![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#25 |
|
|
![]() مدارسة القرآن في رمضان
![]() جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له". وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون ![]() كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فالحديث قَرَنَ بين التلاوة والمدارسة، ورتب عليهما السكينة والرحمة، وحفظَ الملائكة، وذِكْرَ الله لقارئي كتابه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28). وأصل (الدراسة): التعهد للشيء. والفعل (درس) يُطلق على عدة معان، ومن جملة ما يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرسفيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس. و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه ![]() الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ (المدارسة) بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه. و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة. ودلَّت لمشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فقوله سبحانه في وصف الربانيين من أهل العلم: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79). ودلَّ عليها من ![]() السنة فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقد تقدم في حديث مسلم آنفاً. ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) متفق عليه. فـ (التعاهد) في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة. ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيراً بالتفاسير الأثرية المعتبرة. ومما لا ريب فيه أن شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك، تصفَّد فيه مردة الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وفيه يتفرغ ![]() المؤمن لعبادة ربه، والتقرب إليه، ويبتعد عن مشاغل الدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبداً) رواه الطبراني، فاغتنام شهر رمضان في مدارسة القرآن سبيل ناجح لتفعيل منهج المدارسة، واستثمار القرآن الكريم، وتنزيله على واقع الحياة. قاعدتا المدراسة القرآنية منهج المدارسة القرآنية يقوم على قاعدتين: القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين: الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم طريق العمل، والسبيل الهادي إليه. ![]() الثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل به وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} (هود:112). القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (سورة المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمسْتَقْبِلِ له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته. * فوائد المدارسة القرآنية لا شك، أن لمدارسة القرآن فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، يمكن إجمالها في ما يلي: - مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا ![]() يُقارَن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، فصفة (الربانية) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته. والرسول صلى الله عليه وسلم كان له نصيب من ذلك بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم. - مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر، قال عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد القرآن ومدارسته، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان ![]() ضعيف بنفسه قد تعتريه عوارض الفتور والكسل والتراخي . - مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز. - مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها سبل الرشاد، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)، فمن خلال (المدارسة) تزكو النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصِّل كثيراً من الهدايات والمعاني القرآنية . - مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظاً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (وما اجتمع ![]() قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. - مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان وقراءته عليهم. ومما يعين على تحصيل هذا المقصود: أولاً: أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات. ثانياً: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع القارئ دونه، ولا بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام ![]() المنان" للشيخ السعدي، و"زبدة التفسير من فتح القدير" لـ محمد بن سليمان الأشقر. ثالثاً: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلسَ قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن مثل كتاب: "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن" للشيخ السعدي. رابعاً: أن يقيد ما يُشْكِلُ عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عنه. وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة، وهذا الشهر الكريم فيه عون كبير على تحصيل هذه المنافع {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#26 |
|
|
![]() علاقة القرآن بشهر رمضان الكاتب: إسلام ويب (26) ![]() من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الخيرات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الجزاء {وربك يخلق ما يشاء ويختار} (القصص:68)؛ فاختار من الناس محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن البقاع مكة والمدينة شرَّفهما الله، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر الكريم، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمه، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه، وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهلَّ الشهر ويحلَّ إلا وقد ألقاها عن كاهله، ووقف بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلاً مضيئاً، مثل السراج المنير. روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ) . ![]() وغير خافٍ أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين رمضان الكريم والقرآن العظيم؛ فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل على سائر الشهور، واختصه بنزول أعظم المعجزات فيه، فشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد. فشهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، ومن يوم ذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان، وأصبح شهر رمضان الكريم هو شهر القرآن العظيم. وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات؛ وإن من أخص العبادات بشهر رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. كيف لا! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ![]() للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185). وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (القدر:1). وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) فرمضان أخص الشهور بالقرآن. وكأنه سبحانه كتب علينا الصيام في هذا الشهر شكراً له تعالى على إنزال القرآن الكريم، فالصيام من أجلِّ العبادات التي يرتقي فيها المسلم بروحه إلى السموات العلى، وكأنها معراجه الخاص ليتلقى القرآن بطريقة تختلف عن تلقيه إياه في سائر الشهور والأيام؛ لذا نجد الصائمين يجدون في مدارسة القرآن في رمضان ما لا يجدونه في غيره. وشهر رمضان موسم عظيم لتصويب وتفعيل العلاقة مع القرآن؛ فرمضان شهر الخيرات والبركات، يُضاعف سبحانه فيه الحسنات، ويبارك فيه في الأوقات والأعمال، وتُصفَّد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة،يقول الصيام: أي ![]() رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه)،قال: " فيشفعان) رواه أحمد. وإذا تأمل المرء في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، تبيَّن له أن الصيام يهذب النفس البشرية، فتتهيأ لاستقبال القرآن؛ ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام، وذلك أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلل من الفضول؛ فضولِ الطعام والشراب، وفضول النكاح، وفضولِ مخالطة الناس، وفضولِ النظر، وفضولِ السماع، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول السهر، وفضولِ تصفح المواقع والشبكات، فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجب بين القلب والقرآن؛ ولذلك كان شهر رمضان الذي تقلُّ فيه أنواع الفضول كافة، هو شهر القرآن. ومن المعلوم أن القرآن الكريم له تأثير عظيم على القلوب، كما قال عز شأنه: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من ![]() هاد} (الزمر:23) ومفاد هذا أننا لا نستطيع أن نصل إلى ما نسعى إليه من غير القرآن، وأعظم وأهم وقت يستفاد فيه من القرآن هو رمضان، فهو موسم القرآن الخاص؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يكون القرآن حاضراً معه كل يوم؛ في تلاوته في الصلاة، وفي تلاوته خارج الصلاة، وفي مدارسته لبعض سوره وآياته، وفي استماعه في صلاة التراويح والتهجد، مع ملاحظة أن لا يكون همه كم ختمة سنختم في هذا الشهر، بل ينبغي أن يكون همنا الأساس كم مرة تأثر القلب، وذرفت العين، وصلح العمل، واستقام السلوك، وهذا يستلزم منا قراءة متأنية بترتيل وتدبر، وأن نُعمل العقل في فهم ما نتلو من آيات ترشدنا طريق الصواب، وتهدينا سُبل الرشاد. وإذا تقرر أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن معاً، فليس المقصود من هذا التقرير أن قراءة القرآن وتدبره لا تكونان إلا في شهر رمضان، وإنما القصد أن الداعي إلى قراءته وتدبره تزداد وتقوى في هذا الشهر المبارك. وإذا تساءل المسلم عن حال المسلمين مع القرآن عموماً، وفي رمضان خصوصاً، لوجد أحوالاً متفاوتة، لكنها في الأعم الأغلب تكشف عن نوع هجر وانصراف، لا يليق بمنزلة ![]() القرآن في الأمة، ومحله في قلوب المؤمنين. وإذا قارن المرء حال المسلمين اليوم مع حال السلف الصالح لوجد فارقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً، يكشف عن سر تخلفنا وضعفنا، وتداعي الأمم علينا، جراء هذا الهجر والإعراض، ويرسم لنا في الوقت نفسه المخرج الآمن من هذه الفتن المدلهمة؛ ففي حديث علي رضي الله عنه: (ألا إنها ستكون فتنة! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يَخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً} (الجن:1) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن ![]() عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) رواه الترمذي والدارمي. وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، روى الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان، فقام يصلي، فلما كبر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها، ثم ركع يقول: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة) رواه أحمد. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود ![]() الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن) قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان". وقال أيضاً: "وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} (المزمل:6). وسار السلف الصالح رحمهم الله على هديه صلى الله عليه وسلم، فكان لهم اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان، فلم يكونوا يشتغلون فيه بغيره. ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح؛ فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا ًمرتلاً، ولذلك ![]() اُستحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة. ومن فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن الكريم من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن، فتلين بقراءتهم قلوب العباد، وتقشعر بها جلودهم، وتأخذ بأيديهم لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى سبحانه عنه. ثم إن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن وُفِّق للجمع بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، نال أجره بغير حساب، {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر:10). ولقد وصف الله سبحانه شهر الصوم بقوله: {أياما معدودات} (البقرة:184) إنها لحظة من الزمن تحتاج إلى جهد متواصل، لا مجال فيها للمسامرات غير النافعة، فمن استطاع أن يحقق انتصاراً لنفسه في هذه الأيام المعدودات، فسوف يحقق انتصاراً على لحظات عمره، فما هذه الدنيا سوى لحظات عابرة، كما قال الشاعر: نسير إلى الآجال في كل لحظة * * * وأيامنا تطوى وهنَّ مراحل ولم أر مثل المـــوت حقاً كأنه * * * إذا ما تخطته الأماني بـاطل ![]() وما أقبح التفريط في زمن الصبا * * * فكيف به والشيب في الرأس شامل ترحَّل عن الدنيا بزاد من التقى * * * فعمرك أيام وهنَّ قلائل قال ابن رجب رحمه الله: "يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟". فليحرص المسلم في هذا الشهر الفضيل على أن يجدد العلاقة مع القرآن الكريم، تلاوة وحفظاً وتدبراً وعملاً، وأن يتعرض لنفحات الرحمن في هذا الشهر المبارك، ويغتنم أيامه ولياله في قراءة كتاب ربه وتدبره، والتزود من خيراته، فهو خير كتاب يُتلى، وهو خير صديق يُتخذ، وعليه أن يشجع أبناءه على حفظه وتلاوته، وأن يجعل من رمضان فرصة لتصحيح العلاقة مع القرآن الكريم طلباً لشفاعته يوم الدين. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#27 |
|
|
![]() هكذا يتدبرون ويخشعون الشيخ د. علي ونيس (27) ![]() قال النَّووي في (فصلٌ في استحباب ترديد الآية للتَّدَبُّر): "وقد قدمنا في الفصل قبله الحثَّ على التَّدَبُّر وبيان موقعه وتأثر السَّلَف، ورُوِّينا عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قام - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح، والآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية، رواه النسائي وابن ماجه. وعن تميم الدَّاري - رضي الله عنه - أنه كرر هذه الآية حتى أصبَحَ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21] الآية. ![]() وعن عبادة بن حمزة قال: دخلت على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال علي ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجَعَت وهي تعيدها وتدعو. ورويت هذه القصة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها. وردد ابن مسعود - رضي الله عنه -: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}. ورَدَّدَ سَعِيد بن جبير: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281]. وردد أيضًا: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 70، 71] الآية. وردد أيضًا: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]. وكان الضَّحَّاك إذا تلا قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] رددها إلى السحر[1]. عن حوْشب عن الحسن قال: "تفقدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، وفي القرآن، وفي الذكر؛ فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، فإن لم تجدوها فاعلم أن بابكَ مغلق" [2]. - عن معمر مؤذن التيمي قال: "صَلَّى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، قال: فلمَّا أتى على هذه الآية: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] جَعَلَ يُرَددها حتى خفَّ أهل المسجد فانصرفوا، قال: فخرجت وتركته، قال: وغدوت لأذان الفجر فنظرت فإذا هو ![]() في مقامه، قال: فسمعت فإذا هو فيها لم يَجُزْها، وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27]" [3]. - عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: "سمعت بعض مَن يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رُعْتَ أهلك؟ أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرَّت بي آية في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بكَ لتُفَرج عنه فزدته، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما"[4]. - عن أحمد بن أبي الحواري قال: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه والخشوع منَ الحسن بن صالح بن حيي، قام ليلة بـ{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1]، فغشي عليه فلم يَختمها حتى طلع الفجر" [5]. - قال أبو يوسف الفولي: "سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: لقيت عابدًا من العُبَّاد قيل: ![]() إنه لا ينام الليل فقلتُ له:لم لا تنام؟ فقال لي: منعتني عجائب القرآن أن أنام"[6]. - عن عبدالله بن أبي سليم قال: "كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يدُه فَخِذَه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال: ما تدرون بين يدي مَن أقوم ومن أناجي؟!" [7]. - عن أبي نوح الأنصاري قال: "وقع حريق في بيتٍ فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، النارَ، يا ابن رسول الله، النارَ، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألْهاك عنها؟ قال: ألْهتني عنها النارُ الأخرى"[8]. - وكان ثابت البُناني يقول: "ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل"[9]. - وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه: أنه كان يصلي ذات يوم فدخل رجل من أهل الشام ففزعوا، واجتمع له أهل الدار، فلما انصرفوا قالت له أم عبدالله: دخل هذا الشامي ففزع أهل الدار فلم تنصرف إليهم أو كما قالت، قال: ما شعرت". - وقال معتمر: "وبلغني أنَّ مسلمًا كان يقول لأهله: إذا كانت لكم حاجة فتكلَّموا وأنا أصلي". - وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "ما رأيته يصلي قط إلا ظننت أنه مريض". ![]() - وعن ابن شوذب قال: "كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم". - وعن ميمون بن حيان قال: "ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انْهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد في الصلاة فما التفت". - وعن عبدالحميد بن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "كان مسلم بن يسار إذا دخل المنزل سكتَ أهلُ البيت، فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا". - وعن غيلان بن جرير قال: "كان مسلم بن يسار إذا رُؤي، وهو يصلي كأنه ثوب ملقًى". - وعن ابن عون قال: "كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة". - وعن عبدالله بن المبارك: قال سفيان عن رجل عن مسلم بن يسار أنه سجد سجدة فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس فأخذ يعزيه ويهون عليه، فذَكر مسلمٌ من تعظيم الله - عز وجل. - وعن ابن عون قال: "رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب"[10]. ![]() - قال الإمام النووي: "فصل في البكاء عند قراءة القرآن": قد تَقَدَّمَ في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109]. وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)). وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: (أنه كان في صلاة العشاء)؛ فيدل ذلك على تكرره منه، وفي رواية: (أنه بكى حتَّى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف). وعن أبي رجاء قال: "رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع". وعن أبي صالح قال: "قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: هكذا كنا. وعن هشام قال: "ربَّما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة". ![]() والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها، وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية، والله أعلم. قال الإمام أبو حامد الغزالي: "البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب"[11]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 44. [2] - "الحلية": 6 / 171. [3] - "الحلية": 3 / 29. [4] - "الحلية": 3 / 146، و"صفة الصفوة": 1 / 416. [5] - "الحلية": 7 / 328. [6] - "الحلية": 8 / 30. [7] - "صفة الصفوة": 1 / 389. [8] - "صفة الصفوة": 1 / 389. [9] - "صفة الصفوة": 2 / 157. [10] - كل ما ذكر عن مسلم بن يسار في "الحلية": 2 / 291. [11] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 45، ولتراجع في هذا وغيره الكتاب المذكور للإمام النووي - رحمه الله - ففيه خير كثير. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#28 |
|
|
![]() فضل قراءة القرآن (28) ![]() جرى في الأمثال السائرة قولهم: "شرف العلم بشرف ما تعلّق به"، فكيف إذا تعلّقت العبادة بالقرآن العظيم؟: أشرف الكتب وأكملها، وقد أعلى الله مكانه، وأيّد بالحق سلطانه، أفصح كتبه كلاماً، وأحسنها نظاماً: {وإنه لكتاب عزيز* لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت:41-42). والارتباط بين شهر رمضان والقرآن العظيم ارتباطٌ محكم وثيق، ففي أيّامه المباركة ولياليه الجليلة نزل الروح الأمين بالقرآن العظيم ليكون هدى للناس وفرقاناً، قال تعالى: ![]() {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:186). وقد حثّ الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على أن يكون لهم شأن مع القرآن الكريم، فيردوا حياضه، ويستروحوا في رياضِهِ، ويأنسوا بكَنَفِه، فها هو يخاطبهم في محكم كتابه، فيقول عز من قائل: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4). قال الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "اقرأه على تمهل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه". ![]() وقراءة القرآن الكريم عبادةٌ عظيمة، غَفَلَ عنها المتقاعسون عن الأجور؛ ذلك لعدم استشعارهم الأجور العظيمة التي تترتّب عليها، وفي هذا المقام يأتي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: {آلم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف)، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وكلّما قرأ المؤمن آيات الله تضاعفت حسناته، وامتلأت صحائف أعماله، وهذه هي التجارة الحقيقيّة مع الله عز وجل:{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور} (فاطر:35). والمقصود بـ (التالين) لكتاب الله -كما ذكر العلماء- هم الذين يداومون على قراءته، واتباع ما فيه، حتى صار ذلك سمةً لهم وعنواناً، فمثل هؤلاء قد عقدوا مع الله عز وجل صفقةً رابحة،ً لن تكسد وتفسد، بل تجارة: "هي أجلُّ التجارات، وأعلاها، وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه". ![]() وقراءة القرآن تشفع لصاحبها يوم القيامة، فقد روى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقانٌ من طير صواف، تحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)، رواه مسلم. و(البطلة): هم السَحَرة، كما ذكر شرّاح الحديث. ومن فضائل قراءة القرآن الأخرويّة: ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارْقَ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) رواه أحمد وأصحاب السنن عدا ابن ماجه. ![]() والناس يتفاوتون ويتباينون في قدرتهم على قراءة القرآن ومهارتهم فيه، ومن ثَمَّ كان لكل واحدٍ منهم فضلٌ وأجرٌ بحَسَبِه، مصداق ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران) متفق عليه. والحديث عن قراءة القرآن يقودنا إلى مسألة تدبّر آياته، والذي يعني أصالةً: تأمّل معانيه، والتفكر في حكمه، والتبصّر بما فيه من الآيات، وقد ورد الأمر بذلك في قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}(النساء:82)، وقوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} (ص:29)، وقوله سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24). ![]() يقول الإمام ابن القيم: "وأما التأمل في القرآن، فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر". وإنّ من الغبن أن ترى من يُجهد نفسه في قراءة القرآن في رمضان وفي غيره دون أن يَجعل للتدبّر قسطاً من يومه وليله، رغبةً في الاستكثار من الحسنات الواردة في حقّ التلاوة، وقد تناسى ما يُثمره التدبّر من تزكية للروح، وتهذيب للنفس، ورقيّ في مدارج الإيمان، ناهيك عن موافقة الطريقة النبويّة في القراءة. وقد ذُكر لعائشة رضي الله عنها أن أناساً يقرؤون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: "أولئك قرؤوا، ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، فلا يمرّ بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله، ورغب إليه" رواه أحمد، قال محققو "المسند": صحيح لغيره. ![]() وقولها: (ليلة التمام) كأن المراد ليلة تمام الختمة والشروع في أخرى، أو المراد تمام رمضان، أو المراد تمام الليلة. ولنا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أعظم عبرةٍ، إذ يقول: (مَثَل الذي يقرأ القرآن كالأترجّة طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومَثَل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مُرّ، ولا ريح لها) متفق عليه، فقد أومأ هذا الحديث إلى ما ينبغي أن يكون عليه حال قارئ القرآن من التدبّر، الذي يقوده إلى العمل الصالح، وهذه هي الثمرة الحقيقيّة لكل العبادات، سواءٌ ما كان منها في رمضان أو في غيره: علمٌ، وعمل، وتدبّر، تحصل منه الخشية، ويزداد المؤمن إيماناً، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان والعمل الصالح. منقول ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#29 |
|
|
![]() فضل تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله (29) الحمد لله الذي أنزَل على عبده الكتاب تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعدُ: فإنه يتأكد على المسلم الراجي رحمة ربِّه، الخائف من عذابه، أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره؛ تقرُّبًا إلى الله - تعالى - وطلَبًا لمرضاته، وتعَرُّضًا لفضله وثوابه؛ فإنَّ القرآن الكريم خيرُ كتاب، أنزل على أشرف رسول، إلى خير أمة أُخرجتْ للناس، بأفضل الشرائع وأسمحها، وأسماها وأكملها. ![]() أنزل القرآن لكي يقرأَه المسلمُ ويتدبره، ويتفكر في معانيه، وأوامره ونواهيه، ثم يعمل به، فيكون حجة له عند ربه، وشفيعًا له يوم القيامة. وقد تكَفَّلَ الله لمن قرأ القرآن وعمِل بما فيه ألاَّ يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، بقوله - تعالى -: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ﴾[طه: 123]، ولْيحذر المسلمُ من الإعراض عن تلاوة كتاب الله وتدبره والعمل بما فيه، وقد توَعَّد الله المعْرضين عنه بقوله - تعالى -: ﴿ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ﴾[ طه: 100] وبقوله - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾[ طه: 124]. وفي فضْل القرآن: قال الله - تعالى -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [ النحل: 89]، وقال - تعالى -: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى ![]() النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15 - 16]، وقال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ يونس: 57]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))؛ رواه البخاري في صحيحه، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه))؛ رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورةُ البقرة وآل عمران، تحاجَّانِ عن صاحبهما))؛ رواه مسلم، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿ ألم ﴾ حرف؛ بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها))؛ رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ![]() وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به، مع السفَرة الكرام البَرَرة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقٌّ، له أجران))؛ متفق عليه. والمراد بالسَّفَرة: الرسل من الملائكة، والبَرَرة: المطيعون لله - تعالى - ويتتعتع: يتردد في قراءته (له أجران): أجر القراءة، وأجر المشَقَّة. وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا حسَد إلا في اثنتَين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار))؛ متفق عليه. والآناء: الساعات، والمراد بالحسد هنا: الغبطة، وهي تَمَنِّي مثل ما للغَيْر. ![]() فاحْرِص - أيها المسلم - وفَّقك الله لما يرضيه على تعلُّم القرآن وتلاوته بنية خالصة لله- تعالى - واحرص على تعلُّم معانيه والعمل به؛ لتنال ما وعد الله به أهل القرآن من الفضل العظيم، والثواب الجسيم، والدرجات العلا، والنعيم المقيم، فقد كان أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذا تعلَّموا عشر آيات من كتاب الله - تعالى - لَم يتجاوزوهن حتى يتعلَّموا معانيهن والعمل بهن. ![]() وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن؛ كما قال - تعالى -: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185]، وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتقي هو وجبريل في رمضان في كل ليلة، فيدارسه القرآن. فدلَّ على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرْض القرآن على مَن هو أحفظ له منه، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان. وفيه فضل الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلتْ عليهم السكينة، وغشيتْهم الرحمة، وحفَّتْهم الملائكة، وذَكَرهم الله فيمن عنده))؛ رواه مسلم. وفي حديث ابن عباس المتقدم: أن المدارسة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كانت ليلاً، فدلَّ على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر؛ كما قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [المزمِّل: 6]. ويستحب قراءة القرآن على أكمل الأحوال متطهرًا، مستقبل القبلة، متحريًا بها أفضل الأوقات؛ كالليل، وبعد المغرب، وبعد الفجر، وتجوز القراءة قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وماشيًا وراكبًا؛ لقوله - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 191] والقرآن أعظم الذكر. ![]() ثم اعلم - أيها المسلم - أنَّ تلاوة القرآن التي ينتفع بها صاحبُها هي التلاوة المصحوبة بالتدَبُّر والتفهُّم لمعانيه وأوامره ونواهيه، بحيث إذا مرَّ القارئ بآية يأمره الله فيها بأمر ائتَمَر به وامتَثَلَه، وإذا مر بآية ينهاه الله فيها عن شيء، انتهى عنه وترَكه، وإذا مرَّ بآية رحمة سأل الله ورجا رحمته، وإذا مرَّ بآية عذاب استعاذ بالله وخاف من عقابه، فهذا الذي يتدبَّر القرآن ويعمل به، يكون حجة له، أما الذي لا يعمل به، فإنه لا ينتفع به ويكون حجة عليه؛ قال الله - تعالى -: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]. اللهم اجعلنا وجميع المسلمين من أهل القرآن، الذين هم أهلُكَ وخاصتك يا أرحم الراحمين، واجعله حجَّة لنا لا حجة علينا يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#30 |
|
|
![]() القرآن كتابي: هكذا يكون التلقي الشيخ عاطف عبدالمعز الفيومي (30) ![]() الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على المبعوث رحمةً للعالَمين، نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليْه وآله أجمعين. وبعد: فهذه كلماتٌ أُبيِّن بها الطَّريق نحو منهج التلقِّي الَّذي يجب للقرآن، وأعْني هنا: التلقِّيَ الإيمانيَّ العمَليَّ، لا التلقِّي الإسناديَّ، وذلك أنَّ كثيرًا مِن النَّاس غفلوا عن هذا التلقِّي، وتناسَوه كثيرًا، وأُجْمِلُ كلماتي في محاور مُتتالية: 1- القرآن والمكانة السَّامية: إنَّ الوقوف على آيةٍ واحدة من كتاب الله تعالى مِن عشرات الآيات، تكفي بأن تبيِّن لنا مكانةَ هذا الكتاب المنزَّل: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]. ![]() وبالنَّظر إلى هذه الآية الكريمة، تأمُّلًا وفهْمًا، تستبينُ لنا جلالة هذا الكتاب، وكتُب التَّفسير وقفتْ على شيء مِن ذلك، فقد قال شيخ المفسِّرين ابنُ جرير الطَّبري في هذه الآية: (يقول تعالى ذكْره: إنَّ هذا القرآن الذي أنزلْناه على نبيِّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم يُرشد ويُسدِّد مَن اهتَدَى به ﴿ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ يقول: للسَّبيل الَّتي هي أقوَمُ مِن غيرِها مِن السُّبُل، وذلك دِين اللهِ الَّذي بَعَث به أنبياءَه وهو الإسلام، يقول جلَّ ثناؤه: فهذا القُرآن يَهدي عبادَ اللهِ المهْتدِين به إلى قصْد السَّبيل الَّتي ضلَّ عنها سائرُ أهلِ المِلَل المكذِّبين به). وقال ابنُ كثير رحِمه الله تعالى في هذه الآية: (يَمدح تعالى كِتابَه العزيز الَّذي أنزَله على رسولِه محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم وهو القُرآن، بأنَّه يَهْدي لأقْوم الطُّرُق، وأَوضَحِ السُّبُل ﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ به ﴿ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ على مقتضاه ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾؛ أي: يوم القيامة). وقال العلَّامة السَّعدي رحِمه الله تعالى: (يُخبر تعالى عن شرَف القرآن وجلالتِه، وأنَّه ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾؛ أي: أَعدَل وأعلى، مِن العقائد والأعْمال والأخلاق، فمَنِ اهتدَى بما يَدعو إليْه القرآن كان أكْمَلَ النَّاسِ وأقومَهم وأهداهم في جَميع أموره، ﴿ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ مِن الواجبات والسُّنن، ﴿ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ أَعَدَّه اللهُ لهم في دار كرامتِه، لا يَعلم وصْفه إلَّا هو). ![]() وقال صاحب "الظّلال" رحِمه الله تعالى: (هكذا على وجْه الإطلاق فيمَن يهديهم وفيما يهديهم، فيَشمَل الهُدى أقوامًا وأجيالًا بلا حدودٍ مِن زمانٍ أو مكان، ويَشمَل ما يَهديهم إليْه كلَّ منهج وكلَّ طريق، وكلَّ خير يهتدي إليه البشَر في كلِّ زمانٍ ومكان، يَهدي للَّتي هي أقوَم في عالَم الضَّمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة الَّتي لا تعقيد فيها ولا غموض، والَّتي تُطْلِق الرُّوحَ مِن أثقال الوهْم والخُرافة، وتُطْلق الطَّاقاتِ البشريَّة الصَّالحة للعمل والبناء، وترْبط بين نواميس الكون الطَّبيعيَّة، ونواميس الفِطرة البشريَّة في تناسُق واتِّساق. ويَهدي للَّتي هي أقوم في التَّنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسُلوكه، وبين عقيدتِه وعملِه، فإذا هي كلُّها مشدودة إلى العُروة الوثقى الَّتي لا تنفصِم، مُتطلِّعة إلى أعلى وهي مستقرَّة على الأرض، وإذا العملُ عبادةٌ متى تَوَجَّه الإنسانُ به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعًا واستِمتاعًا بالحياة، ويهْدي للَّتي هي أقوم في عالَم العِبادة بالموازنة بين التَّكاليف والطَّاقة، فلا تَشُقُّ التَّكاليف على النَّفس حتَّى تملَّ وتيْأس مِن الوفاء، ولا تسهل وتترخَّص حتَّى تشيع في النَّفس الرخاوة والاستِهْتار، ولا تتجاوز القصْد والاعتِدال وحدود الاحتِمال. ويهدي للَّتي هي أقوم في علاقات النَّاس بعضهم ببعض: أفرادًا وأزواجًا، وحكوماتٍ وشعوبًا، ودولًا وأجناسًا، ويُقيم هذه العلاقات على الأُسُس الوطيدة الثَّابتة الَّتي لا تتأثَّر بالرَّأي والهوى، ولا تَميل مع المودَّة والشَّنآن، ولا تصرِّفها المصالح والأغراض، الأُسس التي أقامها العليمُ الخبير لخلْقه، وهو أعْلم بِمَن خلَق، وأعرَف بما يَصلُح لهم في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ جيل، فيهديهم للَّتي هي أقْوم في نظام الحكْم، ونظام المال، ونظام الاجتِماع، ونظام التَّعامُل الدُّوَلي اللائق بعالم الإنسان). ![]() 2- الخلل في منهج التلقِّي: هذه هي منزلة القرآن ومكانته، التي جعلها الله تعالى ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمحلِّ الأعلى، والمكان الأرْفع، وإذا أمعنَّا النَّظر قليلًا إلى الوراء، حيثُ تاريخ الإسلام وعهْده الأوَّل مِن جيل الصَّحابة رضِي الله عنْهم، وجدْنا أنَّ منهج الصَّحابة في تلقِّي القرآن ومنهجه، وأحكامه وشرائعه، يَختلف تمامًا عن تلقِّي كثيرٍ من المسلمين اليوم لِهذا الكتاب الرَّبَّاني، وطُرُق التَّعامُل معه، ولا أعْني هنا التلقِّي العِلْمي الإسنادي، وإنَّما عَنيتُ: التلقِّي الإيمانيَّ العمَليَّ لهذا الكتاب المنزَّل، قال سيِّد قطب رحمه الله تعالى: (هُناك عاملٌ أساسي آخَر غير اختلاف طبيعة النَّبع، ذلك هو اختلاف منهج التلقِّي عمَّا كان عليه في ذلك الجيل الفريد... إنَّهم في الجيل الأوَّل لم يكُونوا يقرؤُون القرآنَ بقصْد الثقافة والاطِّلاع، ولا بقصْد التذوُّق والمتاع، لم يكن أحدُهم يَتلقَّى القرآنَ ليَستَكثِر به مِن زاد الثَّقافة لمجرَّد الثَّقافة، ولا لِيُضيف إلى حصيلتِه مِن القضايا العلميَّة والفقهيَّة محصولًا يملأ به جُعْبتَه، إنَّما كان يتلقَّى القرآن ليتلقَّى أمْر الله في خاصَّة شأْنه وشأن الجماعة الَّتي يعيش فيها، وشأن الحياة الَّتي يَحياها هو وجماعتُه، يَتلقَّى ذلك الأمْر لِيَعمل به فوْرَ سماعِه، كما يَتلقَّى الجندي في الميدان "الأمْر اليوميَّ" لِيعمَل به فور تلقِّيه، ومِن ثمَّ لم يكُن أحدُهم لِيَستَكثِر منه في الجلسة الواحدة؛ لأنَّه كان يحسُّ أنَّه إنَّما يَستَكْثِر مِن واجبات وتكاليف يَجعلها على عاتقه، فكان يكْتَفي بعشْر آياتٍ حتَّى يَحفظَها ويَعمل بها كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنْه[1]. ![]() هذا الشعور، شعور التلقِّي للتَّنفيذ، كان يَفتح لهم مِن القرآن آفاقًا مِن المتاع، وآفاقًا مِن المعرفة، لم تكُن لتُفْتَح عليهم لو أنَّهم قَصَدوا إليْه بشعور البحث والدِّراسة والاطِّلاع، وكان يُيَسِّر لهم العمل، ويخفِّف عنهم ثقل التَّكاليف، ويخْلط القرآن بذواتِهم، ويُحوِّله في نفوسهم وفي حياتِهم إلى منهج واقعيٍّ، وإلى ثقافة متحرِّكة لا تبقَى داخلَ الأذْهان، ولا في بطون الصَّحائف، إنَّما تتحوَّل آثارًا وأحداثًا تُحَوِّل خطَّ سير الحياة)[2]. إنَّها قضيَّة كبيرة حقًّا، لِمَن كان له قلْب أو ألْقى السَّمع وهو شهيد، قضيَّة منهج التلقِّي القلْبي العقدي للقُرآن، لقد كان الواحد مِن السَّلف الصَّالح مِن أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يأخُذ القُرآنَ لنفسِه وشأنه، ولعقيدته وعبادته، ولنجاته وفوْزِه، يأخُذ القرآنَ ولسانُ حالِه يقول: القرآنُ كتابي، نَعم القرآن كتابي لا كتاب غيري مِن النَّاس، القرآن أُنْزِل لي، نعم، لي أنا، لهدايتي، لإعلاء مكانتي، لبيان عقيدتي، لتوْجيه عبادتي، لبيان شريعتِي، لسعادة قلْبي ونفْسي، إنَّه كتابي الَّذي به تُنال الدَّرجات، وباتِّباعه تنزل البركات، وبهدايتِه تُسْتَمطر الرَّحمات، وبمنهجه تُطْلَب الجَنَّات، إنَّه رسالة الله إليَّ، ونداؤُه الواضح البرهان. ![]() هذا فارق التلقِّي بيْننا وبين الصَّحابة رضِي الله عنهم: أنَّهم أَخذوا القرآنَ لهم لا لغَيْرِهم فحسْب، ولا يقول أحدُهم: هذه الآية تُخاطب فلانًا مِن النَّاس، لا تُخاطبني، وهذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهََ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 130]، تأمُر بترْك أكْل الرِّبا وأموال النَّاس بالباطل، إنَّني لا أفعل ذلك، إذ إنها لفلان آكلِ الرِّبا، وآكلِ الكسب الحرام. وآية ثالثة ورابعة وخامسة تدُور بين الأمْر والنَّهي، وبين الحلال والحرام، والموعظة بالتَّرغيب والتَّرهيب، كلُّ هذه الآيات ليستْ لي أنا، إنَّما هي لفلان وفلان مِن النَّاس... إلخ. 3- آثار المخالفة: إنَّ واقع كثيرٍ مِن المسلمين اليوم يُبَيِّن لنا خطَرَ هذا المنهج في التلقِّي للقرآن وشريعته على واقع المسلمين اليوم، وعلى عقيدتهم ومجتمعِهم، لماذا؟ لأنَّ التلقِّي بهذه الصورة المنحرفة يؤدِّي إلى عدَّة مظاهر انحرافيَّة خطيرة، منها: 1- ضَعْف الإيمان في القلوب، وضَعْف العقيدة والتَّوحيد في السلوك؛ ذلك أنَّ القرآن باب الإيمان ومدْخله. 2- ضَعْف الانتماء الصَّحيح لهذه الشَّريعة الغرَّاء؛ حيث الانفِصام بين الدِّين والحياة، وبين القول والعمل، وبين المرْء ونفسِه ومجتمعِه، انفِصامٌ خطيرٌ في الشَّخصيَّة المسْلِمة؛ لأنَّ القرآن عندئذٍ لا يكون هو مصدر التلقِّي والتَّوجيه والتَّشريع للمرْء، إنَّما له مصادر ومناهج أُخرى يَتلقَّف منها ما يشاء وما يَشتهي. 3- فقْد العلاقة بين المسلم وخالقِه؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، ومنهجه المنزَّل، الذي جعَله الرَّابطة بين العبد وخالقِه، وذلك بتلاوته وتدبُّره، والعمل بمنهجه، والدَّعوة إليه، والاستزادة منه، فإذا ضَعُفَت علاقة العبد بِهذا المنهج والمصْدر الربَّاني، ضعفَت العلاقة بينه وبين خالقه سبحانه وتعالى. ![]() إنَّ الإنسان يَضلُّ وينحرف، وتأخُذُه أمواج الفِتَن والشَّهوات والشُّبُهات، إذا لم يتَّجه بهداية القُرآن: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النور: 46]، وفي الحديث: ((أمَّا بعد، ألا أيُّها النَّاس، فإنَّما أنا بشَر يُوشك أنْ يأتيَني رسولُ ربِّي فأُجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلَين: أوَّلُهما كتاب الله فيه الهدى والنُّور، فخُذوا بكتاب الله، وتمسَّكوا به))، فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثمَّ قال: ((وأهْل بيْتي))، وفي لفظٍ: ((كتاب الله هو حبْل الله المتين، مَن اتَّبعَه كان على الهدَى، ومَن ترَكه كان على الضَّلالة))؛ رواه مسلم. إنَّ الإنسان يقَع في الخُسران والانحِراف عن منهج الله وشريعته، إذا لَم يَعمل بالقرآن: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 2، 3]. إنَّ الإنسان يَقع في سُبل الشَّيطان ومكايده إذا لَم يَستَقِم على صراط القرآن: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 123 - 127]. ![]() إنَّ الإنسان تَنقَطع طُرُق الاتِّصال بينه وبين الله تعالى، كما يَفْقد معالِمَ الاهتداء، إذا لَم يَستمْسِك بحبل القرآن: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، وفي الحديث: ((أَبْشِروا، أليْس تَشْهدون أن لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله؟)) قالوا: نعم، قال: ((فإنَّ هذا القرآنَ طَرفُه بيدِ الله وطَرفُه بأيديكم، فتمسَّكوا به، فإنَّكم لن تضلُّوا، ولن تهْلكوا بعده أبدًا))؛ رواه ابن حبَّان في صحيحِه. إنَّ الإنسان يَفْقد أَجَلَّ خيريَّة في الإسلام إذا لم يقرأ ويتعلَّم القرآن؛ ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه))؛ رواه البخاري. إنَّ الإنسان يقع في الكُفر والشِّرْك، وينجرف بعيدًا عن الفوز والفلاح، إذا لم يؤْمن بالقرآن؛ ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 4، 5]. وقال تعالى: ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2]. إنَّ الإنسان يَفْقد مَجْدَه ومكانتَه وعزَّه، إذا لم يَتَّبع هذا القرآن؛ ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 10]. إنَّ الإنسان يقع في براثن الذُّل والهوان إذا لم يَعتصِم بالقرآن حقَّ الاعتِصام: ((إنَّ الله يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضَع به آخرين))؛ رواه مسلم. إنَّ الإنسان يَفْقد ولاية الله تعالى له، وحمايته له من أعدائِه المتربِّصين إذا لم يقرأ القرآن: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ [الإسراء: 45]. إنَّ الإنسان يقع تحت طائلة العِتاب والندم يوم القيامة، إذا لم يكُن له نصيب مِن القرآن تلاوة وفهمًا وعملًا: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30]. ![]() 4- القرآن كتابي: هكذا يكون التلقِّي: وهنا، وبعد هذا التِّبيان أقول: يجبُ أن نُعيد منهج التلقِّي للقرآن في نفوسِنا مِن جديد، يجب أن نتلقَّى القرآن للعِلْم والعمل معًا، نتلقَّاه لأنفُسنا، لسعادتنا وهدايتنا، لتوجيهنا وتربيتِنا، لإصلاحنا وتقْويمنا، وأن يكون شعارُنا: "القرآن كتابي"، وإنَّ مِن الواجب على أمَّة الإسلام وعلمائها، وطلَبةِ العلم والدُّعاة إلى الله، أن يكونوا القدوة الصَّالحة لغيرهم، في الاعتناء بتحقيق وتطبيق القرآن قولًا وعملًا، وأنْ يَجعلوه منهاجَ حياةٍ واقعيًّا، كما كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرآنًا يمشي على الأرض؛ كما ثبت في الأحاديث الصَّحيحة ذلك. وهذه بعض جوانب العناية العمليَّة التطبيقيَّة بالنسبة للقرآن الكريم كما نتصوَّرها، والتي ينبغي أن يهتمَّ بها قارئ القرآن لتكُون له عونًا على تصحيح منهج التلقِّي لهذا الكتاب، وهي كما يلي: 1- القراءة اليوميَّة للقُرآن: يقولُ الله سبحانَه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، وبما أنَّنا بدون التِّلاوة الدَّائمة نفْقِد التذكُّر اللازمَ، ونفقد الحالات الإيمانيَّة العالية، فاللهُ عزَّ وجلَّ وَصَف تأثُّر المؤمنين بالقرآن بقولِه تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 23]، وقال سبحانه: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم: 58]. ![]() إنَّ هذه المعاني لا يُحَصِّلها الإنسانُ إلَّا بتلاوة دائمةٍ لكتابِ الله، وتذكُّر ما فيه لِيحْيا قلْبه فتَجِيش فيه هذه المعاني[3]، وقد كان للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وِرْدُه اليومي يقرؤُه في صلاة اللَّيل؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (إنْ كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لَيُوقظُه الله عزَّ وجلَّ باللَّيل، فما يجيء السَّحَر حتى يَفرغ مِن حزبِه)؛ رواه أبو داود. وقد كانت تلاوة القرآنِ دأبَ الصَّحابة وعملَهم الدَّائم؛ فقد رَوى أبو داود، عن أوْس بن حُذَيفة: سألتُ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كيف يحزِّبون القرآنَ؟ قالوا: (ثلاث، وخمس، وسبْع، وتسْع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل وحْده). إذًا؛ كان القرآن بالنسبة للصَّحابة محورَ كلِّ شيء عندهم، ثمَّ أصبح القرآن مَنْسِيًّا عند الكثيرين مِن مسْلمي عصرنا، فلا بدَّ لنا مِن عودة حميدة للكتاب، يصلح بها آخرُنا كما صلح بها أوَّلُنا، وانظر هذا النَّصَّ لِتُدْرِك مقدار حِرْص الصَّحابة على الاشتِغال بالقرآن دُون سِواه؛ عن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعتُ عليًّا يقول فلا بدَّ أن يكون لنا ورْدُنا اليومي من كتاب الله، تلاوة في المصحف لِمَن لم يحفظ أو تلاوة مِن المحفوظ، وقد ذكر العلماء أنَّ القراءة من المصحف أعظمُ أجرًا، والحدُّ المعتدل أن يختم القُرآن في الشَّهر مرَّة، فإن لم يكُن ففِي كلِّ أربعين يومًا، وفي ذلك ضمانُ حياة القلْب وضمان حياة المعاني الإسلاميَّة في أنفُسِنا[4]. ![]() 2- التَّأمُّل والتدبُّر أثناء القراءة: مع الوقوف على كلِّ عِبْرة ومعنى، كما أنَّه يفضَّل أن تكون القراءة في خلوة هادئة، ولاسيَّما خلوات اللَّيل، حيث يشفُّ القلب، وتنكشِف أغطية النَّفس، والله تعالى يقول: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، ويقول سبحانه: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْألْبَابِ ﴾ [ص: 29]. إنَّ هذه القراءة على هذا النَّحو سبيلٌ لفتح أغْلاق القلوب، وسُطوع أنوار القرآن في آفاق النُّفوس، وبهذا يحصُل الانتِفاع الحقيقيُّ بكتاب الله تعالى، قال ابنُ مسعود رضِي الله عنْه: (لا تهذُّوا القُرآن هذَّ الشِّعر، ولا تَنْثُروه نثر الدَّقل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكُن همَّ أحدِكم آخرُ السورة)[5]. ولننظُر إلى حال الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم الَّذي قرأ القرآن أوَّلًا بتَرَوٍّ وتدبُّر، حتَّى إنَّه وهو في صلاته إذا مرَّ بآية عذاب تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بآية فيها رحمة سأل الله مِن فضله، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يبكي مِن شدَّة تأثُّره به، وتأمُّله لمعانيه، سواء مِن قراءتِه بنفسه أو سماعِه مِن غيره؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اقْرأ عليَّ)) قلتُ: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك نَزَل؟ قال: ((نعم)) فقرأتُ سورة النساء إلى هذه الآية: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ قال: ((حَسْبُكَ الآن))، فالتفتُّ إليه فإذا عيْناه تذرفان؛ رواه البخاري ومسلم. ![]() 3- استِشعار سماع القِراءة من الله تعالى: وينبغي أن نقرأ القرآن كأنَّما نسمعه مِن الله سبحانه وتعالى، وهذا أمْر يكاد يكون مِن البدهيَّات التي نغفل عنها، فالقرآن كلام الله، خاطبَنا به، ووجَّهه إليْنا، وأبسَط مقتضَيات هذا، أنْ نُصغي إلى هذا المتكلِّم العظيم، ونُحسِنَ الاستِماعَ إليْه؛ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204]. والإنصاتُ إلى الله لا يكُون بالأذُن، بل بالقلب وبِوَعْيِك كلِّه، وهي منزلةٌ تقتضي مِن الإنسان مرانًا ورياضة وتدرُّجًا في مقاماتها الرَّفيعة[6]؛ ولهذا يقول ابنُ مسعود رضي الله عنْه: (إذا سمعتَ الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأصْغِ لها سمعَك، فإنَّه خيرٌ تُؤمَر به، أو شرٌّ تُصرَف عنه). 4- أن يكون غرَض القراءة إعداد النفس للقاء الله عزَّ وجلَّ: وينبغي أن نقرأ القرآن على أنَّ الغرَض الأسمى له هو: إعداد الإنسان للدَّار الآخرة، فما في القرآن مِن روح، وما جاء فيه مِن قصص الجهاد، وما ضمَّنه مِن نُظُم الاجتماع، وما أُودِعَهُ مِن القوانين والمعارف - ليس مقصودًا لذاته، أو ليس غاية تنتهي إليْها أهدافُ الإسلام، وإنَّما يُراد بها: إيقاظُ القلوب بدلالتها على الله، وإحاطتها بكلِّ وسيلة مادِّيَّة أو معنوية لتكُون في القلوب سليمة حيَّة، حتَّى يمضي بها المرء إلى غايتها الأخيرة، فعلينا أن نُلاحظ هذا المعنى في كلِّ آية، فإنَّ العبرة لا تكمل إلَّا به، وجمال التَّوجيه لا يظهر بدونه[7]. ![]() 5- آداب تلاوة القرآن الكريم واستماعه: لتلاوة القرآن الكريم آداب كثيرة وعديدة، ينبغي أن يُراعيها قارئُ القرآن، حسْبنا أن نشير إلى طائفة منها باختصار، فنقول: ينبغي على قارئ القرآن أن يتأدَّب بالآداب التالية: 1- أن يَستَقبل القِبلة ما أمكنه ذلك. 2- أن يَسْتاك تطهيرًا وتعظيمًا للقرآن. 3- أن يكُون طاهرًا مِن الحدثَين. 4- أن يكون نظيف الثَّوب والبدَن. 5- أن يقرأ في خشوع وتفكُّر وتدبُّر. 6- أن يكون قلبُه حاضرًا فيتأثَّر بما يقرأ تاركًا حديثَ النَّفس وأهواءها. 7- يستحبُّ له أن يَبكِي مع القِراءة فإن لَم يبْكِ فَلْيَتَباكَ. 8- أن يزيِّن قراءتَه ويحسِّن صوتَه بها، وإن لم يكُن حسَنَ الصَّوتِ حسَّنه ما استطاع بحيث لا يخرج به إلى حدِّ التَّمطيط. 9- أن يتأدَّب عند تلاوة القرآن الكريم، فلا يَضْحك، ولا يَعْبث، ولا ينظُر إلى ما يُلْهي؛ بل يتدبَّر ويتذكَّر كما قال سبحانَه وتعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْألْبَابِ ﴾ [ص: 29]، كما أنَّ على سامع القرآن الكريم أن يُقبل عليه بقلبٍ خاشع يتفكَّر في معانيه، ويتدبَّر في آياته، ويتَّعظ بما فيه مِن حِكَم ومواعظ، وأنْ يحْسِن الاستِماع والإنصات لما يُتْلى مِن قرآن حتَّى يفرغ القارئُ مِن قراءتِه؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204]. 6- العناية بالعمل التَّطبيقي للقُرآن: ![]() ومن جوانب العناية بالقُرآن الكريم في حياة قارئ القرآن: العناية بالعمل به وتطْبيق أحكامه كما قال سبحانه: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 18]، ومهْما اتَّبع الناسُ هذا الكتاب فإنَّهم وقْتذاك على الطَّريق الأهدى والأقوم والأرْحم والأحْكم والأعْلى؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]. وقال سبحانه: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16]. كما أنَّه ليس للإنسان إذا أراد الحق إلَّا هذا الطريق، ولن يكُون مستقيمًا أو على صراط مستقيم إلَّا بهذا القرآن: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾[يونس: 32]. ولا يُعرض عن القرآن، ولا يَتَنَكَّب طريقه وسبيله، ولا يَجحد به إلَّا جاهلٌ؛ إذ هو العِلم الَّذي لا جَهْل معه: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾[العنكبوت: 49]. وقد نبَّهنا اللهُ في كتابه أنَّه أنزل وحيًا وكُتبًا على أُممٍ قبلَنا، وحذَّرنا أن نقع فيما وقعوا فيه مِن إثمٍ أو تقصير، أو تحريفٍ أو انحراف، أو تهاوُن أو تواطُؤ أو تباطُؤ، أو كُفر أو ضَلال، وبيَّن سبحانه لنا أنَّ كتاب الله أُنْزل ليُحَكَّم: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]. ![]() وقبول تحكيم كتاب الله، ورِضانا بحكْمه، والتِزامنا به، واعتِصامنا به - هو دليلُ الإيمان، وإلَّا فهو الكُفْر والنِّفاق؛ ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. والمسلم كذلك لا يتَّخذ قرارًا، ولا يجزم رأيًا، ولا يَعتقِد عقيدةً، ولا يُسارع إلى أمْر، ولا يَستجيب لدعْوة، ولا ينفر إلى عمل، إلَّا بعد معرفة حكْم الله، وعندئذ يحزم أمْره على أساس أمْر الله[8]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾[الحجرات: 1]، هكذا وبكلِّ ذلك يكُون العمل بالقُرآن حياةً واقعيَّة يُبَيِّنها ذلك الكتاب، ويقوِّم منهاجها، ويُصحِّح مَسارَها، عندئذ نكون عاملين حقًّا بالقُرآن، منفِّذين فعلًا لأحكامه، مسلمين حقًّا لله. 7- الاعتِناء بمعاني القرآن الَّتي عاشها الصَّحابة عمليًّا: إنَّ وقوف القارئ على تعامُل الصحابة مع القرآن، واعتناءَه بالمعاني والإيحاءات الَّتي حصَّلوها مِن الحياة في ظلال القرآن - يُعَرِّفه كيف تُقْبِل القلوبُ الطَّاهرةُ على القُرآن، وتتفاعل معه، فيسْعى ليكون واحدًا مِن هؤلاء. روى مسلم، وأبو داود، عن أنَس بن مالك رضِي الله عنْه؛ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يصلِّي نحو بيت المقدس، فنزلَت: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]، فمرَّ رجُلٌ مِن بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، قد صلَّوا ركعة، فنادى: ألا إنَّ القبلة قد حُوِّلَت، فمالوا كما هم ركوعًا إلى الكعبة. ![]() فهذه الرواية تدلُّنا على نظرة الصَّحابة للتَّوجيهات والتَّكاليف الرَّبَّانيَّة، وعلى قلوبهم المتبوِّئة للإيمان، وهي تتفاعل معها، وعلى الاستِجابة الفوريَّة في التنفيذ والالتزام. 8- تحرير النصوص القرآنية مِن قيود الزمان والمكان: القرآنُ كتاب الله الخالد، صالِح لكلِّ زمان ومكان، ونصوصُه تُعْطي توجيهاتٍ لكلِّ بني الإنسان، ويتفاعل معها المؤمنون، مهْما كان مُستَواهم المادِّيُّ والثَّقافي والحضاري، وفي أيَّة بقعة في هذا العالم، وفي أيَّة فترة من فترات التَّاريخ. أَقْبَلَ الصَّحابةُ على نصوصه فعاشوا بها، ولَم يُقيِّدوها فيهم أو يقصروها عليهم، وأقبل التَّابعون عليْها فعاشوا بها، وهكذا كلُّ طائفة مِن العلماء، فعلى قارئ القرآن أن ينظُر إلى القرآن بهذا المنظار، ولا يَجوز له أن يُقيِّد النصوص بحالة من الحالات، أو فترة من الزَّمان، إلَّا ما كان مقيَّدًا، ولا أن يقصرها على شخص أو قومٍ إلَّا ما كان مقصورًا عليه. بل عليه أن يحرِّر النصوص مِن قيود الزَّمان والمكان، والأشخاص والأقوام؛ لتُعطي دلالاتها لكلِّ النَّاس، وتُطلق إشعاعاتِها لكلِّ جيل، وتَنشُر أضواءها على العالَمين، أمَّا قصْر النصوص على حالة أو فترة، أو شخص أو بلدة أو قرن، فإنَّه سيقيِّدُها وسيفْرغها مِن معانيها وأهدافها، وتتحوَّل إلى عبارات فارغة، وكأنَّها تتحدَّث عن فترة من التَّاريخ سابقة لأمَّة من النَّاس ماضية. ![]() فمثلًا: قوله تعالى عن الحاكميَّة: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾[المائدة: 44] خاصٌّ عند هؤلاء ببني إسرائيل، وهذا خطأ؛ لأنَّها تَنطبق على كلِّ إنسان أينما كان ومهْما كان، رفَض حكمَ اللهِ طائعًا مختارًا. وقوله تعالى أيضًا: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾[المائدة: 50]، فالجاهليَّة عند هؤلاء هي الحالة الَّتي كان عليها العرب قبل الإسلام، والمستوى المتدنِّي مِن الجهل والجهالة، وعدم العِلْم والثَّقافة والحضارة، إنَّ هذا الفهم يُقزِّم الآية ويفرغها من معانيها؛ لأنَّها بهذا تتحدَّث عن أموات مضَوا في سالف الزَّمان، مع أنَّها صالحة لكلِّ زمان، فالجاهليَّة هي كلُّ حالة أو وضْع أو تشريع أو نظام أو مجتمع أو مناهج أو توجيهات، يرفُض أصحابُها الاحتِكامَ فيها إلى شرع الله، ويَقْبَلون أن يحكموا بغيره، فهذه هي الجاهليَّة في أيِّ أناس أو أي زمان، وأهلها جاهلون مهْما بلغ رقيُّهم المادِّيُّ والعِلمي والتكنولوجي والثقافي[9]. 9- الشعور بأنَّ الآية موجهة له: وعلى القارئ البصير للقرآن أن يُوقن أنَّه هو المقصود بالآية، وأنَّها تَعْنِيه هو، وتخصُّه هو، وتُخاطبه هو، وتطالبه هو، وتحدِّثه هو... فإذا قرأها فليفْتح لها أجهزة التلقِّي والاستجابة ليلتزم بما فيها من توجيهات[10]. هذه كلِمات، وهذه توجيهات، استوقفتْني كثيرًا في حياتي مع القرآن، أردتُ بها إعلاءَ الهِمَم، وتصْحيح الطَّريق، وتذْكير الغافل، بحقِّ هذا الكتاب، ليكُون الشِّعار لكلِّ قارئ: "القرآن كتابي"، وهكذا يكُون التلقِّي للقرآن. ![]() [1] ذكره ابن كثير في مقدِّمة التفسير. [2] معالم في الطريق. [3] جند الله ثقافة وأخلاقًا (ص 81، 82). [4] المصدر السابق (ص 82). [5] زاد المعاد لابن القيم (ج 1 /ص 340). [6] تذكرة الدُّعاة للبهي الخولي (ص 307). [7] نفس المصدر (ص 351). [8] جند الله (71) بتصرُّف. [9] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي. [10] مفاتيح للتعامل مع القرآن، د. صلاح الخالدي. ![]() __________________ |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأسرة المسلمة | 31 | 03-20-2026 01:57 PM |
| سحورك عندنا يوميا فى رمضان ------- تابعونا | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأسرة المسلمة | 29 | 03-19-2026 05:55 PM |
| اعظم شخصيات التاريخ الاسلامي ____ يوميا فى رمضان | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 29 | 12-27-2025 10:25 PM |
| تدبر القرآن الكريم د . عبد المحسن المطيري | امانى يسرى محمد | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 08-27-2025 06:14 PM |
| الخلاصة في تدبر القرآن الكريم كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 3 | 07-25-2023 05:22 PM |
|
|