استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
 

   
الملاحظات
 

 
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-01-2026, 03:39 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي المعاني الإيمانية لأسماء الله: الصبور - الحليم - الشكور

      

المعاني الإيمانية لأسماء الله: الصبور - الحليم - الشكور
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

أمَّا الصَّبرُ، فقد أطلقَهُ عليه أعرَفُ الخَلْقِ به وأعظمُهم تنزيهًا له بصيغةِ المُبالغةِ، ففي الصَّحيحينِ مِن حديثِ الأعمشِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، عن أبي موسى، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ عز وجل، يَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ»[1].

وفي أسمائِهِ الحُسنى: الصَّبورُ، وهو من أمثلةِ المبالغَةِ، أبلغُ من الصابرِ والصَّبَّارِ، وصَبرُه تعالى يُفارقُ صَبرَ المخلوقِ، ولا يُماثِلُه مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ، منها أنه عن قُدرةٍ تامَّةٍ، ومنها أنه لا يَخافُ الفَوْتَ، والعبدُ إنما يَستَعجلُ لخوفِ الفوتِ، ومنها أَنَّه لا يَلحقُه بصبرِه ألمٌ ولا حُزنٌ ولا نقصٌ بوجهٍ ما، وظهورُ أثرِ هذا الاسمِ في العالَمِ مَشهودٌ بالعِيانِ كظهورِ اسمِه الحليمِ.

والفرق بين الصَّبرِ والحِلْمِ: أَنَّ الصَّبْرَ ثمرةُ الحِلْمِ ومُوجَبُهُ، فعلى قَدْرِ حِلْمِ العَبْدِ يكونُ صَبرُه، فالحِلمُ في صفاتِ الربِّ تعالى أوسعُ مِن الصَّبرِ، ولهذا جاء اسمُه الحليمُ في القرآنِ في غيرِ موضعٍ، ولسَعتِه يقرنُهُ سُبْحَانَهُ باسمِ العَليمِ، كقولِه: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا[الأحزاب: 51]، و ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [الحج: 59].

وفي أثرٍ أَنَّ حمَلةَ العرشِ أربعةٌ: اثنانِ يقولانِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وبحمدِكَ، لك الحمدُ على حِلْمِك بعد عِلْمِكَ، واثنانِ يقولانِ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وبحمدِكَ، لك الحمدُ على عفوِك بعد قُدْرتِكَ.

فإِنَّ المخلوقَ يَحْلُمُ عن جَهلٍ، ويعفُو عن عَجْزٍ، والرَّبُّ تعالى يَحْلُمُ مع كمالِ عِلْمِهِ، ويَعْفُو مع تمامِ قُدْرتِه، وما أُضيفَ شيءٌ إلى شيءٍ أزينُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عفْوٍ إلى اقْتِدَارٍ، ولهذا كان في دُعاءِ الكَرْبِ وُصِفَ سُبْحَانَهُ بالحِلْمِ مع العظمَةِ، وكونُه حليمًا مِن لوازمِ ذاتِهِ سُبْحَانَهُ.

وأما صَبْرُه سُبْحَانَهُ، فمتعلِّقٌ بكُفْرِ العبادِ، وشرْكِهم، ومَسَبَّتهم له سُبْحَانَهُ، وأنواعِ مَعاصِيهم وفجورِهم، فلا يُزعِجُه ذلك كلُّه إلى تعجيلِ العقوبةِ، بل يَصبرُ على عبْدِه، ويُمْهِلُه، ويَستَصلِحُه، ويَرْفُقُ به، ويَحْلُمُ عنه، حتى إذا لم يَبْقَ فيه مَوضِعٌ للصّنَيعةِ، ولا يَصْلحُ على الإمهالِ والرِّفقِ والحِلمِ،ولا يُنِيبُ إلى ربِّه ويَدْخُل عليه لا مِن باب الإحسان والنعم، ولا مِن بابِ البلاءِ والنِّقمِ - أَخَذَهُ أخْذَ عزيزٍ مُقتدرٍ، بعد غايةِ الإعذارِ إليه، وبذْلِ النصيحةِ له، ودُعائِه إليه مِن كلِّ بابٍ، وهذا كلُّه مِن مُوجِباتِ صِفَةِ حِلْمِه، وهي صفةٌ ذاتيةٌ لا تزولُ.

وأما الصَّبرُ، فإذا زالَ مُتَعَلَّقُه، كان كسائرِ الأفعالِ التي تُوجدُ بوجودِ الحِكْمةِ، وتزولُ بزوالِها، فتأمَّلْهُ، فإنَّه فرْقٌ لطيفٌ ما عَثَرتِ الحُذَّاقُ بعُشْرِهِ، وقلَّ مَنْ تَنَبَّهَ له ونبَّه عليه، وأشكلَ على كثيرٍ منهم هذا الاسمُ، وقالوا: لم يأتِ في القرآنِ، فأعرضوا عن الاشتغالِ به صفحًا، ثُمَّ اشتغلوا بالكلامِ في صَبْرِ العبْدِ وأقسامِه، ولو أنهم أَعطَوا هذا الاسمَ حقَّهُ، لَعَلِموا أنَّ الرَّبَّ تعالى أحقُّ به مِن جميعِ الخَلْقِ، كما هو أحقُّ باسمِ العليمِ، والرَّحيمِ، والقديرِ، والسَّميعِ، والبصيرِ، والحيِّ، وسائرِ أسمائِه الحُسنى - مِنَ المخلوقين - وأنَّ التفاوتَ الذي بين صَبْرِه سُبْحَانَهُ وصَبْرِهم، كالتفاوتِ الذي بين حياتِهم وحياتِه، وعِلمِهِ وعِلمِهم، وسمعِه وسمعِهم، وكذا سائرِ صفاتِه.

ولمَّا عَلِمَ ذلك أَعْرَفُ خَلْقِه به قال: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذَىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ»[2]، فعِلْمُ أربابِ البَصائرِ بصبرِه سُبْحَانَهُ كعِلْمِهم برحمتِهِ وعفوِه وسَتْرِهِ، مع أنَّه صَبْرٌ مع كمالِ عِلمٍ وقُدْرةٍ وعظَمةٍ وعِزَّةٍ، وهو صَبْرٌِ من أعظمِ مصبورٍ عليه؛ فإِنَّ مُقابلةَ أعظمِ العظماءِ، ومَلِكِ الملوكِ، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحشِ الفواحشِ، ونسبتَه إلى كلِّ ما لا يليقُ به، والقدحَ في كمالِه وأسمائِه وصفاتِه، والإلحادَ في آياتِه، وتكذيبَ رسُلِه عز وجل، ومقابلتَهُمْ بالسَّبِّ والشتمِ والأذى، وتحريقَ أوليائِه وقتلَهُم وإهانتَهُم - أمرٌ لا يَصبرُ عليه إلا الصَّبورُ، الذي لا أحدَ أصبرُ منه، ولا نِسبةَ لصبرِ جميعِ الخلْقِ مِن أوَّلِهم إلى آخرِهِم إلى صبرِه سُبْحَانَهُ.

وإذا أردتَ معرفةَ صَبْرِ الربِّ تعالى وحِلْمِهِ، والفرْقَ بينهما، فتأمَّلْ في قولِه تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: 41].

وقولِه: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم: 88 - 91].

وقولِه: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم: 46]، على قراءة مَنْ فتحَ اللَّامَ.

فأخبَر سُبْحَانَهُ أَنَّ حِلْمَه ومغفرتَهُ يَمنعانِ زوالَ السَّماواتِ والأرضِ، فالحِلْمُ وإمساكُهما أَنْ تزولا هو الصَّبْرُ، فبِحِلْمِه صَبَر عن معالجةِ أعدائِهِ.

وفي الآيةِ إشعارٌ بأنَّ السماواتِ والأرضَ تهُمُّ وتستأذِنُ بالزوالِ لِعظمِ ما يأتي به العِبادُ، فيُمسكُها بحِلْمِهِ ومغفرتِه، وذلك حَبْسُ عقوبتِه عنهم، وهو حقيقةُ صَبْرِه تعالى، فالذي عنه الإمساكُ هو صفةُ الحِلْمِ، والإمساكُ هو الصَّبْرُ، وهو حَبْسُ العقوبةِ، ففرقٌ بين حبْسِ العُقوبةِ وبين ما صَدَر عنه حبْسُها، فتأمَّلْهُ.

وفي مسندِ الإمامِ أحمدَ مرفوعًا: «ما مِن يومٍ إلا والبحرُ يستأذِنُ ربَّه أَنْ يُغرِقَ بَني آدمَ»[3]، وهذا مقتضى الطبيعةِ؛ لأنَّ كُرةَ الماءِ تعلو كُرةَ التُّرابِ بالطبعِ، ولكنَّ اللهَ يُمسِكُه بقُدْرتِه وحِلْمِه وصَبْرِه.

وكذلك خُرورُ الجبالِ، وتفطيرُ السَّماواتِ، الربُّ تعالى يحبِسُها عن ذلك بصَبْرِه وحِلمِه، فإنَّ ما يأتي به الكفارُ والمشركون والفُجَّارُ في مقابلةِ العظمةِ والجلالِ والإكرامِ يقتضي ذلك، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ في مقابلةِ هذه الأسبابِ أسبابًا يُحِبُّها ويرضاها ويفرحُ بها أكْمَلَ فرحٍ تُقابِلُ تلك الأسبابَ التي هي سببُ زوالِ العالمِ وخرابِهِ، فدفعَتْ تلك الأسبابَ وقاومتْها.

وكان هذا مِنْ آثارِ مُدافعةِ رحمَتِهِ لِغضبِه وغَلبتِها له وسبقِها إيَّاه، فغَلَبَ أثرُ الرَّحمةِ أثَرَ الغضبِ، كما غلبتِ الرَّحمةُ الغضبَ.

ولهذا استعاذَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بصِفة الرِّضا مِن صِفةِ السُّخْطِ، وبفعْل المعافاةِ مِن فعلِ العقوبةِ، ثم جَمَعَ الأمْرين في الذَّاتِ، إِذْ هُما قائمانِ بها، فقال: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»[4]، فإنَّ ما يُستعاذُ به هو صادِرٌ عن مشيئتِه وخلْقِه بإذنِه وقضائِه، فهو الذي أَذِنَ في وقوعِ الأسبابِ التي يُستعاذُ منها خَلْقًا وكَونًا، فمنْه السببُ والمُسبَّبُ، وهو الذي حَرَّكَ الأنفُسَ والأبدانَ وأعطاها قُوى التأثيرِ، وهو الذي أوجَدَها وأعدَّها ومدَّها وبسَطَها على ما شاء، وهو الذي يُمسِكُها إذا شاءَ، ويَحُولُ بينها وبين قُواها وتأثيرِها.

فتأمَّلْ ما تحتَ قولِه: «أعوذُ بِكَ مِنْكَ» مِن محْضِ التَّوحيدِ، وقطْعِ الالتفاتِ إلى غيرِه، وتكميلِ التوكُّلِ عليه سبحانه وتعالى به وَحْدَهُ، وإفرادِه بالخوفِ والرَّجاءِ ودفْعِ الضُّرِّ وجلْبِ الخيرِ، وهو الذي يَمَسُّ بالضُّرِّ بمشيئَتِه، وهو الذي يَدْفعهُ بمشيئَتِه مِنْ مَشيئَتِهِ، وهو المُعِيذُ مِنْ فعلِه بفعلِه، وهو الذي سُبْحَانَهُ خلَقَ ما يصبرُ عليه وما يرضى به، فإذا أغضبَتْهُ معاصي الخلْقِ وكفْرُهم وشِرْكُهم وظلْمُهم، أرضاه تسبيحُ ملائِكَتِهِ وعبادِهِ المؤمنين له وحمدُهم إياه، وطاعتُهم له، فيُعيذُ رضاه مِن غضَبِهِ.

قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السماواتِ والأرضِ مِن نُورِ وجهِه، وإنَّ مقدارَ يومٍ مِن أيامِكم عنده اثنتا عَشْرَةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكم بالأمس أولَ النهارِ اليومَ، فيَنظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فيطَّلعُ منها على ما يكرَهُ فيغضبُه ذلك، فأوَّل ما يعلمُ بغضبِه حملةُ العرشِ يجدونَهُ يَثْقُلُ عليهم، فتسبِّحُه حمَلةُ العرشِ وسرادقاتُ العرشِ والملائكةُ المقرَّبون وسائرُ الملائكةِ، حتى يَنفخَ جبريلُ في القرنِ فلا يَبقى شيءٌ إلا يَسمَعُ، فيُسَبِّحون الرحمَن ثلاثَ ساعاتٍ حتى يَمْتلئَ الرحمنُ رحمةً، فتلك ستُّ ساعاتٍ».

قال: «ثُمَّ يؤتَى بالأرحامِ، فينظر فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ [آل عمران: 6]، ﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى: 49، 50].

فتلك تسعُ ساعاتٍ، ثم يُؤتى بالأرزاقِ فينظرُ فيها ثلاثَ ساعاتٍ، فذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26]، وقوله: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]».

قال: هذا شأنُكم وشأنُ ربِّكم»، رواه أبو القاسم الطبراني في السُّنّةِ، وعثمان بن سعيد الدارمي، وشيخُ الإسلامِ الأنصاري، وابنُ مَنده، وابنُ خزيمةَ وغيرُهم.

ولمَّا ذكرَ سُبْحَانَهُ في سورةِ الأنعامِ أعداءَهُ وكفْرَهُمْ وشِرْكَهم وتكذيبَ رسلِه - ذكرَ في أثر ذلك شأنَ خليلِه إبراهيمَ، وأراهُ مِن ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، وما حاجَّ به قومَهُ في إظهارِ دِينِ اللهِ وتوحيدِه... ثم ذكرَ الأنبياءَ من ذريِّتهِ، وأنَّه هداهُم وآتاهم الكِتابَ والحُكْمَ والنبوَّةَ - ثُمَّ قال: ﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام: 89]، فأَخبرَ أنه سُبْحَانَهُ، كما جعَل في الأرضِ مَنْ يكفرُ به، ويجحدُ توحيدَه، ويكذِّبُ رُسلَهُ، كذلك جعلَ فيها مَنْ يؤمنُ بما كفرَ به أولئك، ويُصَدِّقُ بما كذَّبوا به، ويحفظُ مِنْ حُرماتِه ما أضاعوه.

وبهذا تماسك العالمُ العلويُّ والسُّفليُّ، وإِلَّا فلو تَبِعَ الحقُّ أهواءَ أعدائِهِ لفسدَتِ السماواتُ والأرضُ ومَنْ فيهن ولخَرِبَ العالمُ، ولهذا جعَلَ سُبْحَانَهُ مِن أسبابِ خَرابِ العالم رفْعَ الأسبابِ المُمسكةِ له مِنَ الأرضِ، وهي كلامُه وبيتُه ودِينُه والقائمون به، لا يَبقى لتلك الأسبابِ المقتضيةِ لخرابِ العالمِ أسبابٌ تُقاومُها وتمانِعُها.

ولمَّا كان اسمُ (الحليمِ) أَدْخَلَ في الأوصافِ، واسمُ (الصَّبورِ) في الأفعالِ، كان الحِلْمُ أصْلَ الصَّبرِ، فوقَع الاستغناءُ بذكْرِه في القرآنِ عن اسمِ (الصَّبورِ)... والله أعلم.

وأما تسميتُه سُبْحَانَهُ بالشكور، فهو في حديثِ أبي هُريرةَ.

وفي القرآنِ تسميتُه شاكرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: 147].

وتسميتُه أيضًا شكورٌ، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: 17].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: 22]، فجَمعَ لهم سُبْحَانَهُ بين الأمْرين: أَنْ شَكَرَ سعيَهم، وأثابَهم عليه، واللهُ تعالى يَشكرُ عبدَه إذا أحسَنَ طاعتَهُ، ويَغفرُ له إذا تابَ عليه، فيجمعُ للعبدِ بَين شُكْرِه لإِحسانِه، ومغفرَتِه لإساءتِه، إِنَّه غفورٌ شكورٌ.

وقد تقدَّمَ ذكْرُ حقيقةِ شُكْرِ العبدِ وأسبابِه ووجوهِهِ.

وأما شكْرُ الرَّبِّ تعالى فله شأنٌ آخرُ كشأنِ صَبرِه، فهو أولى بصفةِ الشُّكرِ مِن كلِّ شكورٍ، بل هو الشَّكورُ على الحقيقةِ، فلا يَستقلُّه أن يشكرَهُ، ويشكرَ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها إلى أضعافٍ مضاعفةٍ.

ويشكرُ عبدَهُ بقولِهِ بأَنْ يُثنيَ عليه بين ملائكتِه وفي مَلَئِه الأعلى، ويُلقي له الشُّكرَ بين عبادِه، ويشكُره بفعلِه، فإذا تركَ له شيئًا أعطاه أفضلَ منه، وإذا بذَل له شيئًا ردَّهُ عليه أضعافًا مضاعفةً، وهو الذي وفَّقَهُ للتَّرْكِ والبذْلِ، وشكَرَهُ على هذا وذاك.

ولما عَقَرَ نبيُّهُ سليمانُ الخيلَ غضبًا له، إِذْ شغلتْهُ عن ذكْرِه، فأراد ألَّا تُشغِلَهُ مرّةً أخرى، أعاضَهُ عنها متْنَ الرِّيحِ.

ولما تَرَكَ الصَّحابةُ ديارَهم، وخرجوا منها في مرضاتِه، أعاضَهم عنها أن ملَّكَهم الدُّنيا وفتَحها عليهم.

ولما احتَمَلَ يوسفُ الصِّدِّيقُ ضيقَ السِّجْنِ، شَكَرَ له ذلك بأَنْ مكَّنَهُ في الأرضِ يتبوَّأُ منها حيثُ يَشاءُ.

ولما بذلَ الشُّهداءُ أبدانَهم له ومزَّقها أعداؤهُ، شَكَرَ لهم ذلك بأَنْ أعاضَهُمْ منها طَيرًا خُضْرًا أقرَّ أرواحَهُمْ فيها، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّةِ، وتأكلُ مِنْ ثِمارِها إلى يومِ البَعْثِ، فيَرُدُّها عليهم أكْمَلَ ما تكُونُ وأجْمَلَهُ وأبْهَاهُ.

ولما بَذَلَ رسُلُهُ أعراضَهم فيه لأعدائِهم، فنالوا منهم وسَبُّوهُمْ، أعاضَهُم مِنْ ذلك بأَنْ صلَّى عليهم هو وملائكتُه، وجعلَ لهم أطيَبَ الثَّناءِ في سماواتِه وبَيْنَ خلقِهِ، فأَخْلَصهُمْ بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ.

ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أنَّه يُجازي عدوَّهُ بما يفعلُه مِنَ الخيرِ والمعروفِ في الدُّنيا، ويخفّفُ به عنه يومَ القيامةِ، فلا يُضيعُ عليه ما يفعلُه مِن الإِحسانِ، وهو مِنْ أبغضِ خلْقِهِ إليه.

ومِنْ شُكرِهِ: أَنَّه غَفَرَ للمرأةِ البغيِّ بسَقْيها كلبًا كان قد جَهَدَهُ العطشُ حتى أكلَ الثرى، وغفرَ لآخَرَ بتنْحِيَتِه غُصنَ شوكٍ عن طريقِ المسلمين.

فهو سُبْحَانَهُ يَشكرُ العَبْدَ على إحسانِه لنفسِه، والمخلوقُ إِنَّما يشكر مَنْ أحسنَ إليه، وأبلغُ مِنْ ذلك أَنَّه سُبْحَانَهُ هو الذي أعطى العبدَ ما يُحسِنُ به إلى نفسِهِ، وشَكَرَهُ على قليلهِ بالأضعافِ المضاعفةِ التي لا نِسْبَةَ لإحسانِ العبدِ إليها، فهو المحْسنُ بإعطاءِ الإحسانِ وإعطاءِ الشكرِ، فمَنْ أحقُّ باسمِ الشكورِ منه سُبْحَانَهُ؟

وتأملْ قولَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا[النساء: 147]، كيف تجدُ في ضِمْنِ هذا الخطابِ أَنَّ شُكْرَهُ تعالى يأبَى تعذيبَ عبادِهِ بغيرِ جُرْمٍ، كما يأبَى إِضاعَةَ سعْيِهم باطلًا، فالشكورُ لا يُضيعُ أَجْرَ مُحسِنٍ، ولا يُعذِّبُ غيرَ مُسيءٍ.

