![]() |
![]() |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]()
|
وأمَّا صفة خاتمة دروسه فيقول أيضًا: "وكان إذا فرغ من درْسه يفتح عينيْه، ويقبل على النَّاس بوجه طلق بشيش، وخلق دمث كأنَّه قد لقِيهم حينئذ، وربَّما اعتذر إلى بعضِهم من التَّقصير في المقال مع ذلك الحال، ولقد كان درْسه الَّذي يورده حينئذٍ قدْر عدَّة كراريس، وهذا الَّذي ذكرته من أحوال درْسه أمر مشهور يوافقُني عليه كلُّ حاضر بها، وهم بِحمْد الله خلق كثير لَم يحصر عددهم، علماء ورؤساء وفضلاء، من القرَّاء والمحدّثين، والفقهاء والأدباء، وغيرهم من عوامّ المسلمين"[13]. أمَّا ما تميَّزت به مواعظه من ميزات ومقوِّمات، فهي: 1- التَّأكيد على معاني العقيدة: وهو الذي جاهد الشَّيخ طيلة حياته من أجل توضيحها، وغرس معانيها في النفوس، والتَّحذير من وسائل الشرك المضادَّة لها، وشدّ النَّاس إلى غاية عظيمة وهي ابتغاء مرضاة الله، وتقْديم رضاه على رضا المخلوقين، والتطلُّع إلى ما عند الله من النَّعيم، ومن تلك المواعظ المؤثرة أنَّه: كان مرَّة عند بعض أمراء التَّتر بالمشرِق، وكان له صنم يعبده، قال: فقال لي: هذا الصَّنم يأكُل من هذا الطَّعام كلَّ يوم، ويبقى أثر الأكْلِ في الطَّعام بيِّنًا يُرى فيه، فأنكرتُ ذلك، فقال لي: إنْ كان يأكل أنت تَموت؟ فقلت: نعم. فأقمتُ عنده إلى نصْف النَّهار ولم يظهر في الطَّعام أثر، فاستعظمَ التَّتريُّ ذلك، وأقسم بأيمان مغلَّظة أنَّه كلَّ يوم يرى فيه أثرَ الأكل لكن اليوم بحضورِك لم يظهر ذلك، فقلتُ لهذا الشَّيخ - تأمَّل موعظة الشَّيخ وأسلوبه في الإقناع -: أنا أبيِّن لك سبب ذلك، ذلك التَّتري كافر مشرك، ولصنمِه شيطان يُغْويه بما يظهرُه من الأثَر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأْييد الله تعالى ما أوْجب انصراف الشَّيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتَّتري بالنسبة إلى أمثالك، فالتَّتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض، فأعجب هذا المثل من كان حاضرًا. وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا: تريد أن نظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عمِلْتموها بحضور مَن ليس من أهل الشَّأن من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة، أو جمهور المتفقهة والمتفقِّرة والمتصوفة - لم يحسب لكم ذلك، فمن معه ذهَب، فليأتِ به إلى سوق الصَّرف إلى عند الجهابذة الَّذين يعرفون الذَّهَب الخالص من المغشوش من الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهْل بذلك، فقالوا لي: لا نعمل هذا إلاَّ أن تكون همَّتك معنا، فقلت: همَّتي ليست معكم بل أنا معارض لكم مانع لكُم؛ لأنَّكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا، فانقلبوا صاغرين"[14]. 2- اتباع السنَّة في الموعظة: فقد كان الشَّيخ كثيرًا ما يبدأ بخُطبة الحاجة، ويقتصد في الموعظة، ولا يتحدَّث إلاَّ فيما يعقله النَّاس من مسائل الدين، قال البزار: "وفي يوم الجمعة صلَّى الشَّيخ في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع إليه خلْق عظيم، وسأله بعضهم أن يتكلَّم بشيء يسمعونه منه، فلم يُجِبْهم إلى ذلك، بل كان يتبسَّم وينظر يمنة ويسرة، فقال له رجل: قال الله في كتابه الكريم: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، فنهض الشيخ قائمًا، وابتدأ بخُطبة الحاجة - خطبة ابن مسعودٍ، رضي الله عنْه - ثمَّ استعاذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم وقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 1 - 7]. وتكلَّم على تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وفي معنى العِبادة والاستعانة إلى أن أذَّن مؤذِّن العصر"[15]. ويقول أيضًا: "وكان غالبًا لا يقطع إلاَّ ويفهم السَّامعون أنَّه لولا مضيّ الزَّمن المعتاد، لأوْرد أشياءَ أُخَر في معنى ما هو فيه من التَّفسير، لكن يقطع نظرًا في مصالح الحاضرين"[16]. 