﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٣٤﴾] فالكاظم للغيظ والعافـي عن الناس قد أحسن إلى نفسه وإلى الناس؛ فإن ذلك عمل حسنة مع نفسه، ومع الناس، ومن أحسن إلى الناس فإلى نفسه... قَالَ تَعَالَى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) [الإسراء:7]. ابن تيمية: 2/140-141.
﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٣٤﴾] ولما ذكر أشق ما يترك ويبذل؛ وهو المال، أتبعه أشق ما يحبس؛ فقال: (والكاظمين) أي: الحابسين (الغيظ) عن أن ينفذوه بعد أن امتلأوا منه. البقاعي: 2/157.
﴿ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْءَاخِرَةِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٨﴾] (فآتاهم الله) المحيط علماً وقدرة (ثواب الدنيا) أي: بأن قبل دعاءهم بالنصر، والغنى بالغنائم، وغيرها، وحسن الذكر، وانشراح الصدر، وزوال شبهات الشر. ولما كان ثواب الدنيا -كيف ما كان- لا بد أن يكون بالكدر مشوباً، وبالبلاء مصحوباً -لأنها دار الأكدار- أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: (وحسن ثواب الآخرة). البقاعي: 2/164.
﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٧﴾] طلبوا الغفران أولاً ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب. وفي طلبهم النصر- مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق- إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم، ولا يعولون عليها، بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى، ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى. الألوسي: 4/85.
﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٧﴾] علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها. السعدي: 151.
﴿ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ﴿١٤٦﴾ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٦﴾] فجمعوا بين الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به في المصائب: الصبر عليها والاستغفار من الذنوب التي كانت سببها. ابن تيمية: 2/156.
﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٤﴾] وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيس -ولو عظم- وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدةِ أناسٍ من أهل الكفاءة فيه؛ إذا فقد أحدهم قام به غيره. السعدي: 151.
﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٤﴾] وفي هذه الآية أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر وأصحابه؛ الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله ﷺ. السعدي: 151.
﴿ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٣﴾] في هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها. السعدي: 150.
﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٢﴾] ومن فضله على المؤمنين: أنه لا يُقَدِّر عليهم خيراًً ولا مصيبة إلا كان خيراًً لهم؛ إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا جازاهم جزاء الصابرين. السعدي: 152.
﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٢﴾] أي: ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي... فقد كانت العرب على حال جاهليتها تفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب، والإعراض عن الغنائم. البقاعي: 2/166.
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٢﴾] لما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب؛ وهو التنازع والمعصية. البقاعي: 2/168.
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٢﴾] (وتنازعتم) وقع النزاع بين الرماة؛ فثبت بعضهم كما أمروا، ولم يثبت بعضهم، (وعصيتم) أي: خالفتم ما أمرتم به من الثبوت. وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين -وإن كان المخالف بعضهم- وعظا للجميع، وستراً على من فعل. ابن جزي: 1/161.
﴿ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا ۖ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥١﴾] (بما أشركوا بالله) تعليل؛ أي: كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم. القرطبي: 5/357.
﴿ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا ۖ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥١﴾] تخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين. ابن تيمية: 2/157-158.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٤٩﴾] زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها بالنداء بوصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. الألوسي:4/87.
﴿ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٧﴾] (ولئن قتلتم) أيها المؤمنون في سبيل الله؛ أي: في الجهاد، أو متم حتف الأنف؛ وأنتم متلبسون به فعلا أو نية، (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) أي: الكفار من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم؛ وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وفيه تعزية لهم، وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى. الألوسي: 4/104.
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ ۗ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٦﴾] نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد؛ الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها، ومن قاتل فقتل، لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر، أو للقتال. ابن عطية: 1/530.
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٥﴾] إن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال، فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار. البقاعي:2/171.
﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ۗ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٤﴾] وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله ﷺ ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: (قل لو كنتم في بيوتكم) التي هي أبعد شيء عن مظان القتل (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء. السعدي: 153.
﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٤﴾] كنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه؛ لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به، لا يشاركه فيه غيره؛ فيفعل ما يشاء. الألوسي: 4/95.
﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٤﴾] كان غرض المنافقين لا المدافعة عن الدين؛ فهم إنما يطلبون خلاص أنفسهم، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور. البقاعي: 2/169.
﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ ۖ ﴾ [سورة آل عمران آية:﴿١٥٤﴾] وقد استجدوا بذلك نشاطهم، ونسوا حزنهم؛ لأن الحزن تبتدئ خفته بعد أول نومة تعفيه، كما هو مشاهد في أحزان الموت وغيرها. ابن عاشور: 4/133.