![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (8) (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ .) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ قال الله -تعالى-: (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 128-129). سبب نزول الآية: - قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: (*كَيْفَ *يُفْلِحُ *قَوْمٌ *فَعَلُوا *هَذَا *بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ)، فأنزل الله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (راواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). - وقال البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). التفسير العام للآية: - ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله -تعالى- وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم، ومَن بقيَ على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه، ولله وحده ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية). وقفات حول الآية: (1) الأمر كله لله وحده: - العقيدة الإسلامية ترسِّخ أن الأمر كله لله وحده، وأن الرُّسُل مع عظيم قدرهم ومكانتهم لا يملكون قلوب العباد، وإنما عليهم أداء الرسالة بالهداية والإرشاد، وأما النتائج فليست لهم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، وقال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40)، وقال: (لَيْسَ *عَلَيْكَ *هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (البقرة:242)، وقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص:56). - الأنبياء -عليهم السلام- يعلِّمون البشرية التوجُّه الى الله أولًا وآخرًا: قال -تعالى- عن نبيه إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:75-82). - إذا كان الأنبياء لا يملكون شيئًا في حكم الله وتقديره؛ فكيف بمَن دونهم مِن الأولياء والأموات في الأضرحة ونحوهم؟!(1): قال -تعالى-: (*وَمَنْ *أَضَلُّ *مِمَّنْ *يَدْعُو *مِنْ *دُونِ *اللَّهِ *مَنْ *لَا *يَسْتَجِيبُ *لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف:5-6)، وقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ *زَعَمْتُمْ *مِنْ *دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ:22). (2) سعة رحمة رب العالمين: - الأصل أن كلَّ مَن حارب دين الله وعاند الحق؛ فهو ظالم مستحق للعذاب والعقوبة: قال -تعالى-: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ). قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ): "أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)، أي: يستحقون ذلك" (انتهى). - لكن واسع الرحمة -سبحانه- يمهلهم، بل ويقدِّر لهم مِن الأقدار ما يعينهم على التوبة: قال -تعالى-: (*قَالُوا *يَا مُوسَى *إِمَّا *أَنْ *تُلْقِيَ *وَإِمَّا *أَنْ *نَكُونَ *نَحْنُ *الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:115-122)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة" (تفسير ابن كثير). - وقد تاب عامة مَن دعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-! فسبحان الذي بيده القلوب والهداية(2)، وفي قصة إسلام كل منهم وسيرته في الإسلام، ما يستوقف القلوب والعقول كثيرًا، مع هذه الآية الكريمة: (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). - موقف لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- في الإسلام(3): - عن أنس -رضي الله عنه-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى زَيْدًا، وجَعْفَرًا، وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقالَ: (أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ، حتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (رواه البخاري)، وعن قيس بن أبى حازم، قال: "سَمِعْتُ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ، يقولُ: لقَدْ دُقَّ في يَدِي يَومَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أسْيَافٍ، وصَبَرَتْ في يَدِي صَفِيحَةٌ لي يَمَانِيَةٌ" (رواه البخاري). - موقف لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- في الإسلام: - روى مسلم عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قال: "حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، *ثُمَّ *أَقِيمُوا *حَوْلَ *قَبْرِي *قَدْرَ *مَا *تُنْحَرُ *جَزُورٌ *وَيُقْسَمُ *لَحْمُهَا، *حَتَّى *أَسْتَأْنِسَ *بِكُمْ، *وَأَنْظُرَ *مَاذَا *أُرَاجِعُ *بِهِ *رُسُلَ *رَبِّي" (رواه مسلم). (3) حكم الدعاء على الكفار؟ الدعاء على الكفار على نوعين: الأول: الدعاء على الكافر المعيَّن باللعنة، وهذا لا يشرع على الراجح مِن كلام أهل العلم(*)؛ لأن الملعون مطرود ومُبعَد عن رحمة الله -تعالى-، وهذا الكافر المعين الحي لا نعرف بما سيختم به حياته، فقد يكون ممَّن يوفقه الله للإسلام ويدخله في رحمته، والله -تعالى- ربط اللعنة بالموت على الكفر: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة:161). وقال ابن الملقن -رحمه الله-: "واختُلِف في لعن المعين منهم -الكفار-، والجمهور على المنع؛ لأن حاله عند الوفاة لا تُعْلَم، وقد شرط الله في ذلك الوفاة على الكفر بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - مجموع الفتاوى - الآداب الشرعية). - الثاني: الدعاء على الكفار بعمومهم، وله صورتان: الصورة الأولى: الدعاء عليهم بالبلايا والمصائب؛ فهذا مشروع، وهو نوع من مدافعتهم، والرغبة في زوال الشَّر وأهله؛ لا سيما المحاربين منهم، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا على طوائف من الكفار، وثبت عن الصحابة -رضوان الله عليهم- الدعاء على الكفار، ومن ذلك: ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجعلها عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (رواه البخاري)، وما رواه عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: (مَلأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ). الصورة الثانية: الدعاء على كلِّ الكافرين الذين هم فوق الأرض بالزوال والهلاك: - فهذا على الصحيح لا يجوز، لأنه مِن الاعتداء في الدعاء: قال الله -تعالى-، مؤدِّبًا عباده في دعائهم ربهم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف:55). - فمِن المعلوم أن الله قدَّر بقاء الكفار لحكمة منه -سبحانه وتعالى-، وعليهم تقوم الساعة كما ثبت في أحاديث صحيحة، ولأجل ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء بهلاك كل من فوق الأرض من الكافرين، هو دعاء بما قدَّر الله -تعالى- عدم وقوعه، والدعاء بما قدر الله عدم حصوله يعتبر اعتداءً في الدعاء، والمسلم منهي عن الاعتداء في الدعاء (انظر: فتاوى اللجنة الدائمة). - وأما دعاء نوح -عليه السلام- على قومه: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح:26). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن مِن قومك إلا مَن قد آمن، ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أُومر بها، فإنه وإن لم يُنهَ عنها، فلم يؤمر بها، فكان الأولى ألا يدعو إلا بدعاء مأمور به، واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به، واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأمورًا به لكان شرعًا لنوح، ثم ننظر في شرعنا: هل نسخه أم لا؟" (مجموع الفتاوى). - ولم يكن من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء على الكفار كافة، بل كان يخص المعتدين منهم، ومَن اشتد أذاه على المؤمنين، كما في الأحاديث التي مرّ ذكرها، أمّا مَن كان يرجو إسلامه فكان مِن هديه -صلى الله عليه وسلم- الدعاء له: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا؟ فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ! قَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ) (رواه البخاري)، وقد أدخل البخاري في صحيحه هذا الحديث في باب: "الدعاء للمشركين ليتألفهم". والله أعلم. خاتمة: - الآية اشتملت على معانٍ كريمة مِن أعظمها: بيان عقيدة التوحيد العظيمة، ومن أبرزها هنا: جانب الربوبية العظيم؛ حيث الخلق والأمر، والغيب، والتقدير لله رب العالمين وحده، (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). - بيان عظيم رحمة رب العالمين، حتى إنه يمهل الكافر والعاصي لعله يتوب: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) وختمها بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). نسأل الله أن يتوب علينا، ويسترنا في الدنيا والآخرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يزعم بعض أهل البدع زعم المشركين قديمًا، مِن أن الأولياء أو الأئمة -عندهم- يملكون الضر والنفع، والخصائص الربانية! (2) من أبرز هؤلاء: (خالد بن الوليد - عمرو بن العاص - أبو سفيان بن حرب - هند بنت عتبة - سهيل بن عمرو - صفوان بن أمية)، فيحسن ذكر موقف لكلٍّ منهم بعد إسلامه في حبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفدائه والذب عنه. (3) إشارة إلى موقف خالد يوم أُحد، وكيف أنه كان السبب الأعظم في تغيير نتيجة المعركة لصالح المشركين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (*) يجوز لعن المعين الكافر، والأولى تركه، وقد ثبت لعن الكافر المعين كما في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ العَنْ أَبَا سُفْيَانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ)، فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُمْ. (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقد تاب الله عليهم ولم يموتوا على الكفر، وليس الحديث منسوخًا، بل نزل قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)؛ لبيان أن هذا خلاف الأولى، ولكن ليس بمحرم أن يلعن الكافر بعينه. (د. ياسر برهامي). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#8 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (9) وقفات دعوية مع قصة مؤمن آل فرعون
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - هي قصة تحكي حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وهي ليست قصة نبي من الأنبياء، ولكنه مؤمن صادق الإيمان، قوي الحجة، يدعو إلى الله -عز وجل- بالحكمة والموعظة الحسنة، محتسبًا أجره من الله، ومفوضًا أمره إليه في مواجهة الطغاة والبغاة: قال -تعالى-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ . وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ . الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:26-46). مَن هو مؤمن آل فرعون؟ - قال ابن كثير -رحمه الله-: "المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا مِن آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، وقال ابن جريج عن ابن عباس -رضي الله عنه-: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: (يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) (رواه ابن أبي حاتم). وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم، حين قال فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)، فأخذت الرجل غضبة لله -عز وجل-" (تفسير ابن كثير). - فائدة تربوية: لم يذكر القرآن اسمه ولا صفته، وإنما ذكر أنه رجل مؤمن، إشارة الى أن الميزان عند الله بالإيمان والديانة وليس بالمنصب أو الجاه أو غيره، وتنبيهًا وتربية للمؤمنين على الإخلاص، والانشغال بمرضاة الله والعمل لدينه، لا للنفس والشهرة بين الناس. الوقفة الأولى: الحرص على استمرار الدعوة إلى الله والمحافظة على حملتها: - هذا ظاهر من موقف الرجل المؤمن وموقفه من الحوار الدائر في المجلس، فالفرعون الطاغية يستشير أعوانه في القضاء على دعوة نبي الله موسى -عليه السلام-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى). - الرجل المؤمن يتدخل منكرًا في حكمة عظيمة: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ). - لقد جعل المؤمن يقيم عليهم الحجة العقلية القوية: (وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ). - تخليد القرآن لموقفه وأثره على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضى الله عنه-: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). الوقفة الثانية: من فقه الداعية (التدرج في إقامة الحجة): - وهذا ظاهر في طريقة الداعية المؤمن الحكيمة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125). - ثم جعل يرهبهم من زوال نعمة الله عليهم وحلول نقمته: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا). - ثم ذكرهم بتاريخ مصر نفسها، وتشكيك مَن سبقهم في دعوة يوسف -عليه السلام-، ولولا أنهم آمنوا لهلكوا، ثم ما الغرابة في إرسال الرسل من بعده؟ (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ). - ثم ذكرهم بتاريخ الأمم قبلهم، وكيف كان هلاكهم بسبب تكذيب الرسل: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ). - ثم جعل يرهبهم من عذاب الآخرة، إذ لا ينفع الاتباع ولا المتبوعين في الباطل بعضهم بعضا: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). الوقفة الثالثة: أهمية التوكل والاحتساب في سبيل الدعوة إلى الله: - وهذا ظاهر من موقف المؤمن في مواجهة تهديداتهم ووعيدهم له. - الرجل المؤمن يتحول إلى داعية محتسب ينشر دعوته في قومه، لاسيما بعد عناد الفرعون وتشغيبه على كلامه أكثر من مرة: قال -تعالى-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ). - ثم جعل يرقق قلوبهم ويطمعهم فيما عند الله لعلهم يستجيبون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ). - ثم كانت الكلمة الأخيرة بإصرارهم على الكفر واتباع الفرعون وعبادة غير الله: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ). - فكان زجرهم بسوء عاقبتهم وما سيكون من ندمهم إذا نزل العذاب، مع إظهار عدم المبالاة بتهديدهم ووعيدهم، مبينًا لهم أنه في حفظ وجناب مَن بيده كل شيء: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). الوقفة الرابعة: بيان عاقبة الفريقين: - الآيات شاهدة بحسن عاقبة المؤمن، وسوء عاقبة الطغاة المجرمين: قال -تعالى-: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ . يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود:96-99). - المؤمن دائمًا رابح في الصراع مع الباطل ولو أزهقت نفسه في سبيل الله، فالمهم العاقبة: قال -تعالى- عن صاحب يس: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:26-27)، وقال عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (التوبة:52)، وقال عن المؤمنين المحتسبين: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83)، وقال: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون: 111). خاتمة: - عود على بدء، مِن الإشارة إلى تكريم القرآن للدعاة المخلصين، حيث يذكر خبر أحدهم في أعظم كتاب، مع أنه لم يكن من الأنبياء والمرسلين، ولكنها عاقبة الإخلاص والصدق في الزود عن دين الله وحملة الرسالات: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ). فاللهم اجعلنا هداة مهتدين. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#9 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1). موضوع الآية: نزول حكم ظهار الرجل من امرأته(1). قصة نزول الآية: عن عائشة ـرضي الله عنهاـ قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ، وَهيَ تشتَكي زَوجَها إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهيَ تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. فما برِحَتْ حتَّى نزلَ جِبرائيلُ بِهَؤلاءِ الآياتِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، قَالَتْ: وزوجها أَوْس بن الصَّامِتِ" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وفي رواية قالت خولة: " فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ سَاءَ خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ... " (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني). وقفات حول الآية: (1) حرمة الظهار(2) وإثم فاعله: كان الرجل في الجاهلية يصف زوجته بأنها أمه ليحرمها على نفسه، وكان ذلك في حكم الطلاق: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ). فجاء الإسلام فبيَّن أن هذا الوصف من الكذب والزور، ولا تحرَّم المرأة بالكذب والزور، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة:2)(3). ولذلك شرعت الكفارة من هذا الذنب بعد التوبة، وهو الذي جاء في سياق الآيات: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة:3-4)، وعن خويلة قالت: ... فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: (فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: (فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ... ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وحسنه الألباني). ولا يجوز مس المرأة قبل التكفير: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) (المجادلة:3). قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما: "المس النكاح"، وكذا قال غير واحد من السلف. (تفسير ابن كثير). (3) فضل التعبد لله بالأسماء والصفات: عظيم تعبد أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بذلك: قالت وهي تروي القصة: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وفي الرواية الأخرى قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ". وقفة مع اسم الله السميع: سمع الله -تعالى- نوعان: النوع الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ ما يقصد به التهديد: قال -تعالى-: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (الزخرف:80). 2 ـ ما يقصد به التأييد: قال -تعالى-: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه:46). 3 ـ ما يقصد به بيان الإحاطة: قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). النوع الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: "سمع الله لمَن حمده" أي: أجاب الله حمْد مَن حمِدَه، ودعاءَ مَن دعاه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) (متفق عليه)، وفي رواية: (فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ)؛ أي: يُجِبْكُمْ، فالسَّماع هنا بِمعنى: الإجابة والقبول، وعند التِّرمذي في سُننه: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِن دُعاءٍ لا يُسْمَع". مِن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم: - إذا علم العبد أن ربه يسمع كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيسمع حركاته وسكناته؛ حمله ذلك الاعتقاد على المراقبة للَّه -سبحانه- في جميع الأحوال، وفي جميع الأمكنة والأزمنة، فيمسك عن كل قول لا يُرضي ربه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بخير: قال -تعالى-: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه:7). - إذا علم العبد أن اللَّه هو السميع الذي يسمع المناجاة، ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء، ويقبل الطاعة؛ أقبل عليه بالدعاء واليقين بالإجابة، مقتديًا بالأنبياء والمرسلين في سؤالهم بهذا الاسم العظيم: ففي دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127)، وفي دعاء زكريا -عليه السلام- أن يرزقه اللَّه ذرية صالحة: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، وفي دعاء يوسف -عليه السلام- أن يصرف عنه كيد السوء: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف:34). - إن العبد إذا دعا ربه فسمع دعاءه سماع إجابة، وأعطاه ما سأله وعلى حسب مُراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه، حصل له بذلك سُرُور يمحو من قلبه آثارَ ما كان يجدُه مِن وحشة البُعد، فإنَ للعطاء والإجابة سرورًا وأنسًا وحلاوة، وللمنع وحشة ومرارة، فإذا تكرر منه الدُعاء، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه، محا عنه آثار الوحشة، وأبدله بها أنسًا وحلاوة؛ قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (انظر تهذيب المدارج). خاتمة: تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى فائدة العلم بسبب النزول في فهم الآية. والحمد للَّه رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ (1) ذُكِر في فضل خولة بنت ثعلبة -رضي الله عنها-: ما روى ابن أبي حاتم: عن أبي يزيد قال: "لقيت امرأةُ عمر -يقال لها خولة بنت ثعلبة-، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري مَن هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفتُ عنها حتى تقضي حاجتها، إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" (أخرجه ابن أبي حاتم، وهو منقطع بين أبي يزيد، وعمر بن الخطاب؛ كما قاله ابن كثير). (2) قال ابن كثير في التفسير: "أصل الظهار مشتق من الظهر؛ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحدٌ من امرأته قال لها، أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا، فأرخص الله لهذه الأمة، وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا، كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف" (تفسير ابن كثير). (3) قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها مِن سائر المحارم من أختٍ، وعمٍة، وخالةٍ، وما أشبه ذلك" (تفسير ابن كثير). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#10 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... )
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (المسد). قصة نزول الآية: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) إِلَى آخِرِهَا. (متفق عليه)(1). ـ ولم يكتفِ بذلك، بل طفق هو وزوجته "أم جميل" يعملان على تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه: روى الإمامُ أحمد بسنده عن ربيعة بن عباد، قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَهُوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا)، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ، أَحْوَلُ ذُو غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا لِي: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ. (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ). وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ): "كانت تضع الشوك في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنّها في عداوة محمدٍ، فأعقبها اللّه منها حبلًا في جيدها من مسد النار". وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) أقبلت العوراء "أم جميل" بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول: مُذَمَّمًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنها لن تراني، وقرأ قرآنًا اعتصم به، كما قال -تعالى-: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (الإسراء: 45)، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم ترَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمتْ قريش أني ابنة سيدها، قال الوليد: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مذمم" (تفسير ابن كثير). وقفات مع الآيات وقصة النزول: (1) الآيات من الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة: لقد أجرى الله بتقديره عدم إيمان أبي لهب آية ومعجزة على صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن كثير: "قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله -تعالى-: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما؛ لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا سرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة. الله وحده الذي يملك هداية القلوب ويصرفها، فأبو لهب الشريف يرفض هداية البيان؛ لأن الله لم يقدر له هداية التوفيق: قال -تعالى-: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) (رواه مسلم). مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان، هو على طريق هداية التوفيق التي بيد الله وحده: قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: 5-7)، وقال: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80). (2) طبيعة وظيفة الداعي: يراد مِن هذه الوقفة التنبيه على أن الداعي لا يَعمل في ميدانٍ واحدٍ، ولكنه يعمل في ميدانين -إصلاح نفسه، وإصلاح غيره- ونفسه واحدة وغيره كثير، والمحصلة أنه يعيش للناس أكثر من نفسه. مشهد التكليف الأول واشتماله على كل ذلك: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر: 1-7). شاهد التكليف في إصلاح نفسه ليحرز مرضاة الله ويصير للناس أسوة: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ). ـ شاهد التكليف في إصلاح غيره، بالبلاغ وتحذير الناس من عذاب الله: (قُمْ فَأَنذِرْ). لذا فالداعي يعيش حياته كلها في تعب ومسئولية إلى آخر لحظة في عمره؛ لأن الناس لا يتوقفون عن الخطأ، قال -تعالى- لسيد الدعاة: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 99). - ولذا فالداعي إلى الله أشرف الناس وظيفة ومكانة، في قوله وعمله: قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33). كان الحسن البصري إذا تلا هذه الآية، قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في أجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (3) طبيعة طريق الدعوة: أخطأ مَن يظن أنه طريق التعبُّد والتنسك بلا مشاكل ولا أذى، أو أنه طريق الشهرة والتعالي في الأرض: (الشاهد ما تقدَّم في سبب النزول، وكيف ظلت قريش تجابه الدعوة النبوية). ـ المعاناة ومواجهة الصد والتكذيب، والإيذاء والعداء والتشهير والتضييق، وهذه هي طبيعة الطريق، وسنة الله في أوليائه المؤمنين وحملة دينة العظيم: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!)، قَالَ وَرَقَةُ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ" (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم: 13)(2). ـ فلا بد للداعي من الصبر؛ لأنه سلاح بقاء الدعوات، ونيل الدرجات: قال الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور) (لقمان: 17)، وقال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: 35)، وقال: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان: 75)، وقال: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 24). خاتمة: تذكير بالآية وسبب النزول، والإشارة إلى عظيم جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، ففي جواب أبي لهب ما يدل على ذلك؛ فلقد أوذي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الله أشد الإيذاء، وظلَّ على ذلك حتى مات مِن أثر سمِّ اليهود -لعنهم الله-، فجزاه الله خير ما جزى به نبيًّا عن أمته. ونسأله -تعالى- أن يجعلنا هداة مهديين، وأن يجمعنا مع سيد الدعاة في جنات النعيم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "الأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه؛ فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتبة، وإنما سُمِّي: "أبا لهب"؛ لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. (2) بل قد يكون أشد الأذى حاصل من أقرب الناس للداعي، قال -تعالى- في مناشدة النبي قرابته في الكف عن إيذائه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23). صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#11 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (13) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء:43). قصة نزول الآية: ذكر السيوطي "في أسباب النزول" في سبب نزولها ثلاثة أسباب: - الأول: قال: "روى أبو داود والنسائي والحاكم عن علي -رضي الله عنه- بسندٍ صحيح، قال: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا، فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (الكافرون:1-2)، "وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء:43). - الثاني: قال: أخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي -رضي الله عنه- قال: "نزلتْ هذه الآية، قوله: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي" (حسنه ابن كثير). - الثالث: قال: أخرج ابن جرير عن يزيد بن حبيب قال: "إن رجالًا مِن الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)". وقفات مع الآية: الأولى: مشروعية التدرج في التغيير: - الشاهد مِن الآية كونها نزلت في مرحلة متوسطة بين التمهيد بالتنفير والختم بالتحريم: قال الله -تعالى- في مرحلة التمهيد والتنفير: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة:219)، وقال -تعالى- في مرحلة الختم بالتحريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:90-91). - الواقع المرير يحتاج إلى التدرج عند التطبيق: قَالَتْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ (بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر:46)، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ"، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ. (رواه البخاري). - مثال رائع: لما تولى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الخلافة، كان ابنه عبد الملك شابًا تقيًّا متحمسًا ينكر على أبيه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف والنظام لمَن كانوا قبله، فقال يومًا: مالك يا أبتِ لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!"، فكان جواب الأب الفقيه: "لا تعجل يا بني، فإن الله -تعالى- ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق فيدعوه جملة فيكون مِن ذا فتنة". - تنبيه مهم: "لا يُقال بعد استقرار الشريعة، بالتدرج في تنزيل أحكام الشرع على الناس، وإنما يُقال بمراعاة أحوال الناس عند التطبيق والتغيير". الوقفة الثانية: تعظيم قدر الصلاة في الإسلام: - كانت الخمر مباحة في كلِّ الأوقات، لكنها محرمة عند وقت الصلاة لعظيم قدرها عند الله وعند المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى). - الصلاة يتابع بها العبد إيمانه زيادة ونقصانًا: فعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أوَّلُ مَا يحاسَبُ بهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصلاةُ فإنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سائِرُ عَمَلِهِ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِهِ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني). وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الآفاق: "إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمَن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمَن ترك الصلاة". - الصلاة كفارة للسيئات وماحية للخطيئات: عن أبي ذر -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (إِنَّ العَبْد الْمُسلم ليصل الصَّلَاة يُرِيد بهَا وَجه الله فتهافت عَنهُ ذنُوبه كَمَا يتهافت هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني). - الصلاة مدرسة خلقية حيث استثنى الله المحافظين على الصلاة من أصحاب الأخلاق الذميمة: قال -تعالى-: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19-23). - الصلاة راحة وسعادة وتفريج وترويح عند الهموم: قال تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر:97-98)، وقال تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - الصلاة الوصية الأخيرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: عن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ آخِرُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا كَانَ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني). الوقفة الثالثة: نبذة من علوم القرآن (أسباب النزول): - قال العلماء: قد يتكرر السبب في نزول الموضع الواحد، وقد يتكرر النزول في السبب الواحد. مثال الأول: الآية التي بيْن أيدينا حيث تكرر السبب في نزولها: مثال الثاني: ثلاث آيات في سورٍ مختلفةٍ نزلتْ على سببٍ واحدٍ، وهو: بيان مكانة المرأة في الإسلام. - فعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران:195). - وعنها -رضي الله عنها- قالتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَتْ: فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: وَأَنَا أُسَرِّحُ شَعْرِي، فَلَفَفْتُ شَعْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ بَيْتِي، فَجَعَلْتُ سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب:35) (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ). - وعنها -رضي الله عنها- قالتْ: "يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ المِيرَاثِ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء:32)" (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#12 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
وقفات مع آيات (14) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فقد قال- تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2). قصة الآية وسبب نزولها: قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روي أنها نزلت في الشيخين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر-رضى الله عنهما-، رفعا أصواتهما عند النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قَدِم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس -أخي بني مجاشع-، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر -رضي الله عنهما-: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردتُ خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه" (تفسير ابن كثير). وقفات حول الآية: (1) وجوب التأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: - عدم رفع الصوت عنده وبين يديه حيًّا وميتًا: قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ارتفعت أصواتهما، فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره -صلى الله عليه وسلم-، كما كان يكره في حياته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه محترم حيا وفي قبره صلى الله عليه وسلم" (انتهى). - عظيم أدب الصحابة -رضي الله عنهم- بعد نزول الآية هو مثل يقتدى به لمن بعدهم: قال ابن كثير: "قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه بما قال، فقال: لا، بل هو من أهل الجنة، قال أنس -رضي الله عنه-: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس -رضي الله عنه-، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل. وفى رواية: قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: وأنزل الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (الحجرات:3) (تفسير ابن كثير)(1). - ومن الآية أيضًا: يؤخذ وجوب التأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدم مخاطبته في حياته، كما يخاطب الناس بعضهم بعضًا (يا فلان - يا ابن عم - يا ابن أخي ... )، بل يُخَاطَب بسكينة ووقار وتعظيم: قال -تعالى-: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)، وقال: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور:63). - ويدخل في ذلك ذكره -صلى الله عليه وسلم- في غيبته أو بعد موته، فلا يذكر إلا بالتوقير والتعظيم: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4). - فائدة: لم يخاطبه الله -سبحانه- إلا بوصف الرسالة أو النبوة، بل حتى عند العتاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم:1). (2) وجوب التأدب مع ورثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: - وهذا الأدب قد وعاه السلف حيث تجاوزوا به شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كل شيخ وعالم من العلماء، احترامًا لهم، حيث إنهم يحملون ميراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سنته، وهم حراس الدين وحُماته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). - توقير العلماء علامة على الالتزام بالسنة: قال طاوس -رحمه الله-: "إن مِن السنة أن توقِّر العالِم" (جامع بيان العلم وفضله). وقال الأعمش -رحمه الله-: "كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير" (تذكرة الحفاظ)، وقال الربيع بن سليمان -رحمه الله-: "والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له" (مناقب الشافعي للبيهقي)، وقال يحيى البيكندي -رحمه الله تعالى-: "لو قدرتُ أن أزيد في عمر البخاري من عمري لفعلتُ، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموتَه ذهابُ العلم". - توقيرهم بالخدمة وإكرامهم إعلاء للدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ من إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فيه وَالْجَافِي عنه، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وعن الحسن قال: "رئي ابن عباس يأخذ بركاب دابة أُبي بن كعب، فقيل له: أنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟ فقال: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرَّف" (الجامع للخطيب). - تجريحهم والتطاول عليهم أمر خطير؛ لأن جرح العالم ليس جرحًا شخصيًّا، فالذي يجرح العالم يجرح العلم الذي معه، ومَن جرح هذا العلم، فقد جرح إرث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر: قال -تعالى- عن المنافقين الذين طعنوا على حفظة القرآن من الصحابة -رضي الله عنهم-: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة:65-66). - فليحذر الذين يسيئون إلى العلماء من مغبة ذلك في الدنيا قبل الآخرة: قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله تعالى-: "كل مَن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله -عز وجل- قبل موته بموت القلب"، وقال ابن المبارك -رحمه الله تعالى-: "مَن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوة ذهبت مروءته"، وذكر رجلٌ عالمًا بسوء عند الحسن بن ذكوان -رحمه الله تعالى- فقال: "مه! لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله -تعالى- قلبك". - ولا معصوم إلا مَن عصم الله وهم الأنبياء والملائكة، وعلى ذلك فيجب أن ندرك أن العالم معرض للخطأ، فنعذره حين يجتهد فيخطئ، ولا نذهب نتلمس أخطاء العلماء ونحصيها عليهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر" (متفق عليه)، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدَّق بشيء، وقال: "اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تذهب بركة علمه مني". خاتمة: - تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى أهمية معرفة قصة النزول في فهم الآية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ (1) قُتل -رضي الله عنه- شهيدًا في وقعة اليمامة، وعاش حميدًا، وسيدخل الجنة بشهادة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، قال القرطبي في تفسيره عن ابنة ثابت بن قيس: "فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله، ثم حفر كل واحد منهما حفرة فثبتا وقاتلا حتى قُتِلا، وعلى ثابت يومئذٍ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها ... وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه، فقال له: اني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت بالأمس مرَّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ... وإن منزله في أقصى الناس، وفرسه يستن في طوله، أي: في لجامه وشكيمته، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدًا فمره أن يبعث فيأخذها، فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر، فقل له: إن عليَّ من الدَّين كذا كذا ... فليقم بسداده. فلما استيقظ الرجل من نومه أتى خالد بن الوليد فقصَّ عليه رؤياه، فأرسل خالد من يأتي بالدرع، فوجدها كما وصف ثابت تمامًا، ولما رجع المسلمون الى المدينة قصَّ المسلم على الخليفة الرؤيا، فأنجز وصية ثابت، وليس في الإسلام وصية ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو، سوى وصيّة ثابت بن قيس" (قال القرطبي: ذكره أبو عمر في الاستيعاب). صوت السلف |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| وقفات مع آيات الحج | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 5 | 06-05-2026 02:37 PM |
| وقفات تربوية مع آيات الميراث | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 04-06-2026 02:46 PM |
| وقفات مع آيات | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 03-09-2026 12:04 PM |
| وقفات مع آيات النصر في كتاب الله | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 01-02-2026 08:05 AM |
| التحذير من تخرصات مسيلمة الكذاب حول تأليف آيات تشبه آيات الكتاب | أسامة خضر | قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله | 6 | 02-02-2013 11:47 AM |
|
|