استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

 
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 09-09-2026, 02:04 PM   #2
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 136

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

الجانب الثاني: وهو النماء، فنحن هنا أيضًا فيما يتصل بسلامة الصدر، وهي من أعظم مقومات تزكية النفوس بحاجة إلى هذا الجانب، أن نتخلى عن كل ما يؤثر ويعوقنا، ويحول بيننا وبين هذه الخصلة، وأن نتحلى بكل ما يقودنا ويوصلنا إلى هذه الصفة، فمن هذه الأمور التي نتحلى بها:

أولًا: أن الإنسان يلتجئ إلى الله -تبارك وتعالى- فيسأل ربه أن يلهمه رشده، وأن يخلصه من هذه الأدواء، وأن يسلم قلبه لإخوانه المسلمين، والله  لما ذكر الطوائف الثلاث، ذكر المهاجرين، وذكر الذين تبوؤا الدار والإيمان، وذكر الطائفة الثالثة التي نكون في أحسن أحوالنا من المتحلين بها، وهي: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، فهم يدعون لهم، وهذا يدل على أنهم على طريقتهم سالكون، وهم يقولون مع ذلك: وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا.
فهذه الأمور أيها الأحبة لا يتخلص منها إلا من خلصه الله  وسلمه ونجاه؛ ولهذا ختم الله  هذه الآية بقوله: رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، والرأفة هي أرق الرحمة، فمن رأف الله به، ورحمه، خلصه من هذه الأوصاف المذمومة، الغل لأهل الإيمان، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا، وفيه: واسلل سخيمة قلبي[11]، النبي ﷺ يدعو بهذا، وهو أطيب الناس نفسًا، وأصلحهم قلبًا، فنحن من باب أولى، من منا يرفع يديه أو يسجد، ويقول: "اللهم اسلل سخيمة قلبي"، من منا يقول: ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا؟ هل نحن ندعو بهذا ؟ أو أننا لسنا بحاجة إلى ذلك؛ لأن قلوبنا قد سلمت، وتطهرت، gوتنقت من هذه الأدواء والأوصاب.

ثانيًا: أن نتحلى بثلاث خصال، كما جاء عن النبي ﷺ في حديث ابن مسعود : ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم....، يعني: من تحقق بهذه الثلاث انتفى عنه الغل، إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم[12].
فهذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، ومن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة، والدخل، والشر، والغل، والبغضاء، فلا يبقى في قلبه غل، هذا الغل هو فساد القلب، سخايم القلب تذهب، فإنه لا يحمل الغل مع هذه الأمور الثلاث، فإنها تنفي غله وتنقيه وتطهره، وتخرج الغل منه.
فالقلب إنما يكون فيه الغل إذا ضعف فيه الإخلاص، فإذا ضعف فيه الإخلاص توجه إلى غير الله  فصار ينافس على الدنيا، ينافس على الرئاسة، ينافس على الحطام، صار يتطلع إلى ما في أيدي الناس، هؤلاء قدروه أحبهم لم يقوموا بما يجب معه في زعمه ووهمه، فإنه يتحامل عليه ويبغضهم، هؤلاء يشعر أنهم قد أدوا حقه بالزيارة والعيادة حينما مرض، أو العزاء، أو نحو ذلك، فيكون قلبه تجاههم سليمًا، أما أولئك الذين يظن أنهم قد قصروا في يوم من الدهر فإن قلبه يكون غير نظيف، ولا نزيه، ولا سليم تجاه هؤلاء الناس؛ لأن هذا الإنسان لم يخلص الإخلاص المطلوب، الإخلاص الواجب، ففي قلبه شيء من الدغل، فيه أدواء، فيه أخلاط، يحتاج إلى تجريد، يحتاج إلى تنقية، يحتاج إلى تنظيف.
فإخلاصنا يخلص قلوبنا، وينظفها ويطهرها، والله  يقول عن يوسف : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ [يوسف:24]، فهذه قراءة متواترة، فإخلاصه كان سببًا لصرف السوء والفحشاء، ويدخل في السوء هذه الأدواء التي توجد في النفوس، فإن الإخلاص يكون سببًا للخلاص، ولهذا في القراءة الثانية: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، وراجعوا كلام الحافظ ابن القيم -رحمه الله- على هذا، وابن الأثير، وغير هؤلاء.

الخصلة الثانية: وهي مناصحة أئمة المسلمين، فهذا ينافي الغل والغش، وهكذا لزوم جماعتهم؛ وذلك أن الإنسان حينما يرى شيئًا يوجب النصيحة فإنه حينما لا يفعل يبقى قلبه منطويًا على أمور يكرهها، ويتغيظ لها، ويتحرك قلبه تجاهها، فإذا وجدت النجوى فإن هذا يضخمها ويكبرها في قلبه، فتبقى القلوب مليئة بالغل.
هذا الغل نعذب به أنفسنا، ولا تنحل به المشكلات التي في الخارج، ولا تزول به المنكرات، ولا يتغير به الواقع، لكن النبي ﷺ ذكر لنا الطريق الذي يحصل به الصلاح والإصلاح: هو المناصحة، رأيت من أحد من هؤلاء ممن له ولاية أيًا كانت، أو على أحد من إخوانك ممن ليس له ولاية، اذهب إليه، وانصحه، وكلمه، ثم بعد ذلك تجد من الانشراح ما لا يقادر قدره، يبقى القلب نظيفًا سليمًا طاهرًا، لا تجتمع فيه مثل هذه القضايا، ولكنه إذا ترك ثم بعد ذلك طُعم بالنجوى، فإن هذا يكبره، ويعظمه في نفس الإنسان، مع أنه لا ينتفع به، وهذه قضية مهمة في السياسة الشرعية، يعني: ينبغي على من بسط الله  يده أن يتفطن لهذه القضية، يعني: إذا كان يريد أن تكون قلوب الناس سليمة تجاهه، وأنهم يحملون تجاهه مشاعر طيبة حسنة، فعليه أن يفتح لهم الأبواب، وأن يفرح بالناصحين، وأن يرحب بهم، وأن يستقبلهم أحسن الاستقبال، ويقول: أنتم تكملونني، أنتم تهدون إلي عيوبي، بعضنا يكمل بعضا، فيذهب هؤلاء الناس وقد حطوا ما في نفوسهم بين يديه، وبهذا يحصل التسديد، يحصل الإصلاح، يحصل التمكين، يحصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاحتساب على الصغير والكبير والرئيس والمرؤوس، وبهذا تكون هذه الأمة في حال من الضمانة التي لا يصل معها بإذن الله  فساد إلى تلك المجتمعات، فلا تتفرق الأمة، ولا تنقسم، ولا يحصل بينهم الاحتراب، فإن منشأ ذلك هو ما تنطوي عليه القلوب من الأحقاد.
واليوم ما عادت النجوى، كما كانت في السابق يناجي ثلاثة، أو يناجي أربعة، أو يناجي خمسة، بين أربعة جدران، اليوم أصبحت النجوى بشكل أوسع من هذا، عن طريق مساحات واسعة لربما بين الملايين عن طريق وسائل الاتصال، فما هو الطريق لنصل إلى ما أمرنا به النبي ﷺ؟ فالشارع لا يأمر إلى بخير، والله  عليم حكيم.

