الانفتاح المنهجي عند مدرسة أصول الفقه المالكية
كمال القصير
واكب علماء المالكية الدرس الأصولي منذ نشأة هذا العلم وبداية التصنيف فيه، وتفاعلوا معه تأليفا من غير انغلاق على ما ينتجه الأصوليون من المذاهب الأخرى، وبشكل خاص ما ألفه علماء الأصول الشافعية. بل كان أصوليو المالكية متفردين في خدمة عدد من مصنفات الأصوليين الشافعية الكبار، بما يبرز خاصية منهجية مهمة في المدرسة الأصولية المالكية وهي “الانفتاح”. وهي الخاصية التي تساهم في تقارب المدارس الأصولية بما يخدم الهدف الأسمى لعلم الأصول في كونه إنما نشأ ليوحد مصادر الاستنباط لا ليوسع الخلاف حول أصول الاستدلال بين المذاهب.
وقد مثلت أقوال الإمام أبي بكر بن الطيب الباقلاني المالكي (ت 403 هـ) التي استفادت منها أمهات الأصول الشافعية أحد الأسباب التي أنتجت اهتمام المالكية بكتابي البرهان لإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) والمستصفى للإمام الغزالي (ت 505 هـ) شرحا واختصارا من حيث استنادها إلى مرجع مشترك، وتضم الكثير من أقوال القاضي الباقلاني. وأورد تاج الدين السبكي (ت771 هـ) ما قاله إمام الحرمين” ما تكلمت في علم الكلام كلمة حتى حفظت من كلام القاضي أبي بكر وحده اثنى عشر ألف ورقة “.[1] إن خاصية الانفتاح في المدرسة الأصولية المالكية واضحة، سواء في جهودهم الكبيرة حول البرهان لإمام الحرمين الجويني والمستصفى للغزالي من الشافعية، أو جهودهم حول أهم التصنيفات الأصولية الشافعية.
ومن أئمة المالكية الدين شرحوا البرهان للجويني، الإمام المازري (ت 536 هـ)، وفي شرح البرهان كان للمازري انتقاد و آراء واجتهادات أصيلة. قال ابن فرحون” وألف في الفقه والأصول وشرح كتاب مسلم وكتاب التلقين للقاضي أبي محمد عبد الوهاب (ت 422 هـ) وليس للمالكية كتاب مثله، ولم يبلغنا أنه أكمله. وشرح البرهان لأبي المعالي الجويني وسماه “إيضاح المحصول من برهان الأصول. [2] قال ابن السبكي” أما المازري فقبل الخوض معه في الكلام أقدم لك مقدمة، وهي أن هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحة وأحدهم ذهنا، بحيث اجترأ على شرح البرهان لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة الذي لا يحوم نحو حماه ولا يدندن حول مغزاه إلا غواص على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم”.[3] قال المازري في فتاواه: “وقد أمليت من هذا طرفا في شرح البرهان، وذكرت طريقة أبي المعالي وطريقتي لما تكلمنا فيما جرى بين الصحابة من الوقائع والفتن رضي الله عنهم أجمعين”.[4]
وقد نقل الإمام الشاطبي (ت 790 هـ) عن الجويني في عدة مواضع منها قوله “وقد قال بعضهم لا سبيل إلى إثبات أصول الشريعة بالظن لأنه تشريع ولم نتعبد بالظن إلا في الفروع، ولذلك لم يعد القاضي ابن الطيب من الأصول تفاصيل العلل كالقول في عكس العلة ومعارضتها والترجيح بينها وبين غيرها وتفاصيل أحكام الأخبار، كأعداد الرواة والإرسال فإنه ليس بقطعي. واعتذر ابن الجويني عن إدخاله في الأصول بأن التفاصيل المبنية على الأصول المقطوع بها داخلة بالمعنى فيما دل عليه الدليل القطعي”. [5]
