![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
![]() ![]() ![]()
|
الذنوب والمعاصي وأثرها في وهن الأمة الداخلي د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فما أكثر ما تتحدث الأمة عن خصومها! وما أقل ما تقف مع نفسها وقفةَ صدقٍ ومراجعةٍ! ولسنا ننكر أثر العدو الخارجي، ولا نقلل من شأن الضغوط السياسية والفكرية والاقتصادية، لكن من المؤلم حقًّا أن تنظر الأمة في مرآتها اليوم، فتجد جراحًا لا تنزف دمًا فقط، بل تنزف يقينًا، وتماسكًا، وحياءً، وثباتًا. ومن هنا كان الحديث عن الذنوب والمعاصي حديثًا عن صميم بقاء الأمة، لا عن باب وعظٍ معزولٍ عن الواقع. وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على أصلٍ جليلٍ؛ وهو أن الأمم قد تُؤتى من داخلها قبل أن تُؤتى من خارجها؛ حين يضعف الإيمان، وتضطرب الموازين، وتهون المعصية، وتضعف الصلة بالوحي، وتختل الأسرة، وتخور النفوس؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال سبحانه: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41]. ولا يعني هذا أن كل بلاءٍ بعينه عقوبةٌ على ذنبٍ معيَّن، أو أن الوقائع الجزئية يجوز الجزم فيها بلا علم؛ فإن هذا باب يحتاج إلى فقهٍ وورعٍ وتحرير، لكن الذي لا ريب فيه أن الذنوب والمعاصي من أسباب الفساد، وأن الطاعة والتقوى من أسباب البركة، والثبات، والعافية. أين تضعف الأمة؟ من أعظم أوهام هذا العصر أن تُفهم القوة فهمًا ماديًّا محضًا. نعم، الأمة مأمورة بالإعداد، ومطالبة بتحصيل أسباب القوة الظاهرة، لكن القرآن لم يجعل ذلك وحده سرَّ النهوض والثبات، بل ردَّ الأمر إلى ما هو أعمق: إلى الإيمان، واليقين، وتعظيم الله، والثبات على أمره؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]. فقد تملك أمةٌ بعض أدوات القوة، لكنها تبقى واهنةً من الداخل؛ لأن باطنها مضطرب، ومعاييرها مختلة، وصلتها بالله ضعيفة. وإذا فسد الداخل، لم تُغْنِ الوسائل الظاهرة كثيرًا، وإذا صلح الداخل، أمكن الانتفاع بأسباب القوة كلها على وجهها الصحيح. ولهذا لم يكن الخطر الحقيقي في تاريخ الأمم دائمًا هو شدة العدوِّ وحدها، بل قابلية الداخل للتصدُّع، واستعداد المجتمع لأن يُهزم قبل أن تبدأ الهزيمة الظاهرة. كيف تُفسد المعصية القلب؟ المعصية ليست حادثةً عابرةً، بل أثرٌ ممتد في القلب والعقل والإرادة والسلوك. ومن أخطر آثارها: قسوة القلب، وضعف البصيرة، ووحشة النفس، وحرمان التوفيق، ونقص البركة في العلم والعمل والوقت، قال الله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]. فالذنوب إذا تكاثرت أورثت القلب رينًا، وأضعفت تأثُّره بالموعظة، وقلَّلت هيبته للحق. ومن عقوباتها: أنها تُضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتُضعف وقاره في القلب، ومن آثارها: حرمان العلم، ووحشة القلب، وتعسير الأمور. وهذا المعنى ظاهر لمن تأمل أحوال الناس؛ فإن الذنب لا يمرُّ بالقلب من غير أثر. وكان بعض السلف يقول: إن العبد ليُحْرَم قيام الليل بالذنب يصيبه. وهذه كلمة موجزة، لكنها كاشفة؛ فإن الذنب لا يقطع صاحبه عن لذة الطاعة فقط، بل قد يحرمه من أبواب خيرٍ كثيرةٍ وهو لا يشعر. ومن آثار المعصية كذلك: ضيق الصدر واضطراب الباطن، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]. وليس المراد بهذا أن كل اضطراب نفسي ناشئ عن ذنبٍ بعينه، فذلك إطلاقٌ غير محرر، لكن من الخطأ أيضًا فصل النفس عن الإيمان فصلًا تامًّا؛ فإن البعد عن الله، وضعف الذكر، واستمراء المخالفة، كلها عوامل تضعف مناعة النفس، وتزيد هشاشتها، وتقلل قدرتها على الصبر والاحتمال. ومن أخطر ما تفعله المعصية بالإنسان أن تهوِّن عليه المعصية نفسها؛ فينتقل من الوقوع فيها إلى تبريرها، ثم إلى المجاهرة بها، ثم إلى تحسينها والدعوة إليها؛ وهنا يكون الخلل قد انتقل من ضعف السلوك إلى فساد المعيار. حين يمتد الذنب إلى المجتمع: إذا شاعت الذنوب، وسكت الناس عنها، وتعَطَّلت فريضة الإنكار، لم تبق آثارها محصورة في أصحابها، بل امتدت إلى المجتمع كله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25]. قال أبو بكرٍ، بعد أن حمِد اللهَ وأثنَى عليه: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكم تقرأون هذه الآيةَ، وتضعونها على غيرِ موضعِها ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105]، وإنَّا سَمِعنا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ» وإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: «ما من قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ثمَّ يقدِرون على أن يُغيِّروا، ثمَّ لا يُغيِّروا إلَّا يوشِكُ أن يعُمَّهم اللهُ منه بعقابٍ»؛ أخرجه أبو داود (4338). ومن آثار المعاصي الاجتماعية: نزع البركة، واضطراب العلاقات، وضعف الطمأنينة، وتراجع الحياء، وفساد المعايير، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96]. فالآية تُبيِّن أن للإيمان والتقوى أثرًا في صلاح الحياة نفسها، لا في الثواب الأخروي وحده. وإذا ضعفت التقوى، وهان أمر المعصية، واعتاد الناس المنكر، تحوَّل الخَلَل الفردي إلى وهنٍ عامٍّ في المجتمع. وقال الحسن البصري رحمه الله في معنى جليل: هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم. وهذه الكلمة من أنفذ ما يقال في هذا الباب؛ لأنها تردُّ أصل البلاء إلى ضعف مقام الله في القلوب، فإذا ضعف هذا المقام هان الذنب، وإذا هان الذنب تمدَّد أثره حتى يعم. ومن أخطر صور هذا الوهن أن ينتقل المنكر من كونه مرفوضًا إلى كونه مألوفًا، ثم إلى كونه مقبولًا، ثم إلى كونه مطلوب الاعتراف به والدفاع عنه؛ وعندئذٍ لا تكون المشكلة في مجرد وقوع الذنب، بل في اختلال الوعي الجماعي، وضمور الغيرة على حدود الله. عندما يصبح المنكر عادةً: من مظاهر الخلل في هذا العصر أن بعض الذنوب لم تعد تقع مع بقاء الشعور بقبحها، بل صارت تُعْرَض وتُسوَّغ وتُطلب لها المشروعية الإعلامية والثقافية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرةِ أن يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصبِحَ وقد سَتَرَه اللهُ عليه، فيَقولَ: يا فُلانُ، عَمِلتُ البارِحةَ كَذا وكَذا، وقد باتَ يَستُرُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عنه»؛ أخرجه البخاري (6069)، ومسلم (2990) باختلاف يسير. والمجاهرة لا تقف عند كشف الستر، بل تتحوَّل إلى أداة إفساد: تكسر حاجز الحياء، وتُبرِّد الإحساس بالذنب، وتفتح باب الاقتداء الفاسد، خاصة في الفضاء الرقمي الذي صار مجالًا واسعًا لنشر المنكر وتطبيعه. وهنا لا تعود المشكلة في معصية فردٍ وقع في ضعفٍ أو غفلةٍ، بل في ثقافة كاملة تُعيد تشكيل الذوق، وتزاحم الفطرة، وتُقدِّم الباطل في صورة المألوف أو العصري أو الشخصي الذي لا يحق لأحد إنكاره. وهذا من أشد ما يضعف الجبهة الداخلية؛ لأن المجتمع إذا اعتاد المنكر، لم يعد يشعر بخطره، وإذا لم يشعر بخطره، لم يعد يبذل جهدًا في مقاومته. يتبع اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| من درر العلامة ابن القيم عن الذنوب والمعاصي | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 1 | 07-16-2026 07:57 PM |
| في ذكرى سقوط الأندلس.. الخيانة وأثرها على الأمة | ابو الوليد المسلم | ملتقى التاريخ الإسلامي | 0 | 03-24-2026 11:20 PM |
| {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}آثار الذنوب والمعاصي | امانى يسرى محمد | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 0 | 09-27-2025 03:35 PM |
| الذنوب والمعاصي واثرها على العبد | ابومهاجر الخرساني | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 4 | 12-20-2018 05:48 PM |
| استمع الى اثار الذنوب والمعاصي رائع جدا كله عبر وموعظة | hmza | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 4 | 12-20-2018 05:07 PM |
|
|