ثالثًا: الرضا بقضاء الله وقدره، هذا الإنسان الذي تتحرك نفسه تجاه إخوانه، هذا أعطاه الله مالًا، وهذا بنى قصرًا، وهذا تفوق في دراسته، وهذا محبوب بين زملائه، وفي دائرة جيرانه، ومحال عمله، وما إلى ذلك، فيبدأ هذا القلب يتحرك، بل لربما تحرك قلب الإنسان، وهو يعاني من مرض على من يشاكله في المرض؛ لأنه يشعر أن علته أخف قد يحسد الإنسان آخر مثله قد ابتلي بعلة وداء كالسرطان، أو غير ذلك، -أسأل الله أن يعافي الجميع- يحسده؛ لأنه يشعر أن العلة التي فيه أخف، وأن الجرعة التي يعطاها من هذا العلاج الكيميائي أنها أخف، إلى هذا الحد!
قد يحسد الإنسان -أحيانًا- على أن خسارته في تجارته أخف، أن خسارته في الأسهم أخف، الحسد حتى على المصيبة، نسأل الله العافية.

هذا منشأه عدم الرضا بقضاء الله  وقدره، الله -تبارك وتعالى- هو الذي قسم الأرزاق نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32]، هذا القسم، وهذا العطاء إنما هو ابتلاء من الله -تبارك وتعالى- والله عليم حكيم، أعطاهم عن علم وحكمة، ولا يجوز لأحد أن يعترض على قضاء الله وعطائه، فإن ذلك لا يجوز بحال من الأحوال، والله  يقول: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32]، وانظر بما ختم الآية: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، رحمته وجنته وعطاؤه في الآخرة خير من هذا العطاء في الحطام الذي يتحاسد عليه كثير من الناس.
فهذا الحاسد، وهذا الذي يجد غلًا على إخوانه؛ لأن الله أعطاهم وحباهم، هو معترض على قضاء الله وقدره، فينبغي عليه أن يروض نفسه على الرضا، فإنه يفتح له باب السلامة، سلامة القلب، وسلامة الصدر، فيكون قلبه نقيًا من الغش والدغل والغل، ولا ينجو بين يدي الله  ولا من عذابه إلا من جاء بقلب سليم، ومن السلامة: السلامة من هذه الأدواء، وكلما كان العبد أشد رضًا كان قلبه أسلم، كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله[13].

فإن الغش والحقد والدغل والبغضاء كل ذلك مقترن بالتسخط، بالسخط، بعدم الرضا بعطاء الله وقضائه وقدره، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا، والحسد الذي يقع بين الناس إنما هو ثمرة من ثمار هذا السخط، والسلامة منه إنما هي ثمرة من ثمرات هذا الرضا.
إذا يرضى الإنسان بما أعطاه الله، وما يدريك فقد يعطيك ثم بعد ذلك يكون ذلك سببًا للشقاء، الذكاء أحيانًا يكون سببًا للتعاسة، يكون سببًا للضلال، الكثير من الضالين المنحرفين الكبار، أئمة الضلال، كما قال شيخ الإسلام: "أوتوا علومًا، ولم يؤتوا فهوما، وأوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً"[14].

ليست العبرة بالذكاء، فكم من بليد الفهم يفضل عند الله  ملء الأرض من النوابغ والأذكياء، هذا الذكاء قد يكون شؤما على صاحبه، وقائدا له إلى معاداة الرسل ومحاربتهم، وترك ما جاءوا به، وهكذا المال وما يدريك أن هذا المال يكون سببًا للطغيان كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:7،6].

فيبقى الإنسان على حالة متماسكة، قريب من الله  خير له من أن يؤتى المال، ثم بعد ذلك يطغيه ويشغله، ليس فقط عن طاعة الله  بل لربما عن أهله وولده، بعض النساء تقول: إن زوجها كانت حينما تزوجته في أحوال متواضعة، لا يكاد يجد ما يسد الرمق، تقول: صبرت عليه سنين طويلة، ثم فتحت عليه الدنيا، فتنكر لنا تمامًا، كأنه لا يعرفنا، ولا ينفق علينا، فنحن في بؤس أعظم من البؤس الذي كنا فيه قبل أن تفتح علينا الدنيا، هذا مثال.

كم من إنسان ترك طاعة الله، وترك عبادته، بسبب الغنى، فالله -تبارك وتعالى- حكيم عليم، فقد يفطم العبد من الدنيا؛ ليستصلحه، ليبقيه على إيمانه، على تقواه، على صلاحه، بعض كبار التجار يفتخر في مقابلة منشورة في الصحف أنه منذ خمس وعشرين سنة ما جلس مع أولاده على وجبة، ما قيمة هذا المال؟
بينما ذاك الإنسان الذي لا يملك من المال إلا القليل يغدوا ويروح على أولاده، لا يفارقهم، ولا يأكل دونهم، ولا يفقدونه.
وبعض هؤلاء يفتخر، ويذكر ذلك على الملأ أنه ما ذهب يتنزه، وما أخذ إجازة منذ ثلاثين سنة، ما فائدة هذا المال؟ إذا هو شقاء، هو كالحارس الذي لا يرقبه فقط، بل يطارده ويلاحقه، فهو في شقاء دائم.

رابعًا: أن الإنسان يسقط حقه على إخوانه، وعلى أهله ألا يرى لنفسه حقًا على أحد، يعفو، ويصفح، ويغفر، يعفو لا يبقى في النفس أثر وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]، الصفح من صفحة العنق، لا تلتفت للإساءة، لا تقل أنا عفوت عنك، ليس في قلبي شيء عليك، لكنك أخطأت في حقي؟ لا لا، اصفح، لا تعاتب، هذا معنى الصفح أعطه صفحة العنق، لا تقف عند إساءته، وتقول: عفوت، لكن ترى أنت أخطأت، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا.
وكذلك -أيضًا- الغفر، فإن الغفر يعني أن لا يصل إليه منك مكروه، وأن تستره، فإن الستر يعني هذا وهذا، الحماية والوقاية، بالإضافة إلى الستر كالمغفر يستر الرأس ويقيه، فما يذهب الإنسان، ويتكلم في المجالس، ويقول فلان أساء إلي، وفلان ظلمني، وفلان فعل كذا وكذا، وفلان أخطأ في حقي، ومع ذلك أنا عفوت عنه، فإن هذا ليس من الغفر في شيء، أعرض عن هذا بالكلية، تمثل بهذه الخصال الثلاث: العفو، والصفح، والغفر.

وإذا جاءك إنسان يعتذر إليك إنه مقصر، قل: أنا المقصر، الحق لك، قال: ما اتصلت عليك، قل أنا الحق إني اتصل عليك، إذا قال: تأخرت عليك، قل: أنا أشوف لنفسي، أنا أنظر في تقصيري، أنا أقصر في حقوق الآخرين، أنا أغفل عن الاتصال، أغفل عن الرد على الرسائل، لا تنتظر من أحد شيئًا.
لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العدوات
هذا هو الطريق، هذه راحة للقلب، أما إذا كان الإنسان عنده حسابات وتصفيات، ويحاسب هذا وهذا وهذا، فإنه سيَتعب ويُتعب من معه، وقد فسر ابن عباس -رضي الله عنهما- قوله -تبارك وتعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228]، يعني: على النساء، فسرها بمرتبه الإغضاء، والتجاوز، والعفو[15]، بمعنى: أنه لا ينقر، ولا يدقق، ولا يستوفي، ولا يستنطف، يستنطف حقه منها وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، الدرجة عند ابن عباس -رضي الله عنهما- الإغضاء، بمعنى: أن يفوت، لا تقف عند كل شيء، وإلا ستتعب وستتعب الآخرين معك، الإنسان مجبول على التقصير، فهذه الزوجة لا بد أن تقصر، فإذا كانت كلما قصرت تغير قلبك عليها ثلاثة أيام، أربعة أيام، خمسة أيام، وبعضهن تقول: ستة أشهر ينام في المجلس، لا يكلمني من أجل قضية تافهة، كلمة قيلت خطأ، سبق لسان، تقصير، تصرف، تأخر الغداء، العفو التجاوز الصفح، ولهذا يقول ابن عباس: "ما أحب أن أستوفي حقي منها"[16]، وجاء عن الحسن وغيره: "ما استقصى كريم قط"[17]، هذا اللئيم البعيد هو الذي لا يفوت شيئًا، يريد الأمور أن تكون في سيرها كعقارب الساعة في غاية الانتظام، ومن الذي يستطيع هذا؟ ولكن تكون الحياة بشيء من الإغضاء والتحمل.

وهكذا يكون مع الأولاد، لا يقف عند كل خطأ، وكل تقصير، وكل إساءة، فإن هؤلاء الأولاد قد ينفرون منه، ولا أحصي كم سمعت من أولاد وبنات، وبعضهم يرسل رسائل كان كلامهم ومقالهم يدور حول قضية واحدة: أبي لا يحبني، أمي لا تحبني، وأحاول جاهدًا من غير ما طائل أن أزيل مثل هذا التصور، وأقر أنني أفشل في أكثر هذه الحالات أن أغير هذا التصور عند هذا الولد، أو هذه البنت، أن هذا غير صحيح، أبوك يحبك، أمك تحبك، لكنه يقصد التأديب، والتعليم والتربية، وتجد هذا الولد يعلق، أو هذه البنت تتمسك بهذه المشاعر، ولربما كانت مشاعر متبادلة، إذا كانت الصدور غير سالمة من الولد لأبيه من البنت لأمها، فهذه كيف تسلم تجاه الآخرين؟

خامسًا: إحسان الظن، إحسان الظن بالناس، احملهم على المحامل الحسنة، والله  يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:12].
وجاء عن عمر : "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا"[18].
ويقول الشافعي -رحمه الله: "من أراد أن يقضي الله له بخير؛ فليحسن ظنه بالناس"[19].
ولما قال له الربيع بن سليمان -وكان الشافعي مريضًا: قوى الله ضعفك، قال الشافعي -رحمه الله- لو قوى ضعفي لقتلني".
يعني: لو زاد مرضي وعلتي قتلني، فالربيع قال: "والله ما أردت إلا الخير"، يعني: قوى الله ضعفك، يعني: شد من أزرك وقواك، وعافاك، الشافعي فسرها -وهو إمام في اللغة- قال: "لو قوى ضعفي لقتلني، فقال: والله ما أردت إلا الخير، فقال: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير"[20].
لاحظ إحسان الظن، بعض الناس لربما تلقف هذه الكلمة، وقال: انظر، ماذا يقول؟ وذاك غافل عن هذا كله، وما أراد إلا الإحسان، وتجد قلب هذا يحمل عليه؛ حيث حمل كلامه على أسوأ المحامل.
والنبي ﷺ يقول: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا[21].
كل هذا مما يؤثره الظن، فإن الإنسان إذا أساء الظن بدأ يتحسس ويتجسس، ثم بعد ذلك تتسلل العدوات إلى النفوس؛ ولهذا جاء عن شقيق -رحمه الله: استتمام صلاح عمل العبد بست خصال: تضرع دائم، وخوف من وعيده، والثاني: حسن ظنه بالمسلمين، والثالث: اشتغاله بعيبه لا يتفرغ لعيوب الناس، والرابع: يستر على أخيه عيبه، ولا يفشي في الناس عيبه؛ رجاء رجوعه عن المعصية، واستصلاح ما أفسده من قبل، والخامس: ما اطلع عليه من خسة عملها استعظمها رجاء أن يرغب في الاستزادة منها، والسادسة: أن يكون صاحبه عنده مصيبا"[22].

وانظر إلى واقعنا وحالنا، وما نتكلم به في مجالسنا، وما نكتبه عبر وسائل الاتصال والتواصل الحديثة.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وعادى محبيه بقول عداته
وصدق ما يعتاده من توهم
وأصبح في ليل من الشك مظلم[23]
هذا الإنسان الذي عنده سوء ظن لربما هجر إخوانه، أو بعض إخوانه، من غير ما إساءة، لم يكن هناك موقف، لكنه يشعر بوحشة، والسبب هو أنه لم يكن على حال مرضية، فساءت ظنونه بإخوانه المسلمين، فإذا مضى زمان ما رأى أحدًا منهم، ظن أنه قد اتخذ منه موقفا سلبيًا، وأنه لا يحمل مشاعر طيبة تجاهه، فانقبض منه، ولم يعد يلقاه، أو يتواصل معه.

فنحتاج إلى أن ننظر في نفوسنا، وفي ظنوننا، وأن نحسن الظن بإخواننا المسلمين، والله  يقول في سورة النور: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ، يعني: الإفك، وهذا يقال في الإفك وفي غيره مما يقال في إخواننا المسلمين، ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، على المعنيين اللذين ذكرهما المفسرون: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، يعني: أنه يظن بنفسه يرجع إلى نفسه، ويقول: لو كنت مكانه أفعل هذا أو لا أفعل؟ فإذا قال: لا أنا ما أفعل، يقال: هو أيضا لم يكن أفضل منك، فهو مثلك، فلماذا تسيئ الظن به؟

المعنى الثاني: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، أنه ظنوا بإخوانهم، فإن النفوس المجتمعة على الإيمان بمنزلة النفس الواحدة، كما قال الله : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، يعني: لا يأكل بعضكم مال بعض، وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء:29]، يعني: لا يقتل بعضكم نفس أخيه، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة:85]، يعني: يقتل بعضكم بعضًا.
فيحسن الظن، يضع نفسه مكان أخيه، وإلا فإن مثل هذا الإنسان سيتعب ويتعب الناس معه، فالناس إذا عرفوا عنه ذلك بدأوا يراعونه غاية المراعاة، فيتكلفون له، كذاك الذي لا يسقط حظ نفسه، فهو يطالبهم ويستنطف حقه منهم، وإلا فإنه سيتحامل عليهم، ولا يكون صدره سليما تجاههم، فمثل هذا لربما يؤدي الناس إليه حقوقه على تكره، واستثقال، وتبرم منه، وما الخير للإنسان أن يكون بهذه المثابة؟ أن يحسن الناس إليه اتقاء شره، فإن النبي ﷺ أخبر: أن من شر الناس من أحسنوا إليه اتقاء شره[24].
فإذا مرض، قالوا: نذهب إليه، نذهب إليه، ولو كانوا في غاية الحرج والانشغال، يأتون إليه؛ من أجل ألا يتحامل؛ لأنه سيصفي حسابات، عنده سجلات يأتون إليه في المناسبات، يأتونه في كل ما ألم به؛ من أجل أن يسلموا منه، ومن شره، ومن ظنونه.
سيء الظن إذا اهديته طيباً، أساء الظن، وقال: ماذا يرى؟ فإذا أعطيته شريطًا عن الصدق، قال: ماذا يقصد؟ فإذا أعطيته عن الكذب، قال: ماذا يقصد؟ فإذا أعطيته عن الأمانة، قال: ماذا يقصد؟ فإذا أعطيته عن الخيانة، قال: ماذا يقصد؟ فإذا أعطيته عن صلاة الجماعة كتيبًا أو مطوية، قال: ماذا يقصد؟ فإذا أرسلت إليه رسالة وقلت: قال ابن سيرين، قال الحسن البصري، وذكرت له عبارة مع جملة من الناس، أرسلت لعشرات، بدأ يقلبها، وينظر إليها، لماذا أرسلها؟ وماذا يريد؟ وماذا يقصد؟ ويبحث عن أسوأ المحامل، من أجل أن يحمل ذلك عليها، أنك تقصد نقده والإزراء به، وأنت إنما أرسلنها لكثيرين؛ لأنها فائدة أعجبتك، فأحببت أن يطلع إخوانك عليها.
إن سكت لم تسلم، لماذا سكت؟ فإن ابتسمت ظن أنك تسخر منه، فإن حركت شفتك أو عينك، أو نحو ذلك، قال: ماذا يقصد؟ فإن خرجت من المجلس، ولم تتأخر فيه، قال: ما الذي أخرجه؟ وهكذا في كل شيء تفعله يحمل على المحامل السيئة.
هذا الإنسان يتعب، ويُتعب الآخرين، وهو ينظر إلى هؤلاء الناس، هذا مر وما سلم، ثم بعد ذلك تأكل معه، هذه القضية وتشرب شهورًا ودهوراً، وذاك لم يشعر به ولم يتنبه إليه.

سادسًا: التماس المعاذير للناس، كما قال ابن سيرين: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد فقل لعل له عذرًا لا أعرفه"[25].
التمس المعاذير لهؤلاء الناس، الرسالة التي أرسلتها إليه ما وصلت، يوجد خلل في الشبكة، هناك أشياء أحيانًا تصل إلينا بعض الفوائد، وبعض العبر، وبعض الحكم، هذا رجل يقود سيارته عند منعطف، فيقابله سائق في سيارة أخرى، ويخرج رأسه ويقول له: خنزير، فيشتغل ذاك بشتمه، يظن أنه شتمه، فإذا بسيارته تقفز على خنزير ملقى على الأرض، قد صدمته سيارة، فذاك يحذره، وهذا يظن أنه يشتمه، هكذا ساءت ظنونه بالناس، وهو يحمل كل التصرفات على أسوأ المحامل.
من الأشياء التي تصلنا أحيانًا، وهي أشياء جميلة، وفيها وعبر: هذا يطلب من صاحبه أن يقرضه مبلغًا من المال لم يكن حاصلًا له، فيستأذنه ساعة، ثم يرجع إليه ليعطيه المبلغ، ولكنه يتأخر عليه، فذاك يتصل والهاتف مغلق، الجوال مغلق، ثم يعيد الاتصال ثانية وثالثة، وهو مغلق، ثم يرسل إليه رسالة شديدة اللهجة، لست بحاجة إلى قرضك، ففتح جوالك، ويذمه، ويعيبه، ثم بعد ذلك يضع ذاك الشريحة، وكان ذهب يبيع هذا الجوال، ويشتري جهازًا رخيصًا من أجل أن يعطي أخاه ذلك المال الذي طلبه منه، وهو لا يجده، فيأتيه ويعتذر إليه، ويقول له: لم يكن معي فبعت جهازي، واشتريت هذا الجهاز رخيص الثمن؛ من أجل أن أعطيك ما طلبت، ثم وإذا بالرسالة تقع، والله المستعان.
فيحسن الإنسان الظن بالناس، الناس عندهم ظروف، لربما يكون الإنسان في حال من المرض، لربما يكون الإنسان في حالة نفسية لا تهيئه بأن يلقاك بالبشر والطلاقة، ويستقبلك بما اعتاد، لربما يعاني من ألم، لربما عنده مصيبة، عنده هموم، عنده آلام، عنده مشكلة، فهو حزين كئيب، أما أن الإنسان دائمًا يطالب الناس بأن يوفوا له حقوقه كاملة، ثم هو لا يعذرهم، ولا يلتمس لهم الأعذار، ويسيء الظن بهم.


امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
   
الكلمات الدلالية (Tags)
السحر, سلامة
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أين أنت من سلامة الصدر؟.. (اختبر قلبك) ابو الوليد المسلم ملتقى فيض القلم 0 06-07-2026 02:55 PM
من أسباب سلامة الصدر نبراس الخير ملتقى الحوار الإسلامي العام 2 02-23-2026 07:13 AM
أسباب سلامة الصدر نبراس الخير ملتقى الحوار الإسلامي العام 2 07-25-2024 06:35 PM
سلامة الصدر كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 3 07-01-2024 06:29 PM
الرقيه بايات شرح الصدر لعلاج انقباض الصدر و الاكتئاب محمد الرقيه ملتقى الرقية الشرعية 3 01-09-2013 09:27 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009