![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#19 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (17) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة السابعة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) الأحداث بين بدر وأُحُد، وعددها 15 حدثًا بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: وقد ذكرنا إخواني الأفاضل في الحلقة الماضية شيئًا من تفاصيل غزوة بدر في ملاقاة عِير أبي سفيان، كيف علمت قريش بذلك، وماذا عملوا عندما علموا، وأيضًا ذكرنا كيف كان خروج كل من الفريقين، وكيف بدأ القتال، وأيضًا ذكرنا النتيجة لهذا القتال في تلك الغزوة، وأيضًا ذكرنا كيف لطف الله عز وجل بعباده المؤمنين، إلى غير ذلك من المسائل. وفي حلقتنا هذه نتطرق لأحداث حدثت بعد غزوة بدر وقبل أُحُد؛ حيث إنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة، فغزوة بدر في السنة الثانية وغزوة أُحُد في السنة الثالثة، وحدث بين الغزوتين أحداث تاريخية يحسن بنا مدارستها والعلم بها على سبيل الاختصار، ومن ذلك: الحدث الأول: عيد للفطر هو بعد غزوة بدر مباشرة، فلم يكن بينهما إلا بضعة أيام، فما أروع هذا العيد بعد هذا الانتصار المبين، وقد كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ قد أبْدَلَكم بهما خيرًا: يوم الفطر، ويوم النَّحْر))؛ أخرجه أحمد. الحدث الثاني: وفاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ حيث تخلَّف عثمان عن غزوة بدر بإذنٍ من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكون عند زوجته رقية، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ ممَّن شَهِدَ بدرًا وسَهْمَه))؛ رواه البخاري. الحدث الثالث: زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها؛ حيث بنى عليها في السنة الثانية بعد بدر، وقد عقد له عليها في نهاية السنة الأولى، وكان عُمُرُه حينها خمسة وعشرين عامًا، وكان عمرها ثماني عشرة سنة، وقد خطبها قبل ذلك أبو بكر وعمر، فردَّهما النبي صلى الله عليه وسلم لصغرها آنذاك، وولد له منها الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم وزينب، ولما ولد الذكور سموا الأول حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن، ولما ولد الثاني سمَّوه أيضًا حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسين، ولما ولد الثالث كذلك سمَّوه حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم محسن، وفي هذا العناية باختيار الأسماء ذات المعاني الطيبة، وعقَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين كَبْشَينِ كَبْشَينِ. الحدث الرابع: ظهور النفاق والمنافقين، ففي هذه الفترة بدأت ظاهرة النفاق، فأسلم أناس في الظاهر، وأبطنوا الحقد والكيد في قلوبهم للإسلام وأهله. الحدث الخامس: بني قينقاع، فقد حدثت تلك الغزوة في السنة الثانية بعد بدر بشهر تقريبًا، وكان بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام عهدٌ، فلما كانت وقعة بدر أظهروا الحسد والبغي، ونقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع من بدر جمع اليهود فقال لهم: ((يا معشر يهود، أسْلِمُوا قبل أن يصيبَكم مثل ما أصاب قريشًا))، فكان ردُّهم سيئًا، واعتزوا بقوتهم، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: 12]، وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتحصنوا في حصونهم ودام الحصار عليهم خمسة عشر يومًا، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتفهم عليه الصلاة والسلام وأسرهم، ثم بدأ المنافق عبدالله بن أُبيِّ بن سلول يشفع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألحَّ عليه كثيرًا حتى قبِلَ النبي عليه الصلاة والسلام شفاعته، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا من المدينة، وأمهلهم ثلاثة أيام، وأوكل بهم عبادة بن الصامت، وطلبوا هم من عبادة زيادة المدة في الإمهال، فقال لهم عبادة رضي الله عنه: لا أمهلكم ولا ساعة من نهار بعد الثلاثة أيام، فأخرجهم من المدينة وأجْلَاهم عنها. الحدث السادس: غزوة السويق، وهي في الخامس من ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة؛ حيث إن أبا سفيان أقسم يمينًا أن يغزو محمدًا وصحبه؛ ليأخذ بثأر بدر، فخرج بمئتي رجل من قريش متجهًا إلى المدينة للحرب، فلما وصل أطراف المدينة ليلًا طرق الباب على حُيي بن أخطب زعيم بني النضير، فأبى أن يفتح عليه بابه؛ خوفًا من المسلمين، ثم اتجه إلى سلام بن مشكم وكان من ساداتهم أيضًا ففتح له وتحدث معه ساعةً، ثم خرج منه وبعث رجالًا من قومه الذين معه إلى بستان، فوجدوا فيه رجلين من المسلمين، فقتلوهما، ثم هربوا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليه الصلاة والسلام مائتي رجل من المهاجرين والأنصار، فخرج بهم عليه الصلاة والسلام يطلب هؤلاء، فهرب أبو سفيان ومن معه حتى ألقوا ما معهم من السويق؛ وهو نوع من الطعام؛ ليتخفَّفوا في هروبهم، فلما ولَّوا مدبرين رجع النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة إلى المدينة، وسميت بهذا الاسم؛ لكثرة ما ألقي من السويق ليتخفَّفوا في الهرب. الحدث السابع: إقامة عيد الأضحى، فهو أول عيد للأضحى في المدينة، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضحى هو وأهل اليسر من الصحابة، فقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين، وذلك بعد صلاة العيد، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الإمساك عن الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي. الحدث الثامن: وفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فقد كان من سادات المهاجرين، وهو ممن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وأيضًا هو ممن شهد بدرًا، وكان صاحب نُسُك وعبادة كثيرة، وقد أخرج البخاري (أن أم العلاء رضي الله عنها قالت: رأيت في النوم عينًا تجري لعثمان بن مظعون)، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك عملُه يجري له))؛ رواه البخاري. الحدث التاسع: غزوة بني سليم، وكانت في منتصف شهر الله المحرم من السنة الثالثة، فعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعًا من بني سليم وغطفان تجمعوا لقتاله، خرج إليهم عليه الصلاة والسلام بمئتي رجل من أصحابه رضي الله عنهم، فساروا إليهم، فهربوا منه ولم يبق إلا الراعي يسار ومعه الإبل يرعاها، فظفروا وغنموا تلك الإبل والراعي، وأعتق الراعي بعد ذلك الذي هو يسار، ثم أسلم هذا الراعي، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الإبل على الصحابة، وكان ذلك استغرق خمس عشرة ليلة. الحدث العاشر: غزوة غطفان، ففي المحرم من السنة الثالثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة رجل من أصحابه رضي الله عنهم، وذلك عندما جاءه الخبر أن جمعًا من غطفان اجتمعوا للإغارة على المدينة، فلما سمعوا بخروج رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة إليهم هربوا على رؤوس الجبال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سار إليهم حتى بلغ مكانًا يقال له ذو أمر، فعسكر به، وأصابهم مطر، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فرآه المشركون كذلك، فبعثوا رجلًا شجاعًا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، واسم هذا الرجل دعثور بن الحارث، فلما شعر به الرسول عليه الصلاة والسلام وهو قائم على رأسه والسيف بيد دعثور، فقال له: مَن يمنعك مني يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله))، فوقع السيف من يده على الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((مَنْ يمنعك مني؟))، قال دعثور: لا أحد، ثم قال بعد ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فرجع إلى قومه متغيرًا، فقالوا: ويلك! ما لك؟! فقال: لما جئتُ إلى محمد لأقتله نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري ووقعت لظهري، فوقع مني السيف، فعرفت أنه مَلَك، فأسلمتُ، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. الحدث الحادي عشر: مقتل كعب بن الأشرف، وهو من أشد اليهود عداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان شاعرًا مجيدًا، ولما علم بانتصار المسلمين في بدر، قال: إن كان ذلك صحيحًا، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها، فانبعث يهجو المسلمين، ويمدح كفار قريش، ويبكي على قتلاهم، فلما اشتد أذاه للمؤمنين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لكعب بن الأشرف؛ فإنه آذى اللهَ ورسولَه؟))، فانتدب له ثلاثة من الصحابة، وهم: محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشر، ودلَّهم على قتله، وذهبوا إليه، ولهم في قصة قتله حدث طويل كبير طريف رواه البخاري في صحيحه؛ لكن في آخر موقفهم قال لهما أبو نائلة- أي: قال لمحمد وعبَّاد -: سأشم الطيب في رأس كعب، فإذا تمكنت منه فاقتلوه، فلما تمكن منه قتلوه شر قتلة، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((أفلَحَتِ الوجوهُ))، والقصة طويلة وطريفة جدًّا، فليُرجَع إليها في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف، ولما قُتِل كعب - وهو من أشرافهم- ضعف اليهود واستكانوا، ودَبَّ الرعب والخوف في قلوبهم. الحدث الثاني عشر: سرية زيد بن حارثة، حيث إن قريشًا قالت: لا بد أن نذهب بتجارتنا إلى الشام وليس لنا طريق إلا بجوار المدينة، وإننا نخشى المسلمين أن يفعلوا بنا كما فعلوا في بدر، فسلكوا طريقًا بعيدًا عن المدينة يتَّجه إلى الشام، فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة بمئة راكب، فأدركوهم بمكان يقال له القردة، فاستولوا على العِير كلها، وهرب أهلها وأسر المسلمون دليل القافلة، وهو فرات بن الحارث، وأسلم عندما أُسِر وحسُن إسلامه. الحدث الثالث عشر: زواج عثمان بن عفان رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها بنت النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن عثمان تزوج اختها رقية بنت محمد عليه الصلاة والسلام وماتت، ثم تزوج بعدها أختها أم كلثوم. الحدث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر، فقد تزوجها في شعبان من السنة الثالثة، وكان عمر قد عرض نكاحها على عثمان بن عفان فأبى، ثم عرضها على أبي بكر رضي الله عنه فأبى، ثم تقدم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها، ثم قال أبو بكر بعد ذلك لعمر: لم أقبل الزواج بحفصة؛ لأني سمِعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها ليتزوجها. الحدث الخامس عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت خزيمة، فقد تزوَّجها في شهر رمضان من السنة الثالثة، وكانت رضي الله عنها تُسمَّى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها لهم، ولم تلبث إلا ستة أشهر تقريبًا حتى توفيت ولها ثلاثون سنة، فصلَّى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودُفِنَتْ في البقيع. إخواني وأخواتي الكرام، هذه خمسةَ عشرَ حدثًا حصلت بين غزوة بدر وأُحُد، ولعلنا نختم تلك الحلقة ببعض الدروس والعِبَر من تلك الأحداث، فمن الدروس في تلك الأحداث ما يلي: الدرس الأول: أن من نوى عملًا من أعمال الخير، ثم منعه مانع منه، فإنه يُكتَب له أجر ذلك العمل فضلًا من الله عز وجل ورحمة، وهذا مستنبط من بقاء عثمان بن عفان رضي الله عنه لتمريض زوجته رقية، وقد عقد العزم على الخروج إلى غزوة بدر؛ لكنه منعه ذلك المانع؛ وهو مرض زوجته رقية رضي الله عنها؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لك أجْرَ مَن شهِدَ بدرًا وسَهْمَه))؛ رواه البخاري، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء: 100] وقد استنبط أهل العلم من ذلك حكمًا؛ وهو أن مَن منعه مانع من أداء العمل الذي عزم على فعله، فإنه يُكتَب له أجرُه، فالحمد لله على سعة فضله ورحمته على عباده، فلا تضِق ذَرْعًا إذا مُنعت من خير قد عزمت على فعله، فاهنأ بفضل الله تبارك وتعالى؛ فقد كتب لك الأجر وإن لم تعمل. الدرس الثاني: يتعين علينا العناية بتسمية أبنائنا وبناتنا الأسماء الحسنة ذات المعاني السامية الطيبة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّى أبناءه الحسن والحسين ومحسنًا، وبدل تسميتهم الأولى بحرب؛ فهي تفيد معنى الإحسان وذلك بخلاف الأسماء ذات المعاني السيئة أو أسماء أعداء الإسلام أو الأسماء الأجنبية، فكل هذا محظور، ففي الغالب أن المسمى له نسبة من اسمه؛ فقد ورد عن المسيب عن أبيه عن جده قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اسمُكَ؟))، قلتُ: حزن، قال: ((بل أنت سهل))، قال: لا أغير اسمًا سمَّاني به أبي، فقال المسيب: ما زالت الحزونة فينا بعد؛ رواه البخاري. فيا معاشر الأولياء، اختاروا لأولادكم الأسماء الحسنة ذات المعاني السامية، فهذا من أسباب صلاحهم. الدرس الثالث: لقد حثَّ الإسلام على العقيقة عن المولود؛ حيث عقَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وهي سنة مؤكدة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الغلامُ مرتهنٌ بعقيقتِه)) ويقول أيضًا عليه الصلاة والسلام: ((كُلُّ غلامٍ مرتهنٌ بعقيقته، تُذبَح عنه اليوم السابع، ويحلق، ويُسمَّى))؛ صححه الألباني وغيره، وهي عن الذكر والأنثى، فللذكر شاتان، وللأنثى شاة، ولو ذبح شاة عن الذكر لجاز ذلك، وقد كان اليهود يعقُّون عن الذكر ويتركون الأنثى، وفي هذا تكريم من الإسلام للمرأة، وتُذبَح العقيقة في اليوم السابع من ولادته، وهذا على سبيل الاستحباب، ومن منافعها قيل: إنه محبوس عن الشفاعة لوالديه حتى يعق عنه، وقيل أيضًا: إنها نوع من أسباب حفظه من الشيطان، ومن لم يعق عنه حال صغره فله أن يذبح له عقيقة ولو كان كبيرًا. الدرس الرابع: بيان خطر النفاق والمنافقين، فإن فعل المنافق هو خير في الظاهر؛ لكنه ليس لله عز وجل، فهو تعب بلا ثمرة، وليسأل الإنسان ربَّه عز وجل الثبات على الحق، ويبذل جهده في الإخلاص لله تعالى في أقواله وأفعاله، ولو نظرنا إلى عمل المنافقين لرأيناها صلاةً وصَدَقةً وصيامًا وغيرها من العبادات؛ لكنها هباء منثور، فلنستعذ بالله تعالى من حالهم، ولنبتعد عن صفاتهم ونفاقهم العملي والاعتقادي، فعملهم كعمل المسلمين؛ لكن فقدوا ثمرة العمل بسبب تلك النية الفاسدة، نسأل الله تعالى العافية. الدرس الخامس: إن الصدقة الجارية هي أجر وحسنات تُكتَب للإنسان في حياته وبعد مماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مظعون في تفسير الرؤيا: ((ذاك عمَلُه يجري له))، فهل جعلنا لأنفسنا أعمالًا تجري لنا من الصدقات الجارية، فما أحوجنا لذلك! وإنني ألفتُ نظرك أخي الكريم إلى أن الصدقة الجارية ليس لزامًا أن تحتوي على كلفة مادية مالية؛ كبناء مسجد، أو حفر بئر، ونحوهما، فهذه الصدقات ذات الكلفة المالية هي على رأس الصدقات الجارية فضلًا وأجرًا وغنيمةً؛ ولكن لمن لا يستطيعها فإن لديه صدقات جارية هي خالية من المال تمامًا، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ دلَّ على خير فله مثلُ أجْرِ فاعلِه))؛ رواه مسلم، فعندما تُعلِم أحدًا من الناس بعمل صالح فيعمله، فهو صدقة جارية لك، وإنني أذكر لك صورةً من أبدع الصور في ذلك، وغيرها كثير، وذلك أن أحدهم تحدث مع أصحابه مدة لا تزيد عن دقيقتين في رحلة لهم، وذلك عن صيام يوم الاثنين، فلما انصرفوا تحدَّث أحد هؤلاء الجالسين مع زوجته عن ذلك الصيام لذلك اليوم المبارك، فشجَّعَتْه زوجتُه على صيام ذلك اليوم، فيقول: صُمْنا بعد ذلك مدة ثلاثين عامًا ولا نزال نصوم، وهي ما يعادل تقريبًا ثلاثة آلاف يوم، وكلها في ميزان ذلك المتحدث، فكان هذا الكلام المختصر صدقةً جاريةً لهذا المتحدث فيا بُشْراه! فلنكن جميعًا كذلك، ولنحفظ بعض الأحاديث المختصرة الثابتة، ولنجعلها مشروعًا لنا وصدقةً جاريةً لنا في مجالسنا، ومع أهلنا وأبنائنا وأصحابنا، وأيضًا في وسائل التواصل لدينا، وذلك مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّت خطاياه، وإن كانتْ مثل زَبَد البحر))؛ رواه البخاري. فاجعل هذا الحديث العظيم في فضله واليسير في تنفيذه، اجعله وأمثاله صدقةً جاريةً لك في حياتك وبعد مماتك، فستنهال عليك الحسنات والأجور بإذن الله تبارك وتعالى، ولا تغفل عن ذلك ولا تُسوِّف. الدرس السادس: عندما نقرأ أو نسمع شيئًا من الأعمال والأقوال الصالحة لا يحسن بنا أن تكون حبيسة الأفكار والأذهان؛ بل إن من الدعوة إلى الله تعالى نشرَ ذلك ليكون أجرًا وذخرًا لنا، وذلك مقتبس من موقف دعثور عندما أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فسقط من يده السيف، وفي الأخير أسلم وذهب دعثور إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام واجتهد في ذلك فلم يكن أنانيًّا فيما كسبه من الخير؛ بل ذهب إلى قومه يدعو إلى الله عز وجل، فلنكن نحن كذلك عندما نعلم شيئًا من الخير، فهو مرصود لنا في الموازين، فاستثمر مجالسك بذلك يا رعاك الله. الدرس السابع: لقد عرض عمرُ حفصةَ على عثمانَ، وبعده على أبي بكر رضي الله عنهما، فلم يرغبا في ذلك، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك درس عظيم لنا معاشر الأولياء؛ ألا ننتظر في بناتنا حتى يأتي الخُطَّاب؛ بل إذا علمنا أن فلانًا كُفْئًا، فلنلتمس ذلك بالطرق المناسبة، ولنعرض عليه بالأسلوب المناسب، فالبيوت قد امتلأت بسبب ذلك الانتظار، ولو كنا إذا رأينا الكفء وعلمنا ذلك تمامًا مدَدْنا الجسور للموافقة، لكان ذلك طريقًا حسنًا في سرعة تزويج بناتنا، واختصرنا كثيرًا من الجهود والأوقات، وفي المقابل أيضًا إذا تقدم الكُفْء فلا يطيل الوليُّ في السؤال والتسويف، ثم يكون ذلك حجرَ عثرةٍ في التزويج؛ بل يستعجل بلا خَلَلٍ. الدرس الثامن: بعض المواقف تكون مكروهةً للنفس؛ لكن وراءها الخير العظيم، وذلك يتضح من خلال أسْرِ دليل قريش في سير عِيرهم إلى الشام، وهو فرات بن حيان، فلما تم أسْرُه كره ذلك كثيرًا وحزن له واهتمَّ؛ ولكنه كان سببًا في إسلامه، فنحن يحصل لنا في مواقفنا الحياتية أمور نكرهها وربما كان الخير فيها، والله عز وجل يقول: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، فوطِّن نفسك عند حصول أي موقف تكرهه أنه ربما كان خيرًا وأنت لا تعلم، فإن هذا يُسهِّل عليك في هذا الموقف غير المرغوب، وقد لا يخلو ذلك الموقف من نسبة إيجابية، ففكِّر فيها منطلقًا منها؛ ليخف عليك ذلك المكروه. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا السداد والهُدى والرشاد، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#20 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (18) الشيخ خالد بن علي الجريش غزوة أُحُد بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: إخواني الأكارم، ذكرنا في الحلقة الماضية الأحداث التي حدثت بين غزوة بدر وأُحُد، وهي كثيرة، فقد ذكرنا خمسة عشر حدثًا، ذكرناها باختصار، والآن في حلقتنا هذه نبدأ بعرض لغزوة أُحُد، فقد حدثت تلك الغزوة في منتصف نهار يوم السبت للنصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وكان سببها أن قريشًا لما رجعوا من غزوة بدر، وأصيبوا بتلك المصيبة العظيمة في قتل صناديدهم، فقد تشاوروا بعد ذلك في استحداث حرب شاملة ضد المسلمين ليأخذوا بثأرهم، وكان من أشدهم إصرارًا على ذلك عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان، وكذلك عبدالله بن أبي ربيعة. فأول إجراءاتهم أنهم قالوا لأصحاب العِير التي نجا بها أبو سفيان: إنَّ محمدًا قد وتركم- أي: قتل أشرافكم- فأعينونا بهذا المال في تلك العِير ليكون زادًا لهذه الحرب، فأجابوهم لذلك ووافقوا عليه، وكانت ألف بَعير وخمسين ألف دينار، وتجهَّزت قريش وساروا في القبائل يدعونهم لمشاركتهم بنفوسهم وأموالهم في هذه الحرب، فاجتمع لهم ثلاثة آلاف مقاتل، وسبعمائة دارع، ومئة فرس، وثلاثة آلاف بعير، وخرجوا ببعض نسائهم معهم ليضربوا الدفوف، وكُنَّ خمس عشرة امرأة، وكن يُحرِّضْنَ الرجال على القتال، وكانت القيادة العامة عند أبي سفيان، وقيادة الفرسان عند خالد بن الوليد بمساعدة عكرمة بن أبي جهل، وكان اللواء بيد بني عبدالدار، فلما تجهَّزت قريش وخرجت، بعث العباس بن عبدالمطلب- وكان بمكة- برسالة عاجلة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يخبره بما اتفقت عليه قريش، وبخروجها وتفاصيل تلك الحرب، وأرسلها مع رجل من بني غفار، وشرط عليه أنه في ثلاثة أيام يسلم تلك الرسالة للنبي عليه الصلاة والسلام، فأتى ذلك الرجل، وأدرك الرسول عليه الصلاة والسلام في مسجد قباء، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها لأبي بن كعب، فقرأها عليه، فأمره بالكتمان، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم عاد مسرعًا إلى المدينة، وأخذ يستشير أصحابه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم حينها بحراسة المدينة في مداخلها ومطالعها، وأما قريش فقد ساروا من مكة حتى أقبلوا على المدينة، واقتربوا منها حتى نزلوا قريبًا من جبل أُحُد، وكانت مساحة المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي مساحة المسجد الآن مع توسيعاته تقريبًا، فلما وصل جيش المشركين عسكروا قريبًا من الجبل، وكان وصولهم ليلة الخميس في اليوم الخامس من شهر شوال- أي: قبل المعركة بعشرة أيام- وحينها بعث النبي صلى الله عليه وسلم عينين له يأتيانه بأخبار القوم، وهما أنس ومؤنس ابنا فضالة، فأتياه بأخبارهم، وبعث أيضًا الحباب بن المنذر، فدخل فيهم خفية، فعرف عددهم، وجاء بأخبارهم، ولما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الغزوة، فاختلفوا على رأيين؛ فطائفة منهم ترى القتال داخل المدينة فتحرس المدينة وتتحصن بها، وإذا دخلها العدو قاتلوه، وطائفة أخرى ترى أن يخرجوا إلى العدو خارج المدينة ويقاتلوه، ولعل الثاني هو رأي الأكثرية؛ وهو الخروج من المدينة، فاستجاب لهم النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بيته ولبس لَأْمَةَ الحربِ، فكأنهم شعروا أنهم أكرهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الرأي، فأرادوا التراجع عن رأيهم بالخروج؛ لأنه كان من رأي النبي صلى الله عليه وسلم البقاء في المدينة؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ((ما كانَ لنبيٍّ إذا لبسَ لَأْمَتَه أن يضعَها حتى يقاتل))، وعقد النبي صلى الله عليه وسلم الألوية، فجعل لواء الأوس مع أسيد بن حضير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء المهاجرين مع مصعب بن عمير، ولما وصل مكانًا بين المدينة وأُحُد في المساء صلى فيه المغرب والعشاء، وباتوا هناك، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلًا يحرسون المعسكر، ثم استيقظوا قبيل الفجر وساروا إلى أُحُد، وصلوا الفجر في طريقهم، وفي هذا الصباح الباكر رجع عبدالله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين بثلث الجيش مخذلًا لهم، وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم سبعمائة، وكانوا قبل ذلك ألفًا، فلما وصلوا إلى أُحُد جعل النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلًا على جبل الرُّماة، وجعل عبدالله بن جبير أميرًا عليهم، وقال لهم: ((لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظَهَرْنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظَهَرُوا علينا فلا تعينونا))؛ رواه البخاري. وأخذ الراية مصعب بن عمير وبدأ القتال، وكان النصر للمسلمين، فبدأ المسلمون يقذفون رؤوس المشركين قطفًا بالسيوف قتلًا وفتكًا، وهذا نصر مبين للمسلمين؛ ولكن المصيبة بعد ذلك أطلَّتْ برأسِها على المسلمين، فحيث هُزم المشركون وولَّوا مدبرين، قال نفر ممن كانوا على جبل الرُّماة: الغنيمةَ الغنيمةَ، فناداهم أميرهم عبدالله بن جبير مُذكِّرًا لهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبرحوا))، فأبوا ذلك، ونزلوا عن الجبل ظنًّا منهم رضي الله عنهم أن المعركة قد انتهت وأنه أيضًا تحقَّق النصر للمسلمين، ولم يثبت على جبل الرُّماة إلا عشرة تقريبًا، وقد كان المشركون قد جاءوا ثلاث مرات ليقتلوا المسلمين عن طريق جبل الرُّماة فيفاجئون بهؤلاء الرُّماة يمطرونهم بالسهام والنبال، فيرجعون خاسرين؛ ولكنهم في هذه الأثناء وبعد نزول أكثر الرُّماة عن الجبل، رجع المشركون بقيادة خالد بن الوليد حيث لم يكن مسلمًا آنذاك، فصعدوا الجبل وقتلوا هؤلاء العشرة الباقين، وبدأوا يُطلقون السهام على المسلمين حتى أصابوا كثيرًا منهم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أصابه بعض السهام، وكُسِرت رَباعِيَتُه، وشُجَّ وجهُه عليه الصلاة والسلام. وحينما أصيب المسلمون بذلك انقسموا ثلاث فرق: فرقة فرَّت وتولَّت عن الميدان، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]، وفئة ثانية قعدت في أرض المعركة دون قتال، وفئة ثالثة استمروا على القتال، وفي هذه المرحلة أشرف أبو سفيان على المعركة، فقال: أفي القوم محمد? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تُجِيبوه))، ثم قال: أفي القوم أبو قحافة? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجيبوه))، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب? ثم قال أبو سفيان: إن هؤلاء قد قُتِلوا ولو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه حتى قال: كذبت يا عدوَّ الله، وقد أبقى الله عليك ما يخزيك، وحينها دخل نفس أبي سفيان الخور والجبن والخوف. وكان من مواقف غزوة أحد أنه كان مع جيش المسلمين شيخان كبيران، وهما ثابت بن وقش واليمان والد حذيفة بن اليمان، فقد أذِنَ لهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقيا في المدينة؛ لكبرهما، فقال أحدهما للآخر بعد أن انصرف الجيش إلى أُحُد: أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، لعل الله أن يرزقنا الشهادة، فأخذا أسيافهما وخرجا، ولم يعلم بهما المسلمون، أما ثابت فقتله المشركون، وأما اليمان فقد قتله المسلمون خطأً حيث لم يعرفوه، وناداهم حذيفة قائلًا: إنه أبي، إنه أبي، فقالوا: ما عرفناه وقد قتلوه، فقال حذيفة رضي الله عنه: يغفر الله لكم، وتصدَّق حذيفة بديته على المسلمين. وفي تلك الغزوة غزوة أُحُد قُتِل مصعب بن عمير، وهو حامل اللواء، فقد ضربه ابن قمئة في يده اليمنى فقطعها، فحمل مصعب الراية بيده الأخرى وهو يقول ويقرأ: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]، ثم قتله ابن قمئة، فرفع الراية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال المشركون عندما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم جراحًا وآذوه، قالوا ما قالوا في ذلك؛ لأنهم سروا بهذه الأذية للنبي عليه الصلاة والسلام، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد قال: ((اشتدَّ غضبُ اللهِ على قوم دَمَّوا وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهشَمُوا عليه البَيْضة، وكسروا رَباعِيَتَه))؛ أخرجه البخاري. وفي تلك الغزوة دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم عددٌ من الصحابة، فقُتل بعضهم، ونزلت الملائكة تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحفظه بأمر الله عز وجل، فقد روى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بِيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد، زاد مسلم: يعني جبريل وميكائيل، ولم تقاتل الملائكة إلا في بدر، أما في أُحُد فهي نزلت تدافع وتحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله، وكان ابن قمئة عندما قتل مصعب بن عمير- وكان مصعب يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم- رجع إلى قومه وقال: قتلتُ محمدًا، وصرخ بها الشيطان، فلما سمِعَه المسلمون عظُم ذلك في نفوسهم، وضعف بعضهم، وقوي المشركون، ووقف جمْعٌ من الصحابة يدافعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نادى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((إليَّ عبادَ الله، إليَّ عبادَ الله)) فقويت نفوسهم عندما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يُناديهم، وممن استمات في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة؛ حيث بدأت المصيبة والضعف في المسلمين يوم أُحُد، فكان أبو طلحة مترس على النبي صلى الله عليه وسلم بترس معه يحميه من المشركين، وكان أبو طلحة راميًا شجاعًا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف ينظر إلى القوم فيقول له أبو طلحة: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، نحري دون نحرك، لا تنظر حتى لا يصيبك سهم من سهامهم؛ رواه البخاري ومسلم. وحين اشتد الخوف على المسلمين لطف الله عز وجل بهم، وأنزل عليهم النعاس أمَنةً؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154] الآية، وأخذ المسلمون يداوون جَرْحاهم، ويداوون جراح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((اشتدَّ غضبُ اللهِ على مَن دَمَّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ومن بين النصر والهزيمة سجَّل المسلمون وسطروا ألوانًا من الشجاعة، فقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم سيفًا فقال: ((من يأخُذُه بحقِّه))، فقال أبو دُجانة: أنا آخذُه بحقِّه يا رسول الله، فأخذه وفلق به هامات المشركين، وحمزة أبلى بلاءً حسنًا حتى إنه كان يقطف رؤوس المشركين قطفًا، وكان سعد بن أبي وقاص ينثر له النبي صلى الله عليه وسلم كِنانته وسهامه ويقول: ((ارْمِ فِداكَ أبي وأُمِّي))، وكذلك حنظلة بن أبي عامر، خرج إلى أُحُد وأبلى بلاءً حسنًا، فلما قُتِل قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((إنَّ صاحبَكم تُغسِّله الملائكةُ))، فاسألوا صاحبته عن ذلك، فقالت: إنه خرج وهو جُنُب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلذلك غسَّلَتْه الملائكة)). إخواني وأخواتي الكرام، هذه بعض المواقف والأحوال من غزوة أُحُد، ولنختم حلقتنا تلك بذكر بعض الدروس والعبر في تلك الغزوة، وهي ما يلي: الدرس الأول: أهمية الاستشارة؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج قريش جمَعَ صحابته رضي الله عنهم، وعقد معهم مجلس شورى، مع أنه عليه الصلاة والسلام مؤيد بالوحي، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، فيا أخي الكريم، إن إقدامك على ما تريد بعد استشارة غيرك يفتح لك آفاقًا فيه، ويجعلك بإذن الله تعالى بعيدًا عن الندم والأسف، ولعل الاستشارة هي من صفات الناجحين؛ حيث جمعوا عقول الآخرين وأخذوا خلاصتها، فأنت لست عالمًا بكل شيء ولا مدركًا لكل شيء؛ ولكن شاور في كل أمر أهلَه؛ ولكن أيضًا لا تضع شؤونك بضاعةً مزجاةً لكل الناس، فالاستشارة لها ميزان، متى زادت انقلبت إلى حيرة؛ ولكن خذها بقدرها المعقول. الدرس الثاني: في هذه الغزوة مظهر عظيم من مظاهر اللطف الرباني بعباده؛ حيث اشتد الخوف على المسلمين في أحد مراحل الغزوة، فلطف الله عز وجل بهم بنُعاس يريحهم ويذهب معه خوفهم، وتطمئن معه نفوسهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ [الأنفال: 11]، فالله تعالى سمَّى نفسه اللطيف، ووصف نفسه بأنه لطيف بعباده عندما تشتدُّ الأزمة، فاستعن بالله عز وجل، واطلب منه اللطف والمعونة، واعلم أن الإجابة قريبة؛ ولكن مشكلة البعض أنه في مشاكله وأزماته ربما أنه اهتمَّ بالأسباب الحسية أكثر من الأسباب المعنوية من الدعاء والالتجاء واستشعار قرب الله تعالى إليه ولطفه به؛ لأنه عبده وخلق من خلقه، فكم هو جميل أننا نجعل جانبًا كبيرًا في حل مشاكلنا في توجهنا إلى الله عز وجل ودعائنا إياه وانتظارنا ذلك، فنحن حينما نفعل ذلك فنحن في عبادة عظيمة؛ فالمريض والفقير والمدين والسجين والأيم ومن تلاطمت به أمواج البأساء وغيرهم- نسأل الله تعالى أن يرفع ما حلَّ بهم- أين هم من التوجُّه إلى الله عز وجل ليلطف بهم، فربما انكشفت مشاكلهم بسبب ذلك، وما ذلك على الله بعزيز، صرفَ اللهُ عنا وعنهم شرَّ ما قضى. الدرس الثالث: هو درس عظيم حصل بقدر الله تعالى الكوني، وعلينا أن نستلهم الدروس مما يقع سواء كان لنا أو علينا، ففي تلك الغزوة كان النصر للمسلمين؛ بل تم قتل عدد من المشركين وكادت الهزيمة أن تحيط بالكفار؛ بل قد أحاطت بهم إلى حد كبير، وفي تلك الأثناء وفي ثنايا تلك الهزيمة للمشركين فإذا بالرُّماة الذين أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا في مكانهم ولا يغادروه مهما كانت الحال إذا بهم ينزلون عن الجبل ظنًّا منهم رضي الله عنهم أن المعركة قد انتهت وأن العدوَّ قد هُزِم وأن المسلمين قد انتصروا، وهذه معصية ولو كانت باجتهاد، وقد ناداهم أميرهم فلم يسمعوا قوله، فماذا كانت نتيجة تلك المعصية? لقد تعدَّدت آثارها السلبية وخسائرها البشرية وسلبياتها النفسية؛ مما جعل الأمر ينعكس من نصر للمسلمين إلى هزيمة عليهم، إن الآمِر وهو النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي عندما أمرهم ألا ينزلوا مهما كانت الظروف؛ ولكنهم رضي الله عنهم اجتهدوا فنزلوا ولا اجتهاد مع النص، فحصل بنزولهم ذلك تلك الآثار التي شملت النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه، وشجعت أيضًا المشركين وساهمت في تقوية عزيمتهم؛ لأنه بنزول الصحابة عن الجبل صعد عليه المشركون فقتلوا مَن تبقَّى من الخمسين رجلًا؛ حيث بقي منهم عشرة، ثم بدأ المشركون ينبلون المسلمين ويرمونهم، وقد نزل بذلك قوله تعالى: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 152] حتى حصل ما لم يكن بالحسبان، ومما حصل من الأضرار ما يلي: أولًا: انفلت زمام المسلمين وحصلت نسبة من الفوضى عندما رأوا المشركين على الجبل. ثانيًا: من الخسائر في خلال تلك المعصية في تلك الفوضى والانكشاف ظهر حمزة رضي الله عنه لوحشي الذي جاء ليقتل حمزة خاصة، وكان على غفلة من حمزة، فقتل وحشي حمزة رضي الله عنه، وهو أسد الله وأسد رسوله. ثالثًا: من الأضرار قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الراية، فأخذها عليٌّ بعد مصعب. رابعًا: من الخسائر أن ابن قمئة لما قتل مصعب بن عمير كان مصعب يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ للمشركين وقال: قتلتُ محمدًا، فلما سمِعَه المسلمون فترتْ نفوسُهم، ولاذ بعضُهم بالفرار. خامسًا: من الخسائر من تلك المعصية مقتل السبعة من الأنصار الذين كانوا يدافعون عن النبي صلى الله عليه وسلم. سادسًا: من الخسائر، أصيبت شفة النبي صلى الله عليه وسلم السُّفلى من حجارة عتبة بن أبي وقاص. سابعا: من الخسائر، كُسِرت رَباعِية النبي صلى الله عليه وسلم. ثامنًا: شج النبي صلى الله عليه وسلم في جبهته. تاسعًا: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف على منكبه، فشكى منها شهرًا كاملًا. عاشرًا: من الخسائر ضرب النبي صلى الله عليه وسلم على وجنتيه، وهما خداه، فدخلت حلقات المغْفَر في وجنته صلى الله عليه وسلم. حادي عشر: سقوط النبي صلى الله عليه وسلم في الحفرة التي حفرها له أبو عامر الفاسق. ثاني عشر: من الخسائر خروج الدماء من النبي صلى الله عليه وسلم. ثالث عشر: قتل الرُّماة الذين بقَوا على الجبل. هذه الآثار هي من آثار تلك المخالفة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم علمًا أن تلك المخالفة جاءت باجتهاد وظن أن المسلمين قد انتصروا، فكيف بمن يعمل المعصية عن عمد، ويعلم أنها معصية، فإن لفعله هذا آثارًا عظيمة في نفسه وفي غيره، نجملها فيما يلي: أولًا: من أضرار المعصية عمومًا أنها مخالفة لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: أنه قد يحرم الرزق بسببها. ثالثًا: أن المعصية تجر اختها. رابعًا: ضعف الأمن؛ حيث يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. خامسًا: من أضرار المعصية البقعة تشهد عليه بفعل تلك المعصية. سادسًا: أن الجوارح تشهد عليه كذلك. سابعًا: من أضرار المعصية أن الشيطان يكثر ولوجه إلى قلبه إذا استمرأ المعصية. ثامنًا: من أضرار المعصية أنه قد يراه أحد فيقتدي به؛ فيكون عليه مثل وِزْره. تاسعًا: من أضرار المعصية أنه قد يختم له بها، وهذه مصيبة عظيمة. عاشرًا: من أضرار المعصية أنه قد يراه الآخرون، فلا ينهونه عنها، فيتحملون سيئة عدم النهي عن المنكر. حادي عشر: من أضرار المعصية أنها تنزع الحياء من نفس العاصي. ثاني عشر: من أضرار المعصية أنها قد تحرم العاصي بعض الطاعات. إن تلك الآثار هي من آثار المعاصي عمومًا، فيا أخي الكريم، احذر فعل المعصية، وإذا سوَّل لك الشيطان ففعلتها فاحذر استدامتها؛ ولكن تُبْ منها، فلكل مرة من فعلها الشؤم والنقص عليك وعلى غيرك، ومن المعاصي الظاهرة التي تحتاج إلى تغيير ما يلي: أولًا: إسبال الثياب، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أسْفَل من الكعبينِ من الإزارِ ففي النارِ))؛ رواه البخاري. ثانيًا: الغِيبة والنميمة وسائر آفات اللسان، فهي تحرق الحسنات، وتنقلها إلى غيرك. ثالثًا: أكل الحرام بالربا والرشوة أو غيرهما، وكل جسم نبت من سُحْت، فالنارُ أولى به، وأن هذا المال الحرام غرمه على ظهرك وغنمه لغيرك، فاحذر ذلك. رابعًا: آفة التدخين والمخدِّرات والمسكرات. خامسًا: عقوق الوالدين والقطيعة للرحم. سادسًا: النظر والسماع للحرام. سابعًا: التهاون بالصلاة وتأخيرها وجمعها من غير عذر. ثامنًا: الرياء والنفاق في الأقوال والأعمال. إن تلك المعاصي وما يماثلها هي أسباب التأخُّر والضعف، فعلينا معالجتها ما دمنا قادرين على ذلك قبل أن ننتقل إلى زمان ومكان لا يمكن فيه التغيير وهو يوم القيامة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يمن علينا بعفوه ومغفرته ورحمته، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#21 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (19) الشيخ خالد بن علي الجريش تكميل لأحداث غزوة أُحُد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:فقد ذكرنا في الحلقة الماضية شيئًا من أحداث غزوة أُحُد وتاريخها، وسبب حدوثها، وكيف بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروج قريش، وماذا عمل حينها، وأيضًا كذلك ذكرنا استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الخروج من عدمه، وأيضًا ذكرنا كيف بدأ القتال وكيف كان النصر للمسلمين، ثم بخطأ حدث عند المسلمين حصلت أضرار جِسام، وأيضًا ذكرنا كيف تصرَّف النبي صلى الله عليه وسلم حيال ذلك، إلى غير ذلك من الأحداث، ونستكمل في هذه الحلقة أحداث تلك الغزوة التي هي غزوة أُحُد، فمن أحداثها ما يلي: مقتل عبدالله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله عنهما، فهو من الذين أبلَوا بلاءً حسنًا، فقد أخرج البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: جيء بأبي مسجى، فأردتُ أن أرفعَ الثوب عنه، فنهاني قومي، فرفعه النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت باكية، وهي أخته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لمَ تبكي؟ فما زالت الملائكة تظِلُّه بأجنحتها حتى رُفِع))؛ رواه البخاري، وكان عبدالله قد أوصى ابنه جابر، فقد روى البخاري أن جابرًا قال: دعاني أبي من الليل في أُحُد، وقال: ما أراني إلا مقتولًا، فإنَّ عليَّ دَينًا فاقضه واستوصِ بأخواتك خيرًا؛ رواه البخاري. ومن الأحداث في تلك الغزوة ما وقع لحنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه، وكان أبوه أبو عامر عدوًّا لدودًا للإسلام، وتأمَّل كيف يُخرج الله الحيَّ من الميت! وقد كان حنظلة رضي الله عنه لما سمع بتلك الغزوة خرج إليها، فالتقى بأبي سفيان قائد قريش، فعلاه بسيفه ليقتله؛ ولكن رآه شداد بن الأسود فقتله قبل أن يقتل حنظلة أبا سفيان، فلما قتل حنظلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ صاحبَكم حنظلة تُغسِّله الملائكة، فسَلُوا صاحِبَته))، فقالت: خرج وهو جُنُب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فذاك قد غسَّلته الملائكةُ))؛ أخرجه ابن حبان والحاكم، وكان حنظلة رضي الله عنه يُلقَّب بغسيل الملائكة. ومن الأحداث في تلك الغزوة ما وقع للأصيرم، وهو عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم، وهو من بني عبد الأشهل، وكان يأبى الإسلام حين قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولما حدثت تلك الغزوة التي هي غزوة أُحُد قذف الله الإسلام في قلبه، فأسلم ولحِق بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بعدما ذهبوا، فلما هدأت المعركة أخذ بنو عبد الأشهل يتفقدون قتلاهم، فرأوا الأصيرم ولم يعلموا بإسلامه، وهو في آخر رمق، فقالوا: ما الذي جاء بك؟ آشفقتَ على قومك أم أسلمتَ؟ فقال: بل أسلمتُ وآمنتُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّه مِن أهلِ الجنةِ))، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ولم يُصلِّ للهِ صلاةً قَطُّ؛ أخرجه أحمد، وإسناده حسن. وفي نهاية تلك الغزوة أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على القتلى والشهداء، ثم قال: ((أنا شهيدٌ على هؤلاءِ يومَ القيامةِ))؛ رواه البخاري، وأيضًا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدفَن الشهداء بدمائهم، ولم يُغسِّلْهم؛ كما عند البخاري، وقال الإمام البغوي: اتفق العلماء على أن شهيد المعركة مع الكُفَّار لا يُغسَّل، وأما الصلاة عليهم فقد اختلف أهل العلم بذلك؛ لورود نصوص تثبت ونصوص أخرى تنفي؛ ففي البخاري في كتاب المغازي أمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلَّ عليهم ولم يُغسَّلوا، وجاءت نصوص أخرى تثبت الصلاة عليهم، وقد جمع بينها أهل العلم؛ كابن القيم رحمه الله؛ حيث قال: والصواب في المسألة أنه مُخيَّر بين الصلاة عليهم وتركها؛ لمجيء الآثار بكلا الأمرين، وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد؛ وذلك لما حصل عليهم من الجراح والتعب رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد شكوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: كيف تأمرنا بقتلانا، فقال: ((احفروا وأوسعوا وأحسنوا وادفنوا في القبرِ الاثنينِ والثلاثةَ))، قالوا: يا رسول الله، مَن نُقدِّم؟ قال: ((أكثرهم جَمْعًا وأخْذًا للقرآنِ))؛ أخرجه أحمد. واستشهد في تلك الغزوة من المسلمين سبعون شهيدًا، وكان أناس من المسلمين قد احتملوا قتلاهم لدفنهم في المدينة، فناداهم منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ردُّوا القتلى إلى مصارعهم، فردوهم إلى مكانهم في أُحُد، وقد أكرم الله عز وجل هؤلاء الشهداء؛ فقد روى البخاري في صحيحه أن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كان أبي أول قتيل ودُفِن معه آخر في قبر واحد، ثم لم تطِبْ نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه؛ رواه البخاري، وفي لفظ آخر، قال جابر: دخل السيل قبر أبي فحفرتُه، فرأيتُه كأنه نائم ولم يتغيَّر منه إلا اليسير، وكان ذلك بعد ستة وأربعين عامًا من دفنه وحده، وأما قتل المشركين فبلغوا ثلاثة وعشرين رجلًا، ولما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى المدينة بعد أُحُد فاستقبلهم أهل المدينة، وكان منهم حَمْنة بنت ، فنُعي لها أخوها عبدالله بن ، فاسترجعت واستغفرت، ونُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت، ثم لما نُعي لها زوجُها مصعب بن عمير صاحت وولولَتْ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ زوجَ المرأة منها لبمكان))، وخرجت امرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها فقتلوا، فلما نُعُوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: هو بخير يا أم فلان، وهو كما تحبين والحمد لله، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأُشير إليه، فلما رأتْه قالت: كل مصيبة بعدك يسيرة هيِّنة؛ ذكره ابن إسحاق والبيهقي. وبات المسلمون تلك الليلة يحرسون المدينة من العدوِّ بعد غزوة أُحُد مباشرة، وبات بعض الأنصار يحرسون الرسول عليه الصلاة والسلام في بيته، ثم بعد غزوة أحد بيوم واحد فقط حدث ما يسمى بغزوة حمراء الأسد؛ حيث كانت أُحُد في يوم السبت، وكانت حمراء الأسد في يوم الأحد لسِتَّ عشرةَ ليلة مضت من شوال، فقد كان سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أبا سفيان بن حرب يريد الرجوع بقريش إلى المدينة ليستأصلوا المسلمين، فقد أخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما لما انصرف جيش المشركين عن أُحُد وبلغوا الروحاء، وهو مكان يبعد عن المدينة خمسين كيلو مترًا تقريبًا، قال بعضهم لبعض: لم تقتلوا محمدًا ولا أسرتم أسرى، ارجعوا إليهم فلنقاتلهم في المدينة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس حتى خرجوا فبلغوا حمراء الأسد، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح في المدينة أمر بلالًا أن يُنادي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدوِّ، ولا يخرج معنا إلا مَن شهد القتال بالأمس في أُحُد إلا جابر بن عبدالله، فقد قال: يا رسول الله، إن أبي قد قُتِل بالأمس في أُحُد، وقد خلفني على أخوات لي سبع، ولا أحب أن تتوجَّه يا رسول الله وجهة إلا وأنا معك، فأذن لي أن أخرج إلى حمراء الأسد، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخرج أحد لم يشهد القتال في أُحُد غير جابر. واستأذن عبدالله بن أبي بن سلول بأن يذهب إلى القتال، فلم يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمل لواء المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستعمل الرسول عليه الصلاة والسلام على المدينة ابن أم مكتوم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة، وفيهم الجراح والقرح والتعب، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد خرج وهو مجروح في وجهه ومشجوجٌ في جبهته ومكسور في رَباعيَتِه، وبجنبه الأيمن ضربة، وركبتاه مجروحتان، ونزل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 172]. ومضى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى عسكروا بحمراء الأسد، وهي موضع يبعد عن المدينة خمسة عشر كيلو مترًا تقريبًا، وأقاموا ثلاثة أيام ولقَوا بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكان معبد يومئذٍ مشركًا، فقال: يا محمد، لقد عظُم علينا ما أصابك وأصاب أصحابك، ثم خرج معبد إلى أبي سفيان في الروحاء وهو يريد الرجوع بقريش إلى المدينة، فقال أبو سفيان: ما وراءك يا معبد؟ فقال معبد: إن محمدًا قد خرج يريدكم ويطلبكم بجيش لم أرَ مثلَه قَطُّ، وإني أرى أن ترتحلوا وإني أنهاك أن تلقى محمدًا بجيشك، فلما سمِع أبو سفيان ذلك الكلام رجع إلى مكة بجيشه خائفًا وجلًا، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما أراد أبو سفيان قال: ((حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ))، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [آل عمران: 173- 174]. وفي هذا الخروج إلى حمراء الأسد استردَّ المسلمون قوَّتهم وهيبتهم التي كادت أن تضعف في غزوة أُحُد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل رجوعه إلى المدينة من حمراء الأسد أبا عزة الجمحي، وكان أسيرًا عند المسلمين في بدر، فمَنَّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلقه وعاهده على ألا يقاتل ضده، ولا يعين عليه أحدًا؛ ولكنه نقض العهد وخرج مع قريش ينصرهم ويحرضهم، فلما أُسِر قال: يا محمد، أقلني وامنُنْ عليَّ وأعطيك عهدًا على ألَّا أعودَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واللهِ لا تمسح عارضيك بمكة بعدها، وتقول: خدعتُ محمدًا مرتينِ)) وفي رواية: ((لا يُلدَغ المؤمِنُ مِن جُحْرٍ مرتينِ))، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير فضرب عنقه. إخواني الكرام، إن الحديث في سرد السيرة النبوية شيق ولطيف وخفيف، وسنختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبر مما سبق ذكره، وهذه الدروس نذكر منها ما يلي: الدرس الأول: في وصية عبدالله والد جابر رضي الله عنهما لابنه جابر بقضاء دينه درسٌ عظيم في التعامل مع الديون من حيث كتابتها وحفظها والوصية بها والحرص على المبادرة في قضائها وعدم المماطلة في تأخيرها؛ حيث نرى بعض المدينين يهمل كتابتها فيقع الخلل في مقدارها مع مضي الوقت، فيقع الاختلاف أو يسري عليها النسيان، فتكون في الذمة، والله تعالى يقول: ﴿ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [البقرة: 282]، وربما أن البعض لم يوصِ بها بنيه ونحوهم؛ لأنه قد يؤتى على غِرَّة، وربما أن البعض يسوِّف في قضائها، وقد يُقدِّم عليها كثيرًا من النوافل، وهذا من الجهل العميق ولا شك، ألم يعلم هذا وأمثاله أن الشهيد وهو شهيد قد غفر له كل شيء إلا الدين، فهو من حقوق العباد، وأشير إلى إشارة تقع عند بعض الناس أنهم يقترضون أحيانًا مبالغَ يسيرةً؛ كالمئة والمائتين والثلاث ونحوها، ثم يسري عليها النسيان لقلتها، فلنحرص جميعًا أن يكون قدومنا على الله تعالى خاليًا من حقوق العباد في مال أو عرض. الدرس الثاني: في وصية عبدالله رضي الله عنه لابنه جابر رضي الله عنه في رعاية أخواته وهن سبع، وقيل: تسع، ففي هذا درس عظيم في رعاية النساء صغرن أم كبرن، فهن بحاجة إلى رعاية من حيث الدين والدنيا؛ ففي الدين رعاية الحشمة والستر والحياء وتعليمهن أحكام شرع الله عز وجل وتزويجهن الأكفأ من الرجال، ووصيتهن بتقوى الله تبارك وتعالى، وأيضًا في الدنيا قضاء حوائجهن التي لا يقضيها إلا الرجال، ومحاولة بعدهن عن الرجال والنظر في معيشتهن ولباسهن ونحو ذلك، فالمرأة بحكم قرارها في البيت هي بحاجة إلى رعاية في أمور دينها ودُنْياها. الدرس الثالث: في قصة الأصيرم وهو عمرو بن ثابت رضي الله عنه، فهو لم يسلم إلا في أثناء الغزوة، فلما قذف الله تعالى في قلبه الإيمان سارع إلى العمل الصالح فاستشهد، ففي هذا درس عظيم في استشعار أن القلوب بيد علَّام الغيوب يُقلِّبها كيف يشاء، فلا ييأس العاصي ولا يعجب المطيع؛ بل على الجميع أن يدعو بقوله: ((يا مُقلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينكَ))، وإن من وسائل الثبات البعد عن مواطن الفتن، فإن الإنسان قد يتعرض لها في أحد مواطنها، وهو يظن أن لا فتنة، فتقع الفتنة، فالابتعاد عنها وقاية وعلاج، وعلى المسلم أن يكون خائفًا من سوء الخاتمة؛ لأنه إذا استشعر هذا، أكثرَ مِن الدعاء بالثبات، وأكثرَ من عبادة الخلوات التي هي من أهم أسباب الثبات. الدرس الرابع: في دفن شهداء أُحُد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الأكثر أخذًا للقرآن، وفي هذا تحقيق جزء من الخيرية في قوله عليه الصلاة والسلام: ((خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمه))، وفي هذا حَثٌّ لكثرة التلاوة ومتابعة الحفظ للقرآن أو بعضه، وإنه ميسر كل التيسير، فحاول أخي الكريم حفظ شيء منه لتلحق بركب الحفظة، وإن الحفظ ولو كان يسيرًا فسيدفعك إلى المزيد، وكثير من كبار السن الذين لم يحفظوا حصل لهم ظروف؛ كضعف البصر أو كف البصر أو الضعف العام، ندموا على أن لم يبادروا أيام نشاطهم إلى حفظ القرآن أو بعضه، فأنت الآن في زمن الأمنية، فحاول تحقيقها، وإنك عندما تبدأ الآن في حفظه أو حفظ بعضه، فإنك بعد سنتين أو نحوهما ستكون حافظًا لكتاب الله عز وجل، وتدخل قبرك ومعك القرآن، فما أسعدك! فمن هو الحصيف العالي الهِمَّة منكم إخواني الكرام الذي يقول: أنا لها ويشق طريقه، فهو مشروع لا يعرف الفشل. الدرس الخامس: إن الدين يسر، وإن المشقَّة تجلب التيسير، ويظهر ذلك من خلال دفن شهداء أُحُد، فلما شق عليهم ذلك لجراحهم وتعبهم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفنوا الاثنين والثلاثة جميعًا في قبر واحدٍ، وهكذا الأمر إذا حصلت المشقة جاء التيسير، فالمسافر يجمع ويقصر، وعادم الماء يتيمَّم، والمريض يُصلي حسب طاقته وجهده ونحو ذلك، وهذا من لُطْف الله تعالى بعباده ورحمته بهم، فاللهم لك الحمد على ذلك كثيرًا. الدرس السادس: إن للزوج مكانًا ليس لأحد غيره، وهذا على سبيل العموم، ويظهر هذا من خلال حالة حَمْنة بنت رضي الله عنها، عندما جاءها خبر وفاة أخيها وخالها فاسترجعت، وعندما نُعي لها زوجها صاحت وولوَلَتْ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مكان الزوج عند زوجته رفيع وعالٍ، وهكذا الأزواج والزوجات يتعين عليهم جميعًا أن يكونوا متحابِّين فيما بينهم متعاطفين متفاهمين، وأيضًا كذلك متغافلين عن أخطاء بعضهم فيما يمكن التغافل فيه؛ لأن الزوج كما في الحديث هو جنتها ونارها، فهما في جنة إن تفاهموا وتحابوا وتعاونوا، وهم أيضًا كأنهم في نار إذا تشاقوا واختلفوا، وعلى كل منهما أن يحتمل من الآخر ما يجعله يعيش عيشة هنيئة، ويصعب أن يأخذ كل منهم حقَّه كاملًا من دون أي خلل؛ لأن الخلل والنقص من طبيعة البشر، فلا بُدَّ من العفو والتغافل وإدراك عواقب الأمور ومآلاتها، وهذا قد ينعكس إيجابًا على الأولاد والأحفاد، فتكون الأسرة متماسكة ومترابطة. الدرس السابع: في قوة إيمان تلك المرأة من بني دينار درس جليل حيث نُعِي لها عددٌ من أقاربها المقربين جدًّا في الغزوة حيث ماتوا، فسألت أول ما سألت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف حاله؟ فلما اطمأنَّتْ عليه ارتاح ضميرها، فإن كانت هي اطمأنت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين يديها، فلنحافظ نحن على سُنَّته عليه الصلاة والسلام، فسُنَّته ترجمة لحياته عليه الصلاة والسلام، فلنحرص على حفظها والعمل بها وتربية أولادنا عليها، وأنفسنا؛ لتسلم أنفسنا بسلام تلك السُّنَّة، وعلينا نشرها وتعليمها للآخرين، وهذا كله يعكس الاهتمام بسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم كما اهتمت تلك المرأة الدينارية بالنبي صلى الله عليه وسلم. الدرس الثامن: إن خروج الصحابة إلى حمراء الأسد مع جراحهم وتعبهم هو يعكس الاستجابة القوية لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك دليل على قوة الإيمان، ونحن تقرع أسماعنا ليلًا ونهارًا النداءات الربانية والنبوية، فمنا من استجاب وأفلح، وربما يوجد من تأخَّر، فليُسارع ذلك المتأخر؛ لأن الحياة لا تدوم على حال، وقد يأتي الموت على غِرَّة فلينتبه المتهاون والمسوِّف، فاستجيبوا يا عباد الله لما يحييكم فهو خير وأبقى في سلوككم وجوارحكم وأعمال قلوبكم، وادعوا إلى ذلك تفلحوا وتسعدوا دنيا وأخرى. الدرس التاسع: في قصة أبي عزة الجمحي الذي أطلق النبي صلى الله عليه وسلم أسْرَه وعاهد على عدم القتال، ثم غدر بعد ذلك فقاتل مع قريش، فطلب العفو مرة أخرى، أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن ((المؤمن لا يُلدَغ مع جُحْرِ مرتينِ)) وأنه يجب أن يكون كيِّسًا فَطنًا لا يُخدَع، فإنَّ العفو يتبع المصلحة والإصلاح، وعلى المسلم إذا لُدِغ مرة أن يحترز في الثانية حتى لا يُلدَغ مرة أخرى، وليس ذلك من باب الإساءة للآخرين؛ ولكنه من باب حفظ النفس وحقها. اللهم وفِّقْنا لهُداك، واجعل عملنا في رِضاك، وأوصلنا دار السلام بسلام، وبارك لنا في أعمالنا وأعمارنا، وأصلح نيَّاتنا وذريَّاتنا، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#22 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (20) الشيخ خالد بن علي الجريش بعض الحِكَم والأحكام في أُحُد مع استكمال بعض أحداثها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على النبي المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: سبق معنا في الحلقة الماضية شيء من أحداث غزوة أُحُد، فذكرنا كرامات لبعض الصحابة رضي الله عنهم الذين استشهدوا في تلك الغزوة، وذكرنا أيضًا بعض الأحكام للشهيد؛ من حيث التغسيل والتكفين والدفن، وذكرنا أيضًا كيف كان انصراف الصحابة رضي الله عنهم من غزوة أُحُد إلى المدينة، ثم تعرضنا بعد ذلك لغزوة حمراء الأسد وأسبابها ونتائجها، وغير ذلك. وفي حلقتنا هذه نتدارس شيئًا من الحكم والأحكام من غزوة أُحُد، مع بيان شيء من الأحداث المباشرة لها، فقد نزل من القرآن قرابة ستين آية من سورة آل عمران، فيها تفصيل وبيان لأحداث وأحكام وحكم تلك الغزوة العظيمة غزوة أُحُد، وهي تمزج بين العتاب الرقيق والدرس النافع وتطهير المؤمنين من اليأس والقنوط، وذلك كقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، وكقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ [آل عمران: 140]، وكقول الله عز وجل: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141] إلى غير ذلك من الآيات التي يتربَّى عليها المؤمنون، ويستلهمون منها الدروس والعِبر. وقد اشتملت تلك الغزوة على كثير من الأحكام الفقهية والحكم الوعظية، فمن ذلك ما يلي: أولًا:من الحكم والأحكام أن السُّنَّة في الشهيد ألَّا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ولا يُكفَّن بغير ثيابه؛ بل يدفن بدمائه؛ حيث فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بشهداء أُحُد. ثانيًا: من الأحكام أن السُّنَّة في الشهداء أن يُدفنوا في مصارعهم ولا يُنقَلوا إلى مكان آخر؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم دفن شهداء أُحُد في مكانهم، وأمر بمن تم نقلهم أن يرجعوا إلى مكانهم. ثالثًا: من الأحكام جواز دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد عند الحاجة والضرورة. رابعًا: من الحكم في تلك الغزوة تعريفهم سوء عاقبة المعصية، وأن ما أصابهم في أُحُد هو بسبب تلك المعصية، فلما حصل ذلك وفهموا الدرس واستلهموه كانوا رضي الله عنهم حذرين من تكرار تلك المعصية، فللمعصية شؤم وضرر قد يعمُّ وقد يخصُّ. خامسًا: من الحكم اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى وسُنَّته أن الرسل وأتباعهم ينتصرون أحيانًا، ويُدال عليهم أحيانًا أخرى؛ لكن تكون العاقبة لهم، فلو انتصروا دائمًا لم يتميز الصادق من غيره، ولو أُديل عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت السُّنَّة الإلهية الجمع بين الأمرين ابتلاء واختبارًا للفريقين. سادسًا: من الحكم أن الله عز وجل يقدر على عباده الابتلاءات؛ كما حصل في غزوة أُحُد ليبلغوا درجات لهم في الجنة لا تبلغها أعمالهم، فتكون تلك الابتلاءات رفعةً في درجاتهم في الجنان. والأحكامُ والحِكَمُ من تلك الغزوة كثيرةٌ جدًّا، وقد أسهب في ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد" فليُراجع؛ ففيه كلام نفيس، وكان بعد غزوة أُحُد بعوث وسرايا أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم وبعثَها للدعوة إلى الله عز وجل، ولرصد تحركات المشركين ونحو ذلك، فهي أحداث عظيمة حصلت بين أُحُد والخندق، وسبب تلك الأحداث أنه بعد المصيبة التي حصلت في غزوة أُحُد كانت هيبة المسلمين قد ضعفت، فظهر عدد من المنافقين واليهود وبدأوا بنقض العهود، وبعض القبائل المشركة قامت بمكائد للمسلمين؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصرف تجاه ذلك التصرف الحكيم المؤيد من رب العالمين الذي بيده كل شيء جل جلاله؛ ولذلك أرسل السرايا وبعثَ البعوث؛ ليُعيد لتلك الأمة قوَّتها وشجاعتها، وفعلًا عاد لهم ذلك، فقد حدثت أحداث عدة بعد غزوة أُحُد، ولعلي أقتصر على حدثينِ منهما: الحدث الأول: سرية أبي سلمة رضي الله عنه إلى بني أسد، وكان سببها أن بعض بني أسد قد عزموا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الخبر دعا أبا سلمة، فقال له: ((اخرج في هذه السرية، فقد استعملتُكَ عليها))، وبعث معه مئة وخمسين رجلًا، وقال له: ((سِرْ حتى تأتي بني أسد فأغِرْ عليهم قبل أن تتلاقى عليك جموعهم))، وأوصاه ومن معه بتقوى الله عز وجل، فخرج أبو سلمة رضي الله عنه بهم في محرم من السنة الرابعة للهجرة حتى انتهى إلى ماء فأغار عليهم فجأةً، فذعروا وخافوا وهربوا وتركوا مواشيهم فأخذها أبو سلمة، ومكث على مائهم وعسكر فيه، ثم تبعهم يطلبهم، فساروا خارج ديارهم، فرجع أبو سلمة رضي الله عنه غانمًا تلك المواشي، وأسر بعض مماليكهم، وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهم سالمون منتصرون بحمد الله تعالى، ولما رجع أبو سلمة إلى المدينة اشتعل عليه جرحُه الذي جرحه في غزوة أُحُد وأقام عليه شهرًا يعالجه، وكان ذلك الجرح سببًا لوفاته رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلُفْه في عقبه في الغابرين، وافسَحْ له في قبره، ونوِّرْ له فيه))؛ رواه مسلم. ثم قالت زوجته أم سلمة بعد وفاته: من لي بخير من أبي سلمة من المسلمين؟ ثم قالت ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم المصاب أن يقوله وهو: ((إنَّا للهِ وإنَّا اليه راجعونَ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلُف لي خيرًا منها))، فلما قالتها بيقين تزوَّجَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. الحدث الثاني: بئر معونة أو سرية القُرَّاء، وكانت في صفر من السنة الرابعة للهجرة، فقد روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال: إن رِعْلًا وذِكْوانَ وعُصَيَّة بني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عددًا فأمدَّهم بسبعين من الأنصار يقال لهم القُرَّاء، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل رضي الله عنهم، وفي صحيح مسلم قالوا: ابعث لنا رجالًا يُعلِّموننا القرآن والسُّنَّة، فوصل هؤلاء السبعون إلى بئر معونة، فنزلوا فيها، وكانوا في جوار رجلٍ منهم، وبعثوا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حرام بن ملحان رضي الله عنه، ليسلمه إلى سيدهم عامر بن الطفيل، فلم ينظر عامر بن الطفيل إلى الكتاب؛ بل أمر بقتل حرام بن ملحان، فقال حرام بعدما قُتِل: فُزْتُ وربِّ الكعبة، ثم لم يكتفِ عامر بذلك الغدر؛ بل استنفر بني عامر في قتال الباقين من الصحابة القُرَّاء، فأبى ذلك بنو عامر وقالوا: لا نخفر جوار أبي براء لهم، وكان أبو براء عامر بن مالك قد أجار هؤلاء القُرَّاء، فاستنفر عامر ابن طفيل قبائل بني سليم وهم رِعْل وذكْوان وعُصَيَّة، فأجابوا إلى ذلك وغدروا، فقاتلوهم حتى قتلوهم. وبعد هذا بوقت ليس بالطويل مرَّ على مكان الوقعة اثنانِ من الصحابة، وهما: عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن عقبة الأنصاري، وهما يسرحان بالماشية، فرأيا طيورًا في ذلك الموقع، فقال بعضهم لبعض: إن لهذه الطيور لشأنًا، فنظرا فإذا هؤلاء أصحابهم من القُرَّاء بدمائهم مقتولين، فقال المنذر لعمرو: ما ترى في هذا الشأن، فقال عمرو: أرى أن نرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره الخبر، أما المنذر فقال: إنه سيقاتل القوم الذين قتلوا هؤلاء الصحابة، فقاتلهم رضي الله عنه حتى قُتِل، وأما عمرو بن أمية فرجع إلى المدينة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابةُ حزنًا شديدًا. وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على تلك القبائل، وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ((إنَّ إخوانَكم قد قُتِلُوا، وإنهم قالوا: اللهم بلِّغ عنا نبيَّك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا))؛ رواه مسلم. وأما عامر بن مالك الذي أجار هؤلاء القُرَّاء وهو سيد من أسياد بني عامر الذي أعطى الجوار لهؤلاء القُرَّاء، فإنه لما بلغه مقتلهم شقَّ عليه ذلك أشدَّ المشقَّة حتى مات من شدة الهمِّ والمشقَّة، وأما عمرو بن أمية في رجوعه إلى المدينة ففي طريقه وجد رجلين من بني عامر قتلة هؤلاء القُرَّاء، فنزل معهما في ظل شجرة، وكان الرجلان معهما عقد وجوار من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما؛ ولكن لم يعلم به عمرو، فلما علم أنهما من بني عامر ورآهما قد ناما قام بقتلهما أخذًا بالثأر من قتل القُرَّاء، فلما قدم إلى المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقتله لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بئسَ ما صنعْتَ؛ لقد كان لهما مني أمانٌ وجوارٍ، لأدِينَّهما))، فبعث بدِيَتِهما لقومهما. إخواني الكرام، لعلنا نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبر، ونستكمل بإذن الله عز وجل في الحلقة القادمة تلك الأحداث التاريخية، فمن الدروس فيما سبق ذكره: الدرس الأول: أن ما حصل في غزوة أُحُد من جراح وقرح وتعب ومصائب هو من الكفَّارات التي يُكفِّر الله بها ذنوب العبد، فالمشروع للعبد إذا حصل له ما يكره من مصائب الدنيا أن يعلم أنها مقدرة ومكتوبة ولحكمة عظيمة، ويُشرع له حيالها الصبر والتسليم والرضا والحمد، فإذا فعل ذلك هانت عليه مصيبته، وذلك بخلاف الذي جزع ولم يصبر؛ فإن الشيطان يستولي عليه، ووصيتي لك أخي الكريم أن تعلم أنه لا يوجد شر محض بحمد الله فيما يصيب المؤمن من البلاء، فانظر في كل ما يصيبك إلى الوجه الإيجابي فيه، ولو كان يسيرًا، فادخل من خلاله لسلامة صدرك وانشراحه، فالمرض مثلًا وإن كان شرًّا ففيه وجه إيجابي وهو التكفير للسيئات ورفع الدرجات مع سؤال الله تعالى العافية، فعِش التفاؤل وحسن الظن في كل ما يصيبك مبتدأ بالنقطة الإيجابية فيه، وإذا حصل لك خلاف ما تريد فتفاءل بقولك: لعله خير لي من حيث لا أشعر، وهكذا فإنك بذلك تشرح صدرك وتطمئن نفسك، وأيضًا ترسل لنفسك وسائل ورسائل إيجابية تعزيزية، أما لو عشت السلبية لضاقت عليك الأرض بما رحبت. الدرس الثاني: شرع الإسلام للمصاب بأي مصيبة كانت كلامًا يقوله، فيشرح الله تعالى له صدره، ويخلف عليه بخير، وهو قوله عند المصيبة: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلُف لي خيرًا منها))، وهذا ما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم له أُمَّ سلمة رضي الله عنها عندما قُتِل زوجُها قالت: ومَن خيرٌ من أبي سلمة، فتقول أم سلمة رضي الله عنها: فلما قلتُها بيقينٍ أخلف الله عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيا أخي الكريم، اجعل بدل تأسُّفك وتفكيرك عند حصول المصائب تلك العباراتِ النيرةَ والكلماتِ الطيبةَ على لسانك، فهي دعاء وتوسُّل وخشوع، والله عز وجل قريب مجيب. الدرس الثالث: الحذر من المعصية؛ فإن لها شؤمًا قد يعم وقد يخص؛ كما حصل في غزوة أُحُد، فالمعصية شرٌّ لا خير فيه، فلماذا يفعل العاقل ما يعتقد أنه شر محض، وهو يعلم أن الله عز وجل يراه ويسمعه، وهو الذي خلقه ورزقه، وبيده تدبير أمره؟! فلنتَّقِ اللهَ تعالى جميعًا، لعلنا نفلح ونسعد دنيا وأُخْرى. الدرس الرابع: إن أهل الحق أحيانًا قد يهزمون ويُدال عليهم، وذلك ابتلاء لهم أو خلل لديهم أو ابتلاء لأهل الباطل بسُّنَّة الإمهال؛ لكن العاقبة تكون للمتقين، ولكن من ابتلاء أهل الحق في هزيمتهم أن ينظر هل يستكينون وينكصون على أعقابهم أو يُصحِّحون المسار والخلل، ويرجعون وينيبون، هو موضع ابتلاء لهم، فعلى أهل الحق العمل على نصرته في كل وقت وحين، ويقول القائل: إن إيقادك لشمعة في الظلام هو أفضل من أن تلعن الظلام ألف مرة، فالعمل على نصرة الحق بما أعطاك الله ومكَّنك منه، هو الواجب عليك، وكلٌّ أعلم بمقدرته ومقدوره، وهذا مستفاد من واقع الصحابة رضي الله عنهم عندما رجعوا من غزوة أُحُد بجراحهم وتعبهم، استعدوا للذهاب إلى حمراء الأسد مباشرة، فرضي الله عنهم وأرضاهم. الدرس الخامس: عندما قال حرام بن ملحان رضي الله عنه: فُزْتُ وربِّ الكعبة بعدما قُتِل، هو فوز حقيقي في مقاييس الآخرة مع أنه قُتِل؛ وذلك لأنه بلَّغ كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بمهمته التي كلَّفه بها النبي عليه الصلاة والسلام، ومقاييس الآخرة هي المقاييس الحقيقية للفوز؛ لأنها هي الباقية، أرأيت من أنفق ماله في مجالات الخير فهو أربح ممن أمسك هذا المال مع أن هذا الممسك قد يكون أكثر فيما بقي ممن أنفق ماله، أرأيت أيضًا من قام ليله راكعًا وساجدًا هو أكثر فوزًا وربحًا من هذا النائم مع أن هذا النوم ربما كان أكثر راحةً للجسم، أرأيت من أتعب نفسه في خدمة إخوانه المسلمين وقضاء حوائجهم هو أكثر ربحًا وفوزًا ممن ليس كذلك، مع أن الأخير هو أكثر راحةً جسميةً بينما الأول هو أكثر راحةً نفسيةً وربحًا وفوزًا في الأجور والحسنات، أرأيت من تعب في وَصْلِ رَحِمِه وبِرِّه بوالديه، فهو أكثر فوزًا وربحًا ممن قطع وعقَّ مع أن الأخير هو أكثر راحةً جسميةً، وهكذا المقاييس المعتبرة هي مقاييس الآخرة؛ لأنها هي الباقية وليست مقاييس الدنيا؛ لأنها هي الفانية. فمن تصدَّق بماله فقد قدمه لنفسه، ومن أمسكه فقد جعله لغيره؛ ولهذا قال حرام بن ملحان رضي الله عنه: فُزْتُ وربِّ الكعبة، مع أنه قُتِل. الدرس السادس: إن الغدر والخداع والمكر ونقض العهود هو من صفات أهل الجاهلية والأعداء بخلاف أهل الملة والدين فهم موفون بالعهود، لا يعرفون للغدر طريقًا، ومأخذ هذا من السيرة عندما غدرت قبائل بني سليم في قتل القُرَّاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمرهم عامر بن الطفيل فغدروا في الجوار والذمة بينما في الجانب الآخر الذي أمر به الإسلام وهو الوفاء بالعهد، ويظهر هذا جليًّا من خلال موقف عمرو بن أمية رضي الله عنه عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنه قتل رجلينِ من رجال عامر بن الطفيل أخذًا بالثأر من قتل القُرَّاء من الصحابة، وهو لم يعلم أنهما في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاتبَه النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ودفع دية الرجلينِ؛ لأنهما كانا في جوار وذمة، فقارِنْ بين هذا وذاك. الدرس السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بلغَه قتلُ القُرَّاء اتجه إلى ربِّه عز وجل بالدعاء على تلك القبائل التي غدرت وقتلت هؤلاء القُرَّاء، وهكذا المسلم عندما يحزُبُه أمر، فإنه يتجه إلى ربِّه تبارك وتعالى يدعوه ويرجوه؛ لأن جميع الأمور هي بيد العزيز الحكيم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم في صلاته بعدما يرفع من ركوعه، وكان الدعاء في هذا الموطن مع أن السجود أقرب الأحوال؛ لأنه أراد أن يُؤمِّن المصلُّون على دعائه، وهذا لا يحصل في السجود؛ قال ذلك ابن حجر رحمه الله. فالدعاء مخرج عظيم في تحصيل الأمور وشرح الصدور واطمئنان النفوس؛ فلنفزع إليه عند أي مصيبة، فله أثر عجيب في الحاضر والمستقبل. إخواني الكرام، ما أجمل الاطلاع والقراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته! مقتبسين الدروس والعِبر؛ لتكون نبراسًا لنا في أفعالنا وأقوالنا؛ فسنستفيد منها الأحكام والحكم وخصال الخير ونفائس الصفات، فكم هو جميل أن تجتمع الأسرة على برنامج ولو يومًا في الأسبوع في ذلك المجال! وإنني أقترح عليك أخي الكريم أن تعقد العزم على تنفيذ ذلك مع أسرتك المباركة الكريمة، كما أقترح عليك أن تختار أحد هذه الكتب الثلاثة؛ فهي من أجمل ما كتب في السيرة، الكتاب الأول: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون من تأليف موسى العازمي، والكتاب الثاني: الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، والكتاب الثالث: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، فاحرص على اقتناء أحدها، واجعله منهجًا لك ولأسرتك قراءة وتعلمًا وتعليمًا واستخراجًا للدروس والعبر، وكافيك في هذا أربع خصال عظيمة: تحفكم الملائكة، وتغشاكم الرحمة، وتنزل عليكم السكينة، ويذكركم الله فيمن عنده، وهذه الصفات هي خير من الدنيا وما فيها مع أنه طريق من طرق طلب العلم، ومَن سَلَك طريقًا يطلب فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، فاعقد العزم أخي الكريم مستشيرًا أولادك في هذا المجال حتى يحصل بإذن الله عز وجل ما يمكن أن تصحح معه المفاهيم الاجتماعية والإيمانية والتربوية، وتعيش هذه الأسرة عيشة هنية مقتبسة ذلك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكِرام. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الصلاح والإصلاح في النية والذرية، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#23 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (21) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الواحد والعشرون من برنامج: خاتم النبيين بعض الأحداث بين أحد والخندق (1) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فقد ذكرنا في الحلقة الماضية - إخواني الأفاضل - شيئًا من الحِكَم والأحكام في غزوة أحد، وبعض الأحداث التي حدثت في تلك الغزوة، وأيضًا تعرضنا للدروس المستفادة من ذلك، وفي تلك الحلقة نستعرض بعض الغزوات التي حدثت بين غزوة أحد والخندق، فمن ذلك غزوة بني النضير فقد حدثت في السنة الرابعة للهجرة، وقيل قبل ذلك، وكان سببها أن قريشًا كتبت لبني النضير بأنكم أنتم أهل الحلقة والحصون والسلاح، فقاتلوا محمدًا، أو لنفعلنَّ كذا وكذا، إلى آخر ما كتبوا لهم، فلما بلغ ذلك الكتابُ يهود بني النضير أجمعوا على الغدر فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنِ اخْرُج إلينا في ثلاثة من أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك، ففعل، فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر والسلاح ليغدروا، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار قد أسلم تخبره بأمر بني النضير، وتخبره بغدرهم، فأخبر أخوها هذا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم صبَّحهم بالكتائب فحاصرهم من يومه، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم محمد بن مسلمة؛ قائلًا لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنِ اخرجوا من المدينة، فلا تساكنوني فيها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، فمن رُئِيَ بعد ذلك ضربت عنقه))، فتجهز بنو النضير للخروج من المدينة خائفين صاغرين، فلما سمع المنافقون ذلك أرسل إليهم عبدالله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين، وقال لهم: لا تخرجوا من دياركم، لئن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فمن ذلك قوِيَتْ نفوس بني النضير فأرسل زعيمهم حُيَيُّ بن أخطب كتابًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيهِ: إنا لن نخرج من ديارنا، وإن قاتلتنا قاتلناك؛ فنزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [الحشر: 11]؛ الآيات. فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة قادمين، تحصنوا في حصونهم وبدؤوا ينبلون المسلمين بالنبل والحجارة، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بقطع نخيلهم وتحريقها؛ وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الحشر: 5]، واللِّينة هي النخلة، وقد فعل ذلك؛ إهانة لهم وإرعابًا لقلوبهم، وذلك لغدرهم المستديم، فلما كانوا في تلك الحال تخلَّى عنهم المنافقون كالمعتاد، فقذف الله في قلوبهم الرعب، واشتد عليهم الحصار، فعند ذلك صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجلاء؛ وهو الخروج من المدينة، وأنه ليس لهم من أموالهم إلا ما حملته الإبل من الأمتعة فقط، إلا السلاح فلا يحملوه أيضًا معهم؛ وأخرج البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ((أجلى بني النضير وأقرَّ بني قريظة؛ حيث منَّ عليهم بالبقاء، فلما غدروا وقاتلوا، قتل رجالهم، وقسم نساءهم سبايا على المسلمين))؛ [رواه البخاري]، وكان بنو النضير لديهم ستمائة من الإبل، فاحتملوا عليها ما احتملت من الأمتعة، وكانوا قبل خروجهم من بيوتهم يهدمونها؛ ليخربوها على المسلمين، وليحملوا أيضًا ما يرونه نافعًا لهم، ثم خرجوا من المدينة إلى خيبر، وهم في حال من الصَّغار والذل، وسار بعضهم إلى الشام، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تركوه من السلاح، فكان عداده خمسين درعًا، وثلاثمائة وأربعين سيفًا، وخمسين قطعة من السلاح، وكانت أموالهم وأرضهم خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء؛ لأنها فيء، وليست غنيمة؛ فالفيءُ ما حصل بدون قتال، والغنيمة ما حصل بقتال، ووضعهم مع بني النضير هو بدون قتال فصار فيئًا، فصار خالصًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها للمهاجرين؛ نظرًا لحاجتهم المادية، وجعل بعضها في السلاح في سبيل الله، وأنزل الله عز وجل في بني النضير سورة الحشر فهي عرضت حالهم؛ فذكر الله تعالى ما أصابهم الله به من الهزيمة، وما سلط عليهم من الرعب، ثم ذكر حكم الفيء، وذكر أيضًا المنافقين ذامًّا لهم؛ لإخلافهم الوعد، وهذا من صفات المنافقين البارزة، ثم ضرب لهم مثلًا قبيحًا شنيعًا؛ حيث شبههم بالشيطان. وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال: ((قلت لابن عباس عن سورة الحشر، قال: نزلت في بني النضير))، وفي رواية أخرى في البخاري؛ قال ابن عباس: ((قُلْ سورة النضير))؛ قال الحافظ في الفتح: "كأنه كره تسميتها بالحشر؛ لئلا يظن أن المراد به يوم القيامة، وإنما المراد بالحشر إخراج بني النضير وحشرهم وإجلاؤهم، وبإجلائهم ارتاح المسلمون من شرورهم، ومن الغزوات أيضًا التي حدثت بعد أحد ما يسمى بغزوة بدر الأخرى، وكانت في شعبان من السنة الرابعة؛ حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وخمسمائة رجل من الصحابة إلى بدر لموعده الذي كان واعد به أبا سفيان يوم أحد، واستخلف على المدينة عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول، وكانت بدر مجتمعًا يجتمع فيه العرب، وسوقًا من أسواقهم، وخرج أبو سفيان من مكة في ألفي رجل من قريش متجهًا إلى بدر، ومعهم خمسون فارسًا؛ للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحربه، وكان أبو سفيان كارهًا للخروج، حتى إذا وصلوا إلى عسفان، ثم ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، فرأى أبو سفيان أن يرجع بهم، فقال لهم معتذرًا: "يا معشر قريش، إن هذا العام عام جدبٍ، ولا يصلحكم إلا عام خصب ترعَون به الشجر، وتشربون اللبن، وإني راجع فارجعوا"، فرجع الناس، وكان المسلمون قد أخذوا معهم بعض التجارات لموسم بدر، فأرسل أبو سفيان رجلًا ليخذِّل المسلمين عن الخروج، ووعده بعشرين بعيرًا، فقدم هذا الرجل المدينة فبدأ يخذل المسلمين ولكن لم ينخذل له أحد، فخرجوا حتى أقاموا في بدر ثمانية أيام، وباعوا تجارتهم في موسم بدر، وربحوا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [آل عمران: 174]، على حين أن بعض أهل العلم قالوا بأن هذه الآية ليست هنا، وإنما هي نزلت في خروجهم لحمراء الأسد. ثم بعد ذلك رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة، وسمعت قريش بخروجه إلى بدر فأصابهم من الرعب ما أصابهم، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وأيضًا كذلك مما حدث في تلك الفترة بين أحد والخندق زواجُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة رضي الله عنها؛ فقد تزوجها في شوال من السنة الرابعة للهجرة؛ وهي هند بنت أبي أمية، وذلك بعد انقضاء عِدتها من أبي سلمة وهو ابن عمها، وكانت تقول بعد وفاة أبي سلمة: ومن خير من أبي سلمة؟ فلما أن استرجعت، وقالت ما يُشرع للمصاب أن يقوله؛ وهو: ((اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها)) ففعلًا استجاب الله دعاءها، وأخلف عليها خيرًا من أبي سلمة؛ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، زوجها ابنها عمر، وقيل: سلمة، وفي ذات يوم جاءت أم سلمة بصَحْفَةٍ فيها طعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاءت عائشة رضي الله عنها ملتفة بكساء، ومعها حجر، فكسرت الصحفة، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة، وقال: ((غارت أمكم، غارت أمكم))، ثم أخذ صحفة من عائشة وبعثها إلى أم سلمة، وأعطى عائشة صحفة أم سلمة المكسورة، ومما حدث أيضًا كذلك بين أحد والخندق غزوة دُومة الجندل، وهي بضم الدال لا بفتحها؛ وهي موضع بين المدينة والشام، وقد كانت في ربيع الأول من السنة الخامسة، وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بدومة الجندل عددًا من القبائل، وكانوا يظلمون من مرَّ بهم، وينهبون ما معهم من أموال، وأنهم أيضًا يريدون مهاجمة المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وخرج ومعه ألف من المسلمين، فكانوا يسيرون بالليل، ويستترون بالنهار، ومعه دليل يُقال له: مذكور، فلما قربوا من دُومة الجندل، هجموا على ماشيتهم ورُعاتهم، فأصابوا ما أصابوا، وهرب من هرب، فلما علِم أهل دُومة الجندل بذلك، تفرقوا وخرجوا، فنزل بساحتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأقام أيامًا وأسر منهم رجل فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلم، ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة إلى المدينة، ولم يلقوا حربًا. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعاد للأمة هيبتها بين الأمم والشعوب، بعد أن ضعفت من خلال ما وقع في غزوة أحد، وهذا كله من نصر الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده المؤمنين، فهو معهم أينما كانوا ينصرهم ويؤازرهم، ويكبت عدوهم، والله عز وجل متم نوره، ولو كره الكافرون. إخواني الكرام، إن الحديث عن السيرة حديث لا يُمل، وفيه دروس وعِبر، وفيه حكم وأحكام، وفيه مفاهيم ومقاصد جليلة رائعة، فلعلنا نتطرق لشيء من الدروس والعبر مما سبق، ونستكمل الحديث عن السيرة في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى؛ فمن هذه الدروس ما يلي: الدرس الأول: بيان شؤم النفاق والمنافقين، وذلك من خلال مواقف كثيرة؛ ومنها: رجوع عبدالله بن أبي بن سلول بثلث الجيش في غزوة أحد، وكذلك وعودهم المتتالية لبني النضير أن ينصروهم ويقاتلوا معهم، ولكنهم تخلَّوا عنهم في الساعة الحرجة، وأيضًا قد ذمهم القرآن، وإن كان فيهم بلاغة وفصاحة، وقد تعجبك أجسامهم إلا أنهم - كما وصفهم القرآن - كالخُشُب المُسَنَّدة، فهم لا يقومون بأنفسهم، كما أن هذه الخشب لا تقوم إلا بالجُدُر، وكذلك المنافقون لا يقومون إلا على أكتاف الآخرين، فمن النفاق العملي الكذبُ، وقد كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم في شهادتهم؛ وقد قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1]، وقد كذبوا حتى على من يوالونهم، وهم بنو النضير، فاحذر صفاتهم؛ فمن صفاتهم الكذب، والغدر، والخيانة، والخلف في الوعد، والفجور في الخصومة، فكلها صفات سوداء ليس فيها بياض، فمن كان فيه خَصلة منها، كان فيه خصلة من النفاق، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة المنافقون في يوم الجمعة؛ قال أهل العلم في حكمة ذلك: ليحذر المؤمنون النفاق، ولعله أن يرجع المنافقون عن نفاقهم، فهم أتعبوا أنفسهم في العمل، ولكن ليس لهم منه مثقال ذرة، فعندما تسمع عنهم أو تقرأ، فإنك ضرورة تحمد الله تبارك وتعالى أن عافاك وتسأله الثبات. وعقوبة المنافقين قال الله عنها: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [النساء: 145]، فكيف يقر للمنافق قرارٌ، وهو يقرأ ويَعْلَم مثل ذلك؟ نسأل الله تعالى العافية والسلامة والثبات على الحق. الدرس الثاني: كانت القوة عند المسلمين عزيزة وعارمة؛ وذلك لأنهم على الفطرة الربانية، ولقد وعد الله تعالى أن ينصر من ينصره؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج: 40]، بخلاف من خالف أمره واتبع هواه، فإن الله تعالى يضعفه؛ وذلك أن الأمر كله لله، فهو يمد أولياءه بنصره لهم، وتسديده، وتيسيره، ويمنع ذلك لأعدائه، وأما إن حصل خلاف ذلك، فهو ابتلاء للفريقين أو لخللٍ عند الأمة المسلمة، فأفعاله عز وجل كلها حكمة، ومن شواهد إمداد الله تعالى لعباده المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته يتوجه إلى ربه بالدعاء؛ كما حصل ذلك في غزوة بدر وغيرها، فيمدهم الله عز وجل بالملائكة، أو بالسكينة، أو بالثبات، أو بالنصر المبين؛ كما حصل في حمراء الأسد ودومة الجندل وغيرهما، وإن كان هذا على مستوى الجماعة والأمة، فإن ذلك أيضًا يحصل لعباده على مستوى الأفراد؛ فقد ورد في الحديث القدسي: ((وأنا معه إذا ذكرني))؛ [رواه البخاري]، وإذا كان الله تعالى معه، فإنه ييسر أموره وينصره ويوفقه ويسدده، فهذه المعية هي بهذا المعنى؛ بالنصر والتسديد، والتيسير والتوفيق لهذا الذاكر؛ فلْنُكْثِرْ من ذكر الله تعالى عند قضاء حوائجنا وشؤوننا؛ ليكون الله عز وجل معنا على مقتضى هذا الحديث الصحيح، وهذا الذكر أيضًا هو مما يمنعنا أن نظلم الناس أو نغشهم أو نأخذ ما ليس لنا، إن كان في القلب تقوى وخوف من الله تعالى، فما أجمل أن يذهب أهل البيت، ويخرجوا كلهم ذاكرين لله تعالى؛ فالأب يذهب إلى عمله وهو يلهج بذكر الله عز وجل، والابن يذهب إلى مدرسته وهو يتلفظ بهذا الذكر، والبنت كذلك تذهب إلى مدرستها وهي تحرك لسانها بالذكر! فما أجملها من حال وأسعدها من لحظات، فسيكون الله تعالى معهم جميعًا يطمئنهم وييسر أمورهم، فلنكن - معاشر الآباء والأمهات - كذلك نحن وأولادنا، ولنقم بتذكيرهم دائمًا بهذا الحديث وهذه الصفة. الدرس الثالث:موقف أسري حكيم من خلال ما حصل من عائشة في إناء أم سلمة رضي الله عنهما، وهما زوجتان لهذا النبي الكريم، فلما جاءت أم سلمة بصحفة فيها طعام، كسرتها عائشة بحجر، فلما حصلت تلك المشكلة في بيت النبوة لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: ((غارت أمكم))؛ قالها مرتين، فتلك العبارة على قصرها أوضحت السبب، وذكرت الاعتذار، وهدَّأت الموقف، وأنهت الخصومة، ثم أبدلها بصحفة أخرى من عائشة، إن المشاكل الأسرية لا تنتهي، ولو وقف الزوجان مع كل مشكلة لتعبا وأتعبا، واختلفا ولم يتفقا، فهذه الحادثة هي تقدير من رب العالمين؛ لتكون بيانًا للعباد في التعامل، فيا أخي الكريم عندما تحصل أي مشكلة أسرية مع الزوجة أو غيرها، فلا تستعجل بما تريد فعله، بل أولًا اضبط انفعالك وتعرَّف على المآلات والعواقب، ادرأ المفسدة الكبرى بتحمُّل المفسدة الصغرى؛ فإن التربويين يقولون لا تصدر قرارك خلال بداية حصول الموقف، فإن تلك اللحظة هي حرجة وغير متفاهمة في الغالب، ويؤزُّها الشيطان أزًّا فتعرف على السبب، وحاول الهدوء وعدم الانفعال؛ لأننا حين نوصيك بهذا نعلم أن الأسرة هي المستقر والمقر المتين لذويها، فإذا تشتت لحصول مشكلة بسبب أنه لم يفهم بعضهم مقصود الآخر، أو استعجل أحدهم بتصرف غير مدروس، ولم يعذره الآخر، فإن هذا التشتت له أبعاده السلبية؛ فالتعامل مع الأسرة يختلف في الجملة عن التعامل مع الآخرين، فالأقربون أولى بالمعروف، ويا ليتنا في كلام بعضنا مع بعض حول مشكلة ما نأخذ بهذه القاعدة، وهي قاعدة رائعة جميلة ذهبية، تُروى عن الشافعي رحمه الله حيث يقول: "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"، لكن البعض - هداهم الله - يتعامل بقاعدة أخرى سلبية؛ وهي: رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب، ففرقٌ بين القاعدتين؛ فالأولى تحملك على التفاهم والتأمل والتأني، وأما الثانية، فهي تغلق عليك تلك الصفات الجميلة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((غارت أمكم))، هما كلمتان فقط، لكنهما أنهيا مشكلة بين بيتين من بيوت أزواجه عليه الصلاة والسلام، فما أجمل التفاهم والاعتذار، والتقبل والاعتراف، فلو كنا كذلك لزالت كثير من المشاكل الأسرية، وحصل الاطمئنان والسكون، فقد تفرقت أسرٌ بأسباب تافهة، من خلال أرشيف المحاكم، وجهات الإصلاح والمصلحين، وتم لمُّ الشمل بحمد الله تعالى لكثير منها عندما ساد الهدوء والتفاهم، وعرف كل منهم فضل الآخر، وعرفت مآلات الأمور في الأولاد والأحفاد، فاللهم لك الحمد كثيرًا على ذلك. وإن مما يستحق الإشارة إليه في الجو الأسري أن نربي أنفسنا على ثقافة الحوار الجيد، وأيضًا على التغافل الإيجابي، وكذلك على التشجيع والتحفيز عند الإنجاز، وأيضًا على استدامة الدعاء بعضنا من بعض، وأيضًا ألَّا ننسى الفضل بيننا، وأن نعلم أن خيرنا هو خيرنا لأهله، وكذلك أن نقوم بتحميل أولادنا للمسؤوليات ليتعلموها، وأن يكون الشكر سائدًا بيننا أكثر من العتاب، مع استحداث جلسات تجمعنا، نتجاذب فيها أطراف الحديث، إن الاهتمام بهذه وأمثالها يبني الأسرة ويعززها، وأيضًا كذلك يزيل مشاكلها، ويجمع شملها، وقد تمثلت هذه الصفات في أسر، فنجحت وسعدت، وقد فقدتها بعض الأسر، فاختلفت، وربما فشلت، اللهم أجمع شملنا على الهدى والتقى، وأصلح نياتنا وذرياتنا، وبارك لنا وعلينا يا رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#24 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (22) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثانية والعشرون من برنامج: خاتم النبيين بعض الأحداث بين أحد والخندق (2) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فقد سبق معنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية ذكر بعض الأحداث التي حصلت بين غزوتي أُحُد والخندق، فقد ذكرنا يهود بني النضير وبني قريظة، وأيضًا غدرهم وكيف أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، وذكرنا ما أفاءه الله على رسوله عليه الصلاة والسلام من سلاحهم وأموالهم، وذكرنا أيضًا غزوة دُومة الجندل، وغزوة بدر الآخرة، إلى غير ذلك مما سبق ذكره، ونحن في حلقتنا هذه بإذن الله نتابع ذكر تلك الأحداث، سواء كانت في بيت النبوة أم خارجها. فمن ذلك قدوم وفد مُزَينة؛ ففي رجب من السنة الخامسة قدم وفد من مزينةَ، وعددهم أربعمائة رجل، فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمرهم بأمره، وأوضح لهم، وزودهم ببعض الطعام، وهذا الوفد هو أحد الوفود التي قدمت المدينة، فتُبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وذلك مما يغيظ المنافقين والكفار آنذاك؛ لأنه بإسلام مثل هذا الوفد ورجوعه إلى قومه سيسلم الكثيرون ممن وراءهم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن نصره له، وتسديده إياه، ومن الأحداث أيضًا في تلك المرحلة غزوة بني المصطلق أو المُرَيْسِيع، والمريسيع هو موقع ماء لخزاعة، وهو الآن في وادي ستارة، تبعد عن المدينة قرابة مائتين وخمسين كيلومترًا إلى جهة مكة قريبًا من قديد، وكانت تلك الغزوة في الثاني من شهر شعبان من السنة الخامسة، وكان سببها أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق جمع قومه لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام بريدة بن الحصيب؛ ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وكأنه رجل من العرب يريد إعانتهم، فأتى إلى الحارث وكلَّمه فيما يريدونه، وعلِم خططهم ومآربهم وما هم عليه من خلال كلامه معه، فقال بريدة للحارث: دعني أذهب إلى قومي لكي أجمع منهم رجالًا، فسُرُّوا بذلك، ورجع هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بخبرهم، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إليهم، فأسرعوا الخروج وكانوا سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسة، وخرج معهم عدد كبير من المنافقين، ومعهم رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول، وكان الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق قد أرسل عينًا له يأتيه بخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلقيَهُ النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه، فسأله عنهم، فلم يذكر عنهم شيئًا، وكتم أخبارهم، فعرض النبي عليه الصلاة والسلام عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، واتضح لهم أنه عين لبني المصطلق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرَ بن الخطاب فضرب عنقه، فلما علم بذلك الحارث، ساءهم وَوَلَجَ في قلوبهم الرعب، وتفرق عنه مَن كان معه من غير قومه. فوصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، فأغار عليهم وهم غافلون، فقتل بعض مقاتلتهم، وسبى من ذراريهم، وكان منهم جويرية رضي الله عنها؛ [رواه البخاري]، ثم جُمعت الغنائم بعد ذلك، وغنموا من الإبل الشيء الكثير، فقد غنموا ألفين من الإبل، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي والأسرى الشيء الكثير؛ لأنهم أتَوهم على غفلة، ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله في موضعه الذي غنمه فيه، فأخرج الخمس، ثم قسم الباقي بين الناس، وفرق السبيَ، فصار بأيدي الرجال، وقسم الإبل والشياه، وكانت جويرية رضي الله عنها من السبي فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت أمًّا للمؤمنين؛ وهي بنت الحارث رئيس بني المصطلق. وكان زواجه عليه الصلاة والسلام بها سببًا في إسلام الكثير من بني المصطلق، حتى أسلم أبوها الحارث بن ضرار، ثم خرج الحارث إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم كثير منهم، وبزواجه أيضًا عليه الصلاة والسلام من جويرية أعتق كثير من الرقيق؛ لأنهم صاروا أصهارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: ((ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها))، وكانت جويرية رضي الله عنها عابدة ذاكرة، وهي التي كانت سببًا في ورود ذلك الذكر العظيم المضاعف الذي رواه مسلم في صحيحه؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جويرية رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها؛ أي: في موضع صلاتها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال لها: ما زلتِ على الحال التي فارقتكِ عليها؟ قالت: نعم، أذكر الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات؛ ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم، لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))؛ [رواه مسلم]. فهذا ذكر عظيم جليل ينبغي لنا حفظه، والمحافظة عليه، وتحفيظه لأولادنا، ولم يُقتَل أحد من المسلمين في تلك الغزوة إلا رجل واحد، وهو هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار، وهو يظنه من العدو فقتله خطأ، فلما علم أخوه مقياس بن صبابة وهو في مكة، جاء إلى المدينة وأشهر إسلامه، ومكث أيامًا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أطلب دية أخي"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع دية أخيه، فأخذها، واستلمها، ثم بعد أن أقام أيامًا عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًّا، والعياذ بالله، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه وإن كان متعلقًا بأستار الكعبة؛ فقُتل في فتح مكة. وقد خرج في تلك الغزوة غزوة المريسيع عدد من المنافقين؛ ومنهم عبدالله بن أُبي، رئيس المنافقين، وقد خرجوا باسم الجهاد، ولكنهم يقصدون إثارة الفتنة بين المسلمين، وقد حدث حدثان عظيمان بسببهم: الحدث الأول: إنه ازدحم رجلان؛ أحدهما من المهاجرين، والآخر من الأنصار، فاختلفا فكسع المهاجري الأنصاري؛ أي: ضربه، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوها؛ فإنها مُنتنة، لينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا؛ فإن كان ظالمًا، فلْيَنْهَهُ، فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره))؛ [رواه مسلم]، وفي رواية قال: ((ما بال دعوى الجاهلية؟ فبلغ ذلك عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فغضب، وعنده رهط من قومه، وفيهم زيد بن أرقم رضي الله عنه وأرضاه، وكان غلامًا يافعًا، فقال ابن أبي: أو قد فعلوها؟ يعني: المهاجرين جاؤوا إلى المدينة، وكاثرونا في ديارنا، والله ما أعُدُّنا وجلابيب قريش إلا كقول القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال أيضًا: لا تنفقوا على مَن عند رسول الله؛ حتى ينفضوا من حوله))؛ [أخرجه البخاري ومسلم]. فذهب زيد بن أرقم ذلك الغلام وكان حاضرًا معهم، فذكر ذلك لعمه سعد بن عبادة، فذكر سعد ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق ذلك المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دَعْهُ؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي يسأله عن ذلك، فحلف أنه ما قال ذلك، واجتهد في يمينه، وقال هو ومن معه: كذب زيد، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد؛ أي مستنكرًا ذلك الخبر، فقال سعد: إنما أخبرنيه ذلك الغلام؛ يعني: زيدًا، فأخذ عبدالله بن أبي يزجر زيدًا على ذلك زجرًا شديدًا، يقول زيد: فأجهشت بالبكاء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت: والذي أنزل عليك النبوة، لقد قالها، يقول زيد: فأصابني همٌّ وغمٌّ لم يصبني مثله قط، وجلست وحيدًا، فلما حصل ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف الناس عن دعوى الجاهلية، وإلا تتسع دائرة المشكلة، فأمر بسير الجيش في ساعة لا يرتحل فيها عادة، فسأله أسيد بن الحضير عن هذا الارتحال على غير العادة، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمقالة ابن أبي، فقال أسيد رضي الله عنه: أنت يا رسول الله العزيز، وهو وحزبه الذليل، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به؛ فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لَينْظِمون له الخرز ليُتوِّجوه؛ فإنه يرى أنك قد سلبته ملكه. ثم سار بهم النبي صلى الله عليه وسلم مسارًا طويلًا حتى تعبوا ثم ناموا، قال زيد: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من الهم والغم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك بأُذني، وضحك في وجهي، فما يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، فلقيني أبو بكر، فقال: ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: ما قال شيئًا، وإنما ضحك في وجهي، وسررت لذلك، ولحقني عمر، وقال لي مثل ذلك، فقلت له مثل ذلك، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقون؛ وكان مما قرأ قوله تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾ [المنافقون: 7]؛ الآية، وقوله: ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8]؛ الآية. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد صدقك))؛ [رواه البخاري]، ثم أكملوا مسيرهم فنزلوا في مكان، فهبت عليهم ريح شديدة وتخوَّفوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تخافوها؛ هذه الريح لموت منافق))، قال جابر: فلما قدمنا المدينة، فإذا رفاعة بن زيد قد مات، وهو من عظماء اليهود، وكان كهفًا للمنافقين، وعندما علم عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول وهو أحد الصحابة الأجلاء، عندما علم ما قاله والده المنافق، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي عبد الله بن أبي، فإن كنت فاعلًا، فمُرْني به، فإني أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقِيَ معنا))، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من المريسيع، وقف الصحابي الجليل عبدالله بن عبدالله بن أبي على باب المدينة، فلما جاء أبوه أناخ ناقته عند بابها، وقال لأبيه: والله لا تجوز من هذا الباب، حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذِن له فخلى سبيله، وكانت تلك الغزوة في اليوم الثاني من شهر شعبان، وقدموا المدينة في هلال رمضان. إخواني الكرام، فيما سبق عرضه في تلك الحلقة دروس وعِبر، فلعلنا نتطرق لبعضها، ونستكمل حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله؛ فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: في هذه الغزوة ظهرت بركات متعددة لجويرية رضي الله عنها وأرضاها، وهي أم المؤمنين، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كانت في السبي صارت من نصيب أحد الصحابة، فعرضت على سيدها المكاتبة، فكاتبها، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينها، فأعانها، وتزوجها، فزواجه منها صار سببًا في عتق عدد من الصحابة لمماليكهم من بني المصطلق؛ حيث كانوا بعد هذا الزواج أصهارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بركتها أنها بزواجها من الرسول عليه الصلاة والسلام أسلم أبوها، ومن بركتها أيضًا أنه بإسلام أبيها ذهب يدعو قومه فأسلموا، وأيضًا من بركتها رضي الله عنها أنها كانت سببًا في هذا الذكر المضاعف؛ وهو ((سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))؛ والحديث مشهور في صحيح مسلم، فهو ذكر عظيم جليل ينبغي لنا حفظه والمحافظة عليه، وتحفيظه لأولادنا صغارًا وكبارًا، وأن ندل عليه كل من نحب، فهو يُقال في كل وقت، لكنه يتأكد في الصباح، وهو ذكر عظيم ويسير أيضًا؛ فهو لا يستغرق أكثر من ربع دقيقة، لكنه يحوي من الأجور أكثر من ملء الأرض والسماء، فحافظوا عليه يا رعاكم الله، فإنكم على خير عظيم، وأُعيده لأهميته: ((سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته؛ ثلاث مرات)). الدرس الثاني: قد يكون أحيانًا ظاهرُ الأمر قتلًا وفتكًا، لكنه في باطنه الخير العظيم؛ فغزوة بني المصطلق كانت لقتال وجهاد الكفار، ولكنه حصل في تلك الغزوة خير عظيم، ويتمثل ذلك بإسلام الأسرى، وبركات جويرية رضي الله عنها، وإسلام الحارث زعيم بني المصطلق، وإسلام كثير من قومه لما دعاهم، فحصل هذا الخير العظيم، مع أن ظاهر الأمر لهم شرٌّ كبير، فعندما يحصل أمر قد نكرهه في حياتنا، فلننظر إلى النقطة الإيجابية فيه، وننطلق منها في التفاؤل وحسن الظن؛ فإن ذلك أشْرَحُ لصدورنا، وأكثر طمأنينة لنفوسنا، وأضيق لدائرة المشكلة، وأوسع في دائرة الحل، بينما لو تشاءمنا ولم نتفاءل، لانقلبت تلك الإيجابيات المذكورة إلى سلبيات، فتبدأ المشاكل بالاتساع والتكاثر. الدرس الثالث: في تلك الغزوة عندما تشاجر المهاجري والأنصاري يُستفاد أن النفوس ليست معصومة من الخطأ، حتى ولو كانوا صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكنهم يرجعون سريعًا للحق رضي الله عنهم، ويُستفاد من تلك الحادثة تلكم القاعدة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي نهيه عن أمور الجاهلية؛ حيث قال: ((دعوها فإنها منتنة))، فهو نهي عن أعمال أهل الجاهلية وأسس المحبة والتعاون، والتكاتف والتفاهم، وحسن الظن، وغير ذلك من تعاليم الإسلام، فإذا أسلم الكافر أو اهتدى العاصي، فليترك ما كان عليه قبل ذلك من جاهلية، وليستبدلها بنور الإسلام وتعاليمه. الدرس الرابع: على المسلمين أن ينصر بعضهم بعضًا، سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، فنصرُ الظالم بإبعاده عن الظلم ونهيه عنه، ونصر المظلوم بأخذ حقه من الظالم، والمقياس في هذا كله هو الإسلام، وليس حظوظ النفس أو القرابة أو العشيرة ونحو ذلك؛ فالعدل هو الأساس، والله عز وجل يعلم الخفايا وما تخفيه الصدور، ونهيُ الظالم عن ظلمه هو حجز له عن عذاب الله، وحفاظ على حسناته وأعماله، وكم نحن بحاجة ماسة في واقعنا المعاصر إلى ذلك، سواء في البيع والشراء، أو في الغيبة والنميمة، أو في القضايا الزوجية، أو في التعاملات الأخرى، فيتعين علينا جميعًا أن نعدل في هذا، وننصف المظلوم من الظالم، وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك إذا طلب منك شهادة على شيء من الأشياء، فعليك بالعدل، واحذر الحيف، ولا يمنعك من العدل، حتى ولو كان صاحبك أو قريبك، بل ولو على نفسك؛ لأنك إن نجوت الآن، فأمامك الآخرة، وسيتضح فيها كل شيء، وستظهر فيها النتائج على حقيقتها، فكلما وقع سمعك أو نظرك على ظلم، فكن إيجابيًّا مع الظالم والمظلوم، وذلك بإحلال العدل بينهما؛ فالظلم يتنوع؛ فقد يكون بالأقوال، أو بالأعيان، أو بالأعراض، ويا ليت الظالم الذي يأخذ ما ليس له من مال أو عرض في الدنيا، يا ليته يعلم أنه سيرده يوم القيامة من حسناته، فوقفة تأمل مع تلك النقطة قد تُوقِظ القلب إلى الأبد، إن كان في القلب تقوى وخوف. الدرس الخامس: تأمل بُعد النظر عند هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وتأمل أيضًا النظر في مآلات الأمور، كم نحن بحاجة ماسة لهذه الصفة العظيمة؛ وهي بُعْدُ النظر في تصرفاتنا وقراراتنا! فكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لأحد الصحابة بقتل رئيس المنافقين، وينتهي أمره، ويدرأ شره، لكنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى أمر بعيد، وهو قوله: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، فإن هذا قد يرد بعض الناس عن الإسلام، وكذلك قد تقوم فتنة بذلك؛ ولذلك احتمل أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما، فكذلك نحن في تربيتنا لأولادنا وتصرفاتنا وتعاملنا مع الآخرين لا بد أن يكون ذلك مدروسًا ومنظورًا فيه عواقب الأمور؛ ففي الطلاق والهجر، والكلام السيئ، والظنون القبيحة آثار سلبية كبيرة، فلندرأها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. الدرس السادس: في موقف عبدالله بن عبدالله بن أُبيٍّ رضي الله عنه عندما أراد أبوه دخول المدينة فقال: "لا تتجاوز حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم"، في هذا الموقف العظيم تقديم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام على أمر الوالدين، مع أنه كان بارًّا بأبيه أشد البر، ومع ذلك قال له: "لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فمهما كانت محبة الوالدين أو البر بهما، فلا يُقدَّمان على أمر الله ورسوله، وفي ذلك قوة إيمان بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، مع عِظم حق الوالدين، ووجوب البر بهما، فإن تلك المحبة وذلك البر إذا تعارض مع أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يُنظر إليه، بل ليس برًّا. الدرس السابع: يظهر في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أُبيِّ بن سلول، الخلق الحسن في التعامل حتى ولو كان الآخر فيه عداوة؛ فالخلق الحسن مفتاح لكل خير، وجالب لكل برٍّ، وهذا يرسم لنا منهجًا في التعامل الأمثل فيما بيننا في كلامنا وتصرفاتنا أن تكون مدروسة، ويُراعَى فيها نفوس الآخرين؛ فالخلق الحسن والتعامل الأمثل هو دعوة إلى الدين، وموضع قدوة للآخرين، فإذا رآك أحد على خلق حسن أحبك وارتاح إليك، واقتدى بك، فنِلْتَ مثل أجره، فاحرص على اقتناص ذلك الخلق الحسن من خلال تصرفات الآخرين، فما كان من حسن فخُذْهُ، واحرص عليه، وما كان من سيئ، فاتركه وابتعد عنه، وبذلك تجتمع فيك المحاسن، وتزول عنك المساوئ، فهذه قاعدة عظيمة في حسن الأخلاق، وذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا، واغفر لنا، وارحمنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عدي بن حاتم | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 04-24-2026 09:04 PM |
| قصص النبيين للأطفال كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 05-10-2025 11:27 AM |
| حاتم مجمع مقطع 1 مصحف حاتم فريد الواعر فيديو بكامل الصفحة مصور | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-19-2025 06:59 PM |
| حاتم بخط كبير 114 سورة مكتوب المصحف المصور فيديو كامل ل حاتم فريد الواعر | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 12-05-2023 06:37 PM |
| فلاش.. خاتم المرسلين | Dr Nadia | قسم السيرة النبوية | 3 | 02-14-2017 09:25 AM |
|
|