استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي
ملتقى التاريخ الإسلامي يهتم بالتاريخ الإسلامي ، والدراسات والمخطوطات والاثار الاسلاميه .
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-07-2026, 10:49 PM   #31

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سقوط بغداد (7)
(656هـ 1258م)

سقوط بغداد
أ.د. راغب السرجاني
(26)





لم ينتظر هولاكو وقتًا طويلاً، ولم يُعْطِ «صديقه» الخليفة ما يُريده من الوقت للتفكير المتعمق، ولكنه قرَّر أن يجبره على سرعة التفكير؛ وذلك عن طريق بدأ إطلاق القذائف النارية والحجرية على بغداد، مستخدمًا في ذلك أحدث التقنيات العسكرية في ذلك الزمان؛ وبدأ القصف التتري المروع لأسوار وحصون وقصور وديار بغداد، وبدأت المدينة الآمنة تُروع للمرَّة الأولى تقريبًا في تاريخها.
بدأ القصف التتري في الأول من صفر سنة 656 هجرية، واستمرَّ أربعة أيام متصلة، ولم تكن هناك مقاومة تذكر، ويذكر ابن كثير: في البداية والنهاية موقفًا «عابرًا» لا يُعَلِّق عليه، ولكنه حمل بالنسبة إليَّ معاني كثيرة..
مصرع عرفة
يقول ابن كثير:
«وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت «تلعب» بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت تسمى «عرفة»، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي «ترقص» بين يدي الخليفة؛ فانزعج الخليفة من ذلك، وفزع فزعًا شديدًا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره، أذهب من ذوي العقول عقولهم». فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة!»[1].

وعجيب أن يذكر ابن كثير هذا الخبر دون تعليق!
والحدث وإن كان عابرًا فإنه يحمل معاني عظيمة.. لقد تمكَّنت الدنيا تمامًا من قلوب الناس في بغداد، وأولهم الخليفة؛ فها هو الخليفة الموكل إليه حماية هذه الأمة في هذا الموقف الخطير يسهر هذه السهرة اللاهية.. نعم قد تكون الجارية ملك يمينه، وقد تكون حلالًا له، وإذا لم يكن هناك مَنْ يُشاهدها غيره فلا حرج من أن يشاهدها الخليفة وهي ترقص؛ لكن أين العقل في رأس الخليفة؟! العاصمة الإسلامية للخلافة محاصرة، والموت على بُعد خطوات، والمدفعية المغولية تقصف، والسهام النارية تحرق، والناس في ضنك شديد، والخليفة يستمتع برقص الجواري!
أين العقل؟ وأين الحكمة؟!
وما أبلغ العبارة التي كتبها التتار على السهم الذي أُطلق على دار الخلافة وقتل الراقصة المسكينة! إذ قالوا: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره، أذهب من ذوي العقول عقولهم»[2]. فالله عز وجل قد قضى على بغداد بالهلكة في ذلك الوقت، وأذهب فعلاً عقول الخليفة وأعوانه وشعبه، ولا شكَّ أن هذه العبارات المنتقاة بدقَّة كانت نوعًا من الحرب النفسية المدروسة التي كان يُمارسها التتار بمهارة على أهل بغداد.

ويكفي دليلًا على قلَّة عقل الخليفة أنه بعد هذه «الكارثة» (كارثة قتل الراقصة) لم يأمر الشعب بالتجهُّز للقتال، فقد وصل الخطر إلى داخل دار الخلافة، وإنما أمر فقط بزيادة الاحتراز، ولذلك كثرت الستائر حول دار الخلافة لحجب الرؤية ولزيادة الوقاية وستر الراقصات! ولا حول ولا قوَّة إلا بالله!
مفاوضات النهاية:
ظل التتار على قصفهم أربعة أيام، وفي اليوم الرابع بدأت الأسوار الشرقية تنهار، ومع انهيار الأسوار الشرقية انهار الخليفة تمامًا.

لقد بقيت لحظات قليلة جدًّا في العمر!
هنا لجأ الخليفة إلى صديقه الخائن مؤيد الدين العلقمي، وسأله ماذا يفعل؟ وأشار عليه الوزير أن يخرج لمقابلة هولاكو بنفسه؛ لكي يُجري معه المفاوضات.
وذهبت الرسل إلى هولاكو تُخبره بقدوم الخليفة، فأمر هولاكو أن يأتي الخليفة، ولكن ليس وحده، بل عليه أن يأتي معه بكبار رجال دولته، ووزرائه، وفقهاء المدينة، وعلماء الإسلام، وأمراء الناس والأعيان، حتى يحضروا جميعًا المفاوضات، وبذلك تُصبح المفاوضات -كما يزعم هولاكو- ملزمة للجميع.

مؤيد الدين بن العلقمى

ولم يكن أمام الخليفة الضعيف أي رأي آخر؛ وجمع الخليفة كبار قومه، وخرج بنفسه في وفد مهيب إلى خيمة هولاكو خارج الأسوار الشرقية لبغداد، خرج وقد تحجَّرت الدموع في عينيه، وتجمدت الدماء في عروقه، وتسارعت ضربات قلبه، وتلاحقت أنفاسه.
خرج الخليفة ذليلاً مهينًا، وهو الذي كان يستقبل في قصره وفود الأمراء والملوك، وكان أجداده الأقدمون يقودون الدنيا من تلك الدار التي خرج منها الخليفة الآن.
وكان الوفد كبيرًا يضمُّ سبعمائة من أكابر بغداد، وكان فيه بالطبع وزيره مؤيد الدين بن العلقمي، واقترب الوفد من خيمة هولاكو، ولكن قبل الدخول على زعيم التتار اعترض الوفدَ فرقةٌ من الحرس الملكي التتري، ولم يسمحوا لكل الوفد بالدخول على هولاكو، بل قالوا: إن الخليفة سيدخل ومعه سبعة عشر رجلاً فقط، أما الباقون فسيخضعون -كما يقول الحرس- للتفتيش الدقيق، ودخل الخليفة ومعه رجاله، وحُجب عنه بقية الوفد؛ ولكنهم لم يخضعوا لتفتيش أو غيره؛ بل أُخذوا جميعًا.. للقتل[3]!
قُتل الوفد بكامله إلا الخليفة والذين كانوا معه؛ قُتل كبراء القوم، ووزراء الخلافة، وأعيان البلد، وأصحاب الرأي، وفقهاء وعلماء الخلافة العباسية، ولم يُقتل الخليفة؛ لأن هولاكو كان يُريد استخدامه في أشياء أخرى.
وبدأ هولاكو يُصدر الأوامر في عنف وتكبر، واكتشف الخليفة أن وفده قد قتل بكامله، اكتشف الخليفة ما كان واضحًا لكل الخلق؛ ولكنه لم يره إلا الآن، لقد اكتشف أن التتار وأمثالهم لا عهد لهم ولا أمان {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}[التوبة: 10].
واكتشف -أيضًا- أن الحق لا بُدَّ له من قوَّة تحميه، فإن تركت حقك دون حماية فلا تلومن إلا نفسك؛ لكن -وللأسف- جاء هذا الاكتشاف متأخرًا جدًّا.
وبدأت الأوامر الصارمة تخرج من السفاح هولاكو:
1- على الخليفة أن يصدر أوامره لأهل بغداد بإلقاء أي سلاح، والامتناع عن أي مقاومة؛ وقد كان ذلك أمرًا سهلًا؛ لأن معظم سكان المدينة لا يستطيعون حمل السلاح، ولا يرغبون في ذلك أصلًا.
2- يُقَيَّد الخليفة المسلم، ويُساق إلى المدينة يرسُف في أغلاله؛ وذلك ليدلَّ التتار على كنوز العباسيين، وعلى أماكن الذهب والفضة والتحف الثمينة، وكل ما له قيمة نفيسة في قصور الخلافة وفي بيت المال[4].
3- يتم قتل ولدي الخليفة أمام عينه! فقُتل الولد الأكبر «أحمد أبو العباس»، وكذلك قُتل الولد الأوسط «عبد الرحمن أبو الفضائل»، ويتم أسر الثالث مبارك أبو المناقب، كما يتم أسر أخوات الخليفة الثلاث: فاطمة وخديجة ومريم.
4- أن يُستدعى من بغداد بعض الرجال بأعينهم؛ وهؤلاء هم الرجال الذين ذكر ابن العلقمي أسماءهم لهولاكو، وكانوا من علماء السُّنَّة، وكان ابن العلقمي يكنُّ لهم كراهية شديدة، وبالفعل تمَّ استدعاؤهم جميعًا، فكان الرجل منهم يخرج من بيته ومعه أولاده ونساؤه فيذهب إلى مكان خارج بغداد عَيَّنه التتار بجوار المقابر، فيُذبح العالم كما تُذبح الشياه، وتُؤخذ نساؤه وأولاده إمَّا للسبي أو للقتل! لقد كان الأمر مأساة بكل المقاييس!
ذُبح على هذه الصورة أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي (العالم الإسلامي المعروف)، وذبح أولاده الثلاثة عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم، وذُبح المجاهد «مجاهد الدين أيبك» وزميله «سليمان شاه»، اللذان قادا الدعوة إلى الجهاد في بغداد، وذُبح شيخ الشيوخ ومؤدب الخليفة ومربيه «صدر الدين علي بن النيار»، ثم ذُبح بعد هؤلاء خطباء المساجد والأئمة وحملة القرآن[5]!
كل هذا والخليفة حي يشاهد، وأنا لا أتخيل كمّ الألم والندم والخزي والرعب الذي كان يشعر به الخليفة، ولا شك أن أداء الخليفة في إدارته للبلاد كان سيختلف جذريًا لو أنه تخيل - ولو للحظات - أن العاقبة ستكون بهذه الصورة، ولكن ليس من سنة الله عز وجل أن تعود الأيام، ثم إن الخليفة رأى أن هولاكو يتعامل تعاملًا وديًا مع ابن العلقمي الوزير الخائن، وأدرك بوضوح العلاقة بينهما، وانكشفت أمامه الحقائق بكاملها، وعلم النتائج المترتبة على توسيد الأمر لغير أهله، ولكن كل هذه الاكتشافات كانت متأخرة جدًّا.

استباحة بغداد!

مُخطط لِهُولاكو وهو يحبس الخليفة عند كُنوزه.
وبعد أن ألقى أهل المدينة السلاح، وبعد أن قتلت هذه الصفوة، وبعد أن انساب جند هولاكو إلى شوارع بغداد ومحاورها المختلفة.. أصدر السفاح هولاكو أمره الشنيع «باستباحة بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية».. والأمر بالاستباحة يعني أن الجيش التتري يفعل فيها ما يشاء.. يقتل.. يأسر.. يسبي.. يرتكب الفواحش.. يسرق.. يدمر.. يحرق.. كل ما بدا لهؤلاء الهمج أن يفعلوه فليفعلوه!
وانطلقت وحوش التتار الهمجية تنهش في أجساد المسلمين.
واستبيحت مدينة بغداد العظيمة.
اللهم لا حول ولا قوَّة إلا بك.
كم من الجيوش خرجت لتجاهد في سبيل الله من هذه المدينة!
كم من العلماء جلسوا يفقهون الناس في دينهم في هذه المدينة!
كم من طلاب العلم شدوا الرحال إلى هذه المدينة!
أواه يا بغداد! لم يبق لك أحد!
أين خالد بن الوليد؟
أين المثنى بن حارثة؟
أين القعقاع بن عمرو؟
أين النعمان بن مقرن؟
أين سعد بن أبي وقاص؟

أين الحمية في صدور الرجال؟!
أين النخوة في أبناء المسلمين؟!
أين العزة والكرامة؟!
أين الذين يطلبون الجنة؟
أين الذين يقاتلون في سبيل الله؟
بل أين الذين يدافعون عن أعراضهم ونسائهم وأولادهم وديارهم وأموالهم؟
أين؟!!!
لا أحد!!..
فتحت بغداد أبوابها على مصاريعها.
لا مقاومة.. لا حراك.
لم يبق في بغداد رجال.. فقط أشباه رجال!
استبيحت المدينة العظيمة بغداد.
استبيحت مدينة الإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل.
استبيحت مدينة الرشيد.. الذي كان يحج عامًا ويجاهد عامًا.
استبيحت مدينة المعتصم.. فاتح عمورية ببلاد الروم.
استبيحت عاصمة الإسلام على مدار أكثر من خمسة قرون!


وفعل التتار في المدينة ما لا يتخيله عقل!
بدأ التتار يتعقبون المسلمين في كل شارع أو ميدان.. في كل بيت أو حديقة.. في كل مسجد أو مكتبة.. واستحر القتل في المسلمين.. والمسلمون لا حول لهم ولا قوَّة، فكان المسلمون يهربون ويغلقون على أنفسهم الأبواب، فيحرق التتار الأبوب أو يقتلعونها، ويدخلون عليهم، فيهرب المسلمون إلى أسطح الديار، فيصعد وراءهم التتار، ثم يقتلونهم على الأسطح، حتى سالت الدماء بكثرة من ميازيب[6] المدينة.
ولم يقتصر التتار على قتل الرجال الأقوياء فقط.. إنما كانوا يقتلون الكهول والشيوخ، وكانوا يقتلون النساء إلا من استحسنوه منهن؛ فإنهم كانوا يأخذونها سبيًا.. بل وكانوا يقتلون الأطفال.. بل كانوا يقتلون الرضع!
وجد جندي من التتار أربعين طفلًا حديثي الولادة في شارع جانبي، وقد قُتلت أمهاتهم، فقتلهم جميعًا[7]!
ومر اليوم الأول والثاني والثالث والعاشر.. والقتل لا يتوقف.. والإبادة لا تنتهي.
ولا دفاع.. ولا مقاومة.. فقد دخل في روع الناس أن التتار لا يهزمون.. ولا يجرحون.. بل إنهم لا يموتون!
كل هذا والخليفة حي يشاهد.. وهذا هو العذاب بعينه.
هل تتخيلون الخليفة وهو يشاهد هذه الأحداث؟!
هل تتخيلون الخليفة ابن الخلفاء.. العظيم ابن العظماء.. وهو يقف مقيدًا يشاهد كل هذه المآسي؟!
- قتل ولدان من أولاده.
- أسر ابنه الثالث.
- أسرت أخواته الثلاث.
- قُتل معظم وزرائه.
- قتل كل علماء بلده وخطباء مساجده وحملة القرآن في مدينته.
- اكتشف خيانة أقرب المقربين إليه «مؤيد الدين العلقمي الشيعي».
- دُمر جيشه بكامله.
- نهبت أمواله وثرواته وكنوزه ومدخراته.
- استبيحت مدينته وقتل من شعبه مئات الآلاف أمام عينيه.
- أحرقت العاصمة العظيمة لدولته، ودمرت مبانيها الجميلة.
- انتشر التتار بوجوههم القبيحة الكافرة الكالحة في كل بقعة من بقاع بغداد.. فكانوا كالجراد الذي غطى الأرض الخضراء، فتركها قاعًا صفصفًا.
- وضعت الأغلال في عنقه وفي يده وفي قدمه.. وسيق كما يساق البعير.
لقد شاهد الخليفة كل ذلك بعينيه.
وتخيل مدى الحسرة والألم في قلبه.


لا شك أنه قال مرارًا: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}[مريم: 23].
لا شك أنه نادم {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}[الحاقة: 28، 29].
ومر على ذهنه شريط حياته في لحظات.
ولا شك أنه أخذ يراجع نفسه ولسان حاله يقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}[المؤمنون: 99، 100].
يا ليتني جهزت الجيوش وأعددتها وقويتها!
يا ليتني حفزت الأمة على الجهاد في وقت أحيطت فيه بأعداء الدين من كل مكان.
يا ليتني رفعت قيمة الإسلام في عيون الناس وفي قلوبهم، حتى يصبح الإسلام عندهم أغلى من أموالهم وحياتهم.
ليتني تركت اللهو واللعب والحفلات والتفاهات.
ليتني عظمت من العلماء وتركت الأدعياء.
ليتني.. ليتني.. ليتني...
لكن القيود الثقيلة المسلسلة في عنقه ويديه وساقيه ردته إلى أرض الواقع.. ليعلم أن الزمان لا يعود أبدًا إلى الوراء.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (نوع من الربا)، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ (العمل في رعي المواشي)، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، (أي رضيتم بالاشتغال بالزراعة، والمقصود عملتم في أعمال الدنيا أيًا كانت في وقت الجهاد المتعين)، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»[8].
لقد عمل أهل بغداد في الزراعة والتجارة والكتابة والصناعة.. بل وفي العلم والتعلم.. وتركوا الجهاد في سبيل الله.. فكانت النتيجة هذا الذل الذي رأيناه.
وهذه دروس قيمة جدًّا إلى كل مسلم.. حاكم أو محكوم.. عالم أو متعلم.. كبير أو صغير.. رجل أو امرأة..
- لا بُدَّ للحق من قوَّة تحميه.
- الحقوق لا تُستجدى ولكن تؤخذ.. ويُبذل في سبيلها الغالي والثمين.
- ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا.
- أعداء الأمة لا عهد لهم.
الموت رفسًا!
وسيق الخليفة «المستعصم بالله» إلى خاتمته الشنيعة.. بعد أن رأى كل ذلك في عاصمته، وفي عقر دار خلافته، بل وفي عقر بيته.

أصدر السفاح هولاكو الأمر بالإجهاز على الخليفة المسكين.. ولكن أشار على هولاكو بعض أعوانه بشيء عجيب! لقد قالوا: لو سالت دماء الخليفة المسلم على الأرض، فإن المسلمين سيطلبون ثأره بعد ذلك، ولو تقادم الزمان، ولذلك يجب قتل الخليفة بوسيلة لا تسيل فيها الدماء.. ولا داعي لاستعمال السيف.
وهذا بالطبع نوع من الدجل.. لأنه من المفترض أن يطلب المسلمون دم خليفتهم، بل ودماء المسلمين جميعًا الذين قتلهم هولاكو وجنوده بصرف النظر عن طريقة قتلهم.


لكن هولاكو استمع لهم.. وسبحان الله! كأن الله عز وجل قد أراد ذلك، حتى يموت الخليفة بصورة مخزية ما حدثت مع خليفة قبله، وما سمعنا بها مع أي من ملوك أو أمراء الأرض.. مسلمين كانوا أو غير مسلمين.
لقد أمر هولاكو أن يُقتل الخليفة «رفسًا بالأقدام»[9]!
وبالفعل وضع الخليفة العباسي على الأرض، وبدأ التتار يرفسونه بأقدامهم.
وتخيل الرفس والركل بالأقدام إلى الموت!
أي ألم.. وأي إهانة.. وأي ذل!
لقد ظلوا يرفسونه إلى أن فارقت روحه الجسد.
وإنا لله.. وإنا إليه راجعون.
إن بغداد لم تسقط فقط!
إنما سقط أخر خلفاء بني العباس في بغداد.
وسقط معه شعبه بكامله!
وكان ذلك في اليوم العاشر من فتح بغداد لأبوابها.. في يوم 14 من صفر سنة 656 هجرية[10].
ولم تنتهِ المأساة بقتل الخليفة.. وإنما أمر هولاكو -لعنه الله- باستمرار عملية القتل في بغداد.. فهذه أضخم مدينة على وجه الأرض في ذلك الزمان.. ولا بُدَّ أن يجعلها التتار عبرة لمن بعدها.
واستمر القتل في المدينة أربعين يومًا كاملة منذ سقوطها.
وتخيلوا كم قتل في بغداد من المسلمين؟!
لقد قتل هناك ألف ألف مسلم (مليون مسلم)[11]! ما بين رجال ونساء وأطفال!
ألف ألف مسلم قتلوا في أربعين يومًا فقط!
ولم ينج من القتل في بغداد إلا الجالية النصرانية فقط! !
وتخيل أمة فقدت من أهلها مليونًا في غضون أربعين يومًا فقط.
كارثة رهيبة!
نذكر ذلك لنعلم أن المصائب التي يلقاها المسلمون الآن - مهما اشتدت - فهي أهون من مصائب رهيبة سابقة.. وسنرى -في المقالات القادمة- أن المسلمين سيقومون بفضل الله من هذه المصيبة.. لنعلم أننا - بإذن الله - على القيام من مصائبنا أقدر.
[1] ابن كثير: البداية والنهابة 13/233.
[2] المرجع السابق.
[3] ابن كثير: البداية والنهاية 13/234.
[4] بسام العسلي: المظفر قطز ومعركة عين جالوت ص106.
[5] ابن كثير: البداية والنهاية 13/236.
[6] الميازيب: هي قنوات تجعل في سقف المنازل لينزل منها ماء المطر، ولا يتجمع فوق الأسطح.
[7] ابن كثير: البداية والنهاية 13/235.
[8] أبو داود: كتاب البيوع، باب النهي عن العينة [3462]، والبزار في مسنده [5887].
[9] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 332.
[10] ابن كثير: البداية والنهاية 13/336.
[11] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 332.
منقول بتصرف





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضيلة الشيخ أ. د. ناصر العقل متحدثاً عن التكفير المذموم التكفــير فتنة هذا العصر وكل
* وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه
* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* إياك نعبد وإياك نستعين
* الحقوق الثقافية للطفل في التعليم الأساسي بمصر في ضوء بعض المتغيرات المعاصرة (pdf)
* رياض الأطفال وواقع طرائق التدريس بين الواقع والمأمول
* تعليم الأخلاق الإسلامية للأطفال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-09-2026, 10:49 PM   #32

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




سقوط بغداد (8)
(656هـ 1258م)

تدمير الحضارة سنة الغزاة

أ.د. راغب السرجاني
(27)




بينما كان فريق من التتار يعمل على قتل مسلمي بغداد وسفك دمائهم اتجه فريق آخر من التتار لعمل إجرامي آخر.. عمل ليس له مسوغ إلا أن التتار قد أكل الحقد قلوبهم على كل ما هو حضاري في بلاد المسلمين.. لقد شعر التتار بالفجوة الحضارية الهائلة بينهم وبين المسلمين؛ فالمسلمون لهم تاريخ طويل في العلوم والدراسة والأخلاق.. عشرات الآلاف من العلماء الأجلاء في كافة فروع العلم.. الديني منها والدنيوي.
لقد أثرى هؤلاء العلماء الحضارة الإسلامية بملايين المصنفات.. بينما التتار لا حضارة لهم.. ولا أصل لهم.. إنهم أمة لقيطة.. نشأت في صحراء شمال الصين، واعتمدت على شريعة الغاب في نشأتها.. لقد قاتلت هذه الأمة كما تقاتل الحيوانات.. بل عاشت كما تعيش الحيوانات.. ولم ترغب مطلقًا في إعمار الأرض أو إصلاح الدنيا.. لقد عاشوا حياتهم فقط للتخريب والتدمير والإبادة.. شتان بين هذه الأمة وبين أمة الإسلام، بل شتان بين أي أمة من أمم الأرض وأمة الإسلام.. وهذا الانهيار الذي رأيناه في تاريخ بغداد من المستحيل أن يمحو التاريخ العظيم لهذه الأمة العظيمة.

ماذا فعل مجرمو التتار؟!
لقد اتجه فريق من أشقياء التتار لعمل إجرامي بشع، وهو تدمير
مكتبة بغداد العظيمة[1].. وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمن.. وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام.. جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون.. علوم شرعية كتفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق.. علوم حياتية كالطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض.. علوم إنسانية كالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك.. هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر.. فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك علمت أنك تتحدث عن معجزة حقيقية من معجزات ذلك الزمان.


لقد كانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس.. ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس.. وسبحان الله! لقد مرت مكتبة قرطبة بالتجربة نفسها التي مرت بها مكتبة بغداد!
عندما سقطت قرطبة في يد نصارى الأندلس سنة 636 هجرية (قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط!) قاموا بحرق مكتبة قرطبة تمامًا.. وقام بذلك أحد قساوسة النصارى.. وكان اسمه «كمبيس»، وحرق بنفسه كل ما وقعت عليه يده من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وآلاف الأوقات، وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد.
لكن هذه سنتهم!
حروبهم هي حروب على الحضارة.. وحروب على المدنية.. وحروب على الإسلام.. بل هي حروب على الإنسانية كلها.
ولكن قبل أن نتحدث عن ماذا فعل التتار بمكتبة بغداد تعالوا نتحدث - ولو قليلًا - عن مكتبة بغداد.

مكتبة بغداد:
هي أعظم دور العلم في الأرض -بلا أدنى مبالغة- قرابة خمسة قرون متتالية.


أسسها الخليفة العباسي المسلم هارون الرشيد، والذي حكم الدولة الإسلامية من سنة 170 هجرية إلى سنة 193 هجرية، ثم ازدهرت المكتبة جدًّا في عهد المأمون خليفة المسلمين من سنة 198 هجرية إلى سنة 218 هجرية.. وما زال الخلفاء العباسيون بعدهم يضيفون إلى المكتبة الكتب والنفائس حتى صارت دارًا للعلم لا يُتخيل كمّ العلم بداخلها[2]!
نحن نتحدث عن دار للعلم حوت ملايين المجلدات في هذا الزمن السحيق!
ملايين الكتب في مكتبة واحدة في زمان ليس فيه طباعة!


وكان هذا هو الأمر المتكرر والطبيعي في معظم حواضر الإسلام.. ولا ندري بالتحديد كم عدد الكتب في هذه المكتبة الهائلة.. وإن كانت تقدر حقًّا بالملايين.. ويكفي أن مكتبة طَرَابُلُس بلبنان -والتي لم تكن تقارن قط بمكتبة بغداد- قد أحرق الصليبيون الأوروبيون فيها «ثلاثة ملايين» مجلد عندما وقعت في أيديهم! فتخيل كم كان عدد المجلدات في مكتبة بغداد!
كانت مكتبة بغداد تشتمل على عدد ضخم من الحجرات، وقد خصصت كل مجموعة من الحجرات لكل مادة من مواد العلم، فهناك حجرات معينة لكتب الفقه، وحجرات أخرى لكتب الطب، وهناك حجرات ثالثة لكتب الكيمياء ورابعة للبحوث السياسية وهكذا.
وكان في المكتبة المئات من الموظفين الذين يقومون على رعايتها، ويواظبون على استمرار تجديدها.. وكان هناك «النساخون» الذين ينسخون من كل كتاب أكثر من نسخة، وكان هناك «المناولون» الذين يناولون الناس الكتب من أماكنها المرتفعة، وكان هناك «المترجمون» الذين يترجمون الكتب الأجنبية، وكان هناك «الباحثون» الذين يبحثون لك عن نقطة معينة من نقاط العلم في هذه المكتبة الهائلة!
وكانت هناك غرف خاصة للمطالعة، وغرف خاصة للمدارسة وحلقات النقاش والندوات العلمية، وغرف خاصة للترفيه والأكل والشرب، بل وكانت هناك غرف لإقامة طلاب العلم الذين جاءوا من مسافات بعيدة!
نحن إذن نتحدث عن جامعة هائلة.. وليست مجرد مكتبة من المكتبات.
لقد حوت هذه المكتبة عصارة الفكر الإنساني في الدنيا بأسرها.


لقد كان المأمون يشترط على ملك الروم في معاهداته معه بعد انتصارات المأمون المشهورة عليه أن يسمح للمترجمين المسلمين بترجمة الكتب التي في مكتبة القسطنطينية.. وكان لخلفاء بني العباس موظفون يجوبون الأرض بحثًا عن الكتب العلمية بأي لغة لتترجم وتوضع في مكتبة بغداد بعد أن يتولاها علماء المسلمين المتخصصون بالنقد والتحليل.
لقد ترجمت في مكتبة بغداد الكتب المكتوبة باللغات اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها.
هذه هي مكتبة بغداد!
المكتبة التي جمعت كل علوم الأرض في زمانها.
ماذا فعل التتار مع مكتبة بغداد الهائلة؟
لقد حمل التتار الكتب الثمينة.. ملايين الكتب الثمينة... وفي أَرْيَحيَّة شديدة -لا تخلو من حماقة وغباء- ألقوا بها جميعًا في نهر دجلة!
لقد كان الظن أن يحمل التتار هذه الكتب القيمة إلى «قراقورم» عاصمة المغول ليستفيدوا- وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية- من هذا العلم النفيس.. لكن التتار أمة همجية.. لا تقرأ ولا تريد أن تتعلم.. يعيشون للشهوات والملذات فقط.
لقد كان هدفهم في الدنيا هو تخريب الدنيا!
ألقى التتار بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة.. حتى تحول لون مياه نهر دجلة إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب.. وحتى قيل أن الفارس التتري كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى!
هذه جريمة ليست في حق المسلمين فقط.. بل في حق الإنسانية كلها!
وهي جريمة متكررة في التاريخ.
لقد فعلها الصليبيون النصارى في الأندلس -كما ذكرنا- في مكتبة قرطبة الهائلة.
وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة أخرى في مكتبة غرناطة عند سقوطها، فأحرقوا مليون كتاب في أحد الميادين العامة!
وفعلها الصليبيون النصارى في الأندلس مرة ثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة في مكتبات طليطلة وأشبيلية وبلنسية وسرقسطة وغيرها.
وفعلها الصليبيون النصارى في الشام في مكتبة طَرَابُلُس اللبنانية فأحرقوا ثلاثة ملايين كتاب.
وفعلها الصليبيون النصارى في فلسطين في مكتبات غزة والقدس وعسقلان.


ثم فعلها بعد ذلك المحتلون الأوروبيون الجدد الذين نزلوا إلى بلاد العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر، ولكن هؤلاء كانوا أكثر ذكاء؛ فإنهم سرقوا الكتب ولم يحرقوها، ولكن أخذوها إلى أوربا، وما زالت المكتبات الكبرى في أوربا تحوي مجموعة من أعظم كتب العلم في الأرض.. ألّفها المسلمون على مدار عدة قرون متتالية.. ولا يشك أحد في أن أعداد الكتب الأصلية الإسلامية في مكتبات أوربا تفوق كثيرًا أعداد هذه المراجع المهمَّة في بلاد المسلمين أنفسهم!
لقد كان من هم الغزاة على طول العصور أن يحرموا هذه الأمة من اتصالها بأي نوع من أنواع العلوم.. إما بحرق الكتب أو بإغراقها في الأنهار أو بسرقتها.. أو بتغيير مناهج التعليم -حاليًّا- حتى تفرغ من كل ما هو قيّم وثمين.. كل ذلك لأن الغزاة يعرفون جيدًا قيمة العلم في دين الإسلام.. ويعرفون كذلك قوَّة المسلمين إذا ارتبطوا بالعلم.
ونعود إلى التتار.. وإلى بغداد.
فبعد أن فرغ التتار من تدمير مكتبة بغداد انتقلوا إلى الديار الجميلة، وإلى المباني الأنيقة فتناولوا جلها بالتدمير والحرق.. وسرقوا المحتويات الثمينة فيها، أما ما عجزوا عن حمله من المسروقات فقد أحرقوه! وظلوا كذلك حتى تحولت معظم ديار المدينة إلى ركام، وإلى خراب تتصاعد منه ألسنة النار والدخان.
واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يومًا كاملة.. وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون البلدة، فلا يسمع أحد إلا أصوات ضحكات التتار الماجنة.. أو أصوات بكاء النساء والأطفال بعد أن فقدوا كل شيء.
وإلى الله المشتكى.
[1] عبد الملك بن حسين المكي: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 3/519.
[2] مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا ص123 بتصرف.
منقول بتصرف



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضيلة الشيخ أ. د. ناصر العقل متحدثاً عن التكفير المذموم التكفــير فتنة هذا العصر وكل
* وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه
* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* إياك نعبد وإياك نستعين
* الحقوق الثقافية للطفل في التعليم الأساسي بمصر في ضوء بعض المتغيرات المعاصرة (pdf)
* رياض الأطفال وواقع طرائق التدريس بين الواقع والمأمول
* تعليم الأخلاق الإسلامية للأطفال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-16-2026, 10:31 PM   #33

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


سقوط بغداد (9)
(656هـ 1258م)
بغداد بعد السقوط
أ.د. راغب السرجاني
(28)



إذا كانت هناك خلافة ضعيفة فقد يأتي زمان تتقوى فيه، أو يجتمع المسلمون تحت رايتها.. أما إذا غابت الخلافة.. فالتجمع صعب.. بل صعب جدًّا.
والآن سقطت بغداد وسقطت معها الخلافة والخليفة، مصيبة هائلة أن تختفي الخلافة.. مصيبة هائلة أن يختفي الخليفة.
منذ سقوطها والتتار يسعون في أرض بغداد فسادًا، أكثروا من القتلى وخربوا الديار وهدموا الحضارة.
واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يومًا كاملة.. وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون البلدة، فلا يسمع أحد إلا أصوات ضحكات التتار الماجنة.. أو أصوات بكاء النساء والأطفال بعد أن فقدوا كل شيء.
وبعد الأربعين يومًا خاف هولاكو على جيشه من انتشار الأوبئة نتيجة الجثث المتعفنة (مليون جثة لم تدفن بعد)، فأصدر هولاكو بعض الأوامر الجديدة:
1- يخرج الجيش التتري بكامله من بغداد، وينتقل إلى بلد آخر في شمال العراق، لكي لا يصاب الجيش بالأمراض والأوبئة، وتترك حامية تترية صغيرة حول بغداد، فلم يعد هناك ما يخشى منه في هذه المنطقة.
2- يعلن في بغداد أمان حقيقي، فلا يقتل مسلم بصورة عشوائية بعد هذه الأربعين يومًا.. وقد سمح التتار بهذا الأمان حتى يخرج المسلمون من مخابئهم ليقوموا بدفن موتاهم.. وهذا عمل شاق جدًّا يحتاج إلى فترات طويلة (مليون قتيل)، وإذا لم يتم هذا العمل فقد يتغير الجو- ليس في بغداد فقط - ولكن في كل بلاد العراق والشام، وستنتشر الأمراض القاتلة في كل مكان، ولن تفرق بين مسلم وتتري، ولذلك أراد هولاكو أن يتخلص من هذه الجثث بواسطة المسلمين.
وفعلًا خرج المسلمون الذين كانوا يختفون في الخنادق أو في المقابر أو في الآبار المهجورة.. خرجوا وقد تغيرت هيئتهم، ونحلت أجسادهم، وتبدلت ألوانهم، حتى أنكر بعضهم بعضًا!
لقد خرج كل واحد منهم ليفتش في الجثث، وليستخرج من بين التلال المتعفنة ابنًا له أو أخًا أو أبًا أو أمًا!
مصيبة كبيرة فعلًا.
وبدأ المسلمون في دفن موتاهم.. ولكن كما توقع هولاكو انتشرت الأوبئة في بغداد بشكل مريع، حتى مات من المسلمين عدد هائل من الأمراض القاتلة! وكما يقول ابن كثير: «ومن نجا من الطعن، لم ينج من الطاعون!»[1].
فكانت كارثة جديدة في بغداد.. ولا حول ولا قوَّة إلا بالله!
3- كما أصدر هولاكو قرارًا بأن يعين مؤيد الدين العلقمي الشيعي رئيسًا على مجلس الحكم المعين من قبل التتار على بغداد، على أن توضع عليه بالطبع وصاية تترية.


ولم يكن مؤيد الدين إلا صورة للحاكم فقط، وكانت القيادة الفعلية للتتار بكل تأكيد، بل إن الأمر تزايد بعد ذلك، ووصل إلى الإهانة المباشرة للرئيس الجديد مؤيد الدين العلقمي، ولم تكن الإهانة تأتي من قبل هولاكو، بل كانت تأتي من صغار الجند في جيش التتار، وذلك لتحطيم نفسيته، ولا يشعر بقوته، ويظل تابعًا للتتر!
وقد رأته امرأة مسلمة وهو يركب على دابته، والجنود التتر ينتهرونه ليسرع بدابته، ويضربون دابته بالعصا.. وهذا بالطبع وضع مهين جدًّا لحاكم بغداد الجديد.. فقالت له المرأة المسلمة الذكية: «أهكذا كان بنو العباس يعاملونك[2]؟!
لقد لفتت المرأة المسلمة نظر الوزير الخائن إلى ما فعله في نفسه، وفي شعبه.. لقد كان الوزير معظمًا في حكومة بني العباس.. وكان مقدمًا على غيره.. وكان مسموع الكلمة عند كل إنسان في بغداد، حتى عند الخليفة نفسه.
أما الآن، فما أفدح المأساة! إنه يهان من جندي تتري حقير لا يعرف أحد اسمه.. بل لعل هولاكو نفسه لا يعرفه!
وهكذا من باع دينه ووطنه ونفسه، فإنه يصبح بلا ثمن حتى عند الأعداء، فالعميل عند الأعداء لا يساوي عندهم أي قيمة إلا وقت الاحتياج، فإن تم لهم ما يريدون زالت قيمته بالكلية.
وقد وقعت كلمات المرأة المسلمة الفطنة في نفس مؤيد الدين العلقمي، فانطلق إلى بيته مهمومًا مفضوحًا، واعتكف فيه، وركبه الهم والغم والضيق.. لقد كان هو من أوائل الذين خسروا بدخول التتار.. نعم هو الآن حاكم بغداد.. لكنه حاكم بلا سلطة.. إنه حاكم على مدينة مدمرة.. إنه حاكم على الأموات والمرضى!
ولم يستطع الوزير الخائن أن يتحمل الوضع الجديد.. فبعد أيام من الضيق والكمد.. مات ابن العلقمي في بيته!
مات بعد شهور قليلة جدًّا من السنة نفسها التي دخل فيها التتار بغداد.. سنة 656 هجرية.. ولم يستمتع بحكم ولا ملك ولا خيانة! وليكون عبرة بعد ذلك لكل خائن.{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود: 102].
وولى التتار ابن مؤيد الدين العلقمي على بغداد، فالابن قد ورث الخيانة من أبيه.. لكن -سبحان الله!- وكأن هذا المنصب أصبح شؤمًا على من يتولاه.. فقد مات الابن الخائن هو الآخر بعد ذلك بقليل.. مات في السنة نفسها التي سقطت فيها بغداد سنة 656 هجرية[3]!
ولا عجب!
فإنه ما تمسك أحد بالدنيا إلا وأهلكته.
تمسك بها الخليفة فهلك.
وتمسك بها الوزير الخائن فهلك.
وتمسك بها ابن الوزير فهلك.
وتمسك بها شعب بغداد فهلك.

خريطة باللُغة الفارسيَّة تُبيِّنُ المشرق الإسلامي بعد سُقوط بغداد ومُبايعة عدد من أُمراء وسلاطين المُسلمين هولاكو سيدًا عليهم.

وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي قال فيما رواه الإمام الترمذي -وقال صحيح- عن عمرو بن عوف رضي الله عنه: «.. فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[4].
ووصلت أخبار سقوط بغداد إلى العالم بأسره.
أما العالم الإسلامي فكان سقوط بغداد بالنسبة إليه صدمة رهيبة لا يمكن استيعابها مطلقًا.. فبغداد لم تكن مدينة اعتيادية.. ففوق أنها أكبر مدينة على وجه الأرض في ذلك الحين، وفوق أن بها أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، وفوق أنها من أعظم دور العلم والحضارة والمدنية في الأرض، وفوق أنها من ثغور الإسلام القديمة.. فوق كل ذلك فهي عاصمة الخلافة الإسلامية!
ماذا يعني سقوط بغداد؟!
تساءل الناس هذا السؤال الخطِر؟!


وماذا يعني قتل الخليفة، وعدم تعيين خليفة آخر؟
سؤال آخر خطِر.
الدنيا لم تكن تعني للمسلمين شيئًا دون خلافة وخليفة.. حتى مع مظاهر الضعف الواضحة في سنوات الخلافة العباسية الأخيرة، وحتى مع كونها لم تكن تسيطر حقيقة إلا على بغداد وأجزاء بسيطة من العراق فإن الخلافة كانت تعتبر رمزًا مهمًّا للمسلمين.
مصيبة هائلة أن تختفي الخلافة.. مصيبة هائلة أن يختفي الخليفة.
وظهر عند المسلمين بعد سقوط بغداد اعتقاد غريب، سيطر على كثير منهم حتى ما عادوا يتكلمون إلا فيه، وانتشر بين الناس بسرعة عجيبة، والناس من عادتها أنها تحب دائمًا أن تستمع إلى الغريب.
لقد ظهر اعتقاد أن خروج التتار وهزيمة المسلمين وسقوط بغداد ما هي إلا علامات للساعة، وأن «المهدي» سيخرج قريبًا جدًّا ليقود جيوش المسلمين للانتصار على التتار!
نعم سيظهر المهدي في يوم ما، ونعم سينزل المسيح عليه السلام، ونعم ستكون الساعة.. نعم كل هذه أمور نعلم أنها ستحدث.. يقينًا ستحدث.. ولكن متى بالضبط؟ لا يدري أحد!
{يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا}[الأحزاب: 63].
فلماذا تظهر مثل هذه الدعوات في أوقات الهزائم والانتكاسات؟.
إن هذا ليس له إلا مسوغ واحد، وهو أن الناس قد أُحبطوا تمامًا فأصبحوا يَشُكُّون في إمكانية النصر على أعداء الله عز وجل بمفردهم.. لقد أيقن الناس أنهم لا طاقة لهم بهولاكو وجنوده، ولذلك بحثوا عن حل آخر أسهل.. وليكن هذا الحل هو: «المهدي»، فلننتظر إلى أن يخرج المهدي، وعندها نقاتل معه.. أما قبل ذلك فلا نستطيع!
دعنا نراقب الموقف عن بعد!
دعنا ننتظر معجزة!
إحباط.. ويأس.. وقنوط.
وهذه كلها ليست من صفات المؤمنين.
{إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[يوسف: 87].
ثم من أدراك أنك ستعيش إلى زمان خروج المهدي، بل عليك أن تعلم أنك لو مت قبل ظهوره فسوف يحاسبك الله عز وجل على عملك لا على حياتك في زمانه، ثم من أدراك أنه إذا خرج المهدي فإنك ستكون من جنوده.. إن جنوده سوف يختارهم الله عز وجل.. ولن يكون الاختيار عشوائيًا.. حاشا لله.. إنما سيكون بحسب الإيمان والعمل.
ونسأل الله أن يستعملنا لدينه.
كان هذا هو الوضع الإسلامي بعد سقوط بغداد.
فكيف كان الوضع في العالم النصراني؟


لقد عمت البهجة والفرحة أطراف العالم النصراني كله[5].. وهذا شيء متوقع جدًّا.. فكما ذكرت في المقالات الأولى أن قوى العالم الرئيسة في هذا القرن السابع الهجري كانت ثلاثة: العالم الإسلامي، والعالم النصراني، والتتار.. والحروب بين المسلمين والنصارى كانت على أشدها، وكانت هذه الضربة التترية ضربة موجعة جدًّا للعالم الإسلامي.. وتجددت -ولا شكَّ- الأطماع الصليبية في مصر والشام.
وقد زاد من فرح النصارى أنهم كانوا يتعاونون مع التتار في هذه الحملة الأخيرة.. ودخل ملك أرمينيا وملك الكُرْج وأمير أنطاكية في حزب التتار.. وزاد من فرحتهم أن التتار - وللمرة الأولى في حياتهم - صدقوا في عهودهم.. فإنهم قد وعدوا النصارى أن لا يمسوهم بسوء في بغداد، وتم لهم ذلك، بل إن هولاكو أغدق بالهدايا الثمينة على «ماكيكا» البطريرك النصراني، وأعطاه قصرًا عظيمًا من قصور الخلافة العباسية على نهر دجلة، وجعله من مستشاريه، ومن أعضاء مجلس الحكم الجديد، ومن أصحاب الرأي المقربين في بغداد.
كل هذا دعا النصارى إلى أن يقولوا: إن التتار هم أدوات الله للانتقام من أعداء المسيح عليه السلام، وهم بالطبع يقصدون المسلمين، مع أن التتار كانوا منذ سنوات قليلة يقتلون النصارى أنفسهم في أوربا.. ولكن يبدو أن ذاكرة النصارى لا تتسع للكثير.. لقد تناسى الصليبيون ما فعله التتار معهم ما دام التتار يقتلون المسلمين، تمامًا كما يتناسى النصارى اليوم ما فعله اليهود معهم ما دام اليهود يقتلون المسلمين.. والتاريخ يعيد نفسه دائمًا.
هذه الكلمات التي قالها النصارى عن التتار، وهذه الشماتة الواضحة في المسلمين، كانت هي الكلمات نفسها والشماتة نفسها التي حدثت بعد سقوط غرناطة في الأندلس، وسبحان الله! فالذي يراجع سقوط غرناطة يجد تشابهًا عجيبًا بين سقوطها وسقوط بغداد.. مما يعطي أهمية قصوى لدراسة التاريخ؛ لأنه يتكرر بصورة قد لا يتخيلها البشر!

[1] ابن كثير: البداية والنهاية 13/236.
[2] ابن كثير: البداية والنهاية 13/246.
[3] المرجع السابق.
[4] البخاري: كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها [6425]، ومسلم [2961].[5] ابن العبري: تاريخ الزمان ص308، 309.
منقول بتصرف




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضيلة الشيخ أ. د. ناصر العقل متحدثاً عن التكفير المذموم التكفــير فتنة هذا العصر وكل
* وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه
* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* إياك نعبد وإياك نستعين
* الحقوق الثقافية للطفل في التعليم الأساسي بمصر في ضوء بعض المتغيرات المعاصرة (pdf)
* رياض الأطفال وواقع طرائق التدريس بين الواقع والمأمول
* تعليم الأخلاق الإسلامية للأطفال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2026, 10:31 PM   #34

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      






معركة وادي الخزندار(1)
(699 هـ / 1299م)
ويكيبيديا
(29)


انتصار المغول (يسار) على المماليك (يمين) عام 1299م في معركة وادي الخزندار
معركة وادي الخزندار،
[2][3][4][5][6] التي تُعرف أيضاً بجمع المروج،[2] ومعركة مرج المروج،[7] ومعركة سلمية،[8][9] ومعركة حمص الثالثة، معركة وقعت في سوريا شمال شرق حمص دارت رحاها في عام 699 هـ / 1299م بين المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون ومغول الإلخانات بقيادة محمود غازان. انتهت بانتصار المغول على المماليك بسبب صغر حجم جيش الأخير ونقص استعداداته.[10]


ترجع أسباب هذه المعركة إلى بعد هزيمة المغول الفرس في معركة عين جالوت بفلسطين على أيدي المماليك ورغبتهم بالثأر لهذه الهزيمة، فجمعوا جيشا عظيما وزحفوا به على دمشق واحتلوها وانتهكوا حرمة الناس والمقدسات، وقتلوا العديد من المدنيين ونادوا بإلخان المغول حاكما على الشام، واستمروا بغزواتهم حتى طردوا جيش المماليك وأعادوه إلى مصر بعد أن عجز عن التغلب عليهم.
وبعد هزيمة المماليك، حاول السلطان إعادة تنظيم الجيش المملوكي والعودة للثأر لهذه الهزيمة النكراء، ولكن إلخان المغول كان قد سبق وترك دمشق عائدا إلى فارس، فطلب السلطان من الذي خلفه الخضوع له، فقبل بهذا، ونودي بالسلطان مجددا حاكما على الشام. وبعد ذلك بفترة أرسل إلخان المغول وفدا يطلب الصلح من السلطان، فوافق الأخير عليه. رغم هزيمة المماليك الفادحة إلا أنهم أوقعوا خسائر جسيمة بالجيش المغولي، حيث أن المصادر المملوكية تفيد بأن جيش المغول كان يتألف من 60,000 جندي مغولي و40,000 جندي جورجي وأرمني، إلا أن المماليك قتلوا ما بين 5,000 و10,000 جندي، بينما قتل المغول 200 جندي مملوكي. تفيد مصادر أخرى أن المغول فقدوا 14,000 جندي بينما فقد المماليك 1,000 جندي فقط، إلا أن هذه المصادر لا تأخذ بعين الاعتبار خسائر المماليك بعد تراجعهم.[11]



خلفية المعركة

بعد موت جنكيز خان في عام 1227م قُسمت إمبراطورية المغول بين أبنائه الأربعة. وكانت الأجزاء التي تهم الدولة المملوكية جزأين هما: الجزء الغربي من دولة جنكيز خان وكان من نصيب حفيده "باتو بن جوجي"، وعرف هذا الفرع باسم "القبيلة الذهبية" أو خانات القفجاق وشملت حدودها أجزاء من ما يُعرف اليوم باسم روسيا، أوكرانيا، مولدوفيا، وكازاخستان. والجزء الآخر بلاد فارس وكان من نصيب "تولوي"، وعرف هذا الفرع باسم دولة "الإلخانات" أو مغول فارس.
توسع الإلخانات في آسيا الصغرى، واقتحموا حدود العالم الإسلامي، وفي عام 1258 استولوا بقيادة "هولاكو" على بغداد ودمروها، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله وقضوا على الخلافة العباسية، ثم استولوا على دمشق، وبذلك فقد المسلمون مركزين هامين من مراكز الثقافة في العالم الإسلامي.
أما القبيلة الذهبية في الجزء الغربي، فقد اعتنقت الإسلام، وصارت عضداً وحليفاً للمسلمين في حربهم ضد مغول فارس.[12] بعد الاستيلاء على بغداد ودمشق أرسل هولاكو إلى سيف الدين قطز سلطان مصر المملوكي يهدده ويأمره بالخضوع له. فخرج قطز من القاهرة بجند مصر،[13] ومن انضم إليه من عسكر الشام [14] والعرب والتركمان،[15] واصطدم بجيش المغول في 3 سبتمبر من عام 1260م وهزمه هزيمة ساحقة في معركة كبرى عرفت باسم معركة عين جالوت.[16][17] بانتصار قطز على مغول فارس تم تحرير دمشق من المغول، وتلاشت الدولة الأيوبية نهائياً، وامتدت الدولة المملوكية الناشئة إلى الشام.

صورة لتمثال سيف الدين قطز

إلا أن معركة عين جالوت لم تنه مطامع مغول فارس في الشام، بل صار المغول يتربصون ويعدون العدة لأخذ ثأر هزيمتهم على أيدي المماليك. لم يكد يعلم المغول بموت السلطان قطز حتى أغاروا بقيادة "بيدرا" على مدينة البيرة وبعد ذلك هاجموا حلب واستولوا عليها.[18] أدرك السلطان بيبرس الذي خلف قطز خطورة مغول فارس على دولة المماليك والعالم الإسلامي، فهادن الصليبيين وعقد حلفاً مع "بركة خان بن جوجي" ملك مغول القبيلة الذهبية الذي أشهر إسلامه، حتى يتفرغ لمواجهة خطر مغول فارس. وتمكن بيبرس من استرداد البيرة ووقف للمغول والصليبيين بالمرصاد.[18]
بعد وفاة الظاهر بيبرس جدد السلطان قلاوون، الذي خلف بيبرس وابنيه السعيد بركة قان وسُلامش، الهدنة مع الصليبيين ليتفرغ هو الآخر لمواجهة الخطر المغولي وتمكن من هزيمتهم قرب حلب في عام 1280م ثم هزمهم مرة أخرى هزيمة نكراء عند حمص في سنة 1281م عندما هاجموا الشام بقيادة "أباقا بن هولاكو". خلف أباقا بعد وفاته أخوه "تكودار" الذي أشهر إسلامه وسمى نفسه أحمد مما أدى إلى تحسن العلاقات بين مغول فارس والمماليك. إلا أن تحسن العلاقات لم يدم طويلاً، إذ قُتل تكودار على يد ابن أخيه "أرغون بن أباقا" الذي ولى عرش مغول فارس مكانه في عام 1284م وعرف بكراهيته وعدائه للمسلمين.[19]
بعد صراعات داخلية بين مغول فارس أطاح "غازان بن أرغون" بابن عم أبيه "بايدو بن طرقاي" في عام 1295م ليصبح بذلك سابع إلخانات فارس،[20] وقام بتبديل لقبه من إلخان إلى سلطان.[21]
ونشأ غازان مسيحياً وقامت بتربيته "ديسبينا خاتون" زوجة "أباقا"، التي كانت صديقة للصليبيين وعدوة لدودة للمسلمين. إلا أن غازان اعتنق الإسلام وسمى نفسه محمودا، وجعل الإسلام الديانة الرسمية لدولة مغول فارس، ولكن هذا لم يؤد إلى تلاشي أحقاده على المماليك وأطماعه في السيطرة على بلاد المسلمين. وبقي غازان صديقاً وحليفاً للصليبيين.[22][23]


عندما استولى غازان على عرش الإلخانات كان السلطان العادل كتبغا، الذي حكم من سنة 1294م إلى سنة 1295م، يجلس على عرش المماليك بقلعة الجبل بالقاهرة.[24] وكان كتبغا ذاته من أصل مغولي، وفي عهده وفد إلى الشام ومصر عدد كبير من المغول الوافدية من طائفة الأويراتية.[25] وفيما بين عامي 1296م و1299م حكم البلاد السلطان حسام الدين لاجين، وبعد وفاته نصب الناصر محمد بن قلاوون للمرة الثانية سلطاناً على البلاد، وكان عمره حينذاك أربعة عشر عاماً.[26][27] في عهد السلطان لاجين فر الأميران قبجق المنصوري نائب دمشق وبكتمر السلاح دار إلى المغول وأقاما عند غازان،[28] فلما نصب الناصر سلطاناً أغرى قبجق غازان بسهولة الزحف على الشام نظراً لصغر سن السلطان الناصر وانشغال الأمراء في خلافاتهم.[8] فما كاد الناصر محمد يستقر على تخت السلطنة في عام 1299 حتى وردت الأنباء بزحف المغول بقيادة غازان على الشام.[29]

زحف المغول على الشام


محاربون مغول.
في سنة 699هـ / 1299م وردت أنباء عن زحف مغولى من حلب على الشام يقوده محمود غازان سلطان مغول فارس، وأن طلائع المغول قد وصلت إلى البيرة.
جمع الناصر محمد الأمراء للتشاور، واتفقوا على خروج بيبرس الجاشنكير استادار السلطان إلى حلب على رأس جيش صغير قوامه خمسمائة مملوك، على أن يلحق به الناصر ببقية الجيش.[8]
في 15 صفر خرج الناصر من القاهرة على رأس جيشه متوجهاً إلى دمشق، وفي صحبته الخليفة العباسي الإمام أحمد الحاكم بأمر الله،[30][31] والقضاة الأربعة،[32] وسائر الأمراء.



تآمر المغول الأويراتية
عند وصول جيش الناصر محمد إلى تل العجول من غزة تآمر المغول الأويراتية الذين وفدوا إلى مصر وأقاموا فيها في عهد السلطان المخلوع كتبغا، مع بعض المماليك السلطانية على اغتيال الأميرين سلار نائب السلطنة [33] وبيبرس الجاشنكير استادار السلطان [34][35] بهدف الانتقام وإعادة كتبغا -وهو مغولي الأصل- إلى الحكم. وأفلت بيبرس من القتل بعد أن هاجمه أحد المماليك السلطانية ويدعى برنطاي ولكنه نجا وقُتل برنطاي بعد أن تبادرته السيوف. ظن سلار أن المؤامرة قد تمت بمعرفة الناصر فأرسل إلى أمير جاندار يقول:
ما هذه الفتنة التي تريدون إثارتها في هذا الوقت ونحن على لقاء العدو؟ وقد بلغنا أن الأويراتية قد وافقت المماليك السلطانية على قتلنا، وكان هذا برأيك ورأي السلطان، وقد دفع الله عنا. إن كان الأمراء كذلك فنحن مماليك السلطان ومماليك أبيه الشهيد، ونحن نكون فداء للمسلمين وإن لم يكن الأمر كذلك فابعثوا إلينا غرماءنا.
فلما سمع الناصر هذا الكلام بكى، وأقسم أنه لم يكن يعلم. وأقسم أمير جاندار أيضاً وذكر أنه ظن أن السلطان كان هو هدف المتآمرين. وتم الصلح بين أمير جاندار والأمراء البرجية. وقُبض على الأويراتية، فأقروا بما كانوا قد عزموا عليه من قتل بيبرس الجاشنكير وسلار وإعادة العادل كتبغا إلى الحكم. وشنق نحو الخمسين من الأويراتية، ونودي عليهم : "هذا جزاء من يقصد إقامة الفتن بين المسلمين ويتجاسر على الملوك". واتفق بيبرس وسلار على إبعاد بعض مماليك الناصر إلى الكرك فأبعدوا بموافقته.[36]
عند بلدة قرتية،[37] تعرض الجيش لسيل عارم أتلف وأضاع الكثير من منقولات الجنود وهجنهم فتشائموا وتطيروا من ذلك. وبعد السيل خرج جراد سد الأفق فزاد تطيرهم وخوفهم.[38]
المعركة


خريطة موقع معركتي وادي الخزندار وشقحب بين المماليك والمغول في عهد الناصر محمد بن قلاوون ومحمود غازان.

في 8 ربيع الأول وصل الناصر إلى دمشق على رأس جيشه، ووردت الأنباء بالبريد ومع القادمين من حلب وغيرها بعبور غازان نهر الفرات بجيش ضخم. في 17 ربيع الأول خرج عسكر دمشق وتبعه الناصر بجيشه ونزلوا بحمص، وأرسل الناصر العربان لمعاينة وضع المغول، فبلغه أنهم يحتشدون عند سلمية.[39]
في سحر 18 ربيع الأول خرج الناصر من حمص لملاقاة المغول.[40][41] وقد أٌمر الجنود بالتخلي عن الرماح والاعتماد على السيوف والدبوس.[42] ووصل الناصر إلى مجمع المرج -الذي عرف فيما بعد باسم وادي الخزندار- وقام الأمراء بترتيب الجنود وتنظيم الصفوف. وراح الفقهاء يعظون المقاتلين ويقوون عزائمهم حتى بكوا من وقع الكلمات وشدة التأثر.[43]
كانت عدة جيش المسلمين نحو 20 ألف فارس وكان جيش غازان في نحو 100 ألف،[44] وكان يضم قوات متحالفة من مملكة قليقية، المعروفة أيضاً بمملكة أرمينية الصغرى.[45][46]
وقف الأمير عيسى بن مهنا في الميمنة على رأس العربان، يليه الأمير بلبان الطباخي نائب حلب على رأس عسكر حلب وحماة. ووقف على رأس الميسرة أقش قتال السبع والحاج كرت نائب طرابلس والأمير بدر الدين بكتاش في عدة من الأمراء. أما في القلب فقد وقف بيبرس الجاشنكير وسلار وأيبك الخازندار في عدة من الأمراء. ووقف الناصر محمد على بعد مع حسام الدين لاجين الاستادار.[47] وقد اضطر بيبرس الجاشنكير إلى الاعتزال بسبب إصابته بمغص شديد مفاجئ منعه من الثبات على فرسه.[40]
أمر غازان مقاتليه بالثبات وعدم الحركة إلى أن يتحرك هو حتى يتمكنوا من مهاجمة جيش الناصر هجمة رجل واحد. فلما انطلقت طليعة جيش الناصر، المعروفون بالزراقون، بالنفط المشتعل تجاه جيش المغول، لم يتحرك غازان بعكس ما توقع المسلمون، وظل على ثباته حتى اقتربت طليعة المسلمين منه وقد خمدت نيران النفط، فهجم بجيشه حملة واحدة. انطلقت سهام عشرة آلاف مغولي من رماة النشاب نحوالعربان وضغطت ميمنة جيشهم عليهم فولى العربان مدبرين وخلفهم جيش حلب وحماة فهزمت ميمنة جيش المسلمين. أما ميسرة جيش الناصر فقد تمكنت من صدمة ميمنة غازان صدمة قوية فرقت جمعها ودحرتها عن أخرها، وفقد المغول في تلك الصدمة نحو الخمسة آلاف. وكُتب بذلك إلى الناصر محمد فابتهج.[48]

كاد غازان أن يولي الأدبار فاستدعى قبجق نائب دمشق فشجعه وثبته حتى تماسك ونظم صفوفه وحمل حملة واحدة على قلب جيش المسلمين فلم يصمد سلار وسائر الأمراء البرجية وتولوا أمام جيش غازان الذي تبعهم وراح يرمي السهام على أقفيتهم. رأى الملك الناصر جيشه يولي الأدبار وخلفه جيش غازان يمطره بالسهام، فراح يبكي ويبتهل قائلاً: "يارب لا تجعلني كعباً نحساً على المسلمين".[48] لم يبق مع الناصر من المماليك غير اثني عشر مملوكاً.[49]
عاد مقاتلو ميسرة جيش المسلمين التي هزمت ميمنة غازان إلى حمص بالغنائم بعد العصر، فإذا بهم يرون الأمراء البرجية يولون منهزمين وفي أعقابهم المغول يتبعونهم فبهتوا. إلا أن غازان أمر مقاتليه بالانسحاب خشية أن يكون المسلمون قد نصبوا لهم كميناً فنجوا.
وصل بقية المنهزمون إلى حمص وقت الغروب بلا عتاد ولا سلاح، بعد ما غنم المغول سائر ما كان معهم، فصرخ فيهم أهل حمص: "الله الله في المسلمين!"، ثم توجهوا إلى دمشق.[50]
استناداً إلى المقريزي قتل في المعركة العديد من الأمراء، ونحو أربعة عشر ألفاً من المغول.[50] وتجدر الإشارة إلى أن المماليك كانوا عادة يحصون عدد الأمراء المقتولين مع عدم الإشارة إلى المقتولين من عوام الجنود والمتطوعين. ويذكر ابن إياس أن عدد القتلى من الجانبين كان ضخماً.[8]
يتبع


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضيلة الشيخ أ. د. ناصر العقل متحدثاً عن التكفير المذموم التكفــير فتنة هذا العصر وكل
* وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه
* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* إياك نعبد وإياك نستعين
* الحقوق الثقافية للطفل في التعليم الأساسي بمصر في ضوء بعض المتغيرات المعاصرة (pdf)
* رياض الأطفال وواقع طرائق التدريس بين الواقع والمأمول
* تعليم الأخلاق الإسلامية للأطفال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-19-2026, 10:16 PM   #35

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





معركة وادي الخزندار(2)
(699 هـ / 1299م)

ويكيبيديا
(30)


دخول المغول دمشق




الجامع الأموي.



ما كاد المنهزمون يصلون إلى دمشق حتى وصل خبر بقدوم غازان، فسارعوا بمغادرة المدينة.[51] وصل غازان إلى أطراف دمشق بعد أن نهب الخزائن السلطانية وعتاد جيش المسلمين في حمص، فقامت ضجة عظيمة وهرب الناس من المدينة في فزع، وهرب نحو مائتي سجين من السجون،[3] ومات من الزحام في الأبواب العديد من الناس، وفر إلى جهة مصر كثير منهم.[52][53] واجتمع من بقي في المدينة بالجامع الأموي واتفقوا على إرسال قاضى القضاة بدر الدين محمد والفقيه تقي الدين أحمد بن تيمية، في عدة من شيوخ وقضاة دمشق، إلى غازان لطلب الأمان، فذهبوا إليه عند النبك، ومنهم من قبل له الأرض، وطلبوا منه الأمان عن طريق مترجم، فقال لهم "قد بعثت إليكم الأمان" وصرفهم، فعادوا إلى دمشق،[54][55] وفي يوم الجمعة قرأ الأمير إسماعيل التتري، الذي حمل الأمان لأهل دمشق، الفرمان. ولم يخطب في مساجد دمشق لأحد من الملوك في ذاك اليوم. بعد يومين دخل غازان دمشق ومعه قبجق نائب دمشق.[56][57]
رفض الأمير علم الدين سنجر المنصوري نائب قلعة دمشق [58] المعروف بأرجواش الخضوع لغازان وتحصن في قلعة دمشق، فلما طلب منه قبجق وبكتمر الاستسلام بحجة أن دم المسلمين في عنقه رفض وسبهما سباً قبيحاً وقال لهما: "إن دم المسلمين في أعناقكم أنتم لأنكم كنتم السبب في مجيء التتار".[59] فذهب الأمير إسماعيل التتري إلى قضاة وأعيان دمشق يحذرهم من مغبة عدم استسلام أرجواش وتسليمه القلعة للمغول وهددهم بنهب دمشق وقتل الجميع. فأرسلوا إليه الرسل يطلبون منه الاستسلام فرفض ورد عليهم بالشتائم.[60]

مجموعة صور لمدينة دمشق


في يوم الجمعة 14 ربيع الآخر من عام 696هـ خُطب لغازان على منبر دمشق بألقابه وهي: "السلطان الأعظم سلطان الإسلام والمسلمين مظفر الدنيا والدين محمود غازان". وقُرئ على الناس تقليد قبجق دمشق وحلب وحماة وحمص وغيرها، وولايته للقضاة والخطباء وغيرهم، ونثرت الدنانير على الناس ففرحوا بها.[61][62] ونهب المغول وأرمن مملكة قليقية المدن وأحرقوا المساجد والمدارس وقتلوا الناس. قام الأرمن بتخريب الصالحية قرب دمشق، وقتلوا وأسروا نحو 10,000 من أهلها وفر من تمكن منهم إلى دمشق.[63] وانتهز الأرمن فرصة هزيمة المسلمين فاستولوا على تل حمدون وغيرها.[64] وخرج ابن تيمية إلى غازان بتل راهط للشكوى من النهب والتخريب وقتل الناس برغم منح الأمان فلم يتمكن من لقائه لانشغاله بشرب الخمر. فاجتمع بالوزيرين سعد الدين ورشيد الدين فنصحاه بدفع المال.[63]

حماة

نصب المغول المنجنيق على القلعة بالقرب من جامع دمشق الكبير فلما بلغ أرجواش ذلك بعث بعض رجاله فأفسدوا ما وضعه المغول، ولكن المغول أعادوا وضع المنجنيق وقاموا بحراسته، وحولوا الجامع إلى حانة، واستباحوا حرمته وشربوا فيه الخمور وفجروا بنساء المسلمين،[59] ولم تقم به صلاة العشاء في هذا الوقت. فأرسل أرجواش رجلا لقتل المنجنيقي فهجم عليه بسكين وقتله وهو في وسط المغول، وهرب إلى القلعة. ثم قام أرجواش بهدم وحرق ما حول القلعة لئلا يستتر به المغول.[65]

معالم مدينة حلب

حمص

راح المغول يجبون الأموال من أهل الشام وينقلونها إلى خزانة غازان. فلما انتهت الجباية غادر غازان دمشق إلى فارس بعد أن أقام الأمير قبجق نائباً على دمشق، والأمير بكتمر نائباً على حلب وحمص وحماة، والأمير الألبكي نائباً على صفد وطرابلس والساحل تحت حماية نائبه قطلو شاه، [66][67] ووعد بالعودة لغزو مصر [21] كاتباٌ: "إنا قد تركنا نوابنا بالشام في ستين ألف مقاتل، وفي عزمنا العودة إليها في زمن الخريف، والدخول إلى الديار المصرية وفتحها".[3] بعد رحيل غازان استمر نهب وتخريب دمشق وكسر المغول أبواب البيوت ونهبوا ما فيها وأحرقوا الكثير من الدور والمدارس واحترقت المدرسة العادلية.[68] ونهب المغول الأغوار حتى بلغوا القدس، ووصلوا إلى غزة حيث قتلوا بعض الرجال في جامعها.[69] ومما قاله الشعراء في فاجعة الهزيمة:
غلاء وغازان وغزوة وغارة
وغدر وإغبان وغم ملازم.[70]
انسحاب جنود الناصر إلى مصر



تل و قلعة صلخد
أما في مصر فقد تواصل ورود شراذم الجنود ومعهم عوام من الشام في أسوأ حال،[71] بعد أن انهمرت عليهم أمطار غزيرة في رحلة فرارهم إلى مصر، واجتيازهم لطرقات موحلة وتعذرت عليهم الأقوات.[3] وكان من ضمن الفارين إلى مصر السلطان المخلوع العادل كتبغا الذي كان السلطان لاجين قد عينه في عهده نائبا على قلعة صرخد. وبعد فراره إلى مصر مع الفارين دخل في خدمة الأمير سلار. وعاد السلطان الناصر إلى مصر بعد أن تفرقت العسكر عنه ولم يبق معه إلا بعض خواصه، ودخل قلعة الجبل في 12 ربيع الآخر [72] وقد أصابه حزن بالغ وتألم ألماً شديداً لهذه الهزيمة الشنعاء التي مني بها.[73]
إعادة تنظيم الجيش


بدأ الناصر فور عودته إلى القاهرة بتنظيم الجيش وتجهيزه لأخذ الثأر من المغول.[73] واستدعى صناع السلاح وجُمعت الأموال والخيل والرماح والسيوف من كل أرجاء مصر. ورسم للجنود العائدين بالنفقة فمنحوا أموالاً كثيرة أصلحوا بها أحوالهم وجددوا عدتهم وخيولهم.[74] ونودي بحضور الأجناد البطالين ووزعوا على الأمراء.

استدعي مجدي الدين عيسى نائب الحسبة ليأخذ فتوى الفقهاء بأخذ المال من الناس للنفقة على الحرب. فأحضر فتوى قديمة كان السلطان قطز قد استخدمها في أخذ دينار من كل شخص قبل معركة عين جالوت. ولكن الشيخ تقي الدين محمد بن دقيق العيد امتنع عن إصدار فتوى بهذا الخصوص قائلاً:
«لم يكتب ابن عبد السلام للملك المظفر قطز حتى أحضر سائر الأمراء ما في ملكهم من ذهب وفضة وحلي نسائهم وأولادهم ورآه. وحلف كل منهم أنه لا يملك سوى هذا. كان ذلك ليس بكاف، فعند ذلك كتب بأخذ الدينار من كل واحد. وأما الآن فيبلغني أن كلا من الأمراء له مال جزيل، وفيهم من يجهز بناته بالجواهر واللآلي، ويعمل الإناء الذي يستنجي منه في الخلاء من فضة. ويرصع مجاس زوجته بأصناف الجواهر.»
عندئذ تقرر النظر في أموال التجار والأغنياء، وأخذ ما يمكن أخذه من كل منهم بحسب قدرة كل واحد. فُرض على كل فرد من التجار والأغنياء من عشرة دنانير إلى مائة دينار، وطلب من أعيان التجار مالاً على سبيل القرض، فتم جمع مبالغ كبيرة. على الرغم من التكاليف الباهظة والأعداد الكبيرة من نازحي الشام إلا أن ذلك لم يوثر كثيراً على اقتصاد مصر، ارتفع سعر السلاح ولكن هبطت أسعار الغذاء ولم يحدث نقص في الأسواق.[75]
في غضون ذلك وردت إلى القاهرة أنباء رحيل غازان عن دمشق وإقامة قبجق نائباً عليها، فأرسل الناصر إلى قبجق وبكتمر يدعوهما للولاء له، فاستجابا له. وخرج قبجق من دمشق متوجهاً إلى مصر، فاستولى الأمير أرجواش على دمشق وأعاد الخطبة باسم الملك الناصر بعد انقطاعها مائة يوم.[76] وسار بيبرس الجاشنكير وسلار إلى دمشق وأرسلا العسكر إلى حلب فقتلوا من كان فيها من أتباع غازان، وفر بعضهم إلى غازان وعرفوه بغدر قبجق به. وأقيم العادل كتبغا نائباً على حماة، [77] وخلع على أرجواش وأنعم عليه، وأقيم قبجق على نيابة الشوبك. وزحفت جنود الناصر على جبل لبنان وألزموا الدروز، بعد أن طلبوا الأمان، بإعادة العتاد والأموال التي نهبوها من الجنود وقت انسحابهم إلى مصر.[78]
وصل إلى القاهرة وفد من غازان بطلب الصلح ووافق الناصر على الصلح ورد على غازان برسالة تقول: "إذا جنح الملك للسلم جنحنا لها.. والمشاهد لتصافينا يتلوا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾،[79] وينتظم إن شاء الله شمل الصلح أحسن انتظام، ويحصل التمسك من الموادعة والمصافاة بعروة لا انفصال ولا انفصام، وتستقر قواعد الصلح على ما يرضي الله ورسوله عليه الصلاة والسلام".[73]
إلا أن طلب غازان للصلح كان، كما يبدو، مجرد مناورة منه لكسب الوقت للتعرف على استعدادات وتحركات الملك الناصر.[73]
في جمادى الآخرة عام 702هـ / 1303م وصلت أخبار من حلب بأن جيش المغول أوشك على الزحف على الشام مرة أخرى.[80] فخرج جيش الناصر بجيش مصر وانضم إليه عسكر الشام،[81][82][83] والتقى الجمعان في 2 رمضان سنة 702هـ، الموافق في 20 إبريل سنة 1303م قرب دمشق، [84] في معركة تعرف باسم معركة شقحب أو معركة مرج الصفر. وفيها أبلي جيش المسلمين بلاءً حسناً وانتصر على جيش المغول نصراً كبيراً غسل عار هزيمة وادي الخزندار.

فهرس وملحوظات


^ (ابن كثير، 14/9)(العسلي، 137)
تعدى إلى الأعلى ل: أب المقريزي، 1/319
تعدى إلى الأعلى ل: أبتث ابن كثير، 14/9
^ بيبرس الدوادار، 330
^ ابن أيبك الدواداري، 9/15
^ وادي الخزندار هوالاسم كما ذكره المقريزي وابن كثير وبيبرس الدوادار وابن أيبك الدواداري. وقد شرح القلقشندي أن " الخزندار " هو الرسم الصحيح للكلمة. -(القلقشندي، صبح الأعشى، 5/435)
^ الهمذانى، 46
تعدى إلى الأعلى ل: أبتث ابن إياس، 1/403
^ Runciman, p.439/3
^ يذكر ابن كثير أن سلار وبيبرس " لم يكملوا عدة جندهم فنقص العسكر كثيراً مع سؤ التدبير ونحو ذلك من الأمور". - (ابن كثير، 9/14)
^ معركة وادي الخزندار: خلفية المعركة والخسائر (بالإنجليزية)[وصلة مكسورة] نسخة محفوظة 26 أبريل 2020 على موقع واي باك مشين.
^ Toynbee, p.473
^ المقريزي، السلوك 1/515
^ سمح السلطان قطز بدخول مصر لرفقاء وعسكر الملك الناصر يوسف حاكم دمشق بعد فرارهم من الشام، ولكنه لم يسمح بدخول الناصر يوسف بسبب محاولة تحالفه مع المغول، فظل هائماً في الصحراء عند غزة إلى أن قبض عليه المغول أو ذهب إليهم، وقتله هولاكو بعد هزيمة المغول متهماً إياه بعدم تقديم العون الكافي للمغول.-(المقريزي، 1/ 513و518-519)-(Amitai-preiss,P. 30)
^ كان التركمان من ضمن عسكر الناصر يوسف وسمح لهم بدخول مصر والانضمام إلى الجيش ،(Amatai-Preiss, p. 30)
^ Amitai-Preiss, p.36-45
^ المقريزي،1/ 515
تعدى إلى الأعلى ل: أب الشيال، 2/137
^ الشيال، 2/ 165-166
^ بعد مقتل أرغون بن أباقا (حكم 1284-1291) والد غازان تولى الحكم أخوه " جايخاتو بن أباقا " (حكم 1291 - 1295)، ولكنه قتل وتم تنصيب ابن عمه بايدو بن طرقاي (حكم 1295م) إلخاناً على مغول فارس فقامت حرب بين غازان وبايدو انتهت بفرار بايدو وتنصيب غازان إلخاناً على مغول فارس (حكم 1295-1304).
تعدى إلى الأعلى ل: أب Ruciman, p. 439/3
^ Ruciman, p.429/3
^ العسلي 136
^ قلعة الجبل : مقر سلاطين المماليك بالقاهرة وكانت فوق جبل المقطم حيث يوجد الآن مسجد محمد على وأطلال قلعة صلاح الدين.
^ المغول الأويراتية: طائفة مغولية وفدت إلى الشام ومصر في عام 1296 في عهد السلطان العادل كتبغا وأقامت في حي الحسينية بالقاهرة وسواحل الشام. كانت الطائفة هاربة من محمود غازان (انظر العادل كتبغا). لم تكن الأويراتية أول من وفد على السلطنة من المغول ولكنهم كانوا الأضخم عددا. في عام 1262، في عهد السلطان الظاهر بيبرس، أعداد كبيرة من أفراد القبيلة الذهبية الفارين من هولاكو وفدت على مصر وتبعهم غيرهم من المغول في السنوات اللاحقة. بيبرس رحب بهم وألحقهم بالجيش. كانت لهم فرقة عسكرية خاصة بهم عرفت باسم "الفرقة الوافدية". خلال العصر المملوكي تمتع الوافدية بالحرية ولم تطبق عليهم النظم المملوكية. بيبرس أسكن الوافدية في القاهرة وألحق أفرادها بوظائف الدولة المختلفة. (الشيال ،2/144)
^ شفيق مهدي، 103
^ الملك الناصر ناصر الدين محمد بن قلاوون، (ولد بـالقاهرة في 684هـ / 1285 - توفى بالقاهرة في 741هـ / 1341). تاسع سلاطين الدولة المملوكية البحرية. لقب بـأبو المعالي وأبو الفتح. جلس على تخت السلطنة ثلاث مرات، من 693هـ / 1293 إلى 694هـ / 1294، ومن 698هـ / 1299 إلى 708هـ / 1309 ومن 709هـ / 1309 وحتى وفاته في عام 741هـ / 1341 - راجع : الناصر محمد بن قلاوون
^ الأمير سيف الدين قبجق المنصوري، كان من مماليك المنصور قلاوون (1279-1290م). بعد وفاة قلاوون أقامه السلطان لاجين (1296-1299م) نائباً على دمشق، لكن نائب السطنة منكوتمر أراد التخلص منه ومن بعض الأمراء والنواب، فأرسل الأمير حمدان بن صلغاي إلى الشام ليستحث الأمراء والنواب للخروج للتصدي للمغول، ولما اتضح لقبجق أن الأمر مكيدة من منكوتمر لإخراجه من دمشق وتعيين نائباً أخر عليها، خاف على نفسه وبعث إلى بكتمر السلاح دار وغيره من أمراء الشام يحذرهم من مكيدة منكوتمر. ولما علم قبجق أن هناك خطة قد رسمت للقبض عليه وعلى بعض الأمراء فر مع بكتمر السلاح دار وبعض الأمراء إلى المغول. راجع حسام الدين لاجين -(المقريزي، السلوك، 2/297-299)-(ابن إياس، 1/406)
^ االشيال، 2/181
^ أبو العباس أحمد بن المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري، بويع بالخلافة بالدولة الظاهرية في أول 661هـ، فاستكمل أربعين سنة في الخلافة، وتوفي ليلة 18 جمادى الأولى 701هـ.- (ابن كثير، 14/23).
^ بعد سقوط بغداد في براثن المغول وقتل الخليفة العباسى في عام 1258، قام السلطان الظاهر بيبرس بإحياء خلافة عباسية اسمية في القاهرة.
^ القضاة الأربعة : قضاة من مذاهب الأئمة الأربعة: الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل وقد أقيم نظام "القضاة الأربعة" في مصر في عهد السلطان الظاهر بيبرس في سنة 663هـ. -(القلقشندي، 4/36).
^ الأمير سيف الدين سلار، كان من اصل مغولي أويراتي. اسره المسلمون في معركة أبلستين في عهد السلطان الظاهر بيبرس في عام 1277. -(Amitai-Preiss, p.174). دخل في خدمة الصالح علي والأشرف خليل ابنا السلطان قلاوون. في عهد السلطان لاجين أصبح نائباً للسلطنة. استمر في نيابة السلطنة في فترة حكم الناصر محمد الثانية ولكن الناصر محمد قبض عليه في فترة حكمه الثالثة وسجنه حتى الموت. بعد وفاته اكتشفت ثروته الطائلة.
^ ابن أيبك الدواداري، 15/9
^ سيف الدين سلار، وركن الدين بيبرس الجاشنكير كانا الحاكمان الفعليان في ذاك الوقت - طالع: الناصر محمد بن قلاوون.
^ المقريزي، 317 - 2/218
^ قرتية : بلدة قرب بيت جبرين من نواحي فلسطين من أعمال بيت المقدس. (المقريزي، السلوك، هامش، 2/318)
^ المقريزي، السلوك، 2/318
^ سلمية : بليدة في ناحية البرية من أعمال حماة. (المقريزي، السلوك، هامش، 2/319)
تعدى إلى الأعلى ل: أب المقريزي السلوك 2/319
^ ذكر ابن تغري وأبو الفداء وابن كثير أن المعركة بدأت يوم الأربعاء 27 ربيع الأول 699هـ. أما المقريزي فقد أشار إلى ان الملك الناصر خرج من حمص في سحر يوم الأربعاء 18 ربيع الأول 699هـ.
^ الدبوس : ويسمى العامود، وهو آلة من حديد ذات أضلاع ينتفع بها في قتال لابس البيضة (أي الخوذة المعدنية). -(االقلقشندي، 2/151
^ المقريزي السلوك 2/318-319
^ المقريزي، السلوك، 2/319
^ Kurkjian,p 253
^ على الرغم من أن غازان اعتنق الإسلام، فإن ذلك لم يمنعه من التحالف مع الصليبيين ضد المسلمين. أشرفت على تربية غازان "ديسبينا خاتون"، زوجة الإلخان "أباقا"، صديقة الصليبيين التي عملت دائماً على إثارة الحقد ضد المسلمين. وكان يحقد على المماليك. (العسلي، 136 - 137)
^ حسام الدين لاجين الأستادار: هو حسام الدين لاجين الرومي أستادار السلطان قلاوون، ويعرف أيضاً بلقب الحسام لاجين أستادار. (المقريزي، السلوك، 362/2) وهو ليس حسام الدين لاجين الذى تسلطن وتوفى في سنة 1299.
تعدى إلى الأعلى ل: أب المقريزي السلوك 2/320
^ المقريزي، السلوك، 2/320
تعدى إلى الأعلى ل: أب المقريزي، 321 - 2/320
^ المقريزي، السلوك، 2/321
^ المقريزي، 2/321
^ ابن أيبك الدواداري، 9/18
^ المقريزي،322 -2/321
^ ابن أيبك الدواداري، 9/20-19
^ المقريزي، 319 - 2/322
^ ابن إياس، 1/404
^ نائب قلعة دمشق ليس نائب دمشق. نيابة القلعة كانت نيابة منفردة ليس لنائب دمشق عليها حديث. وولاية القلعة كانت بأمر سلطاني بمرسوم يكتب من ديوان الإنشاء الشريف. وكانت مهمة نائب القلعة أن يحفظها ويصونها، ولا يسلم مفتاحها لأحد إلا لمن عينه السلطان مكانه أو بأمر من السلطان. وكان لنائب القلعة أجناد مقيمون بالقلعة لخدمته. -(القلقشندي، 4/191
تعدى إلى الأعلى ل: أب ابن أيبك الدواداري، 9/24
^ المقريزي، السلوك، 2/322
^ المقريزي، السلوك، 2/322- 323
^ ابن أيبك الدواداري، 9/27
تعدى إلى الأعلى ل: أب المقريزي، السلوك، 2/323
^ المقريزي، السلوك، 2/330
^ المقريزي، السلوك، 323-2/324
^ المقريزي، 322 - 2/325
^ ابن إياس، 1/405
^ المقريزي، 2/325
^ المقريزي، 2/326
^ من قصيدة لإبن قاضي صرخد (ابن ايبك الدواداري، 0/31)
^ يذكر المقريزي أن القاهرة غصت بالفارين من الشام حتى ضاقت بهم المساكن، فأقاموا في القرافة وحول جامع ابن طولون وطرف الحسينية.-(المقريزي، السلوك، 2/328)
^ المقريزي، السلوك، 2/326
تعدى إلى الأعلى ل: أبتث الشيال، 2/181
^ أبو الفداء، 699هـ
^ المقريزي، السلوك، 2/327-328
^ المقريزي، السلوك، 2/328
^ القلقشندي، 4/179
^ المقريزي، السلوك، 2/331
^ سورة آل عمران الآية: 103 322
^ المقريزي، السلوك، 2/354
^ ابن إياس، 1/413
^ المقريزي، 2/357
^ ابن تغري، 701هـ
^ المقريزي، السلوك، 2/356

المصادر والمراجع


ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1982.
ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، مدحت الجيار (دكتور)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007.
ابن تغرى: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الحياة المصرية، القاهرة 1968.
ابن كثير: البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت 1966.
أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر، القاهرة 1325هـ.
بسام العسلي: الظاهر بيبرس ونهاية الحروب الصليبية القديمة، دار النفائس، بيروت 1981.
بيبرس الدوادار، زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة، جمعية المستشرقين الألمانية، الشركة المتحدة للتوزيع، بيروت 1998.
جمال الدين الشيال (أستاذ التاريخ الإسلامي): تاريخ مصر الإسلامية، دار المعارف، القاهرة 1966.
حمدى السعداوى: صراع الحضارات - المماليك، المركز العربي للنشر، الإسكندرية.
علاء طه رزق (دكتور): دراسات في تاريخ عصر سلاطين المماليك، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2008.
رشيد الدين فضل الله الهمذاني : جامع التواريخ، تاريخ غازان خان، الدار الثقافية للنشر، القاهرة 2000.
شفيق مهدي (دكتور): مماليك مصر والشام، الدار العربية للموسوعات، بيروت 2008.
عبد الله بن أيبك الدواداري : كنز الدرر وجامع الغرر، المعهد الألماني للأثار الإسلامية، القاهرة 1971.
قاسم عبده قاسم (دكتور): عصر سلاطين المماليك - التاريخ السياسي والاجتماعي، عين للدراسات الإنسانية والاجتماعية، القاهرة 2007.
القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، دار الفكر، بيروت.
المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب، القاهرة 1996.
المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والأثار، مطبعة الأدب، القاهرة 1968.

مصادر غير عربية[عدل المصدر]

Amitai-Preiss, Reuven, Mongols and Mamluks: The Mamluk-Ilkhanid War, 1260-1281، Cambridge
University Press 2004 ISBN 0-521-52290-0
Kurkjian, Vahan M، A story of Armenia, Armenian General Benevolent Union of America 1958

Runciman, Steven, A history of the Crusades 3. Penguin Books, 1990
(أرنولد توينبي) Toynbee, Arnold J., Mankind and mother earth, Oxford university press 1976







التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فضيلة الشيخ أ. د. ناصر العقل متحدثاً عن التكفير المذموم التكفــير فتنة هذا العصر وكل
* وفاة عمرو بن العاص رضي الله عنه
* تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله
* إياك نعبد وإياك نستعين
* الحقوق الثقافية للطفل في التعليم الأساسي بمصر في ضوء بعض المتغيرات المعاصرة (pdf)
* رياض الأطفال وواقع طرائق التدريس بين الواقع والمأمول
* تعليم الأخلاق الإسلامية للأطفال

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
...يوميا, معارك, مهمة, الاسلامى, التاريخ, حربية, رمضان, في
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سحورك عندنا يوميا فى رمضان ------- تابعونا ابو الوليد المسلم ملتقى الأسرة المسلمة 29 03-19-2026 05:55 PM
معارك حاسمة في رمضان ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-22-2026 04:12 PM
معارك خلَّدها التاريخ الإسلامي ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-20-2026 08:35 PM
صور من محن علماء المسلمين عبر التاريخ ..... يوميا فى رمضان ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 29 12-31-2025 04:54 AM
اعظم شخصيات التاريخ الاسلامي ____ يوميا فى رمضان ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 29 12-27-2025 10:25 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009