استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-13-2026, 06:00 AM   #19

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)

أشهر أعماله في خلافته
فتح الله لعمر البلدان، فولّى الولاة على الأمصار، وعيّن القضاء، وأقام الحسبة، وبعث المعلّمين، ودوّون الدواوين، وعرّف العرفاء، وفرض الأعطيات، وجمع الناس في قيام رمضان خلف إمام واحد، وأرّخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأقام العدل حتى استيسر الناس، وعمّ الرخاء، واعتزّ المسلمون، وقويت دولة الإسلام.

1: فتح الفتوح
تولى عمر الخلافة وجيوش المسلمين في العراق والشام تقاتل أعظم دولتين في ذلك الزمان في وقت واحد؛ ففتح الله له البلدان واتّسعت دولة الإسلام:
ففي الشام: فتحت جيوشه دمشق، وحمص، وقنسرين، وبعض قرى فلسطين حتى حاصروا بيت المقدس، ثم فتحوها صلحاً على أن يقدم عمر فينفذ لهم الصلح ويكتب لهم، فقدم عمر، وأمضى الصلح، ودخل بيت المقدس، وصلى فيه في الموضع الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء.
وأعمل الجيوش في بلدان الشام تفتحها مدينة بعد مدينة، وقرية بعد قرية، وجعل للشام أميرين: معاوية بن أبي سفيان ولاه بعد موت أخيه يزيد، وعياض بن غنم الفهري ولاه بعد موت أبي عبيدة بن الجراح؛ فأخذ معاوية ما يلي الساحل من قرى فلسطين فافتتح قيسارية وتسمّى قيصرية في أواخر سنة 18هـ، ثم أصعد شمالاً حتى بلغ أنطاكية.
وغزا عياض بن غنم الجزيرة، وهي ما بين نهري دجلة والفرات مما يلي الشام، ووافق أبا موسى الأشعري قد افتتح الرها وسميساط بجيش من أهل العراق؛ فاجتمعا على فتح ما بقي من أرض الجزيرة، وفتحوا نصيبين، والرقة، وسنجار، وحرّان، وآمد، وبقية ديار بكر حتى بلغوا ملطية.
والتقى حيش معاوية وجيش عياض في ملطية، واستكملوا بذلك فتح الشام في سنة 20هـ، وهي السنة التي مات فيها هرقل عظيم الروم.
وفي العراق: فتحوا الحيرة، والمدائن وفيها كان إيوان كسرى، ثم اختطوا الكوفة ثم البصرة، ثم فتحوا أصبهان، وتستر، والأهواز، وجلولاء، ونهاوند، والسوس، ونصيبين، وهمذان، وغيرها كثير حتى بلغت جيوش المسلمين في عهد عمر أقصى بلاد خراسان.
وفي سنة عشرين فتح عمرو بن العاص مصر، وبقي يفتح مدنها وقراها حتى فتح الإسكندرية الفتح الأول سنة اثنتين وعشرين للهجرة، وبعث الجيوش إلى طرابلس الغرب.

فتح بيت المقدس
- قال دحيم: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت أشياخنا يقولون: (إنَّ دمشق فتحت في سنة أربع عشرة، وإن عمر بن الخطاب قدم الشام سنة ست عشرة؛ فولاه الله فتحَ بيت المقدس على صلح، ثم قفل). رواه أبو زرعة الدمشقي كما في تاريخ ابن عساكر.
- وقال يزيد بن عبيدة السكوني: (فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة، وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية).رواه أبو زرعة الدمشقي.

فتوح الشام ومصر:
- قال هشام بن عمار، عن الوليد عن الأوزاعي (أنّ أبا عبيدة فتح قنسرين وكورها سنة ست عشرة ثم أتى فلسطين فنزل إيليا فسألوه أن يصالحهم فصالحهم في سنة سبع عشرة على أن يقدم عمر رحمه الله فينفذ ذلك ويكتب لهم به). رواه البلاذري.
- وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال: حدثني الليث بن سعد قال: (استخلف أمير المؤمنين عمر في رجب لسنة ثلاث عشرة، ثم كان فتح دمشق، ثم
كانت اليرموك لسنة خمس عشرة، ثم كانت الجابية والجسر لسنة ست عشرة، ثم كانت إيلياء وسرغ لسنة سبع عشرة، ثم كانت الرمادة وطاعون عمواس وغزوة عتبة بن سهيل من بني عامر بن لؤي سنة ثمان عشرة، ثم كانت جلولاء لسنة تسع عشرة، ثم كان فتح باب ليون أميرهم عمرو بن العاص، وقيسارية بالشام أميرهم عبد الله بن عمرو، وموت هرقل لسنة عشرين، ثم كانت نهاوند أميرهم النعمان بن مقرن المزني لسنة إحدى وعشرين، ثم كان فتح الإسكندرية الأولى أميرهم عمرو بن العاص وأذربيجان لسنة ثنتين وعشرين، وفرض العطاء، ثم كانت اصطخر الأولى وهمذان في ذي القعدة، ولم تفتح اصطخر، وغزوة عمرو بن العاص أطرابلس المغرب، وغزوة عمورية، أمير أهل مصر وهب بن عمير الجمحي، وأمير أهل الشام أبو الأعور سنة ثلاث وعشرين، ثم قتل عمر أمير المؤمنين بصدر الحاج). رواه ابن عساكر.
- وقال ابن سعد: (وهو أول من فتح الفتوح، وهي الأرضون والكور التي فيها الخراج والفيء، فتح العراق كله، السواد والجبال وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز، وفارس، وكور الشام ما خلا أجنادين، فإنها فتحت في خلافة أبي بكر الصديق، رحمه الله، وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندرية، وقتل، رحمه الله، وخيله على الري وقد فتحوا عامتها، وهو أول من مسح السواد وأرض الجبل، ووضع الخراج على الأرضين، والجزية على جماجم أهل الذمة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهماً، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهماً، وعلى الفقير اثني عشر درهماً، وقال: «لا يعوز رجلاً منهم درهم في شهر» ، فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر رحمه الله مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف واف، والواف درهم ودانقان ونصف).

2: تمصير الأمصار، وتولية الولاة وتعيين القضاة
بعدما فتح المسلمون المدائن سنة 16هـ، وكثرت جيوش المسلمين نزلوا المدائن فاجتووها ولم توافق أمزجتهم؛ فذُكر أنهم اشتكوا ذلك إلى عمر فقال: (إن العرب لا يصلحهم إلا ما يصلح إبلهم).
فارتادوا مكاناً يصلح لإبلهم فوقع اختيارهم على الكوفة، وكانت أرضاً سهلة حسنة التربة يخالط رملها حصباء، ولذلك كانت تسمى "خدّ العذراء" يجري عليها نهر الفرات، وفي وسطها جبل صغير يُسمّى "كوفان".
فخطّطت الكوفة أحياءً لكل قبيلة حيّ، ولها مسجد يسع مقاتلتهم، وكان أوّل أمير لها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ثمّ بعد ذلك بأشهر خطّطت البصرة على نحو تخطيط الكوفة، وكان أوّل أمير لها عتبة بن غزوان المازني رضي الله عنه.
ولم يزل عمر يمصّر الأمصار، ويولّي الولاة، ويعيّن القضاء، ويعرّف العرفاء، ويقسم الفيء، ويبعث المعلمّين لتفقيه الناس في الدين، وتعليمهم القرآن؛ حتى صلحت شؤون الرعية، وانتظم أمرها.
- قال محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثني الأشعث، عن الحسن (أن عمر بن الخطاب مصر الأمصار: المدينة، والبصرة، والكوفة، والبحرين، ومصر، والشام، والجزيرة). رواه ابن سعد.
- وقال ابن سعد: (وهو أوَّل من مصَّر الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل، وأنزلها العرب، وخط الكوفة والبصرة خططا للقبائل).

3: تدوين الدواوين، وفرض الأعطيات
- قال غسان بن مضر الأزدي، عن سعيد بن يزيد الأزدي، عن أبي نضرة العبدي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لما ولي عمر الخلافة فرض الفرائض، ودوَّن الدواوين، وعرَّف العرفاء» قال جابر: (فعرَّفني على أصحابي). رواه ابن أبي شيبة، وعبد الله بن الإمام أحمد في فضائل الصحابة لأبيه، والبيهقي في السنن الكبرى.
- وقال يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه قدم على عمر من البحرين، قال: فقدمت عليه فصليت معه العشاء، فلما رآني سلمت عليه فقال: «ما قدمت به؟»
قلت: قدمت بخمسمائة ألف.
قال: «أتدري ما تقول؟».
قال: قلت: قدمت بخمسمائة ألف.
قال: «ماذا تقول؟»
قال: قلت: مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، حتى عددتُ خمساً.
قال: «إنك ناعس! ارجع إلى بيتك فنم ثم اغد علي».
قال: فغدوت عليه؛ فقال: «ما جئت به؟».
قلت: بخمسمائة ألف.
قال: «طيب؟».
قلت: طيب، لا أعلم إلا ذاك.
قال: فقال للناس: «إنه قدم عليَّ مالٌ كثير؛ فإن شئتم أن نعدَّه لكم عدّا، وإن شئتم أن نكيله لكم كيلا».
فقال رجل: يا أمير المؤمنين! إني رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون ديواناً، ويعطون الناس عليه.
قال: «فدوَّن الدواوين، وفرض للمهاجرين في خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، في اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا». رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن زنجويه في كتاب الأموال، والبيهقي في السنن الكبرى.
- وقال معمر، عن الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال: لما أتي عمر بكنوز كسرى، قال له عبد الله بن الأرقم الزهري: ألا تجعلها في بيت المال حتى تقسمها؟
قال: «لا يظلها سقف حتى أمضيها»؛ فأمر بها؛ فوضعت في صرح المسجد، فباتوا يحرسونها، فلما أصبح أمر بها فكشف عنها، فرأى فيها من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ منه البصر.
قال: فبكى عمر؛ فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن كان هذا ليوم شكر، ويوم سرور، ويوم فرح؛ فقال عمر: «كلا، إنَّ هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة والبغضاء».
ثم قال: « أنكيل لهم بالصاع أم نحثو؟ »
فقال علي: بل احثوا لهم، ثم دعا حسن بن علي أوَّل الناس فحثا له، ثم دعا حسيناً، ثم أعطى الناس، ودوَّن الدواوين، وفرض للمهاجرين لكل رجل منهم خمسة آلاف درهم في كل سنة، وللأنصار لكل رجل منهم أربعة آلاف درهم، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لكل امرأة منهن اثني عشر ألف درهم، إلا صفية وجويرية، فرض لكل واحدة منهما ستة آلاف درهم). رواه معمر بن راشد في جامعه.
وسماع إبراهيم بن عبد الرحمن من عمر مختلف فيه، وقد أثبته يعقوب بن شيبة وغيره، وروي عنه أنه رأى تحريق بيت رويشد الثقفي زمان عمر.
- وقال وكيع بن الجراح: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: «فرض عمر لأهل بدر غريبهم ومولاهم في خمسة آلاف خمسة آلاف»، وقال: «لأفضلنَّهم على من سواهم». رواه ابن أبي شيبة.

4: بعث المعلّمين إلى الأمصار
كان عمر من أعلم الصحابة وأفقههم في دين الله، وكان جلساؤه القراء العلماء، وكان يبعث البعوث إلى الأمصار لتعليم القرآن؛ فبعث إلى العراق عشرة معلمين من علماء الصحابة، فيهم ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبو موسى الأشعري، وقرظة بن كعب الخزرجي، ومجمّع بن جارية الأوسي، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن مغفّل المزني، وغيرهم.
وبعث عبادة بن الصامت ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء إلى الشام وأمرهم أن يبدؤا بحمص فيعلّموا فيها حتى يرضوا؛ ثم ينتقل معاذ إلى فلسطين، وأبو الدرداء إلى دمشق، ويبقى عبادة في حمص؛ ففعلوا ما أمرهم به، ونفع الله بهم خلقاً كثيراً.
وبعث معلمين إلى مكة والبحرين وعمان واليمن ومصر، والمدائن، وبقي في المدينة جماعة من علماء الصحابة يقرئون الناس القرآن ويفقّهونهم في الدين؛ فانتشر العلماء في بلدان الإسلام انتشاراً عظيماً مباركاً.
وهمّ عمر أن يكتب السنة، ورُوي أنه استخار في كتابتها شهراً لكنّه خشي أن يشتغل الناس بها عن القرآن.
وكان عمر رجلاً ملهماً محدَّثاً، وعدلاً حازماً، مهيب الجناب، وكان شديداً على من يتكلم في القرآن بغير علم، وقد اشتهر ضربه لصبيغ التميمي لما كان يتكلف المسائل في القرآن؛ حتى جعله عبرة لغيره، وانتفع صبيغ بهذا التأديب فقد عصمه الله به من فتنة الخوارج لما حدثت بعد؛ فإنه قيل له: ألا تخرج معهم.
قال: هيهات، نفعني الله بموعظة الرجل الصالح.
- وقال قبيصة بن عقبة: أخبرنا سفيان، عن معمر، عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن، فاستخار الله شهراً، ثم أصبح وقد عزم له، فقال: «ذكرت قوماً كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله». رواه ابن سعد.
- وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب العبدي قال: قرئ علينا كتاب عمر ههنا [يريد بالكوفة]: «إني بعثتُ إليكم عمارا أميراً، وبعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر فاسمعوا لهما وأطيعوا، وآثرتكم بابن أم عبد على نفسي، وجعلته على بيت مالكم». رواه أحمد في فضائل الصحابة وابن أبي شيبة في المصنف.
- وقال الحسن البصري: (كان عبد الله بن مغفل أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، وكان له سبعة أولاد). ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب.

همّه بكتابة السنن:
تقدّم في سيرة أبي بكر الصديق أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار عليه بجمع القرآن في مصحف واحد، ثمّ لما ولي عمر الخلافة همّ بكتابة السنن وجمعها في كتاب واحد؛ فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخار في ذلك شهراً ثمّ أصبح يوماً وقد عزم على ترك كتابتها.
- قال معمر عن الزهري، عن عروة، أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً» رواه معمر بن راشد في جامعه، ومن طريقه البيهقي في المدخل إلى السنن، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، والخطيب البغدادي في تقييد العلم.
- وقال أبو اليمان الحكم بن نافع: أخبرني شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنن فاستشار فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه؛ فأشار عليه عامّتهم بذلك؛ فلبث عمرُ شهراً يستخير الله في ذلك، شاكّاً فيه، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له؛ فقال: «إني قد كنتُ ذكرتُ لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكّرت فإذا أناسٌ من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً» فترك كتاب السنن». رواه الخطيب البغدادي في تقييد العلم، وروى نحوه من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب به.
وعروة وإن لم يدرك السماع من عمر بن الخطاب إلا أن له عناية بالسير والأخبار وهو مقدّم فيها، مع قيام الاحتمال القوي بكونه سمع ذلك من بعض الصحابة الذين استشارهم عمر أو شهدوا ذلك الأمر، ويشهد له مرسل يحيى بن جعدة.
- وقال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: (من كان عنده شيء من ذلك فليمْحُه). رواه أبو خيثمة في كتاب العلم، والخطيب البغدادي في تقييد العلم، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
- وقال عبد الله بن العلاء بن زبر: سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث؛ فقال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب؛ فقام عمر على المنبر؛ فأنشد الناس أن يأتوه بها؛ فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: (مثناة كمثناة أهل الكتاب!!)
قال: (فمنعني القاسم يومئذ أن أكتب حديثاً). رواه ابن سعد في الطبقات، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخ دمشق.

حزمه في التعليم وتعظيمه القرآن والسنة:
كان عمر رضي الله عنه من أقرب الصحابة إلى إدراك مقاصد القرآن وفهم مراد الله تعالى، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، بما علّمه الله تعالى وفهّمه، وبما سدّده وألهمه، ورزقه من الخشية والاستقامة والقوّة في دين الله، فكان حازماً في التأديب على القول في التفسير بغير علم، وعلى السؤال عنه سؤال تنطّع وتكلّف، وقصّته مع صبيغ بن عسل التميمي معروفة مشتهرة، مروية من طرق متعددة:
- منها: ما أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة من طريق يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد أنه قال: أُتى إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن.
فقال: اللهم أمكني منه.
قال: فبينا عمر ذات يوم جالس يغدّي الناس إذ جاءه وعليه ثياب وعمامة، فغداه، ثم إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، {والذاريات ذروا فالحاملات وقرا}؟
قال عمر: أنت هو؟ فمال إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، ثم قال: احملوه حتى تقدموه بلاده، ثم ليقم خطيباً ثم ليقل: إنَّ صبيغاً ابتغى العلم فأخطأ، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه.
- ومنها: ما أخرجه الدارمي من طريق يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة؛ فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه وقد أعدَّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟
قال: أنا عبد الله صبيغ.
فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين، فضربه وقال: (أنا عبد الله عمر) فجعل له ضرباً حتى دمي رأسه.
فقال: (يا أمير المؤمنين! حسبك، قد ذهب الذي كنتُ أجد في رأسي).
وقد انتفع صُبيغ بهذا التأديب؛ وعصمه الله به من فتنة الخوارج التي حدثت في عهد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
- قال معمر بن راشد: خرجت الحرورية، فقيل لصبيغ: إنه قد خرج قوم يقولون كذا وكذا، قال: (هيهات قد نفعني الله بموعظة الرجل الصالح).
- وقال إبراهيم النخعي عن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفات فقال: جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة، وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه؛ فغضب عمر وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرحل.
فقال: ومن هو ويحك؟ قال: عبد الله بن مسعود. فما زال يطفأ ويسرى عنه الغضب، حتى عاد إلى حاله التي كان عليها). رواه أحمد.
وذلك أنّه خشي أن يتصدّى لذلك من ليس له بأهل؛ فلمّا علم أنّه ابن مسعود سكن جأشه؛ لأن ابن مسعود كان من المعلّمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
- وقال مجالد عن الشعبي عن قرظة بن كعب الأنصاري رضي الله عنه قال: بعثني عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار فمشى معنا حتى بلغ مكانا قد سماه ثم قال: (هل تدرون لم مشيت معكم؟)
قالوا: لحقّ صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق الأنصار.
قال: (لا، ولكن مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكموه؛ فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم دويّ كدويّ النحل؛ فإذا رأوكم مدُّوا إليكم أعناقهم، وقالوا: أصحاب محمد؛ فأقلّوا الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا شريككم). رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة من طريق عبيد الله بن عمر القواريري: أخبرنا حماد بن زيد عن مجالد به، ورواه ابن قانع من طريق شعبة عن بيان عن الشعبي، عن قرظة بن كعب قال: شيَّع عمرُ الأنصارَ وقال: «إنكم تأتون أرضا أو قوما ألسنتهم بالقرآن، فلا تصدوهم بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم؛ فلم أحدّث بشيء بعد، ولقد سمعت كما سمع أصحابي»
- وقال عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت بالبحرين، فسألونى عما قذف البحر.
قال: فأفتيتهم أن يأكلوا؛ فلما قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكرت ذلك له، فقال لي: بم أفتيتهم؟
قال: قلت: أفتيتهم أن يأكلوا؟
قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة!
قال: ثم قال [عمر]: إن الله تعالى قال في كتابه:"أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم"، فصيده، ما صيد منه وطعامه، ما قذف). رواه ابن جرير.
وكان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يعرفون لعمر علمه وحزمه وعدله، فكانوا يتعلمون منه، ويحبّونه ، ويهابونه.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2026, 05:43 AM   #20

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)


5: التأريخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم
رُوي في نشأة التاريخ الهجري آثار يعضد بعضها بعضاً، وتجتمع على أنّ أوّل من أرّخ التأريخ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأن عمر استشار الصحابة في ذلك، وأما ما روي من أنّ أوّل من أرّخ الكتب يعلى بن أمية رضي الله عنه؛ فذلك في تأريخ ما كان يبعث به من الرسائل، ولم يوقف على أنّه كان يؤرّخ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يعلى بن أميّة من ولاة عمر في اليمن.
- قال مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: كتب أبو موسى إلى عمر: إنه يأتينا كتب ما نعرف تأريخها فأرخ؛ فاستشار أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: أرخ لمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: أرخ لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال عمر: «أرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين الحق والباطل؛ فأرخ». رواه ابن أبي شيبة.
- وقال عبد العزيز بن محمد الدراوردي: أخبرني عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: (جمع عمر رضي الله عنه المهاجرين والأنصار).
فقال: متى نكتب التاريخ؟
فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: منذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض الشرك، يعني يوم هاجر؛ فكتب ذلك عمر رضي الله عنه). رواه البخاري في التاريخ الكبير، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة واللفظ له، والحاكم في المستدرك.
- وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثنا ابن أبي سبرة، عن عثمان بن عبد الله بن رافع، عن ابن المسيب قال: (أوّل من كتب التاريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة من علي بن أبي طالب). رواه حنبل بن إسحاق كما في مسند الفاروق لابن كثير، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق، لكن الواقدي متروك الحديث.
- وقال وهب بن جرير: حدثنا قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين قال: كان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه عامل جاء من اليمن؛ فقال لعمر رضي الله عنه: أما تؤرخون؟ تكتبون: في سنة كذا وكذا من شهر كذا وكذا؟
فأراد عمر رضي الله عنه والناس أن يكتبوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: من عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أرادوا أن يكون ذلك من عند الهجرة.
ثم قالوا: من أي شهر؟ فأرادوه أن يكون من رمضان، ثم بدا لهم فقالوا: من المحرم). رواه عمر بن شبة.
- وقال خالد بن حيان الرقي: حدثنا فرات بن سليمان، عن ميمون بن مهران قال: وقع إلى عمر رضي الله تعالى عنه صكٌّ محلّه في شعبان؛ فقال عمر: أي شعبان؟ هذا الذي مضى أو الذي هو آت أو الذي نحن فيه؟
ثم جمع أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم: ضعوا للناس شيئاً يعرفونه؛ فقال قائل: اكتبوا على تاريخ الروم؛ فقيل: إنه يطول، وإنهم يكتبون من عدد ذي القرنين.
وقال قائل: اكتبوا على تاريخ فارس؛ فقيل: إنَّ الفرسَ كلَّما قام ملك طرح ما كان قبله.
قال: (فاجتمع رأيهم أن ينظروا كم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فوجدوه أقام بها عشر سنين؛ فكتب التاريخ على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم). رواه ابن عساكر.
وميمون بن مهران لم يدرك عمر.
- وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: (ما عدّوا من مبعث رسول الله صلى الله عليه، ولا من وفاته، ولا عدّوا إلا من مقدمه المدينة). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
- قال روح بن عبادة: حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينارٍ قال: (إنَّ أوَّل من أرخ الكتب يعلى بن أمية باليمن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع الأول، وإن الناس أرخوا لأوَّل السنة).رواه الحاكم في المستدرك، وابن عساكر في تاريخ دمشق.
وهذا محمول على ما تقدّم من أنّه كان يؤرّخ كتبه على تأريخ لم ينقل لنا، ثم إن التأريخ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر به عمر بعد استشارة الصحابة رضي الله عنهم، وجرى العمل عليه إلى اليوم؛ فيرجى لعمر بن الخطاب بذلك أجرٌ في كلّ ما كان في تاريخه نفع عام أو خاص لكل مسلم؛ لأنه هو الذي سنّ التأريخ للمسلمين.

6: جمع الناس في قيام رمضان خلف إمام واحد
صلى النبي صلى الله عليه وسلم قيام رمضان ليلتين أو ثلاث ليال ثم انقطع عنهم خشية أن يفرض عليهم، فكان الناس في بقية زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر، وصدر خلافة عمر يقومون الليل فرادى وجماعات متفرّقة ، يصلي الرجل والرجلان والثلاثة والجماعة اليسيرة.
فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جمعهم في جماعة واحدة؛ وأمر أبيّ بن كعب وتميماً الداري بإمامتهم، وجعل للنساء جماعة وجعل على إمامتهن سليمان بن أبي حثمة، وكان رجلاً أعمى.
وبعث عبد الله بن السائب المخزومي إلى مكة ليؤمّ الناس في قيام رمضان في المسجد الحرام، ويعلّمهم القرآن، ويفقّههم في الدين؛ وهو من طبقة صغار الصحابة رضي الله عنهم، وكان قارئاً حسن القراءة، قرأ على أبيّ بن كعب؛ فكان يصلي بهم خلف المقام، وبقي على إمامتهم حتى توفي زمن ابن الزبير.
- قال ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب، في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل ويصلي بصلاته الرهط.
فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل؛ فجمعهم على أبيّ بن كعب.
قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم؛ فقال: (نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون). يعني آخر الليل.
قال: (وكان الناس يقومون أوله). رواه مالك في الموطأ.
- وقال حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، أن عمر رضي الله عنه دخل المسجد ليلة في رمضان والناس قد اجتمعوا، فقيل: اجتمعوا للصلاة؛ فقال: بدعة، ونعمت البدعة، ثم قال لأبيٍّ رضي الله عنه: (صلّ بالرجال في هذه الناحية) وقال لسليمان بن أبي حثمة: (صلّ بالنساء في هذه الناحية). رواه ابن شبّة في تاريخ المدينة.
- وقال محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد؛ أنه قال: أمر عمرُ بن الخطاب أبيَّ بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
قال: (وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر).رواه مالك في الموطأ وعمر بن شبة في تاريخ المدينة، والبيهقي في السنن الكبرى.
ورواه عبد الرزاق في المصنف من طريق داوود بن قيس وغيره [هكذا] عن محمد بن يوسف به لكنه قال ( على إحدى وعشرين ركعة ).
- وقال سفيان الثوري عن هشام بن عروة، عن أبيه أن سليمان بن أبي حثمة كان يؤم النساء في عهد عمر في شهر رمضان). رواه ابن سعد.
- وقال ابن سعد: (كان رجلاً على عهد عمر بن الخطاب، وأمره عمر أن يؤم النساء).
- وقال معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين قال كان أبيّ يقوم للناس على عهد عمر في رمضان، فإذا كان النصف جهر بالقنوت بعد الركعة، فإذا تمّت عشرون ليلة انصرف إلى أهله، وقام للناس أبو حليمة معاذ القارئ، وجهر بالقنوت في العشر الأواخر حتى كانوا مما يسمعونه يقول: اللهم قحط المطر، فيقولون: آمين، فيقول: ما أسرع ما تقولون آمين، دعوني حتى أدعو). رواه عبد الرزاق.
- قال ابن سعد: (وهو أوّل من سنَّ قيام شهر رمضان، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئين: قارئاً يصلي بالرجال، وقارئاً يصلي بالنساء).

7: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
كان من أجلّ أعمال عمر بن الخطاب رضي الله عنها التي كان سبباً في حفظ الدين، وعزّته، وكبت المنافقين، إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ فقطع بذلك دابرهم، وأمن الناس مكرهم ودسائسهم، وتسلل المنافقين إليهم ليكيدوا الإسلام وأهله؛ فكان في خروجهم عافية عظيمة للمسلمين.
وكان عمر قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم عزمه على إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلما كانت خلافته قام عمر بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
- قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: أخبرني عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً». رواه أحمد، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، وغيرهم.
- وقال ابن جريج أيضاً: حدثني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها، على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نقركم بها على ذلك ما شئنا».
قال: (فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء). رواه مسلم.
- وقال ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمناها تفرقنا في أموالنا، قال: فعُدي عليَّ تحت الليل، وأنا نائم على فراشي، ففُدعت يداي من مرفقيّ، فلما أصبحت استصرخ عليَّ صاحباي، فأتياني، فسألاني عمن صنع هذا بك؟
قلت: لا أدري.
قال: فأصلحا من يديّ، ثم قدموا بي على عمر؛ فقال: (هذا عمل يهود).
ثم قام في الناس خطيباً، فقال: (أيها الناس! إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامَلَ يهودَ خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم، مع عَدْوَتهم على الأنصاريّ قبله، لا نشكّ أنهم أصحابهم، ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإني مخرج يهود).
قال: (فأخرجهم). رواه أحمد في المسند.
- وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيباً، فقال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: «نقركم ما أقركم الله» وإنّ عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين! أتخرجنا وقد أقرنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا.
فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟!»
فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم!
قال: (كذبت يا عدو الله).
قال: (فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالاً وإبلاً وعروضاً من أقتاب وحبال وغير ذلك). رواه البخاري.
- وقال حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلَ أهل خيبر حتى أجلاهم إلى قصرهم؛ فغلب على الأرض والزرع والنخل؛ فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلقة وهي السلاح، ويخرجون منها، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون للقيام عليها؛ فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على أنَّ لهم الشطر من كل زرع ونخل ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غالوا في المسلمين وغشوهم، ورموا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه؛ فقال عمر رضي الله عنه: (من كان له سهم من خيبر فليخرص حتى يقسمها بينهم).
فقال رئيسهم: لا تخرجنا، ودعنا نكون فيها كما أقرّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط عني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لك: ((كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوماً، ثم يوماً، ثم يوماً). رواه أبو جعفر الطحاوي.
- وقال وكيع: حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: كان أهل نجران قد بلغوا أربعين ألفاً.
قال: وكان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين؛ فتحاسدوا بينهم.
قال: فأتوا عمر؛ فقالوا: (إنا قد تحاسدنا بيننا فأجلنا).
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب لهم كتاباً أن لا يجلوا.
قال: (فاغتنمها عمر فأجلاهم؛ فندموا فأتوه فقالوا أقلنا؛ فأبى أن يقيلهم؛ فلما قدم عليّ أتوه؛ فقالوا: إنا نسألك بخطّ يمينك وشفاعتك عند نبيك إلا أقلتنا؛ فأبى وقال: (ويحكم! إنَّ عمر كان رشيد الأمر).
قال سالم: (فكانوا يرون أن علياً لو كان طاعنا على عمر في شيء من أمره طعن عليه في أهل نجران). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والفاكهي في أخبار مكة.
- وقال ابن سعد: (وهو أخرج اليهود من الحجاز وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشام، وأخرج أهل نجران، وأنزلهم ناحية الكوفة).

8: إقامة العدل، ومواساة رعيّته بنفسه
من أشهر صفات عمر رضي الله عنه عدله الذي عرف به، حتى ضرب به المثل في العدل؛ فكان حريصاً على إعطاء كلّ ذي حقّ حقَّه، وكان يواسي رعيّته بنفسه، ويتفقد أحوالهم، ويعس في الليل بنفسه، ويقوم على مصالحهم، وينشر العلم، ويبعث البعوث للجهاد والتعليم والصدقات؛ حتى فتح الله عليه البلدان، وانتشر العلم، واستيسر الناس، وكان لا يحابي أحداً من أهل بيته ولا من قرابته ولا يستأثر لنفسه ولا لهم شيئاً دون المسلمين.
- قال إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما أنا أمشي مع عمر رضي الله عنه ذات يوم وهو يضرب وحشي قدمه بالدرة، تنفس تنفسة ظننت أنها قد قضّت أضلاعه، فقلت: سبحان الله! وما أخرج هذا منك يا أمير المؤمنين إلا أمر عظيم!
قال: (ويحك يا ابن عباس! والله ما أدري كيف أصنع بأمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟).
قلت: والله إنك بحمد الله لقادر على أن تصنع ذاك منها في البقية.
قال: (إنه والله يا ابن عباس ما يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف، اللين في غير ضعف، الجواد في غير سرف، الممسك في غير بخل).
يقول ابن عباس: «والله ما أعرفه غير عمر». رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة.
- وقال حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر بن الخطاب فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاماً غليظاً أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين! إنَّ أحق الناس بطعام لين، ومركب لين، وملبس لين لأنت.
فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه، وقال: (أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت بها إلا مقاربتي، إن كنت لأحسب أن فيك، ويحك هل تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟
قال: وما مثلك ومثلهم؟
قال: (مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟)
قال: لا يا أمير المؤمنين.
قال: فكذلك مثلي ومثلهم.
ثم قال عمر: « إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، وليشتموا أعراضكم، ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علي، ليرفعها إلي حتى أقصّه منه».
فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! أرأيتَ إن أدّب أميرٌ رجلاً من رعيته، أتقصّه منه؟
فقال عمر: « وما لي لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصّ من نفسه؟!». رواه ابن سعد في الطبقات، وروى عمر بن شبة بعضه في تاريخ المدينة.
- وقال حماد بن سلمة: أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك أن الهرمزان رأى عمر بن الخطاب مضطجعاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هذا والله الملك الهنيء». رواه ابن سعد.
- وقال عبيد الله بن عمر العمري، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: تقرقرَ بطن عمر بن الخطاب، وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان حرم عليه السمن، فنقر بطنه بإصبعه قال: « تَقَرْقَرْ تَقَرْقُرَكَ، إنه ليس لك عندنا غيره حتى يحيا الناس». رواه ابن سعد.
- وقال محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: أصاب الناس عام سنة، فغلا فيها السمن، وكان عمر يأكله، فلما قل قال: «لا آكله حتى يأكله الناس».
فكان يأكل الزيت، فقال: «يا أسلم، اكسر عني حره بالنار» ، فكنت أطبخه له فيأكله؛ فيتقرقر بطنه عنه؛ فيقول: «تقرقر، لا والله لا تأكله حتى يأكله الناس». رواه ابن سعد.
- وقال الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة رضي الله عنه، قال: قال عمر رضي الله عنه: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتنة؟
قال: قلت: أنا أحفظه كما قال.
قال: إنك عليه لجريء! فكيف؟
قال: قلت: (فتنة الرجل في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر).
قال: ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر.
قال: قلت: ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس، بينك وبينها باب مغلق.
قال: فيكسر الباب أو يفتح؟
قال: قلت: لا بل يكسر.
قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبداً.
قال: قلت: أجل.
فهبنا أن نسأله من الباب؛ فقلنا لمسروق: سله، قال: فسأله، فقال: عمر رضي الله عنه.
قال: قلنا: فعلم عمر من تعني؟
قال: (نعم، كما أنَّ دون غدٍ ليلة، وذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط). رواه البخاري في صحيحه.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (عدل عمر كان أتمَّ من عدل مَن وَلي بعده، وعلمه كان أتمَّ من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده؛ فأمر قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيّنة، يظهر لعمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى ما لا يظهر من غيره).



تتمة:
- قال ابن سعد: (ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء، وهدم عمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيه، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد، ووسعه وبناه لما كثر الناس بالمدينة).
- وقال: (واستعمل عمر على الحج بالناس أوَّل سنة استخلف وهي سنة ثلاث عشرة عبد الرحمن بن عوف فحج بالناس تلك السنة، ثم لم يزل عمر بن الخطاب يحج بالناس في كل سنة خلافته كلها، فحج بهم عشر سنين ولاء، وحج بأزواج النبي عليه السلام في آخر حجة حجها بالناس سنة ثلاث وعشرين، واعتمر عمر في خلافته ثلاث مرات، عمرة في رجب سنة سبع عشرة، وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين، وهو أخَّر المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقاً بالبيت).



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-20-2026, 05:08 PM   #21

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)

مناقبه وفضائله

فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومناقبه كثيرة، وقد تقدّم في سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ذكر أحاديث تشتمل على فضل عمر رضي الله عنه لاقترانهما في كثير من الفضائل؛ وقد دلّت تلك الأحاديث على أنّ عمر رضي الله عنه خير هذه الأمة وأحبّ رجالها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر رضي الله عنه، وأنهما سيدا كهول أهل الجنة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهما، وحسن بلائهما في الإسلام.
وما بقي من الأحاديث والآثار في فضله ومناقبه فرأيت أن أفرّقه في سيرته لارتباط كثير منها ببعض أعماله وخصاله ومواقفه المأثورة.

بشارته بالجنّة
- قال عثمان بن غياث الراسبي: حدثنا أبو عثمان النهدي، عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افتح له وبشره بالجنة» ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افتح له وبشره بالجنة»، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي: «افتح له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه»؛ فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، ثم قال: (الله المستعان). رواه البخاري.
- وقال ابن شهاب الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: (( بينا أنا نائم رأيتني في الجنة؛ فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟
فقالوا: لعمر بن الخطاب.
فذكرت غيرته فوليت مدبراً؛ فبكى عمر، وقال: (أعليك أغار يا رسول الله؟!). رواه البخاري ومسلم.
- وقال محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " رأيتني دخلت الجنة؛ فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرا بفنائه جارية؛ فقلت: لمن هذا؟
فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك؛ فقال عمر: (بأبي وأمي يا رسول الله! أعليك أغار؟!). رواه البخاري ومسلم.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به
- قال عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوساً فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي، وأشار إلى أبي بكر وعمر، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» رواه أحمد، وروى ابن أبي شيبة والترمذي بعضه.
- وقال سليمان بن المغيرة: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً»
فذكر الحديث بطوله، وفيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أصبح الناس فقدوا نبيهم»، فقال أبو بكر، وعمر: رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدكم، لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم، فإن يطيعوا أبا بكر، وعمر يرشدوا ». رواه مسلم في صحيحه.
- وقال خالد بن معدان: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} فسلمنا، وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟
فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». رواه أحمد وأبو داود، وله طرق أخرى.
وهو مع ذلك داخل فيما زكّى الله به أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وذكر رضاه عنهم، وبيّن أنّ من آمن بمثل ما آمنوا به فقد اهتدى، وتوعّد من اتّبع غير سبيلهم.
- قال الله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} ، وعمر من أولى من يدخل في الخطاب بهذه الآية؛ فهو مهتدٍ ومحلّ للاقتداء.
- وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}.
- وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)}.

علمه وفقهه وتديّنه
- قال ابن شهاب الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الريَّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيتُ فضلي عمر بن الخطاب».
قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟
قال: «العلم». رواه البخاري، ومسلم.
- وقال ابن شهاب الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه».
قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟
قال: «الدين». رواه البخاري، ومسلم.
- وقال حسين بن علي الجعفي، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، قال: قال عبد الله بن مسعود: (ما أظنُّ أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن عمر يوم أصيب عمر إلا أهل بيت سوء، إنَّ عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله). رواه ابن أبي شيبة.
- وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: قال عبد الله بن مسعود: (لو وضع علم أحياء العرب في كفة، ووضع علم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر). رواه ابن أبي شيبة، وابن سعد.
- وقال أسد بن موسى: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: «لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم».
قال وكيع: قال الأعمش: فأنكرت ذلك، فأتيت إبراهيم فذكرته له، فقال: وما أنكرت من ذلك؟!! فوالله لقد قال عبد الله أفضل من ذلك، قال: «إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر رضي الله عنه». رواه الطبراني في المعجم الكبير.
ورواه أبو خيثمة في كتاب العلم من طريق جرير بن حازم عن الأعمش بنحوه.
ورواه البيهقي في المدخل إلى السنن من طريق عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش بنحوه.
- وقال عبد الملك بن عمير: حدثني قبيصة بن جابر قال: «ما رأيتُ رجلاً أعلم بالله، ولا أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله من عمر» رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة وابن أبي شيبة في مصنفه.
- وقال هشيم بن يشير: قال: أنا العوام، عن مجاهد قال: (إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما صنع عمر فخذوا به). رواه أحمد في فضائل الصحابة.
- وقال أبو إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق، قال: كتب كاتب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ"؛ فانتهره عمر رضي الله عنه، وقال: (لا، بل اكتب: "هذا ما رأى عمر؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر). رواه أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار، والبيهقي في الكبرى.

عبادته وهديه
- قال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج ليلة؛ فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلي يخفض من صوته، قال: ومرَّ بعمر بن الخطاب، وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يا أبا بكر! مررتُ بك وأنت تصلي تخفض صوتك»، قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله!
قال: وقال لعمر: «مررتُ بك، وأنت تصلي رافعاً صوتك».
قال: فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً» وقال لعمر: «اخفض من صوتك شيئاً». رواه أبو داوود في سننه، وابن خزيمة في صحيحه بهذا السياق، ورواه الترمذي مختصراً.
- وقال مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أنه قال: (كان عمر يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله بالصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة! ويتلو هذه الآية: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى}). رواه أبو داوود في الزهد.
- وقال أبو سهيل بن مالك الأصبحي، عن أبيه؛ أنه قال: (كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب عند دار أبي جهم بالبلاط). رواه مالك في الموطأ.
ورواه النسائي في السنن الكبرى من طريق سليمان بن بلال عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه كان يسمع قراءة عمر بن الخطاب وهو يؤم الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من دار أبي جهم).
- وقال ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر كان إذا رأى أبا موسى قال: (ذكّرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده). رواه ابن سعد، وهو منقطع لكن يعضده ما رواه شعبة، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي، عن أبي نضرة العبدي قال: قال عمر لأبي موسى: (شوّقنا إلى ربنا) فقرأ، فقالوا: الصلاة، فقال عمر: (أولسنا في صلاة؟). وقد أخرجه ابن سعد أيضاً، وأحمد في الزهد.
- وقال حزم بن أبي حزم القطعي: سمعت الحسن بن أبي الحسن [البصري] يقول: تزوَّج عثمان بن أبي العاص امرأةً من نساء عمر بن الخطاب؛ فقال: والله، ما نكحتها رغبة في مال ولا ولد، ولكني أحببتُ أن تخبرني عن ليل عمر؛ فسألتها، فقال: كيف كان صلاة عمر بالليل؟
قالت: كان يصلي صلاة العشاء، ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه توراً فيه ماء فيتعارّ من الليل فيضع يده في الماء فيمسح وجهه ويديه، ثم يذكر الله عز وجل حتى يغفي، ثم يتعارّ حتى تأتي الساعة التي يقوم فيها). رواه أحمد في الزهد.
- وقال أبو خلدة خالد بن دينار التميمي: حدثنا أبو العالية قال: أكثر ما كنت أسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللهم عافنا واعف عنا». رواه أحمد في الزهد.

زهده وورعه
- قال محمد بن سيرين، عن الأحنف بن قيس قال: كنا جلوساً بباب عمر فمرّت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين!
فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله.
فقلنا: فماذا يحلّ له من مال الله؟ فما هو إلا قدر أن بلغت وجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: ماذا قلتم؟
قلنا: لم نقل بأساً، مرّت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من مال الله؛ فقلنا: فماذا يحل له من مال الله؟
فقال: (أنا أخبركم بما أستحلّ منه، يحلّ لي حلتان، حلّة في الشتاء، وحلّة في القيظ، وما أحجّ عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجلٌ من المسلمين، يصيبني ما أصابهم). رواه ابن سعد، وعمر بن شبة.
- وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر بن الخطاب: «إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف». رواه ابن سعد.
ورواه أيضاً من طريق الأعمش عن أبي وائل عن عمر.
- وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر قال: أرسل إليَّ عمر يرفأ فأتيته وهو في مصلاه عند الفجر أو عند الظهر، قال: فقال: «والله ما كنت أرى هذا المال يحلّ لي من قبل أن أليَه إلا بحقه، وما كان قطّ أحرمَ عليَّ منه إذ وليته، عاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهراً من مال الله ولست بزائدك، ولكني معينك بثمر مالي بالغابة فاجدده فبعه، ثم ائت رجلاً من قومك من تجارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئاً فاستشركه فاستنفق وأنفق على أهلك». رواه ابن سعد في الطبقات، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة.
- وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص: قالت حفصة لعمر: (ألا تلبس ثوبا ألين من ثوبك، وتأكل طعاماً أطيب من طعامك! فقد فتح الله عليك الأرض، ووسع عليك الرزق)
فقال: « سأخاصمك إلى نفسك ».
فجعل يذكّرها ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانت فيه من الجهد حتى أبكاها، فقال: « قد قلت لك: إنه كان لي صاحبان سلكا طريقاً، وإني إن سلكت غير طريقهما سلك بي غير طريقهما، وإني والله لأشاركنهما في مثل عيشهما لعلّي أن أدركَ معهما عيشهما الرخي ». رواه عبد الله بن المبارك في الزهد، وابن سعد في الطبقات، وإسحاق بن راهويه في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه، والنسائي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك، وفي سماع مصعب من حفصة خلاف.
- وقال إسماعيل بن أبي خالد البجلي: أخبرني سعيد بن أبي بردة، عن يسار بن نمير قال: سألني عمر: ( كم أنفقنا في حجتنا هذه؟).
قلت: (خمسة عشر ديناراً). رواه ابن سعد في الطبقات.
- وقال هشيم بن بشير: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: (حججت مع عمر، فما رأيته ضرب فسطاطاً حتى رجع).
قلت: كيف كان يصنع؟
قال: (كان يستظل بالنطع والكساء). رواه أبو داوود في الزهد، ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبدة بن سليمان عن يحيى بن سعيد بنحوه.
- وقال يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال أن حفص بن أبي العاص كان يحضر طعام عمر فكان لا يأكل، فقال له عمر: «ما يمنعك من طعامنا؟»
قال: إن طعامك جشب غليظ، وإني راجع إلى طعام لين قد صنع لي فأصيب منه.
قال: أتراني أعجز أن آمر بشاة فيلقى عنها شعرها، وآمر بدقيق فينخل في خرقة، ثم آمر به فيخبز خبزاً رقاقاً، وآمر بصاعٍ من زبيب فيقذف في سِعْنٍ ثم يصبّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؟
فقال: إني لأراك عالماً بطيّب العيش.
فقال: (أجل والذي نفسي بيده، لولا أن تنتقض حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم). رواه ابن سعد في الطبقات، وحفص بن أبي العاص هو أخو عثمان بن أبي العاص الثقفي، مختلف في صحبته، ورجّح ابن حجر شهوده حجَّة الوداع، والسِّعن وعاء من جلد شبيه بالقِربة.
- وقال حبان بن هلال قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: حدثنا الحسن قال: حدثني حفص بن أبي العاص قال: كان عمر رضي الله عنه يغدينا بالخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأول ذلك اللحم الغريض، يأكل وكنا نعذر، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فكله طعام، وكان يقول: ما لكم لا تأكلون؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك..). رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة، وذكر بقية الأثر بنحو ما تقدم.
- وقال وهب بن جرير بن حازم: حدثنا أبي قال: سمعت الحسن، يقول: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى الأشعري على عمر رضي الله عنه قال: فكان له في كل يوم خبز يُلَتّ؛ فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقناها القدائد اليابسة قد دُقَّت ثم غلي بها، وربما وافقنا اللحم الغريض، وهو قليل، فقال لنا يوماً: ( إني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرقكم عيشاً، أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمة، وعن صلاء وصناب وصلائق، ولكني سمعت الله عيَّر قوماً بأمر فعلوه فقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}). رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة.
- وقال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما استخلف عمر رضي الله عنه أكل هو وأهله من المال، واخترق في مال نفسه». رواه عمر بن شبة.
قوله: (اخترق في مال نفسه) أي: ترك القيام عليه بما يصلحه وينميه كما ينبغي حتى لا ينافس المسلمين في تجارتهم، ويدلي عليهم بسلطانه فيحابوه في البيع والشراء.
- وقال مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: «كان البرّ لا يعرف في عمر ولا في ابنه حتى يقولا أو يفعلا». رواه ابن سعد في الطبقات، وأبو داوود في الزهد.
قلت: يريد أنهما لم يكونا متماوتين، ولا متخاشعين، ولا متزيين بزيّ يعرف به تنسّكهما.
- وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه قال: قال أنس بن مالك: (رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين، وقد رقع بين كتفيه أراه أربع رقاع، بعضها فوق بعض). رواه أبو داوود في الزهد.
- وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: « رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه». رواه ابن أبي شيبة، وابن سعد.
- وقال مهدي بن ميمون: أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي قال: «رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت عليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة إحداهن بأديم أحمر». رواه ابن سعد.
- وقال وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: يا أمير المؤمنين! لو ركبتَ برذونا يلقاك عظماء الناس ووجوههم؛ قال: فقال عمر: «ألا أراكم هاهنا، إنما الأمر من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيل جملي». رواه ابن أبي شيبة.
- وقال أبو أسامة الحافظ عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: لما قدم عمر الشام أُتي ببرذون فقيل له: اركب يا أمير المؤمنين فيراك عظماء أهل الأرض.
قال: فقال: (وإنكم لهنالك!! إنما الأمرُ من هاهنا وأشار بيده إلى السماء- خلوا سبيلي). رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.
- وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: لما قدم عمر الشام أتته الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة وأخذ برأس بعيره يخوض الماء؛ فقالوا له: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذا الحال؟!!
قال: فقال عمر: «إنا قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فلن نلتمس العزّ بغيره». رواه ابن أبي شيبة، وابن عساكر في تاريخ دمشق.
- وقال عبد الله بن إدريس الأودي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن أبي بردة، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد، إن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة عند الله من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك؛ فيكون مثلك عند الله مثل البهيمة، نظرت إلى خضرة من الأرض؛ فرتعت فيها تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، وعليك السلام». رواه ابن أبي شيبة.
- وقال محمد بن عمرو بن علقمة الليثي: حدثنا أبو سلمة [بن عبد الرحمن] قال: قال سعد بن أبي وقاص: «أما والله ما كان بأقدمِنا إسلاماً، ولكن قد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا يعني عمر بن الخطاب». رواه ابن أبي شيبة.
- وقال يونس بن عبيد: كان الحسن ربما ذكر عمر، فيقول: «والله ما كان بأوَّلهم إسلاماً ولا بأفضلهم نفقة في سبيل الله، ولكنه غلب الناس بالزهد في الدنيا، والصرامة في أمر الله، ولا يخاف في الله لومة لائم». رواه ابن أبي شيبة.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-23-2026, 03:10 PM   #22

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)

محاسبته لنفسه
كان عمر رضي الله عنه شديد المحاسبة لنفسه، عظيم الورع، بصيراً بمداخل الشيطان، وأحوال النفس.
- قال مالك بن أنس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب، يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين!! بخ! والله بُنيَّ الخطاب لتتقينَّ الله أو ليعذبنك». رواه مالك في الموطأ، وابن سعد في الطبقات، وأبو داوود في الزهد.

إلهامه وتحديثه
- قال إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: « قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون؛ فإن يكن في أمتي منهم أحد؛ فإنَّ عمر بن الخطاب منهم». رواه البخاري ومسلم واللفظ له، وزاد: قال ابن وهب: (تفسير محدَّثون: ملهمون).
- وقال زكريا بن أبي زائدة، عن سعد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم « لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء؛ فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر». رواه البخاري.
- وقال حيوة بن شريح الحضرمي: حدثنا بكر بن عمرو [المعافري] أن مشرح بن هاعان أخبره أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو كان من بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب)). رواه أحمد.

موافقته لبعض ما في القرآن قبل نزوله
كان عمر من أعلم الصحابة وأفقههم، وأعرفهم بمراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان ملهماً محدّثاً، وموفقاً مسدداً، ربما نزل الوحي بتأييده وتصديق قوله.
- قال حميد الطويل: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت:{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن)، فنزلت هذه الآية). رواه أحمد والبخاري من طرق عن حميد.
- وقال جويرية بن أسماء: أخبرنا عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر: « وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر ». رواه مسلم.
- وقال عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه؛ فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تصلي عليه، وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنما خيرني الله فقال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة}، وسأزيده على السبعين)).
قال: إنه منافق!
قال: فصلَّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا، ولا تقم على قبره}). رواه البخاري، ومسلم.
- وقال الليث بن سعد: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دُعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتُ إليه، فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا: كذا وكذا؟!!
قال: أعدد عليه قوله؛ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أخّر عني يا عمر».
فلما أكثرت عليه قال: «إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها».
قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} إلى قوله {وهم فاسقون}.
قال: (فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم). رواه البخاري.
- وقال عبد العزيز بن محمد الدراوردي: أخبرني سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه )). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في فضائل الصحابة لأبيه، وابن حبان في صحيحه.
- وقال أبو عامر العقدي: حدثنا خارجة بن عبد الله الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عزّ وجلّ جعل الحق على قلب عمر ولسانه)).
وقال ابن عمر: (ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر بن الخطاب إلا نزل القرآن على نحو مما قال عمر). رواه أحمد والترمذي وابن حبان.
- وقال محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف بن الحارث، قال: مررتُ بعمر ومعه نفر من أصحابه، فأدركني رجلٌ منهم؛ فقال: يا فتى! ادع الله لي بخير بارك الله فيك.
قال: قلت: ومن أنت رحمك الله؟
قال: أنا أبو ذر.
قال: قلت: يغفر الله لك! أنت أحق!!
قال: إني سمعت عمر يقول: (نعم الغلام)
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله وضع الحق على لسان عمر يقول به». رواه أحمد بهذا السياق، ورواه ابن أبي شيبة وأبو داوود وابن ماجة ويعقوب بن سفيان مختصراً.
- وقال هارون بن إسحاق الهمداني: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان بن الغاز، ومحمد بن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف، عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل جعل الحق على لسان عمر يقول به)). رواه أبو القاسم البغوي.
- وقال ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن، عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: كانت تحتي امرأة أُحبّها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها؛ فأبيتُ فأتى النبي صلي الله عليه وسلم؛ فذكر ذلك له، فأرسل إليّ، فقال: "يا عبد الله، طلق امرأتَك"، فطلقتُها). رواه أحمد، وأبو داوود الطيالسي، وغيرهما.

شدّته في أمر الله وهيبة الناس له
كان لعمر رضي الله عنه من الشدة في أمر الله تعالى، والقوّة والمهابة ما عرف به واشتهر حتى كانت شياطين الإنس والجن تفرق منه، وكان الناس يهابونه هيبة شديدة.
- قال خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح». رواه أبو داوود الطيالسي، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي في السنن الكبرى.
- وقال يعقوب بن إبراهيم الزهري: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد، أن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أخبره أن أباه سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، قال: «عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب».
قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن!
ثم قال: أي عدوات أنفسهن! أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك». رواه البخاري، ومسلم.
- وقال زيد بن الحباب الكوفي: أخبرني خارجة بن عبد الله قال: أخبرنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فسمعنا لغطا وصوت الصبيان، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: يا عائشة " تعالي فانظري، فجئت فوضعت ذقني على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: «أما شبعت؟» فجعلت أقول: « لا » لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر فارفض الناس عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر».
قالت: «فرجعت». رواه الترمذي والنسائي.
- وقال علي بن الحسين بن واقد: حدثني أبي قال: حدثني عبد الله بن بريدة، قال: سمعت أبي بريدة، يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا». فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف». رواه الترمذي.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن الحسين بن واقد بنحوه.
ورواه أحمد وابن حبان من طريق أبي تميلة يحيى بن واضح عن حسين بن واقد به مختصراً من غير ذكر دخول عمر.
- وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: أخبرني عبيد بن حنين، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما، يحدث أنه قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟
فقال: (تلك حفصة وعائشة).
قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك.
قال: (فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبرتك به). رواه البخاري ومسلم.

فرار الشيطان منه
تقدّم في ذلك أحاديث سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وبريدة بن الحصيب رضي الله عنهم.
- قال زيد بن الحباب: حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني لأحسب الشيطان يفر منك يا عمر)). رواه ابن حبان.

خشيته ووقوفه عند آيات الله
مما عرف عن عمر شدّة خشيته من الله تعالى، ووقوفه عند آياته، وسرعة استجابته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
- قال ابن شهاب الزهري: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر؛ فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراء أصحابَ مجلس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟
قال: سأستأذن لك عليه.
قال ابن عباس: فاستأذنَ لعيينة؛ فلما دخل، قال: "يا ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل"؛ فغضب عمر حتى همَّ بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}، وإنَّ هذا من الجاهلين؛ «فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله». رواه البخاري في صحيحه.

علمه بالقضاء
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوّل قاضٍ للمسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد ولاه أبو بكر القضاء، وولّى أبا عبيدة بن الجراح الفيء، ولما تولى عمر الخلافة كان يقضي في المدينة، ويولّي القضاء في الأمصار؛ فكان القضاة يرفعون إليه ما يشكل عليهم؛ فيقضي فيه.
- قال هشام الدستوائي: أخبرنا عطاء بن السائب قال: لما استُخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتّجر بها؛ فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح؛ فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟
قال: السوق.
قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟
قال: فمن أين أطعم عيالي؟
قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئاً؛ فانطلق معهما ففرضوا له كل يومٍ شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن.
فقال عمر: (إليَّ القضاء).
وقال أبو عبيدة: (وإليَّ الفيء).
قال عمر: (فلقد كان يأتي عليَّ الشهر ما يختصم إليَّ فيه اثنان). رواه ابن سعد في الطبقات.
- وقال عبد الله بن إدريس، عن مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار قال: (لما ولي أبو بكر ولى أبا عبيدة بيت المال وولى عمر القضاء فمكث سنة لا يختصم إليه أحد). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب العلل لأبيه.
- وقال محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن أشعث بن سوار، عن عامر الشعبي، قال: (إذا اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى فيه عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور). رواه ابن سعد.
- وقال أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين قال: سألت عَبيدة عن شيء من الجد، فقال: ما تريد إليه؟! لقد حفظت فيه مِئَة قضية عن عمر.
قلت: كلها عن عمر؟
قال: (كلها عن عمر). رواه ابن سعد.

فراسته
- قال ابن وهب: حدثني عمر، أن سالماً حدَّثه عن عبد الله بن عمر، قال: ما سمعت عمر، لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مرَّ به رجلٌ جميل، فقال: لقد أخطأ ظني أو إنَّ هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل؛ فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيتُ كاليوم استُقبل به رجلٌ مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني.
قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية.
قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟!
قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع؛ فقالت: ألم تر الجنَّ وإبلاسها؟! ويأسها من بعد إنكاسها؟! ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟!
قال عمر: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجلٌ بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخاً قطّ أشدّ صوتاً منه يقول: يا جليح! أمرٌ نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم.
قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله؛ فقمت، فما نشبنا أن قيل: (هذا نبي). رواه البخاري.
وشيخ ابن وهب في هذا الحديث هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، نزيل عسقلان.
- وقال القاسم بن الفضل الحداني: حدثني معاوية بن قرة، عن الحكم بن أبي العاص الثقفي قال: كنت قاعداً مع عمر بن الخطاب، فأتاه رجلٌ فسلّم عليه، فقال له عمر: «بينك وبين أهل نجران قرابة؟ ».
قال الرجل: لا.
قال عمر: « بلى ».
قال الرجل: لا.
قال عمر: « بلى والله، أنشد الله كلَّ رجل من المسلمين يعلم أنَّ بين هذا وبين أهل نجران قرابة لما تكلم ».
فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين! بلى، بينه وبين أهل نجران قرابة من قبل كذا وكذا.
فقال له عمر: « مه، فإنا نقفو الآثار ». رواه ابن سعد.
- وقال مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بن الخطاب بالحديث، فيكذب فيقول: «احبس هذه»، ثم يحدّث بالحديث فيكذب الكذب؛ فيقول: «احبس هذه» ، فيقول الرجل: (كلّ ما حدّثتك به حق إلا ما أمرتني أن أحبسه). رواه أبو بكر الخرائطي في مساوئ الأخلاق.
- قال ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية: (ولله فراسة من هو إمام المتفرسين، وشيخ المتوسمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي لم تكن تخطئ له فراسة، وكان يحكم بين الأمة بالفراسة المؤيدة بالوحي).
- وقال ابن القيم أيضاً في مدارج السالكين: (وكان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقائع فراسته مشهورة؛ فإنه ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع المعروفة).

كراماته
- قال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ عمر بن الخطاب بعث جيشاً وأمَّر عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينا عمر يخطب قال: فجعل يصيح وهو على المنبر يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل.
قال: فقدم رسول الجيش؛ فسأله؛ فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدونا فهزمونا، وإنَّ الصائح ليصيح: يا سارية! الجبل، يا سارية! الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل؛ فهزمهم الله.
فقيل لعمر: (إنك كنت تصيح بذلك). رواه البيهقي في دلائل النبوة، وفي الاعتقاد، وأبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين، وأبو نعيم في دلائل النبوة، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وهذا إسناد جيد، وقد روي في شأن هذه روايات باطلة بأسانيد واهية؛ فلا يلتفت إليها.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-30-2026, 10:36 PM   #23

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)



صفاته وشمائله
- قال حسين بن محمد المرّوذي: حدثنا جرير بن حازم، عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان عمر بن الخطاب رجلاً طويلاً جسيماً، أصلعَ شديد الصلع، أبيضَ شديدَ الحمرة، في عارضيه خفة، سبلته كبيرة، وفي أطرافها صهبة). رواه ابن أبي الدنيا كما تاريخ ابن عساكر، وزاد ابن عساكر في رواية له من غير طريقه: ( وكان إذا حزبه الأمر فَتَلَها).
- وقال معن بن عيسى: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: «كان عمر رضي الله عنه إذا غضب فتل شاربه». رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني.
- وقال إسحاق بن عيسى الطباع: رأيت مالك بن أنس وافر الشارب، لشاربه ذنبتان؛ فسألته عن ذلك؛ فقال:(حدثني زيد بن أسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ؛ فأفتاني بالحديث). رواه أحمد في العلل.
- وقال سفيان بن عيينة، أخبرنا عمرو بن دينار قال: سمعت عبيد بن عمير يقول: (كنتُ إذا رأيتُ عمر في قوم رأيته مشرفاً عليهم يفوقهم بهذه)، وأشار سفيان بيده فوضعها على شاربه. رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.
- وقال معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش قال: خرج أهل المدينة في مشهد لهم؛ فإذا أنا برجلٍ أصلع أعسر أيسر، قد أشرف فوق الناس بذراع، عليه إزار غليظ، وبرد غليظ قطن، وهو متلبب به وهو يقول: (يا أيها الناس هاجروا، ولا تهجروا ولا يحذفن أحدكم الأرنب بعصاة أو بحجر، ثم يأكلها وليذكّ لكم الأسل: الرماح، والنبل).
فقلت: من هذا؟
فقالوا: (عمر بن الخطاب رضي الله عنه). رواه عبد الرزاق.
- وقال شعبة بن الحجاج: سمعت عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: كنت بالمدينة فإذا رجل آدم أعسر أيسر ضخم أجلح مشرف على الناس كأنه على دابة، يعني: عمر بن الخطاب رضي الله عنه). رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني.
- وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمر بن الخطاب أعسر أيسر أصلع آدم، قد فرع الناسَ كأنه على دابة).
قال يعقوب: فذكرت هذه الصفة لبعض ولد عمر، قال: سمعنا مشايخنا يذكرون أنَّ عمر كان أبيضَ، وإنما رآه من رآه في هذه الصفة عام الرمادة، وكان قد أجهد نفسه، وشحب وتغير لونه رحمة الله عليه).
- وقال شعبة، عن سماك، عن عبد الله بن هلال، قال: «رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رجلاً ضخماً كأنه من رجال بني سدوس». رواه ابن أبي عاصم.
- وقال هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: سئل أنس رضي الله عنه عن خضاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكن شابَ إلا يسيراً، ولكن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما خضبا بالحناء والكتم». رواه ابن أبي عاصم.
- وقال علي بن الجعد: أخبرنا شعبة وزهير، عن حميد، عن أنس قال: (كان عمر يخضب بالحناء). رواه أبو القاسم البغوي.
- وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: «كان عمر يخضب بالحناء». رواه ابن سعد.



استفاضة ثناء الصحابة والأمة عليه
- قال صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله! ماذا تقول لربك إذا قدمت عليه غداً وقد استخلفت علينا ابن الخطاب؟
فقال: « أجلسوني، أبالله ترهبوني؟! ».
أقول: « استخلفت عليهم خيرهم ». رواه ابن سعد.
- وقال الليث بن سعد: كتب إليَّ هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال أبو بكر رضي الله عنه يوماً: (والله ما على وجه الأرض رجلٌ أحبُّ إليَّ من عمر).
فلما خرج رجع فقال: كيف حلفتُ أي بنية؟
فقلت له، فقال: (أعزُّ عليَّ، والولدُ أَلْوَط). رواه البخاري في الأدب المفرد.
وألْوَط: أي أَلْصَق بالقلب.
- وقال عبد الملك بن سلع الهمداني، عن عبد خير قال: سمعت علياً يقول: « قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على خير ما قبض عليه نبي من الأنبياء».
قال: ( ثم استخلف أبو بكر فعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسنته، ثم قبض أبو بكر على خير ما قبض عليه أحد، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها، ثم استُخلف عمر فعمل بعملهما وسننهما، ثم قبض على خير ما قبض عليه أحد، وكان خير هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر). رواه ابن أبي شيبة، وعبد الله بن الإمام أحمد في المسند وفي فضائل الصحابة لأبيه، والآجري في الشريعة.
- وقال عاصم، عن زر بن حبيش، عن علي، قال: «ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر». رواه معمر بن راشد.
- وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال علي على المنبر: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر). رواه ابن أبي شيبة، وعبد الله بن الإمام أحمد في فضائل الصحابة لأبيه، والبيهقي في المدخل إلى السنن، وغيرهم.
وروي أيضاً من طرق عن الشعبي عن وهب بن عبد الله السوائي عن عليّ.
- وقال شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: «كنا نتحدث أن السكينة تنزل على لسان عمر». رواه ابن أبي شيبة، والطبراني في المعجم الكبير.
- وقال يزيد بن هارون: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها كانت تقول: (من رأى عمر بن الخطاب عرف أنه خُلق غناءً للإسلام، كان والله أحوذياً، نسيج وحده، قد أعدّ للأمور أقرانها). رواه أحمد في فضائل الصحابة، والطبراني في المعجم الصغير، والبيهقي في السنن الكبرى.
- وقال عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: (إذا ذكر الصالحون فحيَّ هلاً بعمر، إنَّ إسلامه كان نصراً، وإن إمارته كانت فتحاً، وايم الله ما أعلم على الأرض شيئاً إلا وقد وجد فقد عمر حتى العضاه، وايم الله إني لأحسب بين عينيه ملكاً يسدده ويرشده). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، والطبراني في المعجم الكبير.
- وقال سفيان الثوري، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: «ما رأيت عمر رضي الله عنه إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده». رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي في المدخل إلى السنن.
- وقال أبو نعيم الحلبي: حدثنا عبيد الله بن عمرو [الرقي]، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، قال: كنت في حلقة في المسجد فيها أناس من القراء؛ فاختلف رجلان في قراءة آية؛ فبينا هما كذلك إذ دخل عبد الله بن مسعود من أبواب كندة؛ فقاما إليه يسألانه عنها، وقمت معهما أنظر ما يرجع إليهما.
قال: فاحتبساه في صحن المسجد وهو قائم؛ فقالا: آية اختلفنا في قراءتها؛ فأحببنا أن نعلم موضعها.
فقال لأحدهما: اقرأه؛ فلما قرأ قال: (من أقرأكها؟).
قال: أقرأنيها معقل بن مقرن المزني.
ثم قال للآخر: اقرأه؛ فلما قرأ قال: (من أقرأكها؟)
قال: أقرأنيها عمر بن الخطاب.
فلما ذكر عمر بكى حتى نشج، وحتى رأيت في الحصا من دموعه أثراً، ثم قال: (إنَّ عمر كان أعلمنا بالله، وأفقهنا في دين الله، وأقرأنا لكتاب الله؛ فاقرأها كما أقرأكها عمر؛ فوالله لهي أبين من طريق السيلحين، وبالله ما من أهل بيت لم يدخل عليهم حزن عمر يوم أصيب إلا أهل بيت سوء، إنَّ عمر كان حصناً حصيناً يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه). رواه ابن عساكر.
وقد رويت هذه الحكاية مختصرة ومبسوطة من طرق عن عبد الملك بن عمير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى قوله: (لهي أبين من طريق السيلحين) قال: (يعني أنَّ هذا أمر بيّن يعرفه الناس).
والسَّيْلَحُون موضع بين الكوفة والقادسية، له طريق بيّن يعرفه أهل الكوفة، وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه بالكوفة.
- وقال سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة يقول: « ما كان الإسلام في زمان عمر إلا كالرجل المقبل ما يزداد إلا قرباً، فلما قتل عمر كان كالرجل المدبر ما يزداد إلا بعداً ». رواه ابن سعد، وابن أبي شيبة، والحاكم.
- وقال حسين بن علي الجعفي، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن زيد بن وهب، قال: قال عبد الله بن مسعود: (ما أظنُّ أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن عمر يوم أصيب عمر إلا أهل بيت سوء، إنَّ عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله). رواه ابن أبي شيبة.
- وقال حميد الطويل: قال أنس بن مالك: لما أصيب عمر بن الخطاب قال أبو طلحة: « ما من أهل بيت من العرب حاضر ولا باد إلا قد دخل عليهم بقتل عمر نقص». رواه ابن سعد، وابن أبي شيبة.
- وقال سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قالت أم أيمن لما قتل عمر: « اليوم وَهَى الإسلام». رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسحاق بن راهويه في المسند، وابن الأعرابي في معجمه، والطبراني في المعجم الكبير، وغيرهم.
- وقال عبد الله بن وهب: حدثني عمر بن محمد أن زيد بن أسلم، حدثه عن أبيه، قال: سألني ابن عمر عن بعض شأنه - يعني عمر -، فأخبرته فقال: «ما رأيت أحداً قطّ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض كان أجدّ وأجودَ حتى انتهى من عمر بن الخطاب». رواه البخاري.
- وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟
قال: «وماذا أعددت لها».
قال: (لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم).
فقال: «أنت مع من أحببت».
قال أنس: فما فرحنا بشيء، فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت».
قال أنس: «فأنا أحبّ النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم». رواه البخاري.
- وقال أيوب السختياني، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة، قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس وكأنه يجزّعه: يا أمير المؤمنين! ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون.
قال: «أما ما ذكرت من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه، فإنما ذاك من من الله تعالى منَّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذاك من من الله جل ذكره منَّ به علي، وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديتُ به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه». رواه البخاري.
- وقال غسان بن الربيع: حدثنا ثابت بن يزيد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي عن ابن عباس أنه دخل على عمر حين طعن، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض، ولم يختلف في خلافتك رجلان، وقتلت شهيداً؛ فقال: أعد، فأعاد.
فقال: (المغرور من غررتموه، لو أنَّ لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع). رواه ابن حبان، والبيهقي في شعب الإيمان.
ورواه الحاكم في المستدرك من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن داوود بن أبي هند به.
واختلف على داوود فيه؛ فرواه أبو معاوية الضرير وابن أبي عدي وعلي بن عاصم عن داوود عن الشعبي مرسلاً.
ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب المتمنين من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي مرسلاً بنحوه.
- وقال المعتمر بن سليمان: قال أبي: قال أبو عثمان: (إنما كان عمر ميزاناً، لا يقول كذا ولا يقول كذا). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في فضائل الصحابة لأبيه.
- وقال حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: «ما أظنّ رجلاً ينتقص أبا بكر وعمر يحبّ النبي صلى الله عليه وسلم». رواه الترمذي.
- وقال الحسن بن صالح بن حي: سمعت جعفر بن محمد الصادق يقول: (أنا برئ ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير). رواه ابن عساكر.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-30-2026, 10:39 PM   #24

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سِيَر أعلام المفسّرين
من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين

عبد العزيز الداخل





2: أبو حفص عمر بن الخطاب بن نُفيل العدوي القرشي (ت:23هـ)


وفاته
شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالشهادة
- قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله، قال: «اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيدان». رواه البخاري.
- وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثوبا أبيض، فقال: ((أجديد قميصك أم غسيل؟)).
فقال: بل جديد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً)). رواه أحمد، وابن ماجه، والنسائي في السنن الكبرى.

سؤاله الشهادة
- قال حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت أباها يقول: ( اللهم ارزقني قتلا في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك).
قالت: قلت: وأنى ذلك؟
قال: (إن الله يأتي بأمره أنى شاء). رواه ابن سعد في الطبقات، وابن شبة في تاريخ المدينة.
- وقال مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب كان يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، ووفاة ببلدة رسولك». رواه ابن سعد، وهو مرسل.

رؤياه قبل استشهاده
- قال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة؛ فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر قال: (إني رأيتُ كأنَّ ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإنَّ أقواماً يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإنْ عجل بي أمر؛ فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ). رواه مسلم.
- قال ابن أبي عاصم: (خطب يوم الجمعة، وأصيب يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة).
- وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح. ثم كوم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء فقال: (اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط).
ثم قدم المدينة فخطب الناس، فقال: (أيها الناس. قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يميناً وشمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله؛ فقد رجم رسول الله ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها: [الشيخ والشيخة فارجموهما البتة] فإنا قد قرأناها).
رواه مالك في الموطأ، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة،
قال مالك: قال يحيى بن سعيد: قال سعيد بن المسيب: (فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رحمه الله).

ما رؤي فيه قبل استشهاده
- قال حماد بن سلمة: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (رأيت كأني أخذت جواداً كثيرة فجعلت تضمحل حتى بقيت جادة واحدة، فسلكتها حتى انتهت إلى جبل؛ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه، وإلى جنبه أبو بكر رضي الله عنه، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى عمر رضي الله عنه).
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! مات والله أمير المؤمنين.
فقلت: ألا تكتب بهذا إليه؟
فقال: (ما كنت لأنعي له نفسه). رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة.

خبر استشهاده
- قال أبو عوانة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: (كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟).
قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل.
قال: (انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق).
قال: قالا: لا.
فقال عمر: (لئن سلَّمني الله، لأدعنَّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً).
قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب.
قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مرَّ بين الصفين قال: (استووا)، حتى إذا لم يرَ فيهنَّ خللاً تقدَّم فكبَّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس؛ فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني - أو أكلني - الكلب، حين طعنه فطار العلج بسكّين ذات طرفين لا يمرّ على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجلٍ من المسلمين طرح عليه برنساً؛ فلما ظنَّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه، فمن يلي عمر؛ فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة؛ فلما انصرفوا قال: (يا ابن عباس! انظر من قتلني).
فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة.
قال: الصنع؟
قال: نعم.
قال: (قاتله الله، لقد أمرتُ به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة).
وكان العباس أكثرهم رقيقاً.
فقال: إن شئت فعلت، أي: إن شئت قتلنا.
قال: (كذبت، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم).
فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأنَّ الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتيَ بلبن فشربه فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت؛ فدخلنا عليه، وجاء الناس؛ فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجل شابّ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: (وددت أن ذلك كفاف لا عليَّ ولا لي).
فلما أدبر إذا إزاره يمسّ الأرض؛ قال: ردّوا عليَّ الغلام، قال: (يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربّك، يا عبد الله بن عمر! انظر ما عليَّ من الدَّين).
فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه.
قال: (إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسلْ في بني عدي بن كعب، فإن لم تفِ أموالهم فسلْ في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم؛ فأدّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين؛ فإني لستُ اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه؛ فسلَّم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي؛ فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه؛ فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنَّ به اليوم على نفسي؛ فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: (ارفعوني).
فأسنده رجل إليه، فقال: (ما لديك؟)
قال: الذي تحبّ يا أمير المؤمنين! أذنت، قال: (الحمد لله، ما كان من شيء أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحملوني، ثم سلّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردَّتني ردّوني إلى مقابر المسلمين).
وجاءت أمّ المؤمنين حفصة والنساء تسير معها؛ فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجَتَ داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين! استخلف.
قال: (ما أجد أحداً أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ).
فسمَّى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن.
وقال: (يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعنْ به أيُّكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة).
وقال: (أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً {الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} أن يُقبل من محسنهم وأن يُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً؛ فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يُؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً؛ فإنهم أصل العرب، ومادّة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويردّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم).
فلما قبض خرجنا به؛ فانطلقنا نمشي؛ فسلَّم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه؛ فأُدْخِل، فوضع هنالك مع صاحبيه). رواه البخاري.
- وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون قال: صليت يوم قتل عمر الصبح؛ فما منعني أن أقوم مع الصف الأول إلا هيبة عمر قال: (فماج الناس؛ فقدموا عبد الرحمن بن عوف؛ فقرأ {إذا جاء نصر الله والفتح}، و{إنا أعطيناك الكوثر}). رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
- وقال وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون قال: كنت أدع الصف الأول هيبة لعمر، وكنت في الصف الثاني يوم أصيب؛ فجاء فقال: (الصلاةَ عبادَ الله! استووا).
قال: فصلَّى بنا؛ فطعنه أبو لؤلؤة طعنتين أو ثلاثاً.
قال: وعلى عمر ثوب أصفر.
قال: فجعله على صدره، ثم أهوى وهو يقول: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}؛ ومال على الناس فقتل وجرح بضعة عشر؛ فمال الناس عليه فاتكأ على خنجره فقتل نفسه). رواه ابن سعد، وابن أبي شيبة.
- وقال الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون قال: (رأيت عمر لما طعن عليه ملحفة صفراء قد وضعها على جرحه وهو يقول: «كان أمر الله قدراً مقدوراً». رواه ابن سعد.
- وقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: (لما طعن عمر ماج الناس بعضهم في بعض حتى كادت الشمس أن تطلع؛ فنادى منادٍ: الصلاة؛ فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلَّى بهم؛ فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: {إنا أعطيناك الكوثر}، و{إذا جاء نصر الله}؛ فلما أصبح دخل عليه الطبيب وجرحه يسيل دماً؛ فقال: أي الشراب أحب إليك؟
قال: النبيذ؛ فدعا بنبيذ؛ فشربه؛ فخرج من جرحه؛ فقال له الطبيب: (أوصه فإني لا أظنك إلا ميتاً من يومك أو من غد). رواه ابن أبي شيبة.
- وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة قال: دخلت أنا وابن عباس على عمر بعدما طُعن وقد أغمي عليه؛ فقلنا: لا ينتبه لشيء أفزع له من الصلاة؛ فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! فانتبه وقال: « ولا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة؛ فصلى وجرحه ليثعب دماً». رواه ابن أبي شيبة.

وصاياه عند موته
- وقال وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي أن عمر بن الخطاب لما حُضر قال: (ادعوا لي علياً، وطلحة، والزبير، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً).
قال: فلم يكلم أحداً منهم إلا علياً وعثمان؛ فقال: (يا علي! لعلَّ هؤلاء القوم يعرفون قرابتك وما آتاك الله من العلم والفقه، واتق الله، وإن وليت هذا الأمر؛ فلا ترفعنَّ بني فلان على رقاب الناس).
وقال لعثمان: (يا عثمان! إنَّ هؤلاء القوم لعلهم يعرفون لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنَّك وشرفك؛ فإن أنت وليت هذا الأمر فاتق الله، ولا ترفع بني فلان على رقاب الناس).
فقال: (ادعوا لي صهيباً).
فقال: (صلّ بالناس ثلاثاً، وليجتمع هؤلاء الرهط فليخلوا؛ فإن أجمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم). رواه ابن أبي شيبة.
وروى ابن سعد من طريق الواقدي قال: حدثني محمد بن موسى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي طلحة الأنصاري قبيل أن يموت بساعة، فقال: « يا أبا طلحة! كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى، فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهم، فقم على ذلك الباب بأصحابك، فلا تترك أحداً يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم».
- قال جرير بن عبد الحميد: حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: (يا عبد الله بن عمر! اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقل: يقرأ عمر بن الخطاب عليك السلام، ثم سلها أن أُدفن مع صاحبيَّ).
قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي.
فلما أقبل، قال: له ما لديك؟
قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين.
قال: (ما كان شيء أهمّ إليَّ من ذلك المضجع؛ فإذا قُبضت فاحملوني، ثم سلموا، ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب؛ فإن أذنت لي فادفنوني، وإلا فردّوني إلى مقابر المسلمين، إني لا أعلم أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة؛ فاسمعوا له وأطيعوا).
فسمّى عثمان، وعلياً، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وولج عليه شابّ من الأنصار، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله، فقال: ليتني يا ابن أخي وذلك كفافاً لا عليَّ ولا لي، أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيراً، أن يُعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوَّأوا الدار والإيمان أن يُقبل من محسنهم، ويُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم). رواه البخاري في صحيحه.
- وقال علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم؛ ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: « لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا قدم عمر رضي الله عنه». رواه البخاري.

احتضاره
مكث عمر بجراحته ثلاثة أيام كان الناس يعودونه فيها، ويدعون له بخير، ويثنون عليه، وهو يوصيهم، ويرشدهم، على ما به من أثر الطعن، ولذلك كثرت الآثار في شأن وفاته.
- قال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، قال: قال عثمان بن عفان: (أنا آخركم عهداً بعمر، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر، فقال له: ضع خدي بالأرض، فقال: هل فخذي والأرض إلا سواء؟
قال: ضعْ خدي بالأرض لا أمَّ لك في الثانية أو الثالثة، ثم شبَّك بين رجليه فسمعته يقول: (ويلي وويل لأمّي إنْ لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه). رواه أبو داوود في الزهد.
- وقال محمد بن عمر بن علي المقدمي: حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رأس عمر في حجري، فقال: يا عبد الله! ضع رأسي بالأرض.
قال: فجمعت ردائي فوضعته تحت رأسه؛ فقال: (ضع رأسي بالأرض لا أمَّ لك).
ثم قال: (ويل عمر! وويل أمّه! إن لم يغفر الله له). رواه أبو داوود في الزهد.

تاريخ استشهاده
- قال قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة في حديثه قال: (أصيب عمر رضى الله عنه يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة). رواه البخاري في التاريخ الكبير، وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة. .
- وقال أبو نعيم: (مات سنة ثلاث وعشرين).
- وقال خليفة بن خياط: (استشهد بالمدينة في آخر سنة ثلاث وعشرين في ذي الحجة).

سنّه عند وفاته
- قال حكّام بن سلم الرازي: حدثنا عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك، قال: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين». رواه مسلم.
- وقال عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي: حدثنا سلام أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة قال: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين».
قال: فقال رجلٌ من القوم يقال له عامر بن سعد: حدثنا جرير، قال: كنا قعوداً عند معاوية فذكروا سني رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال معاوية: «قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، ومات أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين». رواه مسلم.
- وقال شعبة: سمعت عامر بن سعد [البجلي]، يقول: سمعت جرير بن عبد الله، يقول: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول وهو يخطب: ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي عمر وهو ابن ثلاث وستين).
قال معاوية:(وأنا اليوم في ثلاث وستين). رواه أحمد، وأبو داوود الطيالسي.
- وقال عبد العزيز الدراوردي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: (قتل عمر وهو ابن خمسٍ وخمسين). رواه البخاري في التاريخ الكبير.
- وقال أبو سعيد الأشج: سمعت أبا أسامة يقول: قال عبيد الله عن نافع قال: (قتل عمر وله سبع وخمسون). رواه أبو القاسم البغوي.

غسله وتكفينه
- وقال أحمد بن منصور المروزي: سمعت يحيى بن بكير يقول: (ولي غسل عمر ابنه عبد الله بن عمر، وكفنه في خمسة أثواب). رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة.
- وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر أن (عمر غُسِّل وكُفِّنَ وصُلِّيَ عليه، وكان شهيداً). رواه أبو القاسم البغوي.









التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* لماذا لا يعاقب الله الكافرين والظالمين فورًا؟
* من أقوال السلف في أسماء الله الحسنى: الحليم
* شرح النووي لحديث السبعة الذين يظلهم الله
* فضائل وميزات لغة القرآن
* الوحدة البنائية في القرآن الكريم
* الحَجّ والذِّكْر
* كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أعلام, من, المفسّرين, الصحابة, سِيَر, والتابعين
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من أعمال ‎رمضان ‏ ابو الوليد المسلم قسم المناسبات الدينية 1 01-19-2026 04:55 PM
صفحات مضيئة من سِيَر المحدِّثات من النساء ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 1 01-03-2026 12:23 AM
أعلام من السلف ام هُمام قسم التراجم والأعلام 31 04-16-2024 04:55 AM
أعمال اليهود أبو ريم ورحمة ملتقى التاريخ الإسلامي 1 04-13-2019 04:38 AM
برنامج أعمال القلوب حفيد السلف الصالح ملتقى الكتب الإسلامية 3 11-22-2011 06:00 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009