التغيير و الإصلاح عند أهل السنة و الجماعة

قال الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله: التغيير سنة كونية: إن التغير سنة الله عز وجل في خلقه،وقد جاء في الحديث عن العرباض بن سارية قال “وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدٌ حبشي فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ”.
وفي لفظ ابن ماجه قال : فقال رسول الله : ” قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم ما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً فإنما المؤمنون كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد”(1).ومحل الشاهد قوله صلى الله عليه وسلم : “ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرا”، وهذا معناه حدوث تغير بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .ويدل على صحة ما ذكرته لك ما جاء عن سَالِم قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا”(2).
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) : “قوله : (يصلون جميعا) أي: مجتمعين، وحذف المفعول وتقديره الصلاة أو الصلوات، ومراد أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقص والتغيير إلا التجميع في الصلاة، وهو أمر نسبي لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتم مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدهما وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان، فيا ليت شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان ؟”(3)، فالتغير حاصل في الأمة، ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم فيما جاء الخبر عن تجديد الدين.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا”(4)، والْمُرَاد مِنْ التَّجْدِيد : إِحْيَاء مَا اِنْدَرَسَ مِنْ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْأَمْر بِمُقْتَضَاهُمَا وَإِمَاتَة مَا ظَهَرَ مِنْ الْبِدَع وَالْمُحْدَثَات(5)، فالتغير والاختلاف عما كان عليه الأمر الأول حاصل، وعلاجه بالرجوع إلى الدين، وهو الإصلاح.ضوابط الإصلاح عند أهل السنة والجماعة:منهج الإصلاح عند أتباع السلف الصالح : أهل السنة والجماعة مضبوط بخمسة ضوابط وهي التالية :
الضابط الأول : أن موضوع الإصلاح الأول والأساس هو عبادة الله وتوحيده، وهذه هي دعوة الأنبياء؛ إذ كل نبي أرسله الله إلى قومه بهذا الموضوع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[النحل:36].فهذا نوح عليه السلام يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[الأعراف:59].وهذا هود عليه الصلاة والسلام يقول تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾[الأعراف:65].وهذا صالح عليه الصلاة والسلام، يقول تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[الأعراف:73].وهذا شعيب عليه الصلاة والسلام، يقول تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ[الأعراف:85].وهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت:16]، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن.عن ابْنَ عَبَّاس يَقُولُ : “لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ”(6)، وهذا هو ما خلق الله تعالى الجن والإنس له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56].
فالذين يدعون إلى الإصلاح ويجعلون دعوتهم الإصلاحية في القضايا السياسية أو في القضايا الاقتصادية، أو توزيع الثروة، أو نحو ذلك فهؤلاء عملوا عملاً ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو رد عليهم، فمن أراد الإصلاح ولم يجعل هذا هو موضوعه ومقصده، فقد خالف منهج الأنبياء ، وترك ما عليه الإصلاح الشرعي عند أهل السنة والجماعة، وانظر في من يزعم الإصلاح ويتسمى باسمه هذه الأيام، تجده مخالفاً لهذا الضابط اشد المخالفة، فتوزيع الثروة هجيراه ليل نهار، و منازعة الأمر أهله، ديدنه؛فلا شأن له مع هذا الضابط أصلاً، إلا من باب ذر الرماد على العيون كما يقولون!
يتبع
كتبه الشيخ أ.د.محمد بن عمر بازمول حفظه الله جامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين قسم الكتاب و السنة.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|