استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ الثقــــــافـــة و الأدب ۩ > ملتقى الطرائف والغرائب
ملتقى الطرائف والغرائب المواضيع المتعلقة بالطرائف والغرائب والألغاز و المسابقات
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 09-09-2026, 01:47 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي رأس الحربة حرباءة

      

رأس الحربة حرباءة (1/3)

رحاب بنت محمد حسان
الحمدُ لله، كافٍ عبده، حافظ كتابه، ناصِر دينه، والصَّلاة والسلام على سَيِّد ولد آدم، فَتَحَ اللهُ به أَعْينًا عُميًا، وقلوبًا غلفًا، وآذانًا صُمًّا، وبعدُ:

قد تشعر أحيانًا، وفي خِضَمِّ زحام الدنيا ومشاكلها وأزماتها, أنَّكَ تَتَمَنَّى لو تمتلك ساعة توقُّف؛ لتمنحَ نفسك نصف ساعة للتَّدَبُّر والتَّفَكُّر، تخرج عن عالمك الصغير، ومشاكلك الحياتيَّة الرُّوتينيَّة، تبحث عن شيء ينقصك، تهرب منه، ولكن لا يكاد يُرَاودكَ الحنينُ إليه، تجتهد بعيدًا عنه في حلِّ جزئيات همومكَ، ثم لا تلبث أن تكتشفَ أنَّ الحلَّ حتمًا فيما تهرب منه.

إنَّه الحنين لِعِزَّة هذه الأمَّة، وشرفِ الانتماء إليها، إنَّه الحنين إلى قوةٍ لم نتذوقْ منها إلاَّ ما سمعتْه آذاننا عنها في الماضي, ولم نرَ مِن بسطها ونفوذها إلاَّ ما تُرك لنا مِن بساط الأرض تحت أَرْجُلِنا, فَبِتْنا في صراعٍ بين ميراثٍ تحت أيدينا، وبين هُمُوم تولِّي مسؤوليته, بين إعجاب بالماضي وصَدْمة بالواقع.

إنَّه الحنين إلى مجدٍ تليدٍ، وكرامةٍ أَلانَتْ الحديد، وحضارة خَضَعَ لِعِلْمها ونورها العدوُّ قبل الصديق، إنه حنين المجد، الذي لا يزال يَرْثاه الشعراء, ويَبْكِي على أَطْلاله السياسيونَ؛ لِتتوقفَ أقلامُهم دومًا على مُجَرَّد تحليلات لِمَواقف، وبَسْطٍ لِظواهر، تاركينَ جسد الأمة ثامدًا في الطريق؛ لِتَسْتنفذَ جراحه دماءَه, دون أن يعرضوا علينا الوسيلة لإِسْعافِه, فصارتِ الأمة تمامًا كقافلة النَّمل التي سُكب عليها قطرات منَ الماء فجأة، فَفَرَّتْ يمنةً ويَسْرة، بصورة لا تصفها إلاَّ بالعَشْوائيَّة، وقِلَّة الحيطة، ويا ليتنا كنا كالنمل في سرعة تدارُك أمرِه، وقدرته اللَّحظيَّة على استعادَة توازُنه، وضَبْط صَفِّه، فواللهِ لَفُزْنا بالدارينِ، ويا ليت شعري!

ولا أريد أن أتَحَدَّث بنفسِ الطريقة التي أنقدها، وليس مقصدي البُكاء على الأطلال، ولا شحن مُحَرك الهزيمة النفسيَّة - التي حاقَتْ بالأمة - كيلاً جديدًا؛ ولكنني سريعًا أُعَرِّج على الظاهرة، ثمَّ أحاوِل أن أجد التفسير والحلول اجتهادًا.

إنَّها ظاهرة ترتبط ارتباطًا ضمنيًّا مع ما ذكرته مِن حنينٍ لماضي الأمة المفقود، إنها ظاهِرة العشوائيَّة في التفكير، والتبايُن في رُدودِ الأفعال، والتَّخَبُّط، فعلى رأس كلِّ صفعةٍ تجد المسلمينَ كالبحر الهائج، يَتَمَنَّى أن يُحَطِّمَ كل ما هو أمامه، حتى ولو كان ذلك مِن محتواه, ثورة عارِمة دون تخطيط، الكلُّ يريد أن يفعلَ شيئًا، ولكن بطريقتِه الخاصَّة، وعلى شروطه.

ثم يعود البحر لِصفائه الأحمق، وسَذَاجتِه المعهودة سريعًا، عقب استنفاذ طاقة الرِّياح التي أثارَتْه، وهكذا ثورة، ثم هدوء ساذج، ثم ثورة، ثمَّ هُدُوء، رغم أنَّ الصفعات مُستَمِرَّة، وبِاطِّرادٍ وبتخْطِيط مُتْقَن، ولعلَّ تفسيري لهذا - حسب رأيي - أنَّنا نُواجِه ما يُشبه بِحَرْب العِصابات، التي تُريد أن تخترقَ المُدن، فتدخل البيوت والطُّرقات، بِطُرُقٍ متعددة، وأساليبَ شَتَّى، تَكْمُن قوتها في ضعفها، وتسربها خفية، وتلوُّنها، واضطراب ذبذبات نُفُوذها إلى مراكز قوى الأمَّة، كلٌّ حَسَب قوة الديار، ومدى استِحكام الأقفال فيها.

وأشَدُّ ما يُمَيزها تعدُّد الأَقْنِعة المُعَدَّة للاستخدام، مما يزيد حالة التَّخَبُّط في قُوى المقاوَمة، وصعوبة تشخيص العَرْض في كثيرٍ منَ الأحيان.

إنها أشبة بالحرباءة في قدرتها على التَّلَوُّن؛ لإدخال الشَّكِّ والتَّخَبُّط على قلب عدوِّها؛ ليسألَ في ريبة: أهي هي أم شيء آخر؟

ولاتَ حينَ مناصٍ أن تَحَوَّلَتِ الحرباءة لِحَرْبة مسمومةٍ، تفُتُّ بالجسد الثامد.

وكي لا أطيل؛ أتَكَلَّم عنِ: الحرب النَّفسيَّة، والدعاية السِّياسيَّة على الإسلام، فالغربُ يعتبر الدعاية السِّياسيَّة جزءًا منَ الحرب؛ بل إنه عِلْم عندهم، له مُخْتَصِّيه وَهَيْآتُه، فما يُمَارسه أعداؤنا الآن كانوا يمارسونه مِن قبلُ في الحرب العالمية الثانية بما يُسَمَّى بالدعاية السَّوداء؛ أي: الدعاية التي تحاول إخفاء هُوِيَّتها.

باختصار شديد: نَشْر ذُيُول لها في الدول المعادِية، تَتَحَدَّث بِلُغتِهم؛ لِبَثِّ الهزيمةِ النَّفسيَّة في رُوح الشعب، وذلك بإنشاء مَحَطَّاتٍ إذاعيَّة داخل الدول المُعادِية، تَتَكَلَّم بِلُغَتهم لتفي بالغرض المذكور، واليوم؛ فهذه الذيول تعتمد منَ الدرجة الأولى على الدعاية الإعلاميَّة المُختلِفة، والتي لا تقتصر فقط على المحطَّات الإذاعيَّة؛ لأنها لم تَعُد الوسيلة الأولى لِنَشْر الخَبَر، ولم يَعُد هناك احتياجٌ لأنْ تكونَ مِن داخل الدول المعادِية، فالعالَم تَقَارَبَتْ بُلْدَانه، والإنترنت يَفِي بالغرض، وفي رأيي أنَّ الدعاية السَّوْداء بَلَغَتْ مَبْلغًا في الدول العربيَّة غير مسبوقٍ، والحرب الإعلاميَّة أصْبَحَتْ على أشدِّها، خاصَّة اليوم على شبكة الإنترنت، فمنَ الجرائم الأخلاقيَّة إلى الانحرافات العقديَّة، إلى بَثِّ رُوح الهزيمة، والإحباط، واليأس، في نُفُوس المسلمين، إلى حربٍ صريحةٍ على الثوابِتِ، بألوان الطيف.

وسواء اتَّفَقْنا على المتَّهم أمِ اخْتلفنا، وسواء اتَّفَقَتِ الأَكَلَةُ على تقسيم القَصْعة أم أن خطتهم تنفذ بانْسيابِيَّة وعلى الفطرة، فإنَّ هذا ليس مَقْصِدي؛ ولكِنَّنا لا بُدَّ أن نَتَّفِقَ على أنهم يُمارِسُون علينا كل يوم حروبًا إعلاميَّة، وفي مقتل؛ لِيُجَرِّبوا ردَّة فِعْلنا تارة، ويدربونا تارةً أخرى على الهزيمة والاستسلام، يستسلم كل يوم مَن يستسلم، ويبقى منفعل مَن يبقى، والبعض منَّا لا تزال ساعة التَّوَقُّف عنده لا تعمل، مُغرقًا في الجزئيات، وغير مُدركٍ للواقع، ولكن اليوم لَيْسَ مثل غدٍ، والانتباه لهذه الحرب أمرٌ لا بُدَّ أن يوضعَ في الحُسْبَان، حتى لا نقعَ ضحيَّة لها، أو جندًا مِن جنودها، ونحن لا ندري.
وصلِّ اللهُمَّ على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.







اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من أساليب التربية في القرآن الكريم ، التفكير المنطقي (المحاكمة العقلية).
* معنى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
* الحق أحق أن يتبع
* تدبر آية من القرآن
* 19 وصية قرآنية لخير أمة أخرجت للناس
* يزيد بن معاوية بين روايات المغرضين والمنصفين
* الرسول المبارك صلى الله عليه وسلم

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2026, 01:50 PM   #2

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

رأس الحربة حرباءة (2/3)

رحاب بنت محمد حسان


الدعاية وحرب الثوابت

كانت مقالتي السابقة "رأس الحربة حرباءة" (ج1) عن ظاهرة التَّباين في رُدود الأفعال، التي وصلت عند البعض إلى السلبيَّة المطبقة، وأرجعت السبب إلى الدعاية السياسيَّة، وأستكمل في هذا الجزء؛ لأوضح العلاقة بينها وبين الإعلام، ومن ثَمَّ مدى تأثيره على توجيه العقول، وما كان من خطأ فمن نفسي أو الشيطان، وما كان من توفيق فمن الله وحدَه - عزَّ وجل.

أوَّلاً:

الدَّعْوى – لغةً -:

وفي الحديث: "كنا في غزاة - قال سفيان: يَرَوْن أنَّها غزوة بني المصطلق - فكَسَعَ رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال المهاجري: يا لَلْمهاجرين، وقال الأنصاري: يا لَلأنصار، فسمع ذلك النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((ما بالُ دعوى الجاهليَّة؟!))، قالوا: رجل من المهاجرين كَسَعَ رجلاً من الأنصار، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((دعوها؛ فإنَّها مُنْتِنَة))[2].

وفي الحديث الشريف قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((دعاة إلى أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، فقال: ((هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: فما تأمرني إنْ أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، قلت: فإنْ لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة، حتَّى يدركك الموت وأنت على ذلك))[3].

إذًا؛ فالدعاية والدعوة في المعني المطلق، إمَّا أنْ تكون لخير أو شرٍّ، وليس دومًا الدعوة تكون للخير.

الدعاية – اصطلاحًا -:
هي - من المنطلق الغربي - عمليَّات نشر معلومات - حقائق أو مبادئ، أو مُجادلات أو إشاعات، أو أنصاف حقائق أو أكاذيب - وَفْقَ اتِّجاه معين من جانب فرد أو جماعة، في مُحاولة منظمة للتَّأثير في الرأي العام، وتغيير اتجاه الأفراد والجماعات، باستخدام وسائل الإعلام والاتصال بالجماهير[4].

وأرجئ تعريف الدَّعوة من منظور إسلامي لوقتها - إن شاء الله.

أمَّا الإعلام – لغة -:
الإخبارُ، وأعلمَ بالشيءِ: أي: أبلَغَ عنه وأخبرَ به، ومنه التعليمُ؛ أي: تبليغُ المعلومات.

- اصطلاحًا:
هو الإخبارُ بالأحداثِ، ونشرُ المعلوماتِ والمعارفِ، وانتقاؤُها والتدقيقُ في صِحَّتِها؛ بناءً على وجهةِ النَّظر في الحياة[5].

والإعلام في أوضح تعريفاته المتعرية عن الزَّيف هو: فَن الانتصار بدون حرب[6].

وإذا كانت الدعاية هي عمليَّة ترويج إمَّا لفكر أو بضاعة فإن الوسيلة، في كلتا الحالتين هي الإعلام[7].

وللدعاية أنواع مُختلفة أبرزها: الدعاية البيضاء، والدِّعاية السوداء، والدعاية المضادة.

الدعاية البيضاء:

وتكون مكشوفة سافرة ظاهرة واضحة الهدف وبنَّاءة، ويُفصح فيها الداعية عن نفسه، ويوضح غرضه، ويدرك الناس أنَّها تؤثر فيهم[8].

الدعاية السوداء المقنعة:

وتكون مستترة خفيَّة الغرض، وتعمل على رفع الشِّعارات البَرَّاقة، والكلمات الرنانة، مثل: الديمقراطية، والحرية، والعدالة، وتفتعل التهويل والمبالغة، وتتعمد اختيار جانب من الحقائق يخدم غرضها دون ذكر باقي الحقائق، وتلجأ إلى الاختلاق، وتشويه وتغيير الحقائق والأرقام، وتستخدم التَّكرار حتَّى يؤمن الناس بالفكرة، حتَّى وإن كانت كذبًا[9].

أما الدعاية المضادة:

تقوم على أساس تمييز الدِّعاية الخاطئة وكشفها ومُهاجمتها بطريقة مُباشرة، وتهدف إلى تجنب الوقوع تحت تأثيرها؛ لكونها ضدَّ إرادة الأفراد والجماعات، ومن أساليبها: دراسة وتحليل الدِّعاية، ومعرفة أساليب الداعية وحيله المختلفة، والقيام بالدِّعاية المُضادة التي تقدم للنَّاس معتقدات واتجاهات مضادة لتلك التي يُريدها الدَّاعية، والتصرُّف وعمل شيء فيما يتصل بالحاجات والمطالب المسؤولة عن جعل الدِّعاية الخاطئة مقبولة[10].

وفي رأيي: أن الدَّعايا المضادة أحيانًا تتحول إلى سوداء، بدون أن يشعر الداعون إليها والمعلنون عنها؛ وذلك حين يتعمَّد مُروِّجو الدعايا السوداء إطلاق فكرة بطريقة مُعينة، تُثير استفزاز صاحب مبدأ الدِّعاية المضادة، والذي بدوره ينقل تلك الفكرة السَّوداء بطريقة غير صحيحة كأنَّه مُروج لها، وليس ضِدها؛ ولتقريب الفكرة هي تمامًا حينما يفشل ما يسمَّى في الطب بالمصل في القيام بدوره؛ وذلك لقلة مناعة الجسم، فقد يتحوَّل في لحظة من بكتريا كامنة تفيد الجسم إلى أخرى نشطة، ولكن ضِدَّ الجسم.

وأنا هنا لا أنفي أهمية تواجد تلك الدَّعايا المُضادة في الإعلام الإسلامي، ولكن - في رأيي- أعتقد أنَّها ينبغي استخدامها بشكل عِلمي وصحيح؛ حتَّى لا نصبح مُروِّجين لأعداء الدين.

عن أبى الطفيل قال: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمَلَ بالبيت ثلاثةَ أطواف، ومَشْيَ أربعة أطواف، أسُنَّة هو؛ فإنَّ قومك يزعمون أنه سنة؟ قال: فقال: "صَدَقُوا وكَذَبوا"، قال: قلت: ما قولك: صَدَقُوا وكَذَبوا؟ قال: "إن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قدم مكة، فقال المشركون: إنَّ مُحمدًا وأصحابه لا يستطيعون أنْ يطوفوا بالبيت من الهزل، وكانوا يحسدونه، قال: فأمرهم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ يرملوا ثلاثًا، ويمشوا أربعًا"[11].

من هنا نجد أنَّ مفهوم الدِّعاية عند الأعداء مفهوم أوسع وأشمل مما نحن عليه في الإسلام، ولكن وسعه للأسف في استيعابه لمكامن الشر والشائعات، ولكن ما وراء هذه الدعاية؟ وهل هناك فِكْرٌ وتوجيه مُحدد يبغيه مثيرو تلك الدعاية السياسية؟ هل هناك أهداف يريدون الوصول إليها؟

مُجددًا أحب أن أوضح فكرتي في إيماني بحديث النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((توشك أن تتداعى إليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها))، جعلني أرجئ بَحثي عن المتهم مَن يكون؛ لنركز هذه المرَّة على الجريمة ذاتِها، وما الهدف منها وكيفية مواجهتها؟

وحينما يكون الهدف ثمينًا لا بُدَّ أن نتأكد أن الوسائل والأساليب التي يستخدمونها ستكون أيضًا غالية، وحينما يكون الهدف هو الوصول إلى هُويتنا وعقيدتنا، فإنَّنا ينبغي أن ننتبه لتلك الأفكار التي يريدون إيصالها إلينا كأنَّها مُسلَّمات ينبغي حتمًا أن يسجد فكرُنا لها، وتنهار عقيدتنا تحت بلاطها؛ ليستسلم الوعي النقدي، والعمل العقلي لنا تحت تأثير تخديرهم الإعلامي.

قانون الإزاحة وحرب الثوابت: إن من أهم هذه المسلمات التي استسلم لها الكثير من المسلمين كأنَّها أصبحت تشكل أصلاً من أصول ثقافتنا وعقيدتنا - ما أسميته بحرب الثوابت الإعلامية، والتي بدورها تؤثر في إزاحة الثوابت الإسلامية - إن صحَّ التعبير - تلك التي تعد أساسًا محوريًّا في تكوين شخصية الفرد المسلم، والتي تؤثر بدورها على انتمائه وولائه وسلوكه وحياته بشكل عام وخاص، وحينما تعلن الحرباءة انتصارها على هذا الثغر، فإنَّها تريد أن توصل لنا رسالة قويَّة بأنَّ عقولكم قد تحولت إلى كُتل من رمال في مهبِّ الريح؛ يقول الله - عزَّ وجل -: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204-206].

وقال الله - عزَّ وجل -: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4].

وكما يقال: القلب هو الملك، وملك قوي وجيش ضعيف خيرٌ من جيش قوي وملك ضعيف؛ فتلك الحرباءة تلعب على القُلُوب التي نعقل بها في تأصيل الثَّوابت الإعلامية بقانون أشبه بما يسمَّى في الفيزياء بقانون الإزاحة؛ فلو أردنا أن نشاهد أكبر تجربة معمليَّة لهذا القانون على وجه البسيطة؛ فلنلاحظ جيِّدًا ما يحدث في وسائل الإعلام المختلفة بدءًا بالوسائل الأكثر انتشارًا - المرناة والشبكة العنكبوتية والوسائل المرئية بشكل عام - وحتَّى المواد الثَّقافية والتعليمية فنجدها مُلوثة بهذا الدَّاء أو القانون.

كذلك يمتد انتشاره إلى الفئات البسيطة من الأميين ذوي الجهل البسيط؛ ليتحولوا في لحظات إلى مرضى بالجهل المركب، بانقيادهم تحت ألوية لا علم لهم بها ولا طاقة؛ وذلك بوضع ثوابت وهميَّة أو مضللة لتزاح تلقائيًّا بسببها الثوابت الأصليَّة.

وأحيانًا تكون الثَّوابت المضللة مُناظرة لما تَمَّ حذفه وإزاحته, وأحيانًا أخرى تكون لا علاقة لها بها إلاَّ أنَّها في الأخير تتجه نحو الهدف.

وفي بحثي لن أفصل القول في شرح أمثلة هي معروفة للجميع، ولكن أكتفي بذكرها فقط، دون شرح لإثبات القانون.

أولاً:
إزاحة ثوابت بإلقاء شبهات: مثل: الحرب على السنّة، حتَّى أصبح الحديث عن حُجيَّة السنّة أمرًا ضروريًّا ومطلوبًا في هذا العصر، والحرب على القُدوة المتمثلة أولاً في الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودوَّامة الاستهزاء المتواصلة، ثم الصحابة، ثم أعلام الحديث؛ كالبخاري ومسلم، وهذا غيض من فيض... إلخ.

ثانيًا:
إزاحة ثوابت واستعاضتها ببديل مناظر لها: محاولة إزاحة مَذهب أهل السنة والجماعة بشكل عام، باستخدام سياسة التَّقريب، تارة بين المذاهب، وتارة بين الأديان، والحرب على العقيدة بربطها بنظريات حديثة بدون مرجعية شرعيَّة، مثل: البرمجة اللُّغوية العصبية، وإزاحة ثوابت في العقيدة مُتعلقة بالإيمان بالله، وأنَّه الخالق القادر المقدر الواحد، ووضع بديل مثل قانون الجذب أو السر.

أمثلة أخرى مُتعلقة بطريقة غير مباشرة بعقيدة المسلم، يُمكننا تطبيق القانون عليها بسهولة؛ كشعارات تكرر يوميًّا بتعريفاتها أو بدون: ضَعْ سياسة التقريب، وزِحْ أهل السنة والجماعة، ضع تحرير المرأة وحواشيها ومشكلة السكان الوهمية... إلخ، وزِحْ "الحجاب + الضوابط بين الجنسين + الأسرة المسلمة"، ضع قوميَّة عربيَّة، وزِحْ خلافة إسلاميَّة؛ ثم ضع شرق أوسطيَّة، وزح قومية عربية... إلخ.

ثالثًا:
وضع ثوابت وهميَّة بدون بديل: وحينما يُصبح القلب فارغًا من النُّور، فإنَّك لن تجد فيه الظلام فحسب، ولكن قد تسكنه الأشباح والأساطير، وكلامي لا يَمس الإعلام الإسلامي، ولا ينطبق في الغالب على من هَجَر الوسائل الإعلاميَّة وأذيالها، ولا من عرف النُّور طريقه.

من أهم الثوابت الوهميَّة المستوردة:

1- خرافة الحريَّة من منطلق النَّزعة الفردية.
حرية الفرد، حرية الإعلام، حرية الأديان، حرية المجتمعات: وأعتقد - في رأيي -: أنَّ هذا هو المفهومُ الذي يُؤصل مُعتقداتٍ جَبَّها الإسلام؛ فمفهوم الحرية الحقيقة تتمثل بَدءًا من خلال ارتباطها بعبوديتنا للخالق، ومن ثَمَّ الامتثال لأوامره - عزَّ وجل - فيما شرع؛ من هنا تتضح معالم الحريَّة للمرء وللمجتمع ككل، وليست الحريَّة المطلقة في قول وفعل ما نشاء تُسمَّى حرية.

ومن ثم؛ فإنَّ الحرية الإعلاميَّة والفكريَّة يُمكننا أن نعتبرها أحَدَ الأساطير التي تفرضها علينا سياسة التَّلاعُب بالعقول؛ يقول الشيخ سيد العربي عن حرية الأديان: "قال عزَّ من قائل: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، وهو سبحانه لا يرضى لعباده الكُفر أبدًا؛ قال عزَّ من قائل: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]؛ وهذا قطع لكلِّ جدل حول حرِّية الأديان، وبيان أنَّها حرية لمن أراد الهلاك والخسران، وليست حُرِّية تعني الاختيار المقتضي للتنقل بين مُتساويين أو مُتماثلين، كلاَّ وألف كلا؛ فهو اختيار بين النجاة والهلاك، بين الإيمان والكفر، بين الجنَّة والنَّار"[12].

ويوضح هربرت شيلر هذا بقوله: "إنَّ هذا من أفضل الانتصارات التي أحرزها التضليل الإعلامي - السعي من أجل تكريس تعريف للحرِّيَّة تَمت صياغته في عبارات تتسم بالنَّزعة الفردية"[13].

2- خرافة الحياد "الرأي والرأي الآخر": فالإعلام يظهر دومًا نفسه كطرف ثالث مُحايد، بعيدٍ كل البعد عن عين الاتِّهام، وليس بوصفه آلة أساسيَّة من آلات التَّضليل والإفساد، بنقله للدعايا السَّوداء كما هي دون غربلة أو تقييم؛ مما يزيد أمراض الشبهات في الأمَّة، ويضعف هُويتها، ويظهر مُعلِّبو هذا الإعلام بوجه لا يوصف إلا بالجمود، أو كما قال - بأبي هو وأمي، صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون مُنكرًا))؛ كالخُشُب المُسنَّدة علي كراسي من ذهب، ينقلون كلَّ أنواع التضليل والسباب والاستهزاء برُمُوز الإسلام وأعْلام الهُدى على أنَّها حتمًا الرأي الآخر؛ كأن لا دخل لهم فيما ينقلوه إلينا، وكأن هذا حتمًا من واجبهم نحونا؛ يقول هربرت شيلر في كتابه "المتلاعبون بالعقول": "لكي يؤدي الإعلام دوره بفعاليَّة أكبر لا بُدَّ من إخفاء شواهد وجوده؛ أي: إنَّ التضليل الإعلامي يكون ناجحًا حينما يشعر المضللون أنَّ الأشياء على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية؛ فالتضليل الإعلامي يقتضي واقعًا زائفًا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلاً"[14].

3- وَهْم التعددية الإعلامية:
وهو إيهامنا دومًا بأنَّنا حتمًا لن نجد مفتقدنا المعرفي إلاَّ في سوق الإعلام الممتلئ بشَتَّى العلوم، واختلاف الثَّقافات، وتعدد الأخبار، ولكن المدقق في الأمر يجد أنَّ الاختيار قد يصبح أحيانًا مستحيلاً، إذا ما اكتشفنا أنَّ المواد المخيّر بينها واحدة في مضمونها، مع اختلاف الأغلاف المزينة لها، ولا أشكُّ في أنَّ ذلك يكون عمدًا؛ لتتحول العقليَّة العربية[15] بصورة غير مُباشرة إلى عقليَّة مُبرمجة، لا تعرف سوى ما يقدم لها على المائدة الإعلاميَّة.

ومن أهم ما يُبْرِز ذلك: اشتراك طبقات المجتمع المُختلفة بشتَّى مستوياتها على لغة واحدة - وكأنَّك تتكلم مع شخص واحد - هي لُغة الإعلام، سواء في أسلوب التَّفكير، أو فيما يسمونه بالذَّوق الفني، الذي أصبحنا نُعاني من وَقَاحته وابتذاله، والذي لم يعد يُستحى منه حتَّى الأُسَر المحافظة؛ وكما قال النَّبي - صلَّى الله عليه وسلم -: ((حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)) [16].

وكما يقول هربرت تشيلر: "إنَّها إذًا إحدى الأساطير المركزية، التي يقوم عليها ازْدهار نشاط "توجيه العقول"، ورغم أنَّ حريتَيِ الاختيار والتَّنوع يُمثلان مفهومًا مُستقلاً، فإنَّهما لا تنفصلان في الواقع؛ فحرية الاختيار لا تتوافر بأيِّ معنى من المعاني دون التَّنوع، فإذا لم تُوجد خيارات واقعية، فإنَّ عمليَّة الاختيار، إمَّا أنْ تُصبح بلا معنى، وإمَّا أن تصبح مُنطوية على التضليل، ويصبح احتمال انطوائها على التضليل واقعًا فعليًّا، عندما يصاحبها الوهم بأنَّ الاختيار ذو معنى، ويتعزَّز هذا الوهم من خلال الميل الذي يعمد المسيطرون على الإعلام إلى المحافظة على استمراره، وإلى الخلط بين وفرة الكَمِّ الإعلامي وبين تنوُّع المضمون، وهذا الكلام يؤكد كيف يَفرض الإعلام نَفْسَه على عُقُول البشر، ويتحكَّم في توجيهها، ويُسيطر على جوانب من ثقافتنا وخلفياتنا الفكريَّة من دون أن ندري؛ ليضعها تحت أَسْر توجهاته المغرضة[17].

4- الحرب النفسية الوهميَّة: حينما نتشرب فِكْرًا سلبيًّا على أنَّه طبيعة إنسانيَّة ثابتة غير قابلة للتغيير، فإنَّ ذلك حتمًا يُؤثر على مدى كفاءة المسلم في مناحي أنشطته المُختلفة، بل قد يتغلْغل؛ ليؤثر سلبًا على معتقده ويقينه في قَدَر الله - عزَّ وجل – وقضائه، حينما يصاب باليأس نحو بصيص التقدم، ولعلَّ أهم هذه العبارات والمعاني التي شربنا منها حتَّى النخاع: محورُ الشر، الدول النامية، الدول الفقيرة، البقاء للأقوى، الانتصار بالعدد والعدة؛ ونشرات الأخبار الفوريَّة التي تنقل لأجيال الأمَّة يوميًّا ثوابتَ وهميةً، ينبغي أن يتشربوها، ورسائل انهزاميَّة ينبغي ألاَّ تتخطَّى آمالهم وأحلامهم في المستقبل حدود عتباتها المشؤومة، وكأنَّهم يريدون إيهامنا بقناعات ينبغي أن تكون، ولدينا فقط.

يُمكن القول: إنَّ الطموح الإنسانيَّ يسهم بشكل ملموس في شحذ التغيير الاجتماعي، وعندما تكون تلك التمنيات مُتواضعة فإنَّ السلبية تسود[18].

يتبع إن شاء الله.


ــــــــــــــــــــــــــ
[1] "لسان العرب".
[2] الراوي: جابر بن عبدالله الأنصاري، المحدث: الترمذي، المصدر: "سنن الترمذي"، الرقم: 3315، خلاصة الدرجة: حسن صحيح.
[3] الراوي: حذيفة بن اليمان، المحدث: البخاري، المصدر: "الجامع الصحيح"، الرقم: 3606، خلاصة الدرجة: صحيح.
[4] جريدة الصباح الالكترونية.
[5] "الحرب الإعلامية والحرب الدعائية"، لجواد عبدالمحسن، الجزء الخامس، و"محاولة تشكيل الرأي العام".
[6] "إرشاد السؤول إلى حروب الرسول".
[7] "الدعاية والإعلام"، الشيخ جواد عبدالمحسن، ج 5.
[8] جريدة الصباح الالكترونية.
[9] جريدة الصباح الالكترونية.
[10] جريدة الصباح الالكترونية.
[11] الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: مسلم، المصدر: "المسند الصحيح"، الرقم: 1264، خلاصة الدرجة: صحيح.
[12] "قدسية حق الله وحرية الاعتقاد".
[13] "المتلاعبون بالعقول"، لهربرت تشيلر، ترجمة: عبد السلام رضوان.
[14] "المتلاعبون بالعقول".
[15][تعليق الألوكة] الأولى حين التَّحدث عن الهُوية النسبة إلى الإسلام فهو هُويتنا الحقيقية، وإنَّما قلنا هنا بالأولويَّة لا بالوجوب؛ لكون كثير من الإسلاميين يقصدون بالنسبة إلى العربية عربية الإسلام؛ باعتبار العرب هم مادة الإسلام، أو باعتبار أنَّ كل من تلفظ بالعربية فهو عربي، وإن لم يكن عربيَّ النسب والجنس، لا مطلق العربية وفقًا للمفهوم القومي الجاهلي، الذي يفضل العربي وإن كان غير مسلم، على الأعجمي وإن كان مسلمًا، ويجعل الولاء على ذلك المفهوم.
[16] الراوي: حذيفة بن اليمان، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الرقم: 143، خلاصة الدرجة: صحيح.
[17] "المتلاعبون بالعقول".
[18] "المتلاعبون بالعقول".

اسمٌ لما يَدَّعيه، والدُّعاةُ: قومٌ يَدْعُون إلى بيعة هُدًى أو ضلالة، واحدُهم داعٍ، ورجل داعِيةٌ إذا كان يَدْعُو الناس إلى بِدْعة أَو دينٍ، أُدْخِلَت الهاءُ فيه للمبالغة؛ قال تعالى {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف: 31][1]، وأخبر عن نوح وكيف دعا قومه؛ فقال - عزَّ وجل -: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 5-7].
العلاقة بين الدعاية والإعلام: لتوضيح العلاقة بين الدعاية والإعلام ينبغي أن نُعرِّف كلاً منهما.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من أساليب التربية في القرآن الكريم ، التفكير المنطقي (المحاكمة العقلية).
* معنى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
* الحق أحق أن يتبع
* تدبر آية من القرآن
* 19 وصية قرآنية لخير أمة أخرجت للناس
* يزيد بن معاوية بين روايات المغرضين والمنصفين
* الرسول المبارك صلى الله عليه وسلم

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2026, 01:53 PM   #3

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

رأس الحربة حرباءة (3/3)

رحاب بنت محمد حسان


ثقافة الأغبياء

هذا الجزء يتناول الموضوع مِن جانب نفسي، ويرتبط بوسائل الاتِّصال ذاتها، ومدى تحكمها -سواء بقصد أم دون قصد - في تشكيل رؤية جديدة، تكوِّن وعي المتلقِّي، وتؤثِّر ضمنًا على ردود أفعاله؛ بل على سُلُوكيَّاته المختلفة.

فتقنية الاتِّصال - في الإعلام المرئي والسمعي على وجْه الخصوص - يمكن أن تضيف بذاتها بُعدًا جديدًا إلى العملية التضليليَّة، والواقع أن شَكْل الاتِّصال على النحو الذي تطوَّر به في البلدان، هو تجسيد فعْلِيٌّ للتحكُّم في الوعي، وذلك عن طريق تقنيتين:

الأولى: تقنية التجزيئية (Fragementation):
بوصْفها شكْلاً للاتِّصال، ويلاحظ فرير أن "إحدى السمات المميزة للعمل الثقافي القمعي، التي لا يدركها أبدًا المتخصِّصون المخلصون والسُّذَّج في وقت واحد، والمشاركون في النشاط الدائر - هي التأكيد على النظرة التي تحصر المشكلات في بؤر Focalized View، بدلاً من رؤيتها بوصْفها أبعادًا لكلِّ واحد، التجزيئية، أو الحصر داخل بؤر، هو الشكل العام السائد والوحيد في الواقع لعملية توزيع المعلومات والأخبار.

فأخبار المذياع والتلفزيون تتَّسم بطابع التكرار الآلي - آلية طلقات المدفع - الموضوعات كثيرة لا رابط بينها، أما الصحف فهي حشْد منَ الصفحات المحشوة، والتي يتم تدبيجها على نحو جزافي في أغلب الأحيان، وتؤدي اللامبالاة الكاملة التي يتعامل بها الإعلان مع أيِّ حدث سياسي، أو اجتماعي بإصراره على إقحام نفسه عنوة، بغَضِّ النظر عن طبيعة الموضوع إلى اختزال جميع الظواهر الاجتماعية، إلى مجرد حوادث غريبة، لا معنى لها.

فالإقحام العرَضي لموضوع خلافي، أو لشخصية مثيرة للجدل في برنامج متعدد الفقرات - يؤدي إلى تهدئة وتسطيح أي جدل يمكن أن يثار، وسرعان ما يتوارَى كل ما قيل من آراء، خلف ما يعرض بعد ذلك من إعلانات، ونكات، ودردشات، أو أخبار اجتماعية خفيفة؛ لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فبرامج هذه طبيعتها يتم جيدها بوصفها شاهدًا على التسامح المطلق، وتتباهى وسائل الإعلام والمسيطرون عليها، بانفتاح الجهاز الإعلامي الذي يسمح بإذاعة تلك المادة النقدية على الأمة، ويقبل جمهور المشاهدين بهذا الكلام، ويقنع تمامًا بأنه يحصل على تدفق حر للآراء"[1].

إنها ثقافة الأغبياء، والتي تساعد على تمييع الشخصية المسلمة، وجعلها كالفسيفساء في تناثرها وتجزئتها، وذلك بتنوع المواد المتاح مشاهدتها، بصورة تناقضية واضحة، فمن بعد نشرة أخبار مثججة بالدماء لكل من هو مسلم، يتم عرض برنامج أو فيلم، يتعارض قلبًا وقالبًا مع النشرة الإخبارية، وكأنهم يحاولون تدريبنا على قتْل المشاعر، وتدمير ولائنا، عن طريق جريمة التجزئة، والتي تنتهي آخرًا إلى شعور بالفتور واللامبالاة.

وكما قال الشاعر:
يَا مُسْلِمُونَ رَأَيْتُمْ جُرْحِي وَجُرْحَ إِبَائِي
رَأَيْتُمُ القَصْفَ يَعْلُو مَنَازِلَ الأَبْرِيَاءِ
يَشُبُّ لَيْلِي فَيَمْحُو بِالنَّارِ لَوْنَ المَسَاءِ
رَأَيْتُمُ الطِّفْلَ يَبْكِي مُشَرَّدًا فِي العَرَاءِ
مُسَائِلاً أَيْنَ بَيْتِي وَلُعْبَتِي وَرِدَائِي؟
رَأَيْتُمُ أَلْفَ مَيْتٍ مُضَرَّجٍ بالدِّمَاءِ
رأَيْتُمُونِي حَيَارَى يِا أَعْيُنَ الضُّعَفَاءِ
يَا لَيْتَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ إِذًا لَهَانَ بَلاَئِي
أَطْبَاقُكُمْ عَلَّمَتْكُمْ ثَقَافَةَ الأَغْبِيَاءِ
وَبَعْدَهُ حَفَلاَتٌ رَقْصٌ وَعُرْيُ نِسَاءِ
هَذَا الَّذِي عَلَّمَتْكُمْ فِي يَوْمِ مَوْتِ الحَيَاءِ
كُلُوا وَنَامُوا وَأَحْيُوا فِي اللَّيْلِ سُوقَ الفَضَاءِ


التقنية الثانية : فورية المتابعة الإعلامية (
Immediacy of Information):
ولعل هذه التقنية الحديثة مِن أهم وأخطر الأسباب، التي تُفَسِّر ظاهرة التبايُن في ردود الأفعال؛ حيث توضِّح هذه الظاهرة أن الشعور بالسلبية والإحباط يتناسب تناسبًا طرديًّا مع هذه التقنية، وبالتالي تتفاوَت ردود الأفعال بتفاوت التأثُّر بها ومتابعتها.

"وتتمثَّل هذه التقنية في تسجيل الأحداث، والتعليق عليها فور وقوعها، فعند وقوع أزمة فعلية - أو حتى كاذبة - ينشأ جو هستيري محموم بعيد تمامًا عن المعقولية، ويؤدي الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة، المترتب على الإصرار على فورية المتابعة إلى النفخ في أهمية الموضوع، ومِن ثَمَّ تكون الخطوة التالية إفراغَه من أيَّة أهمية.

ونتيجة لذلك تضعف القدرة على التمييز بين الدرجات المتباينة للأهمية، فالإعلان متلاحق السرعة عن تحطم طائرة، وعن جريمة اختلاس محلي، وعن إضراب ما، وعن موجة الحر الشديدة، يَتَحَدَّى أي حكم أو تقويم، وفي وضع كهذا يتم التخلِّي عن عملية الفرز العقلي، التي تساعد عادة على بلورة المعنى، ويتحَوَّل العقل إلى غربال تُصب من خلاله يوميًّا عشرات التصريحات والإعلانات، أقلُّها مهم، وأكثرها لا أهمية له، وبدلاً من أن يساعد الإعلام على تركيز الإدراك، وبلورة المعنى، نجده يسفر عن الإقرار الضمني اللاشعوري، بعدم القدرة على التعامُل مع موجات الأحداث المتلاحقة، التي تظل تطرق بإلحاح وعي المرء، فيتعين عليه دفاعًا عن النفس أن يخفض باستمرار الدرجة التي تبدأ معها حساسيته.

وليس مما يسهل فهم هذه التطورات، أن تنقل الأقمار الصناعية رسائل الأخبار كل تسعين ثانية، فالانشغال التام باللحظة يدمر الروابط الضرورية بالماضي[2].

وحين يتحكَّم الإعلام وتلك الدعاية في عقولنا، ليصبح مجرد عقل اصطناعي، يستقبل ما يريدونه منا، وحين تُغذي الثقافات المتهارجة عروقنا بالدماء الزرقاء، لا بدَّ حتمًا أن نطلق عليها حقًّا ثقافة الأغبياء، فالتقليد الأعمى لتلك التقنيات أصبح أمرًا مُسَلَّمًا به في عالمنا العربي؛ لذا ينبغي علينا كأفراد أن نطور الدفاع النقدي لدينا.

إن هذه الدعاية ووسائلها، لا تتحكم فينا إجبارًا ولا قهرًا؛ ولكن كما يقول (جي إي براون): إن الدعايات لا تنجح عمومًا إلا حينما توجه إلى أفراد، يرغبون في الاستماع إليها، ويهضمون المعلومات المقدمة إليهم، ويعملون بمقتضاها إن أمكن وهذا لا يحدث إلا حينما يكون المجتمع المقصود بالدعاية في معنويات منخفضة، وحينما يكون قد بدأ يخسر المعركة فعلاً[3].

أقولها لكل مَن أعزه الله بالإسلام: إن الإسلام لم يبخل يومًا، ولم تضق حروفه في سد هذا العجز الكائن، والذي يَتَمَثَّل في أهمية وجود عقلية نقدية للفرد المسلم، يستوعب جميع الثقافات، ثم يلفظ منها ما يخالف منهجه وعقيدته، ويحكم المسلم عقله في كل واردٍ يرد على جوارحه، فلا يستقيه بلا وعي، أو بوعْي منساق؛ يقول الله - تعالى - في كتابه الحكيم: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، ويقول - عز وجل -: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، وقد أفهمنا إياها حبيبنا ومعلمنا الأكبر - صلى الله عليه وسلم - حين قال لحذيفة - رضي الله عنه -: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشْربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيضَ مثلِ الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا، كالكوز مُجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب مِن هواه)).
الراوي: حذيفة بن اليمان، المحدث: مسلم، المصدر: المسند الصحيح، الصفحة أو الرقم: 144،
خلاصة الدرجة: صحيح.

لنتأمل الحديث، ونتوقف عند كلمة ((أنكرها))؛ لنستمع لتلك النصيحة الغالية التي يوجهها لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن نتعامَل مع الأمور بنظرة مختلفة، أَمَرَنَا - صلى الله عليه وسلم - أن نراقبَ هذا المشهد عن قُرب، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا))، ومن ثَمَّ يكون للقلب دورٌ في اصطيادها ولفظها بعيدًا، فإن رأينا شرًّا فلا نقبله؛ بل ننكره ولو بقلوبنا، فالإسلام لا يعرف السلبية، ولا يقبل الدونية أو الكسل، ولا يرضى بالانقياد والاستسلام، إنه دين البناء، دين العمل، دين الاجتهاد، يقول قتادة - رحمه الله -: خلق الله - تعالى - الملائكة عقولاً بلا شهوات، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الإنسان له عقلٌ وشهوة، فمَن غلبت شهوته عقلَه، فهو كالبهائم، ومَن غلب عقله شهوته، فهو مع الملائكة، إلى أن قال: "الظاهر أن الكلام الآتي كلام ابن القيم"، وإذا تحرك سلطان العقل وقوي، استعان بجيش الصبر؛ ولكن هذا السلطان وجنده لا يستقلان بمقاومة سلطان الهوى وجنده، فإن إشراق نور الهداية يلوح عليه[4]؛ يعني بذلك أن نور الهداية لا يشرق إلا باستخدام العقل، بالاستعانة بالصبر على الهوى وجندها من الفتن... إلخ.

إنها كمال الحرية، وكمال العدل، تلك التي منحها الخالق - سبحانه وتعالى - لنا وعرفنا بها، عن طريق رسالة الإسلام؛ لنحكم عُقُولنا فيما نتشربه، هل هو سم أو عسل أو سم مخلوط بالعسل؟

لنشكل عقولنا، ومداركنا، ووعينا بأيدينا، لا بأيدي الآخرين، على منهاج من نور بهدي سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وصحابته والتابعين.

وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.



[1] "المتلاعبون بالعقول"؛ هربرت أ. شيلر، ترجمة: عبدالسلام رضوان.
[2] نفس المصدر

[3] "أساليب الإقناع وغسيل الدماغ"؛ جي إي براون، ترجمة: د/ عبداللطيف الخياط.

[4] "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"؛ لابن القيم.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* من أساليب التربية في القرآن الكريم ، التفكير المنطقي (المحاكمة العقلية).
* معنى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)
* الحق أحق أن يتبع
* تدبر آية من القرآن
* 19 وصية قرآنية لخير أمة أخرجت للناس
* يزيد بن معاوية بين روايات المغرضين والمنصفين
* الرسول المبارك صلى الله عليه وسلم

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الحربة, حرباءة, رأس
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكذب رأس كل خطيئة امانى يسرى محمد ملتقى الحوار الإسلامي العام 2 07-27-2026 04:38 PM
ناقة الرسول .. رمز وعبرة ابو الوليد المسلم قسم السيرة النبوية 0 04-24-2026 09:36 PM
رأس التأويل والتحريف يطل من جديد ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 0 01-02-2026 11:33 AM
القناعة رأس الغنى AL FAJR ملتقى الحوار الإسلامي العام 7 01-06-2019 05:48 PM
قبلة على رأس الملكة ابدأ بنفسك ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 03-10-2013 05:09 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009