استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي > قسم المناسبات الدينية
قسم المناسبات الدينية كل ما يخص المسلم في جميع المناسبات الدينية من سنن وفرائض
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 04-03-2026, 05:45 PM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي


– باب: تأخير السحور


عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَال: خَمْسِينَ آيَةً. رواه مسلم في الباب السابق، ورواه البخاري في الصوم (1921).قوله: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ» فيه دليلٌ على أنه يستحب تأخير السحور إلى قُبيل الفجر، فقد كان بينَ فراغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه زيد - رضي اللهع نه - مِنْ سُحورهما، ودخولهما في الصلاة، قدر ما يقرأ الرجلُ خمسين آيةً مِنَ القُرآن، قراءةً متوسطة لا سريعة ولا بطيئة، وهذا يدل على أنّ وقت الصّلاة قريبٌ من وقتِ الإمساك.
وفي لفظ البخاري (1921) عن زيد - رضي الله عنه - قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ قام إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بين الأذانِ والسّحور؟ قَال: قدْر خَمْسِينَ آيَةً. والمراد بالأذان هنا: الإقامة، سُميت أذاناً لأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة، وقد ورد في «صحيح البخاري»(576) أيضاً: أنّه قيلَ لأنس - رضي الله عنه -: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا، ودُخُولِهِمَا فِي الصَّلاةِ؟ قَال: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.

تعجيل السُّحور
وتعجيل السُّحور في مُنتصف الليل جائز، لكنّه خلافُ السُّنة؛ فإنّ السّحور سُمّي بذلك؛ لأنّه يقع في وقت السَّحَر وهو آخر الليل، والإنسان إذا تسحّر نصف الليل قد تفوته صلاةُ الفجر لغلبة النّوم، ثمّ إنّ تأخير السُّحور أرفق بالصّائم وأدعى إلى النشاط؛ لأنّ مِنْ مقاصد السحور تقوية البدن على الصّيام، وحفظ نشاطه، فكان من الحكمة تأخيره، كما سبق؛ فينبغي للصائم أنْ يتقيّد بهذا الأدب النبوي، ولا يتعجل بالسّحور.
آداب الصيام

ومن آداب الصيام التي نصَّ عليها أهل العلم: ألا يُسرف الصائم في وجبة السُّحور، فيملأ بطنه بالطعام، بل يأكل بمقدار، فإنّه متى شَبِع وقت السّحر لمْ ينتفع بنفسه إلى قريب الظهر، لأنّ كثرة الأكل تورث الكسل والفُتور، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «نِعْم سُحُور المُؤمن التّمْر». أخرجه أبو داود (2345). إشارة إلى هذا المعنى، فإنّ التّمر قيمته الغذائية العالية، وهو خفيفٌ على المَعدة، سهل الهَضْم، لا يُثقل.
باب: صِفةُ الفَجْر الذي يُحرّمُ
الأكلَ على الصّائم
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا- وحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ- قَال: يَعْنِي مُعْتَرِضًا». الحديث رواه مسلم في الصيام في الباب السابق، ورواه البخاري في الصوم بنحوه (1918) باب: قول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمنعنَّكم مِنْ سُحُوركم أذانُ بلال».
قال ابن بطال: لمْ يصح عند البخاري لفظ الترجمة، فاسْتخرج معناه من حديث عائشة.
وقد روى لفظ الترجمة سمرة مرفوعا: «لا يَمْنعنّكم منْ سُحوركم أذانُ بلال، ولا الفجر المُستطيل، ولكن الفَجْر المَسْتطير في الأفق». عند مسلم أيضا.

وصحّ أيضا على شرطه حديث ابن مسعود بلفظ: «لَا يَمْنَعَنَّ أحَدَكُمْ- أوْ أحَدًا مِنكُم- أذَانُ بلَالٍ مِن سَحُورِهِ، فإنَّه يُؤَذِّنُ - أوْ يُنَادِي بلَيْلٍ- لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، ولِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ...». الحديث.
عَلامةِ هذا الفَجرِ الصَّادِقِ
وفي حديث سمرة الذي أخرجه مسلم بيانٌ لما أبْهم في حديث ابن مسعود، وذلك أن في حديث ابن مسعود: «وليسَ الفَجر أنْ يقول- ورفع بأصابعه إلى فوق وطأطأ إلى أسفل- حتى يقول هكذا»، وفي حديث سمرة عند مسلم: «لا يَغرنّكم من سُحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يَسْتطير هكذا» يعني: مُعترضاً.
فبيّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ إلى عَلامةِ هذا الفَجرِ الصَّادِقِ؛ فأمَرَهم أنْ يَأكُلوا ويَشرَبوا «حتَّى يَستَطيرَ هكذا»، أي: حتَّى يَظهَرَ في الأُفُقِ الفَجرُ مُستطِيراً، أي: مُستَعرِضاً.
وفي رواية: «ولا هذا البياضُ حتى يَسْتطير» وقد تقدم لفظ رواية الترمذي، وله من حديث طلق بن علي: «كلُوا واشْربُوا ولا يَهيدنكم السّاطع المُصْعد، وكلُوا واشْربُوا حتى يعترضَ لكم الأحمر». وقوله: «ولا يهيدنكم» بكسر الهاء، أي: لا يزعجنّكم فتمتنعوا به عن السّحور، فإنّه الفَجر الكاذب، يقال: هدته أهيده إذا أزْعجته، وأصل الهيد بالكسر الحركة.
الفجرُ فَجْران
ولابن أبي شيبة عن ثوبان مرفوعا: «الفجرُ فَجْران: فأمّا الذي كأنّه ذَنَبُ السّرحان فإنه لا يَحلّ شيئاً ولا يُحرّمه، ولكن المستطير» أي: هو الذي يُحرّم الطّعام ويُحل الصلاة، وهذا موافق للآية الماضية في الباب قبله؛ فبيَّنَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقتَ إمْساكِ الصَّائِمِ عنِ الطَّعامِ في شَهرِ رَمَضانَ، وهو وَقتُ الفَجرِ الصَّادِقِ، وأوضَحَ أنَّ المُسلِمَ يَأكُلُ ويَشرَبُ إلى أذانِ الفَجرِ الحَقِيقيِّ.
وهذا الحَديثُ: يدلُ على أنَّه كان على عَهدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَذانانِ للفَجرِ: الأوَّلُ يَرفَعُه بِلَالُ بنُ رَباحٍ - رضي الله عنه -، وهذا هو الَّذي قال فيه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَغُرَّنَّكُم مِن سَحُورِكُم أَذانُ بِلَالٍ، ولا بَياضُ الأُفُقِ المُستَطيلُ هكذا»، فهو إرْشادٌ للمُسلِمينَ إلى أنْ يَأكُلوا ويَشْرَبوا إذا سَمِعوا أَذانَ بِلَالٍ؛ لأنَّه كان تَنبيهًا على اقتِرابِ دُخولِ وقتِ الفَجرِ فقطْ، وكان أَذانُ بِلَالٍ في وقتِ استِطالةِ بَياضِ الأُفُقِ في السَّماءِ، وكان لِيَستَيقِظَ النَّائمُ، ويَنتَبِهَ القائِمُ الَّذي يُصلِّي، ثُمَّ يكونُ بعدَه الأذانُ الثَّاني الَّذي يَرْفَعُه ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ، وبِسَماعِه يُمسِكُ النَّاسُ عنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ويَبْدأُ الصِّيامُ.
ففي الحديث: كان بلال يُؤذن في آخر الليل حتى يَنْتبه القائم، وأنّ الصّبح قريب حتى يقوم مَنْ يُريد التّهجد، ويُوتر مَنْ لم يُوتر، وحتى يوقظ النائم ليستعدّ لصلاة الفجر، ولا بأس أنْ يؤذن الأول قبل الفجر بنصف ساعة أو نحوها، حتى ينتبه الناسُ أنّ الفجر قريب؛ وليستعدّ لصلاة الفجر، ثم الأذان الأخير بعد طلوع الفجر.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-03-2026, 05:47 PM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي


– باب: {حَتَّى يَتَب


عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - صلى الله عليه وسلم - قَال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (البقرة: 187). قَال: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ، فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: {مِنْ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ: اللَّيْلَ والنَّهَارَ. الحديث رواه مسلم في الصيام (2/766-767) باب: بيان أنّ الدخول في الصّوم يحصل بطُلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلّق به الأحْكام منَ الدخول في الصَّوم، ودخول وقت صلاة الصُّبح، وغير ذلك، ورواه البخاري في الصوم (1917) باب: قول الله -تعالى- {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ثمّ أتموا الصيام إلى الليل} (البقرة: 187).
قوله: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} البقرة: 187». يُبيِّنُ الصَّحابيُّ الجَليلُ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ - رضي الله عنه - كيف نزلَتْ بعضُ آياتِ الصِّيامِ، حيثُ نزَلَ أوَّلًا قولُه -تعالى-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} (البقرة: 187)؛ ففَهِم بَعضُ الصَّحابةِ لَفظَ الآيةِ على ظاهِرِه، فكان أحدُهم إذا أراد أنْ يَصومَ، أحضَرَ خَيطينِ: خَيطًا أبيضَ، وآخَرَ أسودَ، وربَطَهما في قَدَمِه، وكان يَأكُلُ ويَشرَبُ حتَّى يَظهَرَ له الفرْقُ بيْن اللَّونينِ، بعْدَ طُلوعِ الصُّبحِ ودُخولِ النَّهارِ، فأنزَل اللهُ بعْدَ ذلك قولَه: {مِنَ الْفَجْرِ} فعَلِم الصَّحابةُ أنَّ المقصودَ بالخَيطِ الأبيضِ والخيطِ الأسودِ، هو بَياضُ النَّهارِ، وسَوادُ اللَّيلِ، وأنَّ دُخولَ الفَجرِ هو الحدُّ الفاصلُ بيْن انتهاءِ اللَّيلِ وبِدايةِ النَّهارِ؛ ليُمسِكَ كلُّ مَن أراد الصِّيامَ عنِ الأكلِ والشُّربِ، مع هذه العلامةِ البارزةِ الواضحةِ.
من أدلة نزول القرآن مفرقًا
فقوله -تعالى-: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}، بيّنه قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} والعرب تُسمّي ضوء الصُّبح خيطاً، وظلام الليل المُختلط به خيطاً، لأنَّ أولَ ما يبدو مِنَ الفجر المُعترض في الأفق، كالخَيط المَمْدود، وهذا ممّا يدل على أنّ القرآنُ الكريمُ كان يَنزِلُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُفرَّقًا مُنجَّماً، ولم يَنزِلْ جُملةً واحدةً، وكانت الآياتُ تَنزِلُ يُفسِّرُ بَعضُها بعضًا، وكان الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم يُسارِعُون في تَحقيقِ أوامرِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- المُنزَّلةِ في كَلامِه أوَّلًا بأوَّلٍ، واجْتناب نواهيه فيها.
إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وبَيَاضُ النَّهَارِ

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أنّ عَدِىُّ بْنُ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - ممن فعل ذلك، فقد قال: لمّا نزل قوله -تعالى-: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} قَالَ عَدِىُّ بْنُ حَاتِمٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ، عِقَالاً أَبْيَضَ، وعِقَالاً أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وبَيَاضُ النَّهَارِ»؛ معناه: إنْ كان وسادك وهي الوسادة والمخدّة، يسع الخيطين الأبيض والأسود، وهما الليل والنهار، إنّه لوسادٌ عريض ضخم. قال ابن كثير: ومعنى قوله: «إنّ وِسَادك لعَريض» أي: إنْ كان يَسعُ تحته الخيطين المرادين من هذه الآية، فيَقْتضي أنْ يكون بعَرْض المشرق والمغرب.
وقوله: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا» أي: منظرهما، ومنه قوله -تعالى-: {أحسنُ أثاثاً ورئياً} (مريم: 74).
مسألة (1)
يسأل بعضُهم سؤالاً فيقول: في كتاب الله -عزّوجل- جاء بيان أنّ الصّوم يبدأ منْ ظُهور الخيط الأبيض من الأسود، فلماذا نرى الناس الآن يبدؤون الصوم مع أذان الفجر، مع أنّ النص القرآني صريح؟
والجواب: نعم الآية واضحة في أنّ الصّوم يبدأ من تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وكلامٌ صحيح، والمراد بالخيط الأبيض هو بياض النهار، وبالخيط الأسود سواد الليل، كما فسّره بذلك مَنْ أنزل عليه القرآن، وهو النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الوقت الذي يُؤذّن عليه المؤذّنون، بالتوقيت الذي تضعه إدارات المَساجد، فما عليه الناس اليوم من ترك الأكل والشرب مع أذان الفجر، هو الصّواب الذي يجبُ على كل مسلم أنْ يفعله، ولصُعوبة تمييز الخَيط الأبيض منَ الخيط الأسْود اليوم، بظلّ كثرة المنازل، وتطاول البنيان في المُدن، وكثرة الأضْواء المانعة مِنَ الرُّؤية.
مسألة (2)