وفي هذا ردٌّ لقولِ مَنْ زعمَ أَنَّه سُبْحَانَهُ يُكَلِّفُه ما لا يُطيقُه، ثُمَّ يُعذِّبُه على ما لا يَدْخُلُ تحتَ قُدرتِهِ، تعالى اللهُ عن هذا الظنِّ الكاذبِ والحُسبانِ الباطلِ عُلوًّا كبيرًا، فشُكْرُه سُبْحَانَهُ اقتضى أَنْ لا يُعذِّبَ المؤمنَ الشَّكورَ، ولا يُضيعُ عَملَهُ.

وذلك مِنْ لوازِمِ هذه الصِّفَةِ، فهو مُنزَّهٌ عن خلافِ ذلك، كما يُنزَّهُ عن سائرِ العُيوبِ والنقائصِ التي تُنافي كمالَهُ وغِناهُ وحمْدَهُ.

ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّه يُخرِجُ العبدَ مِن النَّارِ بأدنى مِثقالِ ذَرَّةٍ مِن خيرٍ، ولا يُضيعُ عليه هذا القَدْرَ.

ومِنْ شُكْرِه سُبْحَانَهُ: أَنَّ العبدَ مِنْ عِبادِه يقُومُ له مقامًا يُرضيه بين النَّاسِ فيشكرُه له، وينوِّهُ بذكرِه، ويُخبر به ملائكَتَهُ وعبادَهُ المؤمنينَ... كما شَكَرَ لمؤمنِ آلِ فرعَونَ ذلك المقامَ، وأثنى بِه عليه، ونوَّه بذكرِه بَيْنَ عبادِهِ... وكذلك شُكْرُه لصاحبِ يَس مقامَهُ ودَعْوتَهُ إليه، فلا يَهْلِكُ عليه بين شُكرِه ومغفرتِه إلا هالِكٌ، فإِنَّه سُبْحَانَهُ غفورٌ شَكورٌ، يغفِرُ الكثيرَ مِن الزَّلَلِ، ويشكرُ القليلَ من العَملِ.

ولمّا كان سُبْحَانَهُ هو الشكورَ على الحقيقةِ، كان أَحبَّ خلْقِهِ إليه مَنِ اتَّصفَ بصفةِ الشّكرِ، كما أَنَّ أبغضَ خلْقِهِ إليه مَنْ عطَّلها واتَّصفَ بضِدِّها، وهذا شَأْنُ أسمائِهِ الحُسنى، أَحبُّ خلقِهِ إليه مَنِ اتَّصفَ بمُوجبِها، وأَبغضُهم إليه مَنِ اتَّصفَ بأضْدَادِها.

في انقسام الصَّبرِ إلى محمودٍ ومذمومٍ:
فالمذمومُ: الصبرُ عن اللهِ وإرادتِه ومحبَّتِه وسيرِ القلبِ، فإنَّ هذا الصبرَ يتضمَّنُ تعطيلَ كمالِ العبدِ بالكُلّيةِ وتفويتَ ما خُلِقَ له.

وهكذا كما أنه أقبحُ الصبرِ، فهو أعظمُه وأبلغُه، فإنه لا صَبْرَ أبلغُ مِن صبرٍ مَن يصبرُ عن محبوبِه الذي لا حياةَ له بدونه ألبتَّةَ، وكما لا زُهْدَ أبلغُ مِن زُهدِ الزاهدِ فيما أعدَّ اللهُ لأوليائِه مِن كرامتِه مما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فالزُّهدُ في هذا أعظمُ أنواع الزهدِ.

وكما قال رجلٌ لبعضِ الزاهدين وقد تعجَّبَ لزهدهِ: وما رأيتُ أزهدَ منك، فقال: أنتَ أزهد مني؛ أنا زهدت في الدُّنيا وهي لا بقاءَ لها ولا وفاءَ، وأنتَ زَهِدْتَ في الآخرة، فمَنْ أزهدُ منا؟

قال يحيى بنُ معاذٍ الرازيُّ: «صبْرُ المحبِّين أعجبُ مِن صَبرِ الزاهدين، واعجبًا، كيف يصبرون؟!».

وفي هذا قيل:
الصَّبْرُ يُحْمَدُ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا
إِلَّا عَلَيْكَ فَإِنَّه لَا يُحْمَدُ




ووقفَ رجلٌ على الشِّبلي، فقال: أَيُّ الصَّبْرِ أشدُّ صبرًا على الصابرين؟ فقال: الصبرُ في اللهِ، قال: لا، فقال: الصبرُ للهِ، فقال: لا، قال: فالصبر مع اللهِ، قال: لا، قال: فأي شيءٍ هو؟ قال: الصبرُ عن اللهِ، فصرخَ الشبليُّ صرخةً كادت رُوحهُ تزهقُ.

وقيل: «الصبرُ مع اللهِ وفاءٌ، والصبرُ عن اللهِ جفاءٌ».

وقد أجمع النَّاسُ على أَنَّ الصبرَ عن المحبوبِ غيرُ محمودٍ، فكيف إذا كان كمالُ العبدِ وفلاحُه في محبَّتِه.

ولم تزَلِ الأحبابُ تعيبُ المحبِّينَ بالصبرِ عنهم كما قيل:
والصَّبرُ عنكَ فمذمومٌ عواقِبُه
والصَّبرُ في سائرِ الأشياءِ محمودُ




وقال آخرُ في الصبر عن محبوبِه:
إذا لَعِبَ الرِّجالُ بكلِّ شيءٍ
رأيتُ الحُبَّ يلعبُ بِالرِّجالِ
وكيف الصبرُ عمَّن حلَّ مني
بمنزلةِ اليمينِ مع الشّمالِ


وشكا آخرُ إلى محبوبِه ما يُقاسي مِنْ حُبِّه فقال: لو كنتَ صادقًا لما صبرتَ عنّي:
ولمَّا شكوتُ الحبَّ قالت: كَذَبْتَني
تُرى الصَّبُّ عن محبوبِه كيف يصبِرُ؟





وأما الصَّبرُ المحمودُ فنوعانِ: صَبرٌ للهِ، وصبرٌ باللهِ.
قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127].
وقال: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48].

وقد تنازعَ الناسُ أيُّ الصابرين أكْملُ؟
فقالت طائفةٌ: الصبرُ له أكْملُ، فإِنَّ ما كان لله أكْملَ مما كان باللهِ؛ فإنّ ما كان له غايةٌ، وما كان به فهو وسيلةٌ، والغايات أشرَف مِن الوسائلِ، ولذلك وجبَ الوفاءُ بالنَّذرِ إذا كان تبرُّرًا وتقرُّبًا إلى اللهِ لأنه نذْرٌ له، ولم يجبِ الوفاءُ به إذا خرجَ مخرجَ اليمينِ لأنه حَلَفَ به.

فما كان له سُبْحَانَهُ فهو متعلِّقٌ بألوهيَّته، وما كان به فهو متعلِّقٌ بربوبيته، وما تعلَّقَ بألوهيتِه أشرفُ مما تعلَّقَ بربوبيتِه.

ولذلك توحيدُ الألوهية هو المنجي مِن الشركِ دون توحيدِ الربوبيةِ بمجردِهِ، فإن عُبَّادَ الأصنامِ كانوا مُقرِّين بأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكُه، ولكِنْ لمَّا لم يأتوا بتوحيدِ الألُوهيةِ، وهي عبادتُه وَحْدَهُ لا شريكَ له، لم ينفعْهُمْ توحيدُ ربوبيتِه.

وقالت طائفةٌ: الصبرُ باللهِ أكملُ، بل لا يمكنُ الصبرُ إلا بالصبرِ بِه، وكما قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ [النحل: 127]، فأَمَرَه بالصبرِ، والمأمورُ به هو الذي يُفعل لأجلِه، ثم قال: ﴿ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127]، فهذه الجملةُ جملةٌ خبريَّةٌ غيرُ الجملةِ الطلبيةِ التي تقدَّمتْها، أخبر فيها أنه لا يُمكنُه الصَّبْرُ إلا به، وذلك يتضمَّن أمْرين: الاستعانةَ باللهِ والمعيَّةَ الخاصَّةَ التي تدلُّ عليها باءُ المصاحبةِ، كقوله: فبي يسمعُ، وبي يُبصرُ، وبي يبطِشُ، وبي يمشي[5].

وليس المرادُ بهذه الباءِ الاستعانةَ، فإن هذا أمْرٌ مشترَكٌ بين المطيعِ والعاصي فإِنَّ ما لا يكونُ بالله لا يكونُ، بل هي باءُ المصاحبةِ والمعيَّةِ التي صرَّحَ بمضمونِها في قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153]، [الأنفال: 46]، وهي المعيَّةُ الحاصِلةُ لعبدِه الذي تَقَرَّبَ إليه بالنوافلِ حتى صارَ محبوبًا له، فبِهِ يسمعُ ويُبصرُ، وكذلك به يصبرُ، فلا يتحرَّكُ، ولا يسكُنُ، ولا يُدرِكُ إلا بالله واللهُ معه، مَنْ كان كذلك، أمكنَهُ الصبرُ له، وتحمُّلُ الأثقالِ لأجلِه، وكما في الأثر الإلهي: وما يتحمَّلُ المتحمِّلون مِن أجلي.

فدلَّ قولُه: ﴿ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127] على أَنَّه مَنْ يكنِ اللهُ معه لم يمكنه الصبرُ، وكيف يصبرُ على الحكمِ الأمْري امتثالًا وتنفيذًا وتبليغًا، وعلى الحكمِ القَدَري احتمالًا له واضطلاعًا به، مَنْ لم يكنِ اللهُ معه؟

فلا يطمعُ في درجةِ الصَّبرِ المحمودِ عواقِبُه مَن لم يكُنْ صبرُه باللهِ، وكما لا يطمعُ في درجةِ التقرُّبِ المحبوبِ مَنْ لم يكُنْ سمعُه وبصرُه وبطشُه ومشيُهُ باللهِ، وهذا المرادُ مِن قولِه: كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها، ليس المرادُ إني كنتُ نفسَ هذه الأعضاء والقوى كما يظنه أعداءُ الله أهلُ الوحدةِ، وإِنَّ ذاتَ العبدِ هي ذاتُ الربِّ، تعالى اللهُ عن قولِ إخوانِ النصارى عُلوًّا كبيرًا.

ولو كان كما يَظنون لم يكُنِ الفرْقُ بين هذا العبدِ وغيرِه، ولا بين حالتي تقرُّبِه إلى ربِّه بالنوافلِ وتمقُّتِه إليه بالمعاصي، وبل لم يكن هناك مُتَقَرِّبٌ ومتقرَّبٌ إليه، ولا عبدٌ ولا معبودٌ، ولا محبٌّ ولا محبوبٌ، فالحديثُ كلُّه كذِبٌ لدعواهم الباطلةِ مِن نحوِ ثلاثين وجهًا تُعرفُ بالتأمُّلِ الظاهرِ.

وقد فسرَ المرادَ مِن قولِه: «كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَه وَيَدَهُ وَرِجْلَهُ»[6] بقوله: «بي يسمعُ، وبي يُبصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي»، فعبَّر عن هذه المصاحبةِ التي حَصَلتْ بالتقرُّبِ إليه بمحابِّهِ بألطفِ عبارةٍ وأحسنِها تدلُّ على المصاحبةِ ولزومِها، وحتى صارَ منزلةَ سمعِه وبصرِه ويدِه ورِجْلِه.

ومثلُ هذا سائغُ الاستعمالِ أَنْ ينزِلَ إلى منزلَة ما يُصاحِبُه ويقارِنُه حتى يقولَ المحبُّ للمحبوبِ: وأنتَ روحي وسمعي وبصري، وذلك معنيان:
أحدُهما: أَنَّه صارَ منه منزلةَ روحِه وقلْبِه وسمْعِه وبصرِه.

والثاني: أَنَّ محبتَهُ وذكرَه لما استولى على قلبِه وروحِه صار معه وجليسَه.

وكما في الحديث، يقول الله تعالى: «أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»[7].

وفي الحديث: «فَإِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدِي كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَيَدًا وَمُؤَيِّدًا»[8]، ولا يُعَبَّر عن هذا المعنى بأتمَّ مِن هذهِ العبارةِ ولا أحسنَ ولا ألطفَ منها، وإيضاحُ هذه العبارةِ مما يزيدُها جفاءً وخفاءً.

والمقصودُ إنما هو ذكرُ الصبرِ باللهِ، وأَنَّ العبدَ بحسبِ نصيبِه مِن معيَّةِ اللهِ له يكونُ صبرُه، وإذا كان اللهُ معه أمكن أن يأتيَ الصبرُ بما يأتي مِن غيرِه.

قال أبو علي: «فاز الصابرون بِعِزِّ الدَّارَين، لأنهم نالوا مِنَ اللهِ معيَّتَهُ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153]، [الأنفال: 46]».

وهاهنا سِرٌّ بديعٌ، وهو أَنَّ تعلُّقَ مَنْ تعلَّقَ بصفةٍ مِن صفاتِ الربِّ تعالى أدخلَتْهُ تلك الصفةُ عليه وأوصلتهُ إليه، والربُّ تعالى هو الصبورُ، بل لا أحدَ أصبرُ منه على أذًى سَمِعَهُ منه.

وقد قيل إِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أوحَى إلى داودَ: تَخلَّقْ بأخلاقي فإِنَّ مِن أخلاقي أني أنا الصَّبورُ.

والربُّ تعالى يُحبُّ أسماءَهُ وصفاتِهِ، ويحبُّ مقتضى صفاتِه وظهورَ آثارِها في العبدِ، فإنه جميلٌ يحبُّ الجمالَ، عفوٌّ يحبُّ أهلَ العفوِ، كريمُ يحبُّ أهلَ الكرَمِ، عليمٌ يحبُّ أهلَ العلمِ، وِتْرُ يحبُّ أهلَ الوِتْرِ، قويٌّ والمؤمنُ القويُّ أحبُّ مِن المؤمنِ الضعيفِ، صبورٌ يحبُّ الصابرين، شكورٌ يحبُّ الشاكرين، وإذا كان سُبْحَانَهُ يحبُّ المتَّصِفين بآثار صفاتِه، فهو معهم بحسبِ نصيبِهم مِن هذا الاتصافِ، فهذه المعيَّةُ الخاصَّةُ عَبَّرَ عنها بقولِه: كنتُ له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيِّدًا.

وزاد بعضُهم قسمًا ثالثًا مِن أقسامِ الصَّبرِ، وهو الصبرُّ مع اللهِ، وجعلوه أعلى أنواع الصَّبرِ، وقالوا: هو الوفاءُ.

لو سُئِلَ هذا عن حقيقة الصَّبرِ مع اللهِ لما أمْكَنَهُ أَنْ يُفسِّر بغير الأنواعِ الثلاثة التي ذكرتُ: وهي الصَّبرُ على أَقضِيتِه، والصبرُ على أوامرِه، والصبرُ على نواهيه، فإنَّه رغمَ أنَّ الصبرَ مع اللهِ هو الثباتُ معه على أحكامِه، يدُورُ معها حيثُ دارت، فيكُونُ دائمًا مع اللهِ لا مع نفسِه، فهو مع اللهِ بالمحبَّةِ والموافقةِ - فهذا المعنى حَقٌّ، ولكِنَّ مدارَهُ على الصبرِ على الأنواعِ المتقدِّمةِ، وإن زَعَم أَنَّ الصبرَ مع اللهِ هو الجامعُ لأنواعِ الصبرِ - فهذا حقٌّ، ولكِنْ جعْلُه قسمًا رابعًا مِن أقسامِ الصَّبرِ غيرُ مُستقيمٍ.

واعلمْ أَنَّ حقيقةَ الصَّبرِ مع اللهِ، وثباتَ القلبِ بالاستقامةِ معه، وهو لا يروغُ عنه روغانَ الثعالبِ هنا وهناك، فحقيقةُ هذا هو الاستقامةُ إليه، وعكوفُ القلبِ عليه.

وزاد بعضُهم قسمًا آخرَ مِن أقسامِه، وسمَّاه بالصبرَ فيه، وهذا أيضًا غيرُ خارجٍ عن أقسام الصبرِ المذكورةِ، ولا يُعقلُ مِن الصبرِ فيه معنًى غيرُ الصبرِ له، وكما يُقال فعلتُ هذا في الله وله، كما قال خُبيب:
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ




وقد قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]، وقال: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ [الحج: 78]، وفي حديثِ جابرٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لمَّا أَحْيَا أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ، قَالَ: «يَا رَبِّ تُرْجِعُنِي إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى أُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً ثَانِيَةً»[9]، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ولقد أوذيتُ في اللهِ وما يُؤذى أحدٌ»[10].

وهذا يُفهم منه معنيان:
أحدهما: أَنَّ ذلك في مرْضاتِه وطاعتِه وسبيلِه، وهذا فيما يفعلُهُ الإِنسانُ باختيارِه، وكما في الحديثِ: «تعلمتُ فيك العِلْمَ»[11].

والثاني: أنه بسببِه وبجهتِه حصلَ على ذلك، وهذا فيما يُصيبُه بغير اختيارِه وغالبُ ما يأتي قولُهم: ذلك في اللهِ في هذا المعنى.

فتأمل قولَه صلى الله عليه وسلم: «ولقد أوذيتُ في اللهِ»، وقول خُبيب: وذلك في ذاتِ الإلهِ، وقولَ عبدِ الله بن حرامٍ[12]: حتى أُقتلَ فيك، وكذلك قولَه تعالى: ﴿ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [العنكبوت: 69]؛ فإنه يترتب عليه الأذى فيه سُبْحَانَهُ.

وليست (في) هنا للظرفية، ولا لمجردِ السَّببية، وإِنْ كانتْ السَّببيةُ هي أصلَها، فانظر إلى قولِه: «في نفسِ المؤمنِ مائةٌ من الإبلِ»[13]، وقوله: «دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ»[14]، كيف تجد فيه معنًى زائدًا على السَّببيةِ، وليس (في) للوعاءِ في جميعِ معانيها فقولك: فعلتُه في مرضاتِك فيه معنًى زِيدَ على قولِك: فعلتُ لمرضاتِك وأنتَ إذا قلتَ: أوذيتُ في اللهِ لا يقُومُ مقامَ هذا اللفظِ كقولِك: أوذيتُ لله، ولا: بسببِ اللهِ، وإذا فُهِمَ المعنى طُوِيَ حُكمُ العبارةِ.

والمقصودُ أَنَّ الصبرَ في اللهِ إنْ أُرِيدَ به هذا المعنى فهو حَقٌّ، وإِنْ أُريدَ به معنى خارجٌ عن الصَّبرِ في الله كالمجاهدِ في اللهِ، والجهادُ فيه لا يخرج عن معنى الجهادِ به وله، واللهُ الموفِقُ.

وأما قولُ بعضِهم: (الصبرُ للهِ غَناءٌ، والصبرُ باللهِ بقاءٌ، والصبرُ في اللهِ بلاءٌ، والصبرُ مع اللهِ وفاءٌ، والصبرُ عن اللهِ جفاءٌ) فكلامُ لا يجبُ التسليمُ لقائلِه، لأنه ذكرَ ما سَنَح له وتصوَّرَه، وإنما يجبُ التسليمُ للنقلِ المصدَّقِ عن القائلِ المعصومِ، ونحنُ نشْرحُ هذه الكلماتِ.

أما قولُه: (الصبرُ للهِ غَناءٌ)، فإنَّ الصبرَ بترْكِ حُظوظِ النفسِ، ومُرادِها لمرادِ اللهِ، وهذا أَشَقُّ شيءٍ على النفسِ وأصعبُه، فإنَّ قطع المفازةُ التي بين النفسِ وبين اللهِ بحيث يَسيرُ منها إلى الله شديدٌ على النفسِ، بخلافِ السفرِ إلى الآخرةِ فإنه سهْل، وكما قال الجُنيد: السيرُ في الدُّنيا إلى الآخرة سَهْلٌ، يعني على المؤمِنِ، وهجرانُ الخَلْقِ في جنْبِ الحقِّ شديدٌ، والسيرُ مِن النفسِ إلى اللهِ صعبٌ شديدٌ، والصبرُ مع اللهِ أشدُّ.

وأما قولُه: (الصبرُ باللهِ بقاءٌ)، فلأن العبدَ إذا كان باللهِ هان عليه كلُّ شيءٍ، ويتحمَّلُ الأثقالَ ولم يجدْ لها ثِقلًا، فإِنَّه إذا كان باللهِ لا بالخلقِ ولا نفسِهِ، كان لقلبِه وروحِه وُجودٌ آخرُ وشأنٌ آخرُ، غيرُ شأنِه إذا كان بنفسِه وبالخلْقِ، وبهذا الحالِ لا يجدُ عناءَ الصبر ولا مرارتَهُ، وتنقلِبُ مشاقُّ التكليفِ له نعيمًا وقرَّةَ العَينِ.

