![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#85 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 27 الى صـــ 46 الحلقة (85) بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، والمعنى -والله أعلم-: يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك. قَالَ الشيخ تقي الدين القشيري في «شرح العمدة»: ويحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ «يدعون» بمعنى: التسمية، أي: يسمون غرًّا، قَالَ: والحال أقرب، وتعدى يدعون في المعنى بالحرف، كما قَالَ تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ويجوز ألا يعدى يدعون باالحرف، وتكون (غرًّا) حالًا أيضًا (١). خامسها: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون في مواضع الوضوء يوم القيامة غرًّا وتحجيلا تشبيها بذلك. قَالَ ابن سيده: الغرة: بياض في الجبهة، فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم، قَدْ وسطت جبهته، ولم تصب واحدة من العينين ولم تَمِل عَلَى واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلا، وهي أفشى من القرحة. وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرُّ أقرح، لأنك إِذَا قُلْتَ: أغر فلابد أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعِظم والدقة، وكلهن غُرَرُ، فالغرة جامعة لهن. وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت (مدورة) (٢) فهو (وتيرة) (٣)، وإن كانت طويلة فهي شادخة، وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض. ----------------- (١) «إحكام الأحكام» ص ٩٦. (٢) في الأصل: (موزورة)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧. (٣) في الأصل: (وثيرة)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧. والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غرّ وجه يغر بالفتح (غررًا) (١) وغرة، وغرارة: صار ذا غرة (٢). قَالَ: والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رِجْل ويدَيْن، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والتحجيل: بياض قل أو كثر حتَّى يبلغ نصف الوظِيفِ، (ولون) (٣) سائره ما كان (٤). وفي «الصحاح»: يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين (٥) وفي «المغيث» لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم. (٦) سادسها: المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا عَلَى الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين. وادعى ابن بطال ثمَّ القاضي عياض ثمَّ ابن التين اتفاق العلماء عَلَى أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفق والكعب (٧). ----------------------- (١) في الأصل: (غرره)، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٢١٧. (٢) «المحكم» ٥/ ٢١٧. (٣) في الأصل: ويكون، والمثبت من «المحكم» ٥/ ٣٣. (٤) «المحكم» ٣/ ٥٥. (٥) «الصحاح» ٤/ ١٦٦٦، مادة (حجل). (٦) «المجموع المغيث» ١/ ٤٠٦. (٧) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢١ - ٢٢٢، «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٤٤. وهي دعوى باطلة، فقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم (محجوجون) (١) بالإجماع. واحتجاجهم بالحديث السالف: «من زاد عَلَى هذا أو نقص فقد أساء وظلم» لا يصح، لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب عَلَى نقص العدد لا الزيادة عَلَى تطويل الغرة والتحجيل. وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصفها، وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه. (٢) وحاصلها ثلاثة أوجه كما جمعها النووي في «شرح مسلم» فقال: اختلف أصحابنا في العدد المستحب عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، قَالَ: والأحاديث تقتضي ذَلِكَ كله (٣). وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره في طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذَلِكَ عن النبي - ﷺ -، ولا كثر استعماله في ----------------------- (١) في الأصل: (محججون)، والصواب ما أثبتناه. (٢) «التهذيب» ١/ ٢٤٧. (٣) «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٤٣. الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قَدْ ذكر أن حد ذَلِكَ نصف العضد والساق (١)، هذا آخر كلامه. وقوله: لم يقل به الفقهاء. غريب مع ما قدمناه عنهم. ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض (٢) إنكارهما عَلَى أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه، وقد قَالَ به القاضي حسين (٣) وآخرون من أصحابنا أيضًا، وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حَدَّثنَا وكيع، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف. ثمَّ روى عن وكيع أيضًا، عن عقبة ابن أبي صالح، عن إبراهيم أنه كرهه (٤). قُلْتُ: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد من أول الاستطاعة في الحديث عَلَى إطالة (الغرة) (٥) والتحجيل بالمواظبة عَلَى الوضوء لكل صلاة، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه، وهو ابن بطال قَالَ: والطول والدوام معناهما متقارب (٦). سابعها: قوله: «مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» هو بضم الواو، ويجوز فتحها عَلَى إرادة آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. --------------------- (١) «إحكام الأحكام» ص ٩٦. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢١، «إكمال المعلم» ٢/ ٤٤. (٣) «المجموع» ١/ ٤٥٨. (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٥٧ - ٥٨ (٦٠٤، ٦٠٥). (٥) في (ج): غرته. (٦) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢. ثامنها: قوله: «فَمَنِ اسْتَطَاعَ ..» إلى آخره اقتصر فيه على ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في «الصحيح» للعلم به (١)، فهو من باب قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: كأنَّ ذَلِكَ من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين عَلَى الآخر، (إن) (٢) كانا كسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذَلِكَ فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل (٣). وهذا ليس تغليبًا حقيقيًّا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما عَلَى الآخر نحو: القمرين، والعمرين وشبههما. ثمَّ القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر عَلَى المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل، ويجاب أيضًا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله (٤)، وهذا غريب عجيب. ---------------------- (١) «صحيح مسلم» (٢٤٦/ ٣٠) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. (٢) في «الأصول»: (وإن) والمثبت من «الإحكام». (٣) «إحكام الأحكام» ص ٩٦. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢. تاسعها: رأيت مَنْ شرح هذا الموضع من هذا الكتاب من شيوخنا ادعى أن قوله: «فمن استطاع ..» إلى آخره من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث (١). وفي هذِه الدعوى بُعدٌ عندي. عاشرها: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث عَلَى أن الوضوء من خصائص هذِه الأمة -زادها الله شرفًا- وبه جزم الحليمي في «منهاجه»، وفي «الصحيح» أيضًا: «لكم سيماء (٢) ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء» (٣) -------------------- (١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: وذكر أنه مدرج ابن قيم الجوزية في «حادي الأرواح» في الباب الخمسين […] ولفظه. وأما قوله: «فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل» فهذِه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النبي - ﷺ -، بيّن ذلك غير واحد من الحفاظ. وفي «مسند الإمام أحمد» في هذا الحديث: قال نعيم: فلا أدري قوله: «من استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» من كلام النبي - ﷺ - أو شيء قاله أبو هريرة من عنده، وكان شيخنا ابن تيمية يقول: هذِه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلام رسول الله - ﷺ -، فإن الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرة. اهـ. وانظر: «حادي الأرواح» ص ٢٨٧ - ٢٨٨. (٢) قال النووي في «شرح مسلم» ٣/ ١٣٥: أما السيما فهي العلامة، وهي مقصورة وممدودة لغتان، ويقال: السيميا بياء بعد الميم مع المد. (٣) رواه مسلم (٢٤٧/ ٣٦) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء. من حديث أبي هريرة قال ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري» ١/ ٢٣٦: واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذِه الأمة، وفيه نظر؛ لأنه ثبت عند المصنف في قصة سارة رضي الله عنها مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، وفي قصة جريج الراهب أيضًا أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام. = وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًّا بها، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، و(ادعوا) (١) أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (٢) وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف. ثانيهما: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذِه الأمة. وفيه: شرف عظيم لهم، حيث استووا مع الأنبياء في هذِه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن سيأتي في حديث جريج في موضعه: أنه توضأ وصلى (٣). وفيه دلالة عَلَى أن الوضوء كان مشروعًا لهم. وعلى هذا فيكون خاصية هذِه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح «الرسالة» عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذِه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ. كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنبٍ، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر ------------------------ = فالظاهر أن الذي اختصت به هذِه الأمة هو الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء، وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا قال: «سيما ليست لأحد غيركم» وله من حديث حذيفة نحوه. أهـ. (١) في الأصول (أدعى) وما أثبتناه أليق بالسياق. (٢) رواه ابن ماجه (٤٢٠)، والدارقطني ١/ ٧٩ - ٨١ (١ - ٦)، والبيهقي ١/ ٨٠، من حديث أُبي بن كعب. وذكره البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ٩٠ (١٤٩) وقال: إسناده ضعيف، زيد هو العمي ضعيف وكذلك الرواي عنه. وضعفه ابن حجر في «الفتح» ١/ ٣٦، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٣): ضعيف. (٣) سيأتي برقم (٢٤٨٢) كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائطًا فليبن مثله. الأحاديث يقتضي خصوصية ذَلِكَ بمن توضأ منهم، وفي «صحيح أبي حاتم ابن حبان»: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قَالَ: «غرٌ محجلون بلق من آثار الوضوء» (١). الحادي عشر: قَدْ استوفي - ﷺ - بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرَّ: بياض في الوجه، والرأس داخلة في مسماها. والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين. الثاني عشر: فيه استصحاب المحافظة عَلَى الوضوء وسننه المشروعة فيه. الثالث عشر: فيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع عشر: فيه ما أَطْلَع اللهُ نبيه - ﷺ - من المغيبات المستقبلة التي لم يُطْلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها. الخامس عشر: فيه أيضًا جواز الوضوء عَلَى ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون، ومن كرهه لأجل التنزيه كما يتنزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاوس (٢). ------------------------ (١) «صحيح ابن حبان» ٣/ ٣٢٣ (١٠٤٧)، ١٦/ ٢٢٦ (٧٢٤٢)، ورواه ابن ماجه (٢٨٤)، وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ١/ ٢٨١ (٣٥٩). وأحمد ١/ ٤٠٣، ٤٥٢، ٤٥٣. وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٤٦٢ (٥٠٤٨) من حديث عبد الله بن مسعود. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٣٠): حسن صحيح. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٤١ (٣٨٥، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩١، ٣٩٢)، ورواها عبد الرزاق ١/ ٤١٨ (١٦٣٩)، عن ابن عمر، و(١٦٣٨) عن طاوس. وهو قول ابن القاسم المالكي (١)، وأكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم (٢)، وكرهه ابن سيرين (٣) وهو قول مالك، وسحنون (٤). وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه، إلا أن يبله ويتأذى به الناس، فإنه مكروه (٥). قُلْتُ: وصرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وأن الأولى أن يكون في إناء (٦). قَالَ البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق، ولا يجوز بالمستعمل؛ لأن النفس تعافه (٧). وفي هذا نظر. السادس عشر: فيه قبول خبر الواحد، وهو مستفيض في الأحاديث (٨). ---------------------- (١) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٩. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٢ (٣٩٤). (٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٩. (٥) «الأوسط» ٥/ ١٣٩ - ١٤٠. (٦) انظر: «المجموع» ٢/ ٢٠١. (٧) «التهذيب» ٣/ ٢٣٩. (٨) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين له مؤلفه غفر الله له. ٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيِّبِ وعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: الرَّجُلُ الذِي يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصُّلَاةِ. فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِف- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». [١٧٧، ٢٠٥٦ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٣٧] حَدَّثنَا عَلِيٌّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ [و] (١) عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: الرَّجُلُ الذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه قريبًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، عن أبي الوليد، عن سفيان به، وقال: «لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢)، وأخرجه في البيوع: عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري به (٣). ---------------------- (١) قال الحافظ في «الفتح»: سقطت الواو من نسخة كريمة غلطا، لأن سعيد لا رواية له عن عباد أصلا. (٢) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر. (٣) سيأتي برقم (٢٠٥٦) كتاب: البيوع، باب: من لم ير الوساوس ونحوها من المشتبهات. وأخرجه مسلم هنا عن عمرو الناقد، وغيره عن ابن عيينة به (١). ثانيها: في التعريف برواته: أما عم عباد فهو غبد الله (ع) بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني، من بني مازن بن النجار المدني. له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوًا عضوا، فقضى أن عبد الله هو الذي شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا الحديث، وحديث صلاة الاستسقاء أيضًا الآتي في بابه (٢)، وغيرهما من الأحاديث كما ستعلمه. ووهم ابن عيينة فزعم أنه الذي أُرِيَ الأذان أيضًا، وهو عجيب فإن ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد والأنصاري، فكلاهما اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازني، والثاني حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان فيدخلان في نوع المتفق والمفترق. وممن غلط ابن عيينة في ذَلِكَ البخاري في «صحيحه» في باب الاستسقاء. كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى وَقَّدرَه. ثمَّ عبد الله صاحب الترجمة له ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية منها، وذاك اشتهر له حديث واحد، وهو حديث الأذان، حتَّى قَالَ البخاري فيما نقله الترمذي عنه: لا نعرف له غيره (٣). لكنا ظفرنا --------------------- (١) مسلم (٣٦١) كتاب: الحيض، باب: الدليل على أن من تقين الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك. (٢) سيأتي برقم (١٠١٢) كتاب: الاستسقاء، باب: تحويل الرداء في الاستسقاء. (٣) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٨٦). له بحديث ثان وثالث وذكرتهما في تخريجي لأحاديث الرافعي (١). قتل صاحب الترجمة في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت الحرة في آخر سنة ثلاث وستين، وهو أُحُدِي، وقال ابن منده وأبو أحمد الحاكم وأبو عبد الله صاحب «المستدرك»: إنه بَدْرِي (٢)، وهو وهم (٣). فائدة: ليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر اسم كل منهم عبد الله بن زيد منهم صاحب الأذان (٤). فائدة أخرى: عبد الله بن زيد هذا هو عم عباد من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه فتنبه له. وأما عباد بن تميم بن غزية فهو أنصاري مازني مدني ثقة. قَالَ: أَعِي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين. ---------------- (١) «البدر المنير» ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٦. (٢) «المستدرك» ٣/ ٥٢٠. وقال الذهبي: هذا خطأ. اهـ. (٣) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٦ (١٦٤٠)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٥ (١٥٥٨)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٥٠ (٢٩٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٣١٢ (٤٦٨٨). (٤) وهم عبد الله بن زيد الجهني، عبد الله بن زيد الضبي، عبد الله بن زيد بن عمرو بن مازن، عبد الله بن زيد بن سهل وهو ابن أبي طلحة الأنصاري، وعبد الله بن يزيد الأنصاري الحارثي أيضًا. وانظر تراجمهم في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٣ - ١٦٥٨ (١٦٣٩ - ١٦٤٣)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٥ - ٤٦ (١٥٥٧ - ١٥٥٨)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٤٧ - ٢٥٠ (٢٩٥٣ - ٢٩٥٦)، «الإصابة» ٢/ ٣١٢ - ٣١٣ (٤٦٨٦ - ٤٦٩١). فينبغي إذن أن يعد في الصحابة، وليس فيهم من يسمى عباد بن تميم سواه (إذن) (١) وقد عده الذهبي فيهم (٢)، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد، عن أبيه، عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعها ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه الحديث (٣). فائدة: عَبَّاد -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ويشتبه بِعُبَاد -بضم أوله وتخفيف ثانيه- وهو والد قيس وغيره، وبِعبَاد -بكسر أوله وفتح ثانيه- وبعياذ وبعيَّاد وبعَنَّاد، والكل موضح في «مشتبه النسبة» تأليفي. وأما سعيد بن المسيب والزهري فسلف التعريف بهما، وليس في الكتب الستة من اسمه سعيد بن المسيب سوى هذا الإمام، بل، ولا يحضرني في غيرها أيضًا. وسفيان: هو ابن عيينة سلف، وكذا علي بن المديني. فائدة: هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي فقط، وجميع رجاله مدنيون، خلا ابن المديني، فإنه بصري، وخلا سفيان فإنه مكي. الوجه الثالث: قول البخاري، (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن ------------------- (١) ساقطة من (ج). (٢) «تجريد أسماء الصحابة» (٣٠٧٤). (٣) وقد اختلف في صحبته. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٨١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥ (١٦٠٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٦ (٨٣٤)، «الإصابة» ٢/ ٢٦٤ (٤٤٥٦). تميم، عن (عمه) (١» يعني به أن الزهري رواه عنهما جميعًا أعني: سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد. الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده: الأولى: الياء في (شكى) منقلبة عن واو؛ لأنه من شكى يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قَالَ: شكى يشكي. الثانية: هذِه الرواية ظاهرها أن الشاكي عبد الله بن زيد، وضبط النووي في «شرح مسلم» رواية مسلم، عن عمه شكى إلى رسول الله - ﷺ - الرجل يخيل إليه .. الحديث. فقال: شُكي بضم الشين وكسر الكاف، والرجل مرفوع. ثمَّ قَالَ: ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري، أنه عبد الله بن زيد الراوي. قَالَ: ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن شكى بفتح الشين والكاف، وبجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط (٢). هذا لفظه، ولم يظهر لي وجه الغلط في ذَلِكَ، فإن العم هو عبد الله بن زيد، وإن كان هو الشاكي فلم لا تصح قراءة شكى بالفتح؟ الثالثة: الشيء المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث، وليس كذلك ولهذا قَالَ - ﷺ -: «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ومعناه: حتَّى يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإجماع. ------------------ (١) ساقطة من (ج). (٢) «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٥١. وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، و«مستدرك الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جاء أحدكم الشيطان، فقال إنك أحدثت، فليقل كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه» (١) وفي رواية ابن حبان «فليقل في نفسه كذبت». قَالَ ابن خزيمة: وقوله: «فليقل كذبت» أراد بضميره لا بالنطق (٢). قُلْتُ: رواية ابن حبان تؤيد ما قاله، وزعم بعض العلماء أنه - ﷺ - ذكر الصوت لمن حاسة شمه معلولة، والريح لمن حاسة سمعه معلولة. وقد أسلفنا في حديث أبي هريرة السالف في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور. أنه يجوز أن يكون أشار به لكونه أنه الواقع في الصلاة، فإن غيره كالبول مثلًا لا يعهد فيها. وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا: «إن الشيطان ليأتى أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا» (٣) وفي إسنادها علي بن زيد بن جدعان وحالته معلومة (٤). ------------------- (١) ابن خزيمة ١/ ١٩ (٢٩)، ابن حبان ٦/ ٣٨٨ (٢٦٦٥)، والحاكم ١/ ١٣٤. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. (٢) ابن خزيمة ١/ ١٩ (٢٩). (٣) «مسند أحمد» ٣/ ٩٦. (٤) علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة القرشي التميمي، أبو الحسن البصري المكفوف مكي الأصل. قال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي وقد روى عنه الناس. وقال يحيى بن معين: ليس بذاك القوي. وفي موضع آخر: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٧٥ (٢٣٨٩)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٨٦ (١٠٢١)، و«ضعفاء العقيلي» ٣/ ٢٢٩ (١٢٣)، «الكامل» ٦/ ٣٣٣ (١٣٥١)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٤٣٤ (٤٠٧٠). الرابعة: معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث، ولم يرد تخصيص هذين النوعين من الحدث، وإنما هو جواب خرج حذو سؤال السائل، لا يعني الوضوء إلا من أحدهما. ودخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بولٍ أو غائطٍ أو مذي أو ودي أو دم، وقد يكون بأُذُنِهِ وَقْرٌ فيخرج الريح ولا يسمع له صوتًا، وقد يكون أخشم فلا يجد الريح. والمعنى إِذَا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى. وهذا كما روي أنه - ﷺ - قَالَ: «إِذَا استهل الصبي ورث وصلي عليه» (١) لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة ومصٍّ وبسط ونحوهما، وهذا أصل في كل ما ثبت يقينًا، فإنه لا يرفع بالشك. الخامسة: قوله: («لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ») الظاهر أنه شك من الراوي. ووقع في كتاب الخطابي: «ولا يَنْصَرِفْ» بحذف الهمزة (٢). وقد أسلفنا رواية أخرى للبخاري: «لا يَنْصَرِفْ» من غير شك. السادسة: هذا الحديث كما قدمناه أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحْكَم ببقائها عَلَى أصولها -------------------- (١) رواه ابن ماجه (١٥٠٨). وابن حبان ١٣/ ٣٩٢ (٦٠٣٢). والحاكم ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩ من حديث جابر وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أجده من حديث الثوري عن أبي الزبير موقوفًا فكنت أحكم به، والبيهقي ٤/ ٨. وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٢٠٩ - ٢١٠: إسناده ضعيف. وقال ابن حجر في «فتح الباري» ١١/ ٤٨٩: الصواب أنه صحيح الإسناد لكن المرجح عند الحفاظ وقفه. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٢٢٥): صحيح. (٢) قلت: وليس كذلك بل وقع عند الخطابي: (أو لا ينصرف) بالهمزة أيضًا، والله أعلم. «أعلام الحديث» ١/ ٢٢٧. حتَّى يتيقن خلاف ذَلِكَ، ولا يضر الشك الطاريء عليها. والعلماء متفقون عَلَى هذِه القاعدة، ولكنهم مختلفون في كيفية استعمالها. مثاله: مسألة الباب التي دل عليها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة، وشك في الحدث يحكم ببقائه عَلَى الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعي وجمهور علماء السلف والخلف؛ إعمالًا للأصل السابق، وهو الطهارة، وإطراحًا للشك الطاريء، وأجازوا الصلاة في هذِه الحالة، وهو ظاهر الحديث. وعن مالك رحمه الله روايتان: إحداهما: يلزمه الوضوء مطلقًا؛ نظرًا إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا تزال إلا بطهارة متيقنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث. والثانية: إن كان شكه في الصلاة لم يلزمه الوضوء، وإن كان خارجها لزمه (١)، وليس هذا وجهًا عندنا، وإن وقع في الرافعي (٢) و«الروضة» (٣) فلا أصل له كما أوضحته في «شرح العمدة» (٤) و«شرح المنهاج»، وبعض الشراح حكى الأول وجهًا عندنا أيضًا، وهو غريب (٥). -------------------- (١) انظر: «عيون المجالس» ١/ ١٥٢، «المنتقى» ١/ ٥٤. (٢) «الشرح الكبير»١/ ١٦٩. (٣) «روضة الطالبين» ١/ ٧٧. وقال: وهذا شاذ، بل غلط. اهـ. (٤) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧. (٥) قال المصنف في «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٦٦٦ - ٦٦٧ ما نصه: ووقع في «شرح ابن العطار» أنه وجه شاذ عن بعض الشافعية وهو غلط منه كان سببه = وعن مالك رواية ثالثة رواها ابن نافع أنه لا وضوء عليه كما قاله الجمهور (١)، حكاها ابن بطال عنه (٢). ونقل القاضي عياض (٣)، ثمَّ القرطبي (٤) عن ابن حبيب المالكي أن هذا الشك في الريح دون غيره من الأحداث، وكأنه تبع ظاهر الحديث، واعتذر عنه بعض المالكية بأن الريح لا يتعلق بالمحل منه شيء بخلاف البول والغائط. وعن بعض أصحاب مالك أنه إن كان الشك في سبب حاضر كما في الحديث طرح الشك، وإن كان في سبب متقدم فلا (٥). السابعة: لا فرق في الشك عند أصحابنا بين تساوي الاحتمالين في وجود الحدث وعدمه وبين ترجح أحدهما وغلبة الظن في أنه لا وضوء عليه، فالشك عندهم خلاف اليقين، وإن كان خلاف الاصطلاح الأصولي، وقولهم موافق لقول أهل اللغة: الشك خلاف اليقين. نعم يستحب الوضوء احتياطًا، فلو بان حدثه أولًا فوجهان: أصحهما: لا يجزئه هذا الوضوء؛ لتردده في نيته، بخلاف ما إِذَا ------------------- = انتقال ذهني منه إلى الرواية الثانية المنفصلة، فإنها حكيت وجهًا لنا، وهو غلط أيضًا كما ستعلمه. اهـ. (١) «عيون المجالس» ١/ ١٥٢ - ١٥٣. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٣. (٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٠٨. (٤) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ١/ ٦٠٨. (٥) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢١٨. قال القرافي: قال صاحب «الطراز»: وهذِه التفرقة ظاهر المذهب لما في الترمذي وأبي داود: إذا كان أحدكم في المسجد فوجد ريحًا بين أليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. قال الترمذى: حديث صحيح. اهـ. تيقن الحدث وشك في الطهارة فتوضأ ثمَّ بان محدثًا، فإنه يجزئه قطعًا؛ لأن الأصل بقاء الحدث، فلا يضر التردد معه (١). فرع: لو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث بالإجماع (٢)، وهو داخل في القاعدة السالفة. فرع: لو تيقن الطهارة والحدث معًا وشك في السابق منهما، فأوجه: أصحها: أنه يأخذ بضد ما قبلهما إن عرفه، فإن لم يعرفه لزمه الوضوء بكل حال، والمختار لزوم الوضوء مطلقًا (٣)، ومحل بسط المسألة في كتب الفروع، وقد أوضحتها في «شرح المنهاج» وغيره. الثامنة: من مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة المنجس، أو نجاسة الثوب أو غيره، أو أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، أو أنه ركع أو سجد أولًا، أو نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذِه العبادات، وما أشبه هذِه الأمثلة، فكل هذِه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث. وقد استثنى من هذِه القاعدة بضع عشرة مسألة (٤): منها من شك في خروج وقت الجمعة قبل الشروع فيها -قيل: أو فيها- ومن شك في ترك بعض وضوء أو صلاة بعد الفراغ لا أثر له ----------------- (١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٥٠. (٢) نقل الإجماع على ذلك النووي في «شرحه على مسلم» ٤/ ٥٠. (٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٧٧. (٤) قلت: هذا نص كلام النووي في «شرحه على مسلم» ٤/ ٥٠. عَلَى الأصح، ومنها عشر ذكرهن ابن القاصّ (١) -بتشديد الصاد المهملة- من أصحابنا: الشك في مدة خُفٍّ وأن إمامه مسافر أو وصل وطنه أو نوى إقامة، ومستحاضة شفيت، وغسل متحيرة، وثوب خفيت نجاسته، ومسألة الظبية، وبطلان التيمم بتوهم الماء، وتحريم صيد جرحه فغاب فوجده ميتًا. قَالَ القفال: لم يعمل بالشك في شيء منها؛ لأن الأصل في الأولى الغسل، وفي الثانية الإتمام، وكذا في الثالثة والرابعة إن أوجبناه، والخامسة والسادسة اشتراط الطهارة ولو ظنًّا أو استصحابًا، والسابعة بقاء النجاسة، والثامنة لقوة الظن، والتاسعة للشك في شرط التيمم وهو عدم الماء، وفي الصيد تحريمه إن قلنا به. وقول ابن القاصّ أقوى في غير الثامنة والتاسعة والعاشرة كما قاله النووى (٢)، وليس هذا موضع بسطه. التاسعة: فيه حجة كما قَالَ الخطابي لمن أوجب الحد على من وجدت منه رائحة (المسكر) (٣) وإن لم يشاهد شربه ولا شهد عليه الشهود ولا اعترف به. ------------------ (١) هو الإمام الفقيه شيخ الشافعية أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري ثم البغدادي الشافعي تلميذ أبي العباس بن سريج. حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره. من مصنفاته: كتاب «المفتاح»، وكتاب «أدب القا ضي»، وكتاب «المواقيت» توفي مرابطًا بطرسوس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «طبقات الشيرازي» ص ١٢٠، «الأنساب» ١٠/ ٢٤، «وفيات الأعيان» ١/ ٦٨، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٢٢٧، «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٧١. (٢) انظر: «المجموع» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٦. (٣) في (ج): السكر. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#86 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 47 الى صـــ 66 الحلقة (86) العاشرة: (فيه مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من الوقائع، وجواب السائل. الحادية عشرة: فيه أيضًا كما قال الداودي في «شرحه»: ترك الاستحياء) (١) في العلم، وأنه - ﷺ - كان يعلمهم كل شيء، وأنه يصلي بوضوء صلوات ما لم يحدث. ومن تراجم البخاري عليه باب: من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، ووجهه أنه نهى عن العمل بمقتضى الوسواس؛ لأن يقين الطهارة لا يقاومه الشك، ففيه تنبيه عَلَى ترك الوسواس في كل حال، وأدخله البيهقي في معرفته في باب: عدة زوجة المفقود (٢). وقد أسلفنا عن البخاري أنه أدخله أيضًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين. واعترض عليه الخطابي فقال: لا معنى للاستدلال به في ذَلِكَ، ولا في نقض تيمم المصلي، وإن كان قَدْ أولع به أهل الجدل من أصحابنا؛ لأنه ليس مما قصد بالجواب والسؤال، ولا هو واقع تحت الجنس من معقول (الباب) (٣). قَالَ: وكذلك لا معنى للاستدلال فيه بقوله - ﷺ - «لا يقطع صلاة المرء شيء» (٤)؛ لأنه إنما ورد في المار بين يدي المصلي، ألا تراه ------------------------- (١) سقط في (ج). (٢) «معرفة السنن والآثار» ١١/ ٢٣٦ (١٥٣٨١ - ١٥٣٨٢). (٣) وردت في الأصول: (الباد)، والمثبت من «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٢٩. (٤) رواه أبو داود في «سننه» (٧١٩)، وابن أبي شيبة ١/ ٢٥٠، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١/ ٢٢٠، من حديث أبي سعيد، وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (١١٥): إسناده ضعيف. قَالَ فيه: «وادرأوا ما استطعتم» (١). قُلْتُ: ونختم الكلام عَلَى الحديث بما روينا عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول (٢) قَالَ: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: شربت البارحة نبيذًا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا. فقال له: المرأة امرأتك حتَّى تستيقن أنك طلقتها. قَالَ: فتركه ثمَّ جاء إلى سفيان الثوري، فسأله. فقال: اذهب فراجعها فإن كنت قَدْ طلقتها فقد راجعتها، وإلا فلا تضرك المراجعة. فتركه وجاء إلى شريك فقال له: اذهب فطلقها ثمَّ راجعها. فتركه وجاء إلى زفر فسأله فقال: هل سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم وقصَّ القصة، فقال في جواب أبي حنيفة: الصواب قَالَ لك، وقال في جواب سفيان: ما أحسن ما قَالَ، ولما بلغ إلى قول شريك ضحك مليًّا. ثمَّ قَالَ: لأضربن لهم مثلًا: رجل مر بمثعب يسيل دمًا، فشك في ثوبه هل أصابته نجاسة؟ قَالَ له أبو حنيفة: ثوبك طاهر حتَّى تستيقن، وقال سفيان: اغسله فإن كان نجسًا فقد (طهرته) (٣) وإلا فقد زدته طهارة، وقال شريك: بُل عليه ثمَّ اغسله. ---------------------- (١) انظر: «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٢٩. (٢) هو عبد الرحمن بن مالك بن مغول البجلي أبو بهز من أهل الكوفة يروي عن عبد الله بن عمر، روى عنه العراقيون وكان ممن يروي عن الثقات المقلوبات، وما لا أصل له عن الأثبات. تركه الإمام أحمد بن حنبل. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٤٩، «المجروحين» ٢/ ٦١. (٣) في (ج): طهر منه. ٥ - باب: التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ ١٣٨ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى- وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ- وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ شفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ الله، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثمَّ أَتَاهُ الُمنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قلْنَا لِعَمرٍو: إِنَّ نَاسَا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تنَامُ عَيْنُة، وَلَا يَنَام قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عمَيْرٍ يَقولُ: رُؤيَا الأنبِيَاءِ وَحْيٌ، ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [انظر: ١١٧ - مسلم ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢٣٨]. حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى -وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ ثنا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّة بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْب عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْل، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيقلِّلُهُ- وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنًّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَنَامُ عَيْنُهُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُويَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُم قَرَأَ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾. الكلام على هذا الحديث من أوجه: أحدها: قَدْ أسلفنا في أثناء كتاب العلم قريبًا أن البخاري ذكر هذا الحديث في مواضع، وهذا ثانيها، وذكر الخطابي عقب ما ساقه البخاري هنا: وحَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنِي مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن أبيه، عن ابن عباس وذكر الحديث. قَالَ: ثمَّ قام إلى شَنٍّ معلقة، وأخذ بأذني يفتلها (١)، ولم أر هذا في البخاري هنا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بابن عباس وسفيان بن عيينة، وعلي بن المديني. وأما كريب: فهو أبو رشدين، كريب بن أبي مسلم المدني الثقة، روى عن مولاه ابن عباس وغيره، وعنه ابناه محمد، ورشدين، وموسى بن عقبة، وخلق. مات بالمدينة سنة ثمان وتسعين. وهو من أفراد الكتب الستة (٢). --------------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٣١. وهذا الحديث سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. (٢) كريب بن أبي مسلم القرشي الهاشمي أبو رشدين الحجازي. قال عثمان بن سعيد الدرامي: قلت ليحيى بن معين: كريب أحب إليك عن ابن عباس أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير أو عدل بعير من كتب ابن عباس. وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد الكتاب كتب إليه: ابعث إلى بصحيفة كذا وكذا فينسخها ويبعث إليه إحداهما. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٩٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٣١ (٩٩٤)، = وأما عمرو فهو الإمام أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم مولى ابن باذان أو باذان المكي، وكان من الأبناء من فرس اليمن (١)، سمع خلقًا الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر، وله حديث عن أبي هريرة عند ماجه (٢)، وعنه شعبة والسفيانان والحمادان ومالك وخلق. مات أول ست وعشرين ومائة عن ثمانين سنة في خلافة مروان (٣). فائدة: في الترمذي وابن ماجه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير ضعفوه (٤). ----------------------- = «الجرح والتعديل» ٧/ ١٦٨ (٩٥٦)، «الثقات» ٥/ ٣٣٩، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٧٢ (٤٩٧٥). (١) انظر: «التعديل والتجريح» ٣/ ٩٧١ للباجي. (٢) «سنن ابن ماجه» (٢٣٨٧). (٣) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي. قال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينه يذكر عن أبي نجيح، قال: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار. وقال الحميدي عن سفيان: قلت لمسعر: من رأيت أشد إتقانًا للحديث؟ قال: القاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار. قال أحمد بن حنبل: عمرو بن دينار أثبت الناس في عطاء. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. زاد النسائي: ثبت. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣١ (١٢٨٠)، «الثقات» ٥/ ١٦٧، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥ (٤٣٦٠). (٤) عمرو بن دينار المصري، أبو يحيى الأعور. قال إسماعيل ابن علية: ضعيف الحديث. وقال أبو الحسن الميموني، عن أحمد بن حنبل: ضعيف. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن حجر في «التقريب»: ضعيف. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٩ (٢٥٤٥)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٢ (١٢٨١)، «المجروحين» ٢/ ٧١، «الكامل» ٦/ ٢٣٤ (١٢٩٧)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٣ (٤٣٦١)، «تقريب التهذيب» ص ٤٢١ (٥٠٢٥). وأما عبيد بن عمير فهو الليثي قاصُّ مكة، روى عن عمر وغيره. وعنه ابنه وغيره، وذكر ثابت البناني أنه قصَّ على عهد عمر واستبعد. قَالَ البخاري: مات قبل ابن عمر سنة أربع وسبعين (١). فائدة: في أبي داود عبيد بن عمير مولى ابن عباس، وعنه ابن أبي ذئب، والصحيح أن بينه وبينه عطاء (٢). ثالثها: هذا الإسناد كله من فرسان الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإن مسلم وابن ماجه لم يخرجا له، وجميعهم ما بين مكي ومدني وبصري، وابن عباس مكي وأقام بالمدينة أيضًا. رابعها: [قوله: فقام رسول الله - ﷺ - من الليل. كذا هو بالقاف، وصوابه: --------------------- (١) عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال شهاب بن خراش، عن العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير وكان من أبلغ الناس يبكي حتى بلَّ الحصى بدموعه. انظر في ترجمته: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٦٣، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٥٥ (١٤٧٩)، «الجرح التعديل» ٥/ ٤٠٩ (١٨٩٦)، «الثقات» ٥/ ١٣٢، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٢٢٣ (٣٧٣٠). (٢) عبيد بن عمير مولى ابن عباس، ويقال: مولى أمه أم الفضل، أخو عبد الله بن عمير وعمر بن عمير. نروى عن ابن عباس. روى عنه ابن أبي ذئب. قال ابن عساكر: المحفوظ رواية عطاء عن عبيد الليثي، فأما عبيد بن عمير مولى ابن عباس فغير مشهور. وقال ابن حجر: مجهول. انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٩/ ٢٢٥ (٣٧٣١)، «إكمال تهذيب الكمال» ٩/ ٩٨ (٣٥٣٢)، «تقريب التهذيب» ص ٣٧٧ (٤٣٨٦). فنام، قَالَ صاحب «المطالع»: وهو ما لابن السَّكَنِ وللجماعة: فقام، والأول أصوب. (كما في) (١) قوله في الرواية الأخرى: نام حتَّى انتصف الليل أو قبله بقليل ثمَّ أستيقظ (٢). خامسها] (٣): في لغاته: الشَّنُ -بفتح الشين- قَالَ أهل اللغة: الشنُّ: القربة الخلق، وجمعه شنان، وقوله: (شن معلق). ذكره عَلَى إرادة السقاء والوعاء، وفي رواية للبخاري في كتاب التفسير من «صحيحه»: معلقة (٤) على إرادة القربة. وقوله: (في بعض الليل): وقع في بعض النسخ (من) بدل (في) ويحتمل أن تكون للتبعيض، وأن تكون بمعنى: في؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، أي: في يوم الجمعة. وقوله: (وضوءًا خفيفًا)، أي: بين وضوءين فلم يكثر، وقد أبلغ، وقد ذكره البخاري كذلك في كتاب: الدعاء -كما سيأتي إن شاء الله- وفي أخرى في الوتر: فتوضأ فأحسن الوضوء. وقوله: (فآذنه) هو بالمد، أي: أعلمه. واليسار: بفتح الياء وكسرها. -------------------- (١) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق، والعبارة كلها ساقطة من الأصل كما سيأتي بعد تعليق. (٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحديث وبرقم (١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة. (٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت من (ج). (٤) سيأتي برقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. سادسها: في فوائده: وقد تقدم جملة منها في الباب السالف المشار إليه: منها: أن نومه مضطجعًا لا ينقض، وكذا سائر الأنبياء كما سلف هناك، فيقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث، ولهذا قَالَ عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي. يريد أنه منع النوم قلبه ليعي الوحي إذا أوحي إليه في منامه. ومنها: مبيت من لم يحتلم عند محرمه، ومنها مبيته عند الرجل مع أهله، وقد روي أنها كانت حائضًا (١). ومنها: تواضعه - ﷺ -، وما كان عليه من مكارم الأخلاق. ومنها: صلة القرابة، وفضل ابن عباس. ومنها: الاقتداء بأفعاله - ﷺ -. ومنها: الإمامة في النافلة، وصحة الجماعة فيها، وقد سلف. ومنها: ائتمام واحد بواحد. ومنها: ائتمام صبي ببالغ، وعليه ترجم البيهقي في «سننه» (٢). ومنها: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام كما سلف. قَالَ ابن بطال: وهو رد عَلَى أبي حنيفة في قوله: إن الإمام إِذَا صلى مع الرجل واحد أنه يقوم خلفه لا عن يمينه. وهو مخالف لفعل الشارع (٣). -------------------- (١) سبق تخريجه. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٩٥. (٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٧. وهذا القول فيه نظر؛ فمذهب الحنفية أن الإمام إذا كان معه واحد غير امرأة أنه يقيمه عن يمينه، وهو الأولى لهذا الحديث، فإن وقف عن يساره جاز مع الكراهة، = وعن سعيد بن المسيب: إن موقف الواحد مع الإمام عن يساره (١). وعن أحمد: إن وقف عن يساره بطلت صلاته (٢). ومنها: أن أقل الوضوء يجزئ إِذَا أسبغ وهو مرة مرة. ومنها: تعليم الإمام المأموم. ومنها: التعليم في الصلاة إِذَا كان من أمرها. ومنها: إيذان الإمام بالصلاة. ومنها: قيامه مع المؤذن إِذَا آذنه. ومنها: الجمع بين نوافل وفرض بوضوء واحد، ولا شك في جوازه. --------------------- = وإن وقف خلفه فاختلفوا على قولين: أحدهما: الجواز مع الكراهة، والثاني: الجواز بلا كراهة. انظر: «موطأ مالك برواية الشيباني» ص ٧٧، «الأصل» ١/ ٢٢، «بدائع الصنائع» ١/ ١٥٨ - ١٥٩، «شرح فتح القدير» ١/ ٣٥٥، «الاختيار» ١/ ٨١، «تبيين الحقائق» ١/ ١٣٦، «البناية» ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، «البحر الرائق» ١/ ٦١٦. وقد رد أيضا هذا القول العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٢٣٦ وقال: باطل، وليس هذا مذهب أبي حنيفة، وابن بطال جازف في كلامه. (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٢٩ (٤٩٣٥). (٢) قلت: عن أحمد روايتان، هذِه أحدهما، وهي الصحيحة في المذهب إذا لم يكن عن يمين الإمام أحدٌ. والثانية: أن صلاته صحيحة، وهذِه الرواية هي اختيار أبي محمد التميمي، واستظهرها ابن مفلح، وصوبها المرداوي، واختارها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي. انظر: «المغني» ٣/ ٥٠ - ٥١، «الفروع» ٢/ ٣٠، «شرح الزركشي» ١/ ٤١٤، «المبدع» ٢/ ٨٣، «الإنصاف» ٤/ ٤٢١ - ٤٢٤، «كشاف القناع» ٣/ ٢٢٠، «فقه الشيخ ابن سعدي» ٢/ ٢١٩، «مفردات مذهب الإمام أحمد» ص ١٨٦. ومنها: جواز الفريضة بوضوء النافلة. قاله الداودي، وإن كان يجوز أن يكون نواهما. ومنها: أن النوم الخفيف لا يجب منه الوضوء. قَالَه الداودي في «شرحه» أيضًا، وفيه نظر، فإنه - ﷺ - اضطجع، فنام حتَّى نفخ، وهذا لا يكون في الغالب خفيفًا. ومنها: الاضطجاع عَلَى الجنب بعد التهجد. ومنها: اضطجاع ابن عباس قريبًا من مضطجع الرجل مع أهله، وليس مذكورًا في هذِه الرواية، نعم في رواية أخرى في «الصحيح» في باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره أنه - ﷺ - اضطجع هو وأهله في طول الوسادة، واضطجع ابن عباس في عرضها (١). ومنها: ما استنبطه ابن بطال من قوله: (فنام النبي - ﷺ - من الليل، فلما كان في بعض الليل قام، فتوضأ) أي: فتوضأ بعد نوم نامه، (ثمَّ نام نومًا آخر وصلى ولم يتوضأ) فدل ذَلِكَ عَلَى اختلاف حاله في النوم، فمرة استثقل نومًا ولا يعلم حاله، ومرة علم حاله من حدث وغيره (٢)، ولا يخلو ما ذكره من نظر. ومنها: أن تقدم المأموم على إمامه مبطل (٣)؛ لأن المنقول أن الإدارة ----------------------- (١) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٧. (٣) اعلم أن الفقهاء قد اختلفوا في حكم تقدم المأموم على الإمام على أقوال: الأول: أن صلاته باطلة. وهو قول الحنفية، والشافعي في الجديد، وهو الصحيح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وهو قول سفيان الثوري. الثاني: أنها مكروهة. وهو قول المالكية، ووجه عند الحنابلة، وبه قال الليث، وإسحاق، وأبو ثور، = كانت من خلف رسول الله - ﷺ - لا من قدامه كما حكاه القاضي عياض عن تفسير محمد بن أبي حاتم، كذا استنبطه بعضهم، ولا يخلو عن نظر، فإنه يجوز أن تكون إدارته من خلفه؛ لئلا يمر بين يديه، فإنه مكروه. ومنها: قيام الليل، وكان واجبًا عليه ثمَّ نسخ عَلَى الأصح. ومنها: المبيت عند العالم؛ ليراقب أفعاله، فيقتدي به وينقلها. ومنها: طلب العلو في السند، فإنه كان يكتفي بإخبار خالته أم المؤمنين. ومنها: أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام؛ لأنه - ﷺ - لم يتكلم. ومنها: أن من الأدب أن يمشي الصغير عن يمين الكبير، والمفضول عن يمين الفاضل، ذكره الخطابي (١). ومنها: أن النوم بِعْينِهِ ليس بحدث وإنما هو مظنة له، فيعتبر أحواله، وسيأتي إن شاء الله تعالى غير ذَلِكَ في موضع آخر من المواضع التي ذكرها البخاري إن شاء الله. ---------------------- = وروي عن الحسن، إلا أن المالكية قالوا: إن الكراهة حيث لا ضرورة. الثالث: أنها جائزة بلا كراهة. وهو قول الشافعى في القديم، لكن نص متأخروا الشافعيه على أن كل مندوب يتعلق بالموقف فإنه يكره مخالفته، وتفوت به فضيلة الجماعة. الرابع: أنها تصح في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر. وهو قول بعض الحنابلة. انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٣٦، «بدائع الصنائع» ١/ ١٤٥، «مواهب الجليل» ٢/ ٤٣٣، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ٢٩، «الفواكه الدواني» ١/ ٢٤٦، «الحاوي» ٢/ ٣٤١، «الشرح الكبير» ٢/ ١٧٢، «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٨، «الفروع» ٢/ ٢٨، «المبدع» ٢/ ٨٢. (١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣١. وأختم الكلام فيه بأمرين: أحدهما: أنه لم يذكر في هذِه الرواية كيفية التحويل، وقد اختلفت فيه روايات «الصحيح»، ففي بعضها: أخذ برأسه فجعله عن يمينه (١). وفي بعضها: فوضع يده اليمنى عَلَى رأسي، فأخذ بأذني اليمنى يفتلها (٢)، وفي بعضها: فأخذ برأسي من ورائي (٣)، وفي بعضها: بيدي أو عضدي (٤). والرواية الثانية جامعة لهذِه الروايات، وفي أخذه بأذنه فوائد: الأولى: تذكره القصة بعد ذَلِكَ؛ لصغر سنه. ثانيها: نفي النوم عنه لما أعجبه قيامه معه. ثالثها: التنبيه عَلَى الفهم وهي قريبة من الأولى، ويقال: إن المعلم إِذَا تعاهد فَتْلَ أُذُن المعلَّم كان أذكى لفهمه. قَالَ الربيع: ركب الشافعي يومًا، فلصقت بسرجه، وهو عَلَى الدابة، فجعل يفتل شحمة أذني، فأعظمت ذَلِكَ منه حتَّى وجدته عن ابن عباس، أنه - ﷺ - فعل ذَلِكَ به، فعلمت أنه فعله عن أصل. -------------------- (١) سيأتي برقم (٦٩٩) كتاب: الأذان، باب: إذا لم ينو الإمام أن يؤم. (٢) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره. وبرقم (٩٩٢) كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر. وبرقم (١١٩٨) كتاب: العمل في الصلاة، باب: استعانة اليد في الصلاة. وبرقم (٤٥٧٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وبرقم (٤٥٧١) كتاب: التفسير، باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. (٣) سيأتي برقم (٧٢٦) كتاب: الأذان، باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام. (٤) سيأتي برقم (٧٢٨) كتاب: الأذان، باب: ميمنة المسجد والإمام. الثاني: قَالَ الداودي في «شرحه»: قول عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، ثمَّ تلى الآية. صحيح وليس من هذا الباب، يريد بذلك أن التبويب عَلَى تخفيف الوضوء فقط، لكن ذكر هذا لأجل ما زاده فيه من نوم العين دون نوم القلب، فاعلمه. ٦ - باب: إِسْبَاغِ الوُضُوءِ وَقَالَ ابن عُمَرَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ: الإِنْقَاءُ ١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأ وَلم يُسبغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الُمزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الَمغْرِبَ، ثُمُّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلهِ، ثمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ١/ ٢٣٩] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الحج عن ابن يوسف، عن مالك به (١). وعن مسدد، عن حماد بن زيد، عن يحيى، عن موسى به (٢). ---------------------- (١) سيأتي برقم (١٦٧٢) كتاب: الحج، باب: الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة. (٢) وبرقم (١٦٦٧) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع. وعن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن كريب بنحوه (١). وفي الجهاد (٢) عن ابن سلام، عن يزيد بن هارون، عن يحيى، عن موسى به (٣). وأخرجه مسلم في المناسك من طرق منها: عن يحيى بن يحيى، عن مالك به (٤). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بكريب (٥)، ومالك (٦)، وعبد الله بن مسلمة (ع) (٧). وأما أسامة فهو أبو زيد أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني الحِبُ بن الحِبِ، وكان نقش خاتمه: حِبُ رسول الله، وكان مولى النبي - ﷺ -، وابن حاضنته ومولاته أم أيمن، أمَّره رسول الله - ﷺ - عَلَى جيش فيهم أبو بكر وعمر وعمره عشرون فأقل، فلم ينفذ حتَّى مات. روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. روى عنه عروة ------------------ (١) وبرقم (١٦٦٩) كتاب: الحج، باب: النزول بين عرفة وجمع. (٢) كذا بالأصول، والصواب: في الطهارة، وسيأتي برقم (١٨١). (٣) برقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه. (٤) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٧٦) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٣٨). (٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٢). (٧) سبقت ترجمته في حديث رقم (١٩). وهذا الرمز فيه نظر؛ فقد أخرج له (خ، م، د، ت، س). انظر ترجمته، والصفحة اللاحقة. وكريب وخلق. مات بوادي القُرى سنة أربع وخمسين عَلَى الأصح، ابن خمس وخمسين (سنة) (١)، وذكر الله أباه زيدًا في القرآن باسمه (٢). فائدة: أسامة بن زيد ستة هذا أحدهم، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد سواه، وإن كان فيهم من اسمه أسامة -مختلف في بعضهم (٣) - خمسة غيره: ثانيهم: تنوخي روى عنه زيد بن أسلم وغيره. ثالثهم: ليثي (م. الأربعة) روى عن نافع وغيره. رابعهم: مدني (ق) مولى عمر بن الخطاب، ضعيف. خامسهم: كلبي روى عن زهير بن معاوية وغيره. سادسهم: شيرازي روى عن أبي حامد الفضل الجمحي. وأما موسى بن عقبة فهو أبو محمد المدني موسى بن عقبة (ع) بن أبي عياش المدني مولى الزبير (٤) بن العوام، ويقال مولى أم خالد زوجة الزبير القرشي، أخو محمد وإبراهيم، وكان إبراهيم أكبر من موسى. -------------------- (١) من (ج). (٢) انظر ترجمته في «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٢٢٢، «معرفة الصحابة» ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (٨٤)، «الاستيعاب» ١/ ١٧٠ - ١٧٢ (٢١)، «أسد الغابة» ١/ ٧٩ - ٨١ (٨٤)، «الإصابة» ١/ ٣١ (٨٩). (٣) وهم: أسامة بن شريك، وأسامة بن عمير، وأسامة بن أخدري، وأسامة بن خزيم، وأسامة بن مالك، وأسامة بن عمرو الليثي، وأسامة الحنفي. وانظر ترجمتهم في: «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٢٢٣ - ٢٢٧، «معرفة الصحابة» ١/ ٢٢٥ - ٢٢٩ (٨٥ - ٨٧)، «الاستيعاب» ١/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٢ - ٢٥)، «أسد الغابة» ١/ ٧٩، ٨١ - ٨٣ (٨٢ - ٨٣، ٨٥ - ٨٧)، «الإصابة» ١/ ٣٠ - ٣٢ (٨٧ - ٩٣). (٤) في (ج): ابن الزبير، والثابت في كتب التراجم إما: آل الزبير، أو: الزبير. روى عن كريب، وأم خالد الصحابية وغيرهما. وعنه مالك، والسفيانان وغيرهم، وكان من (المتقنين) (١) الثقات. مات سنة إحدى وأربعين ومائة، ومغازيه أصح المغازي كما قاله مالك، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره (٢). الثالث: هذا الإسناد كل رجاله في الصحيحين وباقي الكتب الستة، إلا القعنبي، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وكل رجاله مدنيون. الرابع: في بيان الأماكن الواقعة فيه. أما (عرفة) فهو موضع الوقوف -زاده الله شرفًا- سميت بذلك؛ لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله أهبط آدم بالهند وحواء بجدة؛ فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عَرَّفَ إبراهيم المناسك هناك، أو للجبال التي فيها، والجبال هي الأعراف، وكل ناتٍ فهو عرف، ومنه عرف الديك، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. ويسألون غفرانها فتغفر، أقوال. والمشهور صرف عرفات (٣). و(الشعب) -بكسر الشين- الطريق في الجبل (٤). و(المزدلفة) (٥) -بضم الميم- من الازدلاف وهو التقرب أو الاجتماع، ----------------------- (١) في الأصل: المفتين، والمثبت من (ج). (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٩٢ (١٢٤٧)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٠٥ (١٨٢٠)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٤ (٦٩٣)، «الثقات» ٥/ ٤٠٤، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١١٥ - ١٢٢ (٦٢٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١١٤ - ١١٨. (٣) وذكر الحموي أن عرفة وعرفات واحد عند أكثر أهل العلم. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٠٤ - ١٠٥. (٤) ورد بهامش الأصل: من خط المصنف في الهامش، قاله ابن التين. (٥) المزدلفة: اختلف فيها لم سميت بذلك؟ فقيل: لازدلاف الناس في منى بعد الإفاضة، وقيل: لاجتماع الناس بها، وقيل: لازدلاف آدم وحواء بها أي: = ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: قربت. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم، وكذلك قيل لمزدلفة: جَمْع. الخامس: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (ثُمَّ تَوَضَّأ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ). أي: لم يكمله، بل توضأ مرة مرة سابغة أو خفف استعمال الماء بالنسبة (إلى) (١) غالب عاداته، ويؤيده رواية إبراهيم بن عقبة، عن كريب قال: فتوضأ وضوءًا ليس بالبالغ (٢). وفي «صحيح مسلم»: فتوضأ وضوءًا خفيفًا (٣). وقوله بعده: (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أي: أكمله، ولا خلاف في هذا أنه الوضوء الشرعي، وأما الأول فاختلف فيه، فقيل: إنه الشرعي مرة مرة كما أسلفناه، وقيل: اللغوي. أي: اقتصر عَلَى بعض الأعضاء، وهو بعيد. وأبعد منه أن المراد به الاستنجاء، كما قاله عيسى بن دينار وجماعة، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب: الرجل يوضى صاحبه، أنه - ﷺ - عدل إلى الشعب فقضى حاجته، فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ (٤)، ولا يجوز أن يصُب عليه أسامة إلا وضوء الصلاة؛ لأنه كان لا يقرب منه أحد وهو عَلَى حاجته، وأيضًا فقد قَالَ أسامة ----------------------- = لاجتماعهما. انظر: «معجم البلدان» ٥/ ١٢٠. (١) في (ج): على. (٢) «صحيح مسلم» (١٢٨٠) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٦٦)، باب: بيان استحباب إدامة الحاج التلبية. (٤) سيأتي برقم (١٨١). (عقب) (١) ذَلِكَ: الصلاة يا رسول الله. ومحال أن يقول لَهُ: الصلاة، ولم يتوضأ وضوء الصلاة، وأبعد من قَالَ: إنما لم يسبغه؛ لأنه ج يرد أن يصلي به، ففعله ليكون مستصحبًا للطهارة في مسيره، فإنه كان في (عامة) (٢) أحواله عَلَى طهر. وقال أبو الزناد: إنما لم يسبغه ليذكر الله؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة. وقال غيره: إنما فعله؛ لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، فأراد أن يتوضأ وضوءًا يرفع به الحدث، لأنه كان - ﷺ - لا يبقى بغير طهارة، وكذا قَالَ الخطابي: إنما ترك إسباغه حتَّى نزل الشعب؛ ليكون مستصحبًا للطهارة في طريقه، وتجوّز فيه؛ لأنه لم يرد أن يصلي به، فلما نزل وأرادها أسبغه. وقوله: («الصَّلَاةُ أَمَامَكَ») أي: سنة الصلاة تأخير المغرب إلى المزدلفة؛ لتجمع مع العشاء. وقال الخطابي: المراد أن موضع هذِه الصلاة المزدلفة، وهو أمامه. قَالَ: وهو تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس بفعله - ﷺ - (٣). وفيما قاله من التخصيص نظر، ولم يعلم أسامة هذِه السنة؛ لأنه - ﷺ - أول من سنها في حجة الوداع. وقوله: (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ)، كأنهم فعلوا ذَلِكَ خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها. السادس: في فوائده: الأولى: جمع التأخير بمزدلفة وهو إجماع (٤)، لكنه عند جمهور أصحابنا بسبب السفر، فالمزدلفي لا يجمع، وعند أبي حنيفة ومالك --------------------- (١) في (ج): عقيب. (٢) في (ج): غاية. (٣) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥. (٤) نقله ابن عبد البر في «الإجماع» ص ١٦٩ مسألة (٣٧١). أنه بسبب النسك فيجمع، وإنما يؤخر إِذَا لم يخرج وقت اختيار العشاء، فإن خافه فالأفضل التقديم، كما قاله جماعات من أصحابنا، وسيأتي بسطه في بابه إن شاء الله تعالى. الثانية: عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير، فإنه وقع الفصل بينهما بإناخة كل إنسان بعيره في منزله. الثالثة: الإقامة لكل من صلاتي الجمع، وحكى ابن التين عن ابن عمر: أنه يصلي بإقامة واحدة (١). ويبعد أن يكون المراد بالإقامة هنا الشروع فيها وفعلها بأحكامها. الرابعة: لم يذكر هنا الأذان لها، والصحيح عند أصحابنا أنه يؤذن للأولى، وبه قَالَ أحمد، وأبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون المالكي، والطحاوي الحنفي. وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى، ويؤذن ويقيم للثانية. وهو محكي عن عمر، وابن مسعود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: أذان وإقامة واحدة. وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم. وقال الثوري: يصليهما جميعًا بإقامة واحدة (٢)، وقد أسلفناه عن ابن عمر. الخامسة: أفضلية تأخير المغرب إلى العشاء، قَالَ أصحابنا: فلو -------------------- (١) رواه مسلم (١٢٨٨) وفي آخره أن ابن عمر قال: هكذا صلى بنا رسول الله - ﷺ - في هذا المكان. بينما سيأتي خلاف ذلك عنه عند البخاري برقم (١٠٩٢)، (١٦٧٣) حيث قال ابن عمر فيه: جمع النبي - ﷺ - بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهمابإقامة .. «الحديث فانظره. (٢) انظر:»البيان«٢/ ٦١،»عقد الجواهر الثمينة«١/ ٨٨ - ٨٩،»المغني" ٢/ ٧٧ - ٧٨. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#87 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 67 الى صـــ 86 الحلقة (87) جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر، أو صلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذَلِكَ، وإن خالف الأفضل، هذا مذهبنا. وبه قَالَ جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب، وفقهاء أصحاب الحديث. وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها. وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبلها إلا من به -أو بدابته- عذر، فله أن يصليهما قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق، وحكى ابن التين عن «المدونة» أنه يعيد إِذَا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها. وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق، فيعيد العشاء بعدها أبدًا، وبئس ما صنع. وقيل: يعيد العشاء الآخرة فقط. وقال في «المعونة»: إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة، وتجزئه خلافًا لأبي حنيفة. قَالَ أشهب: وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع، وإن قضى الصلاتين قبل مغيبه، وخالفه ابن القاسم فقال: لا يجمع حتى يغيب. السادسة: تنبيه المفضولِ الفاضلَ إِذَا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل؛ لقول أسامة: الصلاة يا رسول الله. السابعة: في قوله: (فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ). أن الوضوء عبادة وإن لم يصلِّ به -يعني: بالأول- نبه عليها الخطابي (١)، وقد قَالَ بعضهم: من ------------------------ (١) «أعلام الحديث» للخطابي ١/ ٢٣٦. توضأ ثمَّ أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس لَهُ ذَلِكَ، لأنه لم يوقع به عبادة، ويكون كمن زاد عَلَى ثلاث في وضوء واحد، وهو الأصح عند أصحابنا، ولا يسن تجديده إلا إِذَا صلى بالأول صلاة فرضًا كانت أو نفلًا. الثامنة: ظاهر الحديث أنهم صلوا قبل حط رحالهم، وقد جاء مصرحًا به في رواية أخرى في «الصحيح» (١)، ووافق مالك في الأمر الخفيف، وقال في المحامل والزوامل: يبدأ بالصلاة قبلها. وقال أشهب: له أن يحط رحله قبل أن يصلي، وبعد المغرب أحب إلي ما لم تكن دابته معقلة، ولا يتعشى قبل المغرب وإن خفف عشاءه، ولا يتعشى بعدها وإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن طال فبعد العشاء أحب إليَّ. التاسعة: ترك النافلة في السفر، كذا استنبطه المهلب من قوله: ولم يصل بينهما. ولذلك قَالَ ابن عمر: لو كنت مسبحًا لأتممت (٢). وقال غيره: لا دلالة فيه؛ لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك، ألا ترى أن بعضهم قَالَ: لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتَّى يجمعوا. ومنهم من قَالَ: يحط بعد الأولى، مع ما في ترك الرواحل بأوقارها ما نهي عنه من تعذيبها، ولم يتابع ابن عمر عَلَى قوله، والفقهاء متفقون عَلَى اختيار التنفل في السفر. ------------------------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٨٠/ ٢٧٩) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. (٢) رواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصدها. وابن ماجه (١٠٧١)، وعبد الرزاق ٢/ ٥٥٧ (٤٤٤٣)، وأبو يعلى ١٠/ ١٥٦ (٥٧٧٨)، وابن خزيمة ٢/ ٢٤٦ (١٢٥٧). قَالَ ابن بطال: وقد تنفل رسول الله - ﷺ - (١) راجلًا وراكبًا (٢). العاشرة: جواز التنفل بين صلاتي الجمع كذا استدل به القرطبي في «مفهمه» قَالَ: وهو قول ابن وهب قَالَ: وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه (٣). قُلْتُ: وهو جائز عندنا في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم، والحديث ناصٌّ عَلَى أنه لم يصل بينهما، ولعل القرطبي أخذه. من إناخة البعير بينهما. الحادية عشرة: الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبًا. الثانية عشرة: نقل أفعاله والاعتناء بها ليتبع. الثالثة عشرة: الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفًا وقطعًا لمادته قاله الداودي، وكأنه حمل الوضوء الأول فيه عَلَى الاستنجاء، وليس بجيد لما أسلفناه. الرابعة عشرة: ترك إسباغ الوضوء عند البول إِذَا لم تجئ الصلاة قاله أيضًا، وفيه نظر أيضًا. الخامسة عشرة: تخصيص العموم قاله الخطابي، وقد سلف ما فيه. السادسة عشرة: قَالَ الخطابي أيضًا: فيه دلالة (أيضًا) (٤) عَلَى أنه ----------------------- (١) ورد بهامش (س) ما نصه: لا يصح الاستدلال على ابن عمر من تنفل الشارع في السفر إلا إذا ثبت أن الذي تنفله راتبًا، وأما مطلق النفل فلا يمنع منه ابن عمر وهو قائل باستحبابه، لكن مما يستدل به على ابن عمر صلاته عليه السلام راتبة الصبح يوم الوادي وسنة الصبح يوم الفتح، ولعل ابن عمر لم يره -عليه السلام- تنفل في السفر، والله أعلم. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩. (٣) انظر: «المفهم» ٣/ ٣٩١، وجاء هذا القول عن ابن حبيب، وليس قول ابن وهب كما قال المصنف. (٤) ساقطة من (ج). لا يجوز أن يصليها الحاج إِذَا أفاض من عرفة حتَّى يبلغها ويجمع بينهما، ولو أجزأ غير ذَلِكَ لما أخرها - ﷺ - عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام (١). وفيما ذكره نظر أيضًا، فإنه إنما أخرها لأجل الجمع. السابعة عشرة: قَالَ أيضًا: استدل به الشافعي عَلَى أن الفوائت لا يؤذن لها لكن يقام (٢)، وكأن وجهه أنها تشبه الفائتة، وإلا فإذا أخرها فهي أداء عَلَى الصواب، لأجل العذر المرخص. الثامنة عشرة: قَالَ فيه أيضًا: إن يسير العمل إِذَا (تخلل) (٣) بين الصلاتين لا يقطع نظم الجمع بينهما، لما ذكر من إناخة كل واحد بعيره بينهما، ولكن لا يتكلم بين الصلاتين، وما ذكره ماشٍ عَلَى من يشترط الموالاة في جمع التأخير، والأصح عند أصحابنا خلافه. التاسعة عشرة: قَالَ: في وضوئه الأول لغير الصلاة دلالة عَلَى أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإن لم يصل به، وكان - ﷺ - يقدم الطهارة إِذَا أوى إلى فراشه؛ ليكون مبيته عَلَى طهر (٤). العشرون: قَالَ المهلب: فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء، وأن وقتهما واحد (٥). وقال غيره: المراد بالنسبة إلى الجمع (٦). ------------------------ (١) «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥. (٢) انظر: «البيان» ٥٩/ ١. (٣) في (ج): تملك. (٤) انظر: الفوائد السابقة في «أعلام الحديث» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥. (٥) كما في «شرح ابن بطال» ١/ ٢٢٩. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه. ٧ - باب غَسْلِ الوَجهِ بِالْيَدَيْنِ مِن غَرفَةٍ وَاحِدَةٍ ١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الُخزَاعِيُّ مَنصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَة مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يتَوَضّأُ. [فتح ١/ ٢٤٠] حَدثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أنا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، أنا ابن بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (١) بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى، فَغَسَلَ بها (٢) وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي: اليُسْرى- ثمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ. --------------------- (١) علم عليها الناسخ بإشارة نسخة، وكتب في الهامش: واستنثر. (٢) علم عليها الناسخ أن في نسخة (بهما) وكتب (بها). الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري منفردًا به عن مسلم، ولم يخرج مسلم عن ابن عباس في صفة الوضوء شيئًا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بابن عباس وعطاء وزيد. وأما سليمان بن بلال فهو أبو محمد مولى آل أبي بكر، روى عن عبد الله بن دينار وغيره. وعنه ابنه أيوب ولوين وغيرهما. وكان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا متقنًا ثقة إمامًا، وولي خراج المدينة. مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقيل: سنة سبع وسبعين، وقد سلف أيضًا في باب: أمور الإيمان (١). وأما أبو سلمة منصور (خ. م. س) بن سلمة الخزاعي البغدادي الحافظ، روى عن مالك وغيره. وعنه الصاغاني وغيره. مات سنة سبع أو تسع ومائتين وقيل: سنة عشر (٢). وأما محمد بن عبد الرحيم (خ. د. ت. س) فهو أبو يحيى الحافظ، ---------------------- (١) سبقت ترجمته في حديث رقم (٩). (٢) منصور بن سلمة بن عبد العزيز بن صالح، أبو سلمة الخزاعي البغدادي. قال أبو بكر الأعين: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو سلمة الخزاعي من متثبتي بغداد. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الدارقطني: أبو سلمة الخزاعي أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يسألون عن الرجال. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٤٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٨ (١٥٠٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٣ (٧٦٣)، «الثقات» ٩/ ١٧٢، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥٣٠ - ٥٣٢ (٦١٩٤). صاعقة؛ لقب بذلك لحفظه. روى عن يزيد بن هارون، وروح، وطبقتهما. وعنه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن صاعد، والمحاملي، وخلق. وكان بزازًا، مات سنة خمس وخمسين ومائتين (١). ثالثها: هذا الحديث مما شاهده ابن عباس من رسول الله - ﷺ - وهي معدودة. قَالَ الداودي: الذي صح مما سمع من النبي - ﷺ - اثنا عشر حديثًا، وحكى غيره، عن غندر عشرة أحاديث. وعن يحيى القطان، وأبي داود: تسعة. ووقع في «المستصفى» للغزالي: أن ابن عباس مع كثرة روايته، قيل: إنه لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا أربعة أحاديث لصغر سنه، وصرح بذلك في حديث: «إنما الربا في النسيئة» (٢) وقال: حَدَّثَنِي به أسامة بن زيد، ولما روى حديث قطع التلبية حين رمى جمرة العقبة (٣) قَالَ: حَدَّثَنِي به أخي الفضل (٤). ----------------------- (١) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير أبو يحيى القرشي العدوي. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب عنه أبي بمكة، وسئل عنه، فقال: صدوق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، والنسائي: ثقة. وقال ابن صاعد: حدثنا أبو يحيى الثقة الأمين. وقال الحافظ أبو بكر الخطيب: كان متقنا، ضابطًا عالمًا، حافظًا. انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ٩ (٣٣)، «الثقات» ٩/ ١٣٢، «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٥ - ٨ (٥٤١٧). (٢) سيأتي برقم (٢١٧٨) كتاب: البيوع، باب: الدينار بالدينار نساءً. (٣) سيأتي برقم (١٦٨٥) كتاب: الحج، باب: التلبية والتكبير غداة النحر. (٤) انظر: «المستصفى» ١/ ٣١٩ - ٣٢٠. رابعها: في ألفاظه: معنى (أَضَافَهَا إلى يَدِهِ الأُخْرى):. جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا، فإنه أمكن في الغسل. وقوله: (فَرَشَّ على رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا) أي: صبه قليلًا قليلًا حتَّى صار غسلًا. وقوله: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ): -يعني: اليسرى- هو بغين معجمة ثمَّ سين مهملة كذا رأيناه في الأصول، وقال ابن التين: رويناه بالعين غير معجمة، ولعله عد الرجلين بمنزلة العضو الواحد، فكأنه كرر غسله؛ لأن الغسل هو الشرب الثاني: ثمَّ قَالَ: وقال الحسن: أراه (فعل) فسقطت السين. قُلْتُ: وهذا كله غريب والصواب ما أسلفناه. خامسها: في فوائده: الأولى: الوضوء مرة، وهو إجماع كما أسلفناه في أوائل الوضوء، وشذ من قَالَ: فرض مغسول الوضوء التثليث، وهذِه القولة حكاها ابن التين هنا، وأسلفنا حكايتها عن غيره في الموضع المشار إليه. الثانية: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة بغرفة، وهو أفضل من الفصل، وسيأتي في حديث عبد الله بن زيد أنه جمع بينهما ثلاث مرات من غرفة واحدة (١)، وهو الذي صحت به الأحاديث، وحديث الفصل أخرجه أبو داود في «سننه» (٢) ولا يصح. ---------------------- (١) سيأتي برقم (١٩١). (٢) انظر: «سنن أبي داود» (١٣٩)، والبيهقي ١/ ٥١ ونصُّه: دخلت -يعني: على النبي - ﷺ - وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضه والاستنشاق، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (١٨): ضعيف. الثالثة: البداية بالميامن، وهو سنة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره، ومن نقل خلافه فقد غلط، ثمَّ هذا بالنسبة إلى اليد والرجل، أما الخدان والكفان فيطهران دفعة واحدة، وكذا الأذنان عَلَى الأصح عند الشافعية. الرابعة: أخذ الماء للوجه باليد، وفي رواية للبخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد: ثمَّ أدخل يده فغسل وجهه ثلاثًا (١)، وفي رواية للبخاري: ثمَّ أدخل يديه بالتثنية (٢). وهما وجهان للشافعية، وجمهورهم عَلَى الثاني. وقال زاهر السرخسي: إنه يغرف بكفه اليمنى، ويضع ظهرها عَلَى بطن كفه اليسرى، ويصبه من أعلى جبهته، وحديث الباب قد يدل له. الخامسة: قَالَ ابن بطال فيه أن الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهر، وهو قول مالك والثوري، قَالَ: والحجة لذلك أن الأعضاء كلها إِذَا غسلت مرة مرة، فإن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملًا ثمَّ يمره عَلَى كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان الماء المستعمل لا يجوز لم يجز الوضوء مرة مرة، ولما أجمعوا أنه جائز استعماله في العضو الواحد كان في سائر ----------------------- (١) سيأتي برقم (١٨٦) باب: غسل الرجلين إلى الكعبين، وبرقم (١٩٢)، باب: مسح الرأس مرة. وبرقم (١٩٩)، باب: الوضوء من التور. ومسلم (٢٣٥) كتاب: الطهارة، باب: في وضوء النبي - ﷺ -. (٢) قال ابن حجر في «الفتح» ١/ ٢٩٤: وقع في رواية ابن عساكر وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال: ثم أدخل يديه، بالتثنية، وليس ذلك في رواية أبي ذر ولا الأصيلي ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي. اهـ. وانظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٢٢. الأعضاء كذلك، وفيما قاله نظر؛ لأن الماء يحكم لَهُ بالاستعمال بعد انفصاله، ومادام مترددًا عَلَى العضو لا يثبت لَهُ حكم الاستعمال (١). تنبيه: لم يذكر في هذا الحديث أخذ الماء للرأس؛ فقال بعضهم فيه: مسح الرأس بفضل الذراع. وفي «سنن أبي داود» أنه - ﷺ - مسح رأسه من فضل ماء كان في يده (٢). وهذا قول الأوزاعى، والحسن، وعروة، وقال الشافعي ومالك: لا يجزئه أن يمسح بفضل ذراعيه ولا لحيته. وأجازه ابن الماجشون في بلل اللحية إِذَا نفذ منه الماء. وقال القاضي عبد الوهاب: يشبه أن يكون قول مالك: لا يجزئه، عبارة عن شدة الكراهية (٣). -------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢. (٢) «سنن أبي داود» (١٣٠)، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٨ (٢١١)، والطبراني ٢٤/ ٢٦٨ (٦٧٩)، وفي «الأوسط» ٣/ ٣٥ - ٣٦ (٢٣٨٩) من حديث الرُّبيِّع، وقال: لم يرو هذا الحديث عن سفيان إلا أبو داود. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٢١): إسناده حسن. (٣) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٦٢. ٨ - باب التَّسمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ ١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ». [٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦ - مسلم: ١٤٣٤ - فتح: ١/ ٢٤٢] حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثنَا جَرِير، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتَى أَهْلَه قَالَ: بِسْمِ اللهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات عن علي بن المديني أيضًا (١)، وفي التوحيد عن قتيبة، عن جرير (٢)؛ وفي صفة إبليس عن موسى بن إسماعيل. عن همام، وعن آدم، عن شعبة (٣)، وفي النكاح عن سعد بن حفص، عن شيبان، كلهم عن جرير به (٤)، وقال في عقب حديث آدم: وثنا الأعمش (٥). --------------------- (١) قلت: ما سيأتي في الدعوات برقم (٦٣٨٨) هو عن عثمان بن أبي شيبة، لا عن علي بن المديني، وكذا قال العيني في «عمدة القاري» ٢/ ٢٤٩. (٢) سيأتي برقم (٧٣٩٦) كتاب: التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله والاستعاذه بها. (٣) سيأتي برقم (٣٢٧١) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس، وبرقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس. (٤) سيأتي برقم (٥١٦٥) كتاب: النكاح، باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله. (٥) سيأتي برقم (٣٢٨٣) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده. وأخرجه مسلم في النكاح عن يحيى بن يحيى، وغيره عن جرير، ومن طريق الثوري وغيره عن منصور (١). لم يرفعه الأعمش ورفعه منصور، وأخرجه الأربعة (٢) أيضًا. ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا سالم بن أبي الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي التابعي، روى عن ابن عباس وابن عمر، وأرسل عن عمر وعائشة. قَالَ أحمد: لم يسمع من ثوبان ولم يلقه. وعنه منصور والأعمش، مات سنة مائة، وهو من الثقات لكنه يرسل ويدلس، وحديثه عن النعمان بن بشير، وعن جابر في البخاري ومسلم وأبي داود عن عبد الله بن عمرو، وابن عمر في البخاري، وعن علي في أبي داود والنسائي (٣). -------------------- (١) مسلم (١٤٣٤) كتاب: النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع. (٢) أبو داود (٢١٦١)، والترمذي (١٠٩٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٦٦)، وابن ماجه (١٩١٩). (٣) سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي. روى عن أنس بن مالك، روى عنه ابنه الحسن بن سالم بن أبي الجعد. قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، وأبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال سفيان عن منصور: قلت لإبراهيم: ما لسالم بن أبي الجعد أتم حديثًا منك؟ قال: لأنه كان يكتب. وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا مالك بن مغول أنه ذكر له عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يعطي، فعاتبته امرأته أم أبان، فقال: لأن أذهب بخير وأترككم بشر أحب إلي من أن أذهب بشر وأترككم بخير. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٩١، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٠٧ (٢١٣٢)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٢ (٥٣٨)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٨١ (٧٨٥)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ١٣٠ - ١٣٣ (٢١٤٢). وأما (منصور) فهو ابن المعتمر أبو عتاب السلمي من أئمة الكوفة. روى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وعنه شعبة والسفيانان وخلق. قَالَ: ما كتبت حديثًا قط. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١)، وقد سلف أيضًا في باب إثم من كذب عَلَى النبي - ﷺ -. ثالثها: هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا ابن المديني فإن مسلمًا وابن ماجه لم يخرجا له، ورواته ما بين مكي ومدني وكوفي ورازي وبصري. رابعها: (ما) هنا بمعنى: شيء، فإنها تكون لمن يعقل إِذَا كانت بمعنى الشيءكما نبه عليه ابن التين. ومعنى «لم يضره»: لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه جل وعز، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وأبعد من قَالَ إن المراد: لم يصرعه، وكذا قول من قَالَ: لم يطعن فيه عند ولادته. واختار الشيخ تقي الدين (القشيري) (٢) في «شرح العمدة» أن المراد: لم يضره في بدنه، وإن كان يحتمل الدين أيضًا، لكن يبعده انتفاء العصمة (٣). وقال الداودي: لم يضره بأن يفتنه بالكفر. ------------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٤٦ (١٤٩١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٧٧ - ١٧٩ (٧٧٨)، «الثقات» ٧/ ٤٧٣، «تهذيب الكمال» ٨/ ٥٤٦ - ٥٥٥ (٦٢٠١)، «جامع التحصيل» (٨٠٢)، «شذرات الذهب» ١/ ١٨٩. (٢) في (ج): الفربري، وهو خطأ. (٣) «إحكام الأحكام» ص ٥٨١. خامسها: في فوائده: وهو مطابق لقول الله تعالى حاكيًا عن أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. الأولى: استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الوقاع، واستحب الغزالي في «الإحياء» أن يقرأ بعد باسم الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، ويكبر ويهلل، ويقول: بسم الله العلي العظيم، اللَّهُمَّ اجعلها ذرية طيبة إن كنت قدرت ولدًا يخرج من صلبي، قَالَ: وإذا قرب الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك به شفتيك: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا (١). الثانية: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستشعار بأن الله تعالى هو الميسر لذلك العمل والمعين عليه. الثالثة: الحث عَلَى المحافظة عَلَى تسميته ودعائه في كل حال لم ينه الشرع عنه، حتَّى في حال ملاذ الإنسان، وأراد البخاري بذكره في هذا الباب مشروعية التسمية عند الوضوء، واستغنى عن حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»؛ لأنه ليس على شرطه وإن كثرت طرقه، وقد طعن فيه الحفاظ، واستدركوا عَلَى الحاكم تصحيحه بأنه انقلب عليه إسناده واشتبه (٢). --------------------- (١) انظر: «إحياء علوم الدين» ٢/ ٦٣. ويكتفي بما ورد في السنة لأنه هو المشروع. (٢) هذا شطر حديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». رواه أبو داود (١٠١)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٤١٨، والحاكم ١/ ١٤٦. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار، ولم يخرجاه. والبيهقي ١/ ٤٣. = وأصح ما في التسمية كما قَالَ البيهقي، واحتج به في «معرفته» حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - وضع يده في الإناء الذي فيه الماء وقال: «توضئوا بسم الله ..»، (١) الحديث؛ ويقرب منه حديث: «كل أمر بال لا يبدأ فيه بذكر الله -وفي لفظ: ببسم الله- فهو أجذم» (٢). -------------------- = واعترض المنذري على تصحيح الحاكم فقال: ليس كما قال، فإنهم رووه عن يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة. وقد قال البخاري وغيره: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه. انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠٠ (٢٠٣). وقال ابن حجر: رواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب أبي سلمة. وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي. ثم قال: قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي. وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة دينار يحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا. «تلخيص الحبير» ١/ ٧٢ - ٧٣. والحديث حسنه الألباني كما في «صحيح أبي داود» و«صحيح الترغيب» (٢٠٣). وللحديث شاهد عند الترمذي من طريق رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها. الحديث رواه الترمذي (٢٥). والبيهقي ١/ ٤٣. وقال الترمذي: وفي الباب: عن عائشة وأبي سعيد وأبي هريرة وسهل بن سعد وأنس وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد. قال إسحاق: إن ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأه. وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. وقال أبو عيسى: ورباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها، وأبوها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وقال المنذري: إن الأحاديث التي وردت فيها وإن كان لا يسلم شيء منها من مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة. والله أعلم. والحديث حسنه الألباني، انظر: «صحيح الترغيب» ١/ ٢٠١ (٢٠٤). (١) انظر: «معرفة السنن والآثار» ١/ ٢٦٦ (٥٩٢). ورواه النسائي ١/ ٦١ - ٦٢. وقال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح الإسناد. (٢) بنحوه في «مسند أحمد» ٢/ ٣٥٩، وانظر «إرواء الغليل» الحديث الأول. وحاصل ما في التسمية مذاهب: أحدها: أنها سنة وليست بواجبة، فلو تركها عمدًا صح وضوؤه، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن أحمد (١)، وعبارة ابن بطال: استحبها مالك وعامة أئمة أهل الفتوى، وذهب بعض من زعم أنه من أهل العلم إلى أنها فرض فيه (٢). ثانيها: أنها واجبة، (وهو) (٣) رواية عن أحمد (٤)، وقول أهل الظاهر (٥). ثالثها: أنها واجبة إن تركها عمدًا بطلت طهارته، وإن تركها سهوًا أو معتقدًا أنها غير واجبة لم تبطل طهارته، وهو قول إسحاق بن راهويه، كما حكاه الترمذي وغيره عنه (٦). رابعها: أنها ليست بمستحبة، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن مالك رواية أنها بدعة، وقال: ما سمعت بهذا؛ يريد: أن يذبح!! وفي رواية: أنها مباحة لا فضل في فعلها ولا في تركها (٧). -------------------- (١) انظر: «الهداية» ١/ ١٣، «عيون المجالس» ١/ ٩٦، «المجموع» ١/ ٣٨٧، «المغني» ١/ ١٤٥، ١٤٦، «عارضة الأحوذي» ١/ ٤٣. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠ - ٢٣١. (٣) في (ج): وهي. (٤) انظر: «المغني» ١/ ١٤٥. (٥) قلت: المنصوص عليه عند ابن حزم أن تسمية الله تعالى على الوضوء تستحب وإن لم يفعل فوضوؤه تام. انظر «المحلى» ٢/ ٤٩. (٦) «سنن الترمذي» ١/ ٣٨ وانظر: «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤)، و«المغني» ١/ ١٤٦، و«الإنصاف» ١/ ٢٧٧، و«مسائل أحمد برواية السجستاني» ص ١١٠. (٧) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٨٤. واحتج من أوجبها بالحديث الذي أسلفناه، ولأنها عبادة يبطلها الحدث فوجب في أولها نطق كالصلاة. واحتج من لم يوجبها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وبقوله: - ﷺ - «توضأ كما أمرك الله» (١). وأشباه ذَلِكَ من النصوص الواردة في بيان الوضوء، وليس فيها ذكر التسمية. والجواب عن الحديث من أوجه: أحسنها: ضعفه، قَالَ الإمام أحمد: لا أعلم في التسمية حديثًا ثابتًا (٢). ثانيها: أنه مقدر بنفي الكمال. ثالثها: أن المراد بالذكر النية، قاله ربيعة شيخ مالك وغيره، والجواب عن قياسهم من وجهين: --------------------- (١) هذا جزء من حديث رفاعة بن رافع، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ..» وفي رواية أخرى «فتوضأ كما أمرك الله ..» الحديث. رواه أبو داود (٨٥٧ - ٨٦١)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي ٢/ ١٩٣، ٢٢٥، ٢٢٦، وابن الجارود ١/ ١٨٢ - ١٨٣ (١٩٤)، وابن خزيمة ١/ ٢٧٤ (٥٤٥)، وابن حبان ٥/ ٨٨ - ٨٩ (١٧٨٧). والحاكم ١/ ٢٤١ - ٢٤٢. وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢٤٧). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٠٤): إسناده صحيح على شرط البخاري. (٢) انظر: «مسائل الإمام أحمد»رواية أبي داود السجستاني ص ١١، و«برواية الكوسج» ١/ ٩٩ (٨٤). أحدهما: أنه منتقض بالطواف، وأنه عبادة لا يجب في آخرها ذكر فلا يجب في أولها كالطواف، وفيه احتراز من سجود التلاوة والشكر. ثانيها: إنا نقلبه عليهم نقول: عبادة يبطلها الحدث فلم تجب التسمية في أولها كالصلاة. قال ابن بطال: وهذا الذي أوجبها عند الوضوء لا يوجبها عند غسل الجنابة والحيض، وهذا (مناقض) (١) لإجماع العلماء أن من اغتسل من الجنابة ولم يتوضأ وصلى، أن صلاته تامة (٢). الرابعة: الإشارة إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه من ظهر أبيه إلى رحم أمه إلى حين موته -أعاذنا الله منه- فهو يجري منه مجرى الدم (٣)، وعلى خيشومه إِذَا نام (٤)، وعلى قلبه إِذَا استيقظ، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس (٥)، ويضرب عَلَى قافية رأسه -------------------- (١) في الأصول: يناقض، والمثبت من «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣١. (٣) دل عليه حديث سيأتي برقم (٢٠٣٨ - ٢٠٣٩) كتاب: الاعتكاف، باب: زيارة المرأة زوجها مع اعتكافه. (٤) يشير إلى حديث (٣٢٩٥) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده. (٥) علقه البخاري قبل حديث (٤٩٧٧) كتاب: التفسير، باب: سورة الناس، ووصله الطبري في «تفسيره» ٣٠/ ٣٥٥، والحاجم في «المستدرك» ٢/ ٥٤١، كلاهما من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه الضياء في «المختارة» ١٠/ ١٧٥ (١٧٢) من طريق الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأورده السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ٧٧٢، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي والضياء في «المختارة». وقال الحافظ في «تغليق التعليق» ٤/ ٣٨١ - ٣٨٢ بعدما أورد طريق ابن جرير والحاكم: وكذا رواه عتبة، عن القاسم، عن الأعمش، عن حكيم بن جبير، وحكيم ضعيف الحديث. = إِذَا نام ثلاث عقد: عليك ليل طويل؛ وينحل بالذكر والوضوء والصلاة (١). الخامسة: فيه -كما قَالَ ابن بطال:- الحث على ذكر الله في كل وقت على حال طهارة وغيرها، ورد عَلَى من أنكر ذَلِكَ، وهو قول مروي عن ابن عمر، أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، وروي مثله عن أبي العالية والحسن، وروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله على حالين: عَلَى الخلاء، والرجل يواقع أهله (٢)، وهو قول عطاء، ومجاهد. قال مجاهد: يجتنب الملك الإنسان عند جماعه وعند غائطه (٣). قَالَ ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم (٤). قُلْتُ: لا، فإن المراد بإتيانه أهله إرادة ذَلِكَ، وحينئذ فليس خلاف قولهم، وكراهة الذكر عَلَى غير طهر؛ لأجل تعظيمه. --------------------- = وقد روي عن منصور، عن سعيد بن جبير وفي إسناده ضعف؛ ثم وصله من طريق منصور عن سعيد بن جبير به. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» أيضًا ٨/ ٧٤١: ورويناه في «الذكر» لجعفر بن أحمد بن فارس من وجه آخر عن ابن عباس، وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال. اهـ. وله شاهد من حديث أنج بن مالك مرفوعًا بنحوه رواه أبو يعلى في «مسنده» ٧/ ٢٧٩ وقال ابن كثير في «تفسيره» ١٤/ ٥٣٠: غريب. أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٦٨. والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٠٢ (٥٤٠)، وقال البوصيري في «الإتحاف» ٦/ ٣١٥: هذا إسناد ضعيف لبعض رواته، رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي. وضعف الحافظ في «الفتح» ٨/ ٧٤٢ إسناد أبي يعلى. (١) دل عليه حديث سيأتي برقم (١١٤٢) أبواب التهجد، باب: عقد الشيطان على قافية الرأس .. إلخ. (٢) روى ذلك الأثر ابن أبي شيبة ١/ ١٠٨ (١٢٢٠)، وابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤٠ (٢٩١). (٣) روى هذا الأثر ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ٣٤١. (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٠. فروع متعلقة بالجماع: لا يكره مستقبل القبلة ولا مستدبرها، لا في البنيان ولا في الصحراء، قاله النووي في «الروضة» (١) من زوائده. وقال الغزالي في «الإحياء»: لا يستقبل القبلة به إكرامًا لها، قَالَ: وليتغطيا بثوب قَالَ: وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة، وأن يزيد وينقص عَلَى حسب حاجتها في التحصين، فإن تحصينها واجب، وإن لم تثبت المطالبة بالوطء، قَالَ: ويكره الجماع في الليلة الأولى من الشهر والأخيرة منه وليلة نصفه، فيقال: إن الشيطان يحضر الجماع في هذِه الليالي (٢)، ويقال: إنه يجامع، قَالَ: وإذا قضى وطره فليمهل عليها حتَّى تقضي وطرها (٣). --------------------- (١) «روضة الطالبين» ١/ ٦٦. (٢) قلتُ: هذِه الكراهة حكم شرعي وليس عليه دليل شرعي من الكتاب والسنة فهي مردودة لقول الله -عز وجل- في سورة البقرة: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. [البقرة: ٢٢٣]. (٣) «الإحياء» ٢/ ٦٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#88 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 87 الى صـــ 106 الحلقة (88) ٩ - باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ ١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الَخلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّاد: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. [٦٣٢٢ - مسلم: ٣٧٥ - فتح: ١/ ٢٤٢] حَدَّثنَا آدَمُ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». تَابَعَهُ ابن عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ العَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في الدعوات أيضًا عن ابن عرعرة، عن شعبة (١)، وأخرجه مسلم هنا (٢) والأربعة (٣). والتعريف برواته سلف خلا سعيد (م. د. ت. ق) بن زيد وهو أبو الحسن (٤) أخو حماد بن زيد الجهضمي البصري. روى عن ابن جدعان وغيره، وعنه عارم ومسلم، واستشهد به البخاري، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه،(١) سيأتي برقم (٦٣٢٢) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الخلاء. (٢) «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء. (٣) أبو داود (٤، ٥)، الترمذي (٥، ٦)، النسائي ١/ ٢٠، ابن ماجه (٢٩٨). (٤) هكذا بالأصل والصواب: الحسم. وثقه ابن معين ولينه جماعة. (مات سنة سبع وستين ومائة قبل أخيه حماد) (١) (٢). وأما (موسى) فهو ابن إسماعيل التبوذكي البصري الحافظ الثقة الثبت، سلف في الوحي، ولما ذكره المزي في «تهذيبه» قَالَ: روى عن حماد بن زيد يقال: حديثًا واحدًا، وروى عن حماد بن سلمة تعليقًا (٣). وقال في آخر ترجمة حماد بن سلمة: وقال البخاري في «الصحيح»: وقال حماد: إِذَا أقر عند الحاكم رجم. يعني: الزاني (٤)، وروى لَهُ مسلم مقرونًا بغيره. الوجه الثاني: في ألفاظه ومعانيه: (كان) في قوله: (كان إِذَا دخل الخلاء) (دالة على) (٥) الملازمة والمداومة. ------------------------- (١) من (ج). (٢) سعيد بن زيد، قال عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: ليس به بأس، وكان يحيى بن سعيد لا يستمرئه. قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدًا ثم قال: قد حدثني وكلمته. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال البخاري: حدثنا مسلم قال: حدثنا سعيد بن زيد أبو الحسن صدوق، حافظ. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٧، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٢ (١٥٧٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٩٩ (٥٩٠)، «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٠٥ (٥٧٤)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٢١ (٨٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٤ (٢٢٧٦)، «تقريب التهذيب» (٢٣١٢). (٣) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٥). (٤) سيأتي قبل حديث (٧١٧٠) كتاب: الأحكام، باب: الشهادة تكون عند الحاكم. (٥) في (ج): كناية عن. ومعنى (إِذَا دخل): إِذَا أراده كما صرح به في رواية سعيد (١)، ويبعد أن يراد به ابتداء الدخول، وإن أبداه القشيري احتمالًا (٢)، فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك كالصحراء مثلًا، جاز ذكر الله تعالى في ذَلِكَ المكان، وإن كان معدًّا لذلك كالكنف ففي جواز الذكر فيه خلاف للمالكية، فمن كرهه أوَّل الدخولَ بمعنى: الإرادة؛ لأن لفظة (دخل) أقوى في الدلالة عَلَى الكنف المبنية منها عَلَى المكان البراح، أو لأنه قد بين في حديث آخر أن المراد حيث قَالَ - ﷺ -: «إن هذه الحشوش محتضرة -أي: للجان والشياطين- فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (٣). ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، وتحمل (دخل) على حقيقتها، وحديث: «إن هذِه الحشوش محتضرة». فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص. وقال ابن بطال: المعنى متقارب في قوله: (إِذَا دخل) وفي قوله: ---------------------- (١) علقه البخاري بعد حديث (١٤٢) في الوضوء، باب: ما يقول إذا دخل الخلاء، ووصله في «الأدب المفرد» (٦٩٢)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٥١). (٢) انظر: «إِحكام الأحكام» ص ٩٧. (٣) رواه أبو داود (٦)، وابن ماجه (٢٩٦)، وأحمد ٤/ ٣٦٩، ٣٧٣، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٣ - ٢٤ (٩٩٠٣ - ٩٩٠٦)، وابن خزيمة (٦٩)، والطبراني ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (٥٠٩٩ - ٥١٠٠)، والحاكم ١/ ١٨٧ بإسنادين عن زيد بن أرقم وقال: كلا الإسنادين من شرط الصحيح ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما اتفقا على حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بذكر الاستعاذة فقط، والبيهقي ١/ ٩٦، كلهم عن زيد بن أرقم، قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: إسناده صحيح على شرط البخاري. (إِذَا أراد أن يدخل)، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] والمراد: إِذَا أردت أن تقرأ، غير أن الاستعاذة بالله متصلة بالقراءة لا زمان بينهما، وكذا الاستعاذة بالله من الخبث والخبائث لمن أراد الدخول متصلة بالدخول، فلا يمنع من إتمامها في الخلاء مع أن رواية: (إِذَا أتى) أولى من رواية: (إِذَا أراد أن يدخل)؛ لأنها زيادة، فالأخذ بها أولى (١). قُلْتُ: في هذا نظر بل رواية (إِذَا أراد) مبينة لرواية (إِذَا أتى). الثالث: (الخلاء) -بفتح الخاء المعجمة وبالمد-: موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله: المكان الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتَّى تجوز به عن ذلك. وأما (الخلى) -بالقصر- فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن أيضًا، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، فإن كسرت الخاء مع المد فهو: عيب في الإبل كالحران في الخيل، وانتصب الخلاء عَلَى أنه مفعول به لا على الظرف. الرابع: «اللَّهُمَّ» الأفصح فيه استعماله بالألف واللام كما وقع في الحديث. و«أعوذ» معناه: أستجير وأعتصم. و«الخبث» بضم الخاء قطعًا، والباء مضمومة أيضًا، ويجوز الإسكان، وإن غلَّط الخطابي المحدثين (٢) فيه، فقد حكاه أبو عبيد --------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤. (٢) «إصلاح خطأ المحدثين» ص ٤٨ - ٤٩. القاسم بن سلام (وغيره) (١) (٢)، بل نقله القاضي عياض عن الأكثرين (٣)، لكن لا يسلم لَهُ ذَلِكَ بل الأكثر عَلَى الضم، وهو جمع خبيث. (والخبائث) جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وفيه أقوال أخر ذكرتها في «شرح العمدة» (٤) وأغربها أنه استعاذ من البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما، ولا يبعد الاستعاذة من الكفر والشياطين، وسائر الأخلاق الخبيثة والأفعال المذمومة، وإنما جاء بلفظ «الخبث» لمجانسة الخبائث. الخامس: الظاهر أن سيدنا رسول الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ؛ إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلا فهو - ﷺ - محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا عَلَى سارية من سواري المسجد (٥). وفيه: دليل عَلَى مراقبته لربه ومحافظته عَلَى ضبط أوقاته وحالاته واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه - ﷺ - كان إِذَا خرج من الخلاء قَالَ: «غفرانك» (٦) (٧) أي: سألت غفرانك عن حالة ---------------------- (١) من (س). (٢) «غريب الحديث» ١/ ٣١١. (٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٢٢٩. (٤) «الإعلام» ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤. (٥) سيأتي برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة، باب: الأسير أو الغريم يربط في المسجد، وبرقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة، باب: ما يجوز من العمل في الصلاة. وبرقم (٣٢٨٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده. وبرقم (٣٤٢٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾. وبرقم (٤٨٠٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. (٦) ورد بهامش (س) ما نصه: إشارة إلى حديث عائشة وهو: قول: كنا، وقد صح وذكر الحديث هو في أبي داود وابن ماجه وحسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو في «اليوم والليلة» للنسائي. (٧) رواه أبوداودبرقم (٣٠)، والترمذي برقم (٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب. = شغلتني عن ذكرك، فيختم بالذكر كما ابتدأ به. وآخر شيء أنت أول هجعه … وأول شيء أنت عند هبوبي وزاد أبو حاتم في أول الذكر: باسم الله (١)، فيستحب مع التعوذ أيضًا، وصيغة التعوذ: أعوذ بالله. وفي مسلم: «أعوذ بك» (٢)، وفي حديث بإسناد ضعيف: «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك» (٣)، والظاهر أنه - ﷺ - جهر بهذِه الاستعاذة. السادس: هذِه الاستعاذة مجمع عَلَى استحبابها، وسواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، وقبل مفارقته أيضًا لكن في «البيان» للعمراني من أصحابنا عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني أن ذكر الدخول مختص بالبنيان؛ لأن الموضع لم يصر مأوى الشياطين بعد، فلو نسي التعوذ ودخل فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر، وقد سلف في الباب قبله. ---------------------- = والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٤ (٩٩٠٧). وابن ماجه برقم (٣٠٠). وابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٤٨ (٩٠)، وابن حبان ٤/ ٢٩١ (١٤٤٤). والحاكم ١/ ١٥٨، والبيهقي ١/ ٩٧. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٣): صحيح. (١) انظر: «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٦٣ (١٦٧). عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم الخلاء يقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث ..» الحديث. ورواه ابن أبي شيبة ١/ ١١ (٥). والطبراني في «الدعاء» ٢/ ٩٥٩ (٣٥٦ - ٣٥٨). قال الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» ١/ ١٩٥ هذا حديث غريب من هذا الوجه. (٢) انظر: «صحيح مسلم» (٣٧٥) كتاب: الحيض، باب: ما يقول إذا أراد دخول الخلاء. (٣) رواه ابن ماجه (٢٩٩) وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٩) ضعيف. وقال ابن بطال: في الحديث جواز ذكر الله عَلَى الخلاء (١)؛ وليس كما ذكر إِذَا قلنا: إن المراد بالدخول إرادته. قَالَ: وهذا مما اختلف فيه الآثار، فروي عن النبي - ﷺ - أنه أقبل من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد -عليه السلام- حتى تيمم بالجدار، واختلف في ذلك أيضًا العلماء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله عند الخلاء، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي، وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه. وأجاز ذَلِكَ جماعة من العلماء، روى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله في المرحاض. وقال العرزمي: قُلْتُ للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء، أحمد الله؟ قَالَ: لا، حتَّى تخرج. فأتيت النخعي فسألته عن ذَلِكَ فقال لي: احمد الله. فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: إن الحمد يصعد ولا يهبط. وهو قول ابن سيرين ومالك. قال ابن بطال: وهذا الحديث حجة لمن أجاز ذَلِكَ. -قُلْتُ: قَدْ أسلفنا فيه نظرًا- قَالَ: وذكر البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد»، عن عطاء: الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به (٢)، وهو قول الحسن. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله. قَالَ البخاري: وقال طاوس في المنطقة تكون عَلَى الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته: لا بأس بذلك (٣). وقال إبراهيم: لا بد للناس من نفقاتهم. ------------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢. (٢) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٣ - ١٤٤ (٣٧٧). (٣) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٢). وأحب بعض التابعين أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله (١). قَالَ البخاري: وهذا من غير تحريم يصح (٢). وأما حديث بئر جمل فإنما هو عَلَى الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون عَلَى وضوء، قاله الطحاوي. وقال الطبري: إن ذَلِكَ منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم عَلَى بعض على الحدث وذلك نظير نهيه، وهم كذلك أن يحدث بعضهم بعضًا لقوله: «لا يتحدث المتغوطان عَلَى طوفهما -يعني: حاجتهما- فإن الله يمقت عَلَى ذَلِكَ» (٣). وروى أبو عبيدة الناجي، عن الحسن، عن البراء أنه سلم عَلَى النبي - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتَّى فرغ (٤). ------------------------ (١) «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣). (٢) انظر: «خلق أفعال العباد» ص ١٤٤ (٣٨٣)، «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٢ - ٢٣٤. (٣) رواه أبو داود (١٥). وابن ماجه (٣٤٢). وأحمد ٣/ ٣٦، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٠ (٣٢ - ٣٣)، وابن خزيمة ١/ ٣٩ (٧١)، وقال الألباني: «ضعيف ابن ماجه» (٧٦) ضعيف. (٤) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٥٣ (٧٧٠٦) وقال: لا يروى هذا الحديث عن البراء إلا بهذا الإسناد، تفرد به زيد بن الحباب. وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٢٧٦ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لم أعرفه. ١٠ - باب وَضعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ ١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محمد قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بنِ أَبى يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺدخَلَ الَخلَاءَ، فَوَضَعتُ لَهُ وَضُوءًا، قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». [انظر: ٧٥ - مسلم: ٢٤٧٧ - فتح: ١/ ٢٤٤] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ ثنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا؛ قَالَ: «مَنْ وَضَعَ هذا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بابن عباس، وهذا من الأحاديث التي صرح فيها بالسماع من رسول الله - ﷺ -. و(عبيد الله) (ع) بن أبي يزيد مكي من الموالي تابعي روى عن ابن عباس وجماعة، وعنه شعبة وجماعة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن ست وثمانين سنة (١). و(ورقاء) هو ابن عمر اليشكري أبو عمرو، روى عن عبيد الله هذا وغيره، وعنه الفريابي ويحيى بن آدم، صدوق صالح، وليس في الكتب الستة ورقاء غيره، وكذا ليس في الستة عبيد الله بن أبي يزيد غير الأول، ---------------------- (١) مولى آل قارظ بن شيبة الكناني. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال علي بن المديني، والعجلي وأبو زرعة والنسائي، ومحمد بن سعد وزاد: كثير الحديث. انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٨١، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠٣ (٣٦٩٧)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٧٨ (٣٦٦٧) «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٤٢ (١٠٤). نعم، في النسائي عبيد الله بن يزيد الطائفي، عن ابن عباس أيضًا. وعنه سعيد بن السائب وغيره، وثق (١). وأما هاشم (ع) بن القاسم فهو أبو النضر، ولقبه قيصر، الحافظ الثقة. روى عن عكرمة وغيره، وعنه أحمد والحارث بن أبي أسامة، وهو صاحب سنة، يفتخر به أهل بغداد، مات سنة سبع ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، وليس في الستة هاشم بن القاسم سواه (٢)، وفي ابن ماجه وحده هاشم بن القاسم الحرانى شيخه (٣)، ولا ثالث فيهما سواهما. ---------------------- (١) ورقاء بن عمر بن كليب، أبو بشر اليشكري وقيل: الشيباني. قال أبو داود: قال لي شعبة: عليك بورقاء فإنك لا تلقى بعده مثله حتى ترجع، فقيل لأبي داود: ما يعني بقوله؟ قال: أفضل وأورع وخير منه. وقال أبو حاتم: الرازي صالح. قال ابن حجر: لم يخرج له الشيخان من روايته عن منصور بن المعتمر شيئا، وهو محتج به عند الجميع. انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٥١٥ (٧٣٣٦)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٣٣ (٦٦٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤١٩ (١٥٧)، «إكمال تهذيب الكمال» ١٢/ ٢١٢ (٥٠١٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٤٤. (٢) هاشم بن القاسم، أبو النضر الليثي البغدادي، خراساني الأصل. قال الحارث: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. قاك عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: أبو النضر من الأبناء ثقة. وقال ابن حجر: ثقة ثبت. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٣٥ (٦٥٤٠)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٣٠ - ١٣٥ (٦٥٤٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٥٤٥ - ٥٤٩ (٢١٣)، «تقريب التهذيب» (٧٢٥٦). (٣) هاشم بن القاسم بن شيبة بن إسماعيل بن شيبة القرشي أبو محمد الحراني، مولى قريش. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كتب إليّ وإلى أبي ببعض حديثه، محله الصدق. وقال ابن حجر: صدوق تغير، سمع من يعلى بن الأشدق ذاك المتروك الذي ادعى = وعبد الله بن محمد هو المسندي ج سلف في باب: أمور الإيمان (١). فائدة: هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة (٢)؛ خلا شيخ البخاري فإنه من له ورجال الترمذي فقط. ---------------------- = أنه لقى الصحابة. انظر: «الثقات» ٩/ ٣٤٢، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ١٢٩ (٦٥٣٩)، «الكاشف» ٢/ ٣٣٢ (٥٩٣٠)، «تقريب التهذيب» ص ٥٧٠ (٧٢٥٥). (١) جاء سنده في باب: أمور الإيمان حديث رقم (٩). (٢) شروط الأئمة الستة: ١ - شرط البخاري ومسلم: أ- أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلات بين الثقات الأثبات. ب- ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع. ج- فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه. د- إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة مثل حماد بن سلمة وسهيل بن أبي صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهم. فلما تكُلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم معتمدًا عليهم تخريجًا وأخرج مسلم أحاديثهم بجزالة. ٢ - وأما أبو داود فمن بعده فإن كتبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري ومسلم. القسم الثاني: صحيح على شرطهم؛ حكى أبو عبد الله بن منده أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال، ويكون هذا القسم من الصحيح. القسم الثالث: أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها = الوجه الثاني: الخلاء ممدود كما سلف في الباب قبله. و(الوضوء) بفتح الواو كما سلف أول الوضوء. الثالث: في فوائده: الأولى: جواز الاستنجاء بالماء، فإن من المعلوم أن وضع الماء عند الخلاء إنما هو للاستنجاء به عند الحدث، وهو راد عَلَى من أنكر الاستنجاء به، وقال: إنما ذَلِكَ وضوء النساء، وقال: إنما كانوا يتمسحون بالحجارة. ونقل ابن التين في «شرحه» عن مالك أنه - ﷺ - لم يستنج عمره بالماء. وهو عجيب منه. وقد عقد البخاري قريبًا بابًا للاستنجاء به، وذكر فيه أنه - ﷺ - استنجى به، وسنوضح الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى (١)، وفي «صحيح ابن حبان» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - خرج من غائط قط إلا مس ماءً (٢). وفي «جامع الترمذي» من حديثها أيضًا أنها قالت: مرن أزواجكن ------------------------- = لا قطعًا منهم بصحتها وربما أبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة. ٣ - وأمَّا أبو عيسى الترمذي فكتابه وحده على أربعة أقسام: ١ - قسم صحيح مقطوع به وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا. ٢ - وقسم على شرط الثلاثة دونهما؛ يقصد أبا داود والنسائي وابن ماجه. ٣ - قسم أخرجه للضدية وأبان عن علته ولم يغفله. ٤ - وقسم رابع أبان هو عنه؛ فقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء. اهـ. انظر «شروط الأئمة الستة» للسلفي ص ١٠ - ١٣. (١) سيأتي برقم (١٥٠)، باب: الاستنجاء بالماء. (٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٤٤١). أن يغتسلوا إثر الغائط والبول، فإنه - ﷺ - كان يفعله (١). ثم قَالَ: هذا حديث حسن صحيح. وفي «صحيح ابن حبان» أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قضى حاجته (٢)، ثمَّ استنجى من تور. وفي كتاب ابن بطال أن مالكًا روى في «موطئه» عن عمر: أنه كان يتوضأ بالماء وضوءًا لما تحت إزاره. قَالَ مالك: يريد الاستنجاء بالماء (٣). الثانية: خدمة العالم ومراعاته حتَّى حال دخوله الخلاء والتقرب بخدمته. الثالثة: الدعاء مكافأة لمن منه إحسان أو معروف، فإنه - ﷺ - سر بابن عباس بتنبهه إلى ذَلِكَ. وقال الداودي: فيه دلالة عَلَى أنه ربما لا يستنجي عندما يأتي الخلاء؛ لئلا يكون ذَلِكَ سنة، لأنه لم يأمر بوضع الماء، قد اتبعه عمر بالماء فقال: «لو استنجيت كلما أتيت الخلاء لكان سنة» (٤) وفيما ذكره نظر، وما استشهد به حديث ضعيف (٥). ----------------------- (١) «سنن الترمذي» (١٩). وأحمد ٦/ ٩٥، والنسائي في «الكبرى» ١/ ٧٣. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح. (٢) «صحيح ابن حبان» ٤/ ٢٥١ (١٤٠٥). ورواه أبو داود (٤٥). وابن ماجه (٣٥٨). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ١/ ٧٧ (٣٥): حسن. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٢، وانظر: «موطأ مالك» ١/ ٢٢ (٤٧). (٤) لم أقف عليه. (٥) ورد بهامش (س) ما نصه: آخر الجزء الخامس من الجزء الثاني من تجزئة المصنف. ١١ - باب لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَهُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ ١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». [٣٩٤ - مسلم: ٢٦٤ - فتح: ١/ ٢٤٥] حَدَّثنَا آدَمُ ثنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ ثنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». الكلام عليه من أوجه: أحدها: في التعريف برواته. أما أبو أيوب فهو خالد (ع) بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدرًا والمشاهد، والعقبة الثانية، وعليه نزل رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة شهرًا، وهو من نجباء الصحابة، له مائة وخمسون حديثًا، اتفقا منها عَلَى سبعة. وانفرد البخاري بحديث: وفد عَلَيَّ ابن عباس البصرة فقال: إني أخرج عن مسكني كما خرجت لرسول الله - ﷺ -، فأعطاه ما أغلق عليه، ولما قفل أعطاه عشرين ألفًا وأربعين عبدًا (١)، ومناقبه جمة. ولما مرض قَالَ: احملوني فإذا صففتم العدو فارموني تحت ------------------------ (١) رواه الطبراني ٤/ ١٢٥ (٣٨٧٦)، والحاكم ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٣، وقال: رجال الإسناد رجال الصحيح إلا أن حبيب بن ثابت لم يسمع من أبي أيوب. أرجلكم (١)؛ فقبره مع سور القسطنطينة يتبرك به ويستشفي (٢). مات سنة ---------------------- (١) رواه ابن سعد ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٢، والطبراني ٤/ ١١٨ (٣٨٤٧). (٢) قلت: هذا الكلام مردود شرعًا عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه من البدع الدخيلة على دين الله، فإن زيارة القبور بنية التبرك هي زيارة بدعية شركية. قال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» ص ٤٠٠ - ٤٠١: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ: (زرنا) في زيارة قبور الأنبياء والصالحين على استعمال لفظ زيارة القبور في الزيارة البدعية الشركية لا في الزيارة الشرعية. ولم يثبت عن النبي - ﷺ - حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك شيئًا، لا أهل الصحيح ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني، وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة». و: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». و: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» ونحو هذِه الأحاديث؛ كلها مكذوبة موضوعة لكن النبي - ﷺ - رخص في زيارة القبور مطلقًا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في «الصحيح» أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، وفي «الصحيح» عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» فهذِه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك. اهـ. وزاد رحمه الله في «مجموع الفتاوى» ١١/ ١١٥: فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملًا بمعصية الله فهو غالط؛ وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره، وتقبيل الأرض عنده، ونحو ذلك يحصل له السعادة، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله؛ وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له، ويدخله الجنة بمجرد محبته، وانتسابه إليه، فهذِه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب والسنة، فهو من أحوال المشركين، وأهل البدع. باطل لا يجوز اعتقاده ولا اعتماده. والله -سبحانه وتعالى- أعلم. اهـ. هذا في حق التبرك بقبور الأنبياء والصالحين. أما عن الاستشفاء الذي ذكره = خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل غير ذَلِكَ (١). فائدة: أبو أيوب في الصحابة ثلاثة: هذا أجلهم، وثانيهم: يماني له رواية (٢)، وثالثهم: روى عن علي بن مسهر، عن الأوزاعي، عن أبيه، عن أبي أيوب فلعله الأول (٣). ثانية: (أيوب) يشتبه بأثوب -بالمثلثة- بن عتبة صحابي، ذكره ابن قانع والمديني (٤). والحارث بن أثوب تابعي كذا قاله عبد الغني، والصواب: ثوب بوزن صوغ، وأثوب بن أزهر زوج قيلة بنت مخرمة الصحابية (٥). --------------------- = المصنف غفر الله له فهذا شرك أكبر. قال في «فتح المجيد» ص ١٩٦ - ١٩٧: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله، كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر، فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر، وقد كان في زمن النبي - ﷺ - منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وكره - ﷺ - أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدًّا لذرائع الشرك، وأدبًا وتواضعًا لربه، وتحذيزًا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي - ﷺ - في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، وتطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله، وإذا كان هذا لا يجوز في حقه - ﷺ - فغيره من باب أولى. ------------------------ (١) انظر ترجمته: في «معرفة الصحابة» ٢/ ٩٣٣ - ٩٣٨ (٧٩٩)، «الاستيعاب» ٢/ ٩ - ١١ (٦١٨)، «أسد الغابة» ٢/ ٩٤ - ٩٦ (١٣٦١)، و«الإصابة» ١/ ٤٠٥ (٢١٦٣). (٢) كذا في الأصل وها (اليماني) وما في المصادر أبو أيوب (اليمامي). «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٧٨٦٨)، «الإنابة» ٢/ ٢٦٢ (١١٣٥)، و«الإصابة» ٤/ ١٢ (٧٨). (٣) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٦/ ٢٦ (٥٧٠٩). (٤) «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٥٩ (٥٥). (٥) انظر: «الإكمال» ١/ ١١٧، «تهذيب مستمر الأوهام» ص ٨٣. وأما (عطاء) فهو أبو يزيد عطاء (ع) بن يزيد الليثي ثمَّ الجندعي المديني ويقال: الشامي التابعي، سمع أبا أيوب وغيره. وعنه الزهري وغيره، مات سنة سبع، وقيل: خمس ومائة عن اثنتين وثمانين سنة (١). وأما (الزهري) فهو الإمام محمد بن مسلم، سلف قريبًا. وأما (ابن أبي ذئب) فهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني العامري، روى عن نافع وخلق. وعنه ابن المبارك وخلق، وكان كبير الشأن. ولد سنة ثمانين، ومات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (٢). وأما (آدم) فقد سلف. فائدة: [هذا الإسناد على شرط الستة إلا الأخير فإنه من رجال البخاري وباقي السنن خلا أبي داود. فائدة ثانية] (٣): هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد دخل (آدم) إليها أيضًا. ---------------------- (١) هو أبو محمد. قال علي بن المديني: سكن الرملة، وكان ثقة. وقال النسائي: عطاء بن يزيد، أبو زيد شامي ثقة وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٥٩ (٢٩٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٨ (١٢٤٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٦)، «الثقات» ٥/ ٢٠٠، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١٢٣ (٣٩٤٥). (٢) محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة. ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة وقال: كان ثقة قليل الحديث. وقال النسائي: ثقة. انظر: «الطبقات» ٥/ ٢٠٩، «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٥ (٤٣٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٣ (١٦٩٩)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٩٨ (٥٣٩٤)، «الكاشف» ٢/ ١٩٤ (٥٠٠١). (٣) ما بين المعقوفين سقط من (ج). الوجه الثاني: الحديث ليس مطابقًا لما بوب له، بل راويه فهم عموم النهي في الصحراء والبنيان، فإنه قَالَ: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها، ونستغفر الله -عز وجل-. ذكره في باب: قبلة أهل المدينة (١) كما سيأتي إن شاء الله تعالى. لا جرم تعقبه الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي أورده دلالة عَلَى الاستثناء الذي ذكره، إلا أن يريد أن في نفس الخبر الذهاب إلى الغائط، وذلك في التبرز في الصحراء. وأجاب ابن بطال عن ذَلِكَ فقال: هذا الاستثناء ليس مأخوذًا من الحديث ولكن لما علم في حديث ابن عمر استثناء البيوت بوب عليه؛ لأن حديثه - ﷺ - كله كأنه شيء واحد، وإن اختلف طرقه، كما أن القرآن كله كالآية الواحدة وإن كثر. وتبعه ابن التين في «شرحه» وزاد: فإن البخاري عقبه به، وهو جواب حسن (٢). الوجه الثالث: (الغائط): المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة، ثمَّ استعمل للخارج وغلب عَلَى الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية، لكن لا يقصد به إلا الخارج من الدبر فقط لتفرقته في الحديث الآخر بينهما في قوله: «لغائط (أو) (٣) بول» (٤)، وقد يقصد به ما يخرج من القبل أيضًا، فإن الحكم عام. --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٩٤) كتاب: الصلاة. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٦. (٣) في الأصل: (ولا)، والمثبت من (ج). (٤) رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. الوجه الرابع: في أحكامه: وهو دال عَلَى المنع من استقبال القبلة واستدبارها. وحاصل ما للعلماء في ذَلِكَ أربعة مذاهب: أحدها: المنع المطلق في البنيان والصحراء، وهو قول أبي أيوب الأنصاري راوي الحديث وجماعة منهم: أحمد في رواية، وحكاه ابن التين في «شرحه» عن أبي حنيفة، وهؤلاء حملوا النهي عَلَى العموم، وجعلوا العلة فيه التعظيم والاحترام للقبلة، فإن موضعها الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، وهو معنى مناسب ورد النهي عَلَى وفقه فيكون علة له (١). وقد روي: في حديث ضعيف التعليل به، فلا فرق فيه بين البنيان والصحراء، ولو كان الحائل كافيًا في جوازه في البنيان لكان في الصحراء من الجبال والأودية ما هو أكفي، وورد من قول الشعبي أنه علل ذَلِكَ بأن لله خلقًا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم وينبني عَلَى العلتين ما إِذَا كان بالصحراء وتستَّر بشيء. المذهب الثاني: أنهما جائزان مطلقًا، وهو قول عروة بن الزبير، وربيعة الرأي، وداود (٢). ورأى هؤلاء أن حديث أبي أيوب منسوخ، وزعموا أن ناسخه حديث مجاهد، عن جابر. نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة أو نستدبرها ببول، ثمَّ رأيته قبل أن يقبض بعام -------------------- (١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٠، «عيون المجالس» ١/ ١٢٥، «المغني» ١/ ٢٢٠ - ٢٢١. (٢) انظر: «المحلى» ١/ ١٩٤، «عيون المجالس» ١/ ١٢٦. يستقبلها (١)، حسنه الترمذي مع الغرابة، وصححه البخاري وغيره، واستدلالهم بالنسخ ضعيف (٢)؛ لأنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع -------------------- (١) رواه أبوداود (١٣)، والترمذي (٩)، وابن ماجه (٣٢٥) قال الترمذي: حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٩). (٢) قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله في «مختصر سنن أبي داود» ١/ ٢٢ - ٢٣ بعد قول الحافظ زكي الدين: (وقال الترمذي: حديث غريب): وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح. وقد أعل ابن حزم حديث جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول. قال ابن مفوز: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث. وهو أبان بن صالح بن عمير، أبو محمد القرشي، مولى لهم، المكي، روى عنه ابن جريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر، استشهد بروايته البخاري في «صحيحه» عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والنسائي. وأما الحديث فإنه أنفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام، فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح، أو ينسخ به السنن الثابتة مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه معرض. تم كلامه. وهو -لو صح- حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟ فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عراك عن عائشة: ذكر عند رسول الله - ﷺ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال رسول الله - ﷺ -: «أو قد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة؟». فالجواب: أن هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب: «العلل» عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها. وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده. خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة، أنها كانت تنكر ذلك. فبين أن الحديث لعراك عن عروة، ولم وهو ممكن كما ستعلمه. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#89 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 107 الى صـــ 126 الحلقة (89) المذهب الثالث: أنه لا يجوز الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، ويرده حديث أبي أيوب هذا (١). الرابع: وهو قول الجمهور، وبه قَالَ مالك والشافعي وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الصحراء دون البنيان، وهو مروي عن العباس وابن عمر (٢)، ورأى هؤلاء الجمع بين الأحاديث ورد النسخ، إذ لا يصار إليه إلا بالتصريح به أو بمعرفة تاريخه، والجمع ولو من وجه أولى إذ في تركه إلغاء للبعض، واستدلوا بحديث ابن عمر الآتي عَلَى الأثر وبأحاديث أخر، ولما في المنع في البنيان من المشقة والتكلف لترك القبلة بخلاف الصحراء، ويتعلق بالمسألة فروع محل الخوض فيها كتب الفروع وقد ----------------------- = يرفعه، ولا يجاوز به عائشة. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك. مع صحة الأحاديث عن النبي - ﷺ - وشهرتها بخلاف ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «المراسيل» عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله، وذكر حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة عن النبي - ﷺ - هذا الحديث فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ماله ولعائشة؟ إنما يرويه عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، قال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، وليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت. فإن قيل: قد روى مسلم في «صحيحه» حديثًا عن عراك عن عائشة، قيل: الجواب: أن أحمد وغيره خالفه في ذلك، وبينوا أنه لم يسمع منها. (١) انظر: «الهداية» ١/ ٧٠. (٢) انظر: «المحلى» ١/ ١٩٤، «عيون المجالس» ١٢٦/ ١. بسطناها فيها، فلا حاجة إلى التطويل بها؛ لئلا نخرج عن موضوع الشرح. وقوله - ﷺ -: «شرقوا أو غربوا» هو خطاب لأهل المدينة ومن في معناهم كأهل الشام واليمن وغيرهم ممن قبلته عَلَى هذا السمت، فأما من كانت قبلته من جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامن أو يتشأم. قَالَ الداودي: واحتج قوم في أمر القبلة بهذا الحديث وقالوا: إن ما بين المشرق والمغرب مما يحاذي الكعبة أنه يصلي (إليه) (١) من جهتين ولا يشرق ولا يغرب، وقد أسلفنا أن الحديث ليس مطلقًا بل محمول عَلَى قوم، واستنبط ابن التين من الحديث منع استقبال النيرين في حالة الغائط والبول وقال: إن الحديث يدل له. وكأنه قاسه عَلَى استقبال القبلة وليس الإلحاق بظاهر. ------------------------ (١) في (ج): إليها. ١٢ - باب مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَين ١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يحيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ غمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الَمقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الَمقْدِسِ لَحِاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. [١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢ - مسلم ٢٦٦ - فتح: ٢٤٦/ ١] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَي بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ (القوم) (١) الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي والله. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برواته غير من سلف. أما واسع (ع) فهو ابن حبَّان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- الأنصاري النجاري المازني الثقة، والد حبان بن واسع بن حبان. روى عن ابن عمر وغيره، وعنه ابنه حبان، وابن أخيه محمد بن --------------------- (١) فوقها في الأصل علامة أنها نسخة. يحيى بن حبان، وحَبَّان نسبة لعدة أسماء ذكرتهم في مقدمات هذا الشرح (١). وأما الراوي عنه فهو أبو عبد الله المازني الفقيه الثقة محمد (ع) بن يحيى بن حبان، كان صاحب حلقة بالمدينة، روى عن أبيه، وعمه واسع، وأنس، وعنه الزهري وربيعة، ومالك، مات سنة إحدى وعشرين ومائة (٢). وباقي الإسناد سلف. فائدة: هذا الإسناد كله عَلَى شرط الشيخين وباقي الستة إلا عبد الله بن يوسف فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي، وكلهم مدنيون سواه، فإنه مصري تنيسي بكسر المثناة فوق. وفي هذا الإسناد طرفة أخرى وهي رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: يحيى بن سعيد، ومحمد بن يحيى، وواسع بن حبان. ---------------------- (١) واسع بن حبان بن منقذ بن عمرو بن مالك. قال عنه أبو زرعة: مدني ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال العجلي: ثقة، وكذا قال: الذهبي. انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٠ (٢٦٥٥)، «معرفة الثقات» ٣٣٨/ ٢ (١٩٢٥)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٣٩٦ (٦٦٦٠)، «الكاشف» ٢/ ٣٤٦ (٦٠٢٦). (٢) محمد بن يحيى بن حبان أبو عبد الله المازني الفقية. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم والنسائي: ثقة. ذكره ابن حبان في كتاب «الثقات»، وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد الرسول، وكان يفتي وكان ثقة، كثير الحديث. انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٦٥ (٨٤٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٢٢ (٥٤٩)، «الثقات» ٥/ ٣٧٦، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٦٠٥ (٥٦٨١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٨٦ (٦٦). الوجه الثاني: هذا الاطلاع من ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن تجسسًا وإنما كان اتفاقيًّا من غير قصد، ولم ير إلا أعاليه فقط، ويحتمل كما أبداه القاضي أن يكون عن قصد التعلم مع أمنه من الاطلاع عَلَى ما لا يجوز الاطلاع عليه (١)، لكن قد يبعده رواية البخاري الآتية قريبًا: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي (٢). ويجمع بين قوله: (بيت لنا) و(بيت حفصة) بأن بيت حفصة بيته، أو بأنه كان لها بيت في بيت عمر يعرف بها أو صار إليها بعد. الثالث: قوله: (فرأيته عَلَى لَبِنَتَيْنِ): يحتمل كما قَالَ القاضي أن يكونا مبنيتين فيكون حجة لمن قَالَ: إنه لا يكلف الانحراف في الكنف المبنية إلى القبلة، خلافًا لما ذهب إليه أبو أيوب كما سلف في الحديث قبله. وفي رواية صحيحة لابن حزم: رأيته يقضي حاجته محجر عليه باللبن (٣). وفي رواية للبزار: رأيته في كنيف مستقبل القبلة. ثم قَالَ: لا نعلم رواها عن نافع إلا عيسى الحناط (٤)، وهو ضعيف (٥). ------------------------ (١) انظر: «إكمال المعلم» ٢/ ٧٣. (٢) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت. (٣) «المحلي» ١/ ١٩٥. (٤) ورد بهامش (س) تعليق نصه: عيسى حناط وخيَّاط وصباغ الخَبَط. (٥) «مسند البزار» ١٢/ ٢٠٨ (٥٨٩٣)، ورواه ابن ماجه (٣٢٣) قال الحافظ البوصيري في «مصباح الزجاجة» ١/ ٤٧: إسناده ضعيف لضعف عيسى الحناط. وقال الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٦٧) ضعيف جدًّا. الرابع: قوله: (فرأيته مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ) كذا هنا، وسيأتي قريبًا مستقبل الشام مستدبر القبلة (١). ووقع في «صحيح ابن حبان»: مستقبل القبلة مستدبر الشام؛ وكأنه. مقلوب (٢). الخامس: اختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث، فمنهم من رأه ناسخًا لحديث أبي أيوب السالف (٣)، واعتقد الإباحة مطلقًا، وقاس الاستقبال عَلَى الاستدبار، وطرح حكم تخصيصه بالبنيان، ورأى أنه وصف مُلْغَى الاعتبار فيه، ومنهم من رأى العمل بحديث أبي أيوب وما في معناه واعتقد هذا خاصًّا بالنبي - ﷺ -؛ ومنهم من جمع بينهما وأعملهما كما سلف في الحديث قبله، ومنهم من توقف في المسألة، ولمن خصه بالشارع أن يستدل بأن نظر ابن عمر كان اتفاقيًّا كما سلف، وكذا جلوسه - ﷺ - من غير (قصد) (٤) لبيان حكم؛ لأنه لو كان ذَلِكَ حكمًا عامًّا لبينه بالقول كغيره من الأحكام، فلما لم يقع ذَلِكَ دل عَلَى الخصوص، وفيه بحث. السادس: يؤخذ منه تتبع أحواله كلها - ﷺ - ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعية. --------------------- (١) سيأتي برقم (١٤٨) كتاب: الوضوء، باب: التبرز في البيوت. (٢) «صحبح ابن حبان» ٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (١٤١٨). (٣) سلف برقم (١٤٤) باب: لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء، جدار .. (٤) بياض في (س)، والمثبت من (ج). السابع: جواز استقبال القبلة في البنيان وأنه (مخصص) (١) لعموم النهي وقد سلف (٢). الثامن: استعمال الكناية بالحاجة عن البول والغائط، وجواز الإخبار عن مثل ذَلِكَ للاقتداء والعمل. التاسع: من استقبل بيت المقدس، وهو بالمدينة فقد استدبر الكعبة، وقد أسلفنا أنه جاء في رواية أخرى: مستقبل الشام مستدبر القبلة. قَالَ الخطابي: وقد يتوهم السامع من قول ابن عمر: (أن ناسًا يقولون .. إلى آخره) أنه يريد إنكار ما روي في النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة نسخًا لما حكاه من رؤيته - ﷺ - يقضي حاجته مستدبر القبلة وليس الأمر في ذَلِكَ عَلَى ما يتوهم؛ لأن المشهور من مذهبه أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء ويجيزهما في البنيان، وإنما أنكر قول من يزعم أن الاستقبال في البنيان غير جائز، ولذلك مثل بما شاهد من قعوده في الأبنية، ويشبه أن يكون بلغه قول أبي أيوب، فإنه كان يرى عموم النهي كما سلف، وإليه كان مذهب سفيان الثوري (٣). --------------------- (١) بياض في (س)، والمثبت من (ج). (٢) سلف برقم (١٤٤). (٣) «أعلام الحديث» ١/ ٢٤١. العاشر: جاء في «مسند الإمام أحمد»، و«سنن أبي داود»، وابن ماجه من حديث معقل بن أبي معقل الأسدي - رضي الله عنه - قَالَ: نهى رسول الله - ﷺ - أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط (١). سكت عليه أبو داود وضعفه ابن حزم، وأجاب أصحابنا عنه بجوابين: (أحدهما) (٢): أنه نهى عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهى عن الكعبة حين صارت قبلة فجمع الراوي بينهما. (وثانيهما) (٣): أنه المراد بالنهي أهل المدينة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة وإن استدبره استقبلها، والمراد بالنهي عن استقبالها النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها، وفي كل من التأويلين نظر كما نبه عليه النووي في «شرح المهذب». والظاهر المختار أن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة دون حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل (٤)، وقد صرح أصحابنا بعدم الحرمة وأنه يكره، لهذا قَالَ: وإنما حملنا النهي على التنزيه للإجماع فلا نعلم من يُعَتدُّ به حرَّمه. ---------------------- (١) «سنن أبي داود» (١٠)، «سنن ابن ماجه» (٣١٩)، «مسند أحمد» ٤/ ٢١٠. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» ٩/ ١١ (٢): منكر، وأبو زيد ليس بالمعروف، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٦٦): ضعيف. (٢) من (س). (٣) من (س). (٤) انظر: «المجموع» ٢/ ٩٥. قُلْتُ: قد حكى ابن أبي الدم (١) الشافعي وجهًا أن النهي للتحريم، فأين الإجماع؟ وقال ابن بطال: لم يقل بحديث معقل السالف أحد من الفقهاء إلا النخعي وابن سيرين ومجاهد، فإنهم كرهوا استقبال القبلتين واستدبارهما ببول أو غائط، وهؤلاء غاب عنهم حديث ابن عمر، وهو يدل عَلَى أن النهي إنما أريد به الصحراء لا البيوت، وقال أحمد: حديث ابن عمر ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس واستدباره بغائط وبول، والدليل عَلَى هذا ما روى مروان الأصفر عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس، ثمَّ جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قَالَ: إنما نهي عن هذا في الفضاء، وأما إِذَا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (٢). ------------------------- (١) هو العلامة شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن علي بن أبي الدم الحموي الشافعي. حدث بمصر ودمشق وحماة «بجزء الغطريف». وولي القضاء بحماة وترسل عن ملكها وصنف «أدب القضاة» و«مشكل الوسيط» وجمع تاريخًا وألف في الفرق الإسلامية، وغير ذلك، وله نظم جيد وفضائل وشهرة. توفي في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وله ستون سنة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ١٢٥ - ١٢٦ (٩٦)، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٣٣ - ٣٤ (٢٤٦٥)، «طبقات الشافعية» للسبكي ٥/ ٤٧، «طبقات الشافعية» للإسنوي ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧ (٥٠٤)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢١٣. (٢) حديث ابن عمر رواه أبو داود (١١)، وابن خزيمة ١/ ٣٥ (٦٠)، والحاكم ١/ ١٥٤، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨): إسناده حسن. انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٣٧. الحادي عشر: في قوله: (إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: كذا) دلالة على أن الصحابة كانوا يختلفون في معاني السنن وكان كل واحد منهم يستعمل ما سمع عَلَى عمومه، فمن هنا وقع بينهم الاختلاف. الثاني عشر: قوله: (لَعَلَّكَ مِنَ الذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) قد فسره مالك كما سلف، فيؤخذ منه اشتراط ارتفاع الأسافل عَلَى الأعالي وهو الأصح عندنا (١). ------------------------ (١) ورد بهامش (س) تعليق نصه: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه غفر الله له. ١٣ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ ١٤٦ - حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الَمنَاصِعِ -وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -زَوْجُ النَّبيِّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ اَمْرَأةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الِحجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الِحجَابِ. [١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ١/ ٢٤٨] ١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكنَّ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: البَرَازَ. [انظر: ١٤٦ - مسلم: ٢١٧٠ - فتح: ١/ ٢٤٩] حَدَّثنَا يَحْيَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبيِّ - ﷺ - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ -وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ النبي - ﷺ - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ -زَوْجُ النَّبيِّ - ﷺ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آية الحِجَابِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا. ثانيها: معنى (تبرزن): خرجن إلى البراز للبول والغائط. و(المناصع): المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، واحدها منصع قَالَ الزبيدي والأزهري: أراها مواضع خارج المدينة (١). وقال الداودي: هي التي يؤتى ذَلِكَ فيها فيضع الإنسان ويذهب عنه فعل ذَلِكَ. وعبارة ابن الجوزي في «غريبه» ومن خطه نقلت: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، وكان صعيدًا أفيح خارج المدينة يقال لَهُ: المناصع (٢). وهو بمعنى ما سلف. و(الصعيد): وجه الأرض. و(الأفيح): المتسع، ودارًا فيحاء: واسعة (٣). و(البراز) في ترجمة البخاري بفتح الباء وهو لغة -ما برز من الأرض واتسع، كنى به عن الحدث كما كنى بالغائط وهو المطمئن من الأرض. وفي «سنن أبي داود»، وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «اتقوا الملاعن الثلاث» (٤)، وعُدَّ منها البراز في الموارد، قَالَ الخطابي: هو بفتح الباء وغلط من رواه بكسرها (٥)، ولا يسلم له. ----------------------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٥٨٦، مادة: (نصع). (٢) «غريب الحديث» ٢/ ٤١٢. (٣) انظر: «أعلام الحديث» ١/ ٢٤٣. (٤) رواه مسلم (٢٦٩) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن التخلي في الطرق والظلال، وأبي داود (٢٥)، وأحمد ٢/ ٣٧٢، وأبو عوانة ١/ ١٦٦ (٤٨٦)، وابن حبان ٤/ ٢٦٢ (١٤١٥)، والحاكم ١/ ١٨٥ - ١٨٦، والبيهقي ١/ ٩٧ كلهم عن أبي هريرة بلفظ: «اتقوا اللاعنين» عدا أبي عوانة فلفظه: «اجتنبوا ..» أمَّا لفظ المصنف: «اتقوا الملاعن الثلاث» فقد روي مرفوعًا عن معاذ بن جبل عند أبي داود برقم (٢٦)، وابن ماجه برقم (٣٢٨) وفي الباب عن ابن عباس رواه أحمد ١/ ٢٩٩. (٥) «غريب الحديث» ١/ ١٠٧، «لسان العرب» ١/ ٢٥٥. مادة: (برز). الوجه الثالث: في فوائده: الأولى: مراجعة الأدنى للأعلى في الشيء المتبين. الثانية: فضل المراجعة إِذَا لم يقصد بها التعنت؛ فإنه قد تبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٩] الآية، كان سبب المراجعة. الثالثة: فضل عمر، فإن الله أيد به الدين، وهذِه إحدى ما وافق فيها ربه. وثانيها: في قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. وثالثها: قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى. وهذِه الثلاثة ثابتة في الصحيح كما ستعلمه في الصلاة (١). ورابعها: موافقته في أسرى بدر (٢). خامسها: في منع الصلاة عَلَى المنافقين. وهاتان في «صحيح مسلم» (٣). سادسها: موافقته في آية المؤمنين؛ روينا في «مسند أبي داود الطيالسي» من حديث علي بن زيد: وافقت ربي لما نزلت ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت (٤). ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها. (٢) يشير المصنف إلى ما كان سببًا في نزول قول الله -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فقد رواه الحاكم ٢/ ٣٢٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صحيح على شرط مسلم. (٣) مسلم (٢٣٩٩، ٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر - رضي الله عنه. (٤) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٤٦ - ٤٧ (٤١). قلت: والحديث أصله في الصحيحين = سابعها: موافقته في تحريم الخمر، كما ستعلمه إن شاء الله في موضعه (١). ثامنها: موافقته في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]. ذكره الزمخشري (٢)، وقال ابن العربي: قدمنا في الكتاب الكبير أنه وافق ربه تعالى تلاوة ومعنى في أحد عشر موضعًا، وهذا من النفائس (٣). وفي «جامع الترمذي» مصححًا عن ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال عمر فيه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قَالَ عمر (٤). الرابعة: كلام الرجال مع النساء في الطريق. الخامسة: جواز وعظ الإنسان أمه في البر؛ لأن سودة من أمهات المؤمنين. ---------------------- = من حديث أنس عن عمر دون ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] عند البخاري برقم (٤٠٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة، ومسلم (٢٣٩٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر. (١) يشير المصنف إلى حديث عمر بن الخطاب: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فقد رواه أبوداود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي ٨/ ٢٨٦، وأحمد ١/ ٥٣، والحاكم ٢/ ٢٧٨، والبيهقي ٨/ ٢٨٥. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». (٢) «الكشاف» ١/ ٨٤. (٣) «عارضة الأحوذي» ١٣/ ١٤٢ - ١٤٣. (٤) رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٣٦). السادسة: جواز الإغلاظ في القول والعتاب إِذَا كان قصده الخير، فإن عمر قَالَ: قد عرفناك يا سودة؛ وكان شديد الغيرة لاسيما في أمهات المؤمنين. السابعة: التزام النصيحة لله ولرسوله في قول عمر: احجب نساءك. وكان - ﷺ - يعلم أن حجبهن خير من غيره، لكنه كان يترقب الوحي، بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار بذلك، وكان عدمه من عادة العرب. قَالَ القاضي عياض: والحجاب الذي خص به أمهات المؤمنين هو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذَلِكَ لشهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخصهن إِذَا خرجن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وزينب عمل لها قبة لما توفيت قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (١). فائدة: كان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة. وقال أبو عبيدة: في الثالثة. وقال ابن إسحاق: بعد أم سلمة. وعند ابن سعد: في الرابعة في ذي القعدة؛ وذلك لما تزوج زينب بنت أولم عليها، وأكل جماعة وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله - ﷺ - ولم يخرجوا وعاد فلم يخرجوا فنزلت آية الحجاب (٢). ----------------------- (١) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٧/ ٥٧. (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ١٧٤. الثامنة: جواز تصرف النساء في ما بهن حاجة إليه. ثم قال البخاري رحمه- الله: حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ ثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَدْ أُذِنَ أَنْ (١) تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ». قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي: البَرَازَ. أما رجاله فسلف التعريف بهم. وأما فقهه فخروجهن إلى البراز ومثله ما بهن حاجة إليه وقد أمرن بالخروج إلى العيدين كما سيأتي (٢). و(الْبَرَازَ) بفتح الباء كما سلف. قَالَ الداودي: وقوله: «قَدْ أُذَنَ أَنْ تَخْرُجْنَ» دال على أنه لم يرد هنا حجاب البيوت -فإن ذَلِكَ وجه آخر- إنما أراد أن يستنزن بالجلباب حتَّى لا يبدو منهن إلا العين. قالت عائشة: كنا نتأذى بالكنف وكنا نخرج إلى المناصع (٣). ------------------------ (١) في الهامش كتب: (لكن) ورمز فوقها أنها نسخة. (٢) سيأتي برقم (٩٧٤) كتاب: العيدين، باب: خروج النساء والحيض إلى المصُلى، ومسلم (٨٩٠) كتاب: صلاة العيدين. (٣) سيأتي برقم (٤١٤١) كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك. ١٤ - باب التَّبُّرزِ فِي البُيُوتِ ١٤٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ. [انظر: ١٤٥ - مسلم: ٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٥٠] - باب ١٤٩ - حَدَّثَنَا يعقوب بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يِحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ. [انظر: ١٤٥ - مسلم ٢٦٦ - فتح: ١/ ٢٥٠] حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْييَ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ. حَدَّثنَا (١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْييَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْييَ بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ. ------------------------ (١) كتب في هامش الأصل قبالة هذِه الكلمة (باب) وأشار إلى أنها نسخة. [قلت: أثبتت في المتن بين معقوفتين]. هذا الحديث بطريقيه سلف الكلام عليه قريبًا (١). وكذا رجاله خلا أنس (ع) بن عياض (٢) وهو ليثي مدني ثقة عالم. روى عن ربيعة (وعدة) (٣). وعنه أحمد وأمم. مات سنة مائتين عن ست وتسعين سنة، وهو من الأفراد، وليس في الكتب الستة أنس بن عياض سواه، وكنيته أبو ضمرة. وعبيد الله (ع) هو أبو عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري الفقيه. روى عن أبيه والقاسم وسالم وعدة. ويقال: إنه أدرك أم خالد بنت خالد. وعنه خلق آخرهم عبد الرزاق. مات سنة سبع وأربعين ومائة (٤). ويزيد (ع) بن هارون هو الحافظ المتقن أحد الأعلام السلمي. وعنه الذهلي وخلق. ----------------------- (١) سلف برقم (١٤٥) كتاب: الوضوء، باب: من تبرز على لبنتين. (٢) أنس بن عياض بن ضمرة. قال عباس الدوري، عن يحيى: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن يحيى: صويلح، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به.، وقال ابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٣ (١٥٩١)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٨٩ (١٠٥٥)، «الثقات» ٦/ ٧٦، «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٤٩ (٥٦٧)، «تقريب التهذيب» (٥٦٤). (٣) في (ج): وغيره. (٤) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال يحيى بن معين: عبيد الله بن عمر من الثقات. قال أحمد بن صالح: عبيد الله بن عمر أحب إلي من مالك في حديث نافع. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٩٥ (١٢٧٣)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١٣ (١١٦٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢٦ (١٥٤٥)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٠٤ (١٢٩)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٢٤ (٣٦٦٨). كان يصلي الضحى ست عشرة ركعة؛ وقد عمي. مات سنة ست ومائتين بواسط عن ثمان وثمانين سنة، وليس في الستة مشارك له في اسمه واسم أبيه (١). ----------------------- (١) يزيد بن هارون بن زاذي ويقال: ابن زاذان، قال إسحاق بن منصورِ، عن يحيى بن معين: ثقة. قال علي بن المديني: هو من الثقات، وقال في موضع آخر: ما رأيت رجلًا قط أحفظ من يزيد بن هارون. وقال أبو حاتم: ثقة، إمام صدوق، لا يسأل عن مثله. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣١٤، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٦٨ (٣٣٥٤)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٦٨ (٢٠٣٩)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٦١ (٧٠٦١). ١٥ - باب: الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الَملِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ -وَاسْمُهُ عطًاءُ بْنُ أَبِي مَيْمونَةَ- قَالَ: سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُول: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لَحِاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلام مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ. [١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٥٠] حَدَّثنَا أَبُو الوَليدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ -وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِي: يَسْتَنْجِي بِهِ. الكلام عليه من أوجه: ولنقدم عليها أن الاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع. وقيل: من الارتفاع. وقيل: من طلب النجاة، وهو الخلاص، حكاها القاضي عياض في «تنبيهاته». الأول: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء (خ. م. د. س. ق) بن أبي ميمونة وهو بصري تابعي مولى أنس، وقيل مولى عمران بن حصين مات بعد الثلاثين ومائة، وكان يرى القدر (١). --------------------- (١) عطاء بن أبي ميمونة واسمه منيع البصري. قال أبو حاتم: صالح لا يحتج بحديثه، وكان قدريًا، قال أبو أحمد بن عدي: ومن يروي عنه يكنيه بأبي معاذ، وفي أحاديثه بعض ما ينكر عليه. قال البخاري: قال يحيى القطان: مات بعد الطاعون. وقال ابن حجر: احتج به الجماعة سوى الترمذي وليس له في البخاري سوى حديثه عن أنس في الاستنجاء. = ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#90 |
|
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (4) من صـــ 127 الى صـــ 146 الحلقة (90) ومن طُرف هذا الإسناد أنهم كلهم بصريون، وكلهم من فرسان الصحيحين وباقي الستة إلا عطاء (فلم) (١) يخرج له الترمذي. الثاني: في بيان ألفاظه: (الغلام) هو الذي طرَّ شاربه. وقيل: هو من حين يولد إلى أن يشب، وقد أوضحته بمتعلقاته في «شرح العمدة» (٢) فراجعه منه. و(الإداوة) بكسر الهمزة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة (٣) ونحوها، والجمع: أداوى، قَالَ الجوهري: الإداوة: المِطْهَرَة، والجمع: الأداوى (٤). و(الحاجة) هنا: الغائط أو البول. وهذا الغلام من الأنصار كما سيأتي (٥). الثالث: في فوائده: الأولى: خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك (٦)، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة. الثانية: استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إِذَا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل هذا فيحصل الشرف لهم بذلك. ------------------- = انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦٩ (٣٠١٢)، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ١١٧ (٣٩٤٢)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٢٥. (١) في (ج): فإنه لم. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٧٥. (٣) «لسان العرب» ٤/ ٢٠٠٦. مادة: (أدا). (٤) «الصحاح» ٦/ ٢٢٦٦. (٥) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء. (٦) خدمة الصالحين مندوبة، أما التبرك بذلك فهو من خصوصية النبي - ﷺ - حال حياته دون موته، وسيأتي الكلام على ذلك باستفاضة في تعليقنا على حديث (١٩٤). وقد صرح الروياني (١) من أصحابنا بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير، ليخدم من يتعلم منه، وخالف صاحب «العدة» فقال: ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه؛ لأن ذَلِكَ هبة لمنافعه فأشبه إعارة ماله (٢)، وأوله النووي في «الروضة» فقال: هذا محمول عَلَى خدمة تقابل بأجرة، أما ما كان محتقرًا لا يقابل بها فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه، إِذَا لم يضر بالصبي (٣). وقال غيره من المتأخرين: ينبغي تقييد المنع بما إِذَا انتفت المصلحة، أما إِذَا وجدت كما لو قَالَ لولده الصغير: اخدم هذا الرجل في كذا؛ ليتمرن عَلَى التواضع ومكارم الأخلاق فلا منع منه، وهو حسن بالغ (٤). الثالثة: التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذَلِكَ من فعله - ﷺ -. الرابعة: جواز الاستعانة في أسباب الوضوء. الخامسة: جواز الاستنجاء بالماء كما ترجم عليه البخاري (٥). واعترضه الأصيلي فقال: استدلاله به ليس بالبين؛ لأن قوله: (يستنجي به) ليس من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، (لم يذكر يستنجي به، كما ------------------ (١) تقدمت ترجمته في حديث رقم (١). (٢) انظر «أسنى المطالب» ٢/ ٣٢٥، «الفتاوى الهندية» ٤/ ٣٧٢، و«مغني المحتاج» ٢/ ٢٦٥. (٣) «روضة الطالبين» ٤/ ٤٢٦. (٤) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٨٢ - ٤٨٣. (٥) سيأتي برقم (١٥٠) كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالماء. سيأتي (١)، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة (٢): قد تابع أبا الوليد النضر وشاذان، عن شعبة) (٣) وقالا: يستنجى بالماء. قَالَ: وتواترت الآثار عن أبي هريرة (٤) وأسامة وغيرهما من الصحابة عَلَى الحجارة (٥). وقال ابن التين في «شرحه» مثله، وزاد عن أبي ------------------- (١) سيأتي برقم (١٥١) كتاب: الوضوء، باب: من حمل معه الماء لطهوره. (٢) المهلب بن أحمد بن أبي صفرة أسيد بن عبد الله الأسدي الأندلسي المربي مصنف «شرح صحيح البخاري». وكان أحد الأئمة الفصحاء، الموصوفين بالذكاء. أخذ عن أبي محمد الأصيلي، وفي الرحلة عن أبي الحسن القابسي، وأبي الحسن علي بن بندار القزويني، وأبي ذر الحافظ. روى عنه أبو عمر بن الحذاء، ووصفه بقوة الفهم وبراعة الذهن. وحدث عنه أيضًا أبو عبد الله بن عابد وحاتم بن محمد. ولي قضاء المرية، توفي في شوال سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٧٩ (٣٨٤)، «الوافي بالوفيات» ٢٦/ ١٨٧، «كشف الظنون» ١/ ٥٤٥، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، «معجم المؤلفين» ٣/ ٩٢٧، «شجرة النور الزكية» ١/ ١١٤ (٣١١). (٣) ما بين القوسين ساقط من (ج). (٤) حديث أبي هريرة: رواه أبو داود (٨)، والنسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ١/ ٣٤٣ (٨٤٦). قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٦): إسناده حسن، وقال في «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٥٢): حسن صحيح. وحديث أسامة لم أقف عليه. (٥) وغيرهم مثل: سلمان: رواه مسلم (٢٦٢) كتاب: الطهارة، باب: الاستطابة. وعائشة: رواه أبو داود (٤٠)، والنسائي ١/ ٤١ - ٤٢، وأحمد ٦/ ١٠٨، والدارمي ١/ ٥٣٠ - ٥٣١ (٦٩٧)، والدارقطني ١/ ٥٤، والبيهقي ١/ ١٠٣، قال الدارقطني: إسناده صحيح. وقال النووي في «المجموع» ٢/ ٩٣. صحيح وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حديث حسن، وخزيمة بن ثابت: = عبد الملك أنه قول أبي معاذ الراوي، عن أنس. قَالَ: وذلك لأنه لم يصح أنه - ﷺ - استنجى بالماء. وكذا نُقل عن أحمد أنه لم يصح به حديث؛ وأقول: قد ذكر البخاري من غير طريق أبي الوليد: (يستنجي بالماء) كما سيأتي بعد من طريق غندر (١) والنضر (٢) وشاذان (٣). وذكره أيضًا في باب غسل البول من غير طريقه بلفظ: كان - ﷺ - إِذَا تبرز لحاجته أتيته بماء فتغسَّل به (٤). وسيأتي في لفظ لمسلم: دخل حائطًا وتبعه غلام معه ميضأة فوضعها عند رأسه، فقضى رسول الله - ﷺ -، فخرج علينا وقد استنجى بالماء (٥). وسلف قريبًا حديث ابن عباس في وضعه الماء له ودعائه - ﷺ - له (٦)، وترجم عليه: وضع الماء عند الخلاء. وذكرنا هناك جملة من الأحاديث الصحيحة فيه. وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث إبراهيم بن جرير، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - دخل الغيضة فقضى حاجته، فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى -------------------- = رواه أبو داود (٤١)، وابن ماجه (٣١٥)، وأحمد ٥/ ٢١٣ - ٢١٥. قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٣٢): حديث حسن أو صحيح، وهذِه الأحاديث كلها على أن الاستنجاء بثلاثة أحجار. (١) متابعة غندر ستأتي برقم (١٥٢) كتاب: الوضوء، باب: حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء. (٢) متابعة النضر رواها النسائي ١/ ٤٢. (٣) متابعة شاذان ستأتي برقم (٥٠٠) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة إلى العنزة. (٤) سيأتي برقم (٢١٧) كتاب: الوضوء، باب: ما جاء في غسل البول. (٥) «صحيح مسلم» (٢٧٠) كتاب: الطهارة، باب: الاستنجاء بالماء من التبرز، من حديث أنس. (٦) سبق برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء. بها، ومسح يده بالتراب (١). وفي «صحيح مسلم» لما عد الفطرة عشرة عد منها انتقاص الماء (٢)، وفُسِّر بالاستنجاء. وزعم ابن بطال أن حذيفة بن اليمان (٣) وسعيد بن المسيب (٤) كرها الاستنجاء بالماء، وكان المهاجرون يستحبون الاستنجاء بالأحجار، والأنصار بالماء (٥). وفي «المصنف» أيضًا عن سعد بن أبي وقاص، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، ومجمع بن يزيد، وعروة بن الزبير، والحسن بن أبي الحسن، وعطاء؛ شيء من ذَلِكَ، والإجماع قاضٍ على قولهم، وكذا امتنان البارئ ﷻ في كتابه بالتطهير به؛ ولأنه أبلغ في إزالة العين (٦). --------------------- (١) انظر: «صحيح خزيمة» ١/ ٤٧ (٨٩) كتاب: الوضوء، باب: جماع أبواب الاستنجاء بالماء. (٢) انظر: «صحيح مسلم» (٢٦١) كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٥). (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٣٧). (٥) «شرح ابن بطال»١/ ٢٤١. (٦) الآثار عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومجمع بن يزيد وعروة بن الزبير والحسن بن أبي الحسن وعطاء إلى «المصنف» خطأ لأنني لم أقف عليها في المطبوع من «مصنف ابن أبي شيبة»، وما وقفت عليه هو أثر عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٤٢ (١٦٤١). أمَّا غير ذلك مما ذكره المصنف فلا. والذي وقفت عليه أن بطال نقل في «شرحه على الصحيح» ١/ ٢٤١ أن المهاجرين كانوا يستنجون بالأحجار، وأنكر الاستنجاء بالماء سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير، وسعيد بن المسيب وقال: إنما ذلك وضوء النساء. وكان الحسن لا يغسل بالماء، وقال عطاء: غسل الدبر محدث. أهـ. وفي «شرح الموطأ» لابن حبيب: حَدَّثنَا أسد بن موسى وغيره عن السدي بن يحيى، عن أبان بن أبي عياش أنه - ﷺ - قَالَ؟ «استنجوا بالماء، فإنه أطهر وأطيب»، وأبان هذا متروك. وأجيب عن قول سعيد بن المسيب وقد سُئِلَ عن الاستنجاء بالماء أنه وضوء النساء (١)، وأنه لعل ذَلِكَ في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في إنكاره بهذِه الصيغة لتمنعه من الغلو، وحمله ابن نافع (٢) عَلَى أنه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بينه وبين الأحجار، حكاه الباجي عنه (٣). ---------------- (١) رواه مالك في «موطئه» ص ٤٧ برواية يحيى. (٢) هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، حديثه مخرج في الكتب الستة سوى «صحيح البخاري»، وهو من موالي بني مخزوم، ولد سنة نيف وعشرين ومائة. حدَّث عن: محمد بن عبد الله بن حسن الذي قام بالمدينة وقُتِل، وأسامة بن زيد الليثي، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وسليمان بن يزيد الكعبي صاحب أنس، وكثير بن عبد الله بن عوف، وداود بن قيس الفراء، وخلق سواهم. حدَّث عنه: محمد بن عبد الله بن نمير، وأحمد بن صالح، وسحنون بن سعيد، وسلمة بن شبيب، والحسن بن علي الخلال، وغيرهم. وليس هو بالمتوسع في الحديث جدًّا، بل كان بارعًا في الفقه. وثقه ابن معين، وقال البخاري: يعرف حفظه وينكر وكتابه أصح. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب. وقال ابن سعد: كان قد لزم مالكًا لزومًا شديدًا. ثم قال: وهو دون معن، قال: وتوفي في شهر رمضان سنة ست ومائتين. انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٣٨، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٣ (٦٨٧) وفيه (الصانع) بدل (الصائغ)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨٣ - ١٨٤ (٨٥٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٧١ - ٣٧٤ (٩٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥، «شجرة النور الزكية» ١/ ٥٥ (٤). (٣) انظر: «المنتقى» ١/ ٧٣. قَالَ القاضي: والعلة عند سعيد كونه وضوء النساء، معناه: أن الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر. قَالَ الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم؛ فلهذا كره الاستنجاء به سعيد وموافقوه؛ وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة (١). وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء (٢). وحكاه القاضي أبو الطيب (٣)، عن الزيدية والشيعة (٤)، وغيرهما، ------------------- (١) انظر: «معالم السنن» ١/ ٢٥. (٢) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ٣٣، «المنتقى» ١/ ٧٣. (٣) الإمام العلامة، شيخ الإسلام، القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، الطبري الشافعي، فقيه بغداد. ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بآمل. سمع من أبي أحمد بن الغطريف، والدارقطني، وموسى بن عرفة، وعلي بن عمر السُكري، والمعافي الحريري، واستوطن بغداد، ودرس وأفتى وأفاد، وولي قضاء رُبع الكرخ بعد القاضي الصيمري. قال الخطيب: كان شيخنا أبو الطيب ورعًا، عاقلًا، عارفًا بالأصول والفروع، محققًا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلقت عنه الفقه سنين. حدَّث عنه: الخطيب، وأبو إسحاق، وابن بكران، وأبو محمد بن الأبنوسي، وأحمد بن الحسن الشيرازي. قال الخطيب: مات صحيح العقل ثابت الفهم في ربغ الأول سنة خمسين وأربعمائة وله مائة وسنتان، رحمه الله. انظر: ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٣٥٨ - ٣٦٠، «الأنساب» ٨/ ٢٠٧، «المنتظم» ٨/ ١٩٨، «اللباب» ٢/ ٢٧٤، «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٦٦٨ - ٦٧١ (٤٥٩)، «شذرات الذهب» ٣/ ٢٨٤، ٢٨٥. (٤) الشيعة: لغة: هم أنصار الرجل وأتباعه وكل قوم اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة، وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو شيعة، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة. اصطلاحًا: الشيعة اسم لكل من فضل عليًّا على الخلفاء الراشدين قبله - رضي الله عنهم - = والسنة قاضية عليهم، استعمل الشارع وأبو هريرة الأحجار (وهو معه) (١) ومعه إداوة من ماء. ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولًا ثمَّ يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار عَلَى أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها (٢). الفائدة السادسة: اتخاذ آنية الوضوء كالإداوة ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف. --------------------- - جميعًا -ورأى أن أهل البيت أحق بالخلافه، وأن خلافة غيرهم باطلة. الزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي وهم من حيث اعتقادهم انقسموا إلى قسمين: ١ - المتقدمون منهم: المتبعون لأقوال زيد وهؤلاء لا يعدون من الرافضة، ويعترفون بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ٢ - المتأخرون منهم: وهؤلاء يعدون من الرافضة، وهم يرفضون إمامة الشيخين ويسبونهما ويكفرون من يرى خلافتهما. اهـ. وقد استقر الاصطلاح في العصر الحديث إلى أن المقصود بالشيعة هم الرافضة مطلقًا. انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٦١، «تاج العروس» ٥/ ٤٠٥، «تاريخ المذاهب الإسلامية» ١/ ٥٢ لأبي زهرة، «فرق معاصرة تنتسب للإسلام» ١/ ٣٠٦، ٣٣٤، ٣٣٦ للدكتور/ غالب بن علي عواجي. (١) من (س). (٢) انظر: «الإعلام» ١/ ٤٨٧. ١٦ - باب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوسَادِ؟ ١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أبي مُعَاذٍ -هُوَ عَطَاءُ بْنُ أبي مَيْمُونَةَ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لَحِاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءِ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ١/ ٢٥١] (وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِب النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوِسَادِ؟): يعني به عبد الله بن مسعود وأراد بذلك الثناء عليه والمدح له والشرف بخدمته -عليه السلام -. قال البخاري: حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ عَطَاء .. الحديث كما سلف إلى قوله (وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ ماءٍ). وقد سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١)، إلا سليمان بن حرب، وقد أسلفنا ترجمته في الإيمان (٢). ومن طُرف إسناده أنهم كلهم بصريون. وفي هذِه الرواية بيان أن الغلام من الأنصار؛ لقوله: (وغلام منَّا)، وكذا أخرجه الإسماعيلي في «صحيحه» قَالَ: وروي (فأتبعه) (٣) وأنا غلام. والصحيح: أنا وغلام. --------------------- (١) انظر الحديث السابق. (٢) تقدمت ترجمته في المقدمة. (٣) ورد بهامش (س) ما نصه: لعله (فاتبعته). ١٧ - باب حَفلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ ١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمُّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أبَى مَيمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الَخلَاءَ، فَأَحْمِلُ أنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالَمْاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ. العَنَزَةُ عَصَا عَلَيْهِ زُجٌّ. [انظر: ١٥٠ - مسلم ٢٧١ - فتح: ا/ ٢٥٢] حَدَثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ. هذا الحديث سلف الكلام عليه قريبًا سندًا ومتنًا (١). ومحمد (ع) بن بشار سلف في الإيمان (٢)، ولقبه بندار؛ لأنه كان مكثرًا من الحديث، والبندار: (من) (٣) يكون مكثرًا من شيء يشتريه منه من هو دونه ثم يبيعه، قاله أبو سعد السمعاني (٤). و(محمد) (ع) بن جعفر هو غندر، وقد سلف (٥). و(النضر) (ع) هو ابن شميل بن خرشة أبو الحسن المازني البصري الحافظ اللغوي عالم أهل مرو وقاضيها، كان أول من أظهر السنة بمرو بخراسان، ألف كتبًا لم يسبق إليها، روى عن شعبة وغيره، وعنه محمود بن غيلان وغيره. مات آخر سنة ثلاث أو أربع ومائتين، عن --------------------- (١) انظر الحديث السابق برقم (١٥٠). (٢) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٦٩). (٣) في (ج): أن. (٤) «الأنساب» ٢/ ٣١١. (٥) تقدمت ترجمته في حديث رقم (٣٤). نيف وثمانين سنة (١). و(شاذان) (ع) لقب الأسود بن عامر الشامي البغدادي أبو عبد الرحمن، روى عن شعبة وخلق. وعنه الدارمي وخلق. مات سنة ثماني ومائتين وقيل: سنة سبع (٢). فائدة: شاذان أيضًا لقب عبد العزيز بن عثمان بن جبلة الأزدي (٣) مولاهم المروزي، أخرج لَهُ البخاري والنسائي، وهو والد خلف بن شاذان (٤). فائدة ثانية: هذا الإسناد كلهم بصريون إلا شاذان فبغدادي. -------------------- (١) سبقت ترجمته حديث رقم (٢٧). (٢) الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي. قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: أسود بن عامر ثقة قلت: ثقة. وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: لا بأس به. قال أبو حاتم عن علي بن المديني: ثقة. قال محمد بن سعد: كان صالح الحديث. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٣٦، «التاريخ الكبير» ١/ ٤٤٨ (١٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٢٦ (٥٠٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ١١٢ (١٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٠. (٣) تحرفت في الأصل إلى (الأودي)؛ يراجع «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢. (٤) عبد العزيز بن عثمان بن جبلة بن أبي رؤاد الأزدي، أبو الفضل المروزي. ذكره أبو حاتم بن حبان في «الثقات»، وقال: مولده سنة خمس وأربعين ومائة ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين، وقيل: سنة خمس وعشرين ومئتين وقال أبو نصر الكلاباذي: ولد في المحرم سنة ثمان وأربعين ومائة بعد عبدان بثلاث سنين، ومات في المحرم سنة تسع وعثرين ومائتين بعد عبدان بثمان سنين روى له البخاري والنسائي. انظر: «الثقات» ٨/ ٣٩٥، «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢ (٣٤٦٣) «الكاشف» ١/ ٦٥٧ (٣٤٠٣)، «تقريب التهذيب» ص ٣٥٨ (٤١١٢). وقوله: (تابعه النضر وشاذان، عن شعبة) يعني: على لفظ (يستنجي به) وهذِه المتابعة أخرجها (١). و(العنزة) -بفتح العين والنون والزاي- عصا في أسلفها زج، وهل هي قصيرة أو طويلة فيه اضطراب لأهل اللغة، صحح الأول القاضي عياض (٢)، والثاني النووي في «شرحه» (٣)، وجزم القرطبي في باب: من قدم من سفر، بأنها عصا مثل نصف الرمح أو أكثر وفيها زج، ونقله عن أبي عبيد. وفي «غريب ابن الجوزي»: أنها مثل الحربة (٤). قَالَ الثعالبي: فإن طالت شيئًا فهي النيزك ومطرد، فإذا زاد طولها وفيها سنان عريض فهي آلة وحربة. وقال ابن التين: العنزة: أطول من العصا وأقصر من الرمح، وفيه زج كزج الرمح، وعبارة الداودي: العنزة: العكاز أو الرمح أو الحربة أو نحوها يكون في أسفلها زج أو قرن. فائدة: هذِه العنزة أهداها له النجاشي - رضي الله عنه -، وكان - ﷺ - يستصحبها معه ليصلي إليها في الفضاء، قيل: وليتقي بها كيد المنافقين واليهود، فإنهم كانوا يرومون قتله واغتياله بكل حالة، ومن أجل هذا اتخذ الأمراء المشي أمامهم بها. ---------------------- (١) ورد بهامش (س) تعليق ما نصه: ينظر من له حديث المتابعة، أخرج متابعة النصر النسائي ومتابعة شاذان أخرجها البخاري في الصلاة. (٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٩٢. (٣) «شرح النووي على مسلم» ٣/ ١٦٣. (٤) «غريب الحديث» ٢/ ١٣٠. وذكر بعض شراح «المصابيح» أن لها فوائد: دفع العدو، واتقاء السبع، ونبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة؛ خشية الرشاش، وتعليق الأمتعة بها، والتوكؤ عليها، والسترة بها في الصلاة، وفيها مآرب أخرى. ويبعد أن يكون يستتر بها في قضاء الحاجة، وإن كان في تبويب البخاري ما قد يوهمه، فإن ضابط السترة ما يستر الأسافل (١). ---------------------- (١) انظر: «الإعلام بفوائد الأحكام» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١. ١٨ - باب النَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِيِن ١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يحيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَاَ أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِه». [١٥٤، ٥٦٣٠ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٣] حدثنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، ثنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَسْتَوَائِيُّ- عَنْ يَحْييَ بْنِ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ». الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث قد ذكره بعد، وفي الأشربة أيضًا (١)، وأخرجه مسلم (٢) أيضًا وباقي الجماعة، وفي «صحيح ابن خزيمة» التصريح لإخبار ابن أبي قتادة عن أبيه، وصح اتصاله وارتفع توهم من توهم تدليس يحيى فيه (٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما (أبو قتادة) فهو الحارث وقيل: النعمان وقيل: عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلِمة -بكسر اللام- السلَمي -بفتحها، ويجوز في لغة كسرها- المدني فارس -------------------- (١) سيأتي برقم (٥٦٣٠) كتاب: الأشربة، باب: النهي عن التنفس في الإناء. (٢) مسلم (٢٦٧) كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين. (٣) «سنن أبي داود» (٣)، «سنن الترمذي» (١٥)، «سنن النسائي» ١/ ٢٥، «سنن ابن ماجه» (٣١٠)، وانظر: «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٤٣ (٧٩). رسول الله - ﷺ - شهد أحدًا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا. روي له مائة حديث وسبعون حديثًا، انفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثمانية، واتففا عَلَى أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة وقيل: بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقول عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهذِه الكنية سواه (١). وأما ولده عبد الله (ع) فهو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وسبعين (٢). وأما (معاذ بن فضالة) فهو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره. وعنه البخاري وغيره (٣). وباقي رجاله سلف التعريف به. الوجه الثالث: التنفس هنا خروج النفس من الفم يقال: تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، (وذوات) (٤) الماء لا رئات لها كما قاله الجوهري (٥). ------------------------ (١) انظر ترجمته في: «معجم ابن قانع» ١/ ١٦٩، «الاستيعاب» ١/ ٣٥٣ (٤١٤)، «أسد الغابة» ١/ ٣٩١ (٨٧٩)، «الإصابة» ٧/ ١٥٥. (٢) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي أبو إبراهيم. قال النسائي: ثقة. وقال الهيثم بن عدي: توفي بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك. انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢ (١٣٩)، «الثقات» ٥/ ٢٠، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٢٨٣، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٤٠ (٣٤٨٧). (٣) معاذ بن فضالة الزهراني، ويقال: الطفاوي. ويقال: القرشي. قال أبو حاتم: ثقة صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال أبو سعيد: توفي بعد سنة مائتين. انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٦٦ (١٥٧٥)، «الثقات» ٩/ ١٧٧، «المنتظم» ٥/ ١٤٦، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٢٩ (٦٠٣٤). (٤) كذا في الأصول، وفي «الصحاح»: (ودواب). (٥) انظر: «الصحاح» ٣/ ٩٨٤. و(التمسح): الاستنجاء. الوجه الرابع: في فوائده: وهو حديث جامع لآداب نبوية. الفائدة الأولى: كراهة التنفس في الإناء. ووجهه: ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من (الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغير بالريح، والنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف) (١) للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (فنقَّى) (٢) ما على القلب من هم وقذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما (في) (٣) القلب فيقع في الماء ثمَّ يشربه فقد يتأذى به. وقيل: علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها (٤) فإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن (٥). ---------------------- (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج). (٢) كذا في (س) وفي (ج): فينقى. (٣) في (ج): على. (٤) ورد بها مش (س) تعليقًا: قوله: (فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها)، روى الطبراني في «الأوسط» من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - ﷺ - كان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسبيحات، وفي أواخرها ثلاث تحميدات. ورجاله ثقات. (٥) قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦: وأما النفخ في الشراب، فإنه يُكسِبه من فم النافخ رائحة كريهة يُعاف لأجلها، ولا سيما إن كان متغير الفم. وبالجملة: فأنفاس النافخ تُخالطه، ولهذا جمع رسولُ الله (بين النهي عن التنفس في الإناء = الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث. واختلف العلماء في أي هذِه الأنفاس الثلاثة أطول عَلَى قولين: أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها؛ ليجمع بين السنة والطب؛ لأنه إِذَا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث «مصوا الماء مصًّا ولا تعُبُّوه عبًّا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ» (١) (٢). ------------------- = والنفخ فيه في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال: نهى رسول الله (أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه. فإن قيل: فما تصنعون بما في «الصحيحين» من حديث أنس، أن رسول الله (كان يتنفسُ في الإناء ثلاثا؟ قيل: نقابله بالقبول والتسليم، ولا مُعارضة بينه وبين الأول، فإن معناه أنه كان يتنفس في شربه ثلاثًا، وذكر الإناء لأنه آلة الشرب، وهذا كما جاء في الحديث الصحيح: أن إبراهيم بن رسول الله (مات في الثدي، أي: في مدة الرضاع. (١) ورد بهامش (س) ما نصه: الذي وقفت عليه حديث: كان يمص الماء مصًّا ولا يعبه عبًّا. بلفظ الخبر عن الشارع لا أنه أمر (…) والطبراني (…) وابن منده (…) من حديثه (…) عرضًا وبه (…) من حديث (…) الشيخ من (…) اهـ. (٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ١١٥ (٦٠٠٩). وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٤٤٨. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٢٨): ضعيف. قال ابن القيم في «زاد المعاد» ٤/ ٢٣٠ - ٢٣٢: وفي هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه (على مجامعها بقوله: «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» فأروى: أشد ريًا وأبلغه وأنفعه، وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي يُبرئ من شدة العطش ودائه لتردده على المعدة الملتهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه، وأيضَا فإنه أسلمُ لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها الباردُ وهلة واحدة ونهلة واحدة. وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يُقلع عنها ولما تُكسر = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= سورتها وحدتها، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية بخلاف كسرها على التمهل والتدريج. وأيضًا فإنه أسلم عاقبة، وآمن غائلة من تناول جميع ما يُروي دفعة واحدة، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده، وكثرة كميته، أو يُضعفها فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد وإلى أمراض رديئة، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما، أو في الأزمنة الحارة كشدة الصيف، فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًا، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها وفي تلك الأزمنة الحارة. وقوله: «وأمرأ»: هو أفعل من مري الطعام والشراب في بدنه؛ إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع؛ ومنه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، هنيئًا في عاقبته، مريئًا في مذاقه. وقيل: معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه، بخلاف الكثير، فإنه لا يسهُل على المريء انحداره. ومن آفات الشرب وهلة واحدة أنه يُخاف منه الشرق بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه، فيغص به، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك. ومن فوائده: أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخارُ الدخاني الحارُّ الذي كان على القلب والكبد لورود الماء البارد عليه، فأخرجته الطبيعة عنها، فإذا شرب مرة واحدة، اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار، فيتدافعان ويتعالجان، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة، ولا يتهنأ الشارب بالماء، ولا يُمرئه ولا يتم ريه. وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبى - ﷺ -: «إذا شرب أحدكم فليمص الماء مصًّا، ولا يعب عبًّا، فإنه من الكباد». والكباد -بضم الكاف وتخفيف الباء - هو وجع الكبد، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها، وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا، لم يضاد حرارتها ولم يضعفها، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر، وهي تفور، لا يضرها صبه قليلًا قليلًا. وقد روى الترمذي في «جامعه» عنه - ﷺ -: «لا تشربوا نفسًا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم فرغتم». = الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ (١). وفي «جامع الترمذي» مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاه أراها في الإناء؟ فقال: «أهرقها». قَالَ: فإني لا أروى من نفس واحد. قَالَ: «فأبن القدح إذًا عن فيك» (٢). وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه - ﷺ -: كان يتنفس في الشراب ثلاثًا (٣). فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه. الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنًّا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إِذَا أنتم شربتم، واحمدوا إِذَا أنتم رفعتم» (٤). الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها. ------------------ = وللتسمية في أول الطعام والشراب وحمد الله في آخره تأثيره عجيب في نفعه واستمرائه ودفع مضرته. قال الإمام أحمد: إذا جمع الطعام أربعًا فقد كمل: إذا ذُكر اسم الله في أوله، وحمد الله في آخره، وكثرت عليه الأيدي، وكان من حل. (١) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٨٣. (٢) «سنن الترمذي» (١٨٨٧)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (١٥٣٨). (٣) سيأتي برقم (٥٦٣١) كتاب: الأشربة، باب: الشرب بنفسين أو ثلاث، ومسلم (٢٠٢٨) كتاب: الأشربة، باب: كراهية التنفس في نفس الإناء. (٤) سنن الترمذي (١٨٨٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣٣). وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط (١). السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد، لاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا (٢). والذي قاله بعض الشافعية كصاحب «المهذب» وغيره التحريم فقط (٣). وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك. فرع: إِذَا استنجى بالماء صبه بيمنه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين. فرع: من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده؛ لأنه إِذَا نزهت اليمنى عن ذَلِكَ، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية «العتبية» في ذَلِكَ منكرة لا يحل ذكرها. السابعة: فضل التيامن. -------------------- (١) «المحلى» ٢/ ٧٧. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ١/ ٢٤٤. (٣) انظر: «المجموع» ٢/ ١٢٦. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|