![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
![]() فصل في الطب النبوي: كان من هَدْيه صلى الله عليه وسلم فعلُ التَّداوي في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرضٌ من أهله وأصحابه، ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمالُ هذه الأدوية المركَّبة الَّتي تسمَّى "أَقْراباذين"[1]، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربَّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسِر سَورته. وهذا غالب طبِّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والتُّرك وأهل البوادي قاطبةً، وإنَّما عُنِي بالمركَّبات الرُّومُ واليونانيُّون، وأكثرُ طبِّ الهند بالمفردات. وقد اتَّفق الأطبَّاء على أنَّه متى أمكن التَّداوي بالغذاء لا يُعدَل إلى الدَّواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يُعدَل إلى المركَّب، قالوا: وكلُّ داءٍ قُدِرَ على دفعه بالأغذية والحِمْية لم يُحاوَل دفعه بالأدوية. والتَّحقيق في ذلك أنَّ الأدوية من جنس الأغذية، فالأُمَّة والطَّائفة الَّتي غالبُ أغذيتها المفردات فأمراضها قليلةٌ جدًّا، وطبُّها بالمفردات، وأهلُ المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركَّبة يحتاجون إلى الأدوية المركَّبة، وسببُ ذلك أنَّ أمراضهم في الغالب مركَّبةٌ، فالأدوية المركَّبة أنفع لها، وأمراض أهل البوادي والصَّحاري مفردةٌ، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة، فهذا برهان بحسب الصِّناعة الطِّبِّيَّة. وفي الصَّحيحين عن عطاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاءً)). وفي المسند وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسب ابن آدم لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنَفَسِه)). ومراتب الغذاء ثلاثةٌ: أحدها: مرتبة الحاجة. والثَّانية: مرتبة الكفاية. والثَّالثة: مرتبة الفضلة. فأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه يكفيه لقيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فلا تسقط قوَّته ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثُلُثِ بطنه، ويَدَعِ الثُّلث الآخر للماء، والثَّالث للنَّفس. ![]() وكان علاجه صلى الله عليه وسلم للمرض ثلاثة أنواعٍ: أحدها: بالأدوية الطَّبيعيَّة. والثَّاني: بالأدوية الإلهيَّة. والثَّالث: بالمركَّب من الأمرين. فصل في هديه في علاج استطلاق البطن: في الصَّحيحين من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، ((أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّ أخي يشتكي بطنه، وفي روايةٍ: استطلق[2] بطنه، فقال: اسقِه عسَلًا، فذهب، ثمَّ رجع فقال: قد سقيته، فلم يُغْنِ عنه شيئًا - وفي لفظٍ: فلم يزده إلا استطلاقًا - مرَّتين أو ثلاثًا، كلَّ ذلك يقول له: اسقِه عسلًا، فقال له في الثَّالثة أو الرَّابعة: صدَق اللَّه، وكذَب بطنُ أخيك)). وفي صحيح مسلم في لفظٍ له: ((إنَّ أخي عَرِبَ بطنه))؛ أي: فسد هضمُه واعتلَّت معدتُه. والعسل فيه منافع عظيمةٌ؛ فإنَّه جِلاءٌ للأوساخ الَّتي في العروق والأمعاء وغيرها، محلِّلٌ للرُّطوبات أكلًا وطِلاءً، نافعٌ للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، وهو مغذٍّ، مليِّنٌ للطَّبيعة، حافظٌ لقوى المعاجين ولما استُودع فيه، مُذْهِبٌ لكيفيَّات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصَّدر، مدرٌّ للبول، موافقٌ للسُّعال الكائن عن البلغم. وإذا شُرِب حارًّا بدهن الورد نفَع من نَهْشِ الهوامِّ وشُرْبِ الأفيون، وإن شُرِب وحده ممزوجًا بماءٍ نفَع من عضَّةِ الكَلْب الكَلِب، وأكلِ الفُطْر القتَّال. وإذا لُطِّخ به البدنُ المقمَلُ والشَّعرُ قتلَ قملَه وصِئْبانَه، وطوَّل الشَّعر وحسَّنه ونعَّمه، وإن اكتُحِلَ به جلا ظلمةَ البصر، وإن استنَّ به بيَّض الأسنانَ وصقَلَها، وحفِظ صحَّتها وصحَّة اللَّثة، ويفتح أفواه العروق، ويُدِرُّ الطَّمْثَ، ولعقُه على الرِّيق يُذيبُ البلغم، ويغسل خَمْلَ المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة، وهو أقلُّ ضررًا لسُدَد الكبد والطِّحال من كلِّ حلوٍ. وهو مع هذا كلِّه مأمون الغائلة، قليل المضارِّ، مضرٌّ بالعرَض للصَّفراويِّين ودفعُها بالخلِّ ونحوه، فيعود حينئذٍ نافعًا لهم جدًّا. وهو غذاءٌ مع الأغذية، ودواءٌ مع الأدوية، وشرابٌ مع الأشربة، وحلوى مع الحلوى، وطِلاءٌ مع الأطلية، ومفرِّحٌ مع المفرِّحات، فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا، ولم يكن معوَّل القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسُّكَّر ألبتَّة، ولا يعرفونه فإنَّه حديث العهد حدَث قريبًا. فصل في هديه في العلاج بشرب العسل والحِجامة والكَي: في صحيح البخاريِّ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الشِّفاء في ثلاثٍ: شَرْبة عسلٍ، وشَرْطة مِحْجَمٍ، وكيَّة نارٍ، وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ)). فصل في منافع الحجامة ومواضعها وأوقاتها: في الصَّحيحين من حديث طاوس عن ابن عبَّاسٍ ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجَم، وأعطى الحجَّام أجرَه)). أما منافع الحجامة، فإنَّها تنقِّي سطح البدن أكثر من الفَصْدِ[3]، والفصدُ لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدَّم من نواحي الجلد، قلت: والتَّحقيق في أمرها وأمر الفصد أنَّهما يختلفان باختلاف الزَّمان والمكان، والأسنان والأمزجة؛ فالبلاد الحارَّة والأزمنة الحارَّة والأمزجة الحارَّة الَّتي دمُ أصحابها في غاية النُّضج، الحجامةُ فيها أنفَعُ من الفصد بكثيرٍ؛ فإنَّ الدَّم ينضَج ويرِقُّ ويخرج إلى سطح الجسد الدَّاخل، فتُخْرِجه الحجامةُ ما لا يُخرجه الفصد؛ ولذلك كانت أنفع للصِّبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد. وقد نصَّ الأطبَّاء على أنَّ البلاد الحارَّة الحجامةُ فيها أنفَعُ، وأفضلُ من الفصد، وتستحبُّ في وسط الشَّهر وبعد وسطه، وبالجملة في الرُّبُع الثَّالث من أرباع الشَّهر؛ لأنَّ الدَّم في أوَّل الشَّهر لم يكن بعدُ قد هاجَ وتبيَّغ، وفي آخره يكون قد سكن، وأمَّا في وسطه وبُعَيدَه، فيكون في نهاية التَّزيُّد. وفي الصَّحيحين: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثًا: واحدةً على كاهله، واثنتين على الأخدعين))[4]. وفي الصَّحيح عنه أنَّه احتجم - وهو محرِمٌ - في رأسه، لصداعٍ كان به. والحِجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استُعملت في وقتها، وتنقِّي الرَّأس والفكَّين. والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فَصْد الصَّافِن - وهو عرقٌ عظيمٌ عند الكعب - وتنفع من قروح الفخذين والسَّاقين، وانقطاع الطَّمث، والحِكَّة العارضة في الأُنْثَيَين. والحجامة على أسفل الصَّدر نافعةٌ من دماميل الفخذ وجرَبه وبُثُورِهِ، ومن النِّقْرِس[5] والبواسير والفيل[6] وحِكَّة الظَّهر. وفي سنن أبي داود، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من احتجم لسبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين، كانت شفاءً من كلِّ داءٍ))، وهذا معناه: من كلِّ داءٍ سببُه غلبةُ الدَّم. وقال صاحب (القانون): "أوقاتها في النَّهار السَّاعة الثَّانية أو الثَّالثة، ويجب توقِّيها بعد الحمَّام، إلا فيمن دمه غليظٌ فيجب أن يستحمَّ، ثمَّ يُجِمَّ ساعةً، ثمَّ يحتجم"؛ [انتهى]. وتُكرَه عندهم الحجامة على الشِّبَع، فإنِّها ربَّما أورثت سُدَدًا وأمراضًا رديَّةً، لا سيَّما إذا كان الغذاء رديًّا غليظًا. واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتَّحرُّز من الأذى، وحفظًا للصِّحَّة، وأمَّا في مداواة الأمراض فحيثما وُجِد الاحتياجُ إليها، وجَب استعمالُها. فصل في هديه في علاج عرق النِّسا: روى ابن ماجه في سننه، من حديث محمَّد بن سيرين عن أنس بن مالكٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((دواءُ عِرق النَّسا[7] أَلْيةُ شاةٍ أعرابيَّةٍ تُذاب، ثمُّ تجزَّأ ثلاثة أجزاءٍ، ثمَّ يُشْرَب على الرِّيق في كلِّ يومٍ جزءٌ)). وفي تعيين الشَّاة الأعرابيَّة قلَّةُ فضولها، وصغرُ مقدارها، ولطفُ جوهرها، وخاصِّيَّة مرعاها لأنَّها ترعى أعشاب البرِّ الحارَّة كالشِّيح والقَيصُوم ونحوهما، وهذه النَّباتات إذا تغذَّى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها، بعد أن يلطِّفها تغذِّيه بها ويُكسِبَها مزاجًا ألطفَ منها، ولا سيَّما الألْية، وظهورُ فعل هذه النَّباتات في اللَّبن أقوى منه في اللَّحم، ولكنَّ الخاصَّة الَّتي في الألية من الإنضاج والتَّليين لا توجد في اللَّبن. فصل في خواص الحِنَّاء ومنافعه: أنَّه محلِّلٌ نافعٌ من حرق النَّار، وفيه قوَّةٌ موافقةٌ للعصَب إذا ضُمِّد به، وينفع إذا مُضِغ من قروح الفم والسُّلاق العارض فيه، ويُبرئ القُلاعَ الحادث في أفواه الصِّبيان، والضِّمادُ به ينفع من الأورام الحارَّة الملهبة، ويفعل في الجراحات فعلَ دم الأخَوين، وإذا خُلِط نَورُه مع الشَّمع المصفَّى ودُهن الورد ينفع من أوجاع الجنب. ومن خواصِّه: أنَّه إذا بدأ الجُدَريُّ يخرج بصبيٍّ، فخُضِبت أسافل رجليه بحنَّاءٍ، فإنَّه يؤمَن على عينيه أن يخرج فيها شيءٌ منه، وهذا صحيحٌ مجرَّبٌ لا شكَّ فيه، وإذا جُعِل نَورُه بين طيِّ ثياب الصُّوف طيَّبَها ومنَع السُّوسَ عنها، وإذا نُقِع ورقه في ماءٍ عذبٍ يغمُره، ثمَّ عُصِرَ وشُرِب من صفوه أربعون درهمًا كلَّ يومٍ - عشرين يومًا - مع عشرة دراهم سكَّرٍ، ويُغذَّى عليه بلحم الضَّأن الصَّغير، فإنَّه ينفع من ابتداء الجُذام بخاصِّيَّةٍ فيه عجيبةٍ. وحكي أنَّ رجلًا تعقَّفت أظافيرُ أصابع يديه، وأنَّه بذل لمن يبرئه مالًا فلم يجد، فوصفت له امرأةٌ أن يشرب عشرة أيَّامٍ حنَّاء، فلم يُقْدِم عليه، ثمَّ نقعه بماءٍ وشربه، فبرأ، ورجعت أظافيره إلى حسنها. والحنَّاء إذا ألزمت به الأظفار معجونًا حسَّنها ونفَعها، وإذا عُجِن بالسَّمْن وضُمِّد به بقايا الأورام الحارَّة الَّتي ترشَح ماءً أصفرَ، نفعَها، ونفَع من الجرَب المتقرِّح المُزْمِن منفعةً بليغةً، وهو يُنبت الشَّعرَ ويقوِّيه ويحسِّنه، ويقوِّي الرَّأس، وينفع من النَّفَّاطات والبثور العارضة في السَّاقين والرِّجلين وسائر البدن. من خواص التمر ومنافعه: في الصَّحيحين من حديث عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تصبَّح بسبع تمراتٍ من تمر العالية، لم يضُرَّه ذلك اليومَ سَمٌّ ولا سحرٌ)). وفي لفظٍ: ((من أكل سبع تمراتٍ ممَّا بين لابتيها حين يصبح لم يضرَّه سَمٌّ حتَّى يمسي)). وأمَّا أهل المدينة، فالتَّمر لهم يكاد أن يكون بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو قوتهم ومادَّتهم، وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم؛ فإنَّه متين الجسم، لذيذ الطَّعم، صادق الحلاوة. والتَّمر يدخل في الأدوية والأغذية والفاكهة، وهو يوافق أكثر الأبدان، مقوٍّ للحارِّ الغريزيِّ، ولا يتولَّد عنه من الفضلات الرَّديئة ما يتولَّد عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده من تعفُّن الأخلاط وفسادها. وهذا الحديث من الخطاب الذي أُريد به الخاصُّ كأهل المدينة ومن جاورهم، ولا ريب أنَّ للأمكنة اختصاصًا بنفع كثيرٍ من الأدوية في ذلك المكان دون غيره، فيكون الدَّواءُ الذي ينبت في هذا المكان نافعًا من الدَّاء، ولا يوجد فيه ذلك النَّفع إذا نبت في مكانٍ غيره، لتأثير نفس التُّربة أو الهواء أو هما جميعًا؛ فإنَّ في الأرض خواصَّ وطبائعَ يقارب اختلافها اختلافَ طبائع الإنسان. من شرط انتفاع العليل بالدواء: من شرط انتفاع العليل بالدَّواء قبولَه واعتقادَ النَّفع به، فتقبله الطَّبيعة، فتستعين به على دفع العلَّة، حتَّى إنَّ كثيرًا من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التَّلقِّي، وقد شاهد النَّاس من ذلك عجائبَ، وهذا لأنَّ الطَّبيعة يشتدُّ قبولُها له، وتفرح النَّفس به، فتنتعش القوَّة، ويقوى سلطانُ الطَّبيعة، وينبعث الحارُّ الغريزيُّ، فيتساعد على دفع المؤذي، وبالعكس يكون كثيرٌ من الأدوية نافعًا لتلك العلَّة، فيقطع عملَه سوءُ اعتقاد العليل فيه، وعدمُ أخذ الطَّبيعة له بالقَبول، فلا يجدي عليها شيئًا. واعتبِرْ هذا بأعظم الأدوية والأشفية، وأنفعِها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد، والدُّنيا والآخرة؛ وهو القرآن الذي هو شفاءٌ من كلِّ داءٍ: كيف لا ينفع القلوبَ الَّتي لا تعتقد فيه الشِّفاءَ والنَّفعَ، بل لا يزيدها إلا مرضًا إلى مرضها؟ فصل في هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم في إصلاح الطَّعام الذي يقع فيه الذُّباب، وإرشاده إلى دفع مضرَّات السُّموم بأضدادها: في الصَّحيحين من حديث أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا وقع الذُّباب في إناء أحدكم فامقُلوه؛ فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاءً)). وفي سنن ابن ماجه عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أحدُ جناحي الذُّباب سَمٌّ والآخر شفاءٌ، فإذا وقع في الطَّعام فامقُلوه؛ فإنَّه يقدِّم السَّمَّ ويؤخِّر الشِّفاء)). واعلم أنَّ في الذُّباب عندهم قوَّةً سمِّيَّةً يدلُّ عليها الورم والحِكَّة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السِّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتَّقاه بسلاحه، فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تقابَل تلك السَّمِّيَّةُ بما أودعه الله سبحانه في جانبه الآخر من الشِّفاء، فيُغمَس كلُّه في الماء والطَّعام، فتقابل مادَّةَ السَّمِّيَّةِ المادَّةُ النَّافعةُ، فيزول ضررها، وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبار الأطبَّاء وأئمَّتهم، بل هو خارجٌ من مشكاة النُّبوَّة، ومع هذا فالطَّبيب العالم العارف الموفَّق يخضع لهذا العلاج ويُقرُّ لمن جاء به بأنَّه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنَّه مؤيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن قوى البشر. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية دون ما لم تَعْتَدْه: هذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج وأنفع شيءٍ فيه، وإذا أخطأه الطَّبيب ضرَّ المريضَ من حيث يظنُّ أنَّه ينفعه، ولا يُعدِل عنه إلى ما يجده من الأدوية في كتب الأطبَّاء إلا طبيبٌ جاهلٌ، فإنَّ ملاءمة الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادي والأكَّارون وغيرهم لا ينجع فيهم شرابُ النَّيلَوفَر والورد الطَّريِّ ولا المغالي، ولا يؤثِّر في طباعهم شيئًا، بل عامَّة أدوية أهل الحضر وأهل الرَّفاهة لا تجدي عليهم، والتَّجرِبة شاهدةٌ بذلك. ومن تأمَّل ما ذكرناه من العلاج النَّبويِّ رآه كلَّه موافقًا لعادة العليل وأرضه وما نشأ عليه؛ فهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول العلاج يجب الاعتناء به، وقد صرَّح به أفاضل أهل الطِّبِّ حتَّى قال طبيب العرب بل أطبُّهم الحارث بن كَلَدة، وكان فيهم كأبقراط في قومه: "الحِمْيَة رأس الدَّواء، والمَعِدةُ بيت الدَّاء، وعوِّدوا كلَّ بدنٍ ما اعتاد"، وفي لفظٍ عنه: "الأَزْم دواءٌ"، والأَزْم: الإمساك عن الأكل؛ يعني به الجوع، وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائيَّة كلِّها، بحيث إنَّه أفضل في علاجها من المستفرِغات، إذا لم يخَفْ من كثرة الامتلاء، وهيجان الأخلاط، وحِدَّتها وغليانها. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية: في الصَّحيحين من حديث عروة عن عائشة ((أنَّها كانت إذا مات الميِّت من أهلها اجتمع لذلك النِّساء، ثمَّ تفرَّقن إلى أهلهنَّ أمرَتْ ببُرْمَةِ تلبينةٍ، فطُبخت، وصَنعت ثريدًا، ثمَّ صبَّت التَّلبينةَ عليه، ثمَّ قالت: كلوا منها، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التَّلبينة مَجَمَّةٌ لفؤاد المريض، تَذهب ببعض الحزن)). فصل في أن من أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية: ومن أنفع علاجات السِّحر: الأدوية الإلهيَّة، بل هي أدويته النَّافعة بالذَّات، فإنَّه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفليَّة، ودفعُ تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدَّعوات الَّتي تُبطل فعلها وتأثيرها، وكلَّما كانت أقوى وأشدَّ، كانت أبلغ في النُّشرة، وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كلٍّ منهما عُدَّته وسلاحه، فأيُّهما غلب الآخرَ قهَرَه، وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره، وله من التَّوجُّهات والدَّعوات، والأذكار والتَّعوُّذات وِرْدٌ لا يخلُّ به يطابق فيه قلبه لسانه، كان هذا من أعظم الأسباب الَّتي تمنع إصابة السِّحر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه. وعند السَّحرة: أنَّ سحرهم إنَّما يتمُّ تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعِلة، والنُّفوس الشَّهوانيَّة الَّتي هي معلَّقةٌ بالسُّفليَّات؛ ولهذا غالبُ ما يؤثِّر في النِّساء والصِّبيان والجهَّال وأهل البوادي، ومَن ضعُف حظُّه من الدِّين والتَّوكُّل والتَّوحيد، ومن لا نصيب له من الأوراد الإلهيَّة، والدَّعوات، والتَّعوُّذات النَّبويَّة، وبالجملة، فسلطان تأثيره في القلوب الضَّعيفة المنفعلة الَّتي يكون مَيلها إلى السُّفليَّات. قالوا: والمسحور هو الذي يعين على نفسه، فإنَّا نجد قلبه متعلِّقًا بشيءٍ كثيرَ الالتفات إليه، فيتسلَّط على قلبه بما فيه من الميل والالتفات، والأرواح الخبيثة إنَّما تتسلَّط على أرواحٍ تَلقَاها مستعدَّةً لتسلُّطها عليها، بميلها إلى ما يناسب تلك الأرواح الخبيثة، وبفراغها من القوَّة الإلهيَّة، وعدم أخذها للعُدَّة الَّتي تحاربها بها؛ فتجدها فارغةً لا عدَّة معها، وفيها ميلٌ إلى ما يناسبها، فتتسلَّط عليها، ويتمكَّن تأثيرها فيها بالسِّحر وغيره، والله أعلم. ليس لشفاء القلوب قطُّ دواءٌ أنفعُ من القرآن: فإنَّه شفاؤها التَّامُّ الكامل الذي لا يغادر فيها سقمًا إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحَّتها المطلقة، ويحميها الحِمْيَةَ التَّامَّة من كلِّ مؤذٍ ومضرٍّ، ومع هذا فإعراضُ أكثر القلوب عنه، وعدمُ اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنَّه كذلك، وعدمُ استعماله، والعدولُ إلى الأدوية الَّتي ركَّبها بنو جنسها، حال بينها وبين الشِّفاء به، وغلبت العوائد، واشتدَّ الإعراض، وتمكَّنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربَّى المرضى والأطبَّاء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم ومن يعظِّمونه، ويُحسِنون به ظنونهم، فعظُم المصاب، واستحكم الدَّاء، وتركَّبت أمراضٌ وعللٌ أعيا عليهم علاجها. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصاب بالعين: روى مسلم في صحيحه عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العين حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابَقَ القدَرَ لَسَبَقَتْهُ العينُ)). وفي صحيحه أيضًا عن أنس: ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رخَّص في الرُّقية من الحُمَة والعين والنَّملة)). وفي الصَّحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العين حقٌّ)). وفي الصَّحيحين عن عائشة قالت: ((أمرني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم – أو أمر – أن نسترقي من العين)). وذكر الترمذي من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزُّرَقي أنَّ أسماء بنت عُمَيس قالت: ((يا رسول الله، إنَّ بني جعفرٍ تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ فقال: نعم، فلو كان شيءٌ يسبِق القضاءَ لسبقته العينُ))؛ [قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ]. والعين عينان: عينٌ إنسيَّةٌ، وعينٌ جنِّيَّةٌ؛ فقد صحَّ عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جاريةً، في وجهها سَفْعةٌ، فقال: ((استرقُوا لها؛ فإنَّ بها النَّظرة)). قال الحسين بن مسعود الفرَّاء: وقوله: (سفعةٌ)؛ أي نظرةٌ، يعني: من الجنِّ؛ يقول: بها عينٌ أصابتها من نظر الجنِّ، وقيل: عيون الجنّ أنفَذُ من أسنَّة الرِّماح. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل شكوى بالرقية الإلهية: في صحيح مسلم عن أبي سعيدٍ ((أنَّ جبريل أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمَّد اشتكيتَ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: باسم الله أرقيك، من كلِّ داءٍ يؤذيك، ومن كلِّ نفسٍ وعينِ حاسدٍ، اللهُ يشفيك، باسم الله أرقيك)). فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رقية اللديغ بالفاتحة: أخرجا في الصَّحيحين من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: ((انطلق نفرٌ من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرةٍ سافروها، حتَّى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبَوا أن يضيِّفوهم، فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فسَعوا له بكلِّ شيءٍ، لا ينفعه شيءٌ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزلوا، لعلَّه أن يكون عند بعضهم شيءٌ، فأتَوهم، فقالوا: يا أيُّها الرَّهط، إنَّ سيَّدنا لُدِغَ، وسعينا له بكلِّ شيءٍ لا ينفعه، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ؟ فقال بعضهم: نعم، واللهِ إنِّي لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جُعْلًا، فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق يتفِل عليه، ويقرأ: الحمد لله ربِّ العالمين، فكأنَّما نُشِطَ من عِقالٍ، فانطلق يمشي وما به قَلَبةٌ، قال: فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسِمُوا، فقال الذي رقى: لا نفعل حتَّى نأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: وما يُدريك أنَّها رقيةٌ؟ ثمَّ قال: قد أصبتم، اقتسِمُوا واضربوا لي معكم سهمًا)). فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في رُقية القَرْحَة والجرح: أخرجا في الصَّحيحين عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسانُ أو كانت به قَرحةٌ أو جُرحٌ، قال بإصبعه هكذا، ووضع سفيان سبَّابته بالأرض، ثمَّ رفعها، وقال: باسم الله، تربةُ أرضنا، بريقة بعضِنا، لَيُشْفَى سقيمُنا، بإذن ربِّنا)). ومعنى الحديث: أنَّه يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السَّبَّابة، ثمَّ يضعُها على التُّراب، فيعلَق بها منه شيءٌ، فيمسح به على الجرح، ويقول هذا الكلام، لما فيه من بركة ذكرِ اسم اللَّه، وتفويض الأمرِ إليه، والتَّوكُّلِ عليه، فينضمُّ أحد العلاجين إلى الآخر، فيقوى التَّأثير. هذا من العلاج السهل الميسَّر النَّافع المركَّب، وهي معالجةٌ لطيفةٌ تعاَلج بها القروح والجراحات الطَّريَّة، لا سيَّما عند عدم غيرها من الأدوية، إذ كانت موجودةً بكلِّ أرضٍ، وقد عُلِم أنَّ طبيعة التُّراب الخالص باردةٌ يابسةٌ مجفِّفةٌ لرطوبات القروح والجراحات الَّتي تمنع الطَّبيعةَ من جودة فعلها وسرعة اندمالها، لا سيَّما في البلاد الحارَّة، وأصحاب الأمزجة الحارَّة، فإنَّ القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوءُ مزاجٍ حارٍّ فتجتمع حرارةُ البلد والمزاج والجراح. فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرُّقية: روى مسلم في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص: ((أنَّه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ضَعْ يدَك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرَّاتٍ: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر))، ففي هذا العلاج من ذكرِ اسم اللَّه والتَّفويضِ إليه، والاستعاذةِ بعزَّته وقدرته من شرِّ الألم ما يذهب به، وتكرارُه ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدَّواء لإخراج المادَّة، وفي السَّبْعِ خاصِّيَّةٌ لا توجد في غيرها. وفي الصَّحيحين: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعضَ أهله، يمسح عليه يده اليمنى ويقول: ((اللَّهمَّ ربَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الباسَ، واشفِ أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا))، ففي هذه الرُّقية توسُّلٌ إلى الله بكمال ربوبيَّته، وكمال رحمته بالشِّفاء، وأنَّه وحده الشَّافي، وأنَّه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمَّنت التَّوسُّلَ إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيَّته. ![]() فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهمِّ والغمِّ والحزن: أخرجا في الصَّحيحين من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السَّماوات والأرض، ربُّ العرش الكريم)). وفي جامع الترمذي عن أنسٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا حَزَبه أمرٌ قال: ((يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث)). وفيه عن أبي هريرة: ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أهَّمه الأمرُ رفع طرفه إلى السَّماء، فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهد في الدُّعاء قال: يا حيُّ، يا قيُّوم)). فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصِّحَّة: لمَّا كان اعتدال البدن وصحَّته وبقاؤه إنَّما هو بواسطة الرُّطوبة المقاومة للحرارة، فالرُّطوبة مادَّته، والحرارةُ تُنضجها وتَدفع فضلاتها، وتُصلحها وتُلطِّفها، وإلَّا أفسدت البدن، ولم يمكن قيامُه، وكذلك الرُّطوبة هي غذاء الحرارة، فلولا الرُّطوبة لأحرقت البدن وأيبسته وأفسدته، فقِوامُ كلِّ واحدةٍ منهما بصاحبتها، وقِوامُ البدن بهما جميعًا. وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]، فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطَّعام والشَّراب عوضَ ما تحلَّل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمِّيَّة والكيفيَّة، فمتى جاوز ذلك كان إسرافًا، وكلاهما مانعٌ من الصِّحَّة، جالبٌ للمرض؛ أعني: عدمَ الأكل والشُّرب، أو الإسراف فيه، فحفظُ الصِّحَّة كلُّه في هاتين الكلمتين الإلهيَّتين. ومن تأمَّل هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وجده أفضلَ هديٍ يمكن حفظُ الصِّحَّة به، فإنَّ حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس، والمسكن والهواء والنَّوم واليقظة، والحركة والسُّكون، والمنكح والاستفراغ والاحتباس، فإذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد، والسِّنِّ والعادة، كان أقرب إلى دوام الصِّحَّة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل. وقد روى البخاريُّ في صحيحه، من حديث ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّة والفراغ)). وفي مسند الإمام أحمد: ((أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال للعباس: يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه، سَلِ الله العافية في الدُّنيا والآخرة)). وفيه عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سَلُوا الله اليقين والمعافاة، فما أُوتِيَ أحدٌ بعد اليقين خيرًا من العافية))، فجمع بين عافيتي الدِّين والدُّنيا، ولا يتمُّ صلاح العبد في الدَّارين إلا باليقين والعافية. فاليقين يدفع عنه عقوباتِ الآخرة، والعافيةُ تدفع عنه أمراض الدُّنيا في قلبه وبدنه. وفي سنن النَّسائيِّ من حديث أبي هريرة يرفعه: ((سَلُوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أُوتِيَ أحدٌ بعد يقينٍ خيرًا من معافاةٍ))، وهذه الثَّلاثة تتضمَّن إزالة الشُّرورِ الماضيةِ بالعفو، والحاضرةِ بالعافية، والمستقبَلةِ بالمعافاة؛ فإنَّها تتضمَّن المداومة والاستمرار على العافية. فصل في أكله بالأصابع الثلاث: وكان يأكل بأصابعه الثَّلاث، وهذا أنفع ما يكون من الأَكَلات، فإنَّ الأكل بإصبعٍ أو إصبعين لا يستلذُّ به الآكِل، ولا يُمرئه، ولا يُشْبعه إلا بعد طولٍ، ولا تفرح آلات الطَّعام والمعدة بما ينالها في كلِّ أكلةٍ، فيأخذها على إغماضٍ، كما يأخذ الرَّجل حقَّه حبَّةً أو حبَّتين أو نحو ذلك، فلا يلتذُّ بأخذه، ولا يُسرُّ به، والأكلُ بالخمسة والرَّاحة يوجب ازدحام الطَّعام على آلاته وعلى المعدة – وربَّما استدَّت الآلات، فمات – وتُغْصَب الآلاتُ على دفعه، والمعدةُ على احتماله؛ ولا يجد له لذَّةً ولا استمراءً، فأنفعُ الأكل أكلُه صلى الله عليه وسلم وأكلُ من اقتدى به بالأصابع الثَّلاث. ![]() فصل في تغطية الإناء وإيكاء السقاء: وقد روى مسلم في صحيحه، من حديث جابر بن عبدالله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((غطُّوا الإناءَ، وأَوكُوا السِّقاءَ؛ فإنَّ في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، وسقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا وقع فيه من ذلك الدَّاء))، وهذا ممَّا لا يناله علوم الأطبَّاء ومعارفهم، وقد عرَفه من عرفه من عقلاء النَّاس بالتَّجربة؛ قال اللَّيث بن سعدٍ أحد رواة الحديث: "الأعاجم عندنا يتَّقون تلك اللَّيلة في السَّنة في كانون الأوَّل منها". وصحَّ عنه أنَّه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودًا، وفي عرض العود عليه من الحكمة أنَّه لا يُنسى تخميره، بل يعتاده حتَّى بالعود، وفيه: أنَّه ربَّما أراد الدَّبيبُ[8] أن يسقط فيه، فيمرُّ على العود، فيكون العود جسرًا له يمنعه من السُّقوط فيه. وصحَّ عنه: أنَّه أمر عند إيكاء الإناء بذكر اسم اللَّه، فإنَّ ذكر اسم الله عند تخمير الإناء يطرد عنه الشَّيطان، وإيكاؤه يطرد عنه الهوامَّ؛ ولذلك أمر بذكر اسم الله في هذين الموضعين لهذين المعنيين. وروى البخاريُّ في صحيحه من حديث ابن عبَّاسٍ ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشُّرب مِن في السِّقاء)). ![]() فصل في صفة نبيذه صلى الله عليه وسلم: وثبت في صحيح مسلم ((أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يُنْبَذ له أوَّلَ اللَّيل، ويشربُه إذا أصبح يومَه ذلك، واللَّيلةَ الَّتي تجيء، والغدَ واللَّيلة الأخرى، والغدَ إلى العصر، فإن بقي منه شيءٌ سقاه الخادمَ أو أمرَ به فصُبَّ)). وهذا النَّبيذ هو ماءٌ يُطرَح فيه تمرٌ يحلِّيه، وهو يدخل في الغذاء والشَّراب، وله نفعٌ عظيمٌ في زيادة القوَّة وحفظ الصِّحَّة، ولم يكن يشربه بعد ثلاثٍ خوفًا من تغيُّره إلى الإسكار. ![]() إسلام أبي بكر وخديجة في مبتدأ الدعوة: ولما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل استجاب له عبادُ الله من كل قبيلة، فكان حائزَ قصبِ سَبْقِهم صدِّيقُ الأمة وأسبقُها إلى الإسلام أبو بكر -رضي الله عنه- فآزره في دين الله ودعا معه إلى الله على بصيرة، فاستجاب لأبي بكر: عثمانُ بن عفَّان، وطلحةُ بن عبيد الله، وسعدُ بن أبي وقَّاص. وبادر إلى الاستجابة له صلى الله عليه وسلم صدِّيقةُ النساء خديجةُ بنت خُوَيلد، وقامت بأعباء الصدِّيقيَّة، وقال لها: «لقد خشيتُ على عقلي»، فقالت: أبشِر، فوالله لا يُخزِيك الله أبدًا، ثم استدلَّتْ بما فيه من الصفات والأخلاق والشِّيَم على أن من كان كذلك لا يَخْزى أبدًا؛ فعَلِمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاقَ الفاضلةَ والشِّيَم الشريفةَ تُناسِبُ أشكالَها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخِزْيَ والخِذلان، وإنما يناسبه أضدادُها، فمن ركَّبه الله على أحسن الصفات وأحسن الأخلاق والأعمال إنما يليق به كرامتُه وإتمامُ نعمته عليه، ومن ركَّبه على أقبح الصفات وأسوأ الأخلاق والأعمال إنما يليق به ما يناسبها، وبهذا العقل والصديقية استحقَّتْ أن يُرسِل إليها ربُّها السلامَ منه مع رسولَيه جبريلَ ومحمدٍ صلى الله عليه وسلم. محاولة قريش أن يرد النجاشي عليهم المهاجرين: انحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك بعثت في أثرهم عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا وتُحَف من بلادهم إلى النجاشي ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم، وتشفَّعُوا إليه بعظماء جُنده فلم يُجِبْهم إلى ما طلبوا، فوَشَوا إليه أن هؤلاء يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، يقولون: إنه عبدٌ، فاستدعى المهاجرين إلى مجلسه ومقدَّمهم جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخول عليه قال جعفر: يستأذن عليك حزبُ الله، فقال للآذن: قل له: يعيد استئذانَه، فأعاده، فلما دخلوا عليه قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر صدرًا من سورة كهيعص، فأخذ النجاشي عُودًا من الأرض فقال: ما زاد عيسى على هذا، ولا هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله، فقال: وإن نخرتم، وإن نخرتم! ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيُوم بأرضي، من سبَّكم غُرِّم. و«السيوم» بلسانهم: الآمنون. وقال للرسولين: لو أعطيتموني دَبْرًا من ذهب ــ يقول: جبلًا من ذهب ــ ما أسلمتهم إليكما، ثم أمر فرُدَّت عليهما هداياهما ورجعا مقبوحَين. الإسراء والمعراج: اختلاف الصحابة؛ هل رأى صلى الله عليه وسلم ربَّه تلك الليلة أم لا؟ واختلف الصحابة: هل رأى ربَّه تلك الليلة أم لا؟ فصحَّ عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده. وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ [النجم: 13] إنما هو جبريل. وصحَّ عن أبي ذرٍّ أنه سأله: هل رأيت ربَّك؟ فقال: «نور أنَّى أراه؟»، أي: حال بيني وبين رؤيته النورُ، كما قال في اللفظ الآخر: «رأيت نورًا». وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدَّس الله روحه -: وليس قول ابن عباس: «إنه رآه» مناقضًا لهذا، ولا قوله «رآه بفؤاده»؛ وقد صحَّ عنه أنه قال: «رأيت ربي تبارك وتعالى»، ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان بالمدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربِّه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بُدَّ، ولكن لم يقل أحمد: إنه رآه بعينَي رأسه يقظةً، ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه، ولكن مرةً قال: رآه، ومرةً قال: رآه بفؤاده، فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك. وأما قول ابن عباس: إنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى قوله تعالى: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [النجم: 11]، ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ [النجم: 13]، والظاهر أنه مستنده، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خُلِق عليها، وقول ابن عباس هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله: رآه بفؤاده، والله أعلم. ![]() وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة واستقبال الأنصار له: وبلغ الأنصارَ مخرجُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وقصدُه المدينة، فكانوا يخرجون كلَّ يومٍ إلى الحرَّة ينتظرونه أولَ النهار، فإذا اشتدَّ حرُّ الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان يومُ الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاثَ عشرةَ سنةً من نبوَّته خرجوا على عادتهم فلما حَمِي حرُّ الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أُطُمٍ من آطام المدينة لبعض شأنه فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبيِّضين يزول بهم السراب، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قَيْلَةَ! هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدُّكم[9]الذي تنتظرونه؛ فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقَّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسُمِعت الوَجْبَة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه وخرجوا للقائه، فتلقَّوه وحيَّوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مُطِيفِين حولَه، والسكينةُ تغشاه، والوحيُ ينزل عليه، واللهُ مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف فنزل على كلثوم بن الهِدْم، وقيل: بل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلةً وأسَّس مسجد قباء، وهو أول مسجدٍ أُسِّس بعد النبوة. فلما كان يومُ الجمعة ركب بأمر الله له فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمَّع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ![]() بناء المسجد: قال الزهري: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده، وهو يومئذٍ يُصلِّي فيه رجال من المسلمين، وكان مِرْبدًا لسهلٍ وسهيلٍ غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حِجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارًا ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمِّع أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرُ غرقدٍ ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنُبِشت، وبالنخل والشجر فقطعت وصُفَّت في قبلة المسجد، وجُعِل طولُه مما يلي القبلة إلى مؤخَّره مائةَ ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجُعِل أساسُه قريبًا من ثلاث أذرع، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول: وكان يقول: وجَعَل قبلتَه إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: بابًا في مؤخَّره، وبابًا يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجَعل عُمُدَه الجذوع، وسُقِف بالجريد، وقيل له: ألا نَسْقُفُه؟ فقال: «لا، عريش كعريش موسى»، وبنى بيوتًا إلى جانبه بيوتَ الحُجَر باللَّبِن، وسَقَفها بالجذوع والجريد، فلمَّا فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقيَّ المسجدِ يليه، وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بنت زمعة بيتًا آخر. ![]() مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار: ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا: نصفُهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار؛ آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: ٧٥] ردَّ التوارثَ إلى الرَّحِم دون عقد الأخوة. والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقَرابة النسب عن عقد مواخاةٍ، بخلاف المهاجرين مع الأنصار. ولو واخى بين المهاجرين لكان أحقَّ الناس بأخوته أحبُّ الخلق إليه ورفيقُه في الهجرة، وأنيسُه في الغار، وأفضل الصحابة، وأكرمُهم عليه: أبو بكر الصديق، وقد قال: «لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل»، وفي لفظ: «ولكن أخي وصاحبي». وهذه الأخوة في الإسلام وإن كانت عامةً كما قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا»، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يَرَوني»؛ فلِلصِّديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة ومزيَّةُ الصحبة، ولأتباعه بعدَهم الأخوة دون الصحبة. تحويل القبلة: وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحبُّ أن يُصْرَف إلى الكعبة، وقال لجبريل: «وددتُ أن الله صرف وجهي عن قبلة اليهود»، فقال: إنما أنا عبد، فادعُ ربك وسَلْه؛ فجعل يُقلِّب وجهَه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله عليه: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينةَ، قبلَ وقعةِ بدرٍ بشهرين. وكان في جَعْل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلِها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق. وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قِبلة الأنبياء. وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجَّه؛ إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحقَّ فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت ــ كما قال الله ــ كبيرةً إلا على الذين هدى الله، وكانت محنةً من الله امتحن بها عبادَه ليرى من يتَّبع الرسولَ منهم ممن ينقلب على عقبَيه. يتبع اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| لطائف من زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (1) | امانى يسرى محمد | قسم السيرة النبوية | 0 | 11-07-2025 07:58 PM |
| زاد المعاد في هدي خير العباد المجلد الثالث للحاسب | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 10-29-2020 03:32 PM |
| لهواتف الأندرويد الكتاب الصوتي زاد المعاد في هدي خير العباد 3 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 10-08-2020 10:50 AM |
| لهواتف الأندرويد الكتاب الصوتي زاد المعاد في هدي خير العباد 1 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 08-23-2020 10:19 AM |
| زاد المعاد في هدي خير العباد كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 08-23-2020 10:15 AM |
|
|