![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
أهمية النية في تحقيق الإخلاص المطلب الأول: حقيقة النية، وأهميتها، وأنواعها. النية في الإسلام أمرها عظيم، وهي روح الأعمال، وبها صلاح الأعمال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»([1]) “والنية محلها القلب، فلو لفظ بلسانه غلطا خلاف ما في قلبه فالاعتبار بما ينوي لا بما لفظ، قال النووي رحمه الله تعالى: “أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصحته…” ثم قال: “قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم: لفظة (إنما) موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث: إن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية”([2]). وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: وقوله بعد ذلك: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به، فإن نوى خيرا حصل له خير، وإن نوى به شرا حصل له شر، وليس هذا تكريرا محضا للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة، فيكون العمل مباحا، فلا يحصل له ثواب ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه، المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب النية التي بها صار العمل صالحا، أو فاسدا، أو مباحا وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: “النية قصد فعل الشيء، فكل عازم على فعل فهو ناويه([3])، لا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها، فلا يمكن عدمها في حال وجودها، فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، لا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل، ولو أراد إخلاء أفعاله الاختيارية عن نيته لعجز عن ذلك، ولو كلفه الله عز وجل الصلاة والوضوء بغير نية لكلفه ما لا يطيق، ولا يدخل تحت وسعه([4])، ويجب التنبه هنا إلى أمر هام أن النية لا تحول المعصية لعمل صالح؛ والحديث يدل على أن الأعمال لا تصح إلا مع وجود النية، وأن النية تؤثر في العمل، فتحول المباح إلى قربة وطاعة، وتحول الطاعة إلى معصية، كمن يفعلها رياء وسمعة أو لأجل الدنيا، لكنها لا تحول المعصية إلى مباح كما يظن ذلك بعض الناس، قال الغزالي في انقسام الأعمال إلى: “معاص، وطاعات، ومباحات، وتأثير النية في ذلك: القسم الأول: المعاصي، وهي لا تتغير عن موضعها بالنية، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام: “إنما الأعمال بالنيات” فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية، كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يطعم فقيرا من مال غيره، وقصده الخير، فهذا كله جهل، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما وعدوانا ومعصية، بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع، شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص بجهله؛ إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم، إلى أن قال: فإذن قوله عليه السلام: “إنما الأعمال بالنيات” يختص من الأقسام الثلاثة بالطاعات والمباحات دون المعاصي؛ إذ الطاعة تنقلب معصية بالقصد، والمباح ينقلب معصية وطاعة بالقصد، فأما المعصية فلا تنقلب طاعة بالقصد([5])“ تعريف النية: عرفت النية بالإخلاص، بينما “الإخلاص أمرا زائدا على النية، لا يحصل بدونها، وقد تحصل بدونه([6])، ولكن الإخلاص هو تلك النية المتجهة لله وحده دون سواه، والنية قد تكون كذلك وقد لا تكون. ويرى آخرون أن النية هي تلك الإرادة التي تقصد الفعل، أما الإخلاص فهو تلك التي تقصد الوجه بالفعل إلى الله، فقد قيل إن الفرق بين النية والإخلاص هو أن النية تتعلق بفعل العبادة، وأما إخلاص النية في العبادة فيتعلق بإضافة العبادة إلى الله تعالى([7]). والحق الذي تدل عليه الأدلة أن النية تطلق ويراد بها قصد العبادة، ويراد بها قصد المعبود، بل دلالة النية على المعنى الثاني أوضح وأظهر كما في الحديث «إنما الأعمال بالنيات»([8])، وبذلك يصح قول من قال: “وإخلاص الدين هو النية([9])“، وتخصيص النية بالإرادة المتوجهة إلى العبادة لا يعدو أن يكون اصطلاحا خاصا لبعض العلماء، أما لغة العرب ونصوص السنة فلا تدلان على تخصيصها بذلك، والنية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالا أو مالا([10]). فالنية محط نظر الله من العبد، والعباد يبعثون على نياتهم، فالنية هي نواة الصلاح وبذرة القبول، وأعمال العباد مرهونة بصلاح النوايا، وحظ العامل من عمله نيته، فإن كانت صالحة فعمله صالح وله أجره، حتى وان لم يفعله، ما دام عازما قاصدا، قال صلى الله عليه وسلم: “من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح -طلع الفجر وما قام الليل ما صلى ركعة- قال: كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه عز وجل”([11]) وإن كانت فاسدة فعمله فاسد وعليه وزره، وصلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية. قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-:” الإخلاص لله في العبادة معناه: ألا يحمل العبد إلى العبادة إلا حب الله تعالى وتعظيمه ورجاء ثوابه ورضوانه، ولهذا قال الله تعالى عن محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) ﮌ ®/ 29 ([12]) فالمؤمن يعمل لله، ثم تأتي الدنيا تبعا، وهذا من ثمرة إخلاصه وعمله، لأن الله يجازيه بحسنتي الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ﮌ l/ 97 فهذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت”([13])، وقال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ﮌ À/ 2، 3 وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”([14])، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “من لم تكن نيته صالحة، وعمله عملا صالحا لوجه الله، كان عمله فاسد، باطل، كما قال تعالى: (إن سعيكم لشتى) ﮌ الليل 4، هذه الأعمال كلها باطلة من جنس أعمال الكفار ([15])” فمن أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، فلا بد أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء([16]). فضل النية: للنية فضل عظيم يبلغ المرء بها مالا يبلغه بعمله، وتوصله إلى الخلود بالجنة أو النار، لذا اهتم العلماء بالنيات، فهي المحول العجيب للثواب والجزاء، وتربي الإنسان على اليقظة، فشرف النية بموجدها، والنية إذا كانت صالحة ولم ينبثق عنها متابعة للشرع وامتثال للأوامر واجتناب للنواهي فلا قيمة لهذه النية. أهمية النية: وللنية أهمية كبيرة في حياة الإنسان، في العبادات والمعاملات، وفي حياة المسلمين أجمعين، وأهميتها تكون كالآتي: 1- النية تحول المباحات إلى طاعات وقربات، فلهذا ينبغي العناية والاهتمام بها، وجعلها لله تعالى، خالصة من شوائب الرياء والسمعة ولا شك أن تصحيح النية، واستحضارها في بداية العمل، من أعظم ما ينبغي أن يشتغل به العابد، فإن عليها مدار قبول العمل أو رده، وعليها مدار صلاح القلب أو فساده؛ فإن القلب لا يصلح إلا بأن يكون عمله وسعيه لله خالصا مما سواه. 2- يتعدد الأجر بتعدد النية في العمل الواحد، فإذا دخل المسلم المسجد متوضئا، فصلى ركعتين ينوي بهما سنة الفجر، وسنة الوضوء، وسنة تحية المسجد، حصل له أجر ما نوى، والله ذو الفضل العظيم. قال النووي رحمه الله تعالى: “لو أحرم بصلاة ينوي بها الفرض وتحية المسجد صحت صلاته وحصل له الفرض والتحية جميعا”([17]). وقال الغزالي([18]): “الطاعات.. مرتبطةٌ بالنيات في أصل صحتها، وفي تضاعف فضلها. أما الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية. وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثوابٌ إذ كل واحدة منها حسنة ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر. ومثاله: القعود في المسجد، فإنه طاعةٌ ويمكن أن ينوي فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين، ويبلغ به درجات المقربين. أولها: أن يعتقد أنه بيت الله، وأن داخله زائر الله فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور أن يكرم زائره». وثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة. وثالثها الترهب بكف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات، فإن الاعتكاف كف، وهو في معنى الصوم وهو نوع ترهب. ورابعها: عكوف الهم على الله، ولزوم السر للفكر في الآخرة، ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد. وخامسها: التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به. وسادسها: أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر، إذ المسجد لا يخلو عمن يسئ في صلاته أو يتعاطى مالا يحل له. وسابعها: أن يستفيد أخا في الله. وثامنها: أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى، وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة. فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات والمباحات، إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة، وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير، وتشمره له، وتفكره فيه، فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات” انتهى. وقال الشيخ ابن باز رحمه الله: “إذا توضأ الإنسان صلى ركعتين ينويهما سنة الوضوء، وإذا دخل المسجد بعد الوضوء صلى ركعتين ينويهما سنة التحية وسنة الوضوء، يحصل له الأجر، أجر سنة الوضوء وأجر تحية المسجد والحمد لله، فضل الله واسع، وإذا صلاها بنية راتبة الظهر، توضأ ودخل المسجد ونوى سنة الظهر وسنة الوضوء وتحية المسجد حصل له ذلك، والحمد لله”([19]). أنواع النيات: النية نوعان: نية مفروضة، ولا تصح العبادة إلا بها، ونية مستحبة، لتحصيل الأجر والثواب، وهذه التي يغفل عنها بعض الناس، وهي استحضار النية في المباحات، لتكون طاعات وقربات، كأن يأكل ويشرب وينام بنية التقوي على الطاعة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك»([20])، وقال معاذ رضي الله عنه: «أما أنا فأنام وأقوم فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي”([21])، فكان رضي الله عنه يحتسب الأجر في النوم، كما يحتسبه في قيام الليل، لأنه أراد بالنوم التقوي على العبادة والطاعة. والذي يعين على استحضار هذه النية: التأني والتدبر وعدم العجلة، فيفكر الإنسان فيما يأتي ويذر، ويحاسب نفسه قبل العمل، فينظر هل هو حلال أو حرام، ثم ينظر في نيته: ماذا أراد بذلك؟ فكلما حاسب نفسه، وعودها النظر قبل العمل، كلما كان ذلك ادعى لتذكره أمر النية، حتى يصير ذلك ملكة له، وعادة يعتادها، فلا يخرج ولا يدخل، ولا يأكل ولا يشرب، ولا يعطي ولا يمنع، إلا وله نية في ذلك، وبهذا تتحول عامة أوقاته إلى أوقات عبادة وقربة. والنية المؤثرة تختلف في الفعل، فتصير تارة حراما، وتارة حلالا، وصورته واحدة، فإن كانت نية العامل خالصة لله، فهذا العمل عملٌ صالح، وإن كانت نية العامل غير خالصة لوجه الله، فهذا عملٌ فاسد وإن كانت صورته صورة عمل صالح، كالذبح مثلا، فإنه يحل الحيوان إذا ذبح لأجل الله، ويحرمه إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة، والرجل يشتري الجارية لموكله فتحرم عليه، ولنفسه فتحل له، وصورة العقد واحدة، وقال ابن القيم في كتاب الروح: “الشيء الواحد تكون صورته واحدة، وهو ينقسم إلى محمود ومذموم، فمن ذلك التوكل والعجز، والرجا والتمني، والحب لله والحب مع الله، والنصح والتأديب، وحب الدعوة إلى الله وحب الرياسة، وعلو أمر الله والعلو في الأرض، والعفو والذل، والتواضع والمهانة، والموجدة والحقد، والاحتراز وسوء الظن، والهدية والرشوة، والإخبار بالحال والشكوى، والتحدث بالنعم شكرا والفخر بها، فإن الأول من كل ما ذكر محمود، وقرينه مذموم، والصورة واحدة، ولا فارق بينهما إلا القصد” ([22]). وقال النبي -r-: «من تعلم علما ما يبتغى به وجه الله -r- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني ريحها»([23]). وعن جابر – رضي