بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الذي أنزل القرآن الكريم هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعله نورًا للقلوب، وشفاءً للصدور، ورحمةً للعالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وعلى آله وصحبه ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا المقال أتركه صدقة جارية لي يوم وفاتي، راجيًا من الله أن ينفع به، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وأن يغفر لي ولوالديَّ ولجميع المسلمين.
القرآن الكريم هو كلام الله المنزَّل على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة جبريل عليه السلام، المتعبد بتلاوته، المعجز في لفظه ومعناه، المحفوظ بحفظ الله إلى قيام الساعة.
وهو الكتاب الذي جمع أصول العقيدة، وأسس العبادة، ومكارم الأخلاق، وقواعد التشريع، وأخبار الأمم السابقة، وبشائر الآخرة، ووعد الله ووعيده.
تبدأ رحلة القرآن بسورة الفاتحة، أم الكتاب، التي جمعت معاني التوحيد والعبودية والهداية. فيها إقرار بأن الله هو الربُّ الرحيم، مالك يوم الدين، وأن العبد لا يعبد إلا إيَّاه ولا يستعين إلا به، ويسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين.
ثم تأتي سورة البقرة، أطول سور القرآن، تُرْسي قواعد الاستخلاف في الأرض، وتُبيِّن صفات المؤمنين والكافرين والمنافقين، وتعرض قصة بني إسرائيل للعبرة، وتؤكد أن التشريع من عند الله وحده، وفيها آية الكرسي التي تبرز عظمة الله الحي القيوم، وفي ختامها إعلان الإيمان الشامل والطاعة المطلقة لله.
وتَتَتابَع السور، فآل عمران تؤكد الثبات على الحق، والنساء تبني المجتمع على العدل والحقوق، والمائدة تؤكد الوفاء بالعقود، والأنعام تركِّز على التوحيد، والأعراف تسرد قصص الأنبياء وصراع الحق والباطل، والأنفال والتوبة تبيِّنان سنن النصر والهزيمة، ويونس وهود ويوسف تقدم نماذج للصبر والثبات، والرعد وإبراهيم تبرزان أثر الإيمان في الحياة، والحجر والنحل تتحدَّثان عن نعم الله وحفظه لدينه.
ويمضي القرآن يعالج قضايا الإنسان الكبرى، في الإسراء والكهف ومريم وطه، حيث يظهر التوحيد في أبهى صوره، وتبرز رحمة الله بعباده. وفي الأنبياء والحج والمؤمنون والنور تتجلى معالم الطهارة والعبادة والاستقامة. وفي الفرقان والشعراء والنمل والقصص تتكرَّر قصص الرسل لتأكيد أن طريق الحق واحد عبر العصور.
وفي العنكبوت والروم ولقمان والسجدة تتضح سنة الابتلاء، وأن الإيمان يحتاج إلى صبر ويقين. والأحزاب وسبأ وفاطر ويس والصافات وص تعالج قضايا الرسالة والبعث والوحي. والزمر وغافر وفُصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف تؤكد أن القرآن تنزيل من حكيم حميد، وأن المصير إلى الله.
وفي محمد والفتح والحجرات تتجلَّى أخلاق الجماعة المسلمة، وفي ق والذاريات والطور والنجم والقمر والرحمن والواقعة والحديد يظهر مشهد الآخرة بقوة، وتبرز قدرة الله في الكون والإنسان.
وفي المجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق والتحريم تنتظم حياة الأسرة والمجتمع. وفي الملك والقلم والحاقة والمعارج ونوح والجن والمزمل والمدثر والقيامة والإنسان والمرسلات يتكرَّر الإنذار والتذكير بالبعث والحساب.
ثم تأتي السور القصار، من عمَّ يتساءلون إلى الناس، فترسخ الإيمان باليوم الآخر، وتدعو إلى الإخلاص، وتحذر من الغفلة، وتختم بسورتي الفلق والناس، تعويدًا للمؤمن أن يلتجئ إلى الله من كل شر ظاهر وباطن.
من الفاتحة إلى الناس، القرآن دعوة إلى معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الرحمن الرحيم، الملك القدُّوس، السلام المؤمن، العزيز الجبَّار، الخالق البارئ المصور، السميع البصير، العليم الحكيم، الغفور الودود، التواب الرحيم.
دور القرآن في حياة المسلمين دور محوري شامل، فهو مصدر العقيدة الصحيحة التي تبني علاقة الإنسان بربِّه على التوحيد الخالص. وهو مصدر التشريع الذي ينظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع بالعدل والرحمة. وهو منهج الأخلاق الذي يغرس الصدق والأمانة والحياء والصبر والشكر. وهو مصدر الطُّمَأْنينة الذي يسكب السكينة في القلوب عند الخوف، والرضا عند البلاء، والأمل عند الشدة.
القرآن يُربِّي الضمير الحي، ويصنع الإنسان المتوازن، ويقيم الحضارات على أساس العدل. به قامت أمة كانت مشتتة فصارت خير أمة أخرجت للناس. كلما تمسكت به عزت، وكلما ابتعدت عنه ضعفت.
القرآن ليس كتابًا يُتلى في المناسبات فحسب، بل هو حياة كاملة. يُتلى تعبُّدًا، ويُفهَم تدبُّرًا، ويُعمَل به سلوكًا، ويُبلَّغ دعوةً. هو نور في البيت، وشفاء في المرض، وسلوى في الحزن، وهداية في الحيرة.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يجعله شفيعًا لنا يوم نلقاه، وأن يجعل هذا العمل صدقة جارية خالصة لوجهه الكريم، لا رياء فيها ولا سمعة، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة، ويجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظله.
اللهم اجعل القرآن العظيم حجةً لنا لا علينا، واجعلنا من أهله الذين هم أهلك وخاصَّتك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، إنك أنت الغفور الرحيم.