وقال المازري” وعندي أنه لا وجه للتحاشي عن عد هذا الفن من الأصول وإن كان ظنيا على طريقة القاضي في أن الأصول هي أصول العلم، لأن تلك الظنيات قوانين كليات، مضيفا أنه” يحسن من أبي المعالي أن لا يعدها من الأصول لأن الأصول عنده هي الأدلة، والأدلة عنده ما يفضي إلى القطع”.[6]
وقد ساهم المالكية بواحد من أهم الشروح لبرهان الجويني الذي شرحه أبو الحسن الأبياري (ت 618 هـ) وسماه” التحقيق والبيان في شرح البرهان في أصول الفقه. وقد استفاد الأبياري في شرحه للبرهان من منهج المستصفى نفسه ونقل عنه في مواضع عديدة. ولم تقف مهمة الأبياري عند الشرح وحل الألفاظ والمعاني بل أضاف تحقيقات عديدة، من بينها تحقيقه أن الأمر لا يجمع على أوامر، والنهي لا يجمع على نواهي. قال الزركشي (ت 794 هـ) في المعتبر” وقد تنبه لهدا الإمام أبو الحسن الأبياري في شرح البرهان، وذكر أن قول الجوهري شاذ غير معروف عند أئمة العربية”.[7]
قال الأبياري في مقدمة شرحه” وقد رأيت كتاب الشيخ الإمام، إمام الحرمين رحمة الله عليه الملقب بالبرهان، من أجل ما صنف في أصول الفقه، لمكان مصنفه من العلم، وحرصه على التحقيق، وميله عن التقليد وإضرابه عن التطويل والتكرير، وانصرافه عن الاستدلال عن الخيالات البعيدة، والاستدلالات الركيكة، مع فصاحة في اللفظ واختصار، واعتناء بالمعنى وعدم انتشار، فاستخرت الله تعالى في الاعتناء بشرحه، وحل ما أشكل من ألفاظه، وعسر من معانيه، مع الحرص على إيضاح الحق، والانحراف عن التعصب، مستعينا بالله عز وجل، متبرئا من الحول والقوة إلا بالله، وهو الموفق للصواب”. [8]
وشرح الأبياري ألفاظ خطبة كتاب البرهان، فوضع منهجا عاما لشرح البرهان صار عليه، حيث يأتي بكلام الجويني فيورد منه جملة أو جملتين ثم يختصره، ثم يقرر المسألة الأصولية أولا على رأيه ومذهبه مع إيراد الأدلة على ذلك، وفي مواضع يورد الآراء والمذاهب المختلفة وحججها في المسألة.
وشرح أبو يحي الشريف عبد الرحمن التلمساني (ت 826 هـ) كتابا سماه “كفاية طالب البيان في شرح البرهان” جمع فيه بين شرح المازري والأبياري.[9]
إن أحد أهم الآراء المتعلقة بانفتاح المدرسة الأصولية المالكية قد وردت على لسان واحد من أكابر علماء الشافعية. قال تاج الدين السبكي” اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد، وأنا أسميه لغز الأمة لما فيه من مصاعب الأمور. وإنه لا تخلو مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه وتحقيقات يستبد بها. وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم فليس منهم من انتدب لشرحه ولا للكلام عليه إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السمعاني (ت 489 هـ) في كتاب القواطع وردها على الإمام. وإنما انتدب له المالكية فشرحه الإمام أبو عبد الله المازري شرحا لم يتمه وعمل عليه أيضا مشكلات، ثم شرحه أيضا أبو الحسن الأبياري من المالكية. ثم جاء شخص مغربي يقال له الشريف أبو يحيى جمع بين الشرحين”.[10]
أما ” الورقات” لإمام الحرمين فقد ألف عليه كذلك المالكية أصنافا من التأليف. وقد شرح الورقات أحمد بن زكري التلمساني (899 هـ) والحطاب الرعيني (ت 954 هـ) وسماه” قرة العين شرح ورقات إمام الحرمين”. وهنالك نظم الورقات لابن زاكور محمد بن قاسم (ت 1120 هـ). وكذلك نظم الورقات لأحمد بن بابا الشنقيطي التجاني (توفي بعد 1200 هـ).
يتبع