![]() |
ويبقى الود ما بقي العتاب
ويبقى الودُّ ما بقي العتاب د. سعد الله المحمدي وقد وقفَ الأدباءُ والحكماء طويلًا عند ظاهرة العتاب، فمدحوا المعتدل مِنْه وعَدُّوه مِنْ حقوق الصداقة والأخوَّة، وذمُّوا الإفراط والغلوَّ فيه؛ لما يجرُّه مِنْ قطيعة وهجران وجفاء وتباعُد. فقد أورد أبو منصور الثعالبي في كتابه اللطائف والظرائف بابًا بعنوان: «ذم العتاب»، ذكر فيه أن كثرة العتاب داعية إلى الاجتناب، وأنها قد تُورث الحقد والضَّغينة، مستشهدًا بقول الشاعر: فدعِ العتابَ فرُبَّ شرٍّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif هاجَ أوَّلُه العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif غير أنَّ العتاب إذا صدرَ عَنْ صدقٍ وإخلاصٍ، وحرصٍ وعناية على الطرف الآخر كان دليلًا على الصفاء والمودَّة، وحسن العشرة والتآخي؛ فالعتاب على قدر المحبَّة. إذا ذهبَ العتابُ فليس ودٌّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والعتاب ملح الصداقة، ولكن الملح إذا زاد أفسد الطعام، وكذلك العتاب إذا تجاوزَ حدَّه انقلب إلى ضِدِّه، فَغَدا مِعْوَلَ هَدْمٍ لا أداة إصلاح، وسببًا للتفَكُّكِ والانهيار لا وسيلة للبناء والإعمار، ولا سيَّما إذا تحوَّل إلى لَجاجةٍ وملامةٍ دائمةٍ، يقولُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لا تُكثر العتاب؛ فإن العتاب يورث الضغينة والبغضة، وكثرته من سوء الأدب"؛ (روضة العقلاء، ص: 182). وللعتاب أزمان وأسباب وطرائق؛ فهو يفقد أثره ويخبو بريقه إذا جاء في غير وقته، أو مِنْ غير موجب، أو بأسلوب جافٍّ مُنفِّر، كما أنه لا يجدي مع مَنْ لا يُصغي إلى صوت العقل والحكمة: وليس عتابُ الناسِ للمرءِ نافعًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا لم يكنْ للمرءِ لُبٌّ يعاتِبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقال لبيد: ما عاتبَ الحرَّ الكريمَ كنفسِهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والمرءُ يصلحُه الجليسُ الصالحُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَمِنَ الحكمة تجنُّب عتاب الملول، قليل الصبر، سريع السآمة الذي يضيق بالنُّصْح والتوجيه، كما قال ابن الرومي: إذا أنتَ عاتبتَ الملولَ فإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تخطُّ على صُحفِ المياهِ أحرفا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والناظر في الأدب العربي يجدُ أنَّ أهلَ الحُبِّ والوفاء كانوا يستعذبون العتاب مِنْ أحبتهم، ويرونه دليلًا على الوِصال، وحقًّا مِنْ حقوق المودة، كما في قول كثير عزَّة: فإن تكن العتبى فأهلًا ومرحبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وحَقَّتْ لها العُتْبى لدينا وقَلَّتِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكقول أبي نُوَاس: حلوُ العتابِ يهيجُه الإِدلالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يحلُ إلا بالعتابِ وصالُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والعقلاء لا يقفون عند كل هفوة، ولا يُفتِّشون عن كلِّ زلَّة؛ إذ لا يخلو إنسان مِنْ نقص وقصور، ومن طلب صديقًا بلا عيب، فقد طلب المحال، كما قال الشافعي: إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif صديقَكَ لم تلقَ الذي لا تعاتبُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقال آخر: ومن لم يُغمِّضْ عينَه عنْ صديقِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وَعنْ بعضِ مَا فِيه يمتْ وهو عاتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والعتاب بين الإخوان لا يعني انقطاع المودة، بل قد يكون وسيلةً إلى توثيق عُراها إذا صاحبه الصفح والتسامح والقبول، قال الشاعر: أعاتبُ إخواني وأبقي عليهمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولستُ لهم بعد العتابِ بقاطعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأغفرُ ذنبَ المرءِ إن زلَّ زلةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا ما أتاها كارهًا غيرَ طائعِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد يذوب العتاب عند اللقاء، وتغلب المودة والأُلْفة ما علق بالنفس من لوم وإنكار، كما قال محمد بن أمية: وأضمرُ في قلبي العتابَ فإن بدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وساعدني منه اللقاءُ نسيتُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وللناس في العتاب مذاهب شتى؛ فمنهم من يلوم حتى على مكارم الأخلاق وصنائع المعروف. ومن ذلك ما أشار المقنّع الكندي؛ إذ عاتبه قومه في ديونه: يعاتبني في الدينِ قومي وإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ديونيَ في أشياءَ تُكسِبُهم حمدًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وفي المقابل، قد يتحوَّل العتاب عند بعض الناس إلى وسيلة للتشفي والانتقام والتشهير والملامة، فيخرج عن معناه النبيل، ومساره الصحيح، ويصبح الشرارة الأولى للعداوة والبغضاء. شمعة أخيرة: عتبتُ على ناسٍ أضاعوا مودَّتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكلُّ كريمٍ خانَه الصَّحْبُ يعتبُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif (إلياس فرحات) |
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا |
| الساعة الآن 03:06 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي