![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#67 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 326 الى صـــ 345 الحلقة (67) أبيه قَالَ: جلست إلى أبي ذر الغفاري إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم (هذِه) (١) الصمصامة عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- عَلَى أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ. أنبأنيه شيخنا قطب الدين عبد الكريم الحلبي، حَدَّثَنِي الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي، أنبأنا الحسين الخليلي، أنا ابن كاره، أنا ابن عبد الباقي، عن ابن حيوية، عن ابن معروف، عن الحسين بن فهم، عن محمد بن منيع، عن سليمان، (عن) (٢) عبد الرحمن، عن الوليد به. تاسعها: الصَّمصامة -بفتح الصادين المهملتين-: السيف بحد واحد، قَالَ ابن سيده والجوهري وغيرهما: الصمصامة والصمصمام: السيف الصارم --------------------- = وغيره من طريق الأوزاعي: حدثني أبو كثير -يعني: مالك بن مرثد- عن أبيه. فجزم الحافظ أنه مالك بن مرثد، وقبله المزي في «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٥٥ (٥٧٥٠) ثم ذكر اضطراب الأوزاعي في اسمه، فقال: وروى عنه الأوزاعي فقال مرة: مرثد بن أبي مرثد، وقال مرة: عن ابن مرثد، أو أبي مرثد. قلت: يؤيد هذا ما قاله ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢١٣ في شرح حديث أبي ذر في تعيين ليلة القدر وسنده مثل هذا السند، فقال: هكذا قال الأوزاعي: عن مرثد بن أبي مرثد وهو خطأ، وإنما هو مالك بن مرثد، عن أبيه ولم يقم الأوزاعي إسناد هذا الحديث ولا ساقه سياقة أهل الحفظ له. ومما يحسن التنبيه إليه أن محقق الدارمي صماه: يزيد بن عبد الرحمن بن أزينة لاشتراكهما في الكنية ورواية الأوزاعي عنهما وروايتهما عن أبويهما، عن أبي ذر، ومن ثم ضعف حديثنا هذا، ولعله لم يمعن النظر أثناء التحقيق فوقع في هذا الوهم. (١) من (ج). (٢) في (ج): بن. الذي لا ينثني (١). ومعنى قوله: (قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ)، أي: تقطعوا رأسي، أراد - رضي الله عنه - بذلك الحض عَلَى العلم والاغتباط بفضله، حيث سهل عليه قتل نفسه في جنب ما يرجو من ثواب نشره وتبليغه. ويؤخذ منه: أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة ويحتمل الأذى ويحتسبه رجاء ثواب الله، ويباح له أن يسكت إِذَا خاف الأذى كما قَالَ أبو هريرة: لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله - ﷺ - لقطع (مني) (٢) هذا البلعوم (٣). وعنه: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر (٤). قَالَ الحسن: صدق. وكأنه أراد والله أعلم عنى به ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية. عاشرها: قوله: (وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] عُلَمَاءَ (٥) فُقَهَاءَ)، هذا التعليق رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» بإسناد صحيح عن أبي بكر الجيري، (ثنا) (٦) أبو محمد ---------------------- (١) انظر: «المحكم» ٨/ ١٨٥، «الصحاح» ٥/ ١٩٦٨، «تهذيب اللغة» ٢/ ٢٠٦٠، «لسان العرب» ٤/ ٢٥٠٣، مادة: (صمم). (٢) من (ج). (٣) سيأتي في رواية البخاري برقم (١٢٠) باب: حفظ العلم عنه: حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. (٤) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٣٣١. (٥) كذا في (ج)، (ف) وفي «اليونينية» ١/ ٢٥: حلماء، وفي هامشها أنه وقع في بعض النسخ حكماء. (٦) في (ف): نا. حاجب بن أحمد الطوسي، (ثنا) (١) عبد الرحيم بن منيب، (نا) (٢) الفضيل بن عياض، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عنه (٣). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب «العلم» عن المقدمي، (ثنا) (٤) أبو داود عن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عنه. الحادي عشر: الرباني: المتأله العارف بالله تعالى، قاله الجوهري وغيره (٥)، وربيت القوم: سستهم أي: كنت فوقهم. وقال أبو نصر: من الربوبية أي: معرفتها، كما قاله صاحب «العين» (٦). وقال الإسماعيلي: منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد قصد ما أمره الرب، وقال أحمد بن يحيى: إنما قيل للعلماء: الربانيون؛ لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به، وقيل: لأنهم أصحاب العلم وأربابه، وزيدت الألف والنون للمبالغة. وقيل: أصله من رب الشيء إِذَا ساسه وقام به ثمَّ زيد ياءً. وقيل: من معنى التربية، كانوا يربون المتعلمين بصغار العلم قبل كباره وهو ما حكاه البخاري، وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم رباني حتَّى يكون عاملًا معلمًا (٧). وفي موضع آخر: هو العالي الدرجة في العلم. وقال مجاهد فيما ---------------------- (١) في (ف): نا. (٢) في (ج): ثنا. (٣) «الفقيه والمتفقه» ١/ ١٨٥ (١٧٨)، وفيه اأنتهى السند إلى سعيد بن جبير ولم يذكر ابن عباس، ولفظه: حكماء فقهاء. وهي إحدى نسخ البخاري. (٤) في (ف): نا. (٥) «الصحاح» ١/ ١٣٠. (٦) «العين» ٨/ ٢٥٦. (٧) «الفقيه والمتفقه» ١/ ١٨٥ (١٨٠). حكاه الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه»: الربانيون: الفقهاء وهم فوق الأحبار (١). وقال أبو عبيد: أحسب الكلمة ليست بعربية وذلك أن أبا عبيدة زعم أن العرب لا تعرف الربانيين، سمعت وجلًا عالمًا بالكتب يقول: الربانيون: العلماء بالحلال والحرام. وفي «جامع القزاز» الرِّبي: والجمع الربيون هم: العباد الذين يصحبون الأنبياء ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة الرب -سبحانه وتعالى-. وقيل: هم العلماء الصُبَّر. وقال القزاز: وأنا أرى أن يكون عربيًا. الثاني عشر: مقصود البخاري -رحمه الله- فيما ترجمه أن العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنى متئقدمًا وهو العلم بما يفعله وما يترتب عليه من الثواب، فعند ذَلِكَ يخلص فيه ويقصد به الثواب، ومتى خلى العمل عن ذلكَ فليس بعمل. ------------------------ (١) «الفقيه والمتفقة» ١/ ١٨٤ (١٧٧). ١١ - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ كَىْ لَا يَنْفِرُوا ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوعِظَةِ في الأيًّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا. [٧٠، ٦٤١١ - مسلم: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٢] ٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تنفِّرُوا». [٦١٢٥ - مسلم: ١٧٣٤ - فتح: ١/ ١٦٣] ذكر فيه حديث ابن مسعود وحديث أنس. أما حديث ابن مسعود فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْن يُوسُفَ، نَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابن مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه (إثر) (١) الباب الذي بعده، عن عثمان بن أبي شيبة، (نا) (٢) جرير، عن منصور، عن أبي وائل (٣). وأخرجه في الدعوات عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش به (٤). -------------------------- (١) من (ج). (٢) في (ج): ثنا. (٣) سيأتي برقم (٧٠) كتاب: العلم، باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة. (٤) سيأتي برقم (٦٤١١) كتاب: الدعوات، باب: الموعظة ساعة بعد ساعة. وأخرجه مسلم في التوبة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وعلي بن نمير، عن أبي معاوية، وعن الأشج، عن (ابن) (١) إدريس، وعن منجاب، عن علي بن مسهر، وعن إسحاق بن إبراهيم، وابن خشرم، عن (يونس) (٢)، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان، (كلهم) (٣) عن الأعمش، زاد الأعمش (٤) في رواية ابن مسهر: وحَدَّثَنِي عمر بن مرة، عن (شقيق) (٥)، عن عبد الله مثله (٦). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلفوا غير محمد بن يوسف، وهو الإمام الثقة أبو عبد الله محمد (ع) بن يوسف بن واقد الفريابي (الضبي) (٧)، مولاهم سكن قيسارية من ساحل الشام (٨). أدرك الأعمش وروى عنه، وعن السفيانين وغيرهم، وعنه: أحمد والذهلي وغيرهما، أكثر عنه البخاري، وروى في الصداق عن إسحاق غير منسوب عنه، وروى مسلم والأربعة عن رجل عنه. ------------------------ (١) في (ج)، (ف): أبي، وهو خطأ فهو عبد الله بن إدريس. (٢) كذا في (ج)، (ف) والصواب: عيسى بن يونس كما عند مسلم (٢٨٢١/ ٨٢) انظر ترجمته في «التهذيب» ٢٣/ ١٦ (٤٦٧٣). (٣) من (ج). (٤) وقع في «صحيح مسلم»: وزاد منجاب في روايته عن ابن مسهر: قال الأعمش .. (٥) في (ف): سفيان. (٦) «صحيح مسلم» (٢٨٢١) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: الاقتصار في الموعظة. (٧) من (ج). (٨) قيسارية: بالفتح ثم السكون، وسين مهملة وبعد الألف راء ثم ياء مشددة: بلد على ساحل بحر الشام تعد من أعمال فلسطين، قديمًا كانت من أعيان أمهات المدن واسعة الرقعة طيبة البقعة كثيرة الخير والأهل، أما الآن فهي ليست كذلك. انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١١٠٦. «معجم البلدان» ٤/ ٤٢١. وقال البخاري: كان من أفضل أهل زمانه. وقال أحمد: كان رجلًا صالحًا. ووثقه النسائي وغيره. مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين (١). ثالثها: معنى (يتخولنا) -بالخاء المعجمة-: يصلحنا ويقوم علينا، يقال: خال المال يخول خولًا إِذَا ساسه وأحسن القيام عليه. والخائل المتعاهد للشيء المصلح له. وقال الخطابي: يتخولنا: يتعهدنا ويراعي الأوقات في وعظنا ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعله كل يوم لئلا نسأم، ومثله: التخون بالنون (٢). وقال أبو عمرو الشيباني فيما حكاه صاحب «الغريبين»: الصواب يتحولنا -بالحاء المهملة- أي: يطلب أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة فيعظهم ولا يكثر عليهم فيملوا. وكان الأصمعي يرويه يتخوننا -بالنون والخاء المعجمة- أي: يتعهدنا. وحكاه صاحب «مجمع الغرائب» وابن الأثير (٣). رابعها: السآمة: الملل، يقال: سئمت أسأم سأمًا وسآمًا وسآمة إِذَا مللته، ورجل سئوم. ------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٩، «الجرح والتعديل» ٨/ ١١٩ - ١٢٠ (٥٣٣)، «التاريخ الكبير» ١/ ٣٣ - ٣٤ (٨٤٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٥٧ (٢١٦٣)، «المعرفة والتاريخ» ١/ ١٩٧ - ١٩٨. «الثقات» ٩/ ٥٧، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٥٢ - ٦١ (٥٧١٦). (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٩٤. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٨٨. خامسها: أراد النبي - ﷺ - الرفق بأمته؛ ليأخذوا الأعمال بنشاطٍ (وحرص) (١) عليها، وقد وصفه تبارك تعالى بذلك حيث قَالَ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية. وأما الحديث الثاني فقال في سياقته: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، نَا يَحْيَى بْنُ سعِيدٍ، نَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاح، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». الكلام عليه من وجوه: أولها: هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الأدب، عن آدم، عن شعبة به، وفيه: «وسكنوا» بدل: «ويسروا» (٢)، وكذا جاء في مسلم فإنه أخرجه في المغازي، عن عبد الله بن معاذ، عن أبيه وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبيد بن سعيد، وعن محمد بن الوليد، عن غندر، كلهم عن شعبة به (٣). فوقع للبخاري عاليا رباعيًا من طريق آدم، وآدم مما انفرد به عن مسلم. ثانيها: في التعريف برواته غير ما سلف: فأبو التياح (ع) اسمه: يزيد بن حميد الضبعي، من أنفسهم، سمع أنسًا وعمران بن حصين وخلقًا من التابعين، ومن بعدهم، قَالَ أحمد: -------------------- (١) في (ف): وحرض. (٢) سيأتي برقم (٦١٢٥) كتاب: الأدب، باب: قول النبي - ﷺ -: «بشروا ولا تنفروا ..». (٣) (١٧٣٤) كثاب: الجهاد والسير، باب: في الأمر بالتيسير وترك التنفير. هو ثبت ثقة. وقال ابن المديني: معروف ثقة. مات سنة ثمان وعشرين ومائة (١). ومحمد بن بشار: هو الإمام أبو بكر محمد بن بشار بن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري بندار، لقب بذلك لأنه كان بندار الحديث، جمع حديث بلده، والبندار الحافظ البارع، الثقة، ولا عبرة بمن لينه. قَالَ أبو داود: كتبت عنه نحوًا من خمسين ألف حديث. روى عنه البخاري ومسلم والأربعة وخلق منهم: الرازيان وابن خزيمة، وعنه قَالَ: (كتبت عن) (٢) خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة، وولدت سنة سبع وستين ومائة. قَالَ البخاري: ومات في رجب سنة اثنتين وخمسين. يعني: ومائتين (٣). ------------------ (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٨، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٢٦ (٣١٨٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٦٢ (٢٠١٢)، «الثقات» ٥/ ٢٣٤، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٠٩ - ١١٢ (٦٩٧٨). (٢) في (ج): كتب عني. (٣) قال ابن حجر: أحد الثقات المشهورين، روى عنه الأئمة الستة وضعفه عمرو بن علي الفلاس، ولم يذكر سبب ذلك ذلك فما عرجوا على تجريحه. وقال القواريري: كان يحيى بن معين يستضعفه. وقال أبو داود: لولا سلامة فيه لترك حديثه، يعني: أنه كانت فيه سلامة فكان إذا سها أو غلط يحمل علي أنه لم يتعمد، وقد احتجَّ به الجماعة ولم يكثر البخاري من تخريج حديثه؛ لأنه من صغار شيوخه، وكان بندار يفتخر بأخذ البخاري عنه. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٤٩ (٩٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٣٣ (١٥٧٣)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢١٤ (١١٨٧)، «الثقات» ٩/ ١١١، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٥١١ - ٥١٨ (٥٠٨٦)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٣٧. ثالثها: إنما جمع بين هذِه الألفاظ وهي: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا». فذكر الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلها في وقتين، فلو اقتصر عَلَى يسروا صدق ذَلِكَ عَلَى من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فلما قَالَ: «ولا تعسروا» انتفي التعسير من كل وجه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في: «بشروا ولا تنفروا»، ثمَّ إن المحل قابل للإسهاب وكثرة الألفاظ؛ لشبهه بالوعظ. والبشارة بكسر الباء وضمها: الخبر الذي يغير البشرة، وهي عند الإطلاق للخير. رابعها: فيه الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف، وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، فيتألف التائب ويتلطف به، ويدرج في أنواع الطاعة قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التلطف عَلَى التدريج، ومتى يسر عَلَى المريد للطاعة سهلت عليه وتزايد فيها، ومتى عسرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك عدم دوامه عليها. ١٢ - باب مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُل خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أنَكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أتَخَوَّلُكُمْ بِالَمْوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [انظر: ٢٨٢١ - فتح: ١/ ١٦٣] نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمِ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. الكلام عليه من وجوه: أحدها: قدمت لك في الباب الماضي تعداد البخاري لَهُ في مواضع منها هذا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بأبي وائل وعبد الله، وأما منصور (ع) فهو بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله بن ربيعة -بضم الراء- أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة. روى عن أبي وائل وزيد بن وهب، وعنه: السفيانان وخلق. وهو (ثبت) (١) ثقة أريد عَلَى القضاء فامتنع، قيل: صام أربعين سنة وقام ليلها. وقيل: ستين سنة. وعمش من البكاء. مات سنة ثلاث، وقيل: ----------------------- (١) من (ج). اثنتين وثلاثين ومائة (١). وأما جرير (ع) فهو: ابن عبد الحميد الضبي القاضي محالم أهل الري ذو التصانيف، روى عن منصور وحصين وغيرهما. وعنه: أحمد وابن معين وغيرهما. وهو ثقة كثير العلم يرحل إليه، ولد سنة مات الحسن سنة عشر ومائة، ومات سنة ثمان أو سبع وثمانين ومائة، ونسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ (٢). وأما عثمان بن أبي شيبة: فهو الحافظ أبو الحسن عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان بن خواستي -بضم الخاء المعجمة وبسين مهملة (ثمَّ مثناة) (٣) فوق- العبسي الكوفي. أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، وأبو بكر أجل منه، والقاسم ضعيف، رحل وكتب. وعنه: الذهلي والبخاري، ----------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٧ (١٤٩١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٩ (١٧٩٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٧ - ١٧٨ (٨٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥ (٦٢٠١). (٢) قال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال ابن حجر: وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس، وروى الشاذكوني عنه ما يدل على التدليس، لكن الشاذكوني فيه مقال. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، وقال البيهقي: نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، ولم أر ذلك لغيره بل احتجَّ به الجماعة. انظر: ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٨١، «معرفة الثقات» ١/ ٢٦٧ (٢١٥)، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢١٤ (٢٢٣٥)، «الثقات» لابن حبان ٦/ ١٤٥، «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٤٠ - ٥٥١ (٩١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٣٩٥. (٣) من (ج). ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى النسائي في «اليوم والليلة» عن رجل، عنه. وهو ثقة. قَالَ أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وأثنى عليه، وكان ينكر عليه أحاديث حدث بها، منها: حديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر قَالَ: شهد النبي - ﷺ - عيدًا للمشركين (١). مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٢). --------------------- (١) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: عرضت على أبي حديثًا حدثنا عثمان، عن جرير، عن شيبة بن نعامة، عن فاطمة بنت حسين، عن فاطمة الكبرى، عن النبي - ﷺ - في العصبة، وحديث جرير، عن الثوري، عن ابن عقيل، عن جابر أن النبي - ﷺ - شهد عيدًا للمشركين. فأنكرها جدًّا، وعدة أحاديث من هذا النحو فأنكرها جدًا. وقال: هذِه أحاديث موضوعة، أو كأنها موضوعة: وقال: ما كان أخوه -يعني عبد الله بن أبي شيبة- تَطيب نفسه لشيء من هذِه الأحاديث؛ ثم قال: نسأل الله السلامة في الدين والدنيا. وقال: نراه يتوهم هذِه الأحاديث نسأل الله السلامة اللهم سلِّم سلِّم. انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٥٥٩ (١٣٣٣). (٢) وثقة يحيى بن معين وابن نمير والعجلي وجماعة. وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ١٦٧: كان أكبر من أخيه أبي بكر إلا أن أبا بكر ضعيف وعثمان صدوق. وتتبع الخطيب الأحاديث التي أنكرها أحمد على عثمان وبيَّن عذره فيها. وذكر له الدارقطني في كتاب: التصحيف أشياء كثيرة صحفها من القرآن في «تفسيره». وأورد له ابن الجوزي في «آفة أصحاب الحديث» بعض تصحيفاته، والراجح أن أكثرها كان من جهة الدعابة والمزاح، وقال ابن حجر: أحد الحفاظ الكبار .. روى له الجماعة سوى الترمذي. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٥٠ (٢٣٠٨)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٠ (١٢١٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ (٩١٣)، «الثقات» ٨/ ٤٥٤، «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٨٣ - ٢٨٨ (٦٠٥٤). «تهذيب الكمال» ١٩/ ٤٧٨ - ٤٨٧ (٣٨٥٧)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٤. ثالثها: في ضبط لفظه وفوائده، وقد سلفت في الباب قبله. وفيه: بيان ما كانت الصحابة عليه من الاقتداء بفعله، والمحافظة عَلَى استعمال (سننه) (١)، وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من عظيم الأجر وما في مخالفته من الوعيد والزجر، أعاننا الله عَلَى ذَلِكَ. ---------------------- (١) في (ج): سنته. ١٣ - باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابِ قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوَيةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ». [٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠ - مسلم: ١٠٣٧ - فتح: ١/ ١٦٤] نَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، نَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَاب قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ والله يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سعيد كما ترى، وأخرجه في الاعتصام عن إسماعيل بن أبي أويس (١) كلاهما عن ابن وهب، وفي الخمس عن حبان بن موسى، عن ابن المبارك (٢). وأخرج مسلم في الزكاة الفصلين الأولين، عن حرملة، عن ابن وهب (٣) ----------------------- (١) سيأتي برقم (٧٣١٢) كتاب: الاعتصام، باب، قول النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين». (٢) سيأتي برقم (٣١١٦) كتاب: فرض الخمس، باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. (٣) رواه مسلم برقم (١٠٣٧/ ١٠٠) كتاب: الزكاة، باب: النهي عن المسألة. كلاهما (١) عن يونس، عن الزهري، عن حميد. والفصل الثالث وهو قوله: «ولن تزال» إلى آخره عن عمير بن هانئ عن معاوية بألفاظ (٢). وفي البخاري فقال معاذ: بالشام (٣). ولمسلم أيضًا: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين عَلَى الحق حتَّى يأتي أمر الله» (٤). ورواه غير معاوية من الصحابة ستة: عمر وابنه عبد الله وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، ذكرهم الخطيب في كتاب «الفقيه والمتفقه» (٥). رواه عن معاوية جماعة عدَّدهم هو وابن عبد البر في «جامع بيان العلم»، منهم معبد الجهني بزيادة: «ويزهده في الدنيا ويبصره بعيوبه» (٦). ثانيها: قوله: (عن ابن شهاب قَالَ حميد بن عبد الرحمن) كذا وقع هنا في جميع النسخ بلفظ (قَالَ) لم يذكر فيه لفظ السماع، وجاء في «صحيح مسلم» فيه عن ابن شهاب، حَدَّثَنِي حميد بلفظ التحديث (وأثبت الدمياطي) (٧). -------------------- (١) يعني ابن وهب، وابن المبارك. (٢) مسلم (١٠٣٧/ ١٧٤) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ..». (٣) سيأتي برقم (٧٤٦٠) كتاب: التوحيد، باب: قول الله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾. (٤) (١٩٢٥) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ - «لا تزال طائفة من أمتي ..». (٥) انظر: «الفقيه والمتفقه» ١/ ٧٢ - ٨٥ (١ - ٢٥). (٦) انظر: «الفقيه والمتفقه» ١/ ٧٧ - ٨٤ (٩ - ٢٣)، «جامع بيان العلم» ١/ ٩٥ - ٩٨ (٨٣ - ٨٩). (٧) من (ف). وقد اتفق أصحاب الأطراف وغيرهم عَلَى أنه من حديث ابن شهاب، عن حميد فتنبه لذلك، وقد وقع للبخاري مثل هذا في كتاب التوحيد في باب: قوله -عليه السلام-: «رجل آتاه الله القرآن» فقال فيه: (حدثنا) (١) علي بن عبد الله، (ثنا) (٢) سفيان، قَالَ الزهري. وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ (٣): سمعت من سفيان مرارًا لم أسمعه يذكر الخبر وهو من صحيح حديثه (٤). لكن يمكن أن يقال: سفيان مدلس. فنبه عليه البخاري لأجل ذَلِكَ. ثالثها: في التعريف برواته غير من سلف: أما معاوية (ع) فهو خال المؤمنين، أبو عبد الرحمن بن أبي سفيان صخر بن حرب الخليفة الأموي كاتب الوحي، أسلم عام الفتح، وعاش ثمانيًا وسبعين سنة، ومات سنة ستين في رجب (٥). ومناقبه جمة، وليس في الصحابة معاوية بن صخر غيره، وفيهم: معاوية فوق العشرين (٦). ---------------------- (١) في (ف): نا. (٢) في (ف): نا. (٣) القائل هو: على بن المديني وهو الراوي عن سفيان بن عيينة. (٤) سيأتي برقم (٧٥٢٩) كتاب: التوحيد، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجل آتاه الله القرآن ..». (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ٣٦٣ - ٣٧٨، «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ٧٢ (١٠٢٦)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٩٦ - ٢٤٩٩ (٢٦٥٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٧٠ - ٤٧٥ (٢٤٦٤)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٢ (٤٩٧٧)، «الإصابة» ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (٨٠٦٨). (٦) منهم معاوية بن ثعلبة، معاوية بن ثور، معاوية بن جاهمة، معاوية بن خديج، معاوبة بن الحكم، معاوية بن حيدة، معاوية بن سويد، معاوية بن صعصعة، معاوية بن عبد الله بن أبي أحمد، معاوية بن عبد الله، معاوية بن عياض، معاوية بن قرمل، معاوية الليثي، معاوية بن محصن، معاوية بن معاوية، معاوية بن نفيع، معاوية بن نوفل، معاوية الهذلي، معاوية بن أنس السلمي، معاوية بن الحارث بن = وأما حميد فقد سلف. وأما ابن وهب: فهو الإمام أبو محمد عبد الله (ع) بن وهب الفهري مولاهم المصري، أحد الأعلام طلب للقضاء فختن نفسه وانقطع، وهو أفقه من ابن القاسم، روى عن: يونس وابن جريج وغيرهما، وعنه: أحمد بن صالح والربيع وخلق، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وولد سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة أربع وفيها مات الزهري، ولم يكتب مالك الفقيه لأحد إلا إليه. وقال ابن أبي حاتم: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديثه فلا أعلم أني رأيت حديثًا لا أصل له، وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث، قَالَ الخليلي: و«موطؤه» يزيد عَلَى كل من روى عن مالك، وعنده الفقه الكثير، ونظر الشافعي في كتبه ونسخ منها (١). --------------------- = المطلب، معاوية بن حزن القشيري، معاوية بن أبي ربيعة الجرمي، معاوية بن سفيان بن عفيف المزني، معاوية بن عمرو الكلَّاع، معاوية بن مرداس، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، معاوية بن مقرن المزني، معاوية الثقفي، معاوية العذري، معاوية الهذلي. انظر ترجمتهم في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ٣٧٩ - ٣٩٦، «معرفة الصحابة» لابن قانع ٣/ ٧٠ - ٧٧ (١٠٢٥ - ١٠٣١)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٥٠٠ - ٢٥٠٩ (٢٦٥٥ - ٢٦٦٦)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٦٨ - ٤٧٧ (٢٤٥٩ - ٢٤٦٩)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٥ - ٢١٦ (٤٩٧٠ - ٤٩٨٨)، «الإصابة» ٣/ ٤٣٠ - ٤٣٨ (٨٠٥٨ - ٨٠٨٨). (١) انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٨، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٨ (٧١٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٦٥ (٩٩٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨٩ - ١٩٠ (٨٧٩)، «الثقات» ٨/ ٣٤٦، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢٧٧ - ٢٨٧. فائدة: ليس في الصحيحين عبد الله بن وهب غيره فهو من أفرادهما، وفي الترمذي وابن ماجه عبد الله بن وهب الأسدي تابعي، وفي (النسائي) (١) عبد الله بن وهب، عن تميم الداري وصوابه ابن موهب، وفي الصحابة عبد الله بن وهب خمسة فاعلم ذَلِكَ (٢). وأما سعيد بن عفير فهو الحافظ أبو عثمان سعيد بن كثير بن عفير -بالعين المهملة المضمومة ثمَّ فاء- الأنصاري المصري يروي عن مالك والليث، وعنه البخاري، وروى مسلم والنسائي عن رجل عنه، قَالَ أبو حاتم: صدوق ليس بالثبت، كان يُقرئ من كتب الناس (٣)، عاش ثمانين سنة ومات سنة ست وعشرين ومائتين (٤). ------------------ (١) في (ف): الثاني. (٢) عبد الله بن وهب الدوسي، عبد الله الأكبر بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد بن عبد العزى، عبد الله بن وهب الأسلمي، عبد الله بن وهب الزهري، عبد الله بن وهب أبو سنان الأسدي. انظر ترجمتهم في: «أسد الغابة» ٣/ ٤١٣ - ٤١٥ (٣٢٣٩ - ٣٢٤١)، «الإصابة» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢ (٥٠٢٥ - ٥٠٣٠). (٣) «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٦ - ٥٧ (٢٤٨). (٤) ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح، وابن أبي مريم أحبُّ إليَّ منه. وقال الحاكم: يقال: إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه، وقال ابن عدي: سمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطًا غير ثقة، وهذا الذي قاله السعدي لا معنى له ولم أسمع أحدًا ولا بلغني عن أحدٍ من الناس كلام في سعيد بن كثير بن عفير، وهو عند الناس صدوق ثقة، وقد حدث عنه الأئمة من الناس إلا أن يكون السعدي أراد به سعيد بن عفير غير هذا. وقال ابن حجر: لم يكثر عنه البخاري، وروى له مسلم والنسائي. انظر ترجمته في: «الثقات» ٨/ ٢٦٦، «الكامل» ٤/ ٤٧١ - ٤٧٣ (٨٣٩)، «تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٩. «مقدمة ابن حجر» ص ٤٠٦. رابعها: (الفقه) (١) الفهم، يقال فقه -بفتح القاف- إِذَا سبق غيره إلى الفهم، وبكسرها إِذَا فهم، وبضمها إِذَا صار له سجية، ومنه فقيه فعيل بمعنى: فاعل، وقوله: («من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين») هو شرط وجزاؤه، وهما مجزومان، ومن لا يريد به خيرًا فلا يفقهه فيه وأتى بالخير منكرًا؛ لأنه أبلغ، فكأنه قَالَ: عَلَى النفي لا يريد به خيرًا من الخير، والمراد (بالدين): الإسلام، ومنهم من فسر الفقه في الدين بالفقه في القواعد الخمس ويتصل بها الفروع. خامسها: معنى قوله -عليه السلام-: («وإنما أنا قاسم»): لم أستأثر بشيء من مال الله، وهو كقوله في الحديث الآخر: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم» (٢)، وإنما قَالَ ذَلِكَ؛ تطييبًا لقلوبهم لمفاضلته بالعطاء، فالمال لله، والعباد لله وأنا قاسم بإذنه ماله بينكم وهو معنى قوله بعده: «والله يعطي فمن قسمت لَهُ قليلًا أو كثيرًا فبقضاء الله» وفيه إيماء كما قَالَ الداودي إلى أنه يعطي بالوحي، ويجوز أن يكون باجتهاده ولا يخطَّأ اجتهاده. سادسها: قوله: («وَلَنْ تَزَالَ هذِه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ») يريد أن هذِه الأمة آخر الأمم وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها، وضعف الدين فلابد أن يبقى من -------------------- (١) في (ج): الفَقِيه. (٢) هذِه الرواية سلف تخريجها. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#68 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 346 الى صـــ 365 الحلقة (68) أمته من يقوم به، لقوله: «ولا يضرهم من خالفهم»، والمراد بامر الله: قيل: إنه الريح إذ في «الصحيح» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ اليَمَنِ أَلْيَنَ مِنَ الحَرِيرِ فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مثقال حبة إيمان» (١). وأما الحديث الآخر: «لا تقوم الساعة حتَّى لا يقال في الأرض: الله، الله» (٢)، وحديث: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» (٣) فالمراد حتَّى يقرب قيامها، وهو خروج الريح، وجوز الطبري أن نضمر في هذين الحديثين بموضع كذا، فالموصوفون بأنهم شرار الخلق غير الموصوفين بأنهم عَلَى الحق، ويؤيده أنه جاء في بعض طرق الحديث قيل: من هم يا رسول الله؟ قَالَ: «ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس» (٤). ----------------------- (١) رواه مسلم (١١٧) كتاب: الإيمان، باب: في الريح التي تكون قرب القيامة. (٢) رواه مسلم (١٤٨) كتاب: الإيمان، باب: ذهاب الإيمان آخر الزمان من حديث أنس. (٣) رواه مسلم (٢٩٤٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة. (٤) روي من حديث أبي أمامة الباهلي. رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» ٥/ ٢٦٩، وجادة بخط أبيه، والطبراني ٢٠/ ١٤٥ (٧٦٤٣)، من طريقين عن ضمرة بن رببعة، عن يحيى بن أبي عمرو، عن عمرو بن عبد الحضرمي، عن أبي أمامة به. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٨٨: رواه عبد الله وجادة عن خط أبيه، والطبراني ورجاله ثقات. وقال الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٥٩٩: وهذا سند ضعيف لجهالة عمرو بن عبد الله الحضرمي، ثم ذكر كلام الهيثمي متعجبًا. روري نحوه من حديث مرة البهزي. رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٢٩٨، والطبراني ٢٠/ ٣١٧ - ٣١٨ (٧٥٤)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١/ ٢١٠. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ = وقد سلف قول معاذ في البخاري أنهم بالشام، وقال مطرف: كانوا يرون أنهم أهل الشام، ورواية مسلم السالفة: «لا يزال أهل الغرب» قَالَ ابن المديني: المراد بهم: العرب؛ لأنهم من أهل الغرب. وهو: الدلو، وقيل: المراد: الغرب من الأرض، وقيل المراد بهم أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيءٍ: حده. وفي «الصحيح» أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين عَلَى الحق»، قَالَ البخاري: هم أهل العلم (١). وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم (٢)؟ قَالَ عياض: وأراد أحمد بأهل الحديث أهلَ السنة والجماعة ومن يعتقد مذهبهم (٣). ------------------- = ٢٨٨ - ٢٨٩: رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم، فقال الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٦٠٠ - تعليقًا على قول الهيثمي-: كذا قال ومن لم يعرفهم مترجمون في «تاريخ البخاري» و«الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم .. فالصواب أن يقال: وفيه من لم يوثق إلا من ابن حبان، فإنه وثق أحدهم -والله أعلم-. وروي أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة. رواه أبو يعلى في «مسنده» ١١/ ٣٠٢ (٦٤٠٧)، والطبراني في «الأوسط» ١/ ١٩ - ٢٠ (٤٧)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٣٦٨ في ترجمة الوليد بن عباد (٢٠٠٨)، وتمام في «الفوائد» ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠ (١٧٧٣)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١/ ٢٥٤ وعزاه المتقي في «الكنز» لـ«تاريخ داريا» لعبد الجبار، ولابن عساكر أيضًا. قال ابن عدي: وهذا الحديث بهذا اللفظ ليس يرويه غير ابن عياش، عن الوليد بن عياد، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٨٨: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: الوليد بن عباد، وهو مجهول. (١) سيأتي برقم (١٩٢٠) كتاب: الإمارة، قوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»، من حديث ثوبان. (٢) رواه الخطيب البغدادي في: «شرف أصحاب الحديث» ص ٦١ (٤٣). (٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٣٥٠. قَالَ النووي: ويحتمل أن تكون هذِه الطائفة متفرقة من أنواع المؤمنين فمنهم: شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، ومنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع من الخير، ولا يلزم اجتماعهم بل يكونوا متفرقين (١). ويؤيد ما ذكره ما جاء في بعض الروايات: «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون» (٢) وشبهه. وقيل: معنى قوله: «ولن تزال هذِه الأمة ..» إلى آخره أن الله يحمي إجماعها عن الخطأ حتَّى يأتي أمر الله، ولا يسمى أمة إلا من يعتد بإجماعه. سابعها: في فوائده: الأولى: فضل العلماء عَلَى سائر الناس، وفضل الفقه عَلَى سائر العلوم؛ لأنهم الذين يخشونه تعالى من عباده فيتجنبون معاصيه، ويديمون طاعته؛ لمعرفتهم بالوعد والوعيد وعظم النعمة، وقَالَ ابن عمر للذي قَالَ له فقيه: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة (٣). الثانية: أن الإسلام لا يذل وإن كثر مطالبوه. -------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٣/ ٦٧. (٢) سلف تخريج هذِه الرواية. (٣) لم أقف عليه من كلام ابن عمر، ولكن وجدته من كلام الحسن البصري رواه عنه الدارمي في «مسنده» ١/ ٣٣٧ (٣٠٢)، ونعيم بن حماد في «زوائده» على كتاب «الزهد» لابن المبارك ١/ ٨ (٣٠)، وأحمد في «الزهد» ص ٣٢٧، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ١٤٧. الثالثة: أن الإجماع حجة، وحديث: «لا تجتمع أُمَّتي عَلَى ضلالة» ضعيف (١) ------------------- (١) قلت: في إطلاق المصنف لفظة (ضعيف) نظر، فقد جاءت هذِه القطعة في عدة أحاديث مرفوعة إلى النبي - ﷺ - عن ابن عمر وأنس وأبي بصرة الغفاري وأبي مالك الأشعري وكعب بن عاصم وابن عباس ورواية موقوفة على أبي مسعود. ١ - أما حديث ابن عمر فرواه الترمذي في «سننه» (٢١٦٦) وفي «علله» ٢/ ٨١٧، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٠)، والطبراني ١٢/ ٤٤٧ (١٣٢٣، ٣٢٢٤)، والحاكم ١/ ١١٥ - ١١٦، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» ١/ ١١٨ (١٥٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٣٧، وأبو عمرو المقرئ في «السنن الواردة في الفتن» ٣/ ٧٤٧ (٣٦٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ٣٣ (٧٠١) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ..» ومداره على معتمر بن سليمان وقد اختلف عليه في إسناده، فمرة يُروى عنه، عن أبيه كما عند اللالكائي، والحاكم وأبي نعيم- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الحاكم: خالد بن يزيد القرني- يقصد الراوي عن معتمر- هذا شيخ قديم للبغداديين ولو حفظ هذا الحديث لحكمنا له بالصحة. ومرة يُروى عنه، عن أبي سفيان -أو أبو عبد الله- سليمان بن سفيان المدني- كما عند الترمذي وابن أبي عاصم والطبراني والحاكم وأبي عمرو المقرئ والبيهقي- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الترمذي في «العلل»: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: سليمان المدني هذا منكر الحديث. وقال الحاكم: قال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق: لست أعرف سفيان وأبا سفيان هذا. ومرة يُروى عنه، عن سلم بن أبي الذيال -كما عند الحاكم- عن عبد الله بن دينار عنه. قال الحاكم: وهذا ولو كان محفوظًا من الراوي لكان من شرط «الصحيح». ومرة يُروى عنه، عن مرزوق مولى آل طلحة -كما عند الطبراني- عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر به. قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢١٨: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= ثقات رجال «الصحيح» خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة. وقال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤٠: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ٢ - وأما حديث أنس فرواه ابن ماجه (٣٩٥٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ١١٢ (١٢١٨)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٣، ٨٤)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ٣٨، والحاكم ٦/ ١١١ - ١١٧، والضياء في «المختارة» ٧/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٥٥٩)، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ..»، روي عن أنس من ثلاث طرق: الأولى عند ابن ماجه وعبد بن حميد وابن أبي عاصم وابن عدي من طريق معان بن رفاعة، عن أبي خلف الأعمى عنه. قال ابن عدي: ومعان بن رفاعة عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال البوصيري في «الزوائد» ص ٥١٠: وهذا إسناد ضعيف لضعف خلف الأعمى. الطريق الثانية عند الحاكم من طريق مبارك بن سحيم مولى عبد العزيز بن صهيب، عن عبد العزيز بن صهيب، عنه. قال الحاكم: أما مبارك بن سحيم فإنه ممن لا يمشي في مثل هذا الكتاب ولكني ذكرته اضطرارًا. الطريق الثالثة: عند ابن أبي عاصم والضياء من طريق مصعب بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنه. قال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤١: إسناده ضعيف، مصعب بن إبراهيم منكر الحديث. ٣ - وأما حديث أبي بصرة الغفاري فرواه أحمد ٦/ ٣٩٦، والطبراني ٢/ ٢٨٠ (٢١٧١) عن أبي هانئ الخولاني عن رجل عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «سألت ربي .. وأن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ..» قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢: رواه أحمد والطبراني وفيه راو لم يسم. ٤ - وأما حديث أبي مالك الأشعري فرواه أبو داود (٤٢٥٣)، والطبراني ٣/ ٢٩٢ (٣٤٤٠) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي عياش، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عنه. أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله أجاركم من ثلاث .. وأن لا تجتمعوا على ضلالة». قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: في إسناده انقطاع .. = الرابعة: فيه إخباره -عليه السلام- بالمغيبات، وقد وقع ما أخبر به، ولله الحمد، فلم تزل هذِه الطائفة من زمنه وهلم جرا، ولا تزول حتَّى يأتي أمر الله تعالى. --------------------- = ٥ - وأما حديث كعب بن عاصم رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٢)، (٩٢) من طريقين عنه. أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إن الله قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة». الطريق الأول عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن زربي، عن الحسن، عنه. قال الألباني في «تخريج السنة» ص ٤١: إسناده ضعيف: سعيد بن زربي منكر الحديث، والحسن مدلس وقد عنعنه. الطريق الثانية: هي نفس طريق حديث أبي مالك الأشعري السابق، وقد قيل: إن كعب بن عاصم وأبا مالك الأشعري صحابي واحد، ولكن المزي قال في «التهذيب» ٢٤/ ١٧٧: الصحيح أنه غير أبي مالك الأشعري. ومال إليه الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٣/ ٤٦٩. ٦ - وأما حديث ابن عباس فرواه الحاكم ١/ ١١٦، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٢/ ١٣٦ (٧٠٢) من طريق حسان بن محمد الفقيه، عن محمد بن سليمان، عن سلمة بن شبيب، عن عبد الرزاق، عن إبراهيم بن ميمون، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عنه. أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة أبدًا ..». قال الحاكم: فإبراهيم بن ميمون العدني هذا قد عدَّله عبد الرزاق وأثنى عليه، وعبد الرزاق إمام أهل اليمن وتعديله حجة. ٧ - وأما الموقوف عن أبي مسعود فرواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٨٥) أنه قال: عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد على ضلالة. قال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ١٤١: إسناده صحيح، ومثله لا يقال من قبل الرأي. قلت: تحصل مما سبق أنها رويت بأسانيد كثيرة بعضها رجالها ثقات، كرواية ابن عمر عند الطبراني ورواية ابن عباس عند الحاكم والموقوف على أبي مسعود. وقد قال العجلوني في «الكشف» ٢/ ٣٥٠: وبالجملة فالحديث مشهور المتن، وله أسانيد كثيرة. اهـ وأورده الألباني في «الصحيحة» (١٣٣١)، فعُلِمَ ما في إطلاق المصنف لكلمة ضعيف. ١٤ - باب الْفَهْمِ فِى الْعِلْمِ ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابن عُمَرَ إِلَى الَمدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أقولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ١٦٥] الفَهْم: الفِقه، ولا يتمُّ العلمُ إلا بالفَهْمِ. ولذلك قال علي - رضي الله عنه -: أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُؤْمِن. (١) وقال مالك: ليس العلم بكثرةِ الرواية، إنما هو نورٌ يضعه الله في القلوب. (٢) يعني بذلك فهم معانيه واستنْباطه، وقد نفى - ﷺ - العلمَ عمَّن لا فهم له حيثُ قال: «رُبَّ حامِل فقهٍ ليس بفقيه» (٣). نا عَلِيٌّ -هو ابن عبد الله- نَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابن أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابن عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلا حَدِيثًا وَاحِدًا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». ---------------------- (١) سيأتي برقم (١١١) باب: كتابة العلم. (٢) ذكره البغوي في «شرح السنة» ١/ ٢٨٤. (٣) رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) وأحمد ٥/ ١٨٣ من حديث زيد بن ثابت. قال الترمذي: حديث حسن. قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٠٤): وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في تعداد طرقه وقد سلف قريبًا. ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما مجاهد (ع): فهو الإمام المتفق عَلَى جلالته، وبراعته، وإمامته، وثقته، وتفننه في الفقه والتفسير، والقراءات، والحديث، أبو الحجاج، مجاهد بن جبر -بفتح الجيم، وإسكان الباء- وقيل: جبير المخزومي مولى عبد الله بن السائب من الطبقة الثانية من تابعي أهل مكة. روى عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وأخرج لَهُ البخاري في باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جُرم، عن الحسن بن عمرو، عنه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «مَنْ قَتَلَ معاهِدًا لم يَرَح رائحةَ الجنَّة» (١) وهو مرسل كما قَالَ الدارقطني، فمجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو وإنما سمعه من جنادة بن أبي أمية، عن ابن عمرو، كذلك رواه مروان عن الحسن بن عمرو عنه به (٢). وأنكر شعبة وابن أبي حاتم سماعه من عائشة، وكذا ابن معين (٣) لكن حديثه عنها في الصحيحين. وقال مجاهد: قَالَ لي ابن عمر: وددت أن نافعًا يحفظ كحفظك، وقال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إليَّ من مرسلات عطاء. وقال مجاهد: عرضتُ القرآن عَلَى ابن عباس ثلاثين مرة. ----------------- (١) سيأتي برقم (٣١٦٦) كتاب: الجزية والموادعة. (٢) «الإلزامات والتتبع» ص ١٥٣ - ١٥٤. (٣) «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٩، «المراسيل» لابن أبي حاتم (٢٠٣)، «نصب الراية» ٣/ ٩٤، «تحفة التحصيل» (٢٩٤). مات سنة مائة، وقيل: واثنين، وقيل: وثلاث، وقيل: وأربع عن ثلاث وثمانين (سنة) (١)، وقد رأى هاروت وماروت وكاد يتلف (٢). فائدة: ليس في الكتب الستة مجاهد بن جبر غير هذا، وفي مسلم والأربعة: مجاهد بن موسى الخوارزمي شيخ ابن عيينة (٣) وفي الأربعة: مجاهد بن وردان عن عروة (٤). -------------------- (١) من (ج). (٢) قلت: أما قول المصنف رأى هاروت وماروت، فاعتمادهُ على ما رواه أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٨٨، وعلقه الذهبي في «السير» ٤/ ٤٥٦ لكنه من طريق محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٤/ ٤٥٠ (٧٤٥٣): هو ضعيف، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وكذبه أبو زرعة، وقال ابن خراش حدثنا ابن حميد -وكان والله يكذب. وجاء عن غير واحد أن ابن حميد كان يسرق الحديث. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكوني. اهـ. وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١١ (١٨٠٥). «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٩ (١٤٦٩) «حلية الأولياء» ٣/ ٢٧٩ - ٣١٠ (٢٤٣). «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٢٨ - ٢٣٦ (٥٧٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧ (١٧٥)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٢٥ - ٢٦، «شذرات الذهب» ١/ ١٢٥. (٣) مجاهد بن موسى بن فروخ الإمام الزاهد، أبو علي الخوارزمي نزيل بغداد، حدَّث عن هشيم، وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة والوليد بن مسلم، وحدث عنه الجماعة، سوى البخاري. وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربي، وموسى بن هارون، وثقه ابن معين، مات في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين ومائتين، فعاش ستًّا وثمانين سنة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٣ (١٨١٣)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٨٠، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣١٢، «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٩٥، ٤٩٦ (١٣٣). (٤) مجاهد بن وردان المدني، عن عروة، عن عائشة في الفرائض. = (وأما ابن أبي نجيح فهو: عبد الله بن أبي نجيح، واسمه يسار الثقفي أبو يسار المكي مولى الأخنس بن شريق، روى عن مجاهد وطاوس وغيرهما، وعنه شعبة وغيره وهو ثقة، رمي بالقدر، وقال علي: سمعت يحيى يقول: إنه من رؤساء الدعاة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة اثنتين) (١). وأما علي: فهو الإمام الحافظ علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني، روى عن أبيه وحماد وخلق، وعنه: أبو داود والبخاري والبغوي وخلق، وأخرج مسلم والنسائي عن رجل عنه. قَالَ البخاري: ما استصغرت نفسي قط عند أحد إلا عنده، وقال ابن أبي حاتم: كان أبو زرعة ترك الرواية عنه؛ من أجل ما كان منه في المحنة، وكان أبي يروي عنه؛ لنزوعه عما كان عليه، ولد سنة إحدى وستين ومائة بسامراء ومات بالعسكر سنة أربع وثلاثين ومائتين، حدث هو وأبوه وجده (٢). ------------------------ = قال الذهبي: ردَّ ابن حزم خبره وهو جيد حسن. قال الكوسج، عن ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو حاتم: ثقة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٢ (١٨٠٨)، «الثقات» ٧/ ٤٩٩، «ميزان الاعتدال» ٤/ ٣٦٠ (٧٠٧٤). (١) من (ف). وعبد الله بن أبي نجيح، قال إسحاق بن منصور وعباس الدوري عن يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٨٣. «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٦٤ (٩٨٣). «تهذيب الكمال» ١٦/ ٢١٥ (٣٦١٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٢٥، ١٢٦ (٣٨)، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥، «شذرات الذهب» ١/ ١٨٢. (٢) انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٨٤ (٢٤١٤)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٦٣، «الثقات» ٨/ ٤٦٩، «تاريخ بغداد» ١١/ ٤٥٨ - ٤٧٣، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٣٥٠، ٣٥١ (٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٥ - ٣٥ (٤٠٩٦)، "سير أعلام = فائدة: المديني -بإثبات الياء؛ لأن أصله من المدينة ونزل البصرة، والأصل فيمن ينسب إلى المدينة النبوية مدني بحذف الياء، وإلى غيرها مديني بإثباتها، واستثنوا هذا فقالوا: المديني بإثباتها (١). ثالثها: في فقهه: وقد سلف قريبًا في موضعين، وفهم ابن عمر - رضي الله عنه - من بساط القصة أنها النخلة لسؤاله -عليه السلام- عنها حين أتي بالجمار، وقوي ذَلِكَ عنده بقوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وأنها النخلة كما سلف. رابعها: إنما لم يحدث ابن عمر مجاهدًا في مسيره معه إلا حديثًا واحدًا؛ لعدم سؤاله له، أو لعدم النشاط؛ للاشتغال بأعباء السفر، وقال ابن بطال: إنما ذَلِكَ والله أعلم؛ لأنه كان متوقيًا للحديث، وقد كان علم قول أبيه: أقلوا الحديث عن رسول الله - ﷺ - وأنا شريككم (٢). وفيما ذكره نظر، فإنه كان مكثرًا فيه. ----------------------- = النبلاء«١١/ ٤١ - ٦٠،»تقريب التهذيب«(٤٧٦٠)،»شذرات الذهب«٢/ ٨١. قال الحافظ ابن حجر في»التقريب«(٤٧٦٠): علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو الحسن بن المديني، بصري، ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، حتى قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني، وقال فيه شيخه ابن عيينة: كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني، وقال النسائي: كان الله خلقه للحديث، عابوا عليه إجابته في المحنة، لكنه تنصل وتاب، واعتذر بأنه خَاف على نفسه. اهـ. (١)»اللباب«٣/ ١٨٤، ١٨٥،»تهذيب الأسماء واللغات«٣/ ١٣٥. (٢)»شرح ابن بطال" ١/ ١٥٧ - ١٥٨. ١٥ - باب الاغْتِبَاطِ فيِ العِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا. ٧٣ - حَدَّثَنَا الُحمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ١/ ١٦٥] حَدَّثنَا الحُمَيْدِيُّ، نا سُفْيَانُ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ -عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثنَاهُ الزُّهْرِيُّ- قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُل آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم أجمع. ثانيها: هذا الحديث ترجم عليه البخاري هنا كما ترى، وفي الزكاة، باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ (١)، وفي الأحكام، باب أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ (٢)، وفي الاعتصام، مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ القُضَاةِ (٣)، أخرجه في الزكاة عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد (٤)، وفي البابين عن شهاب بن --------------------- (١) سيأتي برقم (١٤٠٩). (٢) سيأتي برقم (٧١٤١). (٣) سيأتي برقم (٧٣١٦). (٤) سيأتي برقم (١٤٠٩) باب: إنفاق المال في حقه. عباد، عن إبراهيم بن حميد، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر، ووكيع، وعن ابن نمير، عن أبيه، وعن محمد بن بشر كلهم عن إسماعيل، عن قيس به (١). ثالثها: أثر عمر رواه ابن عون، عن ابن سيرين، عن الأحنف، عنه أخرجه البيهقي في «مدخله» عن الروذباري، عن الصفار، عن سعدان بن نصر، ثنا وكيع، عن ابن عون به (٢). وابن عبد البر، عن أحمد بن محمد، ثنا محمد بن عيسى، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عبيد، أنا ابن علية ومعاذ، عن ابن عون به (٣). ورواه الجوزي (٤) عن إسحاق بن الفيض، ثنا بشر بن أبي الأزهر، ثنا خارجة بن مصعب، عن ابن عون به. ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون به (٥). (ثالثها) (٦) واعلم أن في بعض النسخ بعد قول عمر: (تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تسَوَّدُوا)، قَالَ أبو عبد الله: وبعد أن تُسوَّدوا، وقد تعلَّم أصحابُ النبي - ﷺ - في كِبر سنهم (٧). ------------------------ (١) مسلم رقم (٨١٦) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل من يقوم بالقرآن. (٢) «المدخل إلى السنن الكبرى» ص ٢٦٥ (٢٧٣)، وفي «الشعب» ٢/ ٢٥٥ (١٦٦٩) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ١٦٦: إسناده صحيح. (٣) «جامع بيان العلم» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ (٥٠٨ - ٥٠٩). (٤) كذا بالنسخة، ولعل الصواب (الجورجيري) وهو المحدث أبو جعفر محمد بن عمر بن حفص الأصبهاني الجورجيري ت ٣٣٠، سمع إسحاق بن الفيض، ومحمد بن عاصم الثقفي، انظر «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٧٥. (٥) «المصنف» ٥/ ٢٨٥ (٢٦١٠٧). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٦٦: إسناده صحيح. (٦) من (ف). (٧) انظر: «اليونينية» ١/ ٢٥. ومطابقة هذا الأثر للتبويب أنه جعل السيادة من ثمرات العلم فأوصى الطالب باغتنام الزيادة قبل بلوغ درجة السيادة، فإنه إِذَا كان العلم سببًا للسيادة فهو جدير أن يغتبط به صاحبه؛ لأنه سبب لسيادته. رابعها: معنى: (قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا): تعظموا، يقال: ساد قومه يسودهم سيادة وسؤددا فهو سيدهم، وسوده قومه فهو أسود من فلان، أي: أعظم منه، والمعنى: تعلموا العلم مادمتم صغارًا قبل أن تصيروا سادة رؤساء ينظر إليكم، فإن لم تتعلموا قبل ذَلِكَ استحييتم أن تتعلموا بعد الكبر فبقيتم جهالًا. قَالَ مالك: من عيب القاضي أنه إِذَا عُزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه. قَالَ: وكان الرجل إِذَا قام من مجلس ربيعة إلى خطة أو حكم لم يرجع إليه بعدها. وقال يحيى بن معين: من عاجل الرئاسة فاته علم كثير. وقال الشافعي: إِذَا تصدر الحدث فاته علم كثير (١)، وقال أيضًا: تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه، وفيه قول ثان: أن معنى قول عمر (لا تأخذوا) (٢) عن الأصاغر فيزرى بكم ذَلِكَ، ويؤيده حديث عبد الله: «لن يزال الناس بخيرٍ ما أَخَذوا العلمَ عن أكابرهم» (٣). ----------------- (١) أورده الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٦٦. (٢) في (ف): لا تأخذونه. (٣) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٨١٥) باب: ما جاء في قبض العلم. وعبد الرزاق ١١/ ٢٤٦، ٢٥٧ (٢٠٤٤٦، (٢٠٤٨٣). والطبرانى ٩/ ١١٤ - ١١٥ (٨٥٨٩ - ٨٥٩٢). وفي «الأوسط» ٧/ ٣١١ (٧٥٩٠) وقال: لم يرو هذِه الأحاديث عن = وفيه قول ثالث أن معناه: قبل أن تزوجوا فتصيروا سادة بالحكم عَلَى الأزواج، والاشتغال بهن لهوًا ثمَّ تمحلًا للتفقه، ومنه الاستياد وهو طلب السيد من القوم، حكاه صاحب «مجمع الغرائب» احتمالًا وهو متجه، وجزم به البيهقي في «مدخله» ولم يذكر غيره فقال: معناه: قبل أن تتزوجوا فتصيروا أربابا، قَالَه شمر (١). خامسها: قوله: (عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثنَاهُ الزُّهْرِيُّ) القائل هو: سفيان بن عُيينة، يقول سفيان: هو عَلَى خلاف حديثي عن الزُّهْرِي وقد أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٢) نبَّهَ عليه القاضي عِياض. سادسها: معنى قوله: (إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ)، أي: خصلتين أو طريقتين، ويجوز في رجل ثلاثة أوجه: البدل، وإضمار أعني، والرفع عَلَى تقدير خصلتين إحداهما خصلة رجل. سابعها: أصل الحسد: تمني الرجل أن تتحول إليه نعمة الآخر ويسلبها هو، يقال: حسده يحسُده ويحسَده حسدًا، ورجل حاسِدٌ من قوم حُسَّدٍ، والأنثى بغير هاء وهم يتحاسدون، وحَسَدَه عَلَى الشيء وحَسَدَه إياه، ----------------------- = حمزة الزيات إلا زياد أبو حمزة، تفرد بها عامر بن إبراهيم. واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ١/ ٩٤ (١٠٠). وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ١/ ٦١٦ - ٦١٧ (١٠٥٧ - ١٦٠٦٠). وأورده الهيثمي في «مجمع الزاوئد» ١/ ١٣٥ (٥٦٩) وقال: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجاله موثقون. (١) «المدخل إلى السنن الكبرى» ص ٢٦٥ (٣٧٤). (٢) سيأتي برقم (٧٥٢٩)، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجل آتاه الله القرآن». وقال ابن الأعرابي: هو مأخوذ من الحسدل وهو القراد فهو يقشر القلب كما يقشر القراد الجلد فيمص الدم. ومعنى الحسد هنا: شدة الحرص والرغبة من غير تمني زوالها عن صاحبها وهو المنافسة، وأطلق الحسد عليه؛ لأنهما سببه (١)، وسماه البخاري اغتباطًا؛ لأن من أوتي مثل هذا ينبغي أن يغبط به وينافس فيه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. ثمَّ قَالَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقد جاء في بعض طرق الحديث ما يبين ذَلِكَ فقال فيه: «فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» ذكلره البخاري في فضائل القرآن في باب: اغْتِبَاطِ صَاحِبِ القُرْآنِ من حديث أبي هريرة (٢)، فلم يتمنَّ السلب، وإنما تمنى أن يكون مثله، وقد تمنى ذَلِكَ الصالحون والأخيار. وفيه قول ثان: أنه تخصيص لإباحة نوع من الحسد وإخراج له عن جملة ما حظر منه، كما رخص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورة فالمعنى لا إباحة لشيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله، أي: لا حسد محمود إلا هذا، وقيل: إنه استثناء منقطع بمعنى لكن في اثنتين. ثامنها:. قوله: (عَلَى هَلَكَتِهِ) أي: (إهلاكه) (٣)، أي: إنفاقه في الطاعات كما سيأتي، والحكمة المراد بها القرآن والله أعلم، كما جاء في حديث ---------------------- (١) «تهذيب اللغة» ١/ ٨١٢، «لسان العرب» ٢/ ٨٦٨، مادة: [حسد]. (٢) سيأتي برقم (٥٠٢٦). (٣) في (ف) هلاكه. أبي هريرة السالف: «لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ علمه اللهُ القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يهلكه»، وفي رواية «ينفقه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» (١). وفي مسلم نحوه من حديث ابن عمر (٢). تاسعها: في أحكامه: أولها: حرمة الحسد وهو إجماع وهو المذموم، وأما المباح وهو الاغتباط كما سلف فمحمود، فإذا أنعم الله عَلَى أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فحرام. قَالَ بعضهم: إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر أو من يستعين بها عَلَى فتنة وإفساد. ثانيها: أن الغني إِذَا قام بشرط المال وفعل فيه ما يرضي الله كان أفضل من الفقير. ثالثها: تمني الطاعات. ------------------ (١) سيأتي برقم (٧٥٢٨) في التوحيد، باب: قول النبي - ﷺ -: «رجلٌ آتاه الله القرآن». (٢) مسلم برقم (٨١٥) باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ١٦ - باب مَا ذُكِرَ فِى ذَهَابِ مُوسَى - ﷺ - فِى الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ (١) وقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. [فتح: ١/ ١٦٧] ٧٤ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ حَدَّثَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالُحرُّ بْنُ قَيسٍ بْنِ حِصْنِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى قَالَ ابن عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسِ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذِي قَصَّ اللهُ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ». [٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧، ٦٦٧٢، ٧٤٧٨ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ١٦٨] --------------------- (١) من هنا بدأت نُسخة سبط والتي نُسخت من خط المؤلف وراجع منها قسما كبيرا، وعلَّق عليها سبط، وجعلناها الأصل، وقد لا نثبت كل الفروق الغير هامة بينها وبين غيرها من النسخ التي تصرف فيها النساخ، وبخاصة في مقدمة الأبواب وعرض الأحاديث؛ حيث اختصر بعضها طريقة المصنف في عرض أحاديث الباب. حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ حَدَّثَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فقَالَ ابن عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَاَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَل مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذِي قَصَّ اللهُ -عز وجل- فِي كِتَابِهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع فوق العشرة، أخرجه هنا كما ترى، وفي أحاديث الأنبياء عن عمرو بن محمد (١)، وفي العلم أيضًا عن خالد بن خَلِيّ، عن محمد بن حرب (٢)، وفي التوحيد عن عبد الله بن محمد، عن أبي عمرو كلاهما عن الأوزاعي، عن الزهري به (٣). --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠٠) باب: حديث الخضر مع موسى. (٢) سيأتي برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم. (٣) سيأتي برقم (٧٤٧٨) باب: في المشيئة والإرادة. وفي أحاديث الأنبياء أيضًا، عن علي بن المديني (١)، وفي النذور، والتفسير عن الحميدي (٢)، وفي التفسير أيضًا عن قُتيبة (٣)، وفي العلم أيضًا عن عبد الله بن محمد، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد (بن جبير) (٤) عن ابن عباس مختصرًا (٥)، وفي التفسير، والإجارة، والشروط عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار عن سعيد به (٦). وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن حرملة، عن ابن وهب عن يونس، عن الزهري به (٧)، وعن عمرو الناقد وابن راهويه، وعبيد الله بن (سعيد) (٨) وابن أبي عمر عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير (٩)، وعن الناقد أيضًا، وعن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن أبيه، عن رقبة، عن أبي إسحاق، عن ابن جبير به (١٠). ---------------------- (١) سيأتي برقم (٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى -عليه السلام-. (٢) سيأتي برقم (٦٦٧٢) باب: إذا حنث ناسيًا. و(٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٧٢٧) باب قول الله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾. (٤) ساقطة من (ج). (٥) سيأتي برقم (١٢٢) باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله. (٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦) باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾. و(٢٢٦٧) باب: إذا استأجر أجيرًا على أن يقيم حائطًا. و(٢٧٢٨) باب: الشروط مع الناس بالقول. وورد بهامش الأصل، (ف): أخرجه في «المناقب» أيضًا. (٧) مسلم رقم (٢٣٨٠/ ١٧٤) باب: فضائل الخضر. (٨) في (ج): سعد. (٩) مسلم برقم (٢٣٨٠/ ١٧٠) كتاب: الفضائل، باب: فضائل الخضر. (١٠) المصدر السابق رقم (٢٣٨٠/ ١٧١) كتاب: الفضائل، باب: فضائل الخضر. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#69 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 366 الى صـــ 385 الحلقة (69) الوجه الثاني: في التعريف برواته غير ما سلف: فاما يعقوب بن إبراهيم فهو: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الورع الحجة، روى عن أبيه وشعبة، وعنه أحمد وغيره، مات سنة ثمانٍ ومائتين بفم الصِّلْح (١). وأما محمد بن غرير فوالده -بغين معجمة ثمَّ راء مهملة مكررة بينهما ياء مثناة تحت- وهو أبو عبد الله محمد بن غرير بن الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني يعرف بالغريري. قَالَ البخاري: هو مدني، وقال غيره. هو من أهل سمرقند، روى عن يعقوب بن إبراهيم الزهري، ومطرف بن عبد الله، وعنه: البخاري وغيره. قَالَ الكلاباذي: أخرج لَهُ البخاري في ثلاثة مواضع: هنا، وفي الزكاة، وفي بني إسرائيل ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة (شيئًا) (٢) فهو من الأفراد (٣). -------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٦ (٣٤٥٩). «الثقات» لابن حبان ٩/ ٢٨٤. «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٠٨ (٧٠٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٩١ - ٤٩٣ (١٨٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٢. وفم الصلح: وهو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبُّل، عليه عدة قرى. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٢٧٦. وورد بهامش الأصل: نهر ميسان، وميسان موضع من أرض البصرة، قاله البكري. (٢) من (ج). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٧ (٦٥١). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٦٨ (٥٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٢١٠ (٥١٠٨)، «التقريب» (٦٢٢٦). الوجه الثالث: في الأسماء الواقعة في أثنائه: أما موسى -صلوات الله وسلامه عليه- فهو: موسى بن عمران ابن يصهر بن قاهث بن لاوي، وقيل: عمران، وهو: عمرم بن قاهث ابن يصهر بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلى الله عليهم - وموسى مفعل فهو مصروف في النكرة، قاله أبو عمرو ابن العلاء. وقال الكسائي: هو فعلى والنسبة إليه موسوي وموسي فيمن قَالَ: يمني. وكان عمر عمران حين توفي مائة وسبعة وثلاثين سنة قَالَ أهل التاريخ: لما ماتَ الريان بن الوليد فِرعون مصر الأول صاحب يوسف الذي ولاه الخزائن، وأسلم عَلَى يده ومَلَكَ قالوس صاحب يوسف الثاني، دعاه يوسف -عليه السلام- فلم يسلم. ثمَّ هلك فمَلَكَ بعده أخوه الوليد بن مصعب، وكان أَعْتَى من أخيه، وكثر أولاد بني إسرائيل بعد يوسف، وأقاموا بمصر تحت أيدي العمالقة وهم عَلَى بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوه لهم متمسكين به، حتَّى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن في الفراعنة أعتى منه ولا أطول عمرًا في الملك منه، عاش فيهم أربعمائة سنة. ومر - ﷺ - ليلة أسري به عَلَى موسى في السماء السادسة، ووصفه فقال: «هو آدَم طُوَال جَعْد، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ» كما هو ثابت في الصحيحين (١)، وشنوءة: من الأزد سموا به؛ لأنهم تشانئوا أي: ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٢٣٩) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين، ورواه مسلم (١٦٥) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات. تباعدوا وتباغضوا، وفي «الصحيح» أيضًا في صفته أنه ضرب من الرجال أي: جسمه ليس بالضخم ولا بالضئيل (١). والجعد المراد به جعودة الجسم لا الشعر، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] أي: لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله قتاده (٢)، والهاء عَلَى هذا عائدة عَلَى موسى. وقال الحسن: المعنى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة: ٢٣] فأوذي وكذب ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ إنك ستلقى مثل ما لقيه من ذَلِكَ (٣). وفي الصحيحين: «يرَحِم اللهُ أخي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر» (٤)، والآيات التسع المذكورة في القرآن هي العصا واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمسة، وفلق البحر، يجمعها: عَصا يدٍ وجراد قُمَّل ودَم … طُوفان ضفدع جدبُ نَقْص تثمير قَالَ الثعلبي (٥): وكان عمر موسى -عليه السلام- حين توفي مائة وعشرين -------------------- (١) سيأتي برقم (٣٣٩٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. (٢) انظر «تفسير الطبري» ١٥/ ٢٤٩. «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣. (٣) انظر «زاد المسير» ٦/ ٣٤٣. (٤) سيأتي برقم (٣١٥٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، ورواه مسلم برقم (١٠٦٢) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام. (٥) هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، أبو إسحاق مفسر، مقرئ، واعظ، أديب، حدث عنه أبو الحسن الواحدي وجماعة، كان صادقا موثقا، بصيرا بالعربية. من تصانيفه: «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، «العرائس في قصص الأنبياء» وفيه كثير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات والغرائب. قال ابن كثير: وكان كثير الحديث، واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤٣٦، «البداية والنهاية» ٦/ ٤٨٥. سنة، ولما كبر موسى قتل القبطي، ثمَّ خرج خائفًا فلما ورد ماء مدين جرى لَهُ ما قص الله في كتابه. قَالَ بعضهم: ولم يقرب امرأة للاستمتاع من حين سمع كلام الرب -ﷻ- ومكث بعد أن كلم أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من النور. وأما الخضر فالكلام عليه في مواضع: أحدها: في ضبطه وهو: بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله، وإسكان ثانيه كما في (كبد) (١). ثانيها: في سبب تسميته بذلك وسيأتي في «صحيح البخاري» من حديث همامِ بن منبه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فرْوَةٍ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ» (٢). والفروة: الأرض اليابسة أو الحشيش اليابس، قَالَ ابن فارس: الفروة: كل نبات مجتمع إذا يبس (٣). وقال الخطابي: الفروة: وجه الأرض أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء (٤). وفيه قول آخر؛ لأنه إِذَا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة، وقول آخر: أنه إِذَا صلى اخضر ما حوله (٥). ثالثها: في اسمه وفيه خمسة أقوال: ---------------------- (١) انظر: «لسان العرب» ٢/ ١١٨٥، مادة: [خضر]. (٢) سيأتي برقم (٣٤٠٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٩. (٤) «أعلام الحديث» ٣/ ١٥٥٣. (٥) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٨. أحدها: بليا (١) -بباء موحدة مفتوحة ثمَّ لام ساكنة ثم مثناة تحت- بن ملكان -بفتح الميم وسكون اللام- بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح -عليه السلام-، حكاه ابن قتيبة عن وهب بن منبه (٢). وحكاه ابن الجوزي عن وهب: إيليا بدل بليا، فهذا قول آخر، وكان أبوه من الملوك. ثانيها: الخضر بن عاميل، قَالَه كعب الأحبار (٣). ثالثها: أرميا (٤) بن خلقيا، قاله ابن إسحاق ووهاه الطبري بأن أرميا كان في زمن بختنصر وبين عهد موسى وبختنصر زمن طويل (٥). رابعها: إلياس، قاله يحيى بن سلام، ووهاه ابن الجوزي (٦). خامسها: اليسع، قاله مقاتل وسمي بذلك؛ لأن علمه وسع ست سموات وست أرضين ووهاه ابن الجوزي أيضًا (٧)، واليسع: اسم أعجمي ليس بمشتق. وفيه قول سادس: أن اسمه أحمد حكاه القشيري ووهاه ابن دحية، بأنه لم يتسمَّ أحد قبل نبينا - ﷺ - بذلك. ------------------ (١) ورد بهامش الأصل: قال المصنف: بخط الدمياطي يليا، بياءين من تحت بينهما لام. (٢) «المعارف» ص ٤٢. (٣) «الإصابة» ١/ ٤٣٠. (٤) ورد بهامش (س): قال المصنف في الهامش بخط الدمياطي: أروميا، من ولد عيص بن إسحاق. (٥) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠. (٦) أورده القرطبي في «التفسير» ٦/ ١٦. (٧) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد أيضًا. وسابع: أن اسمه عامر حكاه ابن دحية في كتابه: «مرج البحرين». وثامن: أنه (حضرون) (١) بن قابيل بن آدم حكاه هو أيضًا (٢)، وقيل: إنه أبو العباس (٣). رابعها: في أي وقت كان؟ روى الضحاك عن ابن عباس قَالَ: الخضر بن آدم لصلبه (٤)، وقال الطبري: (قيل) (٥) إنه الرابع من أولاده (٦). وقيل: إنه من ولد عيص، حكاه ابن دحية (٧). وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه من سبط هارون، وكذا قَالَ ابن إسحاق (٨). وروى محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة أنه ابن فرعون موسى وهذا بعيد، ابن لهيعة، وابن أيوب مطعون فيهما (٩). وقال عبد الله بن شوذب: إنه من ولد فارس (١٠). ----------------- (١) في (ف) خصرون. (٢) ذكره ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨، وابن حجر «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هذا مفصل. (٣) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٥. (٤) رواه الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩. وقال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٥٨: وهذا منقطع وغريب. وقال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: فيه رواد ضعيف ومقاتل متروك. (٥) من (ف). (٦) «تاريخ الطبري» ١/ ٢٢٠. (٧) ذكره الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٩٩. (٨) ذكره الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩ وقال: هو بعيد وأعجب. (٩) ذكره الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١/ ٣٦٤. (١٠) رواه الحافظ ابن جرير الطبري في «تاريخه» ١/ ٢٢٠. قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة» ١/ ٤٢٩: أخرجه الطبري بسندٍ جيد. وقال الطبري: كان في أيام أفريدون، قَالَ: وقيل: كان عَلَى مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان أيام إبراهيم الخليل -عليه السلام- (١). وذو القرنين عند قوم هو أفريدون. وقال بعض أهل الكتاب: إنه ابن خالة ذي القرنين ووزيره، وأنه شرب من ماء الحياة، وذكر الثعلبي أيضًا اختلافًا هل كان في زمن إبراهيم الخليل أم بعده بقليل أو بكثير؟ وذكر بعضهم أنه كان (في) (٢) زمن سليمان، وأنه المراد بقوله: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] حكاه الداودي. خامسها: اختلف هل كان وليًّا أو نبيًّا؟ عَلَى قولين: وبالأول جزم القشيري. واختلف أيضًا هل كان مرسلًا أم لا؟ عَلَى قولين، وأغرب ما قيل: إنه من الملائكة، والصحيح أنه نبي، وجزم به جماعة. وقال الثعلبي: هو نبي عَلَى جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار وصححه ابن الجوزي أيضًا في كتابه فيه (٣)، لقوله تعالى حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] فدل عَلَى أنه نبي أوحي إليه، ولأنه أعلم من موسى -أي: في علم مخصوص- ويبعد أن يكون ولي أعلم من نبي، وإن كان يحتمل أن يكون أوحي إلى نبي في ذَلِكَ العصر (يأمر) (٤) الخضر بذلك. سادسها: في حياته وقد أنكرها جماعة منهم: البخاري وإبراهيم الحربي وابن المنادى، وأفردها ابن الجوزي بالتأليف، والمختار بقاؤها. --------------------- (١) ذكره الطبري في «التاريخ» ١/ ٢٢٠. (٢) من (ف). (٣) يقصد المؤلف بكتاب ابن الجوزي «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر» كما قال الحافظ ابن كثير في «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ ولم نقف على هذا الكتاب. (٤) في (ف): فأمر. قَالَ ابن الصلاح: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذَلِكَ، وإنما شذ بإنكارها بعض المحدثين (١). --------------------- (١) ومن هؤلاء المحدثين البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المناوي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وقد انتصر لذلك وألفَّ فيه كتابًا اسماه «عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر»؛ فيحتج لهم بأشياء كثيرة: منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر إن كان بشرًا؛ فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل صحيح، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله. ومنها: أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا، إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث محمد وهم أحياء؛ ليؤمنن به ولينصرنه. فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا؛ فقد دخل في هذا الميثاق؛ فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، ويؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًا، فالصديق أفضل منه، وإن كان نبيًّا، فموسى أفضل منه. روى الإمام أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده؛ لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» قال الحافظ ابن كثير في «القصص» ١/ ٣٥٩: إسناد صحيح. وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة، فإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن-؛ علم أنه لو كان الخضر حيًّا، لكان من جملة أمة محمد - ﷺ - وممن يقتدي بشرعه، لا يسعه إلا ذلك. ومن ذلك ما ثبت في الصحيح وغيرهما عن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - صلى ليلة العشاء، ثم قال: «أرأيتم ليلتكم هذِه؟ فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد». فهذا الحديث يقطع دابر دعوى حياة الخضر. اهـ. انظر: «قصص الأنبياء» ٢/ ٦٨٣ - ٦٨٨ لابن كثير. ونقله النووي عن الأكثرين (١)، وقيل: إنه لا يموت إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن، وفي «صحيح مسلم» في حديث الدجال أنه يقتل رجلًا ثمَّ يحييه. قَالَ إبراهيم بن سفيان راوي كتاب مسلم: يقال: إنه الخضر (٢). وكذلك قَالَ معمر في «مسنده» (٣). وأما الحر بن قيس فهو: -بحاء مهملة- بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري ابن أخي عيينة، لَهُ وفادة وكان من جلساء عمر، واستأذن لعمه (٤). وأما أبي بن كعب بن قيس، فهو أبو المنذر، أقرأ الأمة (٥). الوجه الرابع: فتى موسى هو: يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف كذا ذكره القتبي، وقال مقاتل: يوشع بن نون بن اليشامع بن عيهود بن عيزار بن شوتلخ بن أفرايم بن يوسف (٦). ------------------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) مسلم (٢٩٣٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: صفة الدجال وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه. (٣) «مصنف عبد الرزاق» ١١/ ٣٩٣ (٢٠٨٢٤). وانظر قصة الخضر في: «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٥ - ١٣٦. و«قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٥٧ - ٦٨٩. (٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٨٩٦ (٧٧٣). و«الاستيعاب» ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ (٥٨٦). و«أسد الغابة» ١/ ٤٧١ - ٤٧٢ (١١١٨). و«الإصابة» ١/ ٣٢٤ (١٦٩٢). (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٣ - ١٥ (١). «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٣ - ٤ (١). «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٢١٤ - ٢١٩ (٧٩). و«الاستيعاب» ١/ ١٦١ - ١٦٤ (٦). «أسد الغابة» ١/ ٦١ - ٦٣ (٣٤). «الإصابة» ١/ ١٩ - ٢٠ (٣٢). (٦) انظر قصته في: «قصص الأنبياء» لابن كثير ٢/ ٦٣٩ - ٦٥٧. والصخرة: هي التي دون نهر الرين بالمغرب. الوجه الخامس: مراد البخاري بالتبويب الرحلة والسفر في طلب العلم برَّا وبحرًا، فإن موسى - ﷺ - اتبع الخضر للتعلم منه حال ركوب السفينة ودونها. السادس: في ألفاظه ومعانيه: المماراة: المجادلة، يقال: ماريت الرجل أماريه مراء، وهي هنا: الاختلاف، يقال: تماريا إذا اختلفا. وقوله: (فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ) فسره بعضهم بأنه قام إليه، ويحتمل أن يكون المراد به النداء. وقوله: (فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، قَالَ القاضي: أي: في جماعتهم (١). وقال غيره: الملأ: الأشراف ومعناهما صحيح. وقوله: (هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا). وجاء في كتاب التفسير وغيره: «فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا» فعتب الله عليه إِذ لم يردَّ العلم إلية (٢). وكذا جاء في مسلم، وفيه أيضًا: «بينا موسى في قومه يذكرهم بأيام الله -أي: (نعمائه) (٣) وبلائه- إذ قَالَ: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني؟ فأوحى الله إليه أن في الأرض رجلًا هو أعلم منك» (٤). ---------------------- (١) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٧٩. (٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾. (٣) في (ج): بإنعامه. (٤) برقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر -عليه السلام-. أما عَلَى رواية: «هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا» (١). فلا عتب عليه إذ أخبر عما يعلم، وأما عَلَى رواية: «أيّ الناسِ أَعْلم؟ فقال: أنا» (٢) فهو راجع إلى ما اقتضاه شهادة الحال، ودلالة النبوة، وكان منها بالمكان الأرفع والمرتبة العليا من العلم. فالعتب إذًا إنما وقع لأجل الإطلاق وإن كان الأولى إطلاق: الله أعلم، وقد قالت الملائكة: ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وقد قَالَ - ﷺ - لما سُئِلَ عن الروح وغيره: «لا أدري حتَّى أسأل الله» (٣)، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقيل: المراد بقوله: (أنا) أي: بوظائف النبوة، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة، والخضر أعلم منه بأمور أخر من علوم غيبية كما ذكر من خبره، وكان موسى أعلم عَلَى الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيء منه، والخضر أعلم عَلَى الخصوص بما أُعْلِمَ من الغيوب وحوادث القدر مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أُعلموا من غيبه. ولهذا قَالَ لَهُ الخضر: «إنك عَلَى علم من علم الله (علمكه الله) (٤) لا أعلمه، وأنا عَلَى علم من علم الله علمنيه لا تعلمه». ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتَّى عرفه بنفسه إذ لم يعرفه الله به، وهذا مثل قول نبينا - ﷺ -: «إني لا أعلم إلا ما علمني ربي» (٥). ------------------- (١) وهي رواية الباب وسيأتي برقم (٣٤٠٠) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. (٢) سيأتي برقم (١٢٢) كتاب: العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سُئِلَ: أيُّ الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله. (٣) لم نقف على هذه الرواية فيما بين أيدينا من كتب السنة المعتبرة. (٤) ساقطة من (ج). (٥) رواه الطبري في «تاريخه» ٢/ ١٨٤. ومعنى قوله فيما أوردناه: «فعَتب الله عليه وآخَذَه به» وأصل العتب المؤاخذة، يقال فيه: عتب عليه، إذا واخذه وذكره لَهُ والمؤاخذة والعتب في حق الله تعالى محال، فالعتب هنا عدم رضا قوله شرعًا ودينًا (١)، وقد عتب الله عليه إذ لم يرد رد الملائكة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢]. -------------------- (١) مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته يتضمن إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وما أثبته له نبيه الكريم محمد - ﷺ - في سنته الصحيحة على الوجه اللائق به سبحانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف، والدلالة والإرشاد. وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، إنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدِث، ولوجب وجوده بنفسه -سبحانه وتعالى-. ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته. انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٦/ ٥ - ٢٧. وقيل جاء هذا؛ تنبيهًا لموسى وتعليمًا لمن بعده ودليلًا يقتدي به غيره في تزكية نفسه والعجب بحاله فيهلك، وإنما ألجئ موسى للخضر للتأديب لا للتعليم. قَالَ أُبي: أعجب موسى بعلمه فعاقبه الله بما لقي من الخضر. السابع: في فوائده: الأولى: الرحلة والسفر لطلب العلم برًّا وبحرًا وهو المراد بالتبويب كما سلف، وسيأتي أيضًا رحلة جابر، والمراد: التنبيه عَلَى شرف العلم حتَّى جازت المخاطرة في طلبه بركوب البحر، وركبه الأنبياء في طلبه، بخلاف ركوبه في طلب الدنيا فهو مكروه عند بعضهم واستثفله الكل. الثانية: الازدياد في العلم وقصد طلبه، ومعرفة حق من عنده زيادة علم. الثالثة: جواز التماري في العلم، إِذَا كان كل واحد يطلب الحقيقة غير متعنت. الرابعة: الرجوع إلى أهل العلم عند التنازع. الخامسة: لزوم التواضع في العلم وكل الأحوال. السادسة: حمل الزاد وإعداده في السفر خلافًا لمن منعه، وستكون لنا عودة إلى هذا الحديث في موضع آخر من المواضع التي كرره فيها البخاري إن شاء الله تعالى ذَلِكَ وقدره (١). --------------- (١) ورد بهامش الأصل: آخر الجزء الأول من الجزء الثاني من تجزئة المصنف. ١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» ٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». [١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - مسلم ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ١٦٩] حَدَّثنَا أَبُو مَعْمَرٍ، ثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي فضائل الصحابة عن أبي معمر، ومسدد عن عبد الوارث، وعن موسى عن وهيب كلاهما عن خالد بلفظ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الحِكْمة» (١) قَالَ أبو مسعود الدمشقي: هو عند القواريري عن عبد الوارث. وأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن محمد، ثنا هاشم بن القاسم، عن ورقاء، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس أنه - ﷺ - دخل الخلاء فوضع لَهُ وضوءًا فقال: «اللهمَّ فقهه في الدين» (٢). وأخرجه مسلم في (فضل) (٣) ابن عباس: ثنا زهير وأبو بكر بن أبي النضر، ثنا هاشم به، ولفظه: «اللهمَّ فقهه» (٤). ------------------- (١) سيأتي برقم (٣٧٥٦) باب: ذكر ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) سيأتي برقم (١٤٣) باب: وضع الماء عند الخلاء. (٣) في (ج): فضائل. (٤) مسلم (٢٤٧٧) كتاب: فضائل الصحابة. ثانيها: في التعريف برجاله: أما ابن عباس فقد سلف. وأما عكرمة فهو: أبو عبد الله المدني مولى ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، سمع مولاه، وابن عمر، وخلفا من الصحابة، وكان من العلماء في زمانه بالعلم والقرآن، وعنه: أيوب وخالد الحذاء وخلق، وتكلم فيه لرأيه، وأطلق نافع وغيره عليه الكذب. وروى لَهُ مسلم مقرونًا بطاوس وسعيد بن جبير، واعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات، وربما عيب عليه إخراج حديثه، ومات ابن عباس وعكرمة مملوك، فباعه علي ابنه من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار فاستقاله فأقاله وأعتقه، وكان جوالًا في (البلاد) (١). ومات بالمدينة ودفن بها سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، ومات معه في ذَلِكَ اليوم كثير الشاعر، فقيل: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس. وقيل: مات عكرمة سنة خمس عشرة ومائة، وقيل: بلغ ثمانين. واجتمع حفاظ ابن عباس عَلَى عكرمة فيهم: عطاء وطاوس، وسعيد بن جبير، فجعلوا يسألون عكرمة عن حديث ابن عباس، فجعل يحدثهم وسعيد كلما حدث بحديث وضع إصبعيه الإبهام عَلَى السبابة أي سواء، حتَّى سألوه عن الحوت وقصة موسى فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء. فقال سعيد: أشهد عَلَى ابن عباس أنه قَالَ: كان يحملانه في مكتل -يعني: الزنبيل- فقال أيوب: --------------------- 0(١) في (ف): المدينة. وأرى -والله أعلم- أن ابن عباس حدث بالخبرين جميعًا (١). وأما الراوي عنه فهو خالد بن مهران الحذاء (ع) أبو المنازل -بضم الميم- البصري التابعي مولى آل عبد الله بن عامر القرشي. قَالَ عبد الغني: ما كان من منازل فهو بضم الميم، إلا يوسف بن منازل (خ) (فإنه) (٢) بفتحها، وحكى غيره فيه الفتح -أعني في خالد- وكذا في سائر الباب، والضم أظهر، ولم يكن بحذاء للنعال إنما كان يجلس إليهم أو إلى صديق له حذاء، وقيل: كان يقول: أحذ عَلَى هذا النحو، فلقب به. رأى أنسًا، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. مات سنة إحدى وأربعين ومائة في خلافة المنصور (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو عبيدة عبد الوارث (ع) بن سعيد بن ذكوان التميمي البصري الحافظ المقرئ الثبت الصالح، روى عن أيوب وغيره، وعنه مسدد وغيره. ورمي بالقدر، ونفاه عنه ولده عبد الصمد فيما حكاه عنه البخاري، مات سنة ثمانين ومائة (٤). -------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦، ٥/ ٢٨٧ - ٢٩٣. «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٩ (٢١٨). «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٢٦٤ - ٢٩٢ (٤٠٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٢ - ٣٦ (٩)، «شذرات الذهب» ١/ ١٣٠. (٢) في (ف): فهو. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٧٣ (٥٩٢). «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٢ (١٥٩٣). «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٧ (١٦٥٥)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٩٠ - ١٩٣، «شذرات الذهب» ١/ ٢١٠. (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٨ (١٨٩١). «الجرح والتعديل» ٦/ ٧٥ = وأما شيخ البخاري فهو أبو معمر (ع) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة البصري المقعد المنقري الحافظ الحجة، روى عن عبد الوارث وغيره، وعنه البخاري وأبو داود، وهو والباقون عن رجل عنه، ورمي بالقدر أيضًا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (١). فائدة: هذا الإسناد عَلَى شرط الأئمة الستة وكلهم بصريون خلا ابن عباس وعكرمة، وفيه رواية تابعي عن تابعي أيضًا. الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: المراد بالكتاب هنا: القرآن وكذا كل موضع ذكر الله تعالى فيه الكتاب، والمراد بالحكمة أيضًا: القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وأما قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] فالمراد بها السنة وكذا قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فالقرآن أحكمت آياته بين حلالها وحرامها وأوامرها ونهيها، والسنة بينت المجمل وغيره، والرواية الأخرى: «اللهم فقهه» أي: فهمه الكتاب والسنة، ودعا لَهُ أيضًا أن يعلمه التأويل أي: تفسير القرآن؛ فكان فيه من الراسخين حتَّى كان يُدعى ترجمان القرآن. --------------------- = (٣٨٦)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ١٤٠، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٧٨ (٣٥٩٥). «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٢، «شذرات الذهب» ١/ ٢٩٣. (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٥ (٤٧٥). «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٢٨ (٢٢٥٨). «الجرح والتعديل» ٥/ ١١٩ (٥٤٩). «الثقات» ٨/ ٣٥٣ - ٣٥٤ «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٥٣ (٣٤٤٩). الثانية: بركة دعائه - ﷺ - وإجابته. الثالثة: فضل العلم والحض عَلَى تعلمه، وعلى حفظ القرآن والدعاء بذلك. الرابعة: استحباب الضم وهو إجماع للطفل والقادم من سفر، ولغيرهما مكروه عند البغوي، والمختار (جوازه) (١) ومحل ذَلِكَ إِذَا لم يؤد إلى تحريك شهوة. فائدة: معنى اللَّهُمَّ: يا الله، والميم المشددة عوض من حرف النداء، قَالَه الخليل وسيبويه، وقال الفراء: كان الأصل يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل بها، ونظيره قول العرلب: هلم، والأصل: هل، فضمت الميم إليها، ولو كانت الميم بدلًا عنها لما اجتمعا وقد قَالَ الشاعر: وما عليك أن تقولي كلما … سبحت أو هللت يا اللَّهُمَا اردد علينا شيخنا مسلما وقد استدل الأول بهذا على أنها عوض ولا يُجمع بينهما إلا في الشعر (٢). -------------------- (١) في (ف): جوازها. (٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٢٢٠، «زاد المسير» ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩. ١٨ - باب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ ٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَؤمَئِذٍ قَدْ نَاهَزتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. [٤٩٣، ٨٦١، ١٨٥٧، ٤٤١٢ - مسلم ٥٠٤ - فتح: ١/ ١٧١] ٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خمسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ. [١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢ - مسلم: ٣٣ سيأتي ٦٥٧ - فتح: ١/ ١٧٢] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويْسٍ، ثنا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ. حدثنا محَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي- وَأَنَا ابن خَمْسِ سِنِينَ- مِنْ دَلْوٍ. ذكر البخاري رحمه الله في الباب حديث ابن عباس وحديث محمود ابن الربيع. أما حديث ابن عباس: فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وفي الصلاة في باب: سترة الإمام سترة لمن خلفه: عن ابن يوسف، والقعنبي عن مالك (١)، وفي الحج في باب: حج الصبيان، عن إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري (٢)، وفي المغازي، وحجة الوداع، وقال الليث: حَدَّثَني يونس (٣). كلهم عن ابن شهاب. وأخرجه مسلم في الصلاة: عن يحيى بن يحيى، عن مالك، وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، وعن يحيى بن يحيى، والناقد، وإسحاق، عن ابن عيينة، وعن إسحاق وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٤)، خمستهم (٥) عن الزهري به. وزاد البخاري في الحَج فيه: أقبلت أسير عَلَى أتان لي حتَّى سرت بين يدي بعض الصف، ثمَّ نزلت عنها. ولمسلم: فسار الحمار بين يدي بعض الصف. الوجه الثاني: في التعريف برواته، وقد سلف. -------------------- (١) سيأتي برقم (٤٩٣) عن ابن يوسف، وبرقم (٨٦١) عن القعنبي، باب: وضوء الصبيان. (٢) سيأتي برقم (١٨٥٧). (٣) سيأتي برقم (٤٤١٢). (٤) رواه مسلم عنهم (٥٠٤/ ٢٥٤ - ٢٥٧) باب: سترة المصلي. (٥) المراد جملة من رواه عن الزهري عند البخاري ومسلم معًا وهم: مالك، وابن أخي الزهري -وهو محمد بن عبد الله بن مسلم- ويونس، وابن عيينة، ومعمر. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#70 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 386 الى صـــ 405 الحلقة (70) الثالث: في ألفاظه: الأول: قوله: (عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ)، الحمار: اسم جنس للذكر والأنثى، كلفظ الشاة والإنسان، وربما قالوا للأتان: حمارة. حكاه الجوهري (١). والأَتَان -بفتح الهمز- الأنثى من جنس الحمر، ولا تقل: أتانة. وحكي عن يونس وغيره: أتانة، وحمار أتان بتنوينهما إما عَلَى البدل أو عَلَى الوصف، وقال بعضهم: هو وصف لحمار عَلَى معنى صلب قوي مأخوذ من الأتان وهي الحجارة الصلبة. والمراد بالبدل: بدل الغلط أو بدل البعض من الكل، إذ الحمار اسم جنس (يشمل) (٢) الذكر والأنثى كما قالوا: بعير. وضبط بالإضافة أيضًا أي: حمار أنثى. وقال ابن الأثير: إنما قَالَ: حمار أتان؛ ليعلم أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة فكذا لا تقطعها المرأة (٣). الثاني: معنى (نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ): قاربته ودانيته، يقال: ناهز الصبي البلوغ. أي: داناه، ويقال: يتناهزان إمارة كذا. أي: يتبادران إلى طلبها، قَالَ صاحب «الأفعال»: ناهز الصبي الفطام: دنا منه، ونهز الرجل: ضربه، ونهز الشيء: دفعه، ونهزت إليه: نهضت إليه. (٤) الثالث: الاحتلام معروف وهو البلوغ، وحدُّه عندنا بالسن خمس عشرة سنة كاملة، وهو رواية عن مالك، وثانية: سبع عشرة (سنة) (٥) ---------------- (١) «الصحاح» ٢/ ٦٣٦. (٢) في (ف): يشتمل. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٢١. (٤) «الأفعال» ص ٢٥٩. (٥) من (ج). وأشهرها: ثماني عشرة، وأما الإنبات عندنا فهو علامة عَلَى البلوغ في حق الكافر دون المسلم (١)، وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال. ثالثها: يعتبر في الجهاد ولا يعتبر في غيره (٢). الرابع: قوله: (قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ) يصحح قول الواقدي وغيره أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأنه ابن ثلاث عشرة عند موته - ﷺ -، ويرد قول من قَالَ: إنه ابن عشر سنين إذ ذاك، وصوب الإمام أحمد أن عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة (٣). الخامس: معنى (ترتع): ترعى، يقال: رتعت الإبل: إِذَا رعت. السادس: (منى) الأجود صرفها، وكتابتها بالألف وتذكيرها، سميت بذلك لما يمنى بها من الدماء، أي: يراق، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٧]. السابع: في هذِه الرواية: أنه رآه يصلي بمنى، وفي رواية في «الصحيح»: بعرفة (٤). وهو محمول عَلَى أنهما (قضيتان) (٥). ----------------- (١) «الأوسط» ٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٢٦٩ - ٢٧٠. (٣) روى الخطيب في «تاريخه» من كلام ابن عباس عن نفسه قال: ولدت قبل الهجرة بثلاث سنين ونحن في الشعب، وتوفي رسول الله - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة. وقال غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: توفي النبي - ﷺ - وأنا ابن عشر سنين. وقيل عن سعيد بن جبير عنه: قبض النبي - ﷺ - وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل عن ابن عباس: قبض النبي - ﷺ - وأنا ختين. وعنه: توفي رسول الله - ﷺ - وانا ابن خمس عشرة سنة. انظر: «الطبقات الكبري» ٢/ ٣٦٥ - ٣٧٢. «تاريخ بغداد» ١/ ١٧٣ - ١٧٤. «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٦١. (٤) رواه مسلم (٥٠٤/ ٢٥٦) كتاب: الصلاة، باب: سترة المصلي. (٥) في (ف): قصتان. الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: جواز ركوب المميز الحمار، وما في معناه وأن الولي لا يمنعه من ذَلِكَ. الثانية: صحة صلاة الصبي. ثالثها: جواز صلاة الإمام إلى غير سترة، وهو دال عَلَى أن الصلاة لا يقطعها شيء، كذا ذكره ابن بطال في «شرحه» (١)، لكن البخاري بوب عليه: سترة الإمام سترة لمن خلفه. كما سلف، وحكى ابن عبد البر وغيره فيه الإجماع (٢). قَالَ: وقد قيل: إن الإمام نفسه سترة لمن خلفه؛ وقد قَالَ: (فلم ينكر ذَلِكَ عَلَيّ أحدٌ) (٣)، نعم البيهقي ترجم عليه باب: من صلى إلى غير سترة، ثمَّ ذكر عن الربيع، عن الشافعي أن قول ابن عباس: إلى غير جدار يعني: -والله أعلم- إلى غير سترة (٤) - قُلْتُ: ويؤيد هذا رواية البزار في حديث ابن عباس: وهو يصلي المكتوبة ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه (٥). ورجاله رجال الصحيح -ثمَّ قَالَ البيهقي: وهذا يدل عَلَى خطأ من زعم أنه - ﷺ - صلى إلى سترة، وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، وأيده بما روى ابن أبي وداعة قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه ليس ------------------ (١) «شرح ابن بطال» ١/ ١٦١ - ١٦٢. (٢) «التمهيد» ٤/ ١٩٧. (٣) «الاستذكار» ٦/ ١٦٢ - ١٦٣. (٤) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ١٩٤ (٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩). (٥) رواه البزار في «مسنده» ١١/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٤٩٥١)، وابن خزيمة ٢/ ٢٥، ٢٦ (٨٣٨، ٨٣٩). بينه وبين الطواف سترة (١). رابعها: أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، وعليه بوب أبو داود في «سننه» (٢)، وما ورد من قطعه محمول عَلَى قطع الخشوع، وقوله: (قد نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ)، فيه ما يقتضي تاكيد عدم البطلان بمروره؛ لأنه استدل عَلَى ذَلِكَ بعدم الإنكار، وعدمه عَلَى من هو في مثل هذِه السن أدلَّ عَلَى هذا الحكم، وأنه لو كان في سن عدم التمييز لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته؛ لصغر سنه، فعدم الإنكار دليل عَلَى جواز المرور، والجواز دليل عَلَى عدم إفساد الصلاة. خامسها: جواز إرسال الدابة من غير حافظ، أو مع حافظ غير مكلف. سادسها: احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجح منها، فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار. ----------------- (١) رواه أبو داود (٢٠١٦)، والنسائي ٢/ ٦٧، ٥/ ٢٣٥، وابن ماجه (٢٩٥٨)، وأحمد ٦/ ٣٩٩، وأبو يعلى ١٣/ ١١٩ (٧١٧٣)، وابن خزيمة ٢/ ١٥ (٨١٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٦١، وفي «شرح مشكل الآثار» «تحفة» ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٧ (٩٤٨ - ٩٥٠)، وابن حبان ٦/ ١٢٧ - ١٢٩ (٢٣٦٣، ٢٣٦٤)، والبيهقي ٢/ ٢٧٣. قال الحافظ المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤٣٤: في إسناده مجهول. قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٥٧٦: رجاله موثقون إلا أنه معلول ثم أخذ في بيانها، وضعفه كذلك الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٤)، و«السلسلة الضعيفة» (٩٢٨). (٢) «سنن أبي داود» (٧١٥) حيث قال: باب: من قال: الحمار لا يقطع الصلاة. سابعها: أن عدم الإنكار حجة عَلَى الجواز؛ لكنه مشروط بانتفاء الموانع من الإنكار، وبالعلم بالاطلاع عَلَى الفعل. ثامنها: إجازة من علم الشيء صغيرًا وأداه كبيرًا ولا خلاف فيه كما قَالَ ابن عبد البر (١) -ومن منع فقد أخطأه، وكذا العبد والفاسق إِذَا أديا في حال الكمال. تاسعها: جواز الركوب إلى صلاة الجماعة، قَالَ المهلب: وفيه أن التقدم إلى القعود لسماع الخطبة إِذَا لم يضر أحدًا والخطيب يخطب جائز، بخلاف إِذَا تخطى رقابهم. ثمَّ اعلم أن حديث ابن عباس هذا خصه ابن عبد البر بالمأموم (٢)، وحديث أبي سعيد (الخدري) (٣) الآتي في بابه: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَئءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» (٤) الحديث عام في الإمام والمنفرد، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ والكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. واختلف أصحاب مالك فيما إِذَا صلئ إلى غير سترة في فضاء يأمن أن يمر أحد بين يديه. فقال ابن القاسم: يجوز ولا حرج عليه. وقال ابن الماجشون ومطرف: السنة أن يصلي إلى سترة مطلقًا (٥). والأول قول عطاء وسالم والقاسم وعروة والشعبي والحسن.(١) «التمهيد» ٩/ ٢١. (٢) «التمهيد» ٩/ ٢٠. (٣) من (ف). (٤) سيأتي برقم (٥٠٩) كتاب: الصلاة، باب: يرد المصلي من مرّ بين يديه. (٥) انظر: «الذخيرة» ٢/ ١٥٥. وأما حديث محمود بن الربيع: فالكلام عليه من وجوهٍ: أحدها: هذا الحديث من أفراده (١)، أخرجه هنا، وفي الوضوء والدعوات (٢). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: أما محمود (ع) فهو ابن الربيع بن سراقة بن عمرو بن زيد بن عبدة بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ------------------- (١) هكذا قال المصنف رحمه الله، وكأنه تبع في ذلك الحميدي حيث جعله في «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ٤٧٨ من أفراد البخاري، وكذا المزي في «الأطراف» (١١٢٣٥) حيث أوهم أن البخاري انفرد بالتخريج لمحمود بن الربيع، ولم ينبه على أن مسلمًا أخرجه، وأيضًا ابن كثير فلما ذكر سند محمود بن الربيع في «جامع المسانيد» ٥/ ٤٢٨ (٩٢٧٩) وساق الحديث لم يعزه أيضًا لمسلم، وفي «الأطراف بأوهام الأطراف» للعراقي لم أجده كذلك، وقد نحا هذا النحو غير واحد إلا أن الحافظ ابن حجر تَنَبَّه لذلك -ومن قبله ابن القيسراني في «الجمع بين رجال الصحيحين» (١٩٦٣) - وبَيَّن أنه وهم فقد أخرجه مسلم في «صحيحه» (٣٣/ ٢٦٥) بعد حديث (٦٥٧) فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن محمود بن الربيع قال: إني لأعقل مجة مجها رسول الله - ﷺ - من دلو في دارنا. قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك قال: قلت: يا رسول الله إن بصري قد ساء .. وساق قصة أخرى. ينظر كلام الحافظ في «النكت الظراف» ٨/ ٣٦٣ (١١٢٣٥)، و«الفتح» ١١/ ١٥١ - ١٥٢. فائدة: قال الحافظ -مبينًا سبب ذلك الوهم-: قد أورد مسلم حديث عتبان بن مالك من طرق عن الزهري منها للأوزاعي عنه قصة محمود في المجة، ولم يتنبه لذلك الحميدي في جمعه فترجم لمحمود بن الربيع في الصحابة الذين انفرد البخاري بتخريج حديثهم، وساق له حديث المجة المذكورة، وكأنه لما رأى البخاري أفراده ولم يفرده مسلم ظن أنه حديث مستقل. اهـ «الفتح» ١١/ ١٥٢. (٢) سيأتي برقم (١٨٩)، باب: استعمال فضل وضوء الناس. و(٦٣٥٤) باب: الدعاء للصبيان بالبركة. الخزرجي، أبو نعيم وقيل: أبو محمد مدني، مات سنة تسع وتسعين عن ثلاث وتسعين سنة (١). وأما الزبيدي (خ، م، د، س، ق) فهو: أبو الهذيل محمد بن الوليد الحمصي قاضيها الثقة الحجة المفتي الكبير، روى عن مكحول، والزهري، وغيرهما، وعنه محمد بن حرب، ويحيى بن حمزة، وهو أثبت أصحاب الزهري. مات سنة سبع، وقيل: ثمان وأربعين ومائة وهو شاب. قاله أحمد بن محمد بن عيسى البغدادي، وقال ابن سعد: ابن سبعين سنة، روى لَهُ الجماعة سوى الترمذي (٢). ولم يستثن شيخنا قطب الدين في «شرحه» الترمذي، واستثناؤه هو الصواب. فائدة: الزبيدي -بضم الزاي- نسبة إلى زبيد، قبيلة من مذحج -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة- ذكر الحازمي فيها اختلافًا، وإنما قيل لَهُ زبيد؛ لأنه قَالَ: من يزبدني فأجيب. يقال: زبدت الرجل. أي: أرضخته بمال (٣)، وفي الحديث: «إنا لا نقبل زبد المشركين» (٤). --------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٠٢ (١٧٦١). «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٨٩ (١٣٢٨). «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٥٨١٥)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥١٩، ٥٢٠ (١٢٦)، «شذرات الذهب» ١/ ١١٦. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٦٥. «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥٤ (٨١١). «الجرح والتعديل» ٨/ ١١ - ١٢ (٤٩٤). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥٨٦ - ٥٩١ (٥٦٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٢٨١ - ٢٨٤ (١٢٢). (٣) «لسان العرب» ٣/ ١٨٠٣، ١٨٠٤، مادة: [زبد]. (٤) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١٠/ ٤٤٧ (١٩٦٥٩). وأبو عبيد في «الأموال» ص ١١١ (٦٣٠)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٥٢٠ (٣٣٤٣٤)، وابن زنجويه = وأما محمد بن حرب (ع) فهو الأبرش الخولاني الحمصي، سمع الأوزاعي وغيره، وتقضى دمشق، وهو ثقة، مات سنة أربع (وتسعين) (١) ومائة، روى لَهُ الجماعة إلا مسلمًا، (كذا استثناه في «الكمال» (٢) والمزي أثبته (٣). الوجه الثالث: المج: إرسال الماء من الفم مع نفخ، وقيل: لا يكون مجًّا حتَّى يباعد به. وفعل - ﷺ - ذلك؛ لأجل البركة منه - ﷺ -. والدلو -بفتح الدال- وفيه لغتان التذكير والتأنيث. وفيه: جواز سماع الصغير وضبطه بالسن وهو مقصود الباب، وحديث محمود ظاهر فيه دون حديث ابن عباس، فإن من ناهز الاحتلام لا يسمى صغيرًا عرفًا. وقد اختلف العلماء في أول سن يصح فيه سماع الصغير، فقال ------------------- = في «الأموال» ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨ (٩٦٣ - ٩٦٥)، والطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٦/ ١٩٤ - ١٩٥ (٤١٢٥ - ٤١٢٦)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦٤ (٩٩٨)، كلهم من طريق الحسن عن عياض بن حمار. ورواه: أبو داود (٣٠٥٧). والترمذي (١٥٧٧). والطيالسي ٨/ ٤٠٩ (١١٧٨)، ٢/ ٤١٠ (١١٧٩). والبزار ٨/ ٤٢٤ (٣٤٩٤). والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦٤ (٩٩٩). والبيهقي ٩/ ٢١٦. وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١١ - ١٢. كلهم من طريق يزيد بن عبد الله الشخير عن عياض بن حمار، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٢٨١). (١) في (ف): وسبعين. (٢) من (ف). (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٧٠. «التاريخ الكبير» ١/ ٦٩ (١٦١). «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٣٧ (١٢٩٩). «تهذيب الكمال» ٤٤/ ٢٥ (٥١٣٨)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٧، ٥٨ (١٧)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٤١. موسى بن هارون الحافظ: إِذَا فرق بين البقرة والدابة. وقال أحمد بن حنبل: إِذَا عقل وضبط. فذكر لَهُ عن رجل أنه قَالَ: لا يجوز سماعه حتَّى يكون لَهُ خمس عشرة سنة فأنكر قوله وقال: بئس القول. وقال القاضي عياض: حدد أهل الصنعة ذَلِكَ أن أقله سن محمود بن الربيع ابن خمس، كما ذكره البخاري في رواية أخرى، أنه كان ابن أربع. قَالَ ابن الصلاح: والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين، فيكتبون لابن خمس سنين فصاعدا: سمع، وَلِدُونَ خمس: حضر أو أُحْضر، والذي ينبغي في ذلك اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب ورد الجواب كان مميزًا صحيح السماع، وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه، وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين. قُلْتُ: وهذا نحو قول أحمد وموسى، وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قَالَ: رأيت صبيًّا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إِذَا جاع بكى (١)، وحفظ القرآن أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني وله خمس سنين، فامتحنه فيه أبو بكر بن المقرئ، وكتب له بالسماع، وهو ابن أربع سنين. وحديث محمود لا يدل عَلَى التحديد بمثل سنه، وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: أخرج البخاري في هذا الباب حديث ابن عباس ومحمود بن -------------- (١) ورد بهامش (س): روى هذِه الحكاية الخطيب في «الكفاية» بإسناده، وفي سندها أحمد بن كامل القاضي، وكان يعتمد على حفظه فيهم أهـ. وقال الدارقطني: كان متساهلًا، نقله عنه الذهبي في «المغني». الربيع، وأصغر في السن منهما عبد الله بن الزبير -ولم يخرجه- يوم رأى أباه يختلف إلى بني قريظة في غزوة الخندق، قَالَ لأبيه: يا أبتاه، رأيتك تختلف إلى بني قريظة فقال: يا بني إن رسول الله - ﷺ - أمرني أن آتيه بخبرهم، والخندق عَلَى أربع سنين من الهجرة، وعبد الله أول مولود وُلد في الهجرة (١). قُلْتُ: حديث عبد الله هذا أخرجه البخاري كما سيأتي، وكذا مسلم (٢). وعبد الله ولد في السنة الأولى، وقيل: عَلَى رأس عشرين شهرًا من الهجرة. واختلف في غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب؛ فقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وكذا قَالَ ابن سعد وابن عبد البر (٣)، وقال موسى بن عقبة: في شوال سنة أربع، ذكره البخاري كما سيأتي في موضعه. وقال النووي: إنه الأصح (٤)؛ لحديث ابن عمر: عرضت عَلَى النبي - ﷺ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم ----------------- (١) انظر في هذا: «المحدث الفاصل» ١٨٥ - ٢٠٠، «الكفاية في علم الرواية» ١٠٣ - ١١٨، «مقدمة ابن الصلاح» ١٢٨ - ١٣١، «المقنع» ١/ ٢٨٨ - ٢٩٢، و«فتح المغيث» ٢/ ٣ - ١٧. (٢) سيأتي برقم (٣٧٢٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الزبير بن العوام - رضي الله عنه -. ورواه مسلم (٢٤١٦) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما. (٣) «سيرة ابن هشام» ٣/ ٢٢٩، «الطبقات الكبرى» ٢/ ٦٥، «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ١٧٩. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٨/ ١٧٧. الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني (١)، ولا خلاف أن أحدًا في الثالثة، فيكون عُمر عبدِ الله بن الزبير أربعَ سنين عَلَى القول بأنه ولد في السنة الأولى من الهجرة، وأن الخندق كانت سنة خمس عَلَى القول الآخر، وهو المشهور في مولده، وأن الخندق في شوال سنة أربع، فيكون عمره سنتين وشهرًا، وهو دال لمن اعتبر التمييز ولم يقيده بالسنين. --------------- (١) سيأتي برقم (٢٦٦٤) كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، ورواه مسلم (١٨٦٨) كتاب: الإمارة، باب: بيان صن البلوغ، وأبو داود (٢٩٥٧)، والترمذي (١٣٦١)، والنسائي (٣٤٣١)، وابن ماجه (٢٥٤٣)، وأحمد ٢/ ١٧، وأبو عوانة (٦٤٧٥) واللفظ له. ١٩ - باب الْخُرُوجِ فِى طَلَبِ الْعِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. ٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَليٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب قَالَ: قَالَ الأوزَاعِيُّ: أَخبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالُحرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّى تَمَارَيتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذا فِي صَاحِبِ مُوسَى الذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذكُرُ شَأنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيُّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَذْكُرُ شَأنَهُ يَقُولُ: «بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى. لَا. فَأَوْحَى اللهُ -عز وجل- إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الُحوتَ آيَةً، وَقيلَ لَهُ اِذَا فَقَدْتَ الُحوتَ فَارْجِعْ، فَإنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى - ﷺ - يَتَبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ». [انظر: ٧٤ - مسلم ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ١٧٣] حدثنا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قاضي حمص، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَني الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى .. الحديث، كما سلف قريبا سواء، وأراد به الرحلة في طلب العلم برًّا وبحرًا، وترجم عليه فيما تقدم الذهاب في البحر (١). ---------------- (١) سبق برقم (٧٤). وفيه من الأسماء مما لم يسبق: عبد الله بن أنيس، والأوزاعي، وخالد بن خَلِيّ. فأما عبد الله بن أنيس (م، ٤) فهو: جهني، أنصاري حليفهم، عقبي، روى عنه أولاده: عطية، وعمرو، وضمرة، وغيرهم، شهد أُحدًا وما بعدها، واختلف في شهوده بدرًا، وهو الذي رحل إليه جابر فسمع منه حديث القصاص، وهو الذي بعثه النبي - ﷺ - إلى خالد بن (نُبيح) (١) العنزي فقتله. لَهُ خمسة وعشرون حديثًا، روى له مسلم حديثًا واحدًا في ليلة القدر، وأخرج لَهُ أصحاب السنن الأربعة، ولم يذكره الكلاباذي وغيره فيمن روى لَهُ البخاري، وقد ذكر البخاري في كتاب: الرد عَلَى الجهمية فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس فذكره (٢). مات سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية (٣). فائدة: في أبي داود والترمذي عبد الله بن أنيس الأنصاري عنه ابنه عيسى، ولعله الأول، وفي الصحابة عبد الله بن أنيس، أو أنس، قيل: هو الذي رمى ماعزًا لما رجموه فقتله، وعبد الله بن أنيس قتل يوم اليمامة، وعبد الله بن أنيس العامري له وِفادة، وهو من رواية يعلى بن ---------------------- (١) في (ج): فليح. (٢) سيأتي بعد رقمِ (٧٤٨١) كتاب التوحيد والرد على الجهمية، باب قول الله ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾. (٣) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٤/ ٦٦، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٣٥ - ١٣٦ (٦٠٣). «الاستيعاب» ٣/ ٧ (١٤٨٥). «أسد الغابة» ٣/ ١٧٩ (٢٨٢٢)، «الإصابة» ٢/ ٢٧٨ (٤٥٥٠). الأشدق، وعبد الله بن أبي أنيسة قَالَ الوليد بن مسلم: حَدَّثَنَا داود بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قَالَ: سمعت حديثًا في القصاص لم يبق أحد يحفظه إلا رجل بمصر يقال له: عبد الله بن أبي أنيسة (١). وأما الأوزاعي: فهو أحد الأعلام، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، وقيل: كان اسمه عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن، أحد أتباع التابعين، كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس، ثمَّ تحول إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات، وقيل: إن الأوزاع قرية بقرب دمشق، سميت بذلك؛ لأنه سكنها في صدر الإسلام قبائل شتى، وقيل: الأوزاع: بطن من حمير، وقيل: من أوزاع. أي: فرق وبقايا مجتمعة من قبائل شتى، وقيل: كان ينزل الأوزاع فغلب ذلك عليه، وقال ابن سعد: الأوزاع بطن من هَمْدان (٢)، والأوزاعي من أنفسهم. روى عن عطاء ومكحول وغيرهما، ورأى ابن سيرين. وعنه قتادة ويحيى بن أبي كثير، وهما من شيوخه وأمم، وكان رأسًا في العلم والعبادة، وكان أهل الشام والمغرب عَلَى مذهبه قبل انتقالهم إلى مذهب مالك، وسئل عن الفقه -يعني: استفتي- وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: إنه أفتى في ثمانين ألف مسألة، مات بالحمام سنة سبع وخمسين ومائة في آخر خلافة أبي جعفر، وولد سنة ثمان وثمانين (٣). ------------------- (١) انظر ترجمتهم جميعًا في: «أسد الغابة» ٣/ ١٧٨ - ١٨١ (٢٨٢١ - ٢٨٢٥)، «الإصابة» ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (٤٥٤٧ - ٤٥٥١). (٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٨. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٢٦ (١٠٣٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٨٣ = وأما خالد بن خَلي: فهو: أبو القاسم الحمصي الكلاعي، انفرد به البخاري (عن مسلم) (١) وهو قاضي حمص، صدوق، أخرج له هنا، وفي التعبير، روى عن بقية وطبقته، وعنه ابنه محمد، وأبو زرعة الدمشقي، وأخرج لَهُ من أهل السنن النسائي فقط (٢). وأما الحديث الذي رحل إليه جابر فهو في القصاص كما تقدم، وتد ذكره البخاري في كتاب: الرد عَلَى الجهمية (٣) آخر الكتاب، فقال: ويذكر عن جابر بن عبد الله، عن عبد الله بن أنيس: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يحشر (الله) (٤) العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كلما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان» (٥) لم يزد البخاري عَلَى هذا، وقد ذكره كما ترى غير مجزوم به، وذكره هنا مجزومًا به، فكأنه جزم بالرحلة دون الحديث (وألا) (٦) يشكل عَلَى ما تقرر من تعليفات البخاري كما سلف في الفصول أول الكتاب، وقد رواه عبد الله بن عقيل عن جابر، وفيه أنه سمعه من عبد الله بن أنيس بالشام ولفظه: «يُحْشَرُ العِبَادُ -أو النَّاسُ- عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا فيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كما يَسْمعه مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ أَنَا الدَّيَّانُ، --------------- = (١٠٦٣)،»الجرح والتعديل«٥/ ٢٢٦ (١٢٥٧)،»تهذيب الكمال«١٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨ (٣٩١٨)،»سير أعلام النبلاء«٧/ ١٠٧ - ١٣٤ (٤٨). (١) ساقطة من (ج). (٢) انظر ترجمته في»التاريخ الكبير«٣/ ١٤٦ (٤٩٨)،»الجرح والتعديل«٣/ ٣٢٧ (١٤٦٩)،»الثقات«لابن حبان ٨/ ٢٢٥،»تهذيب الكمال«٨/ ٥٠ - ٥٣ (١٦٠٣)،»سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٦٤٠ - ٦٤١ (٢٢٤). (٣) سيأتي معك في ثنايا الكتاب (الرد على الجهمية) ويراد به (كتاب التوحيد) آخر الصحيح، وقوله (الرد على الجهمية) رواية صحيحة للمستلمي وأبي ذر. (٤) ساقطة من (ف). (٥) سبق تخريجه. (٦) في (خ): ولا. لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ حَتَّى يقْتصه مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ» قَالَ: وكَيْفَ وَإِنَّا إِنَّمَا نَأْتِي عُرَاةً غُرْلًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» (١). ومعنى: «فيناديهم» يأمر ملكا ينادي، أو يخلق صوتًا يسمعه الناس، وإلا فكلامه ليس بحرف ولا صوت (٢). وفي رواية أبي ذر: «فينادى» عَلَى ما لم يسم فاعله (٣). -------------------- (١) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ١٦٩ - ١٧٠ (٧٦١)، وفي «الأدب المفرد» (٩٧٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥١٤)، وفي «الآحاد والمثاني» ٤/ ٧٩ - ٨٠ (٢٠٣٤)، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٦٥، ٢٦٦ (٨٥٩٣)، والحاكم ٢/ ٤٣٧ وصحح إسناده، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ١/ ١٩٦ - ١٩٧ (١٣١)، ٢/ ٢٩ (٦٠٠)، والخطيب في «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١١٨ (٣١ - ٣٣)، وفي «الجامع لأخلاق الراوي» ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٦٨٦)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠ (٥٦٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٣٩٣، ٣٩٤، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٣٣: عبد الله بن محمد ضعيف -يعني: ابن عقيل. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ١٧٤: إسناده صالح. وحسنه الألباني في «الأدب المفرد» (٩٧٠). (٢) قلت: هذا الكلام من مذهب الأشاعرة المخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الرسالة البعلبكية» ص ١٧٤ قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢] وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١١ - ١٣]. الآيات دليلٌ على تكليم سمعهُ موسى والمعنى المجرد لا يُسمع بالضرورة، ومن قال إنه يسمع فهو مكابر. ودليل على أنه ناداه، والنداء لا يكون إلا صوتًا مسموعًا، لا يعقل في لغة العرب لفظ النداء لغير صوت مسموع لا حقيقة ولا مجازًا. اهـ. (٣) هكذا ذكر المصنف، ولم تُذْكر هذه الرواية في «اليونينية» ٩/ ١٤١. (ومعنى: «غُرلا» غير مختونين و«بهما»: أصحاء) (١). وهذا الطريق الذي سقناه أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٢) وغيره. ورواه الحافظ أبو بكر الخطيب في كتاب «الرحلة» (٣) من (حديثه) (٤) عنه قَالَ: قدمت عَلَى أنيس مصر، ورواه كذلك من طريق أبي جارود العبسي عن جابر وهي ضعيفة (٥). وذكر ابن يونس أيضًا قدومه إلى مصر في حديث القصاص، لكن لعقبة بن عامر، فيحتمل تعدد الواقعة، ووقع في كتاب ابن بطال أن الحديث الذي رحل بسببه جابر إلى عبد الله بن أنيس هو حديث الستر عَلَى المسلم (٦)، وليس كذلك، فذاك رحل فيه أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر. أخرجه الحاكم بإسناده، وأنه لما أتى إلى عقبة قَالَ: ما جاء بك؟ قَالَ: حديث لم يبق أحد سمعه من رسول الله - ﷺ - غيري وغيرك، في ستر المؤمن؛ فقال عقبة: نعم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ سَتَر مُؤمنًا في الدُّنيا عَلَى خزية سَتَرَهُ الله يومَ القِيامة» فقال أبو أيوب: صدقتَ، ثمَّ انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعًا إلى المدينة (٧). ------------------- (١) ساقطة من (ج). (٢) كما في «بغية الباحث» ص ٣٢ (٣٩) باب: الرحلة في طلب العلم. قلت: إسناده ضعيف جدًّا: فيه الواقدي شيخ الحارث قال عنه الحافظ ابن حجر في «التقريب» (٦١٧٥): متروك مع سعة علمه. (٣) في هامش (س): رحلة جابر إلى الشام، أخرجها الإمام أحمد في «المسند» وقال: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عمار بن يحيى … [باقي الكلام غير واضح بالأصل]. (٤) في (ف): حديث. (٥) «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١١٨ (٣١ - ٣٣). (٦) «شرح ابن بطال» ١/ ١٥٩. (٧) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٧ - ٨. فائدة: رحل جماعات إلى حديث واحد من أماكن شاسعة. قَالَ عمرو بن أبي سلمة للأوزاعي: أنا ألزمك منذ أربعة أيام ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثًا. فقال: وتستقل ثلاثين حديثًا في أربعة أيام؟! لقد سار جابر إلى مصر واشترى راحلة يركبها حتَّى سأل عقبة عن حديث واحد وانصرف، وهذا قَدْ قدمناه. وعن مالك أن رجلًا خرج إلى مسلمة بن مخلد بمصر في حديث سمعه (١). وعن ابن بريدة، أن رجلًا من الصحابة رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر في حديث سمعه. وعن سعيد بن المسيب: لقد كنت أسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. ورحل عُبيد الله بن عدي بن الخيار إلى عليّ بن أبي طالب بالعراق لحديثٍ واحدٍ، وأبو عثمان النهدي من العراق إلى المدينة في حديثٍ واحدٍ عن أبي هريرة، وابن الديلمي رَحَلَ من فلسطين إلى عبد الله بن عمرو بالطائف لحديثٍ واحدٍ، وأبو معشر من الكوفة إلى البصرة لحديث واحد بَلَغَه عن أبان بن أبي عياش، وشُعبة من البصرة إلى مكة -شرَّفها الله تعالى- ولم يرد الحج لحديث واحد، وعلي بن المبارك من مَرو إلى هارون بن المغيرة بالبصرة لحديث واحد، -------------- (١) رواه أحمد ٤/ ١٠٤، والطبراني في «الكبير» ١٩/ (١٠٦٧)، وفي «الأوسط» ٦/ ٧٢ (٥٨٢٧)، وفي «مسند الشاميين» ٤/ ٣٤١ (٣٥٠٢)، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٣٤ رجال «الكبير» رجال الصحيح. تنبيه: والرجل الذي رحل إلى مسلمة بن مخلد كما ذكر في الحديث هو: عقبة بن عامر. وزيد بن الحباب رحل من البصرة إلى المدينة في حديث واحد، ومن المدينة إلى موسى بن علي بمصر، وصالح بن محمد جزرة رحل إلى خراسان بسبب حديث عن الأعمش (١). فائدة أخرى: ذكر البخاري قريبًا الرحلة في المسألة النازلة وذكر فيه حديث المرضعة (٢) ومن الدليل على الرحلة أيضًا قوله - ﷺ -: «من سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» (٣) الحديث بطوله. وقوله - ﷺ -: «إنَّ الناسَ لكم تبعٌ وإنَّ رجالًا يأتونَكم مِنْ أقطارِ الأرضِ يَتَفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاسْتوصو ابهم خيرًا» أخرجه الترمذي، وفيه: «رجال مِنْ قِبل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاسْتَوصوا بهم خَيْرا» قَالَ: وكان أبو سعيد إِذَا رآنا يقول: مرحبًا بوصيةِ رسول الله - ﷺ - (٤). وقال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقْصَى اليمن، فحفظ كلمةً تنفعه فيما بقي من عمره، لم أر سفره يضيع (٥). وقيل في قوله تعالى حكاية عن موسى - ﷺ -: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] جمع حقب وهو ثمانون سنة. ----------------- (١) انظر في ذلك: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» ص ٢٢٩ - ٢٣٣. «الرحلة في طلب الحديث» ص ١٠٩ - ١٦٥ (٣١ - ٦٦). «جامع بيان العلم» ١/ ٣٨٨ - ٤٠٠ (٥٦٣ - ٥٧٨). (٢) سيأتي برقم (٨٨). (٣) سبق تخريجه. (٤) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٩)؛ وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٠). (٥) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٣١٣. ٢٠ - باب فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ ٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بِهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْحَاق: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَة قَيَّلَتِ الَماءَ. قَاعٌ: يَعْلُوهُ الَماءُ، وَالصَّفْصَفُ: الُمسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. [مسلم: ٢٢٨٢ - فتح: ١/ ١٧٥] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ ثنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَني اللهُ بِهِ مِنَ الهُدى وَالْعِلْم كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالْعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَني اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللهِ الذِي أُرْسِلْتُ بهِ». قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَان مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ. قَاعٌ: يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالمُصطَفُّ: (١) المُسْتَوِي مِنَ الأَرْضِ. ------------------- (١) في الأصل: وَالصَّفْصَفُ. وكذا باليونينية، وصوبها في الهامش إلى المصطف، وسيأتي تعليق المصنف على هذا الاختلاف. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#71 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 406 الى صـــ 425 الحلقة (71) الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل من حديث حماد أيضًا (١). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا شيخ البخاري وشيخ شيخه. أما شيخه فهو: محمد بن العلاء (ع)، أبو كريب الهمداني الكوفي. روى عنه: مسلم أيضًا والأربعة وغيرهم وهو صدوق لا بأس به، وهو مكثر. قَالَ أبو العباس بن سعيد: ظهر لَهُ بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين (٢). وأما شيخ شيخه فهو: أبو أسامة، (ع) حمَّاد بن أسامة بن زيد الهاشمي القرشي الكوفي، مولى الحسن بن علي أو غيره. روى عن بريد وغيره، وأكثَرَ عن هشام بن عروة، لَهُ عنه ستمائة حديث. وعنه الشافعي وأحمد وغيرهما. وكان ثقة ثبتًا صدوقًا. رُوي عنه أنه قَالَ: كتبت بأصبعي هاتين مائة ألف حديث. مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل، وليس في الصحيحين من هو بهذِه الكنية سواه (٣). ----------------- (١) رواه مسلم (٢٢٨٢) باب: بيان مثل ما بعث النبي - ﷺ - من الهدى والعلم. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٥ (٢٤٤). «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٢ (٢٣٩). «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٤٣ (٥٥٢٩)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٣٩٤ - ٣٩٨ (٨٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١١٩. (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢٨/ ٣ (١١٣). «الجرح والتعديل» ٣/ ١٣٢ (٦٠٠). «تهذيب الكمال» ٧/ ٢١٧ (١٤٧١). «مقدمة فتح الباري» ص ٣٩٩. وفي النسائي: أبو أسامة الرقي النخعي زيد بن علي بن دينار صدوق (١). وليس في الكتب الستة من اشتهر بهذِه الكنية سواهما. وبُريد -بضم أوله- وأبو بُردة، اسمه: عامر، عَلَى الأصح كما سلف. وأبو موسى اسمه: عبد الله بن قَيْس كما سلف كل ذَلِكَ في باب: أي الإسلام أفضل؟. ثالثها: قوله: (قَالَ إسحاق): كذا وقع في البخاري غير منسوب في غير ما موضع منه، وهو من المواضع المشكلة في البخاري، وهو يروي عن إسحاق جماعة، وقيل: إنه ابن راهويه. قَالَ أبو علي الجياني: روى البخاري عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وإسحاق بن إبراهيم السعدي، وإسحاق بن منصور الكَوْسَج، عن حمَّاد بن أسامة. وروى مسلم أيضًا عن إسحاق بن منصور الكوسج، عن حماد أيضًا هذا كلامه (٢). وإسحاق هذا لا يخرج عن أحد هؤلاء ويظهر أن يكون ابن راهويه؛ لإكثار البخاري عنه. وقد حكى الجيَّاني عن ابن السكن الحافظ أن ما كان في كتاب البخاري عن إسحاق غير منسوب، فهو ابن راهويه. رابعها: في ضبط ألفاظه ومعانيه: فـ «الغيث»: المطر وغِيثت الأرض فهي مغيثة ومَغْيُوثة، يقال: غاث الغيث الأرض إِذَا أصابها، وغاث الله البلاد يغيثها غيثًا. ---------------- (١) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ١/ ٥٦٩ (٢٥٧٩). «الثقات» لابن حبان ٨/ ٢٥١. «تهذيب الكمال» ١٠/ ٩٩ (٢١٢٢). «الكاشف» ١/ ٤١٨ (١٧٥٠). (٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٧٣ - ٩٧٤. قوله: «نَقِيَّة» هو- بنون مفتوحة ثمَّ قاف مكسورة ثمَّ ياء مثناة تحت- أي: طيبة كما جاء في رواية مسلم (١). ورواه الخطابي وغيره بثاء مثلثة، ثمَّ غين معجمة، ثمَّ باء موحدة. قَالَ: وهو: مستنقع الماء في الجبال والصخور (٢). قَالَ القاضي: وهو تصحيف ولم نَرْوه إلا «نقية» -بالنون (٣) - والذي ذكره الخطابي فيه قلب للمعنى؛ لأن الثغاب لا تنبت، وإنما يمكن حمله عَلَى الطائفة الثانية دون الأولى، وذكر بعضهم: «بقعة» بدل ذلك، والصحيح الأول وهو الرواية. وقوله: (قَبِلَتِ المَاءَ) هو بالموحدة بعد القاف (والْكَلأَ): مقصور مهموز، يقع عَلَى الرطب واليابس من النبات كما قاله الجوهري وغيره (٤)، ويطلق العشب والخلا عَلَى الرطب منه. وقال الخطابي (٥) وابن فارس (٦): يقع الخلا عَلَى اليابس. وهو شاذ ضعيف، كما قاله النووي (٧). ويقال لليابس: الهشيم والحشيش. قَالَ الجوهري: ولا يطلق الحشيش عَلَى الرطب (٨). وهو ما نقله البطليوسي في «أدب الكاتب» عن الأصمعي، ونقل عن أبي حاتم إطلاقه عليه. --------------------- (١) برقم (٢٢٨٢) كتاب: الفضائل، باب: مثل ما بعث النبي - ﷺ - من الهدى والعلم. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٩٨. (٣) «إكمال المعلم» ٧/ ٢٥٠. (٤) «الصحاح» ١/ ٦٩. و«لسان العرب» ٧/ ٣٩٠٩. (٥) «أعلام الحديث» ١/ ٢١٥. (٦) «مجمل اللغة» ١/ ٢٩٨. (٧) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ٤٦. (٨) «الصحاح» ٣/ ١٠٠١. وقوله: «أَجَادِبُ»: هو: -بالجيم والدال المهملة- جمع جدب عَلَى غير قياس، وقياسه أن يكون جمع أجدب كما قالوا في جمع حسن: محاسن، وقياسه أن يكون جمع محسن، وفيه رواية ثانية: أنها بالمعجمة، حكاها القاضي، والخطابي وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء (١). قَالَ القاضي: لم يرو هذا الحرف في مسلم وغيره إلا بالدال المهملة من الجدب الذي هو ضد الخِصَب. وعليه شرح الشارحون وصحفه، فقال بعضهم: أحارب -بالحاء والراء المهملتين (٢) - وليس بشيء كما قاله الخطابي. وقال بعضهم: أجارد -بالجيم والراء والدال- وهو صحيح المعنى إن ساعدته الرواية. قَالَ الأصمعي: الأجارد من الأرض: التي لا تنبت الكلأ، معناه: أنها جرداء بارزة لا يسترها النبات. وقال بعضهم: إنما هي أخاذات -بالخاء والذال المعجمتين سقط منها الألف- جمع أخاذة وهي: المساكات التي تمسك الماء كالغدران (٣). وقوله: (وَسَقَوْا) (يقال) (٤): سقى وأسقى بمعنى، وقيل: سقاه: ناوله (ليشرب) (٥) وأسقاه: جعل لَهُ سقيا. وقوله: (طَائِفَةً أُخْرى) أي: قطعة أخرى. ----------------- (١) «إكمال المعلم» ٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠. «أعلام الحديث» ١/ ١٩٨. (٢) لا حاجة إلى تقييد الراء بالإهمال، إذ لا نظير لها، كما يأتي تنبيه سبط بن العجمي على ذلك مرارًا. (٣) ذكره المازري في «المعلم» ٢/ ٣٥٠. (٤) في (ج): (يعني). (٥) في (ف): الشرب. و«القيعان» -بكسر القاف- جمع قاع وهي الأرض المستوية، وقيل: الملساء، وقيل: التي لا نبات فيها. ويجمع أيضًا عَلَى قوع وأقواع. والقيعة: -بكسر القاف- بمعنى القاع، والفقه: الفهم كما سلف. وقوله: (مَنْ فَقِهَ): ضم القاف فيه أشهر من كسرها، والوجهان مرويان. وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قيَلَتِ المَاءَ) قيده الأصيلي: بالمثناة تحت. قَالَ: وهو تصحيف منه، وإنما هو بالباء الموحدة. وقال غيره: معناه: شربت القيل، وهو شرب نصف النهار، يقال: قيلت الأبل: إِذَا شربت نصف النهار. وقيل معناه: جمعت وحبست. قَالَ القاضي: ورواه سائر الرواة غير الأصيلي: قبلت (١). يعني: -بالموحدة- في الموضعين أول الحديث. وفي قول إسحاق، فعلى هذا إنما خالف إسحاق في لفظ (طائفة) جعلها مكان (نقية). قوله: (والمصطف): المستوي من الأرض، كذا وقع في نسخ والصواب (وَالصَّفْصَفُ): المستوي من الأرض وكذا ذكره البخاري في كتاب التفسير في سورة طه، وهذا إشارة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦]. خامسها: هذا الحديث من بديع كلامه ووجيزه وبليغه - ﷺ - في السَّبْر والتقسيم ورد الكلام بعضه عَلَى بعض، فإنه ذكر ثلاثة أمثلة ضربها في الأرض، اثنان منها محمودان، ثمَّ جاء بعده بما تضمنه ذَلِكَ فقال: «فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ» إلى آخره، فهو جامع لمراتب الفقهاء والمتفقهين، فالأول: مثل الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ ---------------- (١) «إكمال المعلم» ٧/ ٢٤٩. والعشب الكثير، فانتفعت بالري والتريي في نفسها، وانتفع الناس بالرعي بما أنبتت، فهذا كالذي فقه في نفسه، وكان قلبه نقيًّا من الشكوك، فعلم ما يحمله وعلمه الناس. والثاني: مثل الأرض التي أمسكت الماءَ، فانتفع الناس به فشربوا وسقوا وزرعوا، فهذا كالذي حمل علما وبلغه غيره، فانتفع به ذَلِكَ الغير. قَالَ القاضي: قوله: (وزرعوا) راجع إلى المثال الأول أيضًا؛ إذ ليس في المثال الثاني أنها أنبتت شيئًا (١). قُلْتُ: لكن المراد أنهم انتفعوا بالماء فزرعوا عليه، فلا حاجة إلى كونها أنبتت. والثالث: مثل الأرض السباخ التي لا تنبت كلأً ولا تمسك ماءً، فهذا كالذي سمع العلم فلم يحفظه ولم يعه، فلم ينتفع ولم ينفع غيره. ----------------- (١) «إكمال المعلم» ٧/ ٢٥٠. ٢١ - باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ. ٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». [٨١، ٥٢٣١، ٥٥٧٧، ٦٨٠٨ - مسلم ٢٦٧١ - فتح: ١/ ١٧٨] ٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لأُحُدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ». [انظر: ٨٠ - مسلم: ٢٦٧١ - فتح: ١/ ١٧٨] حدثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، ثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا». حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لأحُدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرَّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ أمْرَأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في العلم عن شيبان، عن عبد الوارث به (١)، وأخرج الثاني عن محمد بن المثنى وبندار، عن غندر، عن شعبة (به) (٢)، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر، [و] (٣) عن أبي كريب، عن أبي أسامة (وعبدة) (٤)؛ كلهم عن شعبة به ولفظه: «ويفشو الزنا ويذهب الرجال ويبقى النساء» (٥). وفي بعض طرق «الصحيح»: «ويكثر الجهل ويكثر الزنا» وفي أخرى: «ويكثر شرب الخمر» (٦). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم خلا عمران بن ميسرة وأبا التياح، ويحيى هو ابن سعيد القطان. فأما أبو التياح فهو: بمثناة فوق ثمَّ مثناة تحت ثمَّ ألف ثمَّ حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميد الضبعي من أَنْفَسِهم، وليس في الستة من يشترك معه في هذِه الكنية، وربما كني بأبي حماد، وهو ثقة ثبت صالح. وعنه ابن علية وغيره، مات سنة ثمانٍ وعشرين ومائة (٧). --------------- (١) برقم (٢٦٧١/ ٨) باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. (٢) ساقطة من (ج). (٣) زيادة يقتضيها السياق؛ لأن أبا كريب شيخ الإمام مسلم. (٤) في (ف): وعنه. (٥) رواه مسلم (٢٦٧١/ ٩) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان. (٦) ستأتي برقم (٥٢٣١) كتاب: النكاح، باب: يقلُّ الرجال ويكثر النساء. (٧) هو الإمام الحجة أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري. حدث عن أنس بن مالك، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومطرف بن الشخير، وأبي عثمان النهدي، وحمران بن أبان، وغيرهم. وعنه: سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهمام، وحماد بن سلمة وغيرهم، وثقه أحمد ويحيى بن معين، والنسائي. مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وقيل: بل توفي سنة ثلاثين ومائة. = وأما عمران فهو: أبو الحسين المنقري البصري، روى عنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين (١). ثالثها: مناسبة قول ربيعة للتبويب في رفع العلم (أن من كان فيه فهم وقبول للعلم فلا يضيع نفسه بإهماله بل يقبل عليه ويهتم به، فإنه إِذَا لم يفعل ذَلِكَ أدى إلى رفع العلم) (٢)؛ لأن البليد لا يقبل العلم فهو عنه مرتفع، فلو لم تصرف الهمة إليه أدى إلى رفعه مطلقًا. ويحتمل أن المراد به أن العالم ينبغي له تعظيم العلم بأن لا يأتي أهل الدنيا؛ إجلالًا له، فإنه إِذَا أكثر منهم أداه ذَلِكَ إلى قلة الاشتغال والاهتمام به، ويحتمل معنى ثالثًا أن من هذا حاله لا يضيع نفسه بأن يجعله للأغراض الدنيوية، بل يقصد به الإخلاص؛ لتحصل له الثمرات الأخروية فيكون جامعًا للعلم والعمل به. رابعها: في ألفاظه ومعانيه: الأشراط: العلامات كما تقدم الكلام عليه في حديث جبريل، ---------------- = انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٣٨، «طبقات خليفة» ص ٢١٦، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٢٦ (٣١٨٨)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٠٩ - ١١٢ (٦٩٧٨)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢ (١١٥)، «شذرات الذهب» ١/ ١٧٥. (١) عمران بن ميسرة المنقري، أبو الحسن البصري الأدمي. روى عن: نجادة بن سلم، وحفص بن غياث، وعباد بن العوام، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وعبد الوارث بن سعيد. روى عنه، وأبو بكر محمد بن هانئ الأثرم، مات سنة ثلاث عشرين ومائتين. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٢٩ (٢٨٨٣)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٠٦ (١٦٩٩)، «الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٩٨، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٤٥٠٨)، «الكاشف» ٢/ ٩٥ (٤٢٧٨). (٢) ساقط من (ج). والشَّرَط أيضًا: رذال المال، والأشراط: (الأرذال) (١)؛ فعلى هذا يكون المعنى: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل قيامها. ونقل الجوهري، عن يعقوب أن الأشراط: الأشراف أيضًا (٢). فهو إذن من الأضداد. والمراد برفع العلم قبض أهله كما سيأتي قريبًا في باب: كيف يقبض العلم، وكذا قلته بموتهم لا بمحوه من الصدور، فيتخذ الناس عند ذَلِكَ رءوسًا جهالًا يتحملون في دين الله برأيهم، ويفتون بجهلهم. قَالَ القاضي عياض: وقد وجد ذَلِكَ في زمننا كما أخبر - ﷺ - فنسأل الله السلامة والعافية في القول والعمل (٣). قُلْتُ: فكيف لو أدرك زماننا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقوله: (وَيَثْبُتَ الجَهْلُ) هو من الثبوت. قَالَ النووي: وكذا هو في أكثر نسخ مسلم (٤)، وفي بعضها: «يبث» بمثناة تحت في أوله ثمَّ باء موحدة ثمَّ ثاء مثلثة أي: ينتشر. وقوله: (وَيُشْرَبَ الخَمْرُ) أي: يشرب شربًا فاشيًا كما جاء في رواية: «ويكثر شرب الخمر» (٥). والزنا: يمد ويقصر، والأولى: لغة أهل نجد، والثانية: لغة أهل الحجاز وقوله: (لأحَدِّثَنَّكُمْ) كذا في البخاري، وفي «صحيح مسلم»: -------------- (١) في (خ): الأراذل. (٢) «الصحاح» ٣/ ١١٣٦. (٣) «إكمال المعلم» ٨/ ١٦٧. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٦/ ٢٢١. (٥) سيأتي برقم (٥٢٣١) كتاب: النكاح، باب: يقل الرجال ويكثر النساء. ألا أحدثكم (١)، بـ (ألا) التي للاستفتاح. وفيه أيضًا: لا يحدثكموه (٢). ومراد أنس بذلك أن الصحابة انقرضوا ولم يبق من يحدث به غيره. ويمكن أن يكون قَالَ ذَلِكَ لما رأى من نقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي - ﷺ - في نقصه وأنه من أشراط الساعة؛ ليحثهم عَلَى طلبه. وقوله: (وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ) قلة الرجال بكثرة القتل وذلك عند فتح القسطنطينية وما شابهها من الملاحم، فتكثر النساء إذ ذاك ويكثر الفساد. و(القيم) والقيام: القائم بالأمر، أراد قبض المال فيكسب الإماء فيكون للرجل الواحد الإماء الكثيرة، أو بسبب قتل الرجال يكثر النساء (فيقل) (٣) من يقوم بمصالحهن، أو إِذَا قل الرجال وغلب الشبق عَلَى النساء يتبع الرجل الواحد ما ذكر من النساء، كل واحدة تقول: انكحني. وهذا الحديث علم من أعلام نبوته - ﷺ -؛ حيث أخبر بقلة الرجال في آخر الزمان وكثرة النساء. ------------- (١) رواه مسلم برقم (٢٦٧١/ ٩) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه. (٢) سيأتي برقم ٥٢٣١)، (٦٨٠٨) كتاب: الحدود، باب: إثم الزناة. ورواه مسلم (٢٦٧١/ ٩). (٣) في (ج): فيقتل. ٢٢ - باب فَضْلِ الْعِلْمِ ٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدُّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابن عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَابِ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ». [٣٦٨١، ٧٠٠٦، ٧٠٠٧، ٧٠٢٧، ٧٠٣٢ - مسلم: ٢٣٩١ - فتح: ١/ ١٨٠] حَدَّثنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ، حَدَّثَيي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابن عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: الحديث أخرجه البخاري في التعبير عن يحيى بن بكير وعن قتيبة؛ كلهم (١) عن الليث، وعن عبدان وغيره من طرق (٢). وأخرجه مسلم في: فضائل عمر، عن قتيبة، عن ليث به، وعن غيره (٣). ثانيها: وجه مناسبة التبويب أنه عبر عن العلم بأنه فضلة النبي - ﷺ - وناهيك به فضلًا، فإنه جزء من أجزاء النبوة. ------------------ (١) بإضافة سعيد بن عفير، كما هنا، إليهم. (٢) سيأتي برقم (٧٠٠٦) باب: الحلم من الشيطان. (٣) رواه مسلم (٢٣٩١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر. ثالثها: في التعريف برواته: وقد سلفوا خلا حمزة وهو: أبو عمارة حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، تابعي سمع أباه وعائشة، وأمه أم ولد، وهي أم سالم وأم عبيد الله، وكان ثقة قليل الحديث (١). رابعها: قوله: (حَتَّى إِنِّي لأَرى الرِّيَّ) يحتمل أن يكون من باب النظر وبمعنى العلم فالري -بكسر الراء- يقال روي من الماء والشراب -بكسر الواو-، وَيرْوى -بفتحها-، رِيًّا -بالكسر- في الاسم والمصدر، وحكى القاضي عن الداودي الفتح في المصدر (٢). وقال الجوهري: رِيًّا ورَيًّا، ورِوى مثل رِضى (٣). ومثله: رويت الأرض من المطر، وأما من الراوية فعكسه تقول: رويت الحديث أرويه رواية بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل، والرَّواء ما يروي من الماء إِذَا مددت فتحت الراء، وإذا كسرت قصرت. وقوله: (فِي أَظْفَارِي) كذا رواه هنا ورواه في التعبير: «من أطرافي» (٤) و«من أظافيري» (٥) والكل واحد، والتأويل: ما يئول إليه الشيء، والتأويل: التعبير. خامسها: رؤية اللبن في النوم يدل عَلَى الفطرة والسنة والعلم والقرآن؛ لأنه أول شيء يناله المولود من طعام الدنيا وبه تقوم حياته ------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٠٣. «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧ (١٧٨). «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٣٢٢ (٣٥٨). «الجرح والتعديل» ٣/ ٢١٢ (٩٣٠).«تهذيب الكمال» ٧/ ٣٣٠ - ٣٣٢ (١٥٠٧). (٢) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٠٣. (٣) «الصحاح» ٦/ ٢٣٦٤. (٤) سيأتي برقم (٧٠٠٧) باب: إذا جرى اللبن في أطرافه أو أظافره. (٥) سيأتي برقم (٧٠٠٦). كما تقوم بالعلم حياة القلوب، فهو مناسب للعلم من هذِه الجهة، وقد يدل عَلَى الحياة وعلى الثواب؛ لأنه من نعيم الجنة إِذَا رأى نهرًا من لبن، وقد يدل عَلَى المال الحلال، وإنما أوله الشارع بالعلم في عمر؛ لعلمه بصحة فطرته ودينه والعلم زيادة في الفطرة. ٢٣ - باب الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا ٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقتُ قَبْلَ أَنْ أذبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [١٢٤، ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ٦٦٦٥ مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ١/ ١٨٠] حدثنا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَيي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسألُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْم وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَل وَلَا حَرَجَ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا قريبًا عن أبي نعيم، عن عبد العزيز، عن الزهري به (١). وأخرجه في الحج عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن سعيد بن يحيى، عن أبيه، عن ابن جريج، عن الزهري به (٢). ----------------- (١) سيأتي برقم (١٢٤) كتاب: العلم، باب: السؤال والفتيا عند رمي الجمار. (٢) سيأتي برقم (١٧٣٦)، (١٧٣٧) باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة. وأخرجه مسلم في المناسك من طرق، منها: عن يحيى بن يحيى، عن مالك (١). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم خلا عيسى وهو: أبو محمد عيسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي، تابعي، ثقة، كثير الحديث من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم أخو موسى ومحمد، مات سنة مائة (٢). ثالثها: مراد البخاري بهذا التبويب الاستدلال عَلَى جواز سؤال العالم وإن كان مشتغلًا، راكبًا وماشيًا وواقفًا وعلى كل أحواله ولو كان في طاعة، ولم يذكر هنا أنه كان عَلَى دابة؛ ليطابق ما بوب عليه لكنه ذكره في الحج، وفيه أنه كان عَلَى ناقته عندما سُئِلَ. رابعها: ذكر البخاري في روايته هنا أنه كان إذ ذاك بمنى، وذكر في موضع آخر أن ذاك (كان) (٣) حال (خطبته) (٤) يوم النحر، وفي موضع آخر: رأيته عند الجمرة؛ فيحتمل أن تكون الواقعة واحدة، وأن تكون متعددة بأن يكون السؤال وقع مرة عند الجمرة ومرة عند الخطبة، وللبخاري في ------------------ (١) رواه مسلم (١٣٠٦) باب: من حلق قبل النحر. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٨٥ (٢٧١٩). «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٧٩ (١٥٥٠). «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٦١٥ - ٦١٧ (٤٦٣١)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٣٦٧، ٣٦٨ (١٤٤)، «شذرات الذهب» ١/ ١١٩. وورد بهامش الأصل: قال الذهبي في ترجمة عيسى: مات سنة مائة ظنًّا. (٣) من (ج). (٤) في (ج): خطبة. موضع آخر من حديث ابن عباس: رميت بعدما أمسيت. قَالَ: «لا حرج» (١). وهو دال على تعدد السؤال. خامسها: معنى (لَمْ أَشْعُرْ): لم أفطن، والحرج هنا: الإثم. أي: لا إثم عليك فيما فعلت، وهو إجازة لَهُ أيضًا. سادسها: وظائف يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثمَّ النحر، ثمَّ الحلق، ثمَّ طواف الإفاضة، هذا هو السنة في ترتيبها، فإن خالف صح ولا شيء عليه، ويروى عن الحسن وجماعة وجوب الدم وهو شاذ، وانفرد ابن الجهم المالكي فقال: القارن لا يجوز لَهُ الحلق قبل الطواف (٢). ومنع مالك وأبو حنيفة من تقديم الحلق عَلَى الرمي (٣)، ولأصحابنا وجه مثله منع من تقديم الحلق عَلَى الرمي والطواف معًا بناء عَلَى أنه استباحة محظور (٤)، وعن أحمد أنه إِذَا قدم بعض هذِه الأشياء عَلَى بعض لا شيء عليه إن كان جاهلًا وإن كان عالمًا ففي وجوب الدم روايتان (٥). وقال ابن الماجشون فيمن حلق قبل الذبح بوجوب الفدية. وسيكون لنا عودة إلى الخوض في ذَلِكَ قريبًا، وفي كتاب الحج إن شاء الله تعالى ذَلِكَ وقدره، وقد بسطتُ القول فيه في «شرح ------------- (١) سيأتي برقم (١٧٢٣) كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الحلق. (٢)»المنتقى«٣/ ٣٠. (٣)»التفريع«١/ ٣٤٣.»عيون المجالس«٢/ ٨٤٠ - ٨٤١.»الهداية«١/ ١٨١ - ١٨٢. (٤)»روضة الطالبين«٣/ ١٠٢ - ١٠٣. (٥)»المغني" ٥/ ٣٢٠ - ٣٢٣. العمدة» (١) نفع الله به. والفتيا والفتوى: الاسم، ولم يجئ من المصادر عَلَى فُعلى غير الفُتيا والرُّحبى وبُقْيَا ولُقْيَا (٢). ------------------- (١) «شرح العمدة» ٦/ ٣٤٤ وما بعدها. (٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٧٣١، مادة: [فتو]، «لسان العرب» ٦/ ٣٣٤٨. ٢٤ - باب مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ ٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ فِي حَجُّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: «وَلَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَؤمَأَ بِيَدِهِ: «وَلَا حَرَجَ». [١٧٢١، ١٧٢٢، ١٧٢٣، ١٧٣٤، ٦٦٦٦ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ١/ ١٨١] ٨٥ - حَدَّثَنَا الَمكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتلَ. [١٠٣٦، ١٤١٢، ٣٦٠٨، ٣٦٠٩، ٤٦٣٥، ٤٦٣٦، ٦٠٣٧، ٦٥٠٦، ٦٩٣٥، ٧٠٦١، ٧١١٥، ٧١٢١ - مسلم: ١٥٧ - فتح: ١/ ١٨٢] ٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَت: أَتَيْتُ عَائِشَةَ -وَهِيَ تُصَلِّي- فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ: نَعَمْ - فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي الَماءَ، فَحَمِدَ اللهَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ -مِثلَ أَوْ- قَرِيبَ- لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَت أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ الُموقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ. ثَلًاثا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأمَّا المُنَافِقُ- أَوِ الُمرْتَابُ لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». [١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ١/ ١٨٢] ذكر فيه ثلائة أحاديث: الأول: حديث ابن عباس وهذا سياقته: حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنَا وُهَيْبٌ، ثنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: «وَلَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: «وَلَا حَرَجَ». وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الحج عن موسى، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (١). وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب به (٢). وقد سلف التعريف برواته وفقهه. الحديث الثاني: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ. الكلام عليه من أوجه: أولها: هذا الحديث أخرجه مسلم في العلم أيضًا عن ابن نمير وغيره؛ عن إسحاق بن سليمان؛ كلاهما عن حنظلة هو ابن أبي سفيان الجمحي به (٣). -------------- (١) سيأتي برقم (١٧٢١) باب: الذبح قبل الحلق. (٢) برقم (١٣٠٧) باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي. (٣) برقم (٢٢٧٢) باب: رفع العلم وقبضه. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#72 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 426 الى صـــ 445 الحلقة (72) ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا مكي بن إبراهيم وهو: أبو السكن مكي (ع) بن إبراهيم بن بشير-بفتح الباء- ابن فرقد البلخي الحنظلي الحافظ، أخو إسماعيل ووالد الحسن ويعقوب. سمع حنظلة وغيره من التابعين، وهو أكبر شيوخ البخاري من الخراسانيين؛ لأنه روى عن التابعين وروى مسلم والأربعة عن رجل عنه، وعنه روى أيضًا أحمد وغيره، وهو ثقة ثبت. روي عنه أنه قَالَ: حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وجاورت بالبيت عشر سنين، وكتبت عن سبعة عشر من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إليَّ (لما) (١) كتبت عن أحد دون التابعين. قَالَ: خرج بي أبي وأنا ابن إحدى عشرة سنة لم أعقل الطلب، فلما بلغت سبع عشرة سنة أخذت في الطلب ولد سنة ست وعشرين ومائة، ومات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين ببلخ (٢). وليس في الكتب الستة مكي بن إبراهيم غيره. ثالثها: قَدْ سلف أن معنى قبض العلم: قبض أهله. وفي رواية لمسلم «وينقص العلم» (٣) وكأنه -والله أعلم- قبل قبضه. و(الْهَرْجُ) بإسكان الراء، وأصله الاختلاط والقتال، وكذا التهارج، ومنه يتهارجون تهارج الحمر أي: يختلطون رجالًا ونساء، ويتناكحون ----------------- (١) في (ج): ما. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٧١ (٢١٩٩). «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٤١ (٢٠١١). «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٤٧٦ - ٤٨٢ (٦١٧٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٤٩ - ٢٥٣ (٢١٤)، «شذرات الذهب»٢/ ٣٥. (٣) برقم (١٥٧/ ١٢) بعد (٢٦٧٢) كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه. مزاناة يقال: هرجها يهرجها مثلث الراء إِذَا نكحها. وقيل: أصله الكثرة في الشيء، ومنه قولهم في الجماع: بات يهرجها ليلة جمعا. وقال ابن دريد: الهرج: الفتنة آخر الزمان (١). وقوله: (فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ). جاء في رواية مسلم: قالوا: وما الهرْج؟ قَالَ: «القتل» (٢). رابعها: فيه وفيما قبله وفي الحديث الذي بعده، فإن فيه الإشارة أيضًا دلالة عَلَى أن الإشارة كالنطق، وسيأتي في كتاب الطلاق -إن شاء الله وقدره- حكم الإشارة بالطلاق وبسط هذِه القاعدة وما يستثنى منها في حق من لا قدرة لَهُ عَلَى النطق، وفي حديث أسماء الآتي دلالة عَلَى جواز الإشارة في الصلاة والعمل القليل فيها، ومنه استنبط البخاري الفتيا بالإشارة. الحديث الثالث: حَدَّثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا وُهَيْبٌ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ -وَهِيَ تُصَلِّي- فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ برَأسِهَا، أَيْ: نَعَمْ- فقُمْتُ حَتَّى تَجَلاَّنِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ -مِثْلَ أَوْ-قَرِيبَ- لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا ------------------ (١)»جمهرة اللغة" ١/ ٤٦٩. (٢) مسلم (١٧٦/ ١١) بعد (٢٦٧٢). الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدى، فَأَجَبْنَاهُ وَاتَّبَعْنَاهُ، وهُوَ مُحَمَّدٌ. ثَلًاثا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ- أَوِ المُرْتَابُ لَا أَدْرِي أي ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، هنا كما ترى، وفي الطهارة عن إسماعيل عن مالك (١)، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسف عن مالك (٢)، وفي الاعتصام عن القعنبي عن مالك (٣)، وفي الجمعة في باب: من قَالَ في الخطبة: أما بعد، وقال فيه محمود: ثنا أبو أسامة (٤). وفي الخسوف: وقال أبو أسامة (٥)، وفي السهو في باب الإشارة في الصلاة عن يحيى بن سليمان، عن ابن (وهب) (٦)، عن الثوري مختصرًا (٧). وفي الخسوف مختصرًا: عن الربيع بن يحيى، عن زائدة (٨)، وعن موسى بن مسعود، عن زائدة مختصرًا، وتابعه علي ------------------ (١) سيأتي برقم (١٨٤) كتاب: الوضوء، من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل. (٢) سيأتي برقم (١٠٥٣) باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. (٣) سيأتي برقم، (٧٢٨٧) باب: الاقتداء بسنن الرسول - ﷺ -. (٤) سيأتي برقم (٩٢٢). (٥) سيأتي برقم (١٠٦١) باب: قول الإمام في خطبة الكسوف أما بعد. (٦) في الأصل: وهيب. (٧) سيأتي برقم (١٢٣٥). (٨) سيأتي برقم (١٠٥٤) باب: من أحب العتاقة في كسوف الشمس. عن الدراوردي (١) وعن محمد المقدمي، عن عثَّام في العتاقة (٢). وأخرجه مسلم في الخسوف عن أبي كريب، عن ابن نمير، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، عن أبي أسامة، كلهم عن هشام به (٣). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم غير أسماء وفاطمة. أما أسماء فهي: بنت الصديق، وأم ابن الزبير من المهاجرات، هاجرَتْ إلى المدينة وهي حامل بعبد الله. روى عنها ابناها عروة وعبد الله، وحفيدها عباد. عُمِّرَت نحو المائة، ولم يسقط لها سن ولم يتغير لها عقل، وقصتها مع الحجاج مشهورة، وعاشت بعد صلب ابنها عشر ليالٍ، ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين. وهي ذات النطاقين، وكان مولدها قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة. وأسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا. وطلقها الزبير، قيل: لكبر سنها. وقيل: لأنه ضربها فصاحت بابنها عبد الله، فلما رآه قَالَ: أمك طالق إن دخلت. فقال عبد الله: تجعل أمي عرضة ليمينك، ودخل وخلصها فبانت منه. وقيل: إن عبد الله قَالَ لأبيه: مثلي لا توطأ أمه. فطلقها، وفيه نظر. وروى مسلم عنها ويأتي في البخاري أيضًا في الغيرة، قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه، فكنت أعلفه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه ------------------- (١) سيأتي برقم (٢٥١٩) باب: ما استحب من العتاقة في الكسوف. (٢) سيأتي برقم (٢٥٢٠) باب: ما استحب من العتاقة في الكسوف. (٣) رواه مسلم (٩٠٥) كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار. وأستقي الماء وأخرز غربه (١) وأعجن، وكنت أنقل النوى عَلَى رأسي من أرضه وهي عَلَى ثلثي فرسخ وفي طريق، ولم يكن علي أشد من سياسة الفرس (٢). روي لها ستة وخمسون حديثًا، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، واتفقا عَلَى أربعة عشر (٣). وأما فاطمة: فهي بنت المنذر بن الزبير بن العوام زوج هشام بن عروة، روت عن جدتها أسماء. وعنها زوجها هشام ومحمد بن إسحاق، وأنكر عليه ونسب إلى الكذب في ذَلِكَ ولكنه ممكن، وهي تابعية ثقة، قَالَ هشام: هي أكبر مني بثلاث عشرة سنة. وقال مرة: أدخلت علي وهي بنت تسع سنين، فليحرر (٤). ثالثها: في فقهه ومعانيه. فيه: جواز الإشارة في الصلاة كما تقدم، والعمل القليل فيها. و(الْغَشْيُ): قَالَ القاضي: رويناه في مسلم وغيره بكسر الشين مع تشديد الياء، وإسكان الشين والياء، وهما بمعنى الغشاوة. ورواه بعضهم بالعين المهملة، وليس بشيء كما نبه عليه صاحب «المطالع». --------------------- (١) الغرب: الدلو العظيم. انظر: «الفائق في غريب الحديث» ٣/ ٦١. «لسان العرب» ٣/ ٣٢٢٧. «النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٣٤٩، مادة: [غرب]. (٢) سيأتي برقم (٥٢٢٤) كتاب: النكاح، باب: الغيرة. ورواه مسلم (٢١٨٢) كتاب: السلام، باب: جواز إرداف المرأة الأجنبية على الطريق. (٣) انظر ترجمتها في: «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٤٩ - ٢٥٥. «حلية الأولياء» ٢/ ٥٥ - ٥٧ (١٣٨). «الاستيعاب» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٦ (٣٢٥٩). «أسد الغابة» ٧/ ٩ - ١٠ (٦٦٩٨). «الإصابة» ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٤٦). (٤) انظر ترجمتها في: «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٤٥٨ (٢٣٤٩). «الثقات» ٥/ ٣٠١. «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (٧٩٥٦). ومعنى (تَجَلاَّني): علاني، وأصله تجللني، وجُلُّ الشيء وجلالُهُ: ما غطي به، وذلك لطول القيام وكثرة الحر، ولذلك قالت: فجعلت أصب عَلَى رأسي الماء. وفيه: أن الغشي الخفيف لا ينقض الطهارة. وقد عقد لَهُ البخاري بابًا كما ستعلمه في الطهارة. وقوله: (إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ) يحتمل أن الرؤية رؤيا عين ولا مانع منه، ويحتمل أن يكون رؤية علم ووحي ممثلًا له، ويدل لَهُ رواية أنس في البخاري: «الجنة والنار ممثلنين في قبلة هذا الجدار» (١). وفي مسلم: «صوِّرتا لي فرأيتُهما» (٢)، والأول أشبه لقوله في بعضها: «فتناولت منها عنقودًا» وتأخره مخافة أن تصيبه النار. وفيه: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن؛ وهو مذهب أهل السنة، وسيأتي بسط ذَلِكَ في باب صفة الجنة والنار -إن شاء الله ذَلِكَ وقدره- وهي خارجة عن أقطار السموات والأرض وسقفها عرش الرحمن، والمراد بعرضها في قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] السعة، كما قيل، لا ضد الطول. وقوله: (مِثْلَ أوْ- قَرِيبَ) كذا في كثير من نسخ البخاري. قَالَ القاضي: وكذا رويناه عن الأكثر في «الموطأ»، ورويناه عن بعضهم: «مثلًا أو قريبًا»، (ولبعضهم «مثل، أو قريبا»، وهو الوجه وقال ابن مالك: يروى في البخاري «أو قريب» بغير تنوين والمشهور «أو قريبًا» (٣). -------------------- (١) سيأتي برقم (٧٤٩) كتاب: الأذان، باب: رفع البصر إلى الأمام في الصلاة. (٢) رواه مسلم برقم (٢٣٥٩/ ١٣) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ -. (٣) ساقطة من (ج). ووجهه أن يكون أصله مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، فحذف ما كان مثل مضافًا إليه، وترك عَلَى هيئته قبل الحذف، وجاز الحذف لدلالة ما بعده، والمعتاد في صحة هذا الحذف أن يكون مع إضافتين كقول الشاعر: أَمامُ وخَلْفُ المَرْءِ مِنْ لُطْفِ ربِّهِ … يذرِي عَنْهُ مَا هُوَ يَحْذَرُ (١) وجاء أيضًا في إضافة واحدة كما هو في الحديث. وأما رواية «قريب» بغير تنوين فأراد مثل فتنة الدجال، أو قريب الشبه من فتنة الدجال، فحذف المضاف إليه، وبقي «قريب» عَلَى هيئته، وهذا الحذف في المتأخر لدلالة المتقدم عليه قليل مثل قراءة ابن محيصن (لا خوفُ عليهم) (٢) أي: لا خوف شيء وكقول الشاعر: أَقُولُ لمّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ (٣) أراد سُبحان الله فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بحاله. ---------------------- (١) «شواهد التوضيح» ص ١٦٢. (٢) انظر: «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر» ص ١٣٤. (٣) البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب. وقد مات عامر مشركا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي - ﷺ - نهى عن رواية القصيدة. يقول: أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب، سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده، وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراكب في «مفرداته» أقوال أخرى: ص ٢٢١. وقد ورد البيت في «الكتاب» ١/ ٣٢٤، «مجاز القرآن» ١/ ٣٦، «معجم مقاييس اللغة» (سبح) ٣/ ١٢٥، «الزاهر» ١/ ١٤٤، و«الطبري» ١/ ٢١١، «معاني القرآن» للزجاج ١/ ٧٨، «الخصائص» ٢/ ١٩٧، ٤٣٥، «شرح المفصل» لابن يعيش ١/ ٣٧، ١٢٠، «الديوان»: ص ٩٣. يقول الشاعر: العجب منه إذْ يفخر. وقولى: (مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ كُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي)، وفي حديث عائشة في مسلم: «رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعدتم» (١)، وفي حديث جابر: «عرض علي كل شيء تولجونه» (٢) وفي لفظ: «توعدونه» (٣). وهذا مبين لراوية أسماء. ومعنى: (تُفْتَنُونَ) أي: تُمْتَحَنُونَ. وفيه: دلالة عَلَى إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة، وفيه المساءلة في القبر. قَالَ أبو المعالي: تواترت الأخبار ولم يزل ذَلِكَ مستفيضًا قبل ظهور أهل البدع، والسؤال يقع عَلَى أجزاء يعلمها الله تعالى من القلب وغيره يحييها الله تعالى ويوجه السؤال عليها. و«الْمَسِيحِ»: -بفتح الميم كما في المسيح عيسى -عليه السلام-- فهو مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلالة. وفرق بعضهم بينهما فقال في الدجال: المسيح بكسر الميم مع التشديد والتخفيف بخلاف (عيسى) (٤) النبي -عليه السلام-. وقيل: إن الدجال بالخاء المعجمة: الممسوخ العين، يقال: مسحه الله -بالمهملة- إِذَا خلقه خلقًا حسنًا بخلاف مسخه -بالمعجمة- فإنه عكسه، وقيل: سُميّ بالمهملة لمسح إحدى عينيه فيكون بمعنى ممسوح. وقيل: لمسحه الأرض فيكون بمعنى فاعل. --------------------- (١) رواه مسلم (٩٠٥) صلاة الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار. (٢) رواه مسلم (٩/ ٩٠٤) الكسوف، باب: ما عرض على النبي - ﷺ - … (٣) رواه مسلم (٩٠٤/ ١٠). (٤) من (ج). وأما عيسى -عليه السلام- فسمي بذلك لمسحه الأرض. وقيل: لأنه كان ممسوح الرجل لا أخمص له. وقيل: إن زكريا -عليه السلام- مسحه؛ فعلى الأول مسيح بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول. وأما الدجال: فهو الكذاب سمي به؛ لتمويهه عَلَى الناس وتلبيسه عليهم. والدجل: طلي البعير بالقطران. فهو يموه بباطله، وسحره الملبَّس به. وقيل: لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير مثل دجلة تغطي الأرض بمائها. والدجل: التغطية. يقال: دجل فلان الحق بباطله، أي: غطاه. وقيل: سمي به لضربه نواحي الأرض، وقطعه لها. يقال: دجل الرجل بالتخفيف والتشديد مع فتح الجيم، ودجل بالضم أيضًا مخففًا. وقوله: (يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بهذا الرَّجُلِ؟) إنما قَالَ الملكان ذَلِكَ ولم يقولا: رسول الله، امتحانًا وإغرابًا عليه؛ لئلا يتلقن منهما إكرام النبي - ﷺ - ورفع مرتبته فيعظمه هو تقليدًا لا اعتقادًا، ولهذا يقول المؤمن: هو رسول الله، والمنافق: لا أدري، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت وقوله: (قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ) هو بكسر (إن) مخففة من الثقيلة. وقيل: المعنى: إنك مؤمن كما قَالَ تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قَالَ القاضي: والأظهر أنها عَلَى بابها. والمعنى: إنك كنت موقنًا. وقد يكون المعنى: لموقنًا. أي: في علم الله كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] وكما قيل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾. وقوله: (نَمْ صَالِحًا) أي: لا روع عليك مما روع به الكفار من العرض عَلَى النار، أو غيره من عذاب القبر. ٢٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالْعِلْمَ وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ». [انظر: ٦٢٨] ٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابن عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ»-أَوْ- «مَنِ القَوْمُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةِ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُ هذا الَحيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكُ إِلَّا فِي شَهْرِ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِر بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الَجنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ باللهِ -عز وجل- وَحْدَهُ. قالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللهِ وَحْدَهُ؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ». وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: الُمقَيَّرِ. قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكمْ». [انظر: ٥٣ - مسلم: ١٧ - فتح: ١/ ١٨٣]. حدثنا محمدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابن عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَنِ الوَفدُ» -أوْ- «مَنِ القَوْمُ؟». قَالُوا: رَبِيعَةُ. فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى». قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأْمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ .. الحديث. وفيه: قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ. قَالَ: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ». هذا الحديث تقدم الكلام عليه واضحًا في باب: أداء الخمس من الإيمان (١) فراجعه. وتقدم أن وفادتهم كانت عام الفتح قبل خروج النبي - ﷺ - إلى مكة. وأما حديث مالك بن الحويرث فأخرجه البخاري مسندًا في الصلاة، والأدب، وخبر الواحد -كما سيأتي إن شاء الله (٢) - وأخرجه مسلم أيضًا (٣). ومالك بن الحويرث جده حشيش فيه أقوال: أحدها: أنه بالحاء المهملة من الحشيش الذي يرعى. ثانيها: بالمعجمة المضمومة. ثالثها: بالجيم. ووالده عوف بن جناع، واختلف في نسبه إلى ليث بن بكر بن عبد الله بن كنانة بن خزيمة. قدم مالك في ستة من قومه فأسلم، وأقام عند رسول الله - ﷺ - أيامًا، ثمَّ أذن لَهُ في الرجوع إلى أهله. روي له خمسة عشر حديثًا، اتفقا عَلَى حديثين هذا أحدهما، والآخر في الرفع والتكبير، وانفرد البخاري بحديث. نزل البصرة ومات بها سنة أربع وتسعين (٤). وفيه من الفقه: تبليغ العلم وتعليم المؤمن أهله الإيمان والفرائض. ----------------- (١) سلف برقم (٥٣) كتاب: الإيمان. (٢) سيأتي برقم (٦٢٨) كتاب: الأذان، باب: من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد. (٦٠٠٨) كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم. (٧٢٤٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. (٣) رواه مسلم (٦٧٤) كتاب: المساجد، باب: من أحق بالإمامة. (٤) «معجم الصحابة» للبغوي ٩/ ٢٠٥. «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ٤٥ (٩٨٩). «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٤٦٠ (٢٥٩٨). «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٥ (٢٢٨٩). «أسد الغابة» ٥/ ٢٠ (٤٥٨٠). «الإصابة» ٣/ ٣٤٢ (٧٦١٧). ٢٦ - باب الرِّحْلَةِ فِى الْمَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ الرِّحْلة بكسر الراء: الارتحال، وبالضم: الوجه الذي يريد. ٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الَحسَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخبَرَنَا عُمَرُ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الَحارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابنةً لَأبِي اِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امرَأةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ [بِهَا]. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:»كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟«. فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَت زَوْجًا غَيْرَهُ. [٢٠٢٥، ٢٦٤٠، ٢٦٥٩، ٢٦٦٠، ٥١٤٠، -فتح: ١/ ١٨٤] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِل أَبُو الحَسَنِ أَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابنة لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِينر، فَاَتَتْهُ آمْرَأَ» فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟». فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وانفرد بعقبة بن الحارث أيضًا. أخرجه هنا كما ترى عن ابن مقاتل، عن عبد الله -هو ابن المبارك. وأخرجه في الشهادات عن حبان، عن ابن المبارك. وعن أبي عاصم، كلاهما عن عمر به (١). وفي البيوع عن محمد بن كثير، ------------------- (١) سيأتي برقم (٢٦٤٠) باب: إذا شهد شاهد، و(٢٦٦٠) باب: شهادة المرضعة. عن الثوري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين (١). وفي الشهادات أيضًا عن علي (عن) (٢) يحيى بن سعيد، عن ابن جريج؛ ثلاثتهم عن ابن أبي مليكة به (٣). وفي النكاح عن علي، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي مريم، ثمَّ قَالَ ابن أبي ملكية: وسمعته من عقبة ولكني لحديث عبيد أحفظ (٤). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم غير عمر بن سعيد، وعقبة بن الحارث. فأما عقبة فهو: ابن الحارث بن عامر بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المكي أبي سروعة بكسر السين المهملة، وحكي فتحها. أسلم يوم الفتح وسكن مكة، هذا قول أهل الحديث، وأما جمهور أهل النمسب فيقولون: عقبة هذا هو أخو أبي سروعة، وأنهما أسلما جميعًا يوم الفتح. قَالَ الزبير بن بكار: وأبو سروعة هو قاتل خبيب بن عدي. أخرج لعقبة مع البخاري أبو داود والترمذي والنسائي، أخرج له البخاريُّ ثلاثةَ أحاديث في العلم، والحدود، والزكاة عن ابن أبي ملكية عنه أحدها هذا، ووافقه أبو داود والترمذي والنسائي. وذكره بَقي بن مخلد فيمَنْ رَوى سبعةَ أحاديث، وقال أبو عمر: لَهُ حديث واحد ما أحفظ لَهُ غيره في شهادة المرأة عَلَى الرضاع. روى عنه --------------------- (١) سيأتي برقم (٢٠٥٢) باب: تفسير المشبهات. (٢) في (ج): بن وهو خطأ. (٣) سيأتي برقم (٢٦٤٠) كتاب: الشهادات، باب: إذا شهد شاهد. (٤) سيأتي برقم (٥١٠٤) كتاب: النكاح، باب: شهادة المرضعة. عبيد بن أبي مريم وابن أبي مليكة. وقيل: إن ابن أبي ملكية لم يسمع منه، وأن بينهما عبيد بن أبي مريم (١). تنبيه: إيراد صاحب «العمدة» (٢) هذا الحديث في كتابه يوهم أنه من المتفق عليه، وقد نبهناك عَلَى أنه من أفراد البخاري فاستفده. تنبيه آخر: ابنة أبي إهاب هي: أم يحيى بنت أبي إهاب -بكسر الهمزة- واسمها غنية -بغين معجمة مفتوحة ثمَّ نون ثمَّ مثناة تحت ثمَّ هاء- بنت أبي إهاب -ولا يعرف اسمه- ابن عزير-بفتح العين المهملة وكسر الزاي، وليس في البخاري عُزير بضم العين ثمَّ زاي- بن ----------------- (١) «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٧٣ (٢٩٨). «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٥٤ (٢٢٤٢). «الاستيعاب» ٣/ ١٨٢ (١٨٤١). «أسد الغابة» ٤/ ٥٠ (٣٦٩٨). «الإصابة» ٢/ ٤٨٨ (٥٥٩٢). (٢) يقصد به: الإمام الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع عالمُ الحفاظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي الجُمَّاعيلي ثم الدمشقي المنشأ الصالحي الحنبلي، صاحب «الأحكام الكبرى» و«الصغرى» ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجماعيل. سمع أبا الفتح ابن البطي، وأبا الحسن علي بن رباح الفراء، والشيخ عبد القادر الجيلي وهبة الله بن هلال الدقاق، وأبا زرعة المقدسي وغيرهم كثير. وحدَّث عنه الشيخ موفق الدين، والحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى عبد الله الفقيه، والفقيه أبو سليمان وأولاده، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، والزين بن عبد الدائم. وغيرهم كثير. توفي سنة ستمائة. انظر ترجمته في: «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» ص ٣٧٠ (٤٧٣)، «التكملة لوفيات النقلة» ٢/ ١٧ - ١٩ (٧٧٨)، «سير أعلام النبلاء»، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٧٢ - ١٣٧٤ (١١١٢)، «البداية والنهاية» ١٣/ ٤٦ - ٤٧، «شذرات الذهب» ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦. قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي. تزوجها بعد عقبةَ ضريبُ (١) بن الحارث، فولدت لَهُ أم قتال زوجة جبير بن مطعم، فولدت له محمدًا، ونافعا. وأم أبي إهاب: فاختة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، وهو حليف لبني نوفل، روى أبو إهاب عن النبي - ﷺ - النهي عن الأكل متكئا، أخرجه أبو موسى في الصحابة، وأغفله أبو عمر وابن منده (٢). وأما عمر فهو: ابن سعيد بن أبي حسين النوفلي. روى عن طاوس، وعطاء وعدة. وعنه يحيى القطان، وروح، وخَلْقٌ، وهو ثقة. روى له مع البخاري مسلم والترمذي والنسائي (وابن ماجه) (٣)، وأبو داود في «المراسيل»، وهو ابن عم عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين (٤). ثالثها: هذِه المرأة لا يحضرني اسمها بعد البحث عنه. رابعها: من أخذ بشهادة المرضعة وحدها أخذ بظاهر الحديث، ومن منع حمله عَلَى الورع دون التحريم، كما بوب عليه البخاري في البيوع -------------------- (١) ورد بهامش (س): ثبت بخط الدمياطي نافع بن طريب بن عمرو بن نوفل. (٢) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٥٧٧ (٤٢٠٢). «أسد الغابة» ٧/ ٤١٠ (٧٦٢٢). «الإصابة» ٤/ ٥٠٦ (١٥٤٦). (٣) ساقطة من (ج). (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٥٩ (٢٠٢). «الجرح والتعديل» ٦/ ١١٠ (٥٨٣). «الثقات» لابن حبان ٧/ ١٦٦. «تهذيب الكمال» ٢١/ ٣٦٤ - ٣٦٦ (٤٢٤٢)، «الكاشف» ٢/ ٦١ (٤٥٦٠). باب: تفسير الشبهات، ويشعر به قوله - ﷺ -: «كيف وقد قيل؟» والورع فيه ظاهر. وقبلها ابن عباس والحسن وإسحاق وأحمد وحدها، وتحلف مع ذلك (١). ولم يقبلها الشافعي وحدها، بل مع ثلاث نسوة أخريات (٢)، وقبلها مالك مع أخرى (٣). ولم يقبل أبو حنيفة فيه شهادة النساء المتمحضات من غير ذكر (٤). وقال الإصطخري: إنما يثبت بالنساء المتمحضات. وفي الحديث شهادة المرضعة عَلَى فعل نفسها. وقال أصحابنا: لا تقبل، وكذا إن ذكرت أجرة عَلَى الأصح للتهمة. وقيل: تقبل في ثبوت المحرمية دون الأجرة، وإن لم تذكر أجرة فالأصح قبول شهادتها، فإنها لم تجرَّ لنفسها نفعًا، ولم تدفع ضررًا. وقيل: لا تقبل أيضًا كما لو قالت: أشهد أني ولدته (٥). وادعى ابن بطال الإجماع عَلَى أن شهادة المرأة الواحدة لا تجوز في الرضاع وشبهه (٦). وهو غريب عجيب فقد قبلها جماعة كما أسلفناه، وقبلها مالك وحدها، بشرط أن يفشو ذَلِكَ في الأهل والجيران فإن شهدت امرأتان -------------------- (١) «المغني» ١١/ ٣٤٠. (٢) «روضة الطالبين» ٩/ ٣٦. (٣) «عيون المجالس» ٣/ ١٣٩٢. (٤) «الهداية» ١/ ٢٤٦. (٥) «الشرح الكبير» ٢٤/ ٢٧٤. «روضة الطالبين» ٩/ ٣٦. (٦) «شرح ابن بطال» ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣. شهادة فاشية فلا خلاف في الحكم بها عنده، وإن شهدتا من غير فشو أو شهدت واحدة مع الفشو ففيه قولان. وفيه أيضًا: الرحلة في المسألة النازلة كما ترجم له، وهو دال على حرصهم على العلم وإيثارهم ما يقربهم من الله تعالى، والازدياد من طاعته؛ لأنهم إنما كانوا يرغبون في العلم للعمل به، ولذلك شهد الله تعالى لهم أنهم خير أمة أخرجت للناس. ٢٧ - باب التَّنَاوُبِ فِى الْعِلْمِ ٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابن وَهْبِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارً لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ -وَهْيَ مِن عَوَالِي الَمدِينَةِ- وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإذَا نَزَلْتُ جِئتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِه، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكُ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا». فَقُلْتُ: الله أَكْبَرُ. [٢٤٦٨، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح: ١/ ١٨٥] حدثنا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ ابن وَهْبٍ: أنا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ -وَهْيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ- وَكُنَّا نتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَتْ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمْ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا». قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في المظالم والنكاح (١). وأخرجه مسلم في الطلاق (٢). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا عبيد الله (ع) بن عبد الله بن أبي ثور، وهو قرشي نوفلي مولاهم. روى عن ابن عباس، وعنه الزهري وكيره، وثق، وليس في الصحيحين لَهُ سوى هذا الحديث، وحديث ابن عباس: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر .. الحديث بطوله (٣). وهما في المعنى حديث واحد. قَالَ البخاري: قَالَ مصعب: أبو ثور عداده في بني نوفل، وهو من الغوث بن (مُر بن أد) (٤) بن طابخة بن إلياس بن مضر (٥). -------------------- (١) سيأتي برقم (٢٤٦٨) كتاب: المظالم، باب: الغرفة المشرفة في السطوح. وبرقم (٥٢١٨) كتاب: النكاح، باب: حب الرجل بعض نسائه أفضل من بعض. (٢) برقم (١٤٧٩) باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. (٣) سيأتي برقم (٢٤٦٨) كتاب: المظالم، باب: الغرفة المشرفة في السطوح وغيرها. رواه مسلم (١٤٧٩) كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء. (٤) في الأصل: (معد بن نزار) وورد بهامش الأصل: (مُر بن أد بن طابخة) وهو الأقرب للصواب، ففي كتب الأنساب: الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٨٦ (١٢٤٠). «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢٠ (١٥١٩). «الثقات» لابن حبان ٥/ ٦٥. «تهذيب الكمال» ١٩/ ٦٨ - ٦٩ (٣٦٥٠). ثالثها: قوله: (نتَنَاوَبُ)، يقال: ناب لي ينوب نوبا ومنابا، أي: قام مقامي. ويتناوب يتفاعل، والنوبة واحدة النوب (١). رابعها: في أحكامه وفوائده: الأولى: الحرص عَلَى طلب العلم. الثانية: أن طالب العلم ينظر في معيشته، ويحصل ما يستعين به في طلب العلم. الثالثة: التناوب في العلم، وهو ما ترجم لَهُ البخاري. الرابعة: قبول خبر الواحد، وأن الصحابة يخبر بعضهم بعضًا بما يسمع ويسنده إلى رسول الله - ﷺ -، وهو مرسل الصحابي، وسيأتي الكلام عَلَى الحديث (مبسوطًا في موضعه إن شاء الله ذلك وقدره) (٢). ------------------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٤٧٦، «لسان العرب» ٨/ ٤٥٦٩، مادة: [نوب]. (٢) ساقطة من (ج). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|