وكما قال بعضُ الزُّهادِ: عالجتُ قيامَ الليلِ سَنةً وتنعَّمتُ به عشرين سنةً، ومَنْ كان له قرَّةُ عينِه في الصلاةِ لم يجدْ لها مشقةً وكُلْفةً.

وأما قولُه: (الصبرُ في اللهِ بلاءٌ)، فالبلاءُ فوق العَناءِ، والصبرُ فوق الصبرِ له أخصُّ منه.

كما تقدَّم فإِنَّ الصبرَ فيه منزلةُ الجهادِ فيه، وهو أشقُّ مِن الجهادِ له، فكل مجاهدٍ في اللهِ وصابرٍ في اللهِ، مجاهدٍ له وصابرٍ له، ومِن غيرِ عكسٍ، فإِنَّ الرَّجُلَ قد يُجاهِدُ ويَصبِرُ لله مرّةً لِيَقعَ عليه اسمُ مَنْ فَعلَ ذلك لله، ولا يقعُ عليه اسمُ فعلِ ذلك في اللهِ، وإنما يقع على مَنِ انغمسَ في الجهادِ والصَّبرِ دخلَ الجَنَّةَ.

وأما قولُه: (الصبرُ مع اللهِ وفاءٌ)، فلأنَّ الصبرَ معه هو الثباتُ معه على أحكامِهِ، ولا يزيغُ القلبُ عن الإنابةِ، ولا الجوارحُ عن الطاعةِ، فتعطي المعيَّةَ حقَّها مِن التوفِيَةِ، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: 37]، أي وفيما أمر به بصبرِه مع اللهِ على أوامرِه.

أما قولُه: (الصبرُ عن اللهِ جفاءٌ) فلا جفاءَ أعظمُ مِن صبرٍ عن معبودِه وإلهِه ومولاه الذي لا مَولى له سِواه، ولا حياةَ له ولا صلاحَ ولا نعيمَ إلا بمحبَّتِه، والقربِ منه، وإيثارِ مرضاتِه على كلِّ شيءٍ، فأيُّ جفاءٍ أعظمُ مِن الصبرِ عنه؟!

وهذا معنى قولِ مَنْ قال: الصبرُ عَلَى ضِرْبَيْنِ: صَبْرُ العَابِدِينَ وَصَبْرُ المُحِبِّينَ، فَصَبْرُ العَابِدِينَ أحسَنُه أن يكُون محفوظًا، وصبرِ المُحبين أحسَنُه أَنْ يكونَ مرفوضًا كما قيل:
تَبَيَّنُ يومَ البينِ أَنَّ اعتزامَهُ
عَلَى الصَّبْرِ مِنْ إِحْدَى الظُّنُونِ الكَوَاذِبِ




وقال الآخر:
وَلمَّا دَعَوْتُ الصَّبْرَ بَعْدَكَ وَالبُكَا
أَجَابَ البُكَا طَوْعًا وَلَمْ يُجِبِ الصَّبْرُ




وقالوا: يدلُّ عليه قول يعقوبَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: 18]، ورسولُ الله إذا وعدَ وفَّى.

ثم حَمَلَهُ الوجدُ على يوسفَ والشوقُ إليه أَنْ قال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [يوسف: 84]، فلم يكُن عدَمُ صبْرِه عنه منافيًا لقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ فإنَّ الصبرَ الجميلَ هو الذي لا شكوى معه، ولا تُنافيه الشَّكوى إلى اللهِ سبحانه وتعالى، فإنه قد قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 86]، والله تعالى أمَر رسولَه بالصَّبرِ الجميلِ.

وأما قولُه: قولُ بعضِهم: إنَّ الصبرَ الجميلَ أَنْ يكونَ صاحبُ المصيبةِ في القومِ لا يُدرَى مَنْ هو، فهذا مِن الصبرِ الجميلِ، لأَنَّ مَنْ فقدَهُ فقَدَ الصبرَ الجميلَ؛ فإنَّ ظهورَ أثرِ المصيبةِ على العبدِ ما لا يمكن دفعُه البتة؛ وباللهِ التوفيقُ.

وزاد بعضُهم في الصَّبرِ قسمًا آخر، وسَمَّاهُ الصبرَ على الصبرِ، وقال: وهو أَنْ يَستَغرِقَ في الصبرِ حتى يَعجزَ الصبرُ عن الصبرِ، وكما قيل:
صَابرَ الصَّبْرَ فَاسْتَغَاثَ بِهِ الصَّبْرُ
فَصَاحَ المُحِبُّ بِالصَّبْرِ صَبْرًا




وليس هذا خارجًا عن أقسامِ الصَّبرِ، وإنما هو المرابطَةُ على الصبرِ والثباتِ عليه... والله أعلم»[15].

في بيانِ تنازُعِ الناسِ في أيِّهما أفضل الصبر أم الشكر:
حكى أبو الفرج ابنُ الجوزي في ذلك ثلاثةَ أقوالٍ:
أحدُها: أَنَّ الصبرَ أفضلُ.
والثاني: أَنَّ الشكرَ أفضلُ.
والثالث: أنهما سواءٌ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: «لَوْ كَانَ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ بَعِيرَيْنِ مَا بَالَيْتُ أَيُّهُمَا رَكِبْتُ».

ونحن نذكرُ ما احتجَّتْ به كلُّ فرقةٍ، وما لها وعليها في احتجاجِها، بعونِ اللهِ وتوفيقِه.

قال الصابرون: قد أتى اللهُ سُبْحَانَهُ على الصبرِ وأهلِه، ومدحَه، وأمرَ به، وعلَّق عليه خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، وقد ذكره اللهُ في كتابه في نحو تسعين موضعًا، وقد تقدَّم مِن النصوصِ والأحاديثِ فيه، وفي فضلِه، ما يدلُّ على أنه أفضلُ مِن الشكرِ.

ويكفي في فضله قوله صلى الله عليه وسلم: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ»[16]، فذكرَ ذلك في مَعْرِضِ تفضيلِ الصبرِ ورفْعَ درجتِهُ على الشُّكرِ، فإنه أَلحقَ الشاكرَ بالصابرِ وشبَّههُ به، ورتْبةُ المشبَّهِ به أعلى مِن رتْبة المشبَّهِ، وهذا كقولِه: «مُدْمِنُ الخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ»[17]، ونظائرِ ذلك.

قالوا: وإذا وازَنَّا بين النصوصِ الواردةِ في الصبرِ والواردةِ في الشُّكرِ وجدنا نصوصَ الصبرِ أضعافَها، ولهذا لما كانت الصلاةُ والجهادُ أفضلَ الأعمالِ كانتِ الأحاديثُ فيهما في سائرِ الأبوابِ، فلا تجدُ الأحاديثَ النبويَّةَ في بابٍ أكثرَ منها في بابِ الصَّلاةِ والجهادِ.

وقالوا أيضًا: فالصبرُ يَدخُلُ في كلِّ بابٍ، بل في كلِّ مسألةٍ مِن مسائلِ الدِّينِ، ولهذا كان مِن الإيمانِ بمنزلةِ الرأسِ مِن الجسدِ.

وقالوا أيضًا: فالله سبحانه وتعالى علَّق على الشُّكرِ الزيادةَ، فقال: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[إبراهيم: 7]، وعلَّقَ على الصبرِ الجزاءَ بغير حسابٍ.

وأيضًا فإنَّه سُبْحَانَهُ أَطْلقَ جزاءَ الصابرين، فقال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 96].

قالوا: وقد صَحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: يقولُ اللهُ تعالى: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[18].

وفي لفظ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ لَهُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، قال الله تعالى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وما ذاك إلا لأنَّه صبرُ النفسِ ومنعُها مِن شهواتِها، كما في الحديثِ نفسِه: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي»؛ ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمَنْ سأله عن أفضلِ الأعمالِ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»[19].

ولمَّا كان الصبرُ حبسَ النَّفسِ عن إجابةِ داعي الهوى، وكان هذا حقيقةَ الصَّومِ، فإِنَّه حبسُ النفسِ عن إجابةِ داعي شهوةِ الطعامِ والشَّرابِ والجِماعِ، فُسِّرَ الصبرُ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: 45] أنَّهُ الصومُ، وسُمِّي رمضانُ شهرَ الصبرِ.

وقال بعضُ السَّلفِ: الصومُ نصْفُ الصَّبرِ، وذلك أَنَّ الصبرَ حبسُ النَّفسِ عن إجابةِ داعي الشهوةِ والغضبِ، فإِنَّ النفسَ تَشتَهي الشيءَ لحصولِ اللَّذةِ بإدراكِهِ وتَغضبُ لنُفرتِها مِن المؤلِمِ لها، والصومُ صبرٌ عن مُقْتَضَى الشَّهوةِ فقط، وهي شهوةُ البطنِ والفرْجِ دون مقتَضَى الغضبِ، ولكِنْ من تمامِ الصومِ وكمالِه صبرُ النفسِ عن إجابة داعي الأمْرين.

وقد أشار إلى ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ، وهو قوله: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَجْهَلْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ أَحَدٌ سَابَّهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»[20]، فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى تعديلِ قُوى الشَّهوةِ والغَضَبِ، وأَنَّ الصائِمَ ينبغي له أَنْ يحْتَمِيَ مِن إفسادِهما لِصومِه، فهذه تُفسِدُ صومَه، وهذه تُحبِطُ أجرَه.

كما قال في الحديثِ الآخر: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[21].

قالوا: ويكفي في فَضْلِ الصَّبرِ على الشُّكرِ قولُه تعالى: ﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون: 111]، فجَعَل فوزَهم جزاءَ صبْرِهم.

وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 249]، [الأنفال: 66]، لا شيءَ يَعدِلُ معيَّته لعبدِه.

كما قال بعضُ العارفين: «ذهبَ الصابرون بخير الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنهم نالوا معيَّةَ اللهِ».

وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: 48]، وهذا يتضمَّنُ الحراسةَ والكلاءةَ والحفظَ للصبرِ لحُكْمِهِ.

وقد وعَدَ الصابرين بثلاثةِ أشياءَ، كلُّ واحدٍ خيرٌ مِن الدُّنيا وما عليها، وهي صلواتُه تعالى عليهم، ورحمتُه لهم، وتخصيصُهم بالهدايةِ في قولِه تعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 157]، وهذا مُفْهِمٌ لحَصْرِ الهُدى فيهم، وأخبرَ أنَّ الصبرَ مِن عزمِ الأُمورِ في آيتين مِن كتابِه، وأمرَ رسولَهُ أنْ يتشبَّهَ بصبرِ أولي العزمِ مِن الرُّسلِ، وقد تقدَّم ذكْرُ ذلك.