الله عنه – يرفعه: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار»([24]). وقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: «لا تعلموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه»([25]). فتختلف نتيجة العمل على حسب العمل وليس على صورته فأن العبرة ليست في صورة العمل، فربما يكون من يتصدق بشيء قليل مع نية صالحة ينال به أجرا عظيما، كما قال r: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة”، فالعمل القليل مع الإخلاص يكون كثيرا، وربما يكون العمل كثيرا لكن فائدته قليلة أو ليس فيه فائدة أصلا نظرا لنية عامله، ولهذا يقول r: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، فمحل نظر الله ´ إلى القلوب والأعمال؛ أعمال القلوب من المقاصد والنيات، وأعمال الجوارح أيضا، فالعبرة ليست بصورة العمل وإنما هي بنية العامل. قال رسول الله -r-: «تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض»([26])، ففي الحديث دليل على الفرق بين العبد الذي يعمل لوجه الله والعبد الذي يعمل لأجل الدنيا، لأنه ذكر عبدين: واحدا يعمل لأجل الدنيا وواحدا يعمل لأجل الآخرة، فالذي يعمل لأجل الدنيا إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض، هذه علامته، بخلاف المؤمن فإنه لا يؤثر عليه العطاء وعدم العطاء للإيمان الذي في قلبه، فالحديث فيه: الفرق بين من يعمل من أجل الله ومن يعمل لأجل الدنيا، فالذي ليس له هم إلا الدنيا قد تنقلب عليه الأمور، ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية وهي الشوكة، بخلاف الحازم أذي لا تهمه الدنيا، بل أراد الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا، وقنع بما قدره الله له. نجد النبي r سمي العبد الذي يعمل من أجل مطامع الدنيا عبدا لها، وهذا يقتضي الشرك، ولكنه في حق المؤمن لا يكون شرك ما لم يصل بها إلى حد الشرك، ولكنها نوع آخر يخل بالإخلاص، لأنه جعل في قلبه محبة زاحمت محبة الله –عز وجل– ومحبة أعمال الخير ([27])، فينقص توحيده ويبطل أعماله التي خالطها هذا القصد السيء، لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لعمل الدنيا. ولهذا تكفل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: “من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ([28])“. التوكل يجمع الأمرين، فالتوكل يجمع شيئين: الاعتماد على الله، والإيمان بأنه مسبب الأسباب، وأن قدره نافذ، وأنه قدر الأمور وأحصاها وكتبها، وتعاطي الأسباب. والأسباب هي جميع الخلق ومسببها؛ وهو الله خالقها ومقدرها، والإسلام ليس فيه اعتماد المسلم على الأسباب مع غض الطرف عن مسببها، وليس فيه قطع الأسباب والتخلي عنها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رضي الله عنه-: “ومما ينبغي أن يعلم: ما قاله طائفة من العلماء، قالوا: ” الالتفات إلى الأسباب: شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع، وإنما التوكل، والرجاء: معنى يتألف من موجب التوحيد، والعقل، والشرع[29] وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، ورجاؤه، والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا ؛ لأنه ليس مستقلا، ولا بد له من شركاء، وأضداد، ومع هذا كله: فإن لم يسخره مسبب الأسباب: لم يسخر، فعلى العبد أن يكون قلبه معتمدا على الله، لا على سبب من الأسباب، والله ييسر له من الأسباب ما يصلحه في الدنيا والآخرة، فإن كانت الأسباب مقدورة له، وهو مأمور بها: فعلها، مع التوكل على الله، ومن ترك الأسباب المأمور بها: فهو عاجز، مفرط، مذموم([30]) ولا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه، وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه، والطمع في بره: نصب عينيه، وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء، فإن الله يقول على لسان نبيه: “أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله”([31]) وحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، إنه سمع نبي الله r يقول: “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا”([32]). وأن ما يصيب الإنسان من هم وغم: إنما هو بسبب معاص هو مرتكبها؛ فإن الله تعالى قد يعجل بالعقوبة لمن كانت هذا حاله، قال الإمام ابن قيم الجوزية -رضي الله عنه-: “ومن عقوباتها – أي: المعاصي والذنوب -: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب، والخوف في قلب العاص، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا، فإن الطاعة حصن الله الأعظم”([33]). المطلب الثاني: شروط العبادة وأنواع الشرك: خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه، ومحبته، والإخلاص له، وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه، وتألههم له؛ كحاجتهم وأعظم في خلقه لهم وربوبيته إياهم، فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم وبذلك يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح، ولا نعيم، ولا لذة بدون ذلك بحال، بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا، ولكي تكون العبادة مقبولة لها شروط “من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد”([34]) لا قوام للعبادة إلا بها؛ النية الخالصة وموافقة السنة شرط في قبولها، فلا تكون عبادة مقبولة إلا باجتماعها، فإخلاص النية بدون إخلاص فيه يكون شركا أكبر أو أصغر بحسب ما نقص من الإخلاص، فإن كان الباعث على العمل من أصله هو إرادة غير الله فنفاق، وإن كان دخل الرياء في تزيين العمل وكان الباعث عليه أولا إرادة الله والدار الآخرة كان شركا أصغر بحسبه حتى إذا غلب عليه التحق بالأكبر، لذا نجد كثيرا من المسلمين يقع في الشرك مع كونه يصلي، وقد بين ذلك النبي ‘ فيما عن أبي سعيد، قال: ” خرج علينا رسول الله ‘ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: “ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟، قال: قلنا: بلى، فقال: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل”([35]) فقد يقع المرء في الشرك وهو يصلي، من حيث يدري، أو لا يدري !!وأن الإنسان إذا أراد بعمله الصالح الدنيا ولم تخطر الآخرة له على بال: لم يصح عمله، ولم يقبل منه، حتى يريد به وجه الله، وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب”([36])، لذا من الواجبات المحتمات، ومن أهم المهمات؛ أن يعرف العبد معنى الشرك وخطره وأقسامه حتى يتم توحيده، ويسلم إسلامه، ويصح إيمانه، فما هو الشرك حقيقته، وما هي أقسامه؟. الشرك في اللغة: اتخاذ الشريك يعني أن يجعل واحدا شريكا لآخر، يقال: أشرك بينهما إذا جعلهما اثنين، أو أشرك في أمره غيره إذا جعل ذلك الأمر لاثنين([37]). وأما في الشرع: اتخاذ الشريك أو الند مع الله جل وعلا في الربوبية أو في العبادة أو في الأسماء والصفات([38]). والند هو: النظير والمثيل؛ لذا نهى الله تعالى عن اتخاذ الأنداد وذم الذين يتخذونها من دون الله في آيات كثيرة من القرآن فقال تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) ﮌ ^ / 22 وفي الحديث أن النبي قال: “من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار”([39])([40]. أقسام الشرك: دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الشرك قد يخرج من الملة، وقد لا يخرج من الملة، ولذا اصطلح العلماء على تقسيمه إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وهذا تعريف مختصر لهما. الشرك الأكبر: أن يصرف لغير الله ما هو محض حق الله من ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهذا الشرك تارة يكون ظاهرا: كشرك عباد الأوثان والأصنام وعباد القبور والأموات والغائبين، وتارة يكون خفيا: كشرك المتوكلين على غير الله من الآلهة المختلفة، أو كشرك وكفر المنافقين؛ فإنهم وإن كان شركهم أكبر يخرج من الملة ويخلد صاحبه في النار؛ إلا أنه شرك خفي، لأنهم يظهرون الإسلام ويخفون الكفر والشرك فهم مشركون في الباطن دون الظاهر؛ كما أن هذا الشرك تارة يكون في الاعتقادات؛ كاعتقاد أن هناك من يخلق أو يحي أو يميت أو يملك أو يتصرف في هذا الكون مع الله تعالى([41])، أو اعتقاد أن هناك من يطاع طاعة مطلقة مع الله، فيطيعونه في تحليل ما شاء وتحريم ما شاء ولو كان ذلك مخالفا لدين الرسل، أو الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب مخلوقا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك الذي قال الله فيه: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ۖ) ﮌ ^ / 165 أو اعتقاد أن هناك من يعلم الغيب مع الله ([42])، وتارة يكون في الأقوال، كمن دعا أو استغاث أو استعان أو استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ؛ سواء كان هذا الغير نبيا أو وليا أو ملكا أو جنيا، أو غير ذلك من المخلوقات، فإن هذا من الشرك الأكبر المخرج من الملة، كمن استهزأ بالدين، وقد يكون بالأفعال؛ كمن يذبح أو يصلي أو يسجد لغير الله، أو يسن القوانين التي تضاهي حكم الله ويشرعها للناس، ويلزمهم بالتحاكم إليها، وكمن ظاهر الكافرين وناصرهم على المؤمنين، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي أصل الإيمان، فهذا كله من الشرك الأكبر والذنب العظيم الذي لا يغفر، وتخرج فاعلها من ملة الإسلام، نسأل الله عفوه وعافيته([43]). الشرك الأصغر: وهو كل ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، أو ورد في النصوص أنه شرك، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، وهذا يكون في الغالب من جهتين: من جهة التعلق ببعض الأسباب التي لم يأذن الله جل وعلا بها، كتعليق الكف والخرز ونحو ذلك على أنها سبب للحفظ أو أنها تدفع العين والله تعالى لم يجعلها سببا لذلك لا شرعا ولا قدرا، ومن جهة تعظيم بعض الأشياء التعظيم الذي لا يوصلها إلى مقام الربوبية، كالحلف بغير الله، وكقول: لولا الله وفلان، وأشباه ذلك([44]). وقد وضع العلماء ضوابط وقواعد يتميز بها الشرك الأكبر عن الأصغر عند وروده في النصوص الشرعية فمن هذه الضوابط: أن ينص النبي r صراحة على أن هذا الفعل من الشرك الأصغر. أن يرد لفظ الشرك في نصوص الكتاب والسنة منكرا. أن يفهم الصحابة من النصوص أن المراد بالشرك في هذا الموضع هو الأصغر دون الأكبر، ولا شك أن فهم الصحابة معتبر، فهم أعلم الناس بدين الله -عز وجل-، وأدراهم بمقصود الشارع. أن يفسر النبي r لفظ الشرك أو الكفر بما يدل على أن المقصود به الأصغر وليس الأكبر([45]). والشرك الأصغر تارة يكون ظاهرا كلبس الحلقة والخيط والتمائم ونحو ذلك من الأعمال والأقوال، وتارة يكون خفيا كيسير الرياء، كما أنه تارة يكون بالاعتقادات، كأن يعتقد في شيء أنه سبب لجلب النفع ودفع الضر ولم يجعله الله سببا لذلك، أو يعتقد في شيء البركة، والله لم يجعل فيه ذلك، وتارة يكون بالأقوال، كمن قال مطرنا بنوء كذا وكذا؛ دون أن يعتقد أن النجوم هي التي تستقل بإنزال المطر، _لأنه متى ما اعتقد انها تستقل بأنزال المطر تحول إلى شرك اكبر_، أو حلف بغير الله دون أن يعتقد تعظيم المحلوف به ومساواته لله، أو قال ما شاء الله وشئت، وتارة يكون بالأفعال، كمن يعلق التمائم أو يلبس حلقة أو خيطا ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، لأن كل من أثبت سببا لشيء والله لم يجعله سببا له شرعا ولا قدرا، فقد أشرك بالله([46]). وأما الفرق بينهما من حيث الحكم: فهو أن الشرك الأكبر مخرج من الإسلام، فيحكم على فاعله بالخروج من الإسلام والارتداد عنه فيكون كافرا مرتدا، وأما الشرك الأصغر فلا يخرج من الإسلام، بل قد يقع من المسلم ويبقى على إسلامه، غير أن فاعله على خطر عظيم([47]). المطلب الثالث: محل النية، ومكانها من العلم والعمل. يظهر لنا أن محل النية القلب، فقد عرفها بعضهم بأنها “عزيمة القلب”، أو “وجهة القلب”، أو “قصده”، أو “انبعاثه” وقد نقل ابن تيمية([48])، اتفاق علماء الشريعة على أن القلب محل النية، فإن نوى بقلبه ولم يتكلم بلسانه أجزأته النية باتفاقهم وقد خرج بعض أصحاب الشافعي وجها من كلام الشافعي غلط فيه على الشافعي: فإن الشافعي إنما ذكر الفرق بين الصلاة والإحرام بأن الصلاة في أولها كلامٌ فظن بعض الغالطين أنه أراد التكلم بالنية وإنما أراد التكبير والنية تتبع العلم فمن علم ما يريد فعله فلا بد أن ينويه ضرورة كمن قدم بين يديه طعاما ليأكله فإذا علم أنه يريد الأكل فلا بد أن ينويه وكذلك الركوب وغيره، بل لو كلف العباد أن يعملوا عملا بغير نية كلفوا ما لا يطيقون، فإن كل أحد إذا أراد أن يعمل عملا مشروعا أو غير مشروع فعلمه سابقٌ إلى قلبه وذلك هو النية وإذا علم الإنسان أنه يريد الطهارة والصلاة والصوم فلا بد أن ينويه إذا علمه ضرورة وإنما يتصور عدم النية إذا لم يعلم ما يريد مثل من نسي الجنابة واغتسل للنظافة أو للتبرد أو من يريد أن يعلم غيره الوضوء ولم يرد أنه يتوضأ لنفسه أو من لا يعلم أن غدا من رمضان فيصبح غير ناو للصوم([49]). وأما المسلم الذي يعلم أن غدا من رمضان وهو يريد صوم رمضان فهذا لا بد أن ينويه ضرورة ولا يحتاج أن يتكلم به وأكثر ما يقع عدم التبييت والتعيين في رمضان عند الاشتباه مثل من لا يعلم أن غدا من رمضان أم لا فينوي صوما رمضان مطلقا أو يقصد تطوعا ثم يتبين أنه من رمضان ولو تكلم بلسانه بشيء وفي قلبه خلافه كانت العبرة بما في قلبه لا بما لفظ به ولو اعتقد بقاء الوقت فنوى الصلاة أداء ثم تبين خروج الوقت أو اعتقد خروجه فنواها قضاء ثم تبين له بقاؤه أجزأته صلاته بالاتفاق، ومن عرف هذا تبين له أن النية مع العلم في غاية اليسر لا تحتاج إلى وسوسة وآصار وأغلال، ولهذا قال بعض العلماء: الوسوسة إنما تحصل لعبد من جهل بالشرع أو خبل في العقل. وقد تنازع الناس: هل يستحب التلفظ بالنية ؟ فقالت طائفةٌ من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: يستحب ليكون أبلغ، وقالت طائفةٌ من أصحاب مالك وأحمد: لا يستحب ليكون بل التلفظ بها بدعةٌ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لم ينقل عن واحد منهم أنه تكلم بلفظ النية لا في صلاة ولا طهارة ولا صيام قالوا لأنها تحصل مع العلم بالفعل ضرورة فالتكلم بها نوع هوس وعبث وهذيان، والنية تكون في قلب الإنسان ويعتقد أنها ليست في قلبه فيريد تحصيلها بلسانه وتحصيل الحاصل محالٌ فلذلك يقع كثيرٌ من الناس في أنواع من الوسواس([50]). وحالة القلب يكتنفها أمران: علم وعمل، العلم يقدمه، لأنه أصله وركنه، والعمل يتبعه، لأنه ثمرته وفرعه. فالنية حالة لا بد منها لإيجاد الفعل، والنية لها متعلقان: الأول: الفعل المراد تحقيقه، فالنية تجعله اختياريا كالهوي إلى السجود مثلا، فإنه تارة يكون بقصد، وتارة يسقط الإنسان على وجهه بصرعة أو صدمة. الثاني: المعنى الذي كان من أجله الفعل، والقصد يكون بمعنى العلة التي وجد الفعل من أجلها، فيكون القصد هنا الانبعاث لإجابة الداعي والباعث، فالذي يقوم مختارا قد يكون قصده القيام احتراما لإنسان قادم، وقد يقصد الوقوف تعظيما لله في الصلاة، وقد يقصد تناول شيء ما، فالقيام لا يخلو عن باعث يدعو إلى تحقيقه، فالقصد هنا إجابة ذلك الداعي المحرك إلى الفعل. والعلم لا بد منه كي يتحقق القصد بمعنييه، فالقصد إلى الفعل لا يكون ما لم يكن الفعل المراد معلوما، فالذي لا يعلم أن في الصلاة وقوفا وركوعا وسجودا كيف يتأتى منه أن يقصد ذلك؟. والقصد بمعنى الباعث يستدعي العلم أيضا، فإن الغرض إنما يكون باعثا في حق من علم الغرض، فمن لا يعلم معنى الاحترام والتعظيم لا يمكنه أن يقوم لغيره على نية الاحترام والتعظيم([51]). الأعمال الصادرة من المجنون والمعتوه والمخطئ والساهي والغافل والنائم لا يعتد بها إن كانت طاعات، ولا يعاقب عليها إن كانت معاصي، فالذي يستمع القرآن بغير قصد الاستماع لا يثاب على استماعه، والسامع للمحرم من الكلام من غير قصد لا عقوبة عليه([52]). المبحث الثاني: الأعمال بمقاصدها. المطلب الأول: أنواع الأعمال هناك أعمال أجورها عند الله عظيمة، ولكن لها حظوظ للنفس بالدنيا، كالاستغفار قال الله: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) ﮌ æ 10-12، فتختلف مقاصد الناس بعمل تلك الأعمال الصالحة فهناك من يعملها لوجه الله والرغبة في الجنة وما يقرب إليها، والهرب من النار وما يقرب منها، وصنف يبتغي وجه الله وثواب الدار الآخرة بالقصد الأول، استحضر الثواب الدنيوي والثواب الأخروي معا، وصنف يبتغي بعمله ونيته الدنيا من كل وجه ولا يريد وجه الله، وهذه تنقسم إلى أقسام([53]): القسم الأول: أن يكون العمل الذي عمله، واستحضر فيه ثواب الدنيا، وأراده ولم يرد ثواب الآخرة، لم يرغب الشرع فيه بذكر ثواب الدنيا، مثل: الصلاة، والصيام، ونحو ذلك من الأعمال والطاعات. والقسم الثاني: أعمال رتب الشارع عليها ثوابا في الدنيا، ورغب فيها بذكر ثواب لها في الدنيا، كصلة الرحم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه)، فهذا النوع إذا استحضر في عمله – حين يعمل هذا العمل – استحضر ذلك الثواب الدنيوي؛ وأخلص لله في العمل؛ ولم يستحضر الثواب الأخروي. القسم الثالث: أهل الرياء، الذين يعملون الأعمال لأجل الرياء. فلا يجوز أن يعمل الإنسان عبادة يبتغي بها غير وجه الله مهما كانت أجورها الدنيوية، وإلا فالعمل يحبط، فعلى العبد أن ينوي بعمله وجه الله، وأما الآخر فسيحصل له تبعا، جاء في حديث أبي ذر عن النبي r أنه “سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن”([54])([55]). شروط جواز العمل للدنيا أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الدنيا لذاتها، بل يتخذونها وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق. الثاني: أن من أراد النفع الدنيوي يدخل بنية النفع الأخروي ولا يؤثر عليه ما يحصل له من النفع فيما بعد. الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) ﮌ À/2 -3، وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي. أنواع الأعمال للدنيا أولا: طلب الإنسان أن يوسع عليه في رزقه، وإرادته لذلك لا حرج فيه؛ لأنه طلب لأمر من الأمور المباحة، وإذا طلب ذلك لينفق في سبيل الله كان طلبه مستحبا مشروعا، بخلاف من يطلب ذلك تكثرا وزيادة وحرصا على الدنيا وزينتها فهذا مذموم، وحظه من الذم بقدر ما يؤدي ذلك إليه من الإثم([56]). ثانيا: قول الرجل “هذا مالي ورثته عن أجدادي” ليس من الشرك؛ لأنه أثبت السبب الشرعي والقدري. أما من يقول ذلك تكبرا على الخلق وتعاظما، فهذا حاله مذموم، وفعله هذا من أفعال الجاهلية. ثالثا: كذلك نسبة العمل إلى السبب؛ قول القائل “ليس من الشرك إذا اعتقد أن ذلك بمشيئة الله، أما من اعتقد أن السبب هو الفاعل، دون تقدير الله، فهو كافر بالله. خامسا: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار([58]). ولما سئل الشيخ محمد بن عبدالوهاب عن قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ذكر أنها تشمل أنواعا([59]): النوع الأول: المشرك والكافر الذي يعمل أعمالا صالحة في هذه الدنيا؛ من إطعام الطعام، وإكرام الجار، وبر الوالدين، والصدقات والتبرعات، ووجوه الإحسان، ولا يؤجر عليها في الآخرة؛ لأنها لم تبن على التوحيد، فهو داخل في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ﮌ g: 15؛ فالكافر إذا عمل حسنات، فإنه قد يجازي بها في الدنيا، وأما في الآخرة فليس له جزاء عليها عند الله؛ لأنها لم تبن على التوحيد والإخلاص لله،. النوع الثاني: المؤمن الذي يعمل أعمالا من أعمال الآخرة، لكنه لا يريد بها وجه الله، وإنما يريد بها طمع الدنيا كالذي يحج ويعتمر عن غيره، يريد أخذ العوض والمال، وكالذي يتعلم ويطلب العلم الشرعي من أجل أن يحصل على وظيفة، فهذا عمله باطل في الدنيا، وحابط في الآخرة، وهو شرك أصغر. النوع الثالث: مؤمن عمل العمل الصالح مخلصا لله، لا يريد به مالا أو متاعا من متاع الدنيا ولا وظيفة، لكن يريد أن يجازيه الله به، بأن يشفيه الله من المرض، ويدفع عنه العين، ويدفع عنه الأعداء، فإذا كان هذا قصده، فهذا قصد سيئ، ويكون عمله هذا داخلا في قوله: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون) ﮌ g: 15، والمفروض في المسلم أن يرجو ثواب الآخرة، يرجو أعلى مما في الدنيا، وتكون همته عالية، وإذا أراد الآخرة أعانه الله على أمور الدنيا ويسرها له؛ (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) ﮌ À: 2 – 3. النوع الرابع: وهو أكبر من الذي قبله، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة، ونيته رياء الناس، لا طلب ثواب الآخرة. وإذا عمل الرجل الصلوات الخمس، ابتغاء وجه الله، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قاصدا بها الدنيا، مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، فهو لما غلب عليه منهما، وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله([60]). وأما من عمل لله وحده، وأخلص في عمله إخلاصا تاما؛ لكنه يأخذ على عمله جعلا معلوما، يستعين به على العمل والدين؛ فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده؛ لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له معينا على قيام الدين([61]). فالمؤمن إن أعطي شكر، وإن لم يعط فإنه يصبر ولا يسخط، فسيان عنده؛ ولا ينقص ذلك من عمله لله شيئا، لأنه يحب الله ورسوله، ولهذا كان النبي ‘يعطي بعض الناس وهو يبغضهم من أجل تأليفهم، والخوف عليهم من النفاق، ويمنع ناسا هم أحب الناس إليه ويكلهم إلى إيمانهم، لأنه واثقٌ من إيمانهم، وأنهم لا يتأثرون إذا لم يعطوا، وهذه علامة المؤمن: أنه باق على إيمانه ويقينه أعطي من الدنيا أو لم يعط، أما صاحب الدنيا فهذا إن أعطي منها رضي وإن لم يعط منها سخط، فهو يرضى لها ويغضب لها([62]). تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته. لابد للمؤمن أن يجمع في عمله بين الباعث والغاية فيعمل العمل طاعة لله، ويطلب ادخار الثواب عنده تعالى؛ ولهذا قال النبي r: «فلتصبر ولتحتسب»([63])، ولكن قد يعمل المسلم عملا يبعثه عليه إيمانه بالله تعالى، وإرادة طاعته، ولكنه لا يستحضر احتساب الثواب، فيؤجر على عمله، ولكنه يفوته ثواب الاحتساب، قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: الأعمال الصالحة قسمان: النوع الأول: أعمال لازمة لا يتعدى نفعها للغير، فهذه إن عملها الإنسان بنية أثيب ولو بنية القيام بالواجب؛ يعني: ولو لم ينو الاحتساب لكنه نوى القيام بالواجب فإنه يثاب. والنوع الثاني: عبادات متعدية ينتفع بها الغير، فهذه يؤجر على انتفاع الغير بها، وإن لم يكن له نية عند فعلها؛ ولهذا أخبر النبي ‘ أن من زرع زرعا أو غرس شجرة فأصاب منها حيوان أو سرق منها؛ فإن له بذلك أجرا، مع أنه ربما يغرس ولا ينوي هذه النية، ولكن ما دام فيه انتفاع للناس فله أجر به، ويدل على هذا قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) ﮌ `:114 وهذا إذا فعله الإنسان – ولو لمجرد الإصلاح – بدون قصد الثواب ففيه خير، ثم قال: (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما) ﮌ `:114 وهذا أمر زائد على الخير الذي ذكره الله في أول الآية, فإماطة الأذى عن الطريق نفعها متعد؛ فيثاب الإنسان عليه، وإن لم يكن له نية على هذه الإماطة، فمن عمل عملا وكان الباعث عليه الرياء، فإنه لا أجر له حتى وإن أراد الاحتساب عند رؤية الأثر؛ لأن وقت الاحتساب قد فات، ولكنه يثاب على توبته لله تعالى وندمه. فالاستغفار من الأعمال الصالحة التي لها ثواب معجل في الدنيا، كذلك بر الوالدين، يجب أن تكون النية فيهما إرادة وجه الله والدار الآخرة، والله من كرمه يعجل للبار من ثواب عمله في الدنيا كبر أولاده به وصحة ورزقا أما ثواب الاستغفار المعجل في الدنيا (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا* يرسل السماء عليكم مدرارا*ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) ﮌ æ 10-12، ولكن إذا قصدنا من الاستغفار النفع الدنيوي فليس لنا إلا هو، قال تعالى: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) 200 ﮌ ^، بينما لو قصد الإنسان بالاستغفار وجه الله والدار الآخرة، بأن ينوي أن تغفر ذنوبه، فإنه سيحصل له من كرم الله حسنات في الدنيا تبعا، فعلى العبد أن ينوي بعمله وجه الله، والدنيا تأتيه تبعا([64]). وقد كان الصحابة عندما يخرجون إلى الجهاد في سبيل الله لا يقصدون الغنائم وإنما يقصدون الشهادة، ويقصدون ثواب الآخرة، ويقصدون مرضاة الرب -عز وجل- والغنائم تحصل تبعا، وإلا فإن الرجل إذا خرج يلتمس المغنم أو خرج يلتمس فخرا فلا شيء له عند الله كما في قصة الرجل الذي سأل عن الغزو قائلا: الرجل يغزو ويلتمس الأجر والذكرى ما له؟ يعني يلتمس الفخر في الدنيا والسمعة فيقال: فلان شجاع، أو فلان جريء، فأخبره النبي – ۴- أنه ليس له شيء عند الله؛ لأنه أشرك الدنيا في عمله ذلك، فالأرزاق تأتي تبعا للأعمال وليست أساسا ولا قصدا فيها، وأبو طلحة -رضي الله عنه- لما تصدق ببستان له قال للنبي – ۴-: “إنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله”([65])([66]). المطلب الثاني: الفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمل الآخرة بالدنيا الفرق بين الرياء وطلب الدنيا أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا، يجتمعان في العمل لغير وجه الله، وفي أنهما شرك خفي، لأنه تصنع عند الناس، وطلب الإكرام منهم والمدح والثناء، ويفترقان في أن الرياء يراد به الجاه والشهرة، وأما طلب الدنيا فيراد به الطمع والعرض العاجل، كمن يجاهد من أجل المال فقط، والذي يعمل من أجل الطمع والعرض العاجل أعقل من الذي يعمل للرياء؛ لأن الذي يعمل للرياء لا يحصل له شيء، وأما الذي يعمل من أجل الدنيا، فقد يحصل له طمع في الدنيا ومنفعة. أما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملا صالحا لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضا من الدنيا؛ كمن يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا، وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه([67]). فمسألة التشريك في العبادة تحتاج إلى شيء من التفصيل والبسط والتمثيل قال القرافي: “اعلم أن الرياء في العبادات شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة كما نص عليه الإمام المحاسبي وغيره ويعضده ما في الحديث الصحيح أخرجه مسلم وغيره أن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي فهذا ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى وكذلك قوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ﮌ البينة 5 يدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزى عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة وهو المطلوب وتحقيق هذه القاعدة وسرها وضابطها أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم فهذا هو قاعدة أحد قسمي الرياء والقسم الآخر أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى ألبتة بل الناس فقط ويسمى هذا القسم رياء الإخلاص والقسم الأول رياء الشرك لأن هذا لا تشريك فيه بل خالص للخلق والأول للخلق ولله تعالى….” ([68]) انتهى. فالتشريك في العبادة لا يحرم بخلاف الرياء فيها فإنه يحرم وذلك أن التشريك فيها لما كان بما جعله الله تعالى للمكلف في هذه العبادة مما لا يرى ولا يبصر: وكمن صام ليصح جسده، وكمن صام ليقطع الشهوة، وكمن يتوضأ بقصد التبرد، وكمن أمر بكثرة المشي فقال بدلا من ذلك أطوف، وكالإمام إذا أطال الركوع من أجل الداخل فهذا تشريك في العبادة، وكمن قرأ في الصلاة آية وقصد بها القراءة والتفهيم فإنها لا تبطل، ومن ذلك أيضا من قال له إنسان صل الظهر ولك دينار فصلى بهذه النية فإنه تجزئه صلاته ولا يستحق الدينار([69]). فهذه أمثلة كاملة لما يصح من العبادات مع التشريك؛ لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك ولا للتعظيم فلا تقدح في العبادات إذ كيف تقدح وصاحب الشرع قد أمر بها في قوله r «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»([70])، أي قاطع([71]). نعم إذا تجردت العبادة عن هذه الأغراض زاد الأجر، وأما الرياء فيها فإنه لما كان شركا وتشريكا مع الله تعالى في طاعته، من ذلك أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى وأن يعظمه الناس أو يعظم في قلوبهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم فيسمى رياء الشرك لأنه للخلق ولله تعالى([72]). أو أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى البتة بل الناس فقط فيسمى رياء الإخلاص لقوله تعالى “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين”، ولقوله r: «إن الله تعالى يقول أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له أو تركته لشريكي»([73])، فإن الحديث ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى والآية تدل على أن غير المخلصين لله تعالى ليسوا مأمورين به وما هو غير مأمور به لا يجزئ عن المأمور به فلا يعتد بهذه العبادة، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ¬: حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يوما فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله؛ وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطلب ذلك بالإخلاص وإرادة وجهه كان متناقضا؛ لأن من أراد شيئا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالما فهو هنا لم يرد الله بل جعل الله وسيلة إلى ذلك المطلوب الأدنى فهذا ينافي كمال الإخلاص، وهو من الشرك الأصغر([74]). أما من يجعل الإخلاص غاية وقصدا لكن يحصل له بذلك منفعة دنيوية، فهذا لا يخلو من حالين: 1 – أن تكون هذه المنفعة مما جعلت في العبادة أصلا كالغنيمة في الجهاد فهذا لا يخلو من حالين أيضا:أن لا يخالط العامل قصد لتحصيل هذه المنفعة، فهذا في أعلى الدرجات.
