لا تحزن مما يتوقع وجد في التوراة مكتوبا : أكثر ما يخاف لا يكون ! ومعناه : إن كثيرا مما يتخوفه الناس لا يقع ، فإن الأوهام في الأذهان ، أكثر من الحوادث في الأعيان . إذا جاءك حدث ، وسمعت بمصيبة ، فتمهل وتأن ولا تحزن ، فإن كثيرا من الأخبار والتوقعات لا صحة لها ، إذا كان هناك صارف للقدر فيبحث عنه، وإذا لم يكن فأين يكون؟! ( أفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد{44}فوقاه الله سيئات ما مكروا )
لا تحزن : فإن المرض يزول ، والمصاب يحول ، والذنب يغفر ، والدين يقضى ، والمحبوس يفك ، والغائب يقدم ، والعاصي يتوب ، والفقير يغتني . لا تحزن : أما ترى السحاب الأسود كيف ينقشع ، والليل البهيم كيف ينجلي ، والريح الصرصر كيف تسكن ، والعاصفة كيف تهدأ ؟! إذا فشدائدك إلى رخاء ، وعيشك إلى هناء ، ومستقبلك إلى نعماء .
لا تراقب تصرفات الناس فإنهم لا يملكون ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، ولا ثوابا ولا عقابا . قال إبراهيم بن أدهم : نحن في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف . وقال ابن تيمية : إنه ليمر بالقلب حال ، أقول : إن كان أهل الجنة في مثل حالنا إنهم في عيش طيب . قال أيضا : إنه ليمر بالقلب حالات يرقص طربا ، من الفرح بذكره سبحانه وتعالى والأنس به
لا تحزن : فإن الله يدافع عنك، والملائكة تستغفر لك، والمؤمنون يشركونك في دعائهم كل صلاة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع ، والقرآن يعدك وعدا حسنا ، وفوق هذا رحمة أرحم الراحمين .
لا تحزن : فأنت من رواد التوحيد وحملة الملة وأهل القبلة ، وعندك أصل حب الله وحب رسوله صلّ الله عليه وسلم ، وتندم إذا أذنبت ، وتفرح إذا أحسنت ، فعندك خير وأنت لا تدري .
لا تحزن : فأنت على خير في ضرائك وسرائك ، وغناك وفقرك ، وشدتك ورخائك ، (( عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، وإن أصابته ضراء فصبر فكان خيرا له ))
لا تحزن من فعل الخلق معك وانظر إلى فعلهم مع الخالق عند أحمد في كتاب الزهد ، أن الله يقول : (( عجبا لك يا ابن آدم ! خلقتك وتعبد غيري ، ورزقتك وتشكر سواي ، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك ، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ، خيري إليك نازل ، وشرك إلي صاعد )) !! . وقد ذكروا في سيرة عيسى عليه السلام أنه داوى ثلاثين مريضا ، وأبرأ عميان كثيرين ، ثم انقلبوا ضده أعداء .
لا تحزن من تعسر الرزق فإن الرزاق هو الواحد الأحد ، فعنده رزق العباد ، وقد تكفل بذلك ، (وفي السماء رزقكم وما توعدون ) . فإذا كان الله هو الرزاق فلم يتملق البشر ، ولم تهان النفس في سبيل الرزق لأجل البشر ؟! قال سبحانه : ( وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ) . وقال جل اسمه : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده )
من كتاب لا تحزن للشيخ عائض القرنى
|