قالوا: وقد دَلَّ الدليلُ على أَنَّ الزُّهدَ في الدُّنيا والتقلُّلَ منها مهما أمْكنَ أفضلُ مِنَ الاستكثارِ منها، والزُّهدُ فيها حالُ الصابرِ، والاستكثارُ منها حالُ الشَّاكرِ، قالوا: وقد سُئِلَ المسيحُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه عن رجُلين مرَّا بكنزٍ فتخطَّاه أحدُهما ولم يلتفتْ إليه، وأخذه الآخرُ وأنفقه في طاعةِ اللهِ تعالى، أيهما أفضلُ؟ فقال: الذي لم يلتفتْ إليه وأعرضَ عنه أفضلُ عند اللهِ.

قالوا: وقد عُلِمَ أنَّ الكمالَ الإنسانيَّ في ثلاثةِ أمورٍ: علومٍ يعرفُها، وأعمالٍ يعملُ بها، وأحوالٍ تُرتَّبُ على علومِه وأعمالِه.

وأفضلُ العِلْمِ والعملِ والحالِ: العلمُ باللهِ وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه، والعملُ بمرضَاتِهِ، وانجذابُ القلبِ إليه بالحبِّ والخوفِ والرجاءِ.

فهذا أشرفُ ما في الدُّنيا، وجزاؤه أشرَفُ ما في الآخرةِ، وأجلُّ المقاصِدِ معرفةُ اللهِ ومحبَّتُه والأَنَسُ بقُرْبِه، والشَّوقُ إلى لقائِه والتَّنعمُ بذكْرِهِ.

وتأمَّلْ توليةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لعمرِو بنِ العاصِ وخالدِ بنِ الوليدِ وغيرِهما مِن أمرائِه وعُمَّالِه، وتَرْكَ توليةِ أبي ذَرٍّ، بل قال له: «إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي: لَا تُؤَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»[22]، وأمرَهُ وغيرَهُ بالصيامِ، وقال: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ»[23]، وأمرَ آخرَ بألَّا يغضَبَ، وأمَر ثالثًا بألَّا يزالَ لسانُه رطبًا مِن ذكرِ اللهِ، ومتى أرادَ اللهُ بالعبدِ كمالًا وفَّقه لاستفراغِ وُسْعِه فيما هو مُستعِدٌّ له، قابِلٌ له، قد هُيِّئَ له، فإذا استَفرغَ وُسْعَهُ بزَّ على غيرِه وفاقَ الناسَ فيه، كما قيل:
مَا زَالَ يَسْبِقُ حَتَّى قَالَ حَاسِدُهُ
هَذَا طَرِيقٌ إِلَى العَلْيَاءِ مُخْتَصَرُ




وهذا كالمريضِ الذي يشكو وجَعَ البطنِ مثلًا، إذا استَعمَلَ دواءَ ذلك الداءِ انتَفَعَ به، وإذا استَعملَ دواءَ وجَعِ الرأسِ لم يُصادِفْ داءَهُ، فالشُّحُّ المُطاعُ مثلًا مِن المُهلِكاتِ ولا يُزيلُه صيامُ مائةِ عامٍ ولا قيامُ ليلِها، وكذلك داءُ اتباعِ الهَوى والإعجابُ بالنفسِ، لا يلائِمُه كثرةُ قراءةِ القرآنِ واستفراغُ الوُسْعِ في العِلمِ والذِّكْرِ والزُّهدِ، وإنما يُزيله إخراجه مِن القلبِ بضدِّهِ.

ولو قيل أيُّهما أفضل: الخبزُ أو الماء؟ لكان الجوابُ: أَنَّ هذا في موضعِه أفضلُ، وهذا في موضعِه أفضلُ.

وإذا عرفتَ هذه القاعدةَ، فالشُّكرُ ببذْلِ المالِ عملٌ صالحٌ يحصلُ به للقلبِ حال، وهو زوالُ البُخلِ والشُّحِّ بسببِ خروجِ الدُّنيا منه، فتهيَّأ لمعرفةِ اللهِ ومحبتِهِ، فهو دواءُ للدَّاءِ الذي في القلب يمنعُه مِن المقصودِ.

وأما الفقيرُ الزاهِدُ فقد استراحَ مِنْ هذا الدَّاءِ والدَّواءِ، وتوفَّرَتْ قُوتُه على استفراغِ الوُسْعِ في حُصولِ المقصودِ.

ثم أورَدوا على أنفسِهم سؤالًا، فقالوا: فإِنْ قِيلَ: فقد حَثَّ الشَّرعُ على الأعمالِ، وانفصلوا عنه، بأن قالوا: الطبيبُ إذا أثنى على الدواءِ لم يدلَّ على أنَّ الدواءَ يُرادُ لِعَينِهِ، ولا أنَّه أفضلُ مِن الشِّفاءِ الحاصلِ به.

ولكِنَّ الأعمالَ علاجٌ لمرَضِ القلوبِ، ومرضُ القلوبِ مما لا يُشْعَرُ به غالبًا، فوقعَ الحَثُّ على العملِ المقصودِ، وهو شفاءُ القلبِ، فالفقيرُ الآخِذُ لِصدقتِك يَستَخرجُ منك داءَ البُخلِ كالحجَّامِ يَستَخرجُ منك الدَّمَ المُهلِكَ.

قالوا: وإذا عرفَ هذا أَنَّ حالَ الصابرِ حالَ المُحافظِ على الصِّحةِ والقُوَّةِ، وحالَ الشاكرِ المتداوي بأنواع الأدويةِ لإزالة موادِّ السِّقَمِ.

قال الشاكرون: لقد تعدَّيْتُم طَورَكم، وفضَّلْتُم مقامًا غيرُه أفضلُ منه، وقدَّمْتُم الوسيلةَ على الغايةِ، والمطلوبَ لغيرِه على المطلوبِ لنفسِه، والعملَ الكاملَ على الأكْملِ، والفاضلَ على الأفضلِ، ولم تعرفوا للشُّكرِ حقَّهُ، ولا قيَّمتُموه مرتبتَه، وقد قَرَنَ تعالى ذكْرَه الذي هو المرادُ مِن خلْقِه بذكْرِه، وكلاهما هو المرادُ بالخلْقِ والأمْرِ، والصبرُ خادمٌ لهما، ووسيلةٌ إليهما، وعونٌ عليهما، قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152].

وقرَنَ سُبْحَانَهُ الشُّكرَ بالإيمانِ، وأَخبرَ أنه لا غَرَضَ له في عذابِ خَلْقِهِ إِنْ شكروا وآمنوا به، فقال: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: 147]؛ أي: إنْ وفَّيتم ما خُلِقْتُم له، وهو الشُّكر والإيمانُ، فما أصنعُ بعذابِكم؟!

هذا وأخبرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ أهلَ الشُّكرِ هم المخصوصون بمِنَّتِه عليهم مِن بين عبادِه، فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: 53].

وقسَّم الناسَ إلى شكورٍ وكفورٍ، فأبغضُ الأشياءِ إليه الكفرُ وأهلُه، وأحبُّ الأشياءِ إليه الشكرُ وأهلُه، قال تعالى في الإنسانِ: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 3].

وقال نبيُّه سليمانُ: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: 40].

وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم: 7].

وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7].

وهذا كثيرٌ في القرآنِ، يُقابلُ سُبْحَانَهُ بين الشُّكرِ والكُفرِ فهو ضِدُّهُ، قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144]، والشاكرون هُمُ الذين ثَبتُوا على نعمةِ الإيمانِ، فلم يَنْقلِبوا على أعقابِهم.

وعلَّقَ سُبْحَانَهُ المزيدَ بالشُّكرِ، والمزيدُ منه لا نهايةَ له كما لا نهاية لِشُكرِهِ.

وقد وقفَ سُبْحَانَهُ كثيرًا مِن الجزاءِ على المشيئَةِ، كقولِه: ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة: 28].

وقولِه في الإجابةِ: ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ [الأنعام: 41].

وقوله في الرزق: ﴿ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 212].

وفي المغفرة: ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [آل عمران: 129].

والتوبة: ﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [التوبة: 15].

وأَطلقَ جزاءَ الشكْر إطلاقًا حيثُ ذكرَ، كقولِه: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 145]، ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144].

ولما عَرفَ عدوُّ اللهِ إبليسُ قَدْرَ مقامِ الشُّكرِ، أَنَّه مِن أجلِّ المقاماتِ وأعلاها، جعَلَ غايتَه أَنْ يسعى في قطعِ الناسِ عنه، فقال: ﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 17].

ووصفَ اللهُ سُبْحَانَهُ الشَّاكِرين بأنَّهم قليلٌ مِن عبادِه، فقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13].

وذكر الإمامُ أحمدُ، عن عُمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه؛ أَنَّه سمعَ رجُلًا يقول: اللهُمَّ اجعلني مِن القليلِ، فقال: ما هذا؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الله قال: ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: 40]، وقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13]، وقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ [ص: 24]، فقال عمرُ: صدَقْتَ.

وقد أثنى اللهُ سبحانه وتعالى على أوَّلِ رسولٍ بَعَثهُ إلى أهلِ الأرضِ بالشُّكرِ، فقال: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: 3]، وفي تخصيصِ نوحٍ هُنا بالذِّكرِ، وخطابِ العبادِ بأنهم ذرِّيتُه، إِشارة إلى الاقتداءِ به، فإِنَّه أبوهم الثاني، فإن الله تعالى لم يجعلْ للخَلْقِ بعد الغَرقِ نسْلًا إلا مِن ذرِّيتِه، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: 77]، فأمرَ الذُّريةَ أنْ يَتشبَّهوا بأبيهم في الشكرِ، فإنه كان عبدًا شكورًا.

وقد أَخبرَ سُبْحَانَهُ، أنَّما يَعبده مَنْ شكَرَه، فمَنْ لم يشكرْهُ لم يكُنْ مِن أهلِ عبادتِه، فقال: ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172].

وأمرَ عبدَهُ موسى أَنْ يتلقَّى ما آتاه مِن النّبوَّةِ والرّسالةِ والتكليم بالشكرِ، فقال تعالى: ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: 144].

وأوّلُ وصيَّةٍ وصَّى بها الإنسانَ بعد ما عقلَ عنه بالشُّكرِ له وللوالدين، فقال: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14].

وأخبر أَنَّ رِضاه في شكرِه، فقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7].

