ثم يعود مرة ثانية إلى النعم فيقول (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾) ثم يعود أيضًا إلى النعم (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٧٩﴾) ثم يذكر أيضًا أشياء من النعم (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ﴿٨٠﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ) أي ألبسة (تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) حاجة الإنسان للباس في الوقاية من الحرّ أكثر أو في الوقاية من البرد أكثر؟ البرد، فلماذا قال (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل سرابيل تقيكم البرد علما أن حاجة الإنسان للوقاية من البرد أشد وأعظم؟ ذكر البرد لما كان أصليًا ذكره مع النعم الأصلية في أول السورة (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) وهنا يذكر النعم المكمّلة فهنا ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه تقدم في أول السورة (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) فذكر الدفء وليس هنا حاجة أن يذكره في هذا الموطن. (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٨٢﴾ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٣﴾). وتستمر الآيات في ذكر النعم وفي عتاب هؤلاء على كفرهم بنعم الله عز وجلّ إلى أن تصل إلى قول الله عز وجلّ في الآية 112 (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴿١١٢﴾) ما من أمة أنعم الله عليها فلم تستعمل نعمة الله في طاعته إلا بدّل الله عز وجلّ تلك النعمة عليها عذابًا وبؤسًا وبلاء آية من آيات الله وقانون من قوانين الكون وسنّة من سنن الله التي لا تتخلف لذلك قال الله عز وجلّ (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١١٤﴾) وحذّرنا من أن نقول على الله بغير علم (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ).
|