا النوع لها فائدة، وهذه الفائدة هي لدفع توهم التصحيف، فإن من يعرف، أو من لا يعرف أن إسماعيل بن مسعود هذا كنيته أبو مسعود، فلو رآه في بعض الأسانيد أو في بعض الطرق: أخبرنا إسماعيل أبو مسعود، يظن أن (أبو)، مصحفة عن (ابن)، وليس ذلك تصحيفاً، بل هذه كنية، والكنية توافق اسم الأب.[ عن خالد ].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وقد خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن شعبة ].شعبة هو ابن الحجاج، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف من أعلى صيغ التعديل، ومن أرفع صيغ التعديل، ولم يظفر بهذا اللقب إلا قليل جداً من المحدثين، منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وعدد قليل، فكل منهم أطلق عليه هذا الوصف، وقد جمع أحد المعاصرين وهو محمد الحبيب الشنقيطي في منظومة أسماء الذين وصفوا بأنهم أمراء المؤمنين في الحديث، فنظم قصيدة جمعهم فيها، وشعبة هذا من أشهرهم وأبرزهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.ومن الأمور التي يُنبه عليها عندما يذكر شعبة : أنه إذا روى عن المدلسين، فإن تدليسهم مأمون فيما إذا روى عنهم شعبة ؛ لأن شعبة معروف من عادته أنه لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما أمن تدليسهم فيه، فلا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعاً لهم -أي: مسموعاً لشيوخه- ولم يكن مدلساً، فهذه من الفوائد التي يُنبه عليها عندما يذكر شعبة، وأنه إذا كان راوياً عن مدلس، فإن رواية شيخه بالعنعنة لا تؤثر. [ عن سليمان ].سليمان يعني: الشيباني، وسليمان هو: ابن أبي سليمان أبو إسحاق الكوفي الشيباني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: [يعني: الشيباني] هذه القائل لها هو من دون شعبة ؛ لأن شعبة تلميذه، فعندما يذكر شيخه لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسبه كما شاء وكما أراد، ويطيل في نسبه ويقصر في نسبه، والكلام كلامه، وقد ذكرت فيما مضى أن النسائي رحمه الله أحياناً يذكر نسب بعض شيوخه، ويذكر خمسة أسماء أو ستة أسماء، وأحياناً يذكر نسب شيخ من شيوخه فيوصله إلى جده الصحابي، أو إلى جد من أجداد الصحابي، مع أن النسائي توفي في سنة (303هـ)، مع ذلك ينسب أحد شيوخه حتى يبلغ إلى جد من أجداده من أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.الحاصل: أن التلميذ لا يحتاج إلى أن يأتي بكلمة (هو) أو (يعني)، وإنما ينسبه كما شاء، ولكن من دون التلميذ إذا أراد أن يوضح هذا الذي ذكر في الإسناد ويحتاج الأمر فيه إلى توضيح، فإنه يأتي بالتوضيح ولكنه مسبوقاً بما يدل على أنه ليس من التلميذ، وهو كلمة (يعني) كما هنا، أو كلمة (هو ابن فلان) كما يأتي كثيراً في الأسانيد في كتب الحديث، وفي أسانيد الأحاديث يقال: هو ابن فلان، أو: يعني ابن فلان، أو: يعني الفلاني كما هنا؛ لأنه قال هنا: يعني، فكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، وقائل (يعني) هو من دون شعبة، وفاعل (يعني) شعبة، يعني: فيها ضمير مستتر، يعني: شعبة بقوله: سليمان، يعني: الشيباني، فكلمة (يعني) قائلها من دون شعبة، وفاعلها الضمير المستتر فيها يرجع إلى شعبة، يعني: فمن دون شعبة قال عن شعبة : إنه يعني الشيباني ؛ لأنه قال: يعني شعبة الشيباني في قوله: سليمان .وهذا موجود بكثرة في الصحيحين وفي غيرهما، وهذا من الأمانة، ومن الدقة في التعبير التي سلكها المحدثون، فقالوا: لو أنه قال: عن سليمان الشيباني بدون كلمة يعني، لفهم أن هذا كلام شعبة، وشعبة ما قال: الشيباني عندما أتى بهذا الإسناد، قال: سليمان فقط؛ لأنه لو جاءت بدون (يعني) لفهم أن هذا كلام شعبة، هو الذي قال: سليمان وقال: الشيباني، لكن لما جاءت كلمة (يعني)، علم أن شعبة ما قال إلا سليمان، وأن من دونه أراد أن يوضح هذا الشخص الذي هو سليمان، فأتى بكلمة تدل على أن الكلام كلام من دون شعبة، وأنه ليس كلام شعبة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الله بن شداد ].وهو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ميمونة ].هي ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهذا الإسناد الذي معنا، وهو: إسماعيل بن مسعود، وخالد بن الحارث، وشعبة، وسليمان الشيباني، وعبد الله بن شداد، وميمونة .. كل هؤلاء حديثهم عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي : إسماعيل بن مسعود، فإنه لم يخرج له إلا النسائي وحده.
الصلاة على المنبر
شرح حديث سهل بن سعد في الصلاة على المنبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على المنبر.أخبرنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن حدثني أبو حازم بن دينار أنه قال: ( إن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وقد امتروا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مم هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة - امرأة قد سماها سهل - أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأُرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها فوضعت هاهنا، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي فصلى عليها، وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ) ].أورد النسائي رحمه الله الصلاة على المنبر، يعني: أن ذلك سائغ وجائز عند الحاجة، وصلاة الإمام على مكان مرتفع كالمنبر لا بأس بذلك، وقد أورد فيه النسائي حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه الذي اشتمل في آخره على ما ترجم له المصنف، وهو قوله صلى الله عليه وسلم عندما صعد على المنبر وصلى عليه، قال: ( إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي )، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وكانت صلاته عليه أنه وقف على المنبر وكبر فدخل في الصلاة، ثم ركع، ثم قام من ركوعه وهو على المنبر، ثم لما أراد السجود نزل القهقرى، يعني: من الخلف ينزل درجة درجة، حتى صار في أصل المنبر فسجد، ولما فرغ من السجود رجع عليه الصلاة والسلام ورقي المنبر حتى صار على أعلاه، وعمل في الركعة في الثانية كما عمل في الركعة الأولى، ولم يفعل السجود فوق المنبر، مع أن ذلك مثل الركوع ومثل القيام؛ لأنه في الغالب لا يتسع لمكان السجود، يعني: كونه يسجد عليه ويأخذ مكان سجوده، لم يحصل منه ذلك، فحصل منه الصعود والنزول في صلاته عليه الصلاة والسلام لهذا.فالحديث دال على ما ترجم له النسائي رحمه الله، وقد ذكر أبو حازم سلمة بن دينار : أن رجالاً جاءوا إلى سهل بن سعد وقد امتروا في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مم هو؟ يعني: مم صنع؟ ما هي مادته التي صنع منها؟ ما هو نوع خشبه؟ فقال لهم سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs= والله إني لأعرف مم هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس )، فهي هذا الكلام الذي قاله تأكيد علمه، ومعرفته بهذا الشيء؛ لأنه أقسم على هذا وقال: إنه يعرف مم هو، وأنه من طرفاء الغابة، ويعرف أيضاً الذي صنعه، والمرأة التي كلفت، وكذلك النجار الذي هو غلامها، ويعرف اليوم الذي وضع فيه في ذلك المكان الذي هو مكان المنبر، واليوم الذي صعد عليه رسول الله أول مرة، فهذا كله يدل على ضبطه وإتقانه ومعرفته بهذا الشيء الذي استفسروا عنه وامتروا فيه، وجاءوا إليه يسألونه أو ليبحثوا عن علم عنده في ذلك.وهذا من الألفاظ المؤكدة التي تدل على ضبط الراوي ما رواه، وعلى علمه التام بما يريد أن يخبر به، فمما يدل على الضبط والإتقان قوله: والله إني لأعلم مم هو، وأعلم اليوم الذي وضع فيه هاهنا، واليوم الذي جلس عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني: معناه أنه متقن وعارف بهذا الشيء الذي يريد أن يخبر به، ثم إنه بين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لامرأة: ( مري غلامك النجار فليصنع لي أعواداً أجلس عليها عندما أكلم الناس)، يعني: عندما يخطب الناس، فصنع له أعواداً، يعني: معناه أن هذه الأعواد جمع بينها وألف بينها، وعمل ما يربط بعضها ببعض بحيث تكون درجات، بحيث يصعد من درجة إلى درجة، ويقف على مكان مرتفع بحيث يراه الناس، وفي هذا اتخاذ المنبر، والدليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذه، وأنه صنع له، وكان يخطب الناس على ذلك المنبر الذي صنع له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم إنه رقى عليه عندما أراد أن يصلي بالناس صلاة الفريضة، فقام على المنبر، وكبر وهو على المنبر، ودخل في صلاته، وركع وهو على المنبر، وقام من ركوعه وهو على المنبر، ولما جاء في السجود نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ولما فرغ من سجوده رجع ورقى حتى صار في المكان الذي نزل منه، وفي هذا دليل على جواز صلاة الإمام على مكان مرتفع، وأيضاً كذلك فيه دليل على أن مثل هذا العمل لا يؤثر في الصلاة، هذا العمل الذي هو الصعود والنزول في هذه الدرجات، فذلك لا يؤثر في الصلاة ولا يبطلها، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وهو القدوة والأسوة، فمثل هذا العمل اليسير لا يؤثر في الصلاة.ثم أيضاً فيه كمال نصح الرسول صلى الله عليه وسلم وبيانه لأمته أمور دينها؛ فإنه صعد على المنبر حتى يراه الناس، وحتى يشاهده من حوله ومن هم وراء الذين هم وراءه، وهذا مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طاف على بعير حتى يراه الناس ويقتدي به الناس ويتعلمون منه أحكام الطواف وما كان يفعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) فهو رقى على المنبر والناس يرونه ويشاهدونه، وفي هذا دليل أيضاً على أن المأموم له أن ينظر إلى إمامه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان على المنبر، كان الناس ينظرون إليه، والرسول قال: ( لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي ).ومما يدل على نظرهم إلى إمامهم أيضاً: ما جاء أنهم كانوا يعرفون قراءته في الصلاة الجهرية بحركة لحيته، يعني: عارضيه من اليمين والشمال يرونها تتحرك، فيستدلون بها على القراءة، وأنه كان يقرأ في صلاته، وذلك بتحرك لحيته عليه الصلاة والسلام عند القراءة، فهذا فيه أنهم كانوا ينظرون إلى إمامهم، والمأموم مأمور بأن ينظر إلى مكان سجوده، وأن يكون بصره إلى موضع سجوده، لكنه إذا نظر إلى إمامه في بعض الأحيان، لا سيما إذا كان هناك أمر يقتضي ذلك فإنه لا بأس به، وقد فعله الصحابة الكرام مع رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.عن أبي حازم بن دينار : (إن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وقد امتروا في المنبر مم عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مم هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة).يعني: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة، هنا بدأ تفصيل هذا الذي أجمله، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة، يعني: امرأة سماها سهل، يعني: هذا كلام يقوله سلمة بن دينار أبو حازم.( أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة -امرأة قد سماها سهل - أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها ).وهذا هو بيان من أي شيء كانت، وأنها من طرفاء الغابة، وطرفاء: نوع من الشجر له سوق يتخذ منها الخشب، وتتخذ منها الألواح والأعواد، والغابة هي موضع في شمال المدينة، وقد جاء في بعض الشروح: أنه في عوالي المدينة، وهذا ليس بواضح؛ لأن عوالي المدينة من جهة الجنوب، وأما شمال المدينة فهو أسافلها، والمياه تأتي من الجنوب وتنزل إلى الشمال، فهي ليست من العوالي، وإنما هي من الأسافل.قال: ( فأُرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها، فوضعت هاهنا ).يعني: (هاهنا)، يشير إلى مكان المنبر، وأنه وضع في هذا المكان الذي فيه المنبر.( ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي فصلى عليها، وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي ).
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:55 PM
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في الصلاة على المنبر
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ].يعقوب بن عبد الرحمن، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو القاري وليس القارئ؛ لأنه ليس إلى القراءة، وإنما هي نسبة إلى قبيلة، ولهذا يقال له: القاري وليس القارئ نسبة إلى القراءة.[ حدثني أبو حازم بن دينار ].أبو حازم هذه كنية اشتهر بها سلمة بن دينار الأعرج، وهو ثقة، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سهل ].هو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى أن الذين يكنون بأبي العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهما اثنان؛ ذكر بعض العلماء أن الذين يكنون بهذه الكنية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان، هما: سهل بن سعد هذا، وعبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أيضاً كنيته أبو العباس .
الصلاة على الحمار
شرح حديثي ابن عمر وأنس في صلاة النبي على الحمار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الصلاة على الحمارأخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن عمرو بن يحيى عن سعيد بن يسار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر ).أخبرنا محمد بن منصور حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ). قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع عمرو بن يحيى على قوله: (يصلي على حمار). وحديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف. والله سبحانه وتعالى أعلم ].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: باب الصلاة على الحمار، وأورد فيه حديثين: أحدهما: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، والثاني: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديث عبد الله بن عمر فيه: أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر، يعني: من المدينة وهو متوجه إلى خيبر، والشاهد من الحديث مطابق لما ترجم له، وهي: الصلاة على الحمار، وكذلك حديث أنس بن مالك دال على ما دل عليه حديث عبد الله بن عمر من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وهو متوجه إلى خيبر يصلي على حمار والقبلة وراءه، فالمقصود من ذلك صلاة النافلة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل وهو على الدابة أينما توجهت، إلا أنه جاء في بعض الأحاديث أنه يبدأ بالصلاة، ويدخل بها وهو متوجه إلى القبلة، ثم يتجه إلى وجهته التي هو متجه إليها، فيصلي ويومئ بركوعه وسجوده، ويكون الإيماء بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع.وقد ذكر النسائي رحمه الله بعد هذا أن ذكر الحمار فيه خطأ، وأن الصواب أنه على الدابة والراحلة، وفي حديث عبد الله بن عمر قال: إن عمرو بن يحيى لم يُتابع على قوله: (على حمار)، وإنما الذين رووا أحاديث صلاته صلى الله عليه وسلم على المركوب إنما ذكروا الدابة والبعير وما ذكروا الحمار، والذي تفرد بذكر الحمار هو عمرو بن يحيى المازني، وأنه كان يصلي على حمار، وغيره يقول: إنه كان يصلي على الدابة، أو يصلي على البعير، وعمرو بن يحيى هو الذي تفرد بذكر الحمار.وقال النسائي : إن حديث يحيى بن سعيد، يعني: الأنصاري عن أنس الصواب أنه موقوف، يعني: أنه من فعل أنس، وليس من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي كان راكباً على حمار، يعني: أنس بن مالك هو الذي كان راكباً على حمار، فالصواب أنه موقوف، أي: أنه من فعل أنس بن مالك، وليس من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من قال: إن ذكر الحمار في هذين الطريقين غير محفوظ، وأن المحفوظ إنما هو البعير أو الدابة، يعني: في الحديث الأول، وأما الثاني فقال النسائي : إن الصواب أنه موقوف، وأنه من فعل أنس بن مالك وليس من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من قال: إن عمرو بن يحيى خالف غيره الذين ما ذكروا الحمار، ولكنهم ذكروا الدابة أو البعير، فيكون قولهم هو المحفوظ، ويكون عمرو بن يحيى هو الشاذ، والشاذ: هو الذي خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، ومن العلماء وهو النووي من قال: إنه لا محذور ولا إشكال، بل يمكن أن يجمع بينهما، بأن يكون كان على دابة وعلى حمار، وأنه حكي هذا وحكي هذا، يعني: كونه على دابة، أي: البعير، أو على راحلة أو بعير، أو أنه على حمار، فيكون مرة كذا ومرة كذا، فيحتمل هذين الأمرين.ومن المعلوم أن الحمار إذا كان الإنسان راكباً عليه فإنه له أن يصلي عليه كما يصلي على البعير، وكما يصلي على الفرس، وإنما هذا يكون في السفر، ولا يكون في البلد وفي داخل البلد، وإنما يكون في السفر، يعني: حيث يكون الإنسان مسافراً فإنه يفعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء عنه التنفل على الراحلة إلا في حال السفر، وما جاء عنه في حال الحضر؛ لأن حال الحضر -كما هو معلوم- السير على الدابة يكون قصير، وينزل ويصلي كما يشاء على الأرض ركوعاً وسجوداً دون أن يكون هناك حاجة إلى الإشارة، لكن السفر الذي فيه السير وعدم النزول، ولو نزل يصلي لضاع عليه الوقت دون أن يقطع المسافة، فيجمع بين الأمرين بحيث يسير ويصلي، فلم يأتِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على الراحلة أو على الدابة إلا في حال السفر، وبعضها جاء مطلقاً، فيكون محمولاً على المقيد، وكما ذكرت الفرق بين حال الإقامة وحال السفر؛ فالسفر يقتضي أن الإنسان يشتغل بالصلاة وهو راكب، وأما الحضر فإنه لا يحتاج الأمر فيه إلى ذلك؛ لأن السير فيه قصير، ويصلي الإنسان على الأرض كما شاء.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي على الحمار
قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.وقوله (أنا) قتيبة بن سعيد، فإذا كان الرمز كما ذكر بلفظ (أنا)؛ فإنه ليس من عادة النسائي أنه يرمز أو أنه يأتي بالحروف المختصرة، وإنما يأتي بلفظ (أخبرنا) كما هو ديدنه وطريقته، وعادة المحدثين أنهم يرمزون أو يختصرون (أخبرنا) و(حدثنا)، وأما (أنبأنا) فإنهم لا يختصرونها؛ فـ(أنبأنا) لا تختصر ولا يرمز لها بالحروف، وإنما الرمز يكون لأخبرنا، فتأتي بلفظ أنا، وبلفظ أرنا، فإذا جاءت الهمزة مع (نا)، فالمراد أنها اختصار أخبرنا، وليست اختصار أنبأنا؛ لأن أنبأنا لا تختصر، فليس من عادتهم أن يختصروها، وأن يرمزوا لها بالحروف، وإنما التي عادتهم فيها أن يختصروها هي أخبرنا وليست أنبأنا، وحدثنا كذلك يختصرونها فيقولون: (نا)، ويقولون: (ثنا) و(دثنا)، وغالباً ما يقولون: (نا) أو (ثنا)، وأما (أنا) فهي اختصار أخبرنا.[ عن مالك ].وهو: ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، العلم، من أعلام الحديث والفقه، ومذهبه أحد المذاهب الأربعة التي هي من مذاهب أهل السنة.
معرفة قدر العلماء وكيفية التعامل معهم
وقد ذكرت في بعض الأحيان أن المذاهب الأربعة هي من مذاهب أهل السنة، وأن طالب العلم عليه أن يستفيد من كتب المذاهب ومن كتب أهل العلم، سواء كانت كتب أصحاب المذاهب الأربعة، أو كتب غيرهم من المجتهدين ومن الفقهاء، فطالب العلم لا يستغني عن الرجوع إلى كتبهم وعلمهم وفقههم؛ لأنه يستعين بهم، ولكن يجب أن يكون شأن الإنسان في هذا هو التوسط بين الإفراط والتفريط، بين الجفاء والغلو، فلا يغلو في الشخص فيقال: إنه لا تفوته السنة، وأنه لا تخفى عليه السنة، ولو كان في المسألة دليل ما خفي على فلان من الأئمة.. هذا غلو وهذا إطراء، وكذلك أيضاً لا يقابل هذا الجفاء بأن يقال: يعني يحصل ذمهم، أو يحصل تنقصهم، أو يحصل الاستهانة بشأنهم أو بشأن كتبهم أو بشأن علمهم، فهذا جفاء، فلا جفاء ولا غلو، لا إفراط ولا تفريط؛ بل الواجب هو التوسط، فالإنسان يحترمهم ويعظمهم ويثني عليهم، ويعتقد فيهم أنهم مجتهدون فيما اجتهدوا فيه من المسائل، وأنهم دائرون بين الأجر والأجرين، وأن الواحد منهم إما أن يحصل أجرين إذا أصاب في اجتهاده؛ أجر على اجتهاده وأجر على إصابته، وإن أخطأ فإنه يحصل أجراً واحداً على اجتهاده وخطؤه مغفور. ويستفيد الإنسان منهم ويرجع إلى كتبهم، ولا يستغني عنها طالب العلم، والإنسان الذي يهملها أو يغفل عنها فاته خير كثير، وفاته علم عظيم، لكن الأمر كما قلت: عندما يشتغل الإنسان، وعندما يتجه إلى كتبهم، يستعين بعلمهم وبكلامهم في الوصول إلى الحق، والوصول إلى الدليل، والوصول إلى الغاية المقصودة، لكن لا يغلو فيهم ولا يجفو، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، يقول الخطابي :ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميمويقول الطحاوي في عقيدته؛ عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ويقصد بقوله: أهل الخبر والأثر: المحدثين، وأهل الفقه والنظر: الفقهاء، فالإنسان يذكرهم بخير، ويثني عليهم، ويستفيد من علمهم، ويكون شأنه معهم كما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح، يقول: إن الإنسان يرجع إلى علمهم ويستعين بعلمهم إلى معرفة الحق، ويعظمهم ويثني عليهم، ويأخذ بنصائحهم ووصاياهم التي أوصوا بها، وهي: أنه إذا وجد القول لواحد منهم يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يترك قوله ويصار إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وابن القيم مثل لهذا بمثل حسن، مثل جميل واضح، قال: إن الإنسان عندما يرجع إلى علمهم، ويستعين بعلمهم إلى معرفة الحق، المقصود من استعانته بعلمهم أن يصل إلى الحق، وأن يصل إلى الدليل، فإذا وصل إلى الدليل انتهى، فما يحتاج إلى أن يبحث عن شيء آخر، قال: مثل هذا مثل الذي يستدل بالنجم على القبلة؛ فالإنسان إذا كان في فلاة يبحث عن جهة القبلة عن طريق النجوم، وعن طريق اتجاه النجوم، قال: فإذا كان الإنسان اهتدى بالنجم إلى القبلة، فإذا وصل إلى القبلة ما يحتاج إلى أن ينظر في السماء والقبلة أمامه؛ لأن المقصود وصل إليه، هو يستدل بالنجم حتى يعرف القبلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وصار تحت الكعبة فلا ينظر في النجوم، وإنما يبحث عن القبلة، يبحث عن الكعبة، فالكعبة أمامه، فكذلك هنا، يعني: أنه يستعين بعلمهم حيث الدليل ما هو موجود، لكن إذا توصل إلى الدليل وعرف عن طريقهم الدليل، فإنه لا يحتاج إلى قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.هذا إجماع العلماء على أن الغاية هي الوصول إلى الدليل، وهذا شأن العلماء المجتهدين، يعني: يجتهدون ويبحثون عن الدليل، فإذا وصولوا إليه انتهى، ما في شيء، لا كلام لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: الواجب هو التأدب مع أهل العلم، والتأدب مع العلماء واحترامهم، وتوقيرهم والثناء عليهم، ومعرفة أنهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين، فلا يكن الإنسان غالياً، ولا يكون جافياً، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، هذا هو الذي يجب على طالب العلم أن يكون متنبهاً له، ما يقول: والله كتب المذاهب هذه لا أحتاج إليها، وما أحوج طلبة العلم إلى الرجوع إليها، لكن الإنسان إذا رجع ما يرجع على أساس أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، فيكون غالياً ويقول: إن فلاناً ما يخفى عليه شيء، وأنه لو كان هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلغه ولم يخف عليه، فهذا كلام لا يقال في حق أحد، حتى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، وكاد يكون الدليل مع واحد منهم، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحدث بالأحاديث في أوقات مختلفة، وهناك من يحضر في هذا المجلس وهناك من لا يحضر هذا المجلس، ويكون عند هذا في مجلس حضره ما ليس عند الآخر حيث لم يحضر ذلك المجلس، وأمثلة هذا كثيرة. من ذلك:قصة الدخول في أرض الوباء، يعني: الإنسان إذا كان قادماً على أرض فيها وباء، هل يدخل أو ما يدخل؟ هذه مسألة ما كان عند كثير من الصحابة فيها علم، المهاجرون والأنصار ومسلمة الفتح، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام وأقبل عليها لقيه أمراء الأجناد وفيهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وإذا الطاعون قد وقع في الشام، فالصحابة الذين كانوا مع عمر رضي الله عنهم انقسموا، أحد يقول: ادخل، وواحد يقول: لا.. ارجع، فقال: ادعوا لي المهاجرين، فدعوا له المهاجرين، فما كان عندهم علم، ففي المسألة اجتهاد، وبعضهم قال: أنت جئت لأمر فلا ترجع دون أن تصل إليه، والبعض الآخر قال: معك أصحاب رسول الله، لا تقدم بهم على الوباء يموتون بسبب الوباء، لا تدخل في الأرض الموبوءة، ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فانقسموا كالمهاجرين، أحد يقول: تقدم، وآخر يقول: لا.. ارجع، ثم قال: ادعوا لي مسلمة الفتح، فأشاروا بما أشاروا به، ثم إنه عزم على أن يرجع، وقال: إنني مصبح على ظهر، فإذا جاء في الصباح سأرجع إلى المدينة، فكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غائباً، ولم يكن حاضراً هذه المحاورة، وهذه المداولة، فجاء إليه وقال: عندي فيها علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول قال: ( إذا كان الوباء في أرض وأنتم قادمون عليها.. لا تدخلوها فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منها )، فأخبر بذلك عمر، فكان هذا اجتهاد عمر الذي توصل إليه ورجحه على الجانبين المتعارضين، فطابق ما ثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من توفيق الله لـعمر، وهذا من التسديد الذي حصل لـعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وموافقات عمر مشهورة ومعروفة؛ فكان يشير بالرأي ويأتي بالقول، فينزل الوحي وفقاً لما أشار به عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.الحاصل أن هذا مثال من الأمثلة التي يكون فيها الأمر خافياً على الكثير من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون عند الواحد منها علم، فلا يجوز أن يقال في واحد من الأئمة: إنه لو كان فيها دليل لما خفي على فلان، لو كان في المسألة دليل ما خفي على فلان الإمام، فهذا من الغلو في الإمام، وإنما الحق الاعتدال والتوسط في الأمور، وكما قلت: طالب العلم يجب أن يكون على أدب جم مع أهل العلم؛ يعظمهم ويثني عليهم، فلا يغلو فيهم ولا يهضمهم حقوقهم، ولا يجفو فيهم فيذكرهم بما لا يليق بهم، وكلمة الطحاوي رحمه الله كلمة جميلة: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. فالإمام مالك رحمة الله عليه كما قلت: هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وأصحاب المذاهب الأربعة ثلاثة منهم كل واحد تلميذ للآخر، الذين وهم: مالك، والشافعي، وأحمد؛ فـأحمد تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ للإمام مالك، وقد جاء في بعض الأسانيد هذه السلسة التي فيها: أحمد يروي عن الشافعي، والشافعي يروي عن مالك، ومن ذلك الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة )، فإن هذا الحديث جاء في مسند الإمام أحمد يرويه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عند قول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، في آخر سورة آل عمران، ثم قال: وهذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة يروي بعضهم عن بعض.
تابع تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في صلاة النبي على الحمار
قوله: [ عن عمرو بن يحيى ].هو عمرو بن يحيى المازني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سعيد بن يسار ].هو سعيد بن يسار المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن ابن عمر ].ابن عمر هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وليس ابن مسعود منهم؛ ولأنه متقدم، ولأنه من كبار الصحابة، وهؤلاء من صغار الصحابة، وقد عاشوا وكانوا في زمن متقارب، واستفاد الناس من علمهم، حيث أدركهم من لم يدرك ابن مسعود، يعني: ابن مسعود توفي سنة: (32هـ)، وأما هم عاشوا بعد ذلك لمدة طويلة، وكانوا في وقت متقارب، وهم العبادلة الأربعة، وليس ابن مسعود منهم، وأيضاً هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم سبعة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم اشتهروا وعرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ[ محمد بن منصور ].أخبرنا محمد بن منصور، سبق أن عرفنا أن للنسائي شيخين كل منهما يقال له: محمد بن منصور، ويعرف تمييز أحدهما عن الآخر بالشيوخ الذين يروي عنهم، وهما: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور الجواز المكي .
تراجم رجال إسناد حديث أنس في صلاة النبي على الحمار
وقد ذكرنا فيما مضى: أن محمد بن منصور الطوسي ومحمد بن منصور المكي كل منهما يروي عن ابن عيينة، وأنه إذا جاء غير منسوب غير مبين، فإنه يحمل على المكي الجواز ؛ لأنه هو الذي من بلد ابن عيينة، فيكون الأقرب إلى أن يكون الجواز وليس الطوسي، أما هنا فإن الذي يروي عن إسماعيل بن عمر الواسطي هو محمد بن منصور الطوسي .فإذاً: محمد بن منصور هو الطوسي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود والنسائي، وأما ذاك الذي هو الجواز، فقد عرفنا أنه خرج حديثه النسائي وحده، وهو ثقة.[ إسماعيل بن عمر ].هو إسماعيل بن عمر الواسطي، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم وأبو داود والنسائي.[ حدثنا داود بن قيس ].داود بن قيس ثقة، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [ عن محمد بن عجلان ].هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، وخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[ عن يحيى بن سعيد ].وهو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس بن مالك ].أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أنس وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
فائدة اتخاذ المحراب في المساجد
السؤال: هل كان للمسجد النبوي محراب؟ وهل هو سنة أو بدعة؟الجواب: ما نعلم أن له محراباً على هذه الطريقة، لكن المسلمين اتخذوها، وفائدتها الاستدلال إلى جهة القبلة.
مسألة التلفظ بالنية في الأذكار الواردة
السؤال: هل يلزم التلفظ بالنية في الأذكار الواردة في دخول البيت والحمام ونحوه؟الجواب: يعني يقول: نويت أن أذكر الله، باسم الله، لا، فالنية محلها القلب، والشيء الذي ينوى لا يذكر باللسان إلا في الحج، فإنه يذكر النسك، يعني: هل هو عمرة؟ تقول: لبيك عمرة، لبيك حجة، لبيك عمرة وحجة، يعني: هذا هو الذي ينطق به بالإضافة إلى نيته في القلب؛ وذلك للتمييز؛ لأنه يحتاج إلى تمييز النسك، أما غير ذلك دون الحج، فما نعلم شيئاً يكون فيه التلفظ بالنية، والنية محلها القلب، ولكل امرئ ما نوى.
حكم تقبيل المصحف بقصد حبه
السؤال: ما حكم تقبيل المصحف بقصد الحب لما بين دفتيه؟الجواب: المحبة للمصحف تكون باتباع ما فيه وبالعمل بما فيه، وليس بتقبيله، ولا نعلم لتقبيله أساساً يستند عليه ويعتمد عليه، وإنما المحبة هي ليست في التقبيل، فقد يقبل المصحف من هو عاصٍ لما في المصحف، ومن هو مخالف لما في المصحف، ومن هو مرتكب للأمور المحرمة التي جاء التحذير منها في المصحف، فالعبرة بالدليل، ولا نعلم شيئاً يدل على هذا، فالذي ينبغي هو عدم فعل ذلك، ومحبته لا تكون بالتقبيل، وإنما تكون بالاتباع وامتثال ما جاء فيه، والسير على منهاجه؛ امتثالاً للأوامر، واجتناباً للنواهي، وتصديقاً للأخبار.
الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي
السؤال: ما الفرق بين الحديث النبوي والحديث القدسي؟الجواب: الحديث القدسي: هو الذي تكون فيه الضمائر مضافة إلى الله عز وجل: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي).. (الصوم لي).. الضمير يرجع فيه إلى الله عز وجل، أو الضمائر ترجع فيه إلى الله عز وجل، ولا يصلح أن ترجع إلى غيره، فالحديث القدسي هو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضيفاً إياه إلى ربه، بأن يقول: قال الله تعالى، أو يقول الصحابي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: .. والضمائر كما قلت: تعود إلى الله عز وجل، وترجع إلى الله عز وجل، ومرجعها إليه سبحانه وتعالى.وأما الحديث النبوي فهو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خُلُقي.
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 03:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(137)
- باب استقبال القبلة - باب الحال التي يجوز عليها استقبال غير القبلة
للصلاة أركان لا تصح إلا بها، منها استقبال القبلة، وهذا عام في الفريضة والنافلة، إلا أن هذا الركن يسقط في حال السفر عند الركوب على الراحلة أو السيارة أو ما أشبه ذلك، وهذا خاص بصلاة النافلة دون الفريضة.
استقبال القبلة
شرح حديث البراء بن عازب في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب القبلة. باب استقبال القبلة.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة، فانحرفوا إلى الكعبة ) ]. يقول النسائي رحمه الله: (كتاب القبلة)، القبلة: هي الكعبة المشرفة التي جعلها الله قبلة للمسلمين، وقد كان النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه أول ما فرضت عليه الصلوات كان يستقبل بيت المقدس، ثم إنه بعدما هاجر إلى المدينة، ومكث ستة عشر شهراً بعد قدومه إلى المدينة، وكان يستقبل تلك القبلة المنسوخة، ثم إنه وجه إلى الكعبة، فجعلت الكعبة المشرفة هي القبلة التي يؤمها المسلمون، والتي يستقبلها المسلمون من كل مكان، يتجهون إليها في صلواتهم وفي دعائهم، ويكونون حلقاً حولها، وكلما كانوا بعيدين منها، فإنهم بمثابة الحلق نحوها، وهم كالدوائر حول الكعبة المشرفة، دوائر صغيرة ودوائر كبيرة، وأصغر دائرة هي التي تحيط بالكعبة، وأكبر دائرة التي تكون في أطراف الدنيا، فإن المسلمين من كل مكان يتجهون إليها ويستقبلونها في صلاتهم.وقد أورد النسائي باب استقبال القبلة، وهي الكعبة المشرفة، وقد أورد فيه حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة مكث نحواً من ستة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس، ثم إنه وجه إلى الكعبة، يعني: نزل عليه القرآن بالأمر بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، فتوجه إليها، وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فذهبوا إلى بعض المساجد التي في المدينة، وجاء رجل إلى جماعة من الأنصار وهم يصلون، فأخبرهم وهم في صلاتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى الكعبة، وقال: استقبلوها، فاستقبلوها وانحرفوا إلى جهة الكعبة، فكانت أول صلاتهم إلى بيت المقدس، وآخر صلاتهم إلى الكعبة المشرفة، وصار الرجال استداروا وهم في أماكنهم، وأما الإمام فإنه استدار وتقدم بين الصف حتى صار أمامهم؛ لأنه لا يتأتى إلا بأن ينتقل الإمام من مكانه الذي هو جهة الشام إلى أن يكون جهة الكعبة المشرفة، وهذا لا يتأتى إلا باستدارتهم، وهم في مكانهم، وهو يدخل من بينهم ويتقدم حتى يكون أمامهم إلى جهة الكعبة المشرفة.والحديث فيه دليل على اعتبار خبر الواحد والتعويل عليه؛ لأن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، اعتمدوا على كلام هذا الشخص الذي أخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى الكعبة، وعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرهم على ما فعلوه وعلى ما عملوه، وفي هذا -أيضاً- دلالة على قيام أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى امتثال التكاليف التي يشرعها الله عز وجل على عباده، فإنهم كانوا يبادرون إلى التنفيذ، ويبادرون إلى الامتثال، وهذا شأن المسلم؛ لأن من شأن المسلم أن يكون ممتثلاً منقاداً لأمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والمسلم سمي مسلماً؛ لأنه يستسلم لأمر الله وأمر رسوله، يستسلم وينقاد لأمر الله وأمر رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم أيضاً فيه دليل على أن من هو خارج الصلاة، يمكن أن يعلم من هو في داخل الصلاة، ويمكن أن يفتح على من هو داخل الصلاة فيما لو غلط في القراءة، ولو لم يكن في الصلاة؛ لأن هذا الرجل تكلم مع هؤلاء الذين يصلون، وأخبرهم بالشيء الذي حصل، فاستداروا من جهة الشام إلى جهة الكعبة.ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتحرى، وكان يؤمل أن يوجه إلى الكعبة، وكذلك أصحابه كانوا يعلمون، فلعلهم كانوا يتوقعون وينتظرون حصول شيء، أو نزول شيء، فلما أخبرهم هذا المخبر الذي حدثهم وهم في صلاتهم، استداروا في صلاتهم من جهة الشام إلى جهة الكعبة المشرفة، وهذا أيضاً فيه كما سيأتي في الباب الذي يأتي بعد الذي يليه، وهو أن من عمل باجتهاد في جهة القبلة، كأن يكون في برية فيحصل منه الاجتهاد، فيصلي إلى جهة يعتقد أنها جهة القبلة، ثم يتبين له وهو في أثناء صلاته، كأن يأتي من ينبهه أو يخبره، وهو خبير في جهة القبلة، فإنه يفعل كما فعل هؤلاء، بأن يستدير من الجهة التي هو عليها، ويكمل صلاته إلى جهة القبلة.
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة
قوله: [ أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ].وهوابن مقسم الأسدي المشهور أبوه بـابن علية، وهذا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ليس هو البخاري، فالبخاري هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وإنما الذي يروي عنه النسائي ممن هو بهذا الاسم (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم) هو ابن علية، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وله أخ اسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، وهذا منحرف عن منهج أهل السنة، وهو من المبتدعة ذكره الذهبي في الميزان، وقال: جهمي هالك، وهو الذي يأتي في مسائل الفقه فينسب إلى ابن علية مسائل شاذة أو أقوال شاذة، يقال: قال فيها: ابن علية، المقصود به إبراهيم وليس الأب؛ لأن الأب الذي هو إسماعيل إمام من أئمة أهل السنة، وأما هذا فهو من المبتدعة، وكان يأتي ذكر مسائل له فيها شذوذ، ومن هذه المسائل التي يذكر شذوذه فيها، قد ذكرها ابن رشد في بداية المجتهد وذكرها غيره؛ عندما جاء عند الإجارة وحكم الإجارة، قال: إن الإجارة لا تجوز، لا يجوز للإنسان أن يستأجر أحداً، وهذا شذوذ في غاية الوضوح، كيف لا يحصل الاستئجار؟! ومن يستغني عن الاستئجار؟! من يستغني عن أن يستأجر أحداً؟! لأن الإنسان إذا لم يستأجر إما أن يكون محيطاً بالمهن كلها، بحيث لا يحتاج إلى غيره، أو الناس يتصدقون عليه بالمجان، أو الناس يفعلون له بالمجان، فإذا كان بأجرة فإن ذلك لا يجوز، هذا شذوذ، وأي شذوذ مثل هذا الشذوذ.قال ابن رشد : وخالف فيها ابن علية والأصم، ابن علية هو إبراهيم هذا ، والأصم أيضاً معتزلي، الذي هو أبو بكر بن كيسان الأصم، وهو غير أبي العباس الأصم الذي هو من شيوخ الحاكم ؛ لأن ذاك إمام من أئمة أهل السنة، ومحدث كبير من شيوخ الحاكم أبو العباس الأصم، وأما هذا أبو بكر الأصم، فهو معتزلي، وهو يأتي ذكره في مسائل شاذة، ومنها مسألة الشفعة، قالوا: وخالف فيها الأصم، وكان عن فهمها أصم، فالحاصل: أنه يأتي ذكر ابن علية وذكر الأصم، والمراد بـابن علية هو هذا الذي ذكرت: إبراهيم، الذي قال عنه الذهبي في الميزان: إنه جهمي هالك.[ حدثنا إسحاق بن يوسف ].هو: إسحاق بن يوسف الأزرق، قد سبق أن مر ذكر الحديث فيما مضى، وجاء على الصواب الذي هو يوسف، إسحاق بن يوسف الأزرق، وكذلك هو في التقريب: إسحاق بن يوسف الأزرق، وفي بعض النسخ: ابن يوسف مكتوب ابن يونس، وفي بعض النسخ ابن يوسف .يعني: هو خطأ ذكر يونس، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن زكريا بن أبي زائدة ].زكريا بن أبي زائدة، وهو: ثقة، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي إسحاق ].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، مشهور بكنيته ونسبته السبيعي، ويأتي ذكره كثيراً بدون نسبته، بل بالاكتفاء بكنيته، وهو أبو إسحاق، والهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع هم من همدان، فالغالب عليه النسبة الخاصة التي هي السبيعي بفتح السين وكسر الباء، وهو ثقة، مكثر من الرواية، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن البراء بن عازب ].هو البراء بن عازب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد صغار الصحابة، ويقال: إنه هو وابن عمر لدة، يعني: ميلادهم واحد، فكانوا في سن واحد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكل رجال هذا الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، إلا شيخ النسائي ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، فإنه لم يخرج له إلا النسائي وحده.
باب الحال التي يجوز عليها استقبال غير القبلة
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الحال التي يجوز عليها استقبال غير القبلة.أخبرنا قتيبة عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت )، قال مالك : قال عبد الله بن دينار : وكان ابن عمر يفعل ذلك ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الحال التي يجوز عليها استقبال غير القبلة. وهي صلاة النافلة في السفر على الدابة، يجوز أن تكون إلى غير جهة القبلة، لكن عند ابتداء الصلاة يستقبل القبلة، ويكبر وهو مستقبل القبلة، ثم يتجه إلى الجهة التي يريد؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أنه يكون الابتداء، أو الدخول في الصلاة إلى جهة القبلة، يكبر وهو إلى جهتها، ثم يحرف الدابة لتسير إلى الوجهة التي يريد، فالحال التي يجوز استقبال غير القبلة فيها، إنما هي في صلاة النافلة على الدابة في حال السفر، فتكون في النافلة لا في الفريضة، وفي السفر لا في حال الحضر ولا في حال الإقامة، وإنما هي في حال السفر؛ لأن السفر هو الذي يحتاج إلى أن يمكث على دابته حتى يقطع الطريق، ولو نزل يصلي على الأرض لضاع عليه الوقت دون أن يصل إلى بغيته، ولكنه يجمع بين المصلحتين فيصلي على دابته، ودابته تسير إلى الجهة التي يريد، وقد ثبتت السنة بذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه عن جماعة من الصحابة: أنه كان يصلي على راحلته أو على دابته إلى أي جهة توجهت، وهذا إنما هو في النافلة، كما جاء في بعض الأحاديث أنه كان لا يصلي عليها المكتوبة، وإنما إذا جاءت المكتوبة ينزل، ويصليها على الأرض، ثم يركب دابته ويتجه إلى الجهة التي يريد.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته أينما توجهت )، قال عبد الله بن دينار : وكان ابن عمر يفعل ذلك، يعني: راوي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا الفعل، الذي هو التنفل على الراحلة إلى غير جهة القبلة.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي على راحلته في السفر حيثما توجهت)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، هو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ عن مالك بن أنس ].مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورين، الذين حصل لأقوالهم ولمذاهبهم أصحاب لهم، عنوا بجمع أقوالهم وكلامهم في المسائل، وترتيب ذلك وتنظيمه، فحفظ، واشتهرت هذه المذاهب هذه الشهرة، وإلا فإن في الفقهاء ممن قبلهم وفي زمنهم وبعدهم ممن هو مثلهم في الاجتهاد، وسعة العلم، وسعة الاطلاع، والإحاطة بالمسائل الكبيرة، ولكن لم يحصل لهم مثلما حصل لهؤلاء. ومن هؤلاء الأئمة الكبار الذين هم من أهل الاجتهاد، وكلامهم كثير في المسائل: الليث بن سعد، الفقيه المحدث في مصر، وعبد الرحمن الأوزاعي، الفقيه المحدث في الشام، وغيرهم من الفقهاء الذين هم من أهل العلم، ومن أهل الاجتهاد، ولكن ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأربعة، من جمع أقوالهم، والعناية بمذاهبهم، حتى صار لها الحفظ، وحتى صار لها البقاء، وحتى اشتهرت بين الناس، وحديث الإمام مالك بن أنس أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الله بن دينار ].وهو المدني، وهو: مولى لـعبد الله بن عمر، ولهذا يقال له: العدوي ولاء، يعني: نسبة إلى نسبة عبد الله بن عمر العدوي ولاء، وهو: ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عمر].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء الأربعة هم في طبقة واحدة، وفي زمن متقارب، وهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا وانتفع الناس بعلمهم، وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة. وعندما يأتي في مسألة من المسائل الفقهية يقال: قال بها العبادلة الأربعة. وليس عبد الله بن مسعود منهم، أي: من الأربعة؛ لأن ابن مسعود أكبر منهم، وهو متقدم الوفاة؛ لأنه من كبار الصحابة، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وأما هؤلاء فكانوا بعد الستين، وعاشوا وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وكذلك أيضاً ابن عمر هو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي على الراحلة قبل أي وجه توجه به...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الراحلة قبل أي وجه توجه به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ) ].أورد النسائي حديث عبد الله بن عمر من طريق أخرى، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته إلى أي وجهة توجهت به، ويصلي عليها الوتر، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، وهذا يدل على ما دل عليه الذي قبله، من جهة أن صلاة النافلة يجوز أن تكون على الراحلة في حال السفر إلى أي جهة كانت؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك، وحتى الوتر كان يوتر على الراحلة، إلا المكتوبة فإنه لا يفعلها وهو على الراحلة، وإنما ينزل ويصليها على الأرض، فدل هذا على أن الصلاة التي تؤدى على الراحلة هي ما عدا الفريضة، فالفرائض لا تصلى على الرواحل، وإنما تصلى على الأرض، يستقبل الإنسان فيها القبلة، وأما النوافل فيجوز أداؤها للراكب، وهو متجه إلى أي جهة كانت، لكن كما ذكرت أنه جاء في بعض الأحاديث: أنه يكون بدء الصلاة والدخول فيها إنما هو إلى جهة القبلة، ثم يتجه إلى الجهة التي يريد. وفي الحديث دليل على أن الوتر ليس بواجب، وليس بفرض؛ لأنه قال: (غير أنه كان لا يصلي عليها المكتوبة)، وقوله: كان يصلي عليها الوتر، فإذاً هو من النوافل، لكنه آكد النوافل، فهو وركعتا الفجر آكد النوافل، فقد كان عليه الصلاة والسلام يحافظ على ركعتي الفجر وعلى الوتر في الحضر والسفر، وما كان يتركهما، وإنما كان يحافظ عليها ويداوم عليهما في الحضر والسفر.ومن المعلوم أن من حافظ على النوافل فإنه يكون محافظاً على الفرائض من باب أولى، ومن تساهل في النوافل فقد يتساهل في الفرائض، ولهذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ).. إلخ الحديث.
الأسئلة
الاكتفاء بمحاذاة الميقات عند الإحرام دون النزول فيه
السؤال: هل يصح إحرام من مر بالميقات بالسيارة دون أن يتوقف فيه؟الجواب: ولو كانت السيارة تسير، ولو لم تقف السيارة، مادام أنه يحاذي الميقات ينوي ويلبي، ولا يلزمه أن ينزل، وإن أراد أن ينزل ويصلي الركعتين في المسجد الذي هو مسجد العقيق، لا بأس بذلك، لكن ليس على اللزوم، بل يكفيه أنه إذا حاذى ينوي ويلبي.
حكم لعن المعين الذي يتجسس على المسلمين
السؤال: شخص قال لأخيه: لعنة الله عليه والملائكة والناس أجمعين، فالذي أُطلق عليه هذا اللعن كان يتجسس على المسلمين، فهل يجوز له ذلك؟الجواب: لعن المعين لا يجوز، اللعن للتعيين لا يجوز مطلقاً، وإنما الحي يدعى له بالهداية، لكن من مات على الكفر فإنه هو الذي يستحق اللعنة، فلعن المعين غير سائغ، ولهذا كان بعض العلماء يتحرز من لعن المعين ولو كان كافراً. ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية لما جاء بواحد من النصارى نظم قصيدة طويلة يسب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويسب دين الإسلام، والعياذ بالله، وقد رد عليه ابن حزم في قصيدة أطول منها، وقد ذكر ابن كثير القصيدتين، قصيدة النصراني وقصيدة ابن حزم ، لكن ابن كثير لما ذكر هذه القصيدة التي هي قصيدة النصراني، قال: عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ... إن كان مات كافراً. ثم لما ترجم لـأبي نصر الفارابي ، هذا المشهور، قال في ترجمته: أنه كان يقال عنه: أنه يقول: بمنع إعادة الأجساد الجثماني، يعني: عدم إعادة الأجساد، وإنما الأرواح هي التي تعاد، فلما ذكر عنه هذا، قال: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين، فقد كان ينكر البعث أي: إنكار معاد الأجساد، يقول: إن كان مات على ذلك فعليه لعنة رب العالمين، فلعن المعين لا يجوز، ولكن اللعن بالوصف مثل: لعنة الله على الظالمين، لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، لعن الله المتنمصات، لعن الله كذا، يعني: بالوصف لا بالاسم، فهذا كما جاءت به السنة يلعن، كما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما لعن فلان بعينه فهذا لا يجوز.
الكذب من أجل إرضاء الوالدة
السؤال: هل يجوز الكذب من أجل إرضاء الوالدة؟الجواب: ما ينبغي أن يكذب، ولكن ينبغي له أن يوري، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب )، يعني: كون الإنسان يأتي بكلام يحتمل، يفهم منه المتكلم شيئاً، والسامع يفهم شيئاً آخر؛ لأنه صادق فيما قال، هذه تسمى تورية، وتسمى معاريض، فهذا سائغ، يمكن أنه يأتي بكلام من هذا القبيل، يعني: فيه إرضاء، فلا بأس، وهذا من جنس الذي عملته أم سليم لما جاء أبو طلحة وكان ابنها مريض، وقد مات، فأرادت ألا تزعجه، فقال: كيف الغلام؟ قالت: إنه استراح، وقد هدأت نفسه، طبعاً هي تريد أنه استراح، خلاص ما فيه حركة، وهدأت نفسه، يعني: هو يفهم أنه ما هو ثائر النفس، وهي تريد أنه انقطع نفسه، يعني: ما فيه نفس، فهذه تورية، فهو فهم شيئاً، وهي صادقة فيما قالت، كذلك جاء كثير من هذا القبيل، كان يقال في زمن الفتنة التي هي فتنة خلق القرآن -يحكى ما أدري عن صحته- أن بعض الذين أجبروا وطلب منهم أن يقولوا بخلق القرآن عمل تورية، فلما قيل له: تقول بخلق القرآن، وألزموه، وإلا يضربونه أو كذا، قال: أشهد أن التوراة والإنجيل والقرآن والزبور هؤلاء مخلوقات، يشير إلى أصابعه، فهذه تورية.
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 05:22 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(138)
- باب ذكر ما يقطع الصلاة
الصلاة أمرها عظيم وهي صلة بين العبد وربه، فقطعها ليس بالأمر الهين؛ ولهذا بيّن الشرع الحكيم ما يقطع الصلاة وما لا يقطع؛ وشرع للمصلي وضع سترة تحول بينه وبين المارة.
ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة
شرح حديث: (إذا كان أحدكم قائماً يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع إذا لم يكن بين يدي المصلي سترة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يزيد حدثنا يونس عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أحدكم قائماً يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قلت: ما بال الأسود من الأصفر من الأحمر؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان ) ].لما ذكر المصنف سترة المصلي واتخاذها، وكيف تتخذ، وأنها مثل مؤخرة الرحل، أورد بعد ذلك هذه الترجمة، وهي: ما يقطع الصلاة، أي: الأشياء التي تقطع الصلاة إذا حصل مرورها بين يدي المصلي.وقد أورد النسائي فيه عدة أحاديث، أولها: حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا كان أحدكم قائماً يصلي، فإنه يستره مثل مؤخرة الرحل )، أي: فإنه يتخذ سترة تكون مثل مؤخرة الرحل، أي: أنها بارزة، ومؤخرة الرحل كما عرفنا في الحديث السابق: هي العود أو الخشبة التي تكون في مؤخر الرحل يستند عليها الراكب على البعير، فمثل به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بسترة المصلي، وسترة المصلي تكون بمثل مؤخرة الرحل، وتكون بالعصا التي تغرز، وتكون بمثل العمود الذي هو من أعمدة المسجد، أو جدار أو ما إلى ذلك من الأشياء الشاخصة التي يصلي الإنسان إليها، ويكون قريباً منها.ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإذا لم يكن بين يديه سترة فإنه يقطع صلاته: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قيل: يا رسول الله! ما بال الكلب الأسود؟ قال: الكلب الأسود شيطان ). فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما يقطع الصلاة، وهي: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وقد جاء في بعض الأحاديث إطلاق الكلب، واختلف العلماء في المراد بالقطع، فذهب بعض العلماء إلى أن المراد به الإبطال، وأنه يستأنف الصلاة عندما يحصل مرور هذه الثلاثة، وذهب جمهور العلماء: إلى أن المراد بذلك ما يحصل للصلاة من نقصان بسبب انشغال القلب بهذه الثلاثة التي تمر بين يديه، وينشغل قلبه بها، فينشغل عن صلاته، فيذهب عنه الخشوع، ويشتغل بها، ويتعلق قلبه بها، فيكون ذلك سبباً في نقص صلاته.وقد سئل عليه الصلاة والسلام لما ذكروا الكلب الأسود ما باله، وما الفرق بينه وبين غيره؟ فقال: (الكلب الأسود شيطان)، وقد ذكر بعض العلماء: أنه محمول على ظاهره، وأن المراد بذلك أن الشيطان يتمثل غالباً بالكلب الأسود، ومن المعلوم أن الشياطين تتصور بصور الإنسان وغير الإنسان، فشياطين الجن يتصورون بصور الحيوانات، كما أنهم يتصورون بصور الإنسان، ويأتون على صورة الإنسان، وكذلك يأتون على صورة الحيوان؛ فيأتون على صورة الحيوانات المختلفة، مثل: الكلاب، والحيات وغير ذلك؛ كما جاءت به السنة، وكما ثبت ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم قائماً يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل...)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].عمرو بن علي هو: الفلاس ، هو: محدث، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وهو: ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره كثيراً في كتب الرجال في الجرح والتعديل، يقال: قال الفلاس كذا.[ حدثنا يزيد ].يزيد هو ابن زريع البصري ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ حدثنا يونس ].يونس هو ابن عبيد البصري ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن حميد بن هلال ].حميد بن هلال البصري ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الله بن الصامت ].عبد الله بن الصامت البصري ، وهو: ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي ذر الغفاري ].واسمه جندب بن جنادة على أصح الأقوال فيه، وهو صحابي مشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فهذا الإسناد الذي معنا رجاله أكثرهم بصريون، وهم: عمرو بن علي، ويزيد بن زريع، ويونس بن عبيد، وحميد بن هلال، وعبد الله بن الصامت .. هؤلاء بصريون، وأيضاً هؤلاء الرجال كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا عبد الله بن الصامت فإنه لم يخرج له البخاري في صحيحه، وإنما خرج له تعليقاً، والباقون خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث ابن عباس في قطع المرأة الحائض والكلب للصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثني شعبة وهشام عن قتادة ، قال: ( قلت لـجابر بن زيد : ما يقطع الصلاة؟ قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: المرأة الحائض والكلب )، قال يحيى : رفعه شعبة ].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، من طريقين: من طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وشعبة بن الحجاج ، يرويان عن قتادة ، وقد رفعه أحدهما، ووقفه أحدهما على ابن عباس ، وقفه أحدهما، أي: هشام؛ على ابن عباس ، ورفعه شعبة ، يعني: أن ابن عباس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد شعبة بن الحجاج ، والحديث فيه ذكر اثنين من الثلاثة المتقدمة، وأنها تقطع الصلاة، وهي: المرأة الحائض، والكلب، وفيه تقييد المرأة بأنها الحائض، والمراد بالحائض: هي التي بلغت المحيض، وليس المراد بها التي عليها الحيض، والتي هي متلبسة بالحيض، وإنما المراد بها التي بلغت سن المحيض، وهي المرأة البالغة، ومثل هذا الحديث الذي ورد: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، المقصود بالحائض هي البالغة؛ لأن الحائض لا تصلي، ولكن المقصود بالحائض يعبر بها عن البالغة، يعني: التي بلغت سن المحيض، وهنا المرأة الحائض المراد بها البالغة؛ المقصود التي بلغت سن المحيض، وهي التي توصف بأنها امرأة، وهذا هو المقصود بها، وكما ذكرت: الحديث اشتمل على ذكر اثنين من الثلاثة اللذين تقدم ذكرهما في الحديث الذي قبل هذا، وفيه ذكر إطلاق الكلب، وعدم تقييده بالأسود.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في قطع المرأة الحائض والكلب للصلاة
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].وهو الفلاس المتقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن يحيى ]. وهو ابن سعيد القطان ، المحدث الناقد من أئمة الجرح والتعديل، وهو بصري ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثني شعبة وهشام ].شعبة، وهشام ، وهو شعبة بن الحجاج أحد الأئمة الثقات، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ يرويان عن قتادة ].قتادة هو ابن دعامة السدوسي البصري ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ قلت لـجابر بن زيد ].جابر بن زيد هو أبو الشعثاء ، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي بالكنية، وقد ذكرت فيما مضى: أن من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث: معرفة كنى المحدثين، وفائدة ذلك: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بكنيته، وهو مشهور بكنيته، ويأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي كثيراً بـأبي الشعثاء التي هي الكنية، وهنا قال: قلت لـجابر بن زيد ، وهو أبو الشعثاء ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عباس ].ابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة الذين هم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وعائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.ثم في الإسناد كما ذكر النسائي في آخره قال: رفعه شعبة ، يعني: أن الإسناد جاء عن شخصين، أي: أن يحيى بن سعيد القطان يرويه عن شخصين، وهما: شعبة، وهشام ، وذكره على لفظ هشام ؛ لأنه ذكره موقوفاً، ثم قال بعد ذلك: قال يحيى : رفعه شعبة ، قال يحيى -أي: ابن سعيد القطان -: رفعه شعبة ، يعني: أنه جاء موقوفاً على ابن عباس من طريق هشام ، وجاء مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: رفعه ابن عباس من طريق شعبة بن الحجاج ، ولا تنافي بين الرفع والوقف؛ لأن الوقف أيضاً له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما يستند فيه إلى النصوص، فلا تنافي بين ما جاء من الرفع والوقف لحديث ابن عباس هذا.
شرح حديث ابن عباس في أثر مرور الحمار بين يدي الصف في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان حدثنا الزهري أخبرني عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (جئت أنا، والفضل على أتان لنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بعرفة، ثم ذكر كلمة معناها، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا وتركناها ترتع، فلم يقل لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ) ].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، الذي استدل به على أن مرور الحمار لا يقطع، ولا دلالة في ذلك، ولا تنافي بينه وبين حديث ابن عباس المتقدم.فإن حديث ابن عباس هذا أنه قال: ( مررنا بين يدي الصف )، ومن المعلوم أن المرور أمام الصف على الحمار ليس مروراً بين المصلي وبين السترة، ولا أمام الإمام؛ لأن سترة الإمام سترة للمأمومين، فلا يؤثر المرور بين الصف، لا بالنسبة للحمار ولا لغيره، وإنما المرور الذي يؤثر والذي جاء فيه ذكر القطع هو أن يكون بين يدي الإمام.أما أن يمر حمار أو امرأة أو كلب بين يدي الصف أو بين الصفوف وهم يصلون وراء إمامهم فإن ذلك لا يؤثر، ولا يعارض ما جاء في الحديث المتقدم من ذكر القطع لهذه الأمور الثلاثة؛ لأن سترة الإمام سترة للمأمومين؛ ولهذا يجوز المرور بين الصفوف إذا كان هناك حاجة، كأن يصل صفاً، أو يصل إلى فرجة يسدها، وليس لأحد أن يمنع من يمر بين الصف، أي: المأموم؛ لأن المأموم سترته الإمام، لكن إذا لم يكن هناك حاجة لا ينبغي المرور؛ لأن المرور لا يخلو من تشويش على المصلي فيما إذا مر بين يديه أحد، ولو كان مأموماً، لكن من حيث السترة، فإن سترة الإمام سترة للمأمومين، فلا يؤثر المرور بين الصفوف.إذاً: فحديث ابن عباس هذا ليس معارضاً لما تقدم من ذكر القطع بالمرور؛ لأن ذلك إنما يكون للإمام، أي: القطع، وأما المرور بين الصف، أي: مرور الحمار بين الصف أو أمام الصف، فإن ذلك لا يؤثر، والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم، ولم يقل شيئاً في صنيعهما، وقد جاء على حمار أتان، والأتان: هو أنثى الحمار، يقال لها: أتان، ونزلا وتركا الحمار ترتع، يعني: ترعى، ودخلا في الصف بعد أن مشيا أمام بعض الصف.وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في هذا الحديث، وما جاء في الحديث المتقدم؛ لأن ذاك إنما هو أمام الإمام، وأما ما هنا فإنما هو أمام الصف، أو أمام بعض الصف، وليس أمام الإمام.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في أثر مرور الحمار بين يدي الصف على الصلاة
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ]. النسائي له شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور، أحدهما: محمد بن منصور الجواز المكي، والثاني: محمد بن منصور الطوسي ، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة ، لكن تعيين أي الاثنين يكون بأنه المكي؛ لأن ابن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، وإذا كان احتملا الرواية عن اثنين، فإنه يحمل عندما يأتي محمد بن منصور مهملاً، على أنه المكي؛ لملازمته لـابن عيينة ؛ لكونه من بلده، بخلاف الطوسي ، فإنه من بلد آخر، واتصاله بـسفيان بن عيينة لا يكون إلا عن طريق سفر، أو عن طريق الإتيان إلى مكة لحج أو عمرة، أو لقاء في وقت من الأوقات، أما إذا كان الإنسان من البلد، وهو مقيم معه في بلده، فاتصاله به كثير، فيكون الغالب الحمل عليه، وقد جاء في بعض الأسانيد التي سبق أن مرت بنا مثل هذا الإسناد، وينص فيه النسائي على ذكر محمد بن منصور المكي ، فيكون تعيين أحد الاثنين لتميز أحدهما -أي: التلميذين- بملازمته، أو بكونه من أهل بلد شيخه الذي هو: سفيان بن عيينة ، فيكون الأقرب أنه الجواز ، وهو: ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[عن سفيان ].وسفيان هنا هو ابن عيينة؛ لأنه يروي عن الزهري ، مثلما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن الزهري معروف بالرواية عن ابن عيينة ، بخلاف الثوري ، وقال في موضع آخر من الفتح: إن الثوري يروي عن الزهري بواسطة.فإذاً: سفيان هنا المراد به ابن عيينة ؛ لأن شيخه هو الزهري ، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري فالمراد به ابن عيينة ، وابن عيينة ثقة، إمام، حجة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ، وهو ثقة، حجة، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني عبيد الله ].وعبيد الله هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في عصر التابعين في هذه المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصر التابعين، وهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وعروة بن الزبير بن العوام، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب ، هؤلاء ستة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . وعبيد الله بن عتبة هذا حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عباس ].وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-24-2026, 05:24 PM
شرح حديث الفضل بن العباس في صلاة النبي العصر وبين يديه حمارة وكليبة ترعيان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبد الرحمن بن خالد حدثنا حجاج قال ابن جريج : أخبرني محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبيد الله بن عباس عن الفضل بن العباس رضي الله عنهما أنه قال: ( زار رسول الله صلى الله عليه وسلم عباساً في بادية لنا، ولنا كليبة، وحمارة ترعى، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر وهما بين يديه، فلم يزجرا ولم يؤخرا ) ].أورد النسائي هذا الحديث حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما، وهو يتعلق بعدم قطع الصلاة لمرور الكلب والحمار، لكن ذلك ليس بظاهر؛ لأنه ليس فيه دليل أنه بينه، وبين السترة، فيمكن أن يكون وراء السترة، ومن المعلوم أن ما كان وراء السترة فإنه لا علاقة للمصلي به، ولا يؤثر على صلاته، ما دام أنه وراء السترة، وكلمة بين يديه تشمل ما كان دون السترة وما كان وراءها، وهو محتمل لهذا ولهذا، لكنه ليس بظاهر، أو ليس بواضح أن المرور إنما هو بين المصلي وبين السترة، فمحتمل أن يكون بين المصلي والسترة، ويمكن أن يكون وراءها، وإذا كان وراءها فإنه لا يؤثر، فإذا كان وراء السترة فإن ذلك لا تأثير له إذا كان من وراء السترة.
تراجم رجال إسناد حديث الفضل بن العباس في صلاة النبي العصر وبين يديه حمارة وكليبة ترعيان
قوله: [ أخبرنا عبد الرحمن بن خالد ].وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي. [ حدثنا حجاج ].هو حجاج بن محمد المصيصي ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج ].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن عمر بن علي ].هو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب .وهو صدوق، أخرج له الأربعة.[ عن العباس بن عبيد الله ].هو العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، وهو مقبول، خرج له أبو داود، والنسائي.[ عن الفضل بن العباس ].الفضل بن العباس هو أكبر أولاد العباس بن عبد المطلب ؛ ولهذا كنية العباس أبو الفضل وكذلك أم أولاد ابن عباس، لبابة بنت الحارث الهلالية يقال لها: أم الفضل تكنى بابنها هذا الذي هو الفضل بن العباس ، فهو أكبر أولاد العباس ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، حديث الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما عند أصحاب الكتب الستة. والحديث في إسناده العباس بن عبيد الله بن العباس ، وهو مقبول، والمقبول في اصطلاح ابن حجر في التقريب: أنه إذا لم يحصل له ما يعضده فإنه يكون ضعيفاً، يعني: لا يحتج بحديثه إذا لم يأت ما يعضده، والحديث كما قلت لكم أنه محتمل لأن يكون هذا المرور من وراء المصلي، وعلى هذا لا إشكال، ولا تعارض بينه وبين الأحاديث السابقة.وعلى الاحتمال الثاني: أنه يكون بينه، وبين المصلي، فيكون فيه معارضة، وعلى هذا فيكون فيه مخالفة ضعيف لثقة، فيكون منكراً، فيكون من قبيل المنكر؛ لأن الضعيف إذا خالف الثقة فحديثه منكر، لكن لا يعتبر فيه مخالفة إلا إذا كان المرور بين المصلي وبين السترة، أما لو كان من وراء السترة، فإنه لا إشكال فيه، ولا يعتبر فيه معارضة.
شرح حديث ابن عباس في مرور حمار بين يدي رسول الله وهو يصلي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو الأشعث حدثنا خالد حدثنا شعبة أن الحكم أخبره سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن صهيب سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يحدث: ( أنه مر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي، فنزلوا، ودخلوا معه، فصلوا ولم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتيه ففرع بينهما، ولم ينصرف ) ].أورد النسائي هذا الحديث عن ابن عباس ، وهو مروره ومعه غلام من بني هاشم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنزلوا ودخلوا معه.وأنهم مروا بين يدي الصف من أمام الصف كما جاء مبيناً في الحديث الآخر أو الرواية الأخرى؛ أن مرورهم إنما كان بين يدي الصف، وكونه بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يكون معناه أنهم جاءوا من وراء سترته، ثم جاءوا أمام الصف، وعلى هذا فلا إشكال، ولا معارضة؛ لأنه يحمل، أو أن هذا الحديث يبينه ذاك الحديث؛ لأن حديث ابن عباس قصته واحدة، فيحمل على ذاك الذي هو مرور بين بعض الصف، وما جاء بين يدي الرسول، فإن كان محفوظاً، فإنه يحمل على أنه من وراء سترته، والمعلوم أن بين يديه يطلق على ما كان أمامه، ولو كان بينه وبينه مسافة، لكن الخطأ كما هو معلوم إنما يكون إذا كان قريباً منه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في مرور حمار بين يدي رسول الله وهو يصلي
قوله: [ أخبرنا أبو الأشعث ].وهو أحمد بن مقدام العجلي ، وهو: صدوق، أخرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، لم يخرج له مسلم ولا أبو داود ، وإنما خرج له الباقون.[ حدثنا خالد ].وهو ابن الحارث ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا شعبة ].هو ابن الحجاج ، وقد مر ذكره قريباً.[يروي عن الحكم ].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي ، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن الجزار ].وهو صدوق، أخرج له مسلم، والأربعة.[ عن صهيب ].هو أبو الصهباء البكري ويقال له: المدني، مولى ابن عباس مقبول، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[ عن ابن عباس ].وقد مر قريباً في الإسناد الذي قبل.
شرح حديث عائشة : (كنت بين يدي رسول الله وهو يصلي فإذا أردت أن أقوم ... انسللت انسلالاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم فأمر بين يديه، انسللت انسلالاً ) ].أورد النسائي حديث عائشة أنها كانت تكون بين يديه وهو يصلي، وتكره أن تقوم فتمر بين يديه، فإذا أرادت أن تقوم انسلت انسلالاً، أي: دون أن تقوم قياماً، وإيراد الحديث هنا لا يعارض ما تقدم من ذكر القطع بمرور المرأة؛ لأن هذا ليس فيه مرور، وإنما هو اعتراض، فكانت تكون في قبلته وهو يصلي يعني في بيته، وكان كما جاء في بعض الأحاديث: أنه ليس فيه مصابيح، فإذا سجد غمزها، وإذا رفع مدت رجلها أو مدت رجليها، فكانت تكون في قبلته، فإذا أرادت أن تقوم لا تقوم، ولكنها تنسل انسلالاً، يعني: تسحب نفسها برفق ولين، وسهولة؛ حتى لا تشوش في ذلك على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ومثل هذا لا يعتبر مروراً، ولا يعارض ما جاء في أحاديث القطع بمرور المرأة؛ لأن هنا كونها معترضة وليست مارة، وهنا جاء ما يدل على الجواز، وهناك جاء ما يدل على المنع، ولا تعارض بينها، لا تعارض بين هذا الحديث وبين ما تقدم من حديث أبي ذر في كون المرأة تقطع صلاة المصلي، وكذلك الحمار، والكلب الأسود.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت بين يدي رسول الله وهو يصلي فإذا أردت أن أقوم ... انسللت انسلالاً)
قوله: [ أخبرنا إسماعيل بن مسعود ].هو أبو مسعود ، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[ حدثنا خالد ].هو خالد بن الحارث ، وهو ثقة، تقدم.[ حدثنا شعبة ].وقد تقدم.[ عن منصور ].وهو ابن المعتمر الكوفي ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم ].وهو ابن يزيد بن قيس النخعي ، المحدث، الفقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن الأسود ].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ، وهو ثقة، مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة ].هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق ، أكثر الصحابيات حديثاً عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنها وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
حكم رواية الحديث بالمعنى
السؤال: هل نستطيع أن نأخذ من قوله في حديث ابن عباس : (ثم ذكر كلمة معناها...) جواز رواية الحديث بالمعنى؟الجواب: رواية الحديث بالمعنى هي جائزة بلا شك فيما إذا لم يحفظ اللفظ، إذا لم يحفظ اللفظ فلا بد من الرواية بالمعنى، وإلا تضيع السنة وتترك السنة، ومن المعلوم أنه إذا أمكن الإتيان باللفظ فإنه لا يعدل بالمعنى، ولا يقتصر إلى الرواية بالمعنى، لا يؤتى بالمعنى، هذا هو الأولى، لكن إذا لم يمكن بأن يكون الإنسان ما ضبط اللفظة، ولكنه متقن للمعنى، فله أن يعبر عنه بما يؤدي معناه، وهذا أمر لا بد منه، والرواية بالمعنى سائغة، وجائزة، حتى مع ضبط اللفظ، لكن الأولى أنه لا يكون هناك رواية بالمعنى إلا إذا لم يمكن ضبط اللفظ؛ لأن هذا هو الممكن، والله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].
الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي
السؤال: هل ذكرتم أن سنن النسائي ليس فيها إلا حديث واحد ضعيف؟الجواب: الذي ذكر هذا فهم خطأً، وأرجو أن يعتنى بالكلام، وأن يتحقق من الكلام؛ لأن الإنسان قد ينسب إليه الشيء وهو ما قاله، أنا هذا الكلام إذا نسب إلي، نسب إلي شيء آخر ما قلته، فكوني أقول: إن النسائي ليس فيه إلا حديث ضعيف، أو أن الألباني قال هذا الكلام، أبداً.وإنما الإنسان كما هو معلوم يتنبه، وإذا كان عنده إشكال يبادر إليه في حينه.الحاصل: أنه لا بد من التنبه ولا بد من الاحتياط في النقل، يعني: لأن الإنسان قد يضيف لإنسان شيئاً ما قاله أبداً، ولا يجوز أن يقوله، ولا يتصور أن يقوله، كتاب النسائي ما يتصور ألا يكون فيه إلا حديث واحد ضعيف، ولكن أنا ذكرت تمثيلاً لقلة الأحاديث؛ لأنه قال لي بعض الطلاب: إنك ما تذكر الحديث صحيح أو.. قلت: كتاب النسائي بكله الأحاديث التي فيها صحيحة إلا حديث واحد، ذكره الألباني في كتاب الضعيفة، والباقي كلها صحيحة، وأنا أقول: أن كتاب النسائي هو أقل الكتب الأربعة التي هي السنن ضعيفاً؛ لأن الإنسان إذا رأى المجلدات التي فيها الضعيفة لـأبي داود ، والضعيفة للترمذي ، والضعيفة لـابن ماجه ، والضعيفة للنسائي ، يجد النسائي حجمه صغير، يعني: كتاب النسائي الذي عمله الألباني ضعيف النسائي ، يعني: صغير جداً، حجمه صغير بالنسبة للكتب الأخرى؛ ولهذا فهو أقل الكتب ضعيفاً، وسبق أن ذكرت: أن من العلماء من يرجح النسائي على أبي داود ، وسبب ذلك يقول: قلة الأحاديث الضعيفة التي فيه.
هل غسل اليدين واجب بعد كل نوم
السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده )، فهل غسل اليدين واجب بعد كل نوم؟ الجواب: الحديث سبق أن مر بنا، وهو أول حديث في سنن النسائي ، الحديث: ( إذا استيقظ أحدكم فلا يغمس يده، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده )، لكن قوله: (باتت يده)، يدل على أن هذا من نوم الليل؛ لأنه هو النوم الطويل المستغرق، الذي قد يكون فيه أن اليد تعبث، وتذهب إلى مكان فيه نجاسة وتعلق بها، بخلاف أي نوم في النهار أو كذا، لكن كما هو معلوم من حيث الاستحباب، يستحب للإنسان دائماً وأبداً إذا أراد أن يتوضأ من إناء، أن لا يغمس في الإناء إلا بعد أن يغسلها خارج الإناء، هذا على سبيل الاستحباب، وأما ذاك فإنه خاص بقيام نوم الليل؛ لأن فيه: ( فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ).
وقت سجود السهو
السؤال: شخص في صلاة العصر جلس بعد الركعة الثالثة ولم يسلم، فعرف أنه يبقى عليه ركعة، فأتى بها ثم سجد سجود السهو قبل السلام وبعده. فهل عليه إعادة الصلاة؟الجواب: السجود ما يكون قبل السلام، وإنما يكون بعد السلام..مداخلة: هل عليه الإعادة؟الشيخ: لا، ليس عليه إعادة، لكن سجوده يكون مرة واحدة ما يكون مرتين، ما يسجد قبل السلام وبعده، السجود إما قبله وإما بعده، لا يكون قبله وبعده، والسجود في الزيادة يكون بعد السلام.
معنى قول المحدثين: أخرجه البخاري تعليقاً
السؤال: ما معنى أخرجه البخاري تعليقاً؟الجواب: أخرجه البخاري تعليقاً، يعني: أنه ما رواه مسنداً بالطريقة عن الشيوخ: حدثنا فلان قال حدثنا فلان، يقول: قال الرسول صلى الله عليه وسلم كذا، أو قال: فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا يقال: أخرجه تعليقاً، رواه تعليقاً، هذا هو التعليق، التعليق هو حذف بعض الرواة، أو كل الرواة من أول الإسناد، الحذف من أول الإسناد قد يكون حذف واحد اثنين ثلاثة أربعة، وقد لا يكون فيه حتى نهايته، بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا حذف من الإسناد كله، قيل له: تعليق؛ لأن الإسناد إذا حذف أسفله الذي هو أدناه يكون كالمعلق، يكون معناه كالمعلق، يعني: الإسناد موجود، ولكن أسفله خالي؛ ولهذا لما جاء ابن حجر وألف كتابه سماه تغليق التعليق، يعني: أن النقص الذي فيه يأتي به، الحذف الذي في أول الإسناد يأتي به حتى يتصل الإسناد، فيكون من أوله إلى آخره متصل، بدل ما كان أوله محذوف وأعلاه موجود، يعني: جاء ما يغلقه ويسد الفراغ الذي وجد.
نصيحة لمن يقومون بعمل المولد النبوي
السؤال: هذا يطلب منكم نصيحة لمن يقيمون هذه الأيام عيد المولد؟الجواب: لا شك أن الواجب على كل مسلم أن يكون محباً للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم محبة تفوق محبة أي مخلوق؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين)، الوالدان اللذان كانا سبب وجود الإنسان هم من أولى الناس بمحبته، وبره، وإحسانه؛ لأنهم سبب وجوده، ولهذا الله تعالى يقرن حقهما بحقه فيقول: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36]، وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23].أما الرسول صلى الله عليه وسلم فمحبته تفوق محبة الوالدين، لماذا؟ لأن النعمة التي ساقها الله لنا على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من النعمة التي حصلت لنا على يدي الوالدين؛ لأن الوالدين يوجد منهما الولادة، لكن بعد ذلك هناك شيء أهم، وهو الهداية للإسلام؛ لأن الوالدين يلدون، ثم يكون كافراً أومسلماً بعد هذه الولادة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ساق الله لنا على يديه أعظم نعمة، وأجل نعمة، وهي نعمة الإسلام التي لا يماثلها نعمة، ولا يساويها نعمة؛ ولهذا كانت محبته يجب أن تكون في قلوبنا أعظم من محبتنا لآبائنا، وأمهاتنا، وأجدادنا، وزوجاتنا، وأبنائنا، وبناتنا، وأقاربنا، والناس أجمعين، بل جاء في حديث عمر : (حتى أكون أحب إليك من نفسك)، الرسول صلى الله عليه وسلم يكون أحب إلى الإنسان من نفسه عليه الصلاة والسلام، وهذه المحبة لا بد أن نفهم معناها، ولا بد أن نفهم ما تطلبه هذه المحبة، هذه المحبة تتطلب أن يكون في قلوبنا في هذه المنزلة التي ذكرت، وأن يكون ذكره بألسنتنا بما يناسبه ويليق به، بأن نعظمه، ونثني عليه من غير غلو، ومن غير إطراء، وكذلك بالنسبة لأعمالنا، أن تكون تابعة لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو معنى: أشهد أن محمداً رسول الله؛ لأن أشهد أن محمداً رسول الله، معناها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ودين الإسلام انبنى على قاعدتين: إحداهما: تجريد الإخلاص لله وحده، والثاني: تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، ويقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، ويقول: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، ويقول سبحانه: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7].إذاً: من محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أن نمتثل أوامره، وننتهي عن نواهيه، وأن نصدق أخباره، وأن نعبد الله طبقاً لشريعته، وأن تكون محبته في قلوبنا أعظم من محبة أي مخلوق، هذه هي المحبة الصحيحة، وفي القرآن آية يسميها بعض العلماء آية الامتحان، وهي: أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية هي قول الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31]، من يحب الرسول يحبه بمتابعته، وبامتثال أوامره، ما يحبه بأن يعمل أموراً محدثة ما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من هديه، وإنما هي من محدثات الأمور.تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بما شرع وليس بما ابتدع، ومن المعلوم أن بدعة الموالد هذه المحدثة ما كانت موجودة في ثلاثمائة سنة كاملة من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مضى ثلاثمائة سنة كاملة ما يوجد للموالد أي ذكر، وليس لها أي وجود أبداً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )، فالقرون المفضلة ما وجدت فيها هذه البدعة، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عمل شيئاً من ذلك، وما أرشد إليه، وأصحابه الكرام وهم الحريصون على كل خير، والسابقون إلى كل خير ما فعلوا شيئاً من ذلك، وأتباعهم وأتباع أتباعهم، وثلاثمائة سنة كاملة ما وجد فيها شيء من هذا، متى وجدت هذه البدعة؟ وجدت في المائة الرابعة، ومن أوجدها؟ أوجدها الرافضة الذين حكموا مصر الذين يقال لهم: العبيديون، كما ذكر ذلك المقريزي في كتابه تاريخ مصر، المسمى بالخطط والآثار، فإنه قال: إنهم أحدثوا ستة موالد، مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومولد علي رضي الله عنه، ومولد فاطمة رضي الله عنها، ومولد الحسن رضي الله عنه، ومولد الحسين رضي الله عنه، ومولد الحاكم الموجود من حكامهم في زمانهم، فأحدثوا هذه البدعة بعد القرن الرابع، وهم إنما حصل تسلطهم على مصر في: (317هـ) وما بعدها، وطالت مدتهم بعد ذلك، لكن هم الذين أحدثوا هذه البدعة.إذاً: فالخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:39 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(139)
- (باب التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته) إلى (باب الرخصة في الصلاة خلف النائم)
الصلاة عبادة روحانية حيث توصل العبد بمولاه، فيعيش مع ربه بكل جوارحه؛ ولذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في قطعها على صاحبها بالمرور بين يديه؛ لأن المرور بين يدي المصلي يقطع عليه اتصاله بربه، إلا أنه في بعض الأماكن رخص للضرورة كالصلاة خلف المقام، كما رخص في الصلاة خلف النائم.
التشديد بالمرور بين يدي المصلي وبين سترته
شرح حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ التشديد بالمرور بين يدي المصلي وبين سترته.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن بسر بن سعيد : ( أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم رضي الله عنه يسأله ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) ].يقول النسائي رحمه الله: التشديد في المرور بين يدي المصلي وبين سترته.المقصود من هذه الترجمة: بيان أن المرور بين يدي المصلي، سواء كان له سترة، بأن يمر بينه وبين سترته، أو ليس له سترة، بأن يمر بينه وبين موضع سجوده، أو قريب من موضع سجوده، فإن ذلك من الأمور الخطيرة، ومن الأمور التي ورد فيها تشديد، وورد فيها تحذير وترهيب، وقد أورد النسائي حديث أبي جهيم رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه)، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له من التشديد في المرور؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه)، يعني: من الإثم، و(من الإثم) هذه جاءت في بعض نسخ البخاري ، ولكن باقي النسخ الأخرى ليس فيها: (من الإثم)، وهو المقصود، المقصود أنه ماذا عليه، يعني: من الإثم، لكنها لم تأت ثابتة في الطرق المختلفة التي جاءت في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي معلومة وإن لم ينص عليها؛ لأن المقصود من ذلك بيان خطورة الموقف، والحال التي يكون عليها المار، وأنه يكون على خطر عظيم.يقول عليه الصلاة والسلام: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه )، يعني: لأن الإنسان عندما يريد أن يمر، أو يريد أن يتجاوز ويذهب إلى حاجته، لكن لو يعلم المار بين يديه، لكان وقوفه وامتناعه من المرور حتى ينتهي الإنسان من الصلاة، وحتى تنتهي تلك الصلاة التي يصليها ذلك الإنسان، لكان خيراً له من أن يمر، يعني: هذا الوقوف ولو طال مدة طويلة، يعني: ليس بمقدار الصلاة، بل لو وقف أربعين، وهذه الأربعين التمييز لم يذكر، ويحتمل أن يكون أربعين يوماً، ويحتمل أن يكون أربعين شهراً، ويحتمل أن يكون أربعين سنة، وهو لو كان أربعين دقيقة لكان شديداً، وعظيماً، فهذه المدة، يعني: هذا أمر خطير غير سهل، يعني: لو يعلم المار بين يديه ماذا عليه من الإثم، لكان وقوفه، وطول بقائه، وعدم مروره خيراً له من هذا المرور الذي يترتب عليه هذا الإثم، وهذا الأسلوب -أو هذا التعبير- يبين خطورة ذلك الأمر الذي لم يقع، ولكنه لو وقع لأدرك شدته، أي: هذا الوقوع.ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم في بيان عظم حضور الصلاة، وعظم شأن صلاة الجماعة، وأن الذي يتخلف عن الصلاة لو يعلم ما فيها من الأجر لأتاها ولو حبواً، كما جاء في الحديث الصحيح، يقول عليه الصلاة والسلام: ( ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً )، (لو يعلمون)، أي: المنافقين الذين يتخلفون عن صلاة العشاء، وصلاة الفجر (لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، وهذا لو يعلم ما عليه من الإثم لوقف ولم يتجاوز، وأدرك أن وقوفه خيراً له من ذلك المرور الذي يترتب عليه ذلك الإثم العظيم. (لو يعلم المار بين يدي المصلي)، يعني: سواء كان بينه وبين سترته إذا كان له سترة، أو بين يديه قريباً منه إذا لم يكن له سترة، (لكان أن يقف أربعين)، يعني: وقوفه أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة، أو أقل أو أكثر، خيراً له من أن يمر بين يديه، يعني: (خيراً) هذا هو خبر كان، لكان وقوفه وعدم مروره خيراً له من أن يمر بين يدي المصلي؛ لأنه يترتب عليه هذا الإثم العظيم، ولهذا النسائي ترجم بهذه الترجمة وهي التشديد، يعني: فيه تشديد. ثم أيضاً: هذا يدل على أنه من الكبائر؛ لأن كونه يتوعد عليه بهذا الوعيد الشديد وأن الوقوف لمدة طويلة أسهل منه، وخير لمن يريد المرور من المرور، يعني: هذا يدل على خطورته وعلى شدة العذاب فيه، وأنه بهذه الصورة التي بينها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة التي حصل لها الشهرة، وحصل لها الانتشار؛ بسبب الأصحاب الذين عنوا بجمعها، وحفظها، وترتيبها، حصل لها -أي: لهذه المذاهب الأربعة- ما لم يحصل لغيرها من مذاهب العلماء الآخرين الذين هم في زمانهم، وقبل زمانهم، وبعد زمانهم من أهل الفقه، والاجتهاد، وأهل الجهود العظيمة في بيان المسائل الفقهية وأحكامها -وحديثه، أي: الإمام مالك رحمة الله عليه- أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي النضر ].هو سالم بن أبي أمية المدني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ بسر بن سعيد ].هو بسر بن سعيد المدني ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: أن زيداً أرسله إلى أبي جهيم رضي الله عنه يسأله ماذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المار بين يدي المصلي؟ فقال أبو جهيم ... إلخ، يعني: الإسناد هو من رواية بسر عن أبي جهيم ، وزيد بن خالد ليس من الرواة هنا في الإسناد، ولكنه هو الذي أرسله ليسأل، فأجابه أبو جهيم بهذا الجواب الذي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فالإسناد هو عن بسر بن سعيد عن أبي جهيم ، وزيد بن خالد ليس من رجال الإسناد، وإنما كان هو السبب في كون بسر بن سعيد يأخذ ويتلقى من أبي جهيم هذا الحديث؛ لأنه أرسله يسأله، فأجابه أبو جهيم بهذا الجواب.ومن المعلوم أنه رجع وأجابه؛ لأنه أرسله يسأل، يعني: ليخبره، لكن الإسناد الذي معنا هو من رواية بسر بن سعيد عن أبي جهيم ، وزيد بن خالد هو الجهني الصحابي المشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكما قلت: هو ليس من رجال الإسناد هنا، وأما أبو جهيم ، هو: ابن الحارث بن الصمة ، وهو صحابي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.إذاً: فالإسناد رجاله كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة: قتيبة بن سعيد، ومالك بن أنس، وأبو النضر سالم بن أبي أمية المدني، وبسر بن سعيد المدني، وأبو جهيم الصحابي الذي روى الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
حرص الصحابة على تعلم الخير
وفعل زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه مع أبي جهيم وإرساله بسر بن سعيد ليسأله، هذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم من التتبع لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحرص على معرفته، سواء تلقوه عنه عليه الصلاة والسلام مباشرة، أو تلقوه بواسطة من تلقاه، بحيث يروي بعضهم عن بعض، ويسأل بعضهم بعضاً، وهذا لأن الحديث يكون عند بعض الصحابة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث بالحديث في مجلس، فيحضر المجلس من لا يحضره.. يحضر المجلس بعض أصحابه ولا يحضره الكثير، فيكون هذا البعض الذي حضر أخذ هذا الحديث، والذي ما حضر ليس له علم إلا عن طريق هذا الذي حضر، وبواسطة هذا الذي حضر، ولهذا فإن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، حتى يعرفوها أو حتى يعلموها من بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذين هم دونهم في المنزلة؛ لأنهم حضروا مجلساً حدث الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، وأولئك غابوا عن هذا المجلس الذي حدث فيه هذا الحديث، ولهذا فإنه لا غرابة في أن يكون الحديث عند بعض الصحابة الذين هم ليسوا أكثر ملازمة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يكونوا عند الملازمين له؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدث بالحديث في وقت من الأوقات، يكون من حضر علم، ومن لم يحضر لا علم له، إلا إذا وصل إليه عن طريق ذلك الذي علم، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لما جاءته امرأة جدة تسأل ميراثها من ابن ابنها، فـأبو بكر ما كان عنده علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم، فقال: إنني ما علمت لك في كتاب الله شيء، وما علمت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن دعيني أسأل، فسأل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فجاءه من بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين عندهم علم، وقال: إنه أعطاها السدس، فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو أفضل الأمة على الإطلاق ما كان يعلم هذه السنة؛ لأن السنة -كما هو معلوم- تحصل في مجلس من المجالس يعلمه من حضر، ولا يعلمه من لم يحضر، إلا إذا ظفر به عن طريق من حضر، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يتناوبون على مجلسه، يعني: يوفقون بين مصالحهم الدنيوية وأخذهم الحديث والعلم عنه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح عن عمر: أنه كان له جار يتناوب هو وإياه النزول، هذا ينزل يوماً وهذا ينزل يوماً، هذا ينزل يوم ويجلس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا رجع أخبره بالذي سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اليوم الثاني يبقى هذا الرجل وينزل عمر ، وإذا خرج أخبره بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجلسون لأعمالهم، ولطلب أرزقاهم في بعض الأوقات، ويتناوبون، ومن حضر أخبر من لم يحضر، وأبلغ من لم يحضر، وهذا الحديث في الصحيح، في قصة كون النبي صلى الله عليه وسلم غضب على نسائه، وآلى أن لا يدخل عليهن شهراً، والحديث المشهور الذي في الصحيحين عن عمر ، وجاء إليه، فلما جاء رفيقه قال: إنه حصل أمر خطير، ففزع عمر ، ثم جاء وسأل، وخشي أن يكون طلق نساءه، وجاء وتكلم على حفصة واشتد عليها، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ( أطلقت نساءك يا رسول الله؟ قال: لا، فقال: الله أكبر )، يعني: فرح؛ لأنه ما حصل طلاق.الحاصل: أن الحديث فيه إثبات التناوب، زيد بن خالد الجهني -الذي معنا في الإسناد- أيضاً جاء في صحيح مسلم أنه قال: كنا نتناوب رعاية الإبل، يعني: هذا عنده خمس، وهذا عنده عشر، وهذا عنده ثمان، وهذا عنده تسع، فبدلاً من كون كل واحد يرعى إبله، ويغيبون جميعاً، يجمعونها مع بعض، ثم يتناوبون على رعايتها.قال زيد بن خالد : لما كانت نوبتي، يعني: اليوم الذي يسرح فيها، رجع مبكراً، يعني: لم يبلغ النهاية في آخر النهار، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحدث الناس، يعني: في المسجد، فجلس، وسمع آخر الحديث، فسمع شيئاً أعجبه، يعني: فيه أجر وثواب، فقال: ما أحسن هذه، أو ما أجود هذه! يعني: يقوله زيد بن خالد، ما أجود هذه الفائدة التي فيها هذا الثواب، فسمعه عمر فقال: التي قبلها أجود، ثم أخبره بالحديث الذي كان غاب عنه، أي في المدة التي كان قبل أن يأتي، وهذا يتعلق بالأذان وما يقوله الإنسان كونه يتوضأ، ويذكر الله عز وجل، فالحديث في صحيح مسلم.فالحاصل والمقصود من هذا أنهم كانوا يتناوبون، فـزيد بن خالد رضي الله عنه هنا أرسل بسر بن سعيد إلى أبي جهيم ليسأله عما عنده، أو ما يعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرور بين يدي المصلي، فقال أبو جهيم: سمعته وهذا الكلام يقوله لـبسر بن سعيد الذي جاء يسأل، ومن المعلوم أن بسر بن سعيد رجع وأخبر زيد بن خالد، لكن كما قلت: هذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم من حفظ السنة، والعناية بها، وتلقيها عمن أخذها من أصحابه، ولهذا الرسول عليه الصلاة والسلام رغب في تلقي الحديث عنه وبين عظم ذلك، حيث قال: ( نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )، فهذا فيه الترغيب في أخذ السنة، والترغيب في حفظها، والترغيب في بذلها؛ وأن بذلها ونشرها يترتب عليه المصالح الكبيرة، وهي: أنه قد يأخذه من يكون أعظم حفظاً، ويأخذه أيضاً من يكون أعظم فقهاً، فيفهم منها من الأحكام، ويفهم منها من أجوبة المسائل ما لا يفهمه الأول الذي أخذها: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
شرح حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً أن يمر بين يديه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً أن يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله )].أورد النسائي في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً أن يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله )، قوله: (فلا يدع أحداً يمر بين يديه)، هذا عام يشمل ما إذا كان عنده سترة، وما إذا كان ليس عنده سترة، لكنه يمر في حدود ما هو قريب منه يمنع، لا أن يتقدم خطوات، ويمنع المار إذا لم يكن له سترة، وإنما يمنع وهو في مكانه، أما أن يتقدم خطوات ليمنع، فليس من حقه أن يأخذ المسافة التي أمامه، المار إذا لم يكن هناك سترة يمر من بعد مقدار ثلاثة أذرع من موقف أو من قدم المصلي من بعد ثلاثة أذرع يمر، ولا يحجز المسافة التي أمامه إذا لم يكن له سترة، وإنما يترك مقدار ثلاثة أذرع، ثم يمر وراءها، ولا يضر، والمصلي لا يتقدم أي: لا يمشي خطوات من أجل أن يرد الناس، وإنما يبقى في مكانه، ومن كان قريباً منه مد يده ليرده. (وإن أبى فليقاتله)، معناه: أنه يدفعه، وليس المقصود أنه يترك صلاته ثم يتصارع معه، وإنما يدفعه ولو كان بقوة، يعني: بمعنى أنه إذا كان عزم يدفعه بقوة، لا أن يلحق به ضرراً، وينشغل عن صلاته بمغالبته، ومضاربته أو مقاتلته، وإنما المقصود من ذلك مدافعته بقوة دون أن يلحق ضرراً.( إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً أن يمر بين يديه فإن أبى )، يعني: إذا رده أو نبهه فلم ينتبه، ثم أراد أن يذهب بقوة، لكن إن تجاوز يتركه يمشي، وإن لم يتجاوز فإنه يدفعه، فإن تجاوز فإنه يدعه، ولا شك أنه أدى ما عليه، وذاك ظفر بالإثم الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه ).
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً أن يمر بين يديه...)
قوله: [ أخبرنا قتيبة عن مالك ].قتيبة عن مالك ، وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.[ عن زيد بن أسلم ].هو: المدني ، وهو: ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ].هو: عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وهو: ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي سعيد الخدري ].وهو: سعد بن مالك بن سنان ، مشهور بكنيته أبو سعيد ، ومشهور بكنيته ونسبته الخدري ، سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخدري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي مشهور، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفـالخدري المقصود به أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
الرخصة في المرور بين يدي المصلي
شرح حديث المطلب بن أبي وداعة: (رأيت رسول الله طاف بالبيت... وليس بينه وبين الطواف أحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في ذلك: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن كثير بن كثير عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد ) ].أورد النسائي هذه الترجمة: الرخصة في ذلك، يعني: في المرور، هذا هو المقصود من هذه الترجمة، والمرور بين يدي المصلي كما هو معلوم لا يجوز؛ لأنه ورد فيه وعيد، لكن الإنسان يمكنه بدل أن يمر، وبدل أن يقف إذا كان لا يريد أن يقف، يمكنه أن ينتقل من صف إلى صف، يعني: إذا كان إنسان يصلي في الصف، والآخر يمشي بين الصفوف، فبدلاً من أن يمشي بين الصفوف التي تكون أمام هذا المصلي، يعني: ينظر إلى الصف الذي وراءه فإذا كان خالياً -يوسع بين اثنين- فإنه ينتقل إلى الصف الثاني، ثم يمشي وهكذا، لكن إذا كان هناك ضرورة ملجئة للإنسان، ولا يجد سبيلاً، لا سيما إذا كان الإنسان مضطراً إلى قضاء الحاجة، وعدم مروره يؤدي به إلى أمر يصعب عليه، فإنه لا بأس؛ لأن هذه ضرورة.كذلك في المسجد الحرام عندما يكون الناس في المطاف، ويكثر الطائفون، ويمتلئ المسجد، ويصلي عند المقام، ثم يكون الطائفون بين يديه، فإنه لا يمنع الطائفين، وفي هذه الحالة للضرورة لا بأس بذلك، وقد أورد النسائي في هذا حديث المطلب بن أبي وداعة السهمي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت، وجاء وصلى بحذاء المقام في حاشيته، وليس بينه وبين الطواف أحد )، يعني: الناس يطوفون وليس بينه وبينهم أحد، يعني: معناه أنهم يطوفون بين يديه، هذا هو الحديث، والحديث تكلم فيه بعض أهل العلم، وضعفه الشيخ ناصر الألباني ، فرجاله ثقات إلا كثير بن المطلب فإنه قال عنه: مقبول.
تراجم رجال إسناد حديث المطلب بن أبي وداعة: (رأيت رسول الله طاف بالبيت... وليس بينه وبين الطواف أحد)
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بـابن راهويه ، المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ أخبرنا عيسى بن يونس ].وهو ابن أبي إسحاق السبيعي، حفيد أبي إسحاق السبيعي، عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو: ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو: ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ].وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة هذا ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، خرجوا لـكثير بن كثير الذي هو الحفيد؛ حفيد المطلب .[ عن أبيه ].كثير اسمه يوافق اسم أبيه كثير بن كثير ، وأما كثير بن المطلب فهذا قيل عنه: مقبول، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ؛ فالذين خرجوا له هم الذين خرجوا لابنه بدون البخاري .[ عن جده ].المطلب بن أبي وداعة ، وهو صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
الرخصة في الصلاة خلف النائم
شرح حديث عائشة: (كان رسول الله يصلي من الليل وأنا راقدة معترضة بينه وبين القبلة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الصلاة خلف النائم. أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: أخبرني يحيى عن هشام قال: حدثنا أبي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا راقدة، معترضة بينه وبين القبلة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت ) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الرخصة في الصلاة خلف النائم، المقصود من ذلك: أن الصلاة خلف النائم صحيحة، وأنه لا بأس بها، وأورد في ذلك حديث عائشة الدال على هذه الترجمة، وهي أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل)، يعني: تطوعاً، (وأنا راقدة) بين يديه (معترضة)، يعني: ممتدة، رجلاها أمامه، (فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت)، فالنائم أو كونها نائمة مأخوذ من قوله: راقدة، ومن قولها: (أيقظني)، وأنا راقدة (فإذا أراد أن يوتر أيقظني) فهذا يفيد ما عقد له الترجمة، وهو الصلاة خلف النائم، أو وراء النائم.والحديث واضح الدلالة؛ لأن عائشة رضي الله عنها، كانت في حجرتها، والرسول صلى الله عليه وسلم يصلي وهي في قبلته معترضة نائمة، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت، والحديث يدل على أن الصلاة خلف النائم لا بأس بها؛ لدلالة هذا الحديث عليها، وفي ذلك أيضاً تأكيد الوتر وتأكد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يوتر أيقظها لتوتر؛ لأن الوتر متأكد، بخلاف صلاة الليل، والوتر هو آكد النوافل، هو وركعتا الفجر، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يتركهما لا في حضرٍ ولا في سفر، الوتر وركعتا الفجر.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رسول الله يصلي من الليل وأنا راقدة معترضة بينه وبين القبلة ...)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ]، وهو: السرخسي اليشكري ، وهو: ثقة، مأمون، سني، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.[ عن يحيى ].هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المعروف كلامه الكثير في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن هشام ].هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، وهو: ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا أبي ]. عروة بن الزبير بن العوام ، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المعروفين في عصر التابعين الذين يأتي ذكرهم كثيراً في هذه الأسانيد.[ عن عائشة ]. يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.والله أعلم.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:42 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(140)
- باب المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة - باب الصلاة في الثوب الواحد
أحب الأعمال إلى الله الدائمة وإن كانت قليلة، فعلى الإنسان أن لا يكلف نفسه فوق طاقتها، بل يحرص على الاستمرار في العمل وإن قل؛ فالشارع لم يقصد المشقة في الأعمال، بل يسر على المكلفين، ومن ذلك أنه أجاز الصلاة في الثوب الواحد بشرط أن يكون ساتراً للعورة.
باب المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة شرح حديث: (... فصلوا بصلاته وبينه وبينهم الحصيرة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة.أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة قالت: ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرة يبسطها بالنهار ويحتجرها بالليل فيصلي فيها، ففطن له الناس فصلوا بصلاته وبينه وبينهم الحصيرة، فقال: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله عز وجل لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل أدومه وإن قل، ثم ترك مصلاه ذلك، فما عاد له حتى قبضه الله عز وجل، وكان إذا عمل عملاً أثبته )].يقول النسائي رحمه الله: باب المصلي يكون بينه وبين الإمام سترة. والمقصود من هذه الترجمة بيان جواز أن يكون بين الإمام والمأمومين ما يفعل كنصب حصيرة وما شابهها، وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصيرة يبسطها بالنهار ويحتجرها بالليل فيصلي فيها، ففطن الناس فصلوا بصلاته وبينه وبينهم الحصيرة )، يعني: أنهم صلوا مؤتمين بالنبي وبينهم وبينه حصيرة، فلم ينههم عن الاقتداء به بهذه الصورة، ولكنه نهاهم عن التكلف في فعل ما لا يطاق فقال: ( اكلفوا من العمل ما تطيقون )، يعني: افعلوا ما تطيقون، وأتوا من العمل ما تطيقون، وكون الإنسان يعمل الشيء الذي يطيقه ويداوم عليه أولى له من أن يقدم على شيء ويكثر منه في وقت من الأوقات ثم يهمله في بقية الأوقات، فإنه كما يقولون: قليل تداوم عليه خير من كثير تنقطع عنه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ( اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا ).وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، ليس المقصود منه أن الله تعالى يمل إذا مل الناس، فإن الله تعالى لا يوصف بالملل، ولكنه لا يمل وإن حصل منهم الملل، وهنا نفى صفة الملل عنه عز وجل: (إن الله لا يمل)، فأرشدهم إلى أن يفعلوا ما يطيقون، وأن إكثارهم من العمل مطلوب ولا بأس به، ولكن إذا كان هذا العمل يؤدي إلى انقطاع ويؤدي إلى حصول مشقة -يعني: يجعل الإنسان يكسل ولا يستمر- فإن غيره خير منه، والذي هو خير منه العمل الذي يداوم عليه ولو كان قليلاً، ولهذا أرشد عليه الصلاة والسلام بعد ذلك إلى قوله: ( وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل )، فما يداوم عليه الإنسان وإن كان قليلاً فهو يجعله على صلة بالله عز وجل دائماً، بخلاف الإنسان الذي ينشط في بعض الأوقات، ثم يهمل في كثير من الأوقات، فالإنسان الذي ينشط في بعض الأوقات ويهمل قد يأتيه الموت في حال إهماله، والإنسان الذي يداوم على شيء فأي وقت يأتيه الموت فإنه يأتيه وهو على حالة حسنة، ويأتيه وهو مستمر على شيء.ثم إن القليل الدائم يكون كثيراً، بخلاف الكثير الذي يكون في وقت من الأوقات ثم يحصل الملل فيترك الإنسان القليل والكثير، ويضيع الإنسان القليل والكثير، بل الإنسان يحرص على أن يكون له عمل دائم وإن كان قليلاً، ولا يكون همه أن يكثر من العمل في وقت من الأوقات ثم يهمل ويغفل في أوقات كثيرة، وقد ذكر عن بعض السلف أنه قيل له: إن أناساً يجتهدون في رمضان، وإذا خرج رمضان تركوا، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان! نعم رمضان موسم من مواسم الآخرة، ويشتغل فيه بالعبادة، ويزاد في صلاة التراويح، وفيه تهجد في العشر الأواخر، وانتظار ليلة القدر، ولكن لا يعني هذا أن الإنسان يكون من بعد رمضان ليس له علاقة بالعبادة، ولا يشتغل بالنوافل، بل على الإنسان أن يكون له نوافل يداوم عليها ويستمر عليها ولو كانت قليلة، فإن القليل مع الدوام يكون كثيراً، والكثير مع الإهمال والتضييع يتلاشى ويضمحل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ( فإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ).ثم أيضاً هذا يدل على إثبات صفة المحبة لله عز وجل، وأن الله تعالى يحب ما شاء من الأعمال، ومن شاء من الأشخاص، فهو من صفاته المحبة، وهي صفة كغيرها من الصفات تثبت لله عز وجل على ما يليق به، دون أن تؤول ودون أن تصرف عما تدل عليه إلى معان أخرى لا تدل عليها، فالصفات كلها من باب واحد، كل ما ثبت في الكتاب والسنة يثبت على ما يليق بالله عز وجل، من غير تشبيه ولا تكييف، ومن غير تحريف ولا تأويل، وإنما إثبات لا تعطيل معه ولا تأويل، ومع الإثبات لا تشبيه ولا تكييف، بل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى، فهذا هو شأن الصفات جميعاً، وكلها من باب واحد، فيقال في الصفات ما يقال في الذات، فكما تثبت لله عز وجل الذات ولا يعلم كنهها، فتثبت كل الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة ولا يعلم كنهها، فالصفات كلها من باب واحد، يقال في بعضها ما يقال في البعض الآخر، ويقال فيها ما يقال في الذات.ولا يتكلف الاشتغال بتأويلها وتفسيرها بأمور لا تدل عليها، بحجة أن الإثبات يقتضي التشبيه، أبداً، لا تلازم بين الإثبات والتشبيه، فهناك إثبات مع تنزيه، وهناك إثبات مع تشبيه، والإثبات مع التشبيه هو الباطل الذي لا شك فيه، والإثبات مع التنزيه هو الحق الذي لا ريب فيه، والله تعالى جمع بين الإثبات والتنزيه في قوله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فهو سميع بصير ليس كمثله شيء، ولا يلزم من إثبات الصفة المشابهة للمخلوق، أبداً؛ لأن بعض الناس يتصور أنه لو أثبت للزمت المماثلة والمشابهة؛ لأنه ما تصور الإثبات إلا على ما هو مشاهد من المخلوقين، وما تصور الصفة إلا على ما هو مشاهد، وهذا من أكبر الغلط، وهذا من أبطل الباطل، فتصور التشبيه أدى إلى التعطيل، ولكن الإنسان إذا أثبت ما أثبته الله لنفسه على ما يليق بكماله وجلاله، دون تشبيه له بخلقه، ودون تعطيل لصفاته، ودون تأويل لها إذا أثبت هذا فهو إثبات مع التنزيه، والإثبات مع التنزيه ذكره الله عز وجل بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فأثبت السمع والبصر، ونفى المشابهة، فهو سميع بصير ليس كمثله شيء، له سمع لا كسمعنا، وبصر لا كأبصارنا، ووجه لا كوجوهنا، ويدان لا كأيدينا، فكل ما ثبت في الكتاب والسنة نثبته، ولكن مع نفي المشابهة، ونفي التكييف، ونفي التعطيل، ونفي التأويل. هذا هو الواجب، وهذا هو الذي سار عليه سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم، وهم خير القرون، وهم السباقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: ( ثم ترك مصلاه ذلك فما عاد له ).يعني: ذلك المكان الذي يحتجر فيه، ووضع فيه الحصير الذي يعتبر حاجزاً ما عاد إليه حتى لا يتابعه الناس في ذلك، فينالهم بذلك مشقة. قال: ( وكان إذا عمل عملاً أثبته )، كان عليه الصلاة والسلام إذا عمل عملاً يداوم عليه ولا يتركه، وإذا فاته قضاه، كما حصل في الاعتكاف؛ فإنه اعتكف في العشر الأواخر من رمضان، ثم ترك الاعتكاف مرة، ولكنه قضى ذلك في شوال، ولما فاتته ركعتان بعد الظهر لكونه شغل في يوم من الأيام حتى جاء وقت العصر قام وقضاها بعد الصلاة، ثم داوم على ذلك؛ لأنه كان إذا عمل شيئاً أثبته عليه الصلاة والسلام.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فصلوا بصلاته وبينه وبينهم الحصيرة ...)
قوله: [ (أخبرنا قتيبة ) ].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].هو الليث بن سعد المصري ، المحدث الفقيه، فقيه مصر ومحدثها، والمكثر من الحديث، وكذلك مشهور بالفقه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن ابن عجلان ].وهو محمد بن عجلان المدني ، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن سعيد المقبري ].وهو سعيد بن أبي سعيد ، واسم أبيه كيسان ، وهو مشهور بـأبي سعيد ، ولهذا يقال له: سعيد بن أبي سعيد ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي سلمة ].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، من التابعين المحدثين الفقهاء، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع، يعني: كما ذكرت مراراً: ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة ]، أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها في الإسناد الذي قبل هذا.
باب الصلاة في الثوب الواحد
شرح حديث: (إن سائلاً سأل رسول الله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة في الثوب الواحد.أخبرنا قتيبة بن سعيد ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ( إن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: أولكلكم ثوبان؟ ).عقد النسائي رحمه الله كتاب القبلة، وأورد فيه أحاديث فيها الاستقبال، وفيها الشيء يكون في قبلة الإنسان وأمام الإنسان، ثم إنه لما فرغ منها أتى بعدها بأحاديث لا تتعلق بالقبلة، ولكنها تتعلق بستر العورة، وتتعلق باللباس في الصلاة، وهي ليست داخلة في القبلة، ولا دخل لها في القبلة، ولكنها تتعلق بشرط من شروط الصلاة الذي هو ستر العورة، كما أن القبلة واستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، فكذلك ستر العورة، وكون الإنسان يصلي وهو مستور العورة، ويكون لابساً ما يستر عورته، فأورد أحاديث تتعلق باللباس، سواء كان ذلك اللباس يتعلق بالجسد كله، أو يتعلق ببعض الجسد، كالخفين والنعلين؛ لأن هذا كله يعتبر من اللباس.وأورد فيه الترجمة، وهي الصلاة في الثوب الواحد، يعني: أن ذلك سائغ، فالإنسان يصلي في ثوب، ولكن ذلك الثوب يجب أن يكون ساتراً ولا يكون شفافاً، ولا يكون غير ساتر، بل يكون ساتراً للعورة وكافياً لها، فـالنسائي أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يصلي الرجل في الثوب الواحد؟ قال: أولكلكم ثوبان؟ )، فيه إنكار على هذا السؤال، يعني: أنه لا إشكال ولا ريب في أن الإنسان يصلي في ثوب واحد، وما كل أحد يستطيع أن يصلي في ثوبين، وأن يكون على جسده ثوبان وهو يصلي، ولهذا فإن مثل هذا السؤال لا وجه له؛ لأن هذا هو الواقع، وهذا هو الذي يحصل للناس، ولكن كون الإنسان يصلي وعليه ثوبان لا شك أنه أولى من ناحية كمال الستر، وكمال التحرز من انكشاف العورة، ومن بدو العورة، ولكن لا ينبغي أن يكون هناك تردد في الثوب الواحد، فلا يتردد فيه، ولا مانع منه، ولهذا قال: (أولكلكم ثوبان؟)، ليس كل أحد يستطيع أن يصلي في ثوبين، بل يكفي الصلاة في ثوب واحد، ولهذا أجاب بهذا السؤال الذي فيه إنكار، ودلالة على أن ليس كل أحد يستطيع أن يملك ثوبين، وأن تكون صلاته في ثوبين، بل الصلاة في ثوب واحد هو الغالب عليهم في ذلك الزمان، إذاً: الصلاة في الثوب الواحد سائغة ولا بأس بها، ولكن لا يكون شفافاً، ولا يكون مبدياً للعورة.والمراد بالثوب ليس القميص المخيط الذي له أكمام وله جيب، وإنما القطعة من القماش يقال لها: ثوب، والذي في حديث عائشة الذي مر أولاً، يعني: قطعة من القماش.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن سائلاً سأل رسول الله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك].وهو ابن أنس ، إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو الزهري : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث ، أحد المحدثين المكثرين، وأحد الفقهاء المشهورين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن المسيب].وهو أحد الثقات في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين مر ذكرهم قريباً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملازم له، والمكثر من رواية حديثه، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث.
شرح حديث عمر بن أبي سلمة: (أنه رأى رسول الله يصلي في ثوب واحد...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة : ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة ، واضعاً طرفيه على عاتقيه ) ].هنا أورد النسائي حديث عمر بن أبي سلمة الذي هو ربيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وابن زوجته أم سلمة رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، والذي فيه: (أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة -يعني: في بيت أمه- يصلي في ثوب واحد، واضعاً طرفيه على عاتقيه)، يعني: ملتفاً به، وواضعاً أطرافه على عاتقيه، وهو -كما قلت- عبارة عن قطعة قماش لفه على نفسه ووضع أطرافه على عاتقيه، فهو دال على ما ترجم له المصنف من الصلاة في الثوب الواحد، فهذا من فعله، وذاك من قوله لما سأله الرجل: (هل يصلي الرجل في الثوب الواحد؟ قال: أولكلكم ثوبان؟)، يعني: ما كل يستطيع أن يملك ثوبين، فالحديثان دالان على الصلاة في الثوب الواحد، الأول من قوله صلى الله عليه وسلم، والثاني من فعله.
تراجم رجال إسناد حديث عمر بن أبي سلمة: (أنه رأى رسول الله يصلي في ثوب واحد...)
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].وهو مثل الإسناد الذي قبل هذا.[عن هشام].وهو ابن عروة بن الزبير ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو عروة بن الزبير بن العوام ، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين تكرر ذكرهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي كثيراً عن خالته عائشة .[عن عمر].هو عمر بن أبي سلمة ربيب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ابن زوجته أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأسئلة
الرد على من يصفون الإمام ابن حجر بأنه مبتدع
السؤال: بعض طلبة العلم هداهم الله يحكمون على ابن حجر بأنه مبتدع، ويقولون بترك الترحم عليه للزجر؟الجواب: هؤلاء الذين يتكلمون في ابن حجر ، ويقولون: لا يترحم عليه، وكذلك أيضاً قد ينصحون بعدم استعمال كتبه، هؤلاء ضارون لأنفسهم، وحارمون لأنفسهم، وهم قطاع الطريق إلى العلم النافع، وإلى الخير الكثير، فهم يضرون أنفسهم، ويسعون إلى الإضرار بغيرهم، فهؤلاء الواجب عليهم أن يتنبهوا لما وقعوا فيه من البلاء، وكل مسلم يترحم عليه، وأهل لأن يدعى له بالرحمة والمغفرة، ولكن هذا من الجفاء في حق العلماء الذين لهم جهود عظيمة، ولهم علم عظيم، وخلفوا كتباً عظيمة لا يستغني عنها طالب العلم.ومن المعلوم أن ابن حجر رحمه الله منذ زمنه وإلى يومنا هذا العلماء يعولون على كتبه، ويستفيدون من كتبه، وكتابه بلوغ المرام يحفظه طلاب العلم الكبار، الذين ليسوا مثل هؤلاء الذين نبتوا وصاروا يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا ينبغي أن يتكلموا به، وكتابه بلوغ المرام يحفظه طلاب العلم فيما مضى وحتى الآن، وهو كتاب لا يستغني عنه أحد، وكذلك كتابه فتح الباري كتاب واسع، وكتاب عظيم، فيه العلم العظيم، ففيه العلم الواسع، ففيه الفقه، وفيه الحديث، وفيه المصطلح، وفيه الكلام في الرجال، وفيه خدمة صحيح البخاري الذي هو أصح كتاب وخير كتاب بعد كتاب الله عز وجل، ولم يخدم هذا الكتاب أحد مثلما خدمه ابن حجر العسقلاني رحمه الله، فالواجب على أولئك أن يتنبهوا لما وقعوا فيه من البلاء، وإذا كان حصل منه خطأ في بعض المسائل في العقيدة فلا يسوغ أن يحكم عليه بالابتداع، فما زال العلماء منذ زمانه إلى هذا الزمان يستفيدون من كتبه، وقل أن ترى كتاباً ألف بعده إلا وهو يعزو إليه، أحياناً يقول: الحافظ ، وأحياناً يقول: الحافظ ابن حجر ، حتى صار الحافظ علماً عليه ولقباً عليه، فعندما يقولون: قال الحافظ ، يقصدون بذلك ابن حجر . فهذا الرجل عمل أعمالاً عظيمة، ولا يزال الناس من قديم الزمان يستفيدون من علمه ويترحمون عليه، وأما هؤلاء فإنهم يسعون إلى الإضرار بأنفسهم، وأيضاً يعملون إلى الإضرار بالآخرين، وإلى أن يوقعوا الآخرين فيما وقعوا فيه من البلاء، ومن الإقدام على أمر منكر، فلو كان كل إنسان يخطئ لا يستفاد من علمه لقضي على كثير من الكتب، وتخلص منها، ولكن هذا الفعل هو شأن النوابت الذين لا علم لهم، ولا معرفة لهم، وعلماء الأمة منذ زمن ابن حجر وحتى الآن يعنون بكتب ابن حجر ، ويستفيدون من كتب ابن حجر ، ولا يستغنون عن كتب ابن حجر ، ولهذا ينبغي لمن سمع كلام مثل هؤلاء أن ينصحهم، وأن يحذرهم من مغبة ما هم فيه، وهؤلاء الذين يتكلمون في ابن حجر لابد وأن ينتقلوا بعد ذلك إلى غير ابن حجر ، يعني: المسألة خطوة خطوة، فيكون هذا بداية الشر وبداية البلاء لهؤلاء المساكين.فالواجب عليهم أن يحذروا، وأن يعرفوا أنهم ابتلوا بلاء عظيماً، وعليهم أن يسألوا الله عز وجل أن يخلصهم منه.والشخص إذا أخطأ في مسائل في العقيدة أو في غيرها لا يحال بين الناس وبين كتبه النافعة التي خدمت السنة، وخدمت أهل السنة، وإن كان عنده خطأ فهذا الخطأ مغمور في صوابه الكثير وعلمه العظيم، والإنسان يتنبه ولا يتابعه على خطئه، والخير الكثير الذي فيه يأخذه منه ويتابعه عليه، ويستفيد منه.
حكم وصف الله عز وجل بأنه شخص
السؤال: هل يجوز إثبات صفة الشخص لله سبحانه؟الجواب: الواجب أنه لا يثبت لله عز وجل إلا ما أثبته لنفسه، وكلمة شخص ما نعلم ثبوتها، جاءت في الحديث: ( لا شخص أغير من الله )، يعني: لا أحد أغير من الله، هذا هو المقصود بها، فإطلاق الشخص عليه وأن من صفاته الشخص ما هناك ما يدل عليه، والحديث الصحيح الذي ورد: ( لا شخص أغير من الله )، يعني: لا أحد أغير من الله؛ لأن هذا نفي، وتثبت صفة الغيرة من هذا الحديث لله عز وجل، ولكن كلمة (شخص) التي في الحديث إنما المقصود بها لا أحد أغير من الله.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:45 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(141)
- (باب الصلاة في قميص واحد) إلى (باب الصلاة في الحرير)
من تيسير الشريعة أنها أباحت الصلاة في القميص الواحد، كما أباحت الصلاة في الإزار؛ لكن يجب أن يضع على عاتقه شيء لورود النهي عن الصلاة بالثوب ليس على عاتقه منه شيء. كما لا يجوز للمسلم أن يصلي بحرير، بل لا يجوز أن يلبسه مطلقاً.
الصلاة في قميص واحد
شرح حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في قميص واحد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في قميص واحد.أخبرنا قتيبة حدثنا العطاف عن موسى بن إبراهيم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: قلت: ( يا رسول الله! إني لأكون في الصيد وليس علي إلا القميص، أفأصلي فيه؟ قال: وزره عليك ولو بشوكة ) ].يقول النسائي رحمه الله: الصلاة في القميص الواحد، المقصود من الترجمة بيان جواز الصلاة في القميص الواحد، وأنها مثل الثوب الذي هو يلفه على نفسه ويصلي فيه، فكذلك القميص الذي يكون مخيطاً على مقدار الجسد، يكون له أكمام، وله جيب، فإنه يصلى فيه، ولو لم يكن معه لباساً آخر، وقد أورد النسائي فيه حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يكون في الصيد وليس عليه إلا قميص واحد أفأصلي فيه؟ فقال له: وزره ولو بشوكة )، يعني: وصل فيه، يعني: المقصود أنه يزر جيبه حتى لا تنكشف عورته، وحتى لا تبدو عورته من جيبه إذا كان مفتوحاً؛ لأنه ليس عليه إزار ولا سراويل، فإذا لم يكن مزروراً؛ أي: جيبه، فإنه تبدو عورته، وتنكشف عورته، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه يصلي فيه، ولكنه يزره ولو لم يجد ما يزره به إلا شوكة، يزره بها؛ يربط بين أطراف جيبه حتى لا تبدو عورته، وحتى لا تظهر عورته.والقميص كما ذكرت: هو ما يخاط على مقدار الجسد دون الرأس، وله أكمام وجيب، وقد جاء في حديث الإحرام لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلبس المحرم؟ فقال: ( لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس )، فبين عليه الصلاة والسلام أن المحرم لا يلبس القمص، وهو ما يخاط على مقدار الجسد، هذا هو القميص، لكن إذا كان ليس عليه إلا هو، وليس عليه إزار ولا سراويل، فإنه يزره بأي شيء، ولو كان ذلك بشوكة؛ حتى لا تبدو عورته من جيبه.
تراجم رجال إسناد حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في قميص واحد
[ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر من الرواية عنهم، وأول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد.[ حدثنا العطاف ].هو العطاف بن خالد ، وهو صدوق يهم، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي .[ عن موسى بن إبراهيم ].موسى مقبول، أخرج له أبو داود، والنسائي.[ عن سلمة بن الأكوع ].هو سلمة بن الأكوع الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الصلاة في الإزار
شرح حديث سهل بن سعد الساعدي في الصلاة في الإزار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في الإزار.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: (كان رجال يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقدين أزرهم كهيئة الصبيان، فقيل للنساء: لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي الصلاة في الإزار، وقد أورد فيه حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه: ( أن رجالاً كانوا يصلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقدين أزرهم كهيئة الصبيان، فقيل للنساء: لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً )؛ وذلك أنهم كانوا عليهم أزر ضيقة عاقدينها، ولضيقها قد تنكشف عند سجودهم، أو يبدو شيء من عورتهم، فأمرت النساء اللاتي يصلين وراءهم ألا يرفعن رءوسهن إلا بعدما يستقر الرجال جلوساً؛ يعني: أنهن يتأخرن في القيام من السجود عن الرجال بحيث لا يحصل رؤيتهن لعورات أحد من الرجال الذين أمامهن، وهذا اللباس الذي عليهم، وهو الأزر بهذا الوصف، إنما كان لقلة ذات اليد، وعدم القدرة على لبس ما هو كافٍ، وما فيه الستر التام، فكانوا قليلي ذات اليد، ولهذا يكون هذا لباسهم في بعض الأحيان؛ لأن هذا هو الذي يقدرون عليه، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهو دال على الصلاة في الإزار، وهذا إذا لم يجد الإنسان شيء آخر سواه، ولكنه إذا وجد شيئاً معه فإنه يضيفه إليه، كالقميص أو الرداء الذي يغطي أعلى الجسد، أما إذا لم يستطيع إلا الإزار، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يكفيه ذلك، لكن إذا كان قادراً على ما هو أكثر من هذا، فإن عليه أن يضيفه إليه، وقد جاءت السنة -كما في الحديث الذي سيأتي- أنه لا يصلي الإنسان في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، يعني: معناه أنه يكون على العاتق منه شيء، ولكنه إذا كان لا يستطيع أو لا يكفي، فيستر العورة؛ وهي من السرة إلى الركبة، وما عدا ذلك فإنه معفو عنه، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أما إذا كان الإنسان قادراً، فإنه لا يكتفي بالإزار، وإنما يضيف إليه ما يستر أعلى الجسد، كأن يكون عليه ثوب آخر، أو رداء يلتحف به فوق الإزار، أو يكون عليه قميص.
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد الساعدي في الصلاة في قميص واحد
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي ، وهو ثقة، مأمون، سني، وصف بأنه سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.[ حدثنا يحيى ].يحيى هو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المكثر من الرواية، والمعروف بكثرة الكلام في الرجال في الجرح والتعديل، وهو الذي قال عنه الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل عندما ذكره، قال: إنه إذا اتفق هو وعبد الرحمن بن مهدي على جرح شخص فإنه لا يكاد يندمل جرحه، يعني: بذلك أنهما مصيبان، وأنهما أصابا الهدف، وأن كلامهما حجة، وأن كلامهما عمدة يعول عليه؛ لأنهما لا يكادان يخطئان فيما يقولانه في الشخص، في جرحه إذا اجتمعا على ذلك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن سفيان ].سفيان يحتمل أن يكون ابن عيينة ، ويحتمل أن يكون الثوري ؛ لأن يحيى القطان روى عن السفيانين، والسفيانان رويا عن أبي حازم بن دينار ، فكل منهما محتمل، والترجيح أو تمييز أحدهما لا يظهر لي أيهما المراد؛ لأن يحيى بن سعيد القطان بصري، وسفيان الثوري من الكوفة، وسفيان بن عيينة من مكة، وأبو حازم مدني، وسفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، فكل واحد منهما بالنسبة للتلميذ أو الشيخ كان قريباً من بلده؛ لأن البصرة قريبة من الكوفة، والمدينة قريبة من مكة، فلا ندري أي الاثنين، لكن الإهمال إذا كان دائراً بين شخصين وهما ثقتان، فسواء ميز أحدهما وعرف أو لم يعرف فلا يضر؛ لأن الإسناد دائر على ثقة، فهو إن كان هذا أو هذا، فالإسناد صحيح ولا إشكال فيه، ولو لم يعرف أيهما، وإنما المحذور فيما إذا كان الأمر محتملاً لاثنين أن يكون أحدهما ثقة، والثاني ضعيفاً؛ لأن هذا هو الذي يؤثر فيه اللبس، وكما ذكرت في ترجمة يحيى أنه روى عن السفيانين وفي ترجمة أبي حازم بن دينار روى عنه السفيانان، فتعيين أحدهما لا أدري أيهما، لكن الجهل بذلك لا يؤثر؛ لأن أي واحد منهما ثقة، فيكفي أن يكون عن واحد منهما، ولو لم يعلم شخصه بعينه.[ حدثني أبو حازم ].هو سلمة بن دينار الأعرج المدني ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن سهل بن سعد ].هو سهل بن سعد الساعدي ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنيته أبو العباس ، وقد ذكرت فيما مضى: أنه ذكر بعض العلماء أنه لا يعرف في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا هذين وهما: سهل بن سعد الساعدي ، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإنهما هما اللذان يكنيان بهذه الكنية، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عمرو بن سلمة في صلاته بقومه وعليه بردة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يزيد بن هارون حدثنا عاصم عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه أنه قال: ( لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه قال: ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن، قال: فدعوني، فعلموني الركوع والسجود، فكنت أصلي بهم، وكانت علي بردة مفتوقة، فكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا است ابنك؟ ) ].هنا أورد النسائي حديث عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله تعالى عنه: أن قومه لما جاءوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ( إنه قال: يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله )، يؤم القوم أكثرهم قراءة، فوجدوه أكثرهم قراءة، فنادوه وعلموه الركوع والسجود، وجعلوه وقدموه ليصلي بهم، وكان عليه برده مفتوقة، فقالوا لأبيه: ألا تغطي عنا است ابنك؟أي: شيء يواري هذا الفسخ، أو هذا الذي يبدو أحياناً من هذه البردة، ومن المعلوم أن هذا لقلة ذات اليد، والمقصود من ذلك: أن الإمام يطلب فيه أكثر مما يطلب في غيره، من التستر؛ لأنه إمام، ولأنه قدوة، وإن كان ذلك مطلوب من الجميع، ولكن مع عدم القدرة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.وقد عرفنا في الحديث الفائت أن الجماعة الذين كانوا يصلون معه، كانوا عاقدي أزرهم، وأنهم إذا سجدوا لضيق الأزر قد تبدو العورة، فأُمرت النساء بألا ترفع رءوسهن إلا بعدما يستقر الرجال جلوساً حتى لا يرين عورات الرجال من ورائهم، فـعمرو بن سلمة الجرمي هذا كانت البردة التي عليه فيها فتق، وكان يبدو منها شيء من العورة، أو جزء من العورة، فقالوا لأبيه هذه المقالة، والمقصود من ذلك: أنه يعمل على أن يوجد له شيئاً يواريه، ويستر هذا الذي يبدو منه، لا سيما وهو إمامهم الذي يصلي بهم. وقوله: ( علموه الركوع والسجود )، يحتمل أن يكون المقصود أنه لصغره، وأنه في سن التمييز، وأنهم علموه الصلاة، ويحتمل أن يكون علموه الركوع والسجود مع وجود هذا اللباس الذي عليه، أي: الركوع والسجود؛ ومعناه: أنه يحتاط فيه، وحتى لا يبدو ذلك الذي يكون من عورته عند ركوعه وسجوده؛ أي: ذلك الفسخ الذي في تلك البردة، ويحتمل أن يكون لكونه صغيراً، فكان يحفظ أكثر مما يحفظ غيره، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله )، فقدموه عليهم وجعلوه يؤمهم؛ لأنه هو الأقرأ، والأكثر حفظاً لكتاب الله عز وجل.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن سلمة في صلاته بقومه وعليه بردة
قوله: [ أخبرنا شعيب بن يوسف ].شعيب بن يوسف، وهو النسائي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.[ حدثنا يزيد بن هارون ].هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، متقن، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا عاصم ].هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن سلمة ].هو: عمرو بن سلمة الجرمي . وهو صحابي صغير، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
صلاة الرجل في ثوب بعضه على امرأته
شرح حديث عائشة: (كان رسول الله يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط بعضه على رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ صلاة الرجل في ثوب بعضه على امرأته.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا وكيع حدثنا طلحة بن يحيى عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا إلى جنبه، وأنا حائض، وعلي مرط بعضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ].هنا أورد النسائي صلاة الرجل في ثوب بعضه على امرأته، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وهي إلى جنبه، وهي حائض، يعني: معناه أنها نائمة، أو أنها جالسة، ( وعلي مرط بعضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم )، والمرط هو: الكساء، فكان ذلك الثوب بعضه على عائشة وهي جالسة أو نائمة، وبعضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وهو يدل على جواز مثل ذلك، بأن يكون طرفه على المصلي، وطرفه مع شخص آخر جالس أو نائم، والمقصود بالثوب هو: القطعة من القماش كما ذكرت فيما مضى؛ لأن الثوب يطلق على هذا، يعني: قطعة من القماش يستعمل أحد طرفها، ويكون طرفها الآخر في الأرض، أو يكون على شخص آخر. وفي الحديث أن عائشة رضي الله عنها، كانت حائض، وأن هذا المرط كان عليها، وأن طرفه على رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ وذلك يدل على جواز مثل هذا العمل؛ لأنه فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كان رسول الله يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط بعضه على رسول الله)
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المشهور بـابن راهويه الحنضلي، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[ حدثنا وكيع ].هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا طلحة بن يحيى ].هو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وهو صدوق، يخطئ، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، يعني: جده صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله تعالى عنه.[ عن عبيد الله بن عبد الله ].هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو من المحدثين الفقهاء في عصر التابعين في هذه المدينة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين الذين وصفوا بهذا الوصف، والذين إذا اتفق رأيهم في مسألة من مسائل الفقه قالوا فيها: وقال فيها الفقهاء السبعة، فـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا هو أحدهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن عائشة ].هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام، وهي المرأة التي لا يعادلها امرأة أو لا يساويها امرأة، ولا يماثلها في كثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسبعة المكثرون ستة منهم من الرجال وواحدة من النساء؛ وهي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء
شرح حديث: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ) ].أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء.وأورد النسائي في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء )، ومعناه: لا بد أن يكون على عاتقه منه شيء إذا كان ثوباً واحداً، يعني: يلتحف به، بمعنى: أنه يجعل أطرافه على عاتقيه؛ وذلك لأنه يكون أمكن في ستر العورة، وقد مر فيما مضى حديث عائشة رضي الله عنها في باب الصلاة في الثوب الواحد، ( وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به، جعل أطرافه على عاتقيه )، فذاك فعله، حيث كان يصلي في الثوب الواحد ويجعل أطرافه على عاتقيه، وهنا يقول: ( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء )، بل يكون عليه شيء، وهذا فيما إذا كان ممكناً، أما إذا كان الثوب الواحد صغيراً وضيقاً، ولا يتأتى، وأنه لو رفع إلى العاتقين يبدو شيئاً من العورة، فإن العورة هي التي تستر، ولو انكشف غيرها مما يراد ستره مع الإمكان والقدرة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:47 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)
قوله: [ أخبرنا محمد بن منصور ].محمد بن منصور يحتمل اثنين؛ وهما: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي، وقد سبق أن عرفنا أن كلاً منهما يروي عن سفيان بن عيينة، ولكن الترجيح بأن يكون الجواز أقرب من أن يكون الطوسي ؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، والجواز مكي، ومحمد بن منصور الثاني طوسي، ومن كان من أهل البلد فإنه يكون أكثر ملازمة، فعند الإهمال يحمل على من يكون أكثر ملازمة، فيكون المراد بـمحمد بن منصور هذا، هو: محمد بن منصور المكي ؛ لأنه يروي عن سفيان، وسفيان بن عيينة مكي، فكونه، أي: محمد بن منصور المكي أقرب، ومحمد بن منصور الجواز، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو ثقةٌ، وسفيان بن عيينة هو المحدث، الفقيه، الحجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا أبو الزناد ].هو عبد الله بن ذكوان المعروف بـأبي الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو مدني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن الأعرج ].هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد عرفنا في ما مضى أن ألقاب المحدثين من الأمور المطلوب معرفتها في علوم الحديث، وفائدة معرفتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف هذا يظن أن الشخص الواحد أنه شخصان، مع أنه شخص واحد يذكر باسمه في بعض الأحيان، ويذكر بلقبه في بعض الأحيان، وهو شخص واحد وليس باثنين، ومن لا يعرف الحقيقة قد يظن أن الواحد يكون اثنين فيما إذا ذكر باسمه مرة، وذكر بلقبه مرة أخرى، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وأبو هريرة هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، والمكثرون من أصحابه سبعة، أكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة في الحرير
شرح حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة في الحرير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في الحرير.أخبرنا قتيبة وعيسى بن حماد زغبة عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: ( أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين ) ].هنا أورد النسائي الصلاة في الحرير، أي: أن ذلك لا يجوز، بل لا يجوز لبس الحرير مطلقاً للرجال، والنسائي أورد فيه حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه فروج حرير، فلبسه وصلى فيه، ثم انصرف ونزعه نزعاً شديداً كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتقين )، والمقصود من ذلك: أنه لا يجوز لبس الحرير، ولا تجوز الصلاة فيه؛ لبسه مطلقاً لا يجوز، والصلاة فيه لا تجوز، ومعنى ذلك: أن من فعل ذلك فإنه يأثم؛ لأنه لبس الحرير، ولكن الصلاة تكون صحيحة لا تكون باطلة؛ أي: تكون صحيحة مع إثم صاحبها؛ لكونه ارتكب أمراً محرماً؛ وهو لبسه الحرير والصلاة فيه، والرجل يأثم بلبسه للحرير ولو لم يصل فيه؛ لأن الرجال ممنوعون من أن يلبسوا الحرير، وقد حرم عليهم ذلك، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، حيث أخذ حريراً وذهباً، وقال.. وأشار إليهما، وقال: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).ويقول عقبة بن عامر رضي الله عنه: ( أهدي للرسول صلى الله عليه وسلم فروج حرير )، وهو كساء، قيل: إنه مشقوق من ورائه، ولبسه وصلى فيه، وذلك لعله قبل أن يحرم الحرير، ثم إنه نزعه نزعاً شديداً كالكاره له، وقال: ( لا ينبغي هذا للمتقين )، ويكون قوله: (لا ينبغي هذا للمتقين)، هو بدء تحريمه، ومنع الرجال من لبسه، وفي قوله: (لا ينبغي هذا للمتقين) إشارة إلى أن الذي يتقي هو الذي يمتنع عن الأمور الممنوعة والمحرمة، والتقوى كما هو معلوم أصلها من الوقاية؛ وهي: أن يجعل الإنسان بينه وبين الشيء الذي يخاف وقاية تقيه منه، هذا هو المعنى اللغوي في التقوى، فإن أصله من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان بينه وبين الذي يخافه وقاية تقيه منه، مثلما يجعل الإنسان على رجليه النعال، والخفاف حتى يتقي بها الحرارة، والبرودة، والأشواك، والزجاج، والحصى، وما إلى ذلك مما يضر القدمين، وكذلك أيضاً يتخذ البيوت، ويتخذ الخيام، ويتخذ المظلات، وما إلى ذلك لتقيه حرارة الشمس، وكذلك يتخذ الألبسة الثقيلة في الشتاء لتقيه البرودة، فالتقوى في اللغة: أن يجعل الإنسان بينه وبين الشيء المخوف وقاية تقيه منه.أما في الشرع فهي: أن يجعل الإنسان بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه؛ وذلك باتباع ما جاء عن الله وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والانتهاء عما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هذه التقوى في اللغة وفي الشرع. وقوله: (لا ينبغي هذا للمتقين): أي: الذين يتقون الله ويخافونه، ويرجون ثوابه، ويخافون عقابه؛ لأن من شأن المتقين أن يمتثلوا الأوامر، وينتهوا عن النواهي، ويفعلوا الأمور المشروعة، وينتهوا عن الأمور الممنوعة.
تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة في الحرير
قوله: [ أخبرنا قتيبة ].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.[ وعيسى بن حماد زغبة ].هو عيسى بن حماد التجيبي المصري الملقب زغبة، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[ عن الليث ].هو الليث بن سعد المصري، المحدث، الفقيه، المشهور، فقيه مصر، ومحدثها، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن يزيد بن أبي حبيب ].يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي الخير ].هو مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وهو ثقة، مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن عقبة بن عامر الجهني ].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ولاه معاوية بن أبي سفيان على مصر، فهو ينسب إلى مصر، والإسناد مسلسل بالمصريين، أي: من عيسى بن حماد إلى نهايته، والشيخ الثاني الذي هو قتيبة هذا هو الذي ليس مصري، وإنما المصري هو عيسى بن حماد، والإسناد من عيسى بن حماد إلى عقبة بن عامر كلهم مصريون، فهو مسلسل بالمصريين: عيسى بن حماد التجيبي المصري والليث بن سعد المصري، ويزيد بن أبي حبيب المصري، وأبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، وعقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه الذي سكن مصر وتولى إمارتها في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
كيفية التمييز بين عمرو بن سلمة وعمر بن أبي سلمة
السؤال: عمر بن أبي سلمة أليس قد أخرج له مسلم في الإضافة لما ذكرته حفظك الله، البخاري، وأبو داود، والنسائي، خاصة وأن الحديث الوارد في الدرس السابق قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم )؟الجواب: لا، ذاك عمر بن أبي سلمة، أما هذا عمرو بن سلمة، ذاك عمر بن أبي سلمة ربيب الرسول صلى الله عليه وسلم ابن زوجته أم سلمة، وأما هذا عمرو، وذاك ابن أبي سلمة وهذا ابن سلمة؛ عمرو بن سلمة الجرمي، وأما ذاك عمر بن أبي سلمة المخزومي، ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا شخص وذاك شخص، كل منهما من صغار الصحابة، هذا ربيب الرسول صلى الله عليه وسلم ابن أم سلمة، وهذا عمرو بن سلمة الجرمي .
مدى صحة الصلاة إلى القبر إذا لم يقصد ذلك
السؤال: ما صحة صلاة من صلى في الجهة التي يكون فيها خلف القبر في المسجد النبوي، مع عدم القصد؟الجواب: لا يؤثر إذا كان ما قصد، والأمر في ذلك واضح أنه ليس عليه شيء؛ لأن كما عرفنا سابقاً أن أنساً لما كان يصلي إلى قبر، وكان ما تنبه له، فصاح به عمر : القبر القبر، فتحول وأكمل صلاته، فلو كانت الصلاة ما تصح لأعادها من أولها، لكنه بنى على الماضي الذي كان القبر أمامه، بنى عليه، فبناؤه عليه يدل على أن صلاته صحيحة؛ لأنه لو لم تكن صحيحة لاستأنفها من جديد، ودخل فيها من أولها، لكنه بنى على ما كان موجوداً من قبل.
حكم الصلاة في الصفوف المقطعة إذا لم يقصد تقطيعها
السؤال: ما حكم الصلاة بعد المأمومين في المسجد النبوي والذين يصلون قريباً من الأبواب جهة التوسعة، ومن المعلوم أن الصفوف غير متصلة؟الجواب: الصفوف إذا كانت متقطعة، فإنها تصح الصلاة، ولكن يأثم الإنسان الذي يتمكن من وصل الصفوف ثم لا يصل، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ).
مدى خصوصية اعتكاف عشر من شوال للنبي صلى الله عليه وسلم
السؤال: ذكرتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى اعتكافه في عشر رمضان الأخيرة في شهر شوال، فهل هذا خاص به صلى الله عليه وسلم؟الجواب: نعم خاص به عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو الذي كان يعتكف، ثم ترك حتى لا يكون الدافع لهن على ذلك المنافسة، والقرب منه عليه الصلاة والسلام، ثم إنه فعل ذلك، وما جاء أن غيره فعل مثل فعله صلى الله عليه وسلم.
حكم صلاة اللابس للبنطلون أو السروال
السؤال: ما حكم الصلاة بالبنطلون؛ السروال؟الجواب: لا بأس بالصلاة فيه، لكن الأولى أن الإنسان يصلي في غيره مما لا يكون واصفاً لأجزاء العورة، هو ساتر ولكنه يصف الأجزاء لضيقه، فالصلاة فيه تصح، والأولى للإنسان في الصلاة أن يستعمل ما يكون لا لبس فيه، ولا شبهة فيه.
مدى اعتبار التعريف بالأشخاص بالوصف من الغيبة
السؤال: إذا وصفت أحد الأشخاص لأحد زملائي فلم يعرفه، فقلت له: فلان الأعمى أو الأعرج أو الفقير.. هل هذه تعتبر من الغيبة؟الجواب: ما تعتبر من الغيبة إذا كان المقصود هو التعريف، ولكن إذا كان يعرف أنه يكرهها، أو يكره أن يوصف بذلك، فينبغي ألا يفعل، وإن كان بعض العلماء من المتقدمين يكرهون بعض الألقاب، مثل ابن علية، وكان يكره أن يقال له: ابن علية، فكان بعض المحدثين يقول: إسماعيل الذي يقال له: ابن علية، فذكره بما يوضحه لا بأس به، لكن إذا كان يكره هذا فالأولى ألا يفعل، إلا إذا لم يجد سبيلاً إلا تمييزه بغيره، ومن المعلوم أنه لا يقصد بذلك لمزه، فنرجو ألا يكون في ذلك بأس إن شاء الله.
مطابقة الحديث: (لا يصلين أحدكم ..) للترجمة التي ذكرها النسائي
السؤال: ما وجه المطابقة بين هذه الترجمة وبين الحديث، وهي صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، وبين الحديث: ( لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء )؟الجواب: هذا هو مطابق؛ لأن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، والحديث يدل على النهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، يعني: معناه أن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء منهي عنها، هذا هو الحديث، والحديث واضح في النهي.
حكم التسمية بأهل الحديث أو السلفية
السؤال: يا شيخ! نشهد الله أننا نحبك في الله، ونحن شباب أتينا المدينة زائرين، ولنا عدة أسئلة. يقول: هل التسمية بأهل الحديث أو السلفية مشروع أو غير مشروع؟الجواب: أولاً: المحبة في الله عز وجل، أقول: أسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعاً من المتحابين فيه، وأن يوفقنا جميعاً لما يرضيه، وأما فيما يتعلق بالتسمية بأهل الحديث أو السلف، فهذه تسمية قديمة، وكتب العلم طافحة بها مملوءة بها، ذكر سلف الأمة؛ لأنهم السلف، وذكر وصف المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم الملتزمين بسنته، الذين يعملون بما يجيء عنه؛ وصفهم بأنهم أهل الحديث، هذا مشهور، وكتب أهل العلم طافحة فيه، كتب الحديث وكتب المصطلح، وكلام العلماء المتقدمين والمتأخرين، كل ذلك موجود، وإذا قيل: إن فلان سلفي، يعني: أن عقيدته عقيدة السلف، فهذا حق، ولا شيء فيه، وهذا شرف لمن يكون كذلك، وهذا شيء موجود ومشهور من قديم الزمان؛ أنه ينص على أنه سليم العقيدة، أنه سلفي العقيدة، أنه سني، وأنه كذا، فهذا اصطلاح قديم، وليس بمحدث، وليس بجديد، والخير في كل قديم على النهج المستقيم، يعني: ما كان عليه سلف الأمة هو الخير، فالسير على منهاجهم والاقتداء بهم لا شك أن هذا هو طريق السلامة وطريق النجاة.
بدعية الاحتفال بالمولد النبوي
السؤال: نرجو من فضيلتكم تبيين حكم الاحتفال بالمولد النبوي؛ لكثرة الزوار هذه الأيام؟الجواب: الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، لو كان جاء شيء يدل عليه عنه وعن صحابته الكرام، لكان ينبغي أن يبادر إليه، وأن يحرص عليه، لو جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن الإنسان يجب عليه أن يكون متبعاً، وأن يكفيه ما كفى الأولين، وأن يسير على منهج سلف هذه الأمة، وهذا من أمثلة من يكون على طريقة السلف؛ أنه يتبع سلف هذه الأمة، ويسير على منوالهم، ويترك البدع ومحدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن المعلوم أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبة أي مخلوق؛ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، هي أعظم النعم، وأجل النعم، وهي نعمة الإسلام، ومحبته في القلوب يجب أن تكون أعظم من محبة أي مخلوق، حتى الوالدين والأولاد والناس أجمعين، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )، فالوالدان لهما فضل على الإنسان، وهما سبب وجوده، والرسول صلى الله عليه وسلم جعله الله تعالى السبب في خروج المسلم من الظلمات إلى النور، أخرج الله تعالى به الناس من الظلمات إلى النور، فهذه النعمة التي ساقها الله تعالى للمسلمين على يديه، أعظم النعم وأجل النعم، ولهذا فمحبته في القلوب يجب أن تكون أعظم من محبة أي مخلوق، لهذا الفضل، ولهذا الإحسان، ولهذه النعمة التي ساقها الله تعالى على يديه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ومن مقتضى الشهادة له بأنه رسول الله: أن يصدق في أخباره، وأن تمتثل أوامره، وأن تجتنب نواهيه، وأن يعبد الله طبقاً لشريعته، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته عليه الصلاة والسلام، هذا هو المقياس، وهذا هو المعيار الذي يعول عليه ويرجع إليه، والله عز وجل ذكر في كتابه العزيز آية يسميها بعض العلماء آية الامتحان والاختبار، وهي: أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة على دعواه حتى يكون صادقاً، وهي قول الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، فمحبة الله عز وجل ومحبة الرسول ما هي علامتها؟ علامتها الاتباع، علامتها الاستسلام، والانقياد، علامتها أن تصدق أخباره، وأن تمتثل أوامره، وأن تجتنب نواهيه، وأن يعبد الله طبقاً لشريعته، لا يعبد وفقاً للأهواء، والمبتدعات، والمحدثات، فإن الدين ما شرعه الله، والحق ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم السابقون إلى كل خير، وهم الحريصون على كل خير، ولم يحصل هذا العمل الذي هو الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم، لا منه في حياته، ولا من أصحابه في حياته وبعد وفاته، بل ولا من التابعين، ولا من أتباع التابعين، وثلاثمائة سنة كاملة وزيادة لا يوجد ذكر للاحتفال بالمولد، وكل الكتب المؤلفة قبل ثلاثمائة سنة، لا ذكر للمولد فيها، ولا ذكر للموالد فيها؛ لأن تلك محدثة بعد القرون الثلاثة، وبعد ثلاثمائة سنة ولدت ووجدت، ولم يكن لها وجود قبل ذلك، ولو كان ذلك حقاً وهدى لسبق إليه السابقون إلى كل خير، والحريصون على كل خير، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.وإحداث هذه البدعة كان في القرن الرابع، والذي أحدثها الرافضة العبيدون الذين حكموا مصر، هم أول من أحدثها، وتبعهم غيرهم فيها، وأصل إحداثها مبني على تقليد النصارى، قالوا: النصارى يحتفلون بميلاد عيسى، فكيف لا نحتفل بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت هذه البدعة تقليداً للنصارى، واتباعاً للنصارى، وتحقق بذلك على أيدي هؤلاء المبتدعين ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ذم لمن فعله: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ )، يعني: ما القوم إلا إياهم، يعني: حتى لو دخلوا جحر ضب لدخله الناس تقليداً لهم، فبعض المسلمين قلدوا النصارى في هذه البدعة، ومن المعلوم أن الحق وأن الهدى إنما يتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه الكرام، وقد قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإذا كان الأولون صلحوا باتباع السنن، وباتباع الآثار، وباتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فسبيل صلاح الآخرين أن يسلكوا مسالك الأولين السابقين الذين هم الأسوة، والقدوة، والذين هم أحرص الناس على كل خير، وأسبق الناس إلى كل خير، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ويقول أيضاً مالك بن أنس رحمه الله: ما لم يكن ديناً في زمان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإنه لا يكون ديناً إلى قيام الساعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد )، وقال: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه بلغه أن أناساً يجتمعون في المسجد ويتحلقون، ومعهم حصى، وفيهم من يقول: سبحوا مائة، هللوا مائة، كبروا مائة، فيكبرون ويعدون بالحصى، فوقف على رءوسهم، وقال: يا هؤلاء! ما هذا؟ إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنكم مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: سبحان الله! يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم من مريد للخير لم يصبه. ثم كون الإنسان يكون قصده حسناً، ويقول: أنا قصدي حسن فيما أفعل، هذا لا يسوغ ولا يبرر هذا العمل، وقد جاء ما يدل على أن العمل لا ينفع إلا إذا كان موافقاً للسنة، ولو كان قصد صاحبه حسناً؛ لأنه جاء في الصحيحين عن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذبح أضحيته قبل الصلاة يوم عيد الأضحى، وكان يريد من وراء فعله هذا، أنه إذا فرغ الناس من الصلاة، وإذا اللحم قد طبخ، وهم بحاجة إليه، فأراد أن تكون أضحية أول ما يؤكل، والناس بحاجة إلى اللحم، ومشتاقون إليه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ( شاتك شاة لحم )، يعني: أنها ليست أضحية؛ لأنها لم تقع مطابقة للسنة، ولم تقع على وفق السنة، والسنة في الأضاحي ما تذبح إلا بعد الصلاة يوم العيد، لا تذبحوا قبل صلاة العيد، قال له: ( شاتك شاة لحم )، يعني: أنها ليست قربة، وليست أضحية، هي مثل الشاة التي تذبحها في أي يوم من أيام السنة لتأكل اللحم؛ في محرم، أو في صفر، أو في ربيع، هذه مثل هذه، قال له: ( شاتك شاة لحم ). قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض العلماء، قال: وفي هذا دليل على أن العمل إذا وقع غير مطابق للسنة أنه لا يعتبر، ولا يكفي حسن قصد فاعله؛ لأن هذا الصحابي قصده حسن، ومع ذلك قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( شاتك شاة لحم )، فهؤلاء الذين يعملون هذا العمل ويقولون: هو وإن كان ما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن قصدنا طيب.. القصد الطيب لا بد أن يكون متابعاً للسنة، وأن يكون على وفق السنة، وإلا كان بدعة، وكان صاحبه آثاماً وداخلاً تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، ( من عمل عملاً ليس عليه أمراً فهو رد )، وقال: ( وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، قال ذلك في حديث العرباض بن سارية، حيث قال قبل ذلك: ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، ثم قال: فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ).إذاً الحاصل: أن هذا الاحتفال لم يوجد في ثلاثمائة سنة كاملة، الثلاثمائة السنة الأولى ما وجد فيها ذكر الاحتفال حتى مجرد الذكر، ما فيه ذكر؛ لأنه ما وجد هذا العمل أصلاً، خلت منه العصور الثلاثة الأول، القرون الثلاثة الأول بأكملها، وأحدث في القرن الرابع ، وأحدثه الرافضة الذين حكموا مصر تقليداً للنصارى، وقد ذكر المقريزي في كتابه الخطط والآثار في تاريخ مصر، أنهم أحدثوا الموالد، فأحدثوا ستة موالد: مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومولد علي، ومولد فاطمة، ومولد الحسن، ومولد الحسين، ومولد الحاكم من حكامهم في زمانهم، ستة موالد أحدثوها في ذلك الوقت، واشتهر أن ملك إربل -وكان في القرن السادس أو قريباً منه- هو الذي فعل ذلك، وأنه فعل ذلك وأحدث ذلك، ولكنه ليس هو المحدث له، وإنما أحدث قبل ذلك في القرن الرابع، وأحدثه الرافضة الذين حكموا مصر، وكما قلت: أصل إيجاده المستند فيه تقليد النصارى، ليس فيه سنة عن رسول الله، ولا أثر عن أصحاب رسول الله، بل ولا التابعين، بل ولا أتباع التابعين، والواجب على المسلم أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة تفوق محبة كل مخلوق، وأن تكون محبته باتباعه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره، وألَّا يبعد الله إلا طبقاً لشريعته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأن يحذر الإنسان من البدع ومن المحدثات التي ليست من عمل السابقين، وليست من عمل سلف هذه الأمة، فالخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف.
حكم حضور الاحتفالات لقصد الأكل والشرب
السؤال: هل يجوز حضور هذه الاحتفالات لقصد الأكل والشرب؟الجواب: لا، لا يجوز للإنسان أن يحضر هذه الاحتفالات، لا ليشارك فيها، ولا لمجرد الأكل والشرب، وإنما إذا أراد أن يحضر يحضر وينصح ويحذر ويبين الحكم الشرعي، فإذا أراد أن يحضر فليفعل هذا، أما مجرد حضور للمشاركة أو للأكل فلا.
الجمع بين قراءة القرآن وحفظه
السؤال: ما هو الأولى الانشغال بحفظ ما نسي من القرآن أم ختمه شهرياً إن لم يستطع أن يجمع بينهما؟الجواب: الذي ينبغي هو أن يجمع بينهما، ويمكن الجمع بينهما، فيخصص له وقت لقراءة القرآن، بحيث يمر عليه، ويخصص وقت لاستذكاره وحفظه، وتعهده، ويكون في ذلك جمع بين الحسنيين.
كيفية معرفة سفيان إذا أطلق
السؤال: إذا أطلق سفيان أليس المراد هو الثوري ؟الجواب: لا، ليس الثوري، وإنما يطلق ويراد به أحدهما، والأمر في ذلك يرجع كما ذكرت إلى الشيوخ والتلاميذ؛ يحصل التمييز بالشيوخ والتلاميذ؛ أي: في بعض المواضع يكون الثوري، إذا جاء وكيع عن سفيان، فهو الثوري، ولكن إذا جاء سفيان عن الزهري المراد به ابن عيينة .
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:52 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب القبلة
(142)
- (باب الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام) إلى (باب أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس؟)
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى وهو لابس ثياباً حمراً وكذا ثياباً فيها خطوط، وربما صلى منتعلاً، وكان إذا خلعهما يضعهما عن يساره.
الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام
شرح حديث: (إن رسول الله صلى في خميصة لها أعلام ثم قال: شغلتني أعلام هذه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام.إسحاق بن إبراهيم، وقتيبة بن سعيد واللفظ له عن سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، ثم قال: شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانيه ) ].يقول النسائي رحمه الله: [ الرخصة في الصلاة في خميصة لها أعلام ]. المراد من هذه الترجمة أن الكساء الذي له أعلام -وهي خطوط تكون فيه- فإنه لا بأس بالصلاة فيه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى فيه، ولكنه اختار ما هو الأولى منه، وهو الأنبجانية التي ليس فيها شيء، وهي كساء من الصوف ليس فيه أعلام، والنسائي عقد الترجمة بناء على ما جاء في أول الحديث من حصول الصلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الخميصة التي لها أعلام، وقد أورد النسائي فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، ثم قال: شغلتني هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيه )، وفي بعض الروايات: ( إنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني -أي: تلك الخميصة- عن صلاتي )، فالرسول صلى الله عليه وسلم كانت قد أهديت إليه تلك الخميصة من أبي جهم، فأراد أن يردها إليه، ولكن خشية أن يقع في نفسه شيء فطلب الأنبجانية التي كانت عنده بدلاً من هذه، فتكون الهدية على بابها، ولكنها صارت من نوع آخر غير النوع الذي أعطاه إياه. ومن المعلوم أن الخميصة لا شك أنها أفضل، وأنها أولى، بخلاف الأنبجانية فإنها من الصوف، وفيها خشونة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم آثرها على تلك لما فيها من أعلام، ثم أيضاً لم يرد الخميصة عليه، ولا يأخذ مكانها شيئاً؛ لأن ذلك يؤثر في نفسه؛ حيث تكون هديته قد ردت إليه، لكن إذا ردت واعتيض عنها من عنده شيء آخر فإن ذلك يهون الأمر. وفي الحديث أيضاً دليل على أن الإنسان عندما يهدى له الشيء ويكون نفيساً، أو يكون حسناً، ويريد أن يأخذ ما هو أقل منه فإنه يمكن أن يعتذر عنه ويأخذ ما هو دونه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رد الهدية لم يردها مطلقاً، ولكن أخذ ما هو دونها تطييباً لخاطر ذلك الذي أهداها، وهو أبو جهم رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله صلى في خميصة لها أعلام ثم قال: شغلتني أعلام هذه ...)
قوله: [ إسحاق بن إبراهيم وقتيبة واللفظ له ].أي: لـقتيبة.و إسحاق بن إبراهيم هو ابن مخلد الحنظلي المشهور بـابن راهويه، المحدث، الفقيه، وصف بوصف رفيع من أعلى صيغ التعديل، ومن أعلى صفات التعديل، وهي قول بعض المحدثين عن الرجل: أمير المؤمنين في الحديث، فإنه قد وصف -أي: إسحاق بن راهويه- بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا يدل على علو منزلته، وعلى قوة ضبطه وإتقانه، وأنه في القمة حيث، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. وسبق أن ذكرت أن كلمة (راهويه) المشهور عند المحدثين أنهم يأتون بها على هذا اللفظ: (راهويه)، فتكون الواو ساكنة وما قبلها مضموم، والياء التي بعدها مفتوحة والهاء ساكنة، وأما اللغويون فإنهم يقولون راهويه، فيختمون بـ(ويه)، يعني: راهويه، فتكون الواو مفتوحة وما قبلها مفتوح، والياء ساكنة وليست مفتوحة كما هو عند المحدثين، يعني: يكون مختوماً بـ(ويه)، وأما عند المحدثين فمختوم بواو ساكنة، وبعدها ياء مفتوحة ثم هاء ساكنة.وقتيبة بن سعيد هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر من الرواية عنهم، ولهذا قل أن ينظر الإنسان في صفحات كتاب النسائي إلا ويجد فيه الرواية عن شيخه قتيبة بن سعيد، وأول شيخ أخرج له النسائي في سننه قتيبة بن سعيد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وقتيبة هذا من الأسماء المفردة التي ليس له مشارك فيها، التي قلت التسمية بها، أو ندرت التسمية بها، فإنه لا يوجد من يسمى قتيبة في الكتب الستة إلا هو. وقوله: واللفظ له، أي: أن اللفظ المسوق واللفظ المذكور هو من لفظ قتيبة الذي هو الشيخ الثاني، وليس من لفظ إسحاق بن راهويه الذي هو الشيخ الأول؛ لأنه لما ذكر الاثنين وسياقهما يختلف ذكر سياقه على لفظ شيخه الثاني، ونص على ذلك، حيث قال: واللفظ له، أي: لـقتيبة بن سعيد، أي: ومعنى هذا أن سياق إسحاق بن راهويه ليس هذا المذكور، وإنما هو غيره، والمذكور إنما هو سياق شيخه الثاني قتيبة بن سعيد .[ عن سفيان ].وسفيان هو ابن عيينة، وهو هنا مهمل، وقتيبة معروف يروي عن سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة هو الذي يروي عن الزهري، وهو المعروف بالرواية عن الزهري، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن عيينة معروف بالرواية عن الزهري دون الثوري، قال في موضع آخر في فتح الباري: إن الثوري يروي عن الزهري بواسطة. وسفيان بن عيينة ثقة حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن الزهري ].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، وهو مشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب الذي هو جد جد جده، وحديث الزهري أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمرٌ له عمرأي: كلفه بذلك، وأمره بذلك عمر بن عبد العزيز الخليفة، ومن المعلوم أن الكتابة للسنة حصلت من كثيرين، ولكنها بجهود فردية، وأما التكليف من الوالي فإنما كان للزهري في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.[ عن عروة ].هو عروة بن الزبير بن العوام، المحدث، الفقيه، أحد الفقهاء المشهورين في المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين اشتهروا في المدينة، والذين يأتي ذكرهم بهذا الوصف في بعض المسائل إذا اتفق رأيهم فيها، فيقولون: هذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، أي: فقهاء المدينة السبعة، ومنهم عروة بن الزبير هذا، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، فهؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة في المدينة، وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب .والحاصل: أن عروة بن الزبير الذي معنا في الإسناد هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين رحمة الله عليهم، وحديث عروة بن الزبير أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهو يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي تعتبر من أوعية السنة والتي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاسيما الأحاديث المتعلقة بالأمور البيتية، المتعلقة بالبيوت التي لا يعلمها إلا النساء، فإنها حفظت السنة، وحفظت للأمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي واحدة من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة رضي الله تعالى عنهم، فهؤلاء السبعة مكثرون من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس أحد من الصحابة روى مثلما روى هؤلاء رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الصلاة في الثياب الحمر
شرح حديث: (إن رسول الله خرج في حلة حمراء فركز عنزة فصلى إليها...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في الثياب الحمر.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء، فركز عنزة، فصلى إليها، يمر من ورائها الكلب والمرأة والحمار) ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الصلاة في الثوب الأحمر. والمقصود من ذلك أنها سائغة وجائزة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى وهو كذلك، أي: في حلة حمراء، وقد أورد النسائي حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله تعالى عنه قال: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، ومعه عنزة )، وهي: العصا التي في طرفها حربة، أي: حديدة تثبت في الأرض، وتغوص في الأرض، فركزها وصلى إليها.( يمر من ورائها المرأة والحمار والكلب )، أي: أن ما مر من وراء السترة فإنه لا يؤثر على المصلي ما دام أنه وضع السترة، ومن يمر إنما يمر من ورائها، فإن ذلك لا تأثير له على المصلي في صلاته، وإنما التأثير عندما يكون المرور بينه وبين سترته، فإنه يمنع من يمر بينه وبين سترته، وأما من يكون من وراء السترة فإنه لا علاقة له به.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله خرج في حلة حمراء فركز عنزة فصلى إليها...)
قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار هو الملقب بندار البصري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو يعتبر من صغار شيوخ البخاري الذين قربت سنة وفاتهم من سنة وفاة البخاري ؛ وذلك أن البخاري توفي سنة: (256هـ)، ومحمد بن بشار توفي قبله بأربع سنوات، أي: سنة: (252هـ)، فهو يعتبر من صغار شيوخه الذين أدركهم من روى عن البخاري، أو من يكون بعد البخاري، ولهذا النسائي وغيره من الأئمة أصحاب الكتب الستة كلهم رووا عن محمد بن بشار مباشرة وبدون واسطة، وأما كبار شيوخ البخاري الذين لقيهم البخاري في صغره، وهم في أواخر حياتهم فهؤلاء ما أدركهم أصحاب الكتب الستة، وإنما أدركهم البخاري، وأما صغار شيوخ البخاري الذين قربت وفاتهم من وفاته فهؤلاء أدركهم من بعده، ولهذا فـمحمد بن بشار يعتبر من شيوخ أصحاب الكتب الستة؛ فهو شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه ، فكلهم رووا عنه مباشرة، لقوه ورووا عنه وتحملوا عنه الحديث، ويماثل محمد بن بشار في هذا محمد بن المثنى أبو موسى العنزي الملقب بـالزمن، فإنه مثله -أي: محمد بن المثنى- مثل محمد بن بشار في كونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة، وأيضاً وفاته هي سنة وفاة بندار الذي هو محمد بن بشار، وأيضاً ولادته مثل ولادته، وهو أيضاً معه من أهل البصرة، فهما بصريان ومتفقان في الشيوخ والتلاميذ، ولهذا قال عنهما الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان، يعني: اللذين يتسابقان ولا يغلب بعضهم بعضاً؛ لأنهم اتفقوا في سنة الولادة، وسنة الوفاة، وكونهم من أهل البصرة، وكون شيوخهم متفقين، وتلاميذهم متفقين، فكانا كفرسي رهان، ووفاتهم في سنة: (252هـ)، ولأصحاب الكتب الستة أيضاً شيخ ثالث أيضاً توفي في هذه السنة؛ وهي سنة: (252هـ)، وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهو أيضاً ممن توفي في هذه السنة التي هي سنة: (252هـ)، وهؤلاء الثلاثة يعتبرون من صغار شيوخ البخاري، وقد روى عنهم أصحاب الكتب الستة جميعاً.[ حدثنا عبد الرحمن ].عبد الرحمن، هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، حافظ، عالم بالرجال والعلل، وهو من المتكلمين في الرجال في الجرح والتعديل، وهو الذي سبق أن ذكرت أن الذهبي رحمه الله ذكر في كتابه (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل): إذا اجتمع يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي على جرح شخص فإنه لا يكاد يندمل جرحه. يعني: معناه أنهما يصيبان الهدف، ولا يخطئان فيما يتفقان عليه، فكلامهما عمدة، وكلامهما حجة، ولهذا قال: إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، أي: معناه أنه لا يبرأ ولا يسلم من مغبة أو معرة هذا الجرح، بل يكون فيه، ويكون من أهله.و عبد الرحمن بن مهدي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا سفيان ].سفيان، هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الحجة، الحافظ، المحدث، الفقيه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا اللقب من الألقاب الرفيعة التي لا يظفر بها، أو لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل سفيان هذا، وشعبة بن الحجاج، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني وغير هؤلاء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عون بن أبي جحيفة ].عون بن أبي جحيفة، وأبوه أبو جحيفة واسمه وهب بن عبد الله السوائي، وهو مشهور بكنيته أبو جحيفة. وعون بن أبي جحيفة ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن أبيه أبي جحيفة، وهو من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهذا الإسناد كل رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة، محمد بن بشار، وعبد الرحمن بن مهدي، وسفيان الثوري، وعون بن أبي جحيفة وأبوه أبو جحيفة، فهؤلاء كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
الصلاة في الشعار
شرح حديث عائشة: (كنت أنا ورسول الله في الشعار الواحد... فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه وصلى فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في الشعار.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جابر بن صبح سمعت خلاس بن عمرو يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: ( كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم أبو القاسم في الشعار الواحد، وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه لم يعده إلى غيره، وصلى فيه، ثم يعود معي، فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك لم يعده إلى غيره ) ].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الصلاة في الشعار. يعني: الثوب الذي يلتحف فيه، ويواري الجسد أو يكون على الجسد مباشرة، فتقول عائشة رضي الله عنها: إنها كانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في شعار واحد، وكانت حائضاً، فإذا أصابه شيء -أي: ذلك الشعار- من حيضها فإنه يغسله ويصلي فيه، ولا يعدوه إلى غيره، يعني: لا يبدله ويستعمل شيئاً آخر، وإنما يغسله ويصلي فيه، ثم يعود، فإذا أصابه شيء فعل مثلما في الأول، يعني: غسله وصلى فيه ولا يعدوه إلى غيره، يعني: في صلاة الليل، يعني: كونه يكون معها ثم يقوم يصلي، ويكون عليهما الثوب، ثم يقوم ويصلي فيه، فإن أصابه شيء منها، أي: من دمها، فإنه يغسله ولا يعدوه إلى غيره، يعني: لا يتجاوزه، أو يستعمل شيئاً آخر، وإنما يغسله ويصلي فيه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أنا ورسول الله في الشعار الواحد... فإن أصابه مني شيء غسل ما أصابه وصلى فيه)
قوله: [ أخبرنا عمرو بن منصور ].هو عمرو بن منصور النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[ حدثنا هشام بن عبد الملك ].وهو أبو الوليد الطيالسي، مشهور بكنيته ونسبته، وأيضاً مشهور باسمه، ولهذا هنا ذكره باسمه، ويأتي في بعض المواضع بكنيته ونسبته: أبي الوليد الطيالسي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا يحيى بن سعيد ].وهو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا جابر بن صبح ].وهو جابر بن صبح، وهو صدوق، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. يعني: لم يخرج له الشيخان، ولا خرج له ابن ماجه .[ سمعت خلاس بن عمرو ].هو خلاس بن عمرو الهجري البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وكان خلاس هذا من أصحاب علي رضي الله عنه، وهو صاحب شرطته.[ سمعت عائشة ].يحدث عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وقد تقدم ذكرها قريباً.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:55 AM
الصلاة في الخفين
شرح حديث جرير بن عبد الله في الصلاة في الخفين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في الخفين.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن همام قال: ( رأيت جريراً رضي الله عنه بال، ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على خفيه، ثم قام فصلى، فسئل عن ذلك، فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا ) ].وهنا أورد النسائي الترجمة، وهي: الصلاة في الخفين، يعني: أن ذلك سائغ وجائز، وأن الصلاة في الخفين سائغة وجائزة، وأورد فيه حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أنه بال وتوضأ، ومسح على خفيه ثم صلى، فسئل عن ذلك؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا، وهذا يدل على جواز الصلاة في الخفين، وأيضاً على جواز ستر بعض أعضاء السجود؛ لأن الخف يستر الرجلين، وهما من أعضاء السجود؛ لأن أعضاء السجود سبعة: القدمان، والركبتان، واليدان، والجبهة مع الأنف، فهذه أعضاء السجود السبعة، يعني: يدل على حصول الستر لبعض السجود؛ لأن الخفين يكونان ساترين للرجلين، والحديث ليس فيه ذكر الصلاة في الخفين، يعني: أنه صلى في خفيه، ولكنه ذكر أنه بال، وتوضأ، ومسح على خفيه ثم صلى؛ لأنه لو كان نزعهما يحتاج إلى أن يتوضأ من جديد، ولم يذكر أنه نزعهما وتوضأ، وإنما ذكر أنه بال وتوضأ ومسح على خفيه ثم صلى، ولما سئل؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا، يعني: أنه صنع مثل هذا الذي صنعت، وهو الصلاة في الخفين، فهو دليل على جواز ذلك، وأنه لا بأس به، ومثل الخفين الشراريب التي هي الجوارب، فإنه كذلك يصلى فيها، ويمسح عليها.
تراجم رجال إسناد حديث جرير بن عبد الله في الصلاة في الخفين
قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ].محمد بن عبد الأعلى، هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[ حدثنا خالد ].وهو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا شعبة ].وهو: ابن الحجاج الذي وصف بصفة هي من أعلى صيغ التعديل، وهي أمير المؤمنين في الحديث، فإنه ممن ظفر بهذا اللقب، وممن وصف بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سليمان ].سليمان، وهو الأعمش، وسليمان بن مهران الكاهلي، ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي أحياناً ذكره بلقبه الأعمش، وكما ذكرت فائدة معرفة الألقاب ألقاب المحدثين هي أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ومن يعرف لا يلتبس عليه الأمر، بل يعلم أن هذا هو هذا، وأن هذا اسم صاحب اللقب، وأن هذا اللقب لقب لهذا المسمى الذي هو سليمان. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن إبراهيم ].وهو ابن يزيد بن قيس النخعي، المحدث، الفقيه، الكوفي، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وقد ذكرت فيما مضى أن ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، عندما جاء إلى حديث غمس الذباب في الإناء إذا وقع فيه، قال: واستنبط من الحديث أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، والمراد بالنفس الدم، يعني: ما لا نفس له، أي: لا دم له سائل، مثل الذباب، والجراد وما إلى ذلك من الأشياء التي لا دم فيها، قال: استدل على ذلك أن من لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه، ووجه الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرشد إلى غمس الذباب بالماء، واستعماله بعد غمسه. وقال: من وجوه أو من أحوال ذلك أن يكون الماء حاراً، ويلزم من غمسه فيه أن تموت، والرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى استعماله بعد أن غمس فيه الذباب وهو حار، يعني: في بعض أحواله يكون حاراً، ويترتب على ذلك أن تموت، فموتها لا ينجس الماء، ومثلها كل ما لا نفس له سائلة، وكلمة: (ما لا نفس له سائلة)، قال ابن القيم : أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، فقال: ما لا نفس له سائلة إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، يعني: عبارة عامة تشمل الذباب وغير الذباب، يعني: تعبير عام يشمل كل ما لا دم فيه، فما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه.وإبراهيم النخعي محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن همام ].وهو همام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ رأيت جريراً ].هو جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من بجيلة، وكان كبيراً في قومه، وقد جاء عنه أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وقيل فيه: إنه لمكانته في قومه، ولمنزلته الرفيعة فيهم كان فيما بايعه عليه النصح لكل مسلم؛ وذلك ليعم نفعه، ولتكثر الفوائد التي تحصل منه، حيث أنه زعيم وكبير في قومه، فإذا كانت البيعة له على النصح لكل مسلم، فإنه يترتب على ذلك الخير الكثير، والفوائد الجمة، وكان عليه الصلاة والسلام يبايع الناس على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم يضيف إلى ذلك أشياء على حسب ما يليق بالمبايعين، وقيل: إنه كان مما أضافه إلى جرير هذه الإضافة التي فيها عموم النفع فيما إذا بويع عليها ونفذها. وجرير هذا كان من أجمل الرجال، ومن أحسنهم صورة، ولهذا قال عنه: إنه يوسف هذه الأمة، يعني: في جماله وحسنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة في النعلين
شرح حديث أنس في صلاة النبي في النعلين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الصلاة في النعلين.أخبرنا عمرو بن علي عن يزيد بن زريع وغسان بن مضر قالا: حدثنا أبو مسلمة واسمه سعيد بن يزيد بصري ثقة، قال: ( سألت أنس بن مالك رضي الله عنه: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين؟ قال: نعم ) ].وهنا أورد النسائي الصلاة في النعلين، وفيه: أن أنس بن مالك رضي الله عنه ( سئل عن الرسول صلى الله عليه وسلم: هل كان يصلي في نعليه؟ فقال: نعم )، فهذا يدل على جواز الصلاة في النعلين، وعلى أن ذلك لا بأس به، ولكن ينبغي أن يعلم بأن الصلاة في النعلين تكون في الأمكنة المناسبة، بحيث لا يترتب على ذلك مضرة، وحتى لا يترتب على ذلك أمور لا تنبغي، أما إذا كانت المساجد مفروشة ونظيفة، فإن الدخول فيها بالنعال، والمشي عليها بالنعال يترتب عليه وصول الأتربة والأشياء التي علقت بالنعال، وأيضاً يكون لونه متغيراً، وتعلوه الأوساخ، وهذا لا ينبغي، وإنما يصلى في النعال في الأماكن التي فيها تراب، كأن يكون الإنسان في سفر، أو يكون المسجد فيه تراب، أو كان ترابياً فإنه لا بأس أن يفعل ذلك، ولا يفهم أنه على إطلاقه، وأن الإنسان مهما كان، ولو كان المكان الذي يصلي فيه من أحسن ما يكون في النظافة وحسن الفراش فيداس بالنعال وفيها ما فيها، فإن هذا لا ينبغي، ومن المعلوم أن الناس لا يفعلون هذا في بيوتهم، فالأماكن المفروشة يجعلون النعال خارج ذلك المكان المفروش؛ حتى لا يوسخوا تلك الأماكن المفروشة، والمساجد المفروشة من باب أولى أن لا تعرض لمثل الذي لا يرضاه الناس في أماكنهم التي هي مواضع جلوسهم، ومواضع استقبالهم الزائرين، فإذا كانوا لا يفعلون هذا في بيوتهم؛ لأن في ذلك ما لا يريدونه من حصول الوسخ، وعدم النظافة فإن المساجد أولى بأن يحرص على نظافتها، وعلى نزاهتها، وعدم تعريضها، والحديث يعمل به، ولكن حيث يناسب العمل به، فهذا ينبغي التنبه له، والتفطن له، فيعمل بما جاء في الحديث حيث يناسب العمل، ولا يعمل به حيث لا يناسب العمل؛ لأن دفع الأذى مطلوب، واللبس، إما جائز أو مستحب، ولا يفعل ما هو جائز أو مستحب إذا ترتب على ذلك مضرة ومفسدة، وأما إذا لم يترتب على ذلك شيء فإنه لا بأس به.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في صلاة النبي في النعلين
قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ].وهو الفلاس، المحدث، الناقد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ عن يزيد بن زريع ].يزيد بن زريع، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة .[ وغسان بن مضر ].هو غسان بن مضر البصري، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.[ حدثنا أبو مسلمة ].هو أبو مسلمة سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي البصري، وهو بصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[ سألت أنساً ].هو أنس بن مالك رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله، وهو أحد الصحابة الذين عمروا، وأدركهم التابعون الكبار والمتوسطون والصغار، وتلقوا عنه الحديث، وأيضاً هو من السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ
أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس
شرح حديث: (إن رسول الله صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس.أخبرنا عبيد الله بن سعيد وشعيب بن يوسف عن يحيى عن ابن جريج أخبرني محمد بن عباد عن عبد الله بن سفيان عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه، أنه قال: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: (أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس)، وأورد فيها حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح وجعل نعليه عن يساره )، يعني: معناه أنه لم يصل في نعليه، ولكنه جعلهما عن يساره وهو يصلي، والمقصود من الترجمة بيان موضع وضع النعلين إذا صلى، وأورد الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهما عن يساره )، فإذاً: موضعهما أنهما يكونان عن يساره.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره)
قوله: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد ].هو عبيد الله بن سعيد السرخسي اليشكري، وهو ثقة، مأمون، سني، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. [ وشعيب بن يوسف النسائي ].وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.[ عن يحيى ].وهو ابن سعيد القطان، وقد مر ذكره.[ عن ابن جريج ].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ أخبرني محمد بن عباد ].وهو محمد بن عباد بن جعفر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الله بن سفيان ].هو أبو سلمة المخزومي، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي ولا البخاري.[ عن عبد الله بن السائب ].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة
الفرق بين الصلاة في الخفين والصلاة في النعلين من ناحية الجواز
السؤال: ما الفرق بين الصلاة في الخفين والصلاة في النعلين من ناحية الجواز؟الجواب: كل منهما جائزان. وسبب إيراد الترجمتين: لأن الخف غير النعل، والخف كما هو معلوم يستر القدم، والنعل لا يسترها وإنما يستر بعضها أو جزءاً منها، فالمغايرة لأن الخف غير النعل، ولأن هذا فعل، وهذا فعل، وفعل كل منهما سائغ.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 05:58 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(143)
- (باب إمامة أهل العلم والفضل) إلى (باب من أحق بالإمامة؟)
إن أحق الناس بالإمامة هو الأقرأ لكتاب الله ثم الأعلم بالسنة ثم الأقدم هجرة ثم الأكبر سناً، وإنما قدم النبي أبا بكر على غيره من الصحابة تنويهاً بأحقيته بالإمامة العظمى، وينبغي للمسلم أن يحافظ على صلاة الجماعة وإن كانت خلف أئمة الجور، فإن أخروها عن وقتها صلاها لوقتها وأعادها معهم نفلاً.
ذكر الإمامة والجماعة، إمامة أهل العلم والفضل
شرح حديث ابن مسعود في إمامة أهل العلم والفضل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الإمامة. ذكر الإمامة والجماعة. إمامة أهل العلم والفضل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري عن حسين بن علي عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟، قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر].يقول النسائي رحمه الله: كتاب الإمامة، ثم قال: ذكر الإمامة، والجماعة، ثم قال: إمامة أهل العلم، والفضل.الجماعة، والإمامة متلازمتان، فإنه لا إمامة إلا مع وجود جماعة، ومع وجود الجماعة لابد من الإمامة، فإذا كان الإنسان وحده فليس هناك إمامة، وليس هناك جماعة؛ لأن الإمامة والجماعة تكون إذا وجد أكثر من واحد.والجماعة أقلها اثنان؛ إمام، ومأموم، فإذا وجدت الجماعة فإن كانوا اثنين أو أكثر تقدم واحد منهم، وصار إماماً، وإذا لم يبلغوا العدد اثنين فإنه لا جماعة، ولا إمامة.وأورد النسائي هنا هذه الترجمة وهي: ذكر إمامة أهل العلم، والفضل، وتقديمهم في الإمامة على غيرهم، وأورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة، والسلام لما قبض، واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وذهب إليهم جماعة من المهاجرين فيهم أبو بكر، وعمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر: ألستم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر أن يصلي بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم عليه؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم عليه.فمحل الشاهد أن عمر رضي الله عنه قال: (ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتعوذوا بالله من ذلك)؛ أن يتقدموا على من قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الاجتماع لما رأى أبو بكر أن يبايع عمر، قال عمر رضي الله عنه: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا، فبايعه وبايعه الناس.الحاصل: أن الترجمة معقودة لإمامة أهل العلم والفضل، وأبو بكر رضي الله عنه قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المقدم في العلم والفضل، وسيأتي حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة).وقد يبدو تعارض بين تقديم أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة، وفي الصحابة أبي الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (أقرؤكم أبي)، وقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، فمن العلماء من أجاب عن تقديم أبي بكر في الصلاة، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أقرؤكم أبي)، قال: إن هذا إشارة إلى تقديمه في الإمامة العظمى، وهي الخلافة، ولا شك أن هذا فيه إشارة إلى التقديم، كما هو واضح، وكما فهمه عمر، وكما فهمه الصحابة لما ذكرهم بذلك عمر رضي الله تعالى عن الجميع، وكذلك أيضاً ما جاء من الإشارة إلى أولويته للخلافة في حديث جندب البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).فكون هذا حصل في مرض موته، وقبل وفاته بخمس ليال، فيه إشارة إلى أفضليته، وإلى أولويته في الخلافة، وكذلك تقديمه إياه في الصلاة، قال بعض العلماء: إن الأولى بالإمامة هو الأقرأ، والنبي عليه الصلاة والسلام، إنما قدم أبا بكر في هذه المناسبة -أي: في مرض موته- إشارة إلى أنه الأولى، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينيبه قبل مرض موته في الصلاة، ويأمره بأن يصلي بالناس قبل تلك المناسبة، كما سيأتي في بعض الأحاديث التي فيها أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمره بأن يصلي بالناس إذا تأخر في الوصول إليهم كما سيأتي.ومن العلماء من قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أرشد إلى تقديم أبي بكر؛ لأنه أعلمهم؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا يجمعون بين العلم والعمل، وبين معرفة القرآن ومعرفة السنن، العلم بالكتاب والسنة، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن، والعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، جمعوا بين العلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.إذاً: فـأبو بكر رضي الله عنه كان عنده العلم بكتاب الله، وعنده العلم بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو معني بالقرآن، كما أن غيره معني بالقرآن، رضي الله تعالى عن الجميع.وعلى هذا فيكون كون أبي أقرأهم، يعني: لتميزه في ذلك، ولكن كونهم قراء، وعلماء، وجمعوا بين العلم بالكتاب والسنة هذا هو شأنهم، وهذه طريقتهم، كما بين ذلك عبد الله بن مسعود في الأثر الذي ذكرته: كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن، لم نتجاوزهن حتى نتعلم معانيهن، والعمل بهن، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً.وتقديم العالم بكتاب الله معروفٌ بين سلف هذه الأمة، كما حصل من أحد أمراء عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة، أو جاء إلى عمر فلقيه، فقال: من أنبت مكانك؟ فقال: أنبت عليهم ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى لنا، قال جعلت عليهم مولى؟ فقال: إنه عالم بكتاب الله، عارف بالفرائض، فقال عمر رضي الله عنه: صدق نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين)، والحديث رواه مسلم في صحيحه، يرفع الله بالقرآن من يرفع، ويضع به من يضع، فكان هذا شأن الصحابة رضي الله عنهم، وسلف هذه الأمة يعنون بالكتاب والسنة، وجمعوا بين العلم بالكتاب، والعلم بالسنة، فيقرءون القرآن، ويحفظونه، ويتعلمون ما فيه من الأحكام والحكم، وكذلك يعرفون السنة، ويحرصون على العلم بها، ويستنبطون ما تدل عليه من أحكام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الدلالات على أحقية أبي بكر بإمامة المسلمين
إذاً: فتقديم أبي بكر رضي الله عنه هذا هو التوفيق بينه وبين الحديث الذي سيأتي، وهو حديث أبي مسعود : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أقرؤكم أبي)، مع أنه أشار إلى تقديم أبي بكر رضي الله عنه في مرض موته، وقبل مرض موته كما هو معلوم. ثم إن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ليس هذا هو الدال عليها، بل دل عليها أدلة كثيرة تدل على أنه الأولى من بعده، ولكن ليس فيه تصريح بأن الخليفة بعدي فلان بن فلان، فإنه لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال: الخليفة بعدي فلان بن فلان، ولكن جاءت نصوص تدل على أنه الأحق بالأمر من بعده، مثل هذا الحديث الذي هو تقديمه في الصلاة، وقوله قبل أن يموت: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في مرض موته لـعائشة : (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب كتاباً لـأبي بكر، فإني أخشى أن يتمنى متمن، وأن يقول قائل... ثم قال: يأبى الله، والمؤمنون إلا أبا بكر)، أي: لا حاجة للكتابة؛ لأن الله تعالى يأبى أن يتولى عليهم إلا أبا بكر، والمسلمون يأبون إلا أن يتولى عليهم أبو بكر، فقد علم رسول الله عليه الصلاة والسلام أن المسلمين سيتفقون على خيرهم، وأنهم سيختارونه، فلم يحصل منه التنصيص على أنه الخليفة من بعده، بل جاءت هذه النصوص التي تدل على أولويته، وعلى أفضليته، وعلى أن الأمة ستجتمع عليه وستتفق عليه.وكذلك ما جاء من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر)، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام للمرأة التي جاءت إليه تريد حاجة، وقالت: (أرأيت إن لم أجدك)، قال الراوي: كأنها تريد الموت، قال: (ائتي أبا بكر)، فكل هذه نصوص تدل على أولويته، وعلى أنه الأحق بالأمر من بعده، وقد اتفق المسلمون عليه، وبايعه المسلمون، وحصلت خلافته، ثم خلافة عمر، ثم خلافة عثمان، ثم خلافة علي، وهؤلاء الخلفاء الراشدون الأربعة هم الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (اقتدوا باللذين من بعدي)، وقال أيضاً: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فهؤلاء الأربعة هم الذين كانوا في هذه المدة التي هي ثلاثون سنة، وأول هؤلاء الذين هم الخلفاء الراشدون، والذين خلافتهم خلافة نبوة، ومدتها ثلاثون سنة، أولهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في إمامة أهل العلم والفضل
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وهناد بن السري].إسحاق هو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، الحنظلي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.وأما هناد بن السري فهو أبو السري الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.وكنيته توافق اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه.وفائدة معرفتها: حتى لا يظن أن فيه تصحيفاً فيما لو ذكر بكنيته مع اسمه، فإن من لا يعرف يظن أن فيه تصحيفاً، يعني: مثل: هناد بن السري لو جاء في الإسناد هناد أبو السري، فالذي لا يعرف أن كنيته أبو السري، يظن (أبو) مصحفة من (ابن)، وهذا غير صواب، فإذا جاء هناد بن السري فهو أبو السري، وإن جاء هناد أبو السري فهو ابن السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث الذي هو مصطلح الحديث.[عن حسين بن علي].وهو الجعفي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو ابن قدامة أبو الصلت الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن عاصم].وهو ابن بهدلة وبهدلة كنيته أبو النجود، أي: مشهور بـعاصم بن أبي النجود، واسم أبي النجود : بهدلة، فهو عاصم بن بهدلة، وكنية أبيه أبو النجود، وهو المقرئ المشهور، أحد القراء المشهورين، وهو صدوق له أوهام، وهو حجة في القراءة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن حديثه في الصحيحين مقرون بغيره.[عن زر].وهو ابن حبيش بن حباشة الكوفي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مخضرم.[عن عبد الله].وهو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء العلماء في الصحابة رضي الله تعالى عنه، وليس هو من العبادلة الأربعة الذين اشتهروا بهذا اللقب؛ لأن العبادلة الأربعة يراد بهم صغار الصحابة الأربعة الذين هم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، الذين عاشوا بعد ابن مسعود مدة طويلة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، واستفاد الناس من علمهم وحديثهم.وأما ابن مسعود رضي الله عنه فهو متقدم الوفاة؛ لأن وفاته سنة: (32هـ) في خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عن الجميع، وحديث عبد الله بن مسعود عند أصحاب الكتب الستة.
الصلاة مع أئمة الجور
شرح حديث: (صل الصلاة لوقتها فإن أدركت معهم فصل ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة مع أئمة الجور.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب عن أبي العالية البراء قال: (أخر زياد الصلاة، فأتاني ابن صامت، فألقيت له كرسياً فجلس عليه، فذكرت له صنع زياد، فعض على شفتيه، وضرب على فخذي، وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، فقال عليه الصلاة والسلام: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركت معهم فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الصلاة مع أئمة الجور، أي: أنه يصلى وراءهم، ومن المعلوم أن هذا هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ أنه يصلى وراء الأئمة، وإن كانوا جائرين، والحرص على الجماعة، وعلى عدم الفرقة، فهذا أمر مطلوب، ومع ذلك فإن منهم من كان يؤخر الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يرشد إلى التخلف عنهم، وترك متابعتهم، والصلاة وراءهم، وإنما أمر بأن يصلي الإنسان الصلاة لوقتها، ثم بعد ذلك إذا صلوا يأتي، ويصلي معهم، وتكون له نافلة ـ أي: الثانية ـ والصلاة الأولى هي الفريضة، فالنبي عليه الصلاة والسلام، أرشد إلى متابعتهم، وإلى الصلاة معهم، وعلى عدم الابتعاد عنهم في الصلاة، بل الإنسان يصلي لنفسه في الوقت، وأيضاً يصلي معهم، ولا يقول: إنه صلى فلا يحتاج إلى أن يصلي، وإنما يصلي معهم، فيوافقهم في الظاهر، مع أنه قد صلى قبل ذلك، ولا يظهر بأنه قد صلى، وأنه لا يريد أن يصلي؛ لأنه قد صلى؛ لما في ذلك من الفتنة، ولما في ذلك من الفرقة، وهذا يدلنا على عناية الشريعة بمتابعة الأئمة، وعلى الصلاة معهم، وإن أخروها، ولكن الإنسان يصليها لوقتها، ولهذا لما قام الذين قاموا على عثمان رضي الله عنه، وحاصروه في داره، وصار محصوراً في داره، ويصلي بالناس واحد من هؤلاء أصحاب الفتنة جاءه رجل وقال: يا أمير المؤمنين! إنك إمام عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة، فماذا تأمرنا؟ قال: الصلاة من خير ما يفعل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم، وهذا الأثر في صحيح البخاري، أورده في باب: إمامة المفتون، والمبتدع، وأورد تحته هذا الأثر، وأنه يصلى وراء من كان كذلك، وذلك كما بين عثمان رضي الله عنه في قوله: الصلاة من خير ما يفعل الناس. فعلى الإنسان أن يصلي الصلاة لوقتها، ويصلي معهم إذا صلوا، ولا يفارقهم، ولا يظهر الفرقة، وتكون هذه الصلاة الثانية التي صلاها معهم نافلة.وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث: أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما سئل عن الصلاة وراء الأئمة الذين يؤخرون الصلاة، فقال: (صل الصلاة لوقتها، فإذا أدركت الصلاة معهم فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي)، أي: سبق أن صليت فلا أحتاج إلى أن أصلي، أو لست بحاجة إلى أن أصلي؛ لأني قد صليت، بل الإنسان يصلي معهم، وتكون تلك الصلاة الثانية التي صلاها معهم نافلة.وعندما روى أبو ذر الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ذكر أنه ضرب فخذه، ثم إن أبا ذر لما حدث عبد الله بن الصامت بهذا الحديث ضرب فخذه كما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فخذه، وعض على شفتيه منكراً لهذا العمل، أو كارهاً لهذا العمل الذي هو تأخير الصلاة عن وقتها، ولما حدث عبد الله بن الصامت أبا العالية عمل كما عمل معه أبو ذر؛ عض على شفتيه، وضرب فخذه كما ضرب أبو ذر فخذه عندما حدث عبد الله بن الصامت بهذا الحديث.إذاً: فالضرب على الفخذ حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحصل من أبي ذر، وحصل من عبد الله بن الصامت ، وهذا يدل على الضبط، والإتقان، في ذكر الحالة التي تكون عند التحديث، تدل على ضبط الراوي ما رواه؛ لأنه يتذكر اللفظ الذي رواه، ويتذكر الهيئة التي حصلت عند التحديث بالحديث، فهذا مما يدل على ضبط الراوي، وإتقانه؛ لأنه عرف مع الحديث، ومع لفظ الحديث الهيئة التي حصلت من المحدث عند التحديث بالحديث، وهذا من جنس قول ابن عمر رضي الله عنه: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وقال: كن في الدنيا كأنك غريب)، فإنه كما ذكر الحديث ذكر الهيئة التي صنعها رسول الله عليه الصلاة والسلام معه عندما حدثه بهذا الحديث، وهذا يدل على الضبط، والإتقان لما يرويه الراوي.ثم أيضاً هذا يسمونه المسلسل، ولكن هذا ليس مسلسلاً في الإسناد، وإنما هو في بعض الإسناد، وهو كون كل واحد يضرب فخذ من يحدثه عندما يحدث بالحديث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب فخذ أبي ذر، وأبو ذر ضرب فخذ عبد الله بن الصامت، وعبد الله بن الصامت ضرب فخذ أبي العالية عندما حدث كل واحد منهم بهذا الحديث.وزياد الذي أشار إليه أبو العالية، وذكره لـعبد الله بن الصامت هو المعروف بـزياد بن أبيه الذي كان أميراً على البصرة.
تراجم رجال إسناد حديث: (صل الصلاة لوقتها فإن أدركت معهم فصل ...)
قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب].وهو زياد بن أيوب البغدادي، وهو ثقة، حافظ، ولقبه، دلويه، وكان أحمد يلقبه بـشعبة الصغير، يعني: لحفظه، وإتقانه.وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي .[حدثنا إسماعيل بن علية].وهو ابن إبراهيم بن مقسم الأسدي المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أيوب].وهو ابن أبي تميمة كيسان السختياني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي العالية البراء].واسمه زياد بن فيروز، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي .[فأتاني ابن الصامت].وهو عبد الله بن الصامت، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[سألت أبا ذر].وهو جندب بن جنادة على أصح الأقوال في تسميته، وتسمية أبيه، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن أبي ذر، وعن الصحابة أجمعين، وهو من مشاهير الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وفي الإسناد أن أبا العالية لما جاء إليه عبد الله بن الصامت، وضع له كرسياً فجلس عليه، وهذا فيه إكرام الزائر، وإجلاسه في المكان المناسب؛ لأنه قدم له كرسياً ليجلس عليه عندما أتى إليه، أي: أتى عبد الله بن الصامت إلى أبي العالية.
شرح حديث: (لعلكم ستدركون أقواماً يصلون الصلاة لغير وقتها... وصلوا معهم واجعلوها سبحة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعلكم ستدركون أقواماً يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، وصلوا معهم، واجعلوها سبحة)].وهنا أورد النسائي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أيضاً، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لعلكم ستدركون أقواماً يؤخرون الصلاة عن وقتها، فإن أدركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها، وصلوا معهم، واجعلوها سبحة)، أي: نافلة؛ لأن السبحة هي النافلة، والتسبيح هو التنفل، ومن ذلك قول ابن عمر رضي الله عنه: (لو كنت مسبحاً لأتممت)، أي: لو كنت متنفلاً، مع أنه يقصر في السفر، وكذلك أيضاً في قصة الجمع بمزدلفة: (ولم يسبح بينهما)، أي: لم يتنفل، فالمقصود بالتسبيح هو التنفل، ويقال للنافلة: سبحة، أي: المراد بها نافلة، أي: تكون الثانية سبحة، والحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، وهو أن الإنسان يصلي الصلاة لوقتها، ويحضر للصلاة معهم، فتكون تلك الصلاة التي يصليها معهم له نافلة.
تراجم رجال إسناد حديث (لعلكم ستدركون أقواماً يصلون لغير وقتها... وصلوا معهم واجعلوها سبحة)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو السرخسي اليشكري، وهو ثقة، مأمون، سني، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، فهو مثل أبي العالية ؛ لأن أبا العالية خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي . [حدثنا أبو بكر بن عياش].هو ثقة، عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه الصحيح، وحديثه أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح، وأخرجه أصحاب السنن الأربعة، أي: لم يخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم في الصحيح، وإنما خرج له في مقدمة الصحيح.وإذا كان نص عليه في تهذيب الكمال فهو المعتبر؛ لأنه ينص على الأسماء، وأما التقريب فإنه بالرموز، وأحياناً الرموز يكون فيها تحريف، وأحياناً يكون فيها سقط، ولكن المزي في تهذيب الكمال ينص على من خرج للراوي بالأسماء، فيقول: روى له فلان، وفلان، وفلان، بدون رمز.[عن عاصم عن زر عن عبد الله].عن عاصم عن زر عن عبد الله قد مر ذكرهم في الإسناد المتقدم.
من أحق بالإمامة
شرح حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من أحق بالإمامة؟أخبرنا قتيبة حدثنا فضيل بن عياض عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم في الهجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سناً، ولا تؤم الرجل في سلطانه، ولا تقعد على تكرمته إلا أن يأذن لك)].هنا أورد النسائي: (من أحق بالإمامة؟)، أي: إذا وجد جماعة، وأرادوا أن يصلوا، فمن الذي يقدم في الإمامة منهم، ومن أحق بالإمامة منهم.وأورد النسائي حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة)، فهنا قال: (فأقدمهم هجرة، وإن كانوا في الهجرة سواء فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سناً، ولا تؤم الرجل في سلطانه، ولا تقعد في بيته على تكرمته إلا أن يأذن لك)، والحديث رواه مسلم في صحيحه، ولكن قدم الأعلم بالسنة على الأقدم هجرة، ولا شك أن هذا هو الواضح، أي: الذي بعد القراءة العلم بالسنة، وإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فالأعلم بالسنة أولى ممن هو أقدم هجرة؛ لأنه قد يكون أقدم هجرة وهو عامياً، ولكن إذا تساووا في القراءة فإنه يقدم الأعلم بالسنة؛ لأنه أولى ممن يكون أقدم هجرة، ثم بعد ذلك من يكون أكبر سناً، فإذا تساووا في هذه الأمور الثلاثة المتقدمة: القراءة، والسنة، والهجرة يقدم من يكون أكبر سناً، وأقدم سناً.والحديث هو الذي أشرت إليه في أول الدرس إلى أن التوفيق بينه وبين ما جاء في تقديم أبي بكر في الصلاة على غيره، مع أنه قال: [(يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)]، قال: [(أقرأكم أبي)]، وأن الجواب عن ذلك أنه إما إشارة إلى إمامته، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينيبه قبل موته عليه الصلاة والسلام، ولكن ذلك لعلمه، ومن المعلوم: أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم علماء بالكتاب، وعلماء بالسنة، فـأبو بكر لما قدم قدم لأنه أعلمهم بالكتاب والسنة، أعلمهم بالعلم المطلق الذي يكون في الكتاب والسنة.قوله: [(يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)]، أي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يكون أقدمهم هجرة، ثم يكون أكبرهم سناً.قوله: [(ولا يؤم الرجل في سلطانه)]، أي: أن الأمير والوالي هو الأحق، وله حق التقدم على غيره، وإذا أذن لغيره فله أن يتقدم، والحق له؛ لأنه هو الأمير الذي له الولاية، فيكون له حق الإمامة إذا حضر، وإذا قدم غيره فإنه يتقدم تحقيقاً لأمره، وتنفيذاً لأمره.وقوله: [(ولا يجلس على تكرمته إلا أن يأذن له)]، يعني: إذا جاء الإنسان في بيته فإنه لا يختار المكان الأنسب، والمكان المتميز، وإنما المكان الذي هو متميز، والذي هو له ميزة على غيره يكون لمن يأذن له صاحب البيت، فلا يأتي ويجلس في مكان، مع أن صاحب البيت يريد أن يجلس فيه شخص آخر أولى منه، فمن الأدب أن الإنسان يجلس حيث يؤذن له في الجلوس، وإذا كان هناك مكان متميز في البيت فلا يأتي أي واحد من الناس ويجلس فيه، وإنما إذا قيل له: اجلس جلس، وإلا فإنه يجلس في أي مكان من الأماكن التي لا تميز فيها.
تراجم رجال إسناد حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، الثقة، الثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا فضيل بن عياض].وهو فضيل بن عياض، وهو المشهور بالزهد، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو مثل إسحاق بن راهويه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه.[عن إسماعيل بن رجاء].وهو إسماعيل بن رجاء، وهو ثقة، خرج له مسلم، والأربعة.[عن أوس بن ضمعج].وهو أوس بن ضمعج، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة أيضاً، وهو مثل الذي قبله، أي: مثل تلميذه.[عن أبي مسعود].وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، صحابي جليل من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، مشهور بكنيته، وأحياناً تتصحف كنيته مع ابن مسعود فيقال ابن مسعود؛ لأن كلمة ابن وكلمة أبي مسعود متقاربان، وأبو مسعود غير ابن مسعود، أبو مسعود هو عقبة بن عمرو الأنصاري، وأما ابن مسعود فهو عبد الله بن مسعود الهذلي المهاجري رضي الله تعالى عنه، وقد تصحفت في كثير من نسخ بلوغ المرام؛ لأنه في كثير من النسخ عن ابن مسعود، وهو ليس ابن مسعود، وإنما هو أبو مسعود.وحديث عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
الفرق بين مقدمة صحيح مسلم وبين صحيح مسلم في الاشتراط
السؤال: هل الأحاديث التي في مقدمة صحيح مسلم اشترط فيها مسلم ما اشترطه في الصحيح؟الجواب: لا أعلم هذا الاشتراط، ولكن الذي يدل على تمييزهم لذكر المقدمة، والتخريج فيها، وذكر الرجال على أن هناك فرقاً بين المقدمة وبين الصحيح، فهم يرمزون لـمسلم في المقدمة بميم وقاف، ولـمسلم في الصحيح بميم، أي: للرجال، وكذلك عندما يأتي الحديث يقولون: في مقدمة صحيحه، مما يشعر بأن هناك فرقاً بين المقدمة وبين الصحيح.
إعادة صلاة الفريضة تنفلاً في الوقت المنهي عنه
السؤال: هل يصلى مع من يؤخرون الصلاة، حتى ولو كانت في وقت نهي؟الجواب: نعم؛ لأن الصلاة إذا أعيدت يصلي الإنسان ولو في وقت النهي؛ لأن صلاة النافلة وراء من هو مفترض جاءت بها السنة في قصة الرجلين اللذين جاءا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:00 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(144)
- (باب تقديم ذوي السن) إلى (باب إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟)
بيّن الشرع الحكيم على أن الإمامة في الصلاة تكون لمن هو أقرأ لكتاب الله، أو أعلم بالسنة أو الهجرة أو السنة، وألا يؤم الرجل في سلطان غيره، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
تقديم ذوي السن
شرح حديث: (وليؤمكما أكبركما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقديم ذوي السن.أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي عن وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، وقال مرة: أنا وصاحب لي، فقال: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)].النسائي رحمه الله: تقديم ذوي السن.أي: تقديم الأكبر سناً في الإمامة، أي: يتقدم في الصلاة إذا أراد يصلي بغيره لكونه أكبر سناً من غيره، وقد أورد فيه حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي، وقال مرة: أنا وصاحب لي، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)، ومحل الشاهد منه قوله: (وليؤمكما أكبركما).وقد سبق أن مر في الحديث الذي قبل هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)، وهنا يقول: (وليؤمكما أكبركما)، ولا تنافي بين ما جاء في هذا الحديث والحديث الذي قبله؛ لأن الحديث الأول تشريع عام، وبيان من يكون أولى بالإمامة مطلقاً، أما هذا الحديث فإنه يفهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنهما متماثلان، وأنهما متساويان، يعني: في الأمور التي يكون فيها التقديم قبل السن، فيكون قوله: (وليؤمكما أكبركما)، هذا هو الذي يتميز به أحدهما عن الآخر في الأولوية بالإمامة، والأمور الأخرى يكونان متفقين فيها أو متماثلين فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشدهما إلى أن يؤمهما أكبرهما.وقد سبق أن مر أيضاً: أنهم كانوا جاءوا وجلسوا عنده مدة، يعني: مالك بن الحويرث ومعه جماعة من قومه، وتعلموا ثم رجعوا، والرسول قال: (يؤمكم أكبركم)، فيفهم منه أن المراد بذلك: أنهم متساوون في الأمور التي هي أحق وأولى بالتقديم من أجلها، وهي: القراءة، والعلم بالسنة، والأقدمية في الهجرة، فإذا حصل التساوي في هذه الأمور والتماثل فإنه يقدم الأكبر سناً، وعلى هذا لا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي قبله، فلا يقال: إن الحديث يدل على أن المراد: أن الأكبر سناً هو الذي يقدم مطلقاً أخذاً بهذا الحديث، وإنما المعتبر هو ما جاء في حديث أبي مسعود، حيث قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً أو أكبرهم سناً).أما هذا فإنه يخاطب اثنين متماثلين، متشابهين، متساويين في أمور يكون فيها التقديم، فأرشد إلى ما يكون التقديم به وهو السن، فيحمل هذا على هذا، وحديث أبي مسعود على الترتيب، وتقديم البعض على البعض؛ وذلك بأن يقدم الأقرأ، ثم الأعلم بالسنة، ثم الأقدم هجرة، ثم الأكبر سناً، وهذا هو التوفيق بين هذا الحديث والحديث الذي قبله.ثم قوله: [(إذا سافرتما فأذنا وأقيما)]، هذا أيضاً يدل على حصول الأذان، والإقامة، وأنه يؤذن سواء كانوا جماعة أو واحد؛ حتى الواحد يشرع له أن يؤذن؛ لأنه لا يسمعه شيء إلا شهد له يوم القيامة، كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك في قصة الراعي الذي سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن وهو وحده، فالأذان يشرع للإنسان سواء كان وحده أو جماعة، فإذا كان في سفر أو كان في فلاة، فإنه يؤذن ويرفع صوته، وقد يسمعه أحد فيأتي ويصلي معه، أو يتعرف عليه ويأتي إليه بسبب هذا الصوت الذي حصل، ثم أيضاً ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، من شهادة ما يسمعه من إنس وجن وشجر وغير ذلك، يوم القيامة، كما جاء ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فالترجمة تقديم ذوي السن، وقوله: [(وليؤمكما أكبركما)]، يدل عليه، وعرفنا أن المقصود من ذلك: أنهم إذا كانوا متساوين في الأمور الأخرى التي يكون فيها التقديم، وهي: القراءة، والعلم بالسنة، والهجرة، فيقدم الأكبر سناً.
تراجم رجال إسناد حديث: (وليؤمكما أكبركما)
قوله: [أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي].وهو حاجب بن سليمان المنبجي، صدوق يهم، وخرج له النسائي وحده.[عن وكيع].وهو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي، وهو الثقة، الحافظ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].غير منسوب، فيحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، ولكنه يحمل على الثوري؛ لأن وكيعاً معروف بالرواية عن الثوري، ومكثر من الرواية عنه، بخلاف ابن عيينة فإنه مقل من الرواية عنه، والسبب في هذا أن وكيعاً من أهل الكوفة، والثوري من أهل الكوفة، فهما في بلد واحد، والتلازم موجود، واللقاء مستمر، فتكثر الرواية، بخلاف ما إذا كان الإنسان في بلد آخر، فإنه لا يتيسر له الأخذ عنه إلا في مناسبة؛ لأن سفيان بن عيينة مكي ووكيع كوفي، ومعنى هذا: أنه يلتقي به إذا ذهب لحج أو عمرة، أو رحلة لطلب الحديث.أما سفيان الثوري فهو ملازم له في بلده، فالكل من أهل الكوفة، فيراه صباحاً ومساء، ويلتقي به متى شاء، ويأخذ عنه متى شاء، فهو مكثر -أي: وكيع - من الرواية عن سفيان الثوري، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء سفيان يروي عنه وكيع وهو غير منسوب، فإنه يحمل على الثوري لكونه أكثر له ملازمة وأكثر عنه رواية، ولكونه من بلده.وسفيان الثوري ثقة، حجة، إمام، فقيه، ومن المحدثين القلائل الذين ظفروا بوصف أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع ووصف عال لم يحصل إلا للقليل النادر من المحدثين، مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وعدد آخر غير هؤلاء، وكانوا يعولون على معرفة تقديم الرجال بعضهم على بعض فيما إذا كانوا كلهم في القمة بأن يحسبوا أغلاط كل واحد منهم، فمن كان أقل غلطاً قدموه، واعتبروه أميز من غيره، وإن كانوا كلهم في القمة إلا أنهم يميزون بينهم بعد الغلطات، وعد الأوهام؛ أي: أوهامهم تكون محدودة وقليلة، فإذا عدوها وجدوا هذا عنده عشرة أوهام، أو هذا عنده خمسة أوهام، وواحد عنده وهم، أو وهمين، فيقدمون من يكون عنده وهمان على من عنده خمسة أوهام أو ستة أوهام وهكذا، فهذا هو المقياس الذي يزنون به الرجال، ويميزون به بين الرجال في الحفظ والإتقان، بأن يحسبوا أخطاءهم، وأن يعدوها، ثم يقدمون، ويرجحون جانب من قلت أوهامه على من كان أكثر منه، وإن لم يكن كثير الأوهام، ولكن أوهامهم كلهم قليلة، لكن بعضهم أقل من بعض، فمثلاً: الاثنين أقل من ثلاثة، وثلاثة أقل من خمسة وهكذا؛ فيكون صاحب الاثنين مقدم على صاحب الخمسة، أو صاحب الستة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وقد ذكر أنه سئل عن سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج أيهما أثبت وأيهما أتقن؟ فقدموا سفيان؛ وذلك بسبب قلة أخطائه بالنسبة إلى الثاني، وإن كان الكل خطؤه قليل إلا أن من كان أقل يقدم على غيره.[عن خالد الحذاء].هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة، يرسل، وأخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وإنما لقب بالحذاء ليس لأنه يبيع الأحذية ولا يصنع الأحذية، وهذا هو المتبادر، فعندما يقال: الحذاء يتبادر للذهن أنه يبيع الأحذية أو يصنعها، لكن ليس هذا ولا هذا، وإنما قيل في سبب تلقيبه: أنه كان يجالس الحذائين، فيأتي ويجلس عند الحذاء في دكانه، فقيل له: الحذاء؛ لأنه يجالس الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن، وقيل: لأنه كان يقول للحذاء: احذ على كذا، احذ على كذا، أي: يعطيه شيء ويقول: احذ على كذا، يعطيه مقياس ويقول: احذ عليه، أي: اصنع على حذائه، وعلى نحوه، وعلى مثله، وهي أيضاً -كما هو معلوم- نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن. [عن أبي قلابة].هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري، وهو ثقة، كثير الإرسال، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو قلابة .[عن مالك بن الحويرث].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء
شرح حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتماع القوم في موضع هم فيه سواءأخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن هشام حدثنا قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة، وهي: اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء.أي: لا فرق لأحد على أحد؛ أي: لا يتميز أحد بميزة بأن يكون صاحب محل، أو يكون سلطان، أو يكون إمام مسجد، أو من الذين يكون لهم أولوية على غيرهم، وممن يكون متميزاً عليهم في قراءة، أو علم بسنة، أو ما إلى ذلك؛ لأن السلطان أولى من غيره في الإمامة في مكان سلطانه، ومكان ولايته كالأمير، كما مر بنا في الحديث الذي مضى بالأمس: زياد بن أبيه الذي كان يؤخر الصلاة، وقد ذكر عبد الله بن الصامت لـأبي العالية: أنه يصلي الصلاة في وقتها، ثم يأتي يصلي معه؛ وذلك للحديث الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فإذا اجتمع قوم في مكان وليسوا فيه سواء، كأن يكون مثلاً صاحب سلطان موجود؛ لأنه أقدم منهم، وأولى منهم، أو يكون صاحب البيت، فإنه يكون أولى منهم في البيت، وكذلك أيضاً إمام المسجد الراتب أولى من غيره ممن حضروا، ولو كان أقرأ منه، فهنا قال: باب اجتماع القوم في موضع هم فيه سواء؛ معناه: أنه يقدم أقرأهم، يعني: يؤمهم أحدهم، وأحق بالإمامة أقرأهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة)، وجاء في آخره: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه)، معناه: أن السلطان مقدم على غيره في الإمامة في مكان ولايته، ومكان إمارته، وإن كان غيره أقرأ منه.قوله (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرأهم)؛ أي: إذا كانوا متساوين، وليس هناك من هو أحق بالمكان، ومن له أولوية بسبب المكان، أو بسبب الولاية، أو بسبب كونه إماماً راتباً.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو عبيد الله بن سعيد اليشكري السرخسي، وهو ثقة، مأمون، سني، قيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، وهو ثقة، حافظ، وأخرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي.[عن يحيى].وهو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن هشام].وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي نضرة].وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مشهور بكنيته أبو نضرة.[عن أبي سعيد].وهو سعد بن مالك بن سنان، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته ونسبته؛ كنيته أبو سعيد، ونسبته الخدري مشهور بهذا، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
اجتماع القوم وفيهم الوالي
شرح حديث: (لا يؤم الرجل في سلطانه ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اجتماع القوم وفيهم الواليأخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)].أورد النسائي : اجتماع القوم وفيهم الوالي، أي: من يقدم؟ يقدم الوالي، الوالي الأمير، الإمام الأعظم، أو الأمير أمير البلد الخاص؛ فإنه أحق بالإمامة، وأولى بالإمامة، وإذا قدم أحداً أو أذن لأحد أن يتقدم فيتقدم، لكن الحق له، والأولوية له؛ لما في ذلك من اجتماع الكلمة، والمتابعة في الصلاة وفي غيرها، بأن يكون متبوعاً، ويكون إماماً، ويكون مرجعاً، إذا اجتمع القوم وفيهم الوالي فالوالي أولى، وقد أورد النسائي حديث: أبي مسعود مختصراً، وهو الحديث المتقدم، إلا أنه ذكر هنا مختصراً، أي: آخره، قال: (ولا يؤم الرجل في سلطانه)، أي: لا يؤمه غيره وهو في مكان ولايته، أي: لا يؤمه، ليس معنى ذلك: أنه لا يتأتى لغيره أن يفعل ذلك؛ بل إذا أذن يفعل، ولكن لا يؤم، يعني: بمعنى أن أحداً يتقدم عليه بدون إذنه وبدون تقديمه، بل هو الحق له، ولكن إذا قدم أحداً فإنه يتقدم، لكن هو الأولى بالصلاة والأولى بالإمامة.قال: [(ولا يؤم الرجل في سلطانه)]، يعني: في المكان الذي هو صاحب ولاية فيه، يعني: سواء كان إماماً عاماً، أو أميراً خاصاً، فإن الإمامة أو الأولوية للوالي، كما جاء في هذا الحديث: (ولا يؤم الرجل في سلطانه)، والحديث سبق أن تقدم، ولكنه أورد هذه القطعة منه من أجل دلالتها على الترجمة وعلى ما ترجم له.وقوله: [(ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)]، يعني: صاحب البيت، وكذلك السلطان عندما يؤتى إليه أو يؤتى إلى صاحب البيت، فإن المكان المتميز الذي يجلس فيه من يراد إكرامه أكثر، وتقديمه على غيره، الحق فيه لصاحب المحل، وليس لأحد أن يأتي ويجلس في المكان المتميز متطفلاً بدون أن يؤذن له، وإنما يجلس إذا أذن له يجلس، وإلا فإنه يجلس في الأماكن التي هي ليست متميزة والتي هي صدر المجلس، والمكان المقدم في المجلس الذي يخصص لمن يريد صاحب المحل أن يجلسه فيه إكراماً له وتمييزاً له على غيره، إن أجلسه وأذن له أن يجلس جلس، وإلا فيجلس في الأماكن الأخرى التي تكون لعامة الناس، والتي تكون لسائر الناس، أما ما يكون لخاصة الناس ويأتي أي واحد يجلس فيه فهذا ليس طيب وليس بمناسب، والمناسب هو أنه يجلس في الأماكن الأخرى، ولا يجلس في المكان الذي مخصص للإكرام أو من يراد إكرامه إلا إذا أذن له بالجلوس فإنه يجلس، فإذا قال: تفضل اجلس هنا، يأتي يجلس، أما كونه يأتي ويختار المكان من المجلس مع أنه قد هيأه لأناس سيأتون ويكونون فيه، فهذا هو الذي يدل الحديث على عدم فعله.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:03 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يؤم الرجل في سلطانه)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد].وهو إبراهيم بن محمد التيمي، وهو ثقة، وخرج له أبو داود، والنسائي.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد، وهو القطان المتقدم ذكره.[عن شعبة].وهو ابن الحجاج الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إسماعيل بن رجاء].وهو ثقة، خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن أوس بن ضمعج].وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، مثل تلميذه الذي قبله.[عن أبي مسعود].هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي جليل، وهو مشهور بكنيته أبو مسعود، وذكرت في الدرس الماضي: أنه قد يتصحف أبو مسعود بـابن مسعود، فابن مسعود هو عبد الله بن مسعود الهذلي المهاجري، وأما هذا أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، فذاك مهاجري، وهذا أنصاري، وذاك ابن مسعود، وهذا أبو مسعود، ولهذا كما قلت: إنها تصحفت في بعض نسخ بلوغ المرام فقيل: عن ابن مسعود، مع أن الحديث: عن أبي مسعود، وليس عن ابن مسعود، ولكن تصحفت (أبي) إلى (ابن)، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟
شرح حديث سهل بن سعد فيما لو تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر؟أخبرنا قتيبة حدثنا يعقوب وهو ابن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم في أناس معه، فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحانت الأولى، فجاء بلال إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت، فأقام بلال، وتقدم أبو بكر فكبر بالناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف، حتى قام في الصف، وأخذ الناس في التصفيق، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن يصلي، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله عز وجل، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس! ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله إلا التفت إليه، يا أبا بكر! ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك؟ قال أبو بكر : ما كان ينبغي لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي، هل يتأخر؟إذا تقدم الرجل من الرعية، يعني: في الإمامة، ثم جاء الوالي، هل يتأخر ذلك المتقدم؟ أو بمعنى أعم: إذا تأخر من له حق الإمامة، أو من هو صاحب الإمامة، كالوالي، أو كإمام المسجد الراتب، ثم جاء صاحب الأولوية، هل يتأخر ذلك الذي تقدم أو أنه يستمر في صلاته؟ أورد النسائي في ذلك حديث: سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى بني عمرو بن عوف، وهم أهل قباء من الأنصار، وكان حصل بينهم شيء، يعني: حصل بينهم نزاع وخلاف، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم، وحان وقت الصلاة، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: أذن للصلاة، وجلسوا ينتظرونه، فجاء بلال المؤذن واستأذن أبا بكر بأن يصلي بالناس، أو طلب منه، أو آذنه بأن يصلي بالناس، فقال: إن شئت، فأقام، وصلى أبو بكر، دخل أبو بكر في الصلاة، ولما دخل أبو بكر في الصلاة جاء رسول عليه الصلاة والسلام، فمشى بين الصفوف حتى صار في الصف الأول، فلما صار في الصف الأول أخذ الناس في التصفيق، أي: يريدون أن ينبهوا أبو بكر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصل، فلما أكثروا في التصفيق التفت، وإذا الرسول دخل في الصلاة، وصار في الصف الأول ودخل في الصلاة مأموماً، فأشار إليه بأن يبقى في إمامته وفي صلاته، فرفع أبو بكر يديه وحمد الله، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن له، وأن عمله لم يكن خطأً، وأنه أذن له بأن يواصل وأن يستمر في الصلاة، فرفع يديه، ثم إنه رجع القهقرى حتى صار في الصف، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس، ثم إنه لما فرغ من صلاته خاطب الناس وقال: (ما لكم أخذتم في التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح، فليقل: سبحان الله، إنما التصفيق للنساء)، ثم أقبل على أبي بكر وقال: (مالك لم تصل إماماً إذا أشرت لك؟)، أي: لم تصل إماماً، أي: تستمر، فقال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.محل الشاهد من الحديث: أن أبا بكر رضي الله عنه لما تقدم للصلاة بعد أن تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم في المجيء وحان وقت الصلاة، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، محل الشاهد منه قوله: هل يتأخر؟ أي: الإمام الذي هو بدل الإمام الراتب الذي ناب عن الإمام أو يبقى؟ أي: ذكر المسألة على سبيل الاستفهام، وفعل أبي بكر يدل على أنه يتأخر، لكن هذا فيما إذا كان في أول الصلاة، والحديث إنما جاء في أول الصلاة لأنه دخل في الصلاة، وفي بعض الروايات: (استفتح بالصلاة)، وبعضها: (كبر في الصلاة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم)، إذاً: هو في أول الصلاة، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن إذا كان مضى شيء من الصلاة، أو صلى بعض الركعات، ثم جاء الإمام، فهل الأولى أن يتقدم أو يستمر؟ الأولى أن يستمر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث آخر في صحيح مسلم: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وتأخر ليقضي حاجته، ثم بعد ذلك القوم تقدموه، وصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فلما قضى ركعة من الصلاة وجاء في الركعة الثانية، وإذا رسول الله يأتي، فدخل وصلى معه الركعة الثانية، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى الركعة التي سبق بها، فدل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في قصة إمامة عبد الرحمن بن عوف أنه إذا مضى شيء من الصلاة يكون مأموماً، وأن الإمام الأول يستمر، وإذا كان في أول الصلاة فلا بأس أن يتأخر إذا أراد أن يتأخر، وإن أراد أن يستمر فله ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يستمر ولكنه لم يستمر، ورجع ليتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما وهم في أول الصلاة.فإذاً: يحمل ما جاء في حديث أو في قصة أبي بكر هذه على ما إذا كان جاء الإمام وهو في أول الصلاة لم يمض منها شيء، وأنه إذا مضى منها شيء فيكون العمل على ما جاء في إمامة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، والحديث في صحيح مسلم، فإذاً: يفصل بين ما إذا كان في أول الصلاة أو مضى منها، فإذا كان في أولها، يعني: إن تأخر فلا بأس، وإن بقي فلا بأس، وإن كان مضى منها شيء فإن الأولى له أن يستمر والإمام يصلي مأموماً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صلى ركعة خلف عبد الرحمن، ثم بعد أن سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي ما سبق فيه، أي: يقضي الركعة التي سبق فيها.عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بينهم في أناس معه).الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن بني عمرو بن عوف حصل بينهم شيء من الخلاف، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة من قومه ليصلح بينهم، وهذا يدل على أهمية الإصلاح بين الناس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب بنفسه، وكان بإمكانه أن يرسل أحداً ينوب عنه في هذه المهمة لكنه ذهب بنفسه، وهذا يدلنا على أهمية الإصلاح بين الناس، لا سيما إذا كان الإمام هو الذي يتولى هذه المهمة، ويصلح بين أفراد الرعية، أو الأمير يصلح بين الناس؛ فإن هذا يكون أدعى إلى أن يستجاب لطلبه ولوساطته وإصلاحه لما يكون له من التقدير، ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم كونه ذهب بنفسه يدل على أهمية الإصلاح بين الناس، وعلى عظم شأنه في الإسلام، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، ذهب بنفسه، وكان بإمكانه أن يرسل من يقوم بهذه المهمة غيره، وفيه تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث ذهب للقيام بهذه المهمة ولم يرسل أحداً يقوم بالنيابة عنه.قوله: [(فحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم)].حبس، أي: تأخر، أي: الحديث الذي جرى للإصلاح بينهم طال حتى تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في أول وقتها، أي: في الوقت الذي كان يصليها فيه، أي: هذا هو معنى حبس، يعني أنه حصل مكث وجلوس معهم في قصد الإصلاح ومحاولة الإصلاح، حتى مضى الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤدي الصلاة فيه، فعند ذلك تقدم أبو بكر .فحانت الأولى، يبدو أنها الظهر؛ لأن صلاتي العشي هي: الظهر والعصر، يقال للظهر: الأولى بالنسبة للعصر، ثم أيضاً هي تجمع معها، أي: يجمع بعضهما إلى بعض في أولى وثانية، أي: الأولى التي تجمع معها الثانية، أي: في حال السفر، أو في الأمر الذي يقتضي ذلك مثل المرض.قوله: [(فحانت الأولى، فجاء بلال إلى أبي بكر، فقال: يا أبا بكر! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبس وقد حانت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس؟ قال: نعم إن شئت)].
صلاة أبي بكر بالناس ودلالة ذلك على فضله
ثم إن بلالاً جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه، ومجيئه إلى أبي بكر رضي الله عنه دون غيره هذا يدل على علو مكانته، ومعرفة أنه هو المتقدم على غيره وأن غيره لا يتقدم عليه، وقد جاء في بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن تأخرت فليصل أبا بكر، أو مروا أبا بكر فليصلِ) كما سيأتي عند النسائي في بعض الطرق في هذا الكتاب، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء وقت الصلاة)، أو ما معناه، (فمروا أبا بكر فليصل بالناس، أو فليصل أبو بكر بالناس)، وتقديم الرسول صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر ليس خاصاً في مرض الموت؛ لأنه قدمه في مرض موته وقبل مرض موته، كما في هذه الحالة أو هذه القصة التي ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ليصلح بين الناس، فتقديم أبي بكر رضي الله عنه ليس خاصاً في مرض موته صلى الله عليه وسلم، بل في مرض موته وفي حال صحته وعافيته صلى الله عليه وسلم.قوله: [(فأقام بلال، وتقدم أبو بكر فكبر بالناس، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف، حتى قام في الصف)].أي: كبر بالناس، ودخل في الصلاة في أولها، في بعض الروايات: (استفتح في الصلاة)، أي: دخل فيها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما دخل أبو بكر في الصلاة، فجاء ومشى بين الصفوف حتى جاء في الصف الأول ودخل فيه وصلى، أي: دخل في الصلاة مأموماً.قوله: [(وأخذ الناس في التصفيق)].أخذ الناس في التصفيق، أي: يريدون أن ينبهوه إلى حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: [(وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم)].وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته؛ لإقباله عليها وكمال خشوعه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولكنه لما حصل هذا الإكثار من التصفيق، التفت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود، فالرسول أشار إليه بيده، يعني: بأن يبقى في مكانه، أشار إليه بأن يبقى في مكانه إماماً، فـأبو بكر رفع يديه وحمد الله، ثم إنه رجع القهقرى، أي: ما أراد أن يستمر في الصلاة ويكون إماماً لرسول الله عليه الصلاة والسلام، بل يريد أن يكون الإمام هو الرسول عليه الصلاة والسلام ،كلف الرسول عليه الصلاة والسلام حدثه بالإشارة، ونبهه بالإشارة، وهي أن يبقى في صلاته، ويستمر في إمامته، لكن أبا بكر رضي الله عنه لم يرد أن يواصل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، ولهذا قال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: [(يا أيها الناس! ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟)].وأرشدهم إلى التسبيح، هذه من الأحكام التي جاءت الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء فيها، فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إذا لم يأت شيء يميز بين الرجال والنساء، أو يخص النساء دون الرجال، أو الرجال دون النساء، فالأصل هو التماثل والتساوي بين الرجال والنساء، لكن إذا جاء شيء يخصص مثل هذا الحديث، أي: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال، والنضح من بول الغلام، والغسل من بول الجارية، كذلك فيما يتعلق بالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، والعقيقة: الذكر له اثنتان والأنثى لها واحدة، ودية المرأة على النصف من الرجل، وهكذا مسائل جاءت السنة أو جاءت الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء فيها، فيعول على ما جاء من التفريق، وحيث لم يأت شيء يفرق بين الرجال والنساء فالتساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، فالرجال والنساء يتساوون في الأحكام ما لم يأت شيء يدل على أن هذا للنساء وهذا للرجال ويميز بعضهم على بعض، وإلا فإن الأحكام هي للرجال والنساء واحدة، إلا فيما يتعلق بأن هذا يكون للرجال، مثل: الإمامة والولاية لا تكون للنساء، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، فالنساء ليست أهل ولايات، وإنما هن أهل تستر وتحجب وابتعاد عن الرجال والاختلاط بهم، والوالي لابد وأن يبرز للناس، وأن يكون له الأمر والنهي، والمرأة ليست أهلاً لذلك، فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء إلا إذا جاءت نصوص تقول: إن النساء كذا والرجال كذا، أو النساء يصلح لهن كذا ولا يصلح لهن كذا، الرجال يصلح لهم كذا ولا يصلح لهم كذا أو أن الرجال لهم هذا الحكم، والنساء لهن هذا الحكم، فعند ذلك المعول على ما جاءت به السنة من التفصيل، والتمييز بين الرجال والنساء.وقد جاء في بعض الروايات: (التصفيح)، وفي بعضها: (التصفيق)، والتصفيح هو التصفيق، إلا أن بعض العلماء يقول: إن التصفيح أقل من التصفيق، وهو: أن التصفيح يكون بضرب أصبعين من اليمنى على بطن اليسرى، وأما التصفيق فيكون بضرب اليد على اليد، والكل فيه خروج صوت، إما كلياً أو جزئياً، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن هذا إنما هو للنساء وليس للرجال، وأن الرجال شأنهم التسبيح إذا ناب الإمام شيء في صلاته، فإنه يسبح الرجل وتصفق المرأة.
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد فيما إذا تقدم الرجل من الرعية ثم جاء الوالي هل يتأخر
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يعقوب وهو: ابن عبد الرحمن].وهو ابن عبد الرحمن، وهو القاري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقوله: [وهو ابن عبد الرحمن] هذه قالها من دون قتيبة، إما النسائي أو من دون النسائي ؛ لأن قتيبة لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، وإنما ينسبه كما يريد، التلميذ ينسب شيخه كما يريد، ولا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإن الذي يحتاج أن يقول: هو، هو من دون التلميذ؛ لأنه يأتي بشيء يميز ذلك الذي أهمله التلميذ، لكنه عندما يأتي بكلمة هو أو بكلمة يعني أو ما إلى ذلك من العبارات التي فيها الإشارة إلى أن هذه الزيادة ليست من التلميذ، وإنما هي من دون التلميذ، فأراد أن يوضح هذا الذي لم ينسبه التلميذ، فأتى بهذه العبارة حتى يتبين أنها ليست منه، أي: من التلميذ، وإنما هي ممن دونه.[عن أبي حازم].وهو أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي حازم .[عن سهل بن سعد].وهو سهل بن سعد الساعدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يكنى بـأبي العباس، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: إن المعروف بمن يكنى بأبي العباس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنان: هما سهل بن سعد الساعدي هذا، وعبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كنيته أبو العباس، أي: كنيته توافق اسم أبيه، عبد الله بن عباس، أبوه العباس وكنيته أبو العباس .
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:06 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(145)
- (باب صلاة الإمام خلف رجل من رعيته) إلى (باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة)
إن أحق الناس بإمامة الصلاة هو الأقرأ لكتاب الله؛ سواء كان صغيراً أم كبيراً، بصيراً أم أعمى، وليس للزائر أن يتقدم على إمام المسجد إلا بإذنه، كما أنه يجوز لإمام المسلمين أن يصلي خلف رجل من رعيته.
صلاة الإمام خلف رجل من رعيته
شرح حديث: (آخر صلاة صلاها رسول الله... خلف أبي بكر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [صلاة الإمام خلف رجل من رعيته.أخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم، صلى في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر)].يقول النسائي رحمه الله: صلاة الإمام خلف رجل من رعيته، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في ثوب واحد متوشحاً به خلف أبي بكر)، والمقصود منه قوله: (خلف أبي بكر )، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر.وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مرض موته اختلفت فيها الروايات، هل كان إماماً، أو كان مأموماً؟ وهل الإمام أبو بكر رضي الله تعالى عنه؟ من العلماء من قال بالتعدد، ومنهم من قال بترجيح أنه كان هو الإمام، والأظهر هو عدم التعدد، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإمام، كما جاءت الروايات موضحة ذلك؛ حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي به يهادى بين رجلين حتى جلس على يسار أبي بكر، فصلى جالساً، وأبو بكر على يمينه يأتم برسول صلى الله عليه وسلم، ويأتم الناس بـأبي بكر، أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان صوته خافتاً؛ لأنه في مرض شديد، فلا يسمعه إلا من حوله، وأبو بكر رضي الله عنه يسمع صوته، فيكبر، فيسمعه الناس، وقد جاءت بعض الروايات موضحة فتكون هي الأرجح، ويكون من قال: إنه صلى خلف أبي بكر، أن يحمل على أنه إما أن يكون لم يسمع صوت الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما يسمع صوت أبي بكر، فيظن أنه الإمام، لا سيما وقد دخل في الصلاة قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يعرفون أن أبا بكر هو الذي صلى بهم، ودخل في الصلاة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعدما دخل أبو بكر في الصلاة، وجلس على يمينه، ولكن الأظهر من هذا، والأوضح من هذا في الدلالة على الترجمة الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في سفر، فتأخر لقضاء حاجته، وتقدم الجيش، وعندما حان وقت الصلاة لم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقيمت الصلاة وصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس، ولما فرغ من الركعة الأولى، وصار في الركعة الثانية، وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مأموماً خلف عبد الرحمن بن عوف، ولما قضى عبد الرحمن الصلاة قام رسول صلى الله عليه وسلم ليقضي الركعة التي سبق فيها)، فهذا هو الدليل الواضح على الترجمة.وكذلك الحديث الذي مر في قصة استخلاف أو قصة صلاة أبي بكر عندما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلح بين بني عمرو بن عوف، حيث جرى بينهم خلاف، وحان وقت الصلاة ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى أبو بكر، ودخل في الصلاة، فجاء رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى وصل إلى الصف الأول، ودخل في الصف، ودخل في الصلاة خلف أبي بكر، فالناس صاروا يصفقون، يريدون أن ينبهوا أبا بكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصل، فلما أكثروا من التصفيق التفت أبو بكر، وإذا رسول الله عليه الصلاة والسلام قائماً يصلي وراءه، فأشار إليه بأن يبقى مكانه، يواصل، ويستمر في الصلاة، فهذا دليل واضح على أنه صلى خلفه؛ لأن صلى جزءاً من الصلاة خلفه، حيث دخل في الصلاة، وأبو بكر هو الإمام، أراد منه أن يواصل، حيث أشار إليه بأن يستمر.فهذان الدليلان هما الواضحان وضوحاً جلياً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى خلف رجل من رعيته، فقد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، وقام يقضي الركعة الباقية، وصلى خلف أبي بكر بعض ركعة، وأشار إليه أن يواصل الصلاة، وأن يستمر فيها، ولكن أبا بكر رضي الله عنه لم ير أن يستمر مصلياً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الإمام أو إمام المسجد جاء وقد أقيمت الصلاة، فإذا كان مضى شيء من الصلاة فإن الأولى أن يستمر النائب كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن عوف، وإذا كان في أول الصلاة فلا بأس أن يتأخر الإمام النائب، ويتقدم الذي هو الإمام الراتب، أو الذي حصلت النيابة عنه؛ لأن الصلاة لم يفت منها شيء، ولكن إذا فات منها شيء فالأولى أن يستمر الإمام النائب في الصلاة، والإمام الراتب يصلي وراء ذلك الإمام الذي ناب عنه.وحديث أنس الذي معنا ليس بواضح الدلالة على الترجمة من جهة أن الروايات اختلفت في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، حيث أتي به يهادى بين رجلين، حتى أجلس على يسار أبي بكر وهو يصلي بالناس في أول الصلاة، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام، وأبو بكر يقتدي به، والمصلون وراءه يقتدون بـأبي بكر، بمعنى آخر كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً، وأبو بكر بجواره قائماً، وهو يكبر بتكبير رسول الله عليه الصلاة والسلام، والناس يتابعون أبا بكر ولا يسمعون صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: ترجمة الحديث ليس بواضح الدلالة عليها، والذي هو واضح ما أشرت إليه من الحديثين، الحديث الذي مر عند النسائي، والحديث الذي رواه مسلم في صحيحه في صلاة عبد الرحمن بن عوف إماماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه.
تراجم رجال إسناد حديث: (آخر صلاة صلاها رسول الله... خلف أبي بكر)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، خرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر مسلم الرواية عن علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي .[حدثنا إسماعيل].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حميد].وهو حميد بن أبي حميد الطويل البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من صغار الصحابة، وقد عاش وعمر طويلاً حتى أدركه صغار التابعين ومتوسطوهم ورووا عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند النسائي؛ لأنه رباعي، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهنا بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: علي بن حجر، وإسماعيل بن علية، وحميد الطويل، وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فهؤلاء الأربعة هم إسناد هذا الحديث، وهم رجال هذا الحديث، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات، ومثل النسائي -في أن أعلى ما عنده الرباعيات- مسلم، وأبو داود، فهؤلاء الثلاثة أعلى ما عندهم الرباعيات، وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، أي: الخمسة الثلاثيات التي عند ابن ماجه .
شرح حديث: (أن أبا بكر صلى للناس ورسول الله صلى في الصف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا بكر بن عيسى صاحب البصرى سمعت شعبة يذكر عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها: (أن أبا بكر صلى للناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف)].وهنا أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث عائشة : (أن أبا بكر صلى للناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف)، وهذا الحديث إذا كان المراد به الذي حصل في مرض موته صلى الله عليه وسلم فقد عرفنا ما يتعلق به، وإن كان المراد به ما حصل من قصة تقدمه إماماً، أي: تقدم أبي بكر إماماً، وأن الرسول ذهب يصلح بين بني عمرو بن عوف، ثم جاء ودخل في الصف وراءه فهذا لا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الصف، والذي صلاه خلف أبي بكر هو بعض ركعة، وهذا واضح الدلالة على ما ترجم له، ولكن إذا كان مقصوده في مرض موته فهذا ليس بواضح، بل لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم بالصف في مرض موته، بل كان على يسار أبي بكر كما جاءت الروايات مبينة، وموضحة ذلك، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى جالساً، وأبو بكر يصلي قائماً عن يمينه، يقتدي أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتدي المأمومون بـأبي بكر رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا بكر صلى للناس ورسول الله صلى في الصف)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى هو أبو موسى الملقب بـالزمن.إذاً: محمد بن المثنى العنزي كنيته أبو موسى، ولقبه الزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد مات قبل البخاري بأربع سنوات، وقد أدركه من بعد البخاري، ولهذا فإن النسائي روى عنه، ووفاته سنة: (303هـ)، وروى عنه من هو متأخر بعد البخاري .إذاً: فهو من صغار شيوخ البخاري، وروى عنه من هو بعد البخاري، وكانت وفاته قبل البخاري بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة: (256هـ)، ومحمد بن المثنى توفي سنة: (252هـ)، ويماثله في هذا -أعني: كونه شيخاً لأصحاب الكتب الستة- محمد بن بشار، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة ماتوا في سنة واحدة، في سنة: (252هـ)، وكل واحد منهم شيخ لأصحاب الكتب الستة.[حدثنا بكر بن عيسى].بكر بن عيسى صاحب البصري، وصاحب البصري، ولا أدري ما المراد بها، ولا عرفت ما يوضحها ويبينها، وبكر بن عيسى الراسبي ثقة، خرج له النسائي وحده، والمصادر المختلفة كلها تذكر صاحب البصري أو صاحب البصرى، ومثله شخص آخر كذلك، وهو يحيى بن كثير، فإنه ذكر في ترجمته أنه صاحب البصري أو صاحب البصرى، وما عرفت حتى الآن ما المراد بهذا الوصف، وبعض المحدثين نسبه وقال: البصري، ولكن عند النسائي هنا، وفي تهذيب الكمال، وفي تهذيب التهذيب، وفي بعض الكتب يأتون بهذا اللفظ، وما المراد بهذا الوصف؟وبكر بن عيسى ثقة أخرج حديثه النسائي وحده.[سمعت شعبة يذكر].شعبة بن الحجاج، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن نعيم بن أبي هند].نعيم بن أبي هند ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .[عن أبي وائل].وهو شقيق بن سلمة، وهو ثقة، ثبت، مخضرم، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي باسمه أحياناً، ومعرفة كنى المحدثين من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته، فإن من لا يعرف أن هذه الكنية لصاحب هذا الاسم يظن أن الشخص الواحد يكون شخصين، ومعرفة ذلك يسلم معها من مثل هذا اللبس الذي قد يحصل لمن لا يعرف.[عن مسروق].هو ابن الأجدع المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها في آيات تتلى في كتاب الله عز وجل، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين عرفوا بكثرة الحديث سبعة، ستة من الرجال، وامرأة واحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهؤلاء السبعة هم الذين يتكرر ذكرهم في الأحاديث، ومنهم أنس بن مالك الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، ويقول السيوطي فيهم في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِزوجة النبي يراد بها عائشة رضي الله تعالى عنها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:09 AM
إمامة الزائر
شرح حديث: (إذا زار أحدكم قوماً فلا يصلين بهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إمامة الزائر.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن أبان بن يزيد حدثنا بديل بن ميسرة حدثنا أبو عطية مولى لنا عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا زار أحدكم قوماً فلا يصلين بهم)].أورد النسائي إمامة الزائر، والزائر هو الذي يزور الناس في منزلهم، وفي مكانهم، فليس له حق الإمامة، بل هم أحق بالإمامة منه، ولكن إذا قدموه يتقدم، وهذا مثلما عرفنا فيما مضى بالنسبة للإمام، وبالنسبة لصاحب البيت، وبالنسبة للإمام الراتب، فهم أولى الناس بالإمامة، وإن كان غيرهم أقرأ منهم، ولكن إذا قدم الزائر، أو من له حق الصلاة، أو الإمامة، فلغيره أن يتقدم، فالمنع هنا كونه يتقدم بنفسه، فهو ممنوع من هذا، ومنهي عن هذا، ولكن إذا أذن له، أو طلب منه فإن له أن يتقدم، ولا بأس بذلك؛ لأن صاحب الحق إذا طلب من غيره أن يصلي، وأن يتقدم بإذنه فلا بأس بذلك، وإنما الممنوع أن يتقدم بدون أن يؤذن له، فهذا هو الذي يدل عليه الحديث، ويقتضيه النهي.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا زار أحدكم قوماً فلا يصلين بهم)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك، ثقة، ثبت، إمام، حجة، ذكر ابن حجر رحمه الله عدداً من صفاته في التقريب، ثم قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبان بن يزيد].أبان بن يزيد، وهو العطار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا بديل بن ميسرة].هو بديل بن ميسرة العقيلي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والأربعة.[حدثنا أبو عطية مولى لنا ].يقال له: أبو عطية، وذكره في الترجمة أبو عطية مولى بني عقيل؛ لأن بديل بن ميسرة العقيلي في نسبه العقيلي، يقال هنا: أبو عطية مولى بني عقيل، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن مالك بن الحويرث].مالك بن الحويرث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
إمامة الأعمى
شرح حديث: (أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إمامة الأعمى.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا مالك ح، وحدثنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن ابن شهاب عن محمود بن الربيع رضي الله عنه: (أن عتبان بن مالك رضي الله عنه كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها تكون الظلمة، والمطر، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل -يا رسول الله- في بيتي مكاناً أتخذه مصلى، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحب أن أصلي لك؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي إمامة الأعمى، وأنها سائغة، ولا مانع منها، وأورد فيها حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه، وعتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان يؤم قومه، وهو أعمى -وهذا هو محل الشاهد- وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوره في منزله، وأن يصلي في مكان من منزله يتخذه مصلى إذا كان هناك ما يمنع من الذهاب إلى المسجد، كحصول السيل، والمطر، وجاء إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وطلب منه المكان الذي يريد أن يتخذه مصلى، فعينه له، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان الذي أراده عتبان، والمقصود من الحديث هو الدلالة على إمامة الأعمى، وأن الحديث يدل عليها؛ لأنه كان يؤم قومه وهو أعمى.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى...)
قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هو هارون بن عبد الله البغدادي، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا معن].هو معن بن عيسى المدني صاحب الإمام مالك .قال أبو حاتم الرازي : أثبت أصحاب مالك.وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ثم ذكر النسائي (ح) التحويل، والمراد بها التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه ذكر إسناداً، وذكر ثلاثة أشخاص: شيخه، وشيخ شيخه، وشيخ شيخ شيخه، ثم رجع النسائي، وأتى بإسناد جديد، حتى حصل التلاقي بين الإسنادين الأول والآخر عند الإمام مالك، و(ح) هذه معناها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن الرجل الذي بعد (ح) ليس متقدماً على الرجل الذي قبلها، وإنما الرجل الذي بعد (ح) هو شيخ للنسائي، فهو تحول من إسناد إلى إسناد، ويلتقي الإسناد الأول، والإسناد الثاني عند مالك، فهذا هو المراد بـ(ح) .[حدثنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع].الحارث بن مسكين هو المصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أبو داود، والنسائي .[واللفظ له].لأن اللفظ لشيخه الثاني الحارث بن مسكين، وليس لشيخه الأول هارون بن عبد الله الذي جاء في الإسناد الأول.[عن ابن القاسم].و ابن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك، وحديثه أخرجه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي .[حدثنا مالك].مالك، وهذا ملتقى الإسنادين؛ لأن الإسناد الأول: هارون عن معن عن مالك، والثاني: الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، فتلاقى الإسنادان عند مالك، ثم صار الإسناد واحداً من مالك فما فوق، ودون مالك تشعب منه طريقان، أو تفرع منه طريقان: طريق فيه معن بن عيسى، ويروي عنه هارون بن عبد الله، ثم النسائي يروي عنه، ثم الطريق الثاني: عبد الرحمن بن القاسم، وعبد الرحمن بن القاسم يروي عنه الحارث بن مسكين .[عن ابن شهاب].ابن شهاب هو الذي يتكرر ذكره كثيراً، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب، فيقال له: الزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، ويقال له ابن شهاب نسبة إلى جده شهاب الذي هو جد جده، أي: واحد من أجداده هو جد جده، والزهري محدث، فقيه، مكثر من الرواية، وإمام جليل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن محمود بن الربيع].محمود بن الربيع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة، وأكثر روايته عن الصحابة، أي: ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فغالبه من المراسيل، وأحياناً -كما هنا- يذكر الراوي الذي يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر عن عتبان بن مالك، فهو من صغار الصحابة، ومعلوم أن الصحابي إذا أضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً فيعتبر إذا كان من صغار الصحابة مرسل، ولكن مراسيل الصحابة حجة؛ لأنهم لا يأخذون إلا عن الصحابة، ولا يروون إلا عن الصحابة، وإذا رووا عن غيرهم بينوا، فيحمل ما جاء من مراسيلهم على أنه عن الصحابة، والصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومحمود بن الربيع أخرج له أصحاب الكتب الستة.[أنّ عتبان].هو عتبان بن مالك الأنصاري، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في كتاب مسند مالك، والنسائي، وابن ماجه .
إمامة الإمام قبل أن يحتلم
شرح حديث عمرو بن سلمة في إمامته لقومه وهو ابن ثمان سنين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إمامة الإمام قبل أن يحتلم.أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن سفيان عن أيوب حدثني عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله عنه أنه قال: (كان يمر علينا الركبان فنتعلم منهم القرآن، فأتى أبي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليؤمكم أكثركم قرآناً، فجاء أبي، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فكنت أكثرهم قرآناً، وكنت أؤمهم، وأنا ابن ثمان سنين)].هنا أورد النسائي إمامة الغلام قبل أن يحتلم، أي: قبل أن يبلغ ، والاحتلام كما هو معلوم يكون إما بالإنزال، وإن كان لم يصل إلى سن الخامس عشرة، حيث يحصل منه الاحتلام في منامه، أو يتزوج، ويحصل منه الإنزال، فيحصل البلوغ بذلك، فإذا لم يحصل شيء من ذلك، إذا أكمل الخمس عشرة حصل البلوغ، وهنا يقول: قبل أن يحتلم، أي: قبل أن يبلغ سن الحلم الذي هو سن التكليف، فهذا هو المقصود بالترجمة.وأورد بالاستدلال عليها حديث عمرو بن سلمة الجرمي رضي الله تعالى عنه: أنهم كانوا يتلقون الركبان ويأخذون منهم القرآن الذي يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية تبين كيف تحصل عمرو بن سلمة على القرآن، وأنه كان يلتقي بالركبان التي تمر بهم آتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتعلم منهم القرآن، فجاء أبوه سلمة، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فنظروا، فوجدوني أكثرهم قرآناً، فقدموني وأنا ابن ثمان سنين)، وهذا محل الشاهد؛ كونه قدم لأنه أكثرهم قرآناً وعمره ثمان سنوات، والحديث رواه البخاري، ورواه أبو داود، والنسائي، واستدل به من استدل به على صحة إمامة الغلام قبل أن يحتلم قبل أن يصل سن البلوغ، وقالوا: إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم قدموه، ومن يقول: إن الغلام لا يتقدم إلا إذا بلغ، يقول: إن هذا فعل حصل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد شيء يدل على أنه بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن المعلوم أنهم إذا أضافوه إلى زمن النبوة فإنه يكون له حكم الرفع، ولهذا جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن، فإذا أضيف الشيء إلى زمن النبوة فإنه يكون له حكم الرفع، وحكم الإضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلاف كما ذكرت بين العلماء، منهم من قال: بصحة إمامة الصبي؛ الغلام الذي لم يحتلم، واستدل بهذا الحديث، ومنهم من رأى خلاف ذلك، وأجاب عن الحديث بما ذكرت.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن سلمة في إمامته لقومه وهو ابن ثمان سنين
قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي].موسى بن عبد الرحمن المسروقي، ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا حسين بن علي].حسين بن علي، هو الجعفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].هو زائدة بن قدامة أبو الصلت، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].وهو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، روى عنه زائدة، وهو من أقرانه، من طبقته، يعني: مماثل له في الشيوخ، والتلاميذ، وروايته عنه تعتبر من رواية الأقران؛ لأن رواية الأقران أن يروي الرجل عمن هو مثله في السن، أو اللقي، أو المقدار، فالرواية عنه من رواية الأقران، ليس من طبقة شيوخه، وإنما هو من أمثاله، ولكنه كما هو معلوم يروي المثيل عن مثيله ما لم يسمعه، بل قد يروي عن تلميذه، وهذه تسمى رواية الأكابر عن الأصاغر، فيما إذا حصل التلميذ شيئاً عن طريق السفر، والشيخ ما سافر، فيروي عن تلميذه، فتسمى: رواية الأكابر عن الأصاغر، وأما رواية المثيل عن المثيل، فهي من رواية الأقران، وكذا الزميل عن الزميل، ورواية الأكابر الذين هم الشيوخ عن التلاميذ، أو الآباء عن الأبناء، تعتبر من رواية الأكابر عن الأصاغر.وسفيان هو الثوري وليس ابن عيينة، وابن عيينة يروي عن زائدة بن قدامة، وأما زائدة فقد روى عن رفيقه وعن مثيله الثوري، والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي، ثقة، ثبت، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أيوب].وهو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عمرو بن سلمة].عمرو بن سلمة الجرمي، وهو صحابي صغير، يروي عن أبيه سلمة الجرمي، أخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وقد رووا عنه هذا الحديث الذي يتعلق بصلاته. وهو يروي عن أبيه سلمة بن قيس الجرمي، له وفادة، أي: وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولعل هذا الحديث كان أبوه ذهب إلى الرسول وجاء وأخبرهم بهذا الحديث: (يؤم القوم أكثرهم قرآناً)، وحديثه كابنه عند البخاري، وأبي داود، والنسائي .
قيام الناس إذا رأوا الإمام
شرح حديث: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قيام الناس إذا رأوا الإمام.أخبرنا علي بن حجر حدثنا هشيم عن هشام بن أبي عبد الله وحجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)].وهنا أورد النسائي قيام الناس إذا رأوا الإمام، أي: قيام الناس للصلاة، فإذا أقيمت الصلاة فيقومون إذا رأوا الإمام؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكون في بيته، فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة، ثم يأتي ويقيم، فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب منهم أن لا يقوموا إلا إذا رأوه؛ وذلك أنه قد يكون هناك ما يشغله، فيطول عليهم الوقوف في انتظار الإمام، ولكن إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ورأوه قد وصل فإنهم يقومون، وإلا فإنهم يبقون حتى يروه.فقال: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)، (إذا نودي للصلاة)، أي: في الإقامة، (فلا تقوموا حتى تروني)؛ لأنه يكون في بيته، ثم يأتي بلال ويؤذن في الصلاة، فيذهب، ويقيم، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلي بالناس، فأرشدهم إلى أن لا يقوموا إلا إذا رأوه؛ لئلا يطول قيامهم، وهو لم يقف في المصلى ليصلي بهم.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].علي بن حجر، هو السعدي الذي تقدم ذكره قريباً.[حدثنا هشيم].هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة، ثبت، كثير الإرسال، والتدليس الخفي، والإرسال هو أن يروي الراوي عمن لم يعاصره، وإذا كان قد عاصره ولم يلقه ثم روى عنه، فإنه يكون مرسلاً خفياً، فإذا روى عمن لم يعاصره فالإرسال واضح؛ لأن الانقطاع بين، ومعناه فيه واسطة محذوفة؛ لأنه ما دام أنه ما أدركه، ولم يكن في عصره فهو مرسل جلي واضح، ولكن إذا كان معاصراً له، ولم يلقه، ولم يسمع منه، ثم روى عنه، وهو معاصر له، ولم يلقه فإنه يكون مرسلاً خفياً، ففرق بينه وبين التدليس؛ لأن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، وصار شيخاً من شيوخه، فيروي عن شيخه ما لم يسمع منه بلفظ موهم السماع.وأما المرسل الخفي فهو يروي عمن عاصره ولم يلقه، والخفاء في كونه معاصراً له، فهذا هو وجه الخفاء فيه، أما إذا كان بينه وبينه مسافة بأنه لم يدرك عصره، فالإرسال واضح جلي، هشيم بن بشير حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن أبي عبد الله].هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[وحجاج بن أبي عثمان].أي: يروي عن اثنين، وحجاج ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن أبي كثير].هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، يرسل ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهو يروي عن أبيه أبي قتادة الأنصاري، وهو الحارث بن ربعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة
شرح حديث: (أقيمت الصلاة ورسول الله نجي لرجل فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل حدثنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (أقيمت الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نجي لرجل، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)].وهذا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة، يعني: إن مثل ذلك إذا حصل، وعرض له حاجة، وتأخر عن الدخول في الصلاة فإنه لا بأس بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عرضت له حاجة، ووقف طويلاً مع هذا الذي وقف معه يناجيه، وحتى أن الناس ناموا، أي: حصل النعاس من بعضهم، وهذا يوضح معنى الترجمة السابقة، وهي: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)، أي: يرونه في المصلى؛ لأنه يطول قيامهم، وحتى لو حصل، وأرادوا أن يجلسوا فإنه لا بأس بذلك.وأورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام (أقيمت الصلاة وهو نجي لرجل)، أي: يناجيه، يتكلم معه، (فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)، ولعل هذه الحاجة كانت لأمر ضروري، لعله كان لأمر اضطره إلى ذلك، حيث شغله عن أن يصلي بالناس، وقد أقيمت الصلاة.فالحاصل: أنه لا مانع أن يكون هناك فاصل بين الإقامة وبين الدخول في الصلاة، وأن الإمام إذا عرض له عارض، وعرضت له حاجة بعد الإقامة فإنه لا بأس أن يقوم بهذه الحاجة التي عرضت له، ثم يصلي بالناس بتلك الإقامة التي قد حصلت، وهو واضح الدلالة على أن الفصل بين الإقامة وبين الدخول في الصلاة سائغ عندما توجد حاجة إليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (أقيمت الصلاة ورسول الله نجي لرجل فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)
قوله [زياد بن أيوب].هو زياد بن أيوب البغدادي، وهو ثقة، حافظ، لقبه دلويه، ولقبه أحمد بن حنبل شعبة الصغير، وحديثه عند البخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي .[حدثنا إسماعيل].إسماعيل هو ابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد العزيز].وهو ابن صهيب البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره، وهذا الحديث من الأسانيد العالية عند النسائي، ومن الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأنه بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم زياد بن أيوب، وإسماعيل بن علية، وعبد العزيز بن صهيب، وأنس بن مالك .
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(146)
- باب الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة
يشرع للإمام إذا تذكر قبل دخوله في الصلاة أنه على غير طهارة أن يطلب من المأمومين انتظاره ليتطهر ثم يعود إلى الصلاة بهم بشرط ألا يشق ذلك عليهم.
الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة
شرح حديث أبي هريرة في الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة.أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري والوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أقيمت الصلاة فصف الناس صفوفهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا قام في مصلاه ذكر أنه لم يغتسل، فقال للناس: مكانكم، ثم رجع إلى بيته، فخرج علينا ينطف رأسه، فاغتسل ونحن صفوف)].يقول النسائي رحمه الله: باب الإمام يذكر بعد أن يقف في مصلاه أنه على غير طهارة، أي: أنه يذهب ويغتسل أو يتوضأ، ثم يأتي، ويصلي بالناس.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أنها أقيمت الصلاة فصف الناس صفوفهم)، أي: أنهم انتظموا في الصفوف، وتراصوا فيها، (فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف في مصلاه)، أي: أمامهم في المكان الذي يصلي فيه إماماً لهم، (وعندما وقف تذكر أن عليه غسلاً، فقال لهم: مكانكم، فذهب، واغتسل، ثم خرج عليهم ينطف رأسه)، أي: يقطر من أثر الاغتسال، والحديث دال على ما ترجم له؛ من أن الإمام إذا ذكر قبل أن يدخل في الصلاة، فإنه يخبرهم بأنهم ينتظرونه، ويذهب، وهذا فيما إذا لم يكن هناك مشقة عليهم، أما إذا كان الذهاب للوضوء في مكان بعيد، وأنه يشق عليهم، فالذي ينبغي أن يأمرهم بالصلاة، أما إذا لم يكن هناك مشقة فإنهم ينتظرونه، ولا يلزم أن يكون انتظارهم له وهم قيام، بل يمكن أن يجلسوا، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: مكانكم، ليس ظاهراً أنه أراد أن يكونوا قائمين حتى يعود، وإنما أراد أن يمكثوا في أماكنهم، وكل يبقى في مكانه في انتظار مجيئه ليصلي بهم، وسواء كان ذلك وهم قيام، أو وهم قعود إذا أرادوا أن يقعدوا.والحديث يدل على حصول النسيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يحط من شأنه، بل هذا شأن البشر، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء في أحاديث كثيرة أنه ينسى، وأنه يحصل منه النسيان، وأما فيما يتعلق بالتشريع، وبيان أحكام الشريعة، وبيان الوحي فلا يحصل منه نسيان شيء من ذلك، وإنما النسيان يحصل في الأفعال التي تحصل من الإنسان، فيحصل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في أحكام الصلاة فيما يتعلق بالسهو، وأحكام السهو، وحصول السهو من رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضايا عديدة، وفي مسائل متعددة في حالات مختلفة، وهي موجودة في كتاب السهو، أو باب السهو في كتب الأحاديث، وما جاء من أن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينسى، ولكنه ينسى ليسن فهذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وفي هذا دليل على أن دخول الجنب للمسجد إذا كان عن نسيان، أو حتى لو كان لمرور -يكون ماراً دون أن يمكث- فإنه لا بأس بذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لما كان في المسجد، وتذكر أنه عليه اغتسال، خرج عليه الصلاة والسلام، واغتسل، ورجع، وصلى بهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وما جاء في الحديث من قوله: (فاغتسل، ونحن صفوف)، جاء في صحيح البخاري : (فخرج، وقد اغتسل)، أي: أن اغتساله متقدم على الخروج، وإنما خرج وقد اغتسل، والحال أنه قد اغتسل، وإنما خرج وهم صفوف على صفوفهم التي أشار عليهم بأن يكونوا عليها، وأن يمكثوا، فصلى بهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ومن المعلوم أن الإمام لو دخل في الصلاة وهو على غير طهارة، ثم تذكر فإنه يجب عليه أن يقطعها، وهم يستأنفون الصلاة فيما إذا كان الإمام على غير طهارة، وأما إذا كان على طهارة، ولكن الحدث غلبه، واضطر إلى أن يخرج فإنه ينيب قبل أن ينصرف من يقوم مقامه ويكمل بهم الصلاة، ينيب بعض المأمومين الذين وراءه، يرجع القهقرى، ويطلب من يشير إلى بعض المأمومين أن يكمل بهم الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في الإمام يذكر بعد قيامه في مصلاه أنه على غير طهارة
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، وهو حمصي، صدوق، أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا محمد بن حرب].وهذا فيه مثال لما سبق أن ذكرت: أن الراوي أو أن التلميذ ينسب شيخه كما يريد، إن أراد أن يطيل في نسبه أطال، وإن أراد أن يختصر اختصر، وهنا نسب شيخه، وأطال في نسبته، فقال: عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير ، ولكن من دون التلميذ لا يزيد على ما ذكره التلميذ، وإنما يأتي به أي: كما أتى به، وإذا أراد أن يضيف ما يوضح به ذلك المهمل الذي قد يكون فيه خفاء فإنه يأتي بكلمة (هو) أو بكلمة (يعني)، أو ما إلى ذلك من الألفاظ التي تبين أن ما وراءه ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ.[حدثنا محمد بن حرب].محمد بن حرب، وهو الحمصي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بجده كلاب، وقصي بن كلاب أخو زهرة بن كلاب، فهو ينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب الذي هو جد جده، فهو مشهور بهاتين النسبتين، نسبة إلى جده شهاب يقال: ابن شهاب، ونسبة إلى جده زهرة بن كلاب يقال: الزهري، وقد اشتهر بهاتين النسبتين، وهو محدث، فقيه، إمام، جليل، مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[والوليد عن الأوزاعي].وهذا إسناد آخر عطف على محمد بن حرب، يعني: يقول ذلك عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير؛ لأنه يقول: أخبرني محمد بن حرب ثم ساق الإسناد، ثم قال: والوليد، أي: عن الزهري أي: لما وصل إلى الزهري رجع من جديد، وعطف على شيخه الذي هو عمرو بن عثمان، يقول: أخبرني فلان، ثم قال: وفلان؛ لأن عمرو بن عثمان له فيه شيخان، الشيخ الأول: محمد بن حرب، والشيخ الثاني: الوليد بن مسلم .و النسائي رواه عن شيخ واحد، وشيخه رواه عن شيخين، واستمر الإسنادان حتى تلاقيا عند الزهري، فالإسنادان فيهما توحد في الآخر، وتوحد في الأول، توحد في الأول من جهة أن النسائي روى عن شيخه عمرو بن عثمان، ثم افترقت الطريقان بعد عمرو بن عثمان، ثم التقت الطريقان عند الزهري .قال: والوليد، أي: أن عمراً بن عثمان قال: وأخبرني الوليد، والوليد هو: ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة كثير التدليس والتسوية، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الأوزاعي].وهو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الشامي، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن كنيته أبو عمرو، واسم أبيه عمرو، وفائدة معرفة ذلك كما ذكرت سابقاً: أن لا يظن فيه تصحف لو ذكر بكنيته في بعض الأحيان، فإن من لا يعرف تلك الكنية يظن أنه تصحف عن (ابن)، فبدلاً من أن يقول: عبد الرحمن بن عمرو، لو قال: عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي يظن أن (أبا) مصحفة عن (ابن)، وهي ليست مصحفة، بل هذا صحيح، وهذا صحيح، وهذا صواب، وهذا صواب ولا تصحيف؛ لأن كنيته توافق اسم أبيه، فهذه فائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وقد مر بنا عدد من الرواة من هذا القبيل، مثل هناد بن السري، وغيره من شيوخ النسائي الذين مر عدد منهم، توافق كنية الراوي اسم أبيه، وهنا أبو عمرو الأوزاعي هو من هذا القبيل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهنا يلتقي الإسنادان بـالزهري.[عن أبي سلمة].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع؛ لأن المدينة اشتهر فيها في عصر التابعين سبعة يطلق عليهم لقب الفقهاء السبعة، فإذا اتفقوا على مسألة من المسائل، فبدلاً من أن تسرد أسماؤهم تعزى إليهم القول بها، ويكتفى بلفظ: قال بها الفقهاء السبعة، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قول يقول: السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا، وقول يقول: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقول يقول: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، والمكثرون من الصحابة سبعة، وأبو هريرة رضي الله عنه أكثر السبعة على الإطلاق، والسبعة جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
الأسئلة
تقديم الأبكم للإمامة
السؤال: هل يجوز تقديم الأصم والأبكم للإمامة؟الجواب: الأبكم لا يتكلم، ولا يقرأ ولا يسمع منه قراءة، فلا يكون إماماً.
مدى دلالة التفات أبي بكر في صلاته على جواز ذلك للضرورة
السؤال: هل يدل التفات أبي بكر رضي الله عنه على جواز الالتفات في الصلاة للضرورة؟الجواب: نعم، يجوز إذا حصل ضرورة فيجوز للإنسان أن يلتفت.
التبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام
السؤال: في حديث عتبان رضي الله عنه دليل على أنه أراد التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم.الجواب: نعم، هذا صحيح، والتبرك بآثار الرسول صلى الله عليه وسلم، وبملامسة جسده كان يفعله الصحابة؛ كانوا يتبركون بفضل وضوئه، وببصاقه، وبعرقه، وبشعره، وما مسه جسده عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا من خصائصه، ولا يجوز أن يفعل مع أحد غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما فعلوا ذلك مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقال الشاطبي في الاعتصام: أجمع الصحابة على ذلك، فدل على أن هذا من خصائصه، فلا يجوز لأحد أن يفعل هذا مع غيره، ولا شك أن عتبان أراد أن يتبرك، والتبرك بما مسه جسده كان فعل أصحابه، ولكن أين الذي مسه جسده في هذا الزمان؟! لا يوجد عند الناس شيء من هذا، وإنما الناس عليهم أن يطلبوا البركة بالاقتداء به، والسير على نهجه، وامتثال ما جاء عنه، والانتهاء عما نهى عنه، وأن يعبد الله طبقاً لشريعته، وفي هذا الخير كل الخير، والبركة كل البركة.
التعلق بباب الكعبة والدعاء عنده
السؤال: هل التعلق بباب الكعبة والدعاء عنده من فعل الصحابة؟الجواب: الملتزم الذي يكون بين الباب وبين الحجر الأسود، هذا يقال له: الملتزم، وورد فيه أحاديث بعض العلماء صححها، وبعضهم تكلم فيها، ولا أدري الثابت في ذلك، ولكن المسألة فيها أحاديث -كما قلت- صححها بعض العلماء، وضعفها بعضهم، والله تعالى أعلم.
المشي بين الصفوف للدخول إلى الصف الأول
السؤال: هل يجوز المشي بين الصفوف للوصول إلى الصف الأول كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يمشي بين الصفوف إلا إذا كان هناك فرجة، ومن المعلوم أن الصف الأول هو أول ما يكمل من الصفوف، والرسول صلى الله عليه وسلم ذهب حتى وقف في الصف الأول، فإذا كان هناك فرجة فيجوز للإنسان؛ فالإنسان إذا كان في الصف الأول فرجة لا يصل إليها إلا بأن يمشي بين الصفوف لا بأس أن يمشي إليها، أما إذا كان يتخطى الرقاب، أو يفعل ذلك وليس أمامه فرجة، فهذا ليس له أن يفعل ذلك.
تزويج الرجل أمه
السؤال: هل يجوز للرجل أن يزوج أمه، وهل هذا من الإحسان إليها؟الجواب: نعم، يجوز له، فابنها وليها، ويكون ذلك من الإحسان إليها إذا رغبت في ذلك، فهو وليها بعد أبيها، فالأب هو الأول ثم بعده الابن.
المداومة على الصلاة في مكان معين من المسجد
السؤال: ما حكم المداومة على الصلاة في مكان معين من المسجد؟ الجواب: لا ينبغي هذا، فقد ورد فيه حديث ما أتذكره فكونه يخصص له مكاناً لا يصلي فرضه إلا فيه قد ورد في هذا حديث، لا أذكر الآن ما درجته.
معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)
السؤال: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)؟ وما هي المزية الشرعية لهذه الروضة؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال: ما بين قبري، بل قال: (ما بين بيتي ومنبري)، وهذا هو الذي جاء في الصحيحين وفي غيرهما، وهذا هو الذي ثبت، ولكن قيل: إن هذا لعله مروي بالمعنى، وإلا فإن الثابت في الصحيحين وفي غيرهما: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، والله تعالى أعلم بمعناه أو المراد به، والعلماء لهم كلام فيه، قيل: إن هذا المكان يئول إلى الجنة، وإنه ينقل إلى الجنة، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.مداخلة: ما هي المزية؟الشيخ: المزية للروضة هي أن هذا الحديث يدل على ميزتها على المسجد، ولكن هذه الميزة لا تكن في صلاة الفرض في حق من يتمكن من أن يصلي في الصفوف الأول، أو في الصفوف التي عن يمين الروضة؛ لأن الصفوف التي أمامها والتي عن يمينها، أفضل منها وأولى منها؛ لأنه جاءت أحاديث تدل على أوائل الصفوف، وعلى ميامين الصفوف، فالصفوف التي أمامها والتي عن يمينها أفضل منها، وأما في النافلة فإن الصلاة في الروضة لا شك أن لها ميزة على غيرها لهذا الحديث، والمسجد كله جاء فيه أن الصلاة فيه بألف صلاة، ولكن جاء في هذه البقعة هذا الكلام، وهذا الحديث فيدل على ميزتها، فإذاً صلاة النافلة فيها لها ميزة؛ لهذا الحديث.
حكم أداء تحية المسجد قبل المغرب بدقائق
السؤال: من دخل إلى المسجد قبل غروب الشمس بحوالي أربع دقائق، هل يصلي تحية المسجد؟الجواب: مثل الوقت هذا لا ينبغي له أن يصلي؛ لأن الوقت قصير، بل يقف قليلاً، ويصلي إذا أذن للصلاة.
حكم ذكر الله أثناء مضاجعة المرأة
السؤال: ما حكم ذكر الله تعالى أثناء مضاجعة المرأة؟الجواب: المضاجعة قبل الجماع يدعو بالدعاء المأثور، ويذكر الإنسان ربه، ولا بأس بذلك، وأما في حال الجماع يمتنع من هذا.
مدى صحة حديث قيام الناس إذا رأوا الإمام
السؤال: أليس حديث قيام الناس إذا رأوا الإمام ضعيفاً؛ لوجود مدلسين لم يصرحا بالسماع؟الجواب: لا، أقول: الحديث ثابت، وموجود في الصحيح.
زكاة المال المودع في حساب جارٍ معرض للزيادة والنقصان
السؤال: لي حساب جار في أحد البنوك، وهو عرضة للزيادة والنقصان كل شهر؛ غير ثابت، هل تجب فيه الزكاة؟الجواب: الإنسان إذا كان عنده مبلغ من المال، ينفق منه، فالزكاة تجب على المال الذي حال عليه الحول، وهو مستغن عنه، فإذا كان يسحب منه ويأكل فإن ما يسحبه لا علاقة له بالحول، وما يضيفه فيما بعد يحسب، فيمكن له أن يعرف تاريخ وصوله إليه، ثم يزكي هذا المبلغ الإضافي عندما يحول الحول، وإذا أراد أن يتخذ لنفسه طريقة يسلم فيها من كتابة التواريخ، وأنه وصل إليه في الشهر الفلاني حصل كذا، وفي الشهر الثاني حصل كذا، ثم إذا حال الحول هذا الشهر الفلاني زكى يتخذ شهراً من السنة يزكي فيه الموجود، سواء حال عليه الحول أو ما حال عليه الحول، فهذا يحصل به المطلوب، مثلاً في رمضان يزكي الموجود عنده، سواء حال عليه الحول أو ما حال عليه الحول، وبهذا يسلم من كتابة التواريخ، وإذا كان يريد أن يكتب التواريخ فكل مبلغ يحصله عليه أن يكتب تاريخه ويزكيه إذا حال حوله.
حكم زكاة القسط المستخدم في الحج من قيمة الأرض المباعة
السؤال: بعت قطعة أرض بمبلغ، وأخذت منه مقداراً، وحجت به أمي وزوجتي، فهل في هذا المقدار زكاة؟الجواب: نعم، إذا كانت الأرض معدة للبيع ثم باعها، فالزكاة في قيمتها كلها، سواء الذي سئل عنه، كونه حج به أو غيره، فما دام أنه حال الحول عليه، وهي معروضة للبيع، وباعها فإنه يزكي قيمتها، التي بيعت بها والذي سحبه.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:14 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(147)
- (باب استخلاف الإمام إذا غاب) إلى (باب الائتمام بمن يأتم بالإمام)
إنما جعل الإمام ليؤتم به، فينبغي للمأموم أن يتابع إمامه في ركوعه وسجوده وتكبيراته؛ فلا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كثيراً، ولا يوافقه، وينبغي للإمام أن يخلف أحداً مكانه عند تغيبه.
استخلاف الإمام إذا غاب
شرح حديث سهل بن سعد في استخلاف الإمام إذا غاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [استخلاف الإمام إذا غاب.أخبرنا أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر، ثم أتاهم ليصلح بينهم، ثم قال لـبلال: يا بلال! إذا حضر العصر ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت أذن بلال ثم أقام، فقال لـأبي بكر رضي الله عنه: تقدم، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر، وصفح القوم، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت، فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه التفت، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فحمد الله عز وجل على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم له: امضه، ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه فتأخر، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم فصلى بالناس، فلما قضى صلاته قال: يا أبا بكر! ما منعك إذ أومأت إليك أن لا تكون مضيت؟ فقال: لم يكن لـابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للناس: إذا نابكم شيء فليسبح الرجال وليصفح النساء).هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي استخلاف الإمام إذا غاب، فالإمام إذا غاب يستخلف من ينوب منابه، ويقوم مقامه في الصلاة بالناس، فلا يتركهم دون أن يستخلف، إلا إذا كان هناك ضرورة، كأن لا يحصل تمكن من الاستخلاف فهذا شيء آخر، ولكن الذي ينبغي ويشرع للإمام إذا غاب أنه ينيب، فيطلب من بعض الناس أن يصلي عنه؛ حتى لا يمكث الناس في انتظاره، ويطول انتظاره، وهم لا يعرفون عنه أنه غائب، بل يحسبون أنه موجود، وأنه سيحضر، ولكن إذا استخلف أحداً إذا جاء وقت إقامة الصلاة فإنه يصلي بهم ولا يتأخرون في الصلاة فيشق ذلك عليهم.والحديث الذي أورده المصنف واضح الدلالة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغه أن ما حصل بين بني عمرو بن عوف -وهم أهل قباء من الأنصار- ذهب ليصلح بينهم وقال قبل أن يذهب: (إذا جاء وقت الصلاة فليصل أبو بكر بالناس)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث؛ لأنه قال لـبلال أن يقول لـأبي بكر: أن يصلي بالناس إذا جاء وقت الصلاة، فهذا هو الاستخلاف الذي دل عليه الحديث، وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام استخلفه في حال صحته، كما استخلفه في مرض موته، وهو الذي احتج به عمر على الأنصار، وقال: أيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من قدمه رسول الله؟ وقال: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم قدمه في مرض موته، وقدمه في حال صحته، كما في الحديث الذي معنا؛ لأنه أمر بلالاً بأن يقدمه في الصلاة إذا جاء وقت الصلاة وهو لم يأت.عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم).وقد عرفنا فيما مضى أن الحديث يدل على عظم شأن الإصلاح بين الناس وأهميته؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب بنفسه ليصلح بين الناس، وكان بإمكانه أن يرسل من يقوم بهذه المهمة، وكذلك دال على تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الذهاب بنفسه للإصلاح بين الناس عليه الصلاة والسلام، وهو دال على ما ترجم له المؤلف من استخلاف الإمام.(ثم قال لـبلال: يا بلال، إذا حضر العصر ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت أذن بلال ثم أقام، فقال لـأبي بكر رضي الله عنه: تقدم، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر، وصفح القوم، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت).الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف، وقد أذن لـأبي بكر أن يصلي بالناس إذا جاء وقت الصلاة وهو لم يأت، ثم إنه بعدما دخل أبو بكر في الصلاة إماماً، جاء رسول الله عليه الصلاة والسلام وقد دخلوا في الصلاة، فجعل يشق الصفوف حتى وصل إلى الصف الأول، وصف خلف أبي بكر مأموماً، وهو يدل على أن الإمام له أن يفعل ذلك، أو أنه كان يرى فرجة فذهب إليها.الحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل وجعل يشق الصفوف حتى وصل إلى خلف أبي بكر الذي يصلي بالناس.ثم إن القوم صفحوا، أي: صفقوا، فاستمر التصفيق، فلما رأى أبو بكر أن التصفيق لا يمسك لاستمراره التفت وإذا رسول الله عليه الصلاة والسلام يصلي وراءه، فالرسول عليه الصلاة والسلام أشار إليه بأن يمضي في صلاته، وأن يستمر في صلاته، فرفع يديه وحمد الله أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يمضي، ولكنه رأى أن هذا الأمر ليس بمتعين؛ لا يجوز مخالفته، بل رأى أن الأولى من أن يستمر، وأن ينفذ هذا الأمر أن لا يكون إماماً للرسول صلى الله عليه وسلم، بل يتأخر فيصلي الرسول صلى الله عليه وسلم بالناس، ويصلي أبو بكر معهم، ولهذا أجاب بعد ذلك لما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما لك لم تستمر في صلاتك إذ أشرت إليك؟ قال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فسكت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأقره على ذلك. ثم التفت إلى الناس وقال: (إذا نابكم شيء في الصلاة فلتصفق النساء، وليسبح الرجال)، وهذا كما عرفنا من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء، والأصل كما ذكرت التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا إذا جاء شيء يفرق، ويقول: إن النساء لهن هذا الحكم، والرجال لهم هذا الحكم، فعند ذلك يصار إلى ما جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد ذكرت فيما مضى: أن هذا كان في أول الصلاة، ولهذا تأخر أبو بكر وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا كان مضى شيء من الصلاة، فالأولى الاستمرار، والدليل على هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما مضى شيء من الصلاة، وكان عبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف مأموماً، وصلى تلك الركعة، ثم لما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة بن شعبة، فكل منهم قضى الركعة التي بقيت عليه.فإذاً: إذا حضر الإمام في أثناء الصلاة وقد مضى منها شيء، فالأولى الاستمرار، وإذا كان حضوره قبل أن يمضي منها شيء، كما كان في هذه القصة التي معنا، فله أن يمضي، أي: المأموم، كما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يمضي، وله أن يتأخر كما تأخر أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث سهل بن سعد في استخلاف الإمام إذا غاب
قوله: [أخبرنا أحمد بن عبدة].وهو أحمد بن عبدة الضبي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حماد بن زيد].وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو: ثقة، ثبت، فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قال: [ثم ذكر كلمة معناها: حدثنا، أبو حازم].يعني: حماد بن زيد ذكر كلمة معناها حدثنا أبو حازم، فالذي يبدو أنه ما ضبط الصيغة التي حصلت؛ التي هي صيغة التحديث، أو الإخبار، أو الإنباء، أو ما إلى ذلك، فأتى بالمعنى.وأبو حازم هو سلمة بن دينار، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سهل بن سعد].وهو سهل بن سعد الساعدي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الائتمام بالإمام
شرح حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإتمام بالإمام.أخبرنا هناد بن السري عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سقط من فرس على شقه الأيمن، فدخلوا عليه يعودونه فحضرت الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد)].وهنا أورد النسائي الترجمة، وهي الائتمام بالإمام؛ متابعته في ركوعه وسجوده، وقيامه وجلوسه، وقد جاء في بعض طرق الحديث: (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين)، وهذا فيه المتابعة، حتى لو صلى جالساً فإنهم يصلون وراءه جلوساً، والحديث مطابق لما ترجم له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فهذه هي فائدة الإمام، ومهمة الإمام أن يقتدى به، وأن يؤتم به، فلا يسابق ولا يوافق، ولكنه يتابع، ولا يسابق ولا يوافق ولا يتأخر عنه كثيراً، بل يتابع، فإذا فعل الإمام يفعل المأمومون بعده مباشرة الأفعال، ثم إنه فسر: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فسرها بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد)، فتفعل الأفعال بعد فعل الإمام، فلا يسابق ولا يوافق ولا يتأخر عنه كثيراً، بل يتابع، فمن حينما يفرغ يقوم المأمومون بأداء ذلك الذي فرغ منه؛ فإذا ركع يركعون، وإذا سجد يسجدون، وإذا قام يقومون.وهذا الاقتداء إنما هو في الأفعال التي هي الركوع والسجود، ولا يعني ذلك أن الإمام مثلاً: إذا كان يرى عدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه يبحث عن الإمام، هل يفعل أو ما يفعل فيتابعه؟ لا، بل يتبع السنة التي وردت، وإنما يتابعه في الركوع والسجود والقيام، ولكنه لو كان الإمام لا يرفع يديه فهو يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من التشهد الأول؛ لأن كل هذا ثبتت به السنة، فإذا كان الإمام ما يفعل هذا فالمأموم يفعل، فالهيئات التي جاءت السنة بها إذا كان الإمام لا يفعلها، والمأموم ثابتة عنده فإنه يفعلها، ومن ذلك رفع اليدين، وإلا لو كان ما يفعل هذا لكان الإنسان بحاجة إلى أن يعرف الإمام؛ ما هي طريقته؛ هل يرفع اليدين أو لا يرفع اليدين؟ حتى يتابعه أو لا يتابعه، فحكم هذا ثابت، فعله الإمام أو لم يفعله الإمام، ولكن الذي فيه متابعة، والذي لا بد منه هو أن لا يسابقه ولا يوافقه ولا يتأخر عنه، وإنما يأتي بالأفعال التي بعده مباشرة.ومن المسائل التي لا يتابعه فيها وضع اليد اليمنى على اليسرى، فإذا كان الإمام لا يضع اليد اليمنى على اليسرى فعليك أن تضع اليد اليمنى على اليسرى؛ لأنه ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء وضع الإمام اليمنى على اليسرى أو ما وضعها.قوله: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، هذا يدل على أن المأموم لا يقل: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا ولك الحمد كما جاء في الحديث (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)؛ لأنه لو كان المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، لقال: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده، ولكنه قال: وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، فهذا يدل على أن المأموم لا يقل: سمع الله لمن حمده، وإنما يقولها الإمام والمنفرد، ولكن بعض العلماء ذهب إلى أن المأموم يقولها، ويستدل على ذلك بعموم قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده، إذاً: فعلى المأمومين أن يقولوا: سمع الله لمن حمده؛ لأنه يقول: سمع الله لمن حمده، ولكن هذا البيان، وهذا التفصيل الذي جاء في هذا الحديث الذي معنا؛ حيث قال: (إذا ركع فاركعوا، وإذا كبر فكبروا وإذا...، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) فهذا يدل على أن المأموم يقول -بعدما يقول الإمام: سمع الله لمن حمده-: ربنا ولك الحمد، ولا يقل: سمع الله لمن حمده، فهذا هو الأظهر، وهو الأرجح، وبعض العلماء -كما قلت لكم- يقول: بأن المأموم يقولها؛ أخذاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:18 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به...)
قوله: [أخبرنا هناد بن السري].وهو أبو السري، كنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن عيينة].وهو سفيان بن عيينة المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].الزهري، تقدم ذكره.[عن أنس بن مالك].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه عن هناد بن السري، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، هؤلاء أربعة، وهذا الإسناد وأمثاله هي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، فأعلى ما عنده الرباعيات.
الائتمام بمن يأتم بالإمام
شرح حديث: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الائتمام بمن يأتم بالإمام.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن جعفر بن حيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخراً، فقال: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل)].هنا أورد النسائي الائتمام بمن يأتم بالإمام، يعني: متابعة من يأتم بالإمام، فإذا كان لا يرى الإمام، أو لا يسمع صوت الإمام فإنه يتابع من أمامه من المأمومين، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، ثم قال: ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، أي: عن وصل الصفوف، والتقدم للصفوف، وهذا يدل على وجوب وصل الصفوف، وأنه يوصل الصف الأول فالأول، وإذا كان هناك نقص فليكن في الصف الأخير، أما أن يكون الصف الأول فيه نقص، ويكمل الصف الثاني، أو الثالث، أو الرابع فهذا خلاف السنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، وهذا فيه التحذير والترهيب من قطع الصفوف وعدم وصلها، والصلاة في أماكن بعيدة، وترك الصفوف الأول، مثل ما هو موجود في هذا المسجد، فبعض الناس يأتي ويصف عند الأبواب، وتكون المسافة بينه وبين الصفوف خالية، فالواجب هو الذهاب إلى الصفوف الأول ووصلها أولاً بأول، بأن يتم الصف الأول ثم الذي يليه ثم الذي يليه، وإذا كان هنالك نقص فليكن في الصف المؤخر، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما يقتضيه هذا الحديث الذي يقول: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).
تراجم رجال إسناد حديث: (تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد لله بن المبارك المروزي].وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعدما ذكر جملة من صفاته جمعت فيه خصال الخير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جعفر بن حيان].وكنيته أبو الأشهب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي نضرة].وهو المنذر بن مالك، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سعيد].وهو سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
طريق أخرى لحديث: (تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم...) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن الجريري عن أبي نضرة: نحوه].أورد إسناداً آخر إلى أبي نضرة، وقال: نحوه، واكتفى بذلك عن أن يذكر المتن وبقية الإسناد، ولكنه قال: نحوه، يعني: أن الرواية ليست مطابقة للرواية السابقة، ولكنها نحوها، وإذا كانت مطابقة قيل: مثله، وإذا كانت غير مطابقة بين الرواية المحالة والمحال إليها، بل بينها شيء من التفاوت في الألفاظ، قيل: نحوه. قوله: [عن الجريري].وهو سعيد بن إياس، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث عائشة في صلاة النبي قاعداً بين يدي أبي بكر وائتمام الناس بأبي بكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمود بن غيلان حدثني أبو داود أخبرنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة سمعت عبيد الله بن عبد الله يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي أبي بكر، فصلى قاعداً وأبو بكر يصلي بالناس، والناس خلف أبي بكر).وهنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة أبي بكر بالناس وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث هو الذي ذكرت، وقد مضى، وسيأتي أن الرسول أمر أبا بكر بأن يصلي بالناس في مرض موته، وفي يوم من الأيام وجد الرسول صلى الله عليه وسلم خفة، فخرج يهادى بين رجلين، حتى أقيم وأجلس على يسار أبي بكر رضي الله عنه، وكان ذلك في أول الصلاة، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، وأبو بكر بجواره قائماً يبلغ عنه، وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكبر وصوته منخفض؛ لمرضه، وأبو بكر يرفع صوته، ويبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يقتدون بـأبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ لأنهم كانوا لا يسمعون صوت رسول الله، وإنما يسمعون صوت أبي بكر، وأبو بكر قائم يرونه، والرسول صلى الله عليه وسلم جالس لا يرونه. إذاً: الإتمام حاصل من المأمومين؛ يأتمون بـأبي بكر، وأبو بكر يأتم برسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: (بين يديه) ليس معنى ذلك أنه في صف أمامه، وإنما هو على يساره وبجواره، فكان أبو بكر يسمعهم، ويصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صلاة النبي قاعداً بين يدي أبي بكر وائتمام الناس بأبي بكر
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].وهو محمود بن غيلان المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.[حدثني أبو داود].وهو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أخبرنا شعبة].وهو ابن الحجاج الواسطي، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عائشة].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت عبيد الله بن عبد الله].وهو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة في المدينة الذين أشرت إليهم آنفاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.يروي [عن عائشة].وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.
شرح حديث جابر: (صلى بنا رسول الله الظهر وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله كبر أبو بكر يسمعنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن يحيى حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبيه عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر يسمعنا)].هنا أورد النسائي حديث جابر، وهو بمعنى حديث عائشة، وحديث عائشة تقدم أنه يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين يدي أبي بكر، وهنا يقول: أبو بكر خلفه. وهو ما كان خلفه ولا بين يديه، ولكن هو بجواره وعلى يساره، والرسول صلى الله عليه وسلم الإمام، وأبو بكر مأموم، ولكنه كان إماماً في أول الصلاة عندما دخل فيها، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بجواره على يساره صار الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإمام، وأبو بكر يقتدي به، ويسمع الناس التكبير، ويبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو واضح الدلالة على ما ترجم له من الاقتداء بمن يأتم بالإمام، فـأبو بكر يأتم برسول الله عليه الصلاة والسلام، والمصلون يأتمون بـأبي بكر رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث جابر: (صلى بنا رسول الله الظهر وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله كبر أبو بكر يسمعنا)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن فضالة].وهو عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا يحيى يعني: ابن يحيى].وهو يحيى بن يحيى بن بكير التميمي النيسابوري، ثقة، حافظ، إمام، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. ومسلم يروي عنه كثيراً، وكثير من الأحاديث الرباعية عند مسلم هي من طريق يحيى بن يحيى هذا، ويأتي غالباً في صحيح مسلم إذا كان عن مالك، أو كلما جاء عن مالك يقول مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر. ويأتي ذكر يحيى بن يحيى يروي عن غير مالك كثيراً، وغالباً عند الإمام مسلم والإمام مسلم إذا كان هناك طرق متعددة يبدأ بـيحيى بن يحيى، وإذا ذكر عدة مشايخ يذكر في مقدمتهم يحيى بن يحيى، ويجعل اللفظ له غالباً، يقول: واللفظ له، الذي هو يحيى بن يحيى بن بكير التميمي النيسابوري، ويشبهه أو يماثله -وهو في طبقته أيضاً، وهو يروي عن مالك- : يحيى بن يحيى الليثي الذي روى عن مالك الموطأ، وهذا أيضاً روى عنه الموطأ؛ لأن الموطأ رواه كثيرون عن مالك، ولكن المشهور من نسخ الموطأ هي التي عن يحيى بن يحيى الليثي، وليس يحيى بن يحيى النيسابوري، وإن كان هذا من رواة الموطأ عن مالك، إلا أن النسخة المشهورة عند الناس هي التي فيها يحيى بن يحيى الليثي القرطبي، وهو قليل الحديث، وليس له رواية في الكتب الستة، وإنما الذي له رواية هو هذا: يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، ومسلم أكثر عنه -كما قلت-: لأنه من بلده نيسابور، فاعتمد عليه كثيراً، وقوله: يعني: ابن يحيى، يعني: هذه الكلمة أو هذه الجملة قالها من دون عبيد الله بن فضالة؛ لأن عبيد الله بن فضالة لا يحتاج إلى أن يقول: يعني، بل ينسب شيخه كما يريد، ولكن عبيد الله بن فضالة قال: يحيى فقط، ولم يزد عليها شيئاً، ومن دون عبيد الله -إما النسائي أو الذي دون النسائي- هو الذي أتى بكلمة (يعني: ابن يحيى) أراد أن يبين أن المراد بـيحيى يحيى بن يحيى التميمي.إذاً: فكلمة (يعني) قائلها من دون عبيد الله بن فضالة، وفاعلها الذي هو ضمير مستتر فيها هو عبيد الله بن فضالة، قال من دون عبيد الله: يعني عبيد الله بقوله: حدثنا يحيى، يعني: ابن يحيى التميمي.فالخلاصة أن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، فقائلها من دون عبيد الله بن فضالة، وفاعلها ضمير مستتر يرجع إلى عبيد الله بن فضالة الذي هو شيخ النسائي.[حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد].وهو حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.يروي عن أبيه عبد الرحمن بن حميد، وهو أي: عبد الرحمن بن حميد ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. [عن أبي الزبير].وهو محمد بن مسلم بن تدرس، وهو صدوق يدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر].وهو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
محادثة المأموم للإمام أثناء الصلاة عند عجزه عن إفهامه بالتسبيح إذا وجد السهو
السؤال: إذا نسي الإمام ركناً من أركان الصلاة، فاستفتح له المأمومون ولكنه لم يستجب لذلك، فهل يجوز محادثته؛ كأن يقال له مثلاً: بقي ركعة؟الجواب: لا، هو إذا نسي شيئاً من الأمور البينة، مثل الركوع أو السجود يمكن في نفس الوقت إذا سبح له المأمومون ولم يفهم ما يريدون، فيمكن إذا كان المتروك ركوعاً أن يقال: اركعوا مع الراكعين، فيأتي بالآية التي فيها ركوع، أو اسجد واقترب إذا كان المتروك سجوداً، فالمقصود أنه يأتي بكلمة من القرآن تبين المراد وتبين المقصود إذا كان لم يعرف الإمام ماذا يريدون بالتسبيح.
طلب العلم عند شيخ مبتدع إذا لم يوجد غيره
السؤال: هل يجوز للطالب أن يجلس عند المبتدع ليتعلم عنه؟ لا سيما إذا كان لا يوجد في بلده علماء من أهل السنة.الجواب: إذا كان يتعلم شيئاً ليس له علاقة بالبدعة، ولم يجد أحداً يكفيه ويغنيه في هذا فلا بأس بذلك، ولكن مع الحذر من أن يقع فيما وقع فيه.
موضع اليدين في الصلاة عند القيام
السؤال: هل السنة أن تكون اليدان عند القيام في الصلاة فوق الثدي، أم تحت الثدي؟ مع ذكر الدليل.الجواب: السنة أن توضع اليمنى على اليسرى، وتكون على الصدر، فلا تكون عالية فوق، ولا تكون نازلة، وإنما تكون على الصدر.
مدى دلالة التفات أبي بكر في صلاته على جواز ذلك عند الضرورة
السؤال: التفات أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة عندما صفح الصحابة له ألا يدل على جواز الالتفات في الصلاة عند الضرورة؟الجواب: نعم، إذا حصل ضرورة يجوز، ولكن التفات ليس بالجسم، وإنما التفات بالرأس.
صحة نسبة البيت (دع الأيام تفعل ما تشاء...) للشافعي وحكم إضافة المشيئة للأيام
السؤال: ما صحة نسبة هذا البيت للإمام الشافعي: دع الأيام تفعل ما تشاءوطب نفساً إذا حكم القضاءالجواب: أقول: لا أدري عنه؛ لأن الأيام ما تفعل شيئاً، والأيام مصرفة ومقلبة، والله تعالى يقلب الليل والنهار. مداخلة: هل في إضافة المشيئة للأيام محظور؟الشيخ: لا شك؛ لأن الأيام لا تشاء شيئاً؛ لأن الأيام مصرفة ومقلبة، مثلما جاء في الحديث: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر؛ بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، فالدهر مقلب وليس بمقلب، ولكن ما أدري عن صحة إضافة البيت للشافعي.
الجمع بين روايات حديث عائشة في جلوس النبي بين يدي أبي بكر في الصلاة
السؤال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بين يدي أبي بكر في الحديث، وفي رواية أخرى (خلفه) فكيف نوفق ذلك مع قول الشيخ: أن أبا بكر على جانبه من يساره؟الجواب: هذا هو؛ لأن الروايات التي في الصحيحين وفي غيرهما: أنه جاء وجلس على يساره، فكلمة (بين يديه) معناها أنه قريب منه، وكذلك (خلفه) معناها أنه يصلي لصلاته، ولكن الروايات التي في الصحيحين وفي غيرهما فيهما: أنه أجلس عن يساره.
حكم سجود التلاوة في أوقات النهي
السؤال: هل يجوز سجود التلاوة في أوقات النهي؟الجواب: الله تعالى أعلم، ولكن أقول: عموم قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) قد يدل على أن الأولى أن لا يفعل ذلك، ولكن بعض العلماء يقول: إن سجود التلاوة ليس مثل الصلاة، فيجوز أن يسجد الإنسان وهو على غير وضوء، وذلك إذا كان يتلو القرآن من حفظه، وهو ليس على وضوء، فله أن يسجد؛ لأن هذه الصلاة ليس مفتاحها وتحليلها التسليم، فيقول: إن هذه يمكن أن تؤدى على غير طهارة، وأنا أقول: الله تعالى أعلم.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:21 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(148)
- (باب موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة والاختلاف في ذلك) إلى (باب إذا كانوا رجلين وامرأتين)
يقف المأمومون خلف الإمام إذا كانوا اثنين، وإذا وجد نساء فيكن خلف الرجال، سواء كانت واحدة أو أكثر.
موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة والاختلاف في ذلك
شرح حديث ابن مسعود في موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة والاختلاف في ذلك.أخبرنا محمد بن عبيد الكوفي عن محمد بن فضيل عن هارون بن عنترة عن عبد الرحمن بن الأسود عن الأسود وعلقمة، قالا: (دخلنا على عبد الله نصف النهار، فقال: إنه سيكون أمراء يشتغلون عن وقت الصلاة، فصلوا لوقتها، ثم قام فصلى بيني وبينه، فقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل).هنا أورد النسائي موقف الإمام إذا كان المأمومون ثلاثة، أي: الإمام ومعه اثنان، فموقف الإمام ما هو، والاختلاف في ذلك. وقد أورد النسائي فيه حديثين؛ أحدهما: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي صلى بـالأسود وعلقمة، وكان بينهما؛ أي: أنه كان متوسطاً بينهما؛والحديث الثاني: مسعود الأسلمي أن موقف الاثنين وراء الإمام.وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول الأسود وعلقمة: أنهما دخلا على عبد الله بن مسعود، فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ستكون أمراء يشتغلون عن الصلاة في وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم إنه صلى بيني وبينه)؛ يعني: كل واحد منهم يقول: إنه صلى بينه وبين رفيقه، بمعنى: أنه توسط بينهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، وهذا يحمل على أن ذلك منسوخ، أو أن المكان كان ضيقاً، وقد سبق أن مر ذكر هذا في حديث التطبيق الذي فيه: (شبك بين أصابعه، وجعلها بين فخذيه، ولم يجعلها على ركبتيه)، وهذا حكم منسوخ؛ الذي هو التطبيق؛ وهو جعل اليدين بين الفخذين، وقد طبق بعضهما على بعض، فنسخ ذلك بأن جعل وضعهما على الركبتين في حال الركوع، وكذلك أيضاً في التوسط بين الاثنين في الصلاة يكون منسوخاً، أو أنه يحمل على أن المكان ضيق.وقوله: (دخلنا على عبد الله نصف النهار، فقال: إنه سيكون أمراء يشتغلون عن وقت الصلاة، فصلوا لوقتها ). قد سبق أن مر في بعض الأحاديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن الإنسان يصلي الصلاة لوقتها، ثم يحضر ويصلي معهم، ولا يقول: إنني قد صليت فلا أصلي، وإنما يصلي فتكون الثانية نافلة، والأولى هي الفريضة؛ وذلك من أجل اجتماع الكلمة وعدم الفرقة، وعدم حصول التفرق والاختلاف، فيصلي الصلاة لوقتها، ثم يحضر ويصلي معهم فتكون نافلة، ثم إن عبد الله بن مسعود قام وصلى متوسطاً بين علقمة والأسود، وقد عرفنا أن الحكم إما أن يكون منسوخاً -كما أن التطبيق منسوخ- أو أن المكان كان ضيقاً.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد الكوفي].محمد بن عبيد ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة، وقيل: محمد بن عبيد الكوفي ؛ لأن هناك: محمد بن عبيد البصري، يعني: يتفقان في الاسم واسم الأب، ويختلفان في أن هذا كوفي وذاك بصري، وكل منهما شيخ للنسائي، لكن لما قال الكوفي عرف وتعين بأنه: محمد بن عبيد الكوفي الطنافسي، وليس محمد بن عبيد بن حساب البصري.وهذا من جنس محمد بن منصور الذي سبق أن مر بنا، واحد طوسي، والثاني مكي، وكل منهما شيخ للنسائي، ويعرف ذلك بالشيوخ والتلاميذ.[عن محمد بن فضيل].هو محمد بن فضيل بن غزوان الكوفي، وهو: صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة، وقالوا: صدوق فيه تشيع، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في كتابه المقدمة، مقدمة الفتح التي ذكر فيها الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، وبين الجواب عن تخريج البخاري لهم؛ وذلك بالوجوه المختلفة التي ذكرها؛ بأن يكون الشخص الذي أضيف إليه ما ثبت عنه، أو يكون الذي ضعفه لا يعتمد كلامه؛ لأنه نفسه ليس بحجة، ولا يعول على كلامه، أو أن الذي ضعف فيه اجتنبه البخاري، وأنه روى عنه شيئاً ليس مما انتقد عليه، أو من قبيل ما انتقد عليه، وكان من جملة ما انتقد على محمد بن فضيل هذا أن فيه تشيع، لكنه نقل عن بعض العلماء الذي هو ابن حجر كلمة عظيمة تدل على بعده عما يقع فيه الرافضة والشيعة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن المعلوم أن الرافضة كلامهم في أبي بكر، وعمر، وعثمان معروف، فكان من جملة ما نقله عنه، وهذا يدل على أن ذلك لا يؤثر فيه ما نسب إليه من التشيع، قال: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. هكذا يقول محمد بن فضيل؛ رحم الله عثمان بن عفان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان . فهذه كلمة تدل على سلامته مما أضيف إليه من التشيع.
المفاضلة بين عثمان وعلي .. رؤية شرعية
وقد عرفنا فيما مضى: أن عثمان وعلياً رضي الله تعالى عنهما، جمهور السلف على أن عثمان أفضل من علي، وبعض السلف يفضلون علياً على عثمان، وهذا هو التشيع الذي يضاف إلى بعض العلماء، وذلك لا يؤثر؛ لأن تفضيل علي على عثمان هذه ليست من المسائل التي يبدع المخالف فيها، وإنما التي يبدع فيها مسألة الخلافة؛ من قال: إن علياً أولى من عثمان، أو أولى من أبي بكر أو عمر، فهذا من أهل البدع؛ لأنه خلاف ما أطبقت عليه الأمة، وأجمع عليه الصحابة، واتفق عليه الصحابة من تقديم أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم أيضاً قد ورد ما يدل على تقديم بعضهم على بعض في الفضل؛ كما جاء عن ابن عمر، كانوا يقولون ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي، يخيرون فيقولون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فجمهور السلف على تفضيل عثمان على علي رضي الله تعالى عن الجميع، وبعضهم مثل الأعمش، وابن جرير، وعبد الرزاق، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، يقولون: بأن علياً أفضل من عثمان، وهذه منقبة لا تؤثر، ومن قال بها لا يقدح فيه ولا يعاب؛ لأنها ليست من المسائل التي يبدع بها، وإنما التي يبدع بها: من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة؛ لأن من قال هذا الكلام فإنه يعترض على فعل الصحابة، وعلى فعل سلف الأمة الذين قدموه على علي، أما مسألة التفضيل فقد يتولى المفضول مع وجود الفاضل، ليس شرطاً أن يكون الفاضل هو الذي يتولى، بل يجوز أن يتولى المفضول مع وجود الفاضل؛ وذلك لأمر يوجد في المفضول؛ إما لخبرته، أو لحنكته، أو لدهائه، أو لمقدرته، ومن المعلوم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر، وهذا لا يدل على فضل عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر، وإنما يولى الشخص في مناسبة أو في مهمة في أمر له فيه قدرة، وله فيه خبرة، لكن هذا لا يعني أن تقديمه يدل على أفضليته على غيره، فالمفضول قد يولى مع وجود الفاضل؛ لأمر يوجد في المفضول من أجل العمل الذي وكل إليه، ومن أجل العمل الذي أسند إليه، وليست القضية أن التقديم يتعين أن يكون في الفاضل والمفضول لابد أن يكون تبعه، فقد يقدم المفضول لأمر يتعلق بالأمر الذي قدم من أجله، وإن كان غيره أفضل منه.إذاً: مسألة تقديم علي على عثمان في الفضل، مسألة خلافية بين السلف، وجمهورهم على تقديم عثمان، والذين قالوا بتقديم علي لا يبدعون، ولا يقدح في روايتهم من أجل أنهم يقدمون علياً على عثمان.إذاً: التشيع الذي ينسب إلى بعض سلف الأمة لا يؤثر، ولهذا محمد بن فضيل كان مما نسب إليه أنه يتشيع، لكن هذه الكلمة تدل على بعده عما لا ينبغي؛ وهو القدح أو الوقوع في سلف هذه الأمة، وخاصة أبو بكر، وعمر، وعثمان، فإنه كان يقول: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان. أما الرافضة فلا يقولون هذا، فإنهم يسبون عثمان، ويذمون عثمان، ولا يقولون مثل هذه الكلمة الجميلة الحكيمة اللطيفة التي تدل على سلامة قائلها.
تابع تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة
قوله: [عن هارون بن عنترة].هارون لا بأس به. خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في التفسير.وكلمة لا بأس به، طبعاً هي دون التوثيق، ودون الصدوق، لكن بعض العلماء له اصطلاح فيها خاص، وهو ابن معين، إذا قال: لا بأس به، فهي تعادل ثقة عند غيره، ولهذا لا بأس به عند ابن معين توثيق، ولهذا يقول في بعض الأئمة الكبار، مثل: الشافعي، يقول عن الشافعي: لا بأس به؛ لأن كلمة لا بأس به عنده توثيق، وإذا فهم الاصطلاح زال الاستغراب، وكما يقولون: إذا ظهر السبب بطل العجب، ما دام أن هذا اصطلاح فلا مشاحة في الاصطلاح، المهم أن يعرف الاصطلاح.[عن عبد الرحمن بن الأسود].هو عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.يروي عن [الأسود وعن علقمة].أبوه هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة، مخضرم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وعلقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي هو أيضاً ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.وهنا الحديث من روايتهما جميعاً؛ لأن عبد الرحمن يقول: قالا: [دخلنا على عبد الله نصف النهار]، يعني: في صلاة الظهر، وقال: [إنه سيكون أمراء]، وهذا الكلام المضاف إلى عبد الله بن مسعود لا شك أنه له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا الكلام لا يقوله ابن مسعود؛ لأنها أمور غيبية تتعلق بغيب المستقبل، والغيب المستقبل لا يعرف إلا عن طريق الوحي، لا يعلم الصحابة عن أمور تقع في المستقبل، إلا إذا جاء فيها حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد كثرت الأحاديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام التي فيها الإخبار عن أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، وإرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن الإنسان يصلي الصلاة لوقتها، ثم يحضر ويصلي معهم، وتكون الثانية نافلة، وقد مر بنا بعض الأحاديث التي تعلق بهذا الموضوع.[ثم إنه قام وصلى بهم الصلاة في وقتها، وتوسط بينهما]؛ وهذا محل الشاهد من إيراد الحديث في موقف الإمام إذا كانوا ثلاثة، يعني: أنه يتوسط بينهما، وقد عرفنا أن هذا إما أنه منسوخ، مثل التطبيق الذي جاء عن ابن مسعود أيضاً، أو أن المكان كان ضيق؛ لا يتسع، لأن يكون الإمام قدام والاثنان وراءه.أما عبد الله بن مسعود الصحابي، فهو عبد الله بن مسعود الهذلي، الصحابي الجليل من المهاجرين، ومن السابقين الأولين، وهو من علماء الصحابة، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين بهذا اللقب؛ لأنه ليس من صغار الصحابة، بل هو من كبارهم، وهو متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما العبادلة الأربعة فهم من صغار الصحابة، وكانوا في سن متقارب في الولادة وفي الوفاة، وقد عمروا وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وهم: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، هؤلاء هم العبادلة الأربعة إذا قيل في مسألة: وقال بها العبادلة الأربعة فالمراد بها هؤلاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود ليس منهم.
شرح حديث مسعود مولى أبي تميم في تقدم الإمام على الاثنين في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبدة بن عبد الله حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أفلح بن سعيد حدثنا بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن غلام لجده يقال له: مسعود، فقال: (مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، فقال لي أبو بكر: يا مسعود، ائت أبا تميم، يعني: مولاه، فقل له: يحملنا على بعير، ويبعث إلينا بزاد ودليل يدلنا، فجئت إلى مولاي فأخبرته، فبعث معي ببعير، ووطب من لبن، فجعلت آخذ بهم في إخفاء الطريق، وحضرت الصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وقام أبو بكر عن يمينه، وقد عرفت الإسلام وأنا معهما، فجئت فقمت خلفهما، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر أبي بكر فقمنا خلفه)، قال أبو عبد الرحمن: بريدة هذا ليس بالقوي في الحديث.هنا أورد النسائي حديث: مسعود مولى أبي تميم الذي ذكره النسائي هنا: أنه جاءه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وأن أبا بكر: قال له: اذهب إلى أبي تميم مولاه، وقل له: يبعث لنا ببعير وزاد ودليل، فذهب إلى مولاه أبي تميم وأخبره، فبعث إليهم الزاد، وبعث وطباً؛ وهو وعاء من جلد صغير، جعل فيه لبناً، وصار هو الدليل لهما، وعند جاء وقت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بـأبي بكر وهو على يمينه، ثم إنه جاء ليصلي ويصف، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر حتى يتخلف، ويكونا الاثنان صفاً وراءه، والمقصود من الحديث: أن موقف الإمام يكون متقدم على الاثنين إذا كانوا اثنين أو كانوا ثلاثة، فيكون الإمام أمامهم، والاثنان يكونوا صفاً وراءه، وقد وردت الأحاديث كثيرة في هذا؛ يعني: في الاثنين وأكثر، وهذا هو الذي عليه عمل المسلمين، وهو أن الإمام يتقدم الاثنين فأكثر، وإذا كان واحداً يكون عن يمينه، والاثنان فأكثر يكونون وراءه.فـالنسائي رحمه الله قال: الاختلاف في ذلك، فأورد حديثاً فيه أن الإمام يتوسط، وهذا الحديث أن الإمام يتقدم، ولا شك أن الحكم الذي استقر وثبت هو أن الإمام يتقدم، الاثنين وأكثر من الاثنين يتقدمهم، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه بريدة الأسلمي، هو نفسه النسائي ذكر بعد أن ساق الحديث، قال: بريدة هذا ليس بالقوي في الحديث، وفي ترجمته في تهذيب التهذيب ليس هناك ثناء عليه إطلاقاً، وإنما الكلام كله قدح فيه، ولعل ابن حجر اختار كلمة النسائي وهي ليس بالقوي عندما ذكر الحكم؛ لأن النسائي هو الذي خرج له، ما خرج له إلا النسائي من أصحاب الكتب الستة، والنسائي قال: ليس بالقوي، فلعله اختار كلمة النسائي في التضعيف على غيرها من الكلمات التي قالها غير النسائي من العلماء.وهذا الحديث هو الحديث الوحيد الذي ذكره الألباني في ضعيف النسائي من كتاب الإمامة والجماعة، وكتاب الجماعة والإمامة فيه مائة حديث كاملة لا تزيد ولا تنقص، تسعة وتسعين منها من الصحيح، وواحد منها الذي هو هذا هو الضعيف، فهذا الحديث الوحيد من كتاب الإمامة الضعيف، يعني: على حسب ما عمل الألباني في صحيح النسائي، وفي ضعيف النسائي، فوضع الألباني في كتابه صحيح النسائي تسعة وتسعين في الصحيحة، وضعيف النسائي هذا الحديث الواحد فيها؛ والسبب في ذلك بريدة الأسلمي الذي ضعفه النسائي نفسه، وضعفه غيره، ولكن ابن حجر لعله آثر كلمة النسائي؛ لأنه هو الذي روى له، وأصحاب الكتب الستة الآخرون ما رووا عنه شيئاً.
تراجم رجال إسناد حديث مسعود مولى أبي تميم في تقدم الإمام على الاثنين في الصلاة
قوله: [أخبرنا عبدة بن عبد الله].وهو ثقة، خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا زيد بن الحباب].وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا أفلح بن سعيد].صدوق، خرج له مسلم، والنسائي.[حدثنا بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي].بريدة هذا نفس النسائي قال فيه في آخر الحديث، قال: بريدة هذا ليس بالقوي.[يقال له: مسعود].الذي هو الصحابي. وقال عنه الحافظ: أنه صحابي قليل الحديث.روى له النسائي وحده، فهو الذي انفرد بالرواية عن بريدة، وكذلك في الرواية عن مسعود.
إذا كانوا ثلاثة وامرأة
شرح حديث أنس: (... فقام رسول الله وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا كانوا ثلاثة وامرأة.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (إن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام قد صنعته له، فأكل منه، ثم قال: قوموا فلأصلي لكم، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف).هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة؛ وهي: باب: إذا كانوا ثلاثة وامرأة. وأورد فيه حديث: أنس بن مالك في كون النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى مليكة وهي جدة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأنها دعته، أي: دعت الرسول صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فجاء إليهم، وكانوا طلبوا منه أن يصلي لهم في مكان، فقال: (قوموا فلأصلي لكم، وصلى بهم، وقال: صففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا)، وهذا الحديث هو الذي يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة، من أنه إذا كانوا اثنين يكونون وراء الإمام، بحيث إذا كانوا اثنين يكون الإمام متقدم، والاثنان يكونا وراءه، وهذا هو الحديث الصحيح الذي يدل على أن موقف الاثنين يكون وراء الإمام، أما حديث مسعود مولى أبي تميم الذي أورده فضعيف، لكن هذا الصحيح يغني عنه، وغيره من الأحاديث الصحيحة، وعمل المسلمين عليه. وهذا الحديث الصحيح يدل على أنه إذا كانوا ثلاثة، فالإمام يتقدم ويكون اثنان وراءه، والمرأة تكون وراءهم تكون صفاً وحدها، ولا تصاف الرجل ولو كان واحداً، فإذا كان واحداً لا تصلي المرأة عن يمينه لكن تصلي وراءه، تكون هي في صف، وهو في صف؛ يعني: هو على حدة، وهي على حدة، ليس كالرجل تقف على يمين الإمام، وإنما تقف وراء الإمام، كحالتها إذا كان وراء الإمام اثنان، فإن الاثنان يكونان وراءه، وهي تكون وراءه، ولو كان معه واحد، يكون الواحد عن يمينه والمرأة وراءه، فهي لا تصاف الإمام ولا تصاف الرجال، وإنما تكون وحدها، إلا إذا كان معها نساء، فيكون صف نساء وراء الرجال، فأورد حديث أنس بن مالك، وفيه: أنهم إذا كانوا ثلاثة، فأحدهم يكون إماماً، ويكون الاثنان وراءه، والمرأة تكون وراءهم صفاً وحدها.(قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا).وهذا أيضاً يدل على أن اليتيم، أو أن غير البالغ أنه يصاف، فيكون مع البالغ صفاً وراء الإمام، ليس بشرط أن الاثنين الذين يكونوا وراء الإمام يكونوا بالغين، بل إذا كان أحدهم بالغاً والثاني غير بالغ يكونون صفاً، فليس بلازم أن يكونوا بالغين وراء الإمام، لا، فإذاً: هذا هو الذي يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة؛ من أن الإمام يتقدم على الاثنين من المأمومين،كما يتقدم على من كان أكثر من ذلك.وفيه: مصافة الصغير المميز، وأنه يكون صفاً مع البالغ، وأن المرأة تكون صفاً وحدها، لا تصاف الإمام، ولا تصاف من رواء الإمام من الرجال، وإنما تكون وحدها إذا لم يكن معها نساء، وإن كان معها نساء، فالنساء يكن صفاً أو صفوفاً.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (... فقام رسول الله وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك بن أنس].هو المحدث، الفقيه، إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة المشهورة المعروفة؛ وهي: مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أحمد، فهذه مذاهب أربعة من مذاهب أهل السنة اعتنى بفقهها؛ لأنه وجد لهم أتباع عنوا بفقههم، وليس معنى ذلك أن غيرهم لا يكون مثلهم، بل من العلماء من هو مثلهم في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم، لكن ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء، مثل سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، فقيه مصر، والأوزاعي فقيه أهل الشام، فالإمام مالك رحمه الله أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، وهو محدث، فقيه، إمام دار الهجرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].إسحاق يروي عن أنس، وأنس عمه أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أم سليم زوجة أبي طلحة ولدت له عبد الله بن أبي طلحة، فـإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة هو يري عن عمه لأمه أنس بن مالك، أخو أبيه لأمه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك]. هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، وعمر طويلاً، حتى أدركه الكبار والمتوسطون والصغار من التابعين، وهو من السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين قال عنهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـأنس أحد هؤلاء السبعة.وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند النسائي التي هي الرباعيات؛ لأن أعلى ما يكون عند النسائي الرباعيات، وهنا يروي قتيبة، عن مالك، ومالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسحاق يروي عن عمه لأمه أنس بن مالك، فبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وأعلى ما عنده الرباعيات، وهي كثيرة في السنن، وهذا منها.
إذا كانوا رجلين وامرأتين
شرح حديث أنس في كيفية الصفوف إذا كانوا رجلين وامرأتين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذا كانوا رجلين وامرأتين.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هو إلا أنا وأمي واليتيم وأم حرام خالتي، فقال: قوموا فلأصلي بكم، قال: في غير وقت صلاة، قال: فصلى بنا)].هنا أورد النسائي: (إذا كانوا رجلين وامرأتين)، يعني: فكيف تكون الصفوف.ومن المعلوم: أن الاثنين يكونان صفاً وراء الإمام، ولو كان أحدهما غير مميز، والمرأتان تكونان صفاً على حدة، والمقصود: أنهم إذا كانا رجلين إماماً ومأموماً، فالمأموم على يمين الإمام، لكن الذي معنا هنا فيه اليتيم، ومعناه: أنه يكون صفاً وراء الإمام، هو وأنس بن مالك، والمرأتان -وهما: أمه وخالته- يكونان صفاً على حدة.
تراجم إسناد حديث أنس في كيفية الصفوف إذا كانوا رجلين وامرأتين
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو ثقة، حافظ، خرج له الترمذي، والنسائي .[حدثنا عبد الله بن المبارك].هو المحدث، العابد، الجواد، المجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر جملة من صفاته: جمعت فيه خصال الخير؛ لأنه من العباد، ومن المجاهدين، ومن الكرام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سليمان بن المغيرة].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].قد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث أنس في صلاة النبي به وأمه وخالته وموقفهم في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن مختار يحدث عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنه: (أنه كان هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأمه وخالته، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل أنساً عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما)].هنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك الذي فيه: (أنه كان هو وأمه وخالته، وأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل أنساً عن يمينه وأمه وخالته وراءهما). ومعنى هذا: أن المأموم إذا كان واحداً، فيقف عن يمين الإمام، وإذا كان معهم امرأة تكون وراءهما، أو كان امرأتين أو أكثر تكون وراءهما صفاً أو صفوفاً، وهنا امرأتان يكونان صفاً وراء الإمام، والرجل الواحد الذي مع الإمام يكون عن يمينه، ولا يكون صفاً وحده كالنساء؛ لأن المرأة تكون صفاً وحدها وراء الرجل، فلا تصف بجواره، لكنها تصف وراءه إذا كانت واحدة، أما الرجل فإنه يصف إلى جواره عن يمينه، وليس عن يساره.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في صلاة النبي به وأمه وخالته وموقفهم في الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو الملقب بندار، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا كلهم عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثا محمد].هو ابن جعفر، الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج الواسطي، الثقة، الثبت، المتكلم في الرجال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[سمعت عبد الله بن مختار].ابن مختار لا بأس به، خرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .[عن موسى].هو موسى بن أنس بن مالك، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره.
الأسئلة
حكم الصلاة في ثياب بها تصاوير
السؤال: ما حكم الصلاة بقميص فيه صور بني آدم، سواء كان اللابس مكلفاً أو صغيراً؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يصلي في ثوب فيه صور، وإذا صلى فالصلاة صحيحة، لكن لا يجوز له أن يصلي فيه، لذا فهو يأثم إذا صلى في ثوب فيه صور.
حكم لبس الثياب التي فيها صور
السؤال: ما حكم لبسه مطلقاً أيضاً؟الجواب: لا يجوز لبس ما فيه صور، الذي فيه صور يسمح بالفراش، ليس باللبس.
مدى وجود تحديد للربح في الشرع
السؤال: هل الشريعة الإسلامية حددت مقدار الربح على السلعة التجارية؟الجواب: ما نعلم تحديد للأرباح على رءوس الأموال؛ لأنه كما هو معلوم الأمر مطلق، فقد يكون الشراء برخص ثم يحصل الغلاء، وقد يكون الشراء بغلاء، ثم يحصل الرخص، فما نعلم ما هناك تحديد، لكن الذي ينبغي للإنسان ألا يبالغ في أخذ الشيء الكثير، إلا إذا كانت الأسعار تغيرت فهو مثل السوق، يعني: مثلما يبيع السوق هو يبيع.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:23 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(149)
- (باب إقامة الصفوف قبل خروج الإمام) إلى (باب كم مرة يقول: استووا)
عند إقامة الصلاة يشرع للمأمومين عدم القيام في الصفوف حتى يروا الإمام؛ وينبغي للإمام قبل دخوله في الصلاة أن يسوي صفوف المصلين بقوله: استووا. ثلاثاً، وبفعله في الصفوف الأولى.
إقامة الصفوف قبل خروج الإمام
شرح حديث أبي هريرة في إقامة الصفوف قبل خروج الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إقامة الصفوف قبل خروج الإمامأخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (أقيمت الصلاة فقمنا، فعدلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر فانصرف، فقال لنا: مكانكم، فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج إلينا قد اغتسل ينطف رأسه ماء، فكبر وصلى)].يقول النسائي رحمه الله: إقامة الصفوف قبل خروج الإمام، يعني: تسويتها وتعديلها، واستواؤها قبل أن يخرج الإمام، وقد أورد فيه حديث: أبي هريرة -الذي تقدم ذكره في الأبواب الماضية- في قصة مجيئه عليه الصلاة والسلام ووقوفه في مصلاه، ثم تذكر أنه جنب فقال: مكانكم، ثم رجع إلى بيته فاغتسل، وخرج يقطر رأسه ماء، ثم جاء وصلى بهم، وهنا أورد الحديث تحت هذه الترجمة لما جاء في أوله من قوله..(أقيمت الصلاة فقمنا، فعدلت الصفوف)، ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مطابق لما ترجم له، لكن جاء في بعض الأحاديث: نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قيامهم إذا نودي للصلاة حتى يروه، وذلك لئلا يحصل عليهم شيء من المشقة في طول القيام، ولئلا يعرض له عارض، فيقومون وهو لم يقف في مصلاه، فلعل هذا الذي جاء في هذا الحديث هو سبب نهيهم عن القيام حتى يروه؛ لقوله: (إذا نودي للصلاة فلا تقوموا حتى تروني)؛ لئلا يحصل عليهم شيئاً من المشقة في طول القيام قبل دخوله في الصلاة، وقد يعرض له عارض فيشغله عن الدخول فيها، فيطول قيامهم، فيلحقهم بذلك مشقة، ولهذا نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيام حتى يروه.وأما إذا كان الإمام في المسجد، ثم إنه أقيمت الصلاة وهم يرونه معهم، فإن ذلك -كما هو معلوم- يحصل به المقصود من جهة عدم طول مدة انتظاره، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يكون في بيته، فيؤذنه بلال بالصلاة وهو في بيته، ثم يأتي ويقيم بلال الصلاة، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي بهم، وحديث: (لا تقوموا حتى تروني) يدل على أن القيام عندما يأتي الإمام للصلاة، ثم أيضاً: الإمام هو الذي يسوي الصفوف كما جاءت بذلك الأحاديث الكثيرة المتعددة التي ستأتي، ويتخلل الصفوف، ويتخلل من ناحية إلى ناحية، ويسويها بقوله وفعله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: هذا من فعل الإمام، ولا يفعل هذا قبل أن يأتي الإمام، ولعل هذا كان في أول الأمر، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم عن القيام حتى يروه، وكان يسوي الصفوف بنفسه وبقوله وفعله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث الذي معنا سبق أن مر في باب سابق، فيما إذا وقف الإمام في مصلاه ثم تذكر أنه على غير طهارة، فأورد الحديث هناك، ثم أورده هنا لما جاء في أوله.وهذه الرواية تبين الرواية السابقة؛ لأن الرواية السابقة: فخرج عليهم فاغتسل وهم صفوف، وهنا: خرج عليهم وقد اغتسل، وهناك: خرج عليهم فاغتسل، وهذه الرواية هي التي توضح تلك الرواية السابقة، وهي المطابقة أيضاً أو الموافقة لما جاء في البخاري: خرج عليهم وقد اغتسل.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في إقامة الصفوف قبل خروج الإمام
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].وهو المرادي المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ولا الترمذي.[حدثنا ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يونس].وهو يونس بن يزيد الأيلي، وهو أيضاً ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو إمام جليل، ومحدث، فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن].وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، من التابعين، ومن فقهاء التابعين في المدينة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأنه كما تكرر مراراً: أن الفقهاء السبعة في المدينة، ستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال، وأبو سلمة هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم، وقيل: إن السابع هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: إن السابع هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع أبا هريرة]. وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والذين عرفوا بكثرة الحديث سبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال هذا الإسناد كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي، الذي هو محمد بن سلمة المرادي المصري، فلم يخرج له البخاري ولا الترمذي، وإنما خرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
كيف يقوم الإمام الصفوف
شرح حديث: (كان رسول الله يقوم الصفوف كما تقوم القداح...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف يقوم الإمام الصفوفأخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الصفوف كما تقوم القداح، فأبصر رجلاً خارجاً صدره من الصف، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)].أورد النسائي: كيف يقوم الإمام الصفوف، يعني: يسويها ويجعلها على سمت واحد، لا تقدم ولا تأخر، وتسوية الصفوف وإقامتها تكون بكونها معتدلة متساوية، لا تقدم ولا تأخر ولا اعوجاج، وإنما استقامة وعدم تقدم وتأخر، وكذلك التقارب فيما بينها، وأن لا يكون فيها فرج وخلل، فإن هذا هو المراد بتسوية الصفوف، فيقرب كل واحد من جاره إلى جهة الإمام، فإذا كان الإمام من جهة اليسار يقرب إلى جهة اليسار، ثم الذي يكون بجواره من جهة اليمين يقرب منه، حتى يكون كل واحد ملتحم بالثاني وملتصق بالثاني، وكذلك الذين على يسار الإمام، يقربون إلى جهة اليمين، وإذا كان هناك فجوة، فالذي بجوار الإنسان يقرب منه، ولا تكون سد الفجوة بأن يمد الإنسان رجليه حتى يلحق بمن على يمينه وعلى شماله، وإذا تأخر عليه إنسان لحقه، بل يجره إليه حتى تقرب الصفوف بعضها من بعض؛ فإن التساوي ليس بتقارب الرجلين، بل بتقارب الرجلين والركبتين والمنكبين، كلها تتقارب ويتصل بعضها ببعض، فهذه تسوية الصفوف. وتسوية الصفوف واجبة، ولهذا جاء التحذير من المخالفة فيها وعدم تسويتها، وأنه إذا حصل خلاف التسوية فيكون ذلك سبباً في اختلاف الوجوه والقلوب، وهذه عقوبة ووعيد شديد على عدم تسويتها، وهو يدل على وجوب تسويتها.وقد أورد النسائي حديث: النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم الصفوف كما تقوم القداح)، وهي السهام، حيث تكون متساوية، ويسوى بينها بحيث لا تتقدم ولا تتأخر، وإنما هي على نسق واحد، وعلى سمت واحد مستوية، لا تقدم فيها ولا تأخر في بعضها، فكذلك الصفوف، ويضيف إلى تسويته بفعله التسوية بقوله، وكذلك يعني بفعله: بحيث يقدم هذا ويؤخر هذا، ويجعل هذا على سمت هذا، ويضيف إلى ذلك بفعله، ثم يقول: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، يعني: إذا لم تسووها تحصل هذه العقوبة، وهي: المخالفة، وهذه المخالفة فسرت: بأن يكون هناك مخالفة في الهيئة والخلقة، أو أن المراد: أن ذلك اختلاف القلوب، وما يترتب على الوجه تبعاً لاختلاف القلوب من التنافر، وكراهية بعضهم لبعض، وأن يكون في وجه الآخر على الآخر ما يدل على الكراهية؛ وذلك نتيجة لما حصل في القلوب، ويوضح هذا أنه جاء في أحاديث كثيرة: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وجاء في بعض الروايات في الحديث نفسه: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)، والروايات الأخرى الكثيرة تطابق هذه الرواية، ثم أيضاً اختلاف القلوب يتبعه اختلاف الوجوه، ويظهر على الوجه التأثر، وظهور المخالفة نتيجة لما يكون في القلب، وقد جاء في حديث النعمان بن بشير المتفق على صحته، والذي يقول فيه النبي عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فنتيجة لاختلاف القلوب يكون من وراء ذلك اختلاف الوجوه، ويظهر على الوجوه المحبة والبغض لمن يراه الإنسان نتيجة لما يكون في القلوب من الاختلاف، ولهذا يقول الشاعر:والنفس تعلم من عيني محدثهاإن كان من حزبها أو من أعاديهافالقلوب إذا كانت متفاوتة فيظهر ذلك على الوجه، ولا يخفى ذلك إلا إذا كان عن طريق النفاق أو عن طريق إظهار شيء دفعاً للشر، ودفعاً للمحذور، ودفعاً للمضرة التي تحصل بدون إظهار شيء في الوجه، فيسلم الإنسان فيه من الشر أو شر صاحب الشر.ثم إن هذه المخالفة يعاقب عليها بهذه العقوبة، ومن العقوبة على الذنب الوقوع في مصيبة أخرى، يعني: عقوبة عليه، كما جاء عن بعض السلف: من ثواب الحسنة على الحسنة: الحسنة بعدها، ومن العقوبة على السيئة: السيئة بعدها، فالإنسان يبتلى ويعاقب بأن يحصل منه سيئة.ومن المعلوم أن اختلاف القلوب عقوبة كبيرة؛ فالله عز وجل يقول: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، ففي الآية: أن الإزاغة نتيجة للزيغ، وأنه يعاقب على الزيغ بالإزاغة، وأنه إذا حصل الانحراف والميل عن الحق فيعاقب على ذلك بعقوبة من جنسه، فيكون في ذلك زيادة شر، وزيادة بلاء على الإنسان، والذي معنا هو من هذا القبيل؛ فلأنه عمل محرم عوقب عليه باختلاف القلوب وما يكون بينها من التنافر، والرواية التي معنا ذكر الوجوه، وجاء في بعض الروايات: القلوب، وقد عرفنا أن اختلاف القلوب ينتج عنه اختلاف الوجوه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:26 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يقوم الصفوف كما تقوم القداح...)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبي الأحوص].أبو الأحوص، وهي: كنية اشتهر بها سلام بن سليم الكوفي، وهو ثقة، متقن، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سماك].وهو سماك بن حرب، وهو صدوق، وروايته عن عكرمة مضطربة، والحديث هذا ليس من الرواية عن عكرمة، وإنما هو عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن النعمان بن بشير].والنعمان بن بشير صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد صغار الصحابة، وهو صاحب القصة في الهبة التي أرادت أمه من أبيه أن يشهد على هبته، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألكل ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: لا تشهدني على جور، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) يقوله لأبيه، وهو وأبوه صحابيان، وكما قلت: هو من صغار الصحابة، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره ثمان سنوات، وهذا مما يستدل به على أن الصغير إذا تحمل في حال صغره وأدى في حال كبره، فإن ذلك معتبر عند العلماء، وهذا هو الذي حصل، أو الذي جرى من صغار الصحابة، حيث يتلقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخبرون عن ذلك في حال كبرهم، فرواية من تحمل في حال صغره، وروايته بعد بلوغه، وكذلك تحمل الكافر في حال كفره وإخباره عن ذلك بعد إسلامه، فكل هذا معتبر عن العلماء.وكثير من روايات صغار الصحابة هي عن الصحابة، وهي من مراسيل الصحابة، وهي معتبرة وحجة، والحديث الذي معنا هو من قبيل ما شاهده وعاينه؛ لأنه قال: ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فهذا مما تحمله وشاهده وحضره، وحديث الحلال بين والحرام بين المتفق عليه، صرح بسماعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات).. إلى آخر الحديث، فهذا مما تحمله في حال صغره وأداه في حال كبره رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وحديث النعمان عند أصحاب الكتب الستة، والإسناد رباعي، فـقتيبة بن سعيد، وأبو الأحوص، وسماك، والنعمان بن بشير، هؤلاء الأربعة هم رجال الإسناد، وهو الإسناد الرباعي، وهو أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات كما ذكرت ذلك مراراً.
شرح حديث البراء: (كان رسول الله يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح مناكبنا وصدورنا...)
[أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية؛ يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وكان يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)].أورد النسائي حديث: البراء بن عازب رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخلل الصفوف، فيتحول من ناحية إلى ناحية، أي: جهة اليمين إلى جهة الشمال، يمسح مناكبنا وصدورنا، أي: تكون المناكب متعالية، والصدور كذلك، لا تقدم ولا تأخر، ولا بروز من بعضهم على بعض، ولا تأخر من بعضهم على بعض، بل تكون على سمت واحد، وعلى نسق واحد، فهذه هي تسوية الصفوف، وكان يسوي ذلك بنفسه وبيده صلى الله عليه وسلم، ويتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية، ينتقل من هنا إلى هنا ويسوي. ثم بعد ذلك يقول: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وهو يوضح الرواية السابقة، (لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي بعض الروايات: (بين قلوبكم)، أي: أن الاختلاف في الظاهر قد يترتب ويعاقب عليه في الاختلاف في الباطن، بأن يكون ذلك اختلاف القلوب، ثم إذا حصل اختلاف القلوب كثر الاختلاف في الظاهر نتيجة لاختلاف القلوب، فتكون المعاقبة من جنس السيئة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث النعمان: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ثم يقول: (إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)، وهذا يدل على فضل الصفوف الأول، وأنها أفضل من غيرها، وقد جاء في الحديث الآخر الذي سيأتي: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها)، فكل صف هو خير من الذي يليه، وهذا الحديث يقول: (إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة)، وهو يدل على فضل الصفوف الأول، والمبادرة إليها، وصلاة الله عز وجل على العباد هي: ثناؤه عليهم، وصلاة الملائكة هي: الدعاء لهم والاستغفار.
تراجم رجال إسناد حديث البراء: (كان رسول الله يتخلل الصفوف من ناحية إلى ناحية يمسح مناكبنا وصدورنا...)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص].وقد مر ذكرهما.[عن منصور].وهو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن طلحة بن مصرف].وهو طلحة بن مصرف، وهو أيضاً ثقة، قارئ، فاضل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عوسجة].وهو عبد الرحمن بن عوسجة، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن البراء].وهو البراء بن عازب، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الصحابي ابن الصحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
ما يقول الإمام إذا تقدم في تسوية الصفوف
شرح حديث أبي مسعود: (كان رسول الله يمسح عواتقنا ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يقول الإمام إذا تقدم في تسوية الصفوفأخبرنا بشر بن خالد العسكري حدثنا غندر عن شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عواتقنا ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)].أورد النسائي الترجمة، وهي: ما يقول الإمام إذا تقدم في تسوية الصفوف، يعني إذا تقدم أمامهم ماذا يقول في تسوية الصفوف؟ هنا أراد أن يبين ما يقوله، وفي التراجم السابقة بين ما يفعله، وفيها أيضاً ما يقوله، وفيها أيضاً شيء مما يقوله مرغباً في تسويتها، ومحذراً من التساهل في تسويتها، وما يترتب عليه من العقوبة بمخالفة القلوب؛ وذلك نتيجة المخالفة في الصفوف وعدم تسويتها.أورد النسائي حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمسح عواتقنا)، أي: بحيث تكون متساوية، يعني: لا يتقدم منكب على منكب، والعاتق هو: أصل المنكب، كما مر في الحديث: (لا يصلين أحد في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء)، يعني: هو المسافة التي بين المنكب والرقبة، فهذا هو العاتق، فمعناه: أن تكون المناكب متساوية، وأيضاً مع تسويته يقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليليني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، والمقصود من ذلك أن الإمام يقول: استووا، كما أنه يفعل التسوية بفعله، فكذلك ينبه عليها بقوله، ويرشد إليها بقوله بأن يقول لهم: استووا، والفعل من الإمام إنما يكون فيمن يكون حوله، ومن يكون قريباً منه، أما الصفوف المتباعدة إذا كثرت الصفوف، فإن الذي يفيدهم، ويصل إليهم استووا، هي التي لهم جميعاً، وتصل إلى القريب والبعيد، وأما التسوية بالفعل فإنها لا تتأتى مع كثرة الصفوف، ولكن (استووا) هذه تذهب إلى من يسمع من الصفوف، ومن تصل إليه من الصفوف، فيكون مطلوباً منه أن يحصل منه القيام بالتسوية، التي هي القرب من جاره إلى الجهة التي يكون فيها الإمام، ودون أن يتقدم أحد على أحد، ودون أن يكون هناك فرج وفجوات بين المأمومين، بل كل واحد يقترب من الثاني بحيث لا يكون هناك خلل وفرج، وأيضاً مع الاقتراب لا يكون تقدم ولا تأخر، بل يكون هناك التساوي.
تراجم رجال إسناد حديث أبي مسعود: (كان رسول الله يمسح عواتقنا ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم...)
قوله: [أخبرنا بشر بن خالد العسكري].وهو العسكري، وهو ثقة، خرج له مسلم وأبو داود والنسائي، ولم يخرج له الترمذي ولا ابن ماجه .[حدثنا غندر].وهو محمد بن جعفر، وهي لقب لـمحمد بن جعفر، ويأتي ذكره أحياناً باسمه وأحياناً بلقبه كما هو هنا، ويأتي ذكره أحياناً يروي عن شعبة غير منسوب، ومحمد بن بشار عن محمد غير منسوب، ومحمد يروي عن شعبة، فالمراد به: محمد بن جعفر الذي هو غندر هذا، وأحياناً يأتي باسمه واسم أبيه: محمد بن جعفر، وأحياناً يأتي بلقبه فقط كما هو هنا، والذي هو غندر، ومحمد بن جعفر ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومعرفة ألقاب المحدثين فائدتها كما ذكرنا سابقاً: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن من لا يعرف أن محمد بن جعفر لقبه غندر يظن أن غندر شخص، وأن محمد بن جعفر شخص آخر.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج الواسطي، الثقة، الثبت، المحدث، الناقد، إمام في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سليمان].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، لقبه الأعمش، ويأتي ذكره باسمه أحياناً كما هو هنا، ويأتي ذكره بلقبه في بعض الأحيان، والحديث هذا سبق أن مر قريباً، وجاء فيه ذكره بلقبه، وهنا جاء ذكره باسمه، وقد مر ذكره بلقبه. وسليمان بن مهران الكاهلي ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمارة بن عمير].وهو عمارة بن عمير، وهو أيضاً ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي معمر].وهو عبد الله بن سخبرة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي مسعود].وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، صحابي جليل، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والحديث سبق أن مر ذكره قريباً.
كم مرة يقول: استووا
شرح حديث: (إن النبي كان يقول: استووا استووا استووا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم مرة يقول: استوواأخبرنا أبو بكر بن نافع حدثنا بهز بن أسد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: استووا، استووا، استووا؛ فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي)].إن النسائي أورد هذه الترجمة، يعني: كم مرة يقول: استووا، وأورد فيه حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: استووا، استووا، استووا)، وهذا مطابق لما جاء عنه: ( أنه كان إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم )، فهذا فيه تكرار هذه الكلمة -التي هي استووا- ثلاث مرات، فيكررها ثلاث مرات، (استووا، استووا، استووا؛ فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من وراء ظهري كما أراكم من بين يدي)، وهذا فيه تنبيههم إلى أن حصول اختلافهم أنه يطلع عليه، وأنه يراه، أي: إذا حصل منهم عدم استواء، وعدم تقارب فإنه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من أمامه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.الحاصل أن ما ترجم له النسائي -وهو: كم مرة يقول: استووا- أورد الحديث الذي فيه يقول: استووا ثلاث مرات، وهو كما قلت: مطابق لما عرف عنه من تكراره الكلمة ثلاث مرات لتفهم ولتعلم، وقوله: (فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم من أمامي)، اختلف العلماء في معناه على أقوال عديدة، ومما قيل فيها: إن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى يطلعه على ما لم يطلع عليه غيره، ولهذا أورد البخاري الحديث الذي فيه هذه اللفظة في معجزاته وفي علامات النبوة؛ للدلالة على أن هذه من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكيفية ذلك؟ الله تعالى أعلم بالواقع، ومن العلماء من قال: أن الرؤية تحصل بعينه، ومنهم من قال: إنه ينطبع في الجدار صورهم، ومنهم من قال: أنه يكون له عينان من ورائه، أقوال متعددة قيلت في ذلك، ولكن الشيء الواضح البين أن الله تعالى أطلعه، وخصه بما لم يخص به غيره، من اطلاعه ومشاهدته ورؤيته لما يحصل وراءه عليه الصلاة والسلام من الخلل ومن عدم تسوية الصفوف، وقوله هذا فيه بيان لهم بأنهم إذا لم يحصل منهم الامتثال فإنه يراهم ويطلع على ما يحصل منهم من التقصير وعدم تسوية الصفوف.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان يقول: استووا استووا استووا...)
قوله: [أخبرنا أبو بكر بن نافع].أبو بكر بن نافع، وهو: محمد بن أحمد، مشهور بكنيته، وهو صدوق، خرج له مسلم والترمذي، والنسائي.[حدثنا بهز بن أسد].وهو بهز بن أسد العمي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد بن سلمة].وهو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت البناني، وهنا يروي عن ثابت البناني، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ثابت].وهو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو من المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو صحابي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين منذ قدم المدينة، وقد عمر طويلاً.
الأسئلة
الحديث الضعيف الذي لا يعمل به
السؤال: يا شيخ! اشرح لنا متى يكون الحديث ضعيفاً لا يعمل به؟الجواب: الحديث الضعيف الذي لا يعمل به: هو الحديث الذي لا ينجبر ولا يعتضد بغيره؛ لأن من الضعف ما هو يسير فيمكن أن يعضد بما هو مثله أو أحسن منه، لكن إذا كان الضعف شديداً فإنه لا يثبت به حكم ولا يعول على ما فيه؛ لأن فيه من وصف بأنه متروك أو فاحش الغلط أو ما إلى ذلك من الصفات التي يرد حديث من جاءت عن طريقه، أما إذا كان الضعف يسيراً؛ بأن يكون عنده شيء من سوء الحفظ، فيأتي ما يجبره ويعضده ويآزره، فعند ذلك يرتفع من كونه متوقفاً فيه إلى كونه معمولاً به، وهو الذي يقال له: الحسن لغيره، أي: هو الحديث الذي يتوقف فيه، فلا يجزم بضعفه؛ لأن ضعفه يسير، أو الكلام الذي فيه يسير، أو معه سوء حفظ، لكن إذا وجد ما يسانده ويؤيده فيرتفع من كونه متوقفاً فيه إلى كونه حسناً، لكن حسنه لغيره لا لذاته.
اشتراط الجمع بين القول والفعل في تسوية الصفوف للإمام
السؤال: هل يشترط على الإمام الجمع بين القول والفعل في تسوية الصفوف؟الجواب: لا يشترط، أو ليس بلازم الجمع بينهما، بل إن جمع بينهما فحسن، وإن أتى باللفظ الذي هو ثابت أو ما يؤدي ذلك، مثلما جاء في بعض الآثار: (سووا صفوفكم، وتراصوا فيها)، يعني: جاء بألفاظ ستأتي، فإذا حصل الكلام الذي يؤدي هذا المعنى حصل به المقصود، وإذا جمع بينهما فهو أحسن.
إرسال الإمام شخصاً يسوي الصفوف
السؤال: هل ثبتت السنة إرسال الإمام بعض المصلين لتسوية الصفوف؟الجواب: أقول: لا أعلم في هذا شيئاً، لا علم لي.
الحكم بالكفر على الشخص بمجرد فعله لعمل كفري
السؤال: هل الإنسان بمجرد عمله لعمل من أعمال الكفر يخرجه من الملة؟الجواب: الإنسان إذا أتى بما يكفر وبما هو كفر أو واضح أنه كفر يكون كفراً بعد أن يبين له أو ينبه؛ لأنه قد يكون سبق لسان، أو قد يكون من غير قصد؛ فقد يحصل منه سبق لسان، وسبق اللسان كما هو معلوم لا يترتب عليه حكم، مثل قصة الرجل الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، فهذا سبق لسان، فمثل هذا ما يضره ولا يؤثر عليه، وإنما الذي يضر ويؤثر أن يعرض هذا بقلبه، ويعقد عليه بقلبه، ويكون قاصداً إياه، وليس سبق لسان وليس خطأً.
دخول مكة بدون إحرام
السؤال: أنا رجل من المدينة أريد أن أذهب إلى مكة وأدخلها بدون إحرام هل علي إثم أم لا؟الجواب: إذا كان لا يريد عمرة ولا حجاً فيدخلها بدون إحرام؛ لأن دخول مكة يجوز أن يكون بدون إحرام إذا ما أراد حجاً ولا عمرة؛ لأنه ليس من شرط دخول مكة أن يكون الإنسان محرماً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر المواقيت، قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد حجاً أو عمرة).
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:33 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(150)
- (باب حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها) إلى (باب الصف المؤخر)
ينبغي على الإمام أن يحرص على تراص الصفوف والعناية بتسويتها، وفضل الصف الأول أكثر من فضل الصف الثاني، فينبغي للمسلم أن يبادر ويبكر لإدراك الصف المقدم؛ فإن خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها.
حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها
شرح حديث أنس: (أقبل علينا رسول الله... فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينهاأخبرنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه حين قام إلى الصلاة قبل أن يكبر، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري)].يقول النسائي رحمه الله: حث الإمام على رص الصفوف والمقاربة بينها.المقصود من هذه الترجمة: أن الإمام قبل أن يدخل في الصلاة يدعو المأمومين إلى التراص وإلى التقارب بين الصفوف، بحيث يكون بعضها قريب من بعض، وكذلك بالنسبة للصفوف؛ كل صف يسوى بأن يكون على سمت واحد لا اعوجاج فيه، ولا تقدم ولا تأخر، ولا فجوات أو خلل يكون بين الصفوف، وإنما يكون هناك التراص والتقارب، بحيث يتصل المنكب بالمنكب، والركبة بالركبة، والقدم بالقدم، وأن يقارب بين الصفوف؛ فلا يكون الصف بعيداً عن الصف، وإنما يكون كل صف قريباً من الذي قبله.وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل عليهم بوجهه)، أي: قبل أن يدخل في الصلاة يتجه إليهم، ويقول: (أقيموا صفوفكم وتراصوا)، فقوله: أقيموا صفوفكم هو تسويتها وإقامتها، إقامتها تسويتها: (لتقيمن صفوفكم)، أي: لستوون صفوفكم، ثم قال: (وتراصوا فيها)، يعني: مع كونها تكون مستقيمة على سمت واحد، لابد أيضاً من التراص، والتقارب، حتى لا يكون هناك فجوات، ثم أيضاً تتقارب الصفوف، ولا ينأى بعضها عن بعض، وهي كون بعضها بعيداً عن بعض.ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فإني أراكم من وراء ظهري)، وهذا سبق أن مر في الدرس الفائت في حديث أنس: (فإني أراكم من وراء ظهري كما أراكم بين يدي)، وهذه معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها خاصة بالصلاة، أي: ليس هناك شيء يدل على أن ذلك يحصل للرسول عليه الصلاة والسلام في غير الصلاة، وإنما جاء في الحديث حصوله له صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فهو من معجزاته، ولهذا أورده البخاري رحمه الله في علامات النبوة، علامات نبوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (أقبل علينا رسول الله... فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، خرج له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.[عن إسماعيل].وهو ابن جعفر، وهو ثقة ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد سبق أن مر إسناد مثل هذا الإسناد.وكنت ذكرت فيما مضى أنه إسماعيل بن علية، وإسماعيل بن علية من شيوخ علي بن حجر، لكن في هذا الإسناد وفي الإسناد الذي معنا هو: إسماعيل بن جعفر، وقد ذكر هذا المزي وسماه في تحفة الأشراف، يعني: في الإسنادين هو إسماعيل بن جعفر، وليس إسماعيل بن علية، فيشطب على ابن علية هناك، ويكتب مكانه: ابن جعفر.وإسماعيل بن جعفر ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكذلك إسماعيل بن علية ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا أنه في هذا الإسناد، يعني: شيخ علي بن حجر في هذا الإسناد هو إسماعيل بن جعفر، كما ذكر ذلك المزي في تحفة الأشراف.[عن حميد].وهو ابن أبي حميد الطويل وهو ثقة، مدلس، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وذكر في ترجمته: أنه توفي وهو قائم في الصلاة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل، وعمر طويلاً حتى أدركه صغار التابعين ورووا عنه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـأنس رضي الله تعالى عنه أحد هؤلاء السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، التي يكون فيها بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص؛ لأنه ليس عنده ثلاثيات، وقد ذكرت فيما مضى أن أصحاب الكتب الستة، ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة ليس عندهم ثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين أعلى ما عندهم الرباعيات: مسلم، وأبو داود، والنسائي، هؤلاء ليس عندهم ثلاثيات، أعلى ما عندهم الرباعيات، أما البخاري فعنده: اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده: حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده: خمسة أحاديث ثلاثية كلها بإسناد واحد، أي: الخمسة الثلاثية عند ابن ماجه إسنادها واحد.
شرح حديث: (راصوا صفوفكم... فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف)
[أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا أبو هشام حدثنا أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (راصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف)].أورد النسائي حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فيقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (تراصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق)، فقوله: (حاذوا بالأعناق)، يدل على المساواة، وأنها على سمت واحد، لا تقدم ولا تأخر، فقوله: (راصوا)، يدل على التقارب بين كل شخص وغيره، ويكون هذا إلى جهة الإمام، بحيث أن الصف تسد فيه الفجوات إلى جهة الإمام، وإذا كان هناك فجوة يقرب إلى جهة الإمام، ثم كل واحد يتبع الذي يليه، إلى جهة الإمام؛ فإن كان الإمام من جهة اليسار -بأن كان في ميامن الصف- فكل واحد يقرب إلى أخيه من جهة يساره إلى جهة الإمام، وإن كان عن يسار الإمام -أي: في أيسر الصف- فإنه يقرب إلى جهة اليمين.فالمحاذاة بين الأعناق فيها: أنهم على سمت واحد، ما في تقدم ولا تأخر، والتراص: على أن ما فيه فجوات، والمقاربة بين الصفوف، معناه: كل صف يكون قريباً من الآخر، ما يكون هناك مسافة كبيرة بين الصف والصف، وإنما يكون كل صف قريباً من الآخر.وقوله: (إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف)، والمقصود من ذلك: إذا كان هناك فجوات وليس هناك تراص، معناه يكون هناك فرج للشياطين، وتدخل الشياطين من بين الأفراد المتباعد بعضهم عن بعض، وإذا حصل التراص والتقارب لا يحصل هذا للشياطين، وقوله: (كأنها الحذف)، المقصود بها: أولاد الغنم الصغار، يعني: تشبهها، وهذا فيه معجزة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أو من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام كونه يرى الشياطين تدخل من الصفوف، أو بين الصفوف، أو في الصف، إذا كان هناك فجوات، فكأنها الحذف التي هي أولاد الغنم الصغار، والتقارب بين الصفوف يكون فيه عدم حصول هذا من الشياطين، التي تدخل بين الصفوف، ثم أيضاً: يحصل مع ذلك تفاوت القلوب، وتنافر القلوب، الذي أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم)، (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم).
تراجم رجال إسناد حديث: (راصوا صفوفكم ... فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشياطين تدخل من خلل الصف)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي ولم يخرج له مسلم، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه.[حدثنا أبو هشام].وهو المغيرة بن سلمة المخزومي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، أي: لم يخرج له الترمذي، ولم يخرج له البخاري في الأصول، وإنما خرج له تعليقاً.[حدثنا أبان].وهو ابن يزيد العطار، وهو ثقة، له أفراد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[حدثنا قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره.
شرح حديث: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ...)
[أخبرنا قتيبة حدثنا الفضيل بن عياض عن الأعمش عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصف الأول، ثم يتراصون في الصف)].أورد النسائي حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج عليهم فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصف الأول، ثم يتراصون في الصف).قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟)، أي: كونه يأتي بما يريد أن يعلمهم إياه بهذه الصيغة التي هي الاستفهام، والتي هي العرض، هذا يجعلهم يستعدون ويتهيئون ويتشوقون إلى معرفة ذلك، ولهذا قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ فقال: (يتمون الصف الأول، ثم يتراصون في الصف)، فمثل هذا التعبير فيه لفت الأنظار وحث الهمم، وجعل النفوس تتطلع وتتشوف إلى ذلك الشيء الذي مهد له بهذا التمهيد، وقدم له بهذا التقديم: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم).وهذا أيضاً: هذا يدل على أن الملائكة تصف عند الله عز وجل، وأنهم يكونون على هذه الهيئة التي وصفها رسول الله، أنهم يتراصون في الصفوف، وقد جاء في الحديث عند ابن ماجه قال: (يتمون الصف الأول، ثم يتراصون في الصف).وهنا قال: (يتمون الصف الأول)، وعند أبي داود: (ثم يتراصون في الصف)، ويحتمل أن يكون المقصود بقوله: الصف الأول، المراد به: الجنس، يعني: التي هي الصفوف الأول، كما جاء عند أبي داود وعند ابن ماجه، ويحتمل أن يكون المقصود بذلك: أن الصف الأول هو الذي يبادر إليه، وهو الذي يتم قبل أن يبدأ بغيره، كما جاء في بعض الأحاديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإتمام الصف الأول، ثم الذي يليه)، وإن كان شيء نقص، فإنه يكون في المؤخر، وسيأتي هذا الحديث؛ أنه يتم الصف الأول، ثم الذي يليه، وإن كان نقصاً، فإنه يكون في المؤخر.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:38 AM
تراجم رجال إسناد حديث: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر من الرواية عنهم، وكثيراً ما يأتي ذكر قتيبة في سنن النسائي، بل أول حديث في سنن النسائي هو من رواية شيخه قتيبة .[حدثنا الفضيل بن عياض].وهو الفضيل بن عياض، وهو ثقة، فاضل، زاهد، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن المسيب بن رافع].وهو المسيب بن رافع، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن تميم بن طرفة].وهو تميم بن طرفة، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، أي: لم يخرج له الترمذي ولا البخاري .[عن جابر بن سمرة].وهو جابر بن سمرة، صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
فضل الصف الأول على الثاني
شرح حديث: (كان رسول الله يصلي على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثاني واحدة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل الصف الأول على الثانيأخبرني يحيى بن عثمان الحمصي حدثنا بقية عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثاني واحدة)].أورد النسائي: فضل الصف الأول على الثاني، وأورد فيه حديث العرباض بن سارية: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني مرة واحدة)، وجاء في سنن ابن ماجه: (كان يستغفر للصف الأول ثلاثاً، وللثاني مرة واحدة)، وهذا يدل على فضل الصف الأول على الذي يليه، وأن ذلك يقتضي الحرص عليه، وقد جاء في ذلك أحاديث أخرى، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف الرجال أولها)، وقوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).وهنا يدل هذا الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصف الأول ثلاثاً وللثاني واحدة على فضله، وهذا من جنس ما جاء في المحلقين والمقصرين عند الفراغ من النسك، فالرسول دعا للمحلقين ثلاث مرات، وللمقصرين مرة واحدة؛ وذلك دال على تفضيل الحلق على التقصير، وهذا دال على تفضيل الصف الأول على الذي يليه، حيث دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحاب الصف الأول ثلاث مرات؛ وما ذاك إلا لأن أصحاب الصف الأول يأتون مبكرين، ويكون مكثهم في المسجد أكثر، ويكونون قريبين من الإمام، وكل هذه ميزات ظفروا بها، ومما حصل لهم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، والذي عند النسائي: (يصلي) بمعنى: يدعو؛ لأن الصلاة معناها الدعاء، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، أي: ادع لهم؛ فإن الصلاة هنا المراد بها الدعاء، والحديث عند ابن ماجه فيه ذكر الاستغفار وهو الدعاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يصلي على الصف الأول ثلاثاً وعلى الثاني واحدة)
قوله: [أخبرني يحيى بن عثمان الحمصي].وهو يحيى بن عثمان الحمصي، وهو صدوق، عابد، خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه.[حدثنا بقية].وهو ابن الوليد الحمصي أيضاً، وهو صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، وقد خرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن بحير بن سعد].وهو بحير بن سعد، وفي بعض النسخ: سعيد، وبحير بن سعد ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، والأربعة، وهو حمصي أيضاً. [عن خالد بن معدان].وهو خالد بن معدان، وهو أيضاً حمصي، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن جبير بن نفير].وهو جبير بن نفير، وهو أيضاً حمصي، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن العرباض بن سارية].وهو العرباض بن سارية، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب السنن الأربعة، وقد سكن حمصاً، فعلى هذا يكون الإسناد مسلسل بالحمصيين؛ لأن كل رجاله من أهل حمص، يحيى بن عثمان الحمصي، وبقية بن الوليد الحمصي، وبحير بن سعد الحمصي، وخالد بن معدان الحمصي، وجبير بن نفير الحمصي، والعرباض بن سارية الذي سكن حمص.
الصف المؤخر
شرح حديث: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه وإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصف المؤخرأخبرنا إسماعيل بن مسعود عن خالد حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الصف المؤخر، الذي هو آخر الصفوف، الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها)، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر)، فالرسول عليه الصلاة والسلام يرشد إلى أن يتم الصف الأول، ولا يبدأ الصف الثاني إلا إذا تكامل الصف الأول، يعني: لا يجوز أنه يبدأ الصف الثاني والصف الأول في أطرافه فجوات، بل الواجب هو إكمال الصف الأول، ثم إذا امتلأ الصف الأول يبدأ الثاني، وإذا كمل الثاني ولم يبق فيه نقص يبدأ الثالث، وإن كان نقص فليكن في المؤخر، ما يكون نقص في الأول أو في الثاني أو في صفوف متقدمة، بل الواجب هو إتمام الصفوف الأول فالأول.
تراجم رجال إسناد حديث: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه وإن كان نقص فليكن في الصف المؤخر)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].التعبير بأخبرني وأخبرنا عند المحدثين المراد به: أن التلميذ إذا كان أخذ من الشيخ وحده، فإنه يعبر بأخبرني، وإذا أخذ ومعه غيره يعبر بـ(أخبرنا)، وقد يأتي ذكر (نا)، يعني: للإنسان إذا كان وحده، وإسماعيل بن مسعود ثقة، وخرج له النسائي وحده، وكنيته أبو مسعود، وهو بصري، وقد ذكرت فيما مضى: أن من أنواع علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة ذلك: أن لا يظن التصحيف فيما لو قيل: إسماعيل أبو مسعود، فإن من لا يعلم ذلك إذا وجد (أبو) بدل (ابن)، يقول: هذا تصحيف، يعني: صحفت (ابن) وصارت (أبو)، ومن يعلم ذلك يقول: لا تصحيف؛ لأنه ابن مسعود، وهو أيضاً أبو مسعود.[عن خالد].وهو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد].وهو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، وقيل: إنه من أثبت الناس في حديث قتادة، وهو هنا يروي عن قتادة، وحديث سعيد بن أبي عروبة عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر قريباً.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذكره قريباً.
الأسئلة
حكم الصلاة خارج المسجد إذا كان في المسجد متسع
السؤال: ما حكم الصلاة خارج المسجد مع وجود متسع في المسجد، وهل يحكم بالبطلان؟الجواب: إذا كانت الصفوف متصلة أو متقاربة لا يحكم بالبطلان، لكن الواجب هو إتمام الصفوف الأول فالأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله).
إنشاء صف ثانٍ قبل إتمام الأول لا يجوز
السؤال: هل يجوز إنشاء صف ثاني قبل أن يتم الصف الأول؟الجواب: لا، لا يجوز؛ لأن هذا ينافي إقامة الصفوف، وينافي تسوية الصفوف، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر).
قطع النافلة من أجل صلاة الجنازة
السؤال: هل يجوز قطع صلاة النافلة ليصلي صلاة الجنازة؟الجواب: الذي يظهر هو الجواز؛ لأن هذه تفوت وفيها أجر عظيم، والنافلة يمكن تداركها، لكن إذا كان يمكنه أن يتمها خفيفة بحيث أنه ينادى على الجنازة ثم يكون هناك وقت، مثلما يكون في المسجد الحرام عندما ينادى للجنازة، يأخذون مدة طويلة متى يأتوا بها؛ لأنهم يأتون بها من مكان ما هو قريب من الإمام، فإذا علم الإنسان بأن هناك وقت قبل الدخول في الصلاة فإنه يتم صلاة النافلة، لكن إذا كان اشتغاله في النافلة سيفوت عليه هذا الفضل العظيم الذي يكون في صلاة الجنازة، فيجوز له أن يقطعها ثم يصلي بعد ذلك النافلة.
عمة والدة الرجل عمة له
السؤال: هل أكون محرماً لعمة والدتي؟الجواب: عمة والدتك عمة لك، فأنت محرم لها.
تحري النساء للصف الأخير إذا كان هناك حواجز
السؤال: هل الأفضل للنساء تحري الصف الأخير مع وجود حاجز بين الرجال والنساء في هذا المسجد؟الجواب: أي نعم، الأفضل أن النساء تكون في الآخر حتى ولو وجد حواجز؛ لأنه كما هو معلوم مع وجود صفوف النساء الكثيرة، معلوم أن الصف الآخر كما قال الرسول: (هو خيرها)، مع أن الصف الأول والصف الثاني والثالث.. صفوف النساء تعتبر حاجز لمن وراءهن، لكن كونها تكون في آخر الصفوف، هذا أفضل، وهذا خير كما قال عليه الصلاة والسلام: (وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها).
تفسير عبارة: (لفظي بالقرآن مخلوق)
السؤال: قرأت في رسالة ولم أستطع أن أصل من خلالها إلى القول الراجح في العبارة، العبارة تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟الجواب: كلمة: لفظي بالقرآن مخلوق، هذه فيها تفصيل، فهذا لفظ مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، فلا يجوز نفيها بإطلاق، ولا إثباتها بإطلاق؛ لأن كلمة: (لفظ) قد يراد بها الملفوظ وقد يراد بها اللفظ الذي هو الفعل، وفرق بين اللفظ والملفوظ؛ لأن اللفظ والملفوظ مثل القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، فالمتلو هو: كلام الله عز وجل، والمقروء هو: كلام الله عز وجل، والملفوظ هو: كلام الله عز وجل، وأما اللفظ، والتلاوة، والقراءة، فهي فعل القارئ، ولهذا يقولون: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري.فلما كان اللفظ محتملاً للفظ وللملفوظ فإنه لا يجوز الإثبات بإطلاق ولا النفي بإطلاق؛ لأنه لو أثبت بإطلاق وقال: إن لفظي بالقرآن مخلوق، يدخل تحته الملفوظ، فيحصل المحذور أن القرآن يكون مخلوق، وكذلك أيضاً النفي بإطلاق، قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، يعني: يدخل تحته التلاوة -التي هي فعل القارئ- وهي مخلوقة، فتكون غير مخلوقة، لكن إذا فصل وبين وقيل: إذا كان المراد الملفوظ، فهو غير مخلوق؛ لأنه كلام الله عز وجل، وإذا كان المراد الفعل الذي هي حركة القارئ، وفعل القارئ، وصوت القارئ، وعمل القارئ، فهذه مخلوقة؛ لأن أفعال العباد مخلوقة، ومن أفعالهم: قراءتهم.فالعبارة هذه كما قلت: لا تثبت بإطلاق، ولا تنفى بإطلاق؛ لأن إثباتها بإطلاق يقتضي إثبات باطل، وهو أن القرآن مخلوق، ونفيها بإطلاق يقتضي إثبات باطل، وهو أن المخلوق يكون غير مخلوق، وهو فعل القارئ التي هي قراءته، يعني: معناه تكون غير مخلوقة وهي مخلوقة، لكن إذا قيل: إن هذا اللفظ يحتمل كذا ويحتمل كذا، وهذا يكون غير مخلوق، وهذا غير مخلوق، فهذا الذي فيه السلامة.
كيفية قطع الصلاة عند إرادة الخروج منها
السؤال: كيف يكون قطع الصلاة، أبسلام أم بدونه؟الجواب: قطع الصلاة يكون بدون سلام؛ لأن السلام هو نهاية الصلاة وختام الصلاة، فالصلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
مسألة إقامة الخطوط في المسجد
السؤال: هل إقامة خطوط في المساجد لكي يقوم الناس على هذا الخط حتى لا يختلفوا هل هذه الخطوط بدعة أم لا؟الجواب: ما نعلم هناك شيء يدل على أنه يخط الخط والناس يقفون عليه، لكن إذا وجد مثلاً في مثل هذه الفرش التي فيها خطوط، موجودة فيها عند صناعتها لا بأس بذلك؛ لأن هذه تعين، لكن كون الناس يخطون خطوط في الأرض إذا كانت الأرض ترابية، فما عندي علم أن فيه شيئاً يدل على هذا.
حكم بيع الطيب للنساء
السؤال: ما حكم بيع الطيب للنساء؟ حيث النساء كثر تبرجهن واستعمال الطيب عند الخروج؟الجواب: بيع الطيب سائغ للرجال والنساء، لكن لا تستعمله المرأة أو تجربه؛ لأن مثل هذا يقتضي أنها تتطيب، والرسول قال: (إنه إذا خرجت متعطرة تلعنها الملائكة)، يعني: ورد فيه وعيد، فإذا أشترت قارورة فيها طيب، ما في بأس، مثلما تشتري غيرها، لكن لا تتطيب؛ لأنها إذا تطيبت معناه أنها تنزل الشارع مطيبة.
معنى حديث: (المدينة حرام من عير إلى ثور)
السؤال: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (المدينة حرام من عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)؟الشيخ: معنى الحديث واضح، قوله: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور)، يعني: لا يصاد صيدها، ولا يقطع شجرها، وعير معروف عند أبيار علي، وثور هو وراء جبل أحد، وقوله: (ومن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) يدل على خطورة الإحداث في هذه المدينة المباركة، والإحداث هو عام، ويدخل فيه المعاصي، ومن المعلوم أن المعصية في الحرم ليست كالمعصية في غيره؛ ومن يعص الله في حرم الله فليس كمن يعصيه وهو في بلاد نائية، ومن يعص الله حول الكعبة ليس كالذي يعصيه وهو بعيد عن الكعبة.
الذهاب مع بنت بنت الزوجة للعمرة كمحرم
السؤال: حكم الذهاب مع بنت بنت الزوجة للعمرة؟الجواب: نعم، بنت الربيبة ربيبة، بل بنت الربيب ربيبة أيضاً، يعني: بنت ولد الزوجة، يعني: يكون زوجها محرم لبنت ولدها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن)، ومن المعلوم: أن بنت بنتها بنت لها، وبنت ابنها بنت لها، فكلها داخلة تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تعرضن علي بناتكن)، أي: لزوجاته، فبنت البنت ربيبة، وبنت الربيبة ربيبة، وبنت الربيب ربيبة أيضاً، فهو محرم لها إذا كان دخل بأمها، أما إذا كان عقد عليها ولم يدخل فإنه لا يكون محرماً لها؛ لأن الله يقول: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23].
حكم الطيب الذي فيه كحول
السؤال: ما حكم استعمال الكحول في العطر وغيره؟الجواب: الكحول أو هذا النوع من الطيب الذي يسمونه الكلونيا، بعض المشايخ في هذا العصر يحرمونه ويمنعون استعماله، ومنهم شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه، وبعضهم لا يرى بذلك بأساً؛ لكن مادام -الحمد لله- أن الطيب كثير، فالإنسان يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه، (دع ما يربيك إلى ما لا يربيك)، ويختار من الطيب الطيب الذي لا محذور فيه ولا شبهة فيه.
قطع صلاة النافلة عند إقامة الفريضة
السؤال: دخلت صلاة النافلة ثم أقيمت الصلاة، هل يقطع للصلاة أم لا؟الجواب: إذا كان في أولها فإنه يقطعها.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 06:42 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(151)
- (باب من وصل صفاً) إلى (باب المكان الذي يستحب من الصف)
الصلاة من أعظم العبادات التي لها دلالات تربوية في حياة المسلم؛ ففيها الأمر بالتسوية والاعتدال وعدم الاختلاف وإتمام الصف وتسويته، ليسود هذا النظام شتى مجالات الحياة. ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على المسابقة إليها، وذكر أن خير صفوف الرجال أولها لما لها من فضل السبق، وشرها آخرها لقربها من النساء والفتنة، وكذلك صفوف النساء خيرها ما كان بعيداً عن الفتنة. كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بين السواري، وحث على الصلاة في ميامن الصفوف.
من وصل صفاً
شرح حديث: (من وصل صفاً وصله الله ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [من وصل صفاً:أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله عز وجل)].يقول النسائي رحمه الله: باب: من وصل صفاً، أي: ثوابه وجزاؤه، وأن له أجر عظيم عند الله عز وجل، وقد أورد النسائي في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله عز وجل)، والحديث يدل على فضل وصل الصفوف، وعلى عظم الأجر في ذلك، ويدل أيضاً على الوجوب؛ لأن وصل الصفوف واجب، واتصالها والتراص فيها، وتقاربها؛ تقارب المأمومين بعضهم من بعض، هذا مما جاءت فيه السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر بنا جملة من الأحاديث المتعلقة بذلك، وفيها الوعيد بأن يحصل لمن لم يحصل منه ذلك المخالفة بين القلوب؛ لأنه قال: (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي بعض الروايات: (قلوبكم)، وجاء: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وهنا يقول: (من وصل صفاً وصله الله)، ففيه: الترغيب والحث على وصل الصفوف، وبيان أن فيه الأجر العظيم من الله عز وجل.وفي هذا دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن من وصل وصله الله، ويقابل ذلك: من قطع قطعه الله، فهذا ترغيب، وهذا ترهيب، وفي الحديث الجمع بين الترغيب والترهيب، وكثيراً ما يأتي في الكتاب والسنة الجمع بين الترغيب والترهيب، يرغب في الخير، ويرهب من الشر، يرغب في أمر من الأمور، ويرهب من خلافه، وقد اعتنى العلماء قديماً بجمع الأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، ومن أحسن ما كتب فيها وأجمعه كتاب: الترغيب والترهيب للمنذري، الذي يجمع مثل هذه الأحاديث التي فيها ترغيب في شيء، وتحذير من شيء، والحديث جمع فيه بين الترغيب والترهيب، ترغيب في وصل الصفوف، وترهيب من قطع الصفوف، والحديث كما ذكرت: فيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الحديث: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، وقد جاء في أحاديث كثيرة مثل هذا المعنى الذي هو ذكر الجزاء من جنس العمل؛ وذلك مثل قوله: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فتلك الجزاء فيها من جنس العمل، وكثيراً ما تأتي النصوص من هذا القبيل، فيها بيان أن الجزاء من جنس العمل، وقطع الصفوف يكون بالجلوس فيها بدون صلاة، بأن يجلس بين الصف، فيكون الصف مقطوعاً وهو جالس فيه لا يصلي، فإن هذا داخل في قطع الصفوف، ويدخل في ذلك أيضاً كونه يحول دون أحد أن يصل الصف، وأن يمنعه من ذلك، فإن هذا أيضاً فيه قطع للصفوف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من قطع صفاً قطعه الله).
تراجم رجال إسناد حديث: (من وصل صفاً وصله الله ...)
قوله: [أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود].وهو عيسى بن إبراهيم بن مثرود، وهو المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [حدثنا عبد الله بن وهب].وهو عبد الله بن وهب، وهو المصري، وهو: ثقة، ثبت، محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن معاوية بن صالح].وهو معاوية بن صالح بن حدير الدمشقي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي الزاهرية].وهو حدير بن كريب الحمصي، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا الترمذي في الجامع.[عن كثير بن مرة].وهو كثير بن مرة الحمصي، وهو: ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن عمر].وهو عبد الله بن عمر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، صحابة أبناء صحابة، وهم من صغار الصحابة، ابن عمر يوم أحد عمره أربع عشرة سنة، وابن عباس في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وابن الزبير ولد في أول الهجرة، وهو أول مولود ولد بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولدته أمه وهي في قباء قبل أن يصلوا إلى المدينة، من حين ما وصلوا إلى قباء، وعبد الله بن عمرو أيضاً كذلك هو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهؤلاء الأربعة الذين من صغار الصحابة -وهم العبادلة- في سن متقارب، وأدركهم الكثير من التابعين ورووا عنهم، وليس فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأن عبد الله بن مسعود متقدم الوفاة، توفي سنة: (32هـ)، وهو من كبار الصحابة، وليس من صغارهم، وهو من المهاجرين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وعبد الله بن عمر أحد السبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين تميزوا على غيرهم بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال
شرح حديث: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ذكر خير صفوف النساء، وخير صفوف الرجال.فأورد النسائي حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، وهذا الحديث يدل على هذا التفاوت بالنسبة للرجال مطلقاً، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، فخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، وأما النساء فإن خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها فيما إذا كن مع الرجال، أما لو كن وحدهن فالذي يظهر أن خير صفوفهن أولها، وإنما هذه الخيرية بالنسبة للآخر إذا كن مع الرجال؛ وذلك ليكن بعيدات، وليكن حذرات من أن يقعن، بأن يحصل منهن الفتنة لهن أو لغيرهن، يعني: يفتتن بالقرب من الرجال، وأيضاً كذلك الرجال يفتتنون بهن، فهذه الخيرية لصفوف النساء فيما إذا كن مع الرجال، أما الرجال فإنهم مطلقاً، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، وإنما كان خير صفوف الرجال أولها؛ لأن الصف الأول فيه التبكير إلى الصلاة، التبكير للمسجد، والإنسان إذا دخل المسجد وجلس فيه، فهو في صلاة مادام ينتظر الصلاة، ثم أيضاً القرب من الإمام، وتحصيل فضل الصف الأول الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).ثم أيضاً فيه: القرب من الإمام وسماع قراءته، لا سيما في الأماكن التي لا يوجد فيها مكبرات صوت، تذهب وتصل إلى الصفوف كلها، ففيه ميزات يتميز بها على غيره، وشر صفوف الرجال آخرها وأقلها أجراً؛ وذلك أن من جاء إليها إنما جاء متأخراً، وقد فاته خير كثير، وإن كان هو على خير؛ لأنه جاء لصلاة الجماعة، وأدرك صلاة الجماعة، لكن فاته ما حصله الذين بادروا، وحصل منهم السبق إلى الإتيان إلى المساجد، وتحصيل الصفوف الأول الأول فالذي يليه؛ لأن كل صف فهو أفضل من الذي يليه، وأعظم أجراً، وآخر الصفوف أصحابها أقل المصلين أجراً؛ وذلك لتأخرهم؛ ولأنه لم يحصل منهم ما حصل ممن بادروا، فجلسوا ينتظرون الصلاة، وهم على خير، وكذلك أيضاً قربوا من الإمام.ثم أيضاً كلمة: (خير) و(شر) في الحديث، هما أفعل تفضيل، حذفت منهما الهمزة، وتحذف الهمزة في هذين الاثنين -يعني: هذين اللفظين- فيقال: خير وشر، كما في هذا الحديث، ويأتي هذان اللفظان باسمين، وليس أفعل تفضيل، متقابلان، الشر والخير، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، فإن هذان اسمان متقابلان ليس أفعل تفضيل، ولكن هنا: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، هذان أفعل تفضيل حذفت منهما الهمزة، وقد جمع بين هذين اللفظين، أو هذين المعنيين الذي هو أفعل تفضيل، واسم بمعنى يقابل الشر، في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70] (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا)، هي بمعنى مقابل الشر، خير اسم، (يُؤْتِكُمْ خَيْرًا)، يعني: أفضل مما فاتكم، ومما أخذ منكم.والحديث فيه الجمع بين الترغيب والترهيب، كالذي تقدم: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، ففيه: ترغيب في أول الصفوف، وتحذير من التأخر حتى لا يكون له إلا أن يكون في آخرها، وكذلك بالنسبة للنساء مع الرجال ترغيبهن في أن يكن في آخر الصفوف، وترهيبهن أو تحذيرهن من أن يكن في أول الصفوف؛ لما في ذلك من القرب من الرجال، والتعرض للفتنة في أنفسهن، وكذلك فتنتهن لغيرهن.ومن المعلوم: أن المرأة كلما كانت حذرة، بعيدة من أن تعرض نفسها للفتنة، أو تعرض غيرها للفتنة، أن ذلك خير لها ولغيرها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).إذا كان هذا الحديث فيه: الإرشاد للذين يأتون إلى المساجد من الرجال والنساء، على أن يكون الرجال بعيدين عن النساء، والنساء بعيدات عن الرجال، مع أن الغالب أن الذين يأتون إلى المساجد فيهم خير، ومع ذلك حصل التنبيه والإرشاد إلى التباعد بعضهم من بعض، فمن باب أولى أن يكون ذلك في غير المساجد، يعني: من حيث بعد الرجال عن النساء، وبعد النساء عن الرجال، والحذر من الاختلاط الذي يؤدي إلى الفتن، ويؤدي إلى الفواحش، ويؤدي إلى فساد الأنساب، ويؤدي إلى أمور كثيرة وخطيرة، فالواجب هو الحذر، والأخذ بما جاءت به التعاليم الشرعية عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو: ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو: محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا النادر القليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وقد ذكرت مراراً: أن عدم الإخراج لشخص أنه لا يدل على تضعيفه، ولا على الكلام فيه؛ لأن من الثقات الكثير والكثير ممن لم يخرج له البخاري، ومسلم، وليس معنى ذلك أن ذلك لقدح فيهم، وإنما البخاري، ومسلم لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، ولم يلتزما الإخراج لكل ثقة، ولو التزما أن يخرجا كل حديث صحيح، لأتيا على الكثير من الثقات، لكنهما ما التزما أن يخرجا كل صحيح، وكذلك أيضاً لم يلتزما أن يخرجا لكل ثقة، فكم من ثقة هو في الجلالة والعظمة وقوة الحفظ والإتقان، ومع ذلك ليس موجوداً في الصحيحين، وذكرت أن من هؤلاء: أبو عبيد القاسم بن سلام، هذا إمام، محدث، مصنف؛ له مصنفات، ومع ذلك ما خرج له في الكتب الستة؛ لأن أصحاب الصحيح لم يقصدوا الاستيعاب للأحاديث الصحيحة، ولا الرواية أو التخريج عن كل ثقة، ولذلك لا يعني أن عدم تخريجه له أن فيه شيء، لا، أبداً، كم من ثقة لم يخرج له في الكتب، بل لم يخرج له البخاري، ومسلم في كتابيهما، وما أكثرهم، وذكرت أن أبا عبيد القاسم بن سلام جاء ذكره في البخاري في تفسير بعض الكلمات الغريبة، ولم يأتِ ذكره في الأسانيد.[أخبرنا جرير].وهو ابن عبد الحميد الكوفي، وهو: ثقة، صحيح الكتاب، وتغير حفظه بآخره، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سهيل].وهو سهيل بن أبي صالح، وأبوه أبو صالح مشهور بكنيته، وهو: ذكوان السمان، سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، وهو: صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أن البخاري خرج له مقروناً، وتعليقاً، وخرج له حديثاً واحداً في الجهاد مقروناً بغيره، يعني: ليس مستقلاً، قرنه بآخر، وخرج له تعليقاً، وأورد له حديثاً جاء في صحيح مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأورده في ترجمة باب، أي: جعله البخاري ترجمة باب؛ لأن سهيلاً ليس على شرط البخاري، فمن أجل ذلك أورد الحديث في ترجمة، فقال: باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)، ثم أورد تحته حديث جرير بن عبد الله الذي هو دال على معناه: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح، لكل مسلم)، والإتيان به في الترجمة يدل على أنه صالح للاحتجاج، ولكنه لم يذكره في الصحيح؛ لأن سهيلاً ليس على شرطه. ورمز له الحافظ ابن حجر بالجماعة، لكن إخراج البخاري له مقرون.[عن أبيه].وهو أبو صالح ذكوان السمان، ويقال له: الزيات، يعني: أنه كان يجلب الزيت، فقيل له: الزيات، ويقال له: السمان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر الصحابة على الإطلاق.
الصف بين السواري
شرح حديث أنس: (في ترك الصف بين السواري)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصف بين السواري.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يحيى بن هانئ عن عبد الحميد بن محمود، أنه قال: (كنا مع أنس رضي الله عنه، فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعونا حتى قمنا وصلينا بين الساريتين، فجعل أنس يتأخر، وقال: قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الصف بين السواري، يعني: المنع من ذلك، وترك ذلك؛ وذلك لأنها تقطع الصفوف؛ لأن سواري الصف يكون فيه قطع للصفوف، وهذا بالنسبة للمأمومين، أما كون الإنسان يصلي نافلة، فله أن يصلي بين السواري، لكن كونه يصلي إلى سترة، ويكون إلى عمود، هذا هو الذي ينبغي، وهو الأولى، لكن لو صلى بين عمودين نافلة، فإنه لا مانع من ذلك، وإنما المحذور هو في صلاة الجماعة، المأمومون يصلون بين السواري، معناه: يكون الصف الذي بين السواري متقطع، والسارية والعمود تقطع الصف، والسواري المتعددة تقطع الصف، فمن أجل ذلك جاء الرغبة عنها وتركها، وأنهم كانوا يتقون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام؛ لأنها تقطع الصفوف، والنصوص جاءت في وصل الصفوف، والحث عليها، والترغيب في ذلك، وهذا هو أحسن ما قيل في تعليل النهي عن الصف بين السواري، أي: بالنسبة للمأمومين، وأما بالنسبة للمنفرد، أو الذي يصلي نافلة، فلا بأس بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة صلى بين العمودين اليمانيين، لأنه كان يتنفل في الكعبة، فالمنع إنما هو في حق المأمومين، فإنهم لا يصلون بين السواري؛ وذلك لقطعها الصفوف.وقد أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه، عن عبد الحميد بن محمود أنه قال: (صلينا مع أنس بن مالك مع أمير من الأمراء فدفعونا)، يعني: من كثرة الزحام، وحصل دفع حتى صاروا بين عمودين، (فصار أنس يتأخر)، يعني: يتأخر عن أن يصلي بين العمودين، وقال: (كنا نتقي ذلك)، يعني: بعدما فرغ من الصلاة، قال: (كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: كنا نتجنب ذلك؛ الذي هو الصلاة بين السواري، وبين الأعمدة، والسبب في هذا كما هو واضح، هو كونها تقطع الصفوف.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في ترك الصف بين السواري
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو عمرو بن منصور، وهو النسائي، أي: من بلد النسائي، وهو: ثقة، ثبت، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا أبو نعيم].وهو الفضل بن دكين، شيخ البخاري، والنسائي يروي عنه بواسطة، وهو من كبار شيوخ البخاري، أبو نعيم الفضل بن دكين، مشهور بكنيته، ويماثله في الشهرة بـأبي نعيم شخص متأخر، مؤلف ومصنف صاحب الحلية وغيرها من الكتب المتوفى سنة: (430هـ)، صاحب حلية الأولياء وغيرها من الكتب، فذاك متأخر، وهو مشهور بكنيته، وأما هذا فشيخ البخاري، وهو متقدم، واسمه: الفضل بن دكين الكوفي الملائي، وهو ثقة، ثبت، وتكلم فيه من أجل التشيع، وقيل: إنه يتشيع، والحافظ لما ذكره في مقدمة الفتح؛ حين ذكر الذين تكلم فيهم في مقدمة الفتح، ودافع عنهم، وأجاب عن الكلام فيهم، وكان من جملة ما قاله في الجواب على أبي نعيم في مقدمة الفتح، أنه قال: تكلم فيه في التشيع، ثم قال: وقد ثبت عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية. ومن المعلوم: أن الرافضة من أسهل الأشياء عندهم سب معاوية، بل سب معاوية هو المدخل إلى سب أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن من اجترأ على معاوية اجترأ على غيره، وأبو نعيم -الذي قيل عنه: أنه يتشيع- كان يقول هذه الكلمة، وهذا يدل على سلامته من أن يكون في نفسه شيء على الصحابة، وإذا كان هذا كلامه في معاوية، إذاً: معناه أنه سليم؛ لأن الكلام في معاوية عند الرافضة من أسهل الأشياء، ومن أقرب الأشياء أن يتكلموا في معاوية، الذين لا يتكلمون في الشيخين، يتكلمون في معاوية، أو من الذين لا يتكلمون في الشيخين يتكلمون عن معاوية، وأما الرافضة فإنهم يتكلمون في الشيخين وفي غير الشيخين، يتكلمون في الشيخين أبي بكر، وعمر وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع، لكن سب معاوية، والقدح في معاوية، والكلام في معاوية، يتكلم فيه من لا يتكلم في الشيخين. فلسانه نزيه، ونظيف من أن يتكلم في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بسوء، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن هانئ].وهو يحيى بن هانئ، وهو -أيضاً- ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن عبد الحميد بن محمود].وهو عبد الحميد بن محمود، هو: ثقة، وخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وليس له عندهم إلا هذا الحديث الواحد في الصف بين السواري، ليس له في الكتب الثلاثة التي هي: سنن النسائي، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، ليس فيها إلا هذا الحديث الواحد، وهو في الصف بين السواري، في قصة كونه مع أنس بن مالك يصلون مع أمير من الأمراء، وأنه حصل زحام، وأنهم دفعوا حتى كانوا بين ساريتين، فكان أنس يتأخر، ولما فرغ من الصلاة قال: كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: نتجنب الصف بين السواري.[عن أنس].وهو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكثر الله ولده، وأن يكثر ماله، وأن يطيل في عمره، وقد حصل له ذلك، وأدركه الكثير من التابعين، بل أدركه صغار التابعين، وروى عنه الكبار والمتوسطون، والصغار من التابعين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
المكان الذي يستحب من الصف
شرح حديث البراء بن عازب: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببت أن أكون عن يمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المكان الذي يستحب من الصف.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن مسعر عن ثابت بن عبيد عن ابن البراء عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببت أن أكون عن يمينه)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: المكان الذي يستحب من الصف، يعني: وهو أن يكون على يمين الإمام، يعني: ميامن الصفوف أفضل من مياسرها، وقد أورد النسائي فيه حديث: البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام أحببت أن أكون على يمينه)، يعني: في أيمن الصف، وهو دال على ما ترجم له المصنف من جهة أن أيمن الصف مرغوب فيه، وأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، وجاء أيضاً حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).
تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببت أن أكون عن يمينه)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، عابد، مجاهد، جواد، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من صفاته، وعقبها بقوله: جمعت فيه خصال الخير، وقال فيه بعض العلماء: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، معناه: قمة في الثقة والعدالة رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مسعر].وهو مسعر بن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فاضل، يروي عن ثابت بن عبيد الأنصاري مولى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن البراء].وهو عبيد بن البراء بن عازب، ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.[عن البراء بن عازب]وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.والله تعالى أعلم.
الأسئلة
حكم إمامة المتنفل بالمفترض
السؤال: إذا أردت أن أتصدق على إنسان بالصلاة معه، فهل يجوز أن أكون له إماماً؟الجواب: نعم، يجوز، يعني: المتنفل يجوز أن يكون إماماً للمفترض، والعكس، المفترض يكون إماماً للمتنفل، والدليل على هذا فعل معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث كان يصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم، هو إمام، وهم مأمومون، وهو متنفل، وهم مفترضون.
سفر الابن للنزهة بغير رضا الأم وإذنها
السؤال: هل يحل للابن البالغ أن يسافر للنزهة في يوم أو يومين، مع أن أمه غير راضية عن سفره، وهي غير محتاجة إليه؛ لوجود إخوة غيره؟الجواب: الذي ينبغي له أن يسترضيها، وأن يحرص على إرضائها، وأن يكون ذلك عن رضاها، وعن موافقتها، يعني: إذا كان مجرد نزهة، هذا ليس بلازم، فعليه أن يصبر، ويستميلها، ويطلب منها، فإن رضيت وإلا فلا يذهب؛ لأن هذا ليس أمراً مهماً.
حكم حديث: (أمرت أن أقاتل بهذا -أي: السيف- من يخرج عن هذا -أي: المصحف-)
السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.ورد هذا الحديث في فتاوى شيخ الإسلام في المجلد الخامس والثلاثون وذكر الصفحة: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل بهذا -أي: السيف- من يخرج عن هذا -أي: المصحف-)، ولكني بحثت عن هذا الحديث في كتب السنة فما عثرت عليه، وهل لفضيلتكم علم لمدى صحة هذا الحديث؟الجواب: لا أعلم عنه شيئاً، أولاً: المصحف ما كان موجوداً في زمنه عليه الصلاة والسلام، وإنما المصحف جمع بعد ذلك، أول من جمعه أبو بكر رضي الله عنه، فكان فيه صحف، ثم بعد ذلك جمع الجمعة الأخيرة في عهد عثمان، والمصحف هو الموجود بين أيدينا، فالمصحف ليس موجوداً في زمنه.
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 11:51 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(152)
- (باب ما على الإمام من التخفيف) إلى (باب ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة)
إن العلاقة بين المأموم والإمام قوية، ولهم عليه ألا يشق عليهم، بل يخفف في صلاته مع إتمامها؛ مراعاة للكبير والضعيف وذي الحاجة، واقتداء بنبي الله صلى الله عليه وسلم، والذي كان يخفف لبكاء طفل ونحو ذلك.
ما على الإمام من التخفيف
شرح حديث: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما على الإمام من التخفيف.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)].يقول النسائي رحمه الله: ما على الإمام من التخفيف، يعني: التخفيف في الصلاة، وهو كون الإمام يراعي حال المأمومين، فيخفف في صلاته مع إتمامها، وعدم التقصير في شيء مما هو لازم فيها، وذلك لمراعاة أحوال المأمومين، فهذا التخفيف حيث يكون هناك ما يدعو إليه، مما جاء بيانه في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من وجود المريض، والكبير، وكذلك السقيم، وذا الحاجة.فالحاصل: أن الإمام يراعي حال المأمومين، ولكن ذلك مع إتمام الصلاة، وعدم التقصير في شيء من أركانها، وما هو لازم فيها، وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا صلى أحدكم للناس أو بالناس فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)، إذا صلى الإنسان لنفسه يطول ما شاء، إن أراد أن يخفف، وإن أراد أن يطول، فأمر التطويل إليه؛ لأنه أعرف بحاله، وأما إذا صلى بغيره وهو إمام فإنه يراعي حال المأمومين، فقد يكون فيهم كبير لا يستطيع هذا التطويل، وقد يكون فيهم مريض لا يستطيع هذا التطويل، وقد يكون فيهم ضعيف الخلقة، أو على إثر مرض يشق عليه ذلك، ولا يستطيع ذلك التطويل، فالرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى التخفيف لمراعاة هذه الأمور، ولكن هذا التخفيف مع الإتيان بالصلاة على الوجه الأكمل دون أن يكون هناك تقصير معناه: أنه يتم الركوع، والسجود، وكذلك القراءة، فيقرأ القراءة المناسبة التي لا يترتب عليها مشقة، ومضرة على الناس الذين يصلون وراءه، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام فرق بين كون الإنسان يصلي وحده، وأن له أن يطول ما شاء إذا أراد، وبين كونه يصلي للناس، ويصلي بالناس، فيراعي أحوالهم، ولا يشق عليهم، ولا يكلفهم ما لا يطيقون، وإنما عليه أن يخفف كما أرشد إلى ذلك الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم في الحديث إشارة إلى المحافظة على صلاة الجماعة، وذلك أن فيه ذكر المريض، وذكر الكبير، وذكر الضعيف، ومعنى هذا: التنبيه إلى حضور الجماعة، وإلى أنه يجب على الرجال أن يأتوا للصلاة جماعة، ويأتوا للمساجد، وقد جاء عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم أنهم كانوا يحافظون عليها مع ما يحصل لأحدهم من المرض، كما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، يعني بذلك: بسبب المرض، ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.فهذا شأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، يصيب الواحد منهم ما يصيبه من المرض، ولا يمنعه ذلك أن يأتي إلى المسجد بل يحرص أن يأتي إلى المسجد، وإن كان معذوراً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً)، ولكنهم رضي الله عنهم وأرضاهم يسابقون إلى الخيرات، ويحرصون على الإتيان إلى المساجد؛ لأنهم يعلمون الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي أعده الله عز وجل لمن يأتي للمساجد، وعلى العكس من هؤلاء المنافقون الذين همهم الدنيا، ولا يلتفون إلى الآخرة، ولا يشتغلون للآخرة، وإنما شأنهم أن يراءوا الناس، وقد قال عليه الصلاة والسلام في صلاة العشاء والفجر، (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً).وأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام يعلمون ما فيها من الأجر، ولهذا يأتي الواحد منهم وهو مريض حتى يقام في الصف.الحاصل: أن هذا الحديث فيه ذكر المريض، وذكر الكبير، وذكر الضعيف، ومعنى ذلك: أن هؤلاء يحضرون الجماعة، وأن المسلم يحافظ على الجماعة، ولو كان كبيراً، ولو كان مريضاً، ولو كان ضعيفاً، فعليه أن يكون عنده الحرص، وعنده الرغبة الصادقة في أن يأتي إلى المسجد، وأن يذهب إلى المساجد؛ رجاء ثواب الله عز وجل الذي أعده الله لمن يأتي إلى المساجد.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، الثقة، الثبت، الذي خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد الأئمة الأربعة الذين اشتهرت مذاهبهم، والذين صار لهم أصحاب عنوا بجمع أقوالهم، وبجمع فقههم، وتدوينه، وتنظيمه، وترتيبه، والعناية به، حتى اشتهرت، وحتى انتشرت بين الناس، ولكن هذا لا يعني أن غيرهم ليس مثلهم، فكثير من العلماء قبل زمانهم وفي زمانهم، وبعد زمانهم، من الأئمة المجتهدين الذين برزوا في الفقه، ولكنه ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة المجتهدين الذين كان لهم أتباع عنوا بجمع فقههم حتى اشتهرت مذاهبهم، فالإمام مالك رحمة الله عليه هو أحد الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المشهورة المعروفة، التي هي من مذاهب أهل السنة، التي هي مبنية على الاجتهاد.
إن العصمة تكون للأنبياء والرسل، وليس لأحد غيرهم حتى الصحابة
ومن المعلوم: أنه ليس هناك أحد من الناس يكون الصواب معه إلا رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، وأما غيره فإنه يخطئ ويصيب، فقد يصيب الحق فيكون مأجوراً على اجتهاده وإصابته، وقد يخطئه فيكون مأجوراً على اجتهاده، وخطؤه مغفور، ولا يقال في أحد من الناس بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام: إنه يصيب الحق في كل مسألة من المسائل، وإنه لا يخطئ، ومن المعلوم أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم هم أهل العلم، وهم أهل الفقه، وأهل البصيرة، وهم الذين أكرمهم الله عز وجل بصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وسماع حديثه منه، وتبليغه للناس، ومع ذلك فالواقع أن الواحد منهم لا يقال فيه، أو في أي واحد منهم: إنه محيط بالسنة، وإنه لم يفته من السنة شيء، لا يقال هذا في حق أحد منهم أبداً؛ وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحدث بالأحاديث في أوقات مختلفة، ويحضر هذا المجلس بعض الصحابة، فيسمع الحديث، ويغيب عنه الكثيرون فلا يسمعونه، ولا يعلمونه إلا إذا حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام التحديث به مرة أخرى، أو عرفوه عن طريق بعض الصحابة، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما جاءته جدة تسأل ميراثاً من ابن ابنها، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما علمتُ لك في كتاب الله شيئاً، وما أعلم شيئاً في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن أسأل الناس، فسأل أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجاءه واحد من الصحابة وقال: إن عنده علم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: إنه أعطى الجدة السدس، فهذه المسألة ما كان أبو بكر رضي الله عنه يعلمها قبل أن يخبره ذلك الصحابي الذي لديه علم بها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه لما ذهب إلى الشام، ولقيه أمراء الأجناد، وقالوا له: يا أمير المؤمنين! إن الوباء وقع في الشام، فلا تدخل على الوباء، فبعض الصحابة طلبوا منه أن يدخل، فاختلفت آراؤهم، واختلفت وجهاتهم، فبعضهم يقول له: ادخل، وبعضهم يقول: لا، لا تدخل، فاستشار المهاجرين، واستشار الأنصار، واستشار مسلمة الفتح الذين أسلموا في آخر الأمر، وكان الانقسام موجوداً في المستشارين، فمنهم من يقول: ارجع، وفيهم من يقول: ادخل، وكان من الذين يشيرون بالدخول وعدم الرجوع أبو عبيدة بن الجراح، وقال لما عزم عمر رضي الله عنه على أن يرجع، قال: تفر من قدر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر الله.الحاصل: أن الصحابة المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن أسلم أخيراً اختلفت وجهاتهم وما عندهم سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم إن عمر رضي الله عنه رأى أن يرجع، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غائباً عن هذا الاجتماع، وهذه المشورة التي حصلت، فلما حضر قال: عندي علم فيها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم روى الحديث: (أنه إذا وقع الطاعون وأنتم في بلد لا تخرجوا فراراً منه، وإذا كان فيها فلا تدخلوا عليه)، فأخبر بذلك عمر، وكان عمر رضي الله عنه اجتهاده وافق هذه السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذه من موافقات عمر للسنة، ومن إصابته وكثرة صوابه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد جاءت أحاديث فيها مشورة عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، ثم نزل الوحي مطابقاً لما أشار به عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.الحاصل: أنه لا يقال في واحد من الأئمة الأربعة، بل فيمن من هو خير منهم -وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم- لا يقال في حق واحد منهم: إنه لا يخطئ، وإن الصواب معه دائماً وأبداً، وإنه محيط بكل سنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنه ما فاته شيء، فهذا من الغلو، وهذا من المجاوزة في الحدود، وعرفنا الأمثلة بالنسبة لخير الصحابة، وأفضل الصحابة، وهم: أبو بكر، وعمر، وهم أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، فـأبو بكر ما عرف أن الجدة لها ميراث حتى أخبره الصحابي الذي عرف ذلك الذي سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة كثير الذين أشاروا بالدخول وعدم الدخول على الوباء لم يكن عندهم علم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبرهم بما عنده من العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك.فـمالك بن أنس رحمه الله أحد الأئمة الأربعة، الفقهاء من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
تابع تراجم رجال إسناد حديث: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف ...)
قوله: [عن أبي الزناد].وهو عبد الله بن ذكوان، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو مشهور بـأبي الزناد، وهي لقب له، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، لقبه الأعرج، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره باللقب كما يأتي ذكره بالاسم، وهذا من أنواع علوم الحديث التي أشرت إليها مراراً وتكراراً، وهو أن من الأمور المهمة في علم المصطلح معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة معرفتها: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بلقبه، فإن من لا يعرف ذلك يظن أن الأعرج هو غير عبد الرحمن بن هرمز، لو جاء في إسناد عبد الرحمن بن هرمز، وجاء في إسناد آخر الأعرج، يظن أن هذا شخص وهذا شخص، والذي يعلم أن هذا لقب لهذا لا يلتبس عليه ذلك.وحديثه، أي: الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبو هريرة].وهو صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثاً، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه، والسبب في كثرة حديثه ملازمته الرسول عليه الصلاة والسلام منذ أسلم، وهاجر إليه وأسلم، فإنه ملازم للنبي عليه الصلاة والسلام، يحضر حيث يغيب الكثير من الناس، ثم أيضاً لما توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام بقي في المدينة، وعمر بعد ذلك، وكانت المدينة يفد إليها الناس الواردون إليها، والصادرون عنها، ويلتقون بأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين هم فيها، فيأخذون عنهم، ويسمعونهم ما عندهم، فكان ذلك من أسباب كثرة حديثه، وكذلك دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام له بأن يحفظ، حيث دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فهذه من جملة الأسباب التي بها كثر الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
شرح حديث: (إن النبي كان أخف الناس صلاة في تمام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاة في تمام)].وهنا أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أخف الناس صلاة في تمام)، يعني: ليست هذه الخفة -التي وصفت بها صلاة الرسول عليه الصلاة والسلام- فيها نقصان، وإنما هي خفة مع التمام، معناه: أنه يأتي بها على الوجه الأكمل، خفيفة دون أن يكون في هذا التخفيف شيء من القصور أو النقصان، وإنما هو تخفيف في تمام، فهذا هو المطلوب في التخفيف؛ أن تكون تامة لا نقص فيها، ولا خلل، ويؤتى بالأركان، والواجبات، ويؤتى كذلك بما أمكن من المستحبات على قدر ما يكون فيه التخفيف، وعدم المشقة، والإضرار بالناس الذين يكونون وراء الإمام، فهو تخفيف مع تمام، هكذا وصف أنس صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو دال على أن الإمام عليه أن يخفف، لكن مع تمام الصلاة، وعدم حصول شيء يخل بها من نقص شيء فيها.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان أخف الناس صلاة في تمام)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا أبو عوانة].وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو: ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، ويوافقه في هذا الاسم -وهو متأخر عنه- أبو عوانة صاحب المسند، والمستخرج على الصحيح، يقال لكتابه: المستخرج على صحيح مسلم، ويقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، وكذلك أيضاً هو صحيح، ومبني على كتاب صحيح؛ فإنه يأتي بالأحاديث التي رواها مسلم بطرق لا يلتقي فيها، أو لا يمر بها على مسلم، وإنما بشيخه أو من فوق شيخه، هذه هي المستخرجات، فـأبو عوانة الذي هو صاحب المستخرج، هذا من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، وأما ذاك فهو متأخر.[عن قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه من الرباعيات: قتيبة يروي عن أبي عوانة، وأبو عوانة يروي عن قتادة، وقتادة يروي عن أنس بن مالك، فإسناده أربعة أشخاص، وهذا هو أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 11:53 PM
شرح حديث: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)].وهنا أورد النسائي حديث أبي قتادة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدخل في الصلاة يريد أن يطول، فيسمع بكاء الصبي، فيخفف شفقة على أمه؛ لأنها عندما تسمع بكاءه تنشغل في صلاتها به، فكان يخفف من أجل أمر طارئ، وإذا أطال فإن الطول نسبي، بمعنى: أنه لا يكون فيه مشقة على المأمومين، وقد يعدل عما أراده من الطول نسبياً لأمر طارئ كالذي جاء في هذا الحديث، وهو أنه يسمع بكاء الصبي، فيخفف شفقة على أمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فالحديث شاهد ودال على ما ترجم له المصنف من حصول التخفيف، ويكون في مراعاة حال المأمومين، وقد يكون مراعاة لواحد منهم؛ لأنه هنا فيه إشارة إلى أن الرسول يسمع بكاء صبي واحد، فيخفف من أجل أم ذلك الصبي الواحد الذي يخشى أن تنشغل به، وأن تكون مشغولة البال عليه إذ هو يبكي ويصيح، وهي في الصلاة قد شغلت به، ثم أيضاً الحديث يدل على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الشفقة بأمته عليه الصلاة والسلام، وكذلك يدل على جواز إحضار الصبيان إلى المساجد، ولكن مع المحافظة عليهم، وأن لا يحصل منهم تلويث المسجد، ولا يحصل منهم الإيذاء للناس، فإن هذا الحديث يدل على إحضار النساء الصبيان معهن؛ لأن هذا الحديث يدل على ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث: (إني لأقوم في الصلاة فأسمع بكاء الصبي فأوجز في صلاتي ...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر، وهو المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي .[أخبرنا عبد الله].وهو ابن المبارك، ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر جملة من صفاته الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الأوزاعي].وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو محدث، فقيه، مشهور، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه عبد الرحمن بن عمرو، وكنيته أبو عمرو، وقد عرفنا وذكرت مراراً: أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، نوع من أنواع علوم الحديث، ومعرفته مهمة، وفائدة هذه المعرفة أن لا يظن التصحيف فيما لو ذكر مرة بنسبه، ثم ذكر بكنيته بدل النسب، فإن من لا يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يظن أن أبا مصحفة عن (ابن) فيما لو قيل: عبد الرحمن أبو عمرو بدل ابن عمرو، فـعبد الرحمن بن عمرو صحيح، وعبد الرحمن أبو عمرو صحيح، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني يحيى بن أبي كثير].وهو يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، وهو: ثقة، ثبت، يرسل، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو صاحب الكلمة المشهورة في الحث على طلب العلم، والصبر على ما ينال الإنسان في سبيله من التعب والمشقة، وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
وقفة مع كلمة يحيى بن أبي كثير: (لا ينال العلم براحة الجسد)
هذه كلمة مشهورة عن يحيى بن أبي كثير، وقد أوردها مسلم في صحيحه عند سياقه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أوقات الصلاة، حيث أطال وأكثر من طرق ذلك الحديث، الذي يتعلق ببيان أوقات بعض الصلوات، فأقحم هذا الأثر بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير فقال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. وقال النووي في شرحه: إنما أورده في هذا؛ لأنه عندما بين هذه الطرق الكثيرة المتنوعة المختلفة في إسناد هذا الحديث أشار إلى أن تحصيل مثل هذه الطرق وجمعها إنما يحصل بالتعب، والمشقة، فأتى بهذه الكلمة المشهورة، وهي قول يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.والحافظ ابن حجر له كتاب اسمه الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف، جمع ما فيه من موقوفات، سواء كانت موقوفات على الصحابة، أو على من دونهم، جمعها في هذا الكتاب، وهذا من جملة تلك الموقوفات التي في صحيح مسلم، وأوردها الحافظ ابن حجر في كتابه الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف.وموضعه كما ذكرت في بيان أوقات الصلاة، وعند حديث عبد الله بن عمرو عندما أورد طرقه المختلفة، وهذه الكلمة كلمة عظيمة؛ أعني: لا يستطاع العلم براحة الجسم. وهذا كلام صحيح، لا أحد يحصل شيئاً بلا شيء، بل لابد من التعب، ولابد من النصب، ولابد من المشقة، ولابد من الصبر والاحتساب، وبذلك يحصل الإنسان، وأما مع الكسل، ومع الملال، وعدم الصبر وعدم الاحتساب، فإن الإنسان يفوت الخير الكثير، ولا يحصل شيئاً، بل بالجد والاجتهاد يحصل الإنسان ما يريد، كما يقول الشاعر:الجد بالجد والحرمان بالكسلالجد ـ بالفتح ـ هو الحظ، والنصيب، والجد ـ بالكسر ـ هو الجد والاجتهاد، والحرمان بالكسل، الحرمان: يقابل الجد الذي هو الحظ والنصيب، والكسل: يقابل الجِد الذي هو الاجتهاد، والحرص، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، بالأسباب التي تحقق المطلوب التي هي الأسباب المشروعة، ومع أخذك بالأسباب استعن بمسبب الأسباب وهو الله عز وجل: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)، فلابد من الجد، والاجتهاد في طلب العلم، والصبر عليه، ولا يحصل الإنسان الشيء إلا بالتعب، والنصب، والمشقة، ويقولون: ملء الراحة لا يدرك بالراحة، يعني: الشيء القليل الذي يكون على مقدار راحة اليد لا يدرك بالراحة التي هي عدم التعب، والنصب، والمشقة، والشاعر يقول:لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتالفلولا المشقة كل الناس يصيرون سادة، ولكن لما كان السؤدد ما يحصل إلا بمشقة، وما كل أحد يصبر على المشقة، صار ليس كل أحد يحصل السؤدد، وإنما يحصله من صبر.وإذا نظرنا في سير العلماء الماضين الذين ألفوا المؤلفات الكثيرة، والذين انتشر علمهم، وظهر علمهم، وبقي علمهم بعد موتهم بمئات السنين ما حصل ذلك لهم إلا بالتعب والنصب والمشقة، مع أن الإمكانات كانت تختلف عن الإمكانات في هذا الزمان، ففيما مضى كان الواحد يسافر من أجل حديث واحد مدة شهر كامل على الإبل، تعب، ونصب، ومشقة، ثم عندما يحصل الفوائد، ما يحصله إلا عن طريق الكتابة، يعكف على كتابتها، أو يكلف ويستأجر من يكتبها، ثم يقابلها بعد الفراغ من كتابتها، ثم أيضاً عندما يشتغل في الليل ما عندهم إلا إضاءة كما هو معلوم فيها ما فيها من الضعف، ومن النقصان الذي ما يحصل به التمكن مما يريد كما ينبغي، ولكن الجد، والاجتهاد، والصبر، والاحتساب مع توفيق الله عز وجل هو الذي جعلهم يبقى ذكرهم، وتخلد آثارهم، ويستفيد الناس من علمهم بعد موتهم بمئات السنين، ثم أيضاً هذه الثروة الهائلة التي خلفوها، فمن العلماء من يؤلف المؤلفات كلها بخط يده، فكلها فيها جهود مضنية، وكل هذا ما حصل إلا بالنصب، فالسؤدد الذي حصلوه، والذكر الحسن الذي حصلوه لم يحصل من فراغ كما يقولون، وإنما حصل من تعب، وحصل من نصب، وحصل من مشقة.لولا المشقة ساد الناس كلهمالجود يفقر والإقدام قتالأي: أن الإنسان إذا كان عنده المال لا يجود به، يعني: يخشى أن يذهب ماله، ويبقى فقيراً.(والإقدام قتال، يعني: كون الإنسان يقدم في الوغى، فهو قريب أن يموت، فلا يحصل منه الإقدام)، ولكن من جد واجتهد، وصبر واحتسب، هذا الذي يحصل النتائج الطيبة، ويحصل الفوائد الكبيرة. وهذه الكلمة التي قالها هذا الرجل يحيى بن أبي كثير -وهي قوله: لا يستطاع العلم براحة الجسم- كلمة عظيمة مهمة، يعني: هي صادقة، وهذا هو الواقع، لا يستطاع العلم براحة الجسم، فالإخلاد إلى الراحة لا يكون وراءه نتيجة، فليس وراءه إلا الخمول، وليس وراءه إلا الكسل، وليس وراءه إلا البطالة والضياع، ولكن كما يقولون: من جد، وجد، ومن سار على الدرب وصل، ومن قعد عن العلم، وأخلد إلى الراحلة لا يحصل شيئاً، ومن صبر، واحتسب، وأتعب نفسه، وأشغل نفسه في تحصيل ما هو نافع، فإنه يحصل بإذن الله عز وجل مراده.[عن عبد الله بن أبي قتادة].عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[يروي عن أبيه].هو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الرخصة للإمام في التطويل
شرح حديث: (كان رسول الله يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة للإمام في التطويل.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن ابن أبي ذئب أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الرخصة للإمام في التطويل، يعني: الأصل هو التخفيف، ولكن يمكن أن يطول في بعض الأحيان، ولكن مع مراعاة أحوال المأمومين، فالتطويل مرخص فيه، ولكن حيث لا يحصل به إضرار على أحد، وحيث لا يحصل به مشقة كبيرة على أحد.وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمرهم بالتخفيف ويؤمهم بالصافات)، يعني: كان يأمر بالتخفيف ويرشد إلى التخفيف، ويؤم بالصافات، أي: سورة الصافات يقرأ بها، وهو طول نسبي، والتطويل، والتخفيف هي من الأمور النسبية، والأمور الإضافية، فقد يكون الشيء طويلاً باعتبار، وخفيفاً باعتبار.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يأمر بالتخفيف ويؤمنا بالصافات)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو إسماعيل بن مسعود، وكنيته أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وكنيته توافق اسم أبيه مثل الأوزاعي، فـالأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، وهذا إسماعيل بن مسعود أبو مسعود .[حدثنا خالد بن الحارث].وهو خالد بن الحارث، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، المشهور بـابن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني الحارث بن عبد الرحمن].وهو الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري، وهو خال ابن أبي ذئب، وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.[عن سالم بن عبد الله].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو: ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم مراراً وتكراراً، وأن في عصر التابعين سبعة اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، وستة منهم لا خلاف في عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل إنه سالم هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .[عن عبد الله بن عمر].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله.
ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة
شرح حديث أبي قتادة: (رأيت النبي يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة.أخبرنا قتيبة حدثنا سفيان عن عثمان بن أبي سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من سجوده أعادها)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ما يجوز للإمام من العمل في الصلاة، وأورد فيها حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وحديثه الذي فيه حمل الرسول صلى الله عليه وسلم لابنة بنته أمامة بنت أبي العاص، فكان يؤمهم في الصلاة، ويحملها في صلاته، فإذا ركع وضعها، وإذا قام من سجوده حملها، فالترجمة لما يجوز من العمل في الصلاة، وأورد فيها هذا الحديث، أي: أنه مثل هذا العمل عند الحاجة، يجوز للإنسان أن يعمله، والرسول صلى الله عليه وسلم فعل هذا ليبين جواز مثل ذلك عند الحاجة إليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة: (رأيت النبي يؤم الناس وهو حامل أمامة بنت أبي العاص ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، وقد مر ذكره.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان فالمراد به ابن عيينة وليس الثوري؛ لأنه لم يرو عنه؛ لأن قتيبة لم يرو عن الثوري، وإنما روى عن سفيان بن عيينة، وحيث جاء سفيان غير منسوب يروي عنه قتيبة بن سعيد، فالمراد به ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، حجة، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن أبي سليمان].وهو عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه .[عن عامر بن عبد الله بن الزبير].وهو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، خرج أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن سليم الزرقي].وهو عمرو بن سليم الزرقي الأنصاري ، وهو ثقة، من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أبي قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي].وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره قريباً.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 11:56 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(153)
- (باب خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد) إلى (باب اختلاف نية الإمام والمأموم)
لا يشرع للإمام التطويل في الصلاة حتى يشق على الناس؛ لأن في ذلك فتنة لهم، وإذا صلى الإمام قاعداً صلى خلفه المأمومون قعوداً، ولا يضر اختلاف نية المأموم ونية الإمام.
خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد
شرح حديث جابر في خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد.أخبرنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن محارب بن دثار، وأبي صالح، عن جابر رضي الله عنهما أنه قال: (جاء رجل من الأنصار، وقد أقيمت الصلاة، فدخل المسجد، فصلى خلف معاذ رضي الله عنه، فطول بهم، فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد، ثم انطلق، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له: إن فلاناً فعل كذا وكذا، فقال معاذ : لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى معاذ النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فقال: ما حملك على الذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله، عملت على ناضحي من النهار، فجئت، وقد أقيمت الصلاة، فدخلت المسجد فدخلت معه في الصلاة، فقرأ سورة كذا وكذا فطول، فانصرفت فصليت في ناحية المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد. المقصود من هذه الترجمة: أنه إذا حصل التطويل الشديد، الذي لا يستطيع معه بعض المأمومين أن يواصل مع الإمام، ثم انفصل عن الإمام وأكمل صلاته وذهب، فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله: أن معاذاً رضي الله عنه صلى بالناس، وقد جاء رجل ودخل المسجد، وصلى معه، ثم إنه انفصل عنه في صلاته وأكمل صلاته وانصرف، فأخبر معاذ بما فعل ذلك الرجل، فأخبر معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب ذلك الرجل الذي خرج من الصلاة وسأله: ما الذي حمله على ذلك؟ فقال: إنه كان يعمل على ناضحه، يعني: طول النهار وهو يعمل واقف؛ لأن النواضح هي: الإبل التي يستنبط الماء من البئر عليها، فهو وراءها يسوقها لإخراج الماء، فطول نهاره وهو يسوقها، ثم جاء ودخل، وإذا معاذ يصلي فصلى معه، وقد جاء في بعض الروايات: أنه قرأ بالبقرة، فقال: إنه كان طول النهار وهو يشتغل بالنواضح وأنه طول، يعني: وذلك يشق عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبره، وقال: (أفتان يا معاذ)، يعني: أنكر عليه هذا التطويل الذي حصل منه، وكرر ذلك عليه: أفتان يا معاذ ، يعني: تكون سبباً في فتنة الناس في صلاتهم، وتشق عليهم، وتحملهم ما لا قبل لهم به، ثم أرشده وكان هذا في صلاة العشاء إلى أن يقرأ في بعض السور من قصار المفصل، أو أواسط المفصل، بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي هذا دليل على أن مثل هذا العمل إذا حصل من بعض المأمومين عندما يكون هناك التطويل؛ فإن ذلك صحيح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقر هذا الرجل وأنكر على معاذ هذا التطويل الذي قد حصل منه.
تراجم رجال إسناد حديث جابر في خروج الرجل من صلاة الإمام وفراغه من صلاته في ناحية المسجد
قوله: [أخبرنا واصل بن عبد الأعلى].واصل بن عبد الأعلى، هو: ثقة، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا ابن فضيل].ابن فضيل، وهو: محمد بن فضيل بن غزوان، وهو صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.وقد ذكرت فيما مضى أنه رمي بالتشيع، وذكرت أن الحافظ ابن حجر ذكر في ترجمته في مقدمة الفتح، أنه قال: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان ، ومثل هذا لا يقوله الرافضة، بل هم يسبون عثمان، ولا يترحمون عليه، ولا رحم الله من لا يترحم عليه، فهذا يدل على سلامته، يعني: كونه يقول: رحم الله عثمان ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان . يدل على سلامته، لكن التشيع الذي يضاف إلى بعض العلماء، منه تقديم أو تفضيل علي على عثمان في الفضل لا في الخلافة، أما الخلافة، فمن قال: إن علياً أولى منه بالخلافة، فإن عمله هذا من أعمال أهل البدع، ويبدع من يفعل ذلك؛ لأن هذا اعتراض على اتفاق الصحابة على تقديمه عليه، لكن كونه يقال: إن علياً أفضل من عثمان، هذا قال به بعض السلف، مثل ابن جرير، ومثل الأعمش، ومثل عبد الرزاق، ومثل عبد الرحمن بن أبي حاتم قالوا: إن علياً أفضل من عثمان، وإن كان جمهور أهل السنة على أن عثمان أفضل، لكن مثل هذه لا يبدع بها، ولا تؤثر، والذهبي رحمه الله في كتابه الميزان أورد أسماء أشخاص ثقات ليس إيراده إياهم لضعف فيهم، بل ليدافع عنهم، وأن يبين أن ما أضيف إليهم ليس عيباً، ولا يستحقون أن يعابوا بهم، وكان من جملة ما ذكر في ترجمة عبد الرحمن بن أبي حاتم في الميزان، قال: أورده أبو الفضل السليماني في كتابه الضعفاء، فبئس ما صنع، عبد الرحمن بن أبي حاتم إمام ابن إمام، والكلام الذي فيه، قالوا: إنه من جهة تفضيل علي على عثمان، وهذا أيضاً لا يؤثر، يعني: هذا معروف عن بعض أهل السنة، وذلك لا يقدح، قد يكون التشيع من هذا القبيل، ولهذا يقول رحمة الله عليه: رحم الله عثمان، ولا رحم الله من لا يترحم على عثمان . فهذا نسب إليه التشيع، وهذه كلمته، ومثلها الكلمة التي ذكرتها أيضاً عن أبي نعيم الفضل بن دكين، أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية ، فسب معاوية من أسهل ما يكون عند الرافضة، بل الذين هم أخف الشيعة وأعقل الشيعة كما قال شيخ الإسلامابن تيمية الذين هم الزيدية يسبون معاوية، ولا يسبون الشيخين ويسبون معاوية ويتكلمون فيه، وهذا يقول: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية، يقوله الفضل بن دكين أبو نعيم: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية . يعني: معنى هذا أنه سليم مما أضيف إليه، والتشيع الذي فيه هو من قبيل تقديم علي على عثمان رضي الله تعالى عن الجميع.و محمد بن فضيل بن غزوان صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً، وهو مشهور بلقبه الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، يأتي ذكره بالاسم، ويأتي ذكره باللقب، وقد ذكرت مراراً: أن من الأمور المهمة في علم المصطلح معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة معرفتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه ومرة بلقبه، من لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، ومن يعلم أن هذا لقب لا يلتبس عليه الأمر.[عن محارب بن دثار].محارب بن دثار، وهو: ثقة، إمام، زاهد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[وأبو صالح].أبو صالح هو: ذكوان السمان، مشهور بالرواية عن أبي هريرة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر] هو جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، صحابي ابن صحابي، والده استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين، وجابر بن عبد الله أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهم الذين قال فيهم السيوطي في ألفيته:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ
الائتمام بالإمام يصلي قاعداً
شرح حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الائتمام بالإمام يصلي قاعداً.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصرع عنه، ف شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)].يقول النسائي رحمه الله: باب الائتمام بالإمام يصلي قاعداً، هذه الترجمة المراد بها أن المأموم يوافق الإمام، وأنه في حال كون الإمام يصلي قائماً فهو مثله، وإذا صلى قاعداً، أي: الإمام، فإن المأموم يصلي قاعداً، ولو كان قادراً على القيام للموافقة بين الإمام والمأموم. وقد أورد النسائي في هذا حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام ركب فرساً فصرع)، يعني: سقط منه، وقع منه (ف شقه الأيمن)، يعني: تأثر شقه الأيمن بأن تأثر الجلد، وخرجت القشرة من الجلد، فأصابه ألم من ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فلم يستطع أن يقوم، فصلى جالساً، وصلى الحاضرون معه وراءه قياماً، فأشار إليهم أن يجلسوا، فجلسوا، وصلوا وراءه جلوساً، ولما فرغ من الصلاة وانصرف إليهم، قال عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً)، ثم ذكر بعد ذلك الأحوال التي يتابع فيها المأموم الإمام، ثم قال في آخره: (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون).والمقصود من ذلك: أن الإمام إذا صلى قاعداً، فإن المأموم يصلي وراءه قاعداً، وهذا الذي جاء في هذا الحديث من الدلالة على موافقة المأموم الإمام إذا كان صلى قاعداً، بأن يصلي المأموم قاعداً، كان هذا في أول الأمر، يعني: قبل مدة، ولكنه في مرض موته صلى الله عليه وسلم صلى قاعداً، وصلى الناس وراءه قياماً كما سيأتي، فالعلماء اختلفوا في هذا الحكم: هل المأموم يصلي وراء الإمام القاعد قائماً أو قاعداً؟فمن العلماء من قال: إن صلاة المأموم قاعداً وراء الإمام القاعد، هذا نسخ بما كان، أو بما حصل في مرض موته صلى الله عليه وسلم، حيث صلى جالساً وأبو بكر على يمينه، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وإمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صلى قاعداً، وصلوا وراءه قياماً، قالوا: فيكون هذا الذي حصل في مرض موته من صلاة المأمومين قائمين وراء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قاعد، يكون ناسخاً لما كان من قبل.ومن العلماء من قال: إنه لا نسخ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع، والجمع يصار إليه أولاً؛ لأن الجمع فيه إعمال للدليلين، بخلاف النسخ، فإن فيه إعمال للأخير، وإهمال للأول، وعدم الأخذ به، والجمع يكون فيه أخذ بالدليلين، قالوا: فيجمع بينهما بأن الإمام إذا بدأ الصلاة قاعداً، فإنهم يوافقونه ويبدءون الصلاة معه قعوداً، وهذا هو الذي حصل في قصة كونه سقط من فرس، و شقه الأيمن، وصلى بهم جالساً وابتدأ الصلاة جالساً، وهم أرادوا أن يقوموا فأشار إليهم بأن يجلسوا؛ لأنه بدأ الصلاة بهم قاعداً فيبدءون معه قاعدين، وأما في مرض موته عليه الصلاة والسلام، فقد كان إمامهم أبو بكر رضي الله عنه، وقد دخل في الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء بعدما دخل أبو بكر في الصلاة، فجلس على يسار أبي بكر، فتحول أبو بكر من كونه إماماً إلى كونه مأموماً، يعني: إمامه رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى جالساً، فابتدءوا الصلاة وهم قيام، وإمامهم بدأ بهم الصلاة وهو قائم، الذي هو أبو بكر رضي الله عنه؛ والقعود إنما حصل في أثناء الصلاة بعد أن دخلوا فيها قياماً، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وتحول أبو بكر من كونه إماماً إلى كونه مأموماً، استمروا على صلاتهم قياماً؛ لأنهم بدءوها قياماً.قالوا: فيجمع بين الواقعتين التي كانت أولاً، والتي كانت في مرض موته، بحمل الواقعة الأولى على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً، فالمأمومون يصلون وراءه قعوداً، وإذا كان حصل الابتداء قياماً، ثم حصل أمر طارئ، أو حصل كما حصل مجيء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصلاته بهم إماماً بعد أن بدءوا مع إمامهم أبي بكر قياماً، فإنه يستمر على الصلاة عن قيام؛ لأنهم بدءوا الصلاة قائمين، فيستمر المأمومون وراء إمامهم القاعد الذي وجد منه ذلك بعد أن بدءوا بالصلاة، فإنهم يصلون قياماً، فيكون في ذلك جمع بين الدليلين.ثم من العلماء من قال: إن مما يضعف النسخ أن قصة مرض موته عليه الصلاة والسلام كانت مختلفاً فيها، فبعض الأحاديث وهي صحيحة تقول: إن أبا بكر أمام النبي عليه الصلاة والسلام بين يديه، والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي خلفه، وعلى هذا فيكون النبي صلى الله عليه وسلم مأموماً، وليس إماماً، ومعنى هذا أن أبا بكر هو الإمام، وقد بدأ الصلاة قائماً وهم معه، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء وجلس وصلى وهو جالس عليه الصلاة والسلام، وبعض الروايات الأخرى وهي صحيحة كما في الكتاب الذي معنا؛ أنه جاء وجلس على يسار أبي بكر، وأنه كان يصلي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، قالوا: فهذا الاختلاف يشعر بالاضطراب، ومثل ذلك لا يقال: إنه ناسخ لحكم ثابت، الذي هو كونهم صلوا جلوساً وراءه صلى الله عليه وسلم لما صرعه الفرس، وصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً، لكن كما هو معلوم قضية الاضطراب، أولاً لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن ترجيح بعض الروايات على بعض.وقد ذكر بعض العلماء أن كونه إماماً عليه الصلاة والسلام هي الراجحة، وأنها أرجح من كونه مأموماً، ومنهم من قال: إن القصة متعددة، وأنه حصل في مرض موته أكثر من مرة، وأنه في بعضها كان إماماً، وفي بعضها كان مأموماً. فحاصل الحديث الذي معنا، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم صلوا وراءه قعوداً، وأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً)، ثم في آخره قال: (وإذا صلى قاعداً صلوا وراءه قعوداً)، فهذا يدل على أن المأموم يأتم بالإمام، إن كان قائماً يصلي قائماً، وإن كان قاعداً يصلي قاعداً، وعرفنا القصة التي حصلت في مرض موته، وعرفنا أن من العلماء من قال بالنسخ، وأن منهم من قال: بالجمع وعدم النسخ.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، المشهور، صاحب المذهب المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب]. وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم بجده كلاب، وزهرة أخو قصي بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة فيقال: الزهري، وينسب إلى جده شهاب ويقال: ابن شهاب، وجده شهاب هو جد جده الأدنى، وهو إمام، فقيه ومحدث، جليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار التابعين الذين أدركوا صغار الصحابة.[عن أنس].هو: أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد إسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن أعلى ما عنده الرباعيات وليس عنده شيء من الثلاثيات.
شرح حديث عائشة في صلاة النبي بأبي بكر وصلاة الناس بصلاة أبي بكر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: قلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم في مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر ؟ فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقلت لـحفصة : قولي له، فقالت له، فقال: إنكن لأنتن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، قالت: فقام يهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، فذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قم كما أنت، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام عن يسار أبي بكر جالساً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة صلاته في مرض موته صلى الله عليه وسلم، وأنه صلى جالساً، وأن الناس بقوا قياماً كما كانوا قبل أن يأتي إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرفنا ما قيل في التوفيق أو فيما يتعلق بهذا الحديث، والحديث الذي قبله، وأن من العلماء من قال: إن ما في مرض موته ناسخ لما كان في أول الأمر، ومنهم من قال: إنه لا نسخ، وإنما يوفق بينهما بحمل هذا على حالة، وهذا على حالة كما ذكرت ذلك آنفاً، وعائشة رضي الله عنها تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ثقل، وجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة : إن أبا بكر رجل أسيف)، يعني: إنه عندما يقرأ يكون عنده رقة ويبكي، فلا يكاد يسمع الناس، وكان قصد عائشة رضي الله عنها من وراء ذلك غير هذا الذي أبدته، يعني: أمر آخر، وهو أن من يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد الناس ارتياحاً؛ لأن يقوم مقامه أحد لحزنهم على تخلفه عنهم وفقدهم وقوفه أمامهم صلى الله عليه وسلم، فكانت أرادت أن لا يكون أبوها هو الذي يقوم هذا المقام، فأتت بعذر غير هذا الذي أرادته، وهو أيضاً موجود فيه، وهو كونه كثير البكاء، وأنه لا يكاد يسمع الناس من البكاء، والنبي عليه الصلاة والسلام أكد بأن يصلي بالناس.قوله: [(إنكن صواحب يوسف)]، المقصود من ذلك يعني: مثل صواحب يوسف اللاتي يظهرن شيء وهن يبطن شيئاً آخر، فـعائشة رضي الله عنها وأرضاها أظهرت شيء، وهو واقع وحاصل، لكن غيره هو الذي يدفعها أكثر، وهو أن من يقوم مقام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرتاح الناس إلى أن يقوم مقامه أحد؛ لحزنهم على فقده وعدم وقوفه أمامهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فصلى أبو بكر بالناس، (ولما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة)، يعني: وجد شيئاً من النشاط، فأراد أن يذهب، فأتي به (يهادى بين رجلين)، حتى أجلس على يسار أبي بكر، ولما (سمع أبو بكر حسه)، يعني: سمع صوت نفسه، يعني: من شدة المرض، أراد أن يتأخر، فأشار إليه الرسول أن يبقى مكانه، وأمر الذين أتوا به يهادى بينهم أن يجلسوه على يسار أبي بكر، فجلس على يساره، وصلى بهم، وصلى بالناس وأبو بكر يبلغهم، وهم يصلون بصلاة أبي بكر، وأبو بكر يصلي بصلاة الرسول عليه الصلاة والسلام، بمعنى: أنه يبلغهم، وإمامهم جميعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرواية واضحة بأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الإمام، وليس المأموم، وقد سبق أن مر بعض الروايات التي فيها ما يشعر بأنه مأموم، وقد جمع العلماء بينهما: بأن بعضهم قال: إن فيها تعدد، ومنها من قال: إن القصة واحدة، ولكن من الناس من ظن أنه مأموم، والواقع أنه هو الإمام، والرواية الراجحة أو التي هي أرجح من غيرها، وإن كانت تلك صحيحة: أنه صلى الله عليه وسلم هو الإمام كما جاء في هذه الرواية وفي غيرها من الروايات.عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس).وهذا فيه فضل أبي بكر رضي الله عنه، وتقديمه على غيره، وفي هذا إشارة إلى أنه الأحق بالأمر من بعده، وهذا هو الذي فهمه الصحابة، كما سبق أن مر في أول باب من أبواب الإمامة، وهي إمامة أهل العلم، والفضل، وأن أبا بكر رضي الله عنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمع الناس في سقيفة بني ساعدة، ذهبوا إليهم، وقال لهم عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قدمه، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من قدمه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ وقال عمر له: رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟ وسبق أن مر بنا أن النبي عليه الصلاة والسلام قدمه، أو أمر بتقديمه في غير مرض الموت، في قصة ذهابه ليصلح بين بني عمرو بن عوف، وأنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لـبلال: أنه إذا جاء وقت الصلاة ولم يحضر، فيصلي بالناس أبو بكر، وهذا في حال صحته، وهو دال على تقديمه، ودال على فضله، وما حصل من تقديمه في مرض الموت دال على أنه الأحق بالأمر من بعده، وهذا هو الذي تم ووقع، واجتمع المسلمون على خيرهم، وأفضلهم أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فقال صلى الله عليه وسلم: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: قلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم في مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر . فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقلت لـحفصة : قولي له، فقالت له، فقال: إنكن لأنتن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس، قالت: فأمروا أبا بكر، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة، قالت: فقام يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، فذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن قم كما أنت، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام عن يسار أبي بكر جالساً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يقتدي أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه).
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-25-2026, 11:58 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صلاة النبي بأبي بكر وصلاة الناس بصلاة أبي بكر
قوله: [أخبرنا محمد بن العلاء].محمد بن العلاء، وهو: أبو كريب الهمداني الكوفي، وهو: ثقة، حافظ، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو: مشهور بكنيته أبو كريب، ومسلم يروي عنه كثيراً، ويذكره بكنيته، وباسمه وكنيته أيضاً، والبخاري يروي عنه، لكنه يذكره باسمه، ويكنيه قليلاً.[حدثنا أبو معاوية].أبو معاوية هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو: ثقة، وهو أثبت الناس في حديث الأعمش أحفظ الناس في حديث الأعمش، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو هنا يروي عن الأعمش .[عن الأعمش].هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو: ثقة أيضاً، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والأعمش مشهور بلقبه، ومحمد بن خازم مشهور بكنيته، ومعرفة ألقاب المحدثين وكناهم من الأنواع المهمة في علوم الحديث، وفائدتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه مرة وبلقبه أخرى، أو ذكر باسمه مرة وبكنيته أخرى، من لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، مع أن الذي ذكر باللقب والاسم شخص واحد، والذي ذكر بالكنية والاسم شخص واحد، فهذه فائدة معرفة هذين النوعين من أنواع علوم الحديث، وهي: معرفة الكنى ومعرفة الألقاب.[عن إبراهيم].إبراهيم، وهو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، وهو ثقة، فقيه، محدث، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو: خال إبراهيم الذي يروي عنه، وهو: ثقة، مخضرم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق أكثر الصحابيات حديثاً، وهي المرأة التي هي مع ستة من الرجال من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِفزوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
شرح حديث عائشة في صلاة النبي بأبي بكر وصلاة الناس بصلاة أبي بكر من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال: (دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماء في المخضب، ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء، ثم أغمى عليه، ثم قال في الثالثة مثل قوله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر : أن صل بالناس، فجاءه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، فقال يا عمر صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة، فجاء يهادي بين رجلينا، أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فجعل أبو بكر يصلي قائماً، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً، فدخلت على ابن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، فحدثته، فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت: لا، قال: هو علي كرم الله وجهه)].أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وسياقه مثل سياق الذي قبله، إلا أن فيه: أنه صلى الله عليه وسلم أغمي عليه، وأفاق، وطلب أن يوضع له ماء في وعاء اسمه المخضب، فاغتسل، ثم ذهب لينوء، يعني: يقوم، فلم يستطع فأغمي عليه، ثم لما أفاق طلب أن يوضع له ماء في ذلك الوعاء، فوضع له فاغتسل، وعندما فعل ذلك ثلاث مرات، وهو يقول: (أصلى الناس؟ فقالوا: لا، وهم عكوف ينتظرونك)، فأمرهم بأن يبلغوا أبا بكر بأن يصلي بالناس، فصلى بهم ودخل في الصلاة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي به يهادى بين الرجلين، حتى جلس على يسار أبي بكر، وصلى بالناس وأبو بكر يصلي قائماً يبلغ الناس صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود سأل عائشة أن تخبره عن مرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحدثته بهذا الحديث، ثم إنه لقي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقال: ألا أعرض عليك ما حدثتني به عائشة من مرض النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، فعرضه عليه، فلم ينكر منه شيئاً، يعني: معناه أنه أقر هذا الذي ذكره عن عائشة، إلا أنه أضاف إلى ذلك شيئاً، وهو أنه قال: (أسمت لك الرجل الثاني الذي كان مع العباس ؟ قال: لا، قال: هو علي كرم الله وجهه)، هكذا في هذه العبارة كرم الله وجهه، والحديث في صحيح البخاري وفي غيره، هو مثل هذا السياق، وليس فيه ذكر: كرم الله وجهه، وهذه العبارة كثيراً ما يأتي ذكرها عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك أيضاً جملة: عليه السلام، يؤتى بها عند ذكره، وعند ذكر الحسن، والحسين، وفاطمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وليس هذا من عمل الصحابة، أو من كلام الصحابة، أو من كلام التابعين، وإنما هذا من نساخ الكتب كما ذكر ابن كثير رحمه الله عند تفسير قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، فإنه قال: إنه يأتي عند ذكر علي رضي الله عنه: عليه السلام، وأحياناً يأتي كرم الله وجهه، قال: وهذا من عمل النساخ، نساخ الكتب، عندما يأتي ينسخ ويأتي الاسم يضيف إليه هذه الكلمة أو هذه الجملة: كرم الله وجهه، أو عليه السلام، قال: لا يخصص أحد من الصحابة بشيء دون غيره، وإنما الصحابة يعاملون معاملة واحدة، والذي جرت عليه عادة السلف أنهم يترضون عن الصحابة جميعاً، ويترحمون على من بعدهم، فصار العرف السائد عند السلف في الدعاء للصحابة عندما يذكر الصحابي أن يقال: رضي الله تعالى عنه، أما: (كرم الله وجهه) في حق علي رضي الله تعالى عنه، وكذلك عليه السلام الذي يأتي ذكره في كثير من الكتب، هذا كما قال ابن كثير: من عمل النساخ، وليس من أصل الحديث، أو رواية الراوي، والحديث في البخاري وفي غيره ليس فيه ذكر كرم الله وجهه، وإنما ذكر علي أو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صلاة النبي بأبي بكر وصلاة الناس بصلاة أبي بكر من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري].العباس بن عبد العظيم العنبري، البصري، وهو: ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي]. وهو بصري ثقة، ثبت، عالم بالرجال والحديث. حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما الذهبي يعنيه ويعني يحيى بن سعيد القطان: إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: أنهما يصيبان، وأنهما لا يخطئان.[حدثنا زائدة].زائدة، هو: زائدة بن قدامة أبو الصلت، وهو: ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى].هو موسى بن أبي عائشة، وهو: ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو: أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].والحديث يرويه عن عائشة، وعن ابن عباس ؛ لأنه رواه عن عائشة، ثم إنه ذكره وما أنكر منه شيئاً، إلا أنه قال: أسمت لك الرجل الثاني؟ فقال: لا، قال: هو علي، ثم إن عدم ذكر عائشة لـعلي رضي الله تعالى عنه ؛ لأن في نفسها عليه شيء، ولعل من أسباب ذلك أنه في قصة الإفك كما جاء في الصحيح، عندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، أسامة بن زيد أشار عليه بأن يبقي عليها؛ وأنهم أهلك وما ذكر عنهم إلا الخير، أما علي رضي الله عنه فإنه قال: النساء غيرها كثير، يعني: أشار عليه بأن يطلقها، والنساء كثير، فلعلها وجدت في نفسها عليه، يعني: بسبب ذلك، مع أنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها ذكرته بخير، وأثنت عليه في بعض المواضع كما جاء في حديث المسح على الخفين في السفر، عندما سألها رجل عن مسح رسول الله أو مدة المسح، قالت: اذهب إلى علي فإنه أعلم مني بذلك؛ لأنه يصاحبه في السفر، فهي أثنت عليه، وأرشدت الذي سألها أن يذهب إليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فعدم ذكرها إياه، وذكرها للعباس وقالت: ورجل آخر، لعل ذلك بسبب ما أشار به على الرسول صلى الله عليه وسلم من أن يطلقها لما استشاره، وأسامة بن زيد أمره بأن يبقي عليها، وقال: إنه ما يعلم عنها إلا الخير، وعلي رضي الله عنه أشار بأن يطلقها رضي الله تعالى عن الجميع.
اختلاف نية الإمام والمأموم
شرح حديث: (يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بسورة كذا وسورة كذا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اختلاف نية الإمام والمأموم.أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: (كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجع إلى قومه يؤمهم، فأخر ذات ليلة الصلاة، وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى قومه يؤمهم، فقرأ سورة البقرة، فلما سمع رجل من القوم تأخر فصلى ثم خرج، فقالوا: نافقت يا فلان، فقال: والله ما نافقت، ولآتين النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، إن معاذاً يصلي معك، ثم يأتينا فيؤمنا، وإنك أخرت الصلاة البارحة فصلى معك، ثم رجع فأمنا، فاستفتح بسورة البقرة، فلما سمعت ذلك تأخرت فصليت، وإنما نحن أصحاب نواضح نعمل بأيدينا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ، أفتان أنت اقرأ بسورة كذا وسورة كذا)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اختلاف نية الإمام والمأموم، ومقصوده: أن هذا نيته أنه متنفل، وهذا نيته أنه مفترض، فهناك اختلاف في النية بين الإمام، والمأموم، الإمام يصلي متنفلاً، والمأموم يصلي مفترضاً، وهو أطلق الترجمة، وهي: تحتمل العكس، وهي المتنفل بالمفترض، لكن ما أورد تحت هذه الترجمة إلا حديثين، هما في صلاة المفترض خلف المتنفل، لكن جاءت أحاديث تدل على العكس، وهو أن المتنفل يصلي خلف المفترض، ومن ذلك الحديث: (في صلاته صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف في منى، فلما فرغ من صلاته وإذا برجلين قد جلسا لم يصليا، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما لكما لم تصليا؟ قالا: إنا صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما وأتيتما والإمام لم يصل فصليا معه تكون لكما نافلة)، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى أن المتنفل يصلي وراء المفترض، بل وفي وقت النهي؛ لأن هذه صلاة الفجر، وأمرهم بأن يصلوا نافلة، يعيدوا الصلاة يعني: جماعة نافلة، وكان ذلك يعتبر وقت نهي بالنسبة لهما؛ لأنهما صليا الفجر، لكن هذا يدل على أن ذلك سائغ، ومن ذلك أيضاً قصة الأحاديث التي مرت: (في الصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة، فقال: صلوها في وقتها، ثم صلوا معهم تكن لكما نافلة)، يعني: هذا متنفل خلف المفترض، يعني: صلاة هؤلاء الذين يصلون معهم متنفلون خلف مفترضين، فاختلاف نية الإمام والمأموم؛ بأن يصلي المفترض خلف المتنفل جاءت به السنة، كما ذكره المصنف، وعكس ذلك أيضاً جاءت به السنة كما ذكرت في هذه الأحاديث.وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه في قصة صلاة معاذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجوعه إلى قومه وصلاته بهم، وأنه طول بهم يوماً، وقرأ بهم سورة البقرة، فجاء رجل وصلى وراءه، ثم إنه لما طول تأخر وصلى، وقيل له: إنك نافقت، فقال: إنه سيخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما أخبره بذلك قال لـمعاذ: (أفتان أنت؟ اقرأ بسورة كذا وبسورة كذا)، أرشده إلى سورة يقرأ بها، جاء في بعض الروايات: أنها (سبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، وسور من المفصل)، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف من صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن هؤلاء الذين يصلي بهم معاذ هم مفترضون وهو متنفل، هو متنفل وهم مفترضون، والنية مختلفة بين الإمام والمأموم.
تراجم رجال إسناد حديث: (يا معاذ أفتان أنت؟ اقرأ بسورة كذا وسورة كذا)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].محمد بن منصور، وهو الجواز المكي، ثقة، خرج حديثه النسائي .قوله: [حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وهو ثقة، ثبت، حجة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن دينار ].هو عمرو بن دينار ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ سمعت جابر بن عبد الله ].جابر بن عبد الله الأنصاري.صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
المقصود بالبحر في البيت الذي يعدد المكثرين من رواية الحديث النبوي
السؤال: وأنس والبحر كالخدريِوجابر وزوجة النبيِ، فمن المراد بقوله: والبحر؟الجواب: البحر والحبر المراد به ابن عباس .
مسخ من يسابق الإمام في الصلاة بين عقوبة عاجل الدنيا وآجل الآخرة
السؤال: لماذا لا نقول: أن يحول رأس من رفع رأسه قبل الإمام رأس حمار على حقيقته في يوم القيامة؟الجواب: العلماء ذكروا أن هذا في الدنيا، وأن هذا يكون مسخ، وهذه عقوبة عاجلة تحصل في الدنيا، فيكون فيه خزي عاجل.
حكم تأخير الجنازة ليكثر المصلون
السؤال: جهز ميت في الساعة التاسعة صباحاً، فهل الأفضل أن يصلى عليه ويدفن في الحال أو ينتظر لصلاة الظهر ثم يصلى عليه؟الجواب: الأمر في ذلك واسع، الساعة التاسعة قريبة من الظهر، يعني: إذا ذهب به وعجل فذلك خير، وإن أخر ليكثر المصلون عليه، ففي ذلك خير إن شاء الله.
مدى ثبوت رواية مسلم في تسليم الذي انفصل عن معاذ في الصلاة لطولها
السؤال: في صحيح مسلم: أن الرجل الذي صلى خلف معاذ سلم من صلاته، فهل إذا خرج الإنسان من الصلاة يسلم أو بدون سلام؟الجواب: لا، أنا ما أعلم أنه سلم من صلاته، يعني: معناه أنه قطعها ثم صلى من جديد، إذا سلم معناه أنه يصلي من جديد، وهو انصرف وصلى في ناحية المسجد، يعني: انفصل منه وأكمل صلاته، فإذا كان هو سلم، معناه أنه يستأنفها من جديد، ومن المعلوم أن الدخول في الصلاة هو صحيح، ويبنى عليه، إذا لم يستطع أن يواصل ينفصل ويكمل، لكن أنا لا أدري أن في صحيح مسلم في غير هذا الحديث إذا كان في حديث من طريق آخر، أما هذا الحديث الذي ذكرته في صحيح مسلم الذي فيه حطان بن عبد الله الحديث الطويل، ليس فيه أنه سلم، إلا أن يكون في رواية أخرى وأنا لا أدري.
معنى العبارة: إن أحببت أن تستمتع ببصرك فلا تنظر بعد العصر في كتاب
السؤال: روى الذهبي في التذكرة عن قتيبة قال: كتب لي علي بن حجر: إن أحببت أن تستمتع ببصرك فلا تنظر بعد العصر في كتاب، يقول: ماذا يقصد الإمام في هذه العبارة؟الجواب: معناه واضح، يعني: كونه يخصص في الأصل أنه ما يطالع الإنسان، ما أعرف لذلك وجهاً، يعني: معناه أنه لا يقرأ أو ينظر في كتاب بعد العصر، يعني: معناه أن هذا سبب في بقاء البصر وسلامته واستمراره، ولكن مثل هذا يحتاج أولاً: إلى ثبوته عن قتيبة، وعلي بن حجر، وعلي بن حجر هو الذي كتب إلى قتيبة، ثم الأمر الثاني: هذا من الأمور التي ما تقال من قبل الرأي، يعني: ما أعرف له وجهاً.
اسم أبي سلمة
السؤال: يقول: ما اسم أبي سلمة بن عبد الرحمن ؟الجواب: قيل عبد الله، وقيل إسماعيل.
فضل الصحابة على غيرهم
السؤال: هل جنس الصحابة أفضل مثلاً من الأئمة الأربعة أو غيرهم، أم أفرادهم أفضل من بعض، مثلاً الإمام أحمد هل يكون أفضل من بعض الصحابة؟الجواب: لا أبداً، المعروف عن أهل السنة أن أي واحد من الصحابة أفضل من أي واحد سواه، يعني: معناه أن التفضيل إنما هو للجميع، يعني: معناه أي واحد من الصحابة أفضل من أي واحد ممن بعدهم، ونقل عن ابن عبد البر أنه قال بخلاف هذا القول، وهو أن التفضيل للمجموع لا للجميع، وأنه قد يكون في غير الصحابة من هو أفضل من من واحد من الصحابة، لكن هذا خلاف المشهور من مذهب أهل السنة، الذي هو أن أي واحد من الصحابة أفضل من أي واحد سواهم.
مدى ثبوت رواية الأعرج عن غير أبي هريرة
السؤال: هل روى الأعرج عن غير أبي هريرة من الصحابة؟الجواب: ما أذكر، لكن يمكن أنه يعرف هذا بترجمة الأعرج، يعني: يذكر في ترجمته روى عن فلان وفلان وفلان، إذا كان روى عن غير أبي هريرة يقال: روى عن فلان من الصحابة، ينظر يعني: السائل يرجع إلى ترجمته.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:01 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(154)
- (باب فضل الجماعة) إلى (باب الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة)
تزيد صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع أو بخمس وعشرين درجة، واختلف أهل العلم في صلاة الجماعة، هل هي واجبة أو مستحبة، والجماعة تبدأ باثنين فأكثر، وموقف المرأة خلف الرجال والصبيان.
فضل الجماعة
شرح حديث ابن عمر وأبي هريرة وعائشة في فضل صلاة الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل الجماعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده خمسة وعشرين جزءاً). أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن عمار حدثني القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ خمساً وعشرين درجة)].يقول النسائي رحمه الله: فضل صلاة الجماعة، أي: بيان فضلها، ومضاعفة الأجر فيها، فعندما يصلي الإنسان في جماعة، فإن صلاته تضاعف عما لو صلى وحده. وقد أورد النسائي في هذا أولاً: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، هذا الحديث يبين أن صلاة الجماعة إذا صلاها الإنسان مع الجماعة، فإنها تفضل على صلاته لو صلى وحده بسبع وعشرين درجة.وجاء في الحديث الذي بعده حديث أبي هريرة: (بخمسة وعشرين جزءاً)، أي: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءاً. وجاء الحديث الثالث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وهو مثل: حديث عبد الله بن عمر من حيث التمييز، ومثل: حديث أبي هريرة من حيث العدد، والدرجة، والجزاء، وهذا التفاوت الذي بينهما قيل: إن المراد بذلك هو المضاعفة إلى هذا المقدار، وإلى هذا العدد، وأن المقصود من ذلك: أنه من صلى وحده، فصلاته بصلاة واحدة، ومن صلى جماعة، فإن صلاته تبلغ سبعاً وعشرين صلاة، أو خمساً وعشرين صلاة، فمعنى هذا: أنها تضاعف هذه المضاعفة، ويكون الإنسان الذي صلى جماعة حصل له هذا التضعيف، وكأنه صلى هذه الصلوات بفضل صلاته مع الجماعة، وهو دال على فضل صلاة الجماعة. ثم ما جاء في حديث أبي هريرة من ذكر الجزء وهو خمس وعشرون جزءاً، وحديث ابن عمر من ذكر الدرجة، وهي سبع وعشرين درجة، قيل: أن العدد الأصغر يكون داخلاً في الأكبر، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في الخمس والعشرين، وبين ما جاء في السبع والعشرين، ومن العلماء من فرق: بأن السبعة والعشرين تكون في بعض الصلوات، مثل الصلوات الجهرية، والخمسة والعشرين تكون في الصلوات السرية، والذي يظهر: أن هذه المضاعفة تحصل لمن صلى الصلوات الجهرية والسرية، ويمكن أن يكون أخبر أولاً بأن فيه خمسة وعشرين، ثم بعد ذلك حصل زيادة وتفضل من الله عز وجل، وأن التضعيف يصل إلى سبع وعشرين درجة.
وجوب صلاة الجماعة
وأكثر الروايات جاءت بذكر الخمس والعشرين، وبعضها جاء بلفظ: السبع والعشرين، وكل ذلك يدل على التضعيف، وعلى فضل صلاة الجماعة، ولهذا استدل بها من قال: باستحباب صلاة الجماعة، وهو لا يدل على ذلك، وإنما يدل على أن من صلى صلاة الجماعة حصل له هذا التضعيف، والأحاديث الأخرى التي جاءت في بيان الوعيد الشديد والعقوبة في حق من لم يصل مع الجماعة، دالة على حصول الإثم فيما إذا لم يصل في جماعة، مع كون صلاته صحيحة، ولكنه يفوته هذا الأجر العظيم، ويكون آثماً لكونه ترك أمراً واجباً عليه.إن الأحاديث التي جاءت في التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة، وبيان أن من يفعل ذلك متصف بصفات المنافقين، وكذلك أيضاً ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث التي فيها الأمر بالجماعة، والحث عليها، والتحذير من التهاون فيها كما جاء في حديث الأعمى وغيره، الذي قال له: (هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب)، فتلك الأحاديث دالة على وجوبها، وهذه الأحاديث تدل على أن صلاة المنفرد وحده صحيحة، ولكنه يأثم إذا لم يأت بصلاة الجماعة؛ للأحاديث الأخرى الدالة على وجوبها، والقول بوجوب صلاة الجماعة هو الأظهر.ومن العلماء من قابل القول بالاستحباب وقال: إن صلاة الجماعة شرط، بمعنى: أنه لا تصح الصلاة من الإنسان لو صلى وحده، وهذا القول أيضاً ليس بصحيح؛ لأن هذه الأحاديث: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، تدل على بطلان هذا القول ورده.إذاً: فالقول الوسط والقول الذي تؤيده الأدلة: هو أن الجماعة واجبة، وأن من صلى وحده فصلاته صحيحة، ويكون آثماً لكونه ترك أمراً واجباً عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد أكثر النسائي من رواية حديثه فهو من شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، بل إن أول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد هذا، وقل ما يأتي صفحات خالية من ذكر قتيبة بن سعيد، بل مجيئه كثير، وذكره كثير، والرواية عنه في هذه السنن كثيرة.[عن مالك].ومالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة المشهورة المعروفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وقد ذكرت مراراً، وتكراراً: أن مذاهب الفقهاء ليست مقصورة على المذاهب الأربعة، بل هناك أئمة أجلة في زمن هؤلاء الأربعة وقبلهم وبعدهم، ولكن حصل اشتهار هؤلاء الأربعة لوجود تلاميذ وأتباع عنوا بجمع كلامهم وفقههم، وبتنظيمه وترتيبه والتأليف فيه، حتى صار لهذه المذاهب هذه الشهرة، وإلا فإن هناك علماء آخرون مجتهدون مثل هؤلاء؛ مثل: إسحاق بن راهويه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإبراهيم النخعي وغيرهم من الأئمة المحدثين الذين هم من الأئمة المجتهدين، ولكنه ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأربعة.[عن نافع].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.يروي عن عبد الله بن عمر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات، وسبق أن ذكرت أن أصحاب الكتب الستة: ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، والذين عندهم ثلاثيات، هم: البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا، وهو: قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا سند رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي.ثم هذا الإسناد الذي فيه مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا هو الإسناد الذي قال عنه الإمام البخاري: إنه أصح الأسانيد، ويسمى السلسلة الذهبية، فهو أصح الأسانيد عند الإمام البخاري رحمة الله عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].قتيبة عن مالك، وهما اللذان مرا في الإسناد الذي قبل هذا.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، منسوب إلى جد جده شهاب، وهو مشهور بالنسبة إليه، وأيضاً مشهور بالنسبة إلى جد جده الأعلى زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، حيث يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي، وزهرة ابنا كلاب، فهو منسوب إلى جده زهرة فيقال له: الزهري، ومنسوب إلى جد جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، وهو محدث، فقيه، وإمام جليل، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة، ولهذا يقول السيوطي: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرفالمقصود من ذلك: أنه هو الذي قام بالتدوين بتكليف من السلطان ومن ولي الأمر، وأما الكتابة والتدوين بجهود فردية شخصية، فهذا كان موجوداً في زمن الصحابة، وموجوداً في زمن التابعين، وابن شهاب الزهري هو من صغار التابعين، ولكن الجمع الذي حصل منه كان بتكليف من السلطان الذي هو عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه الذي توفي سنة: (101هـ).[عن سعيد بن المسيب].وهو سعيد بن المسيب من فقهاء التابعين، ومن فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين بالفقه والحديث، وكانوا في وقت واحد، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قيل عنها: وقال بها الفقهاء السبعة، والمراد بالسبعة سبعة من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب هذا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم في الفقهاء السبعة، فالسابع مختلف فيه على ثلاثة أقوال، وستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وسعيد بن المسيب من المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وهو محدث مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، واسمه: عبد الرحمن بن صخر على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكثرون من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه سبعة، وأكثر هؤلاء السبعة حديثاً أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد أسلم عام خيبر، وهذه الكثرة سببها أولاً: دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام له بالحفظ، وأن يحفظ ما يأخذه، وثانياً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى أن توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أيضاً كونه في المدينة، وهي ملتقى الوافدين والقادمين إليها والصادرين عنها، ثم هو أيضاً عمر حتى أدركه الكثيرون، فصار يأخذ ويعطي، يأخذ عن الصحابة ويأخذون عنه، والصحابة والتابعون يأخذون عنه، فكثر حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا هو السبب في كثرة حديثه، بل هو كما عرفنا أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهذا الإسناد خماسي: قتيبة، ومالك، وابن شهاب، وسعيد، وأبو هريرة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو السرخسي اليشكري ثقة، مأمون، سني، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، فقيل له: سني.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، إمام، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عمار].وهو عبد الرحمن بن عمار بن أبي زينب، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود في المراسيل، والنسائي.[عن القاسم بن محمد].وهو ابن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم عند ذكر سعيد بن المسيب، بل هو أحد الستة الذين لم يختلف في عدهم من الفقهاء السبعة.[عن عائشة].وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أكثر نساء هذه الأمة حديثاً، وهي المرأة الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمكثرون من الحديث سبعة من الصحابة، ستة من الرجال، وامرأة واحدة، وهذه المرأة الواحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهؤلاء السبعة يقول فيهم السيوطي: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي المراد بها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
الجماعة إذا كانوا ثلاثة
شرح حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة إذا كانوا ثلاثة.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)].ذكر النسائي هذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة. أي: كيف يصنعون؟ وكيف يعملون؟ ثم إن الجماعة أقلها اثنان: إمام ومأموم، هذا هو أقل الجماعة؛ لأن الواحد هو فرد وفذ، لكن إذا انضم إليه واحد يصلي معه، خرج من كونه فذاً إلى كونه صلى جماعة، فأقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم، وكلما زاد العدد كان أفضل وأكمل، وهذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة، وأورد النسائي حديث: أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)، فهذا يدل على أن الثلاثة عليهم بأن يكونوا جماعة، وأنه يؤمهم أحدهم، بل الاثنان يكونان جماعة، ويؤمهما أحدهما، ولكن الأولى بالإمامة هو أقرؤهم لكتاب الله عز وجل، كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في حديث: أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه الذي سبق أن مر بنا: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء..)، ثم أيضاً حديث سلمة الجرمي الذي يرويه عنه ابنه عمرو بن سلمة الذي فيه: (أنه يؤمهم أكثرهم قرآناً)، وأنهم نظروا فوجدوه أكثرهم أخذاً للقرآن، فقدموه بهم في الصلاة، فكان يصلي بهم وهو صغير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.[حدثنا أبو عوانة].وهذه كنية اشتهر بها واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهناك من هو مشتهر بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم، أو المسند، أو الصحيح؛ لأنه يسمى صحيح أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، وذاك متأخر غير هذا؛ لأن هذا من طبقة شيوخ شيوخ الشيخين، وأما هذا فهو مستخرج على صحيح مسلم؛ لأنه بعد مسلم، أي: يروي أحاديث مسلم بأسانيد يلتقي فيها مع الإمام مسلم، ولا يمر بالإمام مسلم، هذا هو المستخرج، فذاك غير هذا.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي نضرة].وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سعيد].وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه، مشهور بكنيته أبو سعيد، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين أشرت إليهم آنفاً.
الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة
شرح حديث ابن عباس: (صليت إلى جنب النبي وعائشة خلفنا تصلي معنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرني زياد: أن قزعة مولى عبد القيس أخبره: أنه سمع عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة خلفنا تصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم أصلي معه)].أورد النسائي هذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة، ثم أورد فيه حديث: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام فكان على يمينه، وكانت عائشة تصلي معهما وهي وراءهم، وهذا فيه: أن الرجل مع الصبي والمرأة يكونون جماعة، وأن المؤتم يكون عن يمين الإمام إذا كان واحداً، سواء كان رجلاً أو كان صبياً، وأن المرأة يكون موقفها وراء الصفوف، ولو كانت وحدها وصلت مع رجل واحد، فإنها تكون وراءه، ولا تكون بجواره؛ لأن النساء لا تصاف الرجال، وإنما صفوفهن وحدهن، ولو كانت واحدة فإنها تصلي وحدها، كما لو كان وراءه صفوف وهي وحدها، فإنها تكون وحدها، لا تصاف الرجال، ولا تقف في صف الرجال.والمراد بالصبي هو: ابن عباس؛ وذلك أنه لم يبلغ، وقد جاء في الحديث أنه في حجة الوداع كان قد ناهز الاحتلام، فهو لم يبلغ، ولهذا جاء ذكر الصبي أو ذكر الترجمة: رجل وصبي وامرأة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (صليت إلى جنب النبي وعائشة خلفنا تصلي معنا)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، أما أبوه إسماعيل وهو المشهور بابن علية فخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم سبق أن ذكرت: أن هناك أخ له اسمه إبراهيم، ولكنه من أهل البدع، وهو الذي ترجم له الذهبي، وقال عنه: إنه جهمي هالك، فأبوه من أهل السنة، وأخوه من أهل السنة، وأما إبراهيم، فهو من الجهمية، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل شاذة في الفقه، عندما يقال: قال ابن علية كذا في مسألة شاذة من مسائل الفقه، ليس المراد ابن علية الإمام الذي هو من أهل السنة إسماعيل، ولا ابنه محمداً، وإنما المقصود: إبراهيم بن إسماعيل، هذا الذي يأتي ذكره في المسائل الشاذة في مسائل الفقه.[عن حجاج].وهو الحجاج بن محمد المصيصي ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني زياد].وهو زياد بن سعد الخراساني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن قزعة].وهو المكي، مولى لـعبد القيس، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده.[عن عكرمة].وهو مولى ابن عباس، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تكلم فيه في عدة نواحي، ولكن الحافظ ابن حجر أطال في ترجمته في مقدمة الفتح، وحصر ما تكلم عليه به، ودافع عنه، وبين عدم صحة ما نسب إليه، وأنه ثقة ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
المقصود من قولهم: أخرجه البخاري تعليقاً
السؤال: ما معنى أخرجه البخاري تعليقاً؟الجواب: أخرجه البخاري تعليقاً إذا لم يذكر إسناده، بمعنى: ذكره معلقاً، بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول: قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول: قال فلان عن التابعي، أو يقول: قال فلان، وإن كان أقل من ذلك وأنزل من ذلك، وهذا ما يسمى بالمعلق، وإنما سمي تعليقاً؛ لأن الحذف كان في أول الإسناد، يعني: الإسناد جاء من فوق، ثم حذف أسفله فصار كالمعلق الذي فيه فراغ من تحته، حيث حذف جزء من السند من أسفله فصار كالمعلق، ولهذا الحافظ ابن حجر اعتنى بالأماكن المعلقة وجمعها، وذكر وصلها عند البخاري ؛ لأن البخاري أحياناً يكون عنده المعلق، ولكنه أسنده في مكان آخر، وأحياناً يكون معلقاً في كتابه، ولكنه أسند خارج الصحيح، فالمعلق: هو الذي يذكره البخاري ليس مسنداً، وإنما يحذف أول سنده، ويأتي به بأعلى الإسناد، أو من وسطه حتى أعلاه، أو قبل ذلك حتى أعلاه، وكتاب ابن حجر الذي سماه: تغليق التعليق لما كان الإسناد يأتي من فوق، وأسفله غير مسند، فبين وصله وسماه تغليق التعليق، أي: هذا المكان الخالي أغلقه بما أثبته من الاتصال الذي يكون قبل هذا التعليق، أو مكان هذا التعليق، فسماه: تغليق التعليق، ويأتي كثيراً في النسخ: تعليق التعليق، وهو تصحيف وخطأ، فتعليق التعليق ليس له معنى، فهو لا يعلق التعليق، وإنما يغلق التعليق، أي: المكان الخالي يأتي بشيء يسده، يسد الفراغ بالأشخاص الذين رووا الحديث متصلاً.والتعليق قسمان: تعليق بصيغة الجزم، وهي: قال وروى -بالفتح-، وتعليق بصيغة روي، ويذكر -للمجهول- والغالب على أن ما جاء بـ(يذكر ويروى) ففيه الضعف، وليس ذلك لازماً ودائماً، بل البخاري أحياناً يأتي به بصيغة التمريض التي هي يذكر، لا لضعفه، وإنما لكونه اختصره، أو رواه بالمعنى، فقد يكون صحيحاً، وقد أتى به بصيغة التمريض، وليس كل ما جاء بصيغة التعليق الجازم يكون أيضاً صحيحاً، ولكنه صحيح إلى من علق عنه، أي: المحذوف من الرواة مأمونون، وينظر فيه بعد ذلك، يعني: في المثبت والموجود. السؤال: ما سبب تسمية أبي هريرة بهذه الكنية؟الجواب: لا أدري.
معنى كلمة (مقبول) في كتاب التقريب
السؤال: ماذا يعني ابن حجر بلفظ: (مقبول) في كتابه التقريب؟الجواب: مقبول يقصد به: أنه يعتضد به، ويحتج به بالاعتضاد، لكن إذا لم يأت شيء يعضده فلا يحتج به.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والذكر عنده
السؤال: ماذا يقول من زار المسجد النبوي عند مروره بجوار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه؟الجواب: أقول: لا يقول شيئاً، الإنسان عندما يدخل المسجد ويخرج من المسجد يصلي ويسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك لو صلى وسلم عندما يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم صل وسلم وبارك على رسول الله فلا بأس بذلك، أما كونه يشرع له شيء خاص عند المرور فهذا لم يرد، وكونه يتذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بمروره عند قبره فيصلي ويسلم عليه، كأن يقول: اللهم صل وسلم وبارك عليه، فهذا لا بأس، لكنه كونه يزور، ويسلم سلام الزيارة، فهذا يدخل تحت قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً).
الصبي يقطع الصف
السؤال: هل تقطع الصبي في الصف إذا وقف في صفوف الرجال؟الجواب: لا ينبغي؛ لأن الإنسان الذي يجلس في وسط الصف وهو لا يصلي يقطع الصف، وقد مر بنا: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، ويدخل في ذلك من يجلس وسط الصف ولا يصلي، والصف مقطوع بسببه، فالقطع موجود، ولكن الصلاة صحيحة، وهو كما لو جلس إنسان في وسط الصف ولم يصل، فصلاة من صلى بجواره صحيحة.وإذا كان الصبي لا يقطع الصف أبداً فيصلي، ولكن المرأة سواء كانت صبية أو كبيرة، لا تصاف الرجال، بل صفها يكون وحدها، لكن لو صلت مع الرجال فهي مثل الرجل الجالس الذي يقطع الصف، وهي كذلك تقطع الصف.
تضعيف قراءة القرآن والذكر في المسجد الحرم
السؤال: ورد في الأحاديث أن الصلاة في المسجد النبوي تفضل على الصلاة فيما دونه من المساجد غير الحرم المكي والمسجد الأقصى، فهل الذكر وقراءة القرآن في هذا المسجد تفضل كذلك؟الجواب: التضعيف بهذا المقدار ما جاء إلا في الصلاة، أما قراءة القرآن وذكر الله عز وجل فليس هناك ما يدل على التضعيف، لكن لا شك أن فيه أجراً عظيماً، لكن من حيث التضعيف بالكمية، ما ثبت هذا إلا بالنسبة للصلاة، ولا شك أن الذكر وقراءة القرآن في المسجد النبوي له شأن عظيم، وكذلك في المسجد الحرام، لكن التضعيف بمقدار معين لا يقال إلا بوجود دليل، وليس هناك دليل إلا فيما يتعلق بالصلاة، يعني: أنه من التضعيف بالكيف وليس بالكم، لأن الكم يحتاج إلى نص، وأما الكيف فلا شك أن شأن هذا أكبر من غيره، لكن لا تحديد بعدد معين.
حكم اللقطة في المسجد النبوي
السؤال: ما حكم من وجد ساعة بجوار المسجد النبوي، ثم سأل عنها الباعة الموجودين في نفس المكان الذي وجدها فيه، فلم يجد صاحبها، وفعل ذلك مراراً، فماذا يفعل؟الجواب: نقول: المسجد النبوي مثل المسجد الحرام إذا وجد الإنسان شيئاً، ينبغي أن يذهب به إلى الجهة التي يقصدوها الناس للبحث عن الأشياء المفقودة في المسجد؛ بأن يعطيهم إياها، وهم يتولون ذلك، يحفظونها إلى أن يأتي صاحبها، وإذا ما جاء أحد بيعت، وتصدق بها عن صاحبها، وهذا الإنسان الذي وجدها إن عرفها سنة كاملة، وقام بتعريفها التعريف الشرعي، فإنه يملكها بعد سنة، لكن قد لا يتيسر له أن يقوم بالتعريف، ولكن كونه يعطيها لمن يكون مرجعاً، ومن يرجع إليه عند فقدانه الأشياء في المسجدين فهو الذي ينبغي.
العودة في الهبة
السؤال: إذا وهب إنسان لإنسان، هل له حق العودة فيها؟الجواب: لا، أبداً: (العائد في هبته كالكلب يقيء ويرجع في قيئه)، فلا يجوز للإنسان أن يعود في هبته.
النسيان لإحدى السجدتين
السؤال: هذا السائل يقول: صلى إنسان وبعد أن انتهى من صلاته تذكر أنه لم يسجد سوى سجدة واحدة، فهل يأتي بالسجدة الناقصة ويسلم أم يعيد الصلاة؟الجواب: يقوم ويأتي بركعة، وإذا كانت السجدة في الركعة الأخيرة فيمكن أنه يتشهد ثم يسلم ويسجد للسهو، أما إذا كانت في الركعات السابقة، فإنه يقوم ويأتي بركعة.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:03 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(155)
- (باب فضل الجماعة) إلى (باب الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة)
تزيد صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع أو بخمس وعشرين درجة، واختلف أهل العلم في صلاة الجماعة، هل هي واجبة أو مستحبة، والجماعة تبدأ باثنين فأكثر، وموقف المرأة خلف الرجال والصبيان.
فضل الجماعة
شرح حديث ابن عمر وأبي هريرة وعائشة في فضل صلاة الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل الجماعة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده خمسة وعشرين جزءاً). أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن عمار حدثني القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفذ خمساً وعشرين درجة)].يقول النسائي رحمه الله: فضل صلاة الجماعة، أي: بيان فضلها، ومضاعفة الأجر فيها، فعندما يصلي الإنسان في جماعة، فإن صلاته تضاعف عما لو صلى وحده. وقد أورد النسائي في هذا أولاً: حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، هذا الحديث يبين أن صلاة الجماعة إذا صلاها الإنسان مع الجماعة، فإنها تفضل على صلاته لو صلى وحده بسبع وعشرين درجة.وجاء في الحديث الذي بعده حديث أبي هريرة: (بخمسة وعشرين جزءاً)، أي: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءاً. وجاء الحديث الثالث حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وهو مثل: حديث عبد الله بن عمر من حيث التمييز، ومثل: حديث أبي هريرة من حيث العدد، والدرجة، والجزاء، وهذا التفاوت الذي بينهما قيل: إن المراد بذلك هو المضاعفة إلى هذا المقدار، وإلى هذا العدد، وأن المقصود من ذلك: أنه من صلى وحده، فصلاته بصلاة واحدة، ومن صلى جماعة، فإن صلاته تبلغ سبعاً وعشرين صلاة، أو خمساً وعشرين صلاة، فمعنى هذا: أنها تضاعف هذه المضاعفة، ويكون الإنسان الذي صلى جماعة حصل له هذا التضعيف، وكأنه صلى هذه الصلوات بفضل صلاته مع الجماعة، وهو دال على فضل صلاة الجماعة. ثم ما جاء في حديث أبي هريرة من ذكر الجزء وهو خمس وعشرون جزءاً، وحديث ابن عمر من ذكر الدرجة، وهي سبع وعشرين درجة، قيل: أن العدد الأصغر يكون داخلاً في الأكبر، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في الخمس والعشرين، وبين ما جاء في السبع والعشرين، ومن العلماء من فرق: بأن السبعة والعشرين تكون في بعض الصلوات، مثل الصلوات الجهرية، والخمسة والعشرين تكون في الصلوات السرية، والذي يظهر: أن هذه المضاعفة تحصل لمن صلى الصلوات الجهرية والسرية، ويمكن أن يكون أخبر أولاً بأن فيه خمسة وعشرين، ثم بعد ذلك حصل زيادة وتفضل من الله عز وجل، وأن التضعيف يصل إلى سبع وعشرين درجة.
وجوب صلاة الجماعة
وأكثر الروايات جاءت بذكر الخمس والعشرين، وبعضها جاء بلفظ: السبع والعشرين، وكل ذلك يدل على التضعيف، وعلى فضل صلاة الجماعة، ولهذا استدل بها من قال: باستحباب صلاة الجماعة، وهو لا يدل على ذلك، وإنما يدل على أن من صلى صلاة الجماعة حصل له هذا التضعيف، والأحاديث الأخرى التي جاءت في بيان الوعيد الشديد والعقوبة في حق من لم يصل مع الجماعة، دالة على حصول الإثم فيما إذا لم يصل في جماعة، مع كون صلاته صحيحة، ولكنه يفوته هذا الأجر العظيم، ويكون آثماً لكونه ترك أمراً واجباً عليه.إن الأحاديث التي جاءت في التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة، وبيان أن من يفعل ذلك متصف بصفات المنافقين، وكذلك أيضاً ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث التي فيها الأمر بالجماعة، والحث عليها، والتحذير من التهاون فيها كما جاء في حديث الأعمى وغيره، الذي قال له: (هل تسمع النداء؟ فقال: نعم، قال: فأجب)، فتلك الأحاديث دالة على وجوبها، وهذه الأحاديث تدل على أن صلاة المنفرد وحده صحيحة، ولكنه يأثم إذا لم يأت بصلاة الجماعة؛ للأحاديث الأخرى الدالة على وجوبها، والقول بوجوب صلاة الجماعة هو الأظهر.ومن العلماء من قابل القول بالاستحباب وقال: إن صلاة الجماعة شرط، بمعنى: أنه لا تصح الصلاة من الإنسان لو صلى وحده، وهذا القول أيضاً ليس بصحيح؛ لأن هذه الأحاديث: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، تدل على بطلان هذا القول ورده.إذاً: فالقول الوسط والقول الذي تؤيده الأدلة: هو أن الجماعة واجبة، وأن من صلى وحده فصلاته صحيحة، ويكون آثماً لكونه ترك أمراً واجباً عليه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد أكثر النسائي من رواية حديثه فهو من شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، بل إن أول حديث في سنن النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد هذا، وقل ما يأتي صفحات خالية من ذكر قتيبة بن سعيد، بل مجيئه كثير، وذكره كثير، والرواية عنه في هذه السنن كثيرة.[عن مالك].ومالك هو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة المشهورة المعروفة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وقد ذكرت مراراً، وتكراراً: أن مذاهب الفقهاء ليست مقصورة على المذاهب الأربعة، بل هناك أئمة أجلة في زمن هؤلاء الأربعة وقبلهم وبعدهم، ولكن حصل اشتهار هؤلاء الأربعة لوجود تلاميذ وأتباع عنوا بجمع كلامهم وفقههم، وبتنظيمه وترتيبه والتأليف فيه، حتى صار لهذه المذاهب هذه الشهرة، وإلا فإن هناك علماء آخرون مجتهدون مثل هؤلاء؛ مثل: إسحاق بن راهويه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإبراهيم النخعي وغيرهم من الأئمة المحدثين الذين هم من الأئمة المجتهدين، ولكنه ما حصل لهم مثلما حصل لهؤلاء الأربعة.[عن نافع].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.يروي عن عبد الله بن عمر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي أعلى ما عنده الرباعيات، وليس عنده شيء من الثلاثيات، وسبق أن ذكرت أن أصحاب الكتب الستة: ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، والذين عندهم ثلاثيات، هم: البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، وأما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا، وهو: قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا سند رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي.ثم هذا الإسناد الذي فيه مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا هو الإسناد الذي قال عنه الإمام البخاري: إنه أصح الأسانيد، ويسمى السلسلة الذهبية، فهو أصح الأسانيد عند الإمام البخاري رحمة الله عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك].قتيبة عن مالك، وهما اللذان مرا في الإسناد الذي قبل هذا.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، منسوب إلى جد جده شهاب، وهو مشهور بالنسبة إليه، وأيضاً مشهور بالنسبة إلى جد جده الأعلى زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، حيث يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب، وقصي، وزهرة ابنا كلاب، فهو منسوب إلى جده زهرة فيقال له: الزهري، ومنسوب إلى جد جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب، وهو محدث، فقيه، وإمام جليل، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة، ولهذا يقول السيوطي: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرفالمقصود من ذلك: أنه هو الذي قام بالتدوين بتكليف من السلطان ومن ولي الأمر، وأما الكتابة والتدوين بجهود فردية شخصية، فهذا كان موجوداً في زمن الصحابة، وموجوداً في زمن التابعين، وابن شهاب الزهري هو من صغار التابعين، ولكن الجمع الذي حصل منه كان بتكليف من السلطان الذي هو عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه الذي توفي سنة: (101هـ).[عن سعيد بن المسيب].وهو سعيد بن المسيب من فقهاء التابعين، ومن فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين بالفقه والحديث، وكانوا في وقت واحد، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قيل عنها: وقال بها الفقهاء السبعة، والمراد بالسبعة سبعة من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهم: سعيد بن المسيب هذا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير بن العوام، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع منهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم في الفقهاء السبعة، فالسابع مختلف فيه على ثلاثة أقوال، وستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وسعيد بن المسيب من المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وهو محدث مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، واسمه: عبد الرحمن بن صخر على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكثرون من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه سبعة، وأكثر هؤلاء السبعة حديثاً أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد أسلم عام خيبر، وهذه الكثرة سببها أولاً: دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام له بالحفظ، وأن يحفظ ما يأخذه، وثانياً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى أن توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أيضاً كونه في المدينة، وهي ملتقى الوافدين والقادمين إليها والصادرين عنها، ثم هو أيضاً عمر حتى أدركه الكثيرون، فصار يأخذ ويعطي، يأخذ عن الصحابة ويأخذون عنه، والصحابة والتابعون يأخذون عنه، فكثر حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا هو السبب في كثرة حديثه، بل هو كما عرفنا أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وهذا الإسناد خماسي: قتيبة، ومالك، وابن شهاب، وسعيد، وأبو هريرة.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في فضل صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].وهو السرخسي اليشكري ثقة، مأمون، سني، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقيل له: سني؛ لأنه أظهر السنة في بلده، فقيل له: سني.[حدثنا يحيى بن سعيد].وهو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، ثبت، إمام، ناقد، من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عمار].وهو عبد الرحمن بن عمار بن أبي زينب، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود في المراسيل، والنسائي.[عن القاسم بن محمد].وهو ابن أبي بكر الصديق، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم عند ذكر سعيد بن المسيب، بل هو أحد الستة الذين لم يختلف في عدهم من الفقهاء السبعة.[عن عائشة].وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أكثر نساء هذه الأمة حديثاً، وهي المرأة الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمكثرون من الحديث سبعة من الصحابة، ستة من الرجال، وامرأة واحدة، وهذه المرأة الواحدة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهؤلاء السبعة يقول فيهم السيوطي: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفزوجة النبي المراد بها أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:05 AM
الجماعة إذا كانوا ثلاثة
شرح حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة إذا كانوا ثلاثة.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)].ذكر النسائي هذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة. أي: كيف يصنعون؟ وكيف يعملون؟ ثم إن الجماعة أقلها اثنان: إمام ومأموم، هذا هو أقل الجماعة؛ لأن الواحد هو فرد وفذ، لكن إذا انضم إليه واحد يصلي معه، خرج من كونه فذاً إلى كونه صلى جماعة، فأقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم، وكلما زاد العدد كان أفضل وأكمل، وهذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة، وأورد النسائي حديث: أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)، فهذا يدل على أن الثلاثة عليهم بأن يكونوا جماعة، وأنه يؤمهم أحدهم، بل الاثنان يكونان جماعة، ويؤمهما أحدهما، ولكن الأولى بالإمامة هو أقرؤهم لكتاب الله عز وجل، كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في حديث: أبي مسعود الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه الذي سبق أن مر بنا: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء..)، ثم أيضاً حديث سلمة الجرمي الذي يرويه عنه ابنه عمرو بن سلمة الذي فيه: (أنه يؤمهم أكثرهم قرآناً)، وأنهم نظروا فوجدوه أكثرهم أخذاً للقرآن، فقدموه بهم في الصلاة، فكان يصلي بهم وهو صغير.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.[حدثنا أبو عوانة].وهذه كنية اشتهر بها واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وهو من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهناك من هو مشتهر بهذه الكنية، وهو صاحب المستخرج على صحيح مسلم، أو المسند، أو الصحيح؛ لأنه يسمى صحيح أبي عوانة، ومستخرج أبي عوانة، ومسند أبي عوانة، وذاك متأخر غير هذا؛ لأن هذا من طبقة شيوخ شيوخ الشيخين، وأما هذا فهو مستخرج على صحيح مسلم؛ لأنه بعد مسلم، أي: يروي أحاديث مسلم بأسانيد يلتقي فيها مع الإمام مسلم، ولا يمر بالإمام مسلم، هذا هو المستخرج، فذاك غير هذا.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي نضرة].وهو المنذر بن مالك البصري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سعيد].وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه، مشهور بكنيته أبو سعيد، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين أشرت إليهم آنفاً.
الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة
شرح حديث ابن عباس: (صليت إلى جنب النبي وعائشة خلفنا تصلي معنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرني زياد: أن قزعة مولى عبد القيس أخبره: أنه سمع عكرمة قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة خلفنا تصلي معنا، وأنا إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم أصلي معه)].أورد النسائي هذه الترجمة: الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل وصبي وامرأة، ثم أورد فيه حديث: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام فكان على يمينه، وكانت عائشة تصلي معهما وهي وراءهم، وهذا فيه: أن الرجل مع الصبي والمرأة يكونون جماعة، وأن المؤتم يكون عن يمين الإمام إذا كان واحداً، سواء كان رجلاً أو كان صبياً، وأن المرأة يكون موقفها وراء الصفوف، ولو كانت وحدها وصلت مع رجل واحد، فإنها تكون وراءه، ولا تكون بجواره؛ لأن النساء لا تصاف الرجال، وإنما صفوفهن وحدهن، ولو كانت واحدة فإنها تصلي وحدها، كما لو كان وراءه صفوف وهي وحدها، فإنها تكون وحدها، لا تصاف الرجال، ولا تقف في صف الرجال.والمراد بالصبي هو: ابن عباس؛ وذلك أنه لم يبلغ، وقد جاء في الحديث أنه في حجة الوداع كان قد ناهز الاحتلام، فهو لم يبلغ، ولهذا جاء ذكر الصبي أو ذكر الترجمة: رجل وصبي وامرأة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (صليت إلى جنب النبي وعائشة خلفنا تصلي معنا)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، أما أبوه إسماعيل وهو المشهور بابن علية فخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ومحمد بن إسماعيل بن إبراهيم سبق أن ذكرت: أن هناك أخ له اسمه إبراهيم، ولكنه من أهل البدع، وهو الذي ترجم له الذهبي، وقال عنه: إنه جهمي هالك، فأبوه من أهل السنة، وأخوه من أهل السنة، وأما إبراهيم، فهو من الجهمية، وهو الذي يأتي ذكره في مسائل شاذة في الفقه، عندما يقال: قال ابن علية كذا في مسألة شاذة من مسائل الفقه، ليس المراد ابن علية الإمام الذي هو من أهل السنة إسماعيل، ولا ابنه محمداً، وإنما المقصود: إبراهيم بن إسماعيل، هذا الذي يأتي ذكره في المسائل الشاذة في مسائل الفقه.[عن حجاج].وهو الحجاج بن محمد المصيصي ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني زياد].وهو زياد بن سعد الخراساني، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن قزعة].وهو المكي، مولى لـعبد القيس، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده.[عن عكرمة].وهو مولى ابن عباس، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد تكلم فيه في عدة نواحي، ولكن الحافظ ابن حجر أطال في ترجمته في مقدمة الفتح، وحصر ما تكلم عليه به، ودافع عنه، وبين عدم صحة ما نسب إليه، وأنه ثقة ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
المقصود من قولهم: أخرجه البخاري تعليقاً
السؤال: ما معنى أخرجه البخاري تعليقاً؟الجواب: أخرجه البخاري تعليقاً إذا لم يذكر إسناده، بمعنى: ذكره معلقاً، بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول: قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو يقول: قال فلان عن التابعي، أو يقول: قال فلان، وإن كان أقل من ذلك وأنزل من ذلك، وهذا ما يسمى بالمعلق، وإنما سمي تعليقاً؛ لأن الحذف كان في أول الإسناد، يعني: الإسناد جاء من فوق، ثم حذف أسفله فصار كالمعلق الذي فيه فراغ من تحته، حيث حذف جزء من السند من أسفله فصار كالمعلق، ولهذا الحافظ ابن حجر اعتنى بالأماكن المعلقة وجمعها، وذكر وصلها عند البخاري ؛ لأن البخاري أحياناً يكون عنده المعلق، ولكنه أسنده في مكان آخر، وأحياناً يكون معلقاً في كتابه، ولكنه أسند خارج الصحيح، فالمعلق: هو الذي يذكره البخاري ليس مسنداً، وإنما يحذف أول سنده، ويأتي به بأعلى الإسناد، أو من وسطه حتى أعلاه، أو قبل ذلك حتى أعلاه، وكتاب ابن حجر الذي سماه: تغليق التعليق لما كان الإسناد يأتي من فوق، وأسفله غير مسند، فبين وصله وسماه تغليق التعليق، أي: هذا المكان الخالي أغلقه بما أثبته من الاتصال الذي يكون قبل هذا التعليق، أو مكان هذا التعليق، فسماه: تغليق التعليق، ويأتي كثيراً في النسخ: تعليق التعليق، وهو تصحيف وخطأ، فتعليق التعليق ليس له معنى، فهو لا يعلق التعليق، وإنما يغلق التعليق، أي: المكان الخالي يأتي بشيء يسده، يسد الفراغ بالأشخاص الذين رووا الحديث متصلاً.والتعليق قسمان: تعليق بصيغة الجزم، وهي: قال وروى -بالفتح-، وتعليق بصيغة روي، ويذكر -للمجهول- والغالب على أن ما جاء بـ(يذكر ويروى) ففيه الضعف، وليس ذلك لازماً ودائماً، بل البخاري أحياناً يأتي به بصيغة التمريض التي هي يذكر، لا لضعفه، وإنما لكونه اختصره، أو رواه بالمعنى، فقد يكون صحيحاً، وقد أتى به بصيغة التمريض، وليس كل ما جاء بصيغة التعليق الجازم يكون أيضاً صحيحاً، ولكنه صحيح إلى من علق عنه، أي: المحذوف من الرواة مأمونون، وينظر فيه بعد ذلك، يعني: في المثبت والموجود. السؤال: ما سبب تسمية أبي هريرة بهذه الكنية؟الجواب: لا أدري.
معنى كلمة (مقبول) في كتاب التقريب
السؤال: ماذا يعني ابن حجر بلفظ: (مقبول) في كتابه التقريب؟الجواب: مقبول يقصد به: أنه يعتضد به، ويحتج به بالاعتضاد، لكن إذا لم يأت شيء يعضده فلا يحتج به.
زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والذكر عنده
السؤال: ماذا يقول من زار المسجد النبوي عند مروره بجوار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه؟الجواب: أقول: لا يقول شيئاً، الإنسان عندما يدخل المسجد ويخرج من المسجد يصلي ويسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك لو صلى وسلم عندما يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم صل وسلم وبارك على رسول الله فلا بأس بذلك، أما كونه يشرع له شيء خاص عند المرور فهذا لم يرد، وكونه يتذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بمروره عند قبره فيصلي ويسلم عليه، كأن يقول: اللهم صل وسلم وبارك عليه، فهذا لا بأس، لكنه كونه يزور، ويسلم سلام الزيارة، فهذا يدخل تحت قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً).
الصبي يقطع الصف
السؤال: هل تقطع الصبي في الصف إذا وقف في صفوف الرجال؟الجواب: لا ينبغي؛ لأن الإنسان الذي يجلس في وسط الصف وهو لا يصلي يقطع الصف، وقد مر بنا: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، ويدخل في ذلك من يجلس وسط الصف ولا يصلي، والصف مقطوع بسببه، فالقطع موجود، ولكن الصلاة صحيحة، وهو كما لو جلس إنسان في وسط الصف ولم يصل، فصلاة من صلى بجواره صحيحة.وإذا كان الصبي لا يقطع الصف أبداً فيصلي، ولكن المرأة سواء كانت صبية أو كبيرة، لا تصاف الرجال، بل صفها يكون وحدها، لكن لو صلت مع الرجال فهي مثل الرجل الجالس الذي يقطع الصف، وهي كذلك تقطع الصف.
تضعيف قراءة القرآن والذكر في المسجد الحرم
السؤال: ورد في الأحاديث أن الصلاة في المسجد النبوي تفضل على الصلاة فيما دونه من المساجد غير الحرم المكي والمسجد الأقصى، فهل الذكر وقراءة القرآن في هذا المسجد تفضل كذلك؟الجواب: التضعيف بهذا المقدار ما جاء إلا في الصلاة، أما قراءة القرآن وذكر الله عز وجل فليس هناك ما يدل على التضعيف، لكن لا شك أن فيه أجراً عظيماً، لكن من حيث التضعيف بالكمية، ما ثبت هذا إلا بالنسبة للصلاة، ولا شك أن الذكر وقراءة القرآن في المسجد النبوي له شأن عظيم، وكذلك في المسجد الحرام، لكن التضعيف بمقدار معين لا يقال إلا بوجود دليل، وليس هناك دليل إلا فيما يتعلق بالصلاة، يعني: أنه من التضعيف بالكيف وليس بالكم، لأن الكم يحتاج إلى نص، وأما الكيف فلا شك أن شأن هذا أكبر من غيره، لكن لا تحديد بعدد معين.
حكم اللقطة في المسجد النبوي
السؤال: ما حكم من وجد ساعة بجوار المسجد النبوي، ثم سأل عنها الباعة الموجودين في نفس المكان الذي وجدها فيه، فلم يجد صاحبها، وفعل ذلك مراراً، فماذا يفعل؟الجواب: نقول: المسجد النبوي مثل المسجد الحرام إذا وجد الإنسان شيئاً، ينبغي أن يذهب به إلى الجهة التي يقصدوها الناس للبحث عن الأشياء المفقودة في المسجد؛ بأن يعطيهم إياها، وهم يتولون ذلك، يحفظونها إلى أن يأتي صاحبها، وإذا ما جاء أحد بيعت، وتصدق بها عن صاحبها، وهذا الإنسان الذي وجدها إن عرفها سنة كاملة، وقام بتعريفها التعريف الشرعي، فإنه يملكها بعد سنة، لكن قد لا يتيسر له أن يقوم بالتعريف، ولكن كونه يعطيها لمن يكون مرجعاً، ومن يرجع إليه عند فقدانه الأشياء في المسجدين فهو الذي ينبغي.
العودة في الهبة
السؤال: إذا وهب إنسان لإنسان، هل له حق العودة فيها؟الجواب: لا، أبداً: (العائد في هبته كالكلب يقيء ويرجع في قيئه)، فلا يجوز للإنسان أن يعود في هبته.
النسيان لإحدى السجدتين
السؤال: هذا السائل يقول: صلى إنسان وبعد أن انتهى من صلاته تذكر أنه لم يسجد سوى سجدة واحدة، فهل يأتي بالسجدة الناقصة ويسلم أم يعيد الصلاة؟الجواب: يقوم ويأتي بركعة، وإذا كانت السجدة في الركعة الأخيرة فيمكن أنه يتشهد ثم يسلم ويسجد للسهو، أما إذا كانت في الركعات السابقة، فإنه يقوم ويأتي بركعة.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:07 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(156)
- باب الجماعة إذا كانوا اثنين - باب الجماعة للنافلة
بيّن الشرع الحكيم أقل ما تحصل به صلاة الجماعة، كما بين موقف المأموم الواحد من الإمام، وفضل الكثرة في الجماعة، ولو في النافلة.
الجماعة إذا كانوا اثنين
شرح حديث ابن عباس: (صليت مع رسول الله فقمت عن يساره ... فأقامني عن يمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة إذا كانوا اثنين.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت عن يساره، فأخذني بيده اليسرى فأقامني عن يمينه) ].يقول النسائي رحمه الله: الجماعة إذا كانوا اثنين، الجماعة أقلها اثنان: إمام، ومأموم، والمأموم في هذه الحال يكون عن يمين الإمام، ولا يكون عن يساره، وقد أورد النسائي في هذا حديث: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أنه صلى مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في الليلة التي بات فيها عند خالته ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فوقف عن يساره بعدما دخل في الصلاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذه بيساره فأداره عن يمينه)، فجعله يتحول من ورائه من كونه عن يساره إلى كونه عن يمينه، وهذا فيه حصول الجماعة من اثنين: إمام، ومأموم، وقد سبق أن مر الحديث، وفيه حصول النافلة جماعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الليل، وقام ابن عباس معه، ودخل معه في الصلاة، يعني: في صلاة الليل، فهي نافلة، ففيه حصول الجماعة في النافلة. وفيه أيضاً: أن الإنسان إذا دخل وحده، ثم جاءه غيره ودخل معه، فإنه يتحول، أو يصير إماماً لوجود هذا الذي جاء، ودخل معه في الصلاة، فهو دخل في الصلاة على أنه منفرد، وفي أثنائها صار إماماً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قام من الليل، ودخل في الصلاة، ثم إن ابن عباس قام وتوضأ، ثم جاء ووقف عن يساره، فأداره إلى يمينه، ففيه الدلالة على أن الذي يصلي وحده، إذا جاء غيره، ودخل معه في الصلاة، فيصير إماماً، وذلك الداخل يصير مأموماً، وفعل رسول الله عليه الصلاة والسلام ومعه ابن عباس في هذه الواقعة يدل على هذا الشيء، ويدل على أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وعلى أنه لو صلى عن يساره، فإن الصلاة صحيحة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على ما بدأه من الصلاة، ولم ينبهه إلى أنه لابد من استئنافها عن يمينه، بل اعتبر ما كان عن يساره، وإنما أداره إلى يمينه حيث تحول إلى جهة اليمين، وأقره على الفعل السابق الذي كان على جهة اليسار، فلو حصلت الصلاة عن جهة اليسار صحت، ولكن فيها مخالفة للسنة، واعتبار ما مضى قبل الإدارة من ورائه يدل على صحة ذلك، وعلى حصول ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (صليت مع رسول الله فقمت عن يساره ... فأقامني عن يمينه)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، راوية عبد الله بن المبارك، ولقبه الشاه، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله بن المبارك المروزي].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو أيضاً مروزي، وهو ثقة، جواد، مجاهد، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من خصاله وصفاته الحميدة، وعقبها بقوله: جمعت فيه خصال الخير. فهو من العباد، المجاهدين، الثقات، الأثبات، وقال عنه بعض العلماء: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، أي: أكبر من أن يقال فيه: ثقة، ثقة قليلة عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الملك].وهو ابن أبي سلمان، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عطاء].وهو ابن أبي رباح المكي، وهو ثقة، فقيه، فاضل، كثير الإرسال، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].وهو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، قيل: إن الذين عرفوا بالتلقيب بأبي العباس شخصان، أحدهما: عبد الله بن عباس، والثاني: سهل بن سعد الساعدي، فهذان الاثنان من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، قيل عنهما: إنهما هما اللذان يكنيان بهذه الكنية، وهي: أبو العباس، وعبد الله بن عباس هو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأن الذين يسمون بعبد الله من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرون، ولكن الذين اشتهروا بهذا اللقب، وهو العبادلة الأربعة، هؤلاء الصحابة الأربعة من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وهم من صغار الصحابة، وسبق أن مر في ترجمة سابقة قريباً قول النسائي: [الجماعة إذا كانوا ثلاثة رجل، وصبي، وامرأة]، والمراد بالصبي عبد الله بن عباس ؛ وذلك أنه في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، وقارب البلوغ، فهو من صغار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.والأربعة متقاربون، وليس منهم عبد الله بن مسعود ؛ لأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ممن تقدمت وفاته، وهو من كبار الصحابة، وأما الأربعة فهم متقاربون في السن، وعاشوا وأدركهم الكثير ممن لم يدرك ابن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأيضاً عبد الله بن عباس هو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة من الرجال، وامرأة واحدة، الستة هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، هؤلاء الستة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، والسابع امرأة، وهي: أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
شرح حديث: (... وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن أبي إسحاق: أنه أخبرهم عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه قال شعبة: وقال أبو إسحاق: وقد سمعته منه ومن أبيه، قال: سمعت أبي بن كعب رضي الله عنه يقول: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً صلاة الصبح، فقال: أشهد فلان الصلاة؟ قالوا: لا، قال: ففلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلاة على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، والصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل) ].أورد النسائي في هذه الترجمة، وهي: (الجماعة إذا كانوا اثنين) حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه الذي فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بالناس الصبح، فقال: (أشهد فلان الصلاة؟ قالوا: لا، قال: ففلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين)، يريد الصبح ويريد العشاء، الصبح التي هي الحاضرة، والعشاء التي هي قبلها، وهي فيها شبه بها من حيث أنها تقع في الليل، والعشاء تقع في أول الليل، حيث يكون الناس بحاجة إلى النوم، ولهذا جاء في الحديث: (وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها)، يكره النوم قبلها؛ لأنه يؤدي إلى النوم عن صلاة العشاء وفواتها جماعة، وكذلك أيضاً صلاة الفجر تقع عندما يطيب الفراش، وعندما يتلذذ النائم بالنوم، ويطيب له النوم، فيجد في منامه الراحة واللذة، ولهذا يأتي في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، يعني: هذا النوم الذي تدركون لذته، وتدركون حسنه، والارتياح إليه، ما تدعون إليه وهو الصلاة خير من هذا الذي طاب لكم، ولذ لكم، وأنستم به، وارتحتم إليه، فصلاة العشاء تقع في أول الليل بعدما يكون الناس في تعب ونصب في النهار، يحتاجون إلى النوم فينام المنافقون عن الصلاة، وكذلك في آخر الليل يكون الفراش قد طاب ولذ وصار النوم لذيذاً؛ لأن الإنسان مغرق في النوم، ومتمكن من النوم، فلهذا كانت هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، وكل الصلوات ثقيلة؛ لأن قوله: [ن هاتين الصلاتين من أثقل]يدل على أن غيرهما ثقيل، ولكن هاتان الصلاتان فيهما زيادة ثقل، وفيها كثرة الثقل على المنافقين، ففيه أفعل تفضيل، أثقل الصلاة على المنافقين هاتان الصلاتان، إشارة إلى الحاضرة، وإشارة إلى الصلاة التي قبلها، والتي هي متصلة بها من حيث الوقت الذي هو الاضطراري، وكون هذه تقع في أول الليل، وهذه تقع في آخر الليل عندما يطلع الفجر، ويحسن النوم في هاتين الصلاتين. وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه بالنفاق؛ لأن صلاة العشاء، وصلاة الفجر هي أثقل الصلاة على المنافقين كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم بين عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء المنافقين لو يعلمون ما فيهما من الأجر، أي: هاتين الصلاتين، لأتوهما، ولو حبواً: ولو كانوا يحبون على الركب، وعلى الأيدي من شدة المرض، لو كانوا يعلمون الأجر الذي فيهما لحرصوا على الإتيان جماعة، وهذا الحديث يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لأنها لو لم تكن واجبة لما حصل فيها هذا الوعيد، وبيان أن هذا من صفات المنافقين، لو كان الأمر سهلاً، وهيناً، الذي يصلي يصلي، والذي يتأخر يتأخر، ما جاء فيها هذا الذي جاء، لكن لما جاء علم بأنها واجبة؛ لأن كونها أثقل الصلاة على المنافقين يعني أن الصلوات ثقيلة على المنافقين، ثم أيضاً كون أنهم لو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما، ولو حبواً.وأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا يعلمون ما فيهما من الأجر، ويعلمون ما في صلاة الجماعة من أجر، ولهذا كان الواحد يصيبه المرض ويشتد به وهو معذور، فله أن يصلي في بيته، ولكن نفوسهم لا تسمح لهم أن يبقوا ويصلوا في بيوتهم، وإنما يأتون إلى المساجد، وفيهم من المشقة ما فيهم، حتى أن الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، كما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مؤمناً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى لهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال كما أسلفت: كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه، أي: اتهمناه بالنفاق، هذا إذا فقدوه في المسجد، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة واجبة؛ لأنها لو لم تكن واجبة ما كان هذا الترهيب، وهذا والوعيد، وبيان أن هذه أحوال المنافقين، ثم أيضاً أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم كونهم يتهمون بالنفاق من يرونه متخلفاً عن صلاة العشاء، وكون الواحد منهم يصيبه المرض، ثم لا تسمح نفسه أن يصلي في بيته، بل يؤتى به يهادى بين الرجلين.وفي أول الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أشاهد فلان؟ أشاهد فلان؟)، وهذا يدلنا على جواز عد الناس في صلاة الصبح؛ ليعرف من حضر ومن تخلف، كما هو معمول به في بعض البلاد، حيث أنه بعد أن ينتهى من صلاة الصبح ينادى الناس بأسمائهم؛ لأن من يخشى عليهم التخلف هم إما لكونهم مثلاً شباباً، أو ممن يغلب النوم عليهم، فيكون ذلك دافعاً وحافزاً لهم إلى أن يحضروا المساجد؛ لأن هذا الحديث يدل على جواز هذا العدد الذي يكون في المساجد بعد الصلوات، قول الرسول: (أشاهد فلان؟ أشاهد فلان؟)، معناه: تسمية الناس بعد الصلاة، ومعرفة من حضر ومن لم يحضر، وفيه حفز للهمم، وابتعاد عن التخلف، ومن المعلوم أن الإنسان يستحي من الله، ويستحي من خلق الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). قوله: [(والصف الأول على مثل صف الملائكة) ]. المراد بذلك أن الملائكة تصف عند الله عز وجل، ويكملون الصف الأول فالأول، وخير الصفوف وأفضل الصفوف هو الأول منها التي هي صفوف الملائكة، وكذلك صفوف المصلين، والرسول عليه الصلاة والسلام كما مر بنا في الحديث، قال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قالوا: وكيف تصف؟ قال: يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصفوف)، فالصف الأول الذي يلي الإمام هو مثل الصف الأول من صفوف الملائكة الذي هو أولها، فإن هذا فيه مشابهة ومماثلة، وفيه بيان عظم الأجر لمن يصلي في الصف الأول؛ لأنه مماثل لأول صفوف الملائكة عند الله عز وجل.قوله: [(ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه)].أي: لو يعلم الناس فضيلته لسارعوا إليه، وبادروا إليه، وهذا مثل الحديث الآخر الذي في معناه، ويدل على ما دل عليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، أي: يعملون قرعة، أي: كونهم يصلون دفعة واحدة، وكل واحد ما يسمح للثاني، فتفصل بينهم القرعة.قوله: [(وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) ]. وهذا هو محل الشاهد من إيراد هذا الحديث الطويل في الترجمة: الجماعة إذا كانوا اثنين، هذا محل الشاهد من هذا الحديث الطويل، قوله: (وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته وحده)، أزكى، يعني: أفضل، وأعظم أجراً من صلاته وحده، وصلاته مع الاثنين أزكى من صلاته مع الواحد.قوله: [(وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)]. كلما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل، وهذا يدلنا على أن الجماعة كلما كثرت كلما كان أفضل، المسجد الذي تكثر فيه الجماعة، هذا يدل على فضيلته، وهذا فيه أيضاً دليل على اتصاف الله تعالى بالمحبة، وأن الله تعالى يحب من شاء من عباده، ويحب ما شاء من الأفعال والأعمال، فإن هذه الصلاة التي يكثر العدد فيها، كلما كان العدد أكثر فإنه أحب إلى الله عز وجل، وفيه أيضاً حصول التفاوت في محبة الله تعالى؛ لأن قوله: أحب إلى الله، أي: معناه أن الأعمال المحبوبة عند الله متفاوتة، وبعضها أحب إليه من بعض.ومن المعلوم أن إثبات المحبة لله عز وجل، وغيرها من الصفات، كله على نسق واحد، وعلى طريقة واحدة، كل ما ثبت به الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل يجب الإيمان به على الوجه اللائق بكمال الله، وجلاله دون تشبيه لله بخلقه، ودون تعطيل للصفات، أو نفي، أو تأويل لها، بل يجب إثباتها، وعدم التعرض لها بتشبيه، أو تكييف، أو تحريف، أو تعطيل، بل كلها تثبت على حد قول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، فأثبت لنفسه السمع، والبصر، ونفى المشابهة، ونفى مشابهته لشيء من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
تراجم رجال إسناد حديث: (... وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].هو البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد ذكرت فيما مضى: أن من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة معرفة هذا النوع ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بكنيته مع اسمه، فإن من يعرف اسمه، ونسبه، ولا يعرف كنيته، يظن أنه لو جاء بالاسم، والكنية، أن هناك تصحيف بين (ابن)، و(أبو)، وأن (ابن) صحفت، وتحولت إلى (أبو)، ومن يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب لا يلتبس عليه الأمر، ولا يظن هذا الظن: أن في اللفظ تصحيفاً. [عن خالد بن الحارث].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، الهمداني نسبة عامة، والسبيعي نسبة خاصة؛ لأن سبيع هم بطن من همدان، وجزء من همدان، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة، وهي السبيعي، ومشهور بكنيته، فهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن أبي بصير].وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [عن أبيه].هو أبو بصير العبدي الكوفي الأعمى، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وهو: كابنه، ويذكر شعبة عن أبي إسحاق: أن أبا إسحاق رواه عن عبد الله بن أبي بصير عن أبيه، ورواه عن أبيه، معناه أن الحديث يرويه أبو إسحاق من طريقين: من طريق عالية، ومن طريق نازلة، من طريق نازلة، وهي أن بينه وبين أبي بصير واسطة وهو ابنه، ومن طريق عالية، وهي أنه يروي عن أبي بصير مباشرة وبدون واسطة.إذاً: هو بإسناد عالٍ، وبإسناد نازل، وهذا يحصل فالمحدث قد يسمع الحديث بطريق نازلة، ثم يظفر بالطريق العالية فيروي بها، فيجيء عنه مروياً بالطريق النازلة، ويجيء مروياً بالطريق العالية، ولكن الرواية النازلة عنه غالباً ما تكون في الأول، ولكنه بعد ذلك، أي: الذي رواه نازلاً، يظفر به عالياً، فيرويه بدون واسطة، ويرويه بالواسطة اعتباراً بالحالين اللتين حصل بهما الرواية، كونه حصله نازلاً فرواه نازلاً، ثم بعد ذلك ظفر به عالياً فرواه عالياً.[عن أبي بن كعب].وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي وصف بأنه سيد القراء، وهو من فضلاء الصحابة، وهو الذي جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة:1]، قال: وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى أبي من الفرح)، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذه منقبة من مناقبه؛ كون الله عز وجل أمر نبيه أن يقرأ على أبي سورة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة:1].
الجماعة للنافلة
شرح حديث عتبان في صلاة النافلة جماعة في البيت
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة للنافلة.أخبرنا نصر بن علي حدثنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن محمود عن عتبان بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله، إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي، فأحب أن تأتيني فتصلي في مكان من بيتي أتخذه مسجداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سنفعل، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أين تريد؟ فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين) ].أورد النسائي: الجماعة في النافلة، والمقصود من ذلك أن النافلة يجوز أن تصلى جماعة، ولكن هذا في بعض الأحيان؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يداوم على هذا، وإنما يفعله في بعض الأحيان، فهذا يدل على أنه إذا وجدت النافلة في بعض الأحيان من غير ملازمة فإن ذلك سائغ، ويدل عليه هذا الحديث الذي هو حديث عتبان بن مالك، ويدل أيضاً على هذا حديث ابن عباس المتقدم قريباً، حيث بات عند خالته ميمونة، وقام الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، وقام ابن عباس وتوضأ، وصف عن يساره فأداره عن يمينه، فهذه صلاة الجماعة في النافلة، فهذا يدل على جواز ذلك في بعض الأحيان، دون أن يتخذ سنة، وطريقة، وأن يلازم، وأن يداوم عليه؛ لأنه لم يعرف ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وقد أورد النسائي في هذه الترجمة حديث عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، أنه جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: إن السيول تحول بيني، وبين مسجد قومي، وكان يصلي بقومه، وهو أعمى، قد سبق أن مر في إمامة الأعمى، فطلب منه أن يأتي ليصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، يعني: يتبرك بكون الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي في موضع من بيته، ويبدأ الصلاة فيه، فيتخذ ذلك مسجداً يصلي فيه، وهذا التبرك وهذا العمل هو خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يفعل هذا مع غيره، كأن يطلب من أحد أن يأتي، ويصلي في مكان ليتبرك بصلاته، وبمكان صلاته؛ لأن هذا التبرك خاص بشخصه عليه الصلاة والسلام، مثل التحنيك، وكذلك تبركهم بعرقه، وبصاقه، وشعره، وما إلى ذلك من بعض الأشياء التي يمسها جسده عليه الصلاة والسلام، فهذه من خصائصه، فلا تفعل مع أحد سواه عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر الشاطبي في (الاعتصام): أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لما لم يفعلوا هذا مع أحد من بعده، علم أن هذا خاص به، أي: التبرك بجسده، وما لمس جسده، وما مس جسده عليه الصلاة والسلام، هذا من خصائصه، فهو طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي، ويصلي في مكان يتخذه مصلى، فيما إذا حصل مجيء السيول، وحالت بينه، وبين المسجد، إذا سال الوادي، ولم يتمكن من الذهاب إلى المسجد بسبب السيل، فإنه يصلي في بيته، وفي هذا المكان الذي صلى فيه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فقال: سنفعل، أي: وافق وأنه سيأتي إليه، ونفذ رسول الله عليه الصلاة والسلام ما وعد به، ولما جاء إليه قال له: أي مكان تريد؟ فأشار إلى المكان الذي يريد أن يصلي فيه، فصلى وصلوا وراءه، وهذا هو محل الشاهد، كونهم صلوا وراءه في هذه المكان، وهي صلاة نافلة، ففيه الجماعة في النافلة، وهو دال على جوازها في بعض الأحيان، وليس دائماً، ولا يتخذ سنة، وطريقة؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، الذي هو المداومة، والملازمة.
تراجم رجال إسناد حديث عتبان في صلاة النافلة جماعة في البيت
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].وهو نصر بن علي، أي: اسمه واسم أبيه يوافق اسم جده واسم أبي جده، نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، مثل محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، كل هؤلاء شيوخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنهم مباشرة وبدون واسطة، وهذان الاثنان، أو هذا الرجل مما جاء فيه اسمه، واسم أبيه مكرراً مع اسم جده، وأبي جده؛ لأنه نصر بن علي بن نصر بن علي، الاثنان مكرران، ومثل هذا خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، أي: يتكرر الاسم واسم الأب مع اسم الجد، واسم أبيه.[حدثنا عبد الأعلى].وهو عبد الأعلى بن عبد الأعلى اسمه يوافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معمر].وهو ابن راشد الأزدي البصري، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام، وهو الذي يأتي، وهو الذي يروي عنه عبد الرزاق صحيفة همام بن منبه، وهي من طريق معمر عن همام، فـمعمر هذا هو معمر بن راشد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو منسوب إلى جده زهرة بن كلاب يقال له: الزهري، كما أنه ينسب إلى شهاب فيقال ابن شهاب، وهو محدث، فقيه، وإمام جليل، ومكثر من رواية حديث رسول الله، وهو من صغار التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن محمود].هو محمود بن الربيع الأنصاري، وهو من صغار الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عتبان بن مالك].وهو الأنصاري الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود في مسند مالك، وأخرجه أيضاً النسائي، وابن ماجه.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:09 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(157)
- باب الجماعة للفائت من الصلاة
يشرع لمن فاتتهم صلاة الجماعة أن يقضوها جماعة، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة عندما ناموا عن صلاة الفجر.
الجماعة للفائت من الصلاة
شرح حديث: (أقيموا صفوفكم وتراصوا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الجماعة للفائت من الصلاة.أنبأنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه حين قام إلى الصلاة قبل أن يكبر، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الجماعة للفائت من الصلاة، أي: أن الصلاة المؤداة كما أنها تكون جماعة، فكذلك التي تقضى إذا فاتت فإنها أيضاً تكون جماعة إذا كان الذين فاتتهم جماعة، فإنهم يصلونها جماعة كما يصلونها مؤداة، يصلونها في غير وقتها مقضية، ويصلونها جماعة، وأورد النسائي في هذا حديث أنس بن مالك، ولكنه ليس فيه دلالة على الترجمة، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا قام في الصف قبل أن يكبر قال: (سووا صفوفكم وتراصوا فيها، فإني أراكم من وراء ظهري)، هذا ليس فيه ما يدل على الترجمة التي هي: الجماعة للفائت، لكن فيه الجماعة، وفيه حصول الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يسوي الصفوف، ويأمرهم بتسويتها، ويأتي بالألفاظ التي تدل على ذلك، بحيث يقول: سووا صفوفكم، وتراصوا فيها، ثم أيضاً ينبهه إلى أنه يراهم من وراء ظهره، وهذه من معجزاته وخصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وسبق أن مر الحديث في الأبواب الماضية.
تراجم رجال إسناد حديث: (أقيموا صفوفكم وتراصوا...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو: ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[أخبرنا إسماعيل].وهو ابن جعفر، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حميد].وهو ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].ابن مالك، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن فيه بينه، وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص.
شرح حديث أبي قتادة في صلاة النبي بالصحابة بعد طلوع الشمس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري حدثنا أبو زبيد واسمه عبثر بن القاسم عن حصين عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: إني أخاف أن تناموا عن الصلاة، قال بلال: أنا أحفظكم، فاضطجعوا فناموا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قبض أرواحكم حين شاء فردها حين شاء، قم يا بلال فآذن الناس بالصلاة، فقام بلال، فأذن فتوضئوا -يعني: حين ارتفعت الشمس- ثم قام فصلى بهم) ].أورد النسائي حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وهو دال على ما ترجم له المصنف، من جهة حصول الجماعة للفوائت من الصلاة، وحديث أبي قتادة: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فقالوا: لو عرسنا، يعني: لو بتنا؛ لأنهم كانوا في آخر الليل، وقد تعبوا من السير في الليل، فتمنوا نومة خفيفة في آخر الليل؛ لأن التعريس هو مبيت المسافر في آخر الليل، أي: ينام نومة يرتاح فيها من بعد طول العناء، وحصول التعب والمشقة في السفر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجابهم إلى ما طلبوا، ولكن قال: إنه يخاف أن يناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أحفظكم، أي: أنا أقوم بالتهيؤ، والاستعداد، وأعمل على أن لا أنام، وذلك حتى يعرف الوقت، وحتى يدرك الوقت، فاستند على ظهره إلى راحلته مستقبلاً الفجر، أو مطلع الفجر، أي: ينظر الفجر متى يطلع حتى ينبههم إلى الصلاة، فنام كما ناموا، واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بدا حاجب الشمس، فناموا حتى طلعت الشمس، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لـبلال: (أين ما قلت؟)، من أنك ستقوم بهذه المهمة وأنك ستقوم بالتهيؤ والاستعداد. قال: ما ألقي علي نومة مثل هذه، يعني: أنه حصل له نوم ما حصل له مثله قبل هذه المرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وأعادها حين شاء، أي: هذا القبض الذي هو قبض الروح في المنام، التي هي الوفاة الصغرى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، يعني: يتوفى الأنفس، فهناك أنفس يتوفاها وتنتهي من هذه الدنيا، وأنفس يأخذها في منامها، ثم إذا شاء أن يردها ردها، وإن شاء أن يقبضها، وأن يمسكها أمسكها، فقال: (إن الله قبض أرواحكم حين شاء فردها حين شاء)، وهذا يدل على إثبات المشيئة لله عز وجل، وأن كل ما يقع فهو بمشيئة الله، فلا يقع في الكون إلا شيء قد شاءه الله وقدره وقضاه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، الشيء الذي شاءه الله لابد من وجوده، والشيء الذي لم يشأه الله لا يمكن أن يوجد، والمشيئة من صفات الله عز وجل، ومن صفاته الإرادة، والإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية قدرية ترادف المشيئة، وإرادة دينية شرعية، هي بمعنى المحبة.أما المشيئة فإنها لا تأتي إلا بمعنى كوني ولا تأتي بمعنى الإرادة الدينية، بل التي تنقسم إلى قسمين هي الإرادة، وأما المشيئة فهي لا تنقسم إلى قسمين، فهي مرادفة للإرادة الكونية؛ لأن الإرادة تأتي لمعنى شرعي، ولمعنى كوني، والمشيئة لا تأتي إلا لمعنى كوني، فلا تأتي إلا مرادفة للقدر. ففي هذا إثبات المشيئة لله عز وجل، والفرق بينها وبين الإرادة: أن الإرادة تأتي لمعنى كوني، ولمعنى ديني، وأما المشيئة فهي لا تكون إلا معنى كوني، فالإرادة والمشيئة، تتفقان في أنهما يكونان لمعنى كوني، وتنفرد الإرادة عن المشيئة بأنها تكون بمعنى ديني، وذلك بخلاف المشيئة، فإنها لا تكون إلا بمعنى كوني، وفيه إثبات هذه الصفة لله عز وجل.[عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله، قال: إني أخاف أن تناموا عن الصلاة، قال بلال: أنا أحفظكم، فاضطجعوا فناموا)].يعني أنه استعد للتنبه للوقت، وأن يوقظهم، ولكن الله قبض روحه كما قبض أرواحهم، يعني: بالنوم؛ لأن النوم هو مثل الموت؛ لأنه موتة صغرى، والله عز وجل قال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، فحصل له ما حصل لهم.[(وأسند بلال ظهره إلى راحلته)]. أسند ظهره إلى راحلته، متجهاً إلى جهة الفجر مطلع الشمس، يعني حيث يطلع الفجر ويتبين حتى ينبههم.قوله: [(قال: فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت، قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط)].نعم؛ لأنهم كانوا قد تعبوا في السير، واستند إلى راحلته ولكنه نام.قوله: [(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قبض أرواحكم حين شاء، فردها حين شاء، قم يا بلال فآذن الناس بالصلاة، فقام بلال فأذن فتوضئوا -يعني حين ارتفعت الشمس- ثم قام فصلى بهم)].ثم قال: (يا بلال قم فآذن الناس)، يعني: أعلمهم بالصلاة، فقام وأذن ثم صلى بهم، وهذا هو محل الشاهد، يعني الجماعة للفائت من الصلاة؛ لأنه لما خرج الوقت تعتبر فائتة، فتعتبر مقضية، فيمكن أن تؤدى جماعة وهي مقضية، كما أنها تؤدى جماعة وهي مؤداة يعني في وقتها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي قتادة في صلاة النبي بالصحابة بعد طلوع الشمس
قوله: [أخبرنا هناد بن السري].وهو أبو السري، كنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا أبو زبيد واسمه عبثر].هو عبثر بن القاسم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حصين]. وهو ابن عبد الرحمن الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن أبي قتادة].هو: عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه].أبو قتادة رضي الله تعالى عنه، وهو الحارث بن ربعي، وهو صحابي جليل، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بكنيته أبو قتادة، ومن المعلوم أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، يكفي في فضل الواحد منهم أن يقال: إنه صحابي، فلا يحتاجون إلى تعديل المعدلين، وتوثيق الموثقين بعد تعديل رب العالمين وتعديل رسوله الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وحديث أبي قتادة عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
من أبطل الباطل قول الإنسان: الله في كل مكان
السؤال: ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن الله تعالى في كل مكان؟ وهل يكفر بذلك إذا اعتقد ذلك؟الجواب: هذا القول من أبطل الباطل، الله عز وجل مبائن لخلقه ليس حالاً في المخلوقات، ولا المخلوقات حالة به، بل الوجود فيه خالق ومخلوق، والخالق كان ولا شيء معه، ثم أوجد المخلوقات، ولما أوجدها أوجدها وهي مباينة له، فليس حال فيها، وليست حالة فيه، وهو مستو على عرشه، بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا يجوز أن يقال: إنه في كل مكان؛ لأن هذا مقتضاه أن يكون حالاً في المخلوقات، ومقتضى ذلك أيضاً أن يكون في الأماكن القذرة أيضاً، والله عز وجل منزه عن أن يكون حالاً في مخلوقاته، وأن تكون حالةً فيه.وهل يكفر بذلك إذا اعتقد؟الجواب: ما أدري.
دخول الرجل مع المسبوق ليصلي معه
السؤال: هل يجوز دخول الرجل في الصلاة مع رجل لم يلحق الجماعة إلا في بعض ركعاتها؟ الجواب: نعم، لا بأس، إذا قام المسبوق يقضي ما فاته، ثم جاء أحد ودخل معه في الصلاة، لا بأس بذلك.
من صلى مع المسبوق هل يكون مدركاً للجماعة؟
السؤال: هل هذا الأخير يعتبر لحق الجماعة؟ الجواب: لا، ما يعتبر لحق الجماعة الأولى، ولكنه حصلت له هذه الجماعة التي هي كونه يصلي مع واحد، من جنس من يتصدق على هذا فيصلي معه، لكن الجماعة الأولى ما أدركها ولا أدرك شيئاً منها؛ لأنها انتهت من سلام الإمام، فالجماعة الأولى الأصلية التي هي جماعة المسجد التي أذن لها ونودي لها قد انتهت بسلام الإمام، ولكن هذا أدرك هذا الرجل الذي صلى معه، فهي مثل الجماعة الثانية.
هل يجوز أن يقال: إن بعض أفاضل التابعين أفضل من بعض الصحابة؟
السؤال: هل يمكن أن يقال: إن بعض أفاضل التابعين ومن بعدهم أفضل من بعض أفراد الصحابة؟ الجواب: لا يقال هذا، بل يقال: أي فرد من أفراد الصحابة أفضل من أي فرد من أفراد من جاء بعدهم، وهذا هو المعروف عن أهل السنة والجماعة أنهم يعتبرون أن فضل أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام للجميع، وأن أي فرد منهم، فإنه أفضل من أي فرد ممن جاء بعدهم، وذلك لفضل الصحبة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، يعني: مقدار مد من ذهب يتصدق به واحد من الصحابة، أفضل من مقدار جبل أحد ذهباً يتصدق به غيره، والرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا في حق المتقدمين من أصحابه يخاطب الذين تأخر إسلامهم، مثل: خالد بن الوليد، الذي تأخر إسلامه، مع عبد الرحمن بن عوف، الذي تقدم إسلامه، وإذا كان الصحابي المتقدم لو أنفق مد ذهب، ثم أنفق من تأخر إسلامه مثل جبل أحد، لم يساوه، فمن المعلوم أن غيرهم من باب أولى، ففضل الصحابة رضي الله عنهم هو للجميع، وكل واحد منهم أفضل من أي واحد ممن جاء بعدهم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (يأتي على الناس زمان يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فيقول: نعم، فيفتح لهم)، وقد جاء عن أبي عمر ابن عبد البر، رحمة الله عليه أنه قال: إنه قد يكون في بعض التابعين، أو بعض من يجيء بعد الصحابة، من يكون أفضل من بعض الصحابة، لكن هذا القول خلاف ما هو مشهور عن أهل السنة، وخلاف ما عرف عن أهل السنة، وهو تفضيل الصحابة مطلقاً، أي: تفضيل أي فرد منهم على أي فرد من أفراد من جاء بعدهم.
صلاة الرجل بالليل مع زوجته
السؤال: في صلاة الليل، هل تصلي المرأة خلف زوجها أم الأفضل أن يصلي كل منهما وحده؟ الجواب: كل واحد يصلي وحده، لكن إن صلت معه فإنها تصلي وراءه، ولا تصلي بجواره، وإنما تكون وراءه وليست بجواره، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي وعائشة نائمة، فإذا جاء الوتر أيقظها لتوتر.
من الذي يحنك الطفل؟
السؤال: وهل التحنيك من أهل العلم غير سائغ؟الجواب: نعم، غير سائغ أن يذهب إلى شخص يطلب منه أن يحنك تبركاً بلعابه وتبركاً بريقه؛ لأن التبرك بالريق واللعاب إنما هو من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما المرأة تحنك ولدها، والرجل يحنك ولده، ولا يذهب إلى أحد ليحنكه. ومن المعلوم أن مثل هذا ما كان الصحابة يفعلونه إلا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كانوا يأتون إلى أبي بكر يطلبون منه أن يحنك أولادهم، ولا يأتون إلى عمر رضي الله عنه يطلبون منه أن يحنك أولادهم، وإنما كانوا يفعلون هذا مع الرسول عليه الصلاة والسلام.
التحنيك يكون في يوم الولادة
السؤال: هل يحنك المولود في السابع أو متى؟ الجواب: لا، بل يكون في أول ما يولد؛ لأنه في السابع يكون قد دخل جوفه شيء؛ لأن المراد أن يكون أول ما يدخل جوفه هذا التمر الذي قد ذاب وسال، فيكون أول ما يدخل مع ريقه، يعني عندما يولد يكون أول شيء يفعل هو التحنيك، فلا يكون في السابع ولا في الخامس ولا غيرهما؛ لأنه بعد ذلك يكون قد حصل انفتاح حلقه بشيءٍ غير التمر.
رفع اليدين عند تكبيرات الجنازة
السؤال: هل ثبت حديث صحيح في رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة؟ ومن رواه إن كان ثابتاً؟الجواب: ابن عمر رضي الله عنه جاء عنه موقوفاً، وجاء عنه مرفوعاً، فقد جاء عنه موقوفاً أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة، أي: في غير الأولى، بل في التكبيرات كلها، وجاء عن ابن عمر مرفوعاً، والذي رفع من طريقه هو عمر بن شبة، وهو ثقة، فحصول الزيادة من طريقه معتبرة؛ لأنها زيادة من ثقة، وهو الذي جاء رفعه عنه، رفعه من طريقه، وقد نبه على هذا الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري في كتاب الجنائز، فقد نبه على هذه الزيادة التي حصلت من عمر بن شبه، وأنه رفع الحديث إلى رسول الله، أي: ابن عمر رفعه إلى رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تحكيم القوانين الوضعية
السؤال: وهل الذي يحصل في القوانين الوضعية ويهيئ لها المحاكم، ومع ذلك يدعي الإسلام، هل هذا الرجل مسلم أم كافر؟ الجواب: قضية تحكيم القوانين، والحكم بغير ما أنزل الله من العلماء من يقول بتكفير من يحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً، ومنهم من يقول: إن الحكم في مسألة واحدة بخلاف الشرع اتباعاً للهوى لا يعد كفراً، فمن العلماء من يقول: إنه لا فرق بين الواحدة أو الثنتين، والثلاث، والأربع، والخمس، والست، وليس هناك حد فاصل يقال إذا بلغه لا يكون كفراً، وإذا وصل إليه كان كفراً، فيقول: إنه ما دام أنه يعتبر مخطئاً وما دام أنه فعل أمراً محرماً فإن هذا ذنب عظيم وذنب كبير، أما إذا كان يعتقد عندما وضع القوانين بأن الشريعة لا تصلح لهذا العصر أو أن فيها أموراً مستبشعة وأموراً لا تليق فهذه ردة وكفر بلا شك، يعني من يعدل عن الشريعة؛ لأنها لا تلائم العصر ولا تصلح لهذا الزمان، وإنما صلحت في ذلك الزمان الذي هو زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين والأزمنة السابقة، وأما هذا الزمن فإنه لا يصلح لتطبيق الشريعة، فمن اعتقد هذه العقيدة فهو كافر بالله عز وجل.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:12 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(158)
- (باب التشديد في ترك الجماعة) إلى (باب المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن)
افترض الله تعالى على عباده الصلاة في جماعة وحذر أشد التحذير من التخلف عن صلاة الجماعة إلا لعذر من نوم أو مرض، ولذا كان الصحابة يحكمون على من لم يشهد الجماعة بالنفاق.
التشديد في ترك الجماعة
شرح حديث: (... فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في ترك الجماعة.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن زائدة بن قدامة حدثنا السائب بن حبيش الكلاعي عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لي أبو الدرداء رضي الله عنه: أين مسكنك؟ قلت: في قرية دوين حمص، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)، قال السائب: يعني بالجماعة: الجماعة في الصلاة].يقول النسائي رحمه الله: التشديد في ترك الجماعة. عقد النسائي هذه الترجمة يريد بها التنبيه على عظم شأن صلاة الجماعة والاهتمام بها، وأن المسلم يحرص على أداء الصلاة في جماعة، ولا يتخلف عن الصلاة في جماعة؛ لأن شأنها عظيم، والنصوص جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أهميتها، وفي عقوبة المتخلف عنها.وقد أورد النسائي حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال معدان بن أبي طلحة: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ فقلت: قرية دوين حمص، يعني: قريبة منها، ودوين: تصغير دون؛ لأنها قريبة جداً من حمص، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأخذ الذئب من الغنم القاصية). فـأبو الدرداء سأل معدان بن أبي طلحة عن مسكنه، فأخبره أنه في قرية قريبة جداً من حمص، فأرشده إلى أن الجماعة واجبة ولازمة، وأن على كل أهل قرية وكذلك كل بدو يرتحلون وينتقلون من مكان إلى مكان وينزلون في مكانٍ معين من الفلاة، أن يصلوا جماعة، ولا يصلي كل واحد وحده، وقد أسند إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو)، أي: سواء كانوا من أهل القرى، أو من أهل البادية، يعني: إذا كانوا ثلاثة ولا تقام فيهم الجماعة استحوذ عليهم الشيطان، يعني: استولى عليهم، وتغلب عليهم، وصاروا من أوليائه، وممن يكونون حوله، فحصل لهم الضرر، وصاروا منقادين له، أو أتوا بما يريده الشيطان من الفرقة وترك الجماعة، وعدم الإتيان بالصلاة في جماعة. ثم إنه قال: (فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، قوله: (عليكم بالجماعة)، هذه يمكن أن يكون المراد بها: جماعة المسلمين عموماً، وأن الإنسان يكون مع أهل السنة والجماعة، ويلزم جماعة المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد بها: الجماعة الصغرى، التي تكون في بلد، أو في مكان، أو في منزل، فإنهم يصلون جماعة، ولا يصلي كل واحد على حدة، وإن الإنسان إذا خرج عن جماعة المسلمين فإنه يشذ عنهم، ويكون عرضة لاستيلاء الشيطان عليه، وتغلب الشيطان عليه، وكذلك أيضاً إذا تعود أن يصلي منفرداً ولا يصلي مع غيره جماعة فإن ذلك أيضاً يكون مما يحبه الشيطان، ومما يحرص على حصوله.ثم قال: قال السائب، وهو: السائب بن حبيش، أراد بالجماعة: جماعة الصلاة، وهذا هو مقصود النسائي من إيراد الحديث في هذا الباب؛ لأنه أورده في جماعة الصلاة، وإن كان الحديث يحتمل أن يراد به جماعة المسلمين، وأن يكون من أهل السنة والجماعة، لا من أهل البدعة والفرقة، وقد جاءت النصوص تدل على لزوم الجماعة، والمراد بها: جماعة المسلمين، ولكن النسائي عندما عقد هذه الترجمة، وأراد في قوله: التشديد في ترك الجماعة، أي: الجماعة في الصلاة، والسائب بن حبيش قال: أراد بقوله الجماعة: جماعة الصلاة، فهذا هو وجه إيراده في كتاب الصلاة، وفيما يتعلق بوجوب صلاة الجماعة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي، وهو رواية عبد الله بن المبارك .[عن عبد الله بن المبارك].وهو المروزي أيضاً، ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد ذكر جملة من صفاته الحميدة: جمعت فيه خصال الخير، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي].وهو أبو الصلت، ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن السائب بن حبيش الكلاعي].وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن معدان بن أبي طلحة].وهو شامي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أبو الدرداء].وهو عويمر بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
التشديد في التخلف عن الجماعة
شرح حديث أبي هريرة في هم النبي بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التشديد في التخلف عن الجماعة. أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: التشديد في التخلف عن صلاة الجماعة، والفرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة: التشديد في عدم إقامة الجماعة، وأنها هنا تصلى، ولكن يتخلف بعض الناس عنها، هي مقامة، والمساجد قائمة، ويصلى فيها، لكن هناك من يتخلف عن صلاة الجماعة.وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب)، يعني: أنه يكلف من يجمع حطباً ويهيئه ويعده، ثم يأمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم يأمر رجلاً فيؤم الناس، ثم يذهب إلى أناس لا يشهدون الصلاة، فيحرق عليهم بيوتهم، في الوقت الذي هم متلبسون بالمعصية، وهي التخلف عن صلاة الجماعة، الجماعة قائمة وهي تصلى، والرسول صلى الله عليه وسلم هم بالتخلف عن الجماعة؛ ليذهب إلى أولئك الناس الذين لا يحضرون الجماعة، أو يتخلفون عنها، فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وذلك في الوقت الذي يكونون فيه مرتكبين للمعصية، لا يحرقها عليهم في غير الصلاة، وإنما في نفس الوقت الذي الناس يصلون وهم جلوس في بيوتهم لا يخرجون منها. فهذا الهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لأن كونه يهم بهذه العقوبة التي هي التحريق بالنار فهو وإن لم يفعل إلا أن مجرد همه يدل على عظم الذنب، وعلى خطورته، وقد جاء في بعض الروايات: أنه منعه ما فيها من النساء والذرية الذين فيها وليسوا مكلفين بالجماعة؛ لأن الجماعة لا تجب عليهم، فلولا ما فيها من النساء والذرية لأحرقها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فكونه يقول هذا الكلام وإن لم ينفذ فهذا كافٍ في بيان خطورة هذه المعصية، وبيان شدتها، وأن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد هم بهذا الهم، فدل على أن الجماعة واجبة، وعلى أن تاركها عرض نفسه للعقوبة. والتخلف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، هكذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، يتهمون من يتخلف عن الجماعة بالنفاق، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: (كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه)، وعبد الله بن مسعود كما سيأتي في الأثر أنه قال: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها -أي: الصلاة- إلا منافق معلوم النفاق)، ثم بين عليه الصلاة والسلام أن شأن المنافقين الذين يتخلفون عن الصلاة أنهم همهم الدنيا، وليس همهم الآخرة، وأن الواحد منهم لو علم بأن هناك لحم في المسجد يؤكل ولو كان ذلك اللحم هزيلاً، ولو كان يسيراً، ولو كان قليلاً، فإنه يأتي إلى المسجد من أجل أن يظفر بنصيب من الدنيا، فقال: (والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً)، يعني: عظماً عليه لحم، واللحم سمين، (أو مرماتين حسنتين)، قيل: هما ظلف الشاة وما بينهما من اللحم، وذلك كناية عن حقارة هذا الشيء الذي يحرص عليه المنافقون ولو كانوا يعلمون أن في المسجد مثل هذا اللحم الذي هذا وصفه لحضروا لصلاة العشاء من أجل أن يحصلوا نصيباً من هذا المتاع الدنيوي، ويتركون ما أعده الله عز وجل من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ولهذا قال: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما -أي: صلاة العشاء، والفجر- ولو حبواً).وقوله: (يشهد العشاء) أي: لحضر صلاة العشاء، ومن المعلوم: أن صلاة العشاء هي إحدى الصلاتين الثقيلتين على المنافقين كما مر بنا سابقاً.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في هم النبي بإحراق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك]. وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، وصاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد].وهو عبد الله بن ذكوان، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. وهو عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. وهو عبد الرحمن بن صخر، على أصح الأقوال في اسمه واسم أبيه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه من أصحابه، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.والحديث الذي مر يدل على أن الصلاة في البيوت لا تقام جماعة، وإنما الجماعة في المساجد؛ لأنها لو كان إقامتها جماعة في البيوت كافياً لما استحقوا هذه العقوبة، ويمكن أنهم يصلون جماعة في البيوت، لأن البيوت ليست محلاً لإقامة صلاة الجماعة، وإنما محل إقامة صلاة الجماعة هي المساجد، كما جاء ذلك موضحاً في أثر عبد الله بن مسعود الآتي.
المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن
شرح حديث ابن مسعود: (... ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن المسعودي عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يقول: ( من سره أن يلقى الله عز وجل غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله عز وجل شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، وإني لا أحسب منكم أحداً إلا له مسجد يصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من عبد مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يمشي إلى الصلاة إلا كتب الله عز وجل له بكل خطوةٍ يخطوها حسنة، أو يرفع له بها درجة، أو يكفر عنه بها خطيئة، ولقد رأيتنا نقارب بين الخطى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، النداء هو: الأذان، ويكون في المساجد، ويدعى الناس للصلاة في المساجد، والمؤذن يقول في أذانه: حي على الصلاة، حي على الفلاح، معناه: هلموا وأقبلوا تعالوا، لا يقول: صلوا في بيوتكم، وإنما يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، تعالوا، فإن المساجد إنما بنيت لذكر الله عز وجل، وبنيت لاجتماع الناس للصلاة فيها، يجتمعون فيها في اليوم والليلة خمس مرات لأداء الصلوات الخمس التي فرضهن الله عز وجل، وهي لا تقام في البيوت، والذي يصليها في بيته يأثم لتخلفه عن الجماعة، ويكون ترك أمراً واجباً عليه، والواجب على كل مسلم إذا سمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أن يبادر إلى الإتيان إلى الصلاة، وأن يصلي مع المسلمين، وهذه الاجتماعات التي تكون منهم في اليوم والليلة خمس مرات، هذه من أعظم المكاسب والفوائد التي يستفيدونها من صلاتهم: وهي التقاء بعضهم ببعض، واستئناس بعضهم ببعض، واطلاع بعضهم على أحوال بعض، وما إلى ذلك من الأمور التي تحصل بهذه اللقاءات اللازمة، التي يجب على كل مسلم أن يأتي إلى المساجد، وأن يؤدي تلك الصلوات الخمس التي فرضهن الله عز وجل على عباده.يقول عبد الله بن مسعود: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيه سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى. يعني: مطلوب من الناس الذين هم الرجال أن يحضروا إلى المساجد وأن يؤدوا الصلاة، وليس المقصود أن يصلوا في بيوتهم، فمن سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، أي: يحافظ عليهن جماعة، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولا أحسب أحداً منكم إلا وله مسجد في بيته، معناه: كل واحد له مسجد في بيته أو مكان في بيته يصلي فيه، لكن يصلي فيه النوافل، ولو أنها صليت الفرائض والصلوات الخمس في البيوت كما تصلى النوافل لتركت المساجد، وإذا تركت المساجد ترك الناس سنة نبيهم، وإذا تركوا سنة نبيهم ضلوا.ثم بين ما يترتب على صلاة الجماعة من الفضل والأجر، وأن الصلاة في البيوت لا يحصل فيها هذا الأجر، وهو أن الإنسان إذا خرج من بيته إلى الصلاة لا يخطو خطوة إلا يرفع الله له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا لا يحصله من صلى في بيته، ولو صلى مع غيره جماعة، فإنه لا يحصل هذا الأجر، بل يأثم؛ لأن الجماعة واجبة على الناس في المساجد، وليس المقصود أنها واجبة عليهم في البيوت، بل يجب على كل مسلم يسمع: حي الصلاة، حي على الفلاح، أن يخرج إلى المسجد، وأن يأتي إلى المسجد، ويؤدي صلاة الجماعة. قوله: [(ولقد رأيتنا نقارب بين الخطى)]، معناه: حتى تكثر الخطى، ولا يسرعون، يعني: يمشون مشياً وئيداً، أي: بسكينة ووقار، وبدون استعجال، وبذلك تكثر الخطى، ويحصلون الأجر في كل خطوة يخطوها ويحطها، فإن الله تعالى يكتب له بها حسنة، ويحط عنه بها خطيئة.وقوله: [(ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها)].(ولقد رأيتنا)، يعني: أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، (وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق)، يعني: علامة المنافق عند الصحابة: أن يكون متخلفاً عن صلاة الجماعة، وأنه لا يأتي إلى المساجد، هذه علامة النفاق عند أصحاب رسول الله، (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق)، ومثل هذا قول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه الذي أشرت إليه: (كنا إذا افتقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه).وقوله: (ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين؛ حتى يقام في الصف)، يعني: من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عنهم وأرضاهم، يعني: يصيب الواحد منهم المرض، ويكون معذوراً لو صلى في بيته، ولكن من أجل حرصه على الجماعة، وعلى الإتيان إلى المسجد، فإنه يحرص على ذلك، مع ما يتحمل من المشقة، وإن كان لا يستطيع أن يأتي مشياً على رجليه، وإنما يأتي يهادى بين رجلين، أي: واحد يمسك عضده اليمنى، والثاني يمسك عضده اليسرى، ورجلاه تخط في الأرض، لا يستطيع المشي حتى يقام في الصف؛ حرصاً على صلاة الجماعة؛ لأن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين يعلمون الأجر الذي أعده الله لمن يصلي جماعة؛ ولهذا يأتون وهم مرضى، ويحرصون على الإتيان إلى المساجد وهم مرضى، مع أنهم معذورون لو صلوا في بيوتهم، والمنافقون بعكس ذلك، وقد قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، ولكن همهم الدنيا، وليس همهم الآخرة، أما أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم فهمهم الآخرة، ولهذا يتجشم الواحد منهم المشاق، ويأتي إلى المسجد وهو مريض، لا يمشي على رجليه، وإنما يأتي يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (... ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما قريباً. [عن المسعودي].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي صدوق اختلط قبل موته، قال الحافظ ابن حجر: علامة ذلك: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، وما كان قبل ذلك فإنه لا ضير فيه؛ لأن المحذور هو ما كان بعد الاختلاط، وأما ما كان قبل الاختلاط فهذا هو الذي لا يؤثر على الرواية عن المختلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة. [عن علي بن الأقمر].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الأحوص].وهو عوف بن مالك الكوفي، ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وأبو الأحوص يطلق على جماعة، وقد مر بنا أبو الأحوص وهو سلام بن سليم الحنفي، وهو متأخر عن هذا، وأما هذا فهو في طبقة متقدمة يروي عن الصحابة. [عن عبد الله].وهو عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد فقهاء الصحابة، وهو من المهاجرين رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو ليس أحد العبادلة الأربعة المشهورين بهذا اللقب؛ لأن ابن مسعود متقدم، والعبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، وهم متأخرون عنه في الوفاة، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عن الجميع.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:15 AM
شرح حديث أبي هريرة في أمر النبي للأعمى بحضور الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا مروان بن معاوية حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصم عن عمه يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (جاء أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه ليس لي قائد يقودني إلى الصلاة، فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته، فأذن له، فلما ولى دعاه، وقال له: أتسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب)].أورد النسائي: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أعمى، وهو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه، جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: إنه رجلٌ أعمى، وليس له قائد يلائمه، فهل له رخصة أن يصلي في بيته؟ فأذن له، فلما ولى ناداه، وقال له: (أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، يعني: لم يرخص له، وكأنه في الأول رخص له لعله ظن أنه لا يسمع النداء، فلما علم بأنه يسمع النداء قال له: (أجب)، أو أنه أوحي إليه، أو أنه حصل منه أولاً باجتهاده، وكان على ما يقوله بعض أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد، لكنه لا يقر إلا على حق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والحديث دال على وجوب صلاة الجماعة، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر رجلاً أعمى جاء في بعض الروايات الأخرى: أنه شاسع الدار -أي: بعيد الدار- وليس له قائد يلائمه إلى المسجد، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يرخص له مع وجود هذا الوصف فيه، الذي هو العمى، وبعد الدار، وليس له من يلائمه في الذهاب والإياب من وإلى المسجد، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص له، بل قال: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، أي: أجب النداء واحضر الصلاة ولا تتخلف عنها، دل ذلك على وجوبها، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتخلف عنها، إذا كان هذا رجل أعمى داره بعيدة ولم يرخص له الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بمن يكون صحيح الجسد، سليم العينين، عنده القدرة وعنده النشاط؟! فهذا يدل على وجوب الجماعة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في أمر النبي للأعمى بحضور الجماعة
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، المشهور بـابن راهويه، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، وفقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. [حدثنا مروان بن معاوية].وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة، وقيل: إنه يدلس أسماء الشيوخ، وذلك أن التدليس قسمان: تدليس في الإسناد، وهو: أن يروي عن شيخه، ما لم يسمع منه، وهذا فيه احتمال سقط، يعني: فيه احتمال سقط راو، وأما تدليس الشيوخ، فهو بأن يذكر شيوخه بغير ما اشتهروا به، هذا يسمى تدليس الشيوخ، وهذا فيه تعمية؛ لأنه لا يذكر الشخص بما اشتهر به، وإنما يذكره بشيء صحيح، كأن ينسبه إلى جده، أو يذكره بكنية أبيه، أو ما إلى ذلك من الأمور التي هي حقيقة وواقعة، ولكنها خلاف ما اشتهر به الإنسان، هذا يسمى تدليس الشيوخ، ومن المعروفين بهذا الخطيب البغدادي، فإنه يستعمل ذلك كثيراً، يعني: كونه يدلس في أسماء شيوخه ويذكرهم بغير ما اشتهروا به، وقد يحكم بجهالته مع أنه معروف؛ لأنه ذكر بغير ما اشتهر به. [حدثنا عبيد الله بن عبد الله]. وهو عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، مقبول، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن عمه].وهو يزيد بن الأصم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي هريرة].وهو: صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد مر ذكره قريباً.
شرح حديث ابن أم مكتوم في أمر النبي له بحضور الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا سفيان، (ح) وأخبرني عبد الله بن محمد بن إسحاق حدثنا قاسم بن يزيد حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، قال: هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فحي هلا، ولم يرخص له)].أورد النسائي حديث: عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه الذي فيه، أنه قال للرسول عليه الصلاة والسلام: إن المدينة كثيرة السباع والهوام، وطلب منه أن يرخص له أن يصلي في بيته، فقال له: (هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب، ولم يرخص له)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله عن أبي هريرة، وهو دال على وجوب صلاة الجماعة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يعذر هذا الرجل الأعمى، وقد أبدى هذا العذر لكونه أعمى، وشاسع الدار، ويخشى من السباع والهوام، وكذلك ليس له من يلائمه، ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال له: (أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب)، ذلك واضح الدلالة على وجوب صلاة الجماعة.
تراجم رجال إسناد حديث ابن أم مكتوم في أمر النبي له بحضور الجماعة
قوله: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء]. وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن أبيه]. وهو زيد بن أبي الزرقاء، ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي أيضاً.يعني: كل منهما موصلي هارون وأبوه زيد. [عن سفيان].وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، المحدث، الفقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. ثم حول النسائي الإسناد وانتقل إلى إسناد آخر، فأتى بلفظ: (ح) الدالة على التحويل، والتحول هو: التحويل من إسناد إلى إسناد، ثم بعدها بدأ بإسناد جديد، وذكر واحداً من شيوخه يروي عنه بإسناد آخر، وقال: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن إسحاق]. وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. [حدثنا القاسم بن يزيد].هو قاسم بن يزيد الموصلي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا سفيان].وهو الثوري، وهنا التقى الإسنادان من النسائي يلتقيان بـسفيان الثوري، حدثنا عبد الرحمن بن عابس.وهو: عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، وهو النخعي الكوفي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي فإنه لم يخرج له شيئاً. [عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].وهو تابعي، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن أم مكتوم].وهو عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم، مشهور بهذه النسبة، حيث يقال له: ابن أم مكتوم، وهو صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الأسئلة
الجمع بين همه صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت المنافقين، ونهيه عن الإحراق
السؤال: كيف نجمع بين همه صلى الله عليه وسلم بإحراق بيوت المتخلفين، وبين نهيه عن الإحراق؟الجواب: كما هو معلوم: الرسول نهى عن التحريق بالنار، وأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، ولعل هذا كان قبل أن يحصل منه النهي عن التحريق بالنار، لكن مجرد همه يدل على وجوب صلاة الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان أرسل رجلين من أصحابه، وقال لهما: إذا لقيتم فلان وفلان فحرقوهما بالنار، ثم دعاهما، وقال: (إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، فإذا لقيتموهما فاقتلوهما).
