ابو الوليد المسلم
07-23-2026, 11:15 AM
ويبقى الودُّ ما بقي العتاب
د. سعد الله المحمدي
لا تخلو العلاقاتُ الإنسانيةُ مِنْ هفوات وزلَّات تترك أثرًا في النفوس والقلوب؛ ومِنْ هنا كانَ العتاب لغةً للتفاهم، وجسرًا لإصلاح ما يعترض طريق المحبَّة مِنْ سوء فهمٍ أو تأويل خاطئ.
وقد وقفَ الأدباءُ والحكماء طويلًا عند ظاهرة العتاب، فمدحوا المعتدل مِنْه وعَدُّوه مِنْ حقوق الصداقة والأخوَّة، وذمُّوا الإفراط والغلوَّ فيه؛ لما يجرُّه مِنْ قطيعة وهجران وجفاء وتباعُد.
فقد أورد أبو منصور الثعالبي في كتابه اللطائف والظرائف بابًا بعنوان: «ذم العتاب»، ذكر فيه أن كثرة العتاب داعية إلى الاجتناب، وأنها قد تُورث الحقد والضَّغينة، مستشهدًا بقول الشاعر:
فدعِ العتابَ فرُبَّ شرٍّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
هاجَ أوَّلُه العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
غير أنَّ العتاب إذا صدرَ عَنْ صدقٍ وإخلاصٍ، وحرصٍ وعناية على الطرف الآخر كان دليلًا على الصفاء والمودَّة، وحسن العشرة والتآخي؛ فالعتاب على قدر المحبَّة.
إذا ذهبَ العتابُ فليس ودٌّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعتاب ملح الصداقة، ولكن الملح إذا زاد أفسد الطعام، وكذلك العتاب إذا تجاوزَ حدَّه انقلب إلى ضِدِّه، فَغَدا مِعْوَلَ هَدْمٍ لا أداة إصلاح، وسببًا للتفَكُّكِ والانهيار لا وسيلة للبناء والإعمار، ولا سيَّما إذا تحوَّل إلى لَجاجةٍ وملامةٍ دائمةٍ، يقولُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تُكثر العتاب؛ فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب"؛ (روضة العقلاء، ص: 182).
وللعتاب أزمان وأسباب وطرائق؛ فهو يفقد أثره ويخبو بريقه إذا جاء في غير وقته، أو مِنْ غير موجب، أو بأسلوب جافٍّ مُنفِّر، كما أنه لا يجدي مع مَنْ لا يُصغي إلى صوت العقل والحكمة:
وليس عتابُ الناسِ للمرءِ نافعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا لم يكنْ للمرءِ لُبٌّ يعاتِبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقال لبيد:
ما عاتبَ الحرَّ الكريمَ كنفسِهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والمرءُ يصلحُه الجليسُ الصالحُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَمِنَ الحكمة تجنُّب عتاب الملول، قليل الصبر، سريع السآمة الذي يضيق بالنُّصْح والتوجيه، كما قال ابن الرومي:
إذا أنتَ عاتبتَ الملولَ فإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تخطُّ على صُحفِ المياهِ أحرفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والناظر في الأدب العربي يجدُ أنَّ أهلَ الحُبِّ والوفاء كانوا يستعذبون العتاب مِنْ أحبتهم، ويرونه دليلًا على الوِصال، وحقًّا مِنْ حقوق المودة، كما في قول كثير عزَّة:
فإن تكن العتبى فأهلًا ومرحبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وحَقَّتْ لها العُتْبى لدينا وقَلَّتِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكقول أبي نُوَاس:
حلوُ العتابِ يهيجُه الإِدلالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لم يحلُ إلا بالعتابِ وصالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعقلاء لا يقفون عند كل هفوة، ولا يُفتِّشون عن كلِّ زلَّة؛ إذ لا يخلو إنسان مِنْ نقص وقصور، ومن طلب صديقًا بلا عيب، فقد طلب المحال، كما قال الشافعي:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقال آخر:
ومن لم يُغمِّضْ عينَه عنْ صديقِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَعنْ بعضِ مَا فِيه يمتْ وهو عاتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعتاب بين الإخوان لا يعني انقطاع المودة، بل قد يكون وسيلةً إلى توثيق عُراها إذا صاحبه الصفح والتسامح والقبول، قال الشاعر:
أعاتبُ إخواني وأبقي عليهمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولستُ لهم بعد العتابِ بقاطعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأغفرُ ذنبَ المرءِ إن زلَّ زلةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا ما أتاها كارهًا غيرَ طائعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقد يذوب العتاب عند اللقاء، وتغلب المودة والأُلْفة ما علق بالنفس من لوم وإنكار، كما قال محمد بن أمية:
وأضمرُ في قلبي العتابَ فإن بدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وساعدني منه اللقاءُ نسيتُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وللناس في العتاب مذاهب شتى؛ فمنهم من يلوم حتى على مكارم الأخلاق وصنائع المعروف. ومن ذلك ما أشار المقنّع الكندي؛ إذ عاتبه قومه في ديونه:
يعاتبني في الدينِ قومي وإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ديونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حمدًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وفي المقابل، قد يتحوَّل العتاب عند بعض الناس إلى وسيلة للتشفي والانتقام والتشهير والملامة، فيخرج عن معناه النبيل، ومساره الصحيح، ويصبح الشرارة الأولى للعداوة والبغضاء.
شمعة أخيرة:
عتبتُ على ناسٍ أضاعوا مودَّتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكلُّ كريمٍ خانَه الصَّحْبُ يعتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
(إلياس فرحات)
د. سعد الله المحمدي
لا تخلو العلاقاتُ الإنسانيةُ مِنْ هفوات وزلَّات تترك أثرًا في النفوس والقلوب؛ ومِنْ هنا كانَ العتاب لغةً للتفاهم، وجسرًا لإصلاح ما يعترض طريق المحبَّة مِنْ سوء فهمٍ أو تأويل خاطئ.
وقد وقفَ الأدباءُ والحكماء طويلًا عند ظاهرة العتاب، فمدحوا المعتدل مِنْه وعَدُّوه مِنْ حقوق الصداقة والأخوَّة، وذمُّوا الإفراط والغلوَّ فيه؛ لما يجرُّه مِنْ قطيعة وهجران وجفاء وتباعُد.
فقد أورد أبو منصور الثعالبي في كتابه اللطائف والظرائف بابًا بعنوان: «ذم العتاب»، ذكر فيه أن كثرة العتاب داعية إلى الاجتناب، وأنها قد تُورث الحقد والضَّغينة، مستشهدًا بقول الشاعر:
فدعِ العتابَ فرُبَّ شرٍّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
هاجَ أوَّلُه العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
غير أنَّ العتاب إذا صدرَ عَنْ صدقٍ وإخلاصٍ، وحرصٍ وعناية على الطرف الآخر كان دليلًا على الصفاء والمودَّة، وحسن العشرة والتآخي؛ فالعتاب على قدر المحبَّة.
إذا ذهبَ العتابُ فليس ودٌّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعتاب ملح الصداقة، ولكن الملح إذا زاد أفسد الطعام، وكذلك العتاب إذا تجاوزَ حدَّه انقلب إلى ضِدِّه، فَغَدا مِعْوَلَ هَدْمٍ لا أداة إصلاح، وسببًا للتفَكُّكِ والانهيار لا وسيلة للبناء والإعمار، ولا سيَّما إذا تحوَّل إلى لَجاجةٍ وملامةٍ دائمةٍ، يقولُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تُكثر العتاب؛ فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب"؛ (روضة العقلاء، ص: 182).
وللعتاب أزمان وأسباب وطرائق؛ فهو يفقد أثره ويخبو بريقه إذا جاء في غير وقته، أو مِنْ غير موجب، أو بأسلوب جافٍّ مُنفِّر، كما أنه لا يجدي مع مَنْ لا يُصغي إلى صوت العقل والحكمة:
وليس عتابُ الناسِ للمرءِ نافعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا لم يكنْ للمرءِ لُبٌّ يعاتِبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقال لبيد:
ما عاتبَ الحرَّ الكريمَ كنفسِهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والمرءُ يصلحُه الجليسُ الصالحُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَمِنَ الحكمة تجنُّب عتاب الملول، قليل الصبر، سريع السآمة الذي يضيق بالنُّصْح والتوجيه، كما قال ابن الرومي:
إذا أنتَ عاتبتَ الملولَ فإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
تخطُّ على صُحفِ المياهِ أحرفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والناظر في الأدب العربي يجدُ أنَّ أهلَ الحُبِّ والوفاء كانوا يستعذبون العتاب مِنْ أحبتهم، ويرونه دليلًا على الوِصال، وحقًّا مِنْ حقوق المودة، كما في قول كثير عزَّة:
فإن تكن العتبى فأهلًا ومرحبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وحَقَّتْ لها العُتْبى لدينا وقَلَّتِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكقول أبي نُوَاس:
حلوُ العتابِ يهيجُه الإِدلالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
لم يحلُ إلا بالعتابِ وصالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعقلاء لا يقفون عند كل هفوة، ولا يُفتِّشون عن كلِّ زلَّة؛ إذ لا يخلو إنسان مِنْ نقص وقصور، ومن طلب صديقًا بلا عيب، فقد طلب المحال، كما قال الشافعي:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقال آخر:
ومن لم يُغمِّضْ عينَه عنْ صديقِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَعنْ بعضِ مَا فِيه يمتْ وهو عاتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
والعتاب بين الإخوان لا يعني انقطاع المودة، بل قد يكون وسيلةً إلى توثيق عُراها إذا صاحبه الصفح والتسامح والقبول، قال الشاعر:
أعاتبُ إخواني وأبقي عليهمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولستُ لهم بعد العتابِ بقاطعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وأغفرُ ذنبَ المرءِ إن زلَّ زلةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إذا ما أتاها كارهًا غيرَ طائعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وقد يذوب العتاب عند اللقاء، وتغلب المودة والأُلْفة ما علق بالنفس من لوم وإنكار، كما قال محمد بن أمية:
وأضمرُ في قلبي العتابَ فإن بدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وساعدني منه اللقاءُ نسيتُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وللناس في العتاب مذاهب شتى؛ فمنهم من يلوم حتى على مكارم الأخلاق وصنائع المعروف. ومن ذلك ما أشار المقنّع الكندي؛ إذ عاتبه قومه في ديونه:
يعاتبني في الدينِ قومي وإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ديونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حمدًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وفي المقابل، قد يتحوَّل العتاب عند بعض الناس إلى وسيلة للتشفي والانتقام والتشهير والملامة، فيخرج عن معناه النبيل، ومساره الصحيح، ويصبح الشرارة الأولى للعداوة والبغضاء.
شمعة أخيرة:
عتبتُ على ناسٍ أضاعوا مودَّتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وكلُّ كريمٍ خانَه الصَّحْبُ يعتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
(إلياس فرحات)