عن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفَت عليه قلوبُكم، فإذا اختلفتم؛ فقوموا عنه»؛ رواه البخاري برقم (5061)، ومسلم (6949).
قال الإمام النووي: في «شرح مسلم» (9/22): والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمولٌ عند العلماء على اختلاف لا يجوز، أو اختلاف يُوقِع فيما لا يجوز، كاختلافٍ في نفس القرآن، أو في معنى منه لا يُسوَّغ فيه الاجتهادُ، أو اختلاف يُوقِع في شكٍّ أو شبهة، أو فتنة وخصومة، أو شجار، ونحو ذلك.
وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه، ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق، واختلافهم في ذلك - فليس منهيًّا عنه، بل هو مأمورٌ به، وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا مِن عهد الصحابة إلى الآن، والله أعلم؛ اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» (9/101): قوله: «فإذا اختلفتُم»؛ أي: في فَهْم معانيه؛ «فقوموا عنه»؛ أي: تفرَّقوا؛ لئلا يتمادى بكم الاختلافُ إلى الشر.
قال عياض: يحتمل أن يكون النهي خاصًّا زمنه صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يكون ذلك سببًا لنزول ما يَسوؤهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة:101].
ويحتمل: أن يكون المعنى اقرؤوا والزَموا الائتلافَ على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرَض عارضُ شُبهةٍ يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاترُكوا القراءة، وتمسَّكوا بالمُحكم الموجِب للألفة، واعرِضوا عن المتشابِه المؤدي إلى الفُرقة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه منه، فاحذَروهم»[1].
ويحتمل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء، بأن يتفرَّقوا عند الاختلاف، ويستمر كلٌّ منهم على قراءته، ومثله: ما تقدَّم عن ابن مسعود رضي الله عنه لَما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كلُّكم مُحسن»، وبهذه النكتة تَظهر الحكمة في ذكر البخاري حديثَ ابن مسعود عقيب حديث جُندب رضي الله عنه؛ اهـ.
وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: كنت في المسجد، فدخل رجلٌ يصلي، فقرأ قراءة أنكرتُها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضَينا الصلاة، دخلنا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكَرتها عليه، ودخل آخر، فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمَرهما فقَرَأَا، فحسَّن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، قال: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ سَقَطَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فضرَب في صدري فَفِضْتُ عرقًا، وكأنما أنظُر إلى الله فَرَقًا، فقال: لي: «يا أُبي أُرسل إليََّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددتُ إليه أن هوِّن على أمتي، فرد إليََّ الثانية اقرَأه على حرفين، فرددت إليه أن هوَّن على أمتي، فرد إليَّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف»؛ رواه مسلم برقم (1914).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: هَجَّرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الغضب، فقال: «إنما هلَك مَن كان قبلكم باختلافهم في الكتاب»؛ رواه مسلم برقم (6947).
[1] رواه البخاري برقم (4547), ومسلم (2665), عن عائشة رضي الله عنها.