كيفية التسليم على النبي عند قبره
السؤال: ما هي الطريقة الصحيحة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه؟ وهل يخاطبون بالتسليم، ويسمى كل واحد منهم؟ الجواب: ما كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يزورون القبر، وذلك أنهم يصلون ويسلمون عليه، وصلاتهم وسلامهم عليه تبلغه بواسطة الملائكة، لكن جاء عن عبد الله بن عمر، أنه إذا كان قدم من سفر، جاء وسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى أبي بكر، وعلى أبيه رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وإذا جاء وسلم يخاطب، فيقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: صلى الله وسلم وبارك عليك، وجزاك أفضل ما جزا نبي عن أمته، لا بأس، وكذلك يخاطب أبو بكر يقول: السلام عليك يا أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنك وأرضاك، وكذلك عن عمر، فإنه يسلم عن عمر ويخاطبهما؛ لأن السلام فيه خطاب.
قضاء الفائتة هل يكون جماعة أم فرادى
السؤال: إذا فاتت الصلاة جماعة من الناس لعذر شرعي، فأيهما الأولى أن يصلوا جماعة في بيت أحدهم، أم كل واحد يصلي منفرداً؟الجواب: الأولى أو الواجب على كل مسلم أن يأتي إلى المسجد لأداء الصلاة، فإذا فاتت الصلاة وجاءوا إلى المسجد وقد صلى الناس، فإنهم يصلون في المسجد، أما إذا كان مضى الوقت وقد فاتت الصلاة فإنهم يصلون في بيوتهم جماعة، لكن الواجب عليهم أن يحرصوا على الذهاب إلى المسجد، ويصلوا في المسجد إذا جاء وقد فاتت الصلاة، وقد قضيت الصلاة، لكن إذا كان قضيت الصلاة، وخرج الوقت، وخرج الناس، فيصلون في بيوتهم يعني: جماعة، لكن يحذروا من أن يتكرر منهم ذلك؛ لأن الإنسان إذا تعود على التخلف عن الجماعة، يسهل عليه ذلك، فيكون ذلك سبباً في ابتلائه بترك الجماعة والعياذ بالله.
من تخلف عن صلاة الجماعة وصف بالنفاق
السؤال: من ترك الجماعة الآن وصلى في بيته، هل يطلق عليه أن فيه علامة نفاق؟ الجواب: الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يعتبرون ذلك من علامات النفاق، والإنسان الذي لا يصلي في المسجد ويصلي في بيته ما الذي لا يجعله منافقاً أو متصفاً بعلامات النفاق؟! إذا كان الصحابة في زمنهم يعتبرون من يتخلف عن الصلاة أنه منافق، فلماذا الذي يحصل منه ذلك، أن يكون متصفاً بهذا الوصف؟
لفظة سيدنا في التشهد غير واردة
السؤال: ما حكم قول المصلي: اللهم صل على سيدنا أو نبينا محمد في التشهد، هل هذا جائز أم لا؟الجواب: الإنسان في التشهد يأتي باللفظ الوارد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فلا يقول في اللفظ: لا سيدنا ولا نبينا؛ لأن اللفظ ورد بهذه الصيغة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فيأتي به كما جاء لا يزيد ولا ينقص، يأتي بالنص كما علم رسول الله عليه السلام أصحابه، لا يزيد على ذلك ولا ينقص، لكن في غير الصلاة، فيقول: اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وعلى سيدنا، وعلى إمامنا، وعلى قدوتنا، وما إلى ذلك من أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام، لا بأس بذلك، لكن ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم الواردة يؤتى بها كما جاءت دون أن يضاف إليها شيء، ودون أن ينقص منها شيء.
وجوب صلاة الجماعة في السفر
السؤال: هل صلاة الجماعة في حال السفر واجبة؟ الجواب: نعم، صلاة الجماعة واجبة في الحضر والسفر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم بالجماعة في السفر، كان يصلي جماعة بأصحابه وهم مسافرون، بل في الخوف، وفي شدة الخوف كانت صلاة الجماعة تقام، وهذا من أوضح الأدلة على وجوبها، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليها حتى في الخوف يقسم الناس قسمين، فهذا يدل على وجوب الجماعة، وعلى أن الجماعة لازمة.
هل خروج الدم ينقض الوضوء؟
السؤال: هل ينقض الوضوء بخروج الدم من الجسد؟ وهل تصح الصلاة إذا كانت على الثياب قطرات من الدم؟ الجواب: نعم، بعض العلماء يقول: إن خروج الدم الكثير، يحصل به نقض الوضوء، ومنهم من يقول: بأنه لا يحصل نقض، وأما كون الدم على الجسد أو على الثوب، فإذا كان يسيراً فإنهم يقولون: إنه لا يؤثر، وأما إذا كان كثيراً فيتعين غسله.
تقبيل اليد بعد المصافحة
السؤال: بعض الناس بعد المصافحة يقبل يده، أو يضعها على صدره، فهل هذا من السنة؟ الجواب: لا أعلم شئاً يدل على هذا المصافحة، يعني: يد تمسك باليد، ثم يطلق كل يده، ولا نعلم أنها يذهب بها إلى الصدر، ولا أنها تقبل.
ما صحة حديث اتقوا فراسة المؤمن
السؤال: ما صحة هذا الحديث: (اتقوا فراسة المؤمن)؟الجواب: الذي أعرف أن هذا الحديث ضعيف ليس بصحيح، لكن لا شك أن بعض الناس يكون له فراسة في الأشخاص، مثل ما يقول الشاعر: والنفس تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديهايعني: وهذا عن طريق الفراسة، لكن الحديث لم يثبت.
هل الجماعة في المسجد تجب على المسافر؟
السؤال: هل صلاة الجماعة واجبة في المسجد بالنسبة للمسافر؟الجواب: صلاة الجماعة واجبة على الحاضر والمسافر، لكن المسافر الذي هو جاد به السير، إذا مر في مسجد تقام فيه الصلاة، فيلزمه أن ينزل، لكن المسافرين مع بعض يصلونها جماعة مع بعضهم وإن كان لهم رخصة الجمع في السفر إلا أن هذا لا يعفيهم عن صلاة الجماعة، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مع أصحابه جماعة.
لماذا لم يرو مسلم عن المسعودي
السؤال: الحديث الذي روي عن عبد الله بن مسعود الذي مر بنا الآن أخرجه مسلم ذكره المحقق، فلماذا المسعودي لم يرو له مسلم؟ الجواب: لا، فكما هو معلوم، أنه ليس بلازم أن كل محدث يروي عن كل راوي، بل لا يروي عن كل ثقة، فلا يقال: إن كل ثقة يروي عنه مثلاً شخص، والمسعودي كما هو معلوم فيه كلام من حيث الاختلاط، لكن هناك ثقات لم يرو عنهم مسلم، وعدم الرواية عن الثقة لا يدل على تضعيفه عنده، لكن الحديث يكون رواه مسلم ما دام أن المسعودي ليس من رجاله، معناه: أنه من طريق آخر غير طريق ابن مسعود .
يكتب للماشي الأجر عند رجوعه من المسجد
السؤال: هل يكتب للماشي إلى الصلاة حال رجوعه؟الجواب: نعم، جاء في بعض الأحاديث ما يدل على هذا، يعني: في حال ذهابه وإيابه، يرفع له حسنة ويحط عنه خطيئة بكل خطوة يخطوها، ورد فيه حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن رجلاً قال له: (إنني أرجو أن يكتب الله لي في ذهابي وإيابي إلى المسجد، فقال له رسول الله: إن الله كتب لك ذلك كله)، وهذا فيه ذكر الإياب كما أن فيه ذكر الذهاب.
من صلى في بيته لا يؤذن
السؤال: هل من صلى في بيته منفرداً يؤذن أو لا؟الجواب: أقول: لا يؤذن الإنسان إذا صلى في بيته منفرداً؛ لأن الأذان هو نداء، وإعلام لدخول الوقت، نعم الإنسان إذا كان في سفر يؤذن، ولو كان وحده، ويرفع صوته، ولا يسمعه شجر ولا حجر ولا إنس ولا جن إلا شهد له يوم القيامة.
حكم تكبيرات الانتقال
السؤال: ما حكم تكبيرات الانتقال؟الجواب: تكبيرة الانتقال واجبة، يجب على الإنسان أن يأتي بها، وإذا تركها سهواً يجبرها بسجود السهو.
__________________
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:17 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(159)
باب العذر في ترك الجماعة - باب حد إدراك الجماعة
من الأعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة مدافعة الخبث، ولهذا يستحب أن يبدأ به أولاً، كما يعذر بحضور العشاء، ونزول المطر، ومن جاء إلى المسجد وقد صلى الناس كتب له مثل أجر من حضرها.
العذر في ترك الجماعة
شرح حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [العذر في ترك الجماعة. أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: (أن عبد الله بن أرقم رضي الله عنه كان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة يوماً فذهب لحاجته ثم رجع، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)].لما ذكر النسائي في الأبواب السابقة التشديد في التخلف عن صلاة الجماعة، وأورد الأحاديث التي وردت في ذلك، وأن التخلف عنها من علامات النفاق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرخص لرجل أعمى استأذنه بأن يتخلف ويصلي في بيته؛ لأنه شاسع الدار، وليس له قائد يلازمه إلى المسجد، وهو أعمى، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يرخص له، وقال: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب)، لما ذكر ذلك ذكر هذه الترجمة وهي: العذر في التخلف عن الجماعة.يعني: لما ذكر الترجمة السابقة ذكر هذه الترجمة التي بين فيها شيئاً من الأعذار التي يرخص ويؤذن للإنسان أن يتخلف ويترك صلاة الجماعة، وقد أورد في ذلك بعض الأحاديث، ومنها حديث: عبد الله بن أرقم في قصة كونه ذهب مع جماعة من أصحابه، وجاء عند أبي داود: أنه خرج حاجاً ومعه جماعة وهو يؤمهم، فلما أقيمت الصلاة وجد أنه بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، فقال: ليؤمكم أحدكم، ثم ذهب، وجعل واحداً منهم يصلي بهم، ثم روى الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي أورده النسائي هنا.قوله: [(إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة)]، يعني: إذا كان يحس أنه بحاجة إلى قضاء الحاجة، فإنه يقضي الحاجة أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة، ولا يصلي وهو يدافعه؛ لأن ذلك يشغله عن صلاته، فأمر واحداً منهم أن يصلي بهم، وذهب هو ليقضي حاجته، ولما رجع أخبرهم بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)، يعني: لا يصلي وهو بحاجة إلى الذهاب لقضاء الحاجة، وإنما يقضي حاجته أولاً، ثم يأتي إلى الصلاة وهو مستريح البال ليس مشوشاً، وليس عنده ما يشغله، وليس مدافعاً للبول أو الغائط، فحديث عبد الله بن أرقم هذا يدل على أن الإنسان إذا جاء وقت الصلاة وهو مصاب بإسهال، فإنه معذور بأن يتخلف عن الجماعة؛ لوجود هذا الأمر الذي اقتضى التخلف.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)
قوله: [أخبرنا قتيبة]. وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك]. وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة؛ مذاهب أهل السنة، والتي حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع أقوالهم وآرائهم، وتدوينها وتنظيمها والعناية بها، وقد حصل في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة مثلهم أجلة، ولكنه ما حصل لهم من الأتباع الذين يعنون بجمع فقههم وترتيبه، وتنظيمه والعناية به كما حصل لهؤلاء الأربعة، رحمة الله على الجميع، والإمام مالك رحمه الله أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن هشام بن عروة]. وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، ثقة، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عروة].وهو عروة بن الزبير بن العوام، من فقهاء المدينة في عصر التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة، وإذا جاء ذكر الفقهاء السبعة في مسألة فيراد بهم سبعة من فقهاء التابعين في المدينة، ومنهم: عروة بن الزبير بن العوام، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً، مع تكرر أسماء هؤلاء السبعة الذين هم مكثرون من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين يأتي ذكرهم، وتأتي الإشارة إليهم في مناسبات متعددة، لوجود الأحاديث الكثيرة التي يأتي في أسانيدها هؤلاء السبعة من فقهاء التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن الأرقم].وهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولاه عمر رضي الله عنه بيت المال في زمن خلافته، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)].أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا حضر العشاء)، وهو: الطعام الذي يكون في آخر النهار أو في أول الليل، (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء)، إذا حضر وقدم، وأقيمت الصلاة، والنفوس متعلقة بالطعام، ولاسيما إذا كان هناك جوع، والإنسان إذا صلى ينشغل عن صلاته بشدة جوعه وحاجته إلى الطعام، فإنه يبدأ بالعشاء؛ لأنه لو دخل في صلاته لاشتغل فيها بتعلق نفسه بالعشاء الذي قدم؛ لكونه بحاجة إليه، وهذا فيما إذا قدم وحضر والنفوس متعلقةٌ به، أما إذا لم يكن حاضراً، فإن الصلاة تؤدى، وزمن تأديتها قصير، ويرجع الإنسان إلى الطعام إذا نضج وهيئ، والحديث جاء فيما إذا حصل حضوره، وتعلقت النفوس به، فإنه يبدأ به ويقدم على الصلاة؛ لأنه لو دخل في الصلاة وهو يتوق إليه، لاسيما إذا كان جائعاً، فإنه يتشاغل في صلاته، ويحصل له التشويش والتعلق بذلك الطعام، فجاءت السنة بأن الإنسان يقضي حاجته أولاً إذا قدم الطعام، ثم يذهب إلى الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].وهو الجواز المكي، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وقد عرفنا فيما مضى: أن محمد بن منصور اثنان: أحدهما هذا الجواز المكي، والثاني: الطوسي، لكن حمله على محمد بن منصور المكي هو الأقرب؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، وإذا أهمل الشخص فإنه يحمل على من يكون له بالراوي، أو بالشيخ علاقة، كأن يكون مكثراً عنه، أو يكون ملازماً له، أو يكون من أهل بلده، بخلاف الثوري فإنه كوفي، ومحمد بن منصور مكي، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً: محمد بن منصور هو المكي الجواز. [عن سفيان].وهو ابن عيينة، محدث، فقيه، مشهور، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة معروف بالرواية عن الزهري، وهو مكثر من الرواية عنه، أما سفيان الثوري فقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أنه لا يروي عنه إلا بواسطة، وعلى هذا فيحمل ما جاء من ذكر سفيان غير منسوب، يروي عن الزهري، يحمل على أنه ابن عيينة، والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وينسب إلى جده شهاب فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، وزهرة بن كلاب، أخو قصي بن كلاب، يلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في كلاب أبو قصي وأبو زهرة، وهو إمام جليل، ومحدث فقيه، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من جلة أهل المدينة من صغار التابعين، وهو الذين كلفه أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في زمن خلافته بجمع السنة وتدوينها وكتابتها، وهو الذي قال فيه السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس]. وهو أنس بن مالك صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه، وخادمه الذي خدمه عشر سنوات، وهو من صغار الصحابة الذين عمروا وعاشوا حتى أدركهم صغار التابعين؛ لأن الزهري من صغار التابعين، وقد أدرك صغار الصحابة، مثل: أنس بن مالك رضي الله عنه، وروى عنه كما هنا، وهذا الإسناد رباعي، من رباعيات النسائي، التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي، التي فيها بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند النسائي التي هي الرباعيات، وليس عنده ثلاثيات، بل أعلى ما عنده الرباعيات، مثل هذا الإسناد الذي معنا.
شرح حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين، فأصابنا مطر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن صلوا في رحالكم)].أورد النسائي حديث والد أبي المليح، وهو: أسامة بن عمير، أنهم كانوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في حنين، فأصابهم مطر، فنادى منادي رسول الله: (أن صلوا في رحالكم)، يعني: صلوا في منازلكم، وهذا يدل على أن المطر إذا غزر وكثر وشق على الناس الخروج إلى المسجد، فلهم أن يصلوا في منازلهم، وهذا من الأعذار التي يرخص للإنسان فيها بالتخلف عن الجماعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر مناديه أن ينادى في ذلك الوقت: (أن صلوا في رحالكم)، أي: في منازلهم التي هم نازلون فيها؛ لأن خروجهم واجتماعهم للصلاة فيه مشقة ومضرة عليهم بسبب المطر، إذاً: المطر من جملة الأعذار في التخلف عن الجماعة.
تراجم رجال إسناد حديث أسامة بن عمير في العذر بالمطر في ترك الجماعة
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو أبو موسى الملقب بـالزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ومثله: محمد بن بشار الملقب بندار، وكذلك: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وكذلك: نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، فهؤلاء جميعاً من شيوخ أصحاب الكتب الستة، أما محمد بن المثنى هذا الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فكانا متماثلين في أمور كثيرة، اتفقا في سنة الولادة، واتفقا في سنة الوفاة، واتفقا بأنهما من أهل البصرة، واتفقا بأن الشيوخ لهما متماثلون، وأن التلاميذ لهما متماثلون، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما في التقريب: وكانا كفرسي رهان، وهما الفرسان المتسابقان اللذان كل واحد منهما ما يسبق الآخر، وذلك لاتفاقهما في سنة الولادة وسنة الوفاة، وهما من صغار شيوخ البخاري؛ لأن البخاري توفي سنة مائتين وست وخمسين، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، توفيا في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، يعني: بين سنة وفاتهما وسنة وفاة البخاري أربع سنوات، فهما من صغار شيوخه الذين أدركهم من بعد البخاري، ولهذا هما شيخان لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنهما مباشرة وبدون واسطة. [عن محمد بن جعفر].وهو الملقب غندر، ويأتي أحياناً بلقبه وأحياناً يأتي باسمه، ونسبه كما هنا، وكثيراً ما يأتي بلفظ: محمد غير منسوب، يروي عن شعبة، ويروي عنه محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والمراد به: محمد بن جعفر هذا، وفي بعض الأحيان يأتي منسوباً كما هنا محمد بن جعفر، ومر بنا مواضع عديدة فيها اسمه فقط، يروي عن شعبة والمراد به: محمد بن جعفر الملقب بـغندر، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو ابن الحجاج الواسطي، الذي لقب بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة، ومن أعلى صيغ التعديل، وهي صفة لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة هذا، ومثل: سفيان الثوري، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل: البخاري، ومثل: الدارقطني، وعدد قليل من المحدثين وصفوا بهذا الوصف العالي، ولقبوا بهذا اللقب الرفيع، ألا وهو لقب أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المدلسين، ولكن المعروف عن شعبة أنه إذا روى عن مدلس، فإنه لا يروي عن شيخه المدلس شيئاً دلس فيه، وإنما الذي يرويه شعبة عن شيوخه المدلسين، فقد أمن تدليسهم، وحديث قتادة بن دعامة السدوسي البصري أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي المليح]. وأبو المليح كنية اشتهر بها عدد من الرواة، وأبو المليح هذا من المتقدمين، وهو من طبقة التابعين، وهو يروي عن أبيه، واسم أبي المليح قيل: إنه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو أسامة بن عمير صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:20 AM
حد إدراك الجماعة
شرح حديث أبي هريرة فيمن خرج إلى المسجد متوضئاً فوجد الناس قد صلوا
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حد إدراك الجماعة:أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن ابن طحلاء عن محصن بن علي الفهري عن عوف بن الحارث عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فوجد الناس قد صلوا، كَتَب الله له مثل أجر من حضرها، ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)].أورد النسائي هذه الترجمة: باب حد إدراك الجماعة، والمراد من ذلك: الفضل الذي يحصل الإنسان فيه أجر صلاة الجماعة، والذي أراده النسائي هنا وقصده من إيراد هذه الترجمة، وأورد الحديثين تحتها: أن من توضأ، وقصد المسجد، وفاتته الصلاة، فإنه يحصل مثل أجر الذين قد صلوا من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وذلك لكونه يحافظ على الصلاة ويحرص عليها، وإذا حصل أن فاتته الصلاة في يوم من الأيام، فإنه يكون محصلاً الفضل، ومحصلاً الأجر؛ لأن وضوءه وذهابه إلى المسجد، وحرصه على الصلاة، وقد فاتته في بعض الأحيان، فإن الله يثيبه ويأجره، ويحصل أجر من حضرها من غير أن ينقص من أجور الذين حضروها وصلوا جماعة شيئاً، وهذا من فضل الله عز وجل وكرمه، وهذا بالنسبة للفضل وإدراك الفضل. أما الجماعة -التي هي جماعة المسجد- فإنها لا تدرك، إلا بإدراك ركعة، أو بإدراك الإمام لم يسلم، فبإدراك ركعة يكون الإنسان أدرك شيئاً يعتد به إذا قام لقضاء ما فاته، وأما إذا أدركه بعد الركوع من الركعة الأخيرة، فإنه يدخل معه في الصلاة، ويكون قد أدرك الجماعة، ولكنه لم يدرك شيئاً يعتد به، وإذا قام يقضي بعد سلام الإمام، يأتي بالصلاة كاملة، ولكنه أدرك فضل الجماعة؛ لكونه أدرك جزءاً يسيراً منها، وذلك في حال كون الإمام لم يسلم، لكن بالنسبة للفضل، ولإدراك الفضل الذي أراده النسائي من هذه الترجمة، أن من توضأ وقصد إلى المسجد، وفاتته الصلاة، فإن الله تعالى يكتب له من الأجر مثل أجر من حضرها وصلاها، وذلك فضلاً من الله عز وجل، وهذا - كما هو معلوم - إنما يحصل في بعض الأحيان ليس دائماً، فالذي من عادته أن يتخلف عن الجماعة، لا شك أنه مقصر، وهذه عادة سيئة، لكن من كان محافظاً على صلاة الجماعة، ويحرص عليها، لكن في يوم من الأيام، أو في بعض الأحيان حصل له ما يشغله، وما يعوقه، لما ذهب وجد الناس قد صلوا، فإن الله تعالى يأجره هذا الأجر العظيم.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة فيمن خرج متوضئاً فوجد الناس قد صلوا
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، المحدث، الفقيه، من الفقهاء المجتهدين، ومن المحدثين البارزين، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وأحد القلة الذين ظفروا بهذا اللقب الرفيع، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد العزيز بن محمد].وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن طحلاء]. وهو: محمد بن طحلاء، وهو المدني، صدوق، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن محصن بن علي الفهري].وهو الفهري، قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.والمستور هو مرادف لمجهول الحال، وهو الذي روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وقد وثقه ابن حبان،كما ذكر ذلك صاحب خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، وهنا قال عنه الحافظ ابن حجر: مستور، أي: مجهول الحال. [عن عوف بن الحارث].وهو مقبول، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[عن أبي هريرة].وهو أبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث مما ذكره الشيخ الألباني في الصحيح من سنن النسائي، ولا أدري وجه تصحيحه، هل هو للشواهد أو لشيء آخر؟! لا أدري! لكن الحديث الذي بعده وهو حديث: عثمان بن عفان رضي الله عنه، دال على ما دل عليه من حصول الأجر لمن ذهب إلى المسجد وقد فاتته الصلاة، وصلى في المسجد مع الناس، أو أنه ما أدرك الجماعة، فحديث عثمان بن عفان الذي بعده، هو شاهد له من حيث بيان حصول الأجر، وأنه يدرك الفضل العظيم لخروجه وقصده إلى المسجد، وحرصه على الذهاب إليه.
شرح حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن الحكيم بن عبد الله القرشي حدثه: أن نافع بن جبير وعبد الله بن أبي سلمة حدثاه أن معاذ بن عبد الرحمن حدثهما عن حمران مولى عثمان بن عفان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه)].حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه يتعلق بالترجمة، وهي: حد إدراك الجماعة، أي: إدراك فضلها، وأن الإنسان بقصده واتجاهه إلى المسجد، وعزمه وحرصه وسعيه إلى الصلاة، فإنه مأجور على ذلك، سواء أدرك الصلاة مع الجماعة، أو لم يدركها وصلى مع غيره، أو صلى وحده؛ لأن سعيه وحرصه وذهابه وتعلقه بالمسجد، وكونه حصل منه في بعض الأيام أمر أخره كنوم، أو انشغال، أو غفلة، أو ما إلى ذلك، فإن الله تعالى يأجره ويثيبه على سعيه وقصده وذهابه إلى المسجد.
تراجم رجال إسناد حديث عثمان فيما تدرك به الجماعة
قوله: [أخبرنا سليمان بن داود].وهو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. [عن ابن وهب]. وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عمرو بن الحارث].وهو أيضاً مصري ثقة، فقيه، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الحكيم بن عبد الله].وهو الحكيم بن عبد الله القرشي، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والحكيم بالتصغير.[عن نافع بن جبير وعبد الله].وهو نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.وعبد الله بن أبي سلمة، هو: الماجشون، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن معاذ بن عبد الرحمن].وهو معاذ بن عبد الرحمن التيمي، وهو صدوق، خرج له البخاري، ومسلم، والنسائي. [عن حمران].وهو مولى عثمان بن عفان، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن عفان].وهو أمير المؤمنين، ذو النورين، وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، وصاحب المناقب والفضائل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد من الأسانيد النازلة عند النسائي؛ لأنه من الثمانيات، يعني: فيه ثمانية، وفيه اثنان يكونان في طبقة واحدة، فيعتبران بمنزلة الراوي الواحد، وهؤلاء هم أولاً: سليمان بن داود، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث، والحكيم بن عبد الله القرشي، ونافع بن جبير، وفي درجته عبد الله بن أبي سلمة ؛ لأنهما في طبقة واحدة، يعني: يعتبران بمثابة الراوي الواحد، ومعاذ بن عبد الرحمن، وحمران، وعثمان، ثمانية أشخاص. وهناك أنزل من الثمانيات عند النسائي، قيل: إن عنده العشاريات، أي: أن عنده إسناد عشاري يتكون من عشرة رجال.
الأسئلة
أكثر الأحاديث عند النسائي صحيحة
السؤال: فضيلة الشيخ عبد المحسن حفظه الله، لماذا لا تذكر الإسناد وتوثيق الرجال قبل المتن، وذكر مرتبة الحديث على ضوء هذا الإسناد؟ الجواب: أولاً: الكلام على الحديث، وعلى لفظ الحديث هو الأهم، وهو المقصود، يعني: بيان الحديث وشرحه وما اشتمل عليه، ثم بعد ذلك يأتي ذكر الرجال، ونحن كما عرفنا فيما مضى لا ندرس الإسناد ونبين الحكم عليه؛ لأنه كما قلت: الأحاديث الصحيحة والحسنة عند النسائي هي الكثرة المتكاثرة، والنادر هو الضعيف، وقد ذكرت لهذا أمثلة، ومنها: هذا الباب الذي نحن فيه، كتاب: الإمامة والجماعة، فيه مائة حديث كاملة، الصحيح منها تسعة وتسعون، والضعيف حديث واحد، فالأحاديث الضعيفة قليلة جداً، ولهذا كما قلت: نبدأ بالمتن، والكلام على الترجمة، ومقصود الترجمة، والحديث ومطابقته للترجمة، وما يدل عليه الحديث، ثم بعد ذلك نأتي إلى ذكر الإسناد.
من دخل المسجد قبل المغرب هل يصلي أم يبقى واقفاً
السؤال: ما هو الأفضل لرجل دخل المسجد قبل أذان المغرب بدقائق، هل يصلي تحية المسجد، أو ينتظر واقفاً، أو يجلس؟الجواب: الصلاة عند دخول المسجد في أوقات النهي فيها خلاف بين العلماء، وأنا أقول: إن الأمر في ذلك واسع، من جلس لا حرج عليه، ومن صلى لا حرج عليه، فلا ينكر على أحد منهما، ولكن إذا كان الأذان ما بقي عليه إلا دقيقة أو دقيقتان، فلو بقي واقفاً لكان أولى.
فضل الصلاة في الصفوف الأمامية قبل الروضة في مسجد المدينة
السؤال: هل الأفضل الصلاة في الروضة أو في الصفوف الأولى؟ الجواب: صلاة الفريضة في الصفوف الأُول أفضل من الصلاة في الروضة، وكذلك ميامن الصفوف التي تقع غرب الروضة هي أفضل من الروضة بالنسبة للصلاة، وسبق أن مر بنا الكلام على ما يتعلق بالأولى لمن يكون وراء الإمام، أين يكون؟ وأنه يكون عن يمينه، وسئلت في ذلك الوقت عن حديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وما درجته من الصحة؟ وقلت: إنني لا أدري، ثم وجدت بعد ذلك أن الحافظ ابن حجر حسنه في فتح الباري، (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).والحاصل: أن الصفوف التي أمام الروضة، كل الصفوف التي قبل الروضة، وفي الزيادة الأمامية، الصلاة فيها أفضل من الروضة، وكذلك الميامن المحاذية للروضة هي أفضل من الروضة، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس في الروضة، ومن المعلوم: أن بعض ميامن الصفوف كانت خارج الروضة.
المقصود بقوله: (له أجر مثل أجر من حضرها)
السؤال: قوله: (مثل أجر من حضرها)، هل المراد أجور الجماعة مجموعةً له، أو مثل أي فرد حضرها؟ الجواب: المقصود هو أن الذين حضروا الصلاة وأدركوها، وحصلوا أجرها، له مثل أجرهم، أقول: له مثل أجر من حضرها؛ لأن غيره سبقه إلى حضورها وأدركها، وهو فاتته بأكملها، فسعيه واجتهاده وحرصه على أداء الصلاة، الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا الأجر تفضلاً منه وإحساناً.
الجمع بين الصلاتين لأجل المطر
السؤال: هل من السنة جمع الصلاتين في المسجد أو غيره من أجل المطر، أرجو التفصيل في ذلك؟الجواب: نعم، إذا حصل مطر شديد، فيجوز الجمع بين الصلاتين كالمغرب والعشاء، بأن تقدم العشاء مع المغرب في وقت المغرب، من أجل الدحض والمطر، وقد جاء في السنة ما يدل على ذلك.
حكم العنعنة في الحديث
السؤال: إذا ورد في الحديث: حدثنا فلان عن فلان، فهل العنعنة تفيد شيئاً من النقص في المرتبة بالنسبة لحدثنا؟الجواب: العنعنة إذا كانت من شخص لا يعرف بالتدليس، فإنها لا تؤثر، فالعنعنة من شخص غير مدلس هي بمعنى الاتصال، لا تقلل ولا تقدح في الاتصال، وإنما العنعنة تؤثر إذا جاءت عن المعروف بالتدليس، أما العنعنة من غير المدلس فهي من قبيل المتصل.
درجة حديث من قيل فيه: صدوق يخطئ، صدوقٌ يهم، مقبول لا بأس به
السؤال: ما درجة حديث من قيل عنه: صدوق يخطئ، وصدوق يهم، مقبول لا بأس به؟الجواب: هذه عدة أشياء، فصدوق تعني أن حديثه حسن، وكذلك صدوق يهم، يعني :إذا كان قليلاً، فإنه لا يؤثر؛ لأن بعض الناس تكون أوهامهم وأخطاؤهم محصورة معينة، فهي التي يكون فيها الضعف، وما عداها يكون على السلامة، وأما كلمة (مقبول) فإن معناها: أنه يعتد به عند الاعتضاد، فإذا وجد ما يعضده ويسانده ويؤيده فعند ذلك يعتبر، و(لا بأس به) أيضاً مثل هذا الذي هو مقبول.
الصلاة منفرداً خلف الصف
السؤال: هل تصح صلاة الفرد خلف الصف؟ وهل يوجد قول عند الحنابلة ببطلان الصلاة؟ الجواب: نعم، القول: ببطلان الصلاة فيما إذا صلى فرداً جاء به الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أمر رجلاً أن يعيد الصلاة، فقد صلى فرداً خلف الصف، هذا إذا كان إنسان صلى وحده وهو مقصر، بمعناه: أنه حصل منه تقصير بحيث وجدت منه الصلاة، أما إذا كان مضطراً، وأمره دار بين أن يصلي مع الناس جماعة أو تفوته الصلاة، فإنه في هذه الحالة، وفي حال هذه الضرورة تصح صلاته، أما إذا كان قد قصر بأن كانت بعض الصفوف -مثلاً- فيها مجال، ولكنه ما ذهب ليكملها، وإنما جاء ووقف في مكان يصلي وحده، فهذا عليه أن يعيد الصلاة، لكن إذا كان الصف مكتملاً، ولا يؤمل أن يأتي أحد، ودخل وصلى وحده فرداً خلف الصف، فإن صلاته صحيحة؛ لأنه هناك أمور تسقط عند الاضطرار وهي واجبة ولازمة، مثل القيام مع القدرة، فالإنسان إذا كان قوياً على القيام، فلا يصلي عن جلوس، لكنه إذا لم يستطع القيام فيجلس، فهذا كذلك؛ إذا كان حاله إما أن تفوته الصلاة، أو أنه يصلي فرداً خلف الصف، فيصلي فرداً خلف الصف، أما إذا قصر والأماكن موجودة، ولكن حصل منه التقصير، وصلى فرداً مع إمكان أن يصلي مع الناس في الصف، فإن هذا هو الذي عليه الإعادة، والحديث صح في هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:23 AM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(160)
- (باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه) إلى (سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة) -
من كان قد صلى الفريضة في بيته ثم أتى المسجد ووجد الجماعة قائمة، فليصل مع الجماعة، وتكون الأولى هي الفريضة والثانية نافلة.
إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه
شرح حديث: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه. أخبرنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن عن محجن رضي الله عنه (أنه كان في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع ومحجن في مجلسه، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟ قال: بلى، ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت)].المقصود من هذه الترجمة أن الإنسان إذا صلى المكتوبة سواء كان صلى وحده أو صلى مع غيره، ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد، فيشرع له أن يصلي تلك الصلاة، وتكون الأولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة، وقد أورد النسائي حديث: محجن بن أبي محجن رضي الله تعالى عنه، أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فأذن للصلاة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع، يعني: أنه بعدما صلى وجده في مكانه الذي كان فيه، فقال: (ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟)، يعني: ما الذي منعك أن تصلي مع الناس، ألست برجل مسلم؟ والمسلم من شأنه ألا يصلي الناس وهو جالس، بل يكون مع الناس، ويصلي كما يصلي الناس، فقال: بلى، ولكني صليت في أهلي، يعني: أديت الواجب الذي علي، وأديت ما فرض الله علي بأن صليت قبل أن آتي، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت).معناه: أن الإنسان إذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة فلا يجلس؛ لأنه يساء به الظن، وينظر إليه بارتياب وإذا صلى مع الناس، فإنه يكون استفاد هذه النافلة، وصلى هذه الصلاة نافلة، والفريضة هي التي صلاها أولاً، وقد جاءت الأحاديث كثيرة في إعادة الصلاة لمن صلى، منها ما سيأتي بعد هذا في قصة الرجلين اللذين في مسجد الخيف، وكذلك قصة الجماعة الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن تأخير الأمراء الصلاة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (يصلونها لوقتها، ثم يصلي معهم فتكون له نافلة)، وكذلك قصة الرجل الذي قال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟ )، فإن الذي يصلي معه قد صلى الفريضة فتكون صلاته له نافلة، كل هذه الأدلة تدل على أن الإنسان يشرع له أن يعيد الصلاة إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد، وتكون تلك الصلاة التي صلاها أخيراً نافلة، والصلاة التي صلاها أولاً، سواءً كان منفرداً أو كان مع جماعة، هي الفريضة، فالتي دخل فيها ليؤدي ما أوجب الله عليه هي الفريضة، وما بعدها، أي: الصلاة التي أعيدت بعد ذلك مع الجماعة، تكون نافلة. فالرسول عليه الصلاة والسلام، لما كان مع محجن بن أبي محجن الصحابي الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذن للصلاة، فقام النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لما فرغ من الصلاة، رجع وإذا محجن في مجلسه، فأنكر عليه وقال: (ما لك لم تصل؟ ألست برجل مسلم؟)، يعني: ومن شأن الرجل المسلم أن يكون مع الناس، وأن يصلي مع الناس، وألا يظهر بمظهر ينكر عليه أو ينتقد عليه أو يعاب عليه، لكونه لم يصل مع الناس، بل عليه أن يصلي، وتكون تلك الصلاة الثانية نافلة، والأولى هي الفريضة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت)
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وبغلان قرية من قرى بلخ. [عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة المشهورة، التي حصل لأصحابها أتباع وأصحاب عنوا بجمعها وتنظيمها وترتيبها والتأليف فيها، فصار لها الحفظ، وإن كان هناك مذاهب للأئمة الآخرين، مثل هؤلاء الأربعة، قبلهم وفي زمنهم وبعدهم، لكن ما حصل لهؤلاء، مثل ما حصل لهؤلاء، من وجود أتباع يعنون بجمع فقههم وترتيبه وتنظيمه والتأليف فيه، وحديث الإمام مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم المدني].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن بسر بن محجن].عن رجل من بني الديل اسمه بسر بن محجن، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده. [عن أبيه محجن].وهو محجن بن أبي محجن، صحابي قليل الحديث، خرج له النسائي وحده.
إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده
شرح حديث يزيد بن الأسود في إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى وحده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده.أخبرنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء أخبرنا جابر بن يزيد بن الأسود العامري عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، قال: علي بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله، إنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: إعادة الفجر إذا صلاها وحده. يعني: إعادتها مع الجماعة إذا كان قد صلاها وحده، وتكون الفريضة هي الأولى، وتلك المعادة هي النافلة، وهذه الإعادة سائغة، حتى في وقت النهي؛ لأن هذا الحديث فيه إعادة صلاة الفجر، ومعلوم أن الذي صلى الفجر أعاد في وقت النهي؛ لأنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، فهو قد صلى الفجر، لكن هذه مستثناة، هذا مما جاءت به السنة على أنه مستثنى، أي: أن الصلاة المعادة مع الجماعة -وهي نافلة- أنها سائغة، وأنه لا مانع منها، وإنما الممنوع أن الإنسان يتطوع ويتنفل بعد صلاة الفجر؛ لأنه لا يسوغ له ذلك حتى تطلع الشمس، لكن يستثنى من ذلك إعادة الجماعة، سواء كان بعد العصر أو بعد الفجر؛ لأن الحديث ورد في الفجر، والوقت بعد الفجر منهي عنه، ولكن هذا استثني من النهي، فيكون هذا مستثنى من النهي في قوله: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)، فإن من ذلك من صلى مع الجماعة، وقد صلى الفرض قبل وجود هذه الجماعة، فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فيكون من التنفل السائغ الذي استثني من المنع من الصلاة بعد الفجر، ومن الصلاة بعد العصر. والنسائي رحمه الله أورد في هذه الترجمة حديث يزيد بن أسود العامري أنه صلى مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجد الخيف، وكان ذلك في حجة الوداع في منى، فلما فرغ من صلاته، وإذا اثنان قد جلسا ناحية في المسجد لم يصليا، فدعا بهما، وطلب أن يحضرا إليه، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، والفريصة هي: اللحمة التي تقع بين الكتف والجنب، ويحصل ذلك عند الفزع، يحصل تحركها واضطرابها بسبب الخوف والذعر والفزع الذي يحصل للإنسان، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، ومن المعلوم: أن الناس كانوا محرمين في ذلك الوقت، والفرائص بادية وظاهرة ويتبين تحركها واضطرابها، وذلك من شدة الفزع؛ لأنه من خشية أن يكون حصل لهما أمر يسوؤهما، وأنه نزل فيهما شيء، فحصل لهما ذعر وخوف، لماذا دعا بهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن سلم وأُتي بهما إليه؟ فلما جاءا إليه سألهما: (ما لكما لم تصليا؟)، قالا: صلينا في رحالنا، فقال: (إذا صليتما في رحالكما وأتيتما والإمام يصلي فصليا معه، تكون لكما نافلة)، فدل هذا على إعادة الصلاة ولو كان ذلك في وقت النهي، وأن ذلك سائغ وجائز، وقد جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث يزيد بن الأسود في إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى وحده
قوله: [أخبرنا زياد بن أيوب]. وهو البغدادي، لقبه دلويه، وهو ثقة، وصفه أحمد بأنه شعبة الصغير، وذلك لحفظه، وأخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا هشيم].وهو ابن بشير الواسطي، ثقة، ثبت، مشهور بالتدليس، والإرسال الخفي، والتدليس هو رواية الراوي عن شيخه ما لم يسمعه منه، أي: سمعه منه بواسطة، وأما الإرسال الخفي فهو: أن يروي عمن عاصره، ولم يعرف أنه لقيه؛ لأن هذا مرسل خفي، ويقابل المرسل الخفي المرسل الواضح، وهو أن يروي الإنسان عمن لم يلق، أي عمن عرف أنه لم يدرك عصره، فإن هذا أمره واضح أن فيه سقطاً، لكن إذا كان الشخص معاصراً له ولم يعرف أنه لقيه ثم روى عنه فيسمى المرسل الخفي، أما إذا كان من شيوخه الذين عرف بالرواية عنهم، ولكنه روى عنه ما لم يسمع منه، فهذا يسمى المدلس، وهذا هو التدليس.فالفرق بين التدليس والإرسال الخفي: أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهذا هو المرسل الخفي، وهشيم بن بشير الواسطي عنده التدليس، وعنده الإرسال الخفي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يعلى بن عطاء].وهو يعلى بن عطاء الطائفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [جابر بن يزيد بن الأسود].وهو جابر بن يزيد بن الأسود العامري، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي. [عن أبيه].وهو يزيد بن الأسود العامري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه أخرجه أيضاً أبو داود، والترمذي، والنسائي، يعني: الذين خرجوا لابنه هم الذين خرجوا له، وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج لهما الشيخان البخاري، ومسلم، ولا ابن ماجه. وذكر مسجد الخيف يفيد بأن الزمن متأخر، وأن هذا الذي حصل في حجة الوداع، يعني: أن هذه الحادثة وهذا الحكم وهذا التشريع متأخر فلا يكون منسوخاً؛ لأنه حصل في آخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يعش بعد حجة الوداع إلا ما يقرب من ثلاثة أشهر، ثم توفاه الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فذكر الشيء وذكر تأخره، يفيد أنه محكم، وأنه لا يكون منسوخاً.
إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة
شرح حديث أبي ذر في إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى ومحمد بن إبراهيم بن صدران واللفظ له عن خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن بديل قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب فخذي: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: ما تأمر؟ قال: صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)].ثم أورد النسائي: إعادة الصلاة جماعة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة، هذه الترجمة تدل على أن الإنسان إذا صلى الفريضة في وقتها، ثم وجد جماعة تصلى، أو جماعة يصلون، ولو كان أداؤهم للصلاة بعد خروج الوقت، أي: إنه قضاء، فإنه يشرع للإنسان أن يصلي معهم، وتلك الصلاة له نافلة، وهذا على القول بأن تأخيرهم حتى خروج الوقت، فتكون الصلاة مقضية، وليست مؤداة، قيل: ويحتمل أن تكون أخرت عن وقتها المندوب، أي: الأولى، يعني: أخرت إلى آخر وقتها الاختياري، والإنسان يصليها في أول وقتها ولا يؤخرها، لكنه إذا وجد الجماعة بعد ذلك في آخر الوقت، أي: بعد ذهاب الوقت المندوب، فإنه يصلي معهم، وتكون له نافلة، لكن النسائي ترجمته تفيد بأنه يرى أن المقصود من ذلك بعد خروج الوقت؛ لأنه قال: بعد خروج وقتها يصليها مع الجماعة، إذا وجدت بعد خروج وقتها، فإنه يعيدها معهم، ويصليها معهم، والصلاة الأولى هي الفريضة.وقد أورد النسائي حديث: أبي ذر رضي الله عنه الذي سبق أن مر، قال: (كيف بك وقد ضربه بيده على فخذه -أي: فخذ أبي ذر - إذا صرت، واستعمل عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فماذا تأمرني؟ قال: صل الصلاة في وقتها، ثم اذهب لحاجتك).(فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل)، معناه: أنه يصلي معهم، وتكون تلك الصلاة المعادة نافلة، والأولى هي الفريضة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى هذا، لما فيه من اجتماع الكلمة، يعني: في الصلاة وراء الأمراء.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 12:25 AM
تراجم رجال إسناد حديث أبي ذر في إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة
قوله [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. وهو بصري ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[ومحمد بن إبراهيم بن صدران].وهو صدوق، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ما خرج له ابن ماجه، ولا الشيخان. [قال: واللفظ له].أي: أن اللفظ المذكور هو للشيخ الثاني الذي هو محمد بن إبراهيم بن صدران، أي: اللفظ ليس لـمحمد بن عبد الأعلى الأول، وإنما هو للثاني من الشيخين.[عن خالد بن الحارث].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من أعلى صيغ التعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن بديل].وهو بديل بن ميسرة العقيلي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[قال: سمعت أبا العالية يحدث].وهو البراء، يعني سبق أن مر ذكره، وهو مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه على عدة أقوال، وهو غير أبي العالية الرياحي الذي هو نفيع، فإن هذا شخص آخر، وأبو العالية البراء ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم والنسائي. [عن عبد الله بن الصامت].وهو الغفاري البصري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي ذر].وهو جندب بن جنادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة
شرح حديث: (لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد جماعة.أخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي حدثنا يحيى بن سعيد عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهما جالساً على البلاط والناس يصلون، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما لك لا تصلي؟ قال: إني قد صليت، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سقوط الصلاة عمن صلى مع الإمام في المسجد في جماعة، معناه: أنه إذا أدى الفرض في المسجد مع الإمام، فإنه لا يصلي، أو لا يلزمه صلاة أخرى، وأورد النسائي: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان الناس يصلون في البلاط، وهو مكان خارج المسجد، يعني بجوار المسجد، وهو قد صلى في المسجد مع الإمام، ثم خرج وجلس في هذا المكان الذي هو البلاط الذي خارج المسجد، والناس يصلون في البلاط، وهو ما يصلي معهم، فقال له سليمان بن يسار مولى ميمونة: ما لك يا أبا عبد الرحمن لا تصلي؟ يعني: والناس يصلون، قال: إنه قد صلى، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تعاد صلاة في يومٍ مرتين)، والمقصود من ذلك: أنه لا يلزمه الإعادة، ثم أيضاً هذه الصلاة ليست في المسجد، وإنما هي خارج المسجد، والأحاديث التي وردت أن الإنسان عليه أن يعيد الصلاة إذا وجدت الجماعة، وهو في المسجد، أو جماعة في المسجد تصلي وهو قد صلى، فإنه يصلي معهم، أما إذا حصلت الصلاة في المسجد، ثم وجدت جماعات أخرى، يعني: خارج المسجد، أو في داخل المسجد، فإنه لا يلزمه، ولكن الأولى له إذا كان في المسجد أن يصلي، ولا يكون مع الناس جالساً والناس يصلون، لكن إذا كانت غير الجماعة الأولى، وأعيدت، فله أن يصلي، لكن ذلك ليس بلازم، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي دخل وهو لم يصل: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، معناه: أن الناس الباقين ما يصلون معه؛ لأن الجماعة توجد عن طريق واحد يتصدق عليه، ويكون هو وإياه جماعة.ويوفق بين هذا وبين ما جاء في الأحاديث أن الصلاة تعاد نافلة، أن الذي دل عليه الحديث أنها لا تعاد، أي: لا تصلى مرتين، يعني: على أساس أنها فرض، أما إذا صليت الأولى فريضة والثانية نافلة، فهذا هو الذي جاءت الأحاديث دالة عليه، لكن لا تصلى مرتين على سبيل الفرض، وإنما يصليها مرة واحدة، والمرة الثانية تكون نافلة، ثم أيضاً كون الناس يصلون في البلاط، يعني: ما كان الصلاة في المسجد، وابن عمر كان صلى في المسجد، فلم ير أن يصلي معهم، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تعاد صلاةٌ في يومٍ مرتين).
تراجم رجال إسناد حديث: (لا تعاد الصلاة في يوم مرتين)
قوله: [أخبرنا إبراهيم بن محمد التيمي].وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي. [حدثنا يحيى بن سعيد].وهو القطان المحدث الناقد، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن حسين المعلم].وهو حسين بن ذكوان المعلم البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن شعيب].وهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سليمان]. وهو ابن يسار، وهو مولى ميمونة أم المؤمنين، ويقال له: الهلالي نسبة ولاء؛ لأن ميمونة بنت الحارث، يقال لها: الهلالية وهو يقال له: سليمان بن يسار الهلالي، وهو ثقة، فاضل، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وقد سبق أن مر ذكرهم مراراً وتكراراً، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة متفق على عدهم من الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسليمان بن يسار هذا هو أحد هؤلاء الفقهاء السبعة، وهو مولى ميمونة، وأبوه يسار، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر].وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وهم أربعة متقاربون في السن، وهم من صغار الصحابة، ابن عمر رضي الله عنه عرض يوم أحد وعمره أربع عشرة سنة، فلم يجزه، أي: ما أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكون في الجيش، وبعد ذلك لما بلغ عمره خمس عشرة سنة أجازه، فصار من ضمن الجيش المجاهد في سبيل الله عز وجل، وابن الزبير هو أول مولود ولد لما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولدت به أمه أسماء بنت أبي بكر في قباء، في أول وصول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. وابن عباس في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وعبد الله بن عمرو أيضاً كذلك من صغار الصحابة، فهم أربعة من صغار الصحابة متقاربون في السن، وقد أدركهم الكثير من التابعين، ممن لم يدرك ابن مسعود، وابن مسعود ليس منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، إذ كانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، رضي الله تعالى عن الجميع، وعبد الله بن عمر أيضاً هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام، والذين قال فيهم السيوطي: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدري وجابر وزوجة النبي
الأسئلة
من نوى العمرة من بلده ولم يحرم من الميقات
السؤال: جئت من مصر عبر البحر ولم أحرم بالعمرة، ثم قعدت في جدة ثلاثة أيام وأحرمت منها فهل علي شيء؟الجواب: إذا كنت ناوياً الإحرام وأنت في بلدك أو وأنت في الباخرة، ثم أحرمت من جدة، فعليك فدية بلا شك؛ لأنك تجاوزت الميقات، أما إذا ما كان عندك نية إحرام، والنية إنما طرأت عليك في جدة وفي البحر ما كان عندك نية أن تحرم، فهذا ما عليك شيء؛ لأنك أحرمت من جدة وهي ميقاتك، أما إن كنت ناوياً قبل ذلك، وتجاوزت ميقاتك الذي هو ما يحاذي رابغ، وأحرمت من جدة، فيكون عليك فدية، وهي شاة تذبحها وتوزعها على فقراء الحرم في مكة. سؤال: طيب إذا ذهبت من جدة إلى المدينة وأحرمت من المدينة؟الجواب: ما عليك شيء، إذا جئت إلى جدة وأنت غير محرم ثم جئت من جدة إلى المدينة وأحرمت من المدينة فما عليك شيء، تحرم من المدينة ولا شيء عليك؛ لأنك ما أحرمت دون الميقات، إحرامك من الميقات.
الدعاء الجماعي عند الافطار
السؤال: رجل يدعو بصوت مرتفع قبيل الإفطار، ومن حوله يؤمنون على دعائه، فهل يجوز ذلك؟الجواب: ليس هذا من السنة، كل يدعو لنفسه، السنة أن كل واحد يدعو لنفسه.
الاحتجاج بالقدر في فعل المعصية
السؤال: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنب بعد التوبة منه؟الجواب: الإنسان لا يحتج بالقدر، ولا يجوز له إذا ليم على الذنب أن يقول: والله حصل بقدر. نعم كل شيء بقضاء وقدر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لكن كون الإنسان إذا ليم أو إذا تاب، وقال: إن هذا شيء قدره الله علي، والحمد لله الذي رزقني التوبة منه، فهذا لا بأس به، أما الاحتجاج بالقدر فلا يجوز، فكون الإنسان إذا أنكر عليه أمر من الأمور، يقول: والله هذا مقدر علي، نعم كل شيء مقدر، وإذا احتج بالقدر يعاقب، ويقال: هذا قدر أيضاً، والعقوبة قدر، فأنت أذنبت، وهذا قدر، وتعاقب، وهذا قدر، وكل شيء بقضاء وقدر حتى العقوبة، كل ما يقع في الكون فهو بقضاء الله وقدره، لكن كون الإنسان عندما يحصل له ذنب، ويتوب منه، ثم يقال له شيء ويقول: هذا شيء قدره الله علي، والحمد لله الذي رزقني منه التوبة، هذا لا بأس به، وهذا مثل ما حصل لآدم عليه الصلاة والسلام مع موسى في قضية تحاجهما، وقول الرسول: (حاج آدم موسى).واحتجاج آدم في قصته مع موسى هو على المصيبة، لكن المصيبة حصلت بالذنب، والإنسان إذا أذنب وتاب من ذنبه وعوتب على ذلك أو بعد التوبة، فإذا قال: هذا شيء قدره الله علي وقضاه، والحمد لله الذي نجاني منه، وسلمني من مغبته، فهذا لا بأس به، واحتجاج آدم على المصيبة مع موسى عليه الصلاة والسلام لما حاجه، كان على المصيبة لا على الذنب، فما لامه على الذنب، وإنما لامه على المصيبة التي ترتبت على الذنب، وانبنت على الذنب، وهي كونهم أخرجوا من الجنة بسبب حصول ذلك الذنب.
حكم قتل النمل
السؤال: هل يجوز قتل النمل؟الجواب: الذي لا يؤذي لا يقتل، والشيء الذي يؤذي يقتل، فما آذى فإنه يقتل، وما لم يحصل منه أذى فإنه لا يقتل.
هل يقبل الحديث الغريب الحسن؟
السؤال: الحديث الغريب الحسن هل يقبل؟الجواب: الحديث الغريب إذا كان المقصود بالغرابة كونه جاء من طريق واحد فالحسن يكون حسناً لذاته؛ لأنه جاء من طريق واحد طبعاً فهو مقبول؛ لأن الغرابة هي كونه جاء من طريق واحد، وقد يكون صحيحاً، ويكون غريباً، ويكون مقبولاً ، والغرابة أنه جاء من طريق واحد، وهذا مثل حديث أبي هريرة آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب جاء من طريق واحد، ولما أخرجه الترمذي في جامعه قال: حديث حسن صحيح غريب، فيوصف بأنه غريب من أجل مجيئه من طريق واحد، والصحيحان فيهما جملة كبيرة من الأحاديث الغريبة التي جاءت من طريق واحد، ولكنها صحيحة؛ لأنها جاءت عن طريق أناس ثقات.
هل للمريض قصر الصلاة مع جمعها؟
السؤال: هل للمريض جمع الصلاة مع قصرها؟الجواب: له أن يجمع، وليس له أن يقصر، له أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، ولا يجوز له أن يقصر.
أفضل الكتب في المصطلح والجرح والتعديل
السؤال: ما هو أوثق كتاب في المصطلح يعتمد عليه، وكذلك في الجرح والتعديل؟الجواب: كتب المصطلح كثيرة، منها المختصر ومنها المطول، ومن المختصرات المتقنة التي مع اختصارها فيها دقة، لكون المؤلف من أهل التمكن في هذا الفن: نخبة الفكر للحافظ ابن حجر، فنخبة الفكر هذه مختصرة جداً ومحررة، وصاحبها من المتمكنين في هذا الفن، وله عليه شرح وهو نزهة النظر، شرحه هو بنفسه، وشرحه غيره، لكن شرحه اسمه نزهة النظر، وهو كتاب مفيد، وقد نظمه الصنعاني في أبيات اسمها قصب السكر، يعني: نظم نخبة الفكر في أبيات، فهو كتاب مختصر مفيد جداً. وأما بالنسبة للمطولات فهناك كتب لا أستطيع أن أقول: هذا هو الكتاب الذي يعتبر أحسن من غيره، لكن أنا أذكر جملة من الكتب المفيدة المهمة في هذا، وهي تدريب الراوي لـلسيوطي، وكتاب السخاوي الذي هو فتح المغيث في شرح ألفية الحديث، فهذان من أحسن الكتب الواسعة في هذا الفن.أما الجرح والتعديل فكتبه أيضاً متعددة، ومن المعلوم أن الحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر عنوا بهذا الجانب، وألف الحافظ الذهبي كتاب الميزان، وابن حجر كتاب اللسان، وكتاب الميزان ذكر فيه أناس ضعفاء، وأناس ثقات، ولكنهم ضعفوا بما لا يقدح فيهم وأوردهم للدفاع عنهم، وجاء بعده الحافظ ابن حجر فترك كل من كان له رواية في الكتب الستة الذين هم موجودون في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب، وأتى بالأشخاص الزائدين على الكتب الستة حتى لا يكون هناك تكرار في هذا الكتاب الذي هو لسان الميزان وبين تهذيب التهذيب أو تهذيب الكمال والكتب التي بنيت عليه، فيعتبر لسان الميزان من الكتب التي من فيها زائد على رجال الكتب الستة، ففيه إضافة أسماء جديدة على رجال الكتب الستة، والكتاب يقع في ثمانية أجزاء، ويوجد غيره من الكتب التي تتابعت عليه، فهما كتابان عظيمان، والكتب كثيرة، فهناك كتاب الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم، وكتاب الجرح لغيره من العلماء، لكن هذان الكتابان وهما: كتاب الذهبي، وابن حجر هما من أحسن الكتب التي عنيت بهذا الجانب.
الدعاء الجماعي
السؤال: قلتم: إن الدعاء الجماعي ليس من السنة، فإذا قال هذا الرجل: إن الصحابة كان يدعو لهم أحدهم ويؤمن الباقون، كما حدث هذا لـعمر وأنس رضي الله عنهما؟الجواب: مثل هذه الأعمال التي سأل عنها السائل أولاً، وهي أن الإنسان عند الإفطار يقوم ويدعو ويرفع صوته والناس يؤمنون، هذا هو الذي ما جاءت به السنة، مثل: بعد الصلاة، فإنه ما جاء أن الإمام يدعو والناس يؤمنون، وكذلك عند الإفطار، ما جاء أن شخصاً يدعو والناس يؤمنون، نعم إذا حصل في بعض الأحيان أنه دعا واحد والناس أمنوا، ولم يكن هذا متخذاً في مناسبة من المناسبات، مثل: بعد الصلوات، ومثل: عند الدفن، ومثل: عند الإفطار وما إلى ذلك، بحيث واحد يدعو والبقية يؤمنون، فهذا ما نعلم شيئاً يدل عليه، أما كون واحد يدعو والناس يؤمنون فيما إذا حصل في بعض الأحيان فلا بأس بذلك، أما أحوال تتكرر فهذا ما نعلم شيئاً يدل عليه.
الجماعة الثانية في المسجد
السؤال: إذا فاتت الجماعة، هل يجوز أن تقام جماعة مرة ثانية في نفس المسجد؟الجواب: نعم، إذا فاتت الجماعة، وكان سبب فوتها أن الإنسان ما قصد التأخر عن صلاة الجماعة الأولى، وإنما كان حريصاً على إدراك الجماعة الأولى، ولكنه فاته أن يدركها، أو كانوا جماعة فاتهم أن يدركوها، وما قصدوا التأخر حتى لا يصلوا مع هذا الإمام الذي يصلي بالناس، فلا بأس أن يصلوا جماعة أخرى في المسجد.السؤال: وهل على هذا دليل؟الجواب: نعم، قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء وهو لم يصل، فقال: (من يتصدق على هذا فيصلي معه؟)، فإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن توجد الجماعة لشخص فاتته الصلاة، فإذا جاء اثنان وليسوا بحاجة إلى صدقة ألا يجوز لهما أن يصليا؟ لا مانع من صلاتهما.
هل الأفضل للمسافر أداء السنن الرواتب؟
السؤال: هذا السائل يقول: هل الأفضل في حق المسافر أداء السنن الرواتب وغيرها، أم يقتصر على أداء سنة الفجر والوتر؟الجواب: الأفضل للإنسان المسافر أن يقتصر على ركعتي الفجر والوتر، ولا يصلي الرواتب التي هي السنن المتعلقة بالصلوات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هذا هديه: أنه كان يحافظ على هذه الصلوات، وجاء عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (لو كنت مسبحاً لأتممت)، يعني: لو كنت متنفلاً لأتممت، وهو قد قصر الصلاة.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:31 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(161)
- (باب السعي إلى الصلاة) إلى (باب التهجير إلى الصلاة)
حث الرسول صلى الله عليه وسلم أمته على الصلاة في جماعة، وأرشدهم إلى آدابها، فنهاهم عن الإتيان إليها وهم يسعون، وأمرهم بأن يأتوها وعليهم السكينة والوقار، لذا شرع لهم التبكير إلى الصلاة.
السعي إلى الصلاة
شرح حديث: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السعي إلى الصلاة.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا) ].يقول النسائي رحمه الله: السعي إلى الصلاة، أي: حكمه، وقد أورد النسائي فيه حديث: أبي هريرة الذي فيه النهي عن إتيان الصلاة والإنسان ساعياً، حيث قال: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، إذاً المراد بالترجمة هو: بيان حكم السعي الذي هو: الإسراع الشديد البليغ وأن ذلك غير سائغ؛ لنهي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والمراد بالسعي هو: الإسراع الشديد البليغ الذي يكون الإنسان كأنه شبيه بالذي يجري، وهذا العمل أو الهيئة بالإضافة إلى كونها غير لائقة فهي أيضاً إثارة النفس عندما يصل الإنسان إلى المسجد يكون نفسه ثائراً؛ بسبب ذلك السعي والجري، فيكون منشغلاً بنفسه، وقد ظهر نفسه وهو يصلي، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن السعي إليها أو أن الذهاب إليها يكون بالمشي، والمشي فيه تكثير الخطى، وقد مر بنا قريباً أثر ابن مسعود الذي يقول: كنا نقارب بين الخطى؛ وذلك لتكثر الحسنات؛ لأن الإنسان لا يخطو خطوة إلا يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، فكانوا يقاربون بين الخطى، معناه: أنهم يمشون ولا يسعون، وقد جاء في القرآن قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، وليس المراد بالسعي المأمور به في قوله: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ، هو هذا الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، وإنما المقصود من ذلك: الإسراع الخفيف الذي لا يترتب عليه مشقة، ولا يترتب عليه مضرة، هذا هو المراد بالسعي الذي جاء في الآية، وليس المراد به: العدو والجري الذي يترتب عليه ثوران النفس، فيأتي الإنسان مشغولاً بنفسه في أول صلاته، بل الأمر كما جاء في حديث أبي هريرة : (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون).يعني: إذا أردتم الإتيان إليها، وقصدتم الإتيان إليها، فلا تأتوها وأنتم تسعون، إذا خرج الإنسان من منزله يريد الصلاة، وأراد الذهاب إليها، فيأتي إليها وهو يمشي، ولا يأتي إليها وهو يسعى، (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون)، فنهى عن إتيانها ساعياً، وأرشد إلى الإتيان إليها ماشياً.وقد عرفنا الفرق بين السعي والمشي، وأن السعي يترتب عليه من المضرة ما يترتب عليه، والمشي يترتب عليه من الفوائد ما يترتب، فمن ذلك: كثرة الخطى، وكثرة الدرجات، ومن ذلك: كون الإنسان يمشي بسكينة ووقار، ويصل ونفسه هادئ ليس ثائر النفس، فيكون متشوشاً في صلاته مشغولاً بنفسه، فإن هذا مما يترتب على الإتيان ساعياً عادياً جارياً.ثم قال: [(وعليكم السكينة)]، وهذا يؤكد الأمر في قوله: (وأتوها وأنتم تمشون)؛ لأن الإتيان والإنسان عليه السكينة، أي: كونه يمشي بهدوء، وعدم سعي وجري.فقوله: (عليكم السكينة)، مؤكد للجملة التي قبلها وهي قوله: (وأتوها وأنتم تمشون). ثم قال: [(فما أدركتم فصلوا)]، يعني: ليس معناه إذا كانت الصلاة مقامة فللإنسان أن يسرع ويجري من أجل أن يحصل الركعة الأولى، أو الركعة الأخيرة، يحصل الركوع، أو يحصل الدخول في الصلاة إذا أقيمت الصلاة، لا، وإنما الإنسان يمشي، فما أدركه صلى، وما فاته قضى، (وما أدركتم فصلوا)، أي: إذا مشيتم وعليكم السكينة، فإذا وصلتم صلوا ما أدركتم واقضوا ما فاتكم، وقد جاء في هذه الرواية (وما فاتكم فاقضوا)، وجاء في أكثر الروايات عن جماعة من الصحابة، (وما فاتكم فأتموا).وقد اختلف العلماء في مسألة، وهي: ما يقضيه المسبوق، هل هو أول صلاته أو آخر صلاته؟من العلماء من قال: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته؛ لأن هذا الذي أدركه مع الإمام هو آخر صلاة الإمام، فيكون آخر صلاة المأموم، ويتفق نية المأموم مع نية الإمام، هذا آخر صلاته وهذا آخر صلاته، وإذا سلم قام يقضي أول صلاته، وهذا القول يترتب عليه أن الإنسان يطيل الركعتين الفائتتين؛ لأنه ما دام أنها أول صلاته فإنه يطيل، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويمكن أن يجهر أيضاً في الصلاة الجهرية، بحيث لا يؤذي أحداً، هذا على القول: بأن ما يقضيه هو أول صلاته.وقال الآخر: إن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخر صلاته، فيكون الأول هو الأول، أي: أول الصلاة هو أولها، ما أدركه، هو أول صلاته، وما أتى به بعد سلام الإمام يكون هو آخر صلاته، فالأول هو الأول، والآخر هو الآخر، ولا يكون الآخر الذي أدركه مع الإمام هو الآخر، والذي يأتي به بعد ذلك هو الأول، بل ما فعله أولاً هو أول صلاته، وما فعله آخراً هو آخر صلاته، وإن اختلفت نية الإمام والمأموم هذا في أول صلاته وهذا في آخر صلاته، أي: الإمام في آخر صلاته، والمأموم في أول صلاته لا محظور في ذلك ولا مانع، وأكثر الروايات على: أتموا، وهي تؤيد، أو ترجح هذا القول؛ لأن قوله: (وما أدركتم فأتموا)، معناه: أن الذي يقضيه المسبوق هو آخر صلاته، أي: ما يقضيه المسبوق بعد سلامه إمامه هو آخر صلاته؛ لأن قوله: (وما أدركتم فأتموا)، وهي أكثر الروايات تدل على هذا.ثم أيضاً الذين قالوا: بأن ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته يستدلون بهذه الرواية: (وما فاتكم فاقضوا)؛ لأنه أدرك آخر الصلاة فيقضي أول الصلاة، لكن القضاء يمكن أن يفسر بمعنى الأداء، وهو يأتي بمعنى الأداء والإتمام، يأتي بمعنى الإتمام، (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فتفسر اقضوا بمعنى: أتموا، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت:12]، أي: أتمهن، أو أتم خلقهن، فالقضاء يأتي بمعنى الإتمام، وعلى هذا فتكون رواية (أتموا)، دالةً على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، ورواية: اقضوا، تفسر بمعنى الإتمام وهو سائغ في اللغة، وبه يتفق مع الروايات الكثيرة التي هي أرجح وأقوى من رواية: فاقضوا التي هي رواية: (فأتموا).إذاً: فما يقضيه المسبوق وهو آخر صلاته، وما يدركه هو أول صلاته. وهذا هو القول الأظهر في هذه المسألة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ...)
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وسفيان هنا مهمل، يحتمل الثوري، ويحتمل ابن عيينة، لكن كونه يروي عن الزهري في هذا الإسناد، تبين بأنه ابن عيينة؛ لأن ابن عيينة هو المعروف بالرواية عن الزهري، وقد قال الحافظ ابن حجر: إن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة.إذاً: إذا جاء سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فالمراد به: ابن عيينة ؛ لأنه مكثر من الرواية عنه.وهذه هي الطريقة التي يميز بها المهمل؛ لأن المهمل نوع من أنواع علوم الحديث، وهو: أن الرواة تتفق أسماؤهم، أو أسماؤهم وأسماء آبائهم، ولا يعرف لكونه يحتمل عدة أشخاص، فلتمييز هذا من هذا يسلك لذلك معرفة الشيوخ والتلاميذ، وإذا كانوا متفقين بالشيوخ والتلاميذ فينظر لمن يكون أكثر رواية، ولمن يكون من أهل بلده، ولمن يكون ملازماً له، فيتبين أنه أحد الاثنين بمعرفة كونه مكثراً للرواية عن ذلك الشيخ، أو ملازماً له، أو من أهل بلده، أو ما إلى ذلك، وأيضاً يمكن أن يعرف عن طريق النظر في الأسانيد الأخرى لهذا الحديث؛ لأنه قد يكون الحديث مثلاً عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد واحد، فيكون في أحد الكتب ينسب المهمل فيقال: فلان بن فلان، فيتميز.
الإسراع إلى الصلاة من غير سعي
شرح حديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإسراع إلى الصلاة من غير سعي. أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو أخبرنا ابن وهب حدثنا ابن جريج عن منبوذ عن الفضل بن عبيد الله عن أبي رافع رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع: فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إلى المغرب مررنا بالبقيع، فقال: أف لك، أف لك، قال: فكبر ذلك في ذرعي، فاستأخرت وظننت أنه يريدني، فقال: ما لك؟ امش، فقلت: أحدثت حدثاً؟ قال: ما ذاك؟ قلت: أففت بي، قال: لا، ولكن هذا فلان بعثته ساعياً على بني فلان فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار)].أورد النسائي باب: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، يعني: لما ذكر السعي إلى الصلاة، وأنه قد جاء النهي عنه، والمراد به: الإسراع الشديد البليغ، أتى بعده بهذه الترجمة، وهي: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، أي: الإسراع الخفيف الذي ليس فيه جري وعدو وركض، وإنما هو إسراع خفيف؛ لأن المشي منه ما هو بطيء، ومنه ما هو فوقه، ومنه ما هو شديد، وهنا يريد: الإسراع الخفيف، وأن ذلك سائغ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام فعله في هذا الحديث الذي أورده النسائي، وهو حديث: أبي رافع أن النبي عليه الصلاة والسلام: كان إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم، حتى يقرب المغرب، ثم ينحدر، أي: ينزل، وكأنه يأتي من مكان مرتفع مائل، يعني: يكون فيه شيء من الإسراع الخفيف بسبب الانحدار، وكون الإنسان ينزل من مكان عال، يكون فيه شيء من الحركة والإسراع الخفيف، قال أبو رافع: (فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إلى المغرب)، أي: يمشي مشياً سريعاً ليس بالشديد، وإنما هو إسراع خفيف، إذ مر بالبقيع، فقال: (أف لك أف لك)، فـأبو رافع ظن أنه يعنيه فتأخر، فلم يمش معه كالمشي الأول بل تأخر عنه، فقال: (ما لك امش، فقلت: أحدثت حدثاً؟ قال: ما ذاك؟).والذي جعله يتأخر: ظن أنه يريده في قوله: (أف لك، أف لك)، يعني: هذا التأفيف ظن أنه هو المعني به فشق ذلك عليه، وضاق ذرعاً ولم يطق ذلك، وظن أنه حصل منه شيء استوجب هذا التأفيف، فقال: (امش ما لك)؛ لأنه تأخر، (فقال: أحدثت حدثاً؟)، هذا سؤال حذفت منه الهمزة، أأحدثت حدثاً، يعني: أحصل مني أن أحدثت حدثاً استوجب ذلك الذي حصل؟ قال: (وما ذاك؟ قال: إنك أففت بي)، أي: قلت: أف لك، أف لك، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا، ولكن ذلك رجل بعثته ساعياً إلى بني فلان فغل نمرة، يعني: أخذها من الغنيمة وهي الخيانة، فخان في أمانته، وأخذ تلك النمرة التي هي: كساء أو ثوب، قال: (فدرع الآن مثلها من نار).الآن مثل تلك النمرة، يعني: يعذب بها، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله عز وجل على هذا العذاب الذي حصل في قبر ذلك الرجل، وكذلك أعلم بالسبب الذي حصل فيه ذلك العذاب، وهو أنه قد غل.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:35 PM
إثبات عذاب القبر ونعيمه
والحديث يدل على: إثبات عذاب القبر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أف لك أف لك)، وأنه درع مثلها من نار، يعني: مثل تلك النمرة، معناه: أنه يعذب بها في قبره، والنبي صلى الله عليه وسلم يطلعه الله عز وجل على ما يجري في القبور وكذلك يسمع ما يجري في القبور، كما جاء في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحديث في صحيح مسلم، فهو عليه الصلاة والسلام أطلعه الله عز وجل على ما يجري في القبور من الأهوال، ويسمع أصوات المعذبين الذين يعذبون في قبورهم، وهذا الحديث فيه: أنه أطلع على أن ذلك الشخص معذب في قبره وأن سبب عذابه نمرة غلها وأنه عذب بمثلها في النار، ففيه: دليل على إثبات عذاب القبر، وأن عذاب النار يصل إلى المقبورين، كما أن نعيم الجنة يصل إلى المقبورين، لمن كان من أهل ذلك، كما جاء في حديث البراء بن عازب المشهور الطويل: (يفتح له باب من الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، والآخر يفتح له باب من النار فيأتيه من حرها وسمومها)، وهذا فيه حصول العذاب لمن يستحقه، ويشبه ذلك ما جاء في حديث صاحبي القبرين اللذين قال عنهما: (يعذبان، وما يعذبان بكبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)، فهذا يدل على حصول عذاب القبر ووقوعه، وعلى بيان سببه، وهذا الحديث الذي معنا كذلك يدل على حصول عذاب القبر، وعلى حصول سببه الذي هو الغلول من الغنائم، كون الإنسان يغل من الغنائم فهذا من أسباب العذاب في النار، بل من أسباب حصول عذاب القبر، وأن صاحب الغلول يعذب في قبره بعذاب النار، بحيث يصل إليه عذاب النار وهو في قبره، وقد جاء في القرآن: في آل فرعون قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فدل على أن الكفار من آل فرعون يعذبون في النار، وهنا دل على أن الذي غل يعذب، وإن لم يكن الغلول كفراً، ولكنه كبيرة من الكبائر، كذلك عدم الاستبراء من البول، والمشي بالنميمة، هذه من الكبائر، وهي من أسباب العذاب للمؤمنين والمسلمين، من شاء الله تعالى عذبه،وإن شاء عفى عنه، وعلى هذا فمن مات من المسلمين على كبيرة ولم يتب فإن أمره إلى الله عز وجل، إن شاء عذبه، وإن شاء تاب عليه فلم يعذبه.ومحل الشاهد منه: (فبينما هو يسرع)، أي: محل الشاهد من الحديث، في باب الترجمة، وهي: الإسراع إلى الصلاة من غير سعي، المقصود منه: إسراعاً خفيفاً ليس بالشديد الذي جاء النهي عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: (فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة).
تراجم رجال إسناد حديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود].وهو عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو المصري، ثقة، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه .[أخبرنا ابن وهب]. وهو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، فقيه، مشهور، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، فاضل، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بنسبته إلى جده عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، إذاً هو مشهور بالنسبة إلى جده جريج فيقال له: ابن جريج . [عن منبوذ].منبوذ، وهو المدني، من آل أبي رافع، وهو مقبول، خرج حديثه النسائي وحده. [عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع].وهو أيضاً مقبول، خرج حديثه النسائي وحده. [عن أبي رافع].وهو أبو رافع القبطي مولى مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، اختلف في اسمه فقيل: اسمه إبراهيم، وقيل: غير ذلك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
طريق أخرى لحديث: (... بينما النبي يسرع إلى صلاة المغرب ...) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن ابن جريج أخبرني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع: نحوه].أورد النسائي إسناداً آخر، ولم يسق المتن، بل قال: نحوه، لما فرغ من ذكر الإسناد قال: نحوه، أي: أن متن الحديث بهذا الإسناد على النحو من المتن السابق، ليس مماثلاً له وإنما هو نحوه، ومن المعلوم: أن الفرق بين (مثل) و(نحو)، أن (مثل): تقتضي التماثل في المتن بين المحال والمحال إليه الذي لم يذكر متنه، ويقال: مثله، والذي أحيل إليه هو المتن السابق، فإذا كان المتنان متماثلين قيل: مثله، وإذا كان يختلف عنه فيقال: نحوه، أي: أنه ليس مماثلاً له، ولكنه نحوه.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].وهو هارون بن عبد الله البغدادي، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا معاوية بن عمرو].وهو معاوية بن عمرو البغدادي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو إسحاق]. وهو إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري، ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن جريج إلى آخره].وعند هذا يتفق الإسناد، إلا أن في الإسناد الثاني كون ابن جريج يقول: أخبرني منبوذ، وفي الإسناد الأول يعنعن ابن جريج يقول: عن، إذاً: فالإسناد الثاني فيه فائدة، وهي: كون ابن جريج وهو مدلس صرح بالسماع في هذا الحديث عن منبوذ الذي روى عنه بالعنعنة في الإسناد الأول الذي قبله، يعني: في الأول يقول ابن جريج: عن، وهنا يقول: أخبرني منبوذ.
التهجير إلى الصلاة
شرح حديث: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التهجير إلى الصلاة.أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان عن شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر: أن أبا هريرة رضي الله عنهما حدثهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البقرة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الدجاجة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البيضة)].أورد النسائي التهجير إلى الصلاة، يريد به: بيان فضله والحث عليه، والمراد بالتهجير: التبكير إلى الصلاة، يعني: يذهب إليها مبكراً، ثم أورد النسائي حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنما مثل الذي يهجر إلى الصلاة كالمهدي بدنة)، أي: الذي يكون مبكراً قبل غيره، ويسبق غيره إلى الوصول إلى المسجد هذا كالمهدي بدنة، ثم الذي يكون على إثره كالمهدي بقرة، ثم الذي على إثره كالمهدي كبشاً، ثم الذي على إثره كالمهدي دجاجة، ثم الذي على إثره كالمهدي بيضة، وهذا يدل على فضل التبكير إلى الصلوات، وأن الإنسان إذا بكر إليها يكون بهذه المثابة وبهذه المنزلة، ومن المعلوم: أن الإنسان إذا بكر إلى الصلاة حصل الصف الأول الذي هو خير الصفوف، والذي يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف والأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)، ثم أيضاً إذا جلس في المسجد، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة، فكل ما زاد جلوسه في المسجد في انتظار الصلاة فهو في صلاة، وهذه زيادة في ثوابه وأجره، ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبكر إلى الصلاة قبل غيره بالمهدي بدنة.والمراد بالإهداء، قيل: هو كونها تكون هدياً، وقيل: إن المراد بذلك التصدق، ومن المعلوم: أن الهدي أو الإهداء لا يكون بالدجاجة والبيضة؛ لأن الهدي والأضاحي إنما يكون في بهيمة الأنعام خاصة التي هي: الإبل، والبقر، والغنم، وليس بالدجاج والبيض، لكن الصدقة تكون في كل ما هو نافع، دجاج أو غير دجاج، لكن المقصود من هذا: هو بيان عظم ما تقرب به الإنسان إلى الله عز وجل، وأن الإنسان الذي تقرب إلى الله عز وجل بالبدنة، ثم بالبقرة، ثم بالكبش، ثم بالدجاجة، ثم بالبيضة، يعني: أنه فعل أمراً يقربه إلى الله عز جل، ويرجو من الله عز وجل الثواب، ولكن ليس المقصود من ذلك: الإهداء إلى الكعبة؛ لأن الهدي لا يكون إلا بالإبل، والبقر، والغنم، لا يكون بالدجاج، والبيض، ولكن بالنسبة للصدقة والتقرب إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، والإحسان إلى الناس يكون بكل ما هو نافع.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ...)
قوله: [أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة].وهو أحمد بن محمد بن المغيرة الحمصي، صدوق، خرج حديثه النسائي وحده. [حدثنا عثمان].وهو ابن سعيد بن كثير الحمصي، ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [عن شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من أثبت الناس في حديث الزهري، وهو يروي عن الزهري، والزهري سبق أن مر بنا قريباً.[أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو عبد الله الأغر].وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني، وأحد الفقهاء السبعة، على أحد الأقوال في السابع، الذين أشرت إليهم قريباً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكذلك أيضاً أبو عبد الله الأغر، وهو: سلمان الأغر، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. أبو هريرة رضي الله عنه، وقد مر ذكره قريباً.
الأسئلة
هل يجوز للرجل أن يأخذ زكاة ذهب زوجته؟
السؤال: هل يجوز لي أن آخذ زكاة ذهب زوجتي، علماً بأنني أزكي الذهب من مالي، ويعلم الله بحاجتي الشديدة للمال لفقري وعدم استطاعتي للتزكية دائماً؟الجواب: المالك هو الذي يزكي، وما دام أنه هو الذي يخرج الزكاة عن زوجته، فهذا يعني: أنه شيء زائد عن حاجته بحيث يدفع الزكاة، فمن المعلوم: أن الزكاة تدفع للفقراء والمساكين، وإذا كان هو فقير فالزوجة لها أن تعطي الزكاة لزوجها، لكن الآن هو الذي يدفع الزكاة عنها؛ لأنه ما دام أنه هو الآن عنده زيادة مال، هو الآن يعطي من ماله زكاة.
من قال: علي لعنة الله ألا أفعل كذا ثم فعله
السؤال: من حلف وقال: علي لعنة الله إن ساعدته، يعني: رجلاً، ثم بعد ذلك بدا لي خطئي، ما ظننت فيه سوء؟الجواب: أقول: مثل هذا الكلام كلام سيئ، أي: كون الإنسان يلعن نفسه ويدعو على نفسه بالطرد عن رحمة الله؛ لأن معنى اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله عز وجل، فلا يجوز للإنسان أن يفعل ذلك، لكن هل هذه يمين أو ليست يمين تحتاج إلى تفكير؟ لا أدري، لكن كون الإنسان يتكلم بمثل هذا الكلام لا يجوز.
كفارة اليمين
السؤال: من حلف وقال: والله الذي لا إله غيره لا أدخل منزل فلان، ثم دخله فماذا عليه؟الجواب: يكفر عن يمينه بأن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم، أو يعتق رقبة، فإن لم يستطع لا العتق ولا الإطعام ولا الكسوة فإنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام، وهذه هي كفارة اليمين، فيها ترتيب وتخيير، وليس في الكفارات تخيير وترتيب إلا كفارة الأيمان؛ لأن فيها تخيير بين العتق والكسوة والإطعام، وترتيب بين هذه الأمور وبين الصيام، يعني: الصيام ليس مخيراً فيه، وإنما التخيير بين الأمور الثلاثة التي هي: عتق، أو كسوة، أو إطعام، وإن لم يستطع هذه الأمور الثلاثة ينتقل إلى الصيام، ففيها تخيير وترتيب، تخيير بين الثلاثة، وترتيب بين الصيام وما قبله.
في زكاة الحلي
السؤال: هل على المرأة زكاة في الذهب الذي تلبسه وتتحلى به أم لا؟الجواب: نعم، الحلي تجب فيه الزكاة، ولو كان معداً للزينة؛ لأن عموم الأحاديث التي وردت في زكاة الذهب تشملها، (ما من صاحب ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار)، فعموم هذا يشمله، ثم أيضاً ما جاء في الحديث الذي فيه: (أن امرأةً جاءت وعليها مسكتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أتحبين أن يسورك الله بسوارين من نار؟)، فهذه الأحاديث تدل على وجوب الزكاة في حلي النساء.
صلاة المرأة في بيتها أفضل من الصلاة في المسجد النبوي
السؤال: هل حضور المرأة إلى المسجد النبوي لشهود صلاة الجمعة أمر محمود، أم الأفضل أن تبقى في بيتها وتصلي ظهراً؟الجواب: الأفضل هو صلاتها في بيتها بلا شك، كما جاءت بذلك الأحاديث، يعني: جاءت الأحاديث تدل على أن أفضل صلاة المرأة إنما تكون في بيتها، لكن مجيئها إلى المسجد إذا طلبته أو أرادته سائغ، لكن بشرط أن تخرج بعيدة عن المحظور، فلا تظهر متجملة ولا متعطرة، ولا يحصل منها شيء يكون سبباً في فتنتها أو فتنة غيرها بها، وصلاتها في بيتها أفضل، في جميع الصلوات الجمعة وغير الجمعة، فصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، وخير من صلاتها في المسجد، لكن إذا أرادت المسجد لا بأس، لها أن تذهب إليه وليس لوليها أن يمنعها إلا إذا كان هناك محظور تمنع بسببه.
إذا صلت المرأة الجمعة في بيتها تصليها ظهراً
السؤال: إذا صلت المرأة في البيت هل تصلي ظهراً أم جمعة؟الشيخ: لا، تصلي ظهراً، الإنسان إذا ما أدرك الجمعة يصلي ظهراً، بل الذي يأتي إلى المسجد ولا يدرك الركعة الثانية، أي إذا فاته الركوع من الركعة الثانية يدخل مع الإمام وإذا قام يقضي ظهر لا يقضي ركعتين، أي: إذا دخل مع الإمام بعد رفعه من الركوع في الركعة الثانية، ثم سلم الإمام قام يقضي يصلي أربعاً، لا يصلي ثنتين.
النهي عن الإسراع والسعي للصلاة للتحريم
السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا تأتوها وأنتم تسعون)، هل النهي للتحريم أو للكراهة؟الجواب: الأصل أنه للتحريم.
يوجد في سنن النسائي أحاديث ضعيفة لأنه لم يشترط الصحة
السؤال: نعلم أن الإمام النسائي من المتشددين في التعديل، ومع ذلك فقد أورد في سننه أحاديث ضعيفة، فكيف ذلك؟الجواب: لأنه لم يشترط الصحة، أقول: لم يلزم نفسه بالصحة حتى يعترض عليه بذلك، أو حتى يستدرك عليه؛ لأنه لم يقل عن كتابه هذا: هو كتاب صحيح، وأنه لا يرد فيه إلا أحاديث صحيحة، وإنما لما عقد التراجم وأتى بالتراجم، أتى بما يدل على هذه الترجمة، من ذلك ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف فيغني عنه الصحيح، يعني: ضعيف وصحيح في موضع واحد وفي معنى واحد، وقد يكون أيضاً في معنى واحد؛ لأنه قد يكون هذا الذي وجده فيما يتعلق بهذا الموضوع أو بهذه الترجمة، لكن كونه يورد أحاديث ضعيفة، لا إشكال فيه؛ لأنه ما التزم ألا يأتي إلا بأحاديث صحيحة.
تراجم الأبواب في صحيح مسلم من عمل النووي
السؤال: هل تراجم كتب صحيح مسلم ككتاب الإيمان والطهارة إلى آخره من الإمام مسلم أم من النووي؟الجواب: تراجم الأبواب في صحيح مسلم هي من عمل النووي وغيره؛ لأن النووي ذكر: أن العلماء ذكروا تراجم لهذه الأبواب وأنه اعتنى بوضع تراجمه، أما الكتب فهي من وضع الإمام مسلم، والأبواب هي من وضع النووي وغير النووي، ولكن المشهور الموجود مع شرح النووي، وكذلك الذي طبع مع المتن الذي اعتنى به عبد الباقي، يعني: الأبواب هي أبواب النووي أدخلها في الصحيح، والنووي في الشرح، فالأبواب تأتي مع الشرح لا تأتي مع الكتاب في داخل المتن، فالمتن في الأعلى وليس فيه إلا الكتب، والأبواب تأتي في الشرح، ومسلم رحمه الله لما عمل كتابه جعله في حكم المبوب وإن لم يبوبه، يعني: يجمع الأحاديث الذي في موضوع واحد ويسوقها مساقاً واحداً، ثم ينتقل إلى موضوع آخر، فهو في حكم المبوب، وإن لم يكن فيه تسمية أبواب، أما الكتب فهي من عمل مسلم، وليست من عمل النووي ولا غيره، والدليل على هذا: أن الذين ألفوا في رجال مسلم قبل النووي، مثل: كتاب ابن منجويه في رجال مسلم، والجمع بين رجال الصحيحين للمقدسي، عندما يأتون بترجمة شخص يقولون: روى عنه مسلم في كتاب الإيمان، روى عنه مسلم في كتاب الزهد، هؤلاء قبل النووي، فذكروا في ترجمة الشخص: أنه روى عنه مسلم في كتاب كذا، وروى عنه في كتاب كذا، وروى عنه في كتاب كذا إذا كان مقلاً، وإلا يكتفوا بأن يقولوا: روى عن فلان وفلان عندهما، أو روى عن فلان وفلان عند غيره إذا كان مكثراً، فالكتب من عمل مسلم، والأبواب ليست من عمله.
ضابط التبكير إلى المسجد
السؤال: ما ضابط التبكير إلى الصلاة، هل هو الوصول إلى المسجد قبل الأذان، أم إدراك الصف الأول، أم الوصول أول الناس؟الجواب: التبكير إلى الصلاة كما هو معلوم ليس مقصوراً على الأذان، بل يكون قبل الأذان، والإنسان يأتي إلى المسجد ويبكر ويصلي ما أمكنه ويجلس، وإذا أذن المؤذن قام يؤدي الرواتب إذا كانت الصلاة ذات رواتب كالظهر، وإذا كانت غير ذات رواتب يقوم يصلي ركعتين أو ما شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، يعني: بين الأذان والإقامة، فالتبكير إلى الصلاة يكون ليس من حصول الأذان، بل يكون قبل ذلك؛ لأنه كلما طال جلوسه في المسجد وانتظاره الصلاة فهو يعتبر مبكراً، ويعتبر في صلاة ما انتظر الصلاة.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:38 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(162)
- (باب ما يكره من الصلاة عند الإقامة) إلى (باب المنفرد خلف الصف)
لا يجوز الشروع في نافلة إذا أقيمت الصلاة المكتوبة، فإن أقيمت الصلاة وقد شرع في النافلة فإن كان انشغاله بها يؤدي إلى فوات شيء من الركعة فإنه يقطعها، أما إن كان في آخرها وقد مضى أكثرها فإنه يتمها خفيفة.
ما يكره من الصلاة عند الإقامة
شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يكره من الصلاة عند الإقامة.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن زكريا حدثني عمرو بن دينار سمعت عطاء بن يسار يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ].يقول النسائي رحمه الله: ما يكره من الصلاة عند الإقامة. المقصود من هذه الترجمة أن إيجاد الصلاة أو إحداث الصلاة بعد الإقامة أن ذلك مما يكره، والمقصود بالكراهة هنا كراهة التحريم؛ لأن الحديث الذي أورده وكذلك الأحاديث الأخرى تدل على ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يعني ليس للإنسان أن يتشاغل بالنفل عن الفرض، وإنما إذا أقيمت الصلاة المفروضة فعلى الإنسان ألا يبدأ بصلاة بعد الإقامة أو عند الإقامة، وإنما عليه أن يدخل في الصلاة المكتوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).والمكروه يطلق في عرف المتقدمين ويراد به ما يشمل الحرام، وأما عند الفقهاء فإن المكروه دون المحرم، كما أن المندوب عندهم دون الواجب، فالمكروه عندهم دون المحرم، والمعروف عند المتقدمين وهو الذي يأتي في الشرع أن المكروه يراد به المحرم؛ لأن الله عز وجل لما ذكر جملةً من المحرمات في سورة الإسراء قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، هذا إذا دخل الإنسان في الصلاة النافلة بعد الإقامة، أما إذا كان قبل الإقامة، ففيه خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إنه يتمها خفيفة، يتمها خفيفة ويستدل بالآية: لا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، قالوا: فقطعها هذا من إبطال العمل، ومنهم من قال: إنه يقطعها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)؛ وهذا يدل على أنه يتركها، لكن فصل بعض العلماء فقال: إن كان في أولها وكان انشغاله بها يؤدي إلى فوات شيء من الركعة فإنه يقطعها، أما إذا كان في آخرها وقد مضى أكثرها فإنه يتمها خفيفة؛ لأنه إذا أتمها خفيفة فيمكنه أن يتم ذلك في زمن الإقامة أو بعيد زمن الإقامة قبل الدخول في الصلاة، وهذا القول المفصل يظهر أنه هو الأولى؛ فإذا كان في أول الركعتين اللتين قد دخل فيهما قبل الإقامة فإنه يقطعها؛ لأن انشغاله بالركعتين يفوت عليه جزءاً من الصلاة، وأما إذا كان في آخرها فإنه يتمها خفيفة.فإذا ابتدأها بعد الدخول في الصلاة أو بعد الإقامة، فإن ذلك غير سائغ وغير جائز، ويدخل ذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريقين، وهما بلفظ واحد، (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، ومن عبارات الفقهاء التي تتفق مع النص هذه العبارة، فيأتي في كتب الفقه: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).(لا صلاة)، خبر بمعنى النهي مثل: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]، (فلا رفث)، يعني: فلا يرفث ولا يفسق، وهنا (لا صلاة)، يعني: لا يصل، فهو خبر يراد به النهي، المعنى: أنه نهي عن أي صلاة إلا المكتوبة التي أقيمت، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان متنفلاً وقد صلى المكتوبة من قبل، فإن صلاته تلك تكون نافلة، ولا يقال: إنها فريضة؛ لأن الفريضة هي الأولى، وتلك التي صلاها مع الجماعة التي أقيمت بعد أدائه الفريضة تعتبر نافلة، وقد مر بنا جملة من الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في مسجد الخيف صلاة الصبح، فلما فرغ من الصلاة وجد رجلين قد جلسا ناحيةً، فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما لكما لم تصليا؟ قالا: إنا صلينا في رحالنا، قال: إذا صليتما في رحالكما وأتيتما والإمام لم يصل فصليا معه تكن لكما نافلة)، فتلك الصلاة هي نافلة في حقهما، وإن كانت التي أقيمت مكتوبة وهي صلاة جماعة مفروضة، لكنها في حق من أدى فريضة من قبل تكون نافلة.(إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، هذا لمن لم يكن قد صلى المكتوبة من قبل أما من سبق أن صلى المكتوبة فلا تكون الصلاة المقامة مكتوبةً في حقه، ولا تكون فريضة في حقه، وإنما تكون نافلة، فيكون هذا مما يستثنى من كون الإنسان يؤدي نافلة في وقت المكتوبة، أو في وقت أداء المكتوبة؛ لأنه سبق أن أدى المكتوبة، والمكتوبة لا تؤدى مرتين، وإنما تؤدى مرة واحدة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر ]. هوسويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي. [أخبرنا عبد الله بن المبارك ].هو عبد الله بن المبارك المروزي أيضاً، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، ذكر ابن حجر في التقريب جملةً من صفاته، ثم عقبها بقوله: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن زكريا ].هو زكريا بن إسحاق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار ].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن يسار ].هو عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً. [عن أبي هريرة ].و أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله بن الحكم ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد عن شعبة عن ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو باللفظ المتقدم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) من طريق أخرى
قوله: [ أخبرنا أحمد بن عبد الله ].هو أحمد بن عبد الله بن الحكم، ثقة، خرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.[ ومحمد بن بشار ].هو شيخ النسائي الثاني، الملقب بندار، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لهم جميعاً، كلهم رووا عنه مباشرةً وبدون واسطة.[ حدثنا محمد ].و محمد، المراد به ابن جعفر، الذي هو غندر ؛ لأنه إذا جاء محمد بن بشار، يروي عن محمد، ومحمد يروي عن شعبة، فالمراد به غندر الذي هو محمد بن جعفر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن شعبة ]. شعبة هو شعبة بن الحجاج الواسطي، الثقة، الثبت، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، وصفة عالية، لم يظفر بها إلا القليل النادر من المحدثين، مثل: شعبة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني.[ عن ورقاء بن عمر ]. ورقاء بن عمر صدوق، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار عن عطاء عن أبي هريرة ].وهؤلاء في الإسناد المتقدم.
شرح حديث عبد الله بن بحينة فيمن صلى نافلة الصبح والمؤذن يقيم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن سعد بن إبراهيم عن حفص بن عاصم عن ابن بحينة رضي الله عنه أنه قال: (أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعاً؟) ].أورد النسائي حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم، فقال: أتصلي الصبح أربعاً؟)، يعني أنه إذا تشاغل بالركعتين في وقت أداء الفريضة وصلاهما ثم دخل في الفريضة فيكون قد صلى بعد الإقامة أربع ركعات، وهذا استفهام إنكار؛ لأن الصلاة عندما تقام لا يصلى غيرهما وهي ركعتان، فلا يتشاغل بالنافلة عن الفريضة، وإنما يدخل الإنسان في الفريضة، وإذا فرغ من الصلاة يقوم ويصلي الركعتين، وهذا سائغ جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني بعد صلاة الفجر نهي عن الصلاة، لكن قضاء ركعتي الفجر جائز؛ لأنه جاءت السنة بذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري كلمة نسبها إلى بعض العلماء، فقال: قال بعض الأكابر: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور؛ لأن كونه يؤدي الواجب ويشتغل به عن النفل عذر له؛ لأن الفريضة مقدمة على النافلة، لكن من يتشاغل بالنوافل ويقصر في الفرائض أو تشغله عن الفرائض فإنه يكون مغروراً؛ لأنه ترك ما هو واجب عليه، وما هو مطلوب منه حتماً إلى ما ليس بمطلوب منه حتماً، وإنما هو مطلوب منه على سبيل الاستحباب، ثم يمكنه أن يقضيه لو اشتغل بالفرض كما هو مطلوب منه.الحاصل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر عليه، وقال: (أتصلي الصبح أربعاً؟)، وذلك لأنه في وقت الصلاة صلى النافلة ثم دخل مع الناس في الفريضة، فيكون في ذلك الوقت الذي الناس يصلون الفريضة فيه ركعتين، يكون قد صلاها ركعتين نافلة، ثم لحق بالإمام وصلى معه الفريضة، فهذا استفهام إنكار يدل على أن مثل ذلك العمل لا يجوز، لكن كان أنه إذا كان الدخول في الصلاة قبل الإقامة، فإن كان في أول الصلاة فإنه يقطعها ويدخل في الصلاة مع الإمام، وإن كان في آخر النافلة فإنه يتمها خفيفة ويدخل مع الإمام، ولا يفوته بذلك شيء.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن بحينة فيمن صلى نافلة الصبح والمؤذن يقيم
قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة، هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، واسمه من الأسماء المفردة، التي ليس له مشارك فيها، وهذا يسمونه الأسماء المفردة، يعني: التي يقل التسمية فيها، أو تكون التسمية فيها نادر؛ لأنه ليس في رجال الكتب الستة، من يسمى قتيبة إلا هو، فهو من الأسماء المفردة؛ لأن هناك أسماء يكثر التسمية بها، وأسماء يندر التسمية بها، بل قد يكو واحداً، أو لا يعرف بها إلا شخص واحد مثلاً، ورجال الكتب الستة ليس فيهم من يسمى قتيبة إلا قتيبة بن سعيد هذا.[حدثنا أبو عوانة ].وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، وهناك أبو عوانة متأخر، صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال لكتابه: مسند أبي عوانة، ويقال له: صحيح أبي عوانة، ويقال له: مستخرج أبي عوانة، فذاك متأخر عن هذا، وهذا متقدم؛ لأن هذا يروي عنه النسائي بواسطة، وأما ذاك فله مستخرج على صحيح مسلم، فهو يروي أحاديث مسلم بأسانيد لا يمر فيها على مسلم، وإنما يلتقي فيها مع مسلم في شيخه أو شيخ شيخه أو من فوق ذلك، وهذا هو معنى المستخرج.[عن سعد بن إبراهيم ].وهو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حفص بن عاصم ].وهو حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن بحينة ].ابن بحينة، وهو عبد الله بن مالك بن القشيب، مشهور بـابن بحينة، وهو صحابي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة
شرح حديث عبد الله بن سرجس فيمن صلى ركعتي الفجر والإمام في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد حدثنا عاصم عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (جاء رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فركع الركعتين ثم دخل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: يا فلان، أيهما صلاتك: التي صليت معنا، أو التي صليت لنفسك؟) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فيمن يصلي ركعتي الفجر والإمام في الصلاة، يعني: أنه يدخل في ركعتي الفجر، والإمام داخل في صلاة الفجر المفروضة.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً دخل فصلى الركعتين، أي: ركعتي الفجر، و(أل) هنا للعهد الذهني، وهما: ركعتا الفجر، السنة المؤكدة المستحبة قبل الفجر، فصلاهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يعني أنه صلى الركعتين، ثم دخل مع الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى الركعتين معه؛ لأن صلاة الفجر تطول فيها القراءة، لا سيما في الركعة الأولى، فيدخل الداخل ويصلي ركعتين، ثم يدخل مع الرسول صلى الله عليه وسلم فيصلي، فيكون صلى الفريضة بركعتيها، وصلى الركعتين وحده، يعني في وقت صلاة الإمام، لكن هذا غير سائغ؛ لأن الأحاديث التي مرت، تدل على منعه، حيث قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وكذلك هنا جاء في هذا الحديث لما صلى الرجل قال لهhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=أي هما صلاتك التي صليتها وحدك أو التي صليتها معنا؟)؛لأن الإنسان صلى في وقت إقامة الصلاة ركعتين وحده بعدما دخل الناس في الصلاة، ثم صلى ركعتين مع الإمام، وقد فاته جزء كبير من الركعة الأولى، وهو متشاغل بالركعتين التي هي ركعتا الفجر.لذا قال له: أيهما صلاتك؟ الركعتان اللتان صليتهما وحدك أو اللتان صليتهما معنا؟ وذلك أن الإنسان جاء من بيته يريد الصلاة التي هي الصلاة المكتوبة، فكونه يأتي والإمام يصلي ثم يدخل في شيء ليس هو المقصود من الإتيان فذاك خلاف المقصود، بل النافلة يمكن أن تصلى في البيت وصلاتها في البيت أفضل، فإذا جاء الإنسان في قرب الصلاة أو قرب إقامة الصلاة فأن يصليها في البيت أفضل، لكن إذا جاء قبل الفجر، وأذن لصلاة الفجر وهو في المسجد، فإنه يصلي الركعتين في المسجد، لكن أن يتأخر ثم يجد الإمام يصلي ثم يتشاغل بالركعتين، وقد جاء لصلاة الصبح، فيكون قد اشتغل بنافلة كان أداؤها في البيت أفضل، وترك أو تشاغل عن المكتوبة التي جاء من أجلها، والتي نودي لها بحي على الصلاة حي على الفلاح، ثم بعد ذلك تشاغل عن هذه الصلاة المكتوبة بصلاة نافلة كان أداؤها في البيت أفضل لو أداها قبل أن يأتي، وأيضاً فإنه لا يفوت قضاؤها، بل قضاؤها ممكن بعد صلاة الصبح، إذا فرغ الإنسان من صلاة الصبح فإنه يؤديها، فهذا إنكار عليه، وعتب ولوم يدل على أنه فعل أمراً غير سائغ، وأن الصلاة التي جاء من أجلها، وهي المقصودة في مجيئه وإتيانه، قد تشاغل عنها بنافلة كان إتيانه بها في البيت أولى، وإذا لم يأت بها فيمكنه أن يأتي بها بعد الصلاة كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث عبدالله بن سرجس فيمن صلى ركعتي الفجر والإمام في الصلاة
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب ].هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد ].و حماد، هو ابن زيد، وحماد هنا مهمل غير منسوب، يحتمل ابن زيد، ويحتمل ابن سلمة، وهما في طبقة واحدة، وفي بلد واحد، فهما من أهل البصرة، لكن في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي، ما ذكر في شيوخه ابن سلمة، بل ذكر في شيوخه حماد بن زيد ؛ لأن المزي في تهذيب الكمال، لما ذكر شيوخ يحيى بن حبيب بن عربي، لم يذكر فيهم ابن سلمة، وإنما ذكر حماد بن زيد، إذاً هذا المهمل هو حماد بن زيد، وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عاصم ].و عاصم، هو عاصم بن سليمان الأحول، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن سرجس ]. و عبد الله بن سرجس، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهذا الإسناد من رباعيات النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأن فيه يحيى بن حبيب، وحماد بن زيد، وعاصم الأحول، وعبد الله بن سرجس، أربعة أشخاص، وهذا من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن النسائي ليس عنده ثلاثيات، بل أقل عدد بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة ليس عندهم شيء أعلى من الرباعيات، فليس عندهم ثلاثيات، فالذين عندهم الثلاثيات: البخاري، عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد، يعني رجال هذه الثلاثيات من الأول إلى الآخر هم جماعة واحدة، يعني لا يأتي في إسناد شخص وفي إسناد شخص آخر، بل كل الخمسة إسنادها واحد، وإن كانت موضوعاتها مختلفة، فليست حديثاً واحداً، وإنما هي أحاديث لكن جاءت بإسناد واحد، أما مسلم، وأبو داود، والنسائي، فأعلى ما عندهم الرباعيات.
المنفرد خلف الصف
شرح حديث أنس: (صليت ويتيم لنا خلف رسول الله، وصلت أم سليم خلفنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ المنفرد خلف الصف.أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان حدثني إسحاق بن عبد الله سمعت أنساً رضي الله عنه قال: (أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا، فصليت أنا ويتيم لنا خلفه، وصلت أم سليم خلفنا) ].أورد النسائي باب المنفرد خلف الصف، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي سبق أن مر وتعلق بالإمامة بالجماعة، وهنا أورده من أجل الانفراد خلف الصف، والمراد بذلك: المرأة التي صلت وراءهم، وهي أم سليم؛ لأنها منفردة خلف الصف، فالمرأة لها أن تصلي وحدها، يعني خلف الصفوف، بل لو كانت وراء إمام، وليس هناك رجال، فإنها تصلي وراء الرجل، وتكون صفاً وحدها، ولا تصف بجوار الإمام؛ لأن الإمام إذا كان يصلي معه رجل عن يمينه، فإذا صلت معه امرأة فتكون صفاً وراءه.فالحديث هنا يعني يقول أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم زارهم في بيتهم، وأن أنساً ويتيماً صلوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: صفاً، وأم سليم وراءهم في صف، فهي منفردة خلف الصف، فانفراد المرأة خلف الصف، وكونها تصف وحدها، ذلك سائغ، إذا لم يكن معها نساء أخريات يصلين معها، فتصف وحدها، ولا تصف مع الرجال، بل ولا تصف بجوار الإمام، فلو صلى رجل هو وزوجته فلا تصلي بجواره، وإنما تكون صفاً وراءه؛ لأن أم سليم لما صلت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنها واليتيم صلت وراءهم وحدها، فدل ذلك على: أن كون المرأة تصلي وحدها خلف الصف، أن ذلك سائغ، بل هو متعين إذا لم يكن معها نساء؛ لأنها لا تصاف الرجال، فإن كان معها نساء صف بعضهن مع بعض، وكن صفاً مستقلاً، وإن كانت واحدة فإنها تكون صفاً وحدها، ولا تصاف الرجال في صفوفهم، ولا تصاف الإمام بأن تكون بجواره عن يمينه كما هو الحال بالنسبة للرجال.الحديث مطابق للترجمة، من جهة أن فيه منفرداً خلف الصف، وهي المرأة التي صلت، وأما بالنسبة للرجال فإن الإنسان ليس له أن ينفرد خلف الصف مع القدرة على أن يصلي مع الصف إلا إذا كان مضطراً ولم يكن هناك مجال، بل إما أن يصلي جماعةً وحده وراء الصف أو تفوته الصلاة، فإنه في هذه الحالة يصلي، أما إذا كان مقصراً والصف موجود في طرفه مكان ثم صلى وحده فإن عمله غير صحيح، ويجب عليه أن يعيد صلاته؛ لأنه جاء في الحديث: (أنه رأى رجلاً صلى وحده فأمره بالإعادة)، هذا بالنسبة للرجال، أما بالنسبة للنساء، فقد عرفنا الحديث الدال على أن المرأة تصف وحدها إذا لم يكن معها نساء.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:42 PM
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صليت ويتيم لنا خلف رسول الله، وصلت أم سليم خلفنا)
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ].عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، هو ابن المسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا سفيان ].سفيان، وهو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، ثبت، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ حدثني إسحاق بن عبد الله ].هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وأنس هو عمه أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة، أخو أنس بن مالك لأمه، وأم سليم هي جدة إسحاق، وهي أم عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك، فهما ابنا أم سليم.وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة الذي هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.[ عن أنس بن مالك ].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي ؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، يروي عن سفيان بن عيينة، وسفيان يروي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وإسحاق يروي عن أنس، فهم أربعة بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كما ذكرت في الإسناد المتقدم من أعلى الأسانيد عند النسائي التي هي الرباعيات.
شرح حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا نوح يعني: ابن قيس عن ابن مالك وهو عمرو عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كانت امرأةٌ تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم حسناء من أحسن الناس، قال: فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر:24])].أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو ليس واضح الدلالة على الترجمة؛ لأنه ليس فيه دلالة على انفراد خلف الصف، وإنما فيه أن بعضهم كان في الصف الأول، وبعضهم في الصف المؤخر، لكن ليس واضحاً بأنه يكون وحده، وإنما يعني أنه يكون في الصف المؤخر الذي هو شر الصفوف، كما جاء في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيره: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، فيكون شر صفوف الرجال قريباً من شر صفوف النساء، وهذا الذي جاء في هذا الحديث يعتبر مثالاً من الأمثلة التي تبين شر الصفوف بالنسبة للرجال والنساء؛ لأن آخر صفوف الرجال الذي هو قريب من النساء هو شر صفوفهم، وأول صفوف النساء الذي هو قريب من الرجال هو شر صفوفهن، وكلما كان الرجال بعيدين عن النساء والنساء بعيدات عن الرجال كان ذلك أفضل، فالرجال يتقدمون للصفوف الأول، الأول فالذي يليه، والنساء إذا صرن في الصف المؤخر فإنهن يصرن في خير الصفوف، وإذا صرن في المقدم صرن في شر صفوفهن، وهذا كما هو معلوم إذا كان معهن رجال، وأما إذا كان النساء يصلين وحدهن، فصفهن الأول هو خير صفوفهن، لكن الوصف بالشر فيما إذا كن مع الرجال، فأول صفوفهن هو شرها، وآخر صفوف الرجال هو شرها.وقد أورد النسائي حديث عبد الله بن عباس: أن امرأةً كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد وكانت حسناء، وكان بعض القوم يأتي ويصلي في أول الصفوف، فيكون بعيداً عن النساء، وبعضهم يصلي في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، وهذا الحديث استنكره بعض العلماء كـابن كثير في تفسيره في سورة الحجر، وبعضهم صححه وقال: إنه يحمل على أن هذا من بعض المنافقين، أو من بعض الجهلة من الأعراب الذين يحصل منهم مثل ذلك الشيء، فأنزل الله عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [الحجر:24]، والمعروف والمشهور في هذه الآية أن المقصود بذلك الخليقة أولهم وآخرهم، فالله تعالى يعلم من تقدم ومن تأخر، وكذلك من يكون متقدماً في الصف ومن يكون متأخراً، فالحديث فيه تقدم وفيه تأخر، لكن الآية تعني السابق واللاحق، فتدل على شمول علم الله عز وجل لأول الخليقة وآخرها، وأن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه لا يخفى عليه خافية، وأن الله تعالى يحصر الجميع الذين هم الأولون والآخرون ويحاسبهم، وكما قال الله عز جل: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25-26].
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...)
قوله: [أخبرنا قتيبة ].قتيبة، وقد مر ذكره.[حدثنا نوح ].نوح، وهو ابن قيس .[ ابن مالك ].وهو عمرو، وهو النكري، وهو صدوق له أوهام، خرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي الجوزاء ].أبو الجوزاء، وهو أوس بن عبد الله الربعي، وهو ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو الجوزاء . [عن ابن عباس ].ابن عباس وهو عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
صلاة النافلة على الراحلة خاص بالسفر
السؤال: أحياناً تقام الصلاة في المسجد الذي بجوارنا وأنا أريد الصلاة في الحرم، فهل لي أن أؤدي السنة وأنا أسير بالسيارة إلى الحرم؟الجواب: لا، لا يصلي الإنسان النافلة وهو يمشي في السيارة أبداً، وإنما تجوز صلاة النافلة على الدابة في حال الركوب في السفر، وليس في الحضر؛ لأن السفر لو توقف الإنسان ليتنفل سيمضي عليه الوقت وهو ما مشى، فيجمع بين السير، وقطع الطريق والمسافة والصلاة، والنوافل المطلقة هي التي يصليها، وكذلك النوافل الأخرى، وإنما الفريضة هي التي يجب عليه أن ينزل ويصليها، وأما النوافل فإنه يصليها وهو على دابته، وهذا في السفر، أما في حال الحضر فلا يتنفل الإنسان وهو راكب؛ لأنه يمكنه أن يتنفل وهو يركع ويسجد ويستقبل القبلة.
من كان يصلي فريضة فائتة وأقيمت فريضة حاضرة فلا يقطعها
السؤال: إذا كان الرجل يقضي فريضة الظهر، وأثناء صلاته أقيمت صلاة العصر، فهل يقطعها؟ الجواب: لا، لا يقطعها، فالإنسان الذي عليه فريضة الظهر مثلاً جاء وهو مسافر، وجاء وقت العصر، ودخل في صلاة الظهر؛ لأن الظهر تقدم على العصر، فدخل في الظهر، ثم أقيمت صلاة العصر وهو في الصلاة، فيكملها؛ لأنه مشتغل بفريضة، فتتقدم تلك الفريضة التي أقيمت، فإذا فرغ من صلاته التي دخل فيها وهي فرض الظهر دخل مع الإمام وصلى ما أمكنه، فإن أدرك الصلاة كلها أدركها، وإن فاته شيء منها قضاه، لكن لا يقطع الفريضة من أجل أن يصلي فريضة، ثم أيضاً لو قطعها فسيدخل مع الإمام على نية أنها الظهر، وليس له أن يصلي العصر قبل الظهر، ولو جاء والصلاة تقام وهو لم يصل فلا يدخل في الصلاة، بل يدخل مع الإمام الذي يصلي العصر بنية الظهر، وإذا فرغ من صلاة الظهر مع الإمام الذي يصلي العصر، صلى العصر وحده.
التهجير عام لجميع الصلوات
السؤال: مر بنا حديث أبي هريرة في فضل التهجير إلى الصلاة، فهل هذا خاص بصلاة الجمعة أم عام؟الجواب: بل هو عام في جميع الصلوات، وليس خاصاً بصلاة الجمعة.
هل تقطع النافلة لإدراك الفريضة بسلام أو بدون سلام؟
السؤال: إذا أقيمت الصلاة وكان الرجل يتنفل في أول نافلته، فهل يقطعها بالتسليم أو بدون تسليم؟الجواب: الذي أفهمه أنه يقطعها بدون تسليم، لكن جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي صلى خلف معاذ، وأطال الصلاة، وكان يشتغل في النضح طول النهار، وأنه جاء وقد أتعب، ودخل معه وقد قرأ بالبقرة، فطول في صلاته فانقطع، جاء في بعض الروايات: أنه سلم، ولكن أكثر الرواة الذين رووا الحديث ما ذكروا السلام، وإنما ذكروا أنه انفصل عن إمامه وأنه أكمل صلاته.
من صلى الفريضة ثم وجد الجماعة مقامة ودخل معهم بنية النافلة فليقضِ ما فاته
السؤال: من صلى الفريضة ثم جاء إلى المسجد ووجد الصلاة مقامة فدخل معهم لتكون له نافلة وفاتته ركعة، فهل يقضيها بعد سلام الإمام؟الجواب: نعم، إذا دخل مع الإمام، وهو متنفل أو مسافر فرضه ركعتان فإنه يتم، وإذا فاته شيء من الصلاة يقضيه، بل لو دخل مع الإمام قبل أن يسلم، فعليه أن يقوم ويصلي أربعاً، حتى المسافر إذا دخل مع الإمام قبل أن يسلم قام وقضى أربعاً؛ لأنه إذا صلى صلاة المقيم وصلى وراء إمام مقيم فإنه يصلي أربعاً، ولا يقصر الصلاة، وليس له أن يصلي ركعتين ويجلس، أو ركعتين ويسلم، بل يصلي صلاة الإمام، ولو جاء في آخرها فعليه بعدما يقوم أن يؤدي الصلاة كاملة، فيصليها أربعاً.
هل تصلى نافلة الفجر في البيت وقد أقيمت الصلاة؟
السؤال: إذا كان الرجل في بيته وسمع إقامة صلاة الصبح، فهل له أن يصلي سنة الفجر ثم يذهب إلى المسجد؟ الجواب: لا، ليس له ذلك، بل إذا سمع الإقامة فعليه أن يبادر إلى الصلاة ليصلي الفرض، ولا يتشاغل بالنفل، ولو كان في بيته، فما دام أنه سمع الإقامة قبل أن يدخل في الصلاة فعليه أن يبادر.مداخلة: جاء في رواية لحديث أبي هريرة : (فلا صلاة إلا التي أقيمت)، فهل هذه الرواية صحيحة؟الشيخ: لا أدري.
هل ينكر على من يصلي النافلة بعد إقامة الصلاة؟
السؤال: نرى بعض الناس يصلون سنة الفجر والإمام يصلي، وبعضهم يبدأ في السنة بعد دخول الإمام بالصلاة، وهل يجب علينا إنكار ذلك؟الجواب: نعم، الإنسان ينكر هذا الشيء؛ لأن هذا خلاف السنة، والرسول أنكر على من فعل هذا، ولكنه يرشد إلى السنة، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، يدل على منع هذا، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الإنسان يصلي النافلة قضاءً بعد أداء الفريضة.
حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (ولقد علمنا المستقدمين منكم...) يدل على أن المرأة كانت كاشفة وجهها
السؤال: حديث ابن عباس الأخير، أليس فيه أن تلك المرأة كانت كاشفة لوجهها؟الجواب: بلى، يدل عليه؛ لكن يمكن أن يكون هذا قبل فرض الحجاب.
حكم الأدوية التي قد يكون فيها شيء ضئيل من الكحول
السؤال: ما حكم الأدوية والعقاقير التي تعطى للمرضى في هذا الزمان، مع احتمال وجود بعض المحرم في تركيبها؟الجواب: العقاقير والأدوية التي تعطى للناس جائزة، ولو كان فيها شيء ضئيل جداً من الكحول، فذلك لا يؤثر.
حكم تمريض المرأة الرجال
السؤال: ما حكم تمريض المرأة للرجال كما هو الحال الآن في المستشفيات مع سفورهن وملامستهن للمرضى؟الجواب: هذا غير جائز، وإنما النساء يمرضن النساء، والرجال يمرضون الرجال، هذا هو الواجب.
من لم يقل في سجوده سبحان ربي الأعلى يسجد للسهو
السؤال: هل على من قال: سبحان ربي العظيم في السجود ناسياً أن يسجد للسهو؟الجواب: ما يسجد للسهو؛ لأن هذا تعظيم لله عز وجل، ولكنه يأتي بسبحان ربي الأعلى التي هي مطلوبة في السجود، لكن إذا كان ما أتى بسبحان ربي الأعلى فإنه يسجد للسهو.
جمع أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة
السؤال: وردت عدة أدعية استفتاح غير هذه الأدعية المعروفة ذكرها صاحب زاد المعاد، فهل يجوز الاستفتاح بجميعها؟الجواب: كل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدعية الاستفتاح، فللإنسان أن يأتي به، لكن النبي لم يجمعها، فلا يؤتى بها في صلاة واحدة مجموعة، فيقرأ أدعية الاستفتاح المتنوعة المتعددة جميعها، وإنما إذا صلى فليصل صلاة بهذا الاستفتاح، وصلاة أخرى بهذا، وأتى بما ثبت، يعني كل دعاء على حدة في صلاة، هذا سائغ لا بأس به، وإنما الذي لا يسوغ أن الإنسان يأتي بأدعية الاستفتاح ويجمعها، ويأتي بها في صلاة واحدة، كل ما ثبت به الاستفتاح يأتي به جميعاً، الرسول ما أتى بها جميعاً، أتى بهذا في صلاة، وأتى بهذا في صلاة، وأتى بهذا في صلاة، فيمكن أن تؤدى أو يكون أداؤها بهذه الطريقة، التي هي كل استفتاح يؤتى به في صلاة.
صفة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم
السؤال: ما هي صفة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟الجواب: الزائر عندما يزور قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يقف تجاه القبر مستقبلاً القبر مستدبراً القبلة، ويسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: السلام عليكم يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: صلى الله وسلم وبارك عليك، وجزاك أفضل ما جزى نبي عن أمته فلا بأس بذلك؛ لأن هذا دعاء للرسول صلى الله عليه وسلم.
الكلام مع الرجل وهو يصلي
السؤال: هل يؤخذ من حديث ابن بحينة جواز التحدث مع المصلي وهو في صلاته؟الجواب: ما فيه تحدث مع مصل وهو في صلاته، من أين يدل حديث ابن بحينة على ذلك؟ الملقي: أنا لا أدري.الشيخ: الرسول ما قال: تصلي الصبح أربعاً وهو في الصلاة.
أين موقف الصبي الذي لم يبلغ الحلم من الإمام؟
السؤال: إذا كان الإمام يصلي ومعه مأموم وصبي لم يبلغ الحلم، فهل يصفان خلف الإمام؟الجواب: نعم، يصليان خلف الإمام، مثل أنس واليتيم الذي معه، واليتيم هو الذي لم يبلغ الحلم؛ لأنه لا يتم بعد احتلام، فالصبي يكون صفاً مع البالغ ولا يكونون بجوار الإمام، وإنما يكونون وراءه.
من صلى سنة الفجر بعد الإقامة فلا قضاء عليه
السؤال: إذا صلى الرجل سنة الفجر في المسجد والإمام يصلي الصبح، فهل يعيد صلاة سنة الفجر؟الجواب: لا، ما يعيدها، لكنه فعل أمراً لا يسوغ.
لماذا لا يوجد لمسلم ثلاثيات مع تقدمه على ابن ماجه؟
السؤال: ابن ماجه متأخر كثيراً عن مسلم، فكيف وقعت له ثلاثيات ولم تقع لـمسلم رحمهما الله؟الجواب: ما يعني قضية التقدم والتأخر؛ لأن الإمام مسلماً رحمه الله أورد هذه الأحاديث التي في صحيحه، والتي اختارها لإيرادها في الصحيح، وأعلى ما فيها الرباعيات، فهو ما قصد أن يجمع كل حديث صحيح أو غير صحيح، أما ابن ماجه فالأحاديث هذه الخمسة التي عنده الإسناد فيها ضعيف؛ لأن الرجال الذين فيها فيهم ضعف، فليست القضية أن هذا تأخر وهذا تقدم، ولكن ابن ماجه روى بإسناد ضعيف، فله ثلاثيات ولكنها بإسناد ضعيف.
دلالة الأحاديث على التراجم
السؤال: مر بنا في هذا الكتاب كثير من الأحاديث التي لا تكون دالة على ما ترجم لها، فما الداعي لذلك؟ وما تعليله؟الجواب: ما أدري ما وجه ذلك. هل هو وهم أو أنه خفي؟ فيمكن أن يكون وهماً، يعني كونه يطابق الترجمة، ويمكن أن يكون خفياً، يعني يمكن مثلاً في باب المنفرد خلف الصف أنه يعني وحده فيكون في الصف المؤخر وحده، ويمكن أن يكون مع غيره، لكنه ليس واضحاً بأنه يكون وحده.
بعض شروح النسائي
السؤال: أرجو أن تدلنا على بعض الشروح على سنن النسائي؟الجواب: كما هو معلوم في كتاب النسائي لم يحصل له العناية بشرحه، كما حصل لـأبي داود، وكما حصل للترمذي، فما نعلم أن كتب المتقدمين اعتنت بشرح النسائي، والمشهور هو هذه الحاشية للسيوطي وللسندي، فهاتان الحاشيتان هما المشهورتان، وما نعلم شروحاً وافية، لكن في المتأخرين أو المعاصرين من بدأ بشرحه، مثل الشيخ محمد المختار رحمه الله، فإنه شرح جزءاً قليلاً من سنن النسائي، وكذلك أيضاً أبو إسحاق الحويني من مصر بدأ بشرحه، فليس هناك شروح نقول: إنها موجودة ووافية والكتاب كامل، ما نعلم بهذا.
ما صحة أن من صلى أربعين صلاة في المسجد النبوي أنه يحجب جسمه عن النار
السؤال: الذي يصلي أربعين صلاة في هذا المسجد، هل يحجب جسمه عن النار؟الجواب: ما نعلم شيئاً يدل على أن من صلى في هذا المسجد أربعين صلاة أنه ينجو من النار، الذي ثبت أن الصلاة بألف صلاة، والحديث الذي ورد أنه يكون له براءة من النفاق وكذا هو حديث ضعيف.
أفضل صفوف النساء آخرها ولو كان هناك حاجز
السؤال: إذا كان بين الرجال والنساء حاجز، فهل الأفضلية بالنسبة للنساء الصف الأول أو الآخر؟الجواب: حرص النساء على الصف المؤخر هو الذي ينبغي، حتى ولو كان هناك حاجز؛ لأن حصول الأصوات وحصول الكلام إذا تكلمن يوجب سماع الرجال لأصواتهن، فكلما ابتعدن كان أفضل، سواءً كن بحاجز أو بغير حاجز، اللهم إلا إذا كان الحاجز لا يحصل معه سماع الصوت، وتتقدم والحاجز موجود، ولا يحصل منها كلام بحيث يسمعها الناس، فإن ذلك كما هو معلوم مخرج صحيح، لكن إذا لم يكن هناك حاجز، فالصف المؤخر لا شك هو الأفضل، وما دام أن الصوت موجود عن طريق المكبرات، فإن حرصهن على آخر الصفوف هو الأولى؛ لأن قوله: (خير صفوف النساء آخرهن)، عام فيما إذا صلين مع الرجال.
تكرار الكفارة على نفس الأشخاص
السؤال: إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، هل يجوز تكرار الكفارة على نفس هؤلاء العشرة؟الجواب: الكفارة إن كان عليه يمين لم يحصل بر بها، فيكفر عنها بإطعام عشرة مساكين. أيش معنى تكرار الكفارة؟مداخلة: هل يجوز تكرار الكفارة على نفس هؤلاء العشرة؟ الشيخ: إذا كان هناك كفارتان فيجوز أن يطعم عشرة ثم يطعمهم مرةً ثانية عن يمين أخرى، إذا كان هذا هو السؤال. ويمكن أنه يعطي طعام يومين أو يطعم أهل بيت مثلاً خمسة يعطيهم طعام يومين؛ لأنه إطعام عشرة مساكين في يومين، وليس معناه أنه لازم أن يبحث عن عشرة مساكين بالضبط، بل يطعم عشرة مساكين، إما في يوم واحد يعطيهم جميعاً، أو يعطي مثلاً بيتاً مكوناً من خمسة طعام يومين؛ لأنه إطعام عشرة مساكين، يوم ويوم.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الإمامة
(163)
- (باب الركوع دون الصف) إلى (باب الصلاة قبل العصر)
إن من سماحة هذا الدين أن جاء ليدل المسلم على ما ينفعه، ومن ذلك الأمر بإحسان الصلاة، وعدم إتيانها سعياً، وإنما يأتي وعليه السكينة والوقار، كما دلت السنة على ما يتعلق بالسنن الرواتب لصلاتي الظهر والعصر.
الركوع دون الصف
شرح حديث أبي بكرة: (أنه دخل المسجد والنبي راكع فركع دون الصف...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الركوع دون الصف.أخبرنا حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن زياد الأعلم حدثنا الحسن : أن أبا بكرة رضي الله عنه حدثه: (أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصاً ولا تعد)]. يقول النسائي رحمه الله: الركوع دون الصف، أي: ليدرك الركعة قبل أن يصل إلى الصف فيركع وحده، ثم بعد ذلك يدب ويقف في الصف وهو راكع، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنه ركع دون الصف، ثم دخل فيه، ولما سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال لـأبي بكرة : (زادك الله حرصاً ولا تعد)، يعني: لا تعد إلى مثل هذا العمل، الذي هو الركوع دون الصف، وإنما الذي يأتي إلى الصلاة يمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وصل في الصف ودخل في الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام ثم ركع واستقر راكعاً قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فإنه يكون مدركاً للركعة بذلك، وإذا لم يتمكن من الوصول إلى الصف إلا بعدما يرفع الإمام فإنه يدخل في الصلاة ويوافق الإمام في بقية الركعة، وإذا قام يقضي ما فاته فلا يعتد بالركعة التي لم يدرك ركوعها، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما فعل أبو بكرة رضي الله عنه هذا العمل، الذي هو ركوعه دون الصف ثم دخوله في الصف قال له صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً)؛ لأن الذي حمله على هذا هو الحرص على إدراك الجماعة، وإدراك فضل الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بأن يزيده الله حرصاً، ولكنه أرشده إلى عدم العود، وأن الحرص ينبغي أن يكون على وفق ما هو مشروع، وعلى الوجه المشروع، فلا يحصل من الإنسان الحرص ولكن يحصل منه مخالفة أو فعل شيء غير مشروع، وإنما يكون الحرص في حدود المشروع، وعلى ما هو مشروع، ويكون الإنسان يقدم إلى صلاة الجماعة يمشي، وعليه السكينة والوقار، فما أدرك صلى وما فاته أتم، كما جاء ذلك مبيناً في الحديث الآخر، عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (فامشوا وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، والحديث الذي مر بنا: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)، أي: أن عمل أبي بكرة رضي الله عنه نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العود إليه، فدل ذلك على أنه غير سائغ، وأن الإنسان لا يركع إلا إذا وصل في الصف وكان في الصف، فعند ذلك يركع، فإذا استقر راكعاً والإمام لم يرفع رأسه من الركوع يكون قد أدرك الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام، وإذا فاته إدراك الركوع تكون قد فاتته الركعة، لكنه يدخل مع الإمام ويقضي ما فاته بعد ذلك.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بكرة: (أنه دخل المسجد والنبي راكع فركع دون الصف...)
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].وهو حميد بن مسعدة البصري، صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن يزيد بن زريع].وهو يزيد بن زريع البصري، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد].وهو ابن أبي عروبة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن زياد الأعلم].وهو زياد بن حسان بن قرة الأعلم، المعروف بـالأعلم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي. [حدثنا الحسن].وهو ابن أبي الحسن البصري، المحدث، الفقيه، المشهور، وهو: ثقة، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي بكرة].وهو أبو بكرة رضي الله تعالى عنه، نفيع بن الحارث، صحابي مشهور بكنيته أبي بكرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (...ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثني أبو أسامة حدثني الوليد بن كثير عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ثم انصرف، فقال: يا فلان! ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه؟ إني أبصر من ورائي كما أبصر بين يدي)].أورد النسائي حديث أبي هريرة، وهو: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه فلما انصرف قال: [(يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر أحدكم كيف يصلي لنفسه؟)]، والحديث جاء في صحيح مسلم، وفيه: (ألا ينظر كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه)، يعني: أن العاقل صلاته نفعها يعود عليه، فعليه أن يعنى بها وأن يأتي بها على الوجه المشروع، وألا يحصل منه إخلال بها؛ لأن فائدة ذلك ومنفعته تعود عليه، والعاقل هو الذي يفعل ما يعود عليه بالخير، ويحذر مما يعود عليه بالشر، أو يعود عليه بنقصٍ في صلاته التي يصليها ويرجو ثوابها برها ويرجو الجزاء عليها عند الله عز وجل.قال: [(فإني أراكم من ورائي كما أراكم بين يدي)]، الحديث ليس واضح الدلالة على الترجمة؛ لأن الترجمة هي الركوع خلف الصف، وهذا ليس فيه شيء يدل على الركوع خلف الصف، ولكنه يتعلق بتحسين الصلاة والعناية بها والإتيان بها على وجه الإحسان والإتقان وعدم الإخلال، هذا هو الذي يدل عليه الحديث، وفيه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلعه الله عز وجل فيرى من ورائه كما يرى من أمامه، ولهذا فقد رأى هذا الشخص الذي كان يصلي وراءه، والذي نبهه هذا التنبيه، وأرشده هذا الإرشاد؛ لأنه يرى من ورائه كما يرى من أمامه، وهذا من معجزاته وخصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وسبق أن مر بنا ما يدل على ذلك، وهنا جاء يتعلق بتحسين الصلاة.
تراجم رجال إسناد حديث: (... ألا ينظر المصلي كيف يصلي لنفسه...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].وهو محمد بن عبد الله بن المبارك، المخرمي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثني أبو أسامة].وهو حماد بن أسامة، مشهور بكنيته أبو أسامة، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أباه أسامة، وكنيته أبو أسامة، وهذا النوع من أنواع علوم الحديث التي نبهت مراراً عليه، وهو: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدة ذلك: دفع توهم التصحيف فيما لو قيل: حماد أبو أسامة بدل حماد بن أسامة، فمن لا يعرف يظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، والذي يعرف يقول كل ذلك صواب، أي: إن قيل: حماد بن أسامة فهو حماد بن أسامة، وإن قيل: حماد أبو أسامة، فهو حماد أبو أسامة؛ لأن الكنية مطابقة لاسم الأب، وحماد أبو أسامة، ثقة، ثبت، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثني الوليد بن كثير].وهو الوليد بن كثير المخزومي، صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن أبي سعيد].وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبوه اسمه كيسان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه].وهو كيسان أبو سعيد المقبري، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]وهو أبو هريرة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، أكثر هؤلاء السبعة أبو هريرة رضي الله عنه، والسبعة هم الذين ذكرهم السيوطي في الألفية في قوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر هو ابن عباس .فـأبو هريرة رضي الله عنه هو أول هؤلاء السبعة، وهو أكثر هؤلاء السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وسبق أن ذكرت في دروس مضت سبب هذا الإكثار مع أنه متأخر في الإسلام؛ لأن إسلامه عام خيبر في السنة السابعة، ومع ذلك فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، ولهذا بعض المضلين الحاقدين على الصحابة وعلى أهل السنة والجماعة يتكلمون في رواية أبي هريرة، ويقولون: إن أبا هريرة حديثه بالآلاف مع أنه متأخر الإسلام، والذين هم ملازمون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل: الخلفاء الراشدين أحاديثهم دون ذلك بكثير، فهذا يدل على ماذا؟! يعني: يريدون أن يلمزوا، وأن يقدحوا، وأن يشككوا، ومن المعلوم: أن هناك أموراً هي السبب في هذه الكثرة، منها: دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، ومنها: أنه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أسلم، فقد بين ذلك أن المهاجرين والأنصار يشتغلون بالأسواق والبيع والشراء والزروع والحرث، وأما هو يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأكل مما يأكل، ثم أيضاً مما كان سبباً في كثرة حديثه: كونه بقي في المدينة وعاش بها وطالت مدته، ومعلوم أن المدينة يفد إليها الناس صادرين وواردين ويلتقون بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيأخذون منهم، ويتلقون عنهم، ثم الصحابة يأخذ بعضهم من بعض، ويروي بعضهم عن بعض، وإن كان ذلك الصحابي المتأخر إسلاماً لم يدرك هذا الذي يرويه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه يكون أخذها عن الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، فهذه من أسباب كثرة حديثه مع تأخر إسلامه، ولا يقدح في روايته ولا يعاب على كثرة روايته، وإنما الذين يعيبون ذلك ويتكلمون في ذلك بعض أهل الزيغ، وبعض الفرق الضالة الذين في قلوبهم غل وحقد على الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
الصلاة بعد الظهر
شرح حديث: (أن النبي كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة بعد الظهر.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وكان يصلي بعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [الصلاة بعد الظهر]، يعني: النافلة الراتبة التي تكون بعد الظهر، والرواتب: الصلوات الراتبة التي هي متعلقة بالفرائض قبلها أو بعدها ثبت فيها اثنتا عشرة ركعة، جاء في حديث: عائشة اثنتا عشرة ركعة، وكذلك في حديث علي رضي الله تعالى عنه: (وأن قبل الظهر أربعاً)، وفي حديث ابن عمر أنها عشر، يعني: ثنتين قبل الظهر وثنتين بعدها، وحديث عائشة، هي أربعاً قبل الظهر وثنتين بعدها، ولا تنافي بين ما جاء في حديث الأربع والثنتين وأن ذلك يحصل منه أحياناً هذا، وأحياناً هذا، وجاء الحث على الإتيان بتلك الرواتب والترغيب فيها، وبيان فضلها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وحديث ابن عمر الذي ثبت عنه أنها عشر: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، والحديث الذي معنا هنا في هذه الرواية ذكر ثمان ركعات ولم يذكر الركعتين قبل الفجر، لكنها ثابتة عنه، أي: عن ابن عمر في بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها عشر ركعات، وهنا فيه ذكر ثمان ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، هذه ثمان، وليس فيه تعارض لذكر ركعتي الفجر، لكن جاء الحديث عنه من رواية أخرى صحيحة ثابتة، وفيها ذكر العشر وتفصيلها، وأن منها ركعتي الفجر، بل ركعتي الفجر هي آكد الرواتب، وآكد السنن، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على شيء في الحضر والسفر مثل ما كان يحافظ على ركعتي الفجر والوتر، لكن هذه الرواية التي أوردها المصنف هنا هي من أجل ما بعد صلاة الظهر، وهي مشتملة على ما ترجم له المصنف.قوله: [(لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف ..)].يعني: يصلي في بيته، وجاء ما يدل على أنه يصلى أربع بعد الجمعة، فجاء أربع، وجاء ركعتان بعد الجمعة، لكن الذي جاء هنا من الرواتب هو ثمان، ومحل الشاهد منه: أن الصلاة بعد الظهر، أي: الراتبة، ركعتان.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:48 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبتٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة المشهورة، التي حصل لأصحابها أتباع عنوا بجمع أقوالهم، والتأليف فيها، والعناية بها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].وهو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمر] وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، الذين هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وهم من صغار الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين ذكرهم السيوطي في ألفيته، والذين أشرت إليهم آنفاً عند ذكر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا الإسناد من رباعيات النسائي، وهي أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن النسائي بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: قتيبة، ومالك، ونافع، وابن عمر، ثم هذا الإسناد الذي هو مالك عن نافع عن ابن عمر، يعتبر أصح الأسانيد عند البخاري، إذاً: أصح الأسانيد عند البخاري هو: مالك عن نافع عن ابن عمر، ويسمى السلسلة الذهبية، أي: رجال هذه السلسلة هم في غاية الإتقان، وغاية الحفظ، ويروي بعضهم عن بعض، مالك عن نافع عن ابن عمر، فالإسناد رباعي، ورجاله جميعاً أخرج لهم أصحاب الكتب الستة.
الصلاة قبل العصر
شرح حديث علي في الصلاة قبل العصر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصلاة قبل العصر وذكر اختلاف الناقلين عن أبي إسحاق في ذلك.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة : (قال: سألنا علياً عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أيكم يطيق ذلك؟ قلنا: إن لم نطقه سمعنا، قال: كان إذا كانت الشمس من ها هنا كهيئتها من ها هنا عند العصر صلى ركعتين، فإذا كانت من ها هنا كهيئتها من ها هنا عند الظهر صلى أربعاً، ويصلي قبل الظهر أربعاً وبعدها ثنتين، ويصلي قبل العصر أربعاً يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين)].أورد النسائي: الصلاة قبل العصر، واختلاف الناقلين عن أبي إسحاق، والمراد من ذلك: السنة أو ما يستحب للإنسان أن يفعله قبل صلاة العصر، وهي ليست من الرواتب ولكنها من الأمور المستحبة، والرواتب هي: إما اثنتي عشرة ركعة كما في حديث عائشة، وإما عشر كما في حديث ابن عمر، وأما الركعات التي تكون قبل الصلوات، مثل: ما قبل العصر، وما قبل المغرب، وما قبل العشاء فإن ذلك مستحب، ولكنه ليس من الأشياء الراتبة التي يحرص الإنسان عليها ويداوم عليها ويكون فعلها دائماً وأبداً يحرص عليه، فلم يأت ذكر ركعات قبل العصر، أو قبل المغرب، أو قبل العشاء في الرواتب التي يداوم عليها، لكن جاء ما يدل على الصلاة بين كل أذان وإقامة الذي فيه راتبة، والذي ليس فيه راتبة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: [(بين كل أذانين صلاة)]، يعني: بين الأذان والإقامة، يصلي الإنسان ما شاء من الصلوات، ركعتين، أو أكثر، وهذا شيء مستحب ولكنه ليس براتب، إلا أن السنن بعضها آكد من بعض، والسنن الرواتب العشر، أو الاثنتا عشر هي آكد من غيرها، فالعشر جاء فيها أحاديث تدل على ذلك، منها: هذا الحديث الذي أورده النسائي هنا، ويتعلق بصلاة العصر وأنه يصلي أربعاً، كما يشتمل على عدة صلوات، اشتمل على صلاة الضحى، وكذلك الصلاة عند ارتفاع الضحى عند ارتفاع الشمس، وكذلك قبل الظهر وبعدها، وقبل العصر، هذا الحديث اشتمل على هذه الأمور. فـعاصم بن ضمرة يقول: سألنا علياً عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار؟ فقال: إنكم لا تطيقون ذلك، يعني: المداومة على هذا، والملازمة لذلك، قالوا: إن لم نطق سمعنا، وفي بعض الروايات: [(نفعل ما استطعنا)]، فعند ذلك بين لهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار، فقال: إذا كانت الشمس من هاهنا وأشار إلى جهة المشرق، مثلها من هاهنا، أي: عند العصر، بمعنى: أنها عندما تطلع وترتفع فإنه يصلي في ذلك الوقت، فإذا كانت الشمس من جهة المغرب، يعني: مرتفعة لم تصل إلى الغروب، مثلها من جهة المشرق إذا طلعت وارتفعت وصار ارتفاعها من جهة المشرق كارتفاعها من جهة المغرب الذي هو في وقت العصر فإنه يصلي ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا، أي: من المشرق كهيئتها من هاهنا، معناه: أنها ارتفعت حتى صارت قريبة من الزوال، مثل ما إذا كانت الشمس من جهة المغرب قد زالت الشمس، ومضى شيء من وقت الظهر، يعني: أن هيئتها من المشرق قريبة من الزوال، كهيئتها من المغرب، يعني: بعد الظهر، حيث تكون قريبة من الزوال، وذلك في شدة الحر، وفي شدة الظهيرة قبل الزوال صلى أربعاً.وقد جاء في صحيح مسلم تسمية هذه الصلاة: صلاة الأوابين، قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، والفصال هي: أولاد البهائم، أولاد الإبل، عندما تشتد الحرارة تصيبها الرمضاء وتتألم من شدة الحرارة، فصلاة الأوابين حين ترمض الفصال، يعني: في وقت شدة حرارة الشمس، أي: قبل الزوال، فذكر أنه يصلي بعد طلوع الشمس إذا ارتفعت ركعتين، وعند اشتداد الحر قبل الظهر يصلي أربعاً، ويصلي ركعتين بعدها، ويصلي أربعاً قبل العصر، وهذا هو محل الشاهد، الصلاة قبل العصر أربعاً، هذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا.قال: [(ويصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة)].قوله: يفصل بين كل ركعتين من تلك الركعات التي هي أربع، يعني: التي هي قبل الظهر، والتي قبل الزوال، والتي قبل العصر، (يفصل بين كل ركعتين بتسليم على الملائكة، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين).والمقصود بذلك التشهد، معناه: أنه يتشهد بين كل ركعتين، يفصل بين كل ركعتين بتشهد، يسلم فيه على الملائكة، والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، والمقصود من ذلك: ما جاء في التشهد: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ لأن معنى السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين: أن الإنسان يسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، في شروط الصلاة وبيان أركانها وما إلى ذلك، ذكر تفسير التحيات، وقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، وهنا الحديث يقول: على الملائكة والنبيين الذين هم في السماء وفي الأرض، الملائكة في السماء، والنبيين في الأرض، الملائكة والنبيين، ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين، فكون الإنسان يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، سلم على هؤلاء جميعاً.المقصود من ذلك: بالتشهد هذا، هو التسليم الذي يفصل فيه، يعني بالتسليم، ليس التسليم بالخروج من الصلاة، وإنما المقصود من ذلك التشهد، أي: أنه يفصل بين كل ركعتين بتشهد وتسليم، ويسلم كل ركعتين ويتشهد، والتشهد مشتمل على السلام على عباد الله الصالحين الذين هم الملائكة، والنبيون، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين.
تراجم رجال إسناد حديث علي في الصلاة قبل العصر
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو إسماعيل بن مسعود، وكنيته أبو مسعود البصري، ثقة، خرج حديثه النسائي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، مثل: حماد بن أسامة أبو أسامة، الذي مر قريباً، ومثل: هناد بن السري أبو السري، ومثل: أبو عمرو الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، كثير من المحدثين توافق كناهم أسماء آبائهم.[حدثنا يزيد بن زريع].وهو يزيد بن زريع، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، وهو بصري واسطي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو قد وصف بوصف رفيع، من أعلى صيغ التعديل، وهو الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وقد حصل هذا الوصف لعددٍ قليل من المحدثين، منهم: شعبة، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني. وشعبة بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وكونه بصرياً بعد كونه واسطياً، أي: أنه كان في واسط أولاً ثم كان في البصرة آخراً.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وسبيع هم جزء من همدان، وهمدان نسبة عامة وسبيع نسبة خاصة، وهو مشهور بالنسبة الخاصة، يقال: أبو إسحاق السبيعي، ومشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره مع النسبة فيقال: أبو إسحاق السبيعي، وأحياناً يأتي أبو إسحاق بدون النسبة؛ لأنه مشهور بالكنية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عاصم بن ضمرة].وهو عاصم بن ضمرة السلولي، صدوق، خرج له أصحاب السنن الأربعة.[عن علي].وهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، بل هو أفضل الصحابة بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصهره زوج ابنته فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... كان رسول الله يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة، قال: (سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار قبل المكتوبة؟ قال من يطيق ذلك؟ ثم أخبرنا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين، وقبل نصف النهار أربع ركعات، يجعل التسليم في آخره)].أورد حديث: علي رضي الله عنه من طريق أخرى وهو مختصر مشتمل على شيئين: أحدهما: أنه يصلي بعد أن تزيغ الشمس ركعتين، يعني: أن السنة أو الراتبة قبل الظهر اثنتان والروايات السابقة أربع قبل الظهر، أي: بعد الزوال قبل الظهر أربع ركعات، وفي هذه الرواية: ركعتين بعد الزوال التي هي راتبة الظهر قبلها وقبل نصف النهار أربع ركعات، وهذا مطابق لما تقدم في الروايات السابقة؛ لأن قبل نصف النهار، أي: إذا كانت الشمس من ها هنا، يعني: من جهة المشرق، مثلها من هاهنا في وقت الظهر، معناه: في وقت شدة الحرارة، فإنه يصلي أربعاً، وهذا مطابق لما تقدم من ذكر الأربع قبل الظهر، ولكنه غير موافق أو غير مطابق لما تقدم في الرواية السابقة من كونه قبل الظهر يصلي أربعاً وإنما هنا يصلي ركعتين، لكن ليس فيه ذكر ما يتعلق بالعصر التي هي موضوع الترجمة، وهي الصلاة قبل العصر؛ لأن الصلاة قبل العصر ليس فيها إلا ذكر الرواية الأولى، وهو أنه يصلي قبل العصر أربعاً، وقد ذكر في الرواية السابقة أنه يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة، والنبيين، وعلى من تبعهم من المؤمنين والمسلمين.وهنا قال: يجعل التسليم في آخره، وهذه الرواية مخالفة للروايات السابقة، ففيها: ذكر التسليم في الآخر، والروايات السابقة: أنه يفصل بين كل ركعتين بالسلام على الملائكة، والنبيين، وعلى من تبعهم من المؤمنين والمسلمين، وهنا يقول: التسليم في آخره، فيحتمل أن المراد به: الخروج من الصلاة، أي: أن التسليم يكون المراد به الخروج من الصلاة، وهذا هو الذي يظهر من هذه الرواية، لكنها تختلف مع الراويات السابقة المتقدمة التي فيها الفصل بين كل ركعتين بالتشهد، ومن المعلوم: أن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل وكذلك في النهار مثنى مثنى، يعني: صلاته التي كان يداوم عليها والتي هي ثابتةٌ عنه أنه كان يصلي ركعتين ركعتين، يعني: في الليل وفي النهار، وهنا يقول: إن التسليم في آخره، فإن كان ثابتاً ومحفوظاً، فهو يدل على أن الأربع تصلى ويكون التسليم في آخرها.
تراجم رجال إسناد حديث: (... كان رسول الله يصلي حين تزيغ الشمس ركعتين...)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو محمد بن المثنى العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو من صغار شيوخ البخاري، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[أخبرنا محمد بن عبد الرحمن]وهو محمد بن عبد الرحمن، صدوق يهم خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثنا حصين بن عبد الرحمن].وهو حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق وهو السبيعي، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا. عن عاصم بن ضمرة عن علي].
الأسئلة
لا يجوز تأخير الزكاة إلا للحاجة
السؤال: هل يجوز تأخير زكاة المال بعد حولان الحول عليه إلى شهر رمضان؟الجواب: ليس للإنسان أن يؤخر دفع الزكاة عن وقت وجوبها إذا كان الفقراء موجودين، بل عليه أن يبادر إلى إيصالها إليهم؛ لأن هذا حق ثبت لهم، فيجب عليه أن يوصله إليهم ولا يؤخره، أما إذا كان المكان الذي هو فيه ليس فيه فقراء وأخر من أجل أن يأتوا أو أن يذهب إليهم ويوصل ذلك إليهم، إذا كان هذا من أجل أمر يدعو إليه وهو عدم وجود الفقراء يمكن أن تؤخر؛ لأنه دفعها لهم، أما إذا كانوا موجودين فلا يؤخر دفع الزكاة عن وقت وجوبها.
التعريف اللغوي للإيمان
السؤال: هل الإيمان باللغة: التصديق، أو الإقرار، بين لنا بدليل؟الجواب: الإيمان في اللغة: هو التصديق، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف:17]، يعني: بمصدق لنا، هذا هو المراد بالإيمان في اللغة الذي هو التصديق.
لا فرق بين مصطلح أهل السنة ومصطلح السلف
السؤال: هل هناك فرق بين أهل السنة والجماعة وبين كلمة السلف؛ لأن كثيراً من الطوائف يقولون: نحن أهل السنة، وينفرون من السلفية، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟الجواب: لا فرق بينهما، أهل السنة والجماعة هم سلف هذه الأمة، ومن سار على منهاجهم وعلى دربهم، لكن كلمة السنة والجماعة كل يدعيها المحق والمبطل، لكن السلفية، أو الانتساب للسلف، أو أنه سلفي، هذا لا يقدم عليه الكثيرون الذين يقدمون على أن يكون من أهل السنة والجماعة.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:50 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(164)
- (باب العمل في افتتاح الصلاة) إلى (باب رفع اليدين حيال الأذنين)
إن على المسلم تطبيق السنة فيما يتعلق برفع اليدين في الصلاة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الصلاة حيال أذنيه أو منكبيه، فكان يرفعهما عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، والرفع منه، وبعد القيام من التشهد الأول.
العمل في افتتاح الصلاة
شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الافتتاح، باب العمل في افتتاح الصلاة.أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم (ح) وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد عن شعيب عن محمد وهو الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده، فعل مثل ذلك وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود)]. يقول النسائي رحمه الله: كتاب الافتتاح، المراد بالافتتاح هو: الأفعال والأقوال التي تحصل عند بداية الصلاة، سواء كان ذلك عند الدخول فيها أو ما يكون في أوائلها، هذا هو المراد بالافتتاح، ثم عقبه بالترجمة وهي:باب العمل في افتتاح الصلاة، أي: ما الذي يعمله حين يفتتح الصلاة؟ افتتاح الصلاة يكون بالتكبير، ويقال لها: تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان إذا كبر تكبيرة الإحرام يكون دخل في الصلاة، فيمتنع عما كان حلالاً له قبل أن يدخل فيها، من الأكل، والشرب، والكلام، والالتفات، وغير ذلك من الأعمال التي يعملها الإنسان قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الصلاة بدايتها التكبير، أي: تكبيرة الإحرام، هذا هو الابتداء يكون بها، وعند حصولها يحرم عليه بعدها ما كان حلالاً عليه قبلها، مثل الإحرام، أو نية الإحرام في الحج، إذا دخل الإنسان في الإحرام في الحج حرم عليه بذلك الإحرام ما كان حلالاً عليه قبل ذلك، وهنا إذا أتى بتكبيرة الإحرام، وبدأ بالصلاة مفتتحاً الصلاة بهذا التكبير الذي هو تكبيرة الإحرام حرم عليه ما كان حلالاً له قبل ذلك.ويعرفون الصلاة بأن يقولوا: هي أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير مختتمة بالتسليم، هذه هي الصلاة، أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدئة بالتكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام، مختتمة بالتسليم، وجاء في الحديث: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، أي: إذا سلم الإنسان حل له بعد التسليم ما كان حراماً عليه قبل أن يدخل في الصلاة، فالتكبير تحريم، والتسليم تحليل، التكبير تحريم لما كان حلالاً قبل ذلك، والتسليم تحليل لما كان ممنوعاً منه في الصلاة.فأورد النسائي رحمه الله حديث ابن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا افتتح التكبير في الصلاة، يعني: أنه أتى بالتكبير الذي هو مفتاح الصلاة، أو ابتداء الصلاة، يرفع يديه حين يكبر لهذا الافتتاح فيرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند التكبير للركوع، وعند التكبير للرفع منه، هكذا جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، من أن رفع اليدين عند التكبير يكون في ثلاثة مواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.وجاء في حديث: أبي سعيد الخدري موضع رابع، وهو عند القيام من التشهد الأول في الصلاة التي لها تشهدان، كالمغرب، والظهر، والعصر، والعشاء.قوله: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه)]. يعني: يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه، أي يرفع يديه حتى تحاذيا المنكبين.قوله: (وإذا كبر للركوع فعل مثل ذلك، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك).فعل مثل ذلك، أي: رفع يديه حذو منكبيه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قام من الركوع فعل مثل ذلك، يعني: رفع يديه حذو منكبيه.قوله: (وقال: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود).يقول: إنه إذا قال: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع فإنه يرفع يديه ويقول بعد ذلك: ربنا ولك الحمد، يجمع بين التسميع والتحميد، أي: بين التسميع الذي هو: سمع الله لمن حمده، والتحميد الذي هو: ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك عند السجود ولا عند الرفع منه، فالذي هو رفع اليدين حذو المنكبين يفعله في هذه الثلاثة المواضع.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا افتتح التكبير في الصلاة رفع يديه...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].وهو النسائي، ثقة، ثبت، خرج له النسائي وحده، وهو من بلد النسائي، وهو ممن انفرد به عن بقية أصحاب الكتب الستة؛ لأنه لم يرو له إلا النسائي.[حدثنا علي بن عياش].وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعيب].وهو ابن أبي حمزة الحمصي، ثقة، عابد، قيل: إنه من أثبت الناس في الزهري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ينتهي نسبه إلى زهرة بن كلاب، وهو إمام جليل، ومحدث فقيه، ومكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، الذين أدركوا صغار الصحابة، ورووا عنهم مثل: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وقال فيه السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: أول من قام بجمعه بتكليف من السلطان، أما الكتابة وكون بعض المحدثين والعلماء يكتب فإن الصحابة فيهم من كان يكتب الحديث، والتابعون كذلك فيهم من كان يكتب الحديث لنفسه، لكن كون ذلك يتم بتكليف من السلطان، فهذا لم يحصل إلا في زمن عمر بن عبد العزيز، على رأس المائة الأولى، والذي كلف بهذه المهمة هو: ابن شهاب الزهري رحمة الله عليه.[أخبرني سالم].وهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع منهم؛ لأن فقهاء المدينة السبعة، ستة منهم متفق على عدهم من فقهاء السبعة والسابع فيه ثلاثة أقوال: أحد هذه الأقوال: أنه سالم بن عبد الله بن عمر الذي هو الراوي في هذا الإسناد.
مسألة تحويل السند (ح) واستعمالها لدى المحدثين
[وحول الإسناد قال: أخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة].ثم حول الإسناد فقال: ح، وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة، و(ح) هذه تدل على التحويل، أي: والتحول من إسناد إلى إسناد، فيؤتى بـ(ح) مفردة ثم يؤتى بإسناد جديد بعدها، ثم يتلاقى هذا الإسناد الجديد بعدها مع ذلك الإسناد الذي تقدم قبلها، فيحصل تلاقيهما عند مكان معين، فتستعمل هذه الحاء الدالة على التحويل، والبخاري يستعملها قليلاً، ومسلم يستعملها كثيراً، والنسائي يستعملها قليلاً، والسبب في كون البخاري، والنسائي يستعملانها قليلاً: أنهما يأتيان بالأحاديث على الأبواب، والتراجم المختلفة، ويحصل تكرار الحديث والاستدلال به على موضوعات متعددة، فهم لهذا لا يحتاجون كثيراً إلى التحويل؛ لأن الحديث يروى في عدة مواضع، مستدلين به في موضع على مسألة معينة ويكون ذلك بإسناد، ثم يأتون به في موضع آخر للاستدلال به على مسألة معينة ويكون ذلك بإسناد، وأحياناً يتفق الإسنادان في الموضع الأول والثاني، ولهذا لا يحتاجان إلى التحويل، والذي أكثر من التحويل هو الإمام مسلم، وسبب ذلك: أنه يجمع الأحاديث في موضوع واحد، في مكان واحد، فيحتاج إلى أن يتحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه يجمعها في مكان واحد، لا يفرقها على الأبواب كما يفعل البخاري والنسائي، وإنما يأتي بالأحاديث المتعلقة بالموضوع في مكانٍ واحد، ثم لا يأتي بها، إلا أنه حصل منه التكرار في مواضع معينة تبلغ مائة وسبعة وثلاثين موضعاً، وقد حصرها الشيخ فؤاد عبد الباقي في الفهرس الذي عمله في صحيح مسلم، في الطبعة التي خدمها في أربعة مجلدات، والمجلد الخامس فهارس كان من جملة هذه الفهارس ذكر الأحاديث التي تكررت في أكثر من موضع على خلاف عادة مسلم، وبلغت جملتها مائة وسبعة وثلاثين حديثاً، جاءت في أكثر من موضع، وإلا فإن الغالب عليه أنه يأتي بالأحاديث في موضع واحد ولا يكرر الأحاديث، فمن أجل ذلك يحتاج إلى التحويل كثيراً؛ لأنه لم يعمل مثل ما عمل البخاري في التراجم والأبواب المختلفة التي يحتاج إلى أن يورد الحديث في أبواب متعددة، ليستدل برواية من روايات الحديث بإسناد من أسانيده على موضع من المواضع، فهذا هو المراد بالتحويل، والنسائي مقل منه، والبخاري مقل منه، والسبب هو ما ذكرت، ومسلم مكثر منه، والسبب هو ما ذكرت.[و أحمد بن محمد بن المغيرة].هو الحمصي، صدوق، خرج له النسائي وحده.[حدثنا عثمان هو ابن سعيد].الحمصي أيضاً.[عن شعيب].وهو حمصي أيضاً، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وكلمة (هو ابن سعيد) هذه الذي قالها، من دون أحمد بن المغيرة الذي هو التلميذ؛ لأن أحمد بن المغيرة لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن سعيد، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن لما كان أحمد بن محمد بن المغيرة، اقتصر على اسمه ولم ينسبه، الذي جاء بعده، إما النسائي، وإما من دون النسائي، أضاف كلمة (هو ابن فلان) ليعينه، وليبين من هو هذا المهمل، فقال: هو ابن سعيد، فقائلها من دون تلميذ عثمان هذا، إما النسائي، أو من دون النسائي.[عن شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة، الراوي في الإسناد المتقدم، وهو: حمصي، ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن محمد وهو الزهري].يعني: الإسناد الثاني فيه: أن شعيباً قال: عن محمد لم ينسبه، لكن من دون شعيب نسبه، فقال: هو الزهري، وأما الإسناد الأول فـشعيب يقول: الزهري، وهنا يقول: عن محمد، ثم من دون شعيب نسبه فقال: هو الزهري.[أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر].يعني: الإسنادان حصل تلاقيهما في شعيب.الإسناد الأول [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم ح].والإسناد الثاني [وأخبرني أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد عن شعيب عن محمد وهو الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر].يعني: هنا التحويل جعله بعد سالم، مع أن التلاقي كان قبل سالم، أي: عند شعيب التلاقي، فلا أدري ما وجه مد الإسناد الأول إلى سالم، ثم بعد ذلك يأتي الإسناد الثاني، مع أن التلاقي يكون قبل سالم، وقبل الزهري، وإنما هو عند شعيب الذي هو الراوي عن الزهري.يعني: هو الفرق بين الإسنادين: أن الإسناد الأول فيه: ذكر الزهري، أي شعيب عبر عن الزهري بقوله: الزهري، وأما الإسناد الثاني، الذي فيه: أحمد بن المغيرة، فـشعيب عبر عنه بـمحمد، أي: عبر عن الزهري بـمحمد، ثم أيضاً في الإسناد الأول لم ينسب سالم، الذي هو: ابن عبد الله بن عمر، وفي الإسناد الثاني نسب سالم فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فلعل هذا هو السبب الذي جعله يجعل الإسناد الأول يمتد إلى سالم، مع أن التلاقي بين الإسنادين الأول والثاني إنما هو عند شعيب بن أبي حمزة الحمصي.[قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر].وابن عمر رضي الله تعالى عنه، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
رفع اليدين قبل التكبير
شرح حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع اليدين قبل التكبير.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري أخبرني سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، قال: وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك حين يرفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين قبل التكبير، أي: عندما يدخل في الصلاة، وعندما يريد أن يكبر فإنه يرفع يديه ثم يكبر، وهذا استنبطه من قوله: ثم يكبر في نفس المتن.قال: [(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه ثم يكبر)]، فكلمة [(ثم يكبر)]، هذا يدل على أن الرفع يحصل قبل التكبير، ليس معناه أنه يكبر ثم يرفع، وإنما يرفع ثم يكبر، يرفع يديه أولاً ثم يحصل منه التكبير، وليس معنى ذلك أنه يرفع يديه ثم ينزلهما ويكبر بعد ذلك، ولكن يرفع يديه ويوجد التكبير، لا يكبر ثم يرفع يديه، وهذا الحديث مثل الذي قبله، إلا أنه أورده من أجل ما ترجم له، وهو أن الرفع يكون قبل التكبير، وذلك وجهه التعبير بثم، أي: كونه يقول: ثم يكبر، يعني: بعدما يرفع يديه حذو منكبيه ثم يكبر.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (رأيت رسول الله إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم يكبر...)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].وهو المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله بن المبارك].وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن عدد جملة من صفاته في التقريب: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وسويد بن نصر، هو راوية عبد الله بن المبارك، ولهذا كل ما مر بنا في الأسانيد عن سويد، من روايته عن عبد الله بن المبارك، ولم يمر بنا حتى الآن إسناد فيه سويد، وهو يروي عن غير عبد الله بن المبارك، فهو راويته الذي يروي عنه، وهو مروزي، وشيخه عبد الله مروزي، فهما مروزيان ينسبان إلى مرو.[عن يونس].وهو ابن يزيد الأيلي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وقد مر ذكره قريباً.[عن سالم عن ابن عمر].وقد مر ذكرهما.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:53 PM
رفع اليدين حذو المنكبين
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين حذو المنكبين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود)]. أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: رفع اليدين حذو المنكبين، وأورد حديث: ابن عمر من طريق أخرى، وهو نفس الحديث المتقدم، إلا أنه أورده هنا من أجل الاستدلال على الترجمة، وقبل ذلك أورده من أجل الاستدلال على العمل عند افتتاح الصلاة وأن رفع اليدين يكون قبل التكبير، ثم هنا أورده من أجل الاستدلال على أن رفع اليدين حذو المنكبين، وهو متقدم في الروايات السابقة، إلا أنه أورده هنا من أجل الاستدلال على هذه المسألة بالذات، وهي: أن الرفع عند التكبير للإحرام، وعند التكبير للركوع، وعند قوله: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع يكون حذو المنكبين.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة: ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، مذاهب أهل السنة التي حصل لهذه المذاهب أتباع عنوا بجمعها، وتنظيمها، وترتيبها، والتأليف فيها، والإمام مالك رحمة الله عليه حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر]. وقد مر ذكر الثلاثة في الأسانيد السابقة.
رفع اليدين حيال الأذنين
شرح حديث وائل حجر: (صليت خلف رسول الله فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين حيال الأذنين.أخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما افتتح الصلاة كبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين يرفع بها صوته)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين حيال الأذنين، والترجمة السابقة: حيال المنكبين، وهنا حيال الأذنين، وأورد فيه حديث: وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه: [أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يرفع يديه حين يكبر حتى تكونا حيال أذنيه]، وهذا هو المقصود من إيراد الترجمة.[وإذا أراد أن يركع، يعني: كبر وجعل يديه حيال أذنيه]، وكذلك عندما يرفع رأسه من الركوع، وليس في هذه الرواية ذكر رفع اليدين في غير الموضع الأول الذي هو عند التكبير للإحرام، والمقصود منه: أنه يرفعهما حيال الأذنين وقد جاء الرفع حيال الأذنين والرفع حيال المنكبين، وكل منهما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيفعل هذا، ويفعل هذا، كل هذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، رفعهما إلى الأذنين، ورفعهما إلى المنكبين، ثم يقرأ الفاتحة، فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، وهذا فيه أن الإمام يؤمن عندما يقرأ الفاتحة، قال: [وإذا قال: آمين يرفع بها صوته].يرفع بها صوته، يقول: آمين ويرفع بها صوته، فيدل على أنه يقول: آمين، ويدل على أنه أيضاً يرفع بها الصوت.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن ججر: (صليت خلف رسول الله فلما افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد، وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. [حدثنا أبو الأحوص].وهو سلام بن سليم الحنفي، ثقة، متقن، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأبو الأحوص، توفي سنة مائة وتسع وسبعين، وقتيبة، توفي سنة مائتين وأربعين، يعني: بين وفاتيهما إحدى وستون سنة، وقتيبة عمره تسعون سنة، كانت ولادته سنة خمسين، فهنا يأتي طول الإسناد، أو علو الإسناد، أي: كون الإنسان يكون معمراً ثم يروي عن شخص توفي ويعيش بعده مدة طويلة، ثم يروي عنه، مثل ما حصل لـقتيبة، فـأبو الأحوص سلام من السابعة، وقتيبة من العاشرة، فتجد من في العاشرة يروي عمن في السابعة، وذلك بسبب أنه عُمر وأنه عاش بعده، فليس الذي في العاشرة يروي عن التاسعة فقط، أو يروي عن الثامنة فقط، بل قد يروي عمن هو في السابعة، ومن هنا تتداخل الطبقات بسبب كون الإنسان يعمر ويعيش بعد موت شيخه الذي روى عنه، مثل هذا إحدى وستون سنة عاشها قتيبة بعد وفاة أبي الأحوص، ومثل: سفيان بن عيينة، يروي عن الزهري، والزهري توفي مائة وأربع وعشرون، أو مائة وخمس وعشرون، سفيان بن عيينة، توفي فوق المائة والتسعين، يعني: مسافة طويلة بين التلميذ والشيخ؛ لأنه عمر بعد وفاة شيخه، ومن هنا أيضاً تأتي الأسانيد العالية، مثل الثلاثيات عند البخاري، يعني: كونه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة، صحابي، وتابعي، وتابع تابعي، أي: بهذه الطريقة، يعني: كون الراوي عمر، ثم روى عنه تلميذ، ثم عمر ذلك التلميذ الذي روى عنه في آخر حياته بعده مدة طويلة، وهكذا فيكون الإسناد عالياً، مع أن الأسانيد عند البخاري أحياناً تصل إلى ثمانية أشخاص، أي: بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً تكون ثلاثة، والسبب هو هذا التفاوت، أو كون الإنسان يدرك شيخاً في آخر حياته، وهذا التلميذ في أول حياته، ثم يعيش ذلك التلميذ وتطول حياته، فيروي عنه تلميذ له في أول عمره، وهذا في آخر عمره، فيأتي عند ذلك العلو في الأسانيد، وقلة الرواة بين المحدث وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الجبار بن وائل].وهو عبد الجبار بن وائل بن حجر، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقال عنه الحافظ ابن حجر: لكنه أرسل عن أبيه، أي: أنه لم يسمع من أبيه، فروايته عنه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه، والحديث من روايته عن أبيه، ولكن له شواهد تدل على ما دل عليه هذا الحديث الذي فيه كونه الإمام يقول: آمين، وأنه يرفع يديه حيال أذنيه، [وأبوه وائل بن حجر الحضرمي] صحابي، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري في جزء القراءة.وأما ابنه فأخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة سمعت نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)].أورد النسائي حديث: مالك بن الحويرث، وهو يشتمل على رفع اليدين حيال الأذنين، في الثلاثة المواضع: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، يرفع يديه حيال أذنيه، وهو دال على ما دل عليه حديث وائل بن حجر، من حيث رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام حيال الأذنين، أورد النسائي حديث: مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه: [(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع)].قوله: (وإذا أراد أن يركع)، أي: فعل مثل ذلك، يعني: يرفع يديه حيال أذنيه، وقد عرفنا أن السنة ثبتت في هذا وفي هذا، فالإنسان له أن يرفع حيال منكبيه، وله أن يرفع حيال أذنيه، وله أن يفعل أحياناً هكذا، وأحياناً هكذا، كل هذا صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا صلى رفع يديه حين يكبر حيال أذنيه)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. وهو البصري، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[خالد].وهو ابن الحارث البصري، ثقةٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[شعبة]. وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].وهو قتادة بن دعامة البصري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [سمعت نصر بن عاصم].وهو نصر بن عاصم، وهو بصري أيضاً، ثقة، خرج حديثه، البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن مالك بن الحويرث].وهو مالك بن الحويرث صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً سكن البصرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد مسلسل بالبصريين، فإنهم من أهل البصرة، أولهم:محمد بن عبد الأعلى بصري، وخالد بن الحارث بصري، وشعبة بن الحجاج بصري؛ لأنه واسطي ثم بصري. وقتادة بصري.ونصر بن عاصم بصري، ثم مالك بن الحويرث بصري، فهو مسلسل بالرواة البصريين.
شرح حديث مالك بن الحويرث: (رأيت رسول الله حين دخل في الصلاة رفع يديه... حتى حاذتا فروع أذنيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة رفع يديه، وحين ركع، وحين رفع رأسه من الركوع، حتى حاذتا فروع أذنيه)].أورد النسائي حديث مالك بن الحويرث من طريق أخرى، وهو مشتمل على ما اشتملت عليه الطريق الأولى، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم رفع يديه حيال أذنيه عند التكبير للدخول في الصلاة، أي: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، فهو دال على ما دلت عليه الرواية السابقة مما ترجم له المصنف، وهو أن رفع اليدين يكون حيال الأذنين عندما يدخل في الصلاة، وعندما يركع، وعندما يرفع رأسه من الركوع.
تراجم رجال إسناد حديث مالك بن الحويرث: (رأيت رسول الله حين دخل في الصلاة رفع يديه... حتى حاذتا فروع أذنيه)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].وهو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد توفي قبله بأربع سنوات؛ لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، ومثل: يعقوب بن إبراهيم الدورقي في هذا، يعني: في كونه من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين: محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، هؤلاء الثلاثة من صغار شيوخ البخاري، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أي: سنة اثنتين وخمسين ومائتين.[عن ابن علية].وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، المشهور بـابن علية، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، [عن ابن أبي عروبة].وهو سعيد بن أبي عروبة، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
الصلاة في الروضة ليست من ذوات الأسباب
السؤال: هل الصلاة في الروضة تعتبر من ذوات السبب فتصلى في أوقات النهي؟الجواب: لا، كون الإنسان يذهب للروضة إذا جاءها يصلي وتكون من ذوات الأسباب، لا، هي من جملة المسجد وحكمها حكم المسجد، إلا أنها لها فضيلة على غيرها من حيث أنه ورد فيها حديث خصها، هو قوله صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وهذا إنما هو في النافلة، وأما في الفريضة فالصفوف التي أمامها أفضل منها، والصفوف التي هي عنها من جهة الغرب، يعني: في ميامن الصفوف المحاذية لها أفضل منها.
من السنة رفع اليدين بعد القيام من التشهد الأول
السؤال: المذكور في الأحاديث عند النسائي ثلاث مواضع لرفع اليدين عند التكبير فيها، ولكن هل رفع اليدين بعد القيام من التشهد الأول في الثلاثية والرباعية من السنة أيضاً؟الجواب: نعم من السنة، والحديث عنها جاء من حديث أبي سعيد، وهو في صحيح البخاري، في رفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.
رفع اليدين في كل خفض ورفع
السؤال: هل ورد حديثٌ يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كل خفض ورفع؟الجواب: لا أدري، لا أعلم فيه شيء يدل عليه، لكن التكبير يكبر، فقد جاءت في ذلك الأحاديث أنه يكبر عند كل خفض ورفع، ولهذا في سجود التلاوة في الصلاة، يعني: كون الإنسان يكبر عندما يسجد، وعندما يقوم يشمله هذا الحديث: (كان يكبر في كل خفض ورفع)، يعني: أن هذا خفض ورفع، والتكبير يكون في الخفض والرفع، والإنسان إذا سجد في الصلاة للتلاوة فإنه يكبر، وإذا قام فإنه يكبر؛ لأنه يدخل تحت عموم ما جاء في أنه يكبر عند كل خفض ورفع، فالشيء الثابت هو: أنه يكبر عند كل خفضٍ ورفع، أما كونه يرفع يديه هذا جاء في هذه المواضع التي ذكرت الأربعة، ثلاثة في حديث ابن عمر، والموضع الرابع في صحيح البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه.
حكم قول المأموم سمع الله لمن حمده
السؤال: هل على المأموم أن يقول مثل الإمام: سمع الله لمن حمده؟الجواب: اختلف العلماء في هذا، منهم من يقول: إنه لا يقول، ويستدلون على ذلك بالأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما وصف الصلاة قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)، ولم يقل: إذا قال: سمع الله لمن حمده قولوا: سمع الله لمن حمده، وإنما قال: (قولوا: ربنا ولك الحمد)، فهذا التفصيل في الأقوال في الصلاة، أنه إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول المأموم: ربنا ولك الحمد، يدل على أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وبعض العلماء يقولون: إنه يقول: سمع الله لمن حمده، ويستدلون على ذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو يقول: سمع الله لمن حمده، إذاً المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، لكن هذا التفصيل في عمل المأموم حيث قال: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)، يدل على أن الأولى ألا يقول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: ربنا ولك الحمد، كما أرشد إلى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رتب أو عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده بقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ولم يقل: وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: سمع الله لمن حمده.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(165)
- (باب موضع الإبهامين عند الرفع) إلى (باب القول الذي يفتتح به الصلاة)
جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مبينة لكل أفعال الصلاة ومن ضمنها رفع اليدين وموضع الإبهامين عند الرفع، كما بينت أن تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها.
موضع الإبهامين عند الرفع
شرح حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين للتكبير
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع الإبهامين عند الرفع.أخبرنا محمد بن رافع حدثنا محمد بن بشر حدثنا فطر بن خليفة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أنه: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه) ].يقول النسائي رحمه الله: موضع الإبهامين عند رفع اليدين، فالمقصود من ذلك: أنهما تكادان تحاذيان شحمة الأذنين، وقد أورد النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه. والمراد بذلك ما كان بأسفلهما، أي: القطعة الرقيقة اللينة التي في أسفل الأذنين، هذه هي المراد، وهذا يتفق مع الأحاديث المتقدمة عن مالك بن الحويرث: حتى يحاذي فروع أذنيه، والمراد بذلك الأعالي، الفروع هي أعالي الأذنين، وإذا كانت الإبهامان تكاد، أي: تقرب أن تحاذي شحمة الأذنين، فإن الأصابع تحاذي أعلى الأذنين أو أعالي الأذنين، فهو متفق مع ما تقدم من ذكر الرفع حتى محاذاة فروع الأذنين، فهذا الحديث موافق لما جاء في الأحاديث المتقدمة من جهة رفع اليدين، وهذه إحدى الحالات التي ترفع اليدين فيها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنها حذو المنكبين.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع الإبهامين عند رفع اليدين بالتكبير
قوله: [أخبرنا محمد بن رافع].محمد بن رافع هو القشيري النيسابوري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، مثل إسحاق بن راهويه أخرج له اصحاب الكتب الستة عدا ابن ماجة، وهو: من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم، ومن طريقه روى حديث صحيفة همام بن منبه، أو أحاديث صحيفة همام بن منبه التي أوردها في مواضع كثيرة من صحيحه، فإنها كلها بإسناد واحد، وهي من طريق شيخه محمد بن رافع.[حدثنا محمد بن بشر].وهو الكوفي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا فطر بن خليفة].وهو صدوق، رمي بالتشيع، وأخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [عن عبد الجبار بن وائل].عبد الجبار بن وائل الحضرمي، وهو ثقة، أرسل عن أبيه، روايته عن أبيه مرسلة، وأخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه]وائل بن حجر الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وسبق أن مر بنا حديث أو حديثان من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وعرفنا أنها مرسلة، لكن قد جاء ما يعضد هذه الروايات التي جاءت عنه فيما يتعلق برفع اليدين، مثل حديث مالك بن الحويرث، فإنه دال على ما دل عليه حديث وائل بن حجر فيما يتعلق بالنسبة لرفع اليدين.والشيخ الألباني وضع هذا الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي، ولا يظهر لي وجه إدخاله؛ لأن الحديث الذي قبله الذي من طرق عبد الجبار بن وائل، والذي ذكره في جملة الصحيحة، هذا من جنسه، وأيضاً له شاهد كما أن لذاك شاهد، وهو الحديث الذي تقدم في الدرس الفائت.
رفع اليدين مداً
شرح حديث: (ثلاث كان رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [رفع اليدين مداً.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد بن سمعان قال: (جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال: ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد، وإذا رفع) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: رفع اليدين مداً، أي عندما يرفع الإنسان يديه للتكبير، فإنه يرفعهما مداً، والمد إما أنه يراد المبالغة في الرفع، أو يراد به أن اليدين تكونان ممدودتين، أي: ما تكونا عندما يرفعهما مقبوضتين، وإنما تكون ممدودة الأصابع، وأورد النسائي فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: (ثلاثٌ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن وقد تركهن الناس: كان يرفع يديه مداً، ويسكت هنيهة، ويكبر إذا سجد وإذا رفع).فقوله: (يرفع يديه مداً)، هذا هو المقصود بالترجمة، والمراد منه أنه يرفع يديه عند التكبير، يعني عند افتتاح الصلاة، ومثل ذلك عند الركوع، والرفع منه، والقيام للتشهد الأول كما عرفنا في الدرس الماضي، (ويسكت هنيهة)، قيل: إن المراد من ذلك هو السكوت عند افتتاح الصلاة، يعني بعد التكبير، في الصلاة الجهرية، فإنه يسكت، ويأتي بدعاء الاستفتاح، وأبو هريرة رضي الله عنه هو الذي سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عما يقوله في سكوته، أي في هذه الحال، وأخبره بدعاء الاستفتاح، وأنه كان يأتي بدعاء الاستفتاح، (ويكبر عند السجود وعند الرفع)، يعني أنه عندما يسجد يكبر، وعندما يرفع يكبر، قد جاء في بعض الأحاديث أنه يكبر عند كل خفض، ورفع طبعاً، ويستثنى من ذلك الرفع من الركوع؛ لأنه لا تكبير فيه، وإنما فيه التسميع، وما عدا ذلك فجميع ما يذكر عند الانتقال هو التكبير، إلا في موضع واحد وهو القيام من الركوع، فإنه يؤتى بالتسميع: سمع الله لمن حمده.
تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاث كان رسول رسول الله يعمل بهن... كان يرفع يديه في الصلاة مداً)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان، وهو محدث، ناقد، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال فيه الذهبي وعبد الرحمن بن مهدي: أنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. يعني: أنهما يصيبان الهدف إذا اتفقا على جرح شخص.[حدثنا ابن أبي ذئب].وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة، فقيه، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [قال حدثنا سعيد بن سمعان].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [أبو هريرة] وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
فرض التكبيرة الأولى
شرح حديث المسيء صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فرض التكبيرة الأولى.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا عبيد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي فرض التكبيرة الأولى، يعني: أنها فرض لازم، وذلك أن الصلاة لا تنعقد إلا بها، ولا يكون الإنسان داخلاً في الصلاة إلا بهذه التكبيرة التي هي تكبيرة الإحرام، وتسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن الإنسان إذا أتى بها دخل في الصلاة لإتيانه بها، فيحرم عليه بعدها ما كان حلالاً له قبلها؛ لأنه قبل أن يكبر، ويدخل في الصلاة، له أن يأكل، ويشرب، وله أن يمشي، وله أن يتكلم مع غيره، وله أن يلتفت، وله أن يتصرف التصرفات التي يسوغ له أن يتصرفها، فإذا حصل منه التكبير فإنها تحرم عليه، وتكبيرة الإحرام هي مثل النية في الإحرام في الحج، يحرم عليه عند الإحرام، وعند نية الإحرام ما كان حلالاً له قبلها، وقد جاء في الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، تحريمها التكبير، يعني: أن الإنسان يكون دخل بها، وحرم عليه بالدخول بها، أي: الصلاة ما كان حلالاً قبل ذلك، وذلك بالتكبير، وتحليلها التسليم، هذا التحريم وهذا الامتناع الذي يكون والإنسان يصلي، ينتهى منه بالتسليم، فإذا وجد التسليم يعود الإنسان إلى ما كان عليه قبل تكبيرة الإحرام، فله أن يتكلم، وله أن يلتفت، وله أن يشرب، وله أن يأكل، وله أن يخاطب غيره؛ لأن (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، فكما قلت: يقولون في تعريف الصلاة شرعاً: هي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فبدايتها تكبير ونهايتها تسليم، (تحريمها التكبير، وتحليها التسليم)، كما قال ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فتكبيرة الإحرام فرض، ولا تنعقد الصلاة إلا بتكبيرة الإحرام، وإذا وجدت تكبيرة الإحرام، عند ذلك دخل الإنسان في الصلاة، وبدونها لا يكون الإنسان دخل في الصلاة.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة، وهذا الحديث مشهور بحديث المسيء في صلاته؛ لأنه ما أحسن في صلاته، وما أصاب في صلاته، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشده، وأمره بأن يعيد الصلاة، وأنه لم يصل، ولما قال له: (والذي بعثك بالحق نبياً لا أحسن غير هذا فعلمني)، علمه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، والحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً..(أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجلٌ).فصلى، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، جاء إلى النبي وسلم عليه، فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، يعني: أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، ولهذا قال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)؛ لأن قوله: (فإنك لم تصل)، يبين أن صلاته الماضية غير معتبرة، ولو لم يقل: (فإنك لم تصل)، لقال: إني قد صليت، لكنه أرشده إلى أن صلاته التي صلاها غير معتبرة، فرجع وصلى كما صلى، ثم جاء وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم جاء إليه، وفي كل مرة يأتي، ويسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه السلام، وفيه دليل على أن الإنسان إذا تكرر دخوله، ومجيئه إلى مكان معين، يأتي إليه، ثم يذهب، ثم يرجع، فإنه يسلم في كل مرة؛ لأن هذا تكرر منه السلام، ثم يذهب، فيصلي، ثم يأتي، فيسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد علي السلام، ففي هذا تكرار السلام في المجلس الواحد، إذا ذهب الإنسان ورجع إليه فإنه يسلم مرةً أخرى، ولا يكفي سلامه الأول الذي حصل قبل ذهابه منه، وإنما في كل مرة يأتي يسلم، كما فعل هذا الصحابي، ورد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عليه. وعندما فعل هذا ثلاثاً، فلم يكن ما حصل منه أولاً خطأ في تلك المرة فقط، فحصل منه استعجال أخلّ بالصلاة، وإنما كان على وتيرة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وصلاته على هيئة واحدة، فعند ذلك قال: (والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني)، حلف وأقسم بأنه لا يعرف غير هذا، وأن هذا هو الذي يعرفه من كيفية الصلاة، وطريقة الصلاة، وطلب منه أن يعلمه، وهذا الذي حصل من الرسول صلى الله عليه وسلم كونه يعيده ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يأتي، ثم يحلف بأنه ما يعرف إلا هذا، ويطلب التعليم، لا شك أنه عندما يعلم يقع ذلك التعليم في نفسه، وسينتبه جيداً لتلقيه؛ لأن كونه فعل ذلك ثلاث مرات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول له: (ارجع فصل فإنك لم تصل)، ثم بعد ذلك يحلف بأنه لا يعرف غير هذا، ويطلب التعليم، فيعلمه الرسول عليه الصلاة والسلام، لا شك أن التعليم بعد هذه الأمور فيه رسوخ، وفيه تمكن من الأخذ والتلقي، ما دام أنه سبقه هذه الأحوال.فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث: فرض التكبيرة الأولى، (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، معناه: أن الإنسان يدخل في الصلاة بالتكبير، فالتكبير أمر لازم، وهي أول فروض الصلاة، أول أركان الصلاة؛ لأن الدخول يكون بها، فهي أول فرض يكون في الصلاة، عند إيقاعها، وتنفيذها، فإن أول فرض فيها هو التكبير للدخول في الصلاة الذي هو الإحرام، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكرت: (تحريمها التكبير).(إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وهذا استدل به بعض العلماء على أن قراءة الفاتحة ليست بلازمة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، وقد يتيسر مع الإنسان من القرآن غير الفاتحة، لكن جاءت الأحاديث الخاصة الدالة على تعين قراءة الفاتحة، وعلى لزوم قراءة الفاتحة، فدل على أن ما جاءت به السنة من بيان لزومها، أن هذا هو المتعين، ويحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (ما تيسر معك من القرآن)، على ما بعد الفاتحة، أو يكون في حق الإنسان الذي ما تعلم الفاتحة، يعني قبل أن يتعلمها إذا كان يحفظ شيئاً فإنه يؤدي الصلاة به، لكن يتعين عليه أن يأتي بسورة الفاتحة وأن يحفظها، وأن يتعلمها؛ لأنها مطلوبة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وقد جاءت الأحاديث الدالة على فرضها، ووجوبها، ولزومها، وأنه (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فهي متعينة.(ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، معناه: أنه يطمئن في ركوعه، أي: ما يكون هناك استعجال، وإنما يكون فيه اطمئنان في هذه الأفعال التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع يعني من الركوع؛ حتى تعدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام نبهه على الشيء الذي رآه أخل به، وهو هذه الأفعال، وأنه لم يطمئن فيها، بل كان مستعجلاً، فنبهه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أن يطمئن في هذه الأفعال، ولم يعلمه الأمور الأخرى التي هي التشهد، والسلام وما إلى ذلك، ولعله لم يكن مخلاً في تلك، وإنما أخل في الركوع، وفي القيام، وفي السجود، وفي الجلوس بعد السجود الذي بين السجدتين، فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاطمئنان في هذه الأفعال. ثم قال: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، أي: كل ركعات الصلاة تعمل فيها مثل ما عملت في هذه الركعة، وهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في بيان كيفية الصلاة، وكذلك فيما يتعلق بالاطمئنان بها، وفيه أن الإنسان إذا ما اطمأن في أفعاله: الركوع، والسجود، والجلوس، والقيام، أنه لا يعتبر مصلياً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فإنك لم تصل)، أي: ما وجدت منك الصلاة المشروعة المطلوبة التي تحصل براءة الذمة بها، فأرشده النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بعد هذا الترداد وبعد حلفه بأنه لا يحسن غير ذلك.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 01:59 PM
تراجم رجال إسناد حديث المسيء صلاته
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].وهو محمد بن مثنى العنزي، الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو: رفيق محمد بن بشار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفقا معه في الشيوخ، والتلاميذ، واتفقا في كونهما جميعاً من أهل البصرة، ولهذا قال عنهما الحافظ ابن حجر: وكانا كفرسي رهان. ولدا في سنة واحدة، ومات في سنة واحدة، وهم من أهل البصرة، واشتركا في الشيوخ والتلاميذ، فصارا كفرسي رهان.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان، تقدم ذكره قريباً.[حدثنا عبيد الله بن عمر]. هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، وهو المصغر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بخلاف أخيه المكبر الذي هو عبد الله فإنه ضعيف، عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وأما أخوه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب فهو ضعيف، فالمصغر ثقة، والمكبر ضعيف.[حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري].وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].كيسان أبو سعيد المقبري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم ذكره.
القول الذي يفتتح به الصلاة
شرح حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول الذي يفتتح به الصلاة.أخبرنا محمد بن وهب حدثنا محمد بن سلمة وعن أبي عبد الرحيم حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (قام رجلٌ خلف نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فقال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: من صاحب الكلمة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً) ].أورد النسائي القول الذي يفتتح به الصلاة، يعني: الدعاء الذي يفتتح به الإنسان صلاته، وقد أورد فيه حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجلٌ خلفه: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال: من قائل هذه الكلمة؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسول الله، فقال: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)، أي: كل واحد يبادر ويسارع إلى كتابتها، فهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء في افتتاح الصلاة، ويدل أيضاً على أن الكلمة تطلق على الكلام؛ لأن قوله: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً)، أطلق عليه أنها كلمة؛ لأن الكلمة تأتي ويراد بها الكلام، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثل هذا الحديث، ومثل حديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كل شيءٍ ماخلا الله باطل) .وقوله صلى الله عليه وسلم: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فالمراد بالكلمة هنا الكلام، وليس المراد بها كلمةً واحدة مفردة، ولهذا يقول ابن مالك في أول ألفية: واحده كلمة والقول عموكلمة بها كلام قد يؤموقد يقصد بالكلمة الكلام، ولهذا يقال: فلان ألقى كلمة، والمراد بالكلمة كلمة طويلة، وليست كلمةً واحدة ولفظاً واحداً، فالكلمة تأتي للفظة مفردة واحدة، وتأتي أيضاً ويراد بها الكلام، ومن مجيئها مراداً بها الكلام هذا الذي في هذا الحديث: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، قال: من قائل هذه الكلمة؟)، يعني الكلام الذي قيل، وهو ليس كلمة واحدة، لكن كلمة يراد بها الكلام. ثم أيضاً فيه بيان عظم شأنها، وأن الاثني عشر ملكاً يبتدرونها كل واحد منهم يبادر إلى كتابتها.(لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً).أي: كل واحد يبادر إلى كتابتها، وهذا يدل على فضل هذه الكلمة، ولهذا جاء عن ابن عمر أنه ما ترك ذلك منذ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة
قوله: [أخبرنا محمد بن وهب].محمد بن وهب الحراني، وهو صدوق، أخرج له النسائي وحده.[حدثنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. وهناك محمد بن سلمة آخر وهو: الجملي المرادي، وهو ثقة، وهو متأخر عن هذا، وهو الذي يروي عنه النسائي مباشرة، إذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي فالمراد محمد بن سلمة المرادي، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه بواسطة، فالمراد به هذا الذي معنا الذي هو محمد بن سلمة الحراني.[وعن أبي عبد الرحيم].وهي كنية اشتهر بها خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو مشهور بكنيته أبي عبد الرحيم، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.[حدثني زيد هو ابن أبي أنيسة].ابن أبي أنيسة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وقوله: هو ابن أبي أنيسة، هذه قالها من دون أبي عبد الرحيم؛ لأن أبا عبد الرحيم لا يحتاج إلى أن يقول: هو ابن فلان، بل ينسب شيخه كما يريد، لكن أبا عبد الرحيم أتى بـزيد فقط عند روايته عن شيخه، ولم ينسبه، فمن بعد أبي عبد الرحيم هو الذي أتى بهذه النسبة، وذُكرت بقوله: هو؛ حتى لا يظن أنها من التلميذ؛ لأنه لو لم يأتِ بـ(هو) لظن أنها من التلميذ، والتلميذ ما نسبه، وإنما أتى به بلفظ مفرد الذي هو زيد، ومن دونه أراد أن يوضح، لكنه أتى بكلمة هو الدالة على أنها ليست من التلميذ، وإنما هي ممن دون التلميذ.[عن عمرو بن مرة].عمرو بن مرة الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن عبد الله].هو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله بن عمر].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شرح حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي حدثنا إسماعيل عن حجاج عن أبي الزبير عن عون بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من القوم: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟، فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، وذكر كلمة معناها: فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله)]. أورد حديث ابن عمر من طريق أخرى، وفيها ما في التي قبلها، إلا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال له: من قائل هذه الكلمة؟ وقال: أنا، قال: عجبت لها، ثم قال كلمةً معناها: فتحت لها أبواب السماء. يعني: قال كلمة معناها، معنى هذه الكلمة: فتحت لها أبواب السماء، معناه: أن الكلمة هذه لم يتقن لفظها، ولكنه أتى بمعناها، فتحت لها أبواب السماء، قال ابن عمر:[ما تركته منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله].
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في القول الذي يفتتح به الصلاة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن شجاع المروذي].بتشديد الراء، والمراد بالمروذي نسبة إلى مر الروذ، ويقال: مرو الروذي، ويؤتى بها مختصرة فيقال: المروذي، وهي نسبة إلى بلد أو إلى مدينة اسمها مر الروذ، وقيل لها: مر الروذ؛ حتى تتميز من مرو الشاهجان التي ينسب إليها مروزي، ينسب إليها فيقال: المروزي، وأما مر الروذ فينسب إليها فيقال: المروذي، وأكثر النسب تأتي المروزي نسبة إلى مرو الشاهجان، وهما بلدان متقاربان، قيل: إن بينهما أربعون فرسخاً، فينسب إلى مرو الشاهجان المروزي، وينسب إلى مر الروذ المروذي، ومحمد بن شجاع شيخ النسائي ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا إسماعيل].وهو ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، وهو ثقة، ثبت، إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، هو مشهور بـابن علية.[عن حجاج].وهو ابن أبي عثمان الصواف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزبير].محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عمر].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
جمع أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة
السؤال: كم عددٍ من أدعية الاستفتاح في الصلاة الواحدة؟الجواب: لا تجمع أدعية الاستفتاح في صلاة واحدة، وإنما يؤتى بدعاء واحد، وإذا أتى بهذا مرة، وبهذا مرة، وبهذا مرة، فلا بأس، والرسول صلى الله عليه وسلم ما جمعها، وإنما أتى بها في أحوال مختلفة، جاء عنه هذا في موضع، وهذا عنه في موضع، وعلم هذا، وعلم هذا، لكن لا يجمعها؛ لأن الرسول ما جمعها، وإنما أتى بكل واحد منها على حدة، أو علم هذا، وعلم هذا، وعلم هذا وهكذا، فهي أنواع من أنواع الاستفتاح، أي: أن أي واحد منها يأتي به وقد ثبت، فإنه موافق للسنة، أما كونه يجمعها، فهذا لا أعلم له دليل يدل عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم ما فعله، وهذا الذي يسمونه اختلاف التنوع، كون واحد يأخذ مثلاً بنوع من أنواع الاستفتاح الثابت عن رسول الله لا بأس بذلك، هذا ما يقال فيه اختلاف تضاد؛ لأن هذا حق، وهذا حق، فأي واحد منها أخذ به فقد أخذ بحق.
الاكتفاء بـ(الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا) في دعاء الاستفتاح
السؤال: من قال: الله أكبر كبيراً إلى آخره، هل تكفي عن الاستفتاح؟الجواب: تكفي، لكن لو أتى بـ: الله أكبر وحدها، ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فهذا هو الأولى، وإن أتى به قال: الله أكبر، وهي التي حصل بها الدخول، والباقي أضافه إليها استفتاحاً جاز.
حالة استخلاف الإمام أحد المأمومين وكيفيته
السؤال: متى يجوز للإمام أن يستخلف إماماً بدلاً منه من المصلين؟الجواب: إذا اضطر إلى الخروج من الصلاة لأمر اقتضى ذلك، كأن يكون غلبه الحدث، وهو بحاجة إلى أن يذهب لقضاء حاجته، فإنه يستخلف، بمعنى أنه يرجع وراءه القهقرى، ويمسك واحداً يجعله يتقدم، ولا يستدير بل يستخلف وهو مستدير، ثم يقطع صلاته.
الاختلاف بين الضمير ووجوه في قول ابن عمر
السؤال: لماذا ذكر ابن عمر: ما تركته منذ سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله، مع أن الصلاة عائد على الكلمة، ما تركتها؟الجواب: لأن الكلمة يراد بها الكلام، أي: ما تركت الكلام أو ما تركت الكلمة، فهو أتى به على أن المراد بها الكلام؛ لأن الكلمة يراد بها الكلام، فلا تنافي بين رجوع الضمير مذكراً أو مؤنثاً، فإن كان مؤنثاً فالمراد به الكلمة، وإذا جاء مذكراً فالمراد به الكلام.فيقال: ما تركت هذا الدعاء مثلاً.يمكن أن يكون المراد هذا الذكر أو هذا الكلام.
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
السؤال: إذا قصر إنسان في الصف، ووقف منفرداً وصلى ركعةً واحدة منفرداً، ثم لحق به آخر واصطف معه، فما حكم صلاته؟الجواب: إذا حصل منه التقصير، فدخل في الصلاة منفرداً، مع وجود أماكن خالية في الصف لم يدخل فيها، فلا شك أنه فعل أمراًمنكراً، وأمراً غير سائغ، ولا تصح صلاته في تلك الحال، لكن كونه جاء معه أحد هل يقضي تلك الركعة التي ما اصطف معه أحد فيها؟ إذا كان دخل في الصلاة، ولم يركع، لم يحصل الركوع إلا بعد ما جاء أحد، فالأمر واضح ما فيه إشكال، وإنما الإشكال فيما لو مضى ركعة من الركعات، فهل يعيدها كما أمر بإعادة الصلاة كلها لما حصل منه من التقصير؟ لا أدري، ما أستطيع أقول فيها شيئاً.
ابو الوليد المسلم
01-26-2026, 02:02 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(166)
- (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة) إلى (باب النهي عن التخصر في الصلاة)
بينت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم صفة وضع اليدين في الصلاة عند القيام، وهي وضع اليد اليمنى على الكف والرسغ والساعد من اليد اليسرى، وللإمام الأعظم إذا رأى رجلاً على خلاف ذلك أن يعلّمه.
وضع اليمين على الشمال في الصلاة
شرح حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وضع اليمين على الشمال في الصلاة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن موسى بن عمير العنبري وقيس بن سليم العنبري، قالا: حدثنا علقمة بن وائل عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)]. يقول النسائي رحمه الله: وضع اليمين على الشمال في الصلاة، أي: أن هذا من سنن الصلاة التي يفعلها الإنسان في صلاته عندما يكون قائماً، فإنه يضع يده اليمنى على يده اليسرى، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أورد فيه النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، فدل هذا على أن السنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، وأن إرسال اليدين من دون قبض خلاف السنة، بل يقبض على اليسرى باليمنى، وتوضع اليمنى على اليسرى، وهذا فيما يتعلق بما كان قبل الركوع، وما بعد الركوع أيضاً يدل عليه هذا الحديث؛ لأن عموم قوله في الحديث: (أنه إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال)، يشمل ما كان قبل الركوع وما كان بعد الركوع، يعني: هذا لفظ يشمله؛ لأنه يطلق عليه أنه قائم، ومن المعلوم أن أحوال المصلي أربعة لا خامس لها: إما قيام، وهو قبل الركوع وبعده، وإما ركوع، وإما سجود، وإما جلوس بين السجدتين أو في التشهد، فهذه أحوال المصلي الأربعة التي لا خامس لها. وقوله: إذا كان قائماً في الصلاة، يشمل بلفظه ما قبل الركوع وما بعد الركوع، ومما يؤيد هذا ويدل عليه أن جميع أفعال الصلاة وجميع أحوال الصلاة الأيدي قد جعل لها عمل، ففي حال الركوع توضع على الركبتين، وفي حال السجود توضع على الأرض عند الأذنين، وبين الجلستين وفي التشهد الأول توضع اليسرى على الركبة وعلى الفخذ، واليمنى كذلك على الفخذ اليمنى عند الركبة، ويقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، فجميع أحوال الصلاة ما فيها ترك شيء بدون تعيين عمل يكون للأيدي، بل جميع الأحوال قد جاءت السنة بها، ومن المعلوم أن هذه الحال التي هي بعد الركوع المعول فيها على وضع اليمنى على اليسرى على حديث وائل بن حجر: أنه إذا كان قائماً في الصلاة، وضع اليمين على الشمال، فكلمة (قائماً) تشمل ما قبل الركوع وما بعده، والذين ذهبوا إلى أنها لا توضع اليمنى على اليسرى بعد الركوع، قالوا: إن الأحاديث المفصلة لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم والمبينة لجميع أفعالها ما نصت على وضع اليدين أو على حكم وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الركوع، فليس فيها: بعد الركوع يكون كذا وكذا، ما جاء فيها شيء، لكن هذا اللفظ الذي ورد في هذا الحديث لفظ يشمل أحوال القيام، والقيام هو إما قبل الركوع وإما بعد الركوع، وكلام وائل بن حجر أنه إذا كان قائماً في الصلاة وضع اليمين على الشمال، يدل بعمومه على الحالتين: ما كان قبل الركوع، وما كان بعد الركوع. ثم أنه ستأتي في حديث وائل بن حجر كيفية الوضع؛ لأن اليد اليمنى توضع على الكف، والرسغ، والساعد، بمعنى أن الأشياء الثلاثة من اليد اليسرى تأتي عليها اليد اليمنى التي هي الساعد والرسغ والكف، والرسغ هو: المفصل الذي بين الساعد والكف، فتفصيل ذلك وتبيين كيفية الوضع بينها حديث وائل بن حجر الذي سيأتي، وهذا الحديث فيه وضع اليد اليمنى على اليسرى، لكن ليس فيه تفصيل هذا الوضع؛ لأن قوله: وضع اليمنى على اليسرى، يحتمل أن يكون اليمنى كلها على الساعد، ويحتمل أن تكون على الكف، لكن جاء حديثه الآخر فبين أنه يكون على الثلاثة: على الساعد، وعلى الرسغ، وعلى الكف.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر: (رأيت رسول الله إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله بن المبارك المروزي].وهو إمام، محدث، عابد، جواد، مجاهد، قال عنه الحافظ ابن حجر بعد أن عدد جملةً من صفاته الحميدة في التقريب، قال: جمعت فيه خصال الخير. وحديث عبد الله بن المبارك أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن عمير].وهو موسى بن عمير العنبري التميمي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[قيس بن سليم]. قيس بن سليم يروي عنه عبد الله بن المبارك ، وهو قيس بن سليم العنبري، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، والنسائي.[حدثنا علقمة بن وائل].علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي، وهو صدوق خرج حديثه البخاري في جزء رفع اليدين، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبيه].وائل بن حجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحضرمي، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وذكروا في ترجمة علقمة بن وائل: أنه لم يسمع من أبيه، ونقل هذا عن يحيى بن معين، والذي فيه الكلام الكثير حول عدم سماعه من أبيه هو عبد الجبار الذي سبق أن مر ذكره في بعض الأحاديث الماضية، وأما علقمة بن وائل، فجاء عن ابن معين أنه قال: إن حديثه مرسل، لكن صحح بعض العلماء سماعه، وأثبت سماعه من أبيه، وقد ذكر ذلك الصنعاني في سبل السلام عند شرح حديث زيادة: (وبركاته) في السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الخروج من الصلاة؛ لأنها جاءت من طريق علقمة بن وائل عن أبيه، وقال الحافظ عنها: إسناده صحيح، يعني: في البلوغ، وقال الصنعاني: إن سماعه ثابت من أبيه، وإنما الكلام في عبد الجبار، هذا هو الذي الكلام كثير في عدم سماعه من أبيه، لكن مع هذا فإن هذا الحديث الذي جاء في هذا الإسناد قد جاء من طريق أخرى ليس من طريق علقمة، وإنما من طريق شخص آخر ليس من أبنائه، وفيه وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، يعني بعدما يكبر يضع اليمنى على اليسرى على الرسغ والكف والساعد، فهو يعتبر شاهداً أو يعتبر متابعاً لما جاء في حديث وائل بن حجر هذا الذي من رواية علقمة بن وائل عن أبيه.
في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه
شرح حديث ابن مسعود في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب سمعت أبا عثمان يحدث عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ بيميني، فوضعها على شمالي) ].أورد النسائي ما على الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه في الصلاة، أي: عكس ما هو مشروع، فأورد فيه حديث ابن مسعود: أنه رآه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في الصلاة قد وضع شماله على يمينه، فجاء إليه وهو يصلي وأطلق يديه وجعل اليمنى على اليسرى بدل أن تكون اليسرى على اليمنى، وهو في صلاته، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مصلياً في تلك الحال؛ لأنه جاء في سنن ابن ماجه: (مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي قد وضعت شمالي على يميني، فأخذ يميني وجعلها على شمالي)، وهنا قال في الترجمة: الإمام الذي هو: الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المسلمين عليه الصلاة والسلام، فأطلق يديه، ووضع اليمنى على اليسرى، يعني عكس ما هو موجود، وهذا فيه الدليل على جواز مثل ذلك فيما إذا كان الأمر واضحاً جلياً، أما إذا كانت القضية فيها خلاف، وفيها أن الإنسان يخفى عليه بعض الأحكام، فلا يقدم على فعل مثل هذا العمل، والنسائي رحمه الله ما أطلق الترجمة فقال: الرجل يرى، وإنما قال: الإمام يرى الرجل قد وضع شماله على يمينه، ولم يقل: الرجل يرى، يعني حتى يكون يعني ذلك عاماً شاملاً، لكن لو وجد الإنسان ولده وضع شماله على يمينه، ويعرف أنه جاهل، فإنه يفعل هذا الفعل بأن يطلق اليسرى ويجعل اليمنى هي العليا والشمال تحتها، عكس ما فعل ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن هذا لا يسوغ لأي إنسان يرى إنساناً يعمل عملاً في الصلاة، والمسألة خلافية، فيأتي ويتصرف التصرف الذي يمنعه، بل يرشده إلى ما هو الأولى، اللهم إذا كان الأمر واضحاً، وهذا الشخص جاهل ليس على علم، أما إن فعله عمداً، وكان متبعاً في ذلك لقول من الأقوال، فمثل هذا لا ينفع فيه التغيير؛ لأنه لو أخرها سيرجعها كما كانت، أو لا يمكن أنه يسيء إليه، يعني هذا المصلي.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو الفلاس، وهو ثقة، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشيم].وهو ابن بشير الواسطي، وهو ثقة، كثير التدليس والإرسال الخفي، وقد مر بنا بيان الفرق بين التدليس والإرسال الخفي، وأن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي؛ لأنه لا يتنبه إلى الإرسال، أما إذا كان الراوي يروي عن شخص لم يدرك عصره يروي عنه بعن أو قال فإن هذا مرسل واضح جلي، أما إذا كان معاصراً له ولكنه لم يلقه، وروى عنه، فيكون من قبيل المرسل الخفي، إذاً هناك تدليس، وهناك إرسال خفي، فالتدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، أي: اعتبر لقيه، وأخذ عنه، فيروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم السماع كعن أو قال، أما إذا عاصره ولم يعرف أنه لقيه، فهذا هو الذي يقال له: المرسل الخفي؛ لأنه ليس كل يعرف هذا، بخلاف المرسل الجلي الواضح الذي يكون فيه الراوي لم يدرك عصر من روى عنه، فـهشيم معروف بالتدليس، وبالإرسال الخفي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن الحجاج بن أبي زينب].وهو صدوق يخطئ، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. [قال: سمعت أبا عثمان].أبو عثمان النهدي، واسمه: عبد الرحمن بن مل، أو مَل، أو مُل، مثلث الميم، وفيها الرفع، مُل، والفتح مَل، والكسر مِل، كلها يقال فيه هذا الاسم الذي هو اسم أبيه، وهو ثقة، ثبت، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن مسعود].عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الفقهاء المشهورين في الصحابة رضي الله تعالى عنه، وليس هو من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه متقدم الوفاة، والعبادلة الأربعة متقاربون في الوفاة، وهم من الصغار، وأما هو فليس من صغار الصحابة، وهو متقدم الوفاة عن العبادلة الأربعة، الذي هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة، وابن مسعود ليس منهم، وإن كان قال بعض العلماء: إنه منهم، إلا أن المشهور أنهم كلهم من الصغار الذين تأخرت وفاتهم وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يدركوا زمن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:41 PM
موضع اليمين من الشمال في الصلاة
شرح حديث وائل بن حجر في موضع اليمين من الشمال في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن زائدة حدثنا عاصم بن كليب حدثني أبي: أن وائل بن حجر رضي الله عنه أخبره أنه قال: (قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فنظرت إليه فقام فكبر ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها، قال: ووضع يديه على ركبتيه، ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها، ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه، ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: موضع اليمين من الشمال في الصلاة، أي الموضع الذي توضع فيه اليمين على الشمال في الصلاة؛ لأنه لو جاء غير مفصل، لاحتمل أن يضعها على الساعد كلها، ويحتمل أن تكون كلها على الكف، لكن حديث وائل بن حجر هذا بين أنها تكون على الثلاثة التي هي الساعد والرسغ الذي هو المفصل الذي بين الكف والساعد والكف، فتكون على الثلاثة، هذا هو موضعها كما جاء في حديث وائل بن حجر هذا الذي يصف به صفة صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإذاً ليس من السنة أن الإنسان يضعها كلها على ساعده أو على مرفقه أو يجعلها على كفه، وإنما يجعل اليمنى على الثلاثة: على الساعد، وعلى الرسغ الذي هو المفصل كما جاء في الحديث: (كان كم رسول الله إلى الرسغ)، أي: هذا المفصل الذي بين الساعد والكف، وعلى الكف، فهذه الثلاثة هي التي تكون عليها اليد اليمنى كما جاء مبيناً في هذا الحديث.إذاً الترجمة معقودة لبيان الموضع، والموضع هو: أن اليمنى توضع على الساعد والرسغ والكف. وائل بن حجر رضي الله عنه قال: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، أي: ينظر إليه حتى يعرف أفعاله عليه الصلاة والسلام، فنظر إليه فرآه حين كبر رفع يديه حتى حاذتا الأذنين، يعني في الرفع عند تكبيرة الإحرام، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى على الرسغ والساعد والكف.(ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد، فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها).أي: مثل الرفع الأول عند تكبيرة الإحرام، أي: أنه يرفع إلى أن يحاذي الأذنين.(ووضع يديه على ركبته).ثم لما ركع وضع يديه على ركبتيه، أي: كل يد وضعت على ركبة في حال الركوع.(ثم لما رفع رأسه رفع يديه مثلها).يعني: مثل الرفع الأول، أي: ثلاثة مواضع ترفع فيها الأيدي، وهذا جاء في حديث وائل، وجاء في حديث ابن عمر الذي سبق أن مر أنها ترفع في المواضع الثلاثة، وأيضاً الرفع مثل الرفع في الموضعين الأولين حتى يحاذي الأذنين.(ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه).أي: وضعهما على الأرض بحذاء الأذنين.(ثم قعد وافترش رجله اليسرى).أي: جلس على اليسرى وجعل اليمنى منتصبة أطرافها إلى القبلة، وأما اليسرى فافترشها ولم يتورك، وإنما جلس عليها، بخلاف التورك، فإن التورك يكون الورك على الأرض وما يكون على الرجل، والرجل تخرج من تحت القدم اليمنى في حال التورك، لكن في حالة الجلوس بين السجدتين السنة هي الافتراش، وهي الجلوس على الرجل اليسرى.(ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى).أي: في حال الجلوس بين السجدتين، جعل الكف على الركبة وعلى الفخذ جميعاً.(وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض اثنتين من أصابعه). وهما: الخنصر والبنصر.(وحلق).أي: وحلق الوسطى مع الإبهام، وجعلها حلقة، وجعل يشير بإصبعه يدعو بها يحركها، فهذه الهيئة تقبض الركبة مع الفخذ، وتلك توضع على الفخذ مع رفع المرفقين عن الفخذين.وهذا الحديث مشتمل على كيفية صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتفصيل في كثير من المواضع: في حال التكبير رفع اليدين عند الإحرام وعند الركوع، والرفع منه، وكذلك وضع اليمنى على اليسرى، وكذلك وضع اليدين على الركبتين في الركوع، ووضع اليدين حيال الأذنين عند السجود، وافتراش الرجل اليسرى عند الجلوس، ووضع اليد اليسرى في حال الجلوس بين السجدتين على الركبة والفخذ، واليمنى تحلق الإبهام مع الوسطى مع قبض الخنصر والبنصر، والإشارة بالسبابة يحركها يدعو بها.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في موضع اليمين من الشمال في الصلاة
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك].وقد مر ذكرهما قريباً.[عن زائدة].وهو ابن قدامة الثقفي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عاصم بن كليب].وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[يروي عن أبيه].أبوه عاصم بن شهاب، وهو صدوق، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن الأربعة.[عن وائل بن حجر]. وائل بن حجر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره قبل هذا.
النهي عن التخصر في الصلاة
شرح حديث: (أن النبي نهى أن يصلي الرجل مختصراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن التخصر في الصلاة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير عن هشام (ح) وأخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك واللفظ له عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مختصراً)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب النهي عن التخصر في الصلاة، والتخصر هو: وضع اليد على الخاصرة، أي يجعل يده على خاصرته، فبدلاً من أن يجعل اليمنى على اليسرى يجعل اليد على الخاصرة، فهذا هو المراد بالتخصر في الصلاة الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلي الرجل مختصراً، أي: واضعاً يده على خاصرته، أي: حال كونه مختصراً، بل السنة أن يضع اليمنى على اليسرى على صدره، هذه السنة، ووضعها على الخاصرة نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي نهى أن يصلي الرجل مختصراً)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. وهو ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[حدثنا جرير]. وهو ابن عبد الحميد الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. وهو ابن حسان، وهو ثقة، قيل: إنه أثبت الناس في حديث ابن سيرين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا سويد بن نصر]. (ح)، وهذه حاء التحويل من إسناد إلى إسناد، قال: وأخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك واللفظ له، وقد مر ذكرهما، ولما ذكر النسائي الإسنادين بين من له اللفظ، وأنه لـعبد الله بن المبارك. [عن ابن سيرين].وهو محمد بن سيرين البصري، وهو محدث، ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة].أبو هريرة صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
شرح حديث ابن عمر في نهي النبي عن وضع اليدين على الخصر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان بن حبيب عن سعيد بن زياد عن زياد بن صبيح قال: (صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما فوضعت يدي على خصري، فقال لي هكذا ضربة بيده، فلما صليت قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر ، قلت: يا أبا عبد الرحمن ، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه) ].أورد النسائي حديث ابن عمر رضي الله عنه أن زياد بن صبيح، قال: صليت إلى جنب عبد الله بن عمر، فوضعت يدي على خصري، فقال برجل جنبه هكذا، وضرب بيده على يده التي وضعها على خاصرته، يريد أن يترك هذا العمل الذي هو فيه، وكان لا يعرفه، فلما فرغ قال لرجل إلى جنبه: من هذا؟ أي: هذا الذي جواره، فقال: هذا عبد الله بن عمر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ يعني لما ضربه وهو في الصلاة على يده، قال: إن هذا هو الصلب، وقد نهى عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالصلب أنه يكون كهيئة المصلوب الذي يصلب على الجذع، فتكون هذه الهيئة تشبه هيئة المصلوب الذي يصلب على الجذع، فتكون يداه يد من هنا ويد من هنا على الخاصرة، فيكون كهيئة ذلك، وقد نهانا عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي فيه إسناد ذلك إلى الرسول؛ لأنه قال: قد نهانا عن ذلك، أي: أن نعمل هذا العمل الذي يشبه الصلب، وهو صلب المقتول الذي يقتل ويصلب في النخل، بحيث تجعل يداه تشبه هذه الهيئة التي يكون الإنسان فيها وهو يصلي. فقال لي هكذا، وهذا فيه إطلاق القول على الفعل؛ لأنه ما قال شيئاً، وإنما ضرب ضربة فقال هكذا، والقول يطلق على الفعل، وهذا منه، ويؤتى بالقول ويراد به الفعل، لأنه قال هكذا، وفعل هكذا، يعني فعل هكذا ضربة.(فلما صليت قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عنه).يعني ما رابك مني إذ ضربت على يدي؟ ماذا فعلت حتى تعمل هذا العمل؟ فقال: إن هذا هو الصلب، يعني عملك الذي عملته، وقد نهانا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في نهي النبي عن وضع اليدين على الخصر
قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة].صدوق، خرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سفيان بن حبيب].وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن سعيد بن زياد].سعيد بن زياد الشيباني، وهو مقبول، خرج حديثه أبو داود والنسائي.[زياد بن صبيح]. وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.[عن ابن عمر]. ابن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
الأسئلة
بيان موضع الخنصر والبنصر من الأصابع
السؤال: أين موضع الخنصر والبنصر من الأصابع؟الجواب: الخنصر والبنصر مقبوضتان، وأما الوسطى مع الإبهام فيحلق بهما، أي: تجعلان كالحلقة.
هل ثبت حديث في السكتة التي بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة؟
السؤال: هل ثبت حديث في السكتة التي بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة؟الجواب: ما أعلم، السكوت الذي ثبت هو السكوت الذي بعد التكبير وقبل القراءة كما جاء في حديث أبي هريرة الذي سيأتي: أن الرسول كان إذا كبر سكت هنيهةً ثم قرأ، فسأله أبو هريرة فقال: ما تقول؟ فأخبره بدعاء الاستفتاح، وأنه يقول دعاء الاستفتاح، أما السكوت بعد الفاتحة فما أعلم شيئاً يدل عليه.والسكوت كما هو معلوم قبل الفاتحة هو لدعاء الاستفتاح، فالإمام عندما يصلي بالناس يكبر ثم يأتي بدعاء الاستفتاح سراً بينه وبين نفسه، ثم يبدأ القراءة، وبعد الركوع ما أعلم شيئاً يدل على أنه يشرع له أن يسكت، لكن إذا كان يعني مثلاً أنه سكت ليختار سورة أو شيئاً ليقرأ به، فما هناك حرج في هذا، لكن كونه يسن أو يشرع للإنسان أن يسكت في هذا الوقت، ما نعلم شيئاً يدل عليه.
حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول
السؤال: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول: واجبة أو مستحبة؟الجواب: ليس بواجب في التشهد الأول، لكن من العلماء من قال: إنه يتشهد فقط، ولا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه يصلي على النبي، لكن ليس بواجب في التشهد الأول، وإنما هو في التشهد الأخير، ويعتبر من أركان الصلاة عند بعض العلماء.
التختم للرجال إنما يكون بالفضة
السؤال: ما حكم تختم الرجل أو المرأة بخاتم من حديد أو نحاس؟الجواب: جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه حلية أهل النار، فلا يتختم بالخاتم من الحديد، وإنما الخاتم يكون من الفضة بالنسبة للرجال.
أي شيء يباع ويشترى وبلغ النصاب وحال عليه الحول يزكى عليه
السؤال: هل في الدكان والبقالة الصغيرة التي تبيع بعض المواد الغذائية زكاة؟الجواب: كل ما يعد للبيع والشراء إذا بلغ نصاباً ففيه الزكاة، يعني إذا بلغت هذه البضاعة نصاباً، فإنه يكون فيها زكاة بقالة أو غير بقالة، فأي شيء يباع ويشترى وله تجارة معينة قلت أم كثرت إذا حال الحول وبلغ القيمة مع النقود المتوفرة نصاباً فأكثر، فإنه يزكى.
السنة بعد دفن الميت أن يقال استغفروا له واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل
السؤال: هل السنة بعد دفن الطفل الصغير أن يقال: استغفروا لوالديه، أم هناك سنة غير ذلك؟الجواب: ما نعلم شيئاً يدل عليه، ما نعلم أنه يقال: استغفروا لوالديه، وإنما ورد في الكبير قال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل)، هكذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الصغير فما نعلم شيئاً يدل عليه.وكما هو معلوم فهؤلاء الذين هم غير مكلفين يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء النتيجة يتبين السعادة من الشقاوة، أو السعداء من الأشقياء.
حكم تشميت المرأة الأجنبية
السؤال: إذا عطست امرأة أجنبية عني وهي تمر بجانبي فقالت: الحمد لله، فهل من الواجب أن أشمتها؟الجواب: يمكن أن يشمتها مثل ما يرد السلام، لكن إذا كان الكلام هذا يصير فيه مدخل ووسيلة إلى التحدث فلا يجوز ذلك، أما إذا كان مجرد أن حمدت الله وقلت: يرحمك الله، وقالت: يهديكم الله ويصلح بالكم وهي ماشية في الطريق فما في ذلك شيء.
التوفيق بين حديث: (التمس ولو خاتماً من حديد) وحديث: (هو حلية أهل النار)
السؤال: جاء في الحديث (التمس ولو خاتماً من حديد)، فكيف نوفق بينه وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هو حلية أهل النار)؟الجواب: الحديث الأول معلوم وهو حديث الواهبة، والحديث في الصحيحين، وقال: (التمس ولو خاتماً من حديد)، فبحث ولم يجد حتى خاتماً من حديد، والمقصود من ذلك التفاهة، ولهذا قال: ولو، إشارة إلى حقارته وقلته، فالتعبير بـ(لو) يعني يشعر بهذا، فالتختم كما هو معلوم لا يتختم به، لكن يمكن أن يكون ذلك قبل أن يأتي ما يدل على التحريم، أو أنه يتخذ ولكنه لا يعني أن يتختم به، بمعنى أنه يمكن أن يستعمل في أمور أخرى، ويحتمل كما ذكرت أن يكون قبل أن يأتي النهي عنه، وبيان أنه من حلية أهل النار، والمقصود من ذلك الإشارة إلى حقارة وقلة المهر عند الحاجة إلى ذلك.
حكم توصيل بعض النساء إلى مدارس التحفيظ بسيارة الأجرة
السؤال: هذا السائل صاحب سيارة يسأل عن حكم توصيل بعض النسوة إلى مدارس تحفيظ القرآن، وإرجاعهن إلى بيوتهن؟الجواب: ما يصح للإنسان أن يركب معه امرأة أجنبية في سيارته، هذا لا يجوز للإنسان؛ لأن هذا فيه وسيلة إلى إيقاع الشيطان بينهما، ويمكن أن يهرب بها ويذهب بها كما يريد وهي في هذه السيارة، فليس للإنسان أن يفعل هذا، ولا يجوز له، بل إذا كان معها محرم فعل وإلا تركها.ولو كان ذلك في داخل البلد؛ لأن المحظور يحصل ولو كان في داخل البلد، فلا يجوز لصاحب سيارة أجرة أن تركب معه امرأة، فقد يوقع الشيطان بينهما ويذهب بها حيث أراد وهي في داخل السيارة ما تستطيع تنزل.
المقصود من تبويب النسائي في قوله: (الإمام إذا رأى الرجل..) المقصود به إمام المسلمين
السؤال: بوب النسائي رحمه الله في الإمام إذا رأى الرجل، هل الإمام إمام الصلاة أو إمام المسلمين؟الجواب: الذي يظهر أنه إمام المسلمين؛ لأنه قال: (مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فدل هذا على أنه الإمام الأعظم والإمام الأعظم هو رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:43 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(167)
(باب الصف بين القدمين في الصلاة) إلى (باب نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة)
حث الشارع المصلي على رص قدميه في الصلاة، وعلى محاذاة من على يمينه ومن على شماله من أجل تسوية الصفوف، وألا يدع فرجات للشيطان الذي يدخل من الخلل.
الصف بين القدمين في الصلاة
شرح طريقي حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصف بين القدمين في الصلاة. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى عن سفيان بن سعيد الثوري عن ميسرة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة: أن عبد الله رأى رجلاً يصلي قد صف بين قدميه، فقال: خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل.أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة أخبرني ميسرة بن حبيب سمعت المنهال بن عمرو يحدث عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه رأى رجلاً يصلي قد صف بين قدميه، فقال: أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إلي].يقول النسائي رحمه الله: [الصف بين القدمين في الصلاة].مراده بهذه الترجمة هو أن المصلي عندما يقوم في الصلاة يقارب بين قدميه فيصفهما ويعتمد عليهما جميعاً، هذا هو المراد، لعل هذا هو المراد بالترجمة، وأورد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من طريقين: أنه رأى رجلاً قد صف بين قدميه فقال: خالف السنة، ولو راوح بينهما لكان أفضل. والرواية الثانية: ولو راوح بينهما لكان أعجب إليَّ.والمراد بالمراوحة: أنه يعتمد على هذه تارة، وعلى هذه تارة، فعندما يعتمد على الثانية تستريح الأخرى، ثم بعد أن تستريح وتكون الأخرى قد اعتمد عليها، يعتمد على الأخرى التي قد استراحت، ثم تحصل الراحة للرجل الأخرى، هذا هو المقصود بالمراوحة بين الرجلين. والحديث من هذين الطريقين فيه انقطاع؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو مرسل، يعني: فيه انقطاع، وعلى هذا فالحديث غير ثابت، يعني: كون أن المشروع هو المراوحة، وأنه لا يجوز صف القدمين، ليس هناك شيء يدل عليه، وإنما المشروع هو التقارب، كل إنسان يقرب من جاره إلى جهة الإمام، ويقرب رجله إلى رجله، ويكون منكبه بجوار منكبه، وليس هناك شيء يدل على مشروعية المراوحة، ولا على صفهما جميعاً وتلاصقهما، وكون المصلي يعتمد عليهما جميعاً، وإنما يكون الأمر في ذلك واسعاً، المهم أن الإنسان يقرب من جاره إلى جهة الإمام، ولا يكون هناك فرجة، بل تتقارب الصفوف ويحصل التراص فيها، هذا هو الذي جاءت فيه الأحاديث: رص الصفوف والتقارب بينها، وكون كل واحد يقرب من جاره حتى لا يدع فرجة للشيطان.إذاً: فالحديث من هاتين الطريقين غير ثابت؛ لما فيه من الانقطاع بين أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وأبيه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة من الطريق الأولى
قوله: [عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس، مشهور بهذه النسبة، وهو ناقد من النقاد، وكلامه في الرجال كثير، عندما يأتي الإنسان للتراجم وينظر في كلام المعدلين والمجرحين، يجد كلام الفلاس، أو نسبة التجريح أو التعديل إلى الفلاس كثيرة، وهو يأتي كثيراً بلفظ الفلاس، عندما يأتي في التعديل والتجريح للرجال، يقال: وثقه الفلاس أو ضعفه الفلاس، فهو مشهور بهذا، وهو لفظ مختصر يطلقونه كثيراً في التراجم عند ذكر توثيق الفلاس وتعديله للرجال، وهو عمرو بن علي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].يحيى، وهو: ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، الذي كلامه في الرجال كثير، ويأتي ذكره كثيراً يقال: وثقه القطان ضعفه القطان، فهذا هو الذي يأتي ذكره به كثيراً في كتب الرجال عند ذكر التراجم، وهو الذي قال فيه الذهبي في كتابه: من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، أن يحيى بن سعيد القطان إذا اجتمع هو وعبد الرحمن بن مهدي على تضعيف شخص، وعلى جرحه فهو لا يكاد يندمل جرحه، يعني: معناه أنهما يصيبان الهدف، ويصيبان في قولهما، ولا يكادان يخطئان، وهذه الكلمة من الذهبي تبين عظم شأن كلام هذين الرجلين إذا اجتمعا واتفقا على تضعيف شخص، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان بن سعيد الثوري].سفيان بن سعيد الثوري، هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، الثبت، الحجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا وصف عال، ولقب رفيع، لم يظفر به إلا النادر القليل من المحدثين، مثل: سفيان هذا، ومثل: شعبة بن الحجاج، ومثل: إسحاق بن راهويه، ومثل البخاري، والدارقطني، وغير هؤلاء، وصفوا أو كل واحد منهم وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل.وعندما يكون الثقات في القمة من الثقة والعدالة، يميزون بين الشخصين بأن يعدوا أخطاء هذا وأخطاء هذا، فإذا كان بالإحصاء أن أخطاء هذا أقل، اعتبروه أعلى ممن زادت أخطاؤه ولو قليلاً، وإذا كانت الزيادة يسيرة بين هذا وهذا، يقدمون هذا الشخص على ذاك الشخص بالتفاوت بينهما في قلة الخطأ، وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ميسرة].ميسرة، هو: ميسرة بن حبيب النهدي، وهو صدوق، خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن المنهال بن عمرو].المنهال بن عمرو، هو: الأسدي الكوفي، وهو صدوق، خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري روى عنه أثراً في أول تفسير سورة فصلت عن ابن عباس طويل، وكان من عادة البخاري أنه يأتي بالإسناد في الأول، ويأتي بالمتن في الآخر، إلا أنه في هذا الإسناد عكس فجعل المتن في الأول والإسناد في الآخر، وذكر الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الأثر: أن صنيع البخاري هذا يشعر بأن الإسناد يقلَّ عن شرطه، أو أنه لا يصل إلى شرطه، ولكنه من قبيل ما يحتج به، وفي إسناده المنهال بن عمرو الأسدي هذا، وقد خرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي عبيدة].أبو عبيدة، هو: ابن عبد الله بن مسعود وقيل: إن اسمه كنيته: أنه لا اسم له غيرها، وقيل: إن له اسم آخر غير الكنية، واختلف فيه على أقوال، لكن هو مشهور بالكنية أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، خرج أحاديثه أصحاب السنن الأربعة.[عن عبد الله].وهو: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من المهاجرين، وهو رضي الله عنه من فقهاء الصحابة، وليس من العبادلة الأربعة المشهورين في الصحابة؛ لأنه متقدم عليهم، وهم متأخرون، وهم من صغار الصحابة، وهو ليس من الصغار، وقد عاشوا بعده زمناً، وأدركهم من لم يلق ابن مسعود، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، فهؤلاء هم المشهورون بلقب العبادلة إذا قيل: وقال به العبادلة من الصحابة، أي: هؤلاء الأربعة، وابن مسعود ليس منهم، وبعض العلماء عد ابن مسعود منهم، وأسقط واحداً من الأربعة، لكن ليس هذا هو الصحيح، بل الصحيح المشهور هو: أن العبادلة الأربعة هم من صغار الصحابة، والذين كانوا في زمن متقارب، والذين عاشوا بعد ابن مسعود زمناً، وأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، وروى عنهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث ابن مسعود خرجه أصحابه الكتب الستة.هذا هو الطريق الأول، والإسناد كما عرفنا فيه: أبو عبيدة عن أبيه، وروايته عن أبيه منقطعة، لم يسمع من أبيه، فهو من قبيل المرسل، لكن هذا الإرسال ليس هو المرسل المشهور في عرف المحدثين: لأن المشهور في عرف المحدثين: أن يقول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، هذا هو المشهور، وعند الفقهاء: المرسل هو الذي فيه انقطاع، رواية الراوي عن من لم يلقه، فهذا من قبيل المرسل، وعلى هذا فالإسناد ضعيف، يعني: ليس بثابت لما فيه من الانقطاع.
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الصف بين القدمين في الصلاة من الطريق الأخرى
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود، وهو: أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وكنيته أبو مسعود، وقد ذكرت فيما مضى أن من أنواع علوم الحديث معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وأن فائدة ذلك دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بالكنية، مع أنه مشهور بالنسب، إسماعيل بن مسعود لو جاء إسماعيل أبو مسعود، فمن لا يعرف أن كينته أبو مسعود يظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، ولكنه صواب، إن جاء إسماعيل أبو مسعود، أو جاء إسماعيل بن مسعود، الكل صواب؛ لأن أباه مسعود وكنيته أبو مسعود.[حدثنا خالد].خالد، هو: خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة، هو: شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، إمام في الجرح والتعديل، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، مثل ما حصل بالنسبة لسفيان الثوري، فقد أشرت إليه آنفاً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني ميسرة بن حبيب سمعت المنهال بن عمرو].ثم بعد ذلك يتفق الإسنادان ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن أبيه، والعلة التي في الإسناد الأول، هي في هذا الإسناد؛ لأنه من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وروايته عن أبيه مرسلة وهو منقطع، فلا يثبت الحديث من هذين الطريقين.وقول الصحابي: من السنة كذا، أو خالف السنة، يريدون بذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابي إذا قال: من السنة كذا، أو السنة كذا، أو تلك السنة، يقصد بذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، و(أل) فيها للعهد الذهني، يعني: ليس المراد بها سنة أخرى، يعني: سنة التابعين، أو روايات الصحابة، يعني الأقوال التي قيلت عنهم، وإنما المقصود بها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، أما غير الصحابي لو قال: من السنة كذا، فلا يكون مثل قول الصحابي: من السنة كذا؛ لأنه يحتمل أن يكون عن الصحابة، وأن هذا مما هو معروف عن بعض الصحابة.
سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة
شرح حديث: (أن رسول الله كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)].أورد النسائي [سكوت الإمام بعد افتتاحه الصلاة].يعني: بعد التكبير، بعد كونه يفتتح الصلاة بالتكبير يسكت، وذلك في الصلاة الجهرية كما هو معلوم؛ لأنها هي التي يتبين بها السكوت، بخلاف السرية فإنها كلها سكوت، فإذا كبر سكت، ثم أتى بالفاتحة، فهذه السكتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا افتتح الصلاة يسكت؛ ليأتي بدعاء الاستفتاح، كما جاء في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا، وهذا مختصر من الحديث الذي بعده؛ لأن الحديث الذي بعده: سأل أبو هريرة الرسول صلى الله عليه وسلم: ماذا تقول في هذا السكوت الذي بين التكبير والقراءة فبين له الدعاء الذي هو دعاء الاستفتاح، أو نوعاً من أنواع أدعية الاستفتاح الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.إذاً: السكوت بعد تكبيرة الإحرام، وقبل القراءة للإتيان بدعاء الاستفتاح، هذه سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعندما يدخل الإمام في الصلاة ويكبر، يسكت وقتاً يقرأ فيه دعاء الاستفتاح بينه وبين نفسه سراً، ثم بعد ذلك يأتي بالقراءة، فيبدأ بقراءة الفاتحة ثم بالسورة.والحديث هنا أورده المصنف من أجل السكوت بعد التكبير، وهذا هو مقصوده من إيراد هذه القطعة من الحديث، التي فيها ما يدل على السكوت، مع أنه جاء عن أبي هريرة مطولاً، وفيه ذكر دعاء الاستفتاح.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:46 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة)
قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].محمود بن غيلان، هو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له أبو داود.[حدثنا وكيع].وكيع وهو: ابن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].سفيان وهو: ابن سعيد بن مسروق الثوري، الذي تقدم ذكره قريباً، وهو هنا مهمل لم ينسب، وفي طبقته سفيان بن عيينة، وهما في زمن واحد، ويشتركان في التلاميذ والشيوخ كثيراً، ولهذا يقال في بعض التراجم فيمن دونهما: روى عن السفيانين، وفيمن فوقهما: روى عنه السفيانان، والمراد: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، فهما في زمن واحد، إلا أن الثوري كوفي وابن عيينة مكي.والطريقة المتبعة عند العلماء في معرفة تمييز المهمل: إما بالرجوع إلى الأسانيد إذا كانت الأسانيد متعددة، وبذلك قد ينسب هذا المهمل في بعضها فيتضح المقصود؛ لأنه جاء في إسناد نفس الحديث إلا أنه عند مخرج آخر خرجه، وجاء مسمى منسوباً. إذاً: يعرف المهمل بهذه الطريقة.الطريقة الثانية: أن يعرف هل هذا الراوي الذي هو وكيع، أو الشخص الذي فوقه الذي روى عنه سفيان، وهو عمارة بن القعقاع.فـوكيع روى عن سفيان، وسفيان روى عن عمارة بن القعقاع.يعني: ينظر في تلاميذ الشيوخ، هل روى عنه الاثنان معاً، أو روى عنه أحدهما؟ فإذا وجد مثلاً في مثل تهذيب الكمال: أنه ما روى له إلا أحدهما، عرف بأن هذا هو الذي روى عنه؛ لأنه سمي ولم يسم الآخر، ما ذكر في الشيوخ ولا في التلاميذ مثلاً.والطريقة الثالثة: إن اشتركا في الشيوخ والتلاميذ، بأن يكون الذي دونه روى عن الاثنين، وهما رويا عن من فوقهما، عند ذلك ينظر إلى كثرة الملازمة وكثرة الاتصال، وكونه من بلده، فهذه ترجح أحد الشخصين على الآخر، هذا إذا اتفقا في الشيوخ والتلاميذ.وهنا: وكيع بن الجراح كوفي، وسفيان الثوري كوفي، ووكيع معروف بالإكثار عن الثوري والإقلال عن ابن عيينة، وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إنه يحمل على أنه الثوري؛ لأن وكيعاً معروف بكثرة الرواية عنه، وليس ابن عيينة؛ لأنه مقل من الرواية عنه، فعندما يأتي مهملاً، والراوي وكيع يحمل على أنه الثوري؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن الثوري، مقل من الرواية عن ابن عيينة، فيحمل على من يكون أكثر رواية عنه.ووكيع خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وسفيان الثوري كما ذكرت تقدم ذكره قريباً، وأنه ممن وصف بأمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عمارة بن القعقاع].عمارة بن القعقاع، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير]هو ابن عبد الله البجلي، جده جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو زرعة هذا ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي زرعة، واختلف في اسمه على أقوال، لكن شهرته إنما هي بكنيته أبي زرعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وأبو زرعة هذه الكنية اشتهر بها جماعة، لكن إذا جاء في عصر التابعين، يعني: ممن يروي عن الصحابة، فالمراد به هذا ابن عمرو بن جرير؛ لأنه يروي عن الصحابة، وإذا جاء في القرن الثالث الهجري فهو: أبو زرعة الرازي، الذي روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً، وهو عبيد الله بن عبد الكريم، وهناك أبو زرعة الدمشقي، وهو بعده بقليل، وهناك أبو زرعة العراقي، وهو متأخر في القرن التاسع، يعني: ابن عبد الرحيم العراقي صاحب الألفية، ابنه مشهور بكنيته أبو زرعة، فأبو زرعة كنية اشتهر بها عدد، لكن بمعرفة أزمانهم يعرف كل واحد ولا يلتبس، وأبو زرعة هذا متقدم؛ لأنه في زمن التابعين، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق.
الدعاء بين التكبيرة والقراءة
شرح حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)].أورد النسائي الترجمة [باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة].التكبيرة التي هي: تكبيرة الإحرام، والقراءة التي هي: قراءة الفاتحة، يعني: ما هو الدعاء الذي يدعى به بين التكبيرة الأولى، التي هي تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة؟ أورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يقول فيه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسكت بعد التكبير هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول بين التكبير والقراءة؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، هذا هو الدعاء الذي كان يدعو به الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في الاستفتاح، بعد أن يأتي بتكبيرة الإحرام، وقبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة، يدعو بهذا الدعاء، الذي سأله عنه أبو هريرة، وأجابه صلى الله عليه وسلم عن سؤاله.وهذا يدل على مشروعية هذا الدعاء؛ لأن من أدعية الاستفتاح ما هو ذكر، مثل: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، هذا ذكر وثناء على الله عز وجل، وفي أدعية الاستفتاح ما هو دعاء، مثل هذا الحديث الذي معنا: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، فهذا دعاء، والحديث يدل على استحباب الإتيان بهذا الدعاء، وكذلك بغيره من الأدعية، لكن لا تجمع كلها في موضع واحد، ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى به، لكن لا يجمع بينها، وإنما يؤتى بهذا في بعض الأحيان، وبهذا في بعض الأحيان.ثم أيضاً يدل على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام الشرعية؛ لأن أبا هريرة سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدعاء، أو ماذا يقوله في هذا السكوت، فأجابه بذكر هذا الدعاء عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على حرص الصحابة على معرفة أمور الدين، وتلقيها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وسؤالهم إياه عن ما يحتاجون إلى سؤاله عنه، وتحملهم ذلك عنه، وتأديتهم ذلك الذي أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيرهم.وقوله: (بأبي أنت وأمي) هذا ليس قسماً، وإنما هو فداء، يعني: أنت مفدي بأبي وأمي، فداؤك أبي وأمي، هذا هو المقصود به، وليس من قبيل القسم، وهذه عبارة كانوا يستعملونها ولو كان الأب والأم توفيا؛ فإنها مستعملة عندهم، وجارية على ألسنتهم في التفدية، ولو كان هؤلاء الذين سيفدي بهم قد ماتوا، إلا أنه يدل على عظم شأن الذي يفديه ويعظمه، فقول أبي هريرة: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله)، أي: أنت مفدي بأبي وأمي يا رسول الله.والحديث سبق أن مر في أبواب الوضوء، وجاء هنا من أجل دعاء الاستفتاح.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].علي بن حجر، وهو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي.[أخبرنا جرير].جرير، وهو ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة].وهم رجال الإسناد المتقدم، وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا، الذي جاء المتن فيه مختصراً، وهنا مطولاً.
نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة
شرح حديث: (كان النبي إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة.أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي أخبرني شعيب بن أبي حمزة أخبرني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت)].أورد النسائي نوعاً آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة، نوعاً آخر من أنواع الاستفتاح، وهو دعاء أيضاً كالذي قبله؛ لأن فيه طلب ورجاء، فهو دعاء، والذي قبله دعاء، وسيأتي ما هو ذكر وثناء على الله عز وجل، وهذا الحديث يقول فيه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي).(كان عليه الصلاة والسلام إذا استفتح الصلاة كبر)، يعني: إذا أراد أن يستفتح الصلاة كبر؛ لأن افتتاح الصلاة بالتكبير، فالدخول بالصلاة هو بالتكبير، وقبل التكبير الإنسان ليس في صلاة، فإذا قال: (الله أكبر) لتكبيرة الإحرام دخل فيها، أي: الصلاة، ولهذا يقال: تحريمها التكبير، فإذا أراد أن يستفتح الصلاة كبر، يستفتحها بالتكبير، فهو بدايتها.قوله: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت).ففيه ثناء وفيه دعاء، في أوله ثناء وفي آخره دعاء، وقال: [نوع آخر من الدعاء بين التكبير والقراءة]، تغليباً لما جاء في آخره من الدعاء لسؤال أحسن الأخلاق، وأحسن الأعمال، وأنه لا يهدي إلى أحسنها إلا هو سبحانه وتعالى، ثم طلب الوقاية من سيئ الأعمال، فهو ذكر ودعاء، وهو نوع من أنواع الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: إن صلاتي ونسكي...)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد].عمرو بن عثمان بن سعيد، وهو: الحمصي، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا شريح بن يزيد الحضرمي].شريح بن يزيد الحضرمي، وذكر في ترجمته: أنه وثقه ابن حبان، ولم يذكر في ترجمته شيء من الحكم عليه سوى توثيق ابن حبان له.[أخبرني شعيب بن أبي حمزة].شعيب بن أبي حمزة، وهو: الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرني محمد بن المنكدر].هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جابر بن عبد الله].هو: جابر بن عبد الله الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي
الأسئلة
الاسترقاء لانصراف الخطاب بدون سبب يذكر
سؤال: أنا شابة أبلغ من العمر أربع وثلاثون سنة، كلما جاءني خطيب لا يقع النصيب، وبدأت أشك أن أكون مسحورة، خصوصاً وأن بعض الخطاب يوافقون ويتم كل شيء، ثم يغيرون رأيهم بدون أي سبب يذكر، فهل لي أن أذهب إلى بعض المشايخ أنا ومحرمي حتى يقرأ علي لعل الله أن يشفيني؟الجواب: لا بأس بالقراءة، أن تذهب إلى أحد ليقرأ عليها قرآناً ويرقيها برقية مشروعة، لا بأس؛ لأن من أصيب بمرض أو من حصل له شيء يكرهه، له أن يرقي نفسه، وله أن يرقيه غيره، لكن بالرقية المشروعة، المشايخ الذين هم أهل دين ما هم مشعوذون ودجالون، أما كونه يذهب إلى سحرة، أو إلى من يرقي رقى غير مشروعة، ليست من القرآن ولا من الأدعية المباحة، فهذا لا يجوز، أما الرقية إذا كانت من أحد مأمون لا يتهم بسوء فإنها مشروعة وسائغة.
عمل وليمة لرجل شيعي إذا كان مسئولاً في العمل
السؤال: يوجد رئيس في عملي شيعي، ولكنه لا يدعو إلى التشيع، والآن فصل من العمل لتقاعده لكبره، فهل لنا زملاؤه في العمل أن نعمل له وليمة وداع، ونحن أهل سنة؟الجواب: أبداً لا تعملوا له وليمة.
منع الزوجة من أداء كل الفروض في المسجد النبوي
السؤال: أنا من سكان جدة وأتيت إلى المدينة لزيارة بعض الأقارب لمدة أسبوع، ولكن زوجتي تريد أن تصلي كل الفروض في المسجد النبوي، وأنا أقول لها: يكفيك فرض في اليوم، فمن منا المصيب؟الجواب: على كل إذا أرادت أن تأتي لا تمنع، إذا كانت تأتي على هيئة ليس فيها محذور، لا تمنع من الإتيان للمسجد، إذا طلبت أن تأتي تأتي، حيث لا محذور في مجيئها، أما إذا كان لا يوافق على مجيئها لأمر محذور: كونها تخرج بحالة ما هي طيبة، فله منعها، فيمنعها من استعمال الطيب مطلقاً ليس في حال الذهاب إلى المساجد، بل في حال الخروج مطلقاً، حتى لا تفتن الناس، لكن لا تمنع النساء إذا أردن المساجد كما مرت بنا الأحاديث في ذلك: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
درجة حديث: (من صلى في مسجد أربعين صلاة كتبت له براءة من النفاق)
سؤال: حديث: (من صلى في مسجد أربعين صلاة يدرك التكبيرة الأولى ..) هل هو صحيح؟الجواب: الحديث ليس ثابت (من صلى في مسجد أربعين صلاة كتبت له براءة من النفاق)، ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:48 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(168)
(باب نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة) إلى (باب نوع آخر من الذكر بعد التكبير)
وردت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنواع من الأدعية عند ابتداء الصلاة، منها ما فيه ثناء، ومنها ما اشتمل على دعاء، وهذا يجعل العبد في صلاته أمام ربه بين الثناء والدعاء، فيثني على ربه بين يدي سؤاله؛ فإن الأمر كله لله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة
شرح حديث: (إن رسول الله كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءةأخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة حدثني عمي الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)]. يقول النسائي رحمه الله: نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة بين التكبير للدخول في الصلاة -الذي هو الإحرام- والقراءة التي هي قراءة الفاتحة، وقد سبق أن مر في حديث أبي هريرة: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كبر سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي ماذا تقول؟ يعني: بين التكبير والقراءة، فقال: أقول كذا) الحديث.وقد مر أيضاً بعد حديث أبي هريرة نوع آخر من أنواع الذكر أو من أنواع الدعاء، وهنا قال: نوع آخر من أنواع الذكر والدعاء، قال: الذكر والدعاء، جمع بينهما لأن هذا الاستفتاح أو هذا الدعاء والذكر مشتمل على ذكر ودعاء، ليس ذكراً فقط وليس دعاءً فقط، وإنما هو جامع بين الذكر والدعاء، فأوله ثناء على الله عز وجل.. (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)، كل هذا ذكر لله عز وجل، ثم جاء بعد ذلك الدعاء، وهو سؤال الله عز وجل بأن يهديه لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنه سيئها لا يصرف عنه سيئها إلا هو، وأن يغفر له الذنوب لا يغفر الذنوب إلا هو، فهذا كله دعاء؛ لأن فيه ذكر وثناء على الله، ودعاء هو طلب من الله وسؤال من الله عز وجل.قوله: عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)].قوله: (إذا استفتح)، أي: إذا أراد أن يستفتح؛ لأن التكبير وهو: الاستفتاح، وهو البداية، هو: التحريم، يعني: أنه إذا أراد أن يدخل في الصلاة كبر؛ لأن تحريمها التكبير، وقبل أن يقول الإنسان: الله أكبر، له أن يفعل ما يشاء مما كان يفعله قبل الدخول في الصلاة، فإذا قال: الله أكبر دخل في الصلاة، فحرم عليه بعدها ما كان حلالاً عليه قبلها مما لا يجوزه في الصلاة من الكلام والأكل والشرب وغير ذلك من الأمور، والذهاب والالتفات، وغير ذلك من التصرفات التي لا تسوغ.قوله: (ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).(وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين)، فهو اتجه إلى الله عز وجل، وأقبل على الله، ودخل في صلاة يناجي فيها الله، ولهذا فقد وجه وجهه إليه، وأقبل بقلبه وكليته إليه، يسأله ويرجوه، ويعبده ويثني عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى.ثم قال: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، (إن صلاتي)، الصلاة التي هي هذه الصلوات الركوع والسجود، (ونسكي): الذبح، والذبح هو لله عز وجل، الصلاة لله والذبح لله وجميع أنواع العبادة لله عز وجل، ثم أتى بعد ذلك بما هو عام يشمل الدنيا والآخرة، والحياة والممات، (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، كل شيء له، وكل شيء بيده، وكل شيء في تصرفه؛ فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، هو الخالق وحده لا شريك له، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فكما أنه لا خالق إلا الله ولا رزاق إلا الله، فلا معبود بحق سواه.قال: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت).وهذا من التوسل بأسماء الله عز وجل، وأن الإنسان يجعل بين يدي دعائه ثناء على الله عز وجل، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت! ظلمت نفسي.. أو يثني على الله عز وجل، وأنه هو الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، المالك لكل شيء، ثم أيضاً كما أنه هو الملك المتفرد بالملك فهو المتفرد بالعبادة، والمستحق للعبادة، ففي ذلك ثناء على الله عز وجل بأفعاله، وبأسمائه، وبربوبيته، وملكه، وكذلك أيضاً اعتراف بأنه هو الإله الحق الذي لا تصلح العبودية إلا له سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره سبحانه وتعالى؛ لأنه الخالق وغيره مخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق، ولا تكون للمخلوق؛ لأن هذا الذي يتعبد مخلوق، فالمخلوق لا يعبد مخلوقاً، ولا يتعبد إلى مخلوق، وإنما يعبد الخالق، والله عز وجل خلق الخلق لعبادته، قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالعبادة حق الخالق، ولا يجوز أن يصرف المخلوق منها شيئاً للمخلوق، بل هي كلها للخالق وحده لا شريك له.
الاعتراف بالخضوع والعبودية لله في استفتاح الصلاة
وقوله: (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنا عبدك ظلمت نفسي)، فيه اعتراف بالذل والخضوع والعبودية لله عز وجل، والله عز وجل ذكر في كتابه العزيز، وصف رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الذي هو كونه عبد لله، وهذا من أخص أوصافه أن يكون عبداً لله عز وجل، ولهذا عندما يأتي ذكر الأمور العظام يذكر بلفظ العبد، كقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، في الإسراء، تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19]، فيأتي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بوصف العبودية لله عز وجل، وأنه عبد لله في المقامات العالية والمقامات الشريفة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أيضاً يعجبه ذلك، ويحب أن يوصف بأنه عبد الله، ولهذا قال في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، إنما أنا عبد لله، فقولوا: عبد الله ورسوله، فهو عليه الصلاة والسلام، يحب أن يثنى عليه وأن يذكر بأنه عبد لله ورسوله، أنه عبد لله ورسول له صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فوصف العبودية والرسالة من أخص أوصافه، وكان يحب أن يذكر بهذين الوصفين، ولهذا قال: (فقولوا: عبد الله ورسوله)، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، فما دام أنه عبد لله، فالعباد يعبدون الله ولا يُعبدون، وهو رسول الله فلا يكذب، بل يطاع ويتبع، ويصدق في كل ما جاء به عن الله سبحانه وتعالى.وقوله: (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)، يعني: هذا كله تذلل وخضوع لله عز وجل، أولاً: ثناء على الله عز وجل بأنه الملك، وأنه الذي لا إله إلا هو، ثم اعتراف بذله وخضوعه وعبوديته لله بقوله: أنا عبدك، ثم قال بعد ذلك: (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي)، ثم بعد ذلك دخل في المطلوب الذي مهد له بهذا التمهيد، وهو السؤال والطلب من الله عز وجل: فقال: (فاغفر لي).قوله: (فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت)، فهو سؤال من الله عز جل أن يهديه لأحسن الأخلاق، وأن يقيه سيئ الأخلاق، وأن يصرف عنه سيئ الأخلاق، ومع طلبه يثني على الله عز وجل، طلبٌ أولاً وثناء بعد ذلك، فإن قوله: (واهدني لأحسن الأخلاق) هذا دعاء، (لا يهدي لأحسنها إلا أنت) ثناء على الله عز وجل، (واصرف عني سيئها) هذا دعاء، (لا يصرف عني سيئها إلا أنت) ثناء على الله عز وجل.وقوله: [(لبيك وسعديك والخير كله في يديك)].يعني: أنك دعوتني وأمرتني بأن أصلي لك، وها أنا أوجه وجهي إليك، وأتجه إليك، وأصلي لك، وأستجيب لأمرك، وأخضع لأمرك، (والخير بيديك)، كل خير فهو من الله عز وجل، ما بالناس من نعمة إلا وهي منه سبحانه وتعالى، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فالخير كله من الله.
معنى قوله: (والشر ليس إليك)
ثم قال: [(والشر ليس إليك)]، من المعلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة: أن كل ما يقع في الكون والوجود، فهو بقضاء الله وقدره، وبخلقه وإيجاده، لا يكون في الكون شيء بغير إرادته ومشيئته وبغير خلقه وتكوينه سبحانه وتعالى؛ فالله تعالى خالق كل شيء، وهو على كل شيء قدير، فكل ما يقع في الكون فهو خلق الله، وهو إيجاد الله، ولا يقع إلا بمشيئة الله وإرادته سبحانه وتعالى.وقوله: [(والشر ليس إليك)]، ليس معنى ذلك: أن الله سبحانه وتعالى ليس خالق الشر، بل هو خالق كل شيء، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، فكل شيء خلقه، وكل مخلوق خلقه، وليس هناك إلا الخالق والمخلوق، والله تعالى هو الخالق وغيره المخلوق، والمخلوق منه ما هو خير ومنه ما هو شر، وكل ذلك خلق الله عز وجل وإيجاده، لكن الله عز وجل لا يخلق شراً محضاً لا يترتب عليه فائدة ولا يترتب عليه مصلحة، ويكون شراً من جميع الوجوه بحيث لا يكون فيه خير أصلاً، ولا يؤدي إلى خير، ولا يفضي إلى خير، فالله تعالى لا يخلق خلقاً يكون كذلك، ولكنه يخلق كل شيء لحكمة وبحكمة سبحانه وتعالى؛ فخلقه الشر لحكمة، وإيجاده الشر لحكمة، وهذه الحكمة منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو غير ظاهر، لكنه لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه خير بوجه من الوجوه، ومن المعلوم أن الجهاد في سبيل الله عز وجل، لما شرعه الله وأوجده، وجعله من أحب الأعمال وخير الأعمال، فهو لا يكون إلا بوجود الخير والشر، وبوجود الأخيار والأشرار، ولو جعل الله الناس أمة واحدة، ولو جعل الله الناس كلهم على الهدى، ما حصلت مقتضى هذه الحكمة، التي هي تميز أولياء الله من أعداء الله، والله عز وجل يقول: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149]، وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13]، فالله عز وجل قدر وقضى أن يكون الناس فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، وهؤلاء الذين هم فريق السعير، والذين هم أهل السعير، الله تعالى يبتلي بهم أولياءه ليجاهدوا في سبيله، وليدعوا الناس إلى الحق والهدى، كما قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ [يونس:25]، يعني: يدعو كل أحد، إلى دار السلام، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25].إذاً: فالحديث لا يدل على أن الشر لا يضاف إلى الله خلقاً وإيجاداً وأن الشر له خالق غير الله، أبداً؛ كل شيء هو خلق الله وإيجاده، لكن الله عز وجل لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه بوجه من الوجوه، ولا يترتب عليه خير ولا يترتب عليه مصلحة وفائدة بوجه من الوجوه.ثم أيضاً مما يناسب هذا المعنى أن يقال: إن الشر لا يضاف إليه استقلالاً وانفراداً، ولا يثنى على الله عز وجل بإضافة الشر إليه بأن يقال: يا خالق الشر! أو يا خالق الحيات! أو يا خالق العقارب! أو ما إلى ذلك من الأمور التي فيها شر، فلا تضاف إليه استقلالاً، ولكنها تضاف إليه في العموم، مثل قوله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2]؛ لأن كل شيء خلقه، وفيه خير وفيه شر، فالاستعاذة من شر ما خلق، فلا يضاف الشر إلى الله عز وجل على سبيل الانفراد، وأن يخاطب ويدعى بكونه خالق الشر، وإنما يدعى بأنه خالق الخلق، وخالق السماوات والأرض، وكل ذلك الخير والشر يدخل في عموم خلقه سبحانه وتعالى، لكن كونه يدعى به استقلالاً وينادى به استقلالاً فلا يصلح ولا يناسب.ولهذا لما ذكر الله عز وجل عن الجن في سورة الجن عند ذِكر الخير والشر، جاء ذكر الشر غير مضاف وغير منسوب إليه، وبني للمجهول، وأما الخير فأضيف إلى الله عز وجل: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، مع أن الله تعالى هو الذي يريد الخير وهو الذي يريد الشر، لكن هذا من الأدب بأن الشر لا يضاف إليه على سبيل الاستقلال، والخير يضاف إليه، وكل شيء يضاف إليه هو على سبيل الإجمال، وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]، فعند الخير قال: أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ، وعند الشر قال: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ، والذي أراد هو الله عز وجل.إذاً: هذا هو معنى قوله: [(والشر ليس إليك)]، ولهذا لا حجة للمعتزلة القائلين بأن العباد يخلقون أفعالهم، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، والمعاصي هم التي يوجدونها، والله تعالى ليس خالقاً لها، الله تعالى يقول: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فالله تعالى خالق العباد، وخالق أفعال العباد، وكل شيء في الوجود فهو خلقه، ما يكون حركة ولا سكون، ولا وجود لذرة، ولا وجود لخير أو شر إلا بمشيئة الله وإرادته؛ فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22].قوله: [(أنا بك وإليك)].(أنا بك): عائذ بك، ومعتصم بك، وملتجئ إليك، وصائر إليك، وآيل إليك، فأنا بك وإليك.[(تباركت وتعاليت)].ثناء على الله عز وجل.[(أستغفرك وأتوب إليك)].استغفار وتوبة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:52 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو: الفلاس، وهو ثقة، محدث، ناقد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن مهدي].عبد الرحمن بن مهدي، وهو كذلك محدث، ناقد، ثقة، ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة].عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وهو: الماجشون، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني عمي الماجشون].هو الماجشون بن أبي سلمة، الماجشون هو: أخو عبد الله؛ لأن ذاك عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وهذا الماجشون بن أبي سلمة.[عن عبد الرحمن الأعرج].عبد الرحمن الأعرج، وهو: عبد الرحمن بن هرمز، ولقبه الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن أبي رافع].عبيد الله بن أبي رافع، أبو رافع هو: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبيد الله هذا ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان كاتب علي بن أبي طالب.[عن علي بن أبي طالب].أمير المؤمنين، أبي الحسنين، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره على ابنته فاطمة، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً...)
[أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي حدثنا ابن حمير حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر وذكر آخر قبله، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ثم يقرأ)].ثم أورد النسائي بعد ذلك حديث محمد بن مسلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتعلق بالذكر والدعاء بعد التكبير، وكان هذا في صلاة التطوع، وهو قريب من الذي قبله، يعني: ما ورد فيه قريب مما ورد في الذي قبله.وهذا في الحقيقة هو ثناء وذكر، وليس فيه دعاء، ليس فيه دعاء، وإنما هو ذكر فقط، واشتمل الحديث الذي قبله على أكثر هذا الذكر، وليس فيه دعاء؛ لأنه ليس فيه طلب، وإنما كله ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً...)
قوله: [أخبرنا يحيى بن عثمان الحمصي].يحيى بن عثمان الحمصي، وهو صدوق، خرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه .[حدثنا ابن حمير].ابن حمير هو محمد بن حمير وهو صدوق، خرج له البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا شعيب بن أبي حمزة].هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].هو محمد بن المنكدر المدني، وهو ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[وذكر آخر قبله].قوله: (وذكر آخر قبله)، يعني: راو آخر قبل محمد بن المنكدر، والذي ذكر هذا شعيب.يعني أن شعيباً ذكر آخر قبل محمد بن المنكدر، يعني يروي عن اثنين، محمد بن المنكدر وآخر قبله، والذي يقول: (وذكر) هو من دون شعيب بن أبي حمزة، وفاعل ذكر هو شعيب، فاعل ذكر ضمير مستتر يرجع إلى شعيب بن أبي حمزة، يعني قال: من دون شعيب بن أبي حمزة، وذكر شعيب آخر قبل محمد بن المنكدر، ومن المعلوم عدم ذكره وعدم تسميته لا تؤثر؛ لأن الإسناد لا ينبني عليه، وإنما هذا المذكور، وهذا المثبت، وهذا المظهر الذي هو محمد بن المنكدر هو الذي عليه المعول، وذاك سواء جاء أو لم يأت، وسواء ذكر أو لم يذكر، يعني عدمه لا يؤثر وجهله لا يؤثر.[عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج].عبد الرحمن بن هرمز، وهو الأعرج وقد مر ذكره.[عن محمد بن مسلمة].محمد بن مسلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، قال الحافظ: إنه أكبر من يسمى محمد في الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة
شرح حديث: (أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال: (سبحانك اللهم وبحمدك...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءةأخبرني عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق حدثنا جعفر بن سليمان عن علي بن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي نوع آخر من الذكر، وهنا ما قال: والدعاء، قال: والذكر؛ لأنه ذكر وليس فيه دعاء، هو ثناء وليس فيه طلب، وإنما كله تعظيم لله وثناء عليه سبحانه وتعالى، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، فهذا كله ذكر وثناء على الله عز وجل.قوله: [(سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك)]، المراد بالجد هنا الجلال والعظمة، يعني: تعالت عظمتك، تعالى جلالك، هذا هو المراد بلفظ (الجد)، ولفظ (الجد) يأتي لمعاني منها: العظمة والجلال كما هنا، وكما في قول الله عز وجل عن الجن: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا [الجن:3]، فهنا المراد به الجلال والعظمة في الآية والحديث، ويأتي مراداً به الحظ والنصيب، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، يعني: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، فالجد يراد به الحظ والنصيب، ويأتي ويراد به اسم الجد الذي هو أبو الأب أو آباء الأب، فكلهم أجداد، ويقول الشاعر: (الجد بالجد)، يعني: الحظ والنصيب بالجد والاجتهاد لا بالكسل والخمول..الجَد بالجِد والحرمان بالكسلفانصب تصب عن قريب غاية الأملفقوله: الجد بالجد، يعني: الحظ والنصيب والفوائد تحصل بالجد والاجتهاد، والحرمان بالكسل؛ لأن الحرمان يقابل الجَد، والكسل يقابل الجِد.فإذاً: الجد يأتي بمعنى الجلال والعظمة كما في الحديث الذي معنا والآية في سورة الجن، ويأتي بمعنى الحظ والنصيب، ومنه الحديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، ويأتي مراداً به اسم أبي الأب الذي هو الجد.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك...)
قوله: [أخبرني عبيد الله بن فضالة].هو: عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي وحده.[أخبرنا عبد الرزاق].عبد الرزاق، وهو: ابن همام بن نافع الصنعاني، ثقة، حافظ، مصنف، وصاحب كتاب المصنف، وهو موسوعة كبيرة في الأحاديث والآثار، مثل مصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق، فمثل هذه الكتب فيها مظان الآثار عن السلف وكلامهم من الصحابة ومن بعدهم، فهو مشتمل على الأحاديث والآثار، أي: كتابه المصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ الإمام أحمد، وهو الذي روى عنه الإمام مسلم، وكذلك البخاري، فرووا أحاديث صحيفة همام بن منبه؛ لأنه من طريق عبد الرزاق، وصحيفة همام بن منبه تروى من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.[حدثنا جعفر بن سليمان].جعفر بن سليمان الضبعي وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، وكان يتشيع، وكذلك عبد الرزاق قالوا عنه: كان يتشيع، لكن سبق أن ذكرت أن تشيع عبد الرزاق هو من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه كما ذكرت مسألة خلافية عند أهل السنة لا يبدع من قال بها، وقد قال بها جماعة منهم: عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، والأعمش، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري.[عن علي بن علي].علي بن علي اليشكري البصري، وهو لا بأس به، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي المتوكل].أبو المتوكل الناجي، وهو: علي بن داود بن المتوكل الناجي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سعيد].أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حديث: (كان رسول الله إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك...) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده
[أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا زيد بن الحباب حدثني جعفر بن سليمان عن علي بن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)].أورد النسائي حديث أبي سعيد من طريق أخرى، وهو بلفظه، وهو مثله، إلا أنه جاء من طريق أخرى.قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].أحمد بن سليمان، وهو: الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، وخرج حديثه النسائي.[حدثنا زيد بن الحباب].زيد بن الحباب، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني جعفر بن سليمان عن علي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
نوع آخر من الذكر بعد التكبير
شرح حديث: (... الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه... قال النبي: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من الذكر بعد التكبيرأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا حجاج حدثنا حماد عن ثابت وقتادة وحميد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا، إذ جاء رجل فدخل المسجد وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أيكم الذي تكلم بكلمات؟ فأرم القوم، قال: إنه لم يقل بأساً، قال: أنا يا رسول الله! جئت وقد حفزني النفس فقلتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي نوع آخر من الذكر بعد التكبير، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل رجل قد حفزه النفس)، يعني: نفسه ثائر، ويسمع نفسه يخرج منه لشدة ثورانه، فقال: (الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم قال تلك الكلمات؟ فأرم القوم)، يعني: سكتوا ولم يتكلموا بشيء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه ما قال بأساً؛ لأنهم أولاً خشوا أن يكون أتى بأمر ينكر عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم بادر وقال: إنه لم يقل بأساً، يعني: ما قال شيئاً يذم عليه، فقال: أنا يا رسول الله! فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها، يعني: أيهم يأخذها ويرفعها إلى الله عز وجل، فهذا نوع من الذكر، وهو ذكر فقط وليس فيه دعاء، ولهذا جعل الترجمة نوع آخر من الذكر، ولم يقل: والدعاء.
تراجم رجال إسناد حديث: (... الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه... قال النبي: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها)
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى، وهو: أبو موسى الزمن، كنيته أبو موسى ولقبه الزمن، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وحديثه كما قلت عندهم بل هو من شيوخهم، وهو قرين محمد بن بشار بندار، الذي قال عنهما ابن حجر: وكانا كفرسي رهان.[حدثنا حجاج].حجاج هو حجاج بن المنهال البصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا حماد].حماد، هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن ثابت وقتادة وحميد].وهم ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة أيضاً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكذلك أيضاً حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والثلاثة يروون عن أنس.[عن أنس].أنس بن مالك، هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وثابت وقتادة وحميد كلهم شيوخ يروي عنهم حماد، ويروون ثلاثتهم عن أنس، والإسناد خماسي يعتبر من حيث العدد، من حديث الدرجات خماسي، وهؤلاء لا يحسبون في طول الإسناد؛ لأنهم في درجة واحدة، لأن بعضهم معطوف على بعض، وليس كل واحد يروي عن الثاني، فعند ذكر الطبقات، أو ذكر كونه من الرباعيات، أو الخماسيات، أو السداسيات يقال: خماسي؛ لأن فيه ثلاثة في طبقة واحدة: ثابت وحميد وقتادة، وهم من أهل البصرة.ثم أيضاً هؤلاء كلهم من أهل البصرة، لأن محمد بن المثنى بصري، والحجاج بن المنهال بصري، وحماد بن سلمة بصري، والثلاثة الذين هم في طبقة واحدة وهم: ثابت وقتادة وحميد كلهم بصريون، وأنس بن مالك بصري، فهو مسلسل بالرواة البصريين، وثلاثة منهم كما ذكرت في طبقة واحدة، فهو من الخماسيات.
الأسئلة
معنى اليد في قوله: (الخير كله في يديك)
السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (والخير كله في يديك)، هل يديك هنا على حقيقتها؟الجواب: نعم، قال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ينفق كيف يشاء [المائدة:64]، فقوله: (والخير كله بيديك) هي من جنس: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وفيها إثبات صفة اليدين لله سبحانه وتعالى.
أمور تزداد بها الخشية
السؤال: كيف تزداد خشية العبد ربه ويشعر دائماً أنه في مراقبة حتى يبتعد عن المعاصي؟الجواب: تزداد الخشية بأمور، منها: تذكر الآخرة، وتذكر الموت، وتذكر أن كل ما يعمله الإنسان فإنه يجده أمامه؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:55 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(169)
- باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة - باب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم)
دلت الأحاديث الواردة في شأن البسملة أنها آية من سورة الفاتحة، ولا حرج في الإسرار بها أو الجهر، لورود ذلك كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الإسرار بها أولى لثبوت الأدلة على ذلك في الصحيحين.
البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
شرح حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] )].يقول النسائي رحمه الله: باب البداءة بالفاتحة قبل السورة. لما فرغ النسائي رحمه الله من ذكر التكبير، وأنه تفتتح به الصلاة، وذكر ما يكون بين القراءة والتكبير، وهو أدعية الاستفتاح التي جاءت من طرق مختلفة، وبألفاظ وبصيغ متعددة، انتقل بعد ذلك إلى القراءة، إلى قراءة القرآن في الصلاة، فبدأ بهذه الترجمة وهي البداءة بقراءة الفاتحة قبل السورة، المصلي يقرأ ما تيسر من القرآن، ولكن الإتيان بسورة الفاتحة هذا أمر مطلوب ومتعين ولابد منه، ويقرأ بعدها ما تيسر من القرآن، وقراءة الفاتحة مقدمة على قراءة غيرها.وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، يستفتحون القراءة، يعني: أول شيء يقرأونه الفاتحة، وليس المقصود الاقتصار على: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؛ لأن المقصود من هذه الجملة أنهم يبدءون بالفاتحة، وكلمة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يراد بها الفاتحة، ولا يراد بها هذه الجملة التي هي أنه يقتصر عليها، وإنما يريدون بذلك أنهم يقرءون الفاتحة، وعبر عن ذلك بهذه الجملة منها، وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]. فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر، وعمر الخليفتين الراشدين رضي الله عنهما وأرضاهما: أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.والنسائي جعل الترجمة البداءة بقراءة الفاتحة قبل السورة. قوله: قراءة الفاتحة.. ثم أورد الحديث تحتها ليبين أن المقصود من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هو السورة كلها من أولها إلى آخرها، ولا يعني ذلك أن الفاتحة ليست من السورة، وأن البسملة ليست جزءاً من السورة، وإنما أراد بذلك الذي اشتهرت به هذه السورة وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، بخلاف (بسم الله الرحمن الرحيم) فإنها موجودة في أول كل سورة من القرآن، لكن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، موجودة في أول سورة الفاتحة، فلهذا يقال لها أحياناً: الحمد، يقال: من الحمد إلى الناس، فالحمد يعني الفاتحة التي أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، والمقصود من ذلك أنها أول شيء بعد البسملة؛ لأن البسملة موجودة في أول كل سورة، والعلماء قد اختلفوا هل هي جزء من كل سورة في أولها، أم أنها تذكر تبركاً وتيمناً بذكر اسم الله عز وجل قبل قراءة السورة؟ ولكن كون الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم جعلوا البسملة في أول كل سورة في المصحف ما عدا أول سورة براءة، هذا يدل على أن البسملة من القرآن؛ لأنهم لا يجعلون مع القرآن شيئاً ليس من القرآن، فإثباتهم إياها داخل المصحف، وهم لا يثبتون بداخله إلا ما كان قرآناً، يدل على أن البسملة من السورة.لكن قوله: [(يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])]، لا يعني أنهم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما يعني أنهم يبدءون بسورة الفاتحة، وسورة الفاتحة منها: بسم الله الرحمن الرحيم، بل إنها معدودة في آياتها، ولها رقم من أرقام تلك السورة التي هي بسم الله الرحمن الرحيم، هي الآية الأولى، والآية الثانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فهي قد جُعلت أول آية من سورة الفاتحة.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان بلدة أو قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وليس في رجال الكتب الستة من يسمى قتيبة سواه، فهو من الأسماء المفردة التي لم تتكرر التسمية بها، أو لم تتعدد التسمية بها. [حدثنا أبو عوانة].هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو عوانة، واسمه الوضاح، وأبو عوانة هذا متقدم من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهناك شخص آخر مشهور بهذه الكنية وهو أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم، ويقال لكتابه: صحيح أبي عوانة، ويقال له: مستخرج أبي عوانة، ويقال له: مسند أبي عوانة، وهذا الذي معنا متقدم، وأما ذاك فهو متأخر، استخرج على مسلم، حيث يأتي بأحاديث مسلم بأسانيد يلتقي فيها مع مسلم في شيخه أو من فوق شيخه، ولا يمر على مسلم ؛ لأن هذا هو شأن المستخرج أن يروي أحاديث الكتاب بأسانيد لا يمر بها على صاحب الكتاب، وإنما يلتقي معه في شيخه أو شيخ شيخه أو من فوق ذلك، فهذا هو المستخرج.وأبو عوانة المتأخر هو صاحب هذا الكتاب، وأما أبو عوانة المتقدم فهو الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي. [عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، خدمه عشر سنين منذ أن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن توفاه الله، وعاش عمراً طويلاً حتى أدركه صغار التابعين، ورووا عنه، وهو مكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوهذا الإسناد رباعي، من الأسانيد الرباعية التي هي أعلى الأسانيد عند النسائي، ليس عند النسائي أعلى من الرباعيات، وكما ذكرت مراراً أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين عندهم الثلاثيات: البخاري، عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية بإسناد واحد، والثلاثة الباقون وهم مسلم، وأبو داود، والنسائي ليس عندهم شيء من الثلاثيات، بل أعلى ما عندهم الرباعيات، يكون بين الرسول صلى الله عليه وسلم، وبينهم أربعة أشخاص، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأنه من رواية قتيبة عن أبي عوانة عن قتادة عن أنس، فهؤلاء أربعة هم رجال الإسناد بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أيضاً هؤلاء الأربعة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري حدثنا سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فافتتحوا بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])].ثم أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو أنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون القراءة بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2])، الحمد على الحكاية، الحمدُ إذا جاءت مرفوعة فالمقصود بها على الحكاية، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هذا هو أول الفاتحة، فيأتي الحرف الجر، ويأتي.. ويبقى اللفظ على ما هو عليه على الحكاية، يعني: حكاية اللفظ كما جاء، مثلما يقال: سورة المؤمنون، لأنها: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، وسورة المنافقون: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ [المنافقون:1]، يعني: على الحكاية، وإلا بالنسبة للإضافة ... سورة المنافقين أو سورة المؤمنين، لكن إذا جاءت سورة المؤمنون فهي على الحكاية، وكذلك هنا الحمد، إذا جاءت الدال مرفوعة فهو على الحكاية، حكاية اللفظ أو حكاية صيغة الآية، حيث جاءت وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].وهو مثل الذي قبله، وهو رواية، يعني: هو الحديث الذي قبله إلا أنه من طريق أخرى.
تراجم رجال إسناد حديث أنس في البداءة بفاتحة الكتاب قبل السورة من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد].وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة الزهري، وهو صدوق خرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سفيان].سفيان، وهو ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة حجة إمام، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أيوب].وهو ابن أبي تميمية كيسان السختياني، وهو ثقة، ثبت، حجة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة عن أنس].قتادة عن أنس، قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.هذا إسناد خماسي، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري يروي عن سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة يروي عن أيوب السختياني، وأيوب السختياني يروي عن قتادة، وقتادة يروي عن أنس فهو خماسي، يعني: أنزل من الإسناد الذي قبله؛ لأن فيه زيادة رجل، والإسناد الذي قبله أربعة، وهذا خمسة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 03:58 PM
قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
شرح حديث أنس في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم أول السورة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قراءة بسم الله الرحمن الرحيم.أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (بينما ذات يوم بين أظهرنا -يريد النبي صلى الله عليه وسلم- إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا له: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة آنيته أكثر من عدد الكواكب، ترده علي أمتي فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقول لي: إنك لا تدري ما أحدث بعدك)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: مع السورة، وأنها جزء منها، وقد أورد النسائي في ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة)، يعني: النوم القليل، وكان يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، فلما تنبه تبسم، فسألوه عن تبسمه، (فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله)؟ ما الذي أضحكك؟ (فقال: أنزل علي آنفاً سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، فهو قال: (سورة)، ثم قال: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فجعل البسملة من السورة، وهذا يدلنا على أنها من السورة؛ لأنه قال: سورة بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، يعني: هذا هو الذي قرأه وأنزل عليه، وكان من جملة ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم، فقرأها كما قرأ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، وما بعدها.إذاً: هذا يدل على أن البسملة تقرأ كما يُقرأ الذي بعدها، كما تقرأ السورة بأكملها تقرأ البسملة في أولها، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذه الترجمة.ثم إنه قال: (أتدرون ما الكوثر)؟ يعني: هذا الذي جاء في هذه الآية، أوفي هذه السورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، قال: (أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي في الجنة.. نهر)؟(نهر وعدنيه ربي في الجنة، آنيته أكثر من عدد الكواكب)، وفي هذا أن السنة تبين القرآن وتوضحه وتدل عليه؛ لأن الكوثر جاء ذكره في هذه السورة في القرآن، والسنة بينت المراد به، وأنه نهر في الجنة، وعده الله عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، آنيته عدد الكواكب لكثرتها، ثم قال: ترد..؟(ترده علي أمتي فيختلج العبد منهم فأقول: إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك)، أي: العبد، ثم ما جاء في الحديث: (نهر وعدنيه ربي في الجنة ترده أمتي فيختلج منه العبد)، المعلوم أن من يدخل الجنة فإنه يشرب ويتمتع بما فيها، ويتنعم بما فيها، ولا يذاد عنه أحد، ولا يمنع أحد من التنعم بالجنة، ويقال: (إنك لا تدري ما أحدث بعدك)، يعني: معنى هذا حرمان، ومن المعلوم أن هناك حوض تواترت به الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو قبل الجنة وقبل دخول الجنة، واختلف في مكانه، هل هو قبل الصراط أو بعد الصراط؟ والمشهور أنه قبل الصراط، والناس يخرجون من قبورهم عطاشاً، فيردون هذا الحوض، فيذاد عنه من يذاد، ويمنع من الشرب بسبب الإحداث الذي حصل منه في الدنيا كما جاء ذلك مبيناً في الحديث، فيقال: (إنك لا تدري ما أحدث بعدك).وهذا الذي يحصل فيه المنع والاختلاج هو الحوض، وأما من دخل الجنة ووصل إلى الجنة، فإنه يتنعم بما فيها، ولكن المقصود بالمنع بسبب الإحداث، هو: الذي يكون قبل ذلك في عرصات القيامة قبل دخول الجنة، والحوض يصب ماؤه.. يأتي من الكوثر كما جاء ذلك مبيناً في بعض الأحاديث: (أنه يمده أو يمد بماء من الكوثر)، يعني: يصب في ذلك الحوض، فهذا هو الذي يحصل فيه الذيادة أو يذاد عنه، وإنما قيل: ترده، يعني: ترد ماءه، وماؤه يأتي إلى الحوض، فهذا هو وجه أو توضيح معنى هذا الحديث، ودفع ما قد يتوهم من الإشكال، وهو أنه كيف من يدخل الجنة والنهر في الجنة، وأن من دخله يذاد عنه؟ من دخل الجنة أو بعض من دخل الجنة يذادون عن الشرب بسبب الإحداث؟! المقصود به أن ذلك في الحوض الذي في عرصات القيامة، والذي يكون قبل دخول الجنة، ويمد من ذلك النهر الذي في الجنة، فهذا الذي يذاد عنه هو ماء ذلك الكوثر، لكنه يذاد عنه وهو ليس في الجنة، وإنما يذاد عن مائه الذي صب في الحوض، يذاد عن الحوض كما جاء ذلك واضحاً في الأحاديث الكثيرة: أنه ترد أمته على الحوض، وأنه يذاد أناس عنه، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وفي بعض الروايات: أنه يعرفهم أنهم غر محجلين من أثر الوضوء، يعني: علامة أمته أنهم (غر محجلون من أثر الوضوء)، وهذا هو معنى الحديث.وفي هذا الحديث دلالة على إكرام الله عز وجل لرسوله بأن أعطاه ذلك النهر العظيم الذي في الجنة، وامتن عليه به، وأخبر عن هذه المنة بقوله: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3].
تراجم رجال إسناد حديث أنس في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .قوله: [حدثنا علي بن مسهر] وهو ثقة، له غرائب بعدما أضر، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن المختار بن فلفل].خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [عن أنس].أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره قريباً.وهذا الإسناد رجاله أربعة، علي بن حجر، وعلي بن مسهر، والمختار بن فلفل، وأنس بن مالك، هؤلاء أربعة، فهو إسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي.
شرح حديث نعيم المجمر في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب حدثنا الليث حدثنا خالد عن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه صلى، وكان مما فعله في صلاته أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ الفاتحة، ولما فرغ قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يشعر بأنه مرفوع، لأن قوله: إني أشبهكم صلاة برسول الله عليه الصلاة والسلام، يفيد بأنه مرفوع، والمقصود من ذلك هذه الأفعال التي فعلها.. ماذا قال في الأول؟ قال: صليت؟عن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن..).(فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، وهي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، (فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]).قال: [حتى إذا بلغ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، فقال الناس: آمين].ثم لما بلغ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقال: آمين، هو، فقال الناس: آمين). وهو يفيد بأن الإمام يؤمن عند قراءة الفاتحة، إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وقد مر ذلك في أحاديث عديدة أن الإمام يؤمن عندما ينتهي من قراءة الفاتحة، وكذلك المأمومون يؤمنون.(ويقول كلما سجد: الله أكبر)، يعني: عند كل سجود يقول: الله أكبر.(وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر)، والحديث جاء أنه يكبر عند كل خفض ورفع يقول: الله أكبر، إلا عند القيام من الركوع فيقول: سمع الله لمن حمده، وإلا فجميع التنقلات في الصلاة من خفض ورفع، كل ذلك يكون عند الانتقال الله أكبر، عند الانتقال من فعل إلى فعل يقول: الله أكبر، إلا عند القيام من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ولا يقول: الله أكبر.[وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم].عندما يسلم قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يفيد بأنه مرفوع، وأنه مسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العمل الذي عمله أبو هريرة، وبعض العلماء يقول.. الذين لا يقولون بالجهر بالبسملة يقولون: إن قوله: أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلزم منه أن يكون جميع ما ورد في هذا الفعل، أو في هذه الصلاة، أنه يكون فيه موافقاً لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد جاء أحاديث تدل على أنه لا يجهر أو أنه لا يأتي أو لا يسمعهم بسم الله الرحمن الرحيم في الصلوات الجهرية، وإنما يبدأ بالحمد لله رب العالمين، لا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، لا قبل الفاتحة ولا بعدها، يعني: في السور التي يقرؤها بعد الفاتحة، وأولها بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه لا يجهر بها.ومن العلماء من تكلم في إسناد هذا الحديث، والشيخ الألباني ذكره ضمن الضعيفة وقال: إنه ضعيف الإسناد.
تراجم رجال إسناد حديث نعيم المجمر في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم].هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده. [عن شعيب].وهو ابن الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، نبيل، فقيه، قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة، نبيل، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا الليث]هو الليث بن سعد، عن والده الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، مشهور بالحديث، والفقه، وهو فقيه مصر، ومحدثها في زمانه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا خالد].وهو خالد بن يزيد الجمحي المصري هو أبو عبد الرحيم المكي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هلال].هنا أبو هلال لم أجد في آخر التقريب في الكنى من يكنى بأبي هلال، لكن المزي في تحفة الأشراف عندما ذكر هذا الحديث وهو من أفراد النسائي، مما انفرد به النسائي قال: رواه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب بن الليث عن أبيه عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، فـسعيد بن أبي هلال هو مصري أيضاً، وهو صدوق خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فجاء عند بعض العلماء: أنه اختلط. [عن نعيم المجمر].وهو نعيم بن عبد الله المجمر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة]. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، ولا أدري وجه ضعف إسناده عند الشيخ ناصر إلا أن يكون ذلك يتعلق بـسعيد بن أبي هلال، هذا الذي هو قال عنه بعض العلماء: أنه اختلط، ومن المعلوم أن المختلط روايته ما كان مسموعاً منه قبل الاختلاط هذا لا يؤثر، وما كان مسموعاً منه بعد الاختلاط هذا هو الذي يؤثر على الإسناد، فلا أدري وجه تضعيف الشيخ ناصر له إلا أن يكون هذا.
الأسئلة
حكم حداد المرأة على زوجها الذي لم يدخل بها
السؤال: رجل عقد على امرأة، وتوفي الرجل قبل أن يدخل بها، فهل يجب عليها الحداد، مع العلم أن المرأة طالبة، فإذا كان عليها حداد هل تترك الدراسة وتحد على زوجها، ولو ترتب على ذلك فصلها من الدراسة؟الجواب: أما قضية الإحداد أربعة أشهر وعشر، وقد جاء في الحديث أن المرأة إذا توفي عنها زوجها قبل أن يدخل بها فعليها العدة ولها الميراث؛ لأنها تعتبر زوجة، وأيضاً تعتد وتحد وقت العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، هذه العدة كما هو معلوم في حال الوفاة، أما المطلقة قبل الدخول بها فإنه لا عدة عليها، أما قضية أن كونها طالبة، وكونها تذهب للدراسة، لا أستطيع أن أقول فيها شيء، والله تعالى أعلم.
دجل القرامطة في تفسير بعض الآيات من سورتي الكوثر والرحمن
السؤال: ما مدى صحة تفسير من فسر الكوثر بـفاطمة وعلي وذريتهما؟الجواب: هذا من جملة تفسيرات القرامطة الذين يفسرون القرآن بمثل هذا الكلام، مثلما ذكر عن الباطنية أنهم يفسرون قوله عز وجل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19] .. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22]، قال: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن:19]، علي وفاطمة، يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:22] الحسن والحسين، هذا تلاعب بكتاب الله، فكذلك تفسير الكوثر، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنه نهر وعدنيه ربي) إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1].
وجه كون البسملة معدودة ضمن آيات الفاتحة دون غيرها
السؤال: لماذا كانت البسملة معدودة في آيات سورة الفاتحة وغير معدودة في السور الأخرى؟الجواب: ما ندري عن وجه يعني كونها معدودة في الفاتحة دون غيرها، لا أدري وجه ذلك.
حكم طاعة المرأة زوجها في شيء ترى خلافه
السؤال: يا شيخ، أثابكم الله، أنا طالب علم، وزوجتي طالبة علم، وهناك بعض المسائل مختلف فيها بين العلماء بين الإباحة والكراهة، والأحوط والأورع لطالب العلم وطالبة العلم أن يتركا الشبهات، فإذا اختلفت أنا وزوجتي أنا أرى الكراهة وهي ترى الإباحة في مسألة معينة، فهل عليها أن تطيعني في ذلك؟ وهل تأثم إذا لم تطعنِ في ذلك؟الجواب: أولاً: التمثيل، ما عرفنا مثالاً حتى نستطيع أن نتبين الأمر في المسألة المختلف فيها، لكن الطريقة المثلى في مثل هذا إذا اختلفوا يرجعون إلى من يكون عنده علم ليبين لهم.
وصل الصفوف في صلاة الجنازة
السؤال: هل يجب وصل الصفوف في صلاة الجنازة؟الجواب: نعم، الصفوف توصل في صلاة الجنازة وفي غيرها، إلا أن صلاة الجنازة كما هو معلوم قد تكون صف واحد، يعني: ما فيه إلا صفاً واحداً يكون ثلاثة صفوف، وأما الوصل فتوصل ما تكون متقطعة، الناس يصلون الصفوف.
قول المأمومين آمين بعد قول الإمام آمين
السؤال: هل يدل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على أن المأمومين يقولون: آمين بعد قول الإمام: آمين؟الجواب: نعم، هو وغيره، جاءت أحاديث كثيرة غير حديث أبي هريرة يدل على هذا، لكن غيره من الأحاديث كذلك يدل عليه، يعني جاء: (وإذا أمن فأمنوا)، (إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين)، أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحة في هذا، وقد مر بنا جملة منها.
صلاة المسافر بعد المقيم
السؤال: أنا مسافر، لو أدركت الصلاة والناس في الركعة الثالثة من صلاة الظهر، فصليت معهم ركعتين ثم سلمت وذلك؛ لأن الله شرع للمسافر ركعتين؟الجواب: الواجب على الإنسان المسافر إذا صلى مع إمام مقيم أن يصلي بصلاة الإمام المقيم، وأنه يصلي أربعاً، ولا يجوز له أن يصلي ركعتين فقط؛ لأنه جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل فقيل له: (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين وإذا صلى مع إمام مقيم صلى أربعاً؟! فقال: تلك السنة)، يعني: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، أو المسافرون إذا صلوا مع بعض صلوا ركعتين، وإذا صلوا وراء إمام مقيم فإنهم يتمون، بل لو أدرك آخر الصلاة فإنه إذا قام يقضي مقدار الصلاة الذي صلاها ذلك الإمام المتم وهي أربع ركعات، لو دخل معه قبل السلام في التشهد، ثم قام يقضي، فإنه يصلي أربعاً، هذه هي السنة كما جاء عن ابن عباس، (ما بال المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين، وإذا صلى مع إمام مقيم صلى أربعاً؟ فقال: تلك السنة). يعني: هذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابي إذا قال: السنة، يعني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مرفوع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام.ومن المعلوم أن الإنسان المسافر إذا صلى خلف مقيم قد يكون أدرك الصلاة كلها، وقد يكون أدرك بعضها، فمعناه صلاته صلاة المقيم، فإنه يفعل كما يفعل المقيم، ليس معناه إذا جاء وهو في آخر الصلاة معه يصلي ركعتين، أو إذا جاء وهو يصلي باقي عليه ثلاث يصلي ركعتين ويجلس، لا، وإنما يصلي بصلاته ويقضي ما فاته.
مدى دلالة حديث أبي هريرة الأخير على الجهر بالبسملة
السؤال: هل يمكن أن يقال في حديث أبي هريرة الأخير: إن السنة جاءت بالجهر بالبسملة والإسرار جمعاً بين الأدلة خاصة إذا صح الحديث؟الجواب: نعم، إذا صح الحديث يمكن أن يقال: إنه يجهر بها في بعض الأحيان.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 04:01 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(170)
- باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم
بين أنس رضي الله عنه حكم الإسرار بالبسملة حيث اختلف فيها كثير من الناس، فبين أن الإسرار بها هو من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، وأنه صلى خلفهم جميعاً فلم يسمع أحداً منهم يجهر بالبسملة.
ترك الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)
شرح حديث أنس: (صلى بنا رسول الله فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق سمعت أبي يقول: أخبرنا أبو حمزة عن منصور بن زاذان عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما)].يقول النسائي رحمه الله: باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. هذه الترجمة معقودة لبيان أن التسمية قبل السورة لا يجهر بها ولكنه يسر بها، أي: أن الإمام عندما يصلي بالناس يأتي بالبسملة سراً، ثم يأتي بالسورة بعدها، وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسمعنا قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم). أي: أنهم ما سمعوه يجهر بها كما سمعوه يجهر بالسورة، وكذلك (صلى أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما)، يعني: لم نسمع بسم الله الرحمن الرحيم، لم يكونوا يجهرون بها فنسمعها منهم، وإنما كانوا يسرون، وقد جاء في بعض الروايات، وقد ذكرها الحافظ في بلوغ المرام: (كانوا يسرون)، يعني: يأتون بها سراً، وما جاء في هذا الحديث يدل على عدم الجهر بها، وهذا هو المعروف عن الخلفاء الراشدين، وعن عدد كبير من الصحابة ومن بعدهم من التابعين، أنهم يسرون بها، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، كانوا لا يجهرون بها، وإنما يأتون بالسورة يجهرون بالقراءة، لكنهم لا يجهرون بالبسملة. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث أنس بن مالك الدال على هذا، يعني: لبيان ترك الجهر، أي: ومعناه أنه يكون الإسرار، وقد حصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهم فلم يسمعوها منه، وكذلك صلى بهم أبو بكر وعمر فلم يسمعوا البسملة منهما رضي الله تعالى عنهما.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صلى بنا رسول الله فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم...)
قوله: [أخبرنا محمد بن علي].محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[سمعت أبي يقول].يروي عن أبيه وهو علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبو حمزة].أبو حمزة، وهو: السكري، وهو: محمد بن ميمون السكري المروزي، ويلقب السكري قيل: إن سبب تلقيبه بذلك أنه كان حلو المنطق، وأنه كلامه حلواً ومنطقه حسناً، فكان يقال له: السكري، يعني: أن كلامه مثل السكر، أي: أنه حلو، وليست النسبة إلى السكر إلى بيعه أو إلى عمله، وإنما لكونه حلو المنطق، وكان جميل المنطق، وعذب الكلام، كان يقال له: السكري لهذا السبب، وهو محمد بن ميمون المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته، يقال: أبو حمزة.ومن المعلوم أن من أنواع علوم الحديث معرفة الذين اشتهروا بكناهم، وذلك حتى لا يلتبس الأمر فيما لو ذكروا بأسمائهم، فإن من لا يعرف يظن أن الشخص شخصان، وإنما هو شخص واحد، إذا ذكر بكنيته مرة، ثم ذكر باسمه مرة، فمن لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، لكن من يعرف الأسماء والكنى يعلم أن هذا هو هذا، وأنه أحياناً يأتي بالكنية وأحياناً يأتي بالاسم والنسب، ولا لبس على من يعلم ذلك، وأما من يجهل ذلك، فيظن أن الشخص الواحد شخصين، يظن أنه إذا ذكر في الكنية في موضع يكون شخص، وإذا ذكر بالاسم في موضع آخر يكون شخص آخر، لكن من يعلم هذا لا يلتبس عليه الأمر.وكثير من المحدثين اشتهروا بكناهم، وقد ألف مؤلفات في الكنى، من ذلك كتاب: الكنى للإمام مسلم، وكذلك كتاب: الكنى للدولابي، وغيرهم ممن ألف في الكنى، يعني: الذين اشتهروا بالكنى يذكرونهم ويذكرون أسماءهم، وهذه فائدة في معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث، فلو جاء في بعض الروايات محمد بن ميمون، وجاء في بعضها أبو حمزة، يظن أن أبا حمزة غير محمد بن ميمون، لكن من يعرف أن هذا هو هذا لا يلتبس عليه الأمر.[عن منصور بن زاذان].منصور بن زاذان، وهو ثقة، ثبت، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي وفقه الله لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث خدمه عشر سنين منذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حتى توفاه الله وهو يخدمه، وكان عمره حين قدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فخدمه عشر سنين، ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بطول العمر، فعمر حتى أدركه التابعون، بل أدركه صغار التابعين الذين رأوا كبار الصحابة، فهو ممن أدركه الصغار، ولقيه الكبار والصغار والمتوسطون؛ لكن لكونه عمر أدركه صغار التابعين فرووا عنه الحديث، ومن أولئك الزهري، فإنه كان يروي عن أنس بن مالك وهو من صغار التابعين. وحديث أنس بن مالك أخرجه أصحاب الكتب الستة، وكما قلت: هو أحد السبعة الذين هم: أبو هريرة وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك هذا، وعائشة أم المؤمنين، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي زوجة النبي هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهي الصحابية الوحيدة التي روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغ أحد من النساء مثلما بلغت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فقد روت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي من أوعية سنته صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يتعلق بأمور البيت التي لا يطلع عليها إلا النساء، وما يكون بين الأزواج وزوجاتهم، فإنها روت الشيء الكثير رضي الله تعالى عنها وأرضاها.وهي الصديقة بنت الصديق التي هي أحب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، والتي رميت بما رميت به من الإفك، وأنزل الله براءتها في آيات تتلى في أول سورة النور، ومع هذا الإكرام الذي أكرمها الله تعالى به، وأنزل براءتها في آيات تتلى في القرآن الكريم، تتواضع لله عز وجل، وتحتقر نفسها، ولا يحصل منها ما لا ينبغي من الترفع، وما إلى ذلك مما ابتلي به بعض الناس الذين لم يوفقوا، ولم يكرمهم الله عز وجل بالاتصاف بالأخلاق الكريمة، فكانت مع ذلك تتواضع لله عز وجل، وتقول كما جاء في الصحيح: وكنت أتمنى أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. يعني: أنا ما أستحق أن ينزل في قرآن، وهذا من تواضعها، وهذا من نبلها وكمالها، و( من تواضع لله رفعه الله عز وجل )، فرضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ذكر ابن القيم لتواضع عائشة وبيان التواضع عند السلف
ولهذا ابن القيم لما ذكر في كتابه: جلاء الأفهام، وهو كتاب نفيس، من أحسن ما كتب في الصلاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أحكام الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، اسمه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، فهو من أحسن ما ألف، بل هو أحسن ما ألف في ما يتعلق بأحكام الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، من حيث إيراد الأحاديث والآثار وكلام العلماء في المسائل المختلفة المتعلقة بالصلاة عليه صلى الله وسلم وبارك عليه، وكان من جملة ما اشتملت عليه الصلاة ذكر الآل، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فهو بمناسبة ذكر الآل تعرض لأمهات المؤمنين، وأتى بتراجم مختصرة لهن، كل واحدة أتى لها بترجمة، كل أمهات المؤمنين عقد لهن تراجم بين شيء من فضائلهن، ومن ميزات كل واحدة منهن، وكان مما ذكره عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها هذا الذي أشرت إليه، أنه مع إكرام الله عز وجل لها، وإنزاله فيها آيات تتلى، كانت تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. فيقول: هذه الصديقة بنت الصديق التي هي من هي، وتقول عن نفسها ما تقول، ثم قال: فأين هذا ممن يصلي لله ركعة أو يصوم يوماً من الدهر، ثم يقول: أنا كذا وأنا كذا وأنا كذا؟ فهذا الإكرام، وهذا الشرف العظيم، وهو أن الله تعالى يبرئها بآيات تتلى، ومع ذلك تقول: ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى. وهذا شأن أولياء الله عز وجل أن من تواضع لله رفعه الله.ومنه قول أبي بكر: (إني وليت عليكم ولست بخيركم). يقول هذا تواضعاً، وإلا فهو خيرهم وهو أفضلهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكذلك ما جاء في قصة أويس القرني التي جاءت في صحيح مسلم: وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه خير التابعين، أن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وذكر شيئاً من صفاته، وقال: (من وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له)، فكان عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه يسأل في أمداد أهل اليمن الذين يأتون لإمداد الجيوش الإسلامية التي تذهب لقتال الفرس، وللجهاد في سبيل الله، فكانت الأمداد تأتي من اليمن، الأمداد جمع مدد، وهو ما يؤتى لتقوى به الجيوش، وليضاف إلى الجيوش؛ لتقويتها ولكثرة سوادها، فكانت الأمداد تأتي من اليمن، وهذا هو معنى ما جاء في الحديثhttp://www.a-quran.com/data:image/gif;base64,R0lGODlhEAAQAPfFAAAAANm4/4Jv/+Hg7X5q/+LA/+vr9+zs9qaN/wsNEKKK/7ue/8qt/86v/+7J/1ZI27uf/zkxSDozS52E/1RIrgwMEm5b+5+I/4p1/3lr3hYVHxMSHY96/4Fu/wkKDj8yy6iP+HVg9vHM/52F9jgxTpV//5+H/3xo/1VJsI2JrePB/7KW/6GI5LCV/9fV7sKl/7q06VxN/1VJcjwvkpGE6Obl91lI/3Zj9o960m1k4KaO4HNg/6+s0J2G/0Y4u1JB3o92/2ZettW1//zW/8ut/8Sl/25eoKKJ/6qR/7ec4cCi/6iO/z4u3D4v0NjY8Y94/8bE3+bD/zozZVtOcolz/+fm96Kc5727zYx39ruz8kw6/5B4/0w98rGX/ycjPKei7JiC/8iq/7m13i8ir7OY/6OL1t+9/62S/5iB/62T/86u/9i2/9i3/5R+/+C+/7KY/xQTHHNp4l1M2K6T/z82VXRj/5R9/+PA/4Bt9oeAvaOL5FJC/8Kl/Tcqi7Wa/0c3rauR/3tp/2lbv1ZH/+vG/7+91M+w/5OG5N3c7+Hf+Tcp3XBb+Ec6zujo9peB/x8dN+Pi9It2/7ug/2xW7C4pQ0U8VoVw/2VU/1BF3XBfmZyF/6SJ/9q4/42ExItw/4Vx/+bl9Xlh/hcWH0M7XYVu/3FgsqCG/wwME2NP5kU8ad3c9UU7V+Xk+X1n/9XS9NGw/4dy+I6LqoJu/zMmx2xb/7ic5lRG3w8QGpJ9/3pk+W5ml6mP+qqRyol1qod0r0Ex99nY6WNT/xMSGbue4aaMzvX1/wAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAA AAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAAACH5BAEAAMUALAAAAAA QABAAQAj/AIsJFAhKTKc8PAYMFHhoCyBJboYEGJbEECEGCjAEi1MMzyYvlV REIRKG06tRj3YwEtjozw1caCaY0FQiEoEYimoMdLXI1IUlSBD0 4ECqCRSBWYCACCABAIACBZxSWgDLhhVIqNq82ZBpDRshDYzccl Tnl6qBB3T18fHA1ocxQQwsFFglw6RclmRZ+IFC4UBWoc6k8qCj iBIWCaRQYYKoWCJPpSLwWdXrjhlfdHaRoKDFCQ07LdTUmsJLhA NiMvR0eXIpB4xWR16UgVNBlIZTwnAg6LDnSzFBIcCMgOCHzIo0 c7AQGIRpILAZcgIJ+CTgBC0us1zMFXjgSqwUheQuAgwIADs=إن ي أجد نفس الرحمن من جهة اليمن)، فإن المراد بالنفس ليس صفة من صفات الله، وإنما المراد به ما يحصل من التنفيس للمسلمين بهذه الجيوش والأمداد التي تأتي من جهة اليمن، هذا هو النفس، هذا هو نفس الرحمن، فليس في الحديث ما يدل على أن الله تعالى يوصف بأن له نفس، وإنما المراد بالنفس هو هذا التنفيس، وهذا الجند الذي يأتي من جهة اليمن لتمد به الجيوش الإسلامية التي تذهب لقتال الفرس والروم، فكانت الأمداد تأتي من جهة اليمن.فكان عمر يسأل عن أويس في الأمداد التي تأتي من جهة اليمن، حتى وهم مارين بالمدينة إلى جهة بلاد فارس للجهاد في سبيل الله، فظفر به -وجده- ولما سأله الأسئلة التي أخبر عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجدها متوفرة فيه، فأخبره أن الرسول قال كذا وكذا، وأنه قال: (من وجده فليطلب منه أن يستغفر له)، فأنا أطلب منك الاستغفار. ماذا قال أويس؟أولاً: عمر يتواضع لله عز وجل، هو من أهل الجنة، وأخبره الرسول بأن له قصر في الجنة، رآه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذا لـعمر بن الخطاب، وقال: (ذكرت غيرتك فلم أدخله، فقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ ثم بكى)، فبشر بالجنة وأخبر بأن له قصر في الجنة، لكن لكون الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة، صار يبحث عن أويس حتى اهتدى إليه ووجده، وطلب منه أن يستغفر له، ثم هذا عمر من جانبه يطلب من تابعي لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا، ثم أويس ماذا قال؟من جانبه قال: أنتم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين يطلب منكم الاستغفار، فهذا هو النبل، وهذا هو الشرف، وهذا هو الفضل، إن المؤمن يجمع إحساناً وخوفاً، بخلاف المنافق فإنه يجمع بين الإساءة والأمن وعدم الخوف، والله وصف المؤمنين بقوله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، فهم يعملون الأعمال الصالحة ويتقربون إلى الله عز وجل، ومع ذلك يخافون أن لا تقبل منهم، فهم خائفون وجلون، وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].فـأويس من جانبه يقول ما قال، وعمر بن الخطاب يقول من جانبه ما قال، وكل منهما يتواضع لله عز وجل، وهذا شأن الكمل، وشأن ذوي النبل والشرف، أنهم إذا أكرمهم الله عز وجل لا يتبجحون، ولا يظهرون، ولا يحرصون على إبداء ذلك الذي أكرمهم الله عز وجل به والذي شرفهم به، فهذا شأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.فالحاصل: أن ابن القيم رحمه الله في هذا الكتاب العظيم قال لما ذكر ترجمة عائشة، وذكر شيئاً من فضلها، ذكر هذا من تواضعها، وأنها قالت ما قالت، مع أنها عالية المنزلة، وهذا يدل على كمالها، وعلى فضلها ونبلها رضي الله عنها وأرضاها، وكما قلت: هذا كتاب نفيس. السخاوي المتوفى سنة 902هـ له كتاب اسمه: القول البديع في الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع، فإنه ذكر في آخره الكتب التي ألفت في الصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فذكر جملة منها، فذكرها وذكر الخامس منها كتاب ابن القيم جلاء الأفهام، لما سردها وذكرها قال في آخرها: وبالجملة فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها، يعني: كتاب ابن القيم هذا الذي هو جلاء الأفهام، يعني: في آخر كتابه القول البديع، ذكر جملة من المؤلفات، ثم لما فرغ من عدها قال: وبالجملة فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها، وخامسها هو: كتاب ابن القيم الذي هو جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، فلا يستغني عنه طالب العلم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
01-29-2026, 04:03 PM
شرح حديث أنس: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج حدثني عقبة بن خالد حدثنا شعبة وابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهو بمعنى ما تقدم: ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ). يعني: أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسمع أحداً منهم، أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة، لم يسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أن السنة بها هو الإسرار، وأنه لا يجهر بها، يجهر بالسورة ولكنه لا يجهر بالبسملة، وقد جاء عن علي رضي الله عنه كذلك؛ لأن الترمذي رحمه الله نقل هذا عن أكثر أهل العلم وقال: منهم أبو بكر، وعمر ،و عثمان، وعلي أنهم لا يرون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، يعني: لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كانوا يسرون بها.
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله...)
قوله: [أخبرنا عبد الله بن سعيد].عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، وهو ثقة، خرج له الجماعة، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، فأبوه سعيد وكنيته أبو سعيد، وهذا من النوع الذي ذكرت مراراً وتكراراً أنه من أنواع علوم الحديث، وهو معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وفائدته دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بنسبه ثم ذكر بكنيته بدون النسب، فإن من لا يعرف يظن أن (أبو) مصحفة من (ابن)، لو قيل: عبد الله بن سعيد الأشج، لو قيل بدلها: عبد الله أبو سعيد الأشج، الذي لا يعرف أن كنيته أبو سعيد يظن أن (أبو) مصحفة من (ابن)؛ لأنه عبد الله بن سعيد، فالذي ما يعرف أنه أبو سعيد يظن أن (أبو) جاءت بدل من (ابن)، وأنه تصحيف، لكن الذي يعرف أن كنيته أبو سعيد، إذا جاء هكذا صواب، وإذا جاء هكذا صواب، إذا قيل: عبد الله بن سعيد الأشج صواب، وإذا قيل: عبد الله أبو سعيد الأشج صواب؛ لأن أبو سعيد، وابن سعيد، فلا إشكال، ولا محذور، ولا تصحيف، بل (أبو) صحيحة، و(ابن) صحيحة، (أبو) إن جاءت قبل سعيد صحيحة، وهي كنية، و(ابن) إن جاءت قبل سعيد فهي صحيحة وهي نسبة، والأشج لقب. [حدثني عقبة بن خالد].وهو صدوق صاحب حديث، خرج له أصحاب الكتب الستة، وهو عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، يعني: وافق اسمه واسم أبيه اسم جده وجد أبيه؛ لأنه عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، فالاسم الأول والثاني مكرر؛ لأن اسم جده وافق اسمه، واسم جد أبيه وافق اسم أبيه، فهو عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد، وهذا مثل خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، يأتي اثنان مكرران، وهذا ليس كثيراً عند المتقدمين، أي: أنه يكون هذا التكرار بين الأسماء، أي: بين الاسم، واسم الأب، بحيث أنه يدور اسمان، ويتكرران، وذا قليل. [حدثنا شعبة وابن أبي عروبة].شعبة، وهو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل.وابن أبي عروبة، هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، حافظ، كثير التدليس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة].وهو ابن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أنس].هو أنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث عبد الله بن مغفل: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فما سمعت أحداً منهم قرأ بسم الله...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا عثمان بن غياث أخبرني أبو نعامة الحنفي حدثنا ابن عبد الله بن مغفل (كان عبد الله بن مغفل رضي الله عنه إذا سمع أحدنا يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر رضي الله عنهما، فما سمعت أحداً منهم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)].أورد النسائي حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه: أنه سمع رجلاً يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وخلف عمر، فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، معناه: أنه ينكر على من فعل هذا، وأن هذا خلاف ما هو معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وهو بمعنى حديث أنس المتقدم من الطريقتين الماضيتين.
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن مغفل: (صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فما سمعت أحداً منهم قرأ بسم الله...)
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو البصري أبو مسعود، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وهو مثل الذي مر بنا قريباً هذا عبد الله بن سعيد الأشج أبو سعيد، يعني: مما وافقت كنيته اسم أبيه، وإسماعيل بن مسعود أبو مسعود، وعبد الله بن سعيد أبو سعيد، وهناد بن السري أبو السري، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو، فعدد كناهم توافق أسماء آباءهم. [حدثنا خالد].هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عثمان بن غياث].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. [أخبرني أبو نعامة].وهو قيس بن عباية، وهو ثقة، نعم خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن والأربعة. وهو الحنفي. [حدثنا ابن عبد الله بن المغفل].قيل: اسمه يزيد.هو ذكر أنه مجهول، ورأيت بعض العلماء ذكر أنه تكلم فيه؛ لأنه مجهول، لكن أنا ما وقفت له على ترجمة، وعبد الله بن المغفل أبوه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، والحديث ذكره الألباني في ضعيف سنن أبي داود، وفي ضعيف سنن النسائي، وفي ضعيف سنن ابن ماجه، لكن ما رأيت كلامه عليه، وإنما إشارة إلى ضعفه والإحالة إلى ابن ماجه ، وابن ماجه أحال إلى التعليق على ابن ماجه ، فلا أدري الكلام، لكن المتن هو مثل الذي قبله، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله، ليس فيه إثبات حكم جديد، وإنما نفس الحكم الذي في حديث أنس من الطريقين المتقدمتين، هو نفس الكلام الذي جاء عن عبد الله بن المغفل من جهة الإسرار بالبسملة، وعدم الجهر بها.
الأسئلة
مدى صحة الاستدلال في ترك الجهر بالبسملة على أنها ليست من الفاتحة
السؤال: أليس في ترك الجهر بالبسملة دليل على أنها ليست من الفاتحة؟الجواب: ليس فيه دليل، ترك الجهر لا يدل على أنها ليست من الفاتحة، ولا أيضاً من سور القرآن، أنها ليست منها، وإنما لما جاءت السنة في الإسرار بها، دل على أنه يسر بها، لكن لا يدل على أنها ليست من القرآن؛ لأن إدخال الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم إياها في داخل المصحف، وكتابتها مع المصحف ككتابة المصحف دون أن يشيروا إلى شيء، يدل على أنها من القرآن؛ لأنهم لا يضيفون شيئاً ليس منه.ثم الذي مر بنا حديث الكوثر: ( أنزل علي سورة: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] ) فقرأ السورة من بسم الله الرحمن الرحيم إلى آخرها.
حكم إلزام الأب لابنه بتربية اللحية وعدم الإسبال
السؤال: هل يجب على الأب أن يلزم ابنه على تربية اللحية وعدم الإسبال، وإن كان الابن كبيراً قد تزوج، ويسكن في غير دار أبيه؟الجواب: هو لا شك أنه يغلظ عليه، ويقسوا عليه، وينكر عليه، ويظهر له عدم الرضا، مثلما حصل من بعض الصحابة، يعني: في قضايا متعددة، منها: ما حصل لـابن عمر في قصة ابنه، أو أحد أبنائه حينما قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، قال: والله لنمنعهن، فغضب عليه وأنكره وهجره حتى مات، قيل: لعل الفترة كانت وجيزة بين هذا وبين وفاته، وكذلك عبد الله بن المغفل أيضاً ابنه الذي كان يخذف ونهاه قال: الرسول نهى عن الخذف، ثم رآه يخذف بعد ذلك فقال: أقول لك: نهى رسول الله ثم أنت تخذف، لا أكلمك. فهجره وتركه ولم يكلمه.فالوالد يؤدب الصغير، والكبير أيضاً كذلك يؤدبه بما يناسبه من الإغلاظ عليه، ومن إظهار عدم الرضا، ومن ترك تكليمه، يعني: حتى يزدجر وحتى يرعوي.
الحكم على من يفعل أركان الإسلام دون نطق الشهادتين
السؤال: إذا فعل شخص أركان الإسلام، ولم يظهر لنا أنه نطق بالشهادتين، كأن يصلي ويصوم ويحج ويزكي، وقد لا ينطق بالشهادتين في صلاته، فبماذا نحكم عليه؟من يأتي ويصلي مع المسلمين يحكم بإسلامه، ومن المعلوم أن الشهادتين هي المدخل للإسلام، والصلاة هي بعد المدخل؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، فالذي يصلي مع المسلمين فهو واحد منهم، والشهادتان موجودتان في الصلاة.
مصير أطفال المشركين والمسلمين يوم القيامة
السؤال: حكم أطفال المشركين، ما مصيرهم؟ وكذلك أطفال المسلمين؟الجواب: أطفال المشركين جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: المقصود من ذلك أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء نتيجة الامتحان تكون السعادة، أو الشقاوة، يعني: مثل الذين ما بلغتهم الرسالة، هؤلاء يمتحنون، ومثلهم صبيان المشركين أولاد المشركين، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، يعني: عندما يمتحنون، الله أعلم بما كانوا عاملين، يعني: يمتحنوا، هل يعملون ما يكونون فيه سعداء أو يعملون ما يكونون فيه أشقياء؟أما أولاد المسلمين، فجمهور العلماء على أنهم في الجنة، وبعضهم يقول: إنه لا يقطع لهم لكن يرجى لهم ذلك، ولا يقال: أنهم في الجنة، ولكن الجمهور على أنهم من أهل الجنة، الذين هم صبيان المسلمين.
الحكم على الجهر بالبسملة بأنه مخالف للسنة مطلقاً
السؤال: هل الجهر بالبسملة مخالف للسنة مطلقاً، فإن ابن القيم ذكر في زاد المعاد أن النبي صلى الله عليه وسلم، يجهر بها أحياناً، وغالب ما داوم عليه هو الإسرار بها؟الجواب: هو إذا ثبت الحديث فهو يدل على أنه يجهر بها أحياناً.
اختصاص الملاعنة للزوج دون المرأة في القذف
السؤال: قرأت في تفسير ابن كثير في آية: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، أن الشعبي قال: لو قذف الرجل زوجته لاعنها، ولو قذفته جلدت. هل هذا صحيح؟الجواب: كما هو معلوم الملاعنة هي تكون من جهة الزوج؛ هو الذي -يعني- بيده الطلاق، فإذا قذف تحصل الملاعنة، وبذلك يفرق بينهما، عندما يكون كل منهما حصل منه الإتيان بالنصوص التي جاءت في الملاعنة، وأما بالنسبة للمرأة إذا قذفت زوجها كما هو معلوم لا تلاعن، ولا شك أن ما قاله الشعبي هذا هو.. إما أن يكون هناك شهود على ما قالت، وإما الحد. السؤال: قول: اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، عند إقامة الصلاة، هل هذا القول مشروع؟الجواب: ما أعرف، أقول: ما أعرف شيئاً في هذا، لا علم لي. السؤال: فضيلة الشيخ! وفقه الله، هل هذا الحديث من قبيل الضعيف، وهو دعاء الصباح والمساء: (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر)؟الجواب: لا أدري.
التوفيق بين غفران الله للذنوب جميعاً عدا الشرك وبين عذابه لبعض عصاة المسلمين
السؤال: كيف يكون التوفيق بين الحديث: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)، وقول مشهور عند أهل السنة: بأن الله تعالى قد يعذب بمشيئته أهل العصيان من المسلمين؟الجواب: لا تنافي بينهما، يعني: هذا وعد من الله عز وجل بأنه يعفو، وعفوه كما هو معلوم لمن شاء؛ لأنه يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، فمن شاء أن يعفو عنه من هؤلاء فإنه لا يعذب، ومن شاء تعذيبه على ما حصل منه من المعاصي فإنه يعذب؛ لأن ذلك بمشيئته، إن شاء عفا وتجاوز، وإن شاء عذب على مقدار المعصية، ولكنه لا يخلد في النار إذا عذب، بل لا بد وأن يخرج من النار ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبداً إلا الكفار الذين هم أهلها، والذين لا يخرجون منها أبداً، ولا سبيل لهم إلى دخول الجنة.
حكم رفع الأيدي عند التكبير على الجنازة
السؤال: نرى البعض يرفعون أيديهم عند التكبير على الجنازة، والبعض الآخر لا يرفع، فما الحكم؟الجواب: الحكم في هذا، يعني: بعض العلماء يقول: بأن الرفع في التكبيرات.. قبل التكبيرة التي بعد الأولى أن هذه لم تثبت مرفوعة، وإنما جاءت موقوفة على ابن عمر، فهم لا يرفعون أيديهم، بعض العلماء يقولون: بعدم الرفع، وبعضهم يقول: بالرفع، ويستدل على ذلك بأنه قد جاء في بعض طرق الحديث زيادة الرفع إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والذي زادها عمر بن شبة وهو ثقة، وقد ذكر هذا الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على فتح الباري في الجزء الثالث من كتاب الجنائز، وقال: إن الرفع جاء من طريق عمر بن شبة وهو ثقة، بل زيادته مقبولة، وذكر هذا الحديث المرفوع أنه في علل الدارقطني.
توجيه الحصر في حديث أنس بذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي بن أبي طالب
السؤال: لماذا حصر في حديث أنس بذكر أبي بكر وعمر وعثمان دون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟الجواب: ما أدري، ما أدري هل رأى هذا عن علي أو بلغه عن علي -الذي هو أنس-؛ لأن أنس ذكر هؤلاء الثلاثة، ومن المعلوم أن هؤلاء الثلاثة كانوا في المدينة، وأما علي رضي الله عنه فإنه انتقل إلى العراق، وأنس رضي الله عنه انتقل إلى العراق، إلا أنه بالبصرة وعلي بالكوفة، وانتقاله ما أدري متى كان، لكن كونه ما ذكر علياً؛ لعل ذلك ما بلغه، أو ما علم هذا عن علي رضي الله عنه، ولكنه حصل منه الصلاة خلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يرهم يجهرون.لكن العلماء الذين ذكروا الأحكام، أو أقوال الصحابة، والتابعين ذكروا أن الخلفاء الراشدون على هذا ومنهم علي.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 06:57 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(171)
- (باب ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب) إلى (باب فضل فاتحة الكتاب)
بيّن الشرع الحكيم وجوب قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من كل صلاة، وبطلان صلاة من لم يقرأها؛ لأنها ركن من أركان الصلاة، وفي هذا دلالة على عظم شأن الفاتحة، كما أنها أيضاً من النور الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يؤته أحدٌ من الأنبياء قبله.
ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب
شرح حديث أبي هريرة في ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب.أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.. هي خداج.. هي خداج غير تمام، فقلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء الإمام؟ فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا، يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، يقول الله عز وجل: حمدني عبدي، يقول العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي، يقول العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، يقول الله عز وجل: مجدني عبدي، يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل)].يقول النسائي رحمه الله: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب. هذه الترجمة أورد تحتها حديث أبي هريرة الحديث القدسي الذي فيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال: حمدني عبدي)، ولم يأت قبلها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا هو وجه إيراد المصنف هذا الحديث تحت هذه الترجمة، لكن الحديث ليس بواضح الدلالة على الترك، وعلى أنها لا تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن بسم الله الرحمن الرحيم هي آية، وهي قرآن، وقد أثبتها الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم في المصحف، وهم لا يثبتون شيئاً في المصحف وهو ليس من كتاب الله عز وجل، وإنما كل ما أثبتوه في داخل المصحف فإنما هو كلام الله عز وجل، ومن ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة، وقبل غيرها من سور القرآن، وإنما جعل المصنف يقول هذا؛ لأن هذا الحديث قال فيه: فإذا قال عبدي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ولم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا لا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم أنها لا تقرأ، وأنها ليست من القرآن، وإنما الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فأتى بالشيء الذي اختصت به سورة الفاتحة، وأما بسم الله الرحمن الرحيم فإنها يؤتى بها في أول كل سورة، وهي من القرآن، ولكن ليس متفقاً على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، ولهذا لو لم يأت بهذا لا يقال: إن الصلاة لا تصح، وأنها تبطل، ولكن كون الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بها كما جاء في الحديث الذي مر، سورة بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، فجعلها من السورة، فهنا قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، يعني القراءة، فذكر الذي هو خاص بسورة الفاتحة، ولا يوجد في غيرها، أما بسم الله الرحمن الرحيم فإنها توجد فيها، وفي غيرها، وكل سورة من سور القرآن فأولها بسم الله الرحمن الرحيم إلا سورة براءة، فإنها خالية من كونه يأتي بين يديها بسم الله الرحمن الرحيم.فإذاً: ليس في الحديث دليل على ترك القراءة؛ لأن الحديث جاء في بيان ما اختصت به سورة الفاتحة، ولا يوجد في غيرها، وهو ما بدئ بالحمد لله رب العالمين، وأما بسم الله الرحمن الرحيم فليس خاصاً بالفاتحة، بل فيها وفي غيرها، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما كانوا ليدخلوا في المصحف شيئاً ليس من القرآن، حاشهم من أن يحصل منهم ذلك رضي الله عنهم وأرضاهم، بل كل ما في المصحف فهو من القرآن، ولهذا سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، لما قام من إغفاءته قال: أنزلت علي سورة: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] .. إلخ، وأتى في أولها ببسم الله الرحمن الرحيم، فكذلك بسم الله الرحمن الرحيم هي من الفاتحة، لكن الشيء الذي جاء في الحديث القدسي، ونص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي اختصت به الفاتحة.والحديث يدل على عظم شأن الفاتحة، وعلى قراءتها في الصلاة، وأن قراءتها وصفت بأنها الصلاة، فلهذا: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي)، يعني: القراءة، فدل على أن الصلاة لابد فيها من هذه القراءة التي هي قراءة الفاتحة، كما أن فيها قراءة شيء آخر غير الفاتحة وهو: السورة، لكن المتعين واللازم هو سورة الفاتحة، ولهذا جاء فيها أحاديث تخصها، وهي التي ستأتي: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهنا وصفت قراءة الفاتحة بأنها صلاة، وذلك لعظم شأنها، وتعين هذه القراءة فيها، وأن الصلاة لابد فيها من هذه القراءة التي هي قراءة الفاتحة.قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، هي خداج، هي خداج غير تمام)].هذه الجملة كررها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، (من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج) وتفسيرها غير تمام، أي: أنها ناقصة، ولما قال ذلك أبو هريرة لهذا الرجل الذي هو أبو السائب، قال: (إنني أحياناً أكون وراء الإمام، قال: فغمز في ذراعي وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي)، ثم تلا عليه الحديث القدسي الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي يدل على أن الإنسان في قراءته للفاتحة يكون مثنياً على الله، ومعظماً له، وممجداً له، وسائلاً لحاجته ومطلوبه، وأن القراءة هي قراءة هذه الفاتحة، وهي على قسمين: قسم لله عز وجل، وقسم للعبد، قسم لله يعني ثناء عليه وتعظيم له، وقسم للعبد وهو طلب ورجاء من الله عز وجل، والله عز وجل يعطي عبده ما سأله.
قسمة الله سبحانه وتعالى الفاتحة بينه وبين عبده
قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني). أي: القراءة، قراءة الفاتحة، الصلاة هي خاصة بالله عز وجل، وكذلك قراءة القرآن يرجى ثوابه من الله عز وجل، لكن هذه القسمة المقصود بها أن الفاتحة مشتملة على شيء هو تعظيم لله، وعلى شيء هو طلب للعبد، وحاجة للعبد، وهو أحوج ما يكون إليها، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، ويسأل هذا الأمر العظيم الذي هو أحوج ما يكون إليه، والله تعالى يعطيه سؤله، فلهذا قال: (ولعبدي ما سأل). فإذاً: هذا يدل على أهميتها، وعلى عظم شأنها، وأنه لا يفرط فيها، ولا تترك في أي ركعة من ركعات الصلاة؛ لأنها مشتركة، أو لأن هذه القراءة، أو هذه السورة ما جاء فيها مشترك بين العبد وبين ربه، ثناء على الله عز وجل، وتعظيم له في أولها، وطلب من العبد شيئاً من الله عز وجل هو أعظم ما يكون إليه حاجة، وحاجته إليه أعظم من حاجته إلى الشراب، والطعام، يعني: حاجته إلى الهداية إلى الصراط المستقيم؛ لأن الحاجة إلى الطعام، والشراب إقامة لهذا الجسد في هذه الحياة التي لابد أن تنتهي، وأما الهداية إلى الصراط المستقيم هي سبب للحياة الباقية في نعيم مقيم، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، فالعبد أحوج ما يكون إلى هذه الهداية أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، ولهذا جاء في هذه السورة هذا الطلب، والعبد يقرؤها في كل ركعة من ركعات الصلاة، ويكررها، ويسأل الله عز وجل هذا المطلب الذي هو في أشد الحاجة إليه، وفي أمس الحاجة إليه، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم.ثم بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذه القسمة بقوله: ( يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فيقول الله عز وجل: حمدني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، قال: هذه بيني وبين عبدي )، يعني: أولها لله عز وجل وآخرها للعبد، (إياك نعبد) هي حق لله، (وإياك نستعين) هي للعبد، يعني: يطلب الإعانة، معناه أنه يسأل الإعانة من الله عز وجل، ولا يحصل شيئاً، ولا يدرك أمراً من الأمور التي يريدها ويقصدها إلا بمعونة الله عز وجل، ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال في الحديث الصحيح: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. ثم قال: احرص على ما ينفعك، ثم قال: واستعن بالله)، فالعبد يفعل الأسباب، ولكنه يعول على مسبب الأسباب، والاستعانة به سبحانه وتعالى، يجتهد في طلب حاجته من الطرق المشروعة، ولكنه لا يعول على الأسباب، وإنما يسأل مسبب الأسباب أن ينفع بتلك الأسباب، ولهذا قال: (واستعن بالله)، فلابد من الأمرين: أخذ بالأسباب، والاستعانة بالله، ولهذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، (إياك نعبد) هذه حق لله عز وجل، العبادة حق الله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، (وإياك نستعين)، يعني: نطلب العون، وأنت المستعان الذي تطلب منك الحوائج، ويطلب منك المطلوب، قال: (هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)، يعني: إياك نعبد لله، وإياك نستعين هذه للعبد، فهي مقسومة بين الله وبين العبد، هذه الآية نصفها الأول لله، وهو تابع لما تقدم، والنصف الثاني الذي هو: (إياك نستعين)، للعبد، وهو تابع لما وراءه؛ لأنه ما وراءه مطلوب العبد من ربه.ثم قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، طلب الهداية إلى الصراط المستقيم يشتمل على طلب التثبيت على الهداية الحاصلة، والمزيد من الهداية، يعني: يطلب التثبيت على ما هو موجود، وطلب تحصيل هداية زائدة على ما هو موجود، يعني: والله عز وجل يزيد هدى إلى هدى، وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف:13]، يعني: يطلب التثبيت على ما هو موجود، وطلب المزيد، مزيد الهداية، ولا يقال: إنه قد اهتدى فكيف يطلب الهداية؟ فإنه من المهتدين، بل هو أحوج ما يكون إلى هذه الهداية؛ لأن الهداية إذا ما حصل التوفيق بثباتها تزول، وكذلك هو أيضاً بحاجة إلى المزيد من الهداية، الذي يزيده سمواً، ويزيده علواً، ويزيده رفعة عند الله عز وجل.ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون في درجاتهم، ومنازلهم، بتفاوتهم في الهداية، والناس ليسوا على حد سواء في الهداية، فهم متفاوتون فيها، ولهذا فالعبد عندما يسأل الله عز وجل الهداية يسأله التثبيت على ما هو موجود، والمزيد من الهداية، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].ثم بين أن هذا الصراط بصراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، ثم بعض العلماء استنبط من هذه الآية صحة إمامة أبي بكر الصديق وخلافته، وذلك أن الله عز وجل في هذه السورة قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، ومن المعلوم أن المنعم عليهم منهم الصديقون، وأبو بكر من الصديقين، والسؤال هو سؤال أن يهديه الله صراط المنعم عليهم، ومن المنعم عليهم أبو بكر الصديق؛ لأنه من الصديقين، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأبو بكر رضي الله عنه هو من الصديقين.فإذاً يدل على أن إمامته إمامة حق، وأنه إمام هدى، وأنه من الصديقين الذين نسأل الله عز وجل أن يسلك بنا طريقهم، نسأله في كل ركعة من ركعات صلاتنا أن يسلك بنا طريق هؤلاء الذين ثبتوا على الصراط المستقيم، ومنهم الصديقون وفيهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا ذكره شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في أضواء البيان عند سورة الفاتحة، وقال: إن هذه الآية دالة على صحة ولاية أبي بكر الصديق، وصحة خلافته؛ لأن المسلمين يسألون الله عز وجل أن يهديهم الصراط المستقيم الذي هو صراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وفيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، يعني: يسأل الإنسان ربه أن يهديه صراط المنعم عليهم، وأن يحفظه من أن يقع في ما وقع فيه من حاد عن الصراط المستقيم، وهم المغضوب عليهم والضالون، والمغضوب عليهم هم: اليهود، والضالون هم: النصارى، وإن كان كل من النصارى مغضوب عليهم، واليهود ضالون، إلا أن اليهود غلب عليهم ذلك؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى غلب عليهم الضلال؛ لأنهم يعبدون الله على جهل وضلال، ولهذا يقول بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. اليهود عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى يعبدون الله على جهل وضلال.وهذا الحديث من الأحاديث القدسية التي ترجع الضمائر فيها إلى الله عز وجل، والتي هي كلامه سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن الأحاديث القدسية هي:
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:01 PM
كلام الله لفظاً ومعنى إذا تحقق بأن الحديث ما روي بالمعنى، أما إذا كان مروياً بالمعنى، أو دخلته الرواية بالمعنى فلا يصلح أن يقول: أنه لفظ الله، وأنه لفظه من الله عز وجل؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان عندما يتقن المعنى ولا يتقن اللفظ، فإنه يرويه على ما قدر أن يرويه عليه، وإذا عجز عن اللفظ وقدر على المعنى يرويه بالمعنى، وهذا سائغ كما هو معروف في الأحاديث، لكن إذا تحقق وكان الحديث ما فيه رواية بمعنى، وجاء على هيئة واحدة، ولم تأت فيه روايات تدل على أنه مروي بالمعنى، فإن لفظه ومعناه من الله عز وجل، والضمائر فيه ترجع إلى الله، يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين).ثم الحديث كما قلت يدل على عظم شأن قراءة الفاتحة، وأنها وصفت بأنها الصلاة وهي جزء من الصلاة، فكل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي غير صلاة، غير صحيحة.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ترك قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في فاتحة الكتاب
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة، هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك بن أنس]. إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وهو: من أئمة أهل السنة وهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقد ذكرت مراراً أن هذه المذاهب ليست هي مذاهب أهل السنة وحدها، وأنه ليس هناك لأهل السنة شيء غير هذه المذاهب، بل هذه حصل لها عناية من أتباع لهؤلاء الأئمة عنوا بجمعها، وترتيبها، وتنظيمها، وهناك فقهاء مثل الأئمة الأربعة قبلهم، وبعدهم، وفي زمنهم، لكنهم ما حصل لهم ما حصل لهؤلاء الأئمة من وجود أصحاب يعنون بجمع أقوالهم والعناية بها.ومن المعلوم أن الأئمة الأربعة أولهم أبو حنيفة، وكانت ولادته سنة ثمانين، وآخر الأئمة الأربعة الإمام أحمد، ووفاته سنة مائتين وإحدى وأربعين، وقبل أن يكون الأئمة الأربعة، وقبل أن يوجدوا، الذي كان الناس عليه قبل وجودهم هو الذي يجب أن يكون الناس عليه بعد وجودهم، وذلك أن هذا هو مقتضى وصاياهم، ومقتضى توجيهات هؤلاء الأئمة الأربعة، يوجهون هذه التوجيهات، بمعنى أنه يؤخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صح، ولا يؤخذ بقوله حيث يوجد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقابله، وهذا هو اللائق بالأئمة وبفضلهم وعملهم ونبلهم، أنهم يحثون على اتباع السنن، والأخذ بالحديث، وأنهم اجتهدوا، وهم لا يعدمون الأجر أو الأجرين في اجتهادهم، لكنهم يخطئون، ويصيبون، وليسوا بمعصومين، وهم مأجورون على كل حال، إن أصابوا وإن أخطأوا، إن أصابوا فلهم أجران على اجتهادهم وإصابتهم، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، لكن لا يجوز أن يقول أحد: إن الحق مع فلان، وأن الإنسان يتعبد الله بقول فلان، نعم من لا يستطيع أن يصل إلى الحق، وأن يعرفه بنفسه أو بسؤال من عنده علم، فإنه يدرس مذهب من المذاهب ويتعبد الله به، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لكن إذا كان الإنسان عنده قدرة على معرفة الحق بدليله، أو عنده من يسأله ويرجع إليه؛ فإن هذه هي الطريقة التي كان يفعلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عنده علم أخذ به، ومن ليس عنده علم سأل غيره ممن عنده علم، وأخذ بما يفتيه به ذلك العالم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي يجب أن يكون الناس عليه دائماً وأبداً. ولا يعني هذا أن يتهاون الناس، وأن يتساهل الناس بكلام الأئمة، لا أبداً، طلب العلم بحاجة إلى كلام العلماء، والرجوع إلى فقههم، والاستفادة منهم، لكن إذا تبين الدليل فإن هذا هو مقتضى توجيهات الأئمة، ولهذا يقول ابن القيم رحمة الله عليه في كتاب الروح: إن الإنسان يرجع إلى كلام أهل العلم، ويستفيد من علمهم، ويستعين بهم في الوصول إلى الدليل، وإلى معرفة الحق، ولكن إذا وصل إلى الدليل ليس بحاجة إلى من يدله؛ لأن هذه هي الغاية المطلوبة، وهذه البغية المقصودة.ثم ضرب لذلك مثلاً قال: فإن الإنسان عندما يكون في الفلاة يهتدي إلى القبلة عن طريق نجم، يعني يستطيع أن يهتدي إلى جهة القبلة بالنجوم، لكن إذا وصل الإنسان إلى القبلة، وصار عند الكعبة تحتها، هل يبحث في النجوم يبحث عن القبلة؟ القبلة أمامه ينظر إليها، فكذلك كلام العلماء يرجع الإنسان إلى كلامهم، لكن إذا وجد أن الدليل مع أحدهم، أو اهتدى إلى الدليل بواسطتهم، أو بواسطة أحدهم، أو بعضهم، فإنه يأخذ بالدليل؛ لأن هذا هو مقتضى توجيهات الأئمة، كل الأئمة الأربعة أوصوا بهذه الوصايا، وأرشدوا إلى هذا العمل الذي يعمله المسلم، وهو الأخذ بالدليل.فكذلك العلماء ما دام الإنسان ما اتضح له الحق يستفيد من كلام العلماء، ويرجع لهم، لكن إذا وجد الدليل هو المطلوب وهو الغاية، وهو ما كان يريده الأئمة، والذي يعمل هذا هو الذي أخذ بتوجيهات الأئمة، والذي يستطيع أن يعرف الحق بدليله، أو يعرف الحق ولكنه يقول: أنا آخذ بكلام فلان؛ لأنه أعلم ولأنه لو كان الحديث موجود لما خفي عليه، فهذا من الغلو الذي لا يرضاه الأئمة، والذي وجه الأئمة إلى خلافه، ولهذا فإن الناس بالنسبة للأئمة بين إفراط وتفريط، من الناس من يجفو ويقول: نرجع إلى كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقط، ولا ننظر إلى كلام العلماء، هذا جفاء، ومن الناس من يقول: نلتزم بكلام الأئمة ولا نخرج عنه، ولو كان فيه شيء لم يخف على الإمام، وما يخفى على الإمام من السنة شيء، وهذا غلو ومجاوزة للحدود، والحق هو تعظيمهم والثناء عليهم وتوقيرهم والأخذ بوصاياهم، والاستفادة من علمهم، لكن إذا اتضح الدليل فإن هذا هو الغاية المقصودة، والبغية المنشودة التي هم طلبوها، وأرشدوا إلى طلبها والوصول إليها.والإمام [مالك] رحمه الله هو أحد هؤلاء الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، والإمام أحمد تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ لـمالك، يعني: ثلاثة من الأئمة الذي هم: مالك، والشافعي، وأحمد، وجاء في بعض الروايات وجودهم في إسناد واحد، في مسند الإمام أحمد حديث يرويه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك، وهو حديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة)، وقد أورد هذا الحديث ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] في تفسير سورة آل عمران، وذكر هذا الحديث، وقال: هذا إسناد عزيز فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة يروي بعضهم عن بعض، الإمام أحمد يروي عن الشافعي، والشافعي يروي عن مالك، والإمام مالك حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن العلاء بن عبد الرحمن].وهو الحرقي المدني، والحرقة من جهينة، وهو صدوق ربما وهم، خرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أنه سمع أبا السائب].هو المدني مولى بني زهرة، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.وأبو السائب مثل العلاء بن عبد الرحمن.فإذا كان ذكره المزي في تهذيب الكمال فالمعتمد ما قاله المزي، البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، يعني: يكون مثل تلميذه الذي روى عنه، العلاء بن عبد الرحمن الحرقي المدني. [سمعت أبا هريرة].أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديثه عليه الصلاة والسلام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة
شرح حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة.أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي إيجاب قراءة الفاتحة في الصلاة، وأورد فيه حديث عبادة بن الصامت: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وهو واضح الدلالة على ذلك؛ لأنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، يعني: لا صحة للصلاة التي لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وهو مطابق للترجمة، فالترجمة: إيجاب القراءة، والحديث يدل على أن الصلاة لا تعتبر صلاة حتى يكون قرئ فيها بفاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
تراجم رجال إسناد حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].محمد بن منصور وهو الجواز المكي، وهو ثقة خرج حديثه النسائي، وقد سبق أن مر بنا أن محمد بن منصور من شيوخ النسائي اثنان: محمد بن منصور الطوسي، ومحمد بن منصور الذي هو الجواز المكي، وكل منهما روى عن السفيانين، إلا أنه إذا جاء محمد بن منصور يروي عن سفيان، فإنه يحمل على أنه المكي؛ لأن ابن عيينة مكي، وهذا الذي هو محمد بن منصور مكي، وإذا كان الأمر مشتبهاً، يعني: بين راويين فأكثر، فإنه يحمل على من يكون للراوي عنه خصوصية وملازمة، وكونه من أهل بلده، ومما يؤيد ذلك أن محمد بن منصور هو المكي، وأن سفيان بن عيينة هو الذي يروي عن الزهري، والحديث عن الزهري، والثوري ليس معروفاً في الرواية عن الزهري، بل قال الحافظ ابن حجر: إنه يروي عنه بواسطة، وأنه ما روى عنه مباشرة.فإذاً: سفيان هو: ابن عيينة من جهة أنه مكي، ومحمد بن منصور مكي، ومن جهة أن ابن عيينة هو الذي معروف بالرواية عن الزهري، وسفيان بن عيينة، وهو ثقة، حجة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو إمام، جليل، ومحدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن محمود بن الربيع].محمود بن الربيع، وهو من صغار الصحابة، صحابي صغير، وأكثر روايته عن الصحابة؛ لأنه صغير السن، وهو الذي قال: عقلت مجة مجها علي رسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني معناه أنه صغير، يعني: يدرك هذا الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فهو من صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبادة بن الصامت الأنصاري] رضي الله عنه.وهو صحابي مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن معمر عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)].ثم أورد النسائي حديث عبادة بن الصامت من طريق أخرى وبلفظ: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)، يعني: مع الفاتحة غيرها، وهذا لا يدل على وجوب قراءة شيء غير الفاتحة، أو على تعين شيء، وأنه لا تصح الصلاة لو لم يقرأ مع الفاتحة غيرها؛ لأنه ما جاء شيء مثلما جاء في الفاتحة، فممكن أن يكون المعنى: أنه أقل شيء فاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، يعني: أقل شيء يقرأ هو فاتحة الكتاب، ويضاف إليها ما يضاف مما تيسر من القرآن، لكن لو قرأ الإنسان بالفاتحة، ولم يقرأ بغيرها لا يقال: إن صلاته لا تصح، بل صلاته صحيحة، وإنما الفاتحة هي التي يقال فيها هذا: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فليس معنى هذا أن من قرأ بفاتحة الكتاب فقط، ولم يقرأ معها شيء أن صلاته باطلة، بل إن قراءة الفاتحة هي أقل شيء، ويضاف إليها ما يضاف.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)
قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر وهو المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[أخبرنا عبد الله].هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، جواد، مجاهد، عابد، جمعت فيه خصال الخير، هكذا قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن معمر].هو معمر بن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
فضل فاتحة الكتاب
شرح حديث: (... أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل فاتحة الكتاب.أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل عليه السلام، إذ سمع نقيضاً فوقه، فرفع جبريل عليه السلام بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: فضل فاتحة الكتاب، وأورد فيها حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما الذي فيه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده جبريل فسمع نقيضاً من السماء، يعني: صوت، فرفع جبريل بصره فقال: هذا باب فتح من السماء لم يفتح قط قبل ذلك، فنزل منه ملك وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ).ومحل الشاهد من ذلك كونه قال في آخره: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما أحد قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة) يعني: كونها وصفت بهذا الوصف، وأنها نور، ومن المعلوم أن القرآن كله نور، وقد وصف القرآن بأنه نور، ووصفت سورة الفاتحة بأنها نور، وخواتيم سورة البقرة وصفت بأنها نور، فهذا يدلنا على وصف القرآن كله، وبعضه بالنور، وهو في الحقيقة نور؛ لأنه نور يستضاء به في ظلمات الجهل، ويهتدى بهذا النور إلى الصراط المستقيم، ولا وصول إلى السعادة إلا عن طريق هذا الوحي الذي هو نور، وقد جاء في القرآن في سورة التغابن: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]، وصف القرآن بأنه النور الذي أنزله الله على رسوله محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على فضل الفاتحة كما ترجم له المصنف، أيضاً يدل على أن الوحي لا يختص بنزوله جبريل، وأنه قد ينزل به بعض الملائكة الآخرين، كما جاء في هذا الحديث الذي جاء فيه أن هذا الملك نزل بهذه البشارة، وهي ما أوتيه عليه الصلاة والسلام من هذه السورة وخواتيم سورة البقرة، فيدل على أن بعض الملائكة قد ينزل بشيء من القرآن، وأن ذلك لا يختص بجبريل، وإن كان جبريل هو المعروف بأنه هو الملك الموكل بالوحي، إلا أن ذلك لا يختص به دائماً، بل قد يحصل من غيره أن ينزل بالوحي كما جاء في هذا الحديث الذي معنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (... أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك]. محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا يحيى بن آدم].يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، فاضل، وهو صاحب كتاب الخراج، وحديثه أخرجه أ صحاب الكتب الستة.[قال: حدثنا أبو الأحوص].أبو الأحوص، وهو: سلام بن سليم، وهو ثقة، متقن، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمار بن رزيق].عمار بن رزيق، وهو لا بأس به، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن عبد الله بن عيسى].عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، جده عبد الرحمن بن أبي ليلى المشهور الذي يروي عن الصحابة، الذي هو: محدث، فقيه، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة فيه تشيع، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].سعيد بن جبير، وهو محدث، فقيه، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.عن عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحبة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:03 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(172)
- باب تأويل قول الله عز وجل (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)
بيّن الشرع الحكيم فضل سورة الفاتحة وأنها مقسمة بين العبد وربه، وأن الله جل وعلا ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها، وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم.
تأويل قول الله عز وجل: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)
شرح حديث أبي سعيد بن المعلى في فضل السبع المثاني
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تأويل قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87].أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي، فدعاه، قال: فصليت ثم أتيته، فقال: ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم يقل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]؟ ألا أعلمك أعظم سورة قبل أن أخرج من المسجد؟ قال: فذهب ليخرج، قلت: يا رسول الله، قولك، قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هي السبع المثاني الذي أوتيت، والقرآن العظيم)].يقول النسائي رحمه الله: تأويل قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]. التأويل: يراد به التفسير، وعندما يأتي ذكر التأويل، يعني: تأويل قول الله عز وجل كذا، أي: تفسيره، وهي مرادفة للتفسير، ويستعملها كثيراً بعض العلماء مثل: ابن جرير الطبري رحمه الله، فإنه كثيراً ما يستعمل التأويل بدل التفسير في كتابه: تفسير القرآن، والتأويل يأتي بمعنى التفسير، ويأتي بمعنى آخر وهو ما يؤول إليه الكلام من الحقيقة، فما يؤول إليه الكلام من الحقيقة هذا يقال له: تأويل، ومن ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، يعني: مآلاً وعاقبة، فما يؤول إليه الكلام، وينتهي إليه، هذا من معاني التأويل، ومن ذلك تأويل الرؤيا، وهو الحقيقة التي وقعت هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، رأى رؤيا ولما حصل وقوع ما هو تأويل قال: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100]، فالتأويل يأتي بمعنى ما يؤول إليه الكلام من الحقيقة، ويأتي بمعنى التفسير.وهنا قول النسائي: تأويل قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، المراد به تفسير قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، وهو مثل عمل ابن جرير، والنسائي في زمن واحد؛ لأن النسائي توفي سنة 303هـ، وابن جرير سنة 310هـ أو 311هـ، وكل منهما يستعمل التأويل بمعنى التفسير.وقد مر بنا بعض الآيات التي فيها هذا، ومنها أول باب في سنن النسائي: تأويل قول الله عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وهنا تأويل قول الله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، وقد أورد تحتها أحاديث، منها تفسير السبع المثاني بأنها الفاتحة، وبعضها يدل على أن السبع المثاني هي السبع السور الطوال من القرآن، يعني: بعد الفاتحة، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث.
ذكر فضل سورة الفاتحة والمراد بالسبع المثاني
وقد أورد النسائي الحديث الأول وهو حديث أبي سعيد بن المعلى المتعلق بسورة الفاتحة، وذلك أنه كان يصلي فمر به النبي صلى الله عليه وسلم، أي: بـأبي سعيد بن المعلى فدعاه، وكان يصلي فاستمر في صلاته حتى فرغ منها، فلما فرغ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما منعك أن تجيبني؟ فقال: لأني كنت في صلاة، قال: ألم يقل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]؟ ثم قال: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد)، ثم إنه لما أراد أن يخرج جاء إليه وذكره، وقال: (قولك يا رسول الله)، يعني: أذكرك قولك الذي قلته، وأنك ستعلمني أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فقال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هي: السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن سورة الفاتحة هي السبع المثاني، أي: سبع آيات مثاني، يعني: تثنى في كل ركعة، كل ركعة من ركعات الصلاة تثنى فيها، تتكرر هذه السورة، تثنى في كل ركعة من ركعات الصلاة، وهذا هو معنى كونها مثاني؛ ويؤتى بها قراءة بعد قراءة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وقيل: إنها مثاني لأنه يثنى على الله عز وجل بها، لكن كونها مثاني بمعنى أنها تثنى بها القراءة، هذا هو الأوضح، والقرآن وصف بأنه مثاني كله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر:23]، يعني: تثنى فيه العبر والقصص، وتثنى فيه قصص الأنبياء، وقصص الملائكة، وقصص الأمم السابقة، يعني: تكرر فتثنى فيكون فيها عبر وعظات.والحديث يدل على فضل سورة الفاتحة، وعلى أنها أعظم سورة في القرآن؛ ولهذا الله تعالى فرض قراءتها في الصلاة، وتقرأ في كل ركعة من ركعاتها، وهي مشتملة على ثناء، ودعاء، ثناء على الله ودعاء من العبد لربه، يسأله أن يحقق له ما يريد من الإعانة والهداية إلى الصراط المستقيم، صراط المنعم عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وهو غير طريق المغضوب عليهم والضالين، وهم اليهود والنصارى الذين عرفوا الحق، ولم يعملوا به، والذين يعبدون الله على جهل وضلالة، فالحديث يدل على فضلها، وعلى عظم شأنها.ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد)، ولم يعلمه في الحال ليستعد، ويتهيأ، وليشغل باله في التفكير، والاستعداد، والتهيؤ، ثم إنه لما أراد أن يخرج جاء وذكره، وقال: قولك يا رسول الله، يعني: أذكرك قولك يا رسول الله، أنك ستعلمني أعظم سورة قبل أن تخرج، فأخبره أنها الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هي: السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته.وقيل: سبع مثاني لأنها مشتملة على سبع آيات، وقد عدت البسملة آية من الآيات السبع، ومن العلماء من قال: إنها سبع، وأن السابعة هي الآية الأخيرة تكون آيتين، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، آية، ثم: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ، آية أخرى، لكن المشهور أن البسملة هي الآية الأولى؛ ولهذا عندما رقمت الآيات أعطيت البسملة الرقم الأول، أي: الآية الأولى بعد بسم الله الرحمن الرحيم رقم (1)، ثم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] رقم (2) التي هي الآية الثانية، فهي سبع آيات قيل لها: السبع المثاني، وهي مثاني كما عرفنا؛ لأنها تثنى فيها القراءة.وقوله: هو القرآن العظيم، قيل: أن هذا وصف للفاتحة، وأنها أطلق عليها القرآن العظيم لعظمها ولعظم شأنها، وهو من إطلاق الكل على البعض، وقيل: إنها معطوفة والعطف للمغايرة، أي: أنها عاطفة، يعني: والقرآن العظيم هو ما أعطيته وهو غير الفاتحة، أعطيت السبع المثاني، وأعطيت القرآن العظيم، يعني: ما عداها، وهي من القرآن، أو تكون ذكرت مرتين مرة على سبيل الاستقلال، ومرة على سبيل دخولها تحت اللفظ العام، ويكون من جنس: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر:4]، يعني: يكون جبريل جاء مفرداً، وجاء مندرجاً تحت اللفظ العام، فيكون عطف القرآن العظيم عليها من عطف العام على الخاص، والفاتحة داخلة في ذلك العام، ولكنها أفردت ونص عليها بإفرادها لأهميتها، فيكون إما أن يكون القرآن العظيم يراد به الفاتحة مع السبع المثاني، ويكون من إطلاق الكل على البعض، وذلك لأهمية هذه السورة، أو يكون المراد به الفاتحة وما عداها، أي: أعطيت الفاتحة، وأعطيت ما عداها الذي هو غير الفاتحة، أو أن عطف القرآن العظيم على الفاتحة من عطف العام على الخاص، الذي يكون الخاص فيه ذكر مرتين، مرة بانفراده، ومرة باندراجه تحت اللفظ العام.وفي هذا الحديث دليل على أن السنة تفسر القرآن وتبينه؛ لأن هذه الآية: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر:87]، جاء هذا الحديث بأن المراد بها سورة الفاتحة، وهذا فيه تفسير القرآن بالسنة، وأن السنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه.ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي سعيد بن المعلى مناداته له وهو في الصلاة، ثم أبو سعيد رضي الله تعالى عنه لم يجب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في صلاة، فظن أن إجابته إنما تكون بعد الفراغ، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: لماذا لم تجبني؟ قال: كنت في صلاة، قال: ألم يقل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] قالوا: وهذا من خصائصه أنه لو دعا أحداً، وهو في الصلاة، فإنه يجيبه ولو كان في الصلاة؛ لأن أبا سعيد لما اجتهد ورأى أنه يستمر في الصلاة، ثم يجيبه بعد الصلاة أنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال بعد أن قال له: إني كنت في صلاة، قال: ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] قالوا: وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد بن المعلى في فضل السبع المثاني
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].إسماعيل بن مسعود، وهو: أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا خالد].خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة].شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن خبيب بن عبد الرحمن].خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب].وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سعيد].أبو سعيد بن المعلى صحابي، قيل: اسمه رافع وهو من الأنصار، وأخرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، والبخاري لم يخرج له إلا هذا الحديث الواحد، الذي رواه النسائي، والصحابي هو: أبو سعيد بن المعلى.
شرح حديث أبي هريرة في فضل السبع المثاني
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله عز وجل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل)].أورد النسائي حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنزل الله عز وجل في التوراة، ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي)، يعني: يقول الله عز وجل: (وهي مقسومة بيني وبين عبدي) وهذا حديث قدسي، يعني: مثل ما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين)، (وهي مقسومة بيني وبين عبدي)، والحديث دال على ما دل عليه حديث أبي سعيد بن المعلى من تفسير السبع المثاني بأنها أم القرآن، فتفسير السبع المثاني التي جاءت في سورة الحجر بأن المقصود بها الفاتحة أم القرآن، فهي السبع المثاني. وفيه تفسير القرآن بالسنة كما في الذي قبله، وتوضيح السنة للقرآن كما دل عليه الحديث الذي قبله.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل السبع المثاني
قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث].الحسين بن حريث المروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فإنه لم يخرج له شيئاً.[الفضل بن موسى المروزي].وهو ثقة، ثبت، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الحميد بن جعفر].عبد الحميد بن جعفر، وهو صدوق ربما وهم، خرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن العلاء بن عبد الرحمن].العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي الجهني المدني، وهو صدوق ربما وهم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].هو عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي الجهني، والحرقة من جهينة، المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أيضاً البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين خرجوا له كالذين خرجوا لابنه.[عن أبي هريرة].أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.[عن أبي بن كعب].أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، وأبي بن كعب صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو سيد القراء، وهو: الذي أمر الله نبيه أن يقرأ سورة: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة:1]، قال: وسماني لك يا رسول الله؟! قال: نعم، فبكي أبي ؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يقرأ سورة: (لم يكن) على أبي، وذلك من الفرح، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:05 PM
شرح حديث: (أوتي النبي سبعاً من المثاني السبع الطوال)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني محمد بن قدامة حدثنا جرير عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً من المثاني السبع الطوال)].أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم.(أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً من المثاني السبع الطوال).يعني: السبع السور الطوال، وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة، أو يونس، يعني: ما ذكرت الأنفال؛ لأنها ليست طويلة فهي ليست من الطوال، ومن العلماء من قال: إن الاثنتين هما تابعات للسبع الطوال، يعني: الأنفال والتوبة؛ لأنه ما فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم.فهما بمثابة السورة الواحدة فيكونان هما جميعاً السبع الطوال، أي: السابعة في السبع الطوال، وقيل: إن السابعة هي التوبة وقيل: إنها يونس.إذاً: فهذا تفسير للسبع المثاني بأنها السبع الطوال، وهذا من كلام ابن عباس رضي الله عنه، ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي السبع المثاني التي هي السبع الطوال.
تراجم رجال إسناد حديث: (أوتي النبي سبعاً من المثاني السبع الطوال)
قوله: [أخبرني محمد بن قدامة].محمد بن قدامة، وهو: المصيصي، أخبرني الفرق بينها وبين أخبرنا: أن الراوي عندما يسمع من الشيخ وهو وحده يقول: أخبرني، وعندما يسمع ومعه غيره يقول: أخبرنا، يفصلون بين ما إذا سمع وحده يقول أخبرني وإذا سمع ومعه غيره يقول: أخبرنا. وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي.[حدثنا جرير].جرير، وهو: ابن عبد الحميد، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].الأعمش، وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولقبه الأعمش واسمه: سليمان، وقد ذكرت مراراً أن معرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث، وفائدة معرفة هذا النوع من أنواع علوم الحديث: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه مرة وذكر بلقبه مرة أخرى، فمن لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ومن يعلم لا يلتبس عليه الأمر فيعلم أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش، فإذا جاء بلقبه هو هو، وإذا جاء باسمه فهو هو، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مسلم].مسلم بن عمران البطين، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].سعيد بن جبير، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].ابن عباس، عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
حديث ابن عباس: (في قوله عز وجل: (سبعاً من المثاني) قال: السبع الطوال) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا علي بن حجر حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: (سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [الحجر:87]، قال: السبع الطول)].أورد النسائي طريقاً أخرى عن ابن عباس، وفيها قوله: إن السبع المثاني هي السبع الطول، وهو مثل الذي قبله.قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: ابن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[حدثنا شريك].شريك، وهو: ابن عبد الله القاضي النخعي الكوفي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي إسحاق].أبو إسحاق، وهو: السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير عن ابن عباس].وقد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.والله تعالى أعلم.
الأسئلة
ضابط الانتماء إلى منهج أهل السنة والجماعة
السؤال: هل هناك ضابط في الدخول أو الخروج من منهج أهل السنة والجماعة؟الجواب: منهج أهل السنة والجماعة معلوم، هو ما قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، فمن التزم هذا المنهج كان من أهل السنة والجماعة، ومن خرج عن هذا المنهج لم يكن منهم، ومن كان عنده موافقة ومخالفة فهو مصيب ومحسن فيما وافق، ومسيء ومخالف فيما خالف.
تفسير معنى الاتكاء في الأكل
السؤال: هل هناك حديث جاء فيه كراهية الأكل متكئاً، وما هو الاتكاء؟ هل هو الجلوس متربعاً أم ماذا؟الجواب: جاء تفسير الاتكاء بأنه الجلوس متربعاً، وذلك أنه يكون فيه توسع في الأكل، وانهماك فيه، وتلك الجلسة تكون غالباً جلسة الذي يكثر من الأكل، وقيل: إن المراد به أن يكون متكئاً على يده، وقيل: إن المراد به أن يكون متمايلاً على شيء يتكئ عليه، وهذا في الغالب يكون فيه شيء من التكبر والاستكبار، وهذا هو المراد بالاتكاء في الأكل، والذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعله.
بيان عطف القرآن على السبع المثاني وما المقصود بها
السؤال: لو أعيد بيان عطف القرآن على السبع المثاني؟الجواب: القرآن عطفه على السبع المثاني إما أن يكون المراد بذلك أن السبع المثاني هي الفاتحة، والقرآن إما أن يراد به الفاتحة نفسها، وعلى هذا يكون من إطلاق العام على الخاص، فتكون الفاتحة ذكرت مرتين، مرة بالسبع المثاني، ومرة بالقرآن العظيم، فيكون من إطلاق الكل على البعض؛ اهتماماً بذلك الجزء أو البعض، والقول الثاني: أن السبع المثاني هي الفاتحة، والقرآن العظيم هو ما سواها، يعني: أوتي الفاتحة وغيرها، أعطي الفاتحة وغيرها الذي هو ما عداها، فيكون عطف مغايرة، أو يكون من عطف العام على الخاص، بمعنى: أن الفاتحة ذكرت وحدها، ثم ذكر القرآن العظيم الذي منه الفاتحة، فيكون من عطف العام على الخاص، ويكون ذلك فيه عناية، وبيان عظم شأن ذلك الخاص حيث ذكر مرتين، مرة بانفراده والتنصيص عليه، ومرة بدخوله دحت اللفظ العام، وهذا من جنس: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر:4]، فإن الروح المراد به جبريل، وجبريل من الملائكة، فيكون جبريل مذكور مرتين، مرة ضمن الملائكة، ومرة بالتنصيص عليه واحدة.
حال حديث أبي بن كعب بين القدسي والنبوي
السؤال: حديث أبي بن كعب رضي الله عنه هل هو حديث نبوي أو قدسي؟الجواب: الذي في آخره قوله: (بيني وبين عبدي)، طبعاً هذا قدسي، (بيني وبين عبدي)، هذا ما يقوله إلا الله عز وجل، الذي هو آخره.
تنفيذ الوصية بمبلغ من المال في بناء مسجد
السؤال: قبل خمس سنوات، وضعت والدتي عندي مبلغ خمسة آلاف ريال، وقالت لي: هي أمانة عندك، وإن مت ضعها في بناء أحد المساجد، والآن وقد توفيت رحمها الله، فهل أتصدق بالمال كما أوصت قبل الموت أم يكون من ضمن التركة؟الجواب: طبعاً هو ليس صدقة، يعني: سيجعل في مسجد؛ لأنها عينت المكان، فكما هو معلوم كونها قالت: إذا مت تكون كذا، فهي تعتبر من المال الذي يخلفه الميت، وإذا كان المال كثيراً، وتكون الوصية في حدود الثلث يمكن أن تنفذ، أما إذا كان المال قليلاً ما عندها إلا خمسة آلاف، فإذا كانت قد أوصت بالثلث يؤخذ ثلثها، ويوضع في المسجد، والباقي يكون ميراث؛ لأن الوصية تكون في حدود الثلث إلا إن أجاز الورثة الذين يرثونها أنها تصرف كلها، وأنهم لا يريدون أخذ شيء من الميراث، فعند ذلك تنفذ الوصية بإقرار الورثة، أما إذا لم يوافق الورثة على أن يتنازلوا عن ما يستحقونه مما زاد على الثلث، ففي هذه الحالة يأخذون نصيبهم، وثلث هذا المال -الذي هو خمسة آلاف- هو الذي ينفذ، أو تنفذ فيه الوصية بجعله في مسجد.
بيان أنصباء الأنعام من الغنم والبقر والإبل
السؤال: ما أنصباء بهيمة الأنعام؟الجواب: بهيمة الأنعام هي الإبل، والبقر، والغنم، فالإبل أول نصاب فيها خمس من الإبل، وزكاتها ليست من جنسها، بل من جنس الغنم في كل خمس شاة، يعني: خمس من الإبل إذا مضى عليها سنة يكون فيها شاه، فإذا بلغت عشر يكون فيها شاتين، وإذا بلغت خمسة عشر يكون فيها ثلاث شياه، وإذا بلغت عشرين يكون فيها أربع شياه، وإذا بلغت خمساً وعشرين يبدأ يخرج من جنسها، فيخرج عنها بنت مخاض وهي التي: أكملت السنة الأولى ودخلت في السنة الثانية، إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة وصلت ستاً وثلاثين يكون فيها بنت لبون، وهي: التي أمضت السنة الثانية ودخلت في الثالثة، فإذا بلغت ستاً وأربعين يكون فيها حقة، وهي: التي أكملت ثلاث ودخلت في الرابعة، فإذا بلغت إحدى وستين يكون فيها جذعة، وهي: التي أمضت السنة الرابعة ودخلت في الخامسة، إلى ست وسبعين فيكون فيها بنتا لبون، إلى إحدى وتسعين فيكون فيها حقتان، ثم إذا بلغت مائة وإحدى وعشرين يكون فيها في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وهكذا بعد ذلك، إن كانت مثلاً مائة وثلاثين يكون فيها بنتا لبون وحقة، مائة وأربعين ثلاث بنات لبون، مائة وخمسين ثلاث حقاق، مائة وستين أربع بنات لبون، وهكذا كل أربعين فيها بنت لبون، وكل خمسين فيها حقة.أما البقر، فإذا بلغت ثلاثين يكون فيها تبيع أو تبيعة، وهو: ما أكمل السنة الأولى ودخل في الثانية، فإذا بلغت أربعين يكون فيها مسنة، وهي: التي مضى لها سنتان، ثم في كل ثلاثين تبيع وكل أربعين مسنة، ففي ستين مثلاً تبيعان، في سبعين تبيع ومسنة، في ثمانين مسنتان، في تسعين ثلاثة أتبعة، المائة فيها تبيعان ومسنة وهكذا.وأما الغنم فإذا بلغت أربعين ففيها شاة، وإذا بلغت المائة وإحدى وعشرين يكون فيها شاتان، وإذا بلغت مائتين وواحد يكون فيها ثلاث شياه، وإذا وصلت أربعمائة يكون فيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاه.هذه أنصباء بهيمة الأنعام.
بيان درجة حديث السوق وحديث طلب العلم في المدينة من ناحية الصحة والضعف
السؤال: الحديث الذي يقال في السوق، ما درجته؟ وحديث: (طلب العلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جهاد)؟الجواب: حديث السوق أو الدعاء الذي عند دخول السوق صححه بعض العلماء، وتكلم فيه بعضهم، بعض العلماء صححه وقال: إنه صحيح، وبعضهم تكلم فيه، ولم يره ثابتاً.وطلب العلم في هذا المسجد ورد فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على فضله، ما أذكر لفظه الآن، وهو موجود ضمن كتاب فضائل المدينة الذي عمله الشيخ صالح الرفاعي، وطبع في مطابع الجامعة.
مدة الإقامة للمسافر في غير بلده التي يجوز له فيها القصر
السؤال: إني شاب في المدينة النبوية لمدة أكثر من سبعة أشهر، مع العلم بأنني متردد، هل أسافر أم لا بعد السبعة، فهل لي حفظكم الله القصر أم لا؟ يعني: يقصر الصلاة هذه المدة.الجواب: وهو مقيم سبعة أشهر؟ لا يقصر، فإذا دخل بلداً وهو يريد أن يجلس فيه أربعة أيام فأكثر .. فإنه يتم، ويكون حكمه حكم المقيمين، ليس عليه مشقة، ولا مظنة مشقة، والسفر مظنة المشقة، والجالس حكمه حكم أهل البلد، المشقة التي على أهل البلد هي عليه، فلا يقصر إذا نوى أكثر من أربعة أيام.
تفصيل ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه من النوم
السؤال: فضيلة الشيخ حفظكم الله إذا نام الإنسان في الحرم مستلقياً على ظهره قبل الأذان، هل ينتقض وضوءه أم لا؟الجواب: نعم، إذا كان الإنسان نام وهو مضطجع أو مستلقي، لا شك أن نومه ينقض الوضوء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء)، فإذا نام وحصل منه النوم، سواء مضطجعاً على جنبه أو مستلقياً، فإنه ينتقض وضوءه، وإنما الذي لا ينتقض به الوضوء النوم في حال الجلوس الذي يكون فيه الإنسان متمكن بحيث أنه لا يخرج منه شيء، كأن يخفق رأسه ثم يستيقظ، إذا خفق رأسه، أما لو تسند على شيء ثم نام يغط، فهو مثل المضطجع، وإنما الذي يأتيه النعاس فيخفق رأسه ثم ينتبه إذا خفق رأسه ويصحو، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ لأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يجلسون في انتظار الصلاة فتخفق رءوسهم، ثم يقومون للصلاة ولا يتوضئون.
تعريف الحديث القدسي
السؤال: ما هو التعريف الصحيح للحديث القدسي؟الجواب: الحديث القدسي: هو الحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنداً إياه إلى ربه، هذا هو الحديث القدسي، يعني: الحديث الذي يقول فيه الرسول: قال الله تعالى كذا.. أو يقول الصحابي: عن رسول الله فيما يرويه عن ربه أنه قال كذا، فتعريفه هو: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أسنده إلى ربه.
كيفية التحلل من مظالم وحقوق الآدميين
السؤال: ظلم رجل شخصاً آخر ثم تاب إلى الله عز وجل، وطلب من المظلوم العفو، والصفح فلم يعف عنه، ولم يسامحه، فهل على الرجل الظالم بعد ذلك إثم؟الجواب: إذا كانت المظلمة تتعلق بمال فإنه يعيد المال، وإذا كانت ليست في مال كأن يكون في كلام، وفي جرح فهذا يتحلل منه، فيطلب منه العفو، وإذا حصل أنه طلب منه ولم يسامحه فيوسط من يعز على ذلك الرجل، وتكون شفاعته عنده لها قيمة، ولها شأن، فيجعله وسيطاً ويطلب منه الشفاعة عنده بأن يعفو عنه ويتجاوز.والحاصل: أن حقوق الآدميين هي يكون الخلاص منها برد الحقوق إلى أهلها، أو بالتحلل من أهلها، والإنسان يحرص على طلب التحلل، والتوسط لدى من يستطيع الوساطة، وإذا ما حصل لا هذا، ولا هذا، يكثر من الدعاء لذلك الشخص، ولعل الله عز وجل أن يعوض ذلك المظلوم، ويعفو عن الظالم.
تخصيص الفاتحة وأواخر البقرة بالنورين
السؤال: لماذا سميت الفاتحة وأواخر البقرة بالنورين مع أن القرآن كله نور؟الجواب: ليس هناك تنافٍ، يعني: كما يطلق على القرآن كله بأنه نور، يطلق على بعضه بأنه نور، هذا نور وكله نور، هذان نوران وهو كله نور، فالإطلاق على الفاتحة وعلى آخر سورة البقرة أنها نور لا يتنافى، يطلق على القرآن كله بأنه نور، ويطلق على بعضه أنه نور.
من طاف وبقي عليه شوطان بسبب عدم القدرة
السؤال: إذا طاف شخص خمسة أشواط وبقي عليه شوطان، هل يطاف عنه ما بقي عليه، علماً بأن هذا الشخص لا يستطيع الإكمال؟الجواب: يطاف به محمولاً، إذا كان لا يستطيع يركب، إذا كان لا يستطيع يمشي يحمل، ولا يطاف عنه، وإنما هو يطوف بنفسه إما ماشياً، وإما محمولاً.
الخروج من مكة قبل الطواف
السؤال: إذا خرج من مكة قبل أن يطوف ماذا عليه؟الجواب: إن كان طواف الوداع فإن عليه دم، وإن كان طواف الإفاضة يرجع ويطوف، أو طواف العمرة يرجع ويطوف.
الأولى بالإمامة بين من لا يحسن القراءة ومن يترك بعض الصلوات
السؤال: أيهما أفضل: إمامة العامي الذي لا يحسن القراءة، أم إمامة الشخص الذي يترك بعض الصلوات؟الجواب: إن كان يترك بعض الصلوات في الجماعة فالأمر أهون، يمكن أن يصلي..
__________________
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:08 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(173)
- (باب ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه) إلى (باب تأويل قوله عز وجل: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) )
الواجب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به والإنصات لقراءته، باستثناء سورة الفاتحة؛ لأنها ركن من أركان الصلاة فتجب قراءتها على الإمام والمأموم والمنفرد.
ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به
شرح حديث عمران بن حصين في ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا شعبة عن قتادة عن زرارة عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فقرأ رجل خلفه: (سبح اسم ربك الأعلى) فلما صلى، قال: من قرأ (سبح اسم ربك الأعلى)؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضكم قد خالجنيها)].يقول النسائي رحمه الله: ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به. في الصلاة السرية، في غير الصلاة الجهرية، وأورد النسائي في هذا حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم صلاة الظهر، فقرأ رجل بـ(سبح اسم ربك الأعلى)، ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، قال: أيكم قرأ بـ(سبح اسم ربك الأعلى)؟ قال رجل من القوم: أنا، فقال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها ) أي: نازعنيها، حصل منازعة في القراءة، ومن المعلوم أن هذا إنما حصل برفع صوته، أي: هذا الرجل، حصل منه رفع الصوت، هذا الذي فيه منازعة وفيه مخالجة.والحديث ليس فيه دلالة على ما ترجم له النسائي من ترك القراءة، ولكنه ترك الجهر، الحديث يدل على أن الإنسان لا يجهر، ولا يظهر شيئاً من القراءة في الصلاة السرية، وليس فيه دلالة على ما ترجم له من أن المأموم يترك القراءة في الصلاة السرية؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكر، أو ذكر هذه المخالجة والمنازعة التي حصلت من ذلك الرجل، حيث سمع منه قراءة (سبح اسم ربك الأعلى) يقرأ لكن لا يجهر، لا يظهر منه صوت يشوش على الإمام ولا على المأمومين، وإنما يقرأ سراً في نفسه ولا يترك القراءة خلف الإمام، وعلى هذا فالقراءة خلف الإمام في الصلاة السرية، يقرأ الإمام الفاتحة والسورة، ولا يرفع صوته بالقراءة بحيث يشوش على أحد من الناس، سواء الإمام أو المأمومين.
تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين في ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو العنزي، كنيته أبو موسى ولقبه الزمن، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، ووفاته سنة 252هـ وهو قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهو يعتبر من صغار شيوخ البخاري الذين أدركهم وأدركهم من بعد البخاري، بخلاف الشيوخ الكبار الذين ما أدركهم من بعد البخاري، فهؤلاء كبار، أدركهم في آخر حياتهم وهو في أول حياته، وأما الذين أدركهم في معظم حياته، ووفاتهم قريبة من وفاته، فهؤلاء يعتبرون من صغار شيوخه الذين أدركهم من بعده.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه الكثير في الرجال في نقدهم وتوثيقهم وتجريحهم، وهو الذي سبق أن ذكرت عن الذهبي كلمة عنه وعن ابن مهدي أنه قال: إذا اجتمع يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وهو ابن الحجاج الواسطي، ثم البصري، أمير المؤمنين في الحديث، وهو وصف عال رفيع من أرفع صيغ التعديل، وأعلى صيغ التعديل، وهو الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن قتادة].هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زرارة].هو زرارة بن أوفى العامري البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان ثقة عابداً، وكان قاضياً في البصرة، وكان يصلي بالناس الصبح، ففي يوم من الأيام قرأ بهم في سورة المدثر، فلما جاء عند قوله: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر:8-9]، شهق شهقة ثم سقط ومات وهو في صلاته عندما قرأ هذه الآية، وقد ذكر هذا ابن كثير عند تفسير هذه الآية في سورة المدثر، وذكر هذا غيره، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مات فجأة في الصلاة.[عن عمران بن حصين].هو عمران بن حصين الصحابي المشهور، أبو نجيد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد: محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة بن الحجاج عن قتادة بن دعامة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين، ستة كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وكلهم بصريون إلا عمران، لا أدري هل هو بصري أم لا؟ محمد بن المثنى بصري، ويحيى بن سعيد القطان بصري، وشعبة بن الحجاج واسطي، ثم بصري، وقتادة بصري، وزرارة بن أوفى بصري، وعمران بن حصين لا أدري.فإذا صح أنه مات في البصرة فهو بصري، وإذاً هذا إسناد مسلسل بالبصريين، رجاله بصريون.
شرح حديث عمران بن حصين في ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر أو العصر ورجل يقرأ خلفه، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال رجل من القوم: أنا، ولم أُرد بها إلا الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفت أن بعضكم قد خالجنيها)].أورد النسائي حديث عمران بن حصين من طريق أخرى، وهو بمعنى وبلفظ الحديث المتقدم، وفيه اعتذار الصحابي الذي قرأ بـ(سبح) قال: أنا، وما أردت إلا الخير، وهو دال على ما دل عليه الذي قبله، وكما قلت: هو لا يدل على ترك القراءة في الصلاة السرية من المأموم، وإنما يدل على ترك الجهر، وعلى أن المأموم لا يجهر؛ لأنه لو جهر يشوش على المأمومين وعلى الإمام، فالصلاة السرية لا يجهر بها لا من الإمام ولا من المأموم، لكن الإمام إذا سمع منه قراءة جزء من الآية في بعض الأحيان، لا بأس بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يقرأ، أو يسمع منه جزءاً من الآية، فيعرفون السورة التي يقرأ بها في الصلاة السرية، لكونهم سمعوا منه بعض آية، فكان يظهر صوته أحياناً في بعض الآيات أو في بعض آية، يسمعهم إياها فيعلمون ما يجهر به، أو ما يقرأ به السورة التي يقرأ بها.
تراجم رجال إسناد حديث عمران بن حصين في ترك القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا قتيبة].هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو عوانة].وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وذكرت فيما مضى أن (أبا عوانة) كنية اشتهر بها الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو من طبقة شيوخ البخاري ومسلم، وممن اشتهر بكنية (أبي عوانة) رجل متأخر، هو صاحب المستخرج على صحيح مسلم الذي يقال له: كتاب المستخرج، ويقال له: الصحيح، ويقال له: المسند، فذاك متأخر وهذا متقدم.[عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين]. وهؤلاء تقدم ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به
شرح حديث أبي هريرة في ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به.أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به. يعني: ترك المأموم القراءة خلف الإمام فيما جهر به الإمام، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة -يعني: صلاة جهرية- فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: أنا. فقال: إني أقول مالي أنازع القرآن. فانتهى الناس عن القراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله عليه الصلاة والسلام )، وهذا يدل على أن المأموم لا يقرأ وراء الإمام فيما جهر به، يعني: قراءة السورة، أما قراءة الفاتحة فإنه يقرؤها؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل على استثنائها، حيث قال: (لا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وأما غيرها فهو الذي يمنع منه، وهو الذي لا يجوز للإنسان أن يقرأ خلف الإمام، في الجهرية طبعاً، المأموم يقرأ السورة والفاتحة في الصلاة السرية، وأما في الجهرية فيقرأ الفاتحة فقط ولا يقرأ السورة، بل يستمع لقراءة الإمام.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.[عن مالك].وهو إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة؛ مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، وهو إمام محدث فقيه، وإمام جليل، وهو من صغار التابعين، روى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز بجمع السنة وتدوينها، وقال فيه السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمر[عن ابن أكيمة الليثي].وهو عمارة بن أكيمة الليثي، وهو ثقة، صدوق، خرج حديثه مسلم والأربعة، وهو ثقة في التقريب.وهناك ابن أكيمة آخرون أيضاً من أولاد هذا، لكن هذا هو عمارة بن أكيمة، ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي هريرة]. وهو عبد الرحمن بن صخر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:10 PM
شرح حديث: (لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام.أخبرنا هشام بن عمار عن صدقة عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم عن نافع بن محمود بن ربيعة عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أنه قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فقال: لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: (قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام) وهذه الترجمة تعتبر استثناء من الترجمة السابقة؛ لأن الترجمة السابقة ترك القراءة، وهي مطلقة، وهنا القراءة بأم القرآن، يعني: ترك القراءة في غير أم القرآن، أما أم القرآن فإنه يُقرأ بها وراء الإمام سراً، وقد مر بنا حديث أبي هريرة الذي قال فيه للرجل الذي سأله قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي. وذلك عندما ذكر حديث: ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين...) قال: اقرأ بها في نفسك. فهناك استدل بها أبو هريرة على أن الإنسان يقرأ بها في نفسه؛ لأن الله تعالى يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين)، وذكر ما يخص الله وما يخص العبد، فـأبو هريرة استدل بذاك الحديث على قراءة الفاتحة سراً وراء الإمام، وذلك أن الصلاة قسمت بين الله وبين العبد قسمين، فيحافظ عليها.ثم أيضاً ما جاء في الحديث من استثناء قراءة الفاتحة وراء الإمام: (لا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب).قوله: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فقال: لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)، جاء في بعض الروايات قال: (ما لي أنازع القراءة؟ فلا تقرءوا وراء إمامكم إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، وهذا يدلنا على استثناء قراءة الفاتحة، وأن المأموم يقرأ بها في السرية والجهرية، وفي السرية يقرأ معها سورة، وفي الجهرية لا يقرأ معها شيئاً، وهذا هو الذي رجحه الإمام البخاري وكثير من المحدثين، على أن قراءة الفاتحة تلزم المأموم في الصلوات كلها سريها وجهريها، وإنما الذي يمنع من قراءته في الجهرية هو قراءة ما عدا الفاتحة؛ لأن ذلك داخل في قوله: (لا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب)، وأيضاً داخل في قوله: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، وهذه الآية المراد بها في الصلاة، ومعنى هذا أن غير الفاتحة لا يقرأ المأموم وراء الإمام شيئاً بل يسمع، وأما الفاتحة فإنه يقرأ بها ولو كان الإمام يقرأ.
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)
قوله: [أخبرنا هشام بن عمار].هو هشام بن عمار الدمشقي، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [عن صدقة].هو صدقة بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن زيد بن واقد].وهو -أيضاً- ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. مثل الذي قبله تماماً، وهو دمشقي أيضاً.[عن حرام بن حكيم].وهو دمشقي أيضاً، وهو ثقة خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.[عن نافع بن محمود بن ربيعة].قال عنه الحافظ: إنه مشهور، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأبو داود، والنسائي. و(مشهور) معناها مجهول الحال، يعني: حاله مجهول الحال، والحديث ثبت من طرق أخرى، وبعض العلماء قال: إنه منسوخ، يعني: أن قراءة المأموم الفاتحة وراء الإمام منسوخ بالحديث الذي قال: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام)، لكن هذا لا يدل على النسخ، وإنما انتهوا عن الشيء الذي هو خارج عن الفاتحة، وأما الفاتحة فإن الاستثناء جاء فيها، وجاء ما يخصها. قوله: [عن عبادة بن الصامت].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
تأويل قوله عز وجل: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)
شرح حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تأويل قوله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204].أخبرنا الجارود بن معاذ الترمذي حدثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]. وأورد تحت ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)، ومحل الشاهد منه قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا)، والمقصود من قوله: (تأويل) أن هذا محمول على أنه في الصلاة؛ أن قوله: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، على أنه في الصلاة، وأنه يجب على المأموم إذا قرأ الإمام في الصلاة الجهرية أن يستمع، ولا يقرأ إلا بفاتحة الكتاب، وأما في غير الصلاة، فإذا كان في مجلس يقرأ فيه القرآن، فلا يتشاغل عن القرآن بحديث أو بكلام، والتشاغل عن القرآن مع وجوده عمل غير طيب، فإذا كان -مثلاً- عند الإنسان مسجل فلا يفتحه والقرآن يقرأ ويسمع القرآن وهو متشاغل عنه، بل يغلقه ويتحدث بما شاء، أما كون القرآن يسمع والقراءة مرتفعة والصوت يسمع، ثم يتشاغل الإنسان عنه، فهذا عمل غير حسن، لكن العلماء قالوا: إن هذه الآية محمولة على أن المراد بها القراءة في الصلاة، فلهذا أورد النسائي هذه الترجمة، وأورد الحديث تحتها تفسيراً لها، يعني: أن القراءة إنما هي في الصلاة: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204].
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا...)
قوله: [أخبرني الجارود بن معاذ الترمذي].وهو ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا أبو خالد الأحمر].هو سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر، وهو ثقة، وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن عجلان].وهو صدوق، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن زيد بن أسلم].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي صالح].وهو ذكوان السمان، اسمه ذكوان ولقبه السمان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله عنه].وقد مر ذكره.
شرح حديث: (إنما الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا...) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا محمد بن سعد الأنصاري حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)، قال أبو عبد الرحمن: كان المخرمي يقول: هو ثقة، يعني: محمد بن سعد الأنصاري].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه: (إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)، والمقصود منه: وإذا قرأ فأنصتوا، فهو دال على ما دلت عليه الرواية السابقة من إنصات المأموم وراء الإمام، ولكن ذلك في غير الفاتحة، أما الفاتحة فإن المأموم يقرأ بها، ثم قال النسائي: قال المخرمي وهو: محمد بن عبد الله بن المبارك: إنه ثقة، يعني: محمد بن سعد الأنصاري شيخه، يعني شيخ المخرمي، فـالمخرمي يحكي عن شيخه، ويصفه بأنه ثقة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إنما الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا...) من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي البغدادي، وهو ثقة حافظ، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[حدثنا محمد بن سعد الأنصاري].وهو صدوق، قال الحافظ عنه: أنه صدوق، والمخرمي -تلميذه- يقول عنه: أنه ثقة كما ذكر النسائي هنا، وحديثه أخرجه النسائي وحده.[حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
الأسئلة
حكم من رأى المني عند وضوئه لصلاة الضحى بعد اغتساله عند صلاة الصبح من الجنابة
السؤال: إذا احتلم الرجل ثم اغتسل للصبح ونام أو لم ينم، ثم عند وضوئه لصلاة الضحى وجد ماء، فهل يعيد الاغتسال؟ وما حكم صلاة الصبح؟الجواب: ما دام أنه اغتسل لصلاة الصبح، ثم بعد ذلك نام بعد صلاة الصبح ووجد ماء بعدما قام، فهذا لا علاقة له بصلاة الصبح، يعني كان عنده جنابة واغتسل لها، ثم بعدما صلى الصبح نام، ولما استيقظ وإذا ثوبه فيه بلل، فإنه يغتسل لهذا الذي رآه في منامه، أو الذي حصل له في منامه، وأما صلاة الصبح فقد انتهت، والغسل قد حصل لها، وهذا إنما حصل في النوم.
الحكم على الحديث الوارد في غمز الشيطان للمولود
السؤال: ما صحة الحديث الذي فيه (أن المولود عندما يولد يغمزه الشيطان في آخر السرة، أو في آخر أضلاعه)؟الجواب: الحديث ثابت في الصحيح، يعني: كونه يغمز- يطعن فيه- فيصرخ، هذا ثابت في الصحيح، وأظنه في الصحيحين أو في أحدهما.
القائل لعبارة: (فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه الرسول)
السؤال: ورد في الرواية: (قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك). بعض أهل العلم قال: أن قوله: (قال) يعود على الزهري، وقال بعضهم: عائد إلى أبي هريرة، فما هو الصحيح؟الجواب: لا أدري، لكنه لا شك أنه كلام أحد الرواة، لكن هذا إخبار بالواقع، لكن كما هو معلوم الانتهاء عن الشيء الذي ينتهى عنه، أما قراءة الفاتحة فالرسول صلى الله عليه وسلم استثناها، فقال: يقرأ بها ولو كان الإمام في الصلاة الجهرية؛ لأنه ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وأبو هريرة قال للرجل الذي سأله: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ).
حكم الأخذ برخص السفر في حق من يخرج مسافة مائة كيلومتر
السؤال: هناك بعض طلبة العلم يخرجون إلى بعض القرى المجاورة للمدينة، والتي تبعد مائة كيلو وأكثر، فهل هم في حكم المسافرين؟الجواب: نعم، من خرج إلى مكان يبعد مائة كيلومتر فهو في حكم المسافر بلا شك.مداخلة: وهل يخطبون يوم الجمعة؟الشيخ: ما فيه بأس، ما دامت المسافة مائة كيلو فهم في سفر، سواء سيخطب أو لأي حاجة أخرى.
حكم الأخذ من اللحية ما جاوز القبضة استناداً إلى فعل ابن عمر
السؤال: هل يجوز تقصير اللحية مقدار قبضة في اليد بدليل أثر ابن عمر رضي الله عنه؟الجواب: لا يجوز أخذ شيء من اللحية، والدليل على هذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يتعين على الناس اتباعه، والرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يأخذ من لحيته شيئاً.مداخلة: هل ثبت عن ابن عمر هذا الفعل؟الشيخ: نعم، جاء عنه ولكنه في النسك، فكان في النسك يأخذ ما زاد عن القبضة، يقبض على لحيته بيده وما خرج عن يده أخذه، وكان هذا عند الانتهاء من النسك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء عنه هذا، لا في النسك ولا في غيره.
ضابط قبول الحديث الذي في سنده (مقبول الحديث) أو من قيل فيه: (لا بأس به)
السؤال: هل الحديث الذي في سنده (مقبول الحديث) أو (صدوق) أو (لا بأس به) يقبل إذا لم يكن له شاهد يقويه؟الجواب: نعم الصدوق يقبل، وأما الذي هو مقبول فهذا يحتاج إلى من يعضده ويساعده.
كيفية معرفة أحوال رجال السند عند المتقدمين ممن صنف في علم الجرح والتعديل وأحوال الرجال
السؤال: كيف عرف أول من دون أحوال رواة الحديث؟الجواب: عرف عن طريق الرجال، يعني: إن كان يتحدث عن إنسان يعرفه يقول: هو كذا وكذا، وإن كان بواسطة يقول: قال فلان، حدثني فلان قال: فلان ثقة، وهذا موجود في بعض الكتب التي تعنى بالأسانيد، مثل الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد، عندما يذكر التوثيق يقول: حدثني فلان، قال: حدثني فلان، قال: حدثني فلان، قال: فلان ثقة، إسناد ينتهي بأن يقال: (قال: فلان ثقة)، أو (قال: فلان ضعيف)، أو (قال: فلان فيه كذا)، فإذا كان ممن أدركه يقول: فلان كذا - يعني يعرفه - مثلما قال النسائي : كان المخرمي يقول: محمد بن سعد الأنصاري ثقة؛ لأنه شيخه، يعني: يخبر عن شيخه بأنه ثقة، يعني إخباراً عن معرفة وعن مشاهدة ومعاينة، وإذا كان ما أدركه يقول: قال فلان كذا، مثلما قال النسائي عن المخرمي؛ لأنه يروي عن المخرمي أن محمد بن سعد الأنصاري وهو شيخ المخرمي أنه ثقة، فمن كان مدركاً إياه يعرف حاله، ويتكلم عن المشاهدة والمعاينة، وإذا ما كان أدركه يروي بالإسناد، وأحياناً يكون الإسناد الذي حصل فيه التضعيف ما هو صحيح، يعني: في الطريق من هو ضعيف لا يحتج بروايته لو جاء عنه الحديث، فكذلك لا يحتج بروايته فيما جاء في التضعيف أو التوثيق.
ما يدل عليه حديث: (من عصى الله في الإسلام أخذ بالأول والثاني)
السؤال: الحديث: ( من عصى الله في الإسلام أخذ بالأول والثاني )، يدل على أنه من تاب من الذنوب الماضية ثم عاد إليها أنه يؤاخذ بالذنوب الماضية التي تاب منها والذنوب الجديدة، أم أنه يؤاخذ بالذنوب الجديدة كما رجح ابن كثير المؤاخذة بالذي تاب منها؟الجواب: من المعلوم أن الكافر إذا أسلم فالإسلام في حقه يجب ما قبله، هكذا جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، لما جاء عمرو بن العاص رضي الله عنه ليبايع مد يده للرسول صلى الله عليه وسلم فمد الرسول يده، فقبضها عمرو فقال: ( لماذا يا عمرو؟ فقال: أردت أن أشترط، قال: وماذا تشترط؟ قال: أن يغفر لي، قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، والهجرة تهدم ما كان قبلها، والحج يهدم ما كان قبله )، هكذا جاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، فالإسلام يهدم ما كان قبله من الذنوب والمعاصي، الشرك وغير الشرك، لكن إذا عمل الإنسان سيئة في الإسلام فإنه يؤاخذ بها.
الجمع بين حديثي: (من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج)، و(من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)
السؤال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج )، وقال: ( من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )، فهل يجمع بين هذين الحديثين بأن لا يقرأ المأموم في الصلاة الجهرية؟الجواب: صلاته خداج، يعني: غير تمام، لكن أبا هريرة رضي الله عنه استدل على القراءة بحديث القسمة، قال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين )، يعني أنك تقرأ بها، وتأتي بنصيبك الذي هو في آخرها الدعاء، وفي أولها الثناء على الله عز وجل، لكن قالوا في الجمع بين هذا الحديث وبين حديث: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ): إن من كان له إمام فقراءته قراءة له، فيكون المأموم ليس عليه قراءة، لكن فيما يتعلق بالفاتحة فعليه قراءتها؛ لأنه جاء حديث يخصها، وأن المأموم يستمع لغير الفاتحة، وأما الفاتحة فإنه عليه أن يقرأ وإن كان الإمام يقرأ، فقوله: ( من كان له إمام فقراءته قراءة له )، المراد منه أنه لا يحتاج إلى أن يقرأ غير الفاتحة، أما الفاتحة فقد جاء حديث يخصها وأنه يقرأ بها، لكن غيرها من القرآن التي هي السورة وهي القراءة الطويلة والكثيرة، فهذه تكفي قراءة الإمام وهي قراءة عن المأمومين.
__________________
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:12 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(174)
- (باب اكتفاء المأموم بقراءة الإمام) إلى (باب جهر الإمام بآمين)
يكتفي المأموم بقراءة الإمام في الصلاة الجهرية فيما عدا فاتحة الكتاب والصلاة السرية، ومن عجز عن قراءة الفاتحة قال: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويستحب الجهر بالتأمين للإمام والمأموم.
اكتفاء المأموم بقراءة الإمام
شرح حديث أبي الدرداء في اكتفاء المأموم بقراءة الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [اكتفاء المأموم بقراءة الإمام.أخبرني هارون بن عبد الله حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثني أبو الزاهرية حدثني كثير بن مرة الحضرمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعه يقول: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم. قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي وكنت أقرب القوم منه فقال: ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم)، قال أبو عبد الرحمن: هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء، ولم يقرأ هذا مع الكتاب].يقول النسائي رحمه الله: اكتفاء المأموم بقراءة الإمام. مراده بهذه الترجمة أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، وأن المأموم يكتفي بقراءة الإمام، وقد عرفنا فيما مضى أنه في حال السرية يقرأ المأموم الفاتحة والسورة، وفي الصلاة الجهرية أنه يقرأ الفاتحة ولا يقرأ غيرها، وأنه يكتفي بقراءة الإمام لما عدا الفاتحة، فلا يقرأه المأموم بل يستمع للإمام، وهذا هو أرجح الأقوال، وأصح الأقوال في هذه المسألة.والنسائي هنا عقد هذه الترجمة للاستدلال بهذا الحديث على هذه الترجمة، وهي: اكتفاء المأموم بقراءة الإمام. يعني: أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، فالإمام إذا قرأ فإن ذلك يكفي عنه وعن المأمومين، وعرفنا أن الراجح هو أن قراءة الفاتحة لازمة للمأموم في جميع الأحوال، وأن قراءة الإمام قراءة للمأموم في غير الفاتحة، فعليه الاستماع وليس عليه أن يقرأ شيئاً غير الفاتحة.ويقول النسائي في آخر الحديث: قال: (هذا خطأ)، يشير في ذلك إلى ما جاء في آخر الحديث من قوله: (ما أرى الإمام إذا قرأ إلا وقد كفاهم) أي: فعل المأمومين، إن هذا من كلام أبي الدرداء، وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: أن آخره موقوف، وأن أوله هو الموصول المضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما آخره فليس من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من كلام أبي الدرداء، يعني النسائي: أن آخر الحديث موقوف وأوله مرفوع، لكن تبويب النسائي لاكتفاء المأموم بقراءة الإمام، إنما يتعلق بما جاء في آخره، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة: (من كان له إمام فقراءته قراءة له)، ولكن -كما ذكرت- هذا محمول على غير الفاتحة، أما الفاتحة فإنه يجب على المأموم أن يقرأها، ولا يكفي قراءة الإمام عن المأموم في هذه بالنسبة للفاتحة، وإنما يكفي في غيرها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي الدرداء في اكتفاء المأموم بقراءة الإمام
قوله: [أخبرني هارون بن عبد الله].وهو البغدادي الملقب الحمال، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا زيد بن الحباب].وزيد بن الحباب صدوق، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، مثل تلميذه: هارون بن عبد الله البغدادي، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا معاوية بن صالح].وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني أبو الزاهرية].وهو حدير بن كريب، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي، ولا البخاري في الصحيح، بل خرج له في جزء القراءة أبو الزاهرية مشهور بكنيته.[حدثني كثير بن مرة الحضرمي].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي الدرداء].وهو عويمر بن زيد الأنصاري، صحابي مشهور بكنيته أبو الدرداء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وآخر الحديث موقوف عليه؛ من كلامه وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والنسائي يقول: إنه عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ، والصحيح أنه موقوف على أبي الدرداء رضي الله عنه، ولم يُقرأ ذلك مع الكتاب، على أنه مرفوع، ولكنه معه على أنه موقوف؛ لأن قوله: (ما أرى الإمام إذا قرأ إلا يكون قد كفاهم)، هذا من كلام أبي الدرداء، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا المعنى الذي قاله أبو الدرداء جاء في حديث: (من كان له إمام فقراءته قراءة له)، لكن عرفنا أن هذا في غير الفاتحة، وأما الفاتحة فلا بد من قراءتها للمأموم.
ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن
شرح حديث ابن أبي أوفى فيما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن.أخبرنا يوسف بن عيسى ومحمود بن غيلان عن الفضل بن موسى حدثنا مسعر عن إبراهيم الكي عن ابن أبي أوفى قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني شيئاً يجزئني من القرآن، فقال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)].أورد النسائي هذه الترجمة هنا وهي: ما يجزئ من القراءة من لا يحسن القرآن. ما الذي يجزئه عن القراءة حتى يتعلمها، وأقل شيء من ذلك هو الفاتحة التي لا بد منها، لكن الإنسان إذا دخل في الإسلام، ولم يتمكن من حفظ الفاتحة، وجاء وقت الصلاة، فإنه يصلي ويأتي بهذا الذكر الذي هو: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فهذا يجزئ عن قراءة القرآن، لكن عليه أن يتعلم القرآن، ولا يكتفي بهذا ويقول: أن هذا يكفي فلا يقرأ، وإنما حتى يقرأ وحتى يحفظ يأتي بهذا الذكر؛ لأن الصلاة لا تؤخر، من كان مسلماً وجاء وقت الصلاة فعليه أن يؤديها، وإذا كان في وقت تلك الصلاة غير حافظ للفاتحة، أو لشيء من القرآن، فإنه يأتي بهذا الذكر الذي هو: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله). فإنه قد جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وسأله عن ما يجزئه؛ لأنه لم يحفظ شيئاً من القرآن، فأخبره أنه يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تراجم رجال إسناد حديث ابن أبي أوفى فيما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن
قوله: [أخبرنا يوسف بن عيسى].وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[ومحمود بن غيلان].ويوسف بن عيسى هو مروزي، ومحمود بن غيلان أيضاً مروزي، وقد عرفنا فيما مضى أن مروزي بالزاي: هذه نسبة إلى مرو الشاهيجان، أتت الزاي أضيفت من أجل أن تميز عن مرو الروذ، الذي يقال فيه: المروذي، وأنه نسبة إلى مرو الروذ، والذي فيه الزاي: نسبة إلى مرو الشاهيجان، وهما بلدتان من بلاد خراسان، أو مدينتان من مدن خراسان، أو قريتان من قرى خراسان، كل واحدة منهما مرو إلا أن هذه مرو الشاهيجان، والثانية مرو الروذ، فمرو الروذ ينسب إليها: مروذي، ومرو الشاهيجان ينسب إليها: مروزي، يعني بإضافة زاي من أجل التمييز، وإلا فإنها لا وجود لها في الاسم الذي هو مرو، وإنما زيدت للتمييز.محمود بن غيلان كما قلت: هو مروزي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود فإنه لم يخرج له شيئاً.[عن الفضل بن موسى].هو الفضل بن موسى السيناني المروزي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مسعر].هو مسعر بن كدام، وهو ثقة، ثبت، فاضل، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم الكي].هو إبراهيم بن عبد الرحمن الكي، وهو صدوق، خرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.[عن ابن أبي أوفى].هو عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو آخر من مات بالكوفة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد مر بنا قريباً في مبحث الصحابة الذين يعتبرون من آخر من مات من الصحابة في البلدان، وأن الكوفة قيل: أن آخر من مات فيها ابن أبي أوفى، وقيل: إنه أبو جحيفة، وقيل: إنه عمرو بن حريث، هؤلاء الثلاثة كل واحد منهم قيل فيه: أنه آخر من مات بالكوفة، والحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب قال: وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
جهر الإمام بآمين
شرح حديث: (... من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جهر الإمام بآمين.أخبرنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن الزبيدي أخبرني الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن القارئ فأمنوا فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].ترجم النسائي هنا بقوله: جهر الإمام بآمين، وجاء هنا برواية: (إذا أمن القارئ فأمنوا)، وفي بعض الروايات: (إذا أمن الإمام فأمنوا)، وفي بعضها: (إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين)، وليس فيها ذكر تأمينه، لكن قوله: (إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه). يدل على الجهر؛ لأن المأمومين يعلمون تأمينه بجهره، وبحصول التأمين منه، يسمعونه فيؤمنون، والمراد من ذلك أنهم يؤمنون إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فيقولون: آمين، وهو يقول: آمين، ولا يتعين عليهم أن يسكتوا حتى يفرغ هو من التأمين فيؤمنوا؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين)، معناه أنهم يقولون: آمين مباشرة بعد: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، والإمام يؤمن عندما يقول: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فيوافق تأمينه تأمين الإمام وتأمين المأمومين يكون في وقت واحد، وأيضاً الملائكة تؤمن، (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وهذا يدلنا على أن الإمام يجهر بالتأمين، وهذا هو الذي ترجم له المصنف، ووجه الاستنباط أن علمهم بتأمينه لكونه يؤمن ويسمعون منه آمين فيؤمنون.(إذا أمن القارئ فأمنوا، فإن الملائكة تؤمن).(فإن الملائكة تؤمن) هذا إخبار عن أمر مغيب، وهو أن الملائكة تؤمن عندما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وأن المأمومين مطلوب منهم أن يؤمنوا، وأن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، بحيث يكون أهل السماوات يؤمنون، والمأمومون يؤمنون، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه، ومن المعلوم أن الإمام إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، والملائكة تقول: آمين عندما يقول: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، والمأمومون يقولون: آمين، فإنه يوافق تأمين المأمومين تأمين الملائكة، وفي ذلك الأجر العظيم وهو حصول المغفرة لما تقدم من الذنوب.وفيه أن المأمومين يؤمنون، الإمام يؤمن، فالتأمين من الإمام ومن المأموم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:14 PM
تراجم رجال إسناد حديث: (...من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه)
قوله: [أخبرنا عمرو بن عثمان].هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا بقية].هو بقية بن الوليد، وهو صدوق، يدلس أو كثير التدليس عن الضعفاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن الزبيدي].وهو محمد بن الوليد الحمصي، وهو ثقة، ثبت، من أكبر أصحاب الزهري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، فإنه لم يخرج له شيئاً.[أخبرني الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو ثقة، إمام، حجة، محدث، فقيه، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة].هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة مشهورين بهذا اللقب، وهم من فقهاء التابعين، كانوا موجودين في المدينة في عصر التابعين، وكانوا في زمن متقارب، وأدركوا كثيرين من الصحابة ورووا عنهم، وحديثهم عند أصحاب الكتب الستة الذين هم الفقهاء السبعة، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار الهلالي، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، هؤلاء ستة اتفق على عدهم في البخاري، والسابع فيه ثلاثة أقوال:قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فالسابع فيه ثلاثة أقوال، وهذا أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع من الفقهاء السبعة.[عن أبي هريرة].هو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
شرح حديث: (... من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن القارئ فأمنوا فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].أورد النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، لكنه هنا أورده للاستدلال به على فضل التأمين، وذلك في قوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، الاستدلال به على فضل التأمين، لكون من فضله أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه.
تراجم رجال إسناد حديث: (... من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].وهو الجواز المكي الذي يمر بنا ذكره كثيراً.[حدثنا سفيان].وهو ابن عيينة، وسفيان هنا غير منسوب والمراد به ابن عيينة، وابن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، ومحمد بن منصور الجواز أخرج حديثه النسائي وحده، وهو ثقة.وإذا جاء محمد بن منصور يروي عن سفيان يحمل على ابن عيينة ؛ لأن ابن عيينة مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فيحمل على من كان من أهل بلده؛ لأن له به علاقة وارتباط واتصال، وسفيان بن عيينة حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وقد مر ذكره.[عن سعيد بن المسيب].وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو من فقهاء التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (... من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا يزيد بن زريع حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الذي هو بمعنى ما تقدم: (إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين)، والمأمومون يقولون: آمين، (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفضل التأمين موجود لقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا يدلنا على فضل التأمين، وهو قول: (آمين) عندما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].
تراجم رجال إسناد حديث: (...من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].وهو: أبو مسعود البصري، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا يزيد بن زريع].وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني معمر].هو: معمر بن راشد الأزدي البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة].وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث: (...من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) من طريق رابعة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة أنهما أخبراه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فأنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].وحديث أبي هريرة هذا أيضاً هو بمعنى الأحاديث المتقدمة إلا أنه جاء من طريق أخرى.قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].وهو ابن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة].وقد مر ذكرهم جميعاً.سعيد وأبي سلمة، اثنين، وهما من فقهاء التابعين السبعة، سعيد بن المسيب باتفاق، وأبو سلمة على أحد الأقوال في السابع، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
الأسئلة
حكم صلاة من لبس المشلح واليدين خارجة عن الكمين
السؤال: هل تصح الصلاة والرجل لابس للمشلح (البشت)، وهو غير مدخل يديه في كمين البشت أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.الجواب: تصح الصلاة، أقول: كونه يلبس المشلح واليدين ليست في الكمين تصح ما فيها شيء، الصلاة صحيحة.
عدة الزوجة المطلقة رجعياً
السؤال: طلق رجل زوجته طلقة واحدة، فمتى تخرج من عدته؟الجواب: المعتدة على حسب حالها، إن كانت من ذوات الحيض -ممن يحيض- وطلقها ثم حاضت بعد تطليقها ثلاث حيضات، وطهرت من الحيضة الثالثة فإنها تنتهي عدتها بذلك، وإن كانت صغيرة أو آيسة من الحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت ذات حمل فتنتهي من العدة بوضع الحمل.
المراد باليد في قول الله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)
السؤال: ما معنى قوله عز وجل: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، هل الأمر على حقيقته أم أنه يحتاج إلى تأويل؟الجواب: أبداً، يد الله عز وجل صفة من صفاته، وهذه الآية من آيات الصفات، ومن المعلوم أن كون اليد فوق اليد ليس معناه المماسة والمخالطة، فالله عز وجل فوق العرش وهو فوق العباد، فهو فوقهم، ويده فوق أيديهم، فلا يفهم منه أن فيه مخالطة وملاصقة وما إلى ذلك أبداً، بل الله عز وجل فوق العرش بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وهو فوقهم ويده فوق أيديهم، هذا هو معناه، وهي من آيات الصفات، يثبت لله صفة اليد، لكن ليس معنى ذلك أن فيه مخالطة، وفيه اتصال بين يد الله ويد المخلوقين، بل الله عز وجل بذاته وصفاته فوق عرشه بائن من خلقه، وكونه فوق عباده وفوق عرشه، يده فوق أيديهم، الله تعالى فوقهم ويده فوق أيديهم وهو على العرش، هذا هو معنى الآية.
كيفية الاستدلال على إثبات الوجه لله تعالى
السؤال: كيف نستدل على إثبات الوجه لله؟الجواب: نستدل بالآيات والأحاديث الكثيرة منها: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وغيرها من الآيات، وكذلك الأحاديث: منها: (أعوذ بنور وجهك)، وغيرها أحاديث كثيرة، وآيات كثيرة، في القرآن كلها تدل على إثبات صفة الوجه لله عز وجل على ما يليق به سبحانه وتعالى.قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27]، فيه إثبات صفة الوجه وإثبات البقاء لله عز وجل بذاته وصفاته التي منها الوجه، وليس معنى أن (يبقى وجه ربك) أنه يفهم منه أن غير الوجه لا يكون كذلك، بل البقاء لله عز وجل بذاته وصفاته، هذا هو معناه.
كيفية موافقة المأمومين للملائكة في التأمين
السؤال: كيف تكون موافقة المأمومين للملائكة في التأمين؟الجواب: كون الملائكة إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قالوا: آمين، والمأمومون مطلوب منهم أن يقولوا: آمين، فإذا قالوا: آمين بعد قول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، والملائكة قالت: آمين، حصلت الموافقة، والملائكة كما هو معلوم يؤمنون ويدعون ويستغفرون للمؤمنين، وتأمينهم هو دعاء.
حكم المتاجرة بالذهب والزكاة إذا حال عليها الحول
السؤال: أمي أمرتني أن أشتري لها ذهباً كل سنة، وأن أبيع الذهب إذا ارتفع ثمنه، فهل يجوز ذلك؟ وهل في ذلك زكاته؟الجواب: نعم، إذا اشترى ذهب أو غير ذهب، ثم باعه برخص أو بغلاء على حسب وجود الأسعار وقيم السلع، لا بأس في ذلك، وفيه زكاة إذا حال عليه الحول فيه زكاة.
حكم حجز الأماكن في المسجد
السؤال: ما حكم من يحجز الأماكن في المسجد في جميع الصلوات، وخاصة في رمضان، فمهما حاول الإنسان أن يجد في الصف الأول مكاناً لا يجد؛ لأن كل الأماكن محجوزة؟الجواب: لا يجوز للإنسان أن يحجز مكاناً في الصف الأول أو الصفوف الأُولى إلا إذا كان هناك ضرورة، بأن يكون الإنسان جاء مبكراً واحتاج أن يخرج للوضوء فيتوضأ ويعود، فإن له أن يحجز؛ لأنه جاء مبكراً، ولكنه اضطر للخروج للوضوء، أو يذهب يشرب من الترمس مكان الماء، فيضع شيء حتى يشرب ويرجع، بدل أن يأتي أحد يجلس في مكانه وهو أتى مبكراً، هذا لا بأس به، أما كونه يضع الحاجز الذي يحجز به ثم يذهب يبيع ويشتري، أو يذهب يزور بعض الناس، أو يذهب إلى أي جهة لغير ضرورة، فهذا ليس له أن يفعل ذلك، بل الصف الأول يكون لمن يأتي مبكراً، الإنسان يسبق إلى المكان بنفسه، ويجلس يذكر الله عز وجل ويقرأ القرآن، وهو في صلاة ما دام ينتظر الصلاة.
حقيقة ظن السوء
السؤال: ما هو ظن السوء؟الجواب: يعني ظن السوء: أن يظن الناس أن الله لا ينصر عباده، ولا يؤيدهم، وأنه يخذلهم، وظن السوء أنواع كثيرة، أمثلته كثيرة هذا منه.أما الخطرات التي تأتي على بال الإنسان -إذا كانت جاءت على باله ودفعها- فهذه ليست ظن سوء، ولكن المقصود هو الذي يبقى مع الإنسان ويفكر فيه ويبقى عليه، وأما إذا دفعه بمجرد ما يخطر الأمر السيئ في نفسه، فإنه يدفعه ويتعوذ بالله من الشيطان، فإن هذا لا يضره، بل هذا جاء فيه أنه صريح الإيمان، كون الشيطان يوقع في ذهنه شيء، ومن حين ما يقع يصرفه ويبتعد عنه ويتعوذ بالله منه، هذه علامة خير، لكن علامة الشر كونه يشغل باله، ومتنبه لهذا الشيء، ويستمر عليه، ويفكر فيه، ويشغل باله عليه، ويعقد قلبه عليه، هذا هو السيئ والعياذ بالله.
حكم حجز الأماكن للآخرين مع أخذ مقابل آخر الشهر
السؤال: بعض الناس يحجزون أماكن لغيرهم، وفي آخر الشهر يأخذون هدايا، فما حكم ذلك؟الجواب: والله هذا سوء إلى سوء، هذا مثل الأول وزيادة كونه يبحث عن الدنيا بهذا العمل.
درجة حديث من وصف بأنه صدوق
السؤال: ما درجة حديث صدوق، ضعيف الحفظ، مثل إبراهيم الكي ؟الجواب: صدوق كما هو معلوم حديثه يعتبر من قبيل الحسن لذاته، لكن إذا كان أضيف إليه شيء، فإنه إذا جاء شيء يقويه ويساعده، فإنه يكون ثابتاً، ومن المعلوم أن الحديث الذي ورد عن إبراهيم الكي جاء من طرق كثيرة عن غيره.
كيفية النطق بكلمة آمين
السؤال: كيف يقرأ: آمين، هل يمد الألف أم الميم؟ وكم مقدار مدها؟ وهل يشدد الميم؟الجواب: لا ما تشدد الميم، آمّين هذا من الأم، آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2]، يؤمه، وأما آمين فهي بمعنى: اللهم استجب، هذا هو معنى آمين، وكما هو معلوم يأتي بها ويمدها لكن لا يزيد ولا يقطعها، ما يقول: آمين كذا باختصار، ولا يمدها حتى يطول، وإنما يتوسط.
حكم إجارة البيوت وزكاتها
السؤال: لدي فلة في الرياض أجرتها لمدة خمس سنوات تدفع فوراً، أو على ثلاثة سنوات، فهل يجوز ذلك أم لا؟الجواب: الأجرة إذا قبضتها وحال عليها الحول تزكيها.
حكم من نسي آية الفاتحة ولم يتذكرها إلا بعد الصلاة
السؤال: كيف يفعل من نسي آية من الفاتحة ولم يتذكرها إلا بعد انتهائه من الصلاة؟الجواب: إذا كان كذلك فإنه يأتي بركعة، أي: إذا كان نسيها من ركعة واحدة، فإنه يأتي بركعة.
الأفضلية في صلاة الرجل بالحذاء أو بدونه
السؤال: هل تفضل صلاة الرجل بالحذاء على صلاته بدونها أم لا؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم كان أكثر أوقاته يصلي بدون حذاء، والناس يصلون بدون أحذية، لكنه جاء مشروعية الصلاة بالأحذية، طبعاً هذا في بعض الأحيان، لكن لا يقال: إنه إذا صلى بدون حذاء أن صلاته تكون دون صلاته بحذاء، لا.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:16 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(175)
- (باب الأمر بالتأمين خلف الإمام) إلى (باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام)
لقد دلت السنة على أن للمأموم أن يؤمن إذا أمن الإمام، لأن في هذا فضل عظيم، وهو: أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، هذا ويجوز أن يحمد العاطس ربه وهو في الصلاة.
الأمر بالتأمين خلف الإمام
شرح حديث أبي هريرة في الأمر بالتأمين خلف الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بالتأمين خلف الإمام.أخبرنا قتيبة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: باب الأمر بالتأمين خلف الإمام.ذكر تأمين الإمام، وأنه إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فإنهم يقولون: آمين، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (وإذا أمن فأمنوا)، ففيه إخبار عن الإمام بأنه يؤمن، وأمر للمأمومين بأن يؤمنوا فيقولوا: آمين، وهذه الترجمة معقودة بما يتعلق بالمأمومين، وأنهم يؤمنون كما يؤمن الإمام، فإذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، يقولون: آمين، ومعنى آمين: اللهم استجب، يعني: هذا الدعاء الذي دعا به الإمام وهو: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، فيؤمن على هذا الدعاء، الذي العبد أحوج ما يكون إليه، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم؛ لأن حاجته إلى الهداية وإلى الصراط المستقيم أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب لأن حاجته إلى الطعام والشراب، فيهما قوامه في هذه الحياة الدنيا، وأما الهداية إلى الصراط المستقيم فهي سبب حياته الحياة السعيدة؛ حياة السعادة في الدار الآخرة، وإنما تكون بالهداية إلى الصراط المستقيم حيث يوفقه الله عز وجل ليعمل الأعمال الصالحة في الدنيا، وإذا انتقل من هذه الدنيا، إلى الآخرة يجد الأعمال الصالحة أمامه، فيكون ذلك سبباً في سعادته في دنياه وأخراه.وقد أورد النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، ففي ذلك الدلالة على ما ترجم له المصنف، وعلى أن المأموم يؤمن بعدما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].وما جاء في بعض الروايات: (إذا أمن فأمنوا)، ليس معنى ذلك أنه لا يؤمنون إلا إذا فرغ من التأمين؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين)، أي: أنهم يقولون ذلك مباشرة، فيتفق تأمين الإمام، وتأمين المأمومين، ومعنى (إذا أمن الإمام) يعني: إذا وجد منه التأمين فيوجد منكم التأمين، وبهذا يتفق مع قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين)، فهذا هو التوفيق بين الروايتين، أعني: ما جاء: (إذا أمن فأمنوا)، وما جاء من وقوله: (إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، فقولوا: آمين).وفي ذلك فضل التأمين؛ لأن من أمن بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة -فإذا قال: آمين- ووافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، ففي ذلك دلالة على فضل التأمين، وعلى عظيم أجره عند الله عز وجل، وأن الملائكة تؤمن، وتدعو للمؤمنين؛ لأن قولهم: آمين بعد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، هي تأمين على قول الإمام: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، فالملائكة تؤمن وتدعو للمؤمنين، وتستغفر لهم، كما جاءت بذلك نصوص الكتاب والسنة.وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، المقصود من ذلك الصغائر، وأما الكبائر فإنها تحتاج إلى توبة، وإلى إقلاع عنها، وندم عليها، وعزم على ألا يعود إليها.
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في الأمر بالتأمين خلف الإمام
قوله: [ أخبرنا قتيبة].وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].وهو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سمي].وسمي هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي صالح]وأبو صالح هو ذكوان السمان، كنيته أبو صالح، واسمه ذكوان ولقبه السمان، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه].وهو عبد الرحمن بن صخر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.وهذا الإسناد، رجاله كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، قتيبة بن سعيد، ومالك بن أنس، وسمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو صالح السمان، وأبو هريرة، فهؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
فضل التأمين
شرح حديث أبي هريرة في فضل التأمين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فضل التأمين.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي فضل التأمين، وهو: أن الله تعالى يغفر به الذنوب، وذلك إذا وجد التأمين من المأموم، ووافق تأمينه تأمين الملائكة، فالملائكة تؤمن إذا قال الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قالوا: آمين، والإمام يقول: آمين، والمأمومون يقولون: آمين، ففي ذلك الأجر العظيم، وذلك في قوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا يدل على فضله، وعلى الترغيب فيه؛ لأن من فعله يحصل على هذا الأجر العظيم؛ الذي هو غفران الذنوب ما تقدم منها، وكما ذكرت هي الذنوب الصغائر، وأما الكبائر فتحتاج إلى توبة، ومغفرتها إنما تكون بالتوبة منها، فالحديث دال على الترجمة، وهي فضل التأمين، وذلك في قوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه).
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في فضل التأمين
قوله: [قتيبة ومالك].مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.[عن أبي الزناد].و أبو الزناد، هو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب على صورة الكنية أو على صيغة الكنية، وكنيته هي أبو عبد الرحمن، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، وهو مشهور بلقبه الأعرج، ويأتي ذكره أحياناً باسمه وأحياناً بلقبه، وفائدة معرفة ألقاب المحدثين: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة باسمه، وذكر مرة بلقبه، فإن من لا يعرف يظن أن الأعرج غير عبد الرحمن بن هرمز، وعبد الرحمن بن هرمز غير الأعرج، ومن يعرف ذلك لا يلتبس عليه الأمر، بل يعرف أن هذا هو هذا، وهذا هو هذا، ذكر مرة باسمه، وذكر مرة بلقبه، وهو ثقة، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].وقد تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.والإسناد أيضاً رجاله أخرج لهم أصحاب الكتب الستة؛ لأنهم هم نفس رجال الإسناد الأول، إلا أن فيه أبا الزناد والأعرج.
قول المأموم إذا عطس خلف الإمام
شرح حديث رافع بن عفراء في قول المأموم إذا عطس خلف الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قول المأموم إذا عطس خلف الإمام.أخبرنا قتيبة حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه أنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فعطست فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال: من المتكلم في الصلاة؟ فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا رسول الله، قال: كيف قلت؟ قال: قلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً أيهم يصعد بها)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: قول المأموم إذا عطس خلف الإمام، يعني: أنه يحمد الله، ولكنه لا يرفع صوته بحيث يشوش على الناس، ولا يجيبه أحد إذا حمد الله، فلا يخاطبه ويقول: يرحمك الله، وإنما هو يحمد الله، وغيره لا يجيبه، وحمده لله عز وجل لا يجهر به بحيث يشوش على الناس، فالحمد هو من الثناء والدعاء، فيأتي به العاطس، ولكن سامعه لا يشمته؛ لأنه لا يخاطب غيره وهو في الصلاة، ولكن كون المصلي يحمد الله ويثني على الله، وإذا عطس قال: الحمد لله، له ذلك، وقد جاءت بهذا السنة، ولا يخاطب أحداً وهو في الصلاة، إلا الإمام إذا فتح عليه، وأما كونه يرد السلام بالإشارة جاءت السنة بهذا ولكن لا يتكلم، فهذا هو مقصود الترجمة، وقد أورد النسائي فيه حديث رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعطست فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه، ولما فرع رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: من المتكلم؟ فلم يجبه أحد، ثم أعادها قال: من المتكلم؟ فقلت: أنا، فقال: (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يصعد بها)، يعني: كل واحد يريد أن يصعد بها أولاً، وأن يبادر إلى رفعها إلى الله عز وجل، وإلى الصعود بها؛ لأن هذا عمل يرضاه الله عز وجل؛ لأنه ثناء عليه، فدل هذا على أن العاطس عندما يعطس له أن يحمد الله، ولكن ليس على سامعه أن يشمته، بل هو يحمد، ولا أحد يجيبه ويتكلم معه، فهذه هي السنة في ذلك عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ثم قوله: (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يصعد بها) يدل على عظم أجرها، وعلى عظم شأن هذا الذكر الذي يُذكر الله به عز وجل عند العطاس في الصلاة، ولكنه -كما ذكرت- لا يرفع صوته بحيث يشوش فيه، وغيره لا يجيبه، وإنما هو يحمد الله ويثني عليه، وهذا الحديث دليل واضح الدلالة على ذلك.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:18 PM
تراجم رجال إسناد حديث رافع بن عفراء في قول المأموم إذا عطس خلف الإمام
قوله: [أخبرنا قتيبة].قد مر ذكره.[حدثنا رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع].ورفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع الأنصاري صدوق، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن عم أبيه معاذ بن رفاعة].لأنه هو رفاعة بن يحيى بن عبد الله، وأبو أبيه عبد الله، وعبد الله أخوه معاذ؛ لأنه معاذ بن رفاعة بن رافع فهو يروي عن عم أبيه، وليس عمه أخا أبيه، فهو يروي عن عمه عم أبيه، وعم أبيه معاذ بن رفاعة صدوق، خرج حديثه البخاري. وأبو داود، والنسائي.أي: الذين خرجوا لرفاعة بن يحيى هم الذين خرجوا له، يضاف إليهم البخاري.[عن أبيه].أبوه رفاعة، صاحب رسول الله، بدري من أهل بدر، وحديثه أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
شرح حديث وائل بن حجر في قول المأموم إذا عطس خلف الإمام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الحميد بن محمد حدثنا مخلد قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه أنه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كبر رفع يديه أسفل من أذنيه، فلما قرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قال: آمين، فسمعته وأنا خلفه، قال: فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: من صاحب الكلمة في الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله! وما أردت بها بأساً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً فما نهنهها شيء دون العرش)].وهنا أورد النسائي حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أنه رفع يديه إلى أسفل أذنيه، وقد سبق أن مر أنه جعل إبهاميه عند شحمة أذنيه، وهنا رفع يديه عند أسفل إذنيه، قال: (رفع يديه أسفل من أذنيه، فلما قرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، قال: آمين).وهو دال على أن الإمام يقول: آمين.قال: (فسمعته وأنا خلفه، قال: فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم).(فسمعته وأنا خلفه)، يعني: يؤمن؛ يقول: آمين، وهذا دليل على أن الإمام يجهر بالتأمين؛ لأن قوله: سمعته وأنا خلفه، يعني: يؤمن؛ يقول: آمين، فهذا يدل على الجهر بالتأمين من الإمام.قال: (فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: من صاحب الكلمة في الصلاة؟).أي: الذي تكلم بهذه الكلمة؟فقال الرجل: (أنا)، يعني: أنا الذي قالها.قال: (فقال: يا رسول الله! ما أردت بها بأساً).اعتذر عن قوله إياها، وقال: ما أردت بها بأساً، وإنما أردت خيراً بقولها.قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً فما نهنهها شيء).(لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)، يعني: يريدون أن يكتبوها، ويرفعوها إلى الله عز وجل، ثم قال: (فما نهنهها شيء دون العرش)، يعني: ما منعها شيء دون العرش، ولا حال دون وصولها إلى هناك شيء، ومعنى ذلك: أن الملائكة رفعوها.وهذا الحديث من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وهو لم يسمع منه كما سبق أن مر بنا، ولكن الحديث جاء عن غير عبد الجبار، فله شاهد، وحديث أبي هريرة الذي قبل هذا هو شاهد له، إلا في قوله: (فما نهنهها شيء دون العرش)، فهذه زيادة ليس لها شاهد من الروايات الأخرى، فيكون الضعف بها.وهذا قد ذكره الشيخ الألباني، في صحيح النسائي، كذلك في ضعيف النسائي؛ لأن ما عدا (فما نهنهها) له شواهد، وهذه ليس لها شواهد، والإسناد بمفرده فيه انقطاع، فما لم يكن له شواهد لا يثبت.
تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر في قول المأموم إذا عطس خلف الإمام
قوله: [أخبرنا عبد الحميد بن محمد].هو عبد الحميد بن محمد بن المستام الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي.[حدثنا مخلد].وهو ابن يزيد القرشي الحراني، وهو صدوق، له أوهام، خرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.[حدثنا يونس].يونس هو يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي، وهو أبو إسرائيل، وهو صدوق، يهم قليلاً، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].أبوه، هو أبو إسحاق، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الجبار بن وائل].عبد الجبار بن وائل بن حجر، ثقة، ولكن روايته عن أبيه مرسلة؛ لأنه لم يسمع منه، بل ذكر بعض العلماء أنه لم يدركه، فروايته عنه من قبيل المرسل، إلا إذا وجد له شواهد، فإنه يعتبر بتلك الشواهد، ويكون صحيحاً بتلك الشواهد التي تشهد له، وقد جاء لهذا الحديث شواهد تشهد له إلا جملة: (فما نهنهها شيء دون العرش) كما ذكرت.وحديث عبد الجبار، أخرجه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].أبوه، هو وائل بن حجر، رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
الأسئلة
معنى اسم الله الباطن
السؤال: ما هو تفسير السلف رحمهم الله تعالى لاسم الله الذي هو الباطن؟الجواب: الباطن فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء)، فالباطن: الذي علم بواطن الأمور، ولم يخف عليه شيء، يعني: الباطن ليس دونه شيء، والظاهر ليس فوقه شيء، هكذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مدى دخول شعر الخدين في اللحية
السؤال: هل شعر الخدين من اللحية، وكذلك الشعر الذي تحت الذقن مباشرة؟الجواب: الإنسان لا يتعرض للشعر الذي في وجهه، ولا يأخذ شيئاً منه؛ لا الذي على الخدين، ولا الذي على الذقن، كل ذلك لا يأخذه، ولا يتعرض له، والإنسان إذا أتى بالموس إلى لحيته فإنه يكون عرضة للشر، وعرضة للضرر، فليس للإنسان أن يأخذ شيئاً من شعر وجهه إلا شاربه.وكذلك الشعر الذي تحت الذقن مباشرة، وليس في الرقبة.
مرتبة قتل النفس بين الذنوب
السؤال: هل الذي يقتل نفسه مخلد في نار جهنم؟ وإذا كان مخلداً في النار كيف نجيب عن الحديث الذي في صحيح مسلم: (أن رجلاً هاجر إلى المدينة فاجتواها فأخذ مشخصاً، فقطع براجمه فمات، فدخل الجنة إلا يديه، فقد بقيت كما هي، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر ليديه)؟الجواب: الذي يقتل نفسه ارتكب أمراً كبيراً، وهو تحت مشيئة الله عز وجل، ودخوله النار لا يخلد فيها إذا دخلها؛ لأنه داخل تحت قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فكل ذنب دون الشرك، هو تحت مشيئة الله، وهذا دون الشرك، وهذا من الذنوب ومن الكبائر، فأمره إلى الله عز وجل، ودخوله النار إذا دخلها لا يخلد فيها أبداً، ولا يخلد في النار أبداً إلا الكفار، الذين هم أهل النار، والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها.أما من لم يكن كافراً فإنه إذا دخل النار لابد أن يأتي عليه وقت يخرج منها، ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها الدائمون بها، والمقيمون فيها أبد الآباد، ولا يخرجون منها بأي حال من الأحوال، والحديث الذي أشار إليه هو في صحيح مسلم، حديث الطفيل بن عمرو؛ أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة وأسلم وطلب منه أن يهاجر إلى بلاده بلاد دوس، فأمره بأن يذهب إلى قومه ويدعوهم، وقال: هل لك في بلاد دوس؟ فإن لك فيها منعة، يعني: يمنعونه ويحمونه، فأمره أن يذهب إلى بلده ويدعو، واختار الله تعالى له أن يهاجر إلى المدينة، وأن تكون هجرته إلى المدينة، فهاجر إليها، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جاء الطفيل بن عمرو ومعه صاحب له، فأصابه شيء، فقطع أصابع براجمه فمات، فرآه الطفيل في المنام وسأله: ما حالك؟ قال: غفر لي بسبب الهجرة، ورأى يديه يعني: قد لفت أصابعه، قال: ما هذا؟ قال: إنه قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده إلى السماء فقال: (اللهم وليديه فاغفر).فالحديث -كما هو معلوم- يدل على أنه غفر له، ولكنه قيل له: لن نصلح منك ما أفسدت، ولكن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغفر الله ليديه، وأن يصلح من يديه ما فسد، فدل ذلك على أن الله يغفر كل ذنب دون الشرك لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فهو تحت مشيئة الله، ومن ذلك قاتل نفسه.
زغردة النساء في الأفراح
السؤال: ما حكم زغردة النساء في الأعراس وعند الفرح؟الجواب: هذا من السفه والجهل، يعني: المشروع هو الضرب بالدف، وأما هذه التي يسمونها الزغردة وما إلى ذلك فهذا من السفه.
حكم أخذ البضاعة على التصريف
السؤال: ما حكم من أخذ بضاعة على التصريف؟الشيخ: ما فيه بأس، يعني: كونه يأخذ البضاعة ويبيع منها، ويوفيه عند تصريفها لا بأس بذلك، ثم أيضاً الذي يبقى يرجعه فلا بأس بذلك؛ لأن هذا من قبيل الإقالة في البيع.
الجمع بين رواية: (ابتدرها اثنا عشر ملكاً) ورواية: (ثلاثين ملكاً)
السؤال: كيف الجمع بين رواية: (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكاً)، وبين الرواية الأخرى: (لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً)، مع أن القصة واحدة؟الجواب: لأن هذا حديث، وهذا حديث، وليست قصة واحدة، يعني: لأن ذاك الذي عطس وحمد الله هو رفاعة بن رافع، وأما هنا ما ذكر الرجل، فيحتمل أن يكون هو، وأن تكون قصتين، ويحتمل أن تكون قصة واختلفت الروايات، يعني: في عدد الملائكة، ويحتمل أن تكون قصتين لرجلين.
توقف تكفير الصغائر على اجتناب الكبائر
السؤال: هل مغفرة الذنوب الصغائر متوقفة على ترك العبد للكبائر، كما جاء ذلك في الحديث؟الجواب: نعم، ترك الكبائر يكفر الله به الصغائر، كما قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر).
موضع أثر يحيى بن أبي كثير في صحيح مسلم
السؤال: تحت أي حديث ذكر مسلم قول يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم؟الجواب: ذكره في أوقات الصلاة، في أبواب أوقات الصلاة، عندما ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق متعددة أتى بهذا الأثر بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
الحزن بسبب تذكر الذنب
السؤال: إني أذنبت ذنباً قبل سنوات، وكلما أتذكره، أو يخطر ذلك الذنب في بالي يجعلني أحزن كثيراً ويقلق قلبي، ولا أطمئن حتى يذهب ذلك الذكر، فكيف طريق الخلاص من هذا؛ حتى أنسى ذلك الذنب ولا يحزنني؟الجواب: كون الإنسان يتذكر الذنب ويندم عليه هذا هي التوبة النصوح، فالتوبة النصوح هي أن يقلع الإنسان من الذنب، ويندم على ما مضى، ويعزم على ألا يعود إليه في المستقبل، فتذكره إياه وندمه عليه علامة خير.
المستحق لراتب الموظف بعد موته
السؤال: مات رجل وكان موظفاً في الحكومة، وكان من عادة الحكومة إذا مات أحد من موظفيها لا يقطع عنه راتبه الشهري، والسؤال: هل هذه الرواتب يرثه الورثة أم ماذا؟الجواب: هذه الرواتب أو الأموال التي تعطى من جهة الدولة لمن يموت تصرف وفقاً لتنظيمها، فإذا قالت: إنها تكون للورثة تكون للورثة، وإذا قالت: إنها تكون لفلان الفلاني من الورثة، أو لأحد معين من الورثة فإنها تكون له؛ لأن هذه عطية، وهذه منحة تكون له، ولمن ترى أن تكون له من بعده.
الاستدلال بحديث رفاعة على رفع الصوت بالذكر
السؤال: حديث رفاعة بن رافع فيه دلالة على أنه رفع صوته بذلك الذكر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو -الإمام- قد سمعه، ولذا قال: من المتكلم في الصلاة؟ فهل يجوز لنا أن نرفع الذكر؟الجواب: لا، ما يرفع، يعني: يمكن أن يرفع بحيث يسمع، ولكن كونه يرفع صوته بحيث يشوش على الناس، فلا، وكما هو معلوم السماع يسمع ولو كان ما يوجد رفع شديد، يعني: الإنسان إذا قال كلمة، ورفع صوته بها قليلاً فإنك طبعاً تسمع منه ولو لم يكن هناك جهر، ثم أيضاً المطلوب هو عدم التشويش على الناس في الصلاة؛ لأنه لا يجهر بقراءة أو بغيرها، ولكن كونه يحصل أحياناً بعض الكلمات التي تظهر فهذا لا يؤثر، ولا يكون فيه تشويش، وليس معنى ذلك أن الإنسان يرفع صوته مثلما يرفع صوته إذا عطس وهو خارج الصلاة؛ يسمع الناس ليقولوا له: يرحمك الله.
حكم استعمال المحرم للصابون المعطر
السؤال: هل يجوز للمحرم أن يغتسل بالصابون المعطر؟الجواب: لا، لا يستعمل المحرم الصابون المطيب، ولا يستعمل الطيب لا في غسل، ولا أكل، ولا لبس، ولا أي شيء.
دعاء العاطس خارج الصلاة بدعاء رافع عند عطسه في الصلاة
السؤال: هل دعاء العاطس خارج الصلاة كذلك كما ورد في الحديث؟الجواب: نعم، يمكن الدعاء به، يمكن أن يقول: الحمد لله، أو الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله على كل حال، أو الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً، يعني: ورد صيغ متعددة.ولكن هل تبتدرها الملائكة كما في هذا الحديث؟الله تعالى أعلم.
تخصيص ابتدار الملائكة برفع الكلمة في حديث رافع بالصحابة
سؤال: هل الفضيلة المذكورة في حديث رافع خاصة بالصحابة، يعني: ابتدار الملائكة، ورفعه إلى السماء؟الجواب: الملائكة ترفع الأعمال الصالحة إلى الله عز وجل، فأي عمل من الأعمال الصالحة ترفعها إلى الله عز وجل، ولكن كونه يختص بالصحابة لا يوجد شيء يدل عليه، فهناك ملائكة يتعاقبون في الليل والنهار، ويصعد أناس وينزل أناس، والأعمال الصالحة ترفع.
أقرباء الميت الذين يسن تعزيتهم
السؤال: من هم أقرباء الميت الذين يسن عزاؤهم؟ فصلوا القول في ذلك، جزاكم الله خيراً.الجواب: كما هو معلوم التعزية لا تكون خاصة بأقرباء الميت، بل حتى في الناس الآخرين الذين يصيبهم حزن، ويحصل لهم أسى بفقده فإنهم يعزون به، ولو كانوا ليسوا أقرباء له، فليست القضية خاصة بالأقرباء. والأقرباء كما هو معلوم من يكون له قرابة به، سواء كانت القرابة قريبة أو بعيدة، فكلها يقال لها: قرابة، ولكن التعزية ليست مقيدة بقرابة، حتى الإنسان يبحث عن من يعزى ومن لا يعزى، أبداً، بل يعزى غير القريب.
صحة اشتراط سماع شاهدي العقد لرضا المرأة المعقود عليها
السؤال: هل يلزم شاهدي عقد النكاح أن يسمعا من المرأة المعقود عليها في موافقتها وقبولها على الزوج المعقود له؟الجواب: لا، أبداً، يعني: لا يلزم أن يشهدا على رضاها، بل يكفي إذا أخبر الولي بأنها راضية، طبعاً، العاقد هو الذي يتولى ذلك، فيقف على الرضا، ولا يلزم الشهود أن يكونوا على علم برضاها.وبعض المأذونين يتوسط في المسألة؛ لأنه أحياناً يوجد من لا يصدق، فالأولياء إذا كانوا مجهولين -أي: أمرهم يكون فيه خفاء- قد يكون إخبارهم غير صحيح، ولكن إذا كان الشخص معروفاً ومأموناً، وأخبر عنها الخبر، وأنها موافقة، وأنها راضية فلا يحتاج أن يذهب الشهود ليسمعوا رضاها.
الاغتسال للمني الخارج بعد الغسل من الجنابة
السؤال: ما حكم المني الخارج بعد الغسل؟ نرجو التفصيل.الجواب: الإنسان إذا اغتسل حصل منه إزالة الجنابة، وإذا ظهر منه شيء، أو تبين على ذكره شيء بعد ذلك لا يلزمه الغسل؛ لأن الغسل لهذه الشهوة التي حصلت من الجسد كله، ويعني: يأتي الماء على الجسد كله، لكن بعد الغسل، إذا تبين أن فيه شيئاً -يعني: في الذكر- أو رأى فيه بللاً، بسبب مني خرج لا يلزمه إعادة الاغتسال؛ لأن الاغتسال كان لهذه اللذة التي غمرت الجسد كله.
(http://www7.0zz0.com/2017/10/17/13/502148649.jpg)
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 07:20 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(176)
- باب جامع ما جاء في القرآن [1]
جاءت السنة ببيان كيفية مجيء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والحالات التي يأتيه بها؛ فأحياناً مثل صلصلة الجرس وهو أشده على رسول الله، وأحياناً كان يأتي في مثل صورة رجل فيلقيه إليه. لذلك كان عليه الصلاة والسلام يتعجل قراءته خوفاً من نسيانه؛ فنهاه الله عن ذلك.
جامع ما جاء في القرآن
شرح حديث عائشة في صور نزول الوحي على النبي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جامع ما جاء في القرآن.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال: في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت عنه، وهو أشده علي، وأحياناً يأتيني في مثل صورة الفتى فينبذه إلي)].يقول النسائي رحمه الله: باب جامع ما جاء في القرآن.لما ذكر النسائي رحمه الله التراجم المختلفة المتعلقة بقراءة الفاتحة، ثم يذكر بعد هذه الترجمة ما يتعلق بقراءة السور في الصلوات بعد الفاتحة، ذكر ما يتعلق بالقرآن من حيث بعض الأحكام المتعلقة فيه؛ مثل كيفية نزول الوحي، ونزوله على سبعة أحرف، ثم المحافظة عليه من النسيان، فهي أحكام متعلقة بالقرآن، ذُكرت هنا بمناسبة القراءة في الصلاة بعد قراءة الفاتحة وما يتعلق بها، وقبل قراءة السور مع الفاتحة التي تقرأ في الصلوات المختلفة، هذا هو المراد من هذه الترجمة.يعني: أن الشيء بالشيء يذكر، لما كان الكلام في القراءة في الصلاة، جاء الكلام عن القرآن من حيث كيفية نزوله، ومن حيث كونه نزل على سبعة أحرف، ومن حيث المحافظة عليه، وعدم نسيانه لمن وفقه الله لحفظه. وقد أورد النسائي رحمه الله في أول ما أورد حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: يأتيني مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي بصورة فتى فينبذه إليه)، يعني: يلقيه إليه، أي: الوحي الذي أوحاه الله عز وجل إليه.وهذا الحديث أعم من الترجمة؛ لأن الترجمة تتعلق بالقرآن، وهذا الحديث يتعلق بالوحي، والوحي يكون قرآناً وغير قرآن.قوله: [ سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ ] الحارث بن هشام، مخزومي، من مسلمة الفتح، وهو أخو أبي جهل ، وقد من الله عليه بالإسلام فأسلم عام الفتح، وأما أبو جهل فبقي على كفره حتى مات كافراً والعياذ بالله، والحارث بن هشام هنا ليس من رواة الحديث، بل الحديث عن عائشة رضي الله عنها، ولكن الحارث بن هشام له ذكر؛ يعني: جاء ذكره في الصحيحين، وهنا في النسائي، وحديثه عند ابن ماجه فقط، لكن ليس له رواية في هذا الحديث الذي معنا؛ لأنه من مسند عائشة، وليس من مسند الحارث بن هشام، ولهذا الحافظ ابن حجر في ترجمته قال: له ذكر في الصحيحين في السؤال عن كيفية مجيء الوحي، الذي هو هذا الحديث في صحيح مسلم، والحديث الذي يأتي في صحيح البخاري.
الصور التي ينزل بها الوحي
ولما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن كيفية مجيء الوحي إليه؟ قال: [ أحياناً يأتيه مثل صلصلة الجرس]، يعني: أنه صوت متدارك متتابع لا يفهم من أول وهلة، وقال: [وهذا أشده علي]، وهذا يدل على أن الوحي، أو أن مجيئه إليه فيه عليه شدة، ولكن بعضه أشد من بعض، وهذا أشده؛ يأتيه بمثل صلصلة الجرس، يعني: أنه صوت متتابع لا يُفهم ولا يعقل من أول وهلة، بل يحتاج إلى شدة، وإلى الحصول عليه، وفهمه ليس بالشيء الهين.وأحياناً يتمثل له الملك - الذي هو جبريل - على صورة فتى، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على صورة دحية بن خليفة الكلبي، وكان رجلاً وسيماً، من أجمل أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأحياناً: كان يأتي إليه على صورة رجل غير معروف، كما جاء في حديث جبريل المشهور أول حديث في كتاب الإيمان؛ أول حديث في صحيح مسلم؛ وهو: السؤال عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، حيث قال فيه عمر رضي الله عنه: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، يعني: صورة رجل مجهول غير معروف، فهو يأتي على صورة رجل، ويتمثل بصورة رجل، والملائكة تتمثل بصورة الرجال، وجبريل كان يتمثل بصورة بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم المعروفين كـدحية، وأحياناً يكون يأتي على صورة رجل غير معروف للصحابة، كما جاء في حديث جبريل.وقد جاء جبريل إلى مريم، على صورة بشر كما جاء قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم:16-17]، جاء على صورة بشر سوي، ثم أيضاً الملائكة الذين جاءوا إلى إبراهيم، وإلى لوط، جاءوا على صورة بشر، ولهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعد لهم الضيافة، وطبخ لهم عجلاً، وقدمه إليهم وقال: أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ [الذاريات:27-28]، وعلم أنهم ملائكة، فجاءوا على صورة بشر، وكذلك جاءوا إلى لوط على صورة البشر، فالملائكة يتمثلون على صور البشر، ويأتون على صور البشر، والحديث الذي معنا فيه أنه يأتيه على صورة فتى فينبذه إليه، يعني: يلقي الوحي عليه.إذاً: الحديث اشتمل على بيان صورتين من صور مجيء الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ إحداها: أنه يأتي مثل صلصلة الجرس، يعني أنه صوت متتابع متدارك لا يفهم لأول وهلة، والثاني: أنه يأتي على صورة رجل ويلقي عليه القرآن، ويلقي عليه الوحي، فيأخذه منه وهو على صورة بشر.وللوحي صفات أخرى يأتي بها؛ مثل كونه يسمع عنده دوي كدوي النحل، وكونه ينفث في روعه، وكونه يأتيه في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي وحق، فما يحصل لهم في المنام فهو وحي.والحديث اشتمل على ذكر هاتين الصورتين من صور مجيء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ثم مما يذكر عند هذا الحديث أن الوحي محمود، بل إن الوحي به حياة القلوب، والجرس مذموم، وقد جاء ذمه، وأن الملائكة لا تتبع الرفقة الذين معهم جرس، والدواب التي علقت عليها الأجراس، فهو مذموم، وهنا جاء تشبيه ذلك الشيء المحمود بذلك الشيء المذموم، فكيف يكون التشبيه بما هو محمود لما هو مذموم؟وقد أجيب عن هذا: بأن التشبيه لا يكون من جميع الوجوه، وإنما يكون من بعض الوجوه التي فيها التتابع؛ وهو تتابع الصوت والتدارك، وهو شيء معهود عند الناس، فمثل لهم بشيء يعهدونه، ومحل الشاهد أو المقصود من التمثيل: هو التتابع الذي يكون في الصوت، يعني: صوت متدارك متتابع لا يفهم منه الشيء من أول وهلة، قالوا هذا في الجواب عن هذا الإستشكال الذي هو تشبيه ما هو محمود بما هو مذموم.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صور نزول الوحي على النبي
قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن مخلد بن راهويه الحنظلي، المحدث، الفقيه، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو أحد الأفراد القلائل الذين ظفروا بهذا اللقب، وبهذا الوصف؛ وهو أنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وكلمة: (راهويه) وما شابهها، هذه من الألفاظ التي ختمت بالواو والياء والهاء، والمحدثون ينطقون بها بالواو الساكنة المضموم ما قبلها، وبعدها ياء مفتوحة وآخرها هاء، وأما أهل اللغة فينطقونها مفتوحة الواو والياء ساكنة، وهي المختومة بـ(ويه)، المحدثون يقولون: راهويّه، وأهل اللغة يقولون: راهوْيَه.[أنبأنا سفيان].سفيان هو ابن عيينة، جاء مسمىً في الإسناد في صحيح مسلم؛ لأن مسلماً رحمه الله روى هذا الحديث في صحيحه، وفيه تسمية سفيان، بأنه ابن عيينة وتعيينه، وقد عرفنا أن الاسم المهمل الذي لم ينسب، والذي هو يشترك مع غيره، طريقة تمييز المهمل: أن ينظر في الأسانيد الأخرى للحديث نفسه، فقد يكون في بعض الأسانيد تسمية، أو نسبة ذلك الرجل المهمل كما هنا، فإنه نسب في الإسناد في صحيح مسلم، نفس الإسناد والحديث جاء في صحيح مسلم وفيه تسميته بأنه ابن عيينة.ومن الطرق التي ذكرتها فيما مضى: معرفة الشيوخ والتلاميذ، وإذا كان الشيوخ فيهم من يسمى سفيان، أو التلاميذ فيهم من يسمى سفيان، ينظر لمن يكون لأحدهما به اختصاص؛ من كونه مكثراً من الرواية عنه، وملازماً له، وكونه من أهل بلده، وما إلى ذلك من الأمور التي يكون بها تمييز المهمل.الحاصل: أن سفيان الذي معنا يحتمل ابن عيينة، ويحتمل الثوري، جاء الإسناد في صحيح مسلم معيناً أنه ابن عيينة، وعلى هذا: فقد ميز ذلك المهمل بأنه ابن عيينة وليس الثوري، وسفيان بن عيينة ثقة، حجة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، فقيه، ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه]هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو من فقهاء التابعين، بل هو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، المشهورين في عصر التابعين، وعروة بن الزبير منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة أم المؤمنين]. هي خالته؛ لأن عروة هو ابن أسماء بنت أبي بكر، وأسماء أخت عائشة، فهو يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، وهي الصحابية الوحيدة التي روت الحديث الكثير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترو امرأة من الحديث مثل ما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 11:24 PM
شرح حديث عائشة في صور نزول الوحي على النبي من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم أنه قال: حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحياناً يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً)].هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الذي قبله، والسائل هو نفس السائل؛ الحارث بن هشام: [كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت ما قال]، (يفصم) يعني: ينتهي وينقطع وقد وعى؛ أي: بعد ما ينتهي من الوحي يكون قد وعى ما قال، [وأحياناً يأتيه على صورة رجل، فيكلمه فيعي ما يقول]، فهو مثل الذي قبله تماماً، ويدل الحديث على أن السائل إذا سئل عن شيء يحتمل التفصيل فإنه يجيب بالتفصيل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن كيفية نزول الوحي، والكيفية لها صور متعددة، ولها تفصيل، ذكر أهم هذه الصور التي هي حالة كونها كصلصلة الجرس، وكونه يأتيه على صورة بشر.وقالت عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقاً). يعني: أنه يلاقي شدة، ففي اليوم الشاتي الشديد البرودة يحصل له العرق، الذي عادة إنما يأتي في الصيف، وفي وقت شدة الحر، فهو يأتيه في وقت شدة البرد، وذلك لما يعانيه من المشقة عند نزول الوحي، فكان في اليوم الشاتي الشديد البرد يتفصد جبينه عرقاً؛ يعني: يصب العرق منه كما يصب الدم من الشخص الذي فصد، فيخرج الدم من عرقه بغزارة وبكثرة، فكذلك العرق يتصبب منه بغزارة وبكثرة، وذلك لما يلاقيه من الشدة عند نزول الوحي عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فهذا هو معنى كلام عائشة الذي تصف ما يلاقيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من شدة عند نزول الوحي.
تراجم رجال إسناد حديث عائشة في صور نزول الوحي على النبي من طريق أخرى
قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة هو: المرادي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، هؤلاء خرجوا حديث محمد بن سلمة المرادي المصري، وهناك شخص آخر يروي عنه النسائي بواسطة، اسمه محمد بن سلمة، وهو الحراني الباهلي، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي بواسطة فهو الباهلي الحراني، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه النسائي مباشرة فهو المرادي المصري، والنسائي يروي عن هذا وهذا، إلا أن هذا من طبقة شيوخه الذي هو المصري المرادي، والثاني من طبقة شيوخ شيوخه وهو محمد بن سلمة الباهلي الحراني.[والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].الحارث بن مسكين، يعني يروي عنه النسائي، والحارث بن مسكين أيضاً مصري، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه أبو داود والنسائي.قوله: (قراءة عليه وأنا أسمع)، يعني: أنه تحمل عنه عن طريق العرض؛ الذي هو القراءة على الشيخ، وليس هو القارئ، بل القارئ غيره وهو يسمع، وقوله: (واللفظ له)، يعني: أن اللفظ المثبت لفظ الحارث بن مسكين، وليس لفظ محمد بن سلمة ؛ لأن لكل واحد منهما لفظ، فإذا روى عنهما مجتمعين عين من له اللفظ وقال: واللفظ له، أي: الحارث بن مسكين، أي: اللفظ الموجود -الذي هو المتن- هو لفظ الحارث بن مسكين، ليس لفظ محمد بن سلمة المرادي ، وإنما ذاك بالمعنى؛ يعني: هو بالمعنى، وأما باللفظ فهو لفظ الحارث بن مسكين.[عن ابن القاسم].ابن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو ثقة، فقيه، وهو صاحب الإمام مالك، الذي يروي عنه المسائل في الفقه، ويروي عنه في الحديث كما هنا، وهو ثقة، فقيه، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.[حدثنا مالك].مالك هو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ].هشام بن عروة، وأبوه، وعائشة قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله عز وجل: ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17]، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان يحرك شفتيه، قال الله عز وجل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17]، قال: جمعه في صدرك ثم تقرأه، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:18]، قال: فاستمع له وأنصت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق قرأه كما أقرأه)].هنا أورد النسائي حديث ابن عباس، أو أثر ابن عباس في تفسير قوله الله عز وجل: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16]، فقال رضي الله عنه: [كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة]، يعني: أنه يعاني عند نزول الوحي عليه شدة، وكان يحرص على متابعة الملك فيحرك لسانه به؛ حتى يحفظه فلا يفوته منه شيء، فأمره الله عز وجل أن لا يحرك لسانه، وإنما يستمع عند قراءة جبريل له، والله تعالى يمكنه من حفظه، ويمكنه من قراءته، فلا يحرك لسانه عند سماعه من جبريل استعجالاً إلى حفظه، وإنما يستمع فقط، والله تعالى تكفل بحفظه إياه، بحيث يعيه، ولا يفوته منه شيء، فكان يستمع، وإذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه إياه جبريل، وحصل ما وعده الله عز وجل به؛ في أن جمعه وقرآنه في صدرك، وقرآنه أي: تقرأه؛ لأن هنا القرآن بمعنى القراءة، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، يعني: قراءته، بمعنى أنك تقرأه على الناس؛ قراءتك إياه على الناس، فتتمكن من ذلك وتحفظه وتقرأه على الناس.قوله: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة].يعني: يحصل له عناء ومشقة من نزول الوحي عليه، ويوضح ذلك ما جاء في حديث عائشة المتقدم: (كان في اليوم الشديد البرد يتفصد جبينه عرقاً). مع أن العرق إنما يكون في وقت الصيف، وفي وقت الحر، أما في وقت البرد فلا يكون فيه العرق إلا مع شدة ومعاناة.قال: [وكان يحرك شفتيه].فكان يحرك شفتيه ليحفظ، ولئلا يفوته شيء.قال له: [ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ [القيامة:16] ]، وذكر الحكمة في هذا التحريك؛ وهي أن يحفظه. وأن يستعجل بحفظه لئلا يفوته منه شيء، وعده وأكد ذلك بقوله: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، يعني: إن علينا جمعه في صدرك، وقراءتك إياه على الناس، قرآنه يعني: قراءته، فالقرآن بمعنى القراءة، والقرآن يأتي بمعنى القراءة، ويأتي بمعنى القرآن الذي هو كلام الله عز وجل. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ [القيامة:18]، يعني: قرأه جبريل عليك، وهنا ذكر إسناد الضمير إليه، مع أن الذي يقرأه إنما هو جبريل، وهو يسمع من جبريل ولا يسمع من الله، (فإذا قرأناه)، يعني قرأه جبريل، وهذا من جنس قول الله عز وجل: يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74]، وهو يجادل الملائكة الذين جاءوا إليه، وهذا من هذا القبيل، يعني: أنه إذا قرأناه، يعني: قرأه عليك الملك الذي أرسله الله عز وجل بالوحي من عنده فاتبع قرآنه؛ يعني: استمع له وتابعه في الاستماع، فكان بعدما أمر وأرشد إلى هذا لا يحرك لسانه، وإنما يسمع، فإذا فرغ جبريل من إلقاء الوحي عليه وانطلق، قرأه على الناس كما أقرأه إياه جبريل، لا يفوته منه شيء؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه، ووعده بأن عليه جمعه وقرآنه.
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وهي من بلاد خراسان، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو عوانة].أبو عوانة هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن موسى بن أبي عائشة].موسى بن أبي عائشة ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن جبير].سعيد بن جبير ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].هو عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين.
الأسئلة
ما معنى (سعديك) الواردة في الحديث النبوي
السؤال: لبيك وسعديك، (وسعديك) ما معناها؟الجواب: قال العلماء: لبيك: إجابة بعد إجابة، وسعديك: إسعاد بعد إسعاد، وبالنسبة لله عز وجل إذا أريد به أنه ردٌ أو أنه إجابة فحسن، فيستقيم هذا المعنى، يعني: من حيث أنه رد جميل، يعني: إسعاد بعد إسعاد، يعني: رد جميل، وجاء في مقدمة فتح الباري: لبيك وسعديك: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة، هذا هو الذي رأيته فيما يتعلق بمعنى لبيك وسعديك؛ أي: كلمة (سعديك) التي لا تأتي إلا تابعة للبيك، يعني: ما يقال: سعديك وحدها عندما ينادي مناد فيقال: سعديك، لا، يقال: لبيك وسعديك، أو لبيك فقط، لبيك تأتي وحدها، وتأتي معطوفاً عليها سعديك، لكن كون سعديك تأتي وحدها هكذا بدون أن تسبقها لبيك، لا، وإنما تأتي معطوفة على لبيك.
ما يلزم من أفطر في رمضان لعذر
السؤال: من اشترك في الجهاد لدفع المستعمر، وكان يفطر في رمضان لمدة خمس سنوات، وبعد انتهاء الجهاد هل يقضي عن الأيام التي أفطرها، وهل القضاء عليه واجب؟الجواب: نعم، الإنسان إذا أفطر أياماً من رمضان، أو أشهراً، فإن عليه أن يقضيها؛ لأن صيام رمضان واجب، وإذا أفطر لعذر فعليه عدة من أيام أخر، وعليه أن يقضي، والقضاء عليه واجب؛ لأن الأصل عليه واجب، ولم يؤده في وقته، ومن لم يؤده في وقته فعدة من أيام أخر، فعليه أن يصوم تلك الأشهر التي عليه، ولو مضى عليه سنون طويلة، فهو دين في ذمته عليه أن يقضيه.
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 11:26 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(177)
- باب جامع ما جاء في القرآن [2]
أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين بأفصح لغات العرب، مراعياً فيه التيسير على الناس؛ حيث إنه أنزله على سبعة أحرف، وجمعه عثمان على حرف واحد سداً للذريعة، والقراءات المتنوعة ليست هي الأحرف السبعة، إنما هي مندرجة في ذلك الحرف.
جامع ما جاء في القرآن
شرح حديث: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جامع ما جاء في القرآن.أخبرنا نصر بن علي أخبرنا عبد الأعلى حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن ابن مخرمة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفاً لم يكن نبي الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، قلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: كذبت، ما هكذا أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بيده أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إنك أقرأتني سورة الفرقان، وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا هشام، فقرأ كما كان يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأت فقال: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)].الترجمة هي باب جامع ما جاء في القرآن، وهو باب يشتمل على موضوعات مختلفة، سبق أن مر في الدرس الماضي منها؛ ما يتعلق بكيفية نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يعاني الشدة عند نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم.وفي هذه الأحاديث التي سمعنا أولها ما يتعلق بالأحرف السبعة، ونزول القرآن على سبعة أحرف، وأول هذه الأحاديث حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على حروف لم يقرئه إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له: (من أقرأك هذا؟ قال: أقرأني ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال له: كذبت، لقد أقرأنيها رسول الله عليه الصلاة والسلام وليس فيها شيء مما قلت)، ومراد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه بهذا أنه كان على معرفة تامة، وملازمة تامة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكن سمع منه هذه الأحرف، ومن أجل هذا قال: كذبت، وذلك لطول عهده، وسبق إسلامه، وملازمته، ومعرفته للقرآن الذي يسمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وليس فيه شيء من هذا الذي سمعه من هشام بن حكيم بن حزام.وقوله: (كذبت)، يحتمل أمرين:إما أن يكون هو ضد التصديق، ويكون ذلك بناءً على غالب الظن، والذي دفعه إلى هذا كون عمر متقدم الإسلام، ولم يسمع هذا الشيء، وكون هشام بن حكيم متأخر الإسلام.وإما أن المراد بـ(كذبت) أخطأت؛ لأن (كذب) تأتي بمعنى أخطأ، فيكون من هذا القبيل، يعني: كذبت بمعنى أخطأت، وقد مر بنا في صحيح البخاري، ولعله في هذه السنن أمثلة من ذلك التي فيها ذكر التكذيب، ويراد بها التخطئة، وليس التكذيب الذي هو ضد التصديق، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا.[قال له: كذبت، ما هكذا أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم].قوله: (ما هكذا أقرأك)، يعني: بناءً على غالب ظنه، وأن الذي قرأه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فغلب على ظنه أنه كان مخطئاً، وأن هذا ليس ما أقرأه إياه رسول الله عليه الصلاة والسلام.قال: [(فأخذت بيده أقوده..)].فذهب به إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخبره بأنه سمعه يقرأ سورة الفرقان على خلاف ما أقرأه إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي فعله عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم، يدل على شدته رضي الله عنه وصلابته وقوته في الأمر بالمعروف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حيث بادر وذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه رآه أخطأ خطأً بيناً على حسب ظنه، إذ قرأ هذه السورة على خلاف ما كان يقرؤها عمر، والتي أقرأه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو دال على قوته، وعلى شدته رضي الله عنه، وصلابته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.فلما وصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخبره بالذي جاء من أجله، قال لـهشام: (اقرأ، فقرأ سورة الفرقان على النحو الذي سمعه منه عمر، فقال: هكذا أنزلت، ثم قال لـعمر: اقرأ، فقرأ سورة الفرقان، فقال عليه الصلاة والسلام: هكذا أنزلت، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف).والأحرف السبعة اختلف فيها على أقوال كثيرة، فمن العلماء من توقف وقال: إنها من المتشابه الذي لا يعرف حقيقته، وممن توقف السيوطي، حيث ذكر أن الأقوال بلغت ثلاثين قولاً، وأن الذي اختاره منها هو التوقف، وأن ذلك من المتشابه.ومن العلماء من فسرها، وتكلم في المراد منها، ورجح ما رجح من الأقوال، وأشهر ما قيل في الأحرف السبعة: أنها سبع لغات من اللغات الفصحى في لغة العرب، من أفصح اللغات في لغة العرب، فالأحرف السبعة إنما هي سبع لغات، وليس المراد من ذلك أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، ولا أن كل جملة تقرأ كذلك، وإنما هذا هو الحد الأقصى؛ أن أقصى ما يبلغ في الكلمة الواحدة أن يكون سبع لغات، فقد يكون في الكلمة الواحدة لغتان، وفي بعض الكلمات ثلاث، وفي بعضها أربع، هذا هو المقصود.وهذه الأحرف السبعة كانت موجودة ومعروفة بين الصحابة، ولكن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما جمع القرآن جمعه على حرف واحد، فصارت الأحرف الآن غير موجودة، والمصحف مشتمل على حرف واحد من الأحرف السبعة، والقراءات الموجودة في المصحف ليست هي الأحرف السبعة، وإنما الأحرف السبعة هي سبع لغات، والموجود في المصحف إنما هو حرف واحد مشتمل على عدة قراءات.وابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين) ذكر أدلة كثيرة في سد الذرائع، وأوصلها إلى تسعة وتسعين دليلاً، وختمها بجمع عثمان رضي الله عنه المصحف، وقصره على حرف واحد؛ حتى لا يحصل الاختلاف بين الناس في قراءته، وقال: إن هذا كان، أي: -نزوله على- سبعة أحرف في الوقت الذي كان هناك حاجة إليه، ولكن لما التقى العرب على الإسلام، والتقى بعضهم ببعض، وتذللت ألسنتهم، وعرف بعضهم ما عند بعضهم من اللغات، وكان ذلك رخصة -أي: نزول القرآن على سبعة أحرف رخصة تيسيراً وتسهيلاً- جمع عثمان رضي الله عنه المصحف على حرف واحد.وفعل عثمان رضي الله عنه من سد الذرائع التي هي الاختلاف الذي يكون بين الناس بسبب تعدد اللغات، مع أن الأمر كان رخصة، ولم يكن الأمر يحتاج إلى الاستمرار، فحصل الاقتصار على حرف واحد من الأحرف السبعة.فهذا هو أشهر ما قيل: إنها لغات، ومن العلماء من توقف وقال: إنه من المتشابه الذي لم يثبت، ويأتي دليل يدل على بيان المراد منه.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)
قوله: [أخبرنا نصر بن علي].هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، واسمه واسم أبيه يوافق اسم جده وجد أبيه؛ لأنه نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، مثل خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط، فهما اسمان؛ اسم الابن والأب متفقان مع الجد وجد الأب، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا عبد الأعلى].هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا معمر].معمر بن راشد، وهو البصري، وهو ثقة، حديثه أيضاً عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ينتهي نسبه إلى جده زهرة بن كلاب، وهو ثقة، فقيه، إمام، جليل، مكثر من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار التابعين، أدرك أنس بن مالك رضي الله عنه وغيره من صغار الصحابة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].وهو عروة بن الزبير بن العوام، المحدث، الفقيه، من الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن مخرمة].وهو المسور بن مخرمة، الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنها وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه].هو أمير المؤمنين، أبو حفص الفاروق، ذو المناقب الجمة، والصفات الحميدة، الذي جاء عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام الأحاديث الكثيرة الدالة على فضله ونبله، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر)، وقال عليه الصلاة والسلام لـعمر: (ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، وقد رأى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في منامه قصراً في الجنة، فأراد أن يدخله، فقال: (لمن هذا؟ قالوا: لـعمر بن الخطاب، قال: فذكرت غيرتك فلم أدخله، فقال: أعليك أغار يا رسول الله، وبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه)، ومناقبه كثيرة رضي الله تعالى عنه، وهو ثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، الذين قال فيهم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، وخلافته خلافة نبوة، وقد جاء عن سفينة مولاه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء).وكان رضي الله تعالى عنه وأرضاه مكث في الخلافة عشر سنوات وأشهراً، حصل فيها الخير الكثير، وفتحت الفتوحات، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان، وهما دولة فارس، والروم، وتحقق بذلك الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه رأى أنه على بئر ينزح منها دلواً، فنزح منها ما شاء أن ينزح، ثم أخذها أبو بكر فنزح ذنوباً أو ذنوبين، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فريه، وهذا إشارة إلى ولايته وطولها، وما حصل فيها من الفتوح، وما حصل فيها من انتشار الإسلام، وقوة الإسلام، وعزة الإسلام وأهله، رضي الله تعالى عن عمر وعن الصحابة أجمعين.والحديث من رواية صحابي عن صحابي؛ لأن المسور بن مخرمة صحابي، وهو يروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.قال: [سمعت هشام بن حكيم يقرأ].وهشام بن حكيم ليس من رواة الإسناد، وإنما الحديث من مسند عمر، وكان سبب الذي حصل من إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما حصل بينه وبين هشام بن حكيم الذي سمعه يقرأ سورة الفرقان على خلاف ما أقرأه إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سبباً في الذهاب هو وإياه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإخبار عمر للرسول صلى الله عليه وسلم بما حصل، وأن هشاماً قرأ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت)، وقرأ عمر وقال: (هكذا أنزلت، ثم قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف)، فهو ليس من رجال الإسناد، بل هو صحابي من أصحاب رسول الله، ومن مسلمة الفتح، وله رواية في بعض الكتب الستة، ولكن ليس هو من رجال الإسناد الذي معنا.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 11:28 PM
حديث: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، واللفظ له عن ابن القاسم قال: حدثني مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه)].وهذا أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب من طريق أخرى، وهو بمعنى الرواية السابقة المتقدمة قبل هذا مما جرى بينه وبين هشام بن حكيم، وترافعهما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقراءة كل منهما ما أقرأه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقوله: إنه هكذا أنزل لكل منهما، ثم قال: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه).قوله: [ أخبرنا محمد بن سلمة].وهو المرادي المصري، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وهو -كما ذكرت- محمد بن سلمة المرادي المصري، وهو شيخ النسائي، وأما محمد بن سلمة الباهلي فهذا من طبقة شيوخ شيوخه، فأحياناً يأتي محمد بن سلمة، يروي عنه بواسطة، والمراد به الباهلي، والذي يروي عنه مباشرة هو المرادي المصري.[والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع].يعني: أيضاً يروي عنه النسائي قراءة عليه، والنسائي يسمع.والحارث بن مسكين ثقة، فقيه، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.[واللفظ له].يعني: أن اللفظ للشيخ الثاني الذي هو الحارث بن مسكين.[عن ابن القاسم].وهو عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وهو ثقة، حديثه أخرجه البخاري، وأبو داود في المراسيل، والنسائي.[قال: حدثني مالك].وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو الزهري، وقد تقدم.[عن عروة بن الزبير].وقد تقدم أيضاً.[عن عبد الرحمن بن عبد القاري].عبد الرحمن بن عبد القاري، يعني: بدون إضافة، والقاري نسبة إلى قبيلة من العرب يقال لهم: القارة أو بني قارة، فهي نسبة نسب، وقيل: إنه ولد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من كبار التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه].وقد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.
حديث: (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى سمعت ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري أخبراه: أنهما سمعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلما سلم لببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ فقال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: كذبت، فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه)].وهنا كذلك أورد النسائي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو بمعنى الطريقين السابقتين، وهو مشتمل على المحاورة التي جرت بينه وبين هشام بن حكيم، وترافعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإخبار الرسول عليه الصلاة والسلام لهما بعد أن سمع قراءتهما أن كلاً منهما قرأ وفقاً لما أنزل عليه عليه الصلاة والسلام، ثم قال: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه).إذاً: مؤدى هذه الروايات الثلاث من حديث عمر رضي الله عنه واحد.قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].وهو الصدفي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثة خرجوا لـيونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري.[سمعت ابن وهب].وهو عبد الله بن وهب المصري، الذي تكرر ذكره كثيراً، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني يونس].يونس بن يزيد الأيلي وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن ابن شهاب].ابن شهاب، وقد مر ذكره قريباً.[أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة...].هؤلاء مر ذكرهم، عروة بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري، وعمر بن الخطاب، مر ذكرهم في الإسنادين الماضيين.
شرح حديث: (إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر غندر حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: أسأل الله معافاته، ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: أسأل الله معافاته، ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته، ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا). قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث خولف فيه الحكم، خالفه منصور بن المعتمر، رواه عن مجاهد عن عبيد بن عمير مرسلاً].وهنا أورد النسائي حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند أضاة بني غفار وأضاة بني غفار مستنقع في المدينة، بمعنى الغدير، فجاءه وهو هناك، وقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته، ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك، أي: كان في أول الأمر العرب لغاتهم مختلفة، وكان الشيء له لفظ يؤدي المعنى عند هؤلاء، وغيرهم له لفظ آخر يؤدي معناه، فنزل عليه وقال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين)، ثم فعل في الثالثة كذلك، ثم في الرابعة قال: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأي حرف منه قرءوا فقد أصابوا).والمقصود أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وفي الحديث هنا دليل على أن العدد مقصود، وأنه ليس المقصود منه التكثير، كما يأتي ذكر السبعة، للتكثير في الآحاد، والسبعين في العشرات، والسبعمائة في المئات، فإن هذا الحديث يدل على أن العدد مقصود، وأنه ليس للتكثير؛ لأنه قال: حرف، ثم قال: حرفين، ثم قال: ثلاثة، ثم بعد ذلك قال: سبعة، فدل على أن العدد مقصود، وكما ذكرت: أنه ليس كل كلمة تكون على سبعة أحرف، بل المقصود أن الحد الأعلى الذي يبلغه التكرار الذي عليه الحروف هو سبعة، وقد تكون الكلمة فيها حرفان، وفي بعضها ثلاثة أحرف، وفي بعضها أربعة أحرف، وإنما المقصود الغاية النهائية التي تصل اللغات أو الألفاظ لأداء المعنى الواحد أنه يصل إلى سبع، فالحديث يدل على هذا المعنى الذي أشرت إليه، وهو دال على ما دل عليه حديث عمر المتقدم من أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].وهو الملقب بندار، وهو ثقة، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، من صغار شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من شيوخهم فهم رووا عنه.[عن محمد بن جعفر غندر].هنا ذكر النسب واللقب، محمد بن جعفر غندر، وغندر لقب لـمحمد بن جعفر، فأحياناً يذكر باسمه دون لقبه، وأحياناً بلقبه دون اسمه، وأحياناً باسمه ولقبه كما هنا: محمد بن جعفر غندر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الحكم].وهو ابن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فقيه، ربما دلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن مجاهد].مجاهد بن جبر المكي، ثقة، عالم بالتفسير، وكذلك في العلم الذي هو غير التفسير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي ليلى].وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي بن كعب].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو سيد القراء رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. قال بعد ذلك قال أبو عبد الرحمن: [هذا الحديث خولف فيه الحكم، خالفه منصور بن المعتمر، فرواه عن مجاهد عن عبيد بن عمير مرسلاً]، وهذا الاختلاف لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء من طريقين؛ لأن مجاهد يرويهما من طريقين: من طريق موصولة، ومن طريق مرسلة، فلا تؤثر إحدى الطريقين على الأخرى؛ أن مجاهد رواه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى متصلة، ورواه من طريق عبيد بن عمير مرسلاً، فيكون رواه على الوجهين: سمعه من هذا هكذا، وسمعه من هذا هكذا، فلا تعل إحداهما بالأخرى، بل الطريق المتصلة معتمدة ومعتبرة، والطريق المرسلة تؤيدها الطريق الموصولة التي هي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، فهذا الخلاف لا يؤثر على صحة الحديث، وعلى ثبوت الحديث.ومنصور بن المعتمر هو الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي، ولد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو من كبار التابعين، متفق على ثقته وعدالته.
الأسئلة
درجة حديث علي في دعاء الاستفتاح
السؤال: ما درجة صحة حديث علي في دعاء الاستفتاح؟الجواب: لا أدري ما المقصود بالدعاء هذا.
ترجمة أبي حامد الغزالي وعقيدته
السؤال: من هو أبو حامد الغزالي ؟ وما عقيدته؟الجواب: أبو حامد الغزالي هو صاحب كتاب: (إحياء علوم الدين)، وهو من الأشاعرة، ومن المتمكنين في علم الكلام، ولكنه ذكر في كتابه الإحياء ما يدل على ذم علم الكلام، وكذلك غيره من الذين اشتغلوا بعلم الكلام ذمه جماعة منهم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية، وكذلك شارح الطحاوية، ذكرا عدداً من المتكلمين، آل الأمر ببعضهم إلى الحيرة، وبعضهم أظهر الندم، وبعضهم رجع إلى ما كان عليه أهل الحديث والسنة، وأبو حامد الغزالي، ذكر في كتاب الإحياء كلاماً نفيساً في ذم علم الكلام، وقال: إن ما فيه من فائدة ففي الكتاب والسنة ما يغني عنه، وهذه الفائدة على قلتها وضآلتها وعَّر المتكلمون الوصول إليها، فلا يوصل إليها إلا بمشقة، وقال: إنه كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، ليس الجبل سهلاً فيرتقى، ولا الجمل سميناً فينتقى، فعندما يتعب ويوصل إلى رأس الجبل يوجد لحم غث ليس بالسمين، ثم قال: وأنت لو سمعت هذا الكلام من محدث ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا؛ لأن المحدثين ليسوا من أهل علم الكلام، ولا يشتغلون به، فإذا ذموه وتكلموا فيه قد يقال: إنهم جهلوا علم الكلام، قال: أنت لو سمعت هذا الكلام من محدث ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، ولكن خذ هذا الكلام ممن خبر علم الكلام، وتوغل فيه إلى نهاية درجة المتكلمين، وتوصل إلى أن تحصيل الهدى من هذا الطريق مسدود، أو من هذا الباب مسدود، يعني: أنه ما يحصل الهدى من هذا الطريق، هذا كلامه في إحياء علوم الدين، وهو موجود فيه، ونقله شارح الطحاوية في كتابه شرح الطحاوية، وفي كتاب الإحياء أمور حسنة، وفيه أمور سيئة، وبعض الكتاب المعاصرين كتبوا عنه، وأبدوا ما فيه وما اشتمل عليه.وهو من أئمة علم الكلام، أقول: من الأئمة في علم الكلام، وعلم الكلام مذموم.
درجة الأحاديث في النسائي
السؤال: لماذا لا تبين لنا درجة الحديث الذي تشرحه لنا من سنن النسائي برجاله؟الجواب: أنا ذكرت مراراً وتكراراً أن الأحاديث في سنن النسائي الضعيفة قليلة جداً، وأكثره صحيح، وأنا إذا جاء الحديث ضعيفاً أشير إليه، وإذا كان ليس فيه ضعف أسكت، فالأحاديث غالبها، وكثرتها الكاثرة صحيحة، وسنن النسائي هو من أقل الكتب الأربعة حديثاً ضعيفاً، والأحاديث التي مررنا بها اليوم كلها صحيحة، وكذلك التي نمر بها، والضعيف أنا سأشير إليه وأنبه عليه، ولكنه قليل، فقد يمر بنا أيام لن يمر بنا حديث ضعيف، وكما قلت في مثال مضى: الكتاب الذي قبل كتاب الاستفتاح -وهو كتاب الإمامة- فيه مائة حديث، تسعة وتسعون صحيحاً وواحد ضعيف.
حكم حلق الشعر الذي بين اللحية والشارب
السؤال: ما حكم حلق الشعر الذي بين اللحية والشارب؟ أو ما هو الأفضل في ذلك؟الجواب: الإنسان لا يأخذ من شعر وجهه إلا الشارب والباقي يتركه.
__________________
ابو الوليد المسلم
02-03-2026, 11:30 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(178)
- باب جامع ما جاء في القرآن [3]
جاءت السنة ببيان أن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن الكريم على سبعة أحرف، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده إذ لم يقصرهم على حرف واحد. والرسم العثماني في المصحف يحتمل هذه الأوجه في القراءات، ولا ينبغي للرجل أن يقول: نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيت آية كذا.
تابع جامع ما جاء في القرآن
شرح حديث أبي بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [جامع ما جاء في القرآن. أخبرني عمرو بن منصور حدثني أبو جعفر بن نفيل قرأت على معقل بن عبيد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة، فبينا أنا في المسجد جالس، إذ سمعت رجلاً يقرؤها يخالف قراءتي، فقلت له: من علمك هذه السورة؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فقلت: يا رسول الله! إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا أبي! فقرأتها، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنت، ثم قال للرجل: اقرأ، فقرأ فخالف قراءتي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي! إنه أنزل القرآن على سبعة أحرف، كلهن شاف كاف). قال أبو عبد الرحمن: معقل بن عبيد الله ليس بذلك القوي].لا زلنا في الترجمة: جامع ما جاء في القرآن، وقد مضى منها أحاديث متعلقة بكيفية الوحي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعض الأحاديث المتعلقة بإنزال القرآن على سبعة أحرف، وبقي بعض تلك الأحاديث الدالة على إنزال القرآن على سبعة أحرف، وكذلك الأحاديث التي فيها المحافظة على حفظ القرآن وتعاهده؛ حتى لا يضيع حفظه ممن حفظه.وهذا الحديث الذي معنا -حديث أبي بن كعب رضي الله عنه- هو من الأحاديث الدالة على إنزال القرآن على سبعة أحرف، وقد أخبر أبي بن كعب رضي الله عنه أنه حصل له -مثلما سبق في الأحاديث الماضية، أنه حصل لـعمر- ( أنه سمع رجلاً يقرأ سورة من القرآن على خلاف ما كان أقرأه إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: من علمك هذا؟ -أي: هذه القراءة من الذي علمك إياها؟- فقال الرجل: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، أقرأني إياها على خلاف ما قرأت، ولكن لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم )، يعني: أنهما يذهبان إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويعرضان عليه ما حصل لهما، من أن كلاً منهما أخذ القراءة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي تخالف قراءة الرجل الآخر.وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام من المبادرة إلى معرفة الحق، والوقوف عليه؛ لأن أبياً رضي الله عنه قال: (لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم).فلما وصل إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما جرى، قال الرسول عليه الصلاة والسلام لـأبي: بـ( اقرأ، فقرأ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت، ثم قال للرجل: اقرأ، فقرأ على وفق ما كان قرأه -مما خالف فيه قراءة أبي بن كعب- قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أحسنت، ثم قال: يا أبي، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلهن كاف شاف )، يعني: أي واحد منهما قرئ به، فإنه حصل به المقصود، وحصل قراءة القرآن على وفق ما أنزل الله عز وجل؛ لأن هذه القراءة التي أقرأ النبي صلى الله عليه وسلم إياها أبياً هي من الأحرف التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك القراءة التي قرأها ذلك الرجل -وقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم إياها- هي من الأحرف التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.وقد عرفنا أن إنزال القرآن على سبعة أحرف في أول الأمر كان من أجل دفع المشقة، وأنه بعدما حصل اختلاط الناس، والتقاؤهم بسبب الإسلام، ومعرفة بعضهم ما عند بعض، ومعرفة هؤلاء لغة هؤلاء، عند ذلك تذللت الألسنة، وقام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه على كتابة المصاحف على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ لأن إنزاله على سبعة أحرف إنما كان رخصة، ولما زالت الحاجة، أو حصل قيام العرب بعضهم مع بعض في معرفة كل ما عند الآخر، وتذللت الألسن وسهلت، وعرف هؤلاء لغة هؤلاء، وخاف أيضاً عثمان رضي الله عنه وقوع الاختلاف بين الناس جمع الناس على حرف واحد.وقد ذكرت سابقاً أن الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين ذكر تسعة وتسعين دليلاً على سد الذرائع، أو وجهاً من أوجه سد الذرائع، وأن الشريعة جاءت بسد الذرائع، فأورد تسعة وتسعين وقال: إن هذا العدد يطابق أسماء الله الحسنى التي جاء الحديث فيها: (إن الله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، وقد ختم ابن القيم الأوجه التسعة والتسعين بهذا الوجه، فهذا الوجه هو التاسع والتسعون؛ وهو كون عثمان بن عفان قصر الناس على حرف واحد حتى لا يحصل الاختلاف بينهم؛ يعني: أنه فعل ذلك درءاً لهذه المضرة؛ التي هي حصول الاختلاف بين الناس، وكان في أول الأمر رخصة، وقد حصل للناس أن تذللت ألسنتهم، وعرف بعضهم ما عند بعض، فعند ذلك قصرهم على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ولم تكن القراءة بالأحرف السبعة واجبة ومتحتمة؛ لأنها نزلت رخصة، ولما لم يكن هناك حاجة إلى تلك الرخصة -لكون المقصود قد حصل بمعرفة بعض العرب ما عند البعض الآخر- جمعهم على حرف واحد، وهذا الحرف مشتمل على القراءات، لا يقال: إن الأحرف السبعة هي القراءات السبع؛ لأن القراءات السبع موجودة، ولهذا رسم المصحف يتحمل القراءات. ولا يجوز أن يكتب بالإملاء، أو بطرق الإملاء الحديثة، بل رسم المصحف يبقى على ما هو عليه؛ لأن رسمه من أجل أن يتحمل، وأن يتسع للقراءات المختلفة، ولهذا نجد أن الرسم يحتمل القراءتين والأكثر، فمثلاً: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:24]، في قراءة: (قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم)، لو كان الرسم قاف وألف ولام، هذا الرسم لا يحتمل (قل)، وإنما يحتمل (قال) فقط، لكن جاء الرسم القاف متصلة باللام، فعند قراءة (قال) تكون القاف مفتوحة وفيه ألف قصيرة بعد الفتحة، يعني: إشارة إلى أنها (قال)، كما هي القراءة الموجودة في المصحف في رواية حفص عن عاصم الموجود في أيدينا، والقراءة الثانية: (قل أولو جئتكم)، فكلمة (قل) إذا كانت القاف مشبوكة باللام، اتسعت لقال ولقل، لكن لو جاءت بحروف الإملاء الحديثة التي عندنا -أن الألف متصلة بالقاف- ما تتحمل (قل). وكذلك: قراءة في آخر سورة التحريم: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا [التحريم:12] (وكتابه)، وهي قراءة الجمهور. أما (وكتبه)، الموجودة في المصحف عندنا فهي قراءة حفص، وقراءة الجمهور: كتابه، ورسم (كتبه) التاء متصلة بالباء، ما فيه ألف بعد التاء؛ لأنه لو كان فيه ألف ما احتملت (كتبه)، لكن لما جاءت كتب يعني: الكاف والتاء والباء متصل بعضها ببعض، عند قراءة (كتابه) تكون التاء مفتوحة وفيه ألف صغيرة بعدها، وعند قراءة (كتبه) ما فيه ألف ولكن فيه ضمة على التاء، فالأحرف السبعة هي لغات على ما هو مشهور؛ يعني: عند هؤلاء ينطقون بهذه الكلمة، وهؤلاء بهذه الكلمة، وهؤلاء بهذه الكلمة، والجمع للقرآن، كان على حرف واحد مشتمل على القراءات، ورسم المصحف يحتملها.وهذا الحديث قال بعده النسائي: والحديث ثابت صحيح، وقال النسائي في أحد رواته -وهو معقل بن عبيد الله-: ليس بذاك القوي، وقال عنه في التقريب: إنه صدوق يخطئ، لكن الحديث -كما هو معلوم- له شواهد، وحديث عمر بن الخطاب هو بمعناه تماماً، وحديث أبي أيضاً -الذي فيه الاستزادة حتى بلغ سبعة أحرف- يشهد له.فإذاً: هذا الحديث يعتبر ثابتاً، ولو كان معقل بن عبيد الله فيه كلام، وهو ليس بذاك القوي كما يقول النسائي، إلا أن حديث أبي نفسه يعتبر شاهد له أو متابع، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه المتقدم في قصته مع هشام بن حكيم بن حزام هو بمعناه، ويدل على ما دل عليه.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرف
قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور هو: النسائي، وعمرو بن منصور النسائي هو من بلد النسائي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند النسائي وحده.[أخبرني أبو جعفر بن نفيل].أبو جعفر بن نفيل هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني، ثقة، حافظ، خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[قرأت على معقل بن عبيد الله].معقل بن عبيد الله قال عنه الحافظ: إنه صدوق يخطئ، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي.[عن عكرمة بن خالد].عكرمة بن خالد ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. [عن سعيد بن جبير].هو سعيد بن جبير، المحدث، الفقيه، المفسر، المشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس].هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة؛ وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أقرأ الصحابة، وهو سيد القراء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.والحديث من رواية صحابي عن صحابي؛ ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما.
شرح حديث أبي بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرف من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرني يعقوب بن إبراهيم حدثني يحيى عن حميد عن أنس رضي الله عنه عن أبي رضي الله عنه قال: (ما حاك في صدري منذ أسلمت إلا أني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله! أقرأتني آية كذا وكذا، قال: نعم، وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: نعم، إن جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني، فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل عليه السلام: اقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل: استزده استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف كاف)].هنا أورد النسائي حديث أبي بن كعب رضي الله عنه من طريق أخرى، وهو بمعنى الذي قبله، إلا أن هذا قال فيه: أنه بعد أن قال: إنك أقرأتني آية كذا وكذا، على كذا وكذا، وغيري قرأها على كذا وكذا، وقد أقرأتها إياه، فقرأ كل منهما، وقال: ( إن جبريل وميكائيل أتياني، وجلس جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، وقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، وقال ميكائيل: استزده استزده، حتى بلغ سبعة أحرف ).وهو دال على ما دل عليه المتقدم، والمقصود من ذلك: أنه يستزيده، يعني: يطلب من الله عز وجل أن يزيده؛ لأن جبريل إنما ينزل بأمر الله، وبوحي الله، وإنما ذلك لكونه يطلب من الله عز وجل أن يزيده على الحرف الأول، ثم الحرف الثاني، حتى بلغ سبعاً، وميكائيل يقول: استزده، يعني: اطلب منه الزيادة، أي: أنه يطلب من جبريل، وجبريل يطلب من الله عز وجل، والأمر انتهى عند سبعة، أي: واحد منها كاف شاف.والحديث الأول -الذي مضى- فيه أنه يقال للذي أجاد الشيء وأتى به، يقال: أحسنت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكل منهما: أحسنت، يعني: أنك أتيت بما أُعطيت، وبما ألقي إليك على ما هو عليه، وقد أحسنت فيما صنعت، وكذلك الثاني قال له: أحسنت، وهذا فيه دليل على أنه يقال للذي وفق، أو أتى بالشيء على وجهه، يقال له: أحسنت، وهي كلمة فيها إجابة حسنة، ورد حسن على من حصل منه الإحسان في الإتيان بالشيء الذي طلب منه أن يأتي به، وجاء به على وجه حسن، وعلى الوجه المطلوب، فإنه يقال له: أحسنت، وقد جاء هذا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة غير هذا الحديث.
تراجم رجال إسناد حديث أبي بن كعب في نزول القرآن على سبعة أحرف من طريق أخرى
قوله: [أخبرني يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأنه مات قبل البخاري بأربع سنوات، حيث كانت وفاته سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهي نفس السنة التي مات فيها محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، وهؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة؛ يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن بشار بندار، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن وكنيته أبو موسى. [حدثني يحيى]. يحيى هو ابن سعيد القطان، المحدث، الناقد، المتكلم في الرجال، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن حميد].حميد هو: ابن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].هو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.[عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه].قد مر ذكره في الإسناد الذي قبل هذا. وهذا الحديث إسناده خماسي، لكن يقال عنه: إنه في حكم الرباعي؛ لأن أنساً وأبياً صحابة، وهما في طبقة واحدة من حيث الصحبة، كلهم يأخذون عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلهم يتلقون عن الرسول عليه الصلاة والسلام، فما كان من هذا النوع يقال له: إنه خماسي في حكم الرباعي.وهؤلاء حديثهم جميعاً عند أصحاب الكتب الستة، وهؤلاء الخمسة: اثنين من الصحابة، والثلاثة بعدهم.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:41 PM
شرح حديث: (مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إذا عاهد عليها أمسكها...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إذا عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)].هنا أورد النسائي هذا الحديث -والحديث الذي بعده- فيما يتعلق بالمحافظة على حفظ القرآن وتعاهده؛ لئلا يضيع، ولئلا يتفلت من الإنسان. وقد ضرب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقلة، التي ربطها بالعقل حتى لا تنفلت، فالعقال يعقل به البعير مع يده، ويشد عليه العقال؛ حتى لا يتمكن من القيام والانفلات، فعندما يريد مثلاً أن ينام الإنسان، إذا كانت الإبل في فلاة يمكن أن تنفلت، بخلاف ما إذا كانت في مكان محوط، لا يمكن أن تخرج منه، فهذا أمره واضح، لكن إذا كانت على وجه يمكن أن تنفلت؛ كأن تكون في خلاء أو في فلاة، فإن حفظها والمحافظة عليها بكون الإنسان يعقلها بالحبال التي يشد بها على يديها، فكذلك صاحب القرآن الذي يحفظه، إذا لم يعاهده بالحفظ، والمذاكرة، والاستذكار، وكثرة التكرار، فإنه ينفلت، كالذي لا يحافظ على أن يعقل الإبل، فإنها تنفلت، وإذا حافظ على عقلها فإنه يبقي عليها، ويأمن من انفلاتها، وكذلك الذي يتعاهد القرآن، ويكثر من تلاوته واستذكاره وقراءته، فإن هذا يبقى القرآن في صدره، ويبقى معه القرآن ولا يتفلت، بخلاف ما إذا أهمله أو غفل عنه فإنه يتفلت منه شيئاً فشيئاً، كشأن صاحب الإبل عندما يتهاون في كونه يعقلها، ويتركها بدون أن يعقلها في بعض الأحيان، فإنها تتفلت منه، وتذهب منه.وهذا مثل ضربه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والأمثال فيها تقريب للأشياء، وكون الإنسان يقيس هذا الشيء بهذا الشيء، ويجعل الشيء المعقول يقاس بالمحسوس؛ لأنه يقربه، ويجعل الإنسان على استذكار له، وعلى تصور تام له.
تراجم رجل إسناد حديث: (مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إذا عاهد عليها أمسكها...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك بن أنس].إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن نافع].هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر].ابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهذا الإسناد رباعي من أعلى الأسانيد عند النسائي، وأعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، يعني: ليس عنده ثلاثيات، وإنما عنده رباعيات، وهذا من أمثلتها. وقد ذكرت فيما مضى: أن أصحاب الكتب الستة ثلاثة منهم عندهم ثلاثيات، وثلاثة منهم أعلى ما عندهم الرباعيات، فالذين عندهم الثلاثيات: البخاري عنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية كلها بإسناد واحد، وأما الثلاثة الباقون وهم مسلم، وأبو داود، والنسائي، فهؤلاء ليس عندهم ثلاثيات، وإنما أعلى ما عندهم الرباعيات، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أمثلة الأسانيد العالية عند النسائي، التي هي أعلى ما يكون عنده؛ وهي الرباعيات.ثم هذا الإسناد الذي فيه: مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا يعتبر أصح الأسانيد عند الإمام البخاري، فأصح الأسانيد على الإطلاق عند البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذا الإسناد الذي معنا هو من أمثلة هذه السلسلة التي يقال عنها: السلسلة الذهبية، والتي هي أصح الأسانيد عند الإمام البخاري رحمة الله عليه.وهؤلاء الأربعة أيضاً حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (... استذكروا القرآن فإنه أسرع تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن موسى حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن فإنه أسرع تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله)].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي)، يعني يقول: نُسِّيت، ولا يقول: نَسِيت.وقيل في وجه ذم كونه يقول: نَسِيت، وأن الأولى له أن يقول: نُسِّيت: أن نسبة النسيان إليه؛ يعني: قد يكون ذلك لكونه مبنياً على إهماله، أو على تفريطه، فيكون بذلك قال: نَسيت، وأطلق على نفسه أنه قد نسي، وكان المتسبب في ذلك بإهماله وتفريطه.وقيل: إن المقصود من ذلك: أنه كان في أول الأمر في زمنه عليه الصلاة والسلام عندما تنسخ الآية، إما أن يؤتى ببدل منها، أو ينسيها الله عز وجل وتذهب، ولا تأتي على بال الإنسان، فقيل: إن المقصود بالذم في ذلك: هو لما فيه من مشابهة الذين يحصل منهم النسيان؛ لأن المحافظة عليه في غاية الأهمية، فيكون التعبير ليس حسناً، وهو من حيث إطلاق اللفظ، وأن الأولى أن يقال: نُسِّيت، وأن يضاف الفعل إلى غيره وليس إليه، وأنه لا يكون مفرطاً، وإنما حصل منه مع اجتهاده، ومع عدم تفريطه، هذا مما قيل في وجه التعليل، وتوجيه أن يقول: نُسِّيت، ولا يقول: نَسِيت.ثم أيضاً ما جاء في آخره، وهذا هو محل الشاهد المطابق لما تقدم في الحديث الذي قبل هذا، وليس هو في الحقيقة بشاهد؛ لأن الباب واسع؛ وهو جامع ما جاء في القرآن، فلا يقال: إن هذا يطابق الترجمة، فالترجمة واسعة؛ لأنه يدخل فيها لا أقول: نَسِيت، ويدخل فيها المحافظة على القرآن، وأنه أشد تفلتاً من صدور الرجال من تفلت النعم من عقلها.قال: (بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن فإنه أسرع تفصياً من صدور الرجال).استذكروا القرآن، يعني: أكثروا مذاكرته ومراجعته وتلاوته، فإنه إذا لم يحصل ذلك، فإن ذلك يؤدي إلى انفلاته، وإلى خروجه من الصدور، فإنه أسرع تفصياً، أي: خروجاً من صدور الرجال، من النعم من عقلها عندما لم تتعاهد العقل؛ لأن الدابة إذا عقلت بحركتها شيئاً فشيئاً يرتخي العقال، فقد ينطلق وتقوم، لكن إذا كان يتعاهدها ويأتي لينظر العقال هل حصل فيه استرخاء، فيشده أو يعيد شده، فيكون في ذلك محافظة عليها، وأما إذا لم يتعاهد العقل أصلاً، أو بمعاهدة العقال، وأنه لم يحصل فيه استرخاء، ويحصل معه الانطلاق بالبعير، فشبه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم خروجه وتفلته من صدور الرجال بتفلته من الإبل من عقلها، إذا لم تتعاهد، بل إن ذلك يكون أشد، كما جاء ذلك في كلام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي معنا.
تراجم رجال إسناد حديث: (... استذكروا القرآن فإنه أسرع تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقله)
قوله: [أخبرنا عمران بن موسى].عمران بن موسى صدوق، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[حدثنا يزيد بن زريع].يزيد بن زريع ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].شعبة هو: ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن منصور].منصور هو: ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن أبي وائل].أبو وائل هو: شقيق بن سلمة، مشهور بكنيته، ويأتي ذكره بالكنية أحياناً -كما هنا- ويأتي أحياناً ذكره بالاسم، وقد ذكرت فيما مضى: أن معرفة كنى المحدثين أنها لها أهمية؛ لئلا يظن الشخص الواحد شخصين؛ فيما إذا ذكر باسمه مرة وذكر بكنيته مرة أخرى، فإن من لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، لكن إذا عرف أن هذه الكنية لفلان، عرف أنه شخص واحد، ذكر في بعض الأحيان باسمه، وفي بعضها بكنيته، وأبو وائل شقيق بن سلمة مخضرم، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله].هو: عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، من المهاجرين ومن فقهاء الصحابة وعلمائهم، وقال بعض العلماء: إنه أحد العبادلة الأربعة، لكن الصحيح أن العبادلة الأربعة هم صغار الصحابة، وهم في سن متقارب، وقد عاشوا بعد ابن مسعود، وأدركهم الكثير من التابعين الذين لم يدركوا ابن مسعود، ورووا عنهم، وأما ابن مسعود فهو متقدم الوفاة، وبين وفاته ووفاتهم ما يقرب من ثلاثين سنة تقريباً، قد تزيد وقد تنقص، ووفاة ابن مسعود سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم بيع التقسيط
السؤال: ما هو الراجح في بيع التقسيط، هل هو جائز أم حرام؟الجواب: بيع التقسيط لا بأس به؛ لأن البيع إلى أجل سائغ، ويجوز بالثمن المساوي لبيع النقد، ويجوز بأكثر من ذلك، وليس هناك دليل يدل على منعه، بل هو سائغ وجائز، وجمهور العلماء قد قالوا بذلك، والشوكاني في كتابه (نيل الأوطار)، عند الكلام على حديث بيعتين في بيعة، من باع بيعتين فقد أتى باباً من أبواب الربا، قال: إن البيع لأجل وبالتقسيط ليس من هذا القبيل، وقال: إن العلماء على ذلك، وإنني لا أعلم أحداً قال بخلافه إلا فلان وفلان، ذكر اسماً أو اسمين، وأن العلماء على القول بالجواز، قال: وقد ألفت في ذلك رسالة سميتها: (شفاء العليل فيما جاء في جواز زيادة الثمن من أجل التأجيل)، ذكر هذا في كتابه نيل الأوطار عند شرحه لحديث البيعتين في بيعة.
حكم الدخول على زوجة الأخ
السؤال: هل يجوز للرجل أن يدخل على أمه وزوجة أخيه؟الجواب: يعني كونهما معاً في مكان واحد، إذا كان المقصود أنهما مجتمعتان فيجوز إذا كان هناك حاجة، مع كون زوجة أخيه متسترة، ومحتجبة عنه، لكن كونه يدخل على زوجة أخيه على حدة هذا لا يجوز؛ لأن هذه خلوة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الحمو الموت).
المقصود بالسبعة الأحرف في القرآن
السؤال: ما المقصود بالسبعة الأحرف، هل هي القرآن الموجودة الآن؟الجواب: أنا أجبت على هذا السؤال وقلت: إن القرآن والمصحف الموجود هو بالرسم العثماني، وهو محتمل للقراءات، وهو حرف واحد من الأحرف السبعة، فالموجود في المصحف بأيدي الناس حرف واحد، والأحرف السبعة كانت رخصة، وليست حتماً ولازمة، وعثمان رضي الله عنه كتب المصحف على حرف واحد، لكنه مشتمل على القراءات المختلفة.
حد الخلوة
السؤال: إذا كان الرجل في غرفة، وتكون زوجة أخيه في غرفة أخرى من نفس الشقة، فهل هذه خلوة؟الجواب: لا، ليست خلوة، يعني: إذا كان مثلاً البيت مكون من مكان جلوس خاص بالرجال، وأهل البيت مكانهم منعزل، وهذا موجود في غرفة المجلس الذي قريب من باب الخروج، وأولئك في المحل الخاص بسكنهم، هذه ليست خلوة، الخلوة فيما إذا كان هي وإياهم في مكان واحد.
سبب ظهور القراءات السبع
السؤال: ما سبب ظهور القراءات السبع المعروفة الآن رغم أن عثمان جمعهم على رواية واحدة؟الجواب: جمعهم على حرف واحد، والقراءات السبع موجودة في الرسم، والرسم يتحملها.
حكم دخول أعمام وأخوال الزوج على زوجته
السؤال: عندنا في بلادنا عادة محتمة؛ وهي: أنه إذا تزوج الرجل يأتي أعمامه وأخواله بعد الزفاف بأيام حتى يروا العروسة، فهل يجوز لهم أن يروها بحضرة الزوج؟الجواب: لا يجوز لهم أن يروها، وهذه عادة سيئة، العروسة للعريس فقط.
مدى اعتبار سكوت الصحابة على ابن عمر عندما أخذ من لحيته إجماعاً سكوتياً
السؤال: ما مدى صحة قول القائل: إن ابن عمر رضي الله عنه قد أخذ من لحيته بعدما فرغ من النسك، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فأصبح عمله هذا إجماعاً سكوتياً؟الجواب: ليس هذا إجماعاً سكوتياً، والرسول صلى الله عليه وسلم ثابت عنه أنه ما كان يتعرض للحيته، وكون ابن عمر رضي الله عنه فعل هذا عندما فرغ من النسك فأولاً: كونه لم ينكر عليه هذا، ما أدري هو أنكر عليه وإلا ما أنكر عليه، لكن سواءً أنكر عليه أو لم ينكر عليه الحجة ليست في فعل ابن عمر، وإنما في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدون ما فعلوا شيئاً مما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه.والعبرة والعمدة على ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما ابن عمر رضي الله عنه فالذي حصل منه حصل منه باجتهاد منه، ولا يقال: إنه حجة يعول عليها، لكن حتى هؤلاء الذين يقولون: إنهم يأخذون بقول ابن عمر، ما اقتصروا على الأخذ من اللحية بعد النسك، وأيضاً ما اقتصروا على أخذ ما زاد على القبضة.
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:44 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(179)
- (باب القراءة في ركعتي الفجر) إلى (باب القراءة في الصبح بالروم)
بيّن الشرع الحكيم أن ركعتي سنة الفجر فيها التخفيف، وثبت عن النبي أنه كان يقرأ فيها بـ(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد)، وكذا جاء أنه كان يقرأ: بـ(قولوا آمنا بالله)، و(آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون)، وهذ هو السنة ومن قرأ بغيرها صح.
القراءة في ركعتي الفجر
شرح حديث ابن عباس في القراءة في ركعتي الفجر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في ركعتي الفجرأخبرني عمران بن يزيد حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا عثمان بن حكيم أخبرني سعيد بن يسار: أن ابن عباس رضي الله عنه أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136] إلى آخر الآية، وفي الأخرى: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52])].يقول النسائي رحمه الله: باب: القراءة في ركعتي الفجر، أي: ما الذي يسن للمصلي أن يقرأ به في الركعتين اللتين تسبقان صلاة الفجر، وهما ركعتا الفجر الراتبة التي هي آكد الرواتب هي والوتر، كما جاء ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنه كان لا يحافظ على شيء في الحضر والسفر كمحافظته على ركعتي الفجر، والوتر، ومعنى ذلك: أنه كان يلازمهما في حضره وسفره، فهما آكد النوافل، وآكد الرواتب، وهي السنن التي تتعلق بالصلوات الخمس، فإن آكد تلك السنن المتعلقة بالصلوات الخمس هي ركعتا الفجر. وأورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الركعتين، أو ركعتي الفجر، أي: بعد الفاتحة، بالآية التي في سورة البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136]، وفي الركعة الثانية: الآية التي في سورة آل عمران: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52]، فهذا الحديث يدل على قراءة هاتين الآيتين في ركعتي الفجر، وهو يدل على أنه يجوز أن يقرأ في الركعة الواحدة آية واحدة؛ لأن هذا الحديث يدل على قراءة آية مع الفاتحة في الركعة الأولى، وعلى قراءة آيتين مع الركعة الثانية بعد الفاتحة، فهو دليل على جواز قراءة آية واحدة في الركعة.ثم أيضاً فيه دليل على جواز القراءة من أوساط السور؛ لأن هاتين الآيتين في الآية الأولى في وسط سورة البقرة، والثانية في وسط سورة آل عمران، فهو دال على جواز الاقتصار على آية واحدة، وعلى جواز القراءة من أوساط السور، آية، أو آيات. يدل عليه هذا الحديث الذي جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد جاء هذا الحديث في صحيح مسلم بمثل ما هنا، أي: أنه يقرأ في الآيات: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52]، وقد جاء عن ابن عباس نفسه، وبنفس الإسناد عن عثمان بن حكيم الأنصاري عن سعيد بن يسار عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفيه أنه يقرأ في الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64]، الآية، فحديث ابن عباس هنا يدل على أن الآية الثانية التي تُقرأ في الركعة الثانية الآية التي فيها: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52]، وهي: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ [آل عمران:52]، الآية، وجاء من طريق أخرى عن ابن عباس في صحيح مسلم أنه يقرأ في الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران:64]، الآية.إنما شرع الإتيان بهاتين الآيتين لما فيهما من الاعتراف بالإيمان لله وحده، والتصديق به سبحانه وتعالى، والإيمان به سبحانه وتعالى؛ لأن كلاً من الآيتين اشتملتا على الإيمان، اشتملتا على الإقرار بالله عز وجل والإيمان به، وبما أنزل على رسله، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة:136]، فإن هذه الآية، وكذلك الآية الثانية أيضاً فيها ذكر الإيمان بالله عز وجل، فلعل هذا هو الوجه في اختيار هاتين الآيتين، وكذلك الآية الثانية التي هي: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ [آل عمران:64]، فإن في آخرها: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في القراءة في ركعتي الفجر
قوله: [أخبرني عمران بن يزيد].قوله: أخبرني، ولم يقل: أخبرنا، الفرق بين (أخبرني) و(أخبرنا)، وحدثني وحدثنا، أن أخبرني يؤتى بها فيما إذا كان التلميذ سمع من الشيخ وحده ليس معه غيره، وأما إذا كان أخذ عنه هو وغيره، فإنه يعبر عن ذلك بأخبرنا، فهذا هو الفرق بين أخبرني وأخبرنا، وحدثني وحدثنا، أن ضمير الإفراد أخبرني وحدثني فيما إذا كان أخذ التلميذ عن الشيخ وحده ليس معه أحد، وأخبرنا وحدثنا فيما إذا كان أخذ التلميذ عن الشيخ ليس وحده، وإنما معه غيره.وعمران بن يزيد هو: عمران بن خالد، ينسب إلى جده كما هنا، وهو: عمران بن خالد بن يزيد الطائي الدمشقي، فهو صدوق، خرج حديثه النسائي.[عن مروان بن معاوية الفزاري].ومروان بن معاوية الفزاري، ثقة، حافظ، كان يدلس أسماء الشيوخ، وتدليس أسماء الشيوخ هذا نوع من أنواع التدليس؛ لأن التدليس قسمان: تدليس إسناد، وتدليس متن، فتدليس الإسناد: هو أن يروي عن شيخه ما لم يسمع منه، يروي عن شيخه ما لم يسمعه منه بلفظ موهم للسماع، كعن، أو قال، هذا هو تدليس الإسناد.وأما تدليس الشيوخ: فهو أن يذكر شيخه من غير ما هو مشهور به، فيكون في ذلك تعمية، ويعني: إخفاء لشيخه بما حصل من تدليسه، وذلك بكونه يذكره بما هو فيه حقيقة، ولكنه ليس مشتهراً بذلك، كأن يذكره بكنيته، يعني: باسمه وبكنيته، أو بكنية أبيه، أو يأتي بجد من أجداده، ويحذف ما هو مشهور به من نسبه، هذا هو الذي يقولون عنه: تدليس الشيوخ.وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مروان بن معاوية الفزاري: كان يدلس أسماء الشيوخ، يعني: شيوخه، أي أنه يذكر شيوخه بغير ما اشتهروا به، هذا هو معنى تدليس الشيوخ، ويترتب على ذلك التعمية، والإخفاء للشيخ، وأنه يصعب معرفته، وأنه يحتاج إلى بحث، وتحقق من معرفة الشيخ، وقد ينسب أحياناً مثل هذا إلى أنه مجهول، يعني: بأنه ما وجد له ترجمة، مع أنه شخص معروف، ولكنه ذكر بغير ما اشتهر به، فأحياناً عندما لا يعرف، وهو مدلس يقال: أنه لم يوقف له على ترجمة، وهو ذكر بغير ما هو مشتهر به، وممن عرف بتدليس الشيوخ الخطيب البغدادي، أنه ذكر عنه أنه كان يدلس أسماء الشيوخ، الخطيب البغدادي يدلس أسماء شيوخه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، الذي هو مروان بن معاوية الفزاري.[حدثنا عثمان بن حكيم].هو عثمان بن حكيم الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[أخبرني سعيد بن يسار].وسعيد بن يسار، هو المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أن ابن عباس أخبره].هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة، وهو أحد العبادلة الأربعة في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا قيل: العبادلة الأربعة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم، وهو أيضاً أحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام.
القراءة في ركعتي الفجر بـ(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد)
شرح حديث: (أن رسول الله قرأ في ركعتي الفجر (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد))
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القراءة في ركعتي الفجر بـ(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد).أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم حدثنا مروان حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر (قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد))].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي باب القراءة في ركعتي الفجر بـ(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد)، أي: بعد الفاتحة، المقصود من ذلك أن هذا هو ما يقرأ به بعد الفاتحة، كالذي تقدم في الحديث الذي قبل هذا، قراءة الآيتين، أي: بعد الفاتحة، وهنا قراءة السورتين، سورتي الإخلاص، أي: بعد الفاتحة، وقد أورد النسائي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بركعتي الفجر بـ(قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو الله أحد)؛ وذلك لما اشتملتا عليه من إخلاص العبادة لله عز وجل، وإثبات أسمائه، وصفاته، وتنزيهه عن مشابهة خلقه، وأنه الذي غني عن كل من سواه، وغيره فقير إليه لا يستغني عنه طرفة عين، فالآية الأولى وهي (قل يا أيها الكافرون)، فيها إثبات توحيد العبادة لله عز وجل، والثانية وهي سورة (قل هو الله أحد)، فيها إثبات توحيد الأسماء والصفات؛ لأن (قل هو الله أحد، الله الصمد) فيها إثبات هذه الأسماء لله عز وجل، ونفي الأشباه والنظراء، نفي الأصول، والفروع، والأشباه، والنظراء، (لم يلد ولم يولد)، يعني: ليس له أصول، ولا فروع، (ولم يكن له كفواً أحد)، ليس له مشابه، وليس له نظير، فلما اشتملت عليه هاتان السورتان من إخلاص العبادة لله عز وجل، وإخلاص العمل له سبحانه وتعالى، وإثبات أسمائه وصفاته، ونفي الأصول والفروع، والأشباه، والنظراء عنه، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ في هاتين الركعتين، أي: ركعتي الفجر بهاتين السورتين العظيمتين اللتين يقال لهما: سورة الإخلاص.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قرأ في ركعتي الفجر (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد))
قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم].دحيم هو لقب له، وهذا فيه جمع بين الاسم واللقب، مثل ما مر بنا قريباً محمد بن جعفر غندر، جمع بين الاسم واللقب، وهنا جمع بين الاسم واللقب، عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، دحيم لقب له، وهو مأخوذ من عبد الرحمن، وأحياناً تكون الألقاب مختصرة، أو منحوتة من الأسماء، مثل هنا دحيم مأخوذ من عبد الرحمن، وكذلك عبد الله بن عثمان المروزي لقبه عبدان، مأخوذة من عبد الله، يكون اللقب أحياناً منحوت، أو مشتق من الاسم، وأحياناً يكون بعيداً عنه، لا ارتباط بين اللقب والاسم، وهنا دحيم لقبه مأخوذ من اسمه، وهو عبد الرحمن، وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا مروان].وهو مروان بن معاوية الفزاري الذي تقدم ذكره في الإسناد الذي قبل هذا.[حدثنا يزيد بن كيسان].وهو صدوق يخطئ، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي حازم].وهو سلمان الأشجعي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، مشهور بكنيته أبو حازم.[عن أبي هريرة].هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والسبعة الذين هم عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة، والمكثرون في قول السيوطي في الألفية:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّفـأبو هريرة هو أكثر هؤلاء السبعة الذين هم أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تخفيف ركعتي الفجر
شرح حديث عائشة: (إن كنت لأرى رسول الله يصلي ركعتي الفجر فيخففهما ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [تخفيف ركعتي الفجر.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كنت لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فيخففهما حتى أقول: أقرأ فيهما بأم الكتاب؟)].أورد النسائي تخفيف ركعتي الفجر، المقصود من ذلك أن الركعتين للفجر تخففان، وذلك أنه كما هو معلوم يقرأ فيهما بآيتين، أو بسورتين قصيرتين، بآيتين كما مر بنا في الباب الأول من هذه الأبواب، أو بسورتين قصيرتين، وهما سورة الإخلاص كما مر في الباب الذي قبل هذا، فالمقصود من الترجمة تخفيفهما.وقد أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها: قالت: (إن كنت لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتي الفجر فيخففهما حتى أقول: أقرأ فيهما بأم الكتاب؟!).أي: لخفة الركعتين، وليس ذلك شك، وأنه قرأ بالفاتحة، أو ما قرأ، وإنما المقصود من ذلك التخفيف، وأنها من أخف صلواته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو إشارة إلى المبالغة في تخفيفها، وليس المقصود من ذلك الشك هل قرأ فيها بالفاتحة؟ لأن الفاتحة كما هو معلوم لا أقل منها، كما جاء في الحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وإنما المقصود من ذلك المبالغة في التخفيف، والإشارة إلى تخفيفها جداً بحيث تصف هذه الخفة بأن تقول: أقرأ فيها بأم الكتاب؟، وكما هو معلوم كان يقرأ الفاتحة، ويقرأ معها آيتين، أو سورتين قصيرتين كما جاء في البابين المتقدمين قبل هذه الترجمة.والمقصود من الحديث هو المبالغة في التخفيف، وأنه يبالغ في تخفيفهما، بحيث تكون أخف صلواته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
يتبع
__________________
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:46 PM
تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن كنت لأرى رسول الله يصلي ركعتي الفجر فيخففهما ...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن مخلد المعروف بـابن راهويه، وهو ثقة، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أعلى صيغ التعديل، والتوثيق، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، أخبرنا.[أخبرنا جرير بن عبد الحميد].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى].هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن عبد الرحمن].هو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري الذي اشتهر بكنية أبو الرجال، وهي لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن، لكنه اشتهر بهذه الكنية التي هي لقب، حيث يقال له: أبو الرجال، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه.[عن عمرة].وهي أمه، يروي عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، هي: أم محمد بن عبد الرحمن بن حارثة، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، هي ثقة، أكثرت من الرواية عن عائشة، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، ورواية محمد بن عبد الرحمن عن أمه من رواية الأبناء عن الأمهات.[عن عائشة].أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي هي أكثر الصحابيات على الإطلاق حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها.
القراءة في الصبح بالروم
شرح حديث: (عن النبي أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الصبح بالروم.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، فإنما يلبس علينا القرآن أولئك)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: القراءة في الصبح بالروم. أي: بسورة الروم في صلاة الصبح، وقد أورد النسائي فيه حديث رجل من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام غير مسمى، ومن المعلوم أن الجهالة في الصحابة لا تؤثر، فيكفي أن يوصف الرجل من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن لم يعرف اسمه، فيكفي أن يقال: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الجهالة في الصحابة لا تؤثر؛ لأنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا الرجل من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام، صلى الصبح فقرأ بالروم فالتبست عليه القراءة، فلما صلى قال: (ما بال أقوام يصلون معنا لا يحسنون الطهور، إنما يلبس علينا القرآن أولئك).أي: هؤلاء الذين لا يحسنون الطهور، والمقصود من الترجمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بالروم في صلاة الصبح، وفي هذا الحديث أنه لما فرغ الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (ما بال أناس يصلون معنا لا يحسنون الطهور، إنما يلبس علينا القرآن أولئك)، أي: الذين يصلون معنا وهم لا يحسنون الطهور.والحديث ذكره الألباني في ضعيف سنن النسائي، وأشار إلى أن سبب تضعيفه كون عبد الملك بن عمير، وهو من رواته أنه تغير، فتكلم بالحديث، أو عن الحديث بسببه، أو من أجله، من أجل عبد الملك بن عمير، وعبد الملك بن عمير هو من رجال الكتب الستة، لكن كونه جاء أو انفرد برواية هذا الحديث الذي فيه القراءة بالروم في صلاة الصبح، وأنه حصل عليه التباس في القراءة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن سبب ذلك كون أناس يصلون معه لا يحسنون الطهور، أن هذا هو سبب ذلك، أي: ليس له شواهد؛ لأنه أولاً ذكر القراءة بالروم، وليس له ما يشهد له، وأيضاً ما جاء في آخره من التباس القراءة، وأن سبب ذلك كون أناس لا يحسنون الطهور، فأورد الحديث في ضعيف سنن النسائي، وأحال إلى المشكاة، أو التعليق على المشكاة، وذكر في تعليقه على المشكاة أن الكلام هو من أجل عبد الملك بن عمير مما وصف به من أنه تغير حفظه.
تراجم رجال إسناد حديث: (عن النبي أنه صلى صلاة الصبح فقرأ الروم...)
قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، وهو ملقب بندار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه جميعاً مباشرة، وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، فإنه توفي قبل البخاري بأربع سنوات، أي: أن وفاة البخاري سنة ست وخمسين ومائتين، ووفاة محمد بن بشار سنة اثنتين وخمسين ومائتين.[حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي، المحدث، الناقد، والخبير بالرجال والعلل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الثقة، الإمام، الحجة، الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الملك بن عمير].وهو ثقة، تغير حفظه، وقال عنه الحافظ ابن حجر: ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن شبيب أبي روح].هو شبيب بن نعيم أبي روح، وهو ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي، قال عنه الحافظ ابن حجر: وأخطأ من عده في الصحابة، وهذا المثال لما مر بنا في الدرس الماضي في المصطلح أن من التابعين من عُدَّ في الصحابة خطأً، ومن الصحابة من عد في التابعين خطأً، ومن الأتباع من عد في أتباع الأتباع، وهذا مثال من أمثلة عد تابعي بأنه صحابي، وذلك على سبيل الخطأ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب: ثقة، أخطأ من عده في الصحابة.[عن رجل من أصحاب النبي].عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام غير مسمى، وقد ذكرنا أن الجهالة في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام لا تؤثر، وإنما تؤثر في من دون الصحابة، كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي في الكفاية، وقال: إنهم أجمعوا، أو اتفقوا، أو أن العمل على أن أي واحد لا بد من معرفة حاله إلا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فإنه لا يحتاج إلى معرفة أسمائهم ولا أحوالهم؛ لأنهم جميعاً عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله عليه الصلاة والسلام، فهم لا يحتاجون مع ذلك إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين بعد تعديل رب العالمين، وتعديل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
الفتوى بالرأي
السؤال: فضيلة الشيخ، ورد في التقريب في ترجمة ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنهم كانوا يستفتونه من موضع الرأي، فما معنى هذا؟الجواب: الرأي معروف, وهو يعني: الكلام في الرأي، ولكتاب الرأي، وأهل الرأي، وهم الذين يعولون على الرأي، وهذا مما يعاب عليه الإنسان، مثل ما قالوا في ترجمة عثمان البتي: عابوا عليه للإفتاء بالرأي، في ترجمته في التقريب، عيب عليه الإفتاء بالرأي.
المراجع في معرفة من رمي بالتشيع من المحدثين
السؤال: ما هي المراجع في معرفة من رمي بالتشيع من المحدثين؟الجواب: المراجع طبعاً هي تراجم الرجال مثل التقريب وغيره، فالإنسان عندما يستعرض، هذه التراجم يجد فيها التنصيف على أنه رمي بتشيع، أو رمي بالإرجاء، أو رمي برأي الخوارج، أو رمي بالقدر، أو رمي بكذا، أو رمي بالنصب، أو رمي بأي بدعة من البدع، والحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح حصر الذين تكلم فيهم ببدعة، فذكر كل الذين تكلم فيهم ثم أفرد، أو أفرد إجمالاً الذين تكلم فيهم ببدعة، فمقدمة الفتح اشتملت على المتكلم فيهم ببدعة في صحيح البخاري، والتقريب مشتمل في تلك التراجم على الإشارة إلى رمي الشخص بأنه متشيع، أو أنه رمي بالقدر، أو رمي بالإرجاء، أو رمي برأي أو ما إلى ذلك.وتقديم علي على عثمان من التشيع الذي لا يؤثر؛ لأنهم جماعة وصفوا بالتشيع، ولكن تشيعهم أنهم كانوا يقدمون علياً على عثمان في الفضل، لا في الخلافة.ما أعرف حصر في مكان واحد، ولكن يوجد في التراجم، في ترجمة مثلاً عبد الرحمن بن أبي حاتم، وترجمة عبد الرزاق، وترجمة الأعمش، وترجمة ابن جرير، يعني: هؤلاء كلهم جاء عنهم أنهم كانوا يقدمون علياً على عثمان، وقد ذكر بعضهم الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن أبي حاتم.
تبديع من فضل علياً على عثمان
السؤال: هل ثبت عن الإمام أحمد تبديع من فضل علياً على عثمان رضي الله عنهم؟الجواب: لا أدري، لكن المعروف عند أهل السنة أنه لا يبدع بتفضيل علي على عثمان، وإنما يبدع القائل بأنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا يصادم الأدلة وما هو معلوم عند أهل العلم من أهل السنة في ذلك.
حاجة الأمة إلى الفقه في الدين
السؤال: ما رأيكم فيمن قال: إن العالم الإسلامي اليوم لا يحتاج إلى العلم والتفقه فيه، بل يحتاج إلى الحركة والعمل، وقال: إن التفقه في الدين يعتبر تضييع للمسلمين ولا يبالى بهم؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من يريد الله به خيراً يفقه في الدين)، فالتفقه في دين الله عز وجل هو علامة إرادة الله خيراً للعبد، وأي عمل لم يكن مبنياً على الفقه في الدين، ومبنياً على المنهج القويم، فإن صاحبه لا يحصل من ورائه إلا الخسار، ولا يحصل من روائه فائدة، فالناس أحوج ما يكونون إلى الفقه في الدين، وعبادة الله عز وجل، والتزام شرعه، والاهتداء بهدي رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا يكون بالفقه في الدين، بل إن العبادة لا بد أن تكون مبنية على علم، وإذا كانت مبنية على جهل صار ذلك ضلال، وقد قال بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، فإذا لم يوجد الفقه في الدين وجد الجهل، ووجدت العبادة على جهل وضلال، فالناس بحاجة إلى العلم، وبحاجة إلى معرفة أحكام الشرع، وبحاجة إلى تدبر القرآن، وكذلك معرفة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والتفقه في دين الله عز وجل، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين).
استعمال طريقة تقلل من استهلاك الكهرباء
السؤال: الحكومة في بلادنا تفرض ضرائب على المؤسسات الخاصة، وعلى التجار إلى آخره، وبعض أصحاب هذه المؤسسات يستعمل طريقة تقنية في حصر الكهرباء، حتى لا يحسب عليه كل ما استهلكه من الكهرباء، وإنما يحصر عليه الشيء القليل، ويستدرك بهذه الطريقة بعض ما تأخذه الدولة منه، فما حكم هذا العمل؟الجواب: ليس للإنسان أن يعمل هذا، يؤدي الذي عليه ويسأل الله الذي له، هذا هو الذي على الإنسان، (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك).
الكذب من أجل تخفيض الضرائب
السؤال: يقول: إن الضرائب تختلف باختلاف رأس المال، فإذا كان رأس المال كبير كانت الضريبة كبيرة، وهكذا، هل يجوز للرجل أن يكذب وأن يخبر الدولة بأن رأس ماله كذا حتى تكون الضريبة...؟الجواب: إذا كان الإخبار عن طريق تورية، يوري بذلك فالمعاريض فيها مندوحة عن الكذب، أي: التورية فيها معاريض، والمعاريض هي مندوحة عن الكذب.
قراءة القرآن في الصلاة على ترتيب المصحف
السؤال: ما حكم القراءة في الصلاة على ترتيب المصحف؟ كأن يقرأ في الأولى بعبس، وفي الثانية بالنبأ مع الليل؟الجواب: الأولى أن تكون القراءة على وفق الترتيب، بحيث تكون القراءة في الركعة الأولى في سورة متقدمة في المصحف، وتكون في الركعة الثانية في سورة بعدها في المصحف، وإن قدم وحصل العكس فإن ذلك جائز، والدليل على هذا ما جاء في الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران )، ثم أيضاً جاء في الحديث الذي سبق أن مر بنا، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قيل له عن رجل يختم بـ(قل هو الله أحد)، أي: يأتي يقرأ ما يقرأ ثم يقرأ معها قل هو الله أحد، فإن قل هو الله أحد ليس بعدها في المصحف إلا سورتان، سورة الفلق، والناس، والباقي كله قبلها، ومن المعلوم أنه إذا قرأها وقرأ معها شيء، معناه: أنه لا بد أن يكون قبلها؛ لأنه ليس بعدها في المصحف إلا سورتان، فهذا هو الدليل على جواز القراءة، بأن تقرأ سورة متقدمة في المصحف بعد سورة متأخرة عنها، ولكن الأولى هو أن يكون وفقاً لترتيب المصحف.
لبس النظارات المطلية بالذهب للرجال
السؤال: ما الحكم في لبس النظارات المطلية بالذهب للرجال؟الجواب: استعمال الذهب لا يجوز للرجال، لا في نظارات، ولا في خواتم، ولا في غيرها إلا في ما هو ضرورة مثل الأسنان، إذا كان المقصود من ذلك تعويضاً ليس تجميلاً -بأن يلبس من أجل الجمال-، هذا لا يجوز، فإن كان بدلاً عن سن انقلع، أو اختل وأصلحه بالذهب فلا بأس بذلك، أما أن يكون الباعث على ذلك التجمل، وليس الإصلاح، فإن ذلك لا يجوز.
ذكر من خرج لمروان بن معاوية
السؤال: من خرج لـمـروان بن معاوية؟الجواب: مروان بن معاوية خرج له أصحاب الكتب الستة.
العقيقة والتسمية للجنين إن سقط أو مات عقب ولادته
السؤال: إذا سقط الجنين ميتاً أو مات بعد ولادته بدم يسيل هل يسمى ويعق عنه أم لا؟الجواب: إذا سقط ميتاً لا يسمى، لكن يسمى في أول الأمر، يسمى في أول يوم ولد فيه، والرسول صلى الله عليه وسلم سمى ابنه إبراهيم، يعني: في اليوم الذي ولد فيه، قال عليه الصلاة والسلام: (ولد الليلة لي غلام وسميته باسم أبي إبراهيم )، فإذا سماه عند ولادته فتسمية سائغة، ولا يلزم أن تكون أنها تؤخر إلى يوم سابع، بل يمكن أن تكون، لكن إذا كان مات وانتهى، فلا حاجة إلى التسمية.
حكم العقيقة والتسمية للجنين الميت بعد ولادته بزمن يسير
السؤال: من مات بعد ولادته بزمن يسير، هل يسمى ويعق عنه أم لا؟الجواب: أنا قلت: أن التسمية أنه لا يسمى ما دام مات ولم يسم، لكن التسمية كما قلت: أنها جاءت السنة بأنها تكون في أول يوم كما في الحديث الذي أشرت إليه: (ولد الليلة لي غلام وسميته باسم أبي إبراهيم )، وأما بالنسبة للعقيقة فالذي يبدو أنه يعق عنه.
الجنين قبل أربعة اشهر لا يصلى عليه
السؤال: إذا فقد الجنين قبل أربعة أشهر، هل يصلى عليه أم لا؟الجواب: لا، إذا كان لم يخلق فلا يصلى عليه، وليس له حكم المولود.
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:49 PM
شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الصلاة
(كتاب الافتتاح)
(180)
- (باب القراءة في الصبح بالستين إلى المائة) إلى (باب القراءة في الصبح بـ(إذا الشمس كورت) )
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يطيل القراءة في صلاة الفجر؛ حيث ورد عنه أنه كان يقرأ بالستين إلى المائة آية، وربما قرأ أحياناً بقصار السور كسورة التكوير.
القراءة بالصبح بالستين إلى المئة
شرح حديث: (أن رسول الله كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة بالصبح بالستين إلى المئة.أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يزيد أخبرنا سليمان التيمي عن سيار يعني: ابن سلامة عن أبي برزة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة)].يقول النسائي رحمه الله: القراءة في الصبح بالستين إلى المئة، أي: بالستين آية إلى المئة آية، والفجر أو صلاة الفجر تطال فيها القراءة، وهي أطول الصلوات قراءة، وقد جاء تنصيص على قراءة الفجر في قول الله عز وجل: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، والمراد بذلك القراءة في الصلاة، ولهذا فإنها تطول فيها القراءة، وهي أقل الصلوات ركعات، وهي أطولهن في القراءة، وهذا الحديث حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالغداة بالستين إلى المئة، في صلاة الغداة أي: صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر يقال لها: صلاة الصبح، وصلاة الفجر، وصلاة الغداة، كلها أسماء لهذه الصلاة التي هي أول صلاة النهار بعد طلوع الفجر، فهذه الصلاة تسمى بهذه الأسماء: الفجر، والصبح، والغداة، وكان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المئة، أي: بالستين آية إلى المائة آية، والمقصود من ذلك الآيات المتوسطة؛ لأن من الآيات ما هي قصيرة، ومنها ما هي طويلة، ومنها ما هي متوسطة، وهي بالستين إلى المائة، أي: بالنسبة للآيات المتوسطة، ومن المعلوم أن بعض سور القرآن تتفق عدد آياتها، ولكنها تتفاوت من حيث مقدارها، وذلك بالتفاوت بالنسبة للآيات، فمثلاً سورة الصافات هذه من سور القرآن التي آياتها كثيرة، ولكن مقدارها ليس بالكبير، ولكنها من حيث الآيات كثيرة، وهناك بعض السور تكون آياتها طويلة، ويكون مقدارها كبيراً وعدد آياتها قليلاً.
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة)
قوله: [أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم].وهو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، أبوه مشهور بـابن علية، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.وأما أبوه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بابن علية، ولـمحمد بن إسماعيل هذا أخ اسمه إبراهيم بن إسماعيل، وهو والعياذ بالله من الضُلال؛ لأنه أورده الذهبي في كتابه الميزان، وقال عنه: جهمي هالك، وهو أخو محمد هذا، وهو أيضاً معروف بالمسائل الشاذة في الفقه، فإنه يأتي في بعض مسائل الفقه مسائل شاذة تنسب إلى ابن علية، والأصم، وابن علية المراد به إبراهيم الذي هو ابن إسماعيل، والأصم هو ابن كيسان من المعتزلة.ومن أشهر المسائل الشاذة التي نسب القول فيها إلى ابن علية، أي: إبراهيم، مسألة الإجارة، يقول: الإجارة لا تجوز حرام. ومعلوم أن الإجارة لا يستغني الناس عنها؛ لأنه ليس بإمكان كل أحد أن يكون عارفاً بكل مهنة، ولا يلزم كل أحد أن يبذل ما يعرف بالمجان، فإذاً هناك شيء وسط بين هذا، وبين هذا، وهو الإجارة، وهذا الرجل -الذي هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية- قال: بأنها لا تجوز، ومثله الأصم، فإنه يأتي ذكرهما في مسائل متعددة شذوذاً، أي: بأقوال شاذة، الحاصل أن إسماعيل بن إبراهيم إمام من أئمة أهل السنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وابنه محمد بن إسماعيل، هذا ثقة، خرج حديثه النسائي، وابنه إبراهيم هذا قال عنه الذهبي: إنه جهمي هالك، ويأتي ذكره في المسائل الفقهية التي يحصل فيها شذوذ، وينسب الشذوذ فيها إليه، إذا قيل: ابن علية فهو المقصود، وهو المعني.[حدثنا يزيد].وهو يزيد بن زريع، وهو ثقة، ثبت، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا سليمان التيمي].وهو سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سيار يعني: ابن سلامة].وهو ابن سلامة، وسيار بن سلامة الرياحي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقوله: (يعني)، الذي قال هذا هو الذي دون تلميذه، وليس تلميذه، وتلميذه هو سليمان بن طرخان، والذي دونه يزيد بن زريع، ومحمد بن إسماعيل، والنسائي، فمن دون التلميذ هو الذي قال: (يعني). إذاً فكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، الفاعل ضمير مستتر يرجع إلى سليمان بن طرخان، بقوله: [سيار يعني: ابن سلامة]، فـ(يعني) هي فعل مضارع فيه فاعله ضمير مستتر يرجع إلى سليمان بن طرخان، وقائلها هو من دون سليمان بن طرخان؛ لأن سيار يطلق على أشخاص، فهنا ميزه -أي: الذي دون تلميذه- وقال: يعني: ابن سلامة، وهو سيار بن سلامة الرياحي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وفي طبقته سيار أبو الحكم، فهذا في طبقته من التابعين، وهذا سيار بن سلامة الرياحي.[عن أبي برزة].أبو برزة الأسلمي، وهو نضله بن عبيد، هو نضله اسمه نضله بن عبيد، وهو صحابي مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
القراءة في الصبح بـ(ق)
شرح حديث أم هشام بنت حارثة: (ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من وراء رسول الله كان يصلي بها في الصبح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الصبح بـ ق.أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا ابن أبي الرجال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان أنها قالت: (ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان يصلي بها في الصبح)].هنا أورد النسائي القراءة في الصبح بـ(ق)، أي: بسورة ق، وقد أورد فيها حديث أم هشام بنت حارثة الأنصارية، وأنها قالت: ما أخذت ق إلا من في رسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في الصبح.وقد جاء هذا الحديث من طرق مختلفة عند الإمام مسلم، وغيره، وأنها أخذت ذلك منه وهو يخطب يوم الجمعة؛ لأنه جاء من طرق عند مسلم، وغيره، وعند النسائي أيضاً، ولكن ذلك في خطبة الجمعة، قالت: ما أخذت سورة ق إلا من في رسول صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب يوم الجمعة، فذكر هنا أن ذلك بالقراءة بالصبح، وأكثر الروايات التي جاءت عنها هي أنها في خطبة الجمعة، والشيخ الألباني قال: إن هذا يكون شاذاً، والمحفوظ أنه بخطبة الجمعة، كما جاء عند مسلم، وعند غيره؛ لأن الرواة الذين رووا هذا الحديث لا يذكرون ذلك إلا في خطبة الجمعة؛ وأنها ما أخذت سورة ق إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب يوم الجمعة، وقد جاء عند النسائي أن ذلك في قراءة الصبح، أو في صلاة الصبح، فالشيخ الألباني قال: إن هذا من قبيل الشاذ، يعني: مما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه، وذلك أن الثقات الذي رووا هذا الحديث عن أم هشام -وهي مقلة من الحديث، فليست أحاديثها كثيرة، وهذا الحديث مما جاء عنها- كلهم رووا أن ذلك في خطبة الجمعة.
تراجم رجال إسناد حديث أم هشام بنت حارثة: (ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من وراء رسول الله كان يصلي بها في الصبح)
قوله: [أخبرنا عمران بن يزيد].وهو عمران بن خالد بن يزيد، ينسب إلى جده كما هنا؛ لأن يزيد جده، وأبوه خالد، فهو عمران بن خالد بن يزيد الطائي الدمشقي، وهو صدوق، خرج حديثه النسائي وحده.[حدثنا ابن أبي الرجال].وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، وأبوه مشهور بـأبي الرجال، وقد مر ذكره قريباً، وهو محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، وهنا عبد الرحمن بن محمد.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري، يروي عن جدته عمرة؛ لأن محمد بن عبد الرحمن أمه عمرة، وهنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن جدته عمرة بنت عبد الرحمن، وابن أبي الرجال هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن، فـمحمد بن عبد الرحمن هو أبو الرجال الذي مر ذكره قريباً، وهذا ابنه عبد الرحمن، وهو صدوق ربما أخطأ، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة.ويحيى هو الأنصاري؛ لأن يحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة].هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة، وقد أكثرت من الرواية عن عائشة، وهنا تروي عن أم هشام، وقيل: إن أم هشام هي أخت عمرة لأمها.[عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان].وهي بنت حارثة بن النعمان الأنصارية وهي صحابية، خرج حديثها البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
يتبع
ابو الوليد المسلم
02-06-2026, 11:51 PM
شرح حديث قطبة بن مالك في قراءة النبي بـ(ق) في صلاة الصبح
[أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى واللفظ له، حدثنا خالد عن شعبة عن زياد بن علاقة سمعت عمي يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فقرأ في إحدى الركعتين: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10]، قال شعبة: فلقيته في السوق في الزحام فقال: ق]. وهنا أورد النسائي هذا الحديث الدال على قراءة ق بصلاة الصبح، وهو حديث عن زياد بن علاقة، وهو قطبة بن مالك الثعلبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بالصبح: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[ق:10]]، يعني: السورة التي فيها هذه الآية، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[ق:10]، [قال شعبة: فلقيته بالسوق في الزحام فقال: ق]، يعني: لقي زياد بن علاقة، فقال: (ق)، أي: بدل: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ[ق:10]، أي: قرأ سورة (ق) في الصبح، والحديث دال على قراءة هذه السورة في صلاة الصبح، وهو مطابق، أو شاهد للترجمة التي عقدها النسائي، وهي القراءة بالصبح بـ(ق).
تراجم رجال إسناد حديث قطبة بن مالك في قراءة النبي بـ(ق) في صلاة الصبح
قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود]. وهو أبو مسعود البصري، ثقة، خرج حديثه النسائي وحده، وقد وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأنه إسماعيل بن مسعود أبو مسعود، وقد ذكرتُ مراراً أن فائدة معرفة هذا النوع -وهو موافقة معرفة موافقة كنيته اسم أبيه- هو دفع توهم التصحيف فيما لو ذكر بالكنية أحياناً مع اسمه، فإن من لا يعرف يظن أن فيه تصحيفاً بدل ابن أبو، ولكن من يعرف أن أباه مسعود، وكنيته أبو مسعود فسواءً قيل: إسماعيل أبو مسعود، أو إسماعيل بن مسعود النتيجة واحدة، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[ومحمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني البصري، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.[حدثنا خالد].وهو ابن الحارث، خالد بن الحارث البصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].وهو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زياد بن علاقة].هو زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [سمعت عمي].يروي عن عمه، وهو قطبة بن مالك، وزياد أبوه علاقة، وعمه قطبة، وقطبة هو ابن مالك الثعلبي، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، أي: خرج له أصحاب الكتب الستة إلا البخاري فإنه ما خرج له في الصحيح، وإنما خرج له في خلق أفعال العباد.ولكن أبو داود في ظني أنه موجود في نسخة التقريب، ولكن الفيصل في هذا هو تهذيب الكمال؛ لأنه هو الذي ينص على الأسماء.
القراءة في الصبح بـ (إذا الشمس كورت)
شرح حديث عمرو بن حريث: (سمعت النبي يقرأ في الفجر: (إذا الشمس كورت))
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القراءة في الصبح بـ (إذا الشمس كورت).أخبرنا محمد بن أبان البلخي حدثنا وكيع بن الجراح عن مسعر والمسعودي عن الوليد بن سريع عن عمرو بن حريث قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر: إذا الشمس كورت].وهنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي القراءة بالصبح بـ(إذا الشمس كورت)، وقد أورد فيه حديث عمرو بن حريث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالصبح بـإذا الشمس كورت، وهو دال على القراءة بهذه السورة؛ إذا الشمس كورت، ولعل ذلك في إحدى الركعتين، ويمكن أن يكون بهما جميعاً، وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي، أو يقرأ فيها أحياناً ببعض السور القصار، وفي بعضها بالسور الطوال، وكثيراً ما كان يقرأ: من الستين إلى المائة آية، كما سبق أن مر قريباً.
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن حريث: (سمعت النبي يقرأ في الفجر: (إذا الشمس كورت))
قوله: [أخبرنا محمد بن أبان البلخي].وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة، وهو مستملي وكيع، والمستملي: هو الذي يساعد المحدث بأن يبلغ صوته، بأن يبلغ صوته إذا كثر الجمع، فإنه يتخذ معه من يساعده في إبلاغ الصوت، وقد جاء في حديث وفد عبد القيس عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي أنه قال: ألا أجعل لك من مالي حتى تبلغ عني؟ فكان يجلس معه على سريره، ويبلغ الناس، أي: معه، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: وهو حجة في اتخاذ المحدث المستملي؛ لأن ابن عباس رضي الله عنه اتخذ نصر بن عمران الضبعي الذي كنيته أبو جمرة ليبلغ عنه، قال: وهو حجة في اتخاذ المحدث المستملي الذي يبلغ الناس ويساعده على إبلاغ صوته عندما يكثر الجمع، ومحمد بن أبان هذا يقال له: المستملي، وهو مستملي وكيع، الذي يروي عنه في الإسناد الذي معنا، وهو يروي عن وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، حافظ، مصنف صاحب المصنف، وغيره، ومصنفه الزهد، والتفسير؛ لأنه كثيراً ما ينقل عنه في الفتح، وفي تفسير ابن كثير، فهما يعزوان إلى تفسير وكيع بن الجراح، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[عن مسعر].هو ابن كدام، وهو ثقة، ثبت، فاضل، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.[والمسعودي].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، يقال له: المسعودي، وهو صدوق تغير حفظه قبل موته، قال الحافظ والحد الفاصل في هذا أن من سمع منه ببغداد فحديثه بعد الاختلاط، والمختلط ما سمع منه قبل الاختلاط حجة، وما سمع منه بعد الاختلاط لا يعول عليه، وإنما يحتاج إلى ما يساعده ويؤيده، والحديث الذي معنا عن المسعودي وهو ليس منفرداً، بل معه مسعر الذي هو ثقة، ثبت، إمام، فوجود المسعودي وعدم وجوده لا يؤثر على الحديث.وخرج حديثه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.[عن الوليد بن سريع].وهو صدوق خرج حديثه مسلم، والنسائي.[عن عمرو بن حريث].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي صغير، وهنا يقول: [سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقرأ في الصبح بـإذا الشمس كورت].ومعلوم أن صغار الصحابة مراسيلهم حجة، ولكن ما صرح فيه بالسماع عرف بأنه ليس من المراسيل، بل أخذه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهنا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يقرأ بالصبح بـإذا الشمس كورت].وعمرو بن حريث خرج له أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم صلاة المأمومين خلف إمام قرأ بغير القرآن بعد الفاتحة
السؤال: قد حدث وأن قدم جماعة شيخاً كبيراً ليؤمهم إحساناً بالظن به، وتوقيراً له، وهم لا يعرفونه، فلما أمهم قرأ في الركعة الأولى بالفاتحة، ثم قال بعدها: طلع البدر علينا، فهل صلاتهم باطلة بذلك؟الجواب: أقول: مثل هذا لا يصلى ورائه؛ لكونه يأتي بشيء غير القرآن، لا سيما يأتي بالشعر بدل القرآن، فهذا جاهل لا تصح صلاته ولا صلاة من يصلي ورائه.
المقصود بالنسخة المصرية تقريب التهذيب
السؤال: تذكر دائماً عند ذكر التقريب تقول: النسخة المصرية، فما المراد بذلك؟الجواب: أقول: النسخة المكونة من مجلدين والتي طبعها النمنكاني، وهي طبعة قديمة بتعليق عبد الوهاب عبد اللطيف، هذه هي المصرية، التي كانت موجودة من زمان، وهي التي تستعمل كثيراً.
وضع اليد على عاتق المعزى عند التعزية
السؤال: بعض الناس عند التعزية يضع صفحة كفه على عاتق المعزى، فما حكم ذلك؟الجواب: هذا العمل ليس من السنة، وإنما السنة أن الإنسان إذا جاء يعزي يصافح ويدعو، وأما وضع اليد على الصدر فهو من محدثات الأمور.
حكم بيع الهدية
السؤال: هل يجوز بيع الهدية؟الجواب: إذا أهدي للإنسان هدية ملكها، فله أن يتصرف فيها كيف يشاء؛ يبيعها أو يهديها، يعمل فيها ما يريد.
الواجب على من أفطرت في شهر رمضان جاهلة بوجوب الصيام عليها
السؤال: امرأة علمت أن عليها صيام سنة لم تصمه، وذلك بأنها بلغت وهي جاهلة، لا تعلم أنه بالبلوغ يجب عليها الصوم، ولم تصم ذلك الشهر، وهي قد علمت أنه قد كان عليها صيام شهر، فماذا يجب عليها؟الجواب: تقضي ذلك الشهر الذي عليها ما دام أنها قد بلغت قبل أن يدخل الشهر، فالشهر فرض عليها، وعليها أن تقضيه وتطعم عن كل يوم مسكيناً؛ لأنه ما دام قد مضى عليه سنين فتطعم عن كل يوم مسكيناً.
صيغة التأدية لمن سمع المستملي ولم يسمع الشيخ
السؤال: نحن نعرف دقة المحدثين في الراوية، فهل من يسمع المستملي يقول: حدثنا المستملي عن الشيخ أم يقول: حدثنا الشيخ؟الجواب: ليس مهمته أن يعطي الناس ويأخذون عنه، وإنما هو يبلغ، أي: إذا وجدت مثلاً كلمة لم تتضح أو نحو ذلك فهو يبلغها، والمحدث هو الذي يحدث، ولكن هذا يساعده بأن يبلغ صوته، فأحياناً، أي: في الشيء الذي يخفى فهذا هو المقصود منه، وإذا كان ما سمع إلا من المستملي، وما سمع صوتاً المحدث فلا يقل: حدثنا فلان أي: المستملي يبلغه المستملي، بمجرد أن ذاك قال هذا الكلام، وإنما الأصل أن التحديث هو من المحدث، إلا أن المستملي يساعد في تبيين شيء، أو إيضاح كلمة خفيت.
الجمع بين قوله تعالى: (قالوا ما أنزل الله...) وقوله: (قالوا نؤمن بما أنزل...)
السؤال: ما وجه الجمع بين آية: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91]، الآية، وآية: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ [البقرة:91]، الآية، فكيف في الآية الأولى قالوا: مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91]، وفي الثانية: قالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا [البقرة:91]، فكيف الجمع بين الآيتين؟الجواب: هذا يحتاج إلى معرفة الذين قالوا هذا، والذين قالوا هذا، يعني: هم جماعة واحدة أو متعددة، لا أستطيع أن أذكر الآن شيئاً.
الكلام على مسعر الوارد في سند حديث عمرو بن حريث في قراءة النبي: (إذا الشمس كورت) في الفجر
السؤال: جاء في إسناد حديث عمرو بن حريث في قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، في الفجر عن مسعر ؟الجواب: لأنه جاء مسعود المسعودي، وليس هناك في رجال الكتب الستة مسعود المسعودي، وإنما في تحفة الأشراف لما هذا قال: عن وكيع عن مسعر والمسعودي كلاهما عنه، أي: زياد بن علاقة، هو نص على ذلك في تحفة الأشراف، ثم أيضاً مسعر، والمسعودي رووا عن زياد بن علاقة، وكل منهما روى عنه وكيع، فالذي فصل هذا وأوضحه صاحب تحفة الأشراف، حيث قال: عن مسعر والمسعودي كلاهما، عن زياد بن علاقة، فهو الذي بين أن الذي حصلت عنه الرواية عن الوليد بن سريع، هو: مسعر والمسعودي، مسعر بن كدام، والمسعودي الذي هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
صحة حديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)
السؤال: ما صحة حديث: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)؟الجواب: الحديث ضعيف.
المقصود بحديث الرسول: (من كان يؤمن بالله فلا يدخل حليلته الحمام)
السؤال: ما المقصود بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام)؟الجواب: الحمام -كما هو معلوم- الأماكن التي كانت تخصص للاستحمام، ويكون فيها شيء من التكشف وما إلى ذلك، والكلام في دخول الحمام كثير، والأحاديث التي وردت فيه متعددة، فهذا هو المقصود بإدخاله الحمام.
قبول الحديث الموصوف بالحسن الغريب
السؤال: الحسن الغريب هل يقبل؟الجواب: إذا كان المقصود بالغرابة كونه جاء من طريق واحد فإن ذلك لا يؤثر إذا كان الرجال رجال الحسن الذين يصدق عليهم أن حديثهم حسن، بل قد يقال عن الحديث الصحيح: إنه غريب؛ لأنه جاء من طريق واحد، ويقال عنه: صحيح، يعني: الترمذي يقول عن الحديث: إنه حديث حسن صحيح غريب، مثل آخر حديث في البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن)، رواه البخاري، ومسلم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، يعني: غريب لأنه جاء من طريق واحد، وأما رجاله فهم ثقات، فقد خرج لهم أصحاب الصحيح، البخاري، ومسلم، فإذا كان المقصود بالغرابة مجيئة من طريق واحد، والرجال ممن حديثهم حسن فإن ذلك لا يؤثر على الحديث شيئاً.
قبول الحديث المنكر الصحيح السند
السؤال: المنكر الصحيح السند هل يقبل؟الجواب: المنكر لا يكون صحيح السند، بل المنكر ضعيف السند؛ لأن المنكر ما يرويه الضعيف مخالفاً الثقة، وإنما صحيح السند هو الشاذ، فالشاذ هو الذي يكون صحيح السند، ولكن الضعف فيه من جهة مخالفة الثقات، الذين هم أوثق منه، فالشاذ هو الذي يكون الإسناد فيه صحيح، ورجاله ثقات، ولكن يصير فيه غلط، ويكون فيه وهم.وأما المنكر فمخالفة الضعيف للثقة، ولكن من العلماء من يطلق على الأحاديث المفردة أنها مناكير، وهذا اصطلاح آخر غير الاصطلاح المشهور، فهو اصطلاح خاص لبعض العلماء، وهذا ذكرته في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى عن البرديجي أنه يطلق المناكير على هذا، وكذلك الإمام أحمد كما ذكره عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح عند ترجمة بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وقال: إنه يأتي بأحاديث مناكير، وقال: منهم الإمام أحمد فاصطلاحه: إن المناكير أفراد، ولا يكون تضعيفاً، ولا يكون قدحاً في الراوي، ولكن المشهور أن المنكر يقابل المعروف، والشاذ يقابل المحفوظ؛ لأنه عندنا محفوظ، وشاذ، ومعروف، ومنكر، فالمعروف ما خالف فيه الثقة الضعيف، والمنكر ما خالف فيه الضعيف الثقة، عكسه.
التسبيح في الصلاة عند سماع آية تسبيح
السؤال: إذا سمع القارئ يقرأ: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الحشر:1]، فهل المصلي يسبح في الصلاة؟الجواب: الإنسان في صلاة الفرض لا يذكر شيئاً، ولا يحصل منه شيء إلا التأمين وراء الإمام، فإذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم، يقول: آمين، وأما بالنسبة للنوافل فالرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا مرت به آية رحمة سأل، وإذا مر به آية عذاب تعوذ بالله من النار، أو استعاذ، فبالنسبة للنفل يعني: الإنسان عندما يسمع: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الحشر:1]، لا يقل شيئاً، ولكن إذا مرت به آية فيها رحمة سأل، وإذا مر في آية إعاذة استعاذ بالله.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir