05-04-2026, 11:14 AM
|
#508
|
|
|
والفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة (قُتل)، ضمير مستتر يعود إلى (نبي)، والتقدير: وكأين من نبي قاتل هو، أو كأين من نبي قُتل هو.
وتكون جملة ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ جملة تامة مستقلة، والوقف على ﴿ قاتَل ﴾، وعلى (قُتل) في القراءة الأخرى.
وعلى هذا تكون جملة ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: مستأنفة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه معه ربيُّون كثير، و(مع): ظرف مكان متعلق بـ«قاتل» أو «قُتل»، والهاء مضاف إليه، وهو في محل رفع خبر مقدم، و﴿ ربيُّون ﴾: مبتدأ مؤخر.
ويكون المعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتَل، أو قُتِل حال كونه معه ربيُّون كثير، فالقتال واقع من النبيين، والقتل واقع عليهم، وفي الحالين معهم ربيون كثير من أصحابهم مقاتلون. ويجوز أن يكون الفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة «قُتل»: (ربيون): والوقف على قوله (كثير)، والمعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتل ربيون كثيرون معه، أو قُتل ربيون كثيرون معه من أتباعه، وعلى هذا فالقتال واقع من الربيين والقتل واقع عليهم.
وعلى تقدير أخصر يجوز أن يكون الفاعل على قراءة «قاتل» ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم و(ربيون)؛ أي: وكأين من نبي قاتل وقاتَل معه ربيون كثير.
وعلى قراءة (قُتل) يجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، و(ربيون) أي: وكأين من نبي قُتل وقُتل معه ربيون كثير، ويكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ كثير ﴾، والقراءتان بمثابة آيتين، فالقتال واقع من الجميع الأنبياء والربيين، والقتل واقع عليهم جميعًا.
﴿ ربيُّون ﴾: جمع «ربي؛ مثل: «الربانيين»: جمع «رباني»، وكلاهما منسوب إلى «الرب»، لكن ﴿ ربيُّون ﴾ كسرت راؤه عند النسب، وهم المتبعون شريعة الرب، أو منسوب إلى «الرِّبة» بكسر الراء، وهي الطائفة والجماعة، فـ«ربيون»، أي: طوائف وجموع كثيرة من الأتباع الذين تربَّوا على الإيمان وطاعة الله تعالى وعبادته، رباهم الله تعالى واختارهم لربوبيته الخاصة.
﴿ كثير ﴾: صفة لـ﴿ ربيُّون ﴾ أي: ربيون كثيرون.
﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «وهَنوا»، وما بعده يعود إلى الربيين» على القراءتين (قاتَل)، و«قُتل».
﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾؛ أي: فما عجزوا، أو جبنوا وما خارت عزائمهم.
﴿ لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾: اللام: تعليلية، و«ما»: موصولة؛ أي: بسبب الذي أصابهم ﴿ في سبيل الله ﴾؛ أي: في طريقه ونصرة دينه؛ أي: في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»[19].
والمعنى: فما وهَنوا بسبب الذي أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، بل زادهم ذلك شجاعةً وعزيمة وإقدامًا، لقوة إيمانهم ويقينهم أن ما يُصيبهم في سبيل الله مغنم، وليس بمغرم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، ولما دميت إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال:
هل أنت إلا إصبع دميت 
وفي سبيل الله ما لقيت» [20]
وقال عمير بن حمام رضي الله عنه: «بخ بخ، لئن بقيت إلى أن آكلَ هذه التمرات، إنها لحياة طويلة»[21].
﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾؛ أي: في مقاومة العدو، بل كانوا أقوياءَ بقلوبهم وأبدانهم.
﴿ وما استكانوا ﴾: «الاستكانة»: الذل والخضوع ضد العز؛ أي: وما ذلُّوا وما ضَعُفوا لعدوِّهم، مع أنه قُتل كثيرٌ منهم، أو قُتل أنبياؤهم، بل كانوا أعزاءَ شامخي الرؤوس؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، وأن قتلاهم في الجنة وقتلى عدوهم في النار.
ويدخل في الوصف بقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ من قُتل منهم ومن لم يُقتل؛ أي: فما وهن مَن بقي منهم؛ لما أصابهم من قتل أصحابهم وغير ذلك، وما ضعفوا وما استكانوا.
وما وهَن مَن قُتل منهم عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مُدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزَّةً كرامًا مقبلين غير مدبرين.
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ بعد أن نفى عنهم الوهن في سبيل الله والضعف والاستكانة، ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ في إشارة واضحة إلى وصفهم بالصبر؛ أي: والله يحب الصابرين على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل ذلك متحقق بمن قاتل في سبيل الله من غير وهن ولا ضعف ولا استكانة.
قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.
نفى عز وجل في الآية السابقة عن هؤلاء الربيين الصفات السلبية في قتالهم مع أنبيائهم، وهي: الوهن والضعف والاستكانة؛ مما يدل على حسن فعلهم وثبات قلوبهم ورباطة جأشهم، وعظيم صبرهم، ثم أتبع ذلك بما يدل على حُسن قولهم بدعائهم ربهم بالمغفرة والتثبيت والنصر، وعظيم رجائهم بنصر الله تعالى، فجمعوا بين فعل السبب قولًا وفعلًا، وبين الاعتماد على الله عز وجل.
قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و﴿ كان ﴾: فعل ماض ناقص، و﴿ قَوْلَهُمْ ﴾ خبرها مقدم، قُدِّم؛ لأنه خبر عن مبتدأ محصور.
﴿ إلا ﴾: أداة حصر، ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾: «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر، أي: وما كان قولهم إلا هذا القول ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية؛ أي: وما كان قولهم في قتالهم، وتجاه ما أصابهم في سبيل الله مِن قتل كثيرٍ منهم، أو قتل أنبيائهم، إلا هذا القول؛ أي: طلب مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين.
﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي: يا ربنا، حُذفت منه «يا» تخفيفًا، وتبركًا بالبداءة باسمه - عز وجل - ونادوه وتوسَّلوا إليه باسم أو وصف الربوبية الذي معناه: الخلق والملك والتدبير، فكأنهم يقولون: يا من له التصرف وإجابة الدعاء:
﴿ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ أي: استر ذنوبنا وتجاوز عنها.
﴿ وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾؛ أي: واغفر لنا إسرافنا في أمرنا، وتجاوَز عنه، أي: اغفر لنا صغائر الذنوب وكبائرها، وما حصل منا من تقصيرٍ أو إفراط؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو بسبب ذنوبهم وإسرافهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].
فعلموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن ما أصابهم بسبب ذلك، فسألوا الله المغفرة، والاعتراف بالذنب توبة.
و«الإسراف»: مجاوزة الحد، و«الأمر» واحد الأمور، وهو الشأن، أي: وإسرافنا في أمورنا وشؤوننا، والإسراف في الأمر قسمان:
القسم الأول: الإسراف ومجاوزة الحد في الغلو، كما في قصة النفر الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[22].
والقسم الثاني: الإسراف ومجاوزة الحد في التقصير، وهو نوعان:
النوع الأول: إسراف في تعدي حدود الله تعالى بترك واجبٍ أو الإخلال به، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229].
والنوع الثاني: إسراف في قُربان حدود الله تعالى؛ أي: محارمه، بفعل محرم؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187].
والإسراف يكون في المأمور واجبًا أو مندوبًا، ويكون في المنهي محرمًا كان أو مكروها، كما يكون في المباح كالإسراف في النفقة ونحو ذلك؛ قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يَستزلهم ويهزمهم، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحدٍّ، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾، فوفَّوْا المقامين حقَّهما؛ مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف»[23].
﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: سألوا ربهم أولًا مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم؛ تطهيرًا وتزكية لهم، ثم سألوه تثبيت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين؛ تقديمًا للتخلية على التحلية.
﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: الواو: عاطفة، أي: اجعل أقدامنا ثابتة راسخة عند ملاقاة الأعداء، فلا تزل بنا أقدامنا، فنَفِرَّ عند اللقاء، وثبِّت أقدامنا عند ورود الشبهات، وأمام الشهوات.
وتثبيت الأقدام يكون حسيًّا كما في مواطن القتال والنزال، وبه يحفظ الله المؤمن من الفرار من الزحف.
ويكون معنويًّا، وبه يحفظ الله المؤمن من الزيغ عند ورود الشبهات، ومن الوقوع في حبائل الشهوات.
وتثبيت الأقدام علامة ظاهرة على ثبات القلوب، والذي هو سبب ثبات الأقدام.
﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: أي: واجعل النصر والغلبة والظهور لنا على القوم الكافرين؛ أي: على أعدائنا، وهذا اعترافٌ منهم أنه لا ناصرَ لهم سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160].
وهذا يدل على عِظم رجائهم بالله تعالى، وثقتهم بوعده ونصره، فلم يصدهم ما أصابهم عن رجاء نصره، وفي الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي»[24].
قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: الفاء: استئنافية، و«آتاهم »: أعطاهم، وهي تنصب مفعولين، الأول: ضمير الهاء، والثاني: ﴿ ثواب ﴾.
و﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: جزاءها وأجرها بالنصر على أعدائهم، والظفر بهم، وكون العزة والغلبة لهم في الدنيا، وتيسير أمورهم فيها، هذا جزاؤهم المعجل، وخير من ذلك وأفضل، وأعظم منه وأجزل، ثوابُهم المؤجَّل في الآخرة، ولهذا وصفه بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: وحسن جزاء الآخرة، أي: والجزاء الحسن في الآخرة، بالمغفرة، ورفعة الدرجات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»[25].
وبمضاعفة الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأحسن ذلك وأعظمه وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، فالحسنى الجنة والثواب الحسن، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.
ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الشورى: 36]، بل ولا مقارنة بين الدنيا كلها وما فيها، وبين الآخرة وثوابها؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء»[26]، وثواب الدنيا وإن كان فيه حسنٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]، فهو حسن نسبي مشوب بالمنغصات؛ لأن الدنيا دار شقاء وعناء، لا تصفو، ونعيمها مشوب بالكدر، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4].
وكما قيل:
ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى 
من العيش ما يصفو وما يتكدر [27]
وقال الآخر:
هي الحياة فلا يَغْرُرْك ما فيها 
من الزخارف واحذر من دواهيها
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في ختم الآية بهذا إشارة إلى أن المذكورين محسنون، فأحبهم الله؛ ولهذا أثابهم بهذا الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ أي: والله يحب المحسنين في عبادة الله تعالى إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والمحسنين إلى عباده.
ولم يقل: والله يحبهم لأنهم محسنون لبيان محبته - عز وجل - المحسنين منهم ومن غيرهم، وأن من عمل مثلهم فهو محسن يستحق الثواب.
ومن أحبه الله وفَّقه لكل خير، وحفظه من كل شر، ويسَّر له أمور دينه ودنياه وأخراه، وألقى في قلوب الخلق محبته، نسأل الله تعالى من فضله؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»[28].
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأَحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهلُ السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض»[29].
[1] في «تفسيره» (2/ 108).
[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102)، وذكره ابن كثير (2/ 109)، ونَسَبه إلى البيهقي في دلائل النبوة.
[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102) مختصرًا عن أنس رضي الله عنه، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 83).
[4] أخرجه البخاري في المغازي (4048)، من حديث أنس رضي الله عنه.
[5] سيأتي تخريجُه برواياته عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6].
[6] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، والترمذي في صفة القيامة (2495)، وابن ماجه في الزهد (4257)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
[7] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 97-98).
[8] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 55).
[9] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344).
[10] أخرجه الترمذي في الأدب (2819)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهما - وقال: «حديث حسن».
[11] أخرجه مسلم في الصيام (1151)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[12] أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/ 273)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 441).
[13] البيتان لأبي القاسم الشابي؛ انظر: «ديوانه» (ص11).
[14] سبق تخريجه.
[15] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76).
[16] سبق تخريجه.
[17] سطر بيت لأحمد شوقي؛ انظر: «الشوقيات» (1/ 63).
[18] البيت لابن القيم؛ انظر: «النونية» (ص148).
[19] سبق تخريجه.
[20] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- من ينكب في سبيل الله (2802)، ومسلم في الجهاد والسير- ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى (1796)، والترمذي في التفسير (3345)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.
[21] أخرجه مسلم في الإمارة (1901)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
[22] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في النكاح (1401)، والنسائي في النكاح (3267).
[23] «بدائع التفسير» (1/ 516)؛ بتصرف واختصار.
[24] أخرجه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، وأبو داود في الصلاة (1484)، والترمذي في الدعوات (3387)، وابن ماجه في الدعاء (3853)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[25] سبق تخريجه.
[26] سبق تخريجه.
[27] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).
[28] أخرجه البخاري في الرقاق (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[29] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3209)، ومسلم في البر والصلة (2637)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|