![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#19 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
{61} {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا، الدعوة لمراقبته على الدوام فقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية. {وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك.{وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} صغير أو كبير {إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به.-[368]-فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم، وما يكره الله تعالى، فإنه مطلع عليكم، عالم بظواهركم وبواطنكم.{وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} أي: ما يغيب (1) عن علمه، وسمعه، وبصره ومشاهدته {مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه.وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر، كثيرًا ما يقرن الله بينهما، وهما: العلم المحيط بجميع الأشياء، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} . {62 - 64} {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وثوابهم فقال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والأهوال.{وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.ثم ذكر وصفهم فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا} بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم، باستعمال التقوى، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله [تعالى] وليًا، و {لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}أما البشارة في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق.وأما في الآخرة، فأولها البشارة عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم.وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم.{لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} بل ما وعد الله فهو حق، لا يمكن تغييره ولا تبديله، لأنه الصادق في قيله، الذي لا يقدر أحد أن يخالفه فيما قدره وقضاه.{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب، وحصر الفوز فيه، لأنه لا فوز لغير أهل الإيمان والتقوى.والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير وثواب، رتبه الله في الدنيا والآخرة، على الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك، فلم يقيده. {65} {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .أي: ولا يحزنك قول المكذبين فيك من الأقوال التي يتوصلون بها إلى القدح فيك، وفي دينك فإن أقوالهم لا تعزهم، ولا تضرك شيئًا. {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} يؤتيها من يشاء، ويمنعها ممن يشاء.قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} أي: فليطلبها بطاعته، بدليل قوله بعده: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}ومن المعلوم، أنك على طاعة الله، وأن العزة لك ولأتباعك من الله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}وقوله: {هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} أي: سمعه قد أحاط بجميع الأصوات، فلا يخفى عليه شيء منها.وعلمه قد أحاط بجميع الظواهر والبواطن، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.وهو تعالى يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلا فاكتف بعلم الله وكفايته، فمن يتق الله، فهو حسبه. {66 - 67} {أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} .يخبر تعالى: أن له ما في السماوات والأرض، خلقًا وملكًا وعبيدًا، يتصرف فيهم بما شاء (1) من أحكامه، فالجميع مماليك لله، مسخرون، مدبرون، لا يستحقون شيئًا من العبادة، وليسوا شركاء لله بوجه الوجوه، ولهذا قال: {وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} الذي لا يغني من الحق شيئًا {وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ} في ذلك، خرص كذب -[369]- وإفك وبهتان.فإن كانوا صادقين في أنها شركاء لله، فليظهروا من أوصافها ما تستحق به مثقال ذرة من العبادة، فلن يستطيعوا، فهل منهم أحد يخلق شيئًا أو يرزق، أو يملك شيئًا من المخلوقات، أو يدبر الليل والنهار، الذي جعله الله قياما للناس؟.و {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} في النوم والراحة بسبب الظلمة، التي تغشى وجه الأرض، فلو استمر الضياء، لما قروا، ولما سكنوا.{وَ} جعل الله {النَّهَارَ مُبْصِرًا} أي: مضيئًا، يبصر به الخلق، فيتصرفون في معايشهم، ومصالح دينهم ودنياهم.{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} عن الله، سمع فهم، وقبول، واسترشاد، لا سمع تعنت وعناد، فإن في ذلك لآيات، لقوم يسمعون، يستدلون بها على أنه وحده المعبود وأنه الإله الحق، وأن إلهية ما سواه باطلة، وأنه الرءوف الرحيم العليم الحكيم {68 - 70} {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} .يقول تعالى مخبرًا عن بهت المشركين لرب العالمين {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} فنزه نفسه عن ذلك بقوله: {سُبْحَانَهُ} أي: تنزه عما يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوًا كبيرًا، ثم برهن على ذلك، بعدة براهين:أحدها: قوله: {هُوَ الْغَنِيُّ} أي: الغنى منحصر فيه، وأنواع الغنى مستغرقة فيه، فهو الغني الذي له الغنى التام بكل وجه واعتبار من جميع الوجوه، فإذا كان غنيًا من كل وجه، فلأي شيء يتخذ الولد؟ألحاجة منه إلى الولد، فهذا مناف لغناه فلا يتخذ أحد ولدًا إلا لنقص في غناه.البرهان الثاني، قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض، الجميع مخلوقون عبيد مماليك.ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ينافي أن يكون له منهم ولد، فإن الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقًا ولا مملوكًا. فملكيته لما في السماوات والأرض عمومًا، تنافي الولادة.البرهان الثالث، قوله: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} أي: هل عندكم من حجة وبرهان يدل على أن لله ولدًا، فلو كان لهم دليل لأبدوه، فلما تحداهم وعجزهم عن إقامة الدليل، علم بطلان ما قالوه. وأن ذلك قول بلا علم، ولهذا قال: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} فإن هذا من أعظم المحرمات.{قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم وكذبهم، في الدنيا، قليلا ثم ينتقلون إلى الله، ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} . {71 - 73} {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} .يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك {نَبَأَ نُوحٍ} في دعوته لقومه، حين دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم دعاؤه إياهم إلا طغيانًا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ} أي: إن كان مقامي عندكم، وتذكيري إياكم ما ينفعكم (1) {بِآيَاتِ اللَّهِ} الأدلة الواضحة البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. {فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} أي: اعتمدت على الله، في دفع كل شر يراد بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي، وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من أنواع العَدَدَ والعُددَ.{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} كلكم، بحيث لا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا (2) من مجهودكم شيئًا.{وَ} أحضروا {شُرَكَاءَكُمْ} الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين.{ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً} أي: مشتبهًا خفيًا، بل ليكن ذلك ظاهرًا علانية.{ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ} أي: اقضوا علي بالعقوبة والسوء، الذي في إمكانكم، {وَلا تُنْظِرُونِ} أي: لا تمهلوني ساعة -[370]- من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه.وقد بادأ (3) قومه بتسفيه آرائهم، وفساد دينهم، وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه، وعداوته ما هو أعظم من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك.فعلم أنه الصادق حقًا، وهم الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده.ومع هذا {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} على دعوتي، وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا، فتمتنعون لأجل ذلك.{إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ} أي: لا أريد الثواب والجزاء إلا منه، {وَ} أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده، بل {أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فأنا أول داخل، وأول فاعل لما أمرتكم به.{فَكَذَّبُوهُ} بعد ما دعاهم ليلا ونهارًا، سرًا وجهارًا، فلم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ} الذي أمرناه أن يصنعه بأعيننا، وقلنا له إذا فار التنور: فـ {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ} ففعل ذلك.فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض عيونًا، فالتقى الماء على أمر قد قدر: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تجري بأعيننا، {وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ} في الأرض بعد إهلاك المكذبين.ثم بارك الله في ذريته، وجعل ذريته، هم الباقين، ونشرهم في أقطار الأرض، {وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بعد ذلك البيان، وإقامة البرهان، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} وهو: الهلاك المخزي، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي بعدهم، لا تسمع فيهم إلا لوما، ولا ترى إلا قدحًا وذمًا.فليحذر هؤلاء المكذبون، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين من الهلاك، والخزي، والنكال {74} {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} .أي: {ثُمَّ بَعَثْنَا} من بعد نوح عليه السلام {رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ} المكذبين، يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم من أسباب الردى.{فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: كل نبي أيد دعوته، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به.{فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ} يعني: أن الله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول، فبادروا بتكذيبه، طبع الله على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه، كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} .ولهذا قال هنا: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} أي: نختم عليها، فلا يدخلها خير، وما ظلمهم [الله] ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بردهم الحق لما جاءهم، وتكذيبهم الأول. {75} {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ} . إلى آخر القصة (1)أي: {ثُمَّ بَعَثْنَا} من بعد هؤلاء الرسل، الذين أرسلهم الله إلى القوم المكذبين المهلكين.{مُوسَى} بن عمران، كليم الرحمن، أحد أولي العزم من المرسلين، وأحد الكبار المقتدى بهم، المنزل عليهم الشرائع المعظمة الواسعة.{وَ} جعلنا معه أخاه {هَارُونَ} وزيرًا بعثناهما {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي: كبار دولته ورؤسائهم، لأن عامتهم، تبع للرؤساء.{بِآيَاتِنَا} الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد الله، والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى، {فَاسْتَكْبَرُوا} عنها ظلمًا وعلوًا، بعد ما استيقنوها.{وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} أي: وصفهم الإجرام والتكذيب. (1) في ب أكمل الآيات إلى قوله تعالى:"إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون |
|
|
|
|
|
|
#20 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
{76} ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا} الذي هو أكبر أنواع الحق وأعظمها، وهو من عند الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وهو رب العالمين، المربي جميع خلقه بالنعم.فلما جاءهم الحق من عند الله على يد موسى، ردوه فلم يقبلوه، و {قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ} لم يكفهم - قبحهم الله - إعراضهم ولا ردهم إياه، حتى جعلوه أبطل الباطل، وهو السحر: الذي حقيقته التمويه، بل جعلوه سحرًا مبينًا، ظاهرًا، وهو الحق -[371]- المبين. ولهذا {قَالَ} لهم {مُوسَى} - موبخا لهم عن ردهم الحق، الذي لا يرده إلا أظلم الناس: - {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} أي: أتقولون إنه سحر مبين.{أَسِحْرٌ هَذَا} أي: فانظروا وصفه وما اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق. {وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاح، وعلى يديه النجاح. وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظفر الدنيا والآخرة قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77){قَالَ} لهم {مُوسَى} ـ موبخا لهم عن ردهم الحق، الذي لا يرده إلا أظلم الناس: ـ {أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ} أي: أتقولون إنه سحر مبين. {أَسِحْرٌ هَذَا} أي: فانظروا وصفه وما اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق. {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له الفلاح، وعلى يديه النجاح. وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه السلام هو الذي أفلح، وفاز بظفر الدنيا والآخرة. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) {قَالُوا} لموسى رادين لقوله بما لا يرده: {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} أي: أجئتنا لتصدنا عما وجدنا عليه آباءنا، من الشرك وعبادة غير الله، وتأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجة، يردون بها الحق الذي جاءهم به موسى عليه السلام.وقولهم : {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ} أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء، ولتخرجونا من أرضنا. وهذا تمويه منهم، وترويج على جهالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى، وعدم الإيمان به.وهذا لا يحتج به، من عرف الحقائق، وميز بين الأمور، فإن الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين.وأما من جاء بالحق، فرد قوله بأمثال هذه الأمور، فإنها تدل على عجز موردها، عن الإتيان بما يرد القول الذي جاء خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، أو مرادك كذا، سواء كان صادقًا في قوله وإخباره عن قصد خصمه، أم كاذبًا، مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله، وما يدعو إليه، عرف أنه ليس له قصد في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية الخلق، وإرشادهم لما فيه نفعهم.ولكن حقيقة الأمر، كما نطقوا به بقولهم: {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} أي: تكبرًا وعنادًا، لا لبطلان ما جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباه فيه، ولا لغير ذلك من المعاني، سوى الظلم والعدوان، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} معارضًا للحق، الذي جاء به موسى، ومغالطًا لملئه وقومه: {ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} أي: ماهر بالسحر، متقن له. فأرسل في مدائن مصر، من أتاه بأنواع السحرة، على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم.{فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} للمغالبة مع موسى {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} أي: أي شيء أردتم، لا أعين لكم شيئًا، وذلك لأنه جازم بغلبته، غير مبال بهم، وبما جاءوا به.{فَلَمَّا أَلْقَوْا} حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، فـ {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا؟!!وهكذا كل مفسد عمل عملا واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق.وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم. فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (80){فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} للمغالبة مع موسى {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} أي: أي شيء أردتم، لا أعين لكم شيئًا، وذلك لأنه جازم بغلبته، غير مبال بهم، وبما جاءوا به. فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81){فَلَمَّا أَلْقَوْا} حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، فـ {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ} أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته {إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا؟!! وهكذا كل مفسد عمل عملاً، واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق. وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم. {82} {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} فألقي السحرة سجدًا حين تبين لهم الحق. فتوعدهم فرعون بالصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل، فلم يبالوا بذلك وثبتوا على إيمانهم.وأما فرعون وملؤه، وأتباعهم، فلم يؤمن منهم أحد، بل استمروا في طغيانهم يعمهون.ولهذا قال: 83{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} أي: شباب من بني إسرائيل، صبروا على الخوف، لما ثبت في قلوبهم الإيمان.{عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} عن دينهم {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ} أي: له القهر والغلبة فيها، فحقيق بهم أن يخافوا من بطشته.{وَ} خصوصًا {إِنَّهُ} كان {لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} أي: المتجاوزين للحد، في البغي والعدوان.والحكمة -والله أعلم- بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، أن الذرية والشباب، أقبل للحق، وأسرع له انقيادًا، بخلاف الشيوخ ونحوهم، ممن تربى على الكفر فإنهم -بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة- أبعد من الحق من غيرهم. {84} {وَقَالَ مُوسَى} موصيًا لقومه بالصبر، ومذكرًا لهم ما يستعينون به على ذلك فقال: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ} فقوموا بوظيفة -[372]- الإيمان.{فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه. {86} {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} لنسلم من شرهم، ولنقيم [على] ديننا على وجه نتمكن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من غير معارض، ولا منازع {87} {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ} حين اشتد الأمر على قومهما، من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم.{أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا} أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتًا، يتمكنون] به [من الاستخفاء فيها.{وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} أي: اجعلوها محلا تصلون فيها، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس، والبيع العامة.{وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} فإنها معونة على جميع الأمور، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بالنصر والتأييد، وإظهار دينهم، فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا، وحين اشتد الكرب، وضاق الأمر، فرجه الله ووسعه.فلما رأى موسى، القسوة والإعراض من فرعون وملئه (1) ، دعا عليهم وأمن هارون على دعائه، فقال: {88} {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً} يتزينون بها من أنواع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، {وَأَمْوَالا} عظيمة {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في سبيلك، فيضلون ويضلون.{رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} أي: أتلفها عليهم: إما بالهلاك، وإما بجعلها حجارة، غير منتفع بها.{وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: قسها {فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ} .قال ذلك، غضبًا عليهم، حيث تجرؤوا على محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه بأن الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم {89} {قَالَ} الله تعالى {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} هذا دليل على أن موسى، [كان] يدعو، وهارون يؤمن على دعائه، وأن الذي يؤمن، يكون شريكا للداعي في ذلك الدعاء.{فَاسْتَقِيمَا} على دينكما، واستمرا على دعوتكما، {وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} أي: لا تتبعان سبيل الجهال الضلال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتبعين لطرق الجحيم، فأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا وأخبره أنهم يتبعون، وأرسل فرعون في المدائن حاشرين يقولون: {إِنَّ هَؤُلاءِ} أي: موسى وقومه: {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}فجمع جنوده قاصيهم ودانيهم فأتبعهم بجنوده بغيًا وعدوًا أي خروجهم باغين على موسى وقومه ومعتدين في الأرض وإذا اشتد البغي واستحكم الذنب فانتظر العقوبة 90} {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} وذلك أن الله أوحى إلى موسى، لما وصل البحر، أن يضربه بعصاه، فضربه، فانفلق اثنى عشر طريقًا، وسلكه بنو إسرائيل، وساق فرعون وجنوده خلفه داخلين.فلما استكمل موسى وقومه خارجين من البحر، وفرعون وجنوده داخلين فيه، أمر الله البحر فالتطم على فرعون وجنوده، فأغرقهم، وبنو إسرائيل ينظرون.حتى إذا أدرك فرعون الغرق، وجزم بهلاكه {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} وهو الله الإله الحق الذي لا إله إلا هو {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى. {91} آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) قال الله تعالى - مبينا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له-: {آلآنَ} تؤمن، وتقر برسول الله {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} أي: بارزت بالمعاصي، والكفر والتكذيب {وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله، أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم، لأن إيمانهم، صار إيمانًا مشاهدًا كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع، إنما هو الإيمان بالغيب {92} {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} .قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم، من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية.{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} -[373]- فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها، لعدم إقبالهم عليها.وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل. {93} {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} .أي: أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم.{وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} من المطاعم والمشارب وغيرهما {فَمَا اخْتَلَفُوا} في الحق {حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} الموجب لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثير.{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بحكمة العدل الناشئ عن علمه التام، وقدرته الشاملة، وهذا هو الداء، الذي يعرض لأهل الدين الصحيح.وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين.وإلا فإذا كان ربهم واحدًا، ورسولهم واحدًا، ودينهم واحدًا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون اختلافًا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم، بسبب ذلك ما يموت؟.فنسألك اللهم، لطفًا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام. {94 - 95} {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ} هل هو صحيح أم غير صحيح؟.{فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} أي: اسأل أهل الكتب المنصفين، والعلماء الراسخين، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرًا من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه، وردوا عليه دعوته.والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما جاء به، وبرهانًا على صدقه، فكيف يكون ذلك؟فالجواب عن هذا، من عدة أوجه:منها: أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم.وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، كـ "عبد الله بن سلام" [وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده] و "كعب الأحبار" وغيرهما.ومنها: أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه.فإذا كان موجودًا في التوراة، ما يوافق القرآن ويصدقه، ويشهد له بالصحة، فلو اتفقوا من أولهم لآخرهم على إنكار ذلك، لم يقدح بما جاء به الرسول.ومنها: أن الله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على رءوس الأشهاد.ومن المعلوم أن كثيرًا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله، لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك، كان عدم رد المعادي، وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه.ومنها: أنه ليس أكثر أهل الكتاب، رد دعوة الرسول، بل أكثرهم استجاب لها، وانقاد طوعًا واختيارًا، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل كتاب (3) .فلم يمكث دينه مدة غير كثيرة، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام، ومصر، والعراق، وما جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات الذين آثروا رياساتهم على الحق، ومن تبعهم من العوام الجهلة، ومن تدين بدينهم اسمًا لا معنى، كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم -[374]- أنهم دهرية منحلون عن جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي، ترويجًا لملكهم، وتمويهًا لباطلهم، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة.وقوله: {لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ} أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ولهذا قال: {مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} كقوله تعالى: {كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} .{95} {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وحاصل هذا أن الله نهى عن شيئين: الشك في هذا القرآن والامتراء فيه.وأشد من ذلك، التكذيب به، وهو آيات الله البينات التي لا تقبل التكذيب بوجه، ورتب على هذا الخسار، وهو عدم الربح أصلا وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة، وحصول العقاب في الدنيا والآخرة، والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرًا بالتصديق التام بالقرآن، وطمأنينة القلب إليه، والإقبال عليه، علمًا وعملا.فبذلك يكون العبد من الرابحين الذين أدركوا أجل المطالب، وأفضل الرغائب، وأتم المناقب، وانتفى عنهم الخسار. |
|
|
|
|
|
|
#21 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
{96 - 97} {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ} .يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: إنهم من الضالين الغاوين أهل النار، لا بد أن يصيروا إلى ما قدره الله وقضاه، فلا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فلا تزيدهم الآيات إلا طغيانا، وغيا إلى غيهم.وما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بردهم للحق، لما جاءهم أول مرة، فعاقبهم الله، بأن طبع على قلوبهم وأسماعهم، وأبصارهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، الذي وعدوا به.فحينئذ يعلمون حق اليقين، أن ما هم عليه هو الضلال، وأن ما جاءتهم به الرسل هو الحق. ولكن في وقت لا يجدي عليهم إيمانهم شيئًا، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم، ولا هم يستعتبون، وأما الآيات فإنها تنفع من له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد {98} {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} .يقول تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ} من قرى المكذبين {آمَنَتْ} حين رأت العذاب {فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} أي: لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه، حين رأى العذاب، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبًا، لما قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فقيل له {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}وكما قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}وقال تعالى {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي * أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا}والحكمة في هذا ظاهرة فإن الإيمان الاضطراري ليس بإيمان حقيقة ولو صرف عنه العذاب والأمر الذي اضطره إلى الإيمان لرجع إلى الكفرانوقوله {إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا} بعدما رأوا العذاب {كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} فهم مستثنون من العموم السابقولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة لم تصل إلينا ولم تدركها أفهامناقال الله تعالى {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} إلى قوله {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} ولعل الحكمة في ذلك أن غيرهم من المهلكين لو ردوا لعادوا لما نهوا عنهوأما قوم يونس فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه والله أعلم {99 - 100} {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} .يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين.{أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله [على] (2) شيء من ذلك.{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي، فمن كان من الخلق قابلا لذلك، يزكو عنده الإيمان، وفقه وهدا {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ} أي: الشر والضلال {عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} عن الله أوامره ونواهيه، ولا يلقوا بالا لنصائحه ومواعظه. {101 - 103} {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} .يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها، وما تحتوي عليه، والاستبصار، فإن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وعبرًا لقوم يوقنون، تدل على أن الله وحده، المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأسماء والصفات العظام.{وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} فإنهم لا ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم.{فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: فهل ينتظر هؤلاء الذين لا يؤمنون بآيات الله، بعد وضوحها، {إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: من الهلاك والعقاب، فإنهم صنعوا كصنيعهم وسنة الله جارية في الأولين والآخرين.{قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة، والنجاة في الدنيا والآخرة، وليست إلا للرسل وأتباعهم.ولهذا قال: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} من مكاره الدنيا والآخرة، وشدائدهما.{كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا} أوجبناه على أنفسنا {نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} وهذا من دفعه عن المؤمنين، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإنه -بحسب ما مع العبد من الإيمان- تحصل له النجاة من المكاره. {104 - 106} {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} .يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سيد المرسلين، وإمام المتقين وخير الموقنين: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} أي: في ريب واشتباه، فإني لست في شك منه، بل لدي العلم اليقيني أنه الحق، وأن ما تدعون من دون الله باطل، ولي على ذلك، الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة.ولهذا قال: {فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأنداد، والأصنام وغيرها، لأنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تدبر شيئًا من الأمور، وإنما هي مخلوقة مسخرة، ليس فيها ما يقتضي عبادتها.{وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي: هو الله الذي خلقكم، وهو الذي يميتكم، ثم يبعثكم، ليجازيكم بأعمالكم، فهو الذي يستحق أن يعبد، ويصلى له ويخضع ويسجد.{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} أي: أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة لله، وأقم جميع شرائع الدين حنيفًا، أي: مقبلا على الله، معرضًا عما سواه، {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} لا في حالهم، ولا تكن معهم.{106} {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ} وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى.{فَإِنْ فَعَلْتَ} بأن (1) دعوت من دون الله، ما لا ينفعك ولا يضرك {فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو الشرك كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟!! {107} {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها {فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ} لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} أي: لا يقدر أحد من الخلق، أن يرد فضله وإحسانه، كما قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ، فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ}{يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: يختص برحمته من شاء من خلقه، والله ذو الفضل العظيم، {وَهُوَ الْغَفُورُ} لجميع الزلات، الذي يوفق عبده لأسباب مغفرته، ثم إذا فعلها العبد، غفر الله ذنوبه، كبارها، وصغارها.{الرَّحِيمُ} الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغنى عن إحسانه، طرفة عين، فإذا عرف العبد بالدليل القاطع، أن الله، هو المنفرد بالنعم، وكشف النقم، وإعطاء الحسنات، وكشف السيئات والكربات، وأن أحدًا من الخلق، ليس بيده من هذا شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.ولهذا -لما بين الدليل الواضح قال بعده:- {108 - 109} {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} .أي: {قُلْ} يا أيها الرسول، لما تبين البرهان {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} -[376]- أي: الخبر الصادق المؤيد بالبراهين، الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، وهو واصل إليكم من ربكم الذي من أعظم تربيته لكم، أن أنزل إليكم هذا القرآن الذي فيه تبيان لكل شيء، وفيه من أنواع الأحكام والمطالب الإلهية والأخلاق المرضية، ما فيه أعظم تربية لكم، وإحسان منه إليكم، فقد تبين الرشد من الغي، ولم يبق لأحد شبهة.{فَمَنِ اهْتَدَى} بهدى الله بأن علم الحق وتفهمه، وآثره على غيره فلِنَفْسِهِ والله تعالى غني عن عباده، وإنما ثمرة أعمالهم راجعة إليهم.{وَمَنْ ضَلَّ} عن الهدى بأن أعرض عن العلم بالحق، أو عن العمل به، {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} ولا يضر الله شيئًا، فلا يضر إلا نفسه.{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} فأحفظ أعمالكم وأحاسبكم عليها، وإنما أنا لكم نذير مبين، والله عليكم وكيل. فانظروا لأنفسكم، ما دمتم في مدة الإمهال.{وَاتَّبِعْ} أيها الرسول {مَا يُوحَى إِلَيْكَ} علمًا، وعملا وحالا ودعوة إليه، {وَاصْبِرْ} على ذلك، فإن هذا أعلى أنواع الصبر، وإن عاقبته حميدة، فلا تكسل، ولا تضجر، بل دم على ذلك، واثبت، {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} بينك وبين من كذبك {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} فإن حكمه، مشتمل على العدل التام، والقسط الذي يحمد عليه.وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وثبت على الصراط المستقيم، حتى أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان، بعد ما نصره [الله] عليهم، بالحجة والبرهان، فلله الحمد، والثناء الحسن، كما ينبغي لجلاله، وعظمته، وكماله وسعة إحسانه. تم تفسير سورة يونس |
|
|
|
|
|
|
#22 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
|
|
|
|
|
|
|
#23 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
{25 - 49} {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} .إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين إلى قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي: بينت لكم ما أنذرتكم به، بيانا زال به الإشكال.{أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} أي: أخلصوا العبادة لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. {27} {فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} أي: الأشراف والرؤساء، رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد دعوة المرسلين. {مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا} وهذا مانع بزعمهم عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب، الذي لا ينبغي غيره، لأن البشر يتمكن البشر، أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف الملائكة.{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة، بزعمهم.وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟.وقولهم: {بَادِيَ الرَّأْيِ} أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك، أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي الألباب، يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية، التي تحتاج إلى تأمل، وفكر طويل.{وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} أي: لستم أفضل منا فننقاد لكم، {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على صدقه.ولهذا {قَالَ} لهم نوح مجاوبا {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي: على يقين وجزم، يعني، وهو الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله، عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، فحسبك بهذا القول، شهادة له وتصديقا.{وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} أي: أوحى إلي وأرسلني، ومنَّ علي بالهداية، {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم.{أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي: أنكرهكم على ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟ {وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} حتى حرصتم على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم -[381]- وافتراؤكم علينا، صادا لنا عما كنا عليه.وإنما غايته أن يكون صادا لكم أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم، على ما أمر الله، ولا إلزامكم، ما نفرتم عنه، ولهذا قال: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} . {وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ}أي: على دعوتي إياكم {مَا لا} فستستثقلون المغرم. {إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ} وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين الضعفاء، فقال لهم: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: ما ينبغي لي، ولا يليق بي ذلك، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام، والإعزاز والإعظام {إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} فمثيبهم على إيمانهم وتقواهم بجنات النعيم.{وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} حيث تأمرونني، بطرد أولياء الله، وإبعادهم عني. وحيث رددتم الحق، لأنهم أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا عليكم من فضل.{وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ} أي: من يمنعني من عذابه، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال، الذي لا يمنعه من دون الله مانع.{أَفَلا تَذَكَّرُونَ} ما هو الأنفع لكم والأصلح، وتدبرون الأمور.{وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} أي: غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم، وأنذركم، وأما ما عدا ذلك، فليس بيدي من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي، أدبرها أنا، وأعطي من أشاء، وأحرم من أشاء، {وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فأخبركم بسرائركم وبواطنكم {وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ} والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة سوى المنزلة، التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس، بظني.{وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} أي: ضعفاء المؤمنين، الذين يحتقرهم الملأ الذين كفروا {لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ} فإن كانوا صادقين في إيمانهم، فلهم الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك، فحسابهم على الله.{إِنِّي إِذًا} أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وهذا تأييس منه، عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين، أو يمقتهم، وتقنيع لقومه، بالطرق المقنعة للمنصف.فلما رأوه، لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ولم يدركوا منه مطلوبهم {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة، لنبيهم الناصح.فهلا قالوا إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا، وأشفقت علينا، ودعوتنا إلى أمر، لم يتبين لنا، فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، وإلا فأنت مشكور في نصحك. لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر خفي عليه، ولكنهم في قولهم، كاذبون، وعلى نبيهم متجرئون. ولم يردوا ما قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة.ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم - إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام بقوله: {إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ} أي: إن اقتضت مشيئته وحكمته، أن ينزله بكم، فعل ذلك. {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء.{وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} أي: إن إرادة الله غالبة، فإنه إذا أراد أن يغويكم، لردكم الحق، فلو حرصت غاية مجهودي، ونصحت لكم أتم النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا، {هُوَ رَبُّكُمْ} يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم بأعمالكم.{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} هذا الضمير محتمل أن يعود إلى نوح، كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن المعنى: أن قومه يقولون: افترى على الله كذبا، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه من الله، وأن الله أمره أن يقول: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} أي: كل عليه وزره {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتكون هذه الآية معترضة، في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان التام فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: هذا القرآن اختلقه محمد من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب الذي تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله.فإذا زعموا - مع هذا - أنه افتراه، علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال، الإعراض عنهم، ولهذا قال: {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي: ذنبي -[382]- وكذبي، {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} أي: فلم تستلجون في تكذيبي.وقوله: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ} أي: قد قسوا، {فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} أي: فلا تحزن، ولا تبال بهم، وبأفعالهم، فإن الله قد مقتهم، وأحق عليهم عذابه الذي لا يرد.{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي: بحفظنا، ومرأى منا، وعلى مرضاتنا، {وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: لا تراجعني في إهلاكهم، {إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} أي: قد حق عليهم القول، ونفذ فيهم القدر فامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ} ورأوا ما يصنع {سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا} الآن {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} نحن أم أنتم. وقد علموا ذلك، حين حل بهم العقاب.{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} أي قدرنا بوقت نزول العذاب بهم {وَفَارَ التَّنُّورُ} أي: أنزل الله السماء بالماء بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت فالتقى الماء على أمر، قد قدر.{قُلْنَا} لنوح: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها {وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} ممن كان كافرا، كابنه الذي غرق.{وَمَنْ آمَنَ} {و} الحال أنه {مَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ} .{وَقَالَ} نوح لمن أمره الله أن يحملهم: {ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} أي: تجري على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره.{إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين.ثم وصف جريانها كأنا نشاهدها فقال: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} أي: بنوح، ومن ركب معه {فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} والله حافظها وحافظ أهلها {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} لما ركب، ليركب معه {وَكَانَ} ابنه {فِي مَعْزِلٍ} عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعدا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} فيصيبك ما يصيبهم.فـ {قَالَ} ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة.{سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} أي: سأرتقي جبلا أمتنع به من الماء، فـ {قَالَ} نوح: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ} فلا يعصم أحدا، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله. {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ} الابن {مِنَ الْمُغْرَقِينَ} .فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك {وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي} فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، {وَقُضِيَ الأمْرُ} بهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين.{وَاسْتَوَتْ} السفينة {عَلَى الْجُودِيِّ} أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل.{وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا، وسحقا لا يزال معهم.{وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} أي: وقد قلت لي: فـ {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} ولن تخلف ما وعدتني به.لعله عليه الصلاة والسلام، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوض الأمر لحكمة الله البالغة فـ قَالَ الله له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الذين وعدتك بإنجائهم إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ أي: هذا الدعاء الذي دعوت به، لنجاة كافر, لا يؤمن بالله ولا رسوله.فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيرا، أو غير خير. إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ أي: أني أعظك وعظا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين. فحينئذ ندم نوح، عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه, و قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ . فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحا، عليه السلام، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ( وَأَهْلَكَ ) . وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم. قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها. وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: هذا الإنجاء، ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك، أحللنا به العقاب، وإن متعوا قليلا فسيؤخذون بعد ذلك. قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة، التي لا يعلمها إلا من منَّ عليه برسالته. تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فيقولوا: إنه كان يعلمها. فاحمد الله، واشكره، واصبر على ما أنت عليه، من الدين القويم، والصراط المستقيم، والدعوة إلى الله إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه. {50 - 60} {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} .إلى آخر القصة أي: {وَ} أرسلنا {إِلَى عَادٍ} وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، {أَخَاهُمْ} في النسب {هُودًا} ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه.فـ {قَالَ} لهم {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ} أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عما هم عليه، من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله الكذب في عبادتهم لغيره، وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد عبادة ما سواه.ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} أي: غرامة من أموالكم، على ما دعوتكم إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا.{إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده.{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} عما مضى منكم {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فيما تستقبلونه، بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى.فإنكم إذا فعلتم ذلك {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها.{وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: {من أشد منا قوة} ؟ ، فوعدهم أنهم إن آمنوا، زادهم قوة إلى قوتهم.{وَلا تَتَوَلَّوْا} عنه، أي: عن ربكم {مُجْرِمِينَ} أي: مستكبرين عن عبادته، متجرئين على محارمه.فـ {قَالُوا} رادين لقوله: {يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة، تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه، إلا وبعث الله على يديه، من الآيات ما يؤمن على مثله البشر.ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله، وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح، وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم من الشرك بالله، والفواحش، والظلم، وأنواع المنكرات، مع ما هو مشتمل عليه هود، عليه السلام، من الصفات، التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم، لكفى بها آيات وأدلة، على صدقه.بل أهل العقول، وأولو الألباب، يرون أن هذه الآية، أكبر من مجرد الخوارق، التي يراها بعض الناس، هي المعجزات فقط. ومن آياته، وبيناته الدالة على صدقه، أنه شخص واحد، ليس له أنصار ولا أعوان، وهو يصرخ في قومه، ويناديهم، ويعجزهم، ويقول لهم: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}{إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} وهم الأعداء الذين لهم السطوة والغلبة، ويريدون إطفاء ما معه من النور، بأي طريق كان، وهو غير مكترث منهم، ولا مبال بهم، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من السوء، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.وقولهم: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} -[384]- أي: لا نترك عبادة آلهتنا لمجرد قولك، الذي ما أقمت عليه بينة بزعمهم، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} وهذا تأييس منهم لنبيهم، هود عليه السلام، في إيمانهم، وأنهم لا يزالون في كفرهم يعمهون. {إِنْ نَقُولُ} فيك {إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} أي: أصابتك بخبال وجنون، فصرت تهذي بما لا يعقل. فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة، التي يستحي العاقل من حكايتها عنهم لولا أن الله حكاها عنهم.ولهذا بين هود، عليه الصلاة والسلام، أنه واثق غاية الوثوق، أنه لا يصيبه منهم، ولا من آلهتهم أذى، فقال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا} أي اطلبوا لي الضرر كلكم بكل طريق تتمكنون بها مني {ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} أي لا تمهلوني{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ} أي اعتمدت في أمري كله على الله {رَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي هو خالق الجميع ومدبرنا وإياكم وهو الذي ربانا{مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} فلا تتحرك ولا تسكن إلا بإذنه فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي والله لم يسلطكم علي لم تقدروا على ذلك فإن سلطكم فلحكمة أرادهافـ {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره في شرعه وأمره وفي جزائه وثوابه وعقابه لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها{فَإِنْ تَوَلَّوْا} عما دعوتكم إليه {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} فلم يبق عليَّ تبعة من شأنكم{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} يقومون بعبادته ولا يشركون به شيئا {وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} فإن ضرركم إنما يعود عليكم فالله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها} {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا بإرسال الريح العقيم التي {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ}{نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} أي عظيم شديد أحله الله بعاد فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم{وَتِلْكَ عَادٌ} الذين أوقع الله بهم ما أوقع بظلم منهم لأنهم {جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} ولهذا قالوا لهود {ما جئتنا ببينة} فتبين بهذا أنهم متيقنون لدعوته وإنما عاندوا وجحدوا {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} لأن من عصى رسولا فقد عصى جميع المرسلين لأن دعوتهم واحدة{وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ} أي متسلط على عباد الله بالجبروت {عنيد} أي معاند لآيات الله فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم واتبعوا كل غاش لهم يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم الله{وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} فكل وقت وجيل إلا ولأنبائهم القبيحة وأخبارهم الشنيعة ذكر يذكرون به وذم يلحقهم {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} لهم أيضا لعنة {أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ} أي جحدوا من خلقهم ورزقهم ورباهم {أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} أي أبعدهم الله عن كل خير وقربهم من كل شر وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ( 61 - 68 ) إلى آخر قصتهم . 61(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) ، أي: ( و ) أرسلنا ( إِلَى ثَمُودَ ) وهم: عاد الثانية، المعروفون، الذين يسكنون الحجر، ووادي القرى، ( أَخَاهُمْ ) في النسب ( صَالِحًا ) عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فـ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي: وحدوه، وأخلصوا له الدين مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ لا من أهل السماء، ولا من أهل الأرض. هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ أي: خلقكم فيها وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ذلك، فلا تشركوا به في عبادته. فَاسْتَغْفِرُوهُ مما صدر منكم، من الكفر، والشرك، والمعاصي, وأقلعوا عنها، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح، والإنابة، إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام، وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ والقرب الخاص: قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ . وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وهذا النوع، قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن، باسمه « القريب » اسمه « المجيب » فلما أمرهم نبيهم صالح عليه السلام، ورغبهم في الإخلاص لله وحده, ردوا عليه دعوته، وقابلوه أشنع المقابلة. قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أي: قد كنا نرجوك ونؤمل فيك العقل والنفع، وهذا شهادة منهم، لنبيهم صالح، أنه ما زال معروفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأنه من خيار قومه. ولكنه، لما جاءهم بهذا الأمر، الذي لا يوافق أهواءهم الفاسدة, قالوا هذه المقالة، التي مضمونها، أنك [ قد ] كنت كاملا والآن أخلفت ظننا فيك، وصرت بحالة لا يرجى منك خير. وذنبه، ما قالوه عنه، وهو قولهم: أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وبزعمهم أن هذا من أعظم القدح في صالح، كيف قدح في عقولهم، وعقول آبائهم الضالين، وكيف ينهاهم عن عبادة، من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئا من الأحجار، والأشجار ونحوها. وأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم، الذي لم تزل نعمه عليهم تترى, وإحسانه عليهم دائما ينزل، الذي ما بهم من نعمة، إلا منه، ولا يدفع عنهم السيئات إلا هو. وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ أي: ما زلنا شاكين فيما دعوتنا إليه، شكا مؤثرا في قلوبنا الريب، وبزعمهم أنهم لو علموا صحة ما دعاهم إليه، لاتبعوه، وهم كذبة في ذلك، ولهذا بين كذبهم في قوله: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي: برهان ويقين مني وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً أي: منَّ علي برسالته ووحيه، أي: أفأتابعكم على ما أنتم عليه، وما تدعونني إليه؟. فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ أي: غير خسار وتباب، وضرر. وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً لها شرب من البئر يوما، ثم يشربون كلهم من ضرعها، ولهم شرب يوم معلوم. فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ أي: ليس عليكم من مؤنتها وعلفها شيء، وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ أي: بعقر فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ لهم صالح تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ بل لا بد من وقوعه فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا بوقوع العذاب نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أي نجيناهم من العذاب والخزي والفضيحة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ومن قوته وعزته أن أهلك الأمم الطاغية ونجى الرسل وأتباعهم وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ العظيمة فقطعت قلوبهم فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ أي خامدين لا حراك لهم أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي جحدوه بعد أن جاءتهم الآية المبصرة أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ فما أشقاهم وأذلهم نستجير بالله من عذاب الدنيا وخزيها كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي كأنهم لما جاءهم العذاب ما تمتعوا في ديارهم ولا أنسوا بها ولا تنعموا بها يوما من الدهر قد فارقهم النعيم وتناولهم العذاب السرمدي الذي ينقطع الذي كأنه لم يزل |
|
|
|
|
|
|
#24 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ( 69 - 83 ) إلى آخر القصة .
أي: ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا ) من الملائكة الكرام، رسولنا ( إِبْرَاهِيمَ ) الخليل ( بِالْبُشْرَى ) أي: بالبشارة بالولد، حين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه بإسحاق، فلما دخلوا عليه قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ أي: سلموا عليه، ورد عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد، أبلغ من الابتداء, لأن سلامهم بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية. فَمَا لَبِثَ إبراهيم لما دخلوا عليه أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ أي: إلى تلك الضيافة نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن يعرف أمرهم. فـ قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ أي: إنا رسل الله, أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط. وامرأة إبراهيم قَائِمَةٌ تخدم أضيافه فَضَحِكَتْ حين سمعت بحالهم، وما أرسلوا به، تعجبا. فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ فتعجبت من ذلك. و {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} فهذان مانعان من وجود الولد {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ}{قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه، لأهل هذا البيت المبارك.{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد {عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط.مجيد، والمجد: هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها وأتمها وأعمها.{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ} الذي أصابه من خيفة أضيافه {وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} بالولد، التفت حينئذ، إلى مجادلة الرسل في إهلاك قوم لوط، وقال لهم: {إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته}{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ} أي: ذو خلق حسن وسعة صدر، وعدم غضب، عند جهل الجاهلين.{أَوَّاهٌ} أي: متضرع إلى الله في جميع الأوقات، {مُنِيبٌ} أي: رجَّاع إلى الله بمعرفته ومحبته، والإقبال عليه، والإعراض عمن سواه، فلذلك كان يجادل عمن حتَّم الله بهلاكهم.فقيل له: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} الجدال {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} بهلاكهم {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} فلا فائدة في جدالك.{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا} أي: الملائكة الذين صدروا من إبراهيم لما أتوا {لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} أي: شق عليه مجيئهم، {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي: شديد حرج، لأنه علم أن قومه لا يتركونهم، لأنهم في صور شباب، جرد، مرد، في غاية الكمال والجمال، ولهذا وقع ما خطر بباله.فـ {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي: يسرعون ويبادرون، يريدون أضيافه بالفاحشة، التي كانوا يعملونها، ولهذا قال: {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السيئاتِ} أي: الفاحشة التي ما سبقهم عليها أحد من العالمين.{قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} من أضيافي، [وهذا كما عرض لسليمان صلى الله عليه وسلم، على المرأتين أن يشق الولد المختصم فيه، لاستخراج الحق ولعلمه أن بناته ممتنع منالهن، ولا حق لهم فيهن. والمقصود الأعظم، دفع هذه الفاحشة الكبرى] (1) .{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} أي: إما أن تراعوا تقوى الله، وإما أن تراعوني في ضيفي، ولا تخزون عندهم.{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} فينهاكم، ويزجركم، وهذا دليل على مروجهم وانحلالهم، من الخير والمروءة.فـ {قَالُوا} له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي: لا نريد إلا الرجال، ولا لنا رغبة في النساء.فاشتد قلق لوط عليه الصلاة والسلام، و {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} كقبيلة مانعة، لمنعتكم.وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد، ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه واشتد الكرب.{قَالُوا} له: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} أي: أخبروه بحالهم ليطمئن قلبه، {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} بسوء.ثم قال جبريل بجناحه، فطمس أعينهم، فانطلقوا يتوعدون لوطا بمجيء الصبح، وأمر الملائكة لوطا، أن يسري بأهله {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أي: بجانب منه قبل الفجر بكثير، ليتمكنوا من البعد عن قريتهم.{وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} أي: بادروا بالخروج، وليكن همكم النجاة ولا تلتفتوا إلى ما وراءكم.{إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا} من العذاب {مَا أَصَابَهُمُ} لأنها تشارك قومها في الإثم، فتدلهم على أضياف لوط، إذا نزل به أضياف.{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فكأن لوطا، استعجل ذلك، فقيل له: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} . فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82){ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } بنزول العذاب، وإحلاله فيهم { جَعَلْنَا } ديارهم { عَالِيَهَا سَافِلَهَا } أي: قلبناها عليهم { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } أي: من حجارة النار الشديدة الحرارة { مَنْضُودٍ } أي. متتابعة، تتبع من شذ عن القرية. {84 - 95} {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}إلى آخر القصة أي: {و} أرسلنا {إِلَى مَدْيَنَ} القبيلة المعروفة، الذين يسكنون مدين في أدنى فلسطين، {أَخَاهُمْ} في النسب {شُعَيْبًا} لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا من الأخذ عنه.فـ {قَالَ} لهم {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ذلك فقال: {وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} بل أوفوا الكيل والميزان بالقسط.{إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: بنعمة كثيرة، وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة الله، فيزيلها عنكم.{وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية.{وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل الذي ترضون أن تعطوه، {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي: لا تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها، بنقص المكيال والميزان.{وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل.{بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا.{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فاعملوا بمقتضى الإيمان، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي: لست بحافظ لأعمالكم، ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله تعالى، وأما أنا، فأبلغكم ما أرسلت به.{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أي: قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له.ومعنى كلامهم: أنه لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله، وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق لك، فكيف نتبعك، ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟!وكذلك لا يوجب قولك لنا: {أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا} ما قلت لنا، من وفاء الكيل، والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما شئنا، لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف.ولهذا قالوا في تهكمهم: {إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أي: أئنك أنت الذي، الحلم والوقار، لك خلق، والرشد لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رشد، ولا تأمر إلا برشد، ولا تنهى إلا عن غي، أي: ليس الأمر كذلك.وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!!وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن الأمر بعكسه، ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه. إن صلاته تأمره أن ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاءون، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير الله، ومن منع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل والموازين، وهو عليه الصلاة والسلام الحليم الرشيد.{قَالَ} لهم شعيب: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي: يقين وطمأنينة، في صحة ما جئت به، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} أي: أعطاني الله من أصناف المال ما أعطاني.{وَ} أنا لا {أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} فلست أريد أن أنهاكم عن البخس، في المكيال، والميزان، وأفعله أنا، وحتى تتطرق إليَّ التهمة في ذلك. بل ما أنهاكم عن أمر إلا وأنا أول مبتدر لتركه.{إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي.ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ} أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي.{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي: اعتمدت في أموري، ووثقت في كفايته، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} في أداء ما أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات.وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه، والإنابة إليه، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . {وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي: لا تحملنكم مخالفتي ومشاقتي {أَنْ يُصِيبَكُمُ} من العقوبات {مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} لا في الدار ولا في الزمان.{وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} عما اقترفتم من الذنوب {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} فيما يستقبل من أعماركم، بالتوبة النصوح، والإنابة إليه بطاعته، وترك مخالفته.{إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} لمن تاب وأناب، يرحمه فيغفر له، ويتقبل توبته ويحبه، ومعنى الودود، من أسمائه تعالى، أنه يحب عباده المؤمنين ويحبونه، فهو "فعول" بمعنى "فاعل" وبمعنى "مفعول"{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي: تضجروا من نصائحه ومواعظه لهم، فقالوا: {ما نفقه كثيرا مما تقول} وذلك لبغضهم لما يقول، ونفرتهم عنه.{وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي: في نفسك، لست من الكبار والرؤساء بل من المستضعفين.{وَلَوْلا رَهْطُكَ} أي: جماعتك وقبيلتك {لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي: ليس لك قدر في صدورنا، ولا احترام في أنفسنا، وإنما احترمنا قبيلتك، بتركنا إياك.فـ {قَالَ} لهم مترققا لهم: {يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} أي: كيف تراعوني لأجل رهطي، ولا تراعوني لله، فصار رهطي أعز عليكم من الله.{وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي: نبذتم أمر الله، وراء ظهوركم، ولم تبالوا به، ولا خفتم منه.{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فسيجازيكم على ما عملتم أتم الجزاء.{و} لما أعيوه وعجز عنهم قال: {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي: على حالتكم ودينكم.{إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} ويحل عليه عذاب مقيم أنا أم أنتم، وقد علموا ذلك حين وقع عليهم العذاب.{وَارْتَقِبُوا} ما يحل بي {إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} ما يحل بكم.{وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} بإهلاك قوم شعيب {نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} لا تسمع لهم صوتا، ولا ترى منهم حركة.{كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب.{أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ} إذ أهلكها الله وأخزاها {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} أي: قد اشتركت هاتان القبيلتان في السحق والبعد والهلاك.وشعيب عليه السلام كان يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر، شيء كثير.منها: أن الكفار، كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد، مرتبا على مجموع ذلك.ومنها: أن نقص المكاييل والموازين، من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة، على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى.ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.ومنها: أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة.ومنها: أن ذلك، من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به، على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم.ومنها: أن الصلاة، لم تزل مشروعة للأنبياء المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان للإيمان وشرائعه، فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها، تختل أحواله الدينية.ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}-[389]-ومنها أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصةوحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيويةومنها أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليهومنها أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}ومنها الترهيب بأخذات الأمم وما جرى عليهم وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجركما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوىومنها أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده ولا عبرة بقول من يقول "إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه العفو وأما عود الود والحب فإنه لا يعود" فإن الله قال {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكانفعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهمنعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير الشيخ السعدي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان | سعد الدراري | ملتقى الكتب الإسلامية | 6 | 03-15-2026 06:01 AM |
| عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 09-21-2025 02:44 PM |
| كتاب تفسير القرءان الكريم للشيخ عبد الرحمن السعدى كتاب مسموع جزء قد سمع | الشيخ ابوسامح | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 04-09-2017 09:50 AM |
| كتاب تفسير القرءان الكريم للشيخ عبد الرحمن السعدى كتاب مسموع سورة مريم وسورة طه | الشيخ ابوسامح | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 04-05-2017 05:45 PM |
| كتاب تفسير القرءان الكريم للشيخ عبد الرحمن السعدى كتاب مسموع سورة الصافات وسورة ص | الشيخ ابوسامح | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 03-10-2017 06:38 PM |
|
|