3- الإخلاص والصدق: فكانت مواعظه تصدرُ من قلبٍ صادق، لا يَحول بيْنه وبين المدعوِّين أيّ حائل سوى مخافة الله ومراقبته، وكانت مواعظه تأتي بنتائج إيجابيَّة مؤثرة، بخلاف ما كان يعتقِد أصحابه وأتْباعه من أنَّها سوف تؤدِّي إلى قتله، أو إحداث فتنة كبيرة، ومن ذلك قيام جماعة من الغوْغاء على الشَّيخ بجامع مصر، وضرْبه وقيام أهل الحسينيَّة وغيرهم انتصارًا للشيخ، ثمَّ صفْحه هو عمَّن آذوه، فقد تكلَّم الشَّيخ في تفسير: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وفي المسألة التي كانت الفتنة بسببها، لكن بأسلوبٍ بليغ وواضح، قطَع به الحجَّة، وأزال الشُّبَه، فقال خصومُه بعد سماعهم للموعظة البليغة: "والله لقد كنَّا غالطين في هذا الرَّجُل لقيامنا عليه، والله إنَّ الَّذي يقوله هذا هو الحق، ولو تكلَّم هذا بغير الحقّ لم نمهِلْه إلى أن يسكت، بل كنَّا نبادر إلى قتله"[17]. وهذا السّرُّ في تأثير مواعظ الشَّيخ فيمن يخاطبهم ويدعوهم؛ لصدقه وإخلاصه أوَّلاً، وثانيًا فقد كان لا يكتفي بالخطب والمواعظ الرنَّانة، بل كان يقارن الموعظة بالتَّطبيق، والقول بالعمل والمشاركة الفعَّالة. 4- قوَّة الحجَّة ووضوح البرهان: وقد تميَّزت مواعظ الشَّيخ ومحاورته - خاصَّة لضعاف البصيرة - بوضوح الحجَّة، وحسن البيان، وضرْب المثل، وسرعة البديهة، مع الرِّفْق في القول، والحرص على الهداية، ومن ذلك: "لمَّا قدم التَّتار سنة 702 وأحاطوا بدمشق، وعظَهم وذكَّرهم ووعدَهم بالنصر، وكان يتأوَّل قوله تعالى: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60]، وجعل يحلِف بالله الَّذي لا إلهَ إلاَّ هو إنَّكم لمنصورون، فيقول له بعض الأمراء: قل: إن شاء الله، فيقول: أقولُها تحقيقًا لا تعليقًا، وأفتى النَّاس بالفِطْر إذ كانت هذه وقعة "شقحب" في رمضان"[18]، ومن ذلك لمَّا وقعت الشبهة في كون التَّتر مسلمين، وأنَّه لا يجوز لذلك قتالُهم، فوعظَهم وخطب بهم حيث تردَّد بعض الجند في قتال هؤلاء لأنَّهم يزعمون أنَّهم مسلمون، فأفتاهم ابن تيمية وبيَّن حكم الإسلام فيهم، وأنَّهم من جنس الخوارِج الَّذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية، حتَّى كان يقول لهم: "إذا رأيتُموني وأنا في ذلك الجانب – أي: معهم - وعلى رأْسي المصحف فاقتلوني"، وكان يدور على الجند والأمراء في الميدان فيأكُل أمامهم، ليبيِّن لهم أنَّه مفطِر، ويروي لهم قولَ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في عام الفتْح: ((إنَّكم ملاقو العدوّ غدًا والفطر أقوى لكم))[19]. 5- الرفق واللطف بالقول والكلام: وهذا ديْدنه في الدَّعوة؛ لعلمه أنَّ الرفق ما كان في شيء إلاَّ زانه، وأحيانًا يُغْلِظ في الكلام لمناسبته للحال، ومع بعض الأصحاب ومقصوده نصرة الدين، يقول الشيخ: "وتعلمون أيضًا أنَّ ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، ما كان يجري بدمشق وممَّا جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة ولا نقصًا في حقّ صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيُّر منَّا ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التَّغليظ والتخشين أرفع قدرًا، وأنبه ذكرًا، وأحب وأعظم، وإنَّما هذه الأمور هي من مصالح المؤْمنين التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإنَّ المؤمن للمؤمن كاليديْن تغسل إحداهُما الأخرى، وقد لا ينقلِع الوسخ إلاَّ بنوع من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النَّظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التَّخشين، وتعلمون أنَّا جميعًا متعاوِنون على البرّ والتَّقوى، واجب عليْنا"[20]. 6- الوضوح التام الَّذي لا لبس فيها ولا غموض: فمواعظ الشَّيخ خالية من الألفاظ المعقَّدة، تجمع بين العقل والعاطفة، بعيدًا عن ترَّهات وخزعبلات الصوفيَّة، وتعقيدات الفلاسفة؛ لأنَّ الغرض هو إيصال المعاني المطْلوبة إلى النَّاس ليفهموها، ويطبِّقوها حتَّى يسعدوا في حياتِهم وبعد مماتهم، فكانت تتضمَّن الآيات القرآنيَّة، والاستدلال بالأحاديث الصَّحيحة، ففي القرآن والسنَّة الوعظ التَّامّ والشفاء، والتَّرغيب في الجنَّة ونعيمها، والتَّخويف والتَّرهيب من الشَّرّ وموجباته، وكانت مجالس الوعظ تضمّ من مختلف الشَّرائح من الجند والفلاحين، والصنَّاع، والعمَّال والعُلماء، والمتفقِّهة، والصوفيَّة والمرابطين، يقول البزار: "وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحرّ والعبد، والذَّكر والأنثى، قد وسع على كلّ مَن يرد عليه من الناس، يرى كلٌّ منهم في نفسِه أن لم يكرم أحدًا بقدره"[21]. والكلّ يفهم ما يتحدَّث به الشيخ، فليس في مجالس الشَّيخ ألغاز أو أسرار، أو باطن أو ظاهر، أو ما هو خاصّ للخاصَّة أو خاصَّة الخاصَّة دون العامَّة، فالشَّيخ يؤمن كمال الإيمان أنَّ الله أتمَّ الدين، وأكمل النعمة، ووضَّح لجميع الخلق الشرع والدين، يقول الشَّيخ - رحمه الله - في ردِّه على من ادَّعى أنَّ في مواعظ ابن عربي سرًّا لا يعلمه إلاَّ الخواصّ: "ومَن قال: إنَّ لقول هؤلاء سرًّا خفيًّا وباطن حق، وأنَّه من الحقائق التي لا يطّلع عليها إلا خواصّ خواص الخلق - فهو أحد رجلين: إمَّا أن يكون من كبار الزَّنادقة أهل الإلحاد والمحال، وإما أن يكون من كبار أهل الجهل والضلال؛ فالزنديق يجب قتلُه، والجاهل يعرَّف حقيقة الأمر، فإن أصرَّ على هذا الاعتِقاد الباطل بعد قيام الحجَّة عليه، وجب قتلُه"[22]. الخلاصة: يُستفاد مما تقدم: أنَّ الشيخ كان واعظًا وخطيبًا، حمل راية الإصلاح والتوجيه، والتَّربية على معاني الإسلام، في شتَّى الميادين، حيث كانت عمليَّة الوعظ عند الشَّيخ تسدّ أكثر الثغرات في المجتمع الإسلامي؛ لما يملك من أسلوب حكيم، وجراءة على قوْل الحقّ، وعلم راسخ، وحجَّة داحضة للشُّبهات، ومهابة في قلوب الخلق، وكانت مواعظُه تعالج معظم الانحرافات التي ابتُلي بها عصره، من بِدَع وخرافات، وأمراض اجتماعيَّة، وقد قام بها كلّها أحسن قيام، لما تمتَّع به من مزايا وصفات، ذكرنا طرفًا منها، ومن هنا نقول: إنَّ عمليَّة الوعظ والخطابة لا تقتصِر على نوع معين كالخُطبة يوم الجمعة - مع أهميَّتها - بل تتَّسع الدائرة لتشمل أنواعًا أخرى لها الدَّور والتأثير الأكبر في الإصلاح والتربية، مثل التَّوجيه والخطابة في الميادين العامَّة الجامعة للنَّاس، والنَّوادي الثقافيَّة، وفي وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة؛ لأنَّ مَن يأتون إلى المسجد هم صِنف معيَّن من شرائح المجتمع المختلفة، وعلى المؤسَّسات والهيْئات المسؤوليَّة في إعداد خطباء ووعَّاظ في تذْكير النَّاس في مختلف مرافق المجتمع، تتوفَّر فيهم الصِّفات المطلوبة من أجْل توعية المجتمع على مبادئ الإسلام وتعاليمه. والموضوع - مواعظ شيخ الإسلام ابن تيمية ودوْرها في التربية - يحتاج إلى أُطروحة أو رسالة، ووفق خطَّة واضحة المعايير[23]، تتوفَّر فيها كلُّ المتطلَّبات، تتناول الموضوع من جميع جوانبِه، والحديث عمَّا يمكن للدَّاعية أن يستفيد من دُروس وتجارب في مجال عمله؛ لتكون زادًا علميًّا غنيًّا يكون موضع اهتمام الخطيب والواعظ وطلبة العلم؛ للتعرف على منهج الشيخ في وعظه ودروسه للأخذ بها والاستفادة منها ثانيًا، وبالله التوفيق. وصلَّى الله على عبْدِه ونبيِّه محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ـــــــــــــــــــــــ [1] زعم الرحالة ابن بطوطة أنَّه شاهد ابن تيمية - رحمه الله - على منبر الجامع بدمشْق يعظ الناس، ويشبّه نزول الله إلى السَّماء الدنيا بنزوله هو من درجة المنبر. وقد ذكر العلماء أنَّ تلك الرواية لا قيمة لها، ولا وزْنَ في الميزان العلمي والبحْثي، وتناولوا رحلة ابن بطوطة بالتَّحليل والنقد، وتوصَّلوا إلى أنَّ الرواية لا سند لها، بل هي مختَلَقة لأدلَّة لا مَجال لذكرِها هنا، وممَّن فنَّد القصَّة الشَّيخ العلاَّمة أحمد بن حجر آل بو طامي - رحمه الله - في كتابه "نقض كلام المفترين على الحنابلة السلفيّين" ص 42، وفنَّدها قبله علامة العراق نعمان الآلوسي في كتابه "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للآلوسي ص88، طبع مؤسَّسة الرسالة، ورسالة للمحقّق محمد بهجت البيطار بعنوان "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية" تحت عنوان: دفع فرية عن ابن تيمية. [2] انظر مكانة الشيخ العلمية، وثناء العلماء عليه في "العقود الدرية" لابن عبدالهادي ص6 وص23، وكتاب "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية" للبزار ص18 و19، وانظر "البداية والنهاية" للحافظ ابن كثير 14 /134. [3] ذكر الحافظ في "البداية والنهاية" من حضر درس الشيخ من العلماء، وعمره إذ ذاك اثنان وعشرون سنة، وكان درسًا هائلاً كتبه الشَّيخ تاج الدين الفزازي بخطِّه لكثرة فوائده، وكثرة ما استحسنَه الحاضرون. انظر من الكتاب 13 /303، والعقود الدرية ص4 وما بعدها. [4] الأعلام العلية، الفصل الثاني: في بيان غزارة علمه، وممَّن نقل ما تضمَّنته دروس الشَّيخ: العلامة مرْعي الكرمي في "الكواكب الدرية" ص156. [5] انظر بعض المواقف العصيبة التي كان الشَّيخ يقدم عليْها برباطة جأش دون خوف في "الأعلام العلية" ص45، 46، وما موقفه الجريء من الملك قازان إلاَّ دليل على شجاعتِه، وقوَّة قلبه، انظر "الأعلام العلية" ص71 74، ويذكر البزار أنَّه اجتمع عليْه خلق كثير وتفرَّق عنه النَّاس خوفًا، فقال: إنْ هم إلاَّ كالذّباب، ورفَع كفَّه إلى فيه ونفخ فيه، قال - أحد أصحابه -: وقام وقمنا معه حتى خرجنا، فأتي بحصان فركبه ويختل بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا، ولا أشدَّ بأسًا منه، انظر "العقود الدرية" ص285. [6] انظر تفصيل الحادث في "الأعلام العلية" ص71 - 74، وذكره ابن كثير في "البداية والنهاية" 14 /89 عند ذكر ترجمة الشَّيخ البالسي، قال الحافظ ابن كثير: وقد سمِعْت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد قال له قاضي القضاة ابن صصري: كدت تهلكنا وتهلك نفسك! والله لا نصحبك من هنا، فقال له الشَّيخ: وأنا والله لا أصحبُكم، أمَّا الشَّيخ فما وصل إلى دمشق إلاَّ في نحو ثلاثمائة، وأمَّا مَن رفض صحبتَه فخرج عليهم التتر! [7] من كتاب "مقاصد الإسلام" للشيخ صالح العثيمين ص393، وكتاب "حقوق الراعي والرعية" للشيخ محمد صالح العثيمين - رحمه الله - وانظر مجموع كلام العلماء في "الدرر السنية" 9 /199. [8] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 28 /241 - 243. [9] دار هذا الحوار قبل أحداث موقعة شقحب الشَّهيرة في مواجهة جند التتر، وقد ذكر الحادثة بالتفصيل ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، ومن خلال تحليل موضوعي رائع ذكر ابن عبدالهادي دروس الرسالة والحادثة وما يستفاد منها في 52 صفحة، وقد ربط الإمام الشَّيخ حادثة معركة شقحب بغزوة الأحزاب، وما رافقها وصاحبها من ظروف وملابسات، وتفاصيل دقيقة، انظر "العقود الدرية" من ص120 لغاية ص 175. [10] الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية، ص69 و70. [11] سجن الشيخ مرَّات عديدة، منها: سجنه في سجْن القضاة في مصر سنة 707، وسجن أيضًا في سجن الإسكندرية سنة 709، وسجن في قلعة دمشق مرَّات كان آخرها سنة 726 هجرية، فكان دخوله للسجْن عبارة عن دخول واعظ مصلح، يرشِد ويعلِّم السُّجَناء، ويجعلهم أداةً للإصْلاح والسلوك الجيّد، على أنَّ بعض مؤلَّفات الشَّيخ سطرت في غيابات السجون، وكانت ترْسَل إليه الفتاوى من الأمصار ليجيبَ عليها، وهو فرح مسرور بما قسم الله له، منشرح الصدر، جنته في صدره، وانظر "العقود الدرية" ص286. [12] الأعلام العلية، ص13 الفصل الثاني: في غزارة علومه ومؤلَّفاته ومصنفاته. [13] ينظر في كتاب "الأعلام العلية" الفصل الثاني، ففيه تفصيل عن صفة مجلس الوعظ الذي كان الشَّيخ يلقي دروسه ومواعظه فيه. [14] مناظرة الشَّيخ للبطحائية أو الرفاعية، وتأمَّل أسلوب الشيخ في الموعظة، حيث تمكَّن من إقناع قوْم من المتعصِّبين المحترقين للتصوُّف؛ لما يمتلك من أسلوب وحجَّة قويَّة، كم نحتاج اليوم من الدُّعاة مَن يمتلكون مثل هذه المقوِّمات في الدَّعوة، وانظر تفاصيل الخبر في "البداية والنهاية" 14 /36. [15] العقود الدرية ص283 وما بعدها، حيث تبتدئ معاناة الشَّيخ من علماء عصره، وما لفَّقوا عليه من تُهم وأباطيل، جعلتْه ينتقل من سجن لآخر، حتَّى كانت وفاته في سجن القلْعة الشهير صابرًا محتسبًا، رحمه الله تعالى. [16] الأعلام العلية ص6 وما بعدها، وكانت غالب مواعظِه في تفسير كتاب الله، حتى قيل إنَّه شرع في جمع تفسير لو أتمَّه لبلغ خمسين مجلدًا. [17] العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية ص302، في رابع شهْر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة، والعجيب أنَّ الشَّيخ كان يلتمس لهم المعاذير، وهم مُجتمِعون ومجمعون على قتله! [18] ابن كثير في "البداية والنهاية" ج17 /735، العقود الدريَّة من ص120 إلى ص175. [19] المصدر السابق. [20] العقود الدرية 279 رسالة بعثَ بها الشَّيخ إلى أهلِه وإخوانه في دمشق، تضمَّنت قواعد عظيمة في التعامُل مع المخالفين، وبيان عفو الشيخ وصفحه عمَّن آذوه وظلموه. [21] الأعلام العلية في بيان ذكْر دروسه ومن كان يحضرها، ص13وما بعدها. [22] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - (2 /378 - 379). [23] حسب اطلاعي المتواضع لم أر مَن تناول هذا الموضوع الهام في رسالة مستقلَّة، فضلا عن رسالة ماجستير أو دكتوراه، وإنَّما معلومات متناثرة في صفحات الكتب والرسائل. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]()
|
معالم في شخصية الشيخ عبدالكريم اللاحم رحمه الله (2) إبراهيم بن سليمان التركي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد كنت وعدت في الجزء الأول من المقال بالحديث حول طريقة الشيخ رحمه الله في التدريس والتأليف، وذكر شيء من أجوبته واختياراته. فأقول وبالله تعالى التوفيق: لقد سلك شيخنا رحمه الله ورفع درجته في المهديين في التدريس، مسلكا فريداً غير معهود عند كثير من علمائنا ومشايخنا في هذا العصر ومن تقدمهم في طريقة تدريس الفقه أو غيره من العلوم الشرعية أو العربية، إلا ما كان من الشيخ العلامة محمد ابن عثيمين رحمه الله وليس ذلك أيضاً بمطرد بل هو في بعض المسائل؛ لحاجة الطالب إليها. وهذا المسلك الفريد يقوم على سبر المسائل وتقسيمها، دون التعرض للخلاف أو الدليل أو التعليل، والقصد منه هو تصوير المسألة، وبيان منطوقها ومفهومها، وما يلحق ذلك من بيان قيد أو محترز. ويرى الشيخ رحمه الله أن هذا المسلك أنفع للطالب في تصور المسائل وفهمها، وغالباً ما يكون تقسيمه للمسألة حاصراً، فلا تُستدرك عليه صورة تحتملها القسمة لم يأت بها. ومن أمثلة ذلك: أولاً: كلامه على قول صاحب الزاد: (ولا يرفع حدث رجل: طهور يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث). قال رحمه الله: وهذه المسألة فيها تسعة قيود: 1. حدث 2. رجل 3. يسير 4. خلت به 5. امرأة 6. مكلفة 7. لطهارة 8. كاملة 9. عن حدث ثم يشرع يتكلم عما احترز به المؤلف بهذه القيود. فيقول: قوله: عن حدث يُخرج ما إذا كان استعمالها للماء لغير حدث. وهكذا يأتي على مفاهيم هذه القيود قيداً قيداً، حتى ينهيها فيبيّن ما تحت كل قيدٍ من الصور. فقيد الحدث مثلاً تحته صورتان: الصورة الأولى: الحدث الأصغر. الصورة الثانية: الحدث الأكبر. وهذا النوع من التعليم يتوقف على صفاء ذهن وقوة إدراك، وشيخنا رحمه الله في الرتبة العليا من ذلك كله. ثانياً: قوله على عبارة صاحب الزاد: (من رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعد، وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد). يقول رحمه الله: النجاسة إما أن يعلم بها المصلي قبل الصلاة، ولكن نسي إزالتها أو لم يعلم بها إلا في الصلاة، أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة، فهذه ثلاث صور. ثم يشرع يتكلم على إزالتها أثناء الصلاة، فيقول: إما تُمكن إزالتها في زمن يسير أو لا، ثم يأتي على صور ما يمكن إزالته في الزمن اليسير بضرب الأمثلة: كأن تكون النجاسة في الحذاء، أو تكون في الغترة. ثم يتكلم عن صورة ما إذا كانت النجاسة لا تُزال من الثوب أو البدن أو البقعة إلا في زمن طويل. ثم يذكر أمثلة ذلك: كأن تكون النجاسة في الفنيلة وفوقها ثوب وفوق الثوب صدرية وكلها مزرورة بأزرة يصعب فكها في زمن يسير، وهكذا يمشي في تصوير المسائل. وهدفه من ذلك كله تفهيم الطالب عبارة صاحب المتن وبيان قيودها ومحترزاتها وما تحتمله المسألة من صور، هذا أنموذج من طريقته في التدريس. أجوبته على بعض المسائل: 1- سألته رحمه الله عن حكم توسعة المسعى فأجابني بالجواز، وقال: ليس هناك دليل يدل على المنع. وقد حرر رأيه في ذلك في ورقات يسيرة. ولما انتشرت فتوى العلامة ابن عثيمين رحمه الله في جواز ذلك، وقرأتها عليه حَمِد الله على أن اتفق رأيه ورأي الشيخ ابن عثيمين على ذلك. 2- وسألته عن التورق الذي تعمل عليه البنوك، وخاصة (بيع الحديد) ونحوه فقال: هذه معاملات لا حقيقة لها وإنما هو بيع نقد بنقد تحت هذا المسمى. فلم يرى جوازه رحمه الله. 3- وسألته هل يحصل قبض السيارة بمجرد البطاقة الجمركية؟ فأجاب: لا، بل لابد من أن يقبض السيارة وتكون في حوزته؛ وذلك بإخراجها من ملك البائع بالقبض أو التخلية. اختياراته الفقهية وترجيحاته: 1- اختار عدم كراهة الماء المتغير بغير ممازج كالمتغير بالدهنيات على اختلاف أنواعها، والمذهب الكراهة. 2- اختار عدم كراهة الماء المسخّن بالأشياء النجسة إذا تيقن عدم وصول النجاسة إلى الماء، والمذهب الكراهة، أما إذا غلب على الظن وصول النجاسة إلى الماء كما لو كان الإناء مكشوفاً ويصل إليه دخان النجاسة وما يتطاير من شررها فإن حكمه عنده حكم الماء الملاقي للنجاسة فلا يستعمل، وأما المشكوك في وصول النجاسة إليه فاختار عدم كراهة استعماله؛ لأن الأصل طهارته ولا يزال عنها إلا بيقين، أو غلبة ظن. 3- اختار طهورية الماء القليل (وهو في عرف الفقهاء ما دون القلتين) إذا استعمل في رفع حدث، والمذهب عدم طهوريته، والمراد بالمستعمل في اصطلاح الفقهاء: هو المنفصل من أعضاء الوضوء أو الغسل، لا المغترف منه. 4- اختار حرمة اتخاذ آنية الذهب والفضة ولو لم تستعمل في أكل أو شرب أو وضوء أو غسل. كاتخاذهما على هيئة أقلام، أو كبكات (أزارير)، أو محابر، أو ساعات، أو ملاعق، أو صحون، أو خلاطات ماء (حنفيات)، فالكل عنده حرام. وهو المذهب عندنا وعند الشافعية والمالكية؛ لأن الأصل أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي. وهذا التحريم عام للرجال والنساء إلا ما كان حلية للنساء فيجوز. 5- اختار جواز استعمال آنية أهل الكتاب التي جُهل حالها ولو لم تغسل. واستظهر ذلك بأن أدلته أظهر وأسلم من المناقشة. 6- اختار عدم وجوب غسل آنية المشركين وهم الكفار من غير أهل الكتاب. ورأى أن الغسل أحوط. 7- اختار نجاسة ثياب الكفار التي تلي عوراتهم؛ لكونهم لا يتنزهون عن النجاسات من بول أو غائط، فهذا هو الظن الغالب وهو مقدم على الأصل. 8- اختار طهارة جميع الجلود بالدباغ سواء كانت من الحيوانات الطاهرة في الحياة مأكولة اللحم أو غير مأكولة أو النجسة كالكلب والخنزير وغيرهما من سائر السباع والحيوانات، وأجاز استعمالها في المائعات واليابسات، والمذهب خلافه وعلى هذا الاختيار تتخرج طهارة جميع الشنط والحقائب والأحذية والحزم المصنوعة من جلود السباع والميتات. 9- اختار حرمة وصل شعر المرأة بأي شيء كان من الشعر أو غيره، وعلل بأن ذلك أحوط وسداً للذريعة. 10- اختار عدم كفر تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً مع الإقرار بوجوبها، وأجاب عن أدلة القائلين بكفره. وهو اختيار الموفق وجماعة، والمذهب كُفره وعليه الفتوى. 11- اختار رحمه الله عدم إلزام المرتد قضاء ما تركه من العبادات من صلاة أو صيام زمن ردته. وعلل بأن عفو الله عن المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام إسقاطٌ للقضاء وإبراء للذمة. كما اختار عدم وجوب القضاء على من زال عقله بإغماء أو سكر في تعليقه على الروض في الدرس، واستظهر في كتابه المطلع التفريق في حق المغمى عليه فلا قضاء عليه إذا طالت مدة الإغماء، ويلزمه القضاء إذا كانت مدته ثلاثة أيام فأقل؛ لفعل عمار رضي الله عنه، وهو المذهب. كما اختار في المطلع لزوم القضاء في حق من زال عقله بالسكر، وهو المذهب. والله أعلم. 12- اختار شرطية تعيين الصلاة المؤداة ورد قول من يقول: بأن الصلاة تتعين بتعيّن الوقت وهو اختيار الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله، وقد أجاب الشيخ رحمه الله عن أدلة القائلين بعدم الشرطية واستظهر شرطية التعيين. 13- اختار صحة اختلاف نية المأموم عن نية الإمام. كمن يصلي الظهر مقضية خلف من يصلي العصر مؤداة، والمذهب عدم الصحة. 14- اختار عدم وجوب الزكاة في العسل، والمذهب الوجوب. وأجاب عن أدلة المذهب من جهة الآثار الواردة ومن جهة القياس. 15- اختار وجوب الزكاة في حلي النساء المعد للاستعمال، والمذهب عدم الوجوب. 16- اختار جواز دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، والمذهب عدم الجواز. 17- اختار جواز دفع زكاة الفطر إلى الجمعيات الخيرية. وفرّق رحمه الله بين الجمعيات المرخص لها من قبل الدولة وغير المرخص لها من جهة الأثر المترتب على استلام الزكاة وتسليمها إلى مستحقيها، فرأى أن الجمعيات المرخص لها من قبل الدولة لا حرج عليها لو تأخرت في تسليم الزكاة إلى مستحقها عن وقتها، بخلاف الجمعيات الغير مرخص لها. فإنه لا يجوز لها تأخير تسليم الزكاة لمستحقيها في وقتها. ورأى أن الجمعيات المرخص لها قائمة مقام الدولة باعتبار ما اكتسبته من الإذن والتصريح. والدولة تنوب عن المواطنين فيما لهم وعليهم، ومن ذلك جباية الزكوات، ومنها زكاة الفطر. والله أعلم. فهذه جملة يسيرة من اختياراته وترجيحاته التي نص عليها شيخنا رحمه الله في كتابه المطلع على دقائق زاد المستنقع، والذي بلغ المطبوع منه خمسة وعشرين مجلداً ولم يكمل بعد، والذي حفل بدقائق هذا الكتاب المختصر (زاد المستنقع)، وإبراز مسائله على طريقة سبر المسائل وتقسيمها مع إيراد الخلاف ومناقشة الأقوال والترجيح، وقل أن نجد مسألة من المسائل الخلافية خلت عن مناقشة وترجيح، وقد التزم رحمه الله ذلك المنهج وسار عليه في جميع مباحث الكتاب، وهذا هو الذي جعل الكتاب يبلغ هذا الحجم. والعجيب أن هذا الكتاب ألفه وهو رحمه الله قد جاوز السبعين من العمر وشارف على الثمانين مع ما يزاحمه من المؤلفات الأخرى والدروس اليومية وغير ذلك من الالتزامات. طريقته في التأليف: أما طريقته في التأليف فهي لا تختلف عن طريقته في التدريس، إلا أنها تزيد عليها في ذكر الدليل والتعليل وذكر الخلاف ومناقشته مع بيان القول الراجح و (كتابة المطلع) حافل بذلك ومن أمثلة ذلك كلامه على قول صاحب الزاد: (أن يكون - أي المبيع - معلوماً برؤية أو صفة..) يقول رحمه الله: الكلام في هذا المطلب في ست مسائل وهي: 1. دليل هذا الشرط. 2. توجيه هذا الشرط. 3. ما يحصل به العلم. 4. ما يخرج بهذا الشرط. 5. إلحاق الاستثناء بالبيع في اشتراط العلم بالمستثنى. 6. ما يستثنى من هذا الشرط. المسألة الأولى: دليل اشتراط العلم بالمبيع، ومن أدلة اشتراط العلم بالمبيع ما يأتي: 1- ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر. ووجه الاستدلال به: أن عدم العلم بالمبيع غرر، سواء كان الجهل من جهة البائع أو من جهة المشتري. لأن البائع قد يعطي أقل مما يظن المشتري، وقد يأخذ المشتري أفضل مما يظن البائع، فيقع النزاع والخصومة. 2- ما ورد من النهي عن بيع الملامسة والمنابذة: وذلك أن العلة في النهي عن هذه البيوع الجهالة في المبيع. المسألة الثانية: توجيه هذا الشرط أن جهالة المبيع قد تؤدي إلى النزاع والخصومة، وتورث التقاطع بين الناس، وحيث أن الشارع الحكيم حرص على الترابط بين الناس وقطع أسباب التفرق والخلاف، أوجب الوضوح في التعامل فيما بينهم، وحرم عليهم الغش والكذب والتدليس. وبما أن جهالة محل العقد من أسباب حدوث الخلاف نهى الشارع عنه وأمر بتحديده بما يميز المبيع وينفي الجهالة عنه. المسألة الثالثة: ما يحصل به العلم بالمبيع، وفيها خمسة فروع هي: 1. الرؤية. 2. الشم. 3. التذوق. 4. اللمس. 5.الصفة. الفرع الأول: معرفة المبيع بالرؤية، وفيه أمران هما: 1. الرؤية المقارنة للعقد. 2. الرؤية المتقدمة على العقد. الأمر الأول: الرؤية المقارنة للعقد وفيه جانبان هما: 1. ما يشترط فيه رؤية الكل. 2. ما يكتفى فيه برؤية البعض. الجانب الأول: العلم بالمبيع برؤيته كله، وفيه ثلاثة أجزاء هي: 1. ضابط ما يشترط فيه رؤية جميعه. 2. وجه اشتراط رؤية الكل. 3. ما يستثنى مما يشترط فيه رؤية جميعه. الجزء الأول: ضابط ما يشترط فيه رؤية جميعه: الذي يشترط فيه رؤية جميعه: هو ما لا يدل بعضه على باقيه. الجزء الثاني: أمثلة ما يشترط فيه رؤية جميعه: من أمثلة ذلك ما يأتي: 1. المساكن المختلفة. 2. الحيوانات المختلفة. 3. النباتات المختلفة. 4. السيارات المختلفة. الجزء الثالث: وجه اشتراط رؤية الجميع: وجه اشتراط رؤية الجميع فيما لا تدل رؤية بعضه على جميعه: أن الرؤية المعتبرة هي ما تنتفي بها الجهالة والغرر، ورؤية بعضه لا تنفي الجهالة والغرر فيما لا تدل رؤية بعضه على باقيه. الجزء الرابع: ما يستثنى مما يشترط فيه رؤية جميعه: وفيه جزئيتان هما: 1. ما يدخل تبعاً. 2. ما يتسامح فيه. الجزئية الأولى: ما يدخل تبعاً: وفيه فقرتان هما: 1. أمثلة ما يدخل تبعاً. 2. وجه استثنائه. الفقرة الأولى: أمثلة ما يدخل تبعاً: من أمثلة ما يدخل تبعاً ما يأتي: 1. أساسات المباني. 2. الحديد داخل الميدات والأعمدة والجسور والسقوف. وجه استثناء ما يدخل تبعاً: وجه ذلك: أن ما يدخل تبعاً ليس مقصوداً لذاته، فلا يشترط إفراده بالعلم؛ لأن التابع في حكم المتبوع. الجزئية الثانية: ما يتسامح فيه: وفيه فقرتان هما: 1. أمثلة ما يتسامح فيه. 2. وجه استثنائه. الفقرة الأولى: أمثلة ما يتسامح فيه: 1. النخلة والنخلتان ضمن مزرعة كبيرة. 2. النعجة والنعجتان من قطيع من الغنم. 3. الثوب أو الثوبان من صناديق الثياب. 4. الحبات اليسيرة من أكوام البطيخ. الفقرة الثانية: وجه استثناء الشيء اليسير: وجه ذلك: أنه لا أثر له على مجموع الصفقة، فلا يؤثر الجهل به على العلم بها. وكل هذه التقسيمات وتحليلها إلى جزئيات في الجانب الأول المتعلق باشتراط رؤية جميع المبيع. أما الجانب الثاني: وهو الاكتفاء برؤية بعض المبيع، فهو على هذا النحو من التقسيم والتحليل والتوجيه فهذا مثال لطريقته في التأليف من تقسيم المسائل وتحليلها إلى جزئيات. طريقته في عرض المسائل الخلافية: أما طريقته في عرض الخلاف فهو يعرض الأقوال غير معزوة إلى قائليها ومناقشتها ثم ترجيح القول الذي يرجحه الدليل، وقد راجعته أكثر من مرة حول ضرورة عزو الأقوال إلى قائليها. فأجابني رحمه الله بأنه يعتبر الأقوال بالدليل لا باعتبار قائليها. وقال: الذي يهمني هو حصر الأقوال لكي يعرف القارئ أن هذه المسألة من مسائل الخلاف، ويعرف ما تشعبت إليه من الأقوال والعبرة في مسائل الخلاف بالدليل. وإذا عريت المسائل من الدليل فإنها تبقى أقوال رجال. ومن أمثلة عرضه للخلاف ما جاء في مسألة (بيع الأنموذج): قال رحمه الله: بيع الأنموذج: وفيه أربع فقرات: 1. الأقوال. 