الغِيبة والنميمة... آفتان تفسدان القلوب وتفرقان الأحباب
بدر شاشا
في زمن كثرت فيه المجالس وقل فيه الوعي بما يقال، أصبحت الكلمات تتطاير بين الألسن كشرر النار، تحرق القلوب وتفسد العلاقات، ومن أخطر ما يصيب المجتمعات المسلمة ويهدم المودة بين الناس آفتا اللسان: الغِيبة والنميمة.
الغيبة ليست مجرد حديث عابر، بل هي جريمة أخلاقية وصفها الله تعالى في القرآن بأبشع صورة؛ حين قال:
﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ [الحجرات: 12].
يا لها من صورة تقشعر لها الأبدان! فكيف يطيب لإنسان أن يأكل لحم أخيه وهو ميت؟ كذلك هو حال من يغتاب الناس في غيابهم، ينهش أعراضهم دون خوف من الله، والغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكره، سواء في شكله أو صفاته أو تصرفاته أو شؤونه الخاصة، ولو كان ما تقوله صحيحًا، فإن كان ما تقول كذبًا، فقد جمعت بين الغيبة والبهتان، فزاد الإثم عظمًا والقلب قسوة.
أما النميمة فهي داء آخر لا يقل خطرًا عن الغيبة؛ إذ هي نقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد وإشعال نار الفتنة بينهم، كم من صديقَين تفرقا بسبب كلمة نُقلت، وكم من بيت تهدم لأن أحدهم قال: فلان قال عنك كذا، أو فلانة لا تحبك؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير منها: ((لا يدخل الجنة نمام))؛ [متفق عليه].
النميمة تفسد ما بين القلوب، وتزرع الشك والحقد حيث كان الود والصفاء، وهي سهم مسموم، قد يبدو صغيرًا في الظاهر لكنه يصيب أعماق القلوب فيمرضها.
الغيبة تسيء إلى الغائب، والنميمة تفرق بين الحاضرين، وكلاهما يقطع روابط المحبة التي أمر الله بها، إن اللسان أمانة، ومن ضبط لسانه سلم دينه وقلبه وعلاقاته.
فلنحذر من مجالس الغيبة والنميمة، ولنجعل من ألسنتنا ذكرًا طيبًا، وكلمة خير تصلح ولا تفسد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)).
إن حفظ اللسان عبادة، والصمت عن الشر صدقة، والكلمة الطيبة شجرة تثمر حبًّا وسلامًا في القلوب، فطوبى لمن طهر لسانه من الغيبة والنميمة، وجعل كلامه زادًا للآخرة لا حسرةً عليها.