عرض مشاركة واحدة
قديم 02-17-2026, 09:32 PM   #96

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 247 الى صـــ 266
الحلقة (96)






ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف:
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار من أفراد البخاري عن مسلم، وأخرج له أبو داود والترمذي والنسائي، وفيه لين (١).
ووالده (ع) عبد الله -هو مولى ابن عمر- التابعي وليس في الستة سواه (٢)، نعم، في ابن ماجه: عبد الله (ق) بن دينار الحمصي، وهو ليس بقوي (٣).
رابعها:
الثرى: التراب الندي. قاله الجوهري (٤)، وصاحب «الغريبين»،

---------------------
(١) عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار القرشي العدوي. قال عمرو بن علي: لم أسمع عبد الرحمن يحدث عنه بشيء قط. وقال أبو حاتم: فيه لين، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو أحمد بن عدي: وبعض ما يرويه منكر، لا يتابع عليه، وهو جملة من يكتب حديثه من الضعفاء. وقال ابن حجر: احتج به البخاري كما قال الدارقطني.
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣١٦ (٩٩٩)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٥٤ (١٢٠٤)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٥١، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٤٨٥ (١١٢٦)، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٠٨ (٣٨٦٦)، «مقدمة الفتح» ص ٤١٧.
(٢) عبد الله هو ابن دينار. قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي: ثقة. زاد ابن سعد: كثير الحديث. ومات سنة سبع وعشرين ومائة.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٦ (٢١٧)، «الثقات» ٥/ ١٠، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧١ (٣٢٥١).
(٣) عبد الله بن دينار الحمصي، قال عنه يحيى بن معين: شامي ضعيف. وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي في الحديث. وقال الدارقطني: لا يعتبر به. وذكره ابن حبان في «الثقات» ٧/ ٣٣. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨١ (٢٢٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٧ (٢١٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧٤ (٣٢٥٢).
(٤) انظر: «الصحاح» مادة (ثرا) ٦/ ٢٢٩١.



وقال «صاحب المحكم»: الثرى: التراب. وقيل: هو التراب الذي إذا بُل لم يصر طينًا لازبًا، والجمع أثراء (١)، وفي «مجمع الغرائب»: أصل الثرى: الندى، ولذلك قيل للعرق: ثرى.
خامسها:
فيه: الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه، وهذا في الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله، ولا يناقض هذا ما أمرنا بقتله أو أبيح قتله، فإن ذَلِكَ إنما شرع لمصلحة راجحة، ومع ذَلِكَ فقد أمرنا بإحسان القِتلة.
وفيه أيضًا: حُرمة الإساءة إليه، وإثم فاعله، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت (٢).
وفيه أيضًا: وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها وهو إجماع.
وأما الحديث الثالث:
فالبخاري ذكره معلقًا عن شيخه أحمد بن شبيب، والإسماعيلي وصله فقال: حَدَّثنَا أبو يعلى، ثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حَدَّثَني حمزة بلفظ: وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر. ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب (٣).
ورواه أبو نعيم، عن أبي إسحاق، عن إسحاق بن محمد، ثنا

----------------------
(١) «المحكم» ١١/ ١٦٨.
(٢) حديثها سيأتي برقم (٣٣٣٨) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم.
(٣) انظر: «سنن أبي داود» (٣٨٢). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٢/ ٢٣٣: إسناده صحيح على شرط البخاري.



موسى بن سعيد، عن أحمد بن شبيب؛ وقال: رواه البخاري بلا سماع.
وقال الإسماعيلي: ليس في حديث البخاري، تبول وهو كما قَالَ. وإن كان وقع في بعض نسخ البخاري.
إذا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: في التعريف بمن بقي من رواته:
حمزة بن عبد الله هو ابن عمر تابعي ثقة إمام (١).
وأحمد بن شبيب (٢) شيخ البخاري، ولم يخرج له غيره، وهو بصري نزل مكة. مات بعد المائتين (٣).
ووالده (خ. س) خرج له النسائي أيضًا، وهو صدوق (٤).

-----------------------
(١) حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني. سمعت يحيى بن سعيد يقول: فقهاء أهل المدينة اثنا عشر، فذكره فيهم. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧ (١٧٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٢٢ (٣٥٨)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٢ (٩٣٠)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٣٠ (١٥٠٧).
(٢) أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي.
قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وروى له أبو داود في كتاب «الناسخ والمنسوخ»، وفي «حديث مالك»، والنسائي. انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٤ (٧٠)، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٢٧ (٤٧)، «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٥٤ (٥٣).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: سنة ٢٢٩ قاله في «الكاشف».
ثم بلغ في الثالث والأربعين له مؤلفه.
(٤) شبيب بن سعيد التميمي الحبطي: أبو سعيد البصري.
روى عن أبان بن تغلب، وشعبة بن الحجاج. وروى عنه: ابنه أحمد بن شبيب، وعبد الله بن وهب. قال علي بن المديني: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس. =



ثانيها:
قَالَ ابن بطال: فيه أن الكلب طاهر؛ لأن إقبالها وإدبارها في الأغلب أن تجر فيه أنوفها وتلحس فيه الماء وفُتات الطعام؛ لأنه كان مبيت الغرباء والوفود وكانوا يأكلون فيه، وكان مسكن أهل الصفة، ولو كان الكلب نجسًا لمنع من دخول المسجد؛ لاتفاق المسلمين على أن الأنجاس تجنب المساجد، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلمُشْركُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقرَبُراْ المَسجِدَ اَلحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].
قَالَ: وقوله: (تقبل وتدبر) يدل على تكررها على ذَلِكَ، وتركهم لها يدل على أن لا نجاسة فيها؛ لأنه ليس في حي نجاسة، هذا كلامه (١)، وقد سلف الجواب عنه.
ثالثها:
قوله: (فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.) يريد -كما قَالَ ابن التين- أن الرش طهور لما يشك فيه، وإذ لم يرشوا دل على أنه غير نجس.
وأما الداودي فإنه أورد هذا الحديث في «شرحه» بلفظ: (يرتقبون) بدل (يرشون) ثم فسره بأن معناه: لا يخافون ولا يختشون. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، ونقله عنه ابن التين ولم يعترض عليه وهو غريب، والظاهر أنه تحريف وما أحسن قول المنذري: إن المعنى أنها كانت تبول خارج المسجد من

----------------------
= روى له البخاري وأبو داود في «الناسخ والمنسوخ». وذكره ابن حبان في «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٣ (٢٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٥٩ (١٥٧٢)، «الثقات» ٨/ ٣١٠، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٤٧ (٨٩١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢ (٢٦٩٠)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٥٠ - ١٥١.
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٦٨.



مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تقتات في المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات ما ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من العبور فيه.
وأما الحديث الرابع -وهو حديث عدي- فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في البيوع (١) والصيد والذبائح (٢). وأخرجه مسلم والجماعة في الصيد (٣)، واشتهر عن عدي، وعن عامر الشعبي.
وابن أبي السفر اسمه عبد الله بن أبي السَّفَر -بفتح السين والفاء- سعيد بن يُحْمد. ويقال: أحمد الهمداني الكوفي.
قَالَ أحمد وابن معين: ثقة، أخرجوا له خلا الترمذي (٤).
ثانيها:
سؤال عدي - رضي الله عنه - يحتمل أن يكون لطلب معرفة الحكم قبل الإقدام

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٤).
(٢) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) ورقم (٥٤٨٣ - ٥٤٨٧).
(٣) «صحيح مسلم» (١٩٢٩) باب: الصيد بالكلاب المعلمة، «سنن أبي داود» (٢٨٤٧ - ٢٨٥١)، «سنن الترمذي» (١٤٦٥)، (١٤٧٠)، «سنن النسائي» ٧/ ١٨٩ - ١٨١، «سنن ابن ماجه» (٣٢٠٨).
(٤) عبد الله بن أبي السفر، واسمه سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه، وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال النسائي. وذكره ابن حبان في كتاب: «الثقات».
انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٠٥ (٣٠٦)، «الثقات» لابن حبان ٢/ ٣٢ (٨٩٦)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١ (٣٣٠٨).



عليه، ولا شك أنه لا يجوز الإقدام على الفعل إلا بعد معرفة الجواز، ويحتمل أن يكون علم أصل الإباحة، فسأل عن أمور اقتضت عنده الشك في بعض الصور، أو قام مانع من الإباحة التي علم أصلها.
ثالثها:
لم يذكر في هذِه الرواية ما سأل عنه، لكن سياق الجواب دال أنه سأل عن صيد الكلب.
رابعها:
في جواز الاصطياد بالكلب المعلم، ولا نعلم فيه خلافًا، ولم يذكر حكم غير المعلم؛ لأنه لم يسأله عدي عنه وإن كان يوجد من تقييده - ﷺ - بالمعلم نفي الحكم عن غيره.
خامسها:
يدخل تحت قوله - ﷺ -: «إذا أرسلت كلبك» مطلق الكلاب، واستثنى الإمام أحمد الكلب الأسود من الجواز، ونحوه عن الحسن البصري وإسحاق وقتادة والفارسي (١) من أصحابنا (٢).
سادسها:
لم يذكر فيه التسمية وهي في طريق آخر من حديث عدي، وإن كانت في آخره مذكورة.
وقد اختلف العلماء في شرطها، ومذهبنا أنها سنة؛ خلافًا للظاهرية، وهو الصحيح عن أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري

----------------------
(١) ورد بهامش (س): يعني: أبا علي.
(٢) انظر: «المغني» ١٣/ ٢٦٧.



وجماعة: إن تركها سهوًا حلت الذبيحة، وإن تركها عمدًا فلا (١).
سابعها:
مقتضى الحديث عدم الفرق بين كون المعلم تحل ذكاته أم لا، وذكر ابن حزم في «محلاه» (٢) عن قوم اشتراط كونه ممن تحل ذكاته فقال: وقال قوم: لا يؤكل صيد جارح علمه من لا يحل أكل ما ذكى.
وروي في ذَلِكَ آثارًا منها: عن يحيى بن عاصم، عن علي أنه كره صيد باز المجوسي وصقره وصيده. ومنها: عن أبي الزبير، عن جابر قَالَ: لا نأكل صيد المجوسي ولا ما أصاب سهمه. ومنها عن خصيف قَالَ: قَالَ ابن عباس: لا تأكل ما صدت بكلب المجوسي، وإن سميت؛ فإنه من تعليم المجوسي قَالَ تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مَّمِا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ [المائدة: ٤]، وجاء هذا القول عن عطاء ومجاهد والنخعي ومحمد بن علي، وهو قول سفيان الثوري (٣).
ثامنها:
الحديث ظاهر في اشتراط الإرسال حتى لو استرسل بنفسه يمتنع من أكل صيده، ولو أرسل كلبًا حيث لا صيد فاعترض صيدٌ فأخذه لم يحل على المشهور عندنا، وقيل: يحل (٤).
فرع: الصيد حقيقة في المتوحش، فلو استأنس ففيه خلاف للعلماء.

-------------------------
(١) «حلية العلماء» ٣/ ٣٦٧، «تقويم النظر» ٥/ ١٩، «المعونة» ١/ ٤٦٠، «الهداية» ٤/ ٣٩٤، «المغني» ١٣/ ٢٩٠.
(٢) «المحلى» ٧/ ٤٧٦.
(٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٢٤٣ (١٩٦١٥) كتاب: الصيد، باب: في صيد كلب المشرك والمجوسي واليهودي والنصراني.
(٤) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤، «البيان» ٤/ ٥٥٤.



تاسعها:
يؤخذ من الحديث أن من غصب كلبًا واصطاد به أن الصيد للغاصب لا له؛ لأنه لم يرسل كلبه. وقد يستدل به من يقول أن له عملًا بالإضافة (١).
عاشرها:
أجمع المسلمون عَلَى إباحة الاصطياد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وغيره. واختلفوا فيمن اصطاده للهو فإن فعله ليذكيه، فكرهه مالك، وأجازه الليث وابن عبد الحكم، وإن فعله من غير نية التذكية فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثًا.
الحادي عشر:
قوله: «وإذا أكل فلا تأكل» صريح في منع ما أكل منه الكلب.
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني في «سنن أبي داود» بإسناد حسن: «كل وإن أكل منه الكلب» (٢) وسيأتي -إن شاء الله- الجمع بينهما في بابه (٣).

-----------------------
(١) انظر: «الذخيرة» ٤/ ١٧٤.
(٢) «سنن أبي داود» (٢٨٥٢)، والحديث ضعفه البيهقي في «السنن» ٩/ ٢٣٨. وقال: إن صح وهو في الصحيحين وليس فيه ذكر الأكل. وقال الذهبي في «الميزان» ٢/ ٢٠٨: وهذا حديث منكر. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ٣٨٥: إسناده ضعيف ومتنه منكر.
(٣) سيأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧) كتاب: الذبائح والصيد.



٣٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إِلَّا مِنَ المَخْرَجَيْنِ، مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَاْلَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وَقَالَ عَطَاءٌ: فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبيِّ - ﷺ - كانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابن أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابن عُمَرَ وَالْحَسَنُ، فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.

١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْن أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الَمقْبرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَمْ يُحْدِثْ». فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الَحدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ. يَعْنِي: الضَّرْطَةَ [٤٤٥، ٤٧٧، ٦٤٧، ٦٤٨، ٦٥٩، ٢١١٩، ٣٢٢٩، ٤٧١٧ - مسلم: ٣٦٢ - فتح: ١/ ٢٨٢]

١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ،


عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبيِّ، قَالَ: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [انظر: ١٣٧ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَدٍ ابن الَحنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَليٌّ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فأَمَرْتُ الِمقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ». وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. [انظر: ١٣٢ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٧٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ، أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضي الله عنه -، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رضي الله عنهم -، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. [٢٩٢ - مسلم: ٣٤٧ - فتح: ١/ ٢٨٣]

١٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيد الُخدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ وَرَأْسهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: «لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟». فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ». تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ: «الْوُضُوءُ». [مسلم: ٣٤٥ - فتح: ١/ ٢٨٤]
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ اَلْغَائِطِ﴾ قد أسلفنا في باب: لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول (١)، أن الغائط أصله المكان المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، ثم استعمل للخارج وغلب على الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به

--------------------
(١) سلف برقم (١٤٤).


إلا الخارج من الدبر فقط، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، وقد قام الإجماع على إلحاقه بالغائط في النقض، والريح ملحق بهما بالأحاديث الصحيحة، منها: حديث عبد الله بن زيد: «حتى تسمع صوتًا أو تجد ريحًا» (١).
قَالَ ابن المنذر: أجمعوا أنه ينقض خروج الغائط من الدبر، والبول من القبل، والريح من الدبر، والذي. قَالَ: ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة العلماء الأربعة (٢).
قَالَ: واختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح والحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو مجلز والحكم وسفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يرون منه الوضوء (٣).
وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه (٤). وروي ذَلِكَ عن النخعي (٥).
وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر (٦). هذا آخر كلامه.
ونقل أصحابنا عن مالك: أن النادر لا ينقض، والنادر كالمذي يدوم لا بشهوة، فإن كان بها فليس بنادر (٧).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
(٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٢٩ - ٣٠.
(٣) انظر: «البيان» ١/ ٧٢ - «المغني» ١/ ٢٣٠.
(٤) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق ١/ ١٦٢ (٦٢٩)، «المدونة» ١/ ١٠.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ١٦٣ (٦٣٠)، ابن أبي شيبة في «مصنفه» ١/ ٤٣ (٤١٧).
(٦) «الموطأ» ١/ ٢٤٠ باب: وضوء النائم.
(٧) انظر: «المدونة» ١/ ١١ - «المعونة» ١/ ٤٥ - «الكافي» ص ١٠.



وكذا نقله ابن بطال عنه؛ فقال: وعند مالك أن ما خرج من المخرجين معتادًا ناقض، وما خرج نادرًا على وجه المرض لا ينقض الوضوء، كالاستحاضة وسلس البول والمذي والحجر والدود والدم (١).
وقال أبو محمد بن حزم: المذي والبول والغائط من أي موضع خرجوا من الدبر والإحليل والمثانة أو البطن، وغير ذَلِكَ من الجسد أو من الفم ناقض للوضوء؛ لعموم أمره - ﷺ - بالوضوء منها ولم يخص موضعًا دون موضع، وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه: قَالَ تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ اَلْغَآئطِ﴾ [المائدة: ٦]، وقد يكون خروج الغائط والبول من غير المخرجين. وقال داود: لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي للحديث (٢).
واحتج لمن قَالَ: (لا ينقض النادر) بقوله - ﷺ -: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» (٣) حديث صحيح، صححه الترمذي من طريق أبي هريرة، وبحديث صفوان بن عسال الصحيح، لكن من غائط وبول ونوم (٤)، ولأنه نادر فلم ينقض كالقيء وكالمذي.
واحتج أصحابنا بحديث علي الآتي في الباب في المذي (٥).

---------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «المحلى» ١/ ٢٣٢، «البناية» ١/ ١٩٤ - ١٩٧.
(٣) «سنن الترمذي» (٧٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٤) رواه الترمذي (٣٥٣٥). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ١/ ٩٨، والحميدي ٢/ ١٣٠ (٩٠٥)، وأبو نعيم ٧/ ٣٠٨، وابن حبان ٤/ ١٤٩ - ١٥٠ (١٣٢١)، والبيهقي في «المعرفة» ٢/ ١٠٩ - ١١٠ (١٩٩٩). وقال الألباني في صحيحي الترمذي والنسائي: حسن.
(٥) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.



وعن ابن مسعود وابن عباس قالا: في الودي الوضوء. رواه البخاري (١)؛ ولأنه خارج من السبيل فنقض كالريح والغائط؛ ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد الذي تعم به البلوى فغيره أولى.
والجواب عن حديث: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» أنا أجمعنا على أنه ليس المراد به حصر ناقض الوضوء في ذَلِكَ، بل المراد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح.
وأما حديث صفوان فيبينُ فيه جواز المسح ونقض ما يمسح بسببه، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ولهذا لم يستوفها، ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل وهما مما ينقض بالإجماع.
وأما القيء فلأنه من غير السبيل فلم ينقض كالريح.
وأما سلس المذي فللضرورة، ولهذا نقول: هو محدث، ولا يجمع بين فرضين، ولا يتوضأ قبل الوقت.
واحتج بعض أصحابنا بحديث: «الوضوء مما خرج» وهو خبر رواه البيهقي عن علي وابن عباس، وروي مرفوعًا، ولا يثبت (٢).
وقال أبو حنيفة: لا ينقض خروج الريح من قبل الرجل والمرأة (٣).
ووافقنا أحمد على النقض به.
قَالَ البخاري: وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ

-------------------------
(١) لم أجده عند البخاري لكن رواه عبد الرزاق ١/ ١٥٩ (١٦٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ١٣٥، البيهقي ١/ ١١٥ عن ابن عباس، ورواه البيهقي ١/ ١١٥ عن ابن مسعود.
(٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ١١٦ (٥٦٨) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الريح يخرج من أحد السبيلين.
(٣) انظر: «البناية» ١/ ١٩٤.



نَحْوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ.
هذا أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده الصحيح فقال: حَدَّثنَا
حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء فذكره (١)، وقد أسلفناه عن حكاية ابن المنذر أيضًا (٢).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ).
وهذا الأثر رواه البيهقي في «المعرفة» من حديث إبراهيم بن عبد الله، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان: سئل جابر، فذكره.
قَالَ: ورواه أبو شيبة قاضي واسط، عن يزيد أبي خالد، عن أبي سفيان مرفوعًا.
واختلف عليه في متنه، والموقوف هو الصحيح ورفعه ضعيف (٣).
قُلْتُ: لا جرم، اقتصر البخاري على الوقف، وكذا قَالَ الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: هذا حديث منكر، والصحيح عن جابر خلافه، وفي لفظ عن جابر: لا يقطع التبسم الصلاة حتى يقرقر (٤).
قَالَ البيهقي: وروينا عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذَلِكَ، وهو قول الفقهاء

---------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٤٣ (٤١٢) كتاب: الطهارات، باب: في إنسان يخرج من دبره الدود.
(٢) «الإجماع» لابن المنذر ص ٢٩ - ٣٠.
(٣) «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٣١ (١٢٢٠، ١٢٢٢ - ١٢٢٣) كتاب: الطهارة، باب: الوضوء من الكلام والضحك في الصلاة.
(٤) «سنن الدارقطني» ١/ ١٧٢، ١/ ١٧٤.



السبعة وقول الشعبي وعطاء والزهري (١).
وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره (٢)، وإنما الخلاف في نقض الوضوء به، فذهب مالك والليث والشافعى إلى أنه لا ينقض الوضوء.
وذهب النخعي والحسن إلى أنه نقض (٣).
وبه قَالَ أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.
وحجة من لم يره حَدَثًا أنه لما لم يكن حدثًا في غير الصلاة لم يكن حدثًا فيها (٤).
وحديث أبي المليح، عن أبيه وأنس وعمران وأبي هريرة ضعفها كلها الدارقطني، وقال: إنه يدور على أبي العالية -يعني مرسلًا (٥) - وهو الصواب.
قال البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: إِذا أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ أُو أَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفيْهِ؛ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ).
هذا أسنده ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن هشيم، نا يونس عنه وذكره أيضًا عن الحكم وعطاء وسعيد بن جبير وأبي وائل وابن عمر، وعن علي ومجاهد وحماد: يعيد الوضوء (٦).
وعن إبراهيم: يجري عليه الماء (٧).

----------------------
(١) «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٣١ (١٢٢٤).
(٢) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٤.
(٣) انظر: «الأوسط» ١/ ٢٢٦.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٦١ - ١٦٢، «الإفصاح» ١/ ١٤٥، «بدائع الصنائع» ١/ ٣٢، «المجموع» ٢/ ٧٠ - ٧١.
(٥) «سنن الدارقطني» ١/ ١٦٢ - ١٦٥ (٤٦٢، ١١، ١٢).
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧١.
(٧) رواه عبد الرزاق ١/ ١٢٦ (٤٦٣)، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٣).



قَالَ ابن بطال: ما ذكره عن الحسن هو قول أهل الحجاز والعراق، وروي عن أبي العالية والحكم وحماد ومجاهد إيجاب الوضوء في ذَلِكَ (١).
وقال عطاء والشافعي والنخعي: يمسه الماء (٢).
وأما من خلع نعليه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال:
أحدها: استئناف الوضوء من أوله، وبه قَالَ مكحول وابن أبي ليلى والزهري (٣) والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم (٤).
ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل استانف الوضوء. وبه قَالَ مالك والليث.
ثالثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء. وبه قَالَ الثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور (٥).
رابعها: لا شيء عليه يصلي كما هو. وهو قول الحسن (٦) وقتادة،

----------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٥.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ١/ ١٢٦، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٠).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧٠ (١٩٦٢).
(٤) انظر «المغني» ١/ ٣٦٧.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٤٠.
(٦) ورد تعليقًا بهامش الأصل: قول الحسن ومن معه هو الذي أجازه النووي في «شرح المهذب»، وهو وجه حكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في مصنف له في أصول الفقه كذا كلام في رأيته المؤلف قَالَ: وهو غريب نقلًا فجاز دليلًا. انتهى.
وقد رأيت حديثا في «أحكام عبد الحق» ولعلها الوسطى عن عبد الرزاق في «مصنفه»، ثنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبي قال: رأيت عليًّا بال قائمًا حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه وجعلهما في كمه، ثم صلى. قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - بمثل صنيعه هذا. اهـ. و[انظر: «المجموع» ١/ ٥٧٧، =



وروي مثله عن النخعي (١).
قَالَ البخاري: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ).
قد أسلفه مرفوعًا بنحوه من حديثه في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور (٢)، وحديثه السالف قريبًا: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» بمعناه ورواه أبو عبيد في كتاب «الطهور» بلفظ: «لا وضوء إلا من حَدَثٍ أو صوتٍ أو ريحٍ» (٣).
قَالَ البخاري: (وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ).
وهذا قد أسنده أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث ابن إسحاق قَالَ: حَدَّثَني صدقة بن يسار، عن عقيل بن جابر، عن أبيه جابر به مطولًا (٤).
والرجل الذي نزفه الدم عباد بن بشر، والنائم المذكور فيه هو عمار بن ياسر، والسورة التي قَالَ: (لم أقطعها): الكهف، كما ذكره ابن بشكوال وغيره. وقيل: الأنصاري: عمارة بن حزم، والمشهور أنه عباد، حكى ذلك المنذري بزيادة أنه جهر بالسورة، عن البيهقي.

----------------------
= «المصنف»، لعبد الرزاق ١/ ٢٠١].
(١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ١/ ١٢٦، «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٧١.
(٢) سبق برقم (١٣٥) كتاب: الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور.
(٣) انظر: «الطهور» لأبي عبيد ص ٤٠٤ (٤٠٤) باب: الانصراف في الصلاة للمحدث ووقت وجوبه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٩٨)، «صحيح ابن حبان» ٣/ ٣٧٥ (١٠٩٦). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٣٥٧ (١٩٣): إسناده حسن.



وقوله: (فنزفه الدم). أي: سال دمه كله. قَالَ ابن التين: كذا رويناه، والذي عند أهل اللغة نُزِفَ دَمُهُ، أي: سال كله، على ما لم يسم فاعله، وضبط هذا في بعض الكتب بفتح الزاي والنون. كذا ذكره.
وفي «المحكم»: أَنْزَفَتْ هي: نُزِحت، يعني: البئر (١). وقال ابن جني: نَزَفْتُ البئر وأَنَزفَت هي. جاء مخالفًا للعادة. وقال ابن طريف: تميم تقول: أنزفت، وقيس: نزفت: رجع، ونَزَفه الحجام يَنزِفُهُ وَينْزُفُه: أخرج دمه كله. والنُّزْفُ: الضعف الحادث عن ذَلِكَ. ونَزَفَهُ الدَّمُ، وإن شئتَ قُلْتَ: أنزفه.
وحكى الفراء: أنزفت البئر: ذهب ماؤها. وفي «الصحاح»: ينزفه الدم: إذا خرج منه دم كثير حتى يضعف فهو نزيف ومنزوف (٢).
فائدة:
غزوة ذات الرقاع كانت في الثانية من سني الهجرة، وذكرها البخاري بعد خيبر مستدلًا بحضور أبي موسى فيها (٣)، وأنهم لما نقبت أقدامهم لفوا عليها خرقًا؛ فسميت ذات الرقاع. وسيأتي بسط ذَلِكَ في موضعه.
قَالَ البخاري: (وَقَالَ الحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ).
روى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن أنه كان

----------------------
(١) «المحكم» ٩/ ٥١.
(٢) «الصحاح» ٤/ ١٤٣١، مادة (نزف).
(٣) ورد بهامش (س): وجه استدلال البخاري بحضور أبي موسى؛ لأن أبا موسى جاء وأصحاب الشعبي وجعفر وأصحابه وهم وصلوا بعد الانصراف من خيبر، وكان قد جاء رسول الله - ﷺ - قبل الهجرة، وأسلم ثم هاجر إلى الحبشة.



لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلًا (١).
قَالَ البخاري: وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ.
وهذا رواه ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن
طاوس أنه كان لا يرى في الدم السائل وضوءًا يغسل عنه الدم ثم حسبه.
وحكي نحو هذا عن سعيد بن المسيب، وكذا عن أبي قلابة وسعيد بن جبير وجابر وأبي هريرة (٢).
قَالَ ابن بطال: حديث جابر السالف يَدُل على أن الرعاف والدم لا ينقضان الوضوء، وهو قول أهل الحجاز، ورد على أبي حنيفة، وفي الحجامة عند أبي حنيفة وأصحابه الوضوء، وهو قول أحمد بن حنبل.
وعند ربيعة ومالك والليث وأهل المدينة: لا وضوء عن الحجامة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وقالوا: ليس في الحجامة إلا غسل مواضعها فقط (٣).
وقال الليث: يجزئ أن يمسحه ويصلي ولا يغسله.
وسائر ما ذكره البخاري في الباب من أقوال الصحابة والتابعين، أنه لا وضوء في الدم والحجامة؛ مطابق للترجمة أنه لا وضوء في غير

---------------------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ (١٤٥٩).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ (١٤٦٤)، ١/ ١٢٨ (١٤٦٥ - ١٤٦٦، ١٤٧٠، ١٤٧١، ١٤٧٤).
(٣) انظر: «المبسوط» ١/ ٧٦ - ٧٧، «مختصر خلافيات البيهقي» ١/ ٢٩٨ - ٣١٦، «البناية» ١/ ١٩٧ - ٢٠١، «المغني» ١/ ٢٤٧ - ٢٤٩، «الذخيرة» ١/ ٢٣٦، «البيان» ١/ ١٩٢ - ١٩٣.



المخرجين، وكذلك أحاديث الباب حجة فيه أيضًا (١).
قُلْتُ: فإن كان الدم يسيرًا غير خارج ولا سائل فلا ينقض عند جميعهم، وانفرد مجاهد بالإيجاب من يسير الدم.
قَالَ البخاري: (وَعَصَرَ ابن عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ).
وهذا الأثر أسنده ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناده الصحيح عن عبد الوهاب، ثنا سليمان التيمي عن بكر قَالَ: رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه، فخرج منها شيء من دم فحكه بين إصبعيه، ثم صلى ولم يتوضأ. ثم روى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه أدخل أصابعه في أنفه فخرج منه دم، فمسحه وصلى ولم يتوضأ (٢).
وعن أبي هريرة أنه كان لا يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في الصلاة بأسًا. وعن أبي قلابة أنه كان لا يرى بأسًا به، إلا أن يسيل أو يقطر. وعن جابر وأبي سوار العدوي نحوه (٣).
وحديث: «الوضوء من كل دم سائل» له طرق لا يصح منها شيء (٤).

--------------------
(١) انظر: «بشرح ابن بطال» ١/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٨ (١٤٦٩).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٤) رواه الدارقطني ١/ ١٥٦ من طريق يزيد بن خالد، عن يزيد بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن تميم الداري. وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ١٣٤ (٢٢٠) من طريق الدارقطني، به. قال الدارقطني: عمر بن عبد العزيز لم يسمع من تميم الداري، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان. ورواه ابن عدي في «الكامل» ١/ ٣١٣ (ترجمة أحمد بن الفرج) من حديث زيد بن ثابت. قال ابن عدي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أحمد هذا. وقال ابن حجر في «الدراية» ١/ ٣٠: حديث تميم الداري فيه ضعف وانقطاع. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٧٠): ضعيف.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* يوسف الصديق عليه السلام
* حدث في الثاني عشر من صفر
* كن الأثر الحسن في رمضان
* وقفة عند مناسبة العيد
* في ذكرى سقوط الأندلس.. الخيانة وأثرها على الأمة
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله
* التنشئة العلمية للطفل

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس