استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي > قسم المناسبات الدينية
قسم المناسبات الدينية كل ما يخص المسلم في جميع المناسبات الدينية من سنن وفرائض
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 12-28-2025, 01:10 AM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس السابع: ثمرات الاتباع العشر

السيد مراد سلامة

الحمد لله الغفور الذي ستَر بستره وأجمل، الشكور الذي عم ببره وأجزل، الرحيم الذي أتم إحسانه على المؤمنين وأكمل، الواحد الأحد القدوس الصمد الأول المنفرد بالعز والكمال، فلا ينتقص عزُّه ولا يتحول، الحي العليم القدير السميع البصير المتكلم بكلام قديم لا يتغير ولا يتبدل، أحمده على ما أنعم وأكرم وتفضل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه من خلقه وحبيبه الذي أوحى إليه الكتاب ونزَّل، ونَهج للمتقين طريق الهداية وسهَّل.

أما بعد، فحيَّاكم الله أيها الأخوة الأفاضل، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعًا من الجنة منزلًا، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه..

أما بعد، فيا أحباب الحبيب صلى الله عليه وسلم، نقف اليوم مع ثمرات الاتباع العشر، وقد ذكرت عشر ثمرات لمن اتبع خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يا رب حمدًا ليس غيرك يُحمد
يا من له كلُّ الملائك تسجدُ
أبواب كلِّ مُمَلك قد أوصدت
ورأيت بابك واسعًا لا يوصَدُ
المؤمنون بنور وجهك آمنوا
عافوا لوجهك نومَهم فتهجَّدوا
قالوا الهوى والحب هل تَعْنُوا له
أم أنت في ضرب الهوى مُتجَلِّد
قلت المحبة للذي حمل الهدى
فحبيبُ قلبي في الحياةِ محمدُ



اعلم زادك الله علمًا أن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم، وأوجب علينا الإيمان به وبما جاء به، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [التغابن: 8]، وقال سبحانه ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الفتح: 8]، وقال ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158].

فهذه الآيات دالة دلالة واضحة على وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به؛ يقول القاضي عياض رحمه الله: وأما وجوب طاعته، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به، وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتي به قال الله تعالى، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 20]، وقال: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]، وقال: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، وقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وقال: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، وقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 64].

فجعل الله تعالى طاعة رسوله طاعته، وقرَن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب، وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، وقال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول التزام سنته واجتناب نهيه، قالوا: وما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه، قالوا: مَن يُطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه، وسُئل سهل بن عبد الله عن شرائع الإسلام، فقال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]؛ قال السمر قندي: يقال: أطيعوا الله في فرائضه والرسول في سنته، وقيل أطيعوا الله في ما حرَّم عليكم، والرسول في ما بلغكم[1].

ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصا الله، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصا أمير فقد عصاني[2].

وهيا لنرى الفوائد الجمة في اتباع النبي والاقتداء به.

أولًا: أن اتباعه والاقتداء به صلى الله عليه وسلم سببٌ من أسباب محبة الله تعالى:
معاشر الموحدين، من أجل الثمار لاتباع النبي المختار صلى الله عليه وسلم محبة العزيز الغفار، وكفى بها عطيةً وجائزة؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]؛ يقول بن رجب - رحمه الله -: عن الحسن البصري: كان ناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون يا رسول الله، إنا نحب ربنا شديدًا، فأحب الله أن يجعل لمحبة علمًا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]، قد قرن الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: 24].

كما قال الجنيد وغيره من العارفين: الطرق إلى الله كلها مسدودة إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: ومن فوائده إتباعه صلى الله عليه وسلمالهداية إلى الصراط المستقيم:
أمة الحبيب المحبوب صلى الله عليه وسلم يقول سبحانه وتعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]، فطرق الهداية كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال الجنيد - رحمه الله -: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم.

وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، ما فتحت لهم حتى يدخلوا خلفك، وصدق الله إذ قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المؤمنون: 73].

ثالثًا: الجزاء العظيم لمن أحيا سنة النبي صلى الله عليه وسلم واعتصم بها:
أيها الإخوة الأحباب، لقد كثُر خيرُ ربنا وطاب، فها هو الجزاء العظيم لمن أحيا سنة النبي الأمين، فالاعتصام بالسنة يعدل الشهادة في سبيل الله مائة مرة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المتمسك بسنتي عند فساد أمتي، له أجر مائة شهيد[3].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة [4].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل، أية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة[5].

رابعًا: الفوز العظيم لمن أطاعه واقتدى به:
ومن ثمرات الاتباع أيها الأحباب: الفوز العظيم، وعندما يصفه الله تعالى بأنه فوز عظيم، فاعلم أن الله أعد لأهله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ يقول سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71]، ويوضِّح سبحانه ذلك الفوز في قوله: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ [النبأ: 31 - 34].

خامسًا: أن إتباعه صلى الله عليه وسلم سبب من أسباب الرحمة:
معاشر المحبين، إن من ثمرات الاتباع أن تنهال عليه الرحمات وتتنزل عليه الخيرات من الله تعالى، فأهل اتباعه هم أوفرُ الناس حظًّا برحمة الله تعالى، فالله تعالى وعد ووعده الصدق، وقال وقوله الحق أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه جعل الحظ الأوفر لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

إنها الرحمة المعبر عنها في الحديث، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلمَ: "لِلَّهِ ‌مِائَةُ ‌رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْإِنْسِ، وَالْجِنِّ، وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ"[6].

سادسًا: أن إتباعه سبب من أعظم أسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة:
أخي المسلم، كلٌّ يسعى في هذه الحياة من أجل النجاح والفلاح، ولكن كثيرًا من الناس يخطؤون طرقَهم، وتتفرق بهم السبل، ولكن المؤمن الحصيف هو الذي يعي أن الفلاح والنجاح إنما هو في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فمن دخل مدرسة النبوة وتربى على أخلاقها، ونهل وعبَّ مِن مَعينها، فهو من الناجحين الرابحين؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].

ما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهدية[7]:
أما ما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهدية وسيرته، فحدثنا رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال ابن عمر: يا بن أخي، إن الله بعث إلينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل [8].

وقال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننًا لأخذ بها تصديقًا بكتاب الله، واستعمالًا بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، من اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله تعالى ما تولَّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا[9].

وقال ابن شهاب: بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنة نجاة[10].

[1] الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ج2 ص10.

[2] أخرجه البخاري (3/ 1080، رقم 2797)، ومسلم (3/ 1466، رقم 1835)، والنسائي (7/ 154، رقم 4193)، وابن أبي شيبة (6/ 418، رقم 32529)، وأحمد (2/ 252، رقم 7428)، وابن ماجه (2/ 954، رقم 2859).

[3] صحيح وفيه محمد بن صالح العدوي قال الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 172 وضعفه الألباني في المشكاة ح 176

[4] أخرجه الطبراني في الأوسط ح 9439.

[5] أخرجه الحاكم ح 7949، والحارث في مسنده ح 58، وضعفه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل - (6 / 104).

[6] البخاري (6469)، مسلم (2752/ 18).

[7] الشفا ج2 ص 18 – 21 باختصار .

[8] الأوسط لابن المنذر - (رقم 2206) وغوامض الأسماء المبهمة - (2 / 606).

[9] الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي - (رقم 449) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي - (رقم 118) إبطال التأويلات - (رقم 26).

[10] المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي - (2 / 230) رقم (708) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي - (رقم 11) العواصم من القواصم - (ص 267).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2025, 01:13 AM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس الثامن: تابع ثمرات الاتباع

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي لا يُسأل عما يفعل، فلا تيئَس من رحمته ولا تعجَل، فسبحانه من أقبل بجوده وبرِّه على من رجع إليه وأقبَل، ورأى زلة المسيء وجنح الظلام مُسبل، فعامله برأفته وتجاوَز عنه برحمته وأمهَل، وجعل للقبول والفضل أوقاتًا ليتدارك المقصر ما ضيَّع وأهمَل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير، شهادة عبد خضَع لهيبته وتذلَّل، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه من خلقه وحبيبه، أما بعد:
فحيَّاكم الله تعالى وبيَّاكم، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وخالص الأعمال، أما بعد، فقال الشاطبي رحمه الله تعالى: «إن الصحابة كانوا مقتدين بنبيِّهم صلى الله عليه وسلم، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى على متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، فقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متَّبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى النّاس بذلك، فكلُّ من اقتدى بهم فهو من الفرقة النّاجية الدّاخلة للجنّة بفضل الله، وهو معنى قوله عليه الصّلاة والسّلام: «ما أنا عليه وأصحابي»، فالكتاب والسّنّة هو الطّريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما»)[1].

سابعًا: دخول الجنة:
أخي المسلم، من ثمرات الاتباع دخول الجنة؛ عَنْ أَبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌كُلُّ ‌أُمَّتِي ‌يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إلَاّ مَنْ أبَى، قيلَ: وَمَنْ يَأبَى يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى»[2].

وقال الطيبي: ومن أبى عطف على محذوف؛ أي: عرفنا الذين يدخلون الجنة، والذي أبى لا نعرفه، وكان من حق الجواب أن يقال من عصاني، فعدل إلى ما ذكره تنبيهًا به على أنهم ما عرَفوا ذاك ولا هذا، إذ التقدير من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة، دخل الجنة، ومن اتبع هواه وزل عن الصواب، وتخلى عن الطريق المستقيم، دخل النار، فوضع أبى موضعه وضعًا للسبب موضع المسبب (3).

ثامنًا: العزة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والذل والصغار على من خالف أمره:
معاشر المحبين، إن من ثمرات الاتباع العزة والرفعة في الدنيا والآخرة، ومن أثار الابتداع الذل والصغار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ‌وَجُعِلَ ‌الذِّلَّةُ ‌وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ[3].

هذا يدل على أن العزة والرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، لامتثال متابعة أمر الله؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [سورة النساء: 80].

وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة المنافقون: 8]، وقال تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾ [سورة فاطر: 10].

تاسعًا: الحياة الإيمانية:
فالاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم دليلُ حبِّه؛ كما أن ثمرته غفران الذنوب، وفي اتباعه صلى الله عليه وسلم فلاح العبد ونجاحه؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24].

فأمر الله المؤمنين بأن يستجيبوا للرسول، فيما أمرهم ونهاهم، وذلك الحياة الطيبة؛ كما قال ابن القيم رحمه الله: إذ الحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما دعا إليه بقية الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزءٌ من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول[4].

عاشرًا: شرط قبل الأعمال:
وهو موافقةُ العمل لسنَّةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]، وقال اللهُ تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‌مَنْ ‌أَحْدَثَ ‌فِي ‌أَمْرِنَا ‌هَذَا ‌مَا ‌لَيْسَ مِنْهُ[5]؛ أي: مَن خالَف سنَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في العبادةِ، فعملُه غيرُ مقبول.

قصص من حرص السلف على الاتباع:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق يومًا واحدًا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم"[6].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعها عن يساره فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا"[7].

وفي رواية عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟"، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى، فليمسحه وليصلِّ فيهما"[8].

وعن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان (أي سواران) غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله عز ولرسوله[9]، عن عائشة رضي الله عنه، قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لَما أنزل الله ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، شَققنَ مُروطهنَّ فاختمرنَ بها، وقال أيضًا: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنه، كانت تقول: لَما نزلت هذه الآية ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾، أخذن أزرهنَّ، فشققنَها من قِبَل الحواشي فاختمرنَ بها.

أبو بكر الصديقرضي الله عنه يرسم منهجه في الحكم اتباع واقتداء طاعة لا معصية:
لما تولى الخلافة رضي الله عنه تكلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، فإني وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أساءت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح[10] عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله[11].

حرص عمر رضي الله عنه على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم:
ومن صور حرصه رضي الله عنه على الاتباع والاقتداء أنه كان يحج بيت الله الحرام ويطوف به، حتى إذا وقف على الحجر الأسود فقال: كما عند البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبَّل الحجر الأسود وقال: لو لا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبَّلتك[12]، وفي رواية أخرى قال: أما والله أني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتُك.

قال الحافظ بن حجر: قال الطبري: إنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخَشِيَ عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلِّم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته كما كان الجاهلية تعتقده بالأوثان.

[1] الاعتصام للشاطبي (2/ 252).

[2] أخرجه: البخاري في الصحيح 13/ 249، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (96)، باب الاقتداء بسنن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم- (2)، الحديث (7280).

[3] أخرجه ابن أبي شيبة 5/313، والبيهقي في "الشعب" (1199).

[4] الفوائد لابن القيم (ص88) بتصرف.

[5] أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

[6] أخرجه البخاري برقم (5530)، وأخرجه مسلم في اللباس والزينة باب في طرح الخواتم رقم (2093).

[7] رواه أبو داود؛ السلسلة الصحيحة برقم (284).

[8] رواه أبو داود والدارمي، مشكاة المصابيح برقم (766).

[9] أخرجه أبو داود (1/ 244) والنسائي (1/ 343) وأبو عبيد في الأموال رقم (1260) وإسناده حسن، وصححه ابن الملقن (65/ 1)، وتضعيف ابن الجوزي له في [التحقيق] (6/ 197/1) مردود عليه؛ آداب الزفاف (1/ 184).

[10] أريح: أراحه: أرجعه حقه.

[11] السيرة النبوية لابن هشام وقال ابن كثير في البداية: إسناده صحيح، ومصنف عبد الرزاق - (ح 20702)، الثقات لابن حبان - (2 / 157) الكامل في التاريخ - (1 / 361) وتاريخ الطبري - (2 / 238).

[12] أخرجه البخاري في: 25 كتاب الحج: 50 باب ما ذكر في الحجر الأسود.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2025, 01:15 AM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس التاسع: الإيثار خلق النبي المختار صلى الله عليه وسلم


السيد مراد سلامة


الحمد لله الذي نوَّر بجميل هدايته قلوب أهل السعادة، وطهَّر بكريم ولايته أفئدة الصادقين، فأسكَن فيها ودادَه، ودعاها إلى ما سبق لها من عنايته، فأقبلت مُنقادة، الحميد المجيد الموصوف بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، نحمَده على ما أَولى من فضل وأفاده، ونشكُره معترفين بأن الشكر منه نعمة مستفادة.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة أعدها من أكبر نعمه وعطائه، وأعدها وسيلة إلى يوم لقائه.

فضل الإيثار، إخوة الإسلام، اعلموا أن الإيثار خلق إسلامي رفيع دعا إليه ربنا - سبحانه وتعالى - وحث وأثنى على أهله في غير ما آية من كتابه، فقال الله تعالى مادحًا أوليائه: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

قال الطبري: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ يَصِفُ الأَنْصَارَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ، مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَقُولُ: وَيُعْطُونَ الْمُهَاجِرِينَ أَمْوَالَهُمْ إِيثَارًا لَهُمْ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، يَقُولُ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ وَفَاقَةٌ إِلَى مَا آثَرُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

وقال ابن كثير: أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.

ويقول ابن تيمية: (وأما الإيثار مع الخصاصة، فهو أكمل من مجرد التصدق مع المحبة، فإنه ليس كل متصدق محبًّا مؤثرًا، ولا كل متصدق يكون به خصاصة، بل قد يتصدق بما يحب مع اكتفائه ببعضه، مع محبةٍ لا تبلغ به الخصاصة).

أحباب رسول الله ولن تصلوا إلى ذروة الإيمان إلا عن طريق سلم الإيثار؛ قال العزيز الغفار: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].

يقول السعدي: يعني: (لن تنالوا وتدركوا البر الذي هو اسم جامع للخيرات، وهو الطريق الموصل إلى الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون، من أطيب أموالكم وأزكاها، فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها، ومن أدل الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال التي جُبلت النفوس على قوة التعلق بها، فمن آثر محبة الله على محبة نفسه، فقد بلغ الذروة العليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا، لا تحصل بدون هذه الحالة).

والله تعالى أعد النعيم المقيم والدرجات العلى لمن اتصف بالإيثار، فقال الرحيم الرحمن: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 6 - 9].

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 12، 13].

قال الفخر الرازي: (والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري بستانًا فيه مأكل هنيء وحريرًا فيه ملبس بهي).[1]


ولقد رغَّب نبينا - صلى الله عليه وسلم- في الإيثار، وحث أصحابه، ومدح أهله، فها هو -بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم يمد الأشعريين - عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم))[2].

النبي صلى الله عليه وسلم من وصفه ربه بالكمال والجمال، ومن اعتلى قمة الأخلاق؛ حيث قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

فقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلممن جميع الأخلاق أوفر الحظ والنصيب، فما من خلق إلا وقد تربع المصطفى صلى الله عليه وسلم على عرشه، وعلا ذروة سنامه، ففي خلق الإيثار كان هو سيد المؤثرين وقائدهم، بل وصل الحال به صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يشبع لا هو ولا أهل بيته بسبب إيثاره صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤثر بما عنده، فقد ثبت في الصحيحين أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر وغيرها من تمر وغيره، يدخر قوت أهله سنة، ثم يجعل ما بقي عنده عدة في سبيل الله تعالى، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ، أو نزل به ضيف، يشير على أهله بإيثارهم، فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه)[3].

الواقع التطبيقي في حياة الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد كان رسولنا الأسوة والقدوة الحسنة في كل عمل يحث عليه ويدعو إليه، وهاك مشهد من مشاهد الإيثار مشهد ينبض الإيثار.

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَةٍ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: هِيَ الشَّمْلَةُ، فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، قَالَ يَعْقُوبُ: إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِي أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إزَارُهُ، وقَالَ أَبُو غَسَّانَ: فَلَبِسَهَا فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَحْسَنَ هَذِهِ فَاكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ قُتَيْبَةُ عَنْ يَعْقُوبَ: فَجَلَسَ مَا شَاءَ الله فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لاَمَهُ أَصْحَابُهُ، فقَالَوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لاَ يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ، فَقَالَ: رَجَوْتُ لِبَرَكَتِهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا؛ زَادَ يَعْقُوبُ: يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ[4].

المشهد الثاني مشهده صلى الله عليه وسلم وقد ألَمَّ به التعب والإرهاق، وظهر على وجهه الكريم علامات الجوع، فيذهب جابر - رضي الله عنه - ليعد له طعامًا له، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأبى إلا أن يكل الجميع من ذلك الطعام، وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: "إِنَّا يَوْمَ الخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الخَنْدَقِ، فَقَالَ: «أَنَا نَازِلٌ». ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المِعْوَلَ فَضَرَبَ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ، أَوْ أَهْيَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي إِلَى البَيْتِ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ، فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ، فَذَبَحَتِ العَنَاقَ، وَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ، وَالبُرْمَةُ بَيْنَ الأَثَافِيِّ قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلاَنِ، قَالَ: «كَمْ هُوَ» فَذَكَرْتُ لَهُ، قَالَ: " كَثِيرٌ طَيِّبٌ، قَالَ: قُلْ لَهَا: لاَ تَنْزِعِ البُرْمَةَ، وَلاَ الخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ، فَقَالَ: قُومُوا " فَقَامَ المُهَاجِرُونَ، وَالأَنْصَارُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: «ادْخُلُوا وَلاَ تَضَاغَطُوا» فَجَعَلَ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ البُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ، وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الخُبْزَ، وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ، قَالَ: «كُلِي هَذَا وَأَهْدِي، فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ»[5]؛ أخرجه البخاري.

العنصر الخامس: إيثار الصحابة الأطهار:
الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - جيل فريد، تخرَّج من أعظم جامعة عرفتها الدنيا؛ إنه تخرج من الجامعة المحمدية، من رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على عينه، فنهَلوا مِن مَعين أخلاقه وأفعاله - صلى الله عليه وسلم.

ضرب الصحابة أروع أمثلة الإيثار وأجملها، ومن يتأمل في قصص إيثارهم، يحسب ذلك ضربًا من خيال، لولا أنه منقول لنا عن طريق الأثبات وبالأسانيد الصحيحة الصريحة.

ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلًا أتى النّبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلنَ: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضمُّ - أو يضيف- هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيِّئي طعامك وأصبحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيَّأت طعامها وأصبحت سراجها، ونوَّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته فجعلا يريانه أنَّهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما، فأنزل الله ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:9][6].

إيثار منبعه الإيمان:
المال للرجل الكريم ذرائعٌ
يبغي بهن جلائل الأخطار
والناس شتى في الخلال وخيرهم
من كان ذا فضلٍ وذا إيثار


أقبل المهاجرون إلى المدينة لا يملكون من أمر الدنيا شيئًا، قد تركوا أموالهم وما يملكون خلف ظهورهم، وأقبلوا على ما عند الله عز وجل يرجون رحمته ويخافون عذابه، فاستقبلهم الأنصار الذين تبوؤا الدار، وأكرموهم أيما إكرام، ولم يبخلوا عليهم بشيء من حطام الدنيا، بل قاسموهم الأموال والزوجات... في صورة يَعجِز عن وصفها اللسان، ويضعف عن تعبيرها البيان:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((لما قدِم المهاجرون المدينة، نزلوا على الأنصار في دورهم، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم نزلنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أبذل في كثيرٍ منهم، لقد أشركونا في المهنأ، وكفونا المؤنة، ولقد خشِينا أن يكونوا ذهبوا بالأجر كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا ما دعوتُم الله لهم وأثنيتم به عليهم))[7].

وهذا عبد الرحمن بن عوف لَما قدم المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان، فعرَض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلُّوني على السّوق...))[8].

إيثار... حتى عند الموت:
أُسد ولكن يؤثرون بزادهم
والأُسد ليس تدين بالإيثار
يتزيَّن النادي بحسن وجوههم
كتزيُّن الهالات بالأقمار


[1] تفسير الرازي (16/ 227).

[2] أخرجه البخاري في: 47 كتاب الشركة: 1 باب الشركة في الطعام والنهد والعروض.

[3] البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (45/ 139).

[4] أخرجه البخاري في: باب البردة والشملة والحبرة من كتاب اللباس (5810)، وفِي بَابِ حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (6036)، وفِي بَابِ النساج من البيوع (2093).

[5] رواه البخاري 7 / 304 و305 في المغازي، باب غزوة الخندق، وفي الجهاد، باب من تكلم بالفارسية، ومسلم رقم (2039) في الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.

[6] أخرجه البخاري3798 في مناقب الأنصار: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾، وأخرجه مسلم2054 في الأشربة: باب إكرام الضيف وفضل إثارة.

[7] رواه الضيَّاء في ((المختارة)) (5/290) مِن حديث أنس رضي الله عنه. وصحَّح سنده البوصيري في ((إتحاف الخيرة)) (7/325).

[8] رواه البخاري (2048) مِن حديث عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه.
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2025, 01:17 AM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس العاشر: التقوى غاية الغايات

السيد مراد سلامة

الحمد لله الذي تفرَّد بعز كبريائه عن إدراك البصائر، وتقدَّس بوصف علاه عن الأشباه والنظائر، وتوحَّد بكمال جبروته، فلا العقل في تعظيمه حائر، وتفرَّد في ملكوته، فهو الواحد القهار الأول قبل كل أول، الآخر بعد كل آخر، الظاهر بما أبدع، فدليل وجوده ظاهر، الباطن فلا يخفى عليه ما هجس في الضمائر.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة أعدها من أكبر نعمه وعطائه، وأعدها وسيلة إلى يوم لقائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى والرسول المجتبى، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، والشفاعة العظمى، سيد الأولين والآخرين على الله ولا فخر.

اعلم أن الزمان لا يثبت على حال؛ كما قال عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾[آل عمران: 140]، فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي.

فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله عز وجل، فإنه إن استغنى، زانته، وإن افتقر، فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي، تمت النعمة عليه، وإن ابتلي، جملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه، أو أشبعه، أو أجاعه؛ لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة، حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويواقف على الحدود.

والمنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى، فإنها ستحول، وتخليه خاسرًا[1].

بين يدي التقوى:
إن التقوى قد عرَّفها العلماء بتعريفات كثيرة، نذكر منها تعريف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الله عنه؛ سئل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن التقوى التي هي ثمرة الصيام فقال: "هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".

وقال الإمام الغزالي: "التقوى كنز عظيم، فإن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر، ورزق كريم، وملك عظيم، لأن خيرات الدنيا والآخرة جُمعت فيها".

وقال داود بن نصر الطائي: "ما خرج عبد من ذل المعاصي إلى عز التقوى: إلا أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا جليس".

الغاية من إرسال الرسل تقوى:
واعلموا عباد الله أن التقوى هي الغاية من إرسال الرسل، نلمس ذلك جليًّا في سورة الشعراء، فضلًا عن أمثلة في سور: البقرة، والأعراف، والمؤمنون؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21].

وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 65]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [المؤمنون: 23].

الغاية من إنزال الكتب تقوى:
واعلموا عباد الله أن الغاية من إنزال الكتب هي الوصول إلى التقوى، فالقرآن الكريم كتاب هداية يأخذ بأيدي الحيارى والسكارى إلى رب الباري، ويوصلهم إلى الغاية العظمى؛ قال الله جل جلاله: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2].

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾؛ أي: إن هذا القرآن هدى للجميع، فالذي يريد أن يتقي عذاب الله وغضبه، يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية، فالهدى من الحق تبارك وتعالى للناس جميعًا، ثم خص مَن آمن به بهدى آخر، وهو أن يعينه على الطاعة.

العبادات الغاية منها التقوى:
اعلموا أيها الأحباب أن الغاية من العبادات تحصيل تقوى الله تعالى؛ قال جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة 21].

"تتقون" من "الوقاية" أن تجعلوا بينكم وبين النار وقاية، وتجعلوا بينكم وبين العذاب وقاية، فالمعنى أن تعبدوا الله تعالى حتى تتقوا النار وتتقوا العذاب، ليس هذا فحسب ولكن تتقوا كل مضار الحياة.

أو تعبدوا الله، لَعَلَّكُمْ تَصِيرُونَ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ صُوَرِ الْبَشَرِيَّةَ، وهي صُورَةُ الْعَابِدِينَ لِلَّهِ، الْمُتَّقِينَ لِلَّهِ.

الصلاة وتقوى الله تعالى:
الصلاة من أهم ثمراتها أنها تنهاه عن فعل المحظورات وتأمره بالفعل المأمورات؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45]؛ قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما في الصَّلاةِ مُنتهى ومُزدجرٌ عن مَعَاصي الله تعالى، فمَن لم تأمْره صلاتُه بالمعروفِ ولم تنهَه عن المنكرِ لم يزددْ بصلاتِه من الله تعالى إلا بُعدًا.

وقال الحسنُ وقَتادةُ من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكر فصلاتُه وبالٌ عليه.

تحقيق تقوى الله بالزكاة:
الزكاة عبادة مالية يتقرب بها العبد لربه عز وجل؛ حيث إنها تزكِّي النفس، وتطهِّرها من البخل والشح، وتزكي المال بالزيادة والبركة، وتضاعف لهم الأجر، والثواب، ويتجلى معنى التقوى في الزكاة حينما ينفق الإنسان من أغلى ما يحب بصدق، وإخلاص حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه يريد بذلك وجه الله – تعالى - والحصول على مرضاته، ولعل السر في ذلك أنه ينفق ماله ليحصل على التقوى، فهو يزكي ماله؛ لأنه يعلم أن في هذا المـال حـق لغيره، وليست منة يَمُنُّها على الفقراء والمحتاجين، بل هو واجب عليه، وحق لغيره، وبذلك يتبيَّن لنا أن الزكاة تحقق التقوى، وخاصة في هذا العصر، وقد انتشرت المعاصي وكثـرت الآثـام بسبب ضعف وازع التقوى، فبالزكاة نصل إلى التقوى؛ يقول ربنا سبحانه مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، إنها ليست ضريبة تجبى إلى خزينة الدولة ولا إتاوة تنتزع من الإنسان عَنوة وهو كاره، وليست إحسانًا يلقيه الغني إلى الفقير، ولكنها عبادة يؤديها الغني وهو يستشعر حاجته إلى إخراجها؛ كحاجة المريض إلى الدواء، إنها لا تداوي البدن، ولكنها تداوي النفس، وتهذب البخل، وتقلِّم أظافر الشح، وتزكِّي في النفس بواعث العطاء والبذل والتضحية، وتملأ القلب بالخشية، أن يكون مصيره مصير هؤلاء الذين يشقون بأموالهم ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 35].

وهذه الخشية التي تملأ القلب هي أساس التقوى.

صيام رمضان وتحصيل التقوى:
وكتب الله تعالى علينا الصيام لغاية عظمى وهي التقوى؛ قال الله جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يَعُد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها، فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الصيام نصف الصبر))؛ رواه ابن ماجه وصححه في الجامع الصغير.

فالصيام عبادةٌ تقوِّي الوازع الإيماني وتعزِّزه لدى المسلم، فتمنعه من الوقوع في المحرَّمات، أو التمادي فيها، وتشكِّل له حاجزَ وقايةٍ يحميه من تتبُّع الآثام والشرور، فالتقوى التي يحقِّقها الصيام تحمل النفس على الالتزام بما أمر به الله تعالى، واجتناب ما نهى عنه، فتحميها من ارتكاب ما يؤدِّي بها إلى الهلاك والخسران، وتجنِّبها التعرُّض لسخط الله، وعذابه في الآخرة.

في الحج والعمرة وتحصيل تقوى الله:
إخوة الإسلام الحج عبادة من أجلِّ العبادات التي ربطها الله تعالى بالتقوى، ولنقف مع بعض المواضع والآيات التي وردَ فيها الأمر بالتقوى أو الحث عليها أو الإشارة إليها، ففي آية الأمر بإتمام الحج والعمرة ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ ختم الله الآية بقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196]، وفي الآية التي بعدها ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾، ختمت الآية بقوله سبحانه: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ وأكد ذلك بقوله: ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]، ثم ختم آيات الحج في سورة البقرة بقوله: ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِـمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]..

فتأمل تَكرار التقوى في كل آية، وفي المائدة ختم أحكام الصيد بقوله: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المائدة: 96]، وافتتح سورة الحج بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1]، ولما بدأ بالحديث عن الحج تكرر ذكر التقوى ﴿ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ [الحج: 37].

وعند التأمل في آيات الحج ﴿ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]، وهذه أعمال ظاهرة بينة؛ نجده ختمها بقوله: ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]، وسبقها ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾، ما يؤكد أنه دون التقوى لن يسلم الحاج من الجدل والرفث والفسوق، بل إن الآية التي ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾، تبيِّن حكم من اضطُرَّ إلى الإخلال بهذا الإتمام كالإحصار، وحلق الرأس بسبب الأذى وهو محرم؛ حيث بيَّن جزاء ذلك من الهدي والفدية، والبديل لذلك، وحيث إن هذه الأعمال الظاهرة لا يمكن تحقيق أدائها إلا إذا كان صاحبها مراقبًا لله في سره وعلانيته، وختم الآية بالأمر بالتقوى ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾،ثم هدد من لم يراعِ جانب التقوى بقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196].

بل إن التعجل في الحج والتأجُّل عمل ظاهر، ومع ذلك قيد ذلك بقوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾، ثم أمر بالتقوى في ختام هذه الآية ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203].

ونجد أن نحر الهدي عمل ظاهر بارز، ومع ذلك جعل مدار قبول الدماء على تحقق التقوى ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُـحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ [الحج: 37].

العلاقة بين البر والتقوى:
وها هو سبحانه يذكر لنا صفات أهل البر، وأنهم يحققون الإيمان بالله وملائكته، وكاليوم الآخر، ويتصدقون على الفقراء والمساكين، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويصبرون على البأساء والضراء، ثم بيَّن أن هؤلاء هم الصادقون المتقون؛ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْـمَشْرِقِ وَالْـمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْـمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْـمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْـمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].

لقد بدأت الآية الكريمة بالحديث عن حقيقة البر، ثم ذيَّلت بالحديث عن التقوى، وذلك لبيان أنه لن يقوم أحد بفعل أعمال البر الجليلة؛ حتى يتحقق قبل ذلك بمرتبة التقوى، وهي شرط رئيس للبر، ومرحلة سابقة له ومتقدمة عليه، فمن لم يتقِ الله تعالى في عمله بفعل ما أمر الله عز وجل به، وترك ما نهى عنه، لن يقبل الله جل ذكره منه الأعمال الزائدة على الواجب من أعمال البر؛ فالمرتبة الدنيا شرط للارتقاء إلى المرتبة العليا، وبيانًا لذلك قال الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189].

ومعنى الآية الكريمة أن إتيان المحرم بالحج أو العمرة البيوت من ظهورها، ليس من البر أصلًا، فهي بدعة لا أساس لها في الدين، وزيادة على الواجب غير مشروعة، ثم بيَّن تقدست أسماؤه أن البر المقبول عنده، والذي يكون بفعل خيرات وعبادات زائدات على الواجب، هو البر الذي يكون من المتقي، فمن كان متحققًا بمرتبة التقوى في العمل قُبلت منه زوائد العبادات والطاعات المشروعة: ﴿ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْـمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27]، واعتبرت له في صحيفة أعمال البر، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا ﴾ [البقرة: 189].

[1] صيد الخاطر (ص: 137).
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2025, 01:21 AM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس الحادي عشر: وسائل الثبات على الإيمان

السيد مراد سلامة

الحمد لله ربِّ العالمين المنفرد بالقدم والبقاء والعظمة والكبرياء، والعز الذي لا يرام، الصمد الذي لا بصوره العقل ولا يحدُّه الفكر، ولا تدركه الأفهام، القدوس الذي تنزَّه عن أوصاف الحدوث، فلا يوصف بعوارض الأجسام، الغني عن جميع المخلوقات، فالكل مفتقر إليه وهو الغني على الدوام، سبق الزمان فلا يقال متى كان، وخلق المكان فلا يقال أين كان، فتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، إله عزَّ مَن اعتزَّ به فلا يُضام، وذلَّ مَن تكبَّر عن أمره ولقِي الآثام، أستغفر الله مما كان من زللي ومن ذنوبي وإفراطي وإصراري، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه من خلقه وحبيبه.

صلوا على خير الأنام محمد
إن الصلاة عليه نور يعقد
من كان صلى عليه قاعد يُغفر له
قبل القيام وللمتاب يجدد




وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسك بسنته، واقتدى بهديه، واتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين.

أولًا: الاعتصام بكتاب الله تعالى:
ذلك الكتاب الذي نزله على نبيه صلى الله عليه وسلم منجمًا ليثبت به فؤاده؛ فالقرآن العظيم وسيلة الثبات الأولى، وهو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله، ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.

نص الله على أن الغاية التي من أجلها أنزل هذا الكتاب منجمًا مفصلًا هي التثبيت، فقال تعالى في معرض الرد على شُبه الكفار: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ [الفرقان: 32].

لماذا كان القرآن مصدرًا للتثبيت؟
1- لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله.

2- لأن تلك الآيات تتنزل بردًا وسلامًا على قلب المؤمن، فلا تعصف به رياح الفتنة، ويطمئن قلبه بذكر الله.

3- لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يُقوِّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تُهيئ له الحكم على الأمور، فلا يضطرب حكمه، ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص.

- أنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين؛ كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر"[1].

ومن منطلق القرآن الكريم تتولد جميع وسائل الثبات، فهو يدعو إلى الصبر وإلى الاعتصام بحبل الله، وإلى تدبر قصص الأنبياء، وإلى الدعاء، فالقرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوم الأوضاع التي حوله تقويمًا صحيحًا، كما أن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من أحكام وصول وقواعد وحِكم وقصص يرد على الشبهات، فإن عُلِم ذلك كله لزِم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم المقيم - أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه"[2].

ثانيًا: الإيمان بالقضاء والقدر:
فمن وسائل الثبات على الإيمان أن يؤمن العبد بالقضاء والقدر، وأن كل شيء مكتوب بقد، وأن كل شيء في كتاب، "فإذا آمن العبد بأنَّ كل ما يصيبه مكتوب، وآمن أن الأرزاق والآجال بيد الله، فإنه يقتحم الصعاب والأهوال بقلب ثابت وهامَةٍ مرفوعة، وقد كان هذا الإيمان من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيَّابين ولا وَجِلين، وكان الواحد منهم بطلب الموت في مظانه، ويرمي بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته، ثم تراه يموت على فراشه، فيبكي أن لم يسقط في ميدان النزال شهيدًا، وهو الذي كان يقتحم الأخطار والأهوال.

وكان هذا الإيمان من أعظم ما ثَبَّت قلوب الصالحين في مواجهة الظلمة والطغاة، ولا يخافون في الله لومة لائم؛ لأنهم يعلمون أن الأمر بيد الله، وما قدر لهم سيأتيهم.

وكانوا لا يخافون من قول كلمة الحق خشية انقطاع الرزق، فالرزق بيد الله، وما كتبه الله من رزق لا يستطيع أحدٌ منعه، وما منعه الله لعبد من عبيده لا يستطيع أحد إيصاله إليه[3].

ثالثًا: الاعتصام بالله والافتقار إليه:
يقول إبراهيم الدويش: "إذا عرفت الهدف وبان لك الطريق، ورضيت بهما، فإياك أن تعتمد على نفسك الضعيفة، وعلى حولك وقوتك، فأنت أخي مهما بلغت ضعيف، والله تعالى يقول ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]، نعم لا حول ولا قوة لك إلا بالله، فعليك في زمن الفتن والشبهات والشهوات بالاعتصام بالله، أليس المتغيرات تتلاحق؟ أليس الشبهات والشهوات تموج كموج البحر، فلا عاصم لك إلا بالله.

تأمل: أخي لماذا نشكو للناس؟ لماذا تئن بضعف نفسك؟
اشكُ الأمر لله، كن مع الله، إذا سجدت فأعلن ضعفك وافتقارك لله، ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].

ألست تريد الهداية إلى الصراط المستقيم؟
إذًا اعتصم بالله تعالى، أعلِن دائمًا في كل لحظة الضعف والافتقار أكثر من الدعاء والانكسار في مثل هذا الزمن، فلا عاصم لك من الفتن إلا الله، لا معين ولا منجي لك في زمن الشهوات إلا الله، لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر في سجوده من قوله: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دينك"[4].

بل كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ"[5].

فأين نحن إذًا مِن تَكرار مثل هذا الأدعية خاصة في مثل هذا الزمن؟ أليس الله يقول في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ"[6].

اطلبوا الهداية، افعلوا أسبابها، تجنَّبوا مواطن الشبهات، أَلِحُّوا على الله تعالى بالهداية، إذا سألت أخي فاسأل الله، إذا استعنت فاستعنْ بالله، وردد دائمًا، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: 250]، كرِّر في كل وقت ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8].

يقولُ ابنُ القيِّم: ((أجمع العارفون بالله على أنَّ الخِذْلان: أنْ يكلك اللهُ على نفسِك، ويُخلِّي بينك وبينها، والتوفيقُ ألا يكِلك اللهُ إلى نفسِك، فالعبيدُ متقلِّبون بين توفيقهِ وخذلانِهِ، بلِ العبدُ في الساعةِ الواحدةِ ينالُ نصيبه منْ هذا وهذا، فيطيعهِ ويُرضيهِ، ويذكرُه ويشكرُه بتوفيقِه له، ثم يعصيهِ ويخالفُه، ويُسْخِطُه ويغفلُ عنه بخذلانِهِ له، فهو دائرٌ بين توفيقِه وخِذْلانِهِ، فمتى شهِد العبدُ هذا المشهد وأعطاهُ حقَّه، علِم شِدَّة ضرورتِه وحاجتِه إلى التوفيق في كلِّ نَفَسٍ وكلِّ لحظةٍ وطرْفةِ عيْنٍ، وأنَّ إيمانه وتوحيده بيدِهِ تعالى، لو تخلَّى عنه طرفة عينٍ لَثُلَّ عَرْشُ توحيدِه، ولخَرَّتْ سماءُ إيمانِهِ على الأرضِ، وأنَّ الممسك له: هو منْ يمسك السماء أنْ تقع على الأرضِ إلا بإذنِهِ))[7].

هيَّا أعلن افتقارك إلى الله واهتف:
فقيرًا جئتُ بابك يا إلهي
ولست إلى عبادك بالفقير
غني عنهم بيقين قلبي
وأطمَع منك في الفضل الكبير
إلهي ما سألت سواك عونًا
فحسبي العون من رب قدير
إلهي ما سألت سواك عفوًا
فحسبي العفو من رب غفور
إلهي ما سألت سواك هديًا
فحسبي الهدي من رب بصير
إذا لم أستعن بك يا إلهي
فمن عوني سواك ومن مُجيري؟


فالطلب العون من صاحب العون، واسمع إلى كلام ابن القيم - رحمه الله - إذ يقول: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ [إبراهيم: 27].

كنز عظيمٌ مَن وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنِم، ومن حُرِمَه فقد حُرِمَ، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين، فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74].

فكان أثبت الناس قلبًا وأثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب، فالقول نوعان ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة"[8].

فما مُنح عبد أعظم من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج من يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم.

رابعًا: الاستعانة بالأعمال الصالحة التي تثبت العبد عند حلول الفتن والشهوات:
رأس تلك الأعمال الصبر والصلاة؛ يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].

يقول ابن القيم رحمه الله: "الصبرُ إذا قام به العبد كما ينبغي، انقلبتْ المِحنةُ في حقِّه مِنْحةً، واستحالتِ البليَّة عطيَّة، وصار المكروهُ محبوبًا، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ عطيَّة، وصار المكروهُ محبوبًا، فإنَّ الله تعالى على العبدِ عبوديَّةً في الضَّراءِ، كما له عبوديَّةٌ في السَّرَّاءِ، وله عبوديَّةٌ عليه فيما يحبُّونه، والشأنُ في إعطاءِ العبوديَّةِ في المكارِهِ، ففيه تفاوتُ مراتبِ العبادِ، وبحسبِه كانتْ منازلُهم عند اللهِ تعالى"[9].

وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ [النحل: 127]، ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18].

وقال ابن عمر رضي الله عنه بالصبر أدركنا حسن العيش.
ولأهل السنة عند المصائب ثلاثة فنون: الصبر، الدعاء، وانتظار الفرج.

وقال الشاعر:
سقيناهموا كأسًا سقونا بمثلها
ولكننا كنا على الموت أصبرَ


وقال صلى الله عليه وسلم: "رحِمَ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ"[10].
دَبَبْتُ للمجدِ والساعون قد بلغوا
جَهْدَ النفوس وألقَوا دونه الأُزُرا
وكابَدوا المجدَ حتى ملَّ أكثرُهمْ
وعانَق المجد مَنْ أوفى ومنْ صبَرا
لا تَحسبِ المجد تمرًا أنتَ آكلُهُ
لنْ تبلغ المجد حتى تلْعق الصَّبِرا



[1] -وسائل الثبات على دين الله (ص: 8-9).

[2] - مجلة التوحيد "عدد ربيع الأول 1424"ص (34).

[3] -كتاب القضاء والقدر ص (111-112).

[4] - أخرجه أحمد (6/ 294) انظر صحيح الجامع: 4801، الصحيحة: 2091.

[5] - أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 46، رقم 29358)، وأحمد (4/ 123، رقم 17155)، وابن حبان (5/ 310، رقم 1974)، انظر الصحيحة: 3228، صحيح موارد الظمآن: 2047.

[6] - أخرجه مسلم (4/ 1994، رقم 2577)، وابن حبان (2/ 385، رقم 619)، والحاكم (4/ 269، رقم 7606).

[7] -كتاب لا تحزن (ص:163).

[8] - إعلام الموقعين (1/ 76).

[9] - لا تحزن (ص: 418).

[10] - أخرجه البخاري في: 57 كتاب فرض الخمس: 19 باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-28-2025, 01:23 AM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

الدرس الثاني عشر: تابع وسائل الثبات على الإيمان

السيد مراد سلامة


الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخِرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ناشري لواء الدين، وعلى مَن تبِعهم من سلف هذه الأمة وخلَفها ممن جاهد وبذل ورافَق ونافَح في كل وقت وحين.

خامسًا: الصلاة:
ومِن أعظم وسائل الثبات على طريق الإيمان الصلاة، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزَبه أمر فزع إلى الصلاة"[1]، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: "أرحنا بها يا بلال"[2]، ويقول صلى الله عليه وسلم: "جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"[3]، إذا ضاق الصدرُ، وصعُب الأمرُ، وكثر المكْرُ، فاهرعْ إلى المصلَّى فصلِّ، إذا أظلمتْ في وجهِك الأيامُ، واختلفتْ الليالي، وتغيَّرَ الأصحابُ، فعليك بالصلاةِ.

كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المهمَّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلاةِ، كيومِ بدْرٍ والأحزابِ وغيرِها من المواطنِ، وذكروا عنِ الحافظِ ابن حجرٍ صاحبِ (الفتحِ) أنه ذهب إلى القلعةِ بمصر، فأحط به اللصوصُ، فقام يصلي، ففرَّج اللهُ عنهُ.

وذكر ابنُ عساكر وابنُ القيمِ أنَّ رجلًا من الصالحين لَقِيَه لصٌّ في إحدى طرقِ الشامِ، فأجهز عليه ليقتله، فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتين، فقام فافتتح الصلاة، وتذكَّرَ قول اللهِ تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [النمل: 62]، فردَّدها ثلاثًا، فنزل ملكٌ من السماءِ بحربةٍ فَقَتَلَ المجرم، وقال: أنا رسولُ منْ يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ، ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132]، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: 103].


يقول ابن القيم - رحمه الله -: فالصلاةُ من أكبر العَوْن على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة، وهي منهاةٌ عن الإثم، ودافعةٌ لأدواء القلوب، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسد، ومُنوِّرةٌ للقلب، ومُبيِّضَةٌ للوجه، ومُنشِّطةٌ للجوارح والنفس، وجالِبةٌ للرزق، ودافعةٌ للظلم، وناصِرةٌ للمظلوم، وقامِعةٌ لأخلاط الشهوات، وحافِظةٌ للنعمة، ودافِعةٌ للنِّقمة، ومُنزِلةٌ للرحمة، وكاشِفة للغُمَّة"[4].

سادسًا: التزام شرع الله والعمل الصالح:
يقول الله تعالى:﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾[إبراهيم: 27].

قال قتادة: "أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة في القبر".


وكذا روي عن غير واحد من السلف.


وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا[النساء: 66]؛ أي: على الحق.


وهذا بيِّن، وإلا فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادْلَهَمَّ الخطب؟!


ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم صراطًا مستقيمًا، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل[5].


سابعًا: تدبر قصص القرآن الكريم ودراستها للتأسي والعمل:
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾[هود: 120]، فما نزلت الآيات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلهي والتفكُّه، وإنما لغرض عظيم وهو تثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفئدة المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى لَما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، أوضح للنبي صلى الله عليه وسلم الهدف من ذلك بقوله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].

ويقول العلامة ابن كثير - رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120].

وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك يا محمد؛ أي: قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك من المرسلين أسوة.

وقوله: ﴿ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ ﴾؛ أي: [في] هذه السورة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وجماعة من السلف[6].

ثامنًا: الدعاء:
ومن صفات عباد الرحمن أنهم يتوجهون إلى الله بالدعاء أن يثبتهم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: 250].

ولما كانت "قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ" [7].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دينك"[8].

فالدعاء هو سلاح المؤمن الذي يدافع به عن نفسه وبه تثبت الأقدام والقلوب.

رأى أصحاب نور الدين محمود زنكي إنفاقه على الفقراء والمساكين، ولا سيما طلبة العلم وشدة طلبه الدعاء منهم، فعوتِب في ذلك فقال: "والله إني لأرجو النصر إلا بأولئك، كيف أقطع صلات قوم يقالون عني وأنا نائم على الفراش بسهام لا تخطئ (يريد الدعاء)، وأصرفها إلى قوم لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تُصيب وقد تخطئ"[9].

وما هو صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى ربه بالدعاء يوم بدر، ويوم الأحزاب، وغيرها من مواقف ومعارك.

تاسعًا: الالتفاف حول العناصر المثبتة:
تلك العناصر التي من صفاتها ما أخبر به صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه"[10].

البحث عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين والالتفاف حولهم مُعين كبير على الثبات، وقد حدث في التاريخ الإسلامي فتن ثبت الله فيها المؤمنين برجال؛ قال علي رضي الله عنه: "إنا كنا إذا حمى البأس - ويروى: إذا اشتد البأس - واحمرَّت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا"[11].

ومن ذلك ما قاله علي بن المديني رحمه الله: "أعز الله الدين بالصِّديق يوم الرِّدة، وبأحمد يوم المحنة".

وتأمل ما قاله ابن القيم رحمه الله عن دور شيخ الإسلام في التثبيت: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرَغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"[12].

هنا تبرُز الأخوَّة الإسلامية مصدرًا أساسًا للتثبيت، فإخوانك الصالحون والقدوات والمربون هم العون لك في الطريق، والركن الشديد الذي تأوي إليه، فيثبتوك بما معهم من آيات الله والحكمة، الزمهم وعِش في أكنافهم، وإياك والوحدة، فتتخطَّفك الشياطين؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية[13].

والتمسُّك، بل العض بالنواجذ على الصاحب الصالح والمصاحبة، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة في كتاب الله تعالى، لكفتنا في الصحبة والمصاحبة؛ يقول الحق جل وعلا: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

تأملوا في زمن الفتن والشهوات الوصية:
ولا تصحب الأردى فتَردَى مع الرَّدي
فكلُّ قرينٍ بالمقارن يقتدي




وكم من شاب يحب الخير، ويتمنى الصلاح، لكن شياطين الإنس له بالمرصاد، وكم من فتاة فيها الخير وعلى الفطرة، وتحب الصلاح، ولكن شياطين الإنس من الفتيات ممن جلسنَ لها بالمرصاد، يصدونها عن ذكر الله وعن الخير، ونعوذ بالله من شر الناس، فإياك وصحبة البطال وعليك بالأبطال"[14].

عاشرًا الرضا:
وللرضا ثمرات إيمانية كثيرة وافرة تنتج عنه، ويرتفع بها الراضي إلى أعلى المنازل، فيصبح راسخًا في يقينه ثابتًا في اعتقاده، وصادقًا في أقواله وأعماله وأحواله، فالرِّضا يُوجِبُ الطُّمأنينة، وبردَ القلبِ، وسكونَه وقراره، وثباته عند اضطرابِ الشُّبهِ والتباسِ والقضايا، وكثْرةِ الواردِ، فيثقُ هذا القلبُ بموعودِ اللهِ وموعودِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويقولُ لسانُ الحالِ: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: 22].


والسخطُ يوجبُ اضطراب قلبِه، وريبتهُ وانزعاجهُ، وعَدَمَ قرارِهِ، ومرضهُ وتمزُّقهُ، فيبقى قلِقًا ناقِمًا ساخِطًا متمرِّدًا، فلسانُ حالِه يقولُ: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: 12]، فأصحابُ هذه القلوبِ إن يكُن لهمُ الحقُّ، يأتوا إليه مُذعِنِين، وإن طُولِبوا بالحقِّ إذا همْ يصْدفِون، وإنْ أصابهم خيرٌ اطمأنُّوا به، وإنْ أصابتهم فتنةٌ انقلبُوا على وجوههِم، خسرُوا الدنيا والآخرة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: 11].


كما أنّ الرضا يُنزلُ عليه السكينة التي لا أَنْفَعَ له منها، ومتى نزلتْ عليه السكينةُ، استقام وصلحتْ أحوالُه، وصلح بالُه، والسُّخط يُبعِدُه منها بحسبِ قلَّتِه وكثرتِه، وإذا ترحَّلتْ عنهُ السكينةُ، ترحَّل عنه السرورُ والأمْنُ والراحةُ وطِيبُ العيشِ. فمنْ أعْظَمِ نعمِ اللهِ على عبدِه: تنزُّلُ السكينةِ عليهِ. ومنْ أعظمِ أسبابِها: الرضا عنه في جميعِ الحالاتِ.
رضينا بك اللهم ربًّا وخالقًا
وبالمصطفى المختار نورًا وهاديَا
فإما حياة نظم الوحي سيرَها
وإلا فموت لا يَسُرُّ الأعادي


الحادي عشر: ذكر الله تعالى:
تأمل في هذا الاقتران بين الأمرين في قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأنفال: 45]، فجعله من أعظم ما يُعين على الثبات في الجهاد.

"وتأمل أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها - ما بين القوسين مقتبس من كلام ابن القيم رحمه الله في الداء والدواء - بالرغم من قلة عدد وعدة الذاكرين الله كثيرًا.

- وبماذا استعان يوسف عليه السلام في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لَما دعته إلى نفسها؟ ألم يدخل في حصن "معاذ الله"، فتكسَّرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه؟

وكذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين[15]، وذكر الله - عز وجل - هو الحصن الذي يتحصن به المسلم من أعدائه؛ كما في الحديث الذي أخرجه الإمام احمد والترمذي من حديث الحارث الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ"[16].

فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقًا بالعبد ألا يَفتُرَ لسانه من ذكر الله تعالى، وألا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يَحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثَب عليه وافترسه.

وإذا ذكر الله تعالى انخنَس عدو الله تعالى، وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سُمي الوسواس الخناس؛ أي يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس؛ أي: كف وانقبض؛ قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس"[17].

[1] أخرجه أحمد (5 /388) وأبو داود (1319) انظر صحيح الجامع: 4703
[2] ((جامع الأصول)) (6 /263)، ((المسند)) (5/364)، ((المعجم الكبير)) (6/339)، ((مشكاة المصابيح)) (1 /393)، ((تخريج إحياء علوم الدين)) (1 /369 - للحداد)، ((إحياء علوم الدين)) (1 /165 - تخريج العراقي).
[3] أخرجه الضياء في " المختارة " (1532) المعجم الكبير: 20 /420.
[4] زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 209)
[5] وسائل الثبات على دين الله (ص: 11-12).
[6] تفسير ابن كثير-(2/ 465)
[7] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب القدر -باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء -4/ 2045، رقم 17).
[8] حسن، لشواهده: أخرجه أحمد (6/294) انظر صحيح الجامع: 4801، الصحيحة: 2091
[9] وقفات مع الأبرار ص (105).
[10] أخرجه الحسين المروزي في "زوائد الزهد" (968) وابن ماجه (237) وأبو الغنائم النرسي في "قضاء الحوائج" (24)
[11] مسند أحمد، تحقيق الشيخ شاكر 2/ 64 رقم 654، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح، ومجمع الزوائد 9/ 12.
[12] الوابل الصيب (ص: 67)
[13] وسائل الثبات (ص: 26)
[14] الثبات في زمن المتغيرات ص (24-26).
[15] وسائل الثبات (ص: 28)
[16] رواه الترمذي (2867). صحيح الجامع: 1724 ، صحيح الترغيب والترهيب: 552
[17] الوابل الصيب (ص: 56)

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله
* فوائد صيام الست من شوال للصحة والجسد
* أحكام زكاة الفطر (word)
* 5 خطوات لحماية أولادك من الاستدراج الإلكترونى
* الليلة الثالثة والعشرون: وقفات مع مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
* من رقائق رمضان (نعمة الهواء)
* السلطان محمود الأول

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
مراد, الشيخ, دروس, رمضانية, سلامة
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دروس الشيخ ابن عثيمين في الحرمين أبو طلحة ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 4 02-23-2025 07:37 PM
وفاة الشيخ سعيد عبد العظيم رحمه الله واليكم موسوعة دروس و خطب وتلاوات الشيخ 291 مقطع الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 07-06-2024 09:21 PM
فوائد من دروس الشيخ ابن عثيمين في الحرمين أبو طلحة ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 35 01-31-2022 04:44 PM
دروس الشيخ ابن عثيمين في الحرمين أبو طلحة ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 1 12-09-2020 04:12 PM
إعلان عن دروس الشيخ أحمد رزوق في إذاعة القرآن الكريم Abujebreel ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 5 02-16-2019 01:34 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009