الصحبة وأثرها في السلوك
كتبه/ حنفي مصطفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فاعلم أخي -رحمك الله وهداك وسدد إلى الخير خطاك-.. أن الرجل بلا خَدِين -صاحب- كذي الشمال بلا يمين؛ فاتخِذ ذوي الصلاح والدين أعوانًا، واخَلط نفسك مع الأبرار وطهرها مِن الفجار، واجتنب الصغار الأخطار اللئام الأقذار، فالمرء يُعرف بقرينه؛ فاصحب مَن يحملك في سيرك إلى الله -عز وجل- لا مَن تحمله(1).
اصحب مَن يعظك بلحظه قبل وعظه بلفظه، ومَن كان بعالي الخير موصوفًا لا وصّافًا؛ فاصحب أهل المعاني ودع أرباب الدعاوي والأماني، صاحِب علاة الهمم وصافِهم واستفد مِن أخلاقِهم وأوصافِهم، فلا تلتفت إلا إلى مَن دلك على الله وعلى الطريق الموصلة إليه، فصحبةِ الصالحين ومجالستهم تُكسب المرء الصلاح، والتقوى تَرْقى بالعبد إلى مدارج الكمال، وتعد سياجًا واقيًا مِن أفات النفس ومكائد الشيطان، فالرفقة الصالحة مِن أعظم الأسباب المعينة على الهدى والخير ومحاسن الأخلاق؛ وذلك لأن الطبع لص يسرق مَن الطبع الخير والشر، فمن كان جليسه وصاحبه ورفيقه صالحًا استفاد منه صلاحًا وهدى.
وهل تجد أعظم صحبة -وأثرها- مِن صحبة المهاجرين والأنصار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فكانت هذه الصحبة سببًا لسعادتهم الدنيوية، وهدايتهم إلى الخير والهدى، وسعادتهم الأٌخروية ونعيمهم الدائم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر؟!
وهل تجد أخطر وأسوأ مِن صحبة جنود فرعون له، وهامان.. كانت سببًا لشقاء الدنيا وضلالهم فيها، وشقاء الآخرة؟!
فأثر الصحبة الطيبة خير الدنيا ونعيم الآخرة، قال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100).
أما قرناء السوء فإنهم يكونون وبالاً عليه على شفا جرف هار، وسرعان ما ينهار به في نار جهنم شقاءً في الدنيا، وعذابًا في الآخرة.
قال -تعالى- عن فرعون وجنوده وصحبتهم ورفقتهم له: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود98-99)، وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً) (الفرقان:27-29).
نزلت هذه الآيات في صحبة ورفقة قرناء السوء في خاتمة ونهاية مصيرهم في الدنيا والآخرة، كصحبة أهل البدع والأهواء والفسق، نعوذ بالله -تعالى- من صحبتهم ورفقتهم.
وهناك ستة صفات ذكرها أهل العلم ينبغي توافرها فيمن تؤثر صحبته ومحبته:
أولها: أن يكون مؤمنًا.
ثانيها: أن يكون مِن ذوي العقول الراجحة، فالعقل رأس المال، ولا خير في صحبة الأحمق.
ثالثها: أن يكون حسن الخلق، طيب السمت. فلا خير في صحبة مَن يغلبه الغضب أو الكذب، أو البخل أو الجبن، أو أطاع هواه.
رابعها: ألا يكون حريصًا على الدنيا؛ لأن صحبة الحريص على الدنيا تورث الحرص؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء.
خامسها: أن يكون عدلاً غير فاسق؛ لئلا يجره إلى فسقه.
سادسها: أن يكون غير مبتدع يلقي عليك الشبه فيتشربها قلبك والشبه خطافة.
وهذه الصفة مِن أهم الصفات في الصديق والصاحب، فإن في مخالطة المبتدع الهلاك والضلال والزيغ كله.
فعليك -أخي الكريم-: أن تراعي هذه الصفات الست فيمن تتخذه صديقًا، ولا تتساهل في واحدة منها.
إن أخـاك الحق مَن كان معك ومـن يـضـر نـفـسـه لينـفعـك
ومَن إذا رَيْبُ الزمان صدعك شـتـت فـيـك شـمـله ليجمعـك
ووصي لقمان الحكيم ابنه حيث قال له في وصيته: "يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة؛ فاصحب مَن إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤنة مانك. اصحب مَن إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأي منك حسنة عدها، وإن رأي سيئة سدها. اصحب مَن إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن نزلت بك نازلة واساك. اصحب مَن إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرًا آزرك، وان تنازعتما آثرك".
يتبع