الفرعُ الثَّاني: أنواعُ التقاديرِ المتعَلِّقةِ بمَرتَبةِ الكتابةِ
تمهيدٌ:
قال ابنُ القَيِّمِ في مقدِّمةِ كتابِه ((شِفاء العليل)): (سمَّيتُه: «شِفاءَ العليل في مسائِلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليل». وجعلتُه أبوابًا:
«البابُ الأوَّلُ: في تقديرِ المقاديرِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ».
«البابُ الثاني: في تقديرِ الرَّبِّ تعالى شقاوةَ الِعبادِ وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم قبل خَلقِهم وهو تقديرٌ ثانٍ بعد الأوَّلِ».
«البابُ الثَّالِثُ: في ذِكرِ احتجاجِ آدَمَ وموسى في ذلك وحُكْمِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآدَمَ».
«البابُ الرَّابعُ: في ذِكرِ التقديرِ الثَّالِثِ والجنينُ في بطنِ أمِّه».
«البابُ الخامسُ: في التقديرِ الرَّابعِ ليلةَ القَدْرِ».
«البابُ السَّادسُ: في ذِكرِ التقديرِ الخامِسِ اليوميِّ»... وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيل من التقديرِ السَّابِقِ، وفي ذلك دليلٌ على كمالِ عِلمِ الرَّبِّ وقُدرتِه وحِكمتِه، وزيادةُ تعريفٍ لملائكتِه وعبادِه المؤمنين بنَفسِه وأسمائِه، وقد قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .
وأكثَرُ المفَسِّرين على أنَّ هذا الاستنساخَ من اللَّوحِ المَحفوظِ، فتستنسِخُ الملائكةُ ما يكونُ من أعمالِ بني آدَمَ قبل أن يَعمَلوها، فيَجِدون ذلك موافِقًا لِما يعملونه، فيُثبِتُ اللهُ تعالى منه ما فيه ثوابٌ أو عِقابٌ، ويَطرَحُ منه اللَّغْوَ)( .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ في الإيمانِ بكتابةِ المقاديرِ: (يدخُلُ في ذلك خمسةٌ من التقاديرِ كُلُّها ترجِعُ إلى العِلْمِ:
التقديرُ الأوَّلُ: كتابةُ ذلك قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، عندما خلق اللهُ القَلَمَ، وهو التقديرُ الأزَليُّ.
الثاني: التقديرُ العُمريُّ، حين أخذ الميثاقَ يومَ قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] .
الثَّالِثُ: التقديرُ العُمريُّ أيضًا عند تخليقِ النُّطفةِ في الرَّحمِ.
الرَّابعُ: التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ، وهو تنفيذُ كُلِّ ذلك إلى مواضِعِه)( .
وقال ابنُ عثيمين: (التقاديرُ خمسةُ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: التقديرُ العامُّ، وهو المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ الذي كان قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ...
النوعُ الثاني: تقديرُ أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وأعمالِهم قبل أن يخلُقَهم.
النوعُ الثَّالِثُ: تقديرُ ما ذُكِر على الجنينِ في بَطنِ أمِّه...
النوعُ الرَّابعُ: التقديرُ السَّنويُّ، وهو ما يكونُ ليلةَ القَدْرِ.
النوعُ الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ.
فالتقديراتُ خمسةٌ: يوميٌّ، وحَوليٌّ، وعُمريٌّ عند تعلُّقِ النَّفسِ بالبدَنِ وعند تخليقِه، وتقديرٌ قبل وجودِ ابنِ آدمَ بعد خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وتقديرٌ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وكُلُّ هذه تفاصيلُ للتقديرِ السَّابقِ)( .
|