![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
سورة الأحقاف سابعة الحواميم، والتي موضوعها: تقرير الوحي، وحال المعرضين عنه ومصيرهم. مقصد سورة الأحقاف بيان أنواع الإعراض التي قابل بها الكفار دعوة التوحيد (والذين كفروا عما أنذروا معرضون) {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} الانغماس في الملذات، والإفراط في الترف= سبب في الإعراض عن طاعة الله. {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} العبد الصالح إذا بلغ الأربعين شكر الله، وجدَّ واجتهد، وتفرغ للتزود بالطاعات، وابتعد عن المعاصي والمنكرات. {قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به} ما أقسى وأشد أن تؤمل في نعمة ورحمة من مال أو ولد أو غيث فإذا هو عذاب ونقمة! {يا قومنا أجيبوا داعي الله} لو استشعر كل حامل للقرآن أنه داعية إلى الله، يدعو به، ويمشي به في الناس؛ لأنار طريقه وانتقل نوره للآخرين. {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} ادع لوالديك؛ فإن النعم التي تنالهم ستنال ذرياتهم، وأعظم النعم: نعمة الدين. {قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا} التعلّق بموروثات الأباء والأجداد الشركية= من موانع الاستسلام لله والانقياد لشرعه. {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} وصية الله للرسل والدعاة من بعدهم بالصبر والاقتداءبالقدوات.. ربط الأبناء بالرموزالحقيقية مهم في تربيتهم. في تربية الأبناء ينبغي للأهل أن يجمعوا بين دعاء ﷲ وبذل الأسباب من نصح ووعظ (وهما يستغيثان ﷲ.. ويلك آمن إن وعد ﷲ حق) لا أدل على بطلان ألوهية ما يعبد من دون الله كونها لا تجيب الدعاء “ومن أضل … من لا يستجيب له إلى يوم القيامة” ليس العبرة بكثرة العمل، ولا بجودته،ولا بعدده وتعدي نفعه مع أن ذلك مطلوب ولكن العبرة(أن أعمل صالحا ترضاه ). لاينفع التطور العلمي والحضاري والعمراني إذا نزل عقاب الله تعالى:(تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلامساكنهم). مواصفات مجالس القران الاستماع(يستمعون القرآن) الاجتماع عليه(فلما حضروه) الأنصات(قالوا أنصتوا) الدعوة(فلماقضي ولواإلى قومهم منذرين) ( إن الله لايهدي القوم الظالمين ) لاتنتظر الهداية من الله وأنت ظالم لخلقه طهر نفسك من الظلم لتبصر وتهتدي . قل أرأيتم ما تدعون من دون الله. قال القرطبي: هذه الآية فيها بيان مسالك الأدلة بأسرها العقلية والنقلية. (ماخلقنا السموات والأرض إلا بالحق وأجل مسمى …) إنزال كتابه متضمن للأمر والنهي ثم ذكر الخلق فجمع بين الخلق والأمر “ولواإلى قومهم مُنذرين” مع أن أصل خلقة الجن تأبى الهدى إلا أن منهم من اهتدى حين أنصت للقرآن بصدق،بل وأصبح داعية له! (فما أغنى سمعهم وﻻأبصارهم وﻻأفئدتهم من شيء إذكانوا يجحدون) أي نعمة ﻻتقربك إلى الله فهي نقمة (حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً) ومع كل ذلك تحبه وتخاف عليه فسبحان من رزقها الصبر وغمر قلبها بالحب. كل الناس سيؤمنون! لكن يتميز المؤمن بأنه يؤمن بالغيب والكافر يؤمن إذا رآى النار (قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا) (وأصلح لي في ذريتي) صلاحك مع والديك سبيل لصلاح ذريتك لك. والجزاء من جنس العمل. {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} كثرة النعم ليست علامة النجاة لذا الرسل عندما يرون الاعراض يعلمون بقرب العذاب العاقل من يتعظ بغيره،والجاهل من يتعظ بنفسه. (ولقدأهلكناماحولكم من القرى وصرّفناالآيات لعلهم يرجعون) لا أضل في الحياة من أحد يدعوا من لا يستجيب له { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة } ﴿أم يقولون افتراه …كفى به شهيدا بيني وبينكم ﴾ أيها الدعاة لاتبالوا بأوصاف أهل الباطل لكم فهذا خير البشر لم يسلم ! بعض الناس يثقل عليه الجلوس مع أمه ساعه وينسى أن أمه حملته(كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًاوَحَمْلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهْرًا﴾ حُرموا نعمة الهداية، فعللوا أنفسهم قائلين : “لو كان خيرا ما سبقونا إليهيا ولي الإسلام ثبتنا عليه حتى نلقاك {..وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ..} العبرة ليست فقط بتقييمك أن العمل صالح لكن أن يكون العمل مرضيًا عند جل وعلا (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم)الاستمتاع الحقيقي في الجنةفهناك الحياة الطيبةوالهناءوالسعادة التي لا تزول {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق…} لمّا استكبروا هنا استحقوا عذاب الهون هناك. بقدر إعراضك في الدنيا عن دلائل التوحيد والربوبية وعن قبول الحق يكون عرضك على النار (ويوم يعرض الذين كفروا على النار) (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ) من الإحسان للوالدين أن نشكر الله على ما أنعم به عليهما من نعمه (كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) تهديد ووعيد (وهو الغفور الرحيم) لا يغلق باب التوبة على أحد من خلقه سبحانه ما أرحمه! إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الإقرار بالربوبية (ربنا) ثم العبوديه(الله) ثم استقامواسبقت ب(ثم) ( العبادة طريق الإستقامة) (فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُم إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) من أعظم الظلم التكبّر عن قبول الحق! ” اولئك الذين نتقبل عنهم احسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ” هذا هو المنهج الامثل للتعامل مع اخواننا في الله الذين يخالفوننا الرأي ( حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ) هذه المرحلة مظنة الإنشغال عن الوالدين فجاء التنبيه بحسن رعايتهما (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)فيه إرشادلمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها.ابن كثير {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} ليس المهم فقط أن تبادر بالعمل الصالح بل الأهم أن يكون العمل صالحًا ويرضاه الله عزوجل نصلي ولا نضمن القبول نعصي ولا نضمن المغفرة والضمان لذلك: بر الوالدين (نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. ونتجاوز عن سيئاتهم) من العجيب حرص مؤمني الجن على الدعوة إلى توحيد الله! (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ) ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ….جزاء بما كانوا يعملون﴾ العمل الصالح من لوازم الإيمان والاستقامة ودلائلها وعليه الجزاء. ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ من الصوارف عن الهدى العجب بالنفس ( فاصبر كما صبر أولوا العزم ) صبرك على الابتلاءات والمصائب وعلى الدعوة ، لن يضيع سدى والله لم يضع للصبر حد لعظمة أجره. ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ الدنياعلى حقارتها هي جنة الكافر وبها تنتهي سعادته. القرءان الكريم بشهادة من الجن بعدما سمعوه أنه يهدي للحق والصراط المستقيم. فيا طالب الحق والهدى تمسك به. (بلى إنه على كل شيء قدير ) بلى زيادة في التأكيد أن ربي قادر على تحقيق أمانيتك فجد بالدعاء (يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم ) أخذ القرآن؛ هو نجاة من النار والفوز بالجنة ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم بها ) رسالة وتقريع وتنبيه بأن لا تأخذنا زينة الدنيا عن التعبد لله. (و ليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون) إحسانك للغير ، وتحملك الأذى منهم والصبر عليهم، والسعي في قضاء حوائجهم . لن يضيع عند الله (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون،أولئك أصحاب الجنة)استقامتك في الحياة هي نجاة من الحزن والفوزبالجنة ليس كل ماتراه من النعم هي حقاً نعم قد تكون نقم ( فلما رأوه عارضا) الآية ومن استقام على دين الله وثبت وجاهد وصبر سيكون جزائه..