2. توجيه الأقوال. 3. الترجيح. 4. خيار المشتري عند المجوزين. الفقرة الأولى: الأقوال: اختلف في بيع الأنموذج على قولين: القول الأول: أنه لا يصح. القول الثاني: أنه يصح. الفقرة الثانية: التوجيه: وفيها شيئان: 1. توجيه القول الأول. 2. توجيه القول الثاني. الشيء الأول: توجيه القول الأول: وجه هذا القول: بأن الأنموذج لا يعطي العلم بالمبيع، وهو شرط لصحة العقد. الشيء الثاني: توجيه القول الثاني: وجه هذا القول: بأن الأنموذج مثل الوصف، فإذا كان بيع الموصوف صحيحاً فبيع الأنموذج كذلك. الفقرة الثالثة: الترجيح: وفيها ثلاثة أشياء هي: 1. بيان الراجح. 2. توجيه الترجيح. 3. الجواب عن وجهة القول المرجوح. الشيء الأول: بيان الراجح: الراجح والله اعلم هو القول الثاني وهو جواز وصحة بيع الأنموذج. الشيء الثاني: وجه ترجيح القول بجواز بيع الأنموذج: أن الأصل في العقود الجواز، ولا دليل على المنع. الشيء الثالث: الجواب عن وجهة نظر المانعين: يجاب عن وجهة هذا القول: بأن دعوى عدم دلالة الأنموذج على المبيع غير صحيح، وذلك أنه إذا اتحد تصميم المباني لم يتخلف بعضها عن بعض وكذلك باقي المبيعات المتحدة في الأوصاف، وهي التي يصح فيها بيع الأنموذج، أما ما لا تتفق فيها الأوصاف فليست محلاً للبحث، لعدم دلالة بعضها على بعض، والله أعلم. الفقرة الرابعة: خيار المشتري عند المجوزين: وفيها شيئان: 1. حكم الخيار. 2. توجيهه. الشيء الأول: حكم الخيار: إذا تبين للمشتري أن ما لم يره مخالف للأنموذج كان له الخيار. الشيء الثاني: التوجيه: وجه ثبوت الخيار في بيع الأنموذج إذا تبين أن المبيع مخالف للأنموذج: أن المبيع مخالف لما رضي به المشتري وتم الاتفاق عليه، وبذلك يفقد العقد شرطه، وهو الرضا بالمعقود عليه فلا يصح. فهذا مثال لطريقة عرضه للخلاف وترجيحه بين الأقوال ولا شك أن هذا الطريقة أصبحت مستعملة في الدراسات الأكاديمية اليوم في مرحلة الدراسات العليا الماجستير والدكتوراه، والشيخ رحمه الله من المؤسسين لمناهج الدراسات العليا إبان عمله عميداً لكلية الشريعة في القصيم، وكذلك أثناء عمله مديراً للمعهد العالي للقضاء، كما أنه أمضى شطراً كبيراً من حياته الوظيفية في الجوانب الأكاديمية والإشراف على الرسائل الجامعية وإعداد المناهج العلمية للكليات الشرعية. فهو رحمه الله رائد هذا النوع من التأليف الذي لم يعرف استعماله في شرح المتون العلمية كمثل كتاب زاد المستنقع ومختصر قواعد ابن رجب وغيرهما من كتب الفقه وقواعده. وأما إسهاماته العلمية في علم الفرائض والمواريث تأصيلاً وتدريساً وتأليفاً، فأشهر من أن تُذكر، وأوسع من أن تُحصر، وقد اعتمدت عدد من الجامعات في داخل المملكة وخارجها كتبه المصنفة في هذا الباب مقررات لطلاب الكليات الشرعية والمعاهد العلمية. فرحمه الله من عالم مقدّم وفقيه معظّم، من جمع الله له الفقه بين يديه، وانقادت مسائله إليه، يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هذا ما أردت إيراده وقد تم الفراغ منه في الثامن عشر من ذي القعدة من هذا العام 1438 هـ وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| العلامة محمد لقمان السلفي رحمه الله شخصية فذة في شبه القارة الهندية | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 1 | 04-06-2026 07:23 AM |
| ترجمة العلَّامة المحدِّث عبدالكريم عباس الأزجي الحسني رحمه الله | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 04-05-2026 11:03 PM |
| كان من أبرز تلاميذ الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله- الشيخ عمر بن سعود العيد في ذمة | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 01-01-2026 07:10 AM |
| سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ رحمه الله ... | السليماني | قسم التراجم والأعلام | 2 | 10-15-2025 08:21 AM |
| وفاة الشيخ سعيد عبد العظيم رحمه الله واليكم موسوعة دروس و خطب وتلاوات الشيخ 291 مقطع | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 07-06-2024 09:21 PM |
|
|