استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-25-2026, 06:55 PM   #13

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 14 ..وقف الخيل في سبيل الله


  • الوقف في الإسلام مؤسسة شرعية أسهمت في بناء المجتمع الإسلامي وتنظيم مجالات الحياة العامة وقد تطوّر مع الزمن ليشمل صورًا متعددة ومجالات أوسع
  • يدل حديث وقف الخيل في سبيل الله على عِظم فضل الوقف واتساع دائرته ليشمل الحيوان وليس فقط العقار والمنقولات ما يؤكد مرونة التشريع الوقفي وشموليته
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، وذلك بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث الرابع عشر: وقف الخيل في سبيل الله
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، بوّب البخاري للحديث بابًا أسماه: (باب من احتبس فرسًا في سبيل الله)، لقوله -تعالى-: {وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ}، وفيه ترغيب وتوجيه لبابٍ من أبواب جريان الحسنات بعد الممات، وبيان لفضل الخيل وجعلها في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.
معنى الحبس والوقف
و(الحبس) من ألفاظ الوقف، والوقف هو الحبس، فيقال: وقفت الدابة وقفًا؛ أي حبستها في سبيل الله, والحبس هو المنع، وهو يدل على التأبيد، فيقال: وقف فلان أرضه وقفًا مؤبدًا إذا جعلها حبيسًا لا تباع ولا تورث.
  • والوقف عند الحنابلة هو: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ فمن احتبس فرسًا للجهاد في سبيل الله، فأطعمه وأشبعه، وسقاه وأرواه، وتحمّل روثه وبوله، فكل ذلك في ميزان حسناته إلى يوم القيامة.
  • وقوله: (وروثه) يراد به ثواب ذلك، لا أن الأرواث تُوزن بذاتها، يقول الإمام الشوكاني: فيه دليل على جواز وقف الحيوان، والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به غالبًا، ولو لم يجز وقفه لما رتب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأجر العظيم.
  • وعنون البخاري بعد الباب المتقدم ببابين، قال: (باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة), وروى فيه حديثين:
- الأول: من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». - والثاني: من حديث عروة بن الجعد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». والمراد بها: ما يُتخذ للغزو، أو لحماية الثغور، أو لحفظ المسلمين ورعاية بلادهم، قال القاضي عياض: في هذا الحديث مع وجازة لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل بين الخيل والخير.
الخيل في الجهاد وفضائلها
والخيل هي الأساس في الجهاد في سبيل الله؛ لقوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، وروى ابن ماجه من حديث تميم الداري مرفوعًا: «من ارتبط فرسًا في سبيل الله ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة»، وروى الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر...». فأما الذي هي له أُجر، فهو الذي يتخذها في سبيل الله ويعدّها له، فهي له أجر، لا يغيب في بطونها شيء إلا كتب الله له أجرًا.
الأوقاف الإسلامية والرحمة بالحيوان
وأوقاف المسلمين تعدّت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان؛ فقد وُجدت في كتب التاريخ أوقاف خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقاف للخيول المسنّة والعاجزة، كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق، كما وُقفت في العهود الإسلامية العديد من الأوقاف التي خُصص ريعها لخدمة الحيوانات والرفق بها. والحضارة الإسلامية كانت أكثر حضارات العالم إنسانية، ولها السبق في الرفق بالحيوان، لا باعتبارها ممارسة اجتماعية أو عرفًا، بل باعتبارها عبادة يتقرّب بها إلى الله -تعالى-؛ فالرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة، والقسوة عليه قد تدخله النار.
حكم الحديث وفوائده
  • جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويُستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات وغير المنقولات من باب أولى، وكل ما ينتفع به المسلمون من جنسه، ومن وسائل النقل الحديثة.
  • أن المرء يُؤجر بنيته كما يُؤجر العامل، وأنه لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه عند الحاجة.
  • أن أفضل الخيل ما أُعد للجهاد ومدافعة الأعداء والتدريب على الفروسية.
  • أن الخيل لا غنى عنها في كل زمان، وأن الخير ملازم لها إلى يوم القيامة، وفي ذلك تفضيل لها على غيرها من الدواب.
  • أن كل من احتبس فرسًا وجعلها وأعدها للجهاد تقربًا إلى الله -سبحانه وتعالى-، فإن في كل حركة وفعل لها يُكتب له في حسناته.
الأوقاف ونهضة الأمة الإسلامية
تُعَدُّ الأوقاف من أهم أسباب نهضة الأمة الإسلامية؛ لما لها من أثرٍ كبير في دعم العلم والدعوة والرعاية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. فقد أسهمت -عبر التاريخ- في إنشاء المدارس والمساجد والمكتبات والمستشفيات، ورعاية الفقراء وطلاب العلم، ما عزّز قوة المجتمع واستقراره، ويمتاز الوقف بكونه عملًا مستدامًا يستمر نفعه وأثره؛ ولذلك كان من أعظم أبواب الصدقة الجارية. وفي واقعنا المعاصر، تبرز الحاجة إلى إحياء ثقافة الوقف وتطوير مؤسساته؛ لدعم التعليم والصحة والعمل الخيري، والإسهام في معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في بناء مجتمعٍ قويٍّ متكافلٍ ومتوازن.


اعداد: عيسى القدومي





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2026, 12:09 PM   #14

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 15 .. وقف الدروع والعتاد في سبيل الله


  • المال الموقوف لا تجب فيه الزكاة لأنه خرج من ملك صاحبه وصار وقفًا لله تعالى فلا زكاة في الأعيان الموقوفة
  • في الحديث صحة وقف المنقولات كالأعتاد والدروع وجواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه كالعقار والحيوان والسلاح والأثاث ونحوها
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة بدأ التشريع الوقفي يتكوّن ويترسّخ، فأصبح الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول الهجري وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فخصّص له العلماء أبوابًا مستقلة ومصنفات تجمع أحكامه ومسائله، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة في استنباط القواعد والفوائد المتعلقة به؛ ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا في الوقف، مع شرح مبسط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها؛ بهدف ربط مقاصد الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا.
الحديث الخامس عشر
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا»، امتدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد - رضي الله عنه - على وقفه أعتاده وأدراعه، فقال: «فإنكم تظلمون خالدًا»، أي: إنكم تظلمونه بطلبكم الزكاة منه، إذ لا زكاة عليه فيها؛ لأنه قد احتبسها، أي: أوقفها في سبيل الله قبل تمام الحَوْل. والأدراع جمع درع، وهو ما يُلبس للحماية في القتال، أما الأعتاد فهو جمع عتاد، ويشمل ما يُعدّ للحرب من السلاح والدواب ونحوها، وقيل: يختص بالخيل. وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم أن الأعتاد هي آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد منها عتاد. ومعنى الحديث أن بعض الصحابة ظنوا أن هذه الأعتاد معدّة للتجارة فتجب فيها الزكاة؛ فلما امتنع خالد - رضي الله عنه - من دفعها أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبيّن لهم أنهم ظلموه؛ لأنه كان قد وقفها في سبيل الله، فلا زكاة فيها. ويحتمل أيضًا أن يكون المعنى: لو وجبت عليه زكاة لأداها ولم يبخل بها؛ لأنه قد بذل أمواله لله تعالى وقفًا وتبرعًا، فكيف يبخل بحق واجب عليه؟! والسبيل في اللغة: الطريق؛ أما «سبيل الله» في القرآن الكريم فتأتي على معنيين:
  • الأول: معنى عام، وهو كل طريق يوصل إلى رضا الله -تعالى-، ويشمل جميع أعمال البر والطاعة، كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وقوله -سبحانه-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ}.
  • والثاني: معنى خاص، وهو الجهاد في سبيل الله، كما في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}، أي: للمجاهدين وما يعينهم على الجهاد من سلاح وعدة ونحو ذلك.
وقد استدل أهل العلم بهذا الحديث، ضمن أدلتهم، على جواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالعقارات، والحيوانات، والأسلحة، والأثاث، وأشباه ذلك، وهو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة. ولا يشترط في الوقف أن يكون مالًا كثيرًا؛ فقد يكون مصحفًا، أو غرس نخيل، أو حفر بئر، أو إجراء نهر، أو وقف عتاد وأدراع في سبيل الله، أو غير ذلك مما يصح وقفه. وأفضل الأوقاف ما كان أعظم نفعًا للمسلمين في زمانه، وأكثر تحقيقًا لمصالحهم. وقد كانت الأوقاف المخصصة لدعم الصناعات الحربية من أعظم ما أعان المسلمين على الجهاد وحماية الثغور وتوفير العتاد لرد المعتدين، فنشأت بفضلها مصانع عديدة، ولا سيما في بلاد الشام ومصر زمن الحروب الصليبية. وكان لذلك أثر بارز في ازدهار الصناعة الحربية الإسلامية، حتى إن بعض الغربيين كانوا يفدون إلى بلاد المسلمين زمن الهدنة لشراء الأسلحة، بينما كان العلماء يفتون بتحريم بيعها للأعداء؛ لما في ذلك من تقويتهم على المسلمين.
حكم الحديث وفوائده
  • مشروعية الوقف، وصحة وقف المنقولات كالأعتاد والدروع، وجواز وقف كل ما يجوز بيعه والانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالعقار والحيوان والسلاح والأثاث ونحوها.
  • بيان فضيلة من فضائل خالد بن الوليد - رضي الله عنه -، حيث دافع عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وردّ ما قيل فيه، وأثنى على وقفه لأدرعه وأعتاده.
  • الاعتذار عن أهل الفضل، وحمل أفعالهم على أحسن المحامل ما لم يظهر ما يخالف ذلك، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع خالد - رضي الله عنه -.
  • أن المال الموقوف لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه خرج من ملك صاحبه وصار وقفًا لله -تعالى-، فلا زكاة في الأعيان الموقوفة.
  • حث المسلمين على إنشاء الصدقات الجارية والأوقاف النافعة التي يستمر نفعها وأجرها بعد وفاة أصحابها.
أركان الوقف وشروطه
لا ينعقد الوقف إلا بتوافر أركانه الأساسية، وهي: الواقف، والصيغة، والموقوف (عين الوقف)، والموقوف عليه.
  • أولًا: الصيغة: ينعقد الوقف بالإيجاب الصادر من الواقف دون اشتراط قبول الموقوف عليه، بخلاف العقود التي يشترط فيها القبول، ويكون الإيجاب باللفظ أو الكتابة الدالة على حبس العين وتسبيل المنفعة، فإن عجز الواقف عنهما انعقد بالإشارة المفهمة؛ كما ينعقد بالفعل مع القرينة الدالة على إرادة الوقف؛ كمن يبني مسجدًا ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن بالدفن فيها، ويشترط في صيغة الوقف أن تكون جازمة غير معلقة على وعد أو تردد، وأن تكون منجزة غير معلقة على شرط مستقبل، وأن تدل على التأبيد والاستمرار دون تقييد بمدة زمنية، وهو مذهب جمهور الفقهاء، بينما أجاز المالكية الوقف المؤقت.
  • ثانيًا: شروط الواقف: يشترط لصحة الوقف أن يكون الواقف أهلًا للتبرع؛ بأن يكون حرًا، بالغًا، عاقلًا، رشيدًا، غير مُكره ولا محجور عليه، وأن يكون مالكًا للعين التي يرغب في وقفها.
  • ثالثًا: شروط الموقوف (عين الوقف) يشترط في المال الموقوف أن يكون مالًا متقومًا مباح الانتفاع به، مملوكًا للواقف، معلومًا وقت الوقف علمًا يرفع الجهالة. ويجوز وقف العقارات والأموال النقدية والأسهم والمنقولات التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أصلها، ولا يصح وقف ما يستهلك بالانتفاع كالأطعمة. كما يصح وقف المشاع إذا كانت حصة الواقف معلومة، ويجوز أن يزداد الأصل الموقوف بإضافات عينية أو نقدية وفق ما تقتضيه المصلحة.
  • رابعًا: شروط الموقوف عليه: والمقصود به الجهة المستحقة لريع الوقف ومنافعه، ويشترط أن تكون جهة مشروعة يتقرب الواقف إلى الله بالوقف عليها، وألا تكون جهة محرمة شرعًا. كما يشترط أن تكون جهة غير منقطعة، كالوقف على وجوه البر والخير؛ مثل القرآن الكريم، والمساجد، والفقراء والمساكين، والإطعام، ونحوها في الوقف الخيري، أو على الأبناء والأقارب في الوقف الأهلي.



اعداد: عيسى القدومي






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2026, 11:52 AM   #15

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 16 .. وقف لوازم الجهاد من أفضل الصدقات


  • من أظل غازيًا بما يستظل به أو أعطاه خادمًا بغير عوض أو أعطاه ناقة قَوية كان ذلك أفضل الصدقات
  • من خصائصِ الوقف أن الواقف يمكن أن يوجّه صرف ريْع وَقفه إلى حيث يظن أنّه أعظم أجرًا وأكثر نفعًا
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث السادس عشر .. وقف لوازم الجهاد من أفضل الصدقات
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنِيحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، حثّ الله -سبحانه وتعالى- عباده على البذل والعطاء، وجعل الصدقات من أفضل الأعمال وأحبها إليه، وفاوت بينها، فأفضلها: ما طال الانتفاع بها؛ كالوقف الذي يحبس أصله، ويستمر نفعه وأثره، وحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - فيه: ترغيب في الصدقة لإعانة المجاهد: إما بـ (ظل فسطاط) أي: خيمة، أو البيت من الشعر؛ يستظل به المجاهد والغازي في سبيل الله -عز وجل-، أو بـ(منيحة خادم) أي: بخادم يعطى للمجاهد؛ ليخدمه ويعينه ويساعده في جهاده في سبيل الله، أو بـ(طروقة فحل) أي: ناقة أو فرس ونحوهما بلغت أن يطرقها الفحل، وهي: القوية الصالحة للركوب، يعطيه إياها ليركبها؛ إما وقفًا وتحبيسًا للجهاد في سبيل الله، أو صدقة وهبة، فإن هذا أفضل الصدقات عند الله -سبحانه وتعالى-؛ حيث ينتفع بها المتصدق عليه سنين عددًا.
أي الصدقة أفضل؟
وفي رواية أخرى للترمذي بسنده إلى عدي بن حاتم الطائي: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أي الصدقة أفضل؟ قال: خدمة عبدٍ في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طروقة فحل في سبيل الله، والمراد بقوله: (خدمة عبد)، أي: هبة عبد للمجاهد؛ ليخدمه أو عاريته له، قال المنذري في (التَّرْغِيب) -بعد ذكر هذا الحديث-: طرُوقَةُ الفحل -بفتح الطاء وبالإضافة- هي: الناقة التي صلحت لطرق الفحل، وأقل سنها ثلاث سنين، وبعض الرابعة، وهذه هي الحقَّةُ. ومعناه: أن يعطى الغازي خادماً أو ناقةً هذه صفتُها، فإن ذلك أفضلُ الصدقات.
تجهيز الغازي في سبيل الله
وفي تجهيز الغازي في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأعداده حتى يقدر على الجهاد بكل ما يحتاجه من عتاد وأسباب أجر للمتصدق أو الموقف لهذا التجهيز؛ كأجر المرابط والمجاهد الذي جُهز وأُعد للجهاد، فقد روى البخاري بسنده إلى زيد بن ثابت الجهني: أن رسول الله -[- قال: «من جهّّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا». وكان عامر بن عبد قيس إذا خرج للغزو يقف يتوسم بالمجاهدين، فإذا رأى رفقة توافقه قال لهم: يا هؤلاء، إني أريد أن أصحبكم للجهاد وأن أجاهد معكم على أن تعطوني من أنفسكم ثلاث خصال؛ فيقولون: ما هي؟ يقول:
  • الأولى: أن أكون خادمكم؛ لا ينازعني أحد منكم في الخدمة.
  • والثانية: أن أكون مؤذناً لكم؛ لا ينازعني أحد منكم في الأذان. والثالثة: أن أنفق عليكم بقدر طاقتي.
والصدقة في سبيل الله؛ إما تكون صدقة فقط، يتملكها المتصدق عليه أو الموهوب له؛ أو تكون وقفاً، قصد المتصدق بها: حبس أصلها، وتسبيل منفعتها؛ فالصدقة يتملك عينها المتصدق عليه، أما في الوقف فإن الموقوف عليه ينتفع بالثمرة أو الخدمة، ولا يتملك أصل الوقف، فإذا تصدق المتصدق بها في سبيل الله؛ كتجهيز غاز بخيمة وسلاح وعتاد ومركب، فإن حبس تلك الأصول لتكون في سبيل الله على من أراد الجهاد ولا يملك عتادا؛ يعد وقفا لله -سبحانه وتعالى-، ويسمى عند الفقهاء: وقف المنقولات، وأما إن تصدق على الرجل من باب التمليك فهي له.
حكم وفوائد الحديث
  • فضل من أعان المجاهدين ومدّهم بما يعينهم؛ من عدة وعتاد، وخدمتهم، وتوفير حاجاتهم للجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.
  • أن من أظل غازيًا بما يستظل به، أو أعطاه خادمًا بغير عوض، أو أعطاه ناقة قوية؛ كان ذلك أفضل الصدقات.
  • أن من خصائصِ الوقف: أن الواقف يمكن أن يوجه صرف ريع وقفه إلى حيث يظن أنّه أعظم أجراً وأكثر نفعاً.
  • أن من أولوية أعمال الصدقة: ما كانت أطول نفعاً، وأبقى أثرًا.
  • من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده: أن جعل لهم أجرًا مستمرا بما أبقوا من أثر صالح بعد مماتهم؛ ولهذا وقفت على مدار العهود الإسلامية الكثير من الأوقاف التي حبست للجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى-. وهذا من فعل الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فقد وقف خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أدراعه وأعتاده في سبيل الله -سبحانه وتعالى-، وكذلك وقف الصحابة -رضي الله عنهم- كل ما يعين على الجهاد.
التعديات على الأوقاف!
بلغ الوقف في التاريخ الإسلامي درجةً عاليةً من التنظيم والاتساع، حتى تحوّل إلى مؤسسةٍ متكاملةٍ تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاقتصادية والاجتماعية، وأسهم إسهامًا كبيرًا في بناء الحضارة الإسلامية وخدمة المجتمع في شتى المجالات، وقد تنافس الأمراء والسلاطين وكبار رجال الدولة وأهل اليسار في إنشاء الأوقاف وتوسيعها، ولم تقتصر أوقافهم على المؤسسات الخدمية فحسب، بل دعّموها بأصولٍ استثماريةٍ متنوعة، كالعقارات والأسواق والأراضي الزراعية؛ لضمان تدفّق عوائد منتظمة تغطي نفقاتها وتكفل استمراريتها واستقرارها على المدى الطويل. غير إن هذا الازدهار لم يمنع ظهور محاولاتٍ للاعتداء على الأوقاف والاستيلاء عليها؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى سعي بعض الأمراء والولاة إلى وضع أيديهم على ممتلكات الوقف. ويذكر المقريزي أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون حاول الاستحواذ على جزءٍ من أحباس المساجد، كالدكاكين والأراضي الزراعية التي يعود ريعها للإنفاق على المساجد وشؤونها، إلا أن وفاته حالت دون تنفيذ ذلك؛ كما لجأ بعضهم إلى وسائل ملتوية للتحايل على الأوقاف، من أبرزها ما عُرف بالاستبدال، بمساندة بعض القضاة الفاسدين وشهود الزور، ما دفع الفقهاء إلى التشدد في هذا الباب، ووضع الضوابط والقيود التي تحول دون التلاعب بالأوقاف، وتحفظ مقاصد الواقفين وحقوق المستفيدين منها. وشهدت بعض المراحل التاريخية محاولاتٍ لإلغاء أنواعٍ من الأوقاف، كالأوقاف الأهلية، كما حدث في عهد السلطان الظاهر بيبرس، غير أن مقاومة العلماء، وفي مقدمتهم الإمام النووي -رحمه الله-، أحبطت تلك المساعي. وقد ترتب على موقف الإمام النووي، وما أبداه من ثباتٍ في الدفاع عن الوقف، أن أُخرج من دمشق، فعاد إلى بلدته نَوَى، وأقام فيها حتى توفي -رحمه الله-.
  • وبسبب هذه التعديات والممارسات، تعرّض الوقف في كثيرٍ من البلاد العربية والإسلامية لهزّاتٍ عميقة، تفاقمت مع فترات الاستعمار وما تلاها من سياساتٍ حكومية مختلفة، شملت الاستيلاء على الأعيان الوقفية، وإهمال الوثائق والسجلات، وإضعاف الهياكل الإدارية المشرفة على الأوقاف، ما أفضى إلى ضياع حقوقٍ كبيرة، وإضعاف أثر الوقف، وتشويه دوره الحضاري ووظيفته التنموية والاجتماعية التي اضطلع بها عبر قرونٍ طويلة.



اعداد: عيسى القدومي






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-14-2026, 10:27 AM   #16

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 17 .. الوقف خيرٌ للحي والميت


  • الوقف وسيلة من وسائل صِلة الرحم والإحسان إلى الأقارب لتعزيز المحبة والتراحم والتماسك الأسري
  • يحقق الوقف معاني التكافل والتعاون بين المسلمين ولا يقتصر نفعه على الفقراء والمحتاجين بل يمتد إلى سائر المصالح العامة التي تخدم المجتمع والإنسانية
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويًا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث السابع عشر
الوقف خيرٌ للحي والميت
قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: «لم نر خيرًا للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة؛ أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحبس عليه، فلا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها». يُعد الوقف الإسلامي من أعظم التشريعات الربانية التي جمعت بين الرحمة بالخلق وتحقيق المصالح الدينية والدنيوية، فهو نظام فريد تتجلى فيه معاني التكافل والاستدامة، وتتعدد مجالاته بتعدد حاجات الناس وتجددها، وقد شرع الله تعالى الوقف ليكون بابًا من أبواب الخير الممتد، وسببًا في رفعة الدرجات، وتكفير السيئات، واستمرار الأجر بعد الممات. وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- من أسبق الناس إلى هذا العمل الجليل؛ فقد أوقف زيد بن ثابت - رضي الله عنه - داره بالبقيع وداره المجاورة للمسجد، وجعل صدقته على نهج صدقة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -، تأسيًا بالسنة وحرصًا على دوام النفع والثواب.
قضاء مصالح العباد
لقد جعل الإسلام الوقف وسيلةً فعالةً لقضاء مصالح العباد وتحقيق احتياجاتهم، فهو من أعظم القربات إلى الله تعالى، ومن أنفع الأعمال للمجتمع؛ إذ يسهم في رعاية الأرامل والمساكين، ودعم طلبة العلم، ورعاية المرضى، ومساندة المحتاجين، وخدمة مختلف فئات المجتمع. وبفضل الأوقاف ازدهرت مجالات العلم والتعليم والرعاية الاجتماعية، وحُفظت كرامة الأمة واستقرت مؤسساتها الخيرية عبر العصور.
انتشار الأوقاف
ولهذا انتشرت الأوقاف بين المسلمين انتشارًا واسعًا؛ فمنهم من أوقف العقارات والأراضي، ومنهم من أوقف المصاحف والكتب، ومنهم من أوقف النخيل والآبار والأدوات النافعة، ابتغاء مرضاة الله تعالى ورجاء دوام الأجر. فالوقف نظام صالح لكل زمان ومكان؛ لما يحققه من مصالح للواقف والموقوف عليهم على حد سواء؛ إذ يستمر ثواب الواقف، وينتفع المستفيدون بالموقوف مع المحافظة على أصله وعدم استهلاكه.
آثار حضارية وتنموية
وقد أدركت أمم كثيرة غير إسلامية ما يتميز به الوقف من آثار حضارية وتنموية، فسعت إلى استحداث أنظمة ومؤسسات تؤدي بعض مقاصده وأهدافه. ومع ذلك يبقى الوقف الإسلامي نموذجًا متفردًا في شموله وأثره واستمراريته، وقد سجل التاريخ منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا نماذج مشرقة لأوقاف عظيمة أسهمت في خدمة الدين والعلم والمجتمع.
عناية العلماء بالوقف
كما أولى علماء الأمة وفقهاؤها عناية كبيرة بالوقف؛ فبحثوا أحكامه، وأصلوا قواعده، وبينوا شروطه ومقاصده وسبل تنميته وإدارته. وقد أثبت التاريخ أن الوقف كان حجر الأساس لكثير من المؤسسات العلمية والخيرية في العالم الإسلامي؛ إذ لم يكن المسلمون يكتفون بإنشاء المشاريع النافعة، بل يربطون بها أوقافًا تضمن استمرارها وتمويلها عبر الأجيال؛ ما أكسبها الاستقرار والقدرة على أداء رسالتها مهما تغيرت الظروف والأحوال.
فوائد وأحكام مستفادة
  • الوقف من أفضل أنواع الإنفاق في سبيل الله، وفيه حفظ للأموال واستدامة لمنافعها، وتحقيق لمقاصد الشريعة في البذل والإحسان.
  • يتميز الوقف باستمرار ثوابه ونفعه؛ فهو من الأعمال التي يبقى أجرها للواقف بعد وفاته، ويستمر أثرها للمستفيدين جيلاً بعد جيل.
  • الوقف سبب للذكر الحسن والدعاء والثناء، والأعظم من ذلك استمرار الأجر ما دام الوقف قائمًا ومنتفعًا به.
  • إذا كان الوقف على الذرية فإنه يسهم في حفظ المال وصيانته من الضياع أو سوء التصرف، مع استمرار الانتفاع بريعه للأبناء والأحفاد.
  • الوقف وسيلة من وسائل صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب، مما يعزز المحبة والتراحم والتماسك الأسري.
  • يحقق الوقف معاني التكافل والتعاون بين المسلمين، ولا يقتصر نفعه على الفقراء والمحتاجين، بل يمتد إلى مجالات التعليم والصحة والدعوة والبحث العلمي وسائر المصالح العامة التي تخدم المجتمع والإنسانية.
من أخطاء الواقفين: خلط مال الوقف بمال غيره!
ينبغي أن تكون أمور الوقف واضحة جلية؛ فالوقف له ذمة مالية مستقلة عن غيره، والخلط في ذلك يضيع حقوق الوقف، وحقوق الموقوف عليهم؛ فإذا ما اختلط مال الوقف بمال غيره من غير تفصيل سهل الاعتداء عليه، والادعاء بادعاءات باطلة، فلا بد أن تكون أصول الوقف واضحة محددة وموثقة ومشهوداً عليها، بوثائق تثبت الوقف وشروطه وطرائق إدارته، فالواقف ذمته مستقلة عن ذمة الوقف، فمتى ما أوقف الوقف فإن الموقوف يخرج من ملك الواقف؛ لذا تعتمد آلية الوقف حقيقة على المحافظة على رأس مال الوقف، وصرف الغلة والربح والثمرة للموقوف عليهم في مختلف وجوه الخير والمصالح العامة، فيجب على ناظر الوقف، سواء كان الواقف أم غيره، وسواء كان قاضياً أم متولياً أم ديواناً أم نظارة أم وزارة، أن يحافظ على أصل الوقف مادياً (وهو الحفظ المادي) كحفظ العين العقارية الموقوفة، أو المال النقدي، أو المال المنقول، أو المال المتمثل بالمنافع، كما يجب عليه حفظ وثيقة الوقف التي وثق الوقف بها (وهو الحفظ المعنوي)؛ لأن الوقف خرج عن ملك الواقف إلى ملك الله -تعالى- «عند الجمهور» فلا يحق لأحد التصرف فيه، ولا يجوز الاعتداء عليه، أو الغصب، أو وضع اليد، إلا بطريق شرعي مأذون فيه.


اعداد: عيسى القدومي






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-28-2026, 11:05 AM   #17

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 18.. فضل وقف المساجد


  • المسجد منارةُ الإيمان ومدرسةُ التربية ومنبعُ الهداية ومجمعُ المسلمين على الطاعة والألفة
  • الأجر المذكور إنما يكون ببناء المسجد لا بمجرد جعل الأرض مسجدًا أو إحاطتها دون بناء
  • من شارك في بناء مسجد ولو بقدر موضع سجود فله عند الله أجرٌ عظيم
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث الثامن عشر: فضل وقف المساجد
عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ،وفي لفظ لمسلم: بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»، فضّل الله -سبحانه وتعالى- بعض الأماكن على بعض، ومن تلك الأماكن التي فضلها الله -عز وجل- على غيرها: المساجد، قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}، والعمارة المراد بها: إقامة البناء وتشييده، وتلك من علامات الإيمان بالله والخشية والهداية، فقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحض على بناء المساجد، ووعد مشيديها بالثواب الجزيل والأجر العظيم، لمكانتها في الإسلام، وحاجة المسلمين إليها في سائر البلاد والأزمان.
أجر عظيم مشروط بشرطين
وهذا الأجر العظيم والثواب الجزيل مشروط بشرطين -كسائر الطاعات-: الأول: أن يكون خالصًا لله -سبحانه وتعالى- ويبتغى به وجه الله -عز وجل-. والثاني: أن يكون موافقًا للشرع الذي أمر الله به -سبحانه وتعالى-، وقد زاد البخاري في رواية: بنى الله له مثله في الجنة، والمماثلة الواردة في الحديث جاءت لإيضاح أن الجزاء من جنس العمل، فهي تعني المثلية في الكم لا في الكيف؛ لأن موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ كما صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -. قال النووي: يحتمل قوله - صلى الله عليه وسلم - أمرين: أحدهما: أن يكون (مثله) معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها؛ فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والثاني: معناه: أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا، وقال الألباني: أي: مثله في الشرف والفضل والتوقير؛ لأنه جزاء المسجد، فيكون مثلاً له في صفات الشرف.
الترغيب في بناء المساجد
وترغيباً في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها -ولو كانت صغيرة- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى مسجداً قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة»، ومفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، والقطاة: طائر من أنواع الحمام، كأنها تفحص عنه التراب أي: تكشفه، والفحص: البحث والكشف، وقد خصّ القطاة بهذا لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل؛ إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير؛ فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق؛ ففيه إشارة إلى اعتبار إخلاص النية، وصدقها في البناء، ومعلوم أن مفحص القطاة: مكان صغير جداً، لا يمكن بحال أن يتسع لمصل؛ فدل على أن أيّ تبرع يُسهم في بناء مسجد موعودٌ صاحبه بأجر عظيم.
مكانة المسجد في الإسلام
وللمسجد مكانة عظيمة في الإسلام؛ و المساجد بيوت الله -عز وجل-، وقد أضافها الله -عز وجل- إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف؛ فقال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، وهي أحب البقاع إليه؛ فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أحب البلاد إلى الله: مساجِدُها.
قاعدة أساسية للدعوة
والمسجد قاعدة أساسية تنبعث منها الدعوة الإسلامية، ورسالته هي رسالة الإسلام؛ رسالة التوحيد والهداية، وقد كانت المساجد في عهودها الزاهرة؛ جامعات علمٍ، ومنابر هدى، ومراكز إشعاع في عواصم العالم ومدنه الكبرى، مثل: المدينة، ومكة، والقدس، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان، وغيرها.
فوائد الحديث
  • أن الأجر المذكور يحصل ببناء المسجد؛ لا أن يجعل الأرض مسجدًا من غير بناء، وأنه لا يكفي في ذلك تحويطه من غير حصول مسمى البناء، والتنكير في مسجد للشيوع؛ فيدخل فيه الكبير والصغير.
  • أن كل من اشترك في بناء مسجد وساهم في حصة ولو قدر موضع سجود؛ فله الأجر العظيم من الله -تعالى-.
  • الحثّ والترغيب في بناء المساجد في الأمصار والقرى، والمحالّ ونحوها؛ بحسب الحاجة.
  • أن العمل بلا إخلاص لا نفع فيه، فالذي يبني المساجد للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيًا لله، فلا يناله الأجر الوارد في الحديث.
مكانة المسجد في الإسلام
لا يخفى ما للمسجد من مكانةٍ سامية في الإسلام؛ فهو منارةُ الإيمان، ومدرسةُ التربية، ومنبعُ الهداية، ومجمعُ المسلمين على الطاعة والألفة، تتوثق فيه عرى الأخوة، وتلتقي فيه القلوب قبل الأبدان، ويُعرف فيه المحتاج فيُعان، والضعيف فيُواسَى، والحائر فيُرشد، فهو بيت العبادة، ومأوى الفضائل، ومنطلق الدعوة والإصلاح؛ ولذلك شهد الله -تعالى- بالإيمان لعُمَّار مساجده، فقال -سبحانه-: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة: 18)، وأثنى عليهم بقوله: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} (النور)، كما رغَّب النبي - صلى الله عليه وسلم - في عمارة المساجد، وبشَّر من بنى لله مسجدًا بأن يبني الله له بيتًا في الجنة، ومن عظيم شأن المسجد أن أول عملٍ قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة كان بناء المسجد؛ ليكون القلب النابض للدولة المسلمة، ومركز العبادة، ومنارة العلم، ومقرَّ الشورى، ومأوى الفقراء وأهل الصُّفَّة، وملجأ أصحاب الحاجات والهموم. ومن أروع الشواهد على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد، فرأى أبا أمامة - رضي الله عنه - جالسًا في غير وقت الصلاة، فسأله عن حاله، فأخبره أن الهموم والديون أثقلته، فعلَّمه ذلك الدعاء العظيم الذي يذهب الله به الهم، ويقضي به الدين، فكان سببًا في تفريج كربه. وهكذا ظلَّ المسجد في الإسلام بيتًا للإيمان، ومأوى للطمأنينة، وملاذًا للمهمومين، ومنطلقًا للإصلاح والخير، ولا يجحد رسالته العظيمة وأثره المبارك في بناء الفرد والمجتمع إلا جاهل بحقائق الإسلام، أو مكابر يعاند الواقع والتاريخ.


اعداد: عيسى القدومي






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-12-2026, 10:24 AM   #18

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الأربعون الوقفية الموجزة 19 .. وقف الأرض للمسجد


  • الوقف يُخرج العَيْن الموْقوفة عن التمليك للمُوقف أو للموقوف عليه وتكون المنفعة للموقوف عليه
  • الإسهام في بناء المساجد وتوفير الأراضي لها طريقٌ إلى الجنة وأجرٌ جارٍ لا ينقطع يتجدد مع كل صلاةٍ تُقام وكل عبادةٍ تُؤدَّى فيها
منذ قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، بدأ التشريع الوقفي يتكون ويترسخ؛ فصار الوقف من أوائل المؤسسات الشرعية في المجتمع الإسلامي، ومع تطور الحياة في القرن الأول وما بعده، تعددت أنواعه وتشعبت مسائله، فكرّس العلماء أبوابًا مستقلة وكتبًا لجمع أحكامه، ولا يزال الباحثون يستفيدون من الأحاديث النبوية الثابتة لاستخلاص القواعد والفوائد، ليبقى الوقف جزءًا أصيلًا من الفقه الإسلامي، ومن هنا جاء هذا الجمع لأربعين حديثًا نبويا عن الوقف، مع شرح مبسّط يوضح معانيها ودلالاتها وأحكامها، بهدف ربط مضامين الوقف بواقعنا المعاصر، وإبراز أثره الحضاري في العلم والدعوة والتنمية منذ القرن الأول وحتى اليوم.
الحديث التاسع عشر: وقف الأرض للمسجد
عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلُ فِيهَا دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَجَعَلْتُ دَلْوِي فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونِي مِنَ الشُّرْبِ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَزِدْتُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْتُمْ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا، فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِرِجْلِهِ وَقَالَ: اسْكُنْ ثَبِيرُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، شَهِدُوا لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - يَعْنِي أَنِّي شَهِيدٌ -.
وقف أرض بني النجار
لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة أمر - صلى الله عليه وسلم - ببناء مسجده، وكان الموقع المختار أرضًا كانت لبني النجار؛ فطلب - صلى الله عليه وسلم - من كبار بني النجار وأعيانهم أن يبيعوا أرضًا لهم ليبني عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجدًا، فكان جوابهم أنهم جعلوا تلك الأرض وقفًا لله -سبحانه وتعالى-، لا يطلبون ثمنًا لها من أحد؛ إلا الأجر والثواب من الله -سبحانه وتعالى-. وعن أنس- رضي الله عنه - أنه قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ببناء المسجد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فوقفوا أرضهم لمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
توسعة المسجد النبوي
ولما كثُر أهل الإسلام بعد سنوات من بناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده في المدينة، وضاق المسجد بالمصلين، ولم يعد يتسع لجموع المصلين، رغب النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد لكي تزاد في المسجد؛ حتى يتسع لأهله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»؛ فاشتراها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صلب ماله، ووسع على المسلمين - رضي الله عنه -.
وقف عثمان بن عفان - رضي الله عنه -
وذكر الحافظ ابن حجر روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان - رضي الله عنه - البقعة التي زيدت في المسجد؛ فقال: وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان: أنه اشتراها بعشرين ألفاً، أو بخمسة وعشرين ألفا، وبهذا الفعل وفق الله -سبحانه وتعالى- عثمان - رضي الله عنه - بأن يكون له أجر إلى يوم الدين؛ من هذا الفعل، فكل من شد الرحال من سائر أنحاء الدنيا إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان لعثمان أجر من ذلك، فهو - رضي الله عنه - صاحب الصولات والجولات في النفقة على الدين، وخدمة الرسول الأمين وجميع المسلمين، فحينما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟»؛ فاشتراها عثمان. وحينما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لتجهيز جيش العسرة وكان الناس في ضيق وشدة وقلة؛ فجهزه عثمان - رضي الله عنه -. وفي كل مرة يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». فقد عُرف - رضي الله عنه - بالمسارعة إلى الخيرات؛ لأنه أراد الجنة، والجنة هي سلعة الله الغالية التي تحتاج إلى سعي وعمل وبذل وعطاء، قال -تعالى-: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)، ولتكون من أهل الدرجات العلا في الجنة فلا بد من الإنفاق في سبيل الله -سبحانه وتعالى-.
الحكم والفوائد من الحديث
  • مشروعية وقف الأرض للمسجد.
  • أهمية توسيع المساجد، وهذا من باب إعمار المساجد، وامتثالاً لقوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين).
  • جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك؛ لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة، والمكاثرة، والعجب، وهذا من مناقب أمير المؤمنين عثمان -]-.
  • إن لبناء المساجد وتوفير قطع الأرض للمساجد طريق إلى الجنة، وباب أجر مستمر من الله -سبحانه وتعالى- كلما صلى به المصلون، وتعبد به العباد من قراءة القرآن ومجالس العلم والاعتكاف وغيرها من الأعمال.
علاقة الوقف بالوصية
يمكن تبيين علاقة الوقف بالوصية ببيان الفرق بينهما، وأهم الفروق هي:
  • أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع .
  • يجوز في الوقف أن يتجاوز المُوقِف ثلث أمواله، فلا حد لأكثره بخلاف الوصية فلا تتجاوز ثلث التركة إلا بإذن الورثة.
  • أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ»، أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه .
  • الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك للموقف أو للموقوف عليه، وتكون المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له .
  • تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، وأما التمليك في الوصية فلا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي.
  • الوقف يجوز لوارث والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة.



اعداد: عيسى القدومي






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أنس بن مالك .. خادم رسول الله وصاحبه
* الآيات والمعجزات الباهرة لا تزيد قريشا إلا طغيانا
* التوحيد: القيمة الحضارية للوجود الإنساني
* الفكر العسكري عند السلطان ألب أرسلان السلجوقي
* إبراز جهود الحاجب المنصور في تنظيم الجيش من خلال قراءة في كتاب
* نساء من ذاكرة التاريخ
* معارك حربية مهمة فى التاريخ الاسلامى ...يوميا فى رمضان

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الأربعون, اللويزة, الوقفية
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اسطوانة الأربعون النووية بالصوت والشرح والإعراب عادل محمد قسم الاسطوانات التجميعية 3 04-06-2023 06:53 PM
المعجم المفهرس لالفاظ القران -- من اكثر الكتب تحميلا من المكتبة الوقفية الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 11-02-2017 05:36 PM
حمل اي مصحف مكتوب واي كتاب مقروء برابط صاروخي واقرا اونلاين من المكتبة الوقفية الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 11-02-2017 05:31 PM
الأربعون النسائية ام هُمام ملتقى الأسرة المسلمة 10 10-30-2016 05:22 PM
كتاب الكتروني لشرح الأربعون النووية أبوالنور ملتقى الكتب الإسلامية 4 05-04-2013 02:06 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009