(فلاخوف عليهم ولاهم يحزنون) ﴿إِنَّ الَّذينَ قالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقاموا الإيمان بالله والإستقامة على دينه، من أعظم المنجيات في الدنيا والأخرة. ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا..﴾من أنواع العذاب يوم القيامة العذاب النفسي فهذا تبكيت لهم وتقريع ﴿ولكل درجات مماعملوا..وهم لا يظلمون﴾ درجات الجنة ونعيمها بحسب العمل فلايستوي عند الله السابقون بالخيرات والظالون لأنفسهم بالمعاصي ﴿إن الذين قالواربنا الله ثم استقاموا ﴾ يقال للشخص مستقيم أصح من ملتزم؛ لأن الإلتزام قد تكون على منهج غير صحيح. ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ الإستقامة هي الحصانة من الخوف والحزن ومن ثم الفوز بالجنة. ﴿ولم يعىَ بخلقهن بقٰدر﴾ لم يعجزه خلق السموات والأرض،أليس بقادر أن يزيح هما من قلبك ويفرج كربة تعيش مرارتها،ويرسم ابتسامة تنتظرها؟. ﴿ فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ الاستكبار عن قبول الحق من الظلم للنفس وهوسبب للمنع من الهدى فلا ترد حقاً ( ووصينا الانسان بوالديه إحسانا ) مكانة بر الوالدين في الاسلام وخاصة الأم ﴿ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾ إعراض الناس عنك ليس دليلاً على خطئك. (صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن) صرفهم الله لسماع كلامه من مصطفاه فأصبحوا بعدها دعاه فيا مصرف القلوب صرّف قلوبنا لطاعتك ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً) قاست بسببه المشقة والتعب.. فالأم هي الحامل وهي المرضع وهي الحاضنة والساهرة والمربية والممرضة .. “فما أغنى عنهم سمعهم وﻻ أبصارهم وﻻ أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون ..” الفائدة الحقيقة من نعم الله هى رؤية آياته وشكرها وعدم جحودها عذاب ﷲ قد يأتيك من حيث لا تحتسب بل من حيث تحب فقوم عاد لم يرسل ﷲ لهم سحابا بل جعله متجها لأوديتهم ففرحوا فكان عذابهم (وأصلح لي في ذريتي ) تأمل كيف جعل صلاح الذرية من صلاح النفس؛لعظيم أثر الذرية على الإنسان في دنياه وآخرته من أيسر البر الدعاء للوالدين ومع ذلك كلنا ذاك المقصر (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كُنتُم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كُنتُم تفسقون ) الكِبر يورد أهله موارد الهلاك {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي} ادع لوالديك؛ فإن النعم التي تنالهم ستنال ذرياتهم، وأعظم النعم: نعمة الدين ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ أصلح(لي)؟! (لي)لأن في صلاحهم نفع له وأجر يمتد إليه بعد موته ويوم حسابه فاحرصوا ع صلاح أبنائكم “ليكفر الله عنهم أسوأالذي عملوا” لم يقل كل الذي عملوا،لأن الذنوب الكبيرةإذا غفرت فمن باب أولى باقي الذنوب.والله أعلم ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ برنامج إيماني للسعادة أدب الجنّ مع القرآن حين استمعوا له انصتوا (نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا) (فلما قضي ولوا إلى قومهم) من آداب الاستماع للقرآن عدم الانصراف قبل أن يقضى (وأن أعمل صالحا ترضاه) ليست العبرة أن تعمل صالحًا وإنما العبرة أن تعمل صالحا يرضاه الله عزوجل (هو أعلم بما تفيضون فيه) الإفاضة في الحديث هي الخوض فيه والإكثار منه.. مهما كثر وفاض فالله تعالى أعلم به منهم (يا قومنا أجيبوا داعي الله) أجيبوا داعي الله يجيب الله دعاءكم برحمته وفضله وإحسانه وأنت تتعامل مع والديك ضع نصب عينيك أمر الله تعالى لك (وبالوالدين إحسانًا) واحذر من أن تكون ممن (قال لوالديه أف لكما) (والذي قال لوالديه أف لكما) (ويلك آمن) حال كثير من بيوت المسلمين إلا من رحم ربي.. رب أصلح أولادنا وأحسِن لوالدينا (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) كيف يهتدي للحق من اتخذ ظلمات الكفر مشعلًا؟! (فلما حضروه قالوا أنصتوا) الاستماع والإنصات بطاقة دخولك إلى محراب الفيوضات الإلهية كم حضرتَ من المجالس فهل أنصتّ؟! (فلما قضي ولوا (إلى قومهم) منذرين) قبل أن تسارع للنشر على وسائل التواصل، توقف، قومك أولى بدعوتك ونصحك وإنذارك.. (فلما قضي ولوا إلى قومهم) من آداب الاستماع للقرآن عدم الانصراف قبل أن يقضى عما أنذروا، نذير، لينذر، إذ أنذر، منذرين.. كل هذه النذارات بلاغ (فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون)؟! (أو أثارة من علم) لا تحاجج من غير دليل أو بيّنة اسلاميات اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
#2 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() |
آية الذرية في سورة الأحقاف ومضامينها التربوية
قال الله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]. نستفيد من هذه الآية الكريمة مجموعة من التوجيهات التربوية المهمة وهي: الحرص على بر الوالدين، وأهمية التهيؤ والحذر لمن بلغ سن الأربعين، وأهمية صلاح الـوالدين، والتوبة والإنابة إلى الله من المعاصي والذنوب، والدعاء بصلاح الأولاد، وفيما يلي عرض لهذه التوجيهات: أولًا: الحرص على بر الوالدين: الأخذ بوصية الله تعالى بالحرص الشديد على بر الوالدين بكل وسيلة من وسائل البر: بتأمين حوائجهم، والتلطف معهم في الحديث؛ نظير ما عانوه من مشقة في تربية الأولاد. وهذا الموضوع مما اهتمت به الشريعة الإسلامية اهتمامًا كبيرًا في الكثير من التوجيهات: في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: "أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمـر بالإحسان إلى الوالدين، وجعل بر الوالدين مقرونًا بعبادته وحده جل وعــلا، والمذكور هنا ذَكَره في آيات أُخَرَ، وهي: قوله تعالى في: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [البقرة: 83]، وقوله تعـالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]، ويضيف الشيخ الشنقيطي القول: "إن الله تعالى بيَّن في موضع آخر أن برَّهما لازمٌ، ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15]، وقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ [العنكبوت: 8]، ثم يختم ذلك بقوله: "وذِكرُ الله تعالى في هذه الآيات بر الوالدين مقرونًا بتوحيده جل وعلا في عبادته - يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين". ومن وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم بالوالدين ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحُسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك))[1]. وهذا الموضوع المهم للغاية لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب الحديث، أو كتب الأدب والتربية قديمًا وحديثًا، بل إنهم يضعونه في أول الموضوعات؛ لمكانته وأهميته، ما يدل على أنه تجب العناية بهذا الموضوع من قِبل المؤسسات التربوية المختلفة، وغرسه في نفوس الناشئة والشباب، وبيان خطورة عقوق الوالدين، وأنها من كبائر الذنوب التي حذر منها الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك باللـه، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس، فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فمـا زال يقولهـا حتـى قلت: لا يسكت))[2]. ثانيًا: أهمية التهيؤ والحذر لمن بلغ سن الأربعين: تمضي بالإنسان السنون، وهو لا يشعر بها في كثير من الأحيان، وهو يُسوِّف بالاستقامة والعمل الصـالح، وهذا التسويف لا يجدي ألبتة؛ لأن الإنسان لا يعلـم متى يحين أجله؛ فالأجـل يأتي بغتة، وقد يكون في العمر متسع للتوبة النصوح وقد لا يكون، أما إذا أكرمه الله وبقي حتى سن الأربعين - وهي أشد المراحل العمرية أهمية؛ لبلوغ الإنسان فيها مرحلة النضج العقلي، الذي به يستطيع التمييز بين مـا يصلح له وما لا يصلح - فمن أعظم المصائب أن يبلغ الإنسان هذه السن دون أن يصحو من سكرته، ويفيق من غفوته، ويتوب إلى ربه قبل نزول الموت به. فإذا بلغ الإنسان الموفَّق الأربعين من عمره، طلب من الله أن يوفقه لشكر النعم عليه وعلى والديه، ونعم الإله جل وعلا على العباد كثيرة ووفيرة لا تعد ولا تحصى، فالمراد من الآية موضوع البحث الحث على شكر النعم، والإقرار للمنعم بها، والقيام بحق شكر الله سبحانه فيها، كما قال تعالى عن نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19]. ثالثًا: أهمية صلاح الوالدين: إن صلاح الوالدين له بركاته في الدنيا والآخرة على نفس الإنسان بالدرجة الأولى، فأما في الدنيا، فبالزوجة الصالحة، والرزق الواسع، والذرية المباركة، والمنزل الواسع، والثناء الحسن، والذكر الجميل. وهذا يؤكده ما جاء في قصة الخضر مع نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾ [الكهف: 80، 81]. يقول الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "وكان ذلك الغلام قد قُدِّر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا؛ أي: لحملهمـا على الطغيان والكفـر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه يحملهما على ذلك؛ أي: فقتلته؛ لاطلاعي على ذلك؛ سلامة لدين أبويـه المؤمنين، وأي فائـدة أعظم مـن هـذه الفائـدة الجليلـة؟ وهـو وإن كـان فيـه إساءة إليهمـا وقطع لذريتهما، فإن الله تعالى سـيعطيهما مـن الذرية ما هو خـير منـه؛ ولهـذا قال: ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾ [الكهف: 81]؛ أي: ولدًا صالحًـا، زكيًّا، واصلًا لرَحِمه، فإن الغلام الذي قُتل لو بلغ، لعقَّهما أشد العقوق؛ بحملهما على الكفر والطغيان". وإن الإنسان المسلم كلما ترقى في صلاحه وتقواه وورعه، نال من الله الدرجات العلا في الدنيا، وما أعده الله تعالى للصالحين من عباده في الآخرة أعلى وأعظم؛ فحينئذ يجب على المسلم الحرص الشديد على طاعة ربه والتزام أوامره واجتناب نواهيه. رابعًا: التوبة والإنابة إلى الله تعالى من المعاصي والذنوب: لا يوجد إنسان لا يخطئ ويذنب - ما عدا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فقد عصمهم الله من الخطأ والزلل - وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقـال: ((كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطائين التوابون))؛ سنن الترمذي، حديث رقم: 2499، كتاب: صفة القيامة، باب: في استعظام المؤمن ذنوبه. والمضامين الشرعية من القرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا الموضوع كثيرة جدًّا، وليس هذا مجال بسطها، ولكن هدفنا هنا التذكير بأهمية التوبة والاستغفار في حياة المسلم، فالله تعالى تواب رحيم يقبل توبة عباده، ويفرح بها سبحانه وتعالى مهما بلغت درجة ذنوبهم وعصيانهم، ولعل ذكر شيء من المضامين الشرعية التي تحض على التوبة يذكرنا والقارئ الكريم بأهميتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8]، وفي الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأَيِسَ منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخِطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح))؛ صحيح مسلم، حديث رقم: 6960، كتاب: التوبـة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها. وإنني أؤكد هنا تأكيدًا جازمًا أن مَن كان بالله أعرف،كان منه أخوف؛ فمن عرف الله حق المعرفة بأنه الخالق، المدبر، القادر، الغفور الرحيم، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، بيده ملكوت السماوات والأرض، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، فلن يجرؤ إنسان - كائنًا من كان - على عصيانه، بل يكون شديد الحرص على كسب مرضاته وطاعته، وإن عرض له عارض من زلة أو معصية، تذكَّر الله تعالى فعاد إليه فورًا تائبًا نادمًـا، قـال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]. خامسًا: الدعاء بصلاح الأولاد: إن الدعاء عبادة عظيمة يتجلى فيها الافتقار والخضوع والحاجة لله جل وعلا، وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلـم قولـه: ((الدعاء هو العبادة))؛ سنن أبي داود، حديث رقم 1479، كتاب: الوتر، باب: الدعاء - ثم إن الدعاء بحـول الله تعالى يرد الشر، ويستعجل الخير، قـال رسول الله صلى الله عليـه وسلم: ((لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرم الرزق بخطيئة يعملها))؛ سنن ابن ماجـة، حديث رقم: 90، كتاب: السنة، باب: في القدر. وإن الله تعالى لا يرد من دعاه وتوجـه إليه بصدق؛ فهو الكريم الجواد اللطيف بعباده، وقد تأكد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. فالأهم أن ندعو الله تعالى، ونصدق في دعائه، فالإجابة مضمونة؛ لأنه سبحانه وعد بهـا، ومَن أصدق من الله تعالى وعدًا ووفاءً؟ وأفضل ما يسأله المسلم من ربه جل وعلا أن يجعله من الموحدين له تعالى قولًا وسلوكًا، وأن يسأل ربه جل وعلا صلاح ذريته؛ لأن صلاحهم مطلب كل والدين ينشدان الخير، والاستقامة لأولادهم وأولاد أولادهم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولقد سمعت أذناي أكثر من مرة آباء يدعون لأولادهم بالهداية والصلاح بعد أن تلقفتهم الشهوات، وأصدقاء السوء والعياذ بالله؛ فانحرفوا عن جادة الطريق، وبعد مناجاة وإلحاح وقرب من الله تعالى، رأيت هؤلاء الأولاد قد عادوا إلى الطريق المستقيم؛ فحافظوا على الصلوات، وبروا والديهم، ووصلوا أرحامهم، وأكملوا مشوارهم العلمي والعملي. فاحرص أيها الأب وأيتها الأم على هذا التوجيه المبارك؛ فله من الخير والبركة ما لا يخطر في بالكما. ونضيف إلى ما سبق قصة أوردها الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره تُبيِّن أهمية الدعاء بعامة، والدعاء بهذه الآية بخـاصة، فقال: "قال مالك بن مغول[3]: اشتكى أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مُصرف[4]، فقال: استعنْ عليه بهذه الآية وتلا: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]". [1] صحيح مسلم، حديث رقم: 6500، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: بر الوالدين وأيهما أحق. [2] صحيح البخاري، حديث رقم: 5976، كتاب: الأدب، باب: عقوق الوالدين من الكبائر. [3] محـدث، ثقة، ثبت، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي. [4] تابعي، يسمى: سيد القراء، انظر: طبقات القراء لابن الجزري. د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي شبكة الالوكة |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تدبر سورة الإسراء | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 4 | 04-15-2026 01:09 AM |
| تدبر سورة الحجر | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 2 | 04-12-2026 09:46 PM |
| تدبر سورة النحل (٧٠ تدبر) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 10-09-2025 03:29 PM |
| (دروس وفوائد كثيرة من آية عجيبة في سورة الأحقاف) معظمها عن بر الوالدين | امانى يسرى محمد | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 09-22-2025 05:53 PM |
| المصحف المعلم للأطفال سورة الأحقاف بصوت الشيخ خليفة الطنيجي من تصميمي | salemkarem200 | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 3 | 10-28-2015 01:58 PM |
|
|