هل يصح القول أنّ الوقت الصحيح لبيان الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، هو كما جاء عن بعضِ السّلف بطُلوع الشمس؟
والجواب: ما روي عن بعض السلف مِنْ أنّهم أباحوا الأكل حتى طلوع الشمس، فهو وإنْ كان مَروياً عن حذيفة - رضي الله عنه - وغيره، إلا أنّهم مَحْجُوجون بالنُّصوص الدالة على وجوب الإمساك من طلوع الفجر، فهو اجتهادٌ أخطؤوا فيه -رضي الله عنهم-، قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في حاشيته على (سُنن أبي داود): «وقد اختلفَ في هذه المسألة: فروى إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشُّهرة لصليت الغداة، ثمّ تسحّرت؟ ثمّ ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا، ثمّ قال: وهؤلاء لمْ يروا فرقاً بينَ الأكل، وبين الصّلاة المكتوبة. هذا آخر كلام إسحاق. وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضاً.
وذهبَ الجمهور إلى امتناع السُّحور بطُلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمَصار، وروي معناه عن عمر وابن عباس، واحتج الجمهور بقوله -تعالى-: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلُوا واشْربوا حتى يُؤذّن ابن أم مكتوم».
وبقوله: «الفَجْرُ فَجْران: فأمّا الأوّل، فإنّه لا يُحرّم الطّعام، ولا يُحلّ الصّلاة، وأمّا الثاني: فإنَّه يُحرّم الطَّعام، ويُحلّ الصّلاة». رواه البيهقي في سننه. انْتهى.
وفي المُجموع للنووي ذكر الخِلاف في ذلك، وفصّل أدلّة الجُمهور بأوْسع من هذا، وهذا ما عليه عملُ المُسْلمين قاطبة؛ من الإمساك عن المفطرات بأذانِ الفَجر الثاني.
باب: إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا

عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهمَا- قَال: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». قَالَ: ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، ويَرْقَى هَذَا. رواه مسلم في الباب السابق نفسه.
قوله: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى» فيه أنّ مِن هَدْيِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يكون للفجْرِ أذانينِ؛ الأوَّلُ: أذانٌ باللَّيلِ قبْلَ دُخولِ الوقتِ بمُدَّةٍ لِيَستيقظَ النائمُ، ويَنتبِهَ القائمُ لصلاة الليل، ويَتسحَّرَ مَن أراد الصِّيامَ.
والأذان الثاني: هو عندَ دُخولِ وَقتِ الفجْرِ، وهو الذي يُمسِكُ الناسُ فيه عن الطَّعامِ والشَّرابِ، ويَبدَأُ به الصَّومُ.
وفي هذا الحَديثِ بَيانُ ذلك، حيثُ يُبيِّنُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ في آخِرِ اللَّيلِ قبْلَ طُلوعِ الفَجْرِ، وعليه فلا تَنقطِعوا عن طَعامِكم وشَرابِكم، ولا تَبدؤوا صِيامَكم حتَّى يُؤذِّنَ ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ، واسْمُه عَبدُ اللهِ، وقيل: عمْرُو بنُ زائدةَ؛ لأنَّه هو الذي يُؤذِّنُ بعْدَ طُلوعِ الفَجْرِ، وكان ابنُ أمِّ مَكْتُومٍ رجُلًