استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ الثقــــــافـــة و الأدب ۩ > ملتقى فيض القلم
ملتقى فيض القلم يهتم بجميع فنون الأدب من شعر و نثر وحكم وأمثال وقصص واقعية
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 08-17-2026, 12:59 AM   #43
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (5) هلاك الفراعنة

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- التذكير بما سبق مختصرًا: اشتداد المحنة بالمؤمنين، وإمعان الفراعنة في قتل وتعذيب بني إسرائيل، على رغم ما أصابهم مِن ابتلاء، وتعهدهم بالتوبة، ولكن نكثوا عهدهم وازدادوا ضراوة في تعذيب بني إسرائيل؛ مما اضطر بني إسرائيل إلى الخروج مِن مصر، فارين بدينهم، عائدين إلى فلسطين.
- الإشارة إلى أحداث اليوم: خروج بني إسرائيل إلى جهة البحر، وتعقب الفراعنة لهم، وعبور المؤمنين البحر، بعد آية العصا، وغرق الفراعين في البحر، وزوال ملكهم وعروشهم، ثم الدروس والعِبَر حول ذلك.
- تفاصيل الأحداث مِن خلال آيات سور الشعراء: قال الله -تعالى-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ . فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ . وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ . وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ . فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ . فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ . وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ . وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء:52-68).
- ملخص الآيات: "يخبرنا ربنا -تعالى- عن خروج بني إسرائيل مِن مصر، وركوب فرعون في جنوده طالبًا لهم أن يقفوا أثرهم، وهو في جيش كثيف عرمرم، وأنه أدركهم عند شروق الشمس، ولما تراءى الجمعان، وعاين كل مِن الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبقَ إلا المقاتلة، وأصحاب موسى لا يقاومونهم عدة ولا عدد، فقالوا لموسى -عليه السلام-: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)؛ وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر، فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحدٌ ولا يقدر عليه، وفرعون مِن ورائهم قد وواجههم، وهم منه في غاية الخوف والذعر؛ لما قاسوه مِن سلطانه مِن الإهانة والمكر؛ فشكوا إلى نبي الله موسى -عليه السلام-، فقال لهم الرسول الصادق: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وتقدَّم إلى جهة البحر، وهو يقول: ها هنا أمرتُ؛ فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد، واقترب فرعون وجنوده بحدهم وحديدهم، وزاغت الأبصار؛ فعند ذلك نزل الوحي مِن الحليم العظيم القدير إلى موسى الكليم -عليه السلام-: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ)، فلما ضربه، يُقال إنه قال له: انفلق بإذن الله (فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ).
وأمر الله الريح، فلفحت حال البحر -طين أرضه-؛ فأذهبته حتى صار يابسًا، لا تعلق به سنابك الخيل والدواب ولا الأقدام (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى) (طه:77)، فانحدر موسى -عليه السلام- وبنو إسرائيل فيه مسرعين مستبشرين، وقد شاهدوا مِن الأمر العظيم ما يحير الناظرين، ويطمئن قلوب المؤمنين؛ فلما جاوزوه وخرج آخرهم منه، انفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون ووفودهم عليه، فأراد موسى -عليه السلام- أن يضرب البحر بعصاه ليرجعه كما كان عليه؛ لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير -سبحانه- أن يترك البحر على هذا الحال، كما قال الله -تعالى-: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ) (الدخان:24)، أي: ساكنًا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة.
فلما تركه على هيئته وحالة، وانتهى الفرعون فرأى ما رأى، وعاين ما عاين؛ هاله هذا المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبْل ذلك مِن أن هذا مِن فعل رب العرش الكريم؛ فأحجم ولم يتقدم، وندِم على نفسه على خروجه في طلبهم، لكنه أظهر لجنوده تجلدًا، وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: "انظروا كيف انحسر البحر لي؛ لأدرك عبيدي الآبقين مِن يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي؟!" وجعل يقدم تارة، ويحجم تارات!
وقيل: إن جبريل -عليه السلام- تبدى في صورة فارس راكب على فرس أنثى مشتهاة، فمر بيْن يدي فحل الفرعون، فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر، واستبق الجواد فبادر مسرعًا خلف فرس جبريل، هذا وفرعون ليس لا يملك مِن نفسه ضرًّا ولا نفعًا؛ فلما رأته الجنود سلك البحر، اقتحموا وراءه مسرعين، فخلصوا في البحر أجمعين، حتى همَّ أولهم بالخروج منه؛ فعند ذلك أمر الله كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليه البحر كما كان، وجعلت الأمواج تخفض فرعون تارة، وترفعه تارة، وبنو إسرائيل ينظرون إليه، والى جنوده، ماذا أحل الله بهم مِن البأس العظيم، والخطب الجسيم؛ ليكون أقر لأعينهم وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفس إيمانها، كما قال -تعالى- عنه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) (يونس:90-92)، وهكذا لم ينجُ منهم إنسان، ونجى الله المؤمنين فلم يصب منهم أحد، كما قال الله -تعالى-: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) (الشعراء:65-66)، وذلك برهان قاطع على قدرته -تعالى- العظيمة، وصدق رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيما جاء به عن ربه مِن الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة" (قصص الأنبياء لابن كثير، بتصرف).


وقفات ودروس وعبر:
1ـ لماذا توجَّه موسى -عليه السلام- جهة البحر ولم يقصد جهة البر؟
الجواب: المنطقة التي دارت فيها الأحداث هي منطقة خليج السويس، والذي يخرج مِن منطقة جنوب الدلتا بمصر حيث كان حياة الفراعنة، قاصدًا فلسطين، فهو يتجه ناحية الشرق برًّا، وهو الطريق الذي دخل منها بنو إسرائيل مصر مع يعقوب -عليه السلام- لما جاءوا مِن فلسطين، وأما اتجاه موسى -عليه السلام- إلى جهة الجنوب الشرقي، فكان بتقدير (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (القمر:49)، وبوحي مِن الله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى)، (لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) (الأنفال:42).
2ـ لماذا قدَّم ذكر المعية في كلام موسى -عليه السلام-: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)، وأخَّر في كلام نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40)؟
الجواب: الفرق يرجع إلى اختلاف المخاطـَب، فكان تقديم المعية في قول موسى -عليه السلام-؛ لأن المخاطَب -وهم بنو إسرائيل- كانوا في شكٍ وفزع وخوف، فكان المناسب تقديم المعية إشعارًا بالمدد السريع، وكان تقديم لفظ الجلالة في قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المخاطـَب -وهو الصديق- لم يكن في شك، إنما كان في خوف على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فناسب تقديم لفظ الجلالة، حيث الأنس به في تلك الوحشة، وهو ظاهر في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا ‏أَبَا بَكْرٍ ‏‏مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (متفق عليه)، فتأمل الفرق؛ لتعرف كيف كان الأنبياء يتعبدون لله بأسمائه وصفاته؟
3ـ لماذا اقتران العزة بالرحمة في الآية الخاتمة -وهما متقابلتان-: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
الجواب: لأنه -سبحانه- عزيز في إهلاكه أعداءه؛ فلم ينجِ منهم أحدًا، وهو رحيم -سبحانه- بأوليائه؛ فلم يُغرق منهم أحدًا.
فائدة حول ذلك: أنكر الأعرابي الفصيح قراءة رجل لقوله -تعالى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38)، لما قرأها الرجل:"والله عزيز رحيم"، فقال الأعرابي المتدبر: "لو رحم ما قطع"، ولم يكن الأعرابي يحفظ الآيات، ولكن بتدبره وتعبده بالأسماء والصفات انتبه إلى ذلك!
4ـ لماذا كان الفراعنة أعداءنا، وكان بنو إسرائيل إخواننا؟
الجواب: لأن الفراعنة كانوا كفرة، وبنو إسرائيل كانوا مسلمين، قال الله -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ, وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ, وَالْحُبُّ فِي اللهِ, وَالْبُغْضُ فِي اللهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، ولما كفر بنو إسرائيل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ) (متفق عليه).
5ـ إهلاك الفراعنة عبرة لمن يعتبر: قال الله: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص:40)، وقال: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) (الزخرف:55-56)، وقال: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس:92)، وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:25-29).
6ـ العاقبة لأهل الإيمان: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)، وقال موسى -عليه السلام- لقومه: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55).
وهكذا نجَّى الله المؤمنين وأورثهم الأرض كما وعدهم؛ فماذا كان حالهم بعد ذلك؟
هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.


صوت السلف
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-17-2026, 12:52 PM   #44
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (6)


بنو إسرائيل وفتنة العافية
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- مكَّن الله لبني إسرائيل بإهلاك الفراعنة الذين ساموهم سوء العذاب، وأورثهم الأرض مِن بعدهم: قال الله -تعالى-: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (الأعراف:137).
- شكر نعمة التمكين هو إقامة الدين: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7).
- ولذا كان موسى -عليه السلام- يحذرهم مِن الفتنة بعد التمكين: (قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129).
- ولكن... صبر بنو إسرائيل على المحنة والقهر أيام الفرعون، ولم يصبروا على امتحان العافية والحرية بعد زواله: قال الله -تعالى-: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35)، وقال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (الفرقان:20).

مِن مظاهر فتنة العافية في بني إسرائيل:
تنبيه: يمكن تقسيم الموعظة على أسبوعين، أو يكون القسم الآخر بعد الصلاة، وهو أنسب لاتصال الفكرة.
1- البطر على نعمة الله:
قال -تعالى-: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ . وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة:49-50)، وقال -تعالى-: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (البقرة:57)، وقال: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة:60).
- ملخص الآيات: يذكر -تعالى- منته وإحسانه على بني إسرائيل، بما نجاهم مِن أعدائهم، وخلصهم مِن الضيق والحرج، وأنه -تعالى- أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع، أنزل منًّا مِن السماء: وهو طعام طيب، والسلوى: وهو طير شهي، فيأخذون كفايتهم فيها بغير كلفة ولا تعب، وإذا كان الحر والشمس ظلل الله عليهم الغمام، وهو السحاب الذي سترهم، وأنبع بهم الماء، حيث ضرب موسى -عليه السلام- الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين تتفجر ماءً زلالاً، فيستقون ويسقون دوابهم، ويدخرون كفايتهم، وهذه نعم مِن الله وعطايا جسيمة؛ فما رعوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثم ضجر كثير منهم منها وتبرموا بها، وسألوا الذي هو أدنى! كما قال الله -تعالى- عنهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) (البقرة:61).

دروس وعبر:
- البطر حال أهل الغفلة، والشكر حال أهل اليقظة: قال الله -تعالى- عن قوم سبأ: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ:19)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).
- صور مشرفة مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: "يقضون ليلة فتح مكة في عبادة وصلاة - زهد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وقد فُتحت له الأمصار، وكان يقول: أخشى أن أكون مِن الذين قال الله عنهم فيهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20).
2- حنينهم إلى الوثنية:
قال الله -تعالى-: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأعراف:138-140).
- ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن بني إسرائيل، بعد خروجهم مِن البحر، وقد عاينوا مِن آيات الله وقدرته، ما دلهم على صدق ما جاء به موسى -عليه السلام- مِن أنهم مروا على قوم يعبدون أصنامًا، فكأنهم سألوهم: لمَ تعبدونها، فزعموا لهم أنها تنفعهم ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهال منهم صدقوا في ذلك، فسألوا نبيهم الكليم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبينًا أنهم لا يعقلون ولا يهتدون، ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الذي بيْن أظهرهم.

دروس وعبر:
- الحذر مِن استحسان ما عليه الكفار وأصحاب البدع والضلال ولو بقصد الخير: "العلمانية - التشيع - الصوفية - ... ": فعن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (سُبْحَانَ اللَّهِ، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
- التنبيه على الفرق بيْن الفريقين: فبنو إسرائيل كانوا مسلمين منذ زمنٍ طويل، وأصحاب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذين قالوا ذلك، كانوا حدثاء عهد بالإسلام "نحو شهر"، وبنو إسرائيل قالوا كفرًا صريحًا، ومسلمو الفتح وقعوا في التبرك الممنوع وهو ذريعة إلى الشرك على أحد القولين؛ فيكون شركًا أصغر، وعلى القول الآخر يكون شركًا أكبر.
3- عبادتهم العجل:
قال الله -تعالى-: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ . فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي . قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ . فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ . أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا . وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى . قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا . أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي . قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي . قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ . قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي . قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا . إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (طه:83-98).
- ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمر بني إسرائيل، حين ذهب موسى -عليه السلام- إلى ميقات ربه ويسأله موسى -عليه السلام- عن أشياءَ كثيرة؛ فعمد رجلٌ منهم يُقال له السامري، فأخذَ ما كانوا أخذوه مِن حُلي قبط مصر، فصاغ منه عِجلاً وألقى فيه قبضة مِن التراب، كان قد أخذها مِن أثر فرس جبريل -عليه السلام- حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه، فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقي. ويُقال: إنه استعمل عجلاً جسدًا. وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت مِن دبره، خرجت مِن فمه، فيخور كما تخور البقرة؛ فيرقصون حوله ويفرحون!
ولما رجع موسى -عليه السلام- إليهم، ورأى ما هم عليه مِن عبادة العجل، ومعه الألواح المتضمنة التوراة، ألقاها حين عاين ما عاين، ثم أقبل عليهم؛ فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح مِن أنهم تحرجوا مِن تملك حلي آل فرعون، وهم أهل حرب، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم.
ثم أقبل على أخيه هارون -عليه السلام- قائلاً: هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فأعلمتني بما فعلوا، فقال هارون: إني خشيت مِن تركهم وأنتَ قد استخلفتني فيه، فيزدادوا تفرقًا وضلالاً، وكان -عليه السلام- نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي حتى كاد بعضهم أن يقتله!
ثم أقبل موسى -عليه السلام- على السامري معنفًا، داعيًا عليه بأن لا يمس أحد، معاقبة له على مس ما لم يكن له مسه، ثم عمد إلى هذا العجل فحرقه ثم ذراه في البحر، ثم أخبرهم موسى -عليه السلام- بتوبة الله على مَن يتوب بشرط القتل، كما قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:54)، فقاموا إلى الذين عبدوا العجل فقتلوهم عن آخرهم (قصص الأنبياء لابن كثير، بتصرف).

دروس وعبر:
- أثر مخالطة الكفار والإقامة معهم "تأثر بني إسرائيل بالفراعنة في معبوداتهم على مرِّ الزمان": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
- إعمال قاعدة اختيار أخف الضررين بالحفاظ على الجماعة، ومحاولة إصلاح الفساد الناشئ: (قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).
4- نكولهم عن دخول الأرض المقدسة:
قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:20-26).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- أن موسى -عليه السلام-، لما انفصل عن بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قومًا جبارين، فأمر بني إسرائيل بالجهاد، والدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم مِن بيت المقدس، فإن الله كتبه لهم، ووعده إياه على لسان إبراهيم الخليل -عليه السلام-، فأبوا ونكلوا عن الجهاد، وخافوا مِن الجبارين، وقد عاينوا هلاك الفراعنة، وهو أكثر تجبرًا مِن هؤلاء وأشد بأسًا، وأصروا على النكول، فسلط الله عليهم الخوف وألقاهم في التيه، يسيرون ويرحلون ويذهبون ويجيئون، لا يعرفون قرارًا، مدة مِن السنين الطويلة، وكان بذلك الفراق لهم مِن موسى -عليه السلام-.

دروس وعبر:
- لا يصلح للجهاد مَن أمتلئ قلبه بالدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا) (متفق عليه).
- صورة مشرِّفة مِن أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: "أقوال الصحابة يوم مشاورة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم قبْل معركة بدر".

خاتمة:
- موسى -عليه السلام- يحج قبْل وفاته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: (أَيُّ وَادٍ هَذَا؟) فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ)، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: (أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟) قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي) (رواه مسلم).
وهكذا كانت هذه الأحوال مِن بني إسرائيل مقدمات على طريق كفرهم، وتحريفهم لما أٌنزل عليهم، وهو ما يظهر في كفرهم بالمسيح -عليه السلام-، كما يأتي قريبًا -إن شاء الله-.

امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-20-2026, 03:53 PM   #45
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس مِن قصة نبي الله أيوب -عليه السلام-


كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة وتعريف:

- تنبيه: تجاوزنا الترتيب الزمنى للأنبياء؛ نظرًا لطول قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-، والتي تأتي مع القصص الطوال -إن شاء الله-.
- تعريف بالنبي: هو أيوب بن موص الذي يمتد نسبه إلى نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ... ) (الأنعام:83- 84).
- كثر الأنبياء في بني إسرائيل؛ ولذا كان بعضهم يعالِج خللاً في القوم بعد نبي قبله، ولعل أيوب -عليه السلام- كان كذلك، مثال: يوشع بن نون كان يعالج الخلل الإيماني في قومه بعد موسى وهارون -عليهما السلام-.
أيوب -عليه السلام- وقصة الصبر الجميل:
- ذكر ملخص القصة ثم تلاوة الآيات: قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:41-44).
- ذكر تفاصيل القصة: قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح: "أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وصححه ابن حبان والحاكم مِن طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِلا رَجُلانِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَتَعْلَمُ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ، قَالَ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ اللَّهُ فَيَكْشِفُ عَنْهُ، فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لا أَدْرِي مَا يَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرِّجْلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ إِلا فِي حَقٍّ، قَالَ: وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا وَأُوحِيَ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، فَاسْتَبْطَأَتْهُ، فَلَقِيَتْهُ يَنْتَظِرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلاءِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا، قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ) (رواه أبو يعلى وابن حبان، وصححه الألباني)".
- وذكر المفسرون أن أيوب -عليه السلام- اُبتلي في كل شيء مِن أمر الدنيا؛ فابتلي بالمرض في كل بدنه، فلم يبقَ شيء سليم إلا لسانه، وابتلي بموت كل ولده فلم يبقَ منهم واحد، وابتلي بفقد ماله، فلم يبقَ له زرع ولا ضرع ولا درهم ولا مُلك، حتى جعلت امرأته تخدم الناس حتى تطعمه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

دروس مِن القصة:

1- الابتلاء سنة الله في أوليائه المؤمنين:
- البلايا والمحن للمؤمن تطهير وتزكية، ومنح وعطية: قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ) (رواه البخاري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). (يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).
- فليس البلاء علامة على هوان العبد على ربه كما ظن صاحب أيوب: فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟" قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
- وليست العافية مِن البلاء علامة على الكرامة، بل قد يكون الأمر على العكس: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا أُمُّ مِلْدَمٍ؟" قَالَ: (حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، قَالَ: (فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّدَاعُ قَطُّ؟)، قَالَ: "وَمَا هَذَا الصُّدَاعُ؟"، قَالَ: (عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِي رَأْسِهِ)، قَالَ: "مَا وَجَدْتُ هَذَا قَطُّ"، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
- البلايا والمحن تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وهكذا الطريق إلى الجنة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة:214). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (رواه مسلم).
2- فضل الصبر والرضا بقضاء الله:
- صبر أيوب على البلاء كان طلبًا للدرجات العلى: وهذا الصبر الاختياري أفضل مِن الصبر الاضطراري؛ فهو اختيار الأشد والعزيمة لمن علم مِن نفسه القدرة على ذلك، وعن عطاء قال: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي. قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ). قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا. (متفق عليه).
- الصبر أعظم عطية، وأجره يدل عليه: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) (متفق عليه).
- الصابرون أهل ذكر الله في الملأ الأعلى وأهل رحمته وهدايته: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:155-157).
- الصابرون أهل محبة الله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).
- الصابرون لهم أجر غير ممنون: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10).
- الصابرون هم الفائزون: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون:111).
3- فضل الدعاء:
- كان أيوب -عليه السلام- يدعو ربه صابرًا، ثم دعا ربه كالمقسِم على ربه لما كان أمر قومه مِن سوء الظن به؛ فلا يُتوهم أنه ترك الدعاء لمقامه، أو أن الله عليم بحاله وغني عن سؤاله -كما يظن بعض الصوفية!-، وقد كان النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي... ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ) (رواه البخاري).
- تأمل دعاء أيوب -عليه السلام- العظيم وما يحمله مِن الافتقار والتذلل؛ فاقتده: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء:83)، (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص:41).
- جاء عند بعض المفسرين: "فجزع أيوب مِن قولهما... وخرَّ ساجدًا، فقال: اللهم إن كنتَ تعلم أني لم أبت ليلة قط وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني. اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، فصدق مِن السماء وهما يسمعان. ثم قال: "اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتى تكشف عني".
- السميع المجيب يجيب الصادقين: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) (الأنبياء:84)، (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) (الصافات:75).
4- جزاء الصبر والتوكل على الله:
- جعل الله -تعالى- أيوب -عليه السلام- رمزًا للصبر: قال الله -تعالى-: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (ص:44). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ فِي بَلائِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً).
- المال الوافر كالمطر: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحَ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ. فَنَادَى رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لاَ غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ) (رواه البخاري).
- وكذلك امرأة أيوب -عليه السلام- لما أحسنت؛ جعل الله لها مِن أمرها مخرجًا: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2)، (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) (ص:44)، وكان حلف ليضربن امرأته مائة سوط، واختلف المفسرون في السبب.
5- أسباب معينة على الصبر:
1- تدبر ما ورد مِن آيات وأحاديث في فضل الصبر والرضا، والتصبر حتى يصبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه).
2- أن يعلم أن هذا قدر الله الذي قدره مِن قبْل خلق السماوات والأرض: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22).
3- أن ينظر إلى مَن هو أشد منه ابتلاءً؛ فتهون عليه مصيبته أو يقدر أنها كانت أشد مِن ذلك.
4- أن يقدر أن ذلك المكروه قد يكون هو الخير العظيم: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:216).
5- أن ينظر في النعم الباقية عنده ويقدر قيمتها: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34). وذُكر في ترجمة عروة بن الزبير -رضي الله عنه-: "أنه قد أصابت رجله الأكلة وهو في أثناء سفره، فجاء الطبيب ورأى قطعها فقطعت، ثم وهو في طريقه أخبر بموت ولده ركضته بغلة في إسطبل، فما زاد عن قوله: اللهم إنه كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة؛ فإن ابتليت فقد عافيت، ولئن أخذت فقد أبقيت" (مواقف إيمانية).
فاللهم إنا نسألك الثبات على الحق، والرشاد في الأمر.

امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-23-2026, 05:56 AM   #46
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (1)

مريم -عليها السلام- "الولادة والاصطفاء"
كتبه/ سعيد محمود


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


مقدمة:
- الإشارة إلى استكمال سلسلة مواعظ "دروس مِن قصص الأنبياء -عليهم السلام-"، وأهمية تناول قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- لبيان العقيدة الإسلامية فيه، وأنها العقيدة الوسطية بيْن إفراط النصارى، وتفريط اليهود وغيرهم.


1- تمهيد: جملة مختصرة للعقيدة الإسلامية في عيسى -عليه السلام-:
- هو عبد الله الله ورسوله، المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران، آخر أنبياء بني إسرائيل، بُعث إليهم بالإنجيل مصدقـًا للتوراة.
- الإيمان به ركن لا يصح الإسلام بغيره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) (متفق عليه).
- تعتبر ولادة المسيح معجزة إلهية، حيث ولد بلا أب، وذلك على الله يسير.
- رفع الله المسيح -عليه السلام- إليه في حفظه، لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، وإنما قتلوا مَن أُلقي عليه شبهه.
- ينزل المسيح في آخر الزمان، متبعًا للشريعة الإسلامية، ويقود المسلمين في حرب الدجال واليهود.
- يمكث المسيح في الأرض مدة مِن الزمان، ويحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون، ويصلون عليه.


2- مجمل القصة في القرآن:
- تعتبر سورة آل عمران أكثر سور القرآن تناولاً للقصة، ويرجع ذلك إلى قدوم وفد نصارى نجران على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العام التاسع، فجعلوا يذكرون ما هم عليه مِن التثليث في الأقانيم، ويدًعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، فأنزل الله صدر السورة إلى ثلاثة وثمانون آية منها في الرد عليهم، تقرر أن عيسى -عليه السلام- عبد مِن عباد الله، خلقه وصوره في رحم أمه، وأنه خلقه مِن غير أب كما خلق آدم مِن غير أب وأم، وقال له كن فكان، وبيَّن -تعالى- أصل ميلاد أمه مريم -عليها السلام-، وكيف كان مِن أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى -عليه السلام-، بل تحداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمباهلة على ذلك، فامتنعوا وخافوا.


3- ولادة مريم الصديقة -عليها السلام-:
قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37).
- ملخص الآيات: يذكر -تعالى- أنه اصطفى آدم -عليه السلام-، والخُلص مِن ذريته المتبعين شرعه الملازمين لطاعته، ثم خصص فقال: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)؛ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطيب "وهم آل عمران"، والمراد بعمران هذا والد مريم -عليها السلام- مِن سلالة داود -عليه السلام-، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكان زكريا -عليه السلام- نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم -عليها السلام-، وكانت أم مريم لا تَحْمَل لكبر سن أو نحوه، فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملتْ لتجعلن ولدها محررًا، أي: حبيسًا في خدمة بيت المقدس، فحملت بمريم -عليها السلام-: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في خدمة بيت المقدس، فاستجاب الله لها في هذا كما تقبل منها نذرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (متفق عليه).
فقامت أمها على رعايتها حتى بلغتْ مِن العمر ما تقدر به على الخدمة في بيت المقدس، فسلمتها إلى العبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم، فتنازعوا فيها أيهم يكفلها، فأراد زكريا -عليه السلام- أن يستبد بها دونهم مِن أجل أن زوجته أختها، فاقترعوا بالأقلام، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، فأتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا مِن المسجد ليدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما عليها مِن سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها مِن الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا -عليه السلام- كلما دخل عليها موضع عبادتها، يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: (أَنَّى لَكِ هَذَا) فتقول: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).


4- دروس وعبر:
1- فرْقٌ كبير بيْن الأماني العالية والأماني الدنية "أمنية أم مريم - أمنيات السلف": (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)، وروى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لأصحابه يومًا: "تَمَنَّوْا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لَؤْلُؤًا أَوْ زَبَرْجَدًا أَوْ جَوَهِرًا، فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ". (أين هذا مِن الأماني الدنية فضلاً عن الخسيسة عند كثير مِن الناس؟! فكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده عالمًا أو داعيًا إلى الله؟ وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده طبيبًا أو مهندسًا ولو كان بعيدًا عن الدين والطاعة؟! وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده لاعب كرة أو ممثلاً أو مغنيا؟!).
2- بطلان بدعة الرهبانية "زكريا كان له زوجة وولد - والد مريم كان إمام بيت المقدس - أم مريم تدعو لذرية مريم": (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36)، وقال -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27).
3- إنصاف المسلمين لمريم -عليها السلام- وقد أساء إليها مَن هي منهم نسبًا: قال الله -تعالى- عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء:156)، وقال -تعالى- عن النصارى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)، وقال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75)، وقال في كتاب المسلمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42)، وقال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك عيسى ابن مريم، وعلى أمه الصديقة البتول مريم، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، واجمعنا بهم في جنات النعيم، مع نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الأنبياء والمرسلين.
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 08-25-2026, 06:18 AM   #47
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (2)
ولادة المسيح -عليه السلام-



كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- إشارة مختصرة إلى ما تقدم في المرة السابقة، والذي تختصره الآيات: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37)، (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42).

1- قصة الولادة:
قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا . قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا . قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا . قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا . فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا . فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (مريم:16-26).
- ملخص الآيات: تقدَّم أن مريم -عليه السلام- لما جعلتها أمها محررة تخدم في بيت المقدس، وأنه كفلها زوج أختها -نبي ذلك الزمان- زكريا -عليه السلام-، وأنه أتخذ لها محرابًا، وهو المكان الشريف مِن المسجد لا يدخله أحدٌ عليها، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة، فلم يكن لها نظير في فنون العبادات، وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها، وبأنه سيهب لها ولدًا يكون نبيًّا مؤيدًا بالمعجزات، وأنه يكون مِن غير أب؛ فتعجبت مِن ذلك! فأخبرتها الملائكة أن الله قادر على ما يشاء، فاستكانت لذلك وسلمت لأمر ربها، وعلمتْ أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال مِن غير تدبر أو تعقل.
وكانت إنما تخرج مِن المسجد في زمن حيضها أو لبعض شأنها، فبينما هي يوم خرجت، وانفردت وحدها شرقي المسجد إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل -عليه السلام- في هيئة بشرية، فلما رأته خافته، وقالت: أعوذ بالله منك إن كنت ممن يتقي الله، ويبالي بالاستعاذة، فأخبرها الملك أنه ليس مِن البشر، ولكنه ملك بعثه الله إليها ليهب لها ولدًا زكيًّا، قالت: كيف يكون لي ولد ولستُ ذات زوج، ولا أنا ممن يفعل الفاحشة، فأجابها الملك بأن ذلك أمر الله قضاه، وهو سهل عليه ويسير لديه، فإنه على ما يشاء قدير، ويكون مِن ذلك آية للناس ودلالة على عظيم قدرة الله الذي نوع في خلقهم، وأن هذا الغلام سيكون رحمة للعباد بأن يدعوهم إلى عبادة الله وحده في صغره وكبره، ثم نفخ الملك في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت عن فورها، كما قال الله -تعالى-: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا)، وما هو إلا أن حملت به فوضعته، وقد ألجأها الطلق إلى جذع نخلة وعند ذلك قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا)، وذلك أنها علمتْ أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها، مع أنها كانت مِن العابدات وهي مِن بيت النبوة والديانة، فعند ذلك أنطق الله الغلام، فقال: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) وهو النهر الصغير (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) ولم يكن ذلك زمان التمر، ولكن خرق الله لها العادة إكرامًا وتثبيتًا، ثم قال لها: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، أي: قولي لهم ذلك بلسان الحال والإشارة، وكان ذلك في شريعتهم، أما في شريعتنا؛ فيُكره للصائم صمت يوم إلى الليل.

دروس وعبر مستفادة:

1- ولادة المسيح أمر عجيب عند الناس، لكنها عند الله أمر يسير؛ فهناك ما هو أعجب في الخلق: قال الله -تعالى-: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ) (النازعات:27)، وقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1)، وقال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران:59).
2- ورع الصالحين يمنعهم مِن أخذ المشروع لهم في الدين إذا كان فيه شبهة عند الجاهلين: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (مريم:23)، وقال -تعالى- عن نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) (الأحزاب:37).
3- جواز تمني الموت عند خوف الفتنة في الدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (متفق عليه).

2- محنة مريم -عليها السلام- مع قومها:
قال الله -تعالى-: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا . يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (مريم:27-37).

- ملخص الآيات:
دلت الآيات على أنها حملت ولدها بنفسها وأتت به قومها تحمله، فلما رأوا ذلك قالوا: (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)، والفرية هي المنكرة العظيمة مِن الفعال والمقال، ثم قالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ)، وكان لها أخ اسمه هارون، وكان مشهورًا بالعبادة والصلاح والخير، ولهذا قالوا: (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، أي: لستِ مِن بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم؛ لا أخوك، ولا أبوك، ولا أمك؛ فاتهموها بالفاحشة العظمى، وربما اتهموا بها بعض الصالحين، كزكريا النبي -عليه السلام-، وابن خالتها يوسف النجار.
فلما ضاق الحال وانحصر المجال، وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبقَ إلا الإخلاص والاتكال (فَأَشَارَتْ إِلَيْه)، أي: خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه، وما تبغون مِن الكلام لديه، فعندها قالوا: (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء، فعندها نطق الرضيع فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) معترفًا بالعبودية، تنزيهًا لله عن قول الظالمين الذين زعموا بعد ذلك أنه ابن الله (آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون، فإن الله لا يعطي النبوة لولد زنا، وأنه مبارك حيث يحمل دعوة التوحيد أينما كان. (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ) وظيفة العبودية على الجوارح. (وَالزَّكَاةِ) وظيفة العبودية على المال. (مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي)، لتأكد حقها عليه. (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أي: لستُ بفظ ولا غليظ. (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) أي السلامة عليَّ مِن الآثام والشرور في كل مراحل وجودي. (ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) ثم ختمت الآيات بتقرير عبودية المسيح خلافًا لمَن عبدوه وجعلوه ولدًا لله -عز وجل-: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

دروس وعِبَر مستفادة:

1- الغلو في الأنبياء والمرسلين والصالحين، طريق الشرك على مرِّ الزمان؛ ولذلك كانت وظيفة الأنبياء حماية جناب التوحيد: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، وعن أنس -رضي الله عنه- أن ناسًا قالوا: يَا مُحَمَّدُ يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ، لَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ) (متفق عليه).
2- المسيح -عليه السلام- أعظم مَن تكلم في المهد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاَثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ، ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ، زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ) (متفق عليه).
فائدة: رجح الأمين الشنقيطي في أضواء البيان أن الذي تكلم مِن تحتها هو ابنها عيسى -عليه السلام-، لقرينتين:
الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو عيسى -عليه السلام-.
الثانية: أنها لما جاءت أشارت إليه ليكلموه، قرينة على أنها عرفتْ قبْل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة.

خاتمة:

ولادة المسيح عيسى -عليه السلام- بلا أب، أو كونه تكلم في المهد، أو غير ذلك مِن المعجزات التي أيده الله بها، لا تسوغ الغلو فيه، وزعم الألوهية له، ولقد أيد الله المسيح -عليه السلام- بكثير مِن الآيات والمعجزات في مواجهة أعدائه المكذبين الذين انتشر فيهم السحر وعلم الطب، وهذا ما يظهر معنا عند الحديث عن دعوته -عليه السلام- في قومه.
وهو ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 03:07 PM   #48
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 132

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (3) دعوته ومعجزاته ورفعه

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- الإشارة إلى ما تقدَّم باختصار: (ولادة المسيح ومحنة مريم -عليها السلام- مع قومها - تكلم المسيح في المهد بالعبودية والتوحيد).
- ما يتضمنه حديث اليوم إجمالاً: (دعوة المسيح وما أيده الله به مِن المعجزات، وموقف بني إسرائيل منه، وكيف أنهم حاولوا قتله؛ فنجاه الله منهم ورفعه إليه، وما ترتب على ظنهم القتل والصلب له عندهم وغيرهم).

1- دعوته -عليه السلام-:
- دعوته إلى التوحيد والتبشير بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف:6).
- حفظ الله له وتأييده بالمعجزات: قال الله -تعالى-: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (المائدة:110).
- تكذيب عامة بني إسرائيل لدعوته (جمهور اليهود): قال الله -تعالى-: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) (المائدة:110)، وقال: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) (الصف:14).
- تكوينه -عليه السلام- لجماعة صالحة تحمل دعوة الله إلى الناس وتنصر دينه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) (الصف:14). قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران:52).
- تبشيره -عليه السلام- بنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وتحذيره بني إسرائيل مِن انقطاع النبوة فيهم مِن بعده: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف:6).
- درس وعبرة: معجزة كل نبي في زمانه بما يناسِب أهل ذلك الزمان، فعيسى -عليه السلام- بُعث في زمان انتشار الطب والحكماء؛ فأرسل بالمعجزات التي لا يستطيعونها. وموسى -عليه السلام- بُعث في زمن كثُر فيه السحرة الأذكياء؛ فبُعث بآياتٍ بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- بُعث في زمن الفصحاء البلغاء؛ فبعثه الله بالقرآن العظيم بلفظه المعجز، وقد تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سورٍ مِن مثله، أو بسورةٍ واحدةٍ؛ فما استطاعوا.

2- رفعه -عليه السلام-:
- اليهود بعد التكذيب يمكرون بالمسيح -عليه السلام- ويسعون في قتله: فحرضوا عليه ملك اليونان الذي كان يعبد الكواكب بأن المسيح -عليه السلام- يفسد الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، حتى أمر الملِك بقتله، ولكن... قال الله -تعالى-: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (آل عمران:54-55).
- الله -عز وجل- يرفع نبيه إليه في حفظه إلى أن يعود قبْل يوم القيامة: قال الله -تعالى-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا . وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (النساء:155-159).
- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما أراد الله أن يرفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً منهم، فخرج عليهم مِن عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب مِن أحدثهم سنًّا فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب، فقال: أنا. فقال: أنتَ هو ذاك؛ فألقي عليه شبه عيسى -عليه السلام-، ورُفع عيسى مِن روزنة في البيت إلى السماء. وجاء الطلب مِن اليهود؛ فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر بعضهم بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وقالت فرقه: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء هم المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بُعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-" (رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقال ابن كثير: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم).
- سؤال و جواب: ربما يسأل سائل ويقول: لماذا لم يرفعه الله دون قتل أحد فيكون في ذلك نجاة وآية وحجة على المكذبين؟!
والجواب: هو نفس الجواب على كثير مِن أقدار الله -عز وجل-، مثل: لماذا خلق الله إبليس؟ لماذا جعل إخراج آدم -عليه السلام- مِن الجنة بأكل الشجرة؟ لماذا خلق الله عيسى -عليه السلام- مِن أم بلا أب؟ وهكذا... فإن هناك حكم يريدها الله -عز وجل- مِن ذلك، ومنها: الابتلاء والامتحان، والتدافع بيْن الناس؛ ليميز الله الخبيث مِن الطيب.

3- أعظم الدروس: بيان أن الله منزه عن الولد:
- الآيات البينات في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقرر ذلك وتبيِّن كفر وضلال مَن اعتقد لله الولد: قال الله -تعالى-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:88-93)، وقال -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا . لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) (النساء:171-172)، وقال -تعالى-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:72-75)، وقال -تعالى-: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ الوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (متفق عليه).
- لوازم هذه العقيدة الفاسدة، وما صاحبها مِن افتراءات: (الله يضحي بنفسه -تعالى- لتخليص البشرية مِن خطيئة آدم، أو بولده عند طائفة منهم! - عدم توبة آدم - وصف الله بالظلم إذ يحاسب البشرية كلها على خطأ آدم - كون الأنبياء والمرسلين جميعًا أصحاب خطيئة ولا عبرة بدعوتهم الخلق للتوبة والعمل الصالح - تهوين المعاصي والذنوب والكبائر، بل والكفر في نفوس الناس بعد المسيح؛ لأنهم صاروا في نجاة مِن خطيئة آدم - ... ).
- المسيح يتبرأ مِن عابديه يوم القيامة: قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:116-118).

خاتمة:
لقد رفع الله -تعالى- إليه عبده ورسوله عيسى -عليه السلام- حتى يكون الزمان الذي ينزل فيه المسيح -عليه السلام- إلى الأرض فيملأها قسطـًا وعدلاً، ويقيم شريعة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فمتى يكون ذلك؟
هذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
من, القصص, دروس
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من بدائع القصص النبوي الصحيح ابو الوليد المسلم ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 0 02-28-2026 12:13 AM
دروس وعبر من صحيح القصص النبوي كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 4 09-11-2024 08:02 AM
أهمية القصص فى القرآن ام هُمام ملتقى القرآن الكريم وعلومه 62 05-12-2017 07:05 PM
القصص النحوية ( عائلة الكلمة ) أبو ريم ورحمة ملتقى اللغة العربية 2 02-17-2013 09:32 PM
القصص في السنة Abujebreel قسم السيرة النبوية 7 01-24-2012 01:05 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009