من أخطاء بعض طلاب العلم
د. محمد بن علي بن جميل المطري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذه بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض طلاب العلم، أحببت أن أجمعها في هذه الرسالة نصحًا لهم، وهي أخطاء في التصورات والظنون، وفي طرق تحصيل العلوم، وفي العبادات، وفي المعاملات، وفي الخطب والدروس والمحاضرات، وفي الدعوة، وفي الأخلاق، وبعض الأخطاء تقصير في واجبات، وبعضها وقوع في محرَّمات، وبعضها غفلة أو تكاسل عن سنن وقربات، وبعضها أخطاء في تقديم بعض المفضولات على أمور فاضلات، ومعظم هذه الأخطاء لا يختلف اثنان في كونها خطأً وتقصيرًا، وبعضها محل اجتهاد ويسع فيها الخلاف، وربما أذكر دليلًا أو نقلًا نفيسًا لبعض العلماء في بيان خطأ وتقصير قد يخفى على بعض الطلاب، وهذه عشرون خطأً من أخطاء بعض طلاب العلم، ذكرتها بقصد التنبيه عليها للحذر منها، وأسأل الله أن يجعلها نصيحة خالصة موفقة، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها:
1- عدم الحرص على الإخلاص في طلب العلم وتعليمه والدعوة إلى الله، وفي أداء العبادات وسائر الأحوال، وعدم محاسبة النفس على التقصير في ذلك، وعدم الخوف من حبوط العمل بسبب الرياء والسمعة، وعدم الإكثار من الاستعاذة من الرياء، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: (يا أبا بكر، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)، فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهًا آخر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم))؛ رواه البخاري في الأدب المفرد (716)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (555).
وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء))؛ رواه أحمد (23630)، وصححه الأرنؤوط في تحقيق المسند، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (951).
2- عدم المعرفة الكاملة بقدر العلم وفضله، وأنه حِمْلٌ ثقيل؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [المزمل: 5]، فالعلم ثقيل يتحمله من كل خَلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويعيشون للعلم والعمل به وتعليمه، فكثير من الطلاب ينقطع عن طلب العلم، ولا يثبت على تحصيله وحفظه وضبطه ومراجعته، ولا يصبر ويصابر على طلب العلم، والعمل به وتعليمه، والدعوة إلى الله بالعلم، ولا يقاوم الشهوات والعوائق والعقبات التي تصده عن طريق العلم، وكثير منهم يتأثر بالشبهات ويتبع سبيل الجاهلين، ويرضى بما معه من العلم، ومن ثبتَ نبت، ومن صبر قدر، ومن أصلح نيته وفقه الله، ومن استعان بالله أعانه.
3- عدم الإكثار من ذكر الله كما أمرنا الله بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]، وكما وصف عباده بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191]، وفي حديث عبدالله بن بسر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله))؛ رواه الترمذي (3375)، وصححه الألباني. وأيضًا عدم الإكثار من دعاء الله، لا سيما بالأدعية المنصوص عليها في القرآن الكريم أو المستنبطة منه، وكذلك الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة معروفة، ولا يحسن بطالب العلم أن يعرفها أو يقرأها ولا يدعو الله بها.
ومن السنن المهجورة: إطالة الدعاء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُطيل الدعاء في قيام الليل في سجوده، وثبَت عنه إطالة الدعاء جدًّا في حجه.
ومن السنن المهجورة لدى الكثيرين: الدعاء في آخر ساعة بعد العصر يوم الجمعة ولو وقتًا يسيرًا، وبين الأذان والإقامة ولو في سجوده أو آخر تشهُّده، والدعاء مفتاح كل خير، ولا يحسن بطالب العلم أن يكون عن طلب الخير غافلًا.
وأيضًا عدم الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما يوم الجمعة، وبعض طلاب العلم إذا ذَكَر النَّبيَّ في حديثه صلى عليه صلاة، يستغربها بعض العوام، فيقول مثلًا: صلى عليه وسلم من غير ذكر لفظ الجلالة، ولا بأس باختصار الصلاة على النبي، فتقول مثلًا: اللهم صل وسلم على محمد وآله، أو اللهم صلِّ وسلم على محمد.
4- تهاون بعض طلاب العلم بالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر، بل بعضهم يتهاون بأذكار الصباح والمساء، والأذكار بعد الصلوات، بل بعضهم قد يتأخر في صلاة الجماعة عن تكبيرة الإحرام، والله المستعان.
5- غفلة بعض طلاب العلم عن غنيمة الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد إلى طلوع الشمس، ثم صلاة ركعتين أو أربع ركعات بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وفي الحديث القدسي المروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل يقول: ابن آدم لا تعجزنَّ من أربع ركعات أول النهار، أكفك آخره))؛ رواه أحمد (27480)، والترمذي (475)، وصححه الألباني والأرنؤوط.
فلا تعجِز أيها المسلم عن اغتنام هذا الوقت المبارك لذكر الله وللحفظ ومراجعة القرآن، ثم صلاة الضحى أربع ركعات، فهو وقت مبارك، ومغبون من يفرِّط فيه، وقد أمر الله بالصبر على الطاعة في هذا الوقت، فقال سبحانه: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].
وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في العبادة في هذا الوقت المبارك، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة، وشيء من الدُّلجة))؛ رواه البخاري (39)، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة بالفتح: سَير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والروحة بالفتح: السير بعد الزوال، والدلجة بضم أوله وفتحه وإسكان اللام: سَير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله، ولهذا عبَّر فيه بالتبعيض).
وبعض طلاب العلم يغفل أو يكسل عن المرابطة بالمكث في المسجد بين صلاتي المغرب والعشاء، وهو وقت يسيرٌ مبارك، ومن خرج بعد المغرب من المسجد بلا حاجة، فالغالب أنه يضيِّع وقته بلا فائدة، وربما تأخَّر عن صلاة العشاء، فينبغي للمسلم لا سيما طالب العلم أن يحرص على الجلوس في المسجد في هذا الوقت، لتعليم الناس أو لطلب العلم، أو لتلاوة القرآن الكريم، وإن كان الوقت بينهما طويلًا - إن كان يؤخر أذان صلاة العشاء - فهو أكثر للأجر، فهنيئًا لمن وفقه الله لهذا الفضل.
6- من أخطاء بعض طلاب العلم: عدم البداءة بحفظ القرآن الكريم وإتقانه، وكثير من الطلاب يحفظ القرآن في أول طلب العلم، ثم لا يتعاهده بالمراجعة حتى ينساه، فما أكثر طلاب العلم الذين حفظوا القرآن ثم تفلَّت منهم، ولا زالوا يُنسبون إلى حفظ القرآن، وما أقل حافظي القرآن حقًّا الذين يتعاهدونه باستمرار، فهو أشد تفلُّتًا من صدور الرجال من الإبل في عُقلها، فينبغي للطالب الموفق أن يتدارك عمره بالرجوع إلى كتاب ربه، قال النووي رحمه الله في مقدمة كتابه المجموع شرح المهذب في ذكر آداب طالب العلم (1/ 38): (أول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز، فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يُعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدي إلى نسيان شيء منه، أو تعريضه للنسيان).
يتبع