جدلية التاريخ والإنسان... من يصنع منهما الآخر؟
نايف عبوش
ظل التاريخ، منذ فجر الحضارات الأولى، مرآة تعكس مسيرة الإنسان في سعيه الدائم نحو الإعمار، والبناء، والتغيير، والتطور، ومن ثم فلم يكن التاريخ مجرد سجل للأحداث الماضية، أو أرشيفًا لوقائع طواها الزمن، بل إن التاريخ هو حركة مستمرة، تتفاعل فيها إرادة الإنسان مع قوانين الحياة وتحولاتها المستمرة.
فعندما نتحدث عن التاريخ بوصفه حدثًا وفعلًا إنسانيًّا، فإن الإنسان، سيكون في هذه الحالة، في صدارة المشهد، طالما أنه صانع الوقائع، ومبتكر الأفكار، ومحرك التحولات الكبرى التي تصوغ ملامح العصور؛ فالحروب والسلام، والنهضات والانكسارات، والاكتشافات والابتكارات، كلها نتاج قرارات بشرية، ومحصلة إرادات فردية وجماعية، تركت بصماتها على صفحات الزمن بهذا الشكل أو ذاك، ومن هذا المنطلق يبدو التاريخ نتاجًا للفعل الإنساني، وسجلًّا لإنجازاته وإخفاقاته على حد سواء.
ومن جهة أخرى، فإن التاريخ ليس فقط ما يصنعه الإنسان، بل هو أيضًا القوة الزمنية التي تعيد تشكيل الإنسان نفسه، حيث إن التاريخ، بوصفه سيرورة زمنية متواصلة، يفرض تأثيراته الحتمية على المجتمعات والأفراد، ويعيد صياغة أنماط التفكير، والقيم، والعلاقات الاجتماعية السائدة، تبعًا للتحولات التي يشهدها العالم في كل مرحلة من مراحل سيرورة التاريخ، حيث يصبح الإنسان، الذي كان في مرحلة ما صانعًا للتاريخ، جزءًا من حركة التاريخ، وخاضعًا لتأثيراتها في مرحلة أخرى.
وهكذا نجد أن العلاقة بين الإنسان والتاريخ ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل هي علاقة جدلية متبادلة، فالإنسان يصنع التاريخ بأفعاله ومواقفه، في حين أن التاريخ يصنع الإنسان عبر ما يفرضه من ظروف ومتغيرات وتحديات، حيث تتشكل في صيرورة مثل هذا التفاعل العضوي المستمر الحضارات، وتتبدل الأفكار، وتتغير موازين القوى، وتتحدد مسارات الأمم والشعوب.
على أن وعي هذه الحقيقة، وإدراكها بشكل واضح، يمنح الإنسان فهمًا أعمق لموقعه في صيرورة الزمن، فالإنسان ليس كائنًا معزولًا عن سياقه التاريخي، وليس مجرد متلقٍّ سلبي لما تفرضه الظروف من تداعيات، بل هو فاعل ومتأثر في آنٍ واحد.
ومن هنا تنبع أهمية قراءة التاريخ، لا بوصفه ماضيًا منقضيًا، وإنما باعتباره خبرة إنسانية متراكمة، تساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وهكذا نجد أن التاريخ، في جوهره، هو تفاعل دائم بين الإنسان والزمن، يكتب الإنسان بعض فصوله بإرادته، بينما تكتب الأيام والسنون فصولًا أخرى في وعي الإنسان ومصيره، وبين هذين البعدين، تستمر رحلة الحياة، حاملة معها دروس الماضي، وأسئلة الحاضر، وآمال التطلع إلى المستقبل.