مع دوران الليل والنهار تجري سفينة العمر في بحر الحياة بين هدير الأمواج العاتية أحيانًا، وبين هدهدة النسمات العليلة أحيانًا أخرى، فحياة المرء منا في تقلب دائم بين أفراح وأتراح، وسعادة وألم، فالأيام دول ولا دوام لها على حال، ولا يوجد إنسان إلا وقد مر بشيء من هذه التقلبات فهي سنة من سنن الله تعالى في هذه الدنيا؛ كمرض عزيز، أو فقد حبيب، أو عندما يُبتلى المرء في نفسه أو ماله أو ولده، أو في ابتلاءات الحروب، وتشتت القلوب بين الخوف والفزع وعدم الأمان.
فربما يصيب المرءَ جزع أو سخط، وقد يسكن قلبه الحزن والغم لما يرى من تكالب الابتلاءات وشدة المحن، ولو أنه تأمل في حاله ومصابه؛ لوجد في باطن المحنة منحة أو لعلها منح، ولَلامست جنبات روحه ألطاف الباري سبحانه.
فالمرء يُبتلى على قدر إيمانه، وكلما زاد الإيمان، اشتدت سحب البلاء كثافة؛ عن سعد بن أبي وقاص قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة))؛ [صحيح الترمذي].
كل ابتلاءات الحياة على اختلافها وشدتها تأخذ بمن وعى الرسائل من ورائها نحو النقاء، فيكاد يمشي على الأرض وما عليه خطيئة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة))؛ [حديث حسن صحيح]، إذًا فحين نعرف الغاية وندرك المغزى، ونفهم أنها كفارة، وتطهير من الذنوب، وحين نعلم أن الصابرين يعطَون أجرهم بغير حساب؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]؛ قال قتادة رحمه الله: لا والله ما هناكم مكيال ولا ميزان؛ فالأعمال تُوزَن يوم القيامة، وأهل البلاء والصبر يُغرف لهم الأجر غرفًا بلا حساب، وحين نعلم أنها توصلنا لدرجات ومنازل ما كنا لنبلغها بعملنا؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، فلم يبلغها بعمل؛ ابتلاه الله في جسده أو ماله أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل))؛ [حديث صحيح].
عندما نعلم ذلك ندرك حينها أن الأمر ليس كما ظننا، ليس الأمر أننا قد هُنَّا على ربنا الودود الرحيم، بل هو والله اصطفاء ومنحة عظيمة، فهذا نبي الله الكريم أيوب عليه السلام ابتُلي، ولبِث في البلاء سنين، فجعل الله قصته تسليةً وعِبرة لمن بعده؛ قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 84]؛ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: وجعلناه في ذلك قدوةً، لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك، فشدة البلاء وكثرة المصائب لا تدل أبدًا على أن العبد مقصِّر أو مذنب، بل يُرجى له أن يكون عزيزًا على ربه؛ ابتلاه ليمحصه ويطهره، ويرفعه ويقربه.
وإن أحدنا قد يشفق اليوم على حال من قد ابتُلي بشيء من مصائب الدنيا، ولكن عندما يرى الحقيقة يوم القيامة، يغبطهم ويتمنى لو أنه قد مسه شيء من البلاء؛ لعظيم ما يراه من نعيمهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض))؛ [رواه الترمذي]، فالبلاء سُلَّم الارتقاء، يصعد به الصابرون إلى مقامات المقربين السابقين، ولنا في قصة يوسف عليه السلام عِبرة، فلو فرَّج الله عنه في أول ابتلائه، لما آلت إليه خزائن مصر؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ [يوسف: 21]، فقد يطول البلاء ليعظم العطاء، وقد يتساءل المرء: ما العمل حين تحاصرنا أعاصير الشدائد والمصائب؟ أبشِر؛ فقوارب النجاة قريبة وأحزمة الأمان متواجدة يربط بها الله عز وجل على قلوب عباده، ويثبتهم عند نزول البلاء.
العمل الصالح وقت الرخاء؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))؛ [حديث صحيح]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليُكثر الدعاء في الرخاء))؛ [حديث حسن]، فالدعاء وأعمالنا الصالحة في الرخاء تثبيت لنا بإذن الله تعالى وقت الشدائد.
فإن فاتتنا طاعات الرخاء؟
فعلينا بالطاعة وقت البلاء مع الدعاء، فرُبَّ نازلةٍ أورثت القلب ذلًّا وإخلاصًا وصدق التجاء، فحاز الفلاح ونجا بإذن الله تعالى؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب... وصادف انكسارًا بين يدي الرب وذلًّا له، وتضرعًا ورقةً، ثم توسل إليه تعالى بأسمائه وصفاته وتوحيده، فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا"، فالله سبحانه يجيب دعوة المضطر، ويكشف السوء والضر، ويخرج من دجى الليالي، فلق الصباح والأمل، فأبشر ولا تيأس.
قيام الليل ولو بركعتين متى ما تيسر حتى لو بعد صلاة العشاء؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1، 2]، فالزاد الذي ثبت الله به قلوب الصحابة في وجه الابتلاء كان بقيام الليل الذي فُرض عليهم عامًا كاملًا أول الدعوة؛ ليمتلئ القلب بالزاد ليلًا؛ فيعبروا به جسر البلاء نهارًا.
وقد وصاهم الله عز وجل في نفس السورة التي أمرهم فيها بالقيام بأن يقرؤوا ما تيسر من القرآن، ولا يتركوه مهما كانت الشواغل، فكيف يتصدى لسهام الابتلاءات من ليس لديه حصن منيع من القرآن والأذكار؟ وكيف يصبر قلب على نكبات الحياة، وهو فارغ خرب ليس فيه من كتاب الله شيء.
عند المصيبة نتذكر مصيبتنا الكبرى في فقد النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما أوصانا بذلك الحبيب عليه الصلاة والسلام حين قال: ((يا أيها الناس، أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعزَّ بمصيبته بي، عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي، لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي))؛ [حديث صحيح]، فأي مصيبة أعظم من فقدنا حبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وسلم، وأننا لم نرَه في دنيانا ولم نسمع الوحي من شفتيه الكريمتين؟ ولنا كذلك في رسول الله أسوة وقدوة، فعندما أصابه الأذى تذكر ما كان قد أصاب أخوه موسى عليه السلام من أذًى؛
قال صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أخي موسى؛ لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر))؛ [حديث صحيح]، ومن وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم لمن أصابه كرب أو همٌّ؛ أن يقول قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا أصاب أحدكم غمٌّ أو كرب فليقل: الله، الله ربي لا أشرك به شيئًا))؛ [حديث صحيح].
الرضا عن الله سبحانه وعن قضائه الذي كتبه علينا، فمن رضِيَ رضَّاه الله وصبره.
تذكر جزاء الصابرين وحب الله عز وجل ومعيته لهم: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، سيرحل البلاء، ويبقى الثواب بإذن الله تعالى، مهما اشتدت ظلمة الهموم والكروب، ستنجلي بإذن الله تعالى على حافة فجر الفرج حين يأتي، ولنتذكر قول يوسف عليه السلام حين انتهت القصة، وأُسدل ستار ذلك البلاء: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100]؛ يقول السعدي رحمه الله تعالى: "يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور يكرهها، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 100] الذي يعلم ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100] في وضعه الأشياء مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها، ونحن كذلك كم مرة قلناها، وأعدك أنك ستقولها تكرارًا ومرارًا ما دام فينا نبض ونفس: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعًا
وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرجُ
وختامًا ستنجلي بإذن الله تعالى، وكل مرٍّ سيمر، فحوادث الدنيا ومصائبها لا بقاء لها، هي راحلة ولا شك، فلتحمل معها صبرنا الجميل، ورضانا عن قضاء الله وأقداره.