2 – أن تكون هذه المنفعة جعلا يجعل للعامل فحكم هذا خاضع لأحوال العامل من جهة مقصده. وللإمام عبد الرحمن بن سعدي -رضي الله عنه- تفصيل مهم في ذلك حيث قال: “وأما العمل لأجل الدنيا وتحصيل أعراضها فإن كانت إرادة العبد كلها لهذا القصد ولم يكن له إرادة لوجه الله والدار الآخرة فهذا ليس له في الآخرة من نصيب، وهذا العمل على هذا الوصف لا يصدر من مؤمن فإن المؤمن وإن كان ضعيف الإيمان لابد أن يريد الله والدار الآخرة؛ وأما من عمل العمل لوجه الله ولأجل الدنيا والقصدان متساويان أو متقاربان فهذا وإن كان مؤمنا فإنه ناقص الإيمان والتوحيد والإخلاص، وعمله ناقص لفقده كمال الإخلاص؛ وأما من عمل لله وحده وأخلص في عمله إخلاصا تاما لكنه يأخذ على عمله جعلا معلوما يستعين به على العمل والدين كالجعالات التي تجعل على أعمال الخير وكالمجاهد الذي يرتب على جهاده غنيمة أو رزق، وكالأوقاف التي تجعل على المساجد والمدارس والوظائف الدينية لمن يقوم بها فهذا لا يضر أخذه في إيمان العبد وتوحيده لكونه لم يرد بعمله الدنيا، وإنما أراد الدين وقصد أن يكون ما حصل له معينا على قيام الدين، ولهذا جعل الله في الأموال الشرعية كالزكوات وأموال الفيء وغيرها جزء كبيرا لمن يقوم بالوظائف الدينية والدنيوية النافعة”([75]). قال الصنعاني في سبل السلام: وعن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله r: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، متفق عليه وفي الحديث هنا اختصار ولفظه عن أبي موسى أن أعرابي قال للنبي r: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله قال: «من قاتل…» الحديث والحديث دليل على أن القتال في سبيل الله يكتب أجره لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ومفهومه أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في سبيل الله وهو من مفهوم الشرط([76]). ويبقى الكلام فيما إذا انضم إليها قصد غيرها وهو المغنم مثلا هل هو في سبيل الله أو لا قال الطبري إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل من غيره ضمنا وبذلك قال الجمهور والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سبيل الله مع قصد التشريك لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ويتأيد بقوله تعالى: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلا من ربكم) ﮌ البقرة 198 فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج فكذلك في غيره فعلى هذا العمدة الباعث على الفعل فإن كان هو إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمنا([77]). ولا يخفى أن الأخبار هذه دليل على جواز تشريك النية؛ إذ الإخبار به يقتضي ذلك غالبا ثم إنه قد يقصد المشركون لمجرد نهب أموالهم كما خرج رسول الله r بمن معه في غزاة بدر لأخذ عير المشركين ولا ينافي ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى وأقرهم الله تعالى على ذلك بل قال تعالى: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم …) ﮌ الأنفال 7، ولم يذمهم بذلك مع أن في هذا الإخبار إخبارا لهم بمحبتهم للمال دون القتال فإعلاء كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين وأخذ أموالهم وقطع أشجارهم ونحوه وأما حديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا قال يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا فقال لا أجر له فأعاد عليه ثلاثا كل ذلك يقول: «لا أجر له» فكأنه فهم r أن الحامل هو العرض من الدنيا فأجابه بما أجاب وإلا فإنه قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة أمرا معروفا في الصحابة فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن قال يوم أحد اللهم ارزقني رجلا شديدا أقاتله ويقاتلني ثم حتى أقتله وآخذ سلبه فهذا يدل على أن طلب العرض من الدنيا مع الجهاد كان أمرا معلوما جوازه للصحابة فيدعون الله بنيله([78]). قال ابن عثيمين: إن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا) سورة الطلاق/2 -3، وهذا ترغيب في التقوي بأمر دنيوي([79]). اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عليك بالعمل ولا تكن من الهمل | دروس دينية | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 07-31-2023 02:50 PM |
| الدرس 4 شرح رياض الصالحين النية في سريان الأجر و العمل الصالح | ابو عبد الرحمن | قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله | 4 | 02-02-2013 11:16 AM |
| هل صحيح ان الله ينزل في يوم عرفه عصرا الى السماء الدنيا ؟ | المؤمنة بالله | قسم الاستشارات الدينية عام | 7 | 10-28-2012 09:36 AM |
| ثواب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله | أسامة خضر | قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله | 2 | 04-12-2012 05:14 PM |
| تصحيح مفاهيم خاطئة عن تبييض الاسنان | محمود ابو صطيف | قسم الطب العام | 6 | 06-04-2011 04:32 PM |
|
|