![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
{ بسم الله الرحمن الرحيم } الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فللمعاصي التي يرتكبها الإنسان بجوارحه أثرها العظيم على بدنه, ونفسه, وقلبه, قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن للسيئة لظلمة في القلب, وسواداً في الوجه, ووهناً في البدن, ونقصاً في الرزق, وبغضاً في قلوب الخلق. وقال الحسن رحمه الله : إن العبد المؤمن ليعمل الذنب فلا يزال به كئيباً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المعاصي سبب المصائب, وقال: العمل السيئ مثل الكذب – مثلاً- يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب, وقسوة, وضيق في صدره, ونفاق, واضطراب, ونسيان ما تعلمه, وانسداد باب علم كان يطلبه, ونقص في يقينه, وعقله, واسوداد وجهه, وبغضه في قلوب الخلق, واجترائه على ذنب آخر من جنسه, أو من غير جنسه, وهلم جراً, إلا أن يتداركه الله برحمته. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: الذنوب والمعاصي تضر, ولا شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان. وآثار الذنوب والمعاصي كثيرة جداً, وقد ذكرها وفصلها العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم النافع " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي " والموفق من استشعر خطورة الذنوب فسارع بالتوبة منها فسلم من أضرارها في الدنيا, وآثامها في الآخرة. المعاصي القلبية: عندما تذكر المعاصي لا يدور في خلد الكثيرين إلا المعاصي الجسدية, ويغفلون عن ما هو أشدّ منها, وهي المعاصي القلبية, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: واعلم أن كثيراً من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب: الزنا والسرقة ونحو ذلك...لكن الذنوب تتنوع, وهي كثيرة الشعب, كالتي من باب الضلال في الإيمان, والبدع التي هي من جنس العلو في الأرض بالفساد, والفخر, والخيلاء, والحسد, والكبر, والرياء. حكم المعاصي القلبية: المعاصي القلبية: منها كفر, ومنها معاصي: كبائر, وصغائر, يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: والمحرمات التي عليه – يعني القلب - ..نوعان: كفر ومعصية, فالكفر: كالشك والنفاق, والشرك, وتوابعها, والمعصية نوعان: كبائر, وصغائر... فالكبائر: كالرياء, والعجب, والكبر, والفخر, والخيلاء, والقنوط من رحمة الله, واليأس من روح الله, والأمن من مكر الله, والفرح والسرور بأذى المسلمين, والشماتة بمصيبتهم, ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم, وحسدهم على آتاهم الله من فضله, وتمنى زوال ذلك عنهم, وتوابع هذه الأمور..ومن الصغائر: شهوة المحرمات وتمنيها. الغفلة عن المعاصي القلبية: غفلة بعض الناس عن المعاصي القلبية, جعلتهم يتهاونون في ارتكابها يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: فواجبات القلوب أشد وجوباً من واجبان الآبدان, وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس, بل من الفضائل والمستحبات, فتراه...يتحرج من فعل أدنى المحرمات, وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشدّ تحريماً وأعظم إثماً. خطورة المعاصي القلبية: الكبائر إما أن تكون ظاهرة وهي التي تكون بالجسد وإما أن تكون باطنة وهي التي تفعل بالقلب, وقد قدمها الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " على الكبائر الظاهرة, معللاً ذلك بقوله: الباب الأول: في الكبائر الباطنة وما يتبعها وقدمتها لأنها أخطر ومرتكبها أذل العصاة وأحقر, ولأن معظمها أعم وقوعاً, وأسهل ارتكاباً, وأمرّ ينبوعاً, فقلّما ينفك إنسان عن بعضها....ولقد قال بعض الأئمة: كبائر القلوب أعظم من كبائر الجوارح لأنها كلها توجب الفسق والظلم, وتزيد كبائر القلوب بأنها تأكل الحسنات, وتوالي شدائد العقوبات. ويقول العلامة ابن القيم رحمه الله: والمحرمات التي عليه – يعني القلب - ...أشد تحريماً من الزنا, وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة. آثار المعاصي القلبية: إن للمعاصي القلبية آثاراً عظيمة, منها: أنها تمرض القلب, وهذا المرض يفسد به تصوره للحق وإرادته له, فلا يرى الحق حقاً, أو يراه على خلاف ما هو عليه, أو ينقص إدراكه له, وتفسد به إرادته له, فيبغض الحق النافع, أو يحب الباطل الضار, أو يجتمعان له وهو الغالب, ذكر ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله. ومنها: أنها قد تكون سبباً في سوء الخاتمة, يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنه لا يطلع عليها الناس. ومنها: أنها من أسباب الوقوع في الأمراض والأزمات النفسية, فما يعانيه كثير من الناس اليوم من قلق والآلام نفسيه من أهم أسبابها الوقوع في المعاصي القلبية ومنها: أنها من أسباب حرمان حلاوة الإيمان, ولذة الطاعة. الوقاية من المعاصي القلبية: من رام أن يتجنب الوقوع في المعاصي القلبية, فعليه أن يعمر قلبه بالطاعات القلبية, كمحبة الله ورسوله علية الصلاة والسلام, والإخلاص, والتوكل, والخوف, والرجاء, والصبر, والرضا, والشكر, والصدق, والحياء, والإنابة, ونحوها, فهي سد منيع يحجر من امتلأ قلبه منها من الوقوع في المعاصي القلبية, وإن مما يعين المسلم على ذلك بعد توفيق له أمور, منها: * قراءة القرآن الكريم بتدبر: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: فلا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه...الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وقال العلامة السعدي رحمه الله: تدبر القرآن يزيد في علوم الإيمان وشواهده, ويقوي الإرادة القلبية, ويحث على أعمال القلوب من التوكل والإخلاص والتعلق بالله الذي هو أصل الإيمان. * دوام ذكر الله عز وجل: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: من أراد محبة الله عز وجل فليهج بذكره. * طلب العلم الشرعي: قال الله عز وجل:{ {إنما يخشى الله من عباده العلماء} } [فاطر:28] وهذا حصر لخشيته في أولي العلم, فمن طلب العلم ونيته الانتفاع به, وتزكية نفسه, أورثه العلم الخشية والتعظيم لله. * القراءة في سيرة أصحاب القلوب الربانية: في مقدمتهم نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم, وأصحابه, وسلف هذه الأمة وصالحيها. * الدعاء والتضرع بصلاح القلب وزكاته: فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( «اللهم إني أسالك قلباً سليماً » ) [أخرجه أحمد والترمذي] ومن وقع في معاصي قلبية فينبغي له المبادرة بالتوبة منها, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكثير من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها, أو بعض الظلم باللسان أو اليد, وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: وأكثر المتنزهين عن الكبائر الحسية...في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها, ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها. ويقول العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يجب على الإنسان أن يطهر قلبه تطهيراً كاملاً من كل زغل وخبث, وأن يعني بطهارة قلبه أكثر مما يعتني بطهارة بدنه, لأن طهارة القلب عليها المدار, وبها تكون طهارة الأعمال الظاهرة. والكلام عن المعاصي القلبية لا يعني التهوين أبداً من المعاصي الجسدية, فلا بد من مجاهدة النفس في اجتناب المعاصي القلبية والجسدية معاً, وسرعة التوبة منها في حال الوقوع في شيء منها, حفظنا الله وجميع إخواننا المسلمين من الوقوع في المعاصي القلبية والجسدية. كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ طريق الاسلام اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
بارك الله فيك ...
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 | |
|
مشرفة ملتقى الأسرة المسلمة
![]() ![]() ![]() ![]() |
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاكم الله خيرا |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#4 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال والطاعات في هذه الأيام المباركة.
|
|
|
|
|
|
|
#5 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
بعض عقوبات المعاصي فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز وصول بعضها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها ، وأنا أسوق إليك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه . الختم على القلب ذكرالإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال : القلوب أربعة : فقلب أجرد فيه سراج يزهر : فذلك قلب المؤمن ، وقلب أغلف : فذلك قلب الكافر ، وقلب منكوس : فذلك قلب المنافق ، وقلب تمده مادتان : مادة إيمان ومادة نفاق ، وهو لما غلب عليه منهما . ومنها : التثبيط عن الطاعة ، والإقعاد عنها . ومنها : جعل القلب أصم لا يسمع الحق ، أبكم لا ينطق به ، أعمى لا يراه ، فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره ، كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات ، وعين الأعمى والألوان ، ولسان الأخرس والكلام ، وبهذا يعلم أن العمى والصمم والبكم للقلب بالذات : الحقيقة ، وللجوارح بالعرض والتبعية فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ سورة الحج : 46 ] . خسف القلب ومنها : الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه ، فيخسف به إلى أسفل السافلين وصاحبه لا يشعر ، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل ، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول العرش . قال بعض السلف : إن هذه القلوب جوالة ، فمنها ما يجول حول العرش ، ومنها ما يجول حول الحش . مسخ القلب ومنها : مسخ القلب ، فيمسخ كما تمسخ الصورة ، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته ، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك ، وهذا تأويل سفيان بن عيينةفي قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [ سورة الأنعام : 38 ] . فسبحان الله ! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر ؟ وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به ؟ وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه ؟ ومستدرج بنعم الله عليه ؟ وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة . ومنها : مكر الله بالماكر ، ومخادعته للمخادع ، واستهزاؤه بالمستهزئ ، وإزاغته للقلب الزائغ عن الحق . نكس القلب ومنها : نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا ، والمعروف منكرا والمنكر معروفا ، ويفسد ويرى أنه يصلح ، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها ، ويشتري الضلالة بالهدى ، وهو يرى أنه على الهدى ، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه ؟ وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب . حجب القلب عن الرب ومنها : حجاب القلب عن الرب في الدنيا ، والحجاب الأكبر يوم القيامة ، كما قال تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ سورة المطففين : 14 - 15 ] . ومنها : المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ ، والعذاب في الآخرة ، قال تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [ سورة طه : 124 ] . قال حاكيا عنه أنه قال : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ سورة الشعراء : 88 - 89 ] . والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة ، فسلم من كل آفة تبعده عن الله ، وسلم من كل شبهة تعارض خبره ، ومن [ ص: 122 ] كل شهوة تعارض أمره ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده ، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله ، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا ، وفي جنة في البرزخ ، وفي جنة يوم المعاد . سلامة القلب ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء : من شرك يناقض التوحيد ، وبدعة تخالف السنة ، وشهوة تخالف الأمر ، وغفلة تناقض الذكر ، وهوى يناقض التجريد والإخلاص . وهذه الخمسة حجب عن الله ، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة ، تتضمن أفرادا لا تنحصر . الصراط المستقيم ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته ، إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم ، فليس شيء أحوج منه إلى هذه الدعوة ، وليس شيء أنفع له منها . فإن الصراط المستقيم يتضمن : علوما ، وإرادة ، وأعمالا ، وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت ، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها ، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه ، وما يعلمه قد يقدر عليه ، وقد لا يقدر عليه ، وهو الصراط المستقيم وإن عجز عنه ، وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده كسلا وتهاونا ، أو لقيام مانع وغير ذلك ، وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله ، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم ، وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم ، وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه ، وهذا كله واقع سار في الخلق ، فمستقل ومستكثر . وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك ، بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله ، وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم ، فأعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم ، والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره ، ونهيه وأمره ، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته ، وجعله الهداية حيث تصلح ، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته ، لعدم صلاحية المحل ، وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه ، فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إليه ، فهو على صراط مستقيم . ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا ، وهدى [ ص: 123 ] من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا ، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه ، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته ، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا ، وأقام عليه من أقامه عليه في الدنيا ، نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر ، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه ، وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه ، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا . وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه ، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم على قدر قوة سيرهم وسرعتهم في الدنيا ، ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا ، وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه هاهنا . فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين ، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين ، تعلم حينئذ علما يقينا لا شك فيه : أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها ، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما ، وبالله التوفيق . فمن أعظم عقوبات الذنوب - الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة . الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء» فصل بعض عقوبات المعاصي |
|
|
|
|
|
|
#6 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
آثار الذنوب
الْحَمدُ للهِ.. أيُّها المؤمنونَ. أمَّا بعدُ: فإنَّ للطَّاعةِ مِنَ البركةِ ما يَبْقَى حتى بعدَ موتِ صاحِبِها. قَالَ سبحانَهُ: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9]. وفي قصةِ موسى معَ الخَضِرِ: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [الكهف: 82]. وإنَّ للمعصيةِ ضررًا وشؤمًا يلحقُ صاحبَها ولو بَعدَ الموتِ، كما قَالَ سبحانَهُ عنْ آلِ فرعونَ: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46]. وقَالَ تعالى عنْ بني إسرائيلَ: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف: 166، 167]. قَالَ ابنُ القيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَلْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ شَرٌّ وَدَاءٌ إِلاَّ سَبَبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي؟ ما الذي أخرجَ الأبوينِ مِنَ الجنّةِ دارِ النَّعيمِ والبهجَةِ والسرورِ، إلى دارِ الآلامِ والأحزانِ والمصائبِ؟. وما الذي أخرجَ إبليسَ مِنْ ملكوتِ السماءِ وطردَه ولَعَنَه، ومسخَ ظاهرَه وباطنَه فَجَعَلَ صورتَهُ أقبحَ صورةٍ وأشنَعَها، وباطِنَه أقبحَ مِنْ صورتِه وأشْنَعَ، وبُدِّلَ بالقربِ بُعدًا وبالرحمةِ لَعْنَةً، وبالجمالِ قُبْحًا، وبالجَنَّةِ نارًا تلظى، وبالإيمانِ كُفرا، وبِموالاةِ الوليِّ الحميدِ أعظمَ عداوةٍ ومُشاقّةٍ، وبِزَجَلِ التسبيحِ والتقديسِ والتهليلِ زَجَلَ الكفرِ والشِّركِ والكَذِبِ والزورِ والفُحْشِ، وبلباسِ الإيمانِ لباسَ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، فهانَ على اللهِ غايةَ الهوانِ، وسَقَطَ مِنْ عينِهِ غايةَ السقوطِ، وحَلَّ عليه غضبُ الربِّ تعالى فأهْواهُ، ومَقَتَهُ أكبرَ المقتِ فأرْدَاهُ، فَصَارَ قَوّادًا لكُلِّ فاسقٍ ومُجرمٍ. رَضِيَ لنَفْسِهِ بِالقيادةِ بَعْدَ تِلْكَ العِبادةِ والسِّيادةِ! فَعِيَاذًا بِكَ اللهمَّ مِنْ مخالفةِ أمرِك، وارتكابِ نهيِك. وما الذي أغرقَ أهلَ الأرضِ كلَّهُم حتى علا الماءُ فوقَ رؤوسِ الجبالِ؟ وما الذي سَلَّطَ الريحَ على قومِ عادٍ حتى ألقتْهُم مَوتى على وجهِ الأرضِ كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ. ودَمَّرَتْ ما مَرَّ عليه مِنْ ديارِهم وحرثِهم وزروعِهم ودوابِّهم، حتى صاروا عبرةً للأممِ إلى يومِ القيامةِ؟ وما الذي أرْسَلَ على قومِ ثمودَ الصيحةَ حتى قَطّعَتْ قلوبَهم في أجوافِهم، وماتوا عَنْ آخِرِهِم؟ وَمَا الذي رَفعَ قُرى اللوطيةِ حتى سَمِعَتْ الملائكةُ نبيحَ كلابِهم، ثُمَّ قَلَبَهَا عَليهِم فَجَعَلَ عاليَها سافِلَها فَأهَلَكَم جميعا، ثم أتْبَعَهُم حجارةً مِنَ السماءِ أمطرَها عليهم، فَجَمَعَ عليهم مِنَ العُقوبةِ ما لم يَجْمَعْهُ على أُمّةٍ غيرِهم؟ ولإخوانِهِم أمثالُها، وما هيَ مِنَ الظالمينَ ببعيد. وما الذي أرسلَ على قومِ شُعيبٍ سحابَ العذابِ كالظُّلَلِ فلما صَارَ فوقَ رؤوسِهِم أمْطرَ عَليهِم نارًا تلظى؟ وما الذي أغْرقَ فِرعونَ وقومَه في البحْرِ، ثم نَقَلَ أرواحَهم إلى جهنمَ؛ فالأجسادُ للغرقِ، والأرواحُ للحَرَقِ؟ ومَا الذي خَسَفَ بِقارونَ ودارهِ ومالِهِ وأهلِه؟ وما الذي أهلكَ القرونَ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بأنواعِ العقوباتِ ودمَّرها تدميرا؟ وما الذي بعثَ على بني إسرائيلَ قومًا أُولِي بأسٍ شديدٍ فجاسُوا خلالَ الديارِ، وقَتَّلُوا الرِّجَالَ، وسَبَوا الذراريَ والنِّساءَ، وأحرَقُوا الديارَ ونَهَبُوا الأمَوالَ، ثم بَعَثَهُم عَليهِم مرةً ثانيةً فأهْلَكُوا ما قَدَرُوا عليه، وتَبَّرُوا ما عَلَو تتبيرا؟ إنَّها الذنوبُ المهلكاتُ. قَالَ سبحانَهُ: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُ مْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الأنعام: 6]. وقَالَ عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر: 21]. وَصَدَقَ اللهُ: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40]. رَوَى الإمامُ أحمدُ في الزُّهدِ وغيرُه عَنْ جُبيرِ بنِ نُفيْرٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قبرصُ فُـرِّقَ بين أهلِها فبكى بَعضُهم إلى بعضٍ، ورأيتُ أبا الدرداءِ جالسًا وَحْدَه يَبْكي، فَقُلتُ: يا أبا الدرداءِ! ما يُبْكِيكَ في يومٍ أعزَّ اللهُ فيه الإسلامَ وأهلَه؟ قَالَ: ويحَك يا جبيرُ؛ ما أهْونَ الخلقَ على اللهِ إذا أضاعوا أمرَه. بينا هِيَ أمةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ لَهُمُ الملكُ، تركوا أمرَ اللهِ فَصَارُوا إلى ما ترى. إنَّه لَيسَ هُناكَ أحدٌ بَيْنَه وَبَيْنَ اللهِ نَسَبٌ، ولِذا قَالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: " وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ". رَوَاهُ مسلمٌ. فَعَمَلُ المسلمِ هُوَ حَسَبُه وَنَسَبُه وَهُوَ فَخْرُهُ وَشَرَفُه في الدُّنيا والآخِرَةِ. أيّها المؤمنون: إنَّه لو لَمْ يكُنْ مِنْ شُؤمِ المعصيةِ إلا أنَّ صَاحِبَها وإنْ مَضَى في الغابرينَ، وذهَبَ في الذّاهبينَ لا يَزالُ يُكتبُ عليه إثْمُها، ويَجري عليه عَذابُها، إذا كانتْ متعديةً. قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتلُ نفسٌ ظُلما إلا كانَ على ابنِ آدمَ الأولِ كِفلٌ مِنْ دمِهَا لأنَّه أولُ مَنْ سَنَّ القتلَ" رَوَاهُ البخاريُّ ومسلمٌ. وَمِثْلُهُ آثامُ المُغنّينَ والمُغنّياتِ، ومَنْ يَنشُرُ السُّوءَ والكَذِبَ، وسائرُ أهلِ المعاصي الذين لا تزالُ معاصيهُم بينَ الناسِ عَبْرَ الوسائل المرئيةِ والمسموعةِ، فإنَّه كُلما استمعها مُستَمِعٌ أو شاهَدَها مُشاهِدٌ كُتِبَ عَليهِم مِثْلُ آثامِ مَنْ استمعَ أو شاهَدَ، ويتوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ. يدلُّ على ذلِكَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. " رَوَاهُ مسلمٌ عبادَ الله: إن للمعصيةِ أثرًا يُريهُ الله عِبادَه لعلهم ينتهون: قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ آثارِ الذنوبِ والمعاصي أنها تُحدِثُ في الأرضِ أنواعا مِنَ الفسادِ في المياهِ والهواءِ والزرعِ والثمارِ والمساكنِ قَالَ تَعالَى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41] فالمرادُ بالفسادِ والنقصِ والشرِّ والآلامِ التي يُحدِثُها اللهُ في الأرضِ بِمعاصي العبادِ، فكلَّما أحدثوا ذنْبا أحْدَثَ لهمْ عقوبةً، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلفِ: كُلَّما أحدثتُم ذنبا أحْدَثَ اللهُ لكُم مِنْ سُلطانِهِ عقوبةً، والظَّاهِرُ واللهُ أعْلَمُ أنَّ الفسادَ المرادُ بِهِ الذنوبُ وموجباتِها، ويدُلُّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿ النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ [الروم: 41] فهَذَا حالُنَا، وإنَّما إذاقَنَا الشيءَ اليسيرَ منْ أعمالِنَا، فَلَو أذاقَنَا كلَّ أعمالِنَا لَمَا ترَكَ على ظهرِهَا منْ دابةٍ... وكثيرٌ مِنْ هذه الآفاتِ أحدَثَها اللهُ سَبحَانَه وتعالى بِما أحدثَ العبادُ مِنَ الذُّنوبِ.اهـ. وإنَّ مِنْ شؤمِ المعصيةِ على صاحِبِها ما يلي: 1- أنَّ المعصيةَ تُورِثُ صاحِبَها وحشةً في القلبِ، وتَكونُ سببًا في حِرْمانِ العِلْمِ والتوفيقِ: وذلِكَ أنَّ القَلبَ بيْتُ الربِّ – تعظيما وإجلالًا – فإذا عُمِّرَ بَغيرِ ذِكْرِ مولاه أظلَمَ، وبِقَدْرِ إعراضِ العبدِ عنْ ذِكْرِ اللهِ يكونُ لَديهِ مِنَ الضّنْكِ وضيقِ الصّدرِ وانقباضِ النَّفْسِ، وإنْ انطَلَقَ صاحبُها في الحياةِ فَهُوَ غيرُ سعيدٍ، لأنَّ التّقيَّ هُوَ السعيدُ. قال ابنُ عباسٍ وأنسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: إنَّ للحسنةِ نورا في القلبِ، وزينا في الوَجْهِ، وقوةً في البَدَنِ، وَسِعَةً في الرِّزْقِ، وَمحبةً في قلوبِ الخلْقِ، وإنَّ للسيئةِ ظُلمةً في القلْبِ، وشينا في الوَجْهِ، وَوَهنا في البَدَنِ، ونقصا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قلوبِ الخلقِ. 2- أنَّ صاحِبَ المعصيةِ تَلعنُه حتى البهائمَ، بِخَلافِ صاحِبِ الطاعَةِ: قَالَ مجاهدٌ في تفسيرِ قَولِه تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]. قَالَ: إنَّ البهائمَ تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أشتدّتِ السنةُ وأمسكَ المطرُ، وتقولُ: هَذَا بشؤمِ معصيةِ ابنِ آدمَ. أمَّا صاحبُ الطاعةِ فقَالَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرَضينَ حتى النَّملةَ في جُحرِهَا وحتى الحوتَ لَيُصَلُّون على مُعلِّمِ الناسِ الخيرَ" رَوَاهُ التـرمذيُّ وابنُ ماجه، وهُو حديثٌ صحيحٌ. وقَالَ صلى الله عليه وسلم لَمّا مُرَّ عليه بجنازةٍ: "مستريحٌ ومُستراحٌ منه" قَالُوا: يا رسولَ اللهِ مَا المستـريحُ والمستـراحُ مِنهُ؟ فقَالَ: "العبدُ المؤمنُ يستـريحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنيا، والعبْدُ الفَاجِرُ يَستـريحُ مِنهُ العِبادُ والبلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُ" رواه البخاري ومسلم. 3- حِرْمانُ الطاعةِ، وذلك أنَّ الطاعةَ قُربةٌ إلى الملكِ الديَّانِ، فَلا يَجِدُ عبدٌ لذةَ الطاعةِ إلا بابتعادِهِ عنِ المعصيةِ، ولِذَا قَالَ سُبْحانَه في المنافقينَ: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]. قَالَ الفضيلُ: إذا لمْ تقْدِرْ على قيامِ الليلِ، وصيامِ النهارِ، فاعلمْ أنَّكَ مَحرومٌ مُكبَّلٌ كبَّلتْكَ خطيئتُكَ. وقَالَ شابٌ للحسنِ البصريِّ: أعياني قيامُ الليلِ، فقَالَ: قيَّدتْكَ خطاياك. وقَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: إنَّ في الدنيا جَنّةٌ مَنْ لم يَدخلْها لا يَدخلُ جنةَ الآخِرَةِ. 4- أنَّ المعاصيَ سببٌ لِهوانِ العبدِ على ربِّه وهوانِه على الناس، فلا عِزّةَ إلا في طاعةِ العزيزِ سبحانَه: وكتبتْ عائشةُ أمُّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا إلى معاويةَ: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ العامِلَ إذا عَمِلَ بمعصيةِ اللهِ عَادَ حامِدُه مِنَ النَّاسِ ذامًّا. قَالَ الحسنُ البصريُّ عَنِ العُصاةِ: هانُوا عليهِ فَعَصَوه، ولو عـَزُّوا عَليْهِ لَعَصَمَهُم. وقَالَ مُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ: إنَّ الرَّجُلَ ليَذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَجِدَ لَهُ في قَلْبِهِ وَهْـنا. وقَالَ الفضيلُ بنُ عِياضٍ: ما يؤمِّنُكَ أنْ تَكونَ بارزتَ اللهَ تعالى بِعَمَلٍ مَقَتَكَ عليه فَأغْلَقَ عَنْكَ أبوابَ المغفرةِ وأنْتَ تَضْحَكَ. وقَالَ الحسنُ: ما عصى اللهَ عبدٌ إلا أذلَّهُ اللهُ. وقال المعتَمِرُ بنُ سليمانَ: إنَّ الرّجُلَ ليُصيب الذَّنْبَ في السِّرِّ فيُصبِح وَعَليْهَ مَذلَّتُهُ وقَالَ عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ: 5- أنَّ المعصيةَ إذا أحاطتْ بصاحبِها أدخَلَتْهُ النارَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81] وإنَّ الذنوبَ إذا اجتَمَعتْ أهلكتْ صاحِبَها، كَمَا قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إياكُمْ وَمُحقِّراتِ الذنوبِ، فإنَّهنُّ يَجتمعْنَ على الرَّجُلِ حتى يَهلِكْنَهُ". رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ. قال ابنُ القيِّمِ: واعلمْ أنَّ العقوباتِ تَختلِفُ فتارّةً تُعَجَّلُ وتَارّةً