![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#37 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)
مِن السجن إلى التمكين والمُلك كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتناول قصة خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن ووصوله إلى المُلك؛ قصة التمكين الثاني ليوسف -عليه السلام- بعد التمكين الأول بالنبوة وتأويل الأحاديث، قال الله --تعالى-- عن الأول: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (يوسف:21)، وقال في الثاني: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56). - تذكير مختصر بما سبق لربط الحديث بما انتهى إليه في المرة السابقة. - الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتلخص في أربعة مشاهد، وهي: "مشهد الشفاعة المشروعة - ومشهد رؤيا الملك - ومشهد ظهور البراءة - ومشهد التمكين والمُلك". المشهد الأول: شفاعة مشروعة: قال الله -تعالى-: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف:42). - ملخص الآية: يخبر ربنا -تبارك وتعالى- أن يوسف -عليه السلام- قال للذي ظنه ناجيًا منهما "وهو الساقي" اذكر أمري وما أنا فيه مِن السجن بغير جُرم عند الملِك ليحقق في القضية ويظهر الحق؛ فأنسى الشيطان الناجي منهما أن يذكر ما وصاه به يوسف -عليه السلام-. 1- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، والسعي في إزالة الظلم لا ينافي التسليم لقضاء الله: روى البخاري-رحمه الله- بسنده أن الطاعون لما نزل بأهل الشام، أبى عمر -رضي الله عنه- أن يدخلها، فقال له أبو عبيدة: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ" (متفق عليه). "وهي سنة مطردة، فالجوع قدر، والأكل قدر، والعطش قدر، والشرب قدر، وهكذا..."، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا شَاءَ) (متفق عليه). 2- (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ): فيه تسلية لقلب كل مبتلى، فإن أكرم الناس بقي في السجن بِضْعَ سِنِينَ، ولقد كان السجن ليوسف -عليه السلام- كقشرة البيضة للفرخ، لا يخرج منها حتى يكتمل نموه ومناسبة الأجواء الخارجية، ولقد ازداد يوسف -عليه السلام- في السجن علمًا وزهدًا، وعبادة وقربًا مِن الله، حتى استوى عنده السجن والقصر، فقال للداعي: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) (يوسف:50). - (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ): انشغل الساقي بحياة القصور والخمور، وانشغل العزيز وامرأته بحياة الترف، ونسوا جميعًا يوسف -عليه السلام- في السجن سنوات، ولكن العليم الحكيم، اللطيف لما يشاء لا يَنسى! المشهد الثاني: رؤيا الملك: قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ . قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ . وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ . قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف:43-49). - ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن مَلِك مصر أنه رأى في منامه كأنه في روضة فيها سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في هذه الروضة، ثم جاءت بقرات هزال ضعاف فأكلن السبع السمان، ثم رأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذ بسبع يابسات تأكلهن؛ فاستيقظ مذعورًا، فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم مَن يحسن تعبيرها، فعند ذلك تذكر الناجي مِن السجينين، وجاء إلى يوسف -عليه السلام- فسأله، فبذل يوسف -عليه السلام- ما عنده مِن العلم بلا تأخر، ولا شَرَط، ولا طَلب الخروج سريعًا، بل أجابهم وعبَّر لهم منام الملِك الدال على وقوع سبع سنين مِن الخصب ويعقبها سبع جدب، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حال خصبهم وجدبهم وما يفعلونه مِن ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأول في سنبله إلا ما يحتاجون لأكلهم، بل زادهم بشرى الغيث في عام يكثر فيه الحصاد حتى يعصر الناس بالزيادة، والظاهر أنه عرفه بالوحي، وذلك كله عن تقدير وحكمة مِن اللطيف العليم! قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا كله مِن جملة أسباب خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن على وجه الاحترام والإكرام". 1- مشاهدة تدبير الله في ملكه: فهو مقلب القلوب، آخذ بنواصي العباد، يقدِّر -سبحانه- أن يرى الملك رؤيا وينزعج لها، ويبحث عن تأويلها، وكم مِن رؤى يراها الملوك والناس ولا يعبأون بها، ولكن خالق الأسباب ومصرف القلوب والأبصار، ومدبر الأمر يقدر ذلك لإخراج يوسف -عليه السلام- مِن السجن مكرمًا معظمًا. 2- عظيم كرم يوسف، فلم يمتنع مِن الإجابة نقمة عليهم، ولم يعاتب الساقي لتقصيره، ولم يشارط على شيء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جِبْتُ لِصَبْرِ أَخِي يُوسُفَ وكَرَمِهِ, وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ حَيْثُ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ليُسْتَفْتَى فِي الرُّؤْيَا، وَلَو كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ حَتَّى أَخْرُجَ، وعَجِبْتُ لصَبْرِهِ وكَرَمِهِ وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، أُتِي لِيُخْرَجَ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَبَادَرْتُ الْبَابَ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني). المشهد الثالث: ظهور البراءة: قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ . قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ . وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف:50-53). ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أن الملك لما أحاط علمًا بكمال علم يوسف -عليه السلام- وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه الرشيد، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون مِن جملة خاصته، فلما جاءه الرسول بذلك أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحدٍ أنه حُبس ظلمًا وعدوانًا، ولقد كان ما أراد حيث استدعى الملك النسوة، وحقق في القضية حتى اظهر الله الحق، وافتضح أمر الظالمين، ورفع الله شأن نبيه الكريم. - يختار العبد لنفسه أمرًا، ويختار الله له ما هو أفضل وأحسن، وكان يوسف -عليه السلام- يريد أن يخرج في أول سجنه بشفاعة الساقي، فاختار الله له أن يخرج بطلب الملك، ويكون معززًا مكرمًا. - (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) (متفق عليه). - (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ): فيه استعمال القرائن القوية في الضغط على المتهم للاعتراف كما هو قول جماهير العلماء؛ خلافـًا لابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" حيث جعلها دليلاً بنفسها. - (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ): وهكذا وضع الله العزيز الفاسد والنسوة، ورفع الله المظلوم يوسف -عليه السلام- (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر:43). المشهد الرابع: التمكين والمُلك: قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يوسف:54-57). ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- أنه لما ظهر للملك براءة يوسف -عليه السلام- ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال: (ائْتُونِي بِهِ) به أجعله مِن خاصتي، ومِن جملة أكابر دولتي، فلما كلمه وسمع مقالته قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) أي إنك اليوم عندنا ذو مكانه وأمانه فطلب يوسف -عليه السلام- أن يوليه الإشراف على خزانة طعام الدولة، لما يتوقع مِن حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سنين الخصب، ينظر فيها بما يرضي الله مِن خلقه؛ فولاه الملك مكان العزيز، وهو الذي يليه في السلطان، وأطلق يده في أمر المملكة، فاستوثق ليوسف -عليه السلام- مُلك مصر، وعمل بينهم بالعدل فأحبه الناس جميعًا! (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) (يوسف:100). - أزال الله مُلك العزيز والأمراء الظلمة بتقديره وتدبيره: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)، وفي الإسرائيليات أن امرأة العزيز قالت: "سبحان الذي يجعل العبيد ملوكًا بطاعته، ويجعل الملوك عبيدًا بمعصيته!". - وقفة مع السياق: المتأمل لسياق الآيات يدرك سر كون القرآن علاجًا للهموم والأحزان، وربيعًا للقلوب؛ فهو يَذكر محنة الصالحين في إجمال (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ويذكر عزهم ونصرهم في تفصيل (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ) إلى (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). - (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ): تذكير دائم بالآخرة، فمع ذكر التمكين والمُلك والسلطان تأتي المقارنة تنبيهًا للنفوس بألا تركن إلى زينة الدنيا، وكذلك مواساة للصالحين الذين لم يكن لهم المُلك والسلطان بأن هناك ما هو أفضل. خاتمة: ثم قال -تعالى-: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (يوسف:58). كيف جاءوا؟ ولماذا جاءوا؟ وماذا حدث لما جاءوا؟ هذا ما يأتي عليه الجواب -إن شاء الله- في المرة القادمة. |
|
|
|
|
|
|
#38 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (6) الفرج بعد الشدة
الفرج بعد الشدة كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - تذكير مختصر بما سبق. - الإشارة إلى أن أحداث القصة اليوم تتناول أحداث ما بعد تولي يوسف -عليه السلام- المُلك في مصر، وبداية علامات الفرج واجتماع الأمر ولم الشمل. - الإشارة إلى أن الأحداث تدور حول أربعة مشاهد، وهي: مشهد لقاء الإخوة، ومشهد إحياء الجُرح القديم، ومشهد لقاء يوسف -عليه السلام- بأخيه، ومشهد الرجوع إلى أبيهم بألمٍ جديد. - المشهد الأول: لقاء الإخوة: - قال الله -تعالى-: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ . وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ . قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ . وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (يوسف:58-62). - ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن قدوم إخوة يوسف -عليه السلام- إلى الديار المصرية يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد، وكان يوسف -عليه السلام- إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا، فلما دخلوا عليه عَرَفهم ولم يعرفوه؛ لأنه لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف -عليه السلام- مِن المكانة والعظمة، فأعطاهم مِن الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيد عليه، وطلب منهم أن يأتوا في المرة القادمة بأخيهم مِن أبيهم "بنيامين"، وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم، ثم رهبهم إن لم يأتوا به بأنهم لن يعطيهم ميرة، وكل ذلك اجتهاد في إحضار أخيه إليه، ليكون طريقًا وتدبيرًا للقائه بأبيه بعد ذلك، ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم، وهي ما جاءوا به يتعوضون عن الميرة في أمتعتهم؛ ليضمن رجوعهم مرة أخرى. - (أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ): عظيم أخلاق يوسف -عليه السلام- وصبره وحلمه رغم ما فعلوا به قبْل ذلك! - (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا): قيل: تذمم أن يأخذ مِن أبيه وإخوته عوضًا، وخاف ألا يكون لهم غيرها. المشهد الثاني: إحياء الجرح القديم: قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ . قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:63-68). ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وإخباره أنه مُنع منهم الكيل في المرة القادمة إلا أن ترسل معنا أخانا، وأنك لو أرسلته معنا سنحافظ عليه، ولكن يعقوب -عليه السلام- لم ينسَ ما كان منهم في حق أخيهم يوسف -عليه السلام-؛ ولذلك كان أضن شيء بولده "بنيامين"؛ لأنه كان يشتم فيه رائحة أخيه، ويتعوض بسببه عنه، ولكن مع قوة الأسباب التي أبداها أولاده؛ وافق على إرسال "بنيامين" معهم، ولكن اشترط عليهم عهدًا وميثاقًا أن يعودوا به إلا أن يُغلبوا كلهم مِن الإتيان به، ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة مِن بابٍ واحدٍ؛ خشية ألا تصيبهم العين، وكانوا على جمال وهيئة حسنة، وأن هذا التحرز لن يمنع قدر الله بغير ذلك، فالحكم لله يقضي ما يشاء، ويقدِّر ما يشاء، ويختار ما يريد فهو العليم الحكيم، وعليه يتوكل المتوكلون. - تذكير يعقوب -عليه السلام- الدائم لأولاده بالله وصفاته: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). - (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ): تنبيه على أن الحذر لا يمنع القدر، ولكن مباشرة الأسباب مشروعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) (رواه مسلم). المشهد الثالث: لقاء يوسف -عليه السلام- بأخيه وما دار فيه: قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف:69-77). ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمرهم حين دخلوا بأخيهم "بنيامين" على شقيقه يوسف -عليه السلام- وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسأله عما كان منهم مِن الإساءة إليه، ثم احتال على أخذه منهم، وتركه إياه عنده دونهم؛ فأمر فتيانه بوضع سقايته -وهي التي يشرب بها- عن غرة في متاع "بنيامين"، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده حمل بعير، وضمنه المنادي لهم، فأقبلوا عليه فقالوا: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به مِن السرقة، فقالوا ما جزاء مَن يفعل ذلك في شريعتكم؟ قالوا: جزاؤه أن يدفع إلى المسروق يتخذه عبدًا مملوكًا له، فبحثوا في الأمتعة فوجدوها في رحل أخيه، فكان ما حكموا به أن انتقل "بنيامين" إلى ملك يوسف -عليه السلام-، وهذا بشريعة يعقوب -عليه السلام- وليس سياسة دين أهل مصر، فما كان يقدر يوسف -عليه السلام- على أخذه بذلك. - تدبير اللطيف الخبير لعبده يوسف وثناؤه عليه: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ). - عظيم صبر يوسف وحلمه: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ). - عظيم تعلق يوسف بربه وتعبده الدائم بأسمائه وصفاته: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ). المشهد الرابع: محاولات فاشلة ورجوع بألمٍ جديد: قال الله -تعالى-: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ . وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:78-87). ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن محاولاتهم الرجوع بأخيهم حيث تعطفوا بكبر أبيه وحاجته إليه، وإن كان لا بد؛ فلتكن العقوبة في أحدنا مكانه، فقال: كيف نأخذ البريء وندع المتهم، وإنما نأخذ مَن وجدنا متاعنا عنده، وإلا كنا ظالمين، فلما استيأسوا مِن أخذه منه، خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: لقد أخلفتم عهدكم مع أبيكم وفرطتم في أخيكم كما فرطتم في أخيه يوسف مِن قبله، فلم يبقَ لي وجه أقابل به أبي، فلا أزال مقيمًا ها هنا حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه أو يقضي الله أمرًا آخر، والآن ارجعوا إلى أبيكم واخبروه بما رأيتم مِن الأمر في ظاهر المشاهدة، وأن هذا الأمر قد اشتهر علمه مع العير التي كنا نحن وهم هناك كي تصدقنا، ولما كان منهم التفريط قبل ذلك في يوسف -عليه السلام-، قال لهم أبوهم: هذا مِن تسويل أنفسكم أيضًا، عسى الله أن يردهم جميعًا، فهو العليم بحالي وما أنا فيه مِن فراق الأحبة، الحكيم في جميع ما يقدره ويفعله، ثم أعرض عنهم وقد ذكره حزنه الجديد بحزنه القديم على يوسف -عليه السلام-، وبكى حتى أشفقوا عليه، فجعلوا ينصحونه بالتوقف عن ذلك حتى لا يهلك، فأعلن لهم يعقوب -عليه السلام- أنه لا يشكو حزنه لأحدٍ، وإنما يشكو إلى ربه، وان الله سيجعل له مخرجًا وفرجًا بعد الشدة، ثم أمرهم أن يرجعوا إلى مصر ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وحذرهم مِن اليأس مِن رحمة الله والفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس مِن روح الله إلا القوم الكافرون. - (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ): قاعدة عظيمة في الإسلام: "لا يؤاخذ إنسان بجريرة غيره". قال -تعالى- (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164). - (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ): ليس الرجال بالعدد وإنما بالقيمة والنفع. "كان عمر -رضي الله عنه- يقرأ هذه الآيات ويبكي"، وكان يقول: "أتمنى أن يكون ملء هذه الدار رجال مثل أبي عبيدة أستعملهم في أمور المسلمين". - (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ): لا ينافي الحزن الصبر والرضا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا) (متفق عليه). - (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ): عبادة الشكوى إلى الله مِن أجلِّ العبادات التي يَغفل عنها كثير مِن الناس، وروي مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حِيلَتِي" (رواه الطبراني). - (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ): عبادة الرجاء شرط في صحة الإيمان، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- موقوفًا: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن مِن مكر الله، والقنوط مِن رحمه الله". - وهكذا اشتد الكرب على يعقوب -عليه السلام- مع اقتراب الفرج، وهي سنة ربانية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني). خاتمة: الأمر بالتوجه إلى مصر: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#39 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7) (اجتماع الأمر ولم الشمل) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - تذكير مختصر بما سبق: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87). - الإشارة إلى أن أحداث القصة اليوم تتناول الأحداث الختامية للقصة، حيث اجتماع الأمر ولم الشمل. - الإشارة إلى أن الأحداث تدور حول أربعة مشاهد، وهي: مشهد لقاء الإخوة والتعرف لهم، ومشهد نسائم الفرج بعد الشدة، ومشهد لقاء الأحبة، ومشهد تمني لقاء الله ونيل الجنة، ثم خاتمة: إعجاز القرآن ودلائل النبوة. المشهد الأول: لقاء الإخوة والتعرف لهم: قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ . قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ . قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (يوسف:88-93). - ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن رجوع إخوة يوسف -عليه السلام- إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه مِن الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم، قالوا: مسنا وأهلنا الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، وجئنا ببضاعة رديئة لا تُقبل منا إلا أن يُتجاوز عنا، فأعطنا الميرة وتصدق علينا برد أخينا إلينا، فلما رأى ما هم فيه مِن الحال وما جاءوا به مما لم يبقَ عندهم سواه مِن ضعيف المال، وتذكر أباه وما هو فيه مِن الحزن لفقد ولديه؛ أخذته رأفة ورحمة وشفقة. فعند ذلك تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم، وقد أظهر لهم علامة يعرفونه منها: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ)، قالوا وتعجبوا كل العجب (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ)؟! (قَالَ أَنَا يُوسُفُ) يعني: الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف مِن أمركم فيه ما فرطتم. (وَهَذَا أَخِي) تنبيه على ما كانوا أضمروا لهما مِن الحسد، وأعملوا في أمرهما مِن الاحتيال، ولقد مَنَّ الله علينا بإحسانه إلينا؛ وذلك بما أسلفنا مِن طاعته، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا، وأن مَن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع اجر المحسنين. (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا. (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بيْن يديك، فقال: لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم دعا لهم بالمغفرة، ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه فيضعوه على عين أبيه، فإنه يرجع إليه بصره وهو مِن دلائل نبوته -عليه السلام-، ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر إلى الخير والسعة، وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور. - (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا): مناسبة جميلة مِن يوسف -عليه السلام-، فإن قميصه هو الذي جاء به الخبر الحزين فأراد أن يكون منه خبر الفرج والسرور، وكان القميص علامة الفراق فأراد أن يجعله علامة على الاجتماع واللقاء، فالنفس تستبشر برؤية ما يذكرها بما تحب، ومثاله "صورة الكعبة". المشهد الثاني: نسائم الفرج بعد الشدة: قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ . قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:94-98). ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أنه لما خرجت القافلة مِن مصر وجد يعقوب -عليه السلام- رائحة قميص يوسف -عليه السلام- مِن مسيرة نحو ثمانية أيام، فأخبر أولاده الذين عنده بذلك، وليس هذا عن كبر سن أو سفاهة، وإنما هو مِن أمر الله، فقالوا له كلمة غليظة، فلما جاء حامل القميص وألقى القميص على وجه يعقوب -عليه السلام- رجع بصره مِن فوره، فقال لبنيه عند ذلك ألم أقل لكم إن الله سيجمع شملي بيوسف -عليه السلام- وستقر عيني به، فعند ذلك طلبوا منه أن يستغفر لهم الله -عز وجل-، عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومِن يوسف -عليه السلام-، ولما كان مِن نيتهم التوبة الصادقة وفقهم الله للاستغفار، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا. - (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أرجاهم إلى وقت السحر، قال الله -تعالى-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:18). وقد أخرج البخاري في صحيحه ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (متفق عليه). - (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا): دليل على مشروعية طلب الدعاء مِن أهل الفضل والدين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه عن أويس القرني أفضل التابعين: (فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ) (رواه مسلم)، وطلب عمر مِن العباس -رضي الله عنهما- أن يدعو عند الاستسقاء بمحضر الصحابة "خلافًا لمن حصره في الأنبياء أو اشترط نفع الداعي". المشهد الثالث: لقاء الأحبة: قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف:99-100). ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن ورود يعقوب -عليه السلام- على يوسف -عليه السلام- وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف -عليه السلام- قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن أخرهم، وترحلوا مِن بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر -وكان ذلك أول دخول بني إسرائيل بلاد مصر- فلما أخبر يوسف -عليه السلام- باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف -عليه السلام- لتلقى نبي الله يعقوب -عليه السلام-، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه، فلما التقى بأبويه أجلسهما معه على سرير الملك، فقاموا بالسجود له والإخوة الأحد عشر تعظيمًا وتكريمًا، وكان هذا مشروعًا لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرِّم في ملتنا. وقال يوسف -عليه السلام- عند ذلك: هذا يا أبي تعبير ما كنتُ قصصته عليك مِن رؤيتي، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك، فقد جعلها ربي حقـًّا، وقد أحسن بي إذ أخرجني مِن السجن وبعد الضيق والشدة جعلني حاكمًا، نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، وجاء بكم ربي مِن البادية، وذلك بعد ما كان مِن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. ثم قال: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) أي: إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها مِن وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته، فالله هو العليم بجميع الأمور الحكيم في خلقه وشرعه وقدره. - هذه هي النهاية السعيدة حقـًّا، لكل مَن اتقى الله وصبر على البلايا والمحن وهو على طاعته: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90). - تعلق يوسف -عليه السلام- الدائم بربه وتعبده له بأسمائه وصفاته: (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)، (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ). - (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي): عظيم خلقه حيث لم يوبخهم، بل جعل ظاهر الكلام الاشتراك في الحال مع أنهم هم الذين أساءوا على الدوام. المشهد الرابع: حسن الختام: قال الله -تعالى-: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (يوسف:101). ملخص الآية: لما رأى يوسف -عليه السلام- نعمة الله عليه في الدنيا قد تمت، وشمله قد اجتمع؛ عرف أن هذه الدار لا يقر بها مِن قرار، وأن كل شيء فيها ومَن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان؛ فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، وأعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأله أن يتوفاه "أي حين يتوفاه" على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين. - (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي): اعتراف بشهود نعمة الله، وهكذا المؤمن (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11). - (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101). هكذا المؤمن إذا تمت له نعم الدنيا، اشتاق إلى ما عند ربه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) (متفق عليه)، وقال الله -تعالى-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69). - (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا): نعمة عظيمة الموت على الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). - كل لقاء بالأحبة في الدنيا فلا بد مِن فراقه، وأما في الآخرة فلا فراق: ففي الحديث: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ, وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ) (رواه الطبراني والحاكم، وحسنه الألباني). الخاتمة: الغرض مِن القصة: قال الله -تعالى-: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ . وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف:102-105). ملخص الآية: يقرر الله -تعالى- لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لما قص عليه نبأ إخوة يوسف -عليه السلام-، كيف نصره عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم مع ما أرادوا به مِن السوء والهلاك والإعدام، هذا وأمثاله يا محمد مِن أخبار الغيوب السابقة، نوحيه إليك ونعلمك به يا محمد؛ لما فيه مِن العبرة لك والاتعاظ لمن خالفك، وما كنت حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم إذا أجمعوا أمرهم على إلقائه في الجب وهم يمكرون، ولكن أعلمناك به وحيًّا إليك وإنزالاً عليك. - (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ): تثبيت لقلبك يا نبينا ولأصحابك ولأتباعك مِن عدم الاغترار بكثرة المخالفين، وعظيم مكرهم وكيدهم، فالعاقبة لك ولأتباعك، وإن اشتد الأمر في وقت مِن الأوقات فيسكون الفرج والنصر والتمكين كما كان ليوسف -عليه السلام-، ولذلك خُتمت السورة بقوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110). نسأل الله النصر والتمكين لدينه العظيم، وأن يجمعنا بالنبيين في جنات النعيم. |
|
|
|
|
|
|
#40 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() ![]() |
دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (1) أحداث ما قبْل البعثة
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - موسى -عليه السلام- نبي مرسل، كان بعد يوسف -عليه السلام-، ويمتد نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام-: قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (مريم:51)، وقال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ) (غافر:34)(1). - قصته أكثر قصص الأنبياء ذكرًا في القرآن، ولقد جمعتْ سورة القصص الشق الأول مِن قصته، وهو دعوته للفرعون وقومه، ثم تفرقت القصة بكاملها في مواضع القرآن المختلفة، وقد تميزت سورة القصص بأنها تحدثت عن طفولة موسى -عليه السلام-، وهي سورة مكية(2). - كذلك تلخص قصته مع الفرعون في صدرها، ثم تبسطها في ثناياها: قال الله -تعالى-: (طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:1-6). - الإشارة إلى مشاهد ومقاطع القصة التي نتعرض لها اليوم، وكلها تدور قبْل بعثة موسى -عليه السلام-، وهي على الترتيب الآتي: (1) مصر قبْل ولادة موسى -عليه السلام-: - كانت مصر تحت حكم الفرعون الذي ادعى ملكية البلاد ورقاب العباد: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51). - نظر فرعون في معبودات قومه فوجدها حقيرة وهو أشرف فادعى الألوهية: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (القصص:38). - أعان قومه على الفسق والمعاصي، فأعانوه على الظلم والفساد: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف:54). - ولذلك جعل قومه لهم المكانة، والمستضعفين مِن المؤمنين لهم الذلة والمهانة: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). - بل قد بغى وطغى وتجبر حتى حرَّم على الناس التفكير: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر:29). (2) الأحداث قبيل الولادة: - كان هذا الجو الخانق، والأجواء السيئة، والاضطهاد للمؤمنين، بداية لجريان سنة الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) (الطلاق:8-9). - اللطيف الخبير يقدر مِن المقادير ليكون الوعد الصادق للمؤمنين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). - قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره مِن السلف: "إن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت مِن نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقال له الكهنة: هذا غلام يولد مِن هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان" (تفسير ابن كثير والطبراني). - القبط يشكون قلة العاملين مِن بني إسرائيل، فيأمر الفرعون بالقتل عامًا، وبالترك عامًا، فوُلد موسى -عليه السلام- في عام القتل، وكان حمل أمه لا يظهر، فلما وَلدت أُلهمت: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7). (3) موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون: - أم موسى -عليهما السلام- تَذهل عن ربط الصندوق ليكون تقدير الله: (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8). - كل طفل يحتاج في هذه المرحلة إلى امرأة حنون، فيقيد اللطيف الخبير له المرأة الأولى، ويلقي في قلبها محبته، وينفعها الله به في الدنيا والآخرة: (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (القصص:9)(3)، وهو يشبه: (قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ) (يوسف:19). - موسى -عليه السلام- يتربى في بيت الفرعون! ولن يغني حذر مِن قدر: قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)، وقال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30). - قال ابن كثير -رحمه الله-: "لقد أمر الفرعون بقتل الغلمان حذرًا مِن وجود موسى -عليه السلام-، والقدر يقول: يا أيها الملك الجبار المغرور بجنوده وسلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا تُخالف أقداره؛ أن هذا المولود الذي تَحذر منه، وقد قَتلتَ بسببه مِن النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، ولا يغذى إلا بطعامك، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاء به مِن الحق المبين، ولتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد". (4) موسى -عليه السلام- يعود إلى بيت أمه: - الحزن يقطـِّع قلب أم موسى -عليهما السلام- مِن ضياع الولد: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص:10). - اللطيف الخبير يقدِّر: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) (القصص:12). - إن الله لا يخلف الميعاد: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7)، (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص:13). - وهكذا تربى موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون، وتعلم فنون القتال والسياسة، وقدَّر الله له قوة الجسم والعلم(4): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) (متفق عليه)، وقال الله -تعالى-: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) (القصص:15). (5) خروج موسى -عليه السلام- مِن أرض مصر إلى مدين: قال الله -تعالى-: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ . وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:15-21). - ملخص الآيات: بعد ما ذكر ربنا -تعالى- إنعامه على موسى -عليه السلام- بالعلم والحكمة، وقد صار له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى بني فرعون وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا بسبب أنهم ارضعوه وصاروا أخواله في الرضاعة، فيخبرنا -تعالى- بأن موسى دخل المدينة على حين غفلة مِن الناس بنوم أو نحوه، فوجد رجلين يتضاربان ويتهاوشان؛ أحدهما مِن بني إسرائيل، والآخر مِن القبط الفراعنة، وأن الإسرائيلي استغاث بموسى -عليه السلام- مِن ظلم القبطي، فأقبل موسى -عليه السلام- إلى القبطي فطعنه بجمع كفه فمات الرجل منها، وكان القبطي مشركًا بالله ظالمًا، ولم يرد موسى -عليه السلام- قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا قال موسى -عليه السلام- عن ذلك: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، وسأل ربه المغفرة، وتعهد ألا يناصر الظالمين مستغلاً قوته وعزه وجاهه الذي أنعم الله عليه به. ويخبر -تعالى- أن موسى -عليه السلام- أصبح خائفًا مِن أن يعلم الفرعون بالأمر؛ فتقوى ظنونهم أن موسى مِن بني إسرائيل فيترتب على ذلك المفاسد العظيمة، فبينما هو كذلك إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستغيث به مرة أخرى على آخر مِن القبط قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، ولما أقبل على القبطي ليرده عنه، إذا بالإسرائيلي وقد ظن أنه سيبطش به هو، يقول لموسى -عليه السلام-: (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)، فأظهر الأمر الذي كان بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى الفرعون على موسى -عليه السلام-. فلما بلغ الخبر الفرعون أرسل في طلب موسى، فسبقهم رجل ناصح مِن طريق قريب فأخبره بما تمالأ عليه القوم مِن إرادة قتله، ونصحه بأن يخرج مِن بلاد مصر، فخرج مِن مصر على فوره، لا يهتدي إلى جهة معينة، فجعل يدعو ربه ويسأله التوفيق؛ فهداه الله إلى أرض مدين، فالتقى بالرجل الصالح وابنتيه، وقيل هو نبي الله شعيب -عليه السلام-. وهذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كانت مصر أيام يوسف -عليه السلام- قد دخلها بنو إسرائيل فعاشوا فيها مع القبط، وكانت هي جنة الأرض وخزانتها، فلما مات يوسف -عليه السلام- رجع القبط إلى الشرك وعبادة غير الله وتنوعت عبادتهم، وبقي بنو إسرائيل على دين يوسف -عليه السلام- إلى أن جاءهم موسى -عليه السلام-، وكان الذي يحكم مصر في هذا الزمان أطغى الفراعنة على مر الزمان. (2) وهي سورة مكية تشير مِن خلال القصة إلى أهمية الصبر والثبات للمؤمنين حتى يرفع الله عنهم الظلم ويهلك عدوهم. (3) سبحان الذي صرف قلب الفرعون وعقله عن الإصرار على قتل موسى -عليه السلام- ن وهو يعلم يقينًا أنه مولود في عام القتل (إن رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) (يوسف:100)، تأمل... "مولود ذكر في عام القتل ولا يقتل! نجاه موسى في الإلقاء في البحر! - الفرعون هو الذي يؤويه!". (4) قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14)، وأثر هذه القوة ظاهر في القصة بعد رجوعه مِن لقاء ربه. |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| من بدائع القصص النبوي الصحيح | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 0 | 02-28-2026 12:13 AM |
| دروس وعبر من صحيح القصص النبوي كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 09-11-2024 08:02 AM |
| أهمية القصص فى القرآن | ام هُمام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 62 | 05-12-2017 07:05 PM |
| القصص النحوية ( عائلة الكلمة ) | أبو ريم ورحمة | ملتقى اللغة العربية | 2 | 02-17-2013 09:32 PM |
| القصص في السنة | Abujebreel | قسم السيرة النبوية | 7 | 01-24-2012 01:05 PM |
|
|