وأثنى سُبْحَانَهُ على خليلِه إبراهيمَ بشكرِ نِعَمِه، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل: 120، 121]، فأَخبرَ عنه سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ كان أُمَّةً؛ أي: قُدْوةً يُؤْتَمُّ به في الخيرِ، وأَنَّه قانتٌ لله، والقانِتُ هو المطيعُ المقيمُ على طاعتِه، والحنيفُ هو المقبِلُ على اللهِ، المُعرِضُ عمَّنْ سِواه، ثم ختمَ له بهذه الصفاتِ بأنه شاكرٌ لأنعُمِهِ، فجعل الشُّكْرَ غايةَ خليلِه.

وأخبرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الشُّكْرَ هو الغايةُ مِن خَلْقِه وأمْرِه، بل هو الغايةُ التي خَلَقَ عبيدَهُ لأجلها: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78]، فهذه غايةُ الخلْقِ وغايةُ الأمرِ، فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: 123].

ويجوزُ أَنْ يكونَ قولُه: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تعليلًا لقضائِه لهم بالنَّصرِ، ولأمْرِه لهم بالتقوى، ولهما معًا، وهو الظاهِرُ، فالشُّكرُ غايةُ الخلْقِ والأمْرِ، وقد صرَّحَ سُبْحَانَهُ بأنه غايةُ أمْرِه وإرسالِه الرسولَ في قولِه تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 151، 152].

قالوا: فالشُّكْرُ مرادٌ لِنفسِه، والصبرُ مرادٌ لِغيره، والصبرُ إِنَّما حُمِدَ لإفضائِه وإيصالِه إلى الشكرِ، فهو خادِمُ الشكرِ.

وقد ثبتَ في الصحيحين عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قامَ حتى تفطَّرتْ قدَماه، فقيل له: أتفعلُ هذا وقد غفرَ اللهُ لك ما تقدَّمَ مِن ذنْبِك وما تأخَّر؟ قال: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»[24].

وثبت في المسندِ والترمذي؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لمعاذٍ: «واللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[25].

وقد ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ، عنه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يَأْكُلُ الأَكْلةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا»[26] فكان هذا الجزاءُ العظيمُ، الذي هو أكبرُ أنواعِ الجزاءِ، كما قال تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72]، في مقابلةِ شُكرِه بالحمدِ.

وذكَرَ ابنُ أبي الدُّنيا مِن حديثِ عبد اللهِ بن صالحٍ: حدثنا أبو زهيرٍ يحيى بنُ عطارد القرشيُّ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرْزُقُ اللهُ عَبْدًا الشُّكْرَ فَيَحْرِمهُ الزِّيَادَةَ»؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].

وقال الحسَنُ البصريُّ: «إِنَّ اللهَ ليمتِّعُ بالنِّعمةِ ما شاءَ، فإذا لم يُشْكَرْ عليها قلبَها عذابًا ولهذا كانوا يُسمّون الشكرَ الحافِظَ؛ لأنَّه يحفظُ النِّعمَ الموجودةَ، الجالبَ؛ لأنَّه يجلِبُ النِّعمَ المفقودةَ».

وذكر ابنُ أبي الدُّنيا عن علي بنِ أبي طالب رضي الله عنه؛ أَنَّه قال لِرجُلٍ مِن هَمْذان: إِنَّ النِّعمةَ موصولةٌ بالشُّكرِ، والشُّكْرَ يَتعلَّقُ بالمزيدِ، وهما مقرونان في قَرَنٍ، فلن ينقطع المزيدُ مِن اللهِ حتى ينقطعَ الشكرُ مِن العبدِ.

وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز: «قيِّدُوا نِعمَ اللهِ بشُكرِ اللهِ».

وكان يقولُ: «الشُّكرُ قيدُ النِّعمِ».

وقال مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ: «لئِنْ أُعافى فأشكرُ أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُبتلى فأصبرُ».

وقال الحسنُ: «فأكثِروا مِن ذِكْرِ هذه النِّعم، فإِنَّ ذكْرَها شكرٌ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى نبيَّه أَنْ يُحدِّثَ بنعمةِ ربِّه، فقال: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]، واللهُ تعالى يُحِبُّ مِنْ عبدِه أَنْ يَرى عليه أثرَ نعمتِهِ، فإِنّ ذلك شكرُها بلسانِ الحالِ».

وقال عليُّ بنُ الجعد: سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: «إِنَّ داودَ؛ قال: الحمدُ للهِ حمْدًا كما ينبغي لكرمِ وجهِهِ وعِزِّ جلالِه»، فأوحى اللهُ إليه: يا داودُ أتعبتَ الملائكةَ.

وقال شعبةُ: حدثنا المفضَّلُ بنُ فضَالةَ، عن أبي رجاءٍ العطاردي، قال: خَرَجَ علينا عِمرانُ بنُ الحُصينِ وعليه مطْرفُ خَزٍّ لم نَرهُ عليه قبلُ ولا بعدُ، فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»[27].

وفي صحيفة عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ مَخْيَلَةٍ وَلَا سَرَفٍ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»[28].

وذكر شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن أبيه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنا قَشْفُ الهيئةِ، فقال: «هَلْ لَكَ مِنْ مَالٍ؟» قال: قلتُ: نعم، قال: «مِنْ أَيِّ مَالٍ؟» قلتُ: مِن كلِّ المالِ، قد آتاني اللهُ مِن الإبلِ والخيلِ والغنمِ، قال: «فَإِذَا آتَاكَ اللهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ»[29].

وفي بعضِ المراسيل: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ».

وقال فُضيل بنُ عياضٍ: كان يقالُ: «مَنْ عَرَفَ نعمةَ اللهِ بقلبِه، وحمدَه بلسانِه لم يَسْتَتِمَّ ذلك حتى يرى الزيادةَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7]».

وقال: «مِنْ شُكْرِ النِّعمةِ أَنْ يُحدِّثَ بها».
وقال الشعبيُّ: «الشكرُ نصفُ الإيمانِ، واليقينُ الإيمانُ كلُّه».
وقال أبو قلابةَ: «لا تضرُّكم دُنيا شكرتُموها».

وقال الحسَنُ: «إذا أنعَم اللهُ على قومٍ سألَهُم الشُّكْرَ، فإذا شَكروه كان قادرًا على أَنْ يَزيدَهُمْ، وإذا كفروه كان قادِرًا على أن يَبعثَ نِعمتَهُ عليهم عَذابًا».

وقد ذَمَّ اللهُ سُبْحَانَهُ الكنُودَ، وهو الذي لا يشكرُ نِعمَهُ، قال الحسَنُ: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ[العاديات: 6]، يَعُدُّ المصائبَ وينسَى النِّعمَ، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النساءَ أكثرُ أهلِ النَّارِ بهذا السببِ.

قال: «لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»[30]، فإذا كان هذا بترْكِ شُكرِ نعمةِ الزَّوجِ، وهي في الحقيقةِ مِنَ اللهِ، فكيف بمَنْ تَرَكَ شُكْرَ نعمةِ اللهِ.
يَا أَيُّهَا الظَّالِمُ فِي فِعْلِهِ
الظُّلْمُ مَرْدُودٌ عَلَى مَنْ ظَلَمْ
إِلَى مَتَى أَنْتَ وَحَتَّى مَتَى
تَشْكُو المُصِيبَاتِ وَتَنْسَى النِّعَمْ


وقال مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ: نظرتُ في العافيةِ والشُّكْرِ، فوجدْتُ فيهما خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، ولئن أُعافى فأشكر أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُبتلى فأصبر.

ورأى بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَني حمَّالًا عليه حمْلُه وهو يقول: الحمدُ للهِ أستغفرُ اللهَ، قال: فانتظرتُه حتى وضَعَ ما على ظهرِه، وقلتُ له: أما تُحسِنُ غيرَ هذا؟ قال: بلى أُحسِنُ خيرًا كثيرًا، أقرأُ كتابَ اللهِ، غيرَ أنَّ العبدَ بين نعمةٍ وذنبٍ، فأحمدُ اللهَ على نِعَمِهِ السابغةِ، وأستغفرُه لذنوبي، فقلتُ: الحمَّالُ أفقهُ مِن بكرٍ.

وذكر التِّرمِذيُّ مِن حديثِ جابر بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما، قال: خرجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على أصحابِهِ، فقرأ عليهم سُورةَ الرَّحمنِ مِنْ أوَّلِها إلى آخرِها فسكتوا، فقال: «قَرَأْتُهَا عَلَى الجِنِّ لَيْلَةَ الجِنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ رَدًّا مِنْكُمْ؛ كُنْتُ كُلَّما أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾، قَالُوا: لَا شَيْءَ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الحَمْدُ»[31].

وقال مسعِرٌ: «لمَّا قيل لآلِ داودَ: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ: 13]، لم يأتِ على القومِ ساعةٌ إلا وفيهم مُصَلٍّ».

وقال عَونُ بنُ عبدِ اللهِ: «قال بعضُ الفقهاءِ: أنَّى رأيتُ في أمْري، لم أرَ خيرًا لا شرَّ معه إلا المعافاةَ والشُّكرَ، فرُبَّ شاكرٍ في بلائِه، ورُبَّ معافى غيرُ شاكرٍ، فإذا سألتُمُ اللهَ فاسألوهما جميعًا».

وقال عَونُ بنُ عبدِ اللهِ: «لَبِسَ رَجُلٌ قميصًا جديدًا، فحمِدَ اللهَ، فغفرَ له، فقال رَجُلٌ: ارجعْ حتى أشتريَ قميصًا فألبَسُه وأحمدُ اللهَ».

وقال شُريح: «ما أصيبَ عبدٌ بمصيبةٍ إلا كان لله فيها ثلاثُ نِعَمٍ، ألَّا تكونَ كانتْ في دينِه، وألَّا تكونَ أعظمَ مما كانت، وأنّها لا بُدَّ كائِنةٌ فقد كانت».

وقال عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ: ما قلَّبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بصرَهُ إلى نعمةٍ أنعمَ اللهُ بها عليه إلا قال: اللهُمَّ إني أعوذُ بك أن أُبَدِّلَ نعمتَك كفرًا وأن أكفرَها بعد أَنْ عرَفتُها، وأَنْ أنساها ولا أُثنِي بها.

وقال روحُ بنُ القاسمِ: تَنسَّكَ رجلٌ فقال: لا آكلُ الخبيصَ؛ لا أقومُ بشكرِهِ، فقال الحسَنُ: هذا أحمقٌ، وهل يقومُ بشكرِ الماءِ البارِدِ.

وفي بعضِ الآثارِ الإِلهيَّة يقولُ اللهُ عز وجل: «ابْنَ آدَمَ، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ، أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وَتَتَبَغَّضُ إِلَيَّ بِالمَعَاصِي، وَلَا يَزَالُ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَدْ عَرَجَ إِلَيَّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ».

قال ابنُ أبي الدُّنيا: حدَّثَني أبو عليٍّ، قال: كنتُ أسمَعُ جارًا لي يقولُ في الليلِ: يا إلهي خيرُك عليَّ نازِلٌ وشرِّي إليك صاعِدٌ، كم مِنْ مَلكٍ كريمٍ قد صَعَدَ إليك مِنِّي بعملٍ قبيحٍ، وأنتَ مع غِناك عني تتحبَّبُ إليَّ بالنِّعمِ، وأنا مع فقري إليك وفَاقتي أتمقَّتُ إليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تَجْبُرُني وتستُرني وترزُقُني.

وكان أبو المُغيرةِ إذا قِيلَ له: كيف أصبحتَ يا أبا مُحمَّدٍ؟ قال: أصبحنا مُغرِقين في النِّعم، عاجزين عن الشُّكرِ، يَتَحَبَّبُ إلينا ربُّنا وهو غنيٌّ عنا، ونتمقَّتُ إليه ونحنُ إليه محتاجون.

وكان معاويةُ بنُ قُرَّةَ إذا لَبِسَ ثوبًا جديدًا قال: بسم اللهِ الرحمنِ الرَّحيمِ.

وقال يونسُ بنُ عُبيدٍ: قال رجلٌ لأبي تميمَة: كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ بين نِعمتين، ولا أدري أيَّتُهما أفضلُ: ذنوبٍ سترَها اللهُ فلا يستطيعُ أَنْ يُعَيِّرَني بها أحدٌ، ومودَّةٍ قذفَها اللهُ في قلوبِ العبادِ لا يبلغُها عملي.

وروى ابنُ أبي الدُّنيا: عن سعيدٍ المَقْبُريّ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ: أَنَّ موسى؛ قال: يَا رَبِّ، مَا الشُّكْرُ الَّذِي يَنْبَغِي لَكَ؟ قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِي».

وروى سهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه، قال: دعا رَجُلٌ من الأنصارِ مِن أهلِ قباءٍ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فانطلقْنَا معه، فلما طَعِمَ وغسَل يديه، قال: «الحمدُ للهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلُّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الحَمْدُ للهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ رَبِّي وَلَا مُكَافَأٍ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُسْتَغْنَىً عَنْهُ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ، وَسَقَى مِنَ الشَّرَابِ، وَكَسَا مِنَ العُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ العَمَى، وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ»[32].

وقال الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، حدثنا صالحٌ، عن أبي عِمرانَ الجَونيِّ عن أبي الخُلدِ، قال: «قرأتُ في مسألةِ داودَ أنه قال: يا ربِّ كيف لي أَنْ أشكرَ وأنا لا أصِلُ إلى شكرِك إلا بنعَمِك؟ قال: فأتاه الوحيُ: يا داودُ أليسَ تعلمُ أنَّ الذي بك مِنَ النِّعم منِّي؟ قال: بلى يا ربِّ، قال: فإني أرضَى بذلك مِنْكَ شُكْرًا».

وقال عبدُ الله بنُ أحمدَ: حدثنا أبو موسى الأنصاريُّ، حدثنا أبو الوليدِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: «كان مِن دُعاءِ داودَ: سُبْحَانَ مُستخرِجِ الشُّكرَ بالعطاءِ، ومُستخرِجِ الدعاءَ بالبلاءِ».

وقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا أبو معاوية، حدثني الأعمشُ، عن المِنهالِ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، قال: «أوحى اللهُ إلى داودَ: أحبَّني، وأحبَّ عبادتي وحبِّبني إلى عبادِي، قال: يا ربِّ هذا حبُّك وحبُّ عبادتِك، فكيف أحبِّبُك إلى عبادِك؟ قال: تذكرني عندهم؛ فإنَّهم لا يذكرون مني إلا الحسَنَ، فجلَّ جلالُ ربِّنا، وتبارك اسمُه، وتعالى جدُّه، وتقدسَتْ أسماؤه، وجلَّ ثناؤه، ولا إلهَ غيرُه»[33].

وقال أحمدُ: حدَّثنا عبد الرزَّاقِ بن عِمران، قال: سمعتُ وهبًا يقولُ: «وجدتُ في كتابِ آلِ داودَ: بعزَّتي إِنَّ مَنِ اعتَصَمَ بي، فإِنْ كادَتْهُ السماواتُ بمن فيهن والأرضون بمَنْ فيهن، فإني أجعلُ له مِن ذلك مَخْرجًا، ومَنْ لم يَعتَصِمْ بي، فإني أقطعُ يديه مِنْ أسبابِ السماءِ، وأخسِفُ به مِن تحتِ قدميه الأرضَ، فأجعَله في الهواءِ، ثم أكِلُه إلى نفسِه، كفى بي لعبدي مالًا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيتُه قبل أن يسألَني، وأجبْتُه قبل أن يَدعوَني، وإني أعلمُ بحاجَتِه التي ترفُقُ به مِنْ نفسِه».

وقال أحمد: حدثنا يَسارُ، حدثنا حَفْصُ، حدثنا ثابِتٌ، قال: كان داودُ؛ قد جزَّأَ ساعاتِ الليلِ والنهارِ على أهلِه، فلم يكُنْ ساعةٌ مِن ليلٍ أو نهارٍ إلا وإنسانٌ مِن آلِ داودَ قائمٌ يُصلِّي فيها، قال: فعمَّهم تبارك وتعالى في هذه الآية: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13].

قال أحمدُ: وحدَّثنا جابرُ بنُ زيدٍ، عن المغيرةِ بن عُيينةَ: «قال داودُ: يا ربِّ هل باتَ أحدٌ مِن خلْقِك الليلةَ أطولَ ذِكْرًا لك منِّي؟ فأوحَى اللهُ إليه: نعم، الضُّفْدَعُ»، وأنزل اللهُ عليه: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ، قال: يا ربِّ، كيف أُطيقُ شُكرَك، وأنت الذي تُنعِمُ عليَّ، ثم ترزقُني على النِّعمَةِ الشُّكرَ، ثم تزيدُني نِعمةً بعد نِعمةٍ، فالنّعمُ منك، والشكْر منك، فكيف أطيقُ شكْرَك؟ قال: الآن عرفتَنِي يا داودُ».

قال أحمدُ: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، حدَّثنا الرَّبيعِ بنُ صُبيحٍ، عن الحسَنِ: «قال نبيُّ اللهِ داودُ: إلهي لو أَنَّ لكلِّ شعرةٍ منِّي لِسانينِ يُسبِّحانِك الليلَ والنَّهارَ والدَّهرَ ما وفَّيْتُ حقَّ نعمةٍ واحدةٍ».

وذكر ابنُ أبي الدُّنيا، عن أبي عِمرانَ الجَوني، عن أبي الخُلدِ، قال: «قال موسى: يا ربِّ كيف لي أن أشكرَك، وأصغرُ نعمةٍ وضعتَها عندي مِن نِعَمِكَ لا يُجازي بها عملي كلُّه؟ قال: فأتاه الوحيُ: يا موسى الآن شكرْتَني».

قال بكرُ بنُ عبدِ اللهِ: «ما قال عبدٌ قطُّ: الحمدُ للهِ إلا وَجَبَتْ عليه نعمةٌ بقولِه: الحمدُ للهِ، فجزاه تلك النعمةَ أن يقولَ: الحمدُ للهِ، فجاءت نعمةٌ أخرى فلا تَنْفَدُ نِعَمُ اللهِ».

وقال الحسَنُ: سَمع نبيُّ اللهِ رَجُلًا يقول: الحمدُ للهِ بالإسلامِ، فقال: «إنك لتحمَدُ اللهَ على نعمةٍ عظيمةٍ».

وقال خالد بن معدان: سمعتُ عبدَ الملِك بنَ مَرْوانَ يقول: «ما قال عبدٌ كلمةً أَحَبَّ إلى اللهِ وأبلغَ في الشُّكرِ عندَهُ مِن أَنْ يقولَ: الحمدُ لله الذي أنعمَ علينا وهدانا للإسلامِ».

وقال سليمانُ التيميُّ: «إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أنعمَ على عبادِه على قَدْرِهِ، وكلَّفهم الشُّكْرَ على قُدْرتِهم».

وكان الحسنُ إذا ابتدأَ حديثَه يقولُ: «الحمدُ لله، اللهُمَّ ربَّنا لك الحمدُ، بما خلقتَنَا ورزقتَنا وهديتَنا وفرَّجْتَ عنَّا، لك الحمدُ بالإسلامِ والقرآنِ، ولك الحمدُ بالأهلِ والمالِ والمعافاةِ، كبَتَّ عدوَّنا، وبسَطْتَ رزقَنا، وأظهرتَ أمْننا، وجمعتَ فُرْقَتَنا، وأحسَنْتَ معافاتَنا، ومِنْ كلِّ ما سأَلْناك ربَّنا أعطيتَنَا.
يتبع


اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فتاوى رمضانية ***متجدد
* الدرس الثاني عشر: هجر القرآن
* ما بعد رمضان: كيف نحافظ على روحانيات الشهر الكريم؟
* الليلة الحادية والعشرون: (أعمال يسيرة وأجور عظيمة) (2)
* الليلة الثانية والعشرون:
* وليمة جابر بن عبد الله
* من رجال الآخرة : الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
   
الكلمات الدلالية (Tags)
لأسماء, المعاني, الله:, الجميل, الزبور, الشكور, الإيمانية
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشاكر – الشكور جل جلاله، وتقدست أسماؤه ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 02-01-2026 03:36 PM
اسم الله النصير (الآثار الإيمانية والتربوية و صور من نصرته لعباده) امانى يسرى محمد ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 0 01-06-2026 10:21 PM
قلبي مشغول بمن ؟ (الشكور) د.رقية العلواني امانى يسرى محمد ملتقى فيض القلم 2 10-01-2025 04:46 PM
الزبور وورد pdf سور وأيات وقرءانيات عصام الكردي ملتقى الحوار الإسلامي العام 1 09-20-2024 05:48 PM
كتاب السيرة النبوية في القرآن الكريم - عبد الصبور مرزوق خالددش ملتقى الكتب الإسلامية 0 04-29-2012 07:31 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009