تؤخَّرُ وتارَّةً يَجمعُ اللهُ على العاصي بينَهما وأشدُّ العقوباتِ العقوبةُ بسلْبِ الإيمانِ ودونَها العقوبةُ بموتِ القلْبِ وَمَحْوِ لَذَّةِ الذِّكْرِ والقِراءةِ والدُّعَاءِ والمناجَاةِ مِنْه وربّما دبتْ عقوبةُ القلبِ فيه دبيبَ الظلمةِ إلى أنْ يمتلئَ القلبُ بِهما فتَعْمَى البصيرةُ وأهونُ العقوبةِ ما كَانَ واقعا بالبَدَنِ في الدنيا وأهونُ منها ما وَقَعَ بالمالِ ورَبما كانتْ عقوبةُ النَّظَرِ في البَصِيرَةِ أو في البَصَرِ أو فيهما. اهـ. 6- أنَّ الذنوبَ تخونُ صاحبَها في أحْلَكِ الظروفِ، وأصْعبِ المواطِنِ، خَاصَةً عِنْدَ الموتِ: قَالَ ابنُ القيِّمِ: وَمِنْ عقوباتِها - أيِ المعاصي - أنَّها تخونُ العبدَ أحوجَ ما يكونُ إلى نفْسِهِ وثُمَّ أمرٌ أخْوفُ مِنْ ذلِكَ وأدْهَى وأمرُّ وهُوَ أنْ يَخونَهُ قلبُهُ ولِسَانُهَ عِنْدَ الاحتضارِ والانتقَالِ إلى اللهِ تعالى، فَربما تعذَّرَ عليه النُّطقُ بالشَّهادَةِ، كَمَا شَاهَدَ الناسُ كثيرا مِنَ المحتضَرينَ أصابَهُم ذلِكَ، حتى قيلَ لِبَعضِهِم: قُلْ لا إلِهَ إلا اللهُ، فقَالَ: آه آه. لا أستطيعُ أنْ أقولَها، وقيلَ لآخَر: قُلْ لا إلَهَ إلا اللهُ، فَجعَلَ يهذي بالغِنَاءِ، وقَالَ: وما يَنْفَعُني ما تَقُولُ، ولَمْ أدَعْ معصيةً إلا رَكِبتُها ثم قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقِيلَ لآخَر ذلِكَ، فقَالَ: وما يُغني عَنِّي، وما أعْلَمُ أنَّي صليتُ للهِ تَعَالى صلاةً، ثُمَّ قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقيلَ لآخَر ذلِكَ فقَالَ: هُوَ كافِرٌ بِما تقولُ، وَقَضَى، وَقِيلَ لآخَـر ذلِكَ، فقَالَ: كلما أردتُ أنْ أقولَها فلِسَاني يُمسِكُ عَنْها. اهـ. وَهَلْ تُهزمُ الجيوشُ، وتَذِلُّ الأممُ إلا بالذنوبِ والمعاصِي. وَهَلْ أصَابَ الصحابةُ مَا أصَابَهم يومَ أُحُدٍ وحُنينٍ إلا بشؤمِ المعْصِيةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155] ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25] فهؤلاءِ الأخيارُ الأبرارُ أصَابَهم ما أصَابَهم بذنبٍ واحِدٍ، فَمَا بالُ مَنْ جَمَع المئينَ. قال عبدُ اللهِ بنُ المدينيِّ: خَرَجْنَا مع إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ فَعَسْكَرْنا بِبَاخَمْرا، فطُفْنا ليلةً، فَسَمِعَ إبراهيمُ أصواتَ طنابيرَ وغِنَاءٍ، فَقَالَ: ما أطْمَعُ في نَصْرِ عَسْكَرٍ فيه هذا! وقَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رَحِمَهُ اللهُ: فَلمَّا ظَهَرَ النِّفاقُ والبِدَعُ والفجورُ المخالِفُ لدينِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ سُلِّطتْ عليهمُ الأعداءُ فَخَرَجَتِ الرومُ النصارى إلى الشامِ والجزيرةِ مرةً بَعْدَ مرةٍ، وأخذوا الثغورَ الشاميَّةَ شيئا بَعْدَ شيءٍ إلى أنْ أخذوا بيتَ المقْدِسِ في أواخِرِ المائةِ الرابعةِ، وَبَعْدَ هذا بمدةٍ حاصروا دِمَشْقَ، وَكَانَ أهلُ الشامِ بأسوأِ حالٍ بينَ الكُفَّارِ النَّصارى والمنافقينَ الملاحدةِ إلى أنْ تَولّى نورُ الدِّينِ الشهيدِ وَقَامَ بما قَامَ بِهِ مِنْ أمْرِ الإسلامِ وإظهارِهِ والجهادِ لأعدائِهِ. اهـ. 7- أنَّ الذنوبَ مِنْ أعظمِ أسبابِ ذهابِ البَرَكةِ مِنَ الأموالِ، بَلْ ومِن حياةِ النَّاسِ عموما: ففي صحيحِ مسلمٍ مِنْ حَديثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ وما يَكونُ بَعْدَهُ مِن خُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، ثمَّ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّون َ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ. وقد أثَّرتْ المعاصي حتى في الحجَرِ الأسودِ. وفي الحديثِ: "نَزَل الحجرُ الأسودُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أشدُّ بياضا مِنَ اللبَنِ، فَسَوّدتْهُ خطايا بني آدمَ ". رَوَاهُ الترمذيُّ، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ. قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ تأثيرِ معاصِي اللهِ في الأرضِ مَا يَحِلُّ بها مِنَ الخَسْفِ والزلازلِ ويَمحَقُ بركَتَهَا، وقَدْ مَرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ديارِ ثَمودَ فمَنَعَهُم مِنْ دخولِ ديارِهِم إلا وَهُمْ بَاكُونَ، ومَنْ شُرْبِ مياهِهِم وَمِنَ الاستسقاءِ مِنْ أبيارِهِم، لتأثيرِ شؤمِ المعصيةِ في الماءِ. وكذلِكَ شؤمُ تأثيرِ الذنوبِ في نَقْصِ الثمارِ وما تَرَى بِهِ مِنَ الآفاتِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِهِ في ضِمْنِ حديثٍ قَالَ: وُجِدتْ في خزائنِ بعضِ بَني أميةَ حُنطةٌ الحبةُ بِقَدْرِ نواةِ التمرةِ، وهي في صُرةٍ مكتوبٌ عليها: كَانَ هذا ينبتُ في زَمَنٍ مِنَ العدلِ. 8- أنَّ الذنوبَ تُغطِّي القلبَ، حتى تَنقِلَبَ عليه الحقائقُ، فلا يَعْرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا: قَالَ صلى الله عليه وسلم: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ. وَضِدُّها التقوى؛ فَبِها تُكشفُ وجوهُ الحقائقِ، ويُميّز المسلِمُ بين الحقِّ والباطِلِ، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29]. والذنوبُ تَكونُ بِمثابةِ الغِطاءِ على القلبِ، فلا يَذكُرُ اللهَ عز وجل، ولا يَتَذَكّرُ الدَّارَ الآخِرَةَ، فيُحْجَبُ قَلبُه في الدُّنيا عَنْ رَبِّه، ثُمَّ يَحجِبُه ربُّهُ جل جلاله عنْ رؤيةِ وجهِهِ الكريمِ: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴾ [المطففين: 14 - 16]. 9- أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ سَبَبٌ في زوالِ النِّعَمِ: قَالَ سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ: ﴿ ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]. قَالَ الإمامُ الشافعيُّ: 10- وَمِنْ شُؤمِ المعصيَةِ أنَّها تَكونُ سببًا في عذابِ القبرِ، فَقَدْ مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قبـريْنِ فقَالَ: "أمَا إنّـهُما ليُعذَّبَانِ وَمَا يَعذَّبَانِ في كبيرٍ، ثمَّ قَالَ: بَلَى؛ أمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ يَمشي بالنميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَولِهِ " رَوَاهُ البُخاريُّ وَمُسلِمٌ. مِنْ عقوباتِ المعاصي في الآخِرَةِ: ما يَكونُ مِن عذابِ المتكبّرينَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:* "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُو نَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولِسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ" رَوَاهُ أحمدُ والترمذيُّ، وهُوَ صَحَيحٌ. وَثَمَّةَ سؤالٌ يَرِدُ أحيانًا: لماذا يتنعَّمُ الكفّارُ في هذه الحياةِ الدنيا، ولا تُصيبُهم هذه العقوباتُ؟ وجوابًا عنه أقولُ: أولا: لا يَخفى على كلِّ ذي لُبٍّ ما يُصيبُهم مِنْ كوارِثَ وزلازِلَ وأعاصِيرَ وفيضاناتٍ وغيرِها مِما هُوَ مُشاهَدٌ وواضِحٌ. ثانيًا: أنَّ الكُفَّارَ عُجِّلتْ لهم طيّباتُهم في هذه الحياةِ، قَالَ الحقُّ تَبَارَكَ وتَعَالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [الأحقاف: 20]. وصحَّ عنِ المعصومِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: "الدُّنيا سِجْنُ المؤمنِ، وَجَنَّةُ الكافِرِ". رَوَاهُ مسلِمٌ. وإذا كَانَ الأمرُ كذلِكَ فإنَّ الكُفَّارَ يَعيشونَ جَنّتَهُم في هذه الحياةِ الدُّنيا، وما يُصيبُهم مِنْ أمراضٍ وكوارِثَ وغيرِها إنّما هِيَ بَعْضُ عقوباتِهِم، بخلافِ المسلمِ فإنَّ ما يُصيبُهُ في هذه الحياةِ الدُّنيا إنما هو كَفّارةٌ لذنوبِهِ وتمحيصٌ ةرِفْعةٌ لِدرجاتِه. وقَالَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا". رَوَاهُ مسلمٌ. واللهُ سُبْحانَهُ وتعالى لا يَظْلِمُ مِثقَالَ حَبةٍ مِنْ خَرْدَلٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44]. وما يُصيبُ الناسُ مِنْ مَصائبَ وكوارِثَ وأمْرَاضٍ إنما هُوَ بِمَا كَسبتْ أيديهِم، وَهُوَ مُؤاخذةٌ لَهم بِبَعْضِ مَا كَسَبوا، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]. الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله السحيم |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| هل يصح الشماتة من اهل المعاصي و معايرتهم ؟ | ورود الفل | قسم الاستشارات الدينية عام | 1 | 10-31-2019 06:42 AM |
| أصول المعاصي | الزرنخي | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 8 | 11-14-2018 05:37 PM |
| برنامج كيف تقلع عن المعاصي | خالددش | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 01-22-2013 01:06 AM |
| رمضان شهر الطاعات وترك المعاصي والسيئات | أسامة خضر | قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله | 3 | 11-07-2012 04:00 PM |
| الطهارة القلبية والبدنية. الشيخ: فؤاد أبو سعيد حفظه الله تعالى | أسامة خضر | قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله | 4 | 03-28-2012 11:52 AM |
|
|