الابتلاء بالعطاء في ظلال سورة الكهف
مع سورة الكهف:
وفيها خمس قصص أو إن شئت فقل: خمسة عطاءات:
قصة أصحاب الكهف، وإشارة إلى موقف من مواقف تعامل المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المستضعفين، وإشارة إلى قصة سيدنا آدم مع إبليس، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين.
وهناك قصة لا تكاد تخلو منها سورة؛ قصة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ أخلاقه، معاملاته مع المسلمين وغير المسلمين، غزواته.
ولهذا بدأت السورة بالثناء على الله، ثم بالثناء على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بمقام العبودية، أعلى منزلة يصل إليها الإنسان أن يكون عبدًا لله الواحد الديان، ثم خُتمت السورة ببيان مهمة الرسل: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].
وفي ثناياها بيانٌ لبعض المواقف النبوية التي تدل على رحمته صلى الله عليه وسلم؛ كقوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، يقول تعالى مسلِّيًا رسوله صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين؛ لتركهم الإيمان وبُعدِهم عنه؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8]، وقال: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 127]، وقال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]؛ ﴿ بَاخِعٌ ﴾: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]؛ يعني: القرآن، ﴿ أَسَفًا ﴾: يقول: لا تُهلِك نفسك أسفًا؛ [تفسير الإمام ابن كثير]، وكقوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].
بداية السورة: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [الكهف: 1].
هناك علاقة وثيقة بين القصص الواردة في السورة، وبين تلك البداية التي تُعلي من شأن العبودية لله الواحد الأحد، وتلك العلاقة هي بيان أن الواجب على الإنسان أن يكون عبدًا لله وحده؛ مهما أُعطيَ من زينة الدنيا، ومهما أُوتيَ من فُتُوَّةٍ وشباب، فلا يغتر؛ ولْيَجْعَلْ ذلك عونًا له على طاعة الله تعالى، كما في قصة الفتية أصحاب الكهف.
1- العطاء الأول: الشباب والفتــوة مع الغِـنى، عنــدما يتبصَّر عقـل الفتى وتســمو روحـه، باحــثًا عن الحق، مستمسكًا به، مضحِّيًا في سبيله: ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: 10].
الشباب والفتــوة مع الغِنى من العطاءات التي يُمتحن بها الإنسان، فهؤلاء الفتية الذين لم يُفتنوا بزينة الدنيا، ولا بشبابهم وفتوتهم وصحتهم، وقد بيَّن النبي أن الشباب والصحة غُنْمٌ ينبغي للعاقل ألَّا يُضيِّعَهُ، وتأتي قصة أصحاب الكهف لتبين كيف نجح أولئك الفتية في الاختبار، وتعرفوا على العزيز الغفار، رغم خطورة فترة الشباب، وفي هذا جواب على سؤال الشباب الذين يشكون تكالُبَ الفتن عليهم، فالحل هنا: أن تبدأ بالقرب إلى الله خطوة، وسترى كم هو رحيم ودود؛ كما في الحديث القدسي الجليل: ((من تقرَّب مني شبرًا تقربتُ منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشى أتيتُهُ هرولة))؛ [رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء]، وقال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ [الكهف: 13، 14].
﴿ آمَنُوا ﴾ بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدًى؛ أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ [مريم: 76]؛ [تفسير الشيخ السعدي رحمه الله].
كيف يقضي شبابنا أوقاتهم؟ وما تطلعاتهم وآمالهم؟
وقد بيَّن النبي أن فترة الشباب مَغنمٌ لا يصح لعاقل تضييعه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغِناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك))؛ [رواه الحاكم وصححه].
ولــم يُفتن هــؤلاء الفتية بكونهم أبناءَ ملوكٍ أكابرَ، يعيشون في رَغَدٍ من العيش، كل هــذا لم يمنعهم من البحث عن الحق، واتباعه، والتضحية في سبيله؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في شأنهم: "كانوا في زمن ملك يُقال له: دقيانوس، وكانوا من أبناء الأكابر، واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم، فرَأَوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان، فنظروا بعين البصيرة، وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم، فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء، فخرجوا عن دينهم، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له".
ومثل أصحاب الكهف في البحث عن الحق واتباعه والثبات عليه امـــرأةُ فرعــون: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11].
وسُنَّةُ الله فيمن آثــر الحق على كل شيء أن ينصرَهُ الله تعالى، وأن يُسخِّر له جميع الكائنات: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا * وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ [الكهف: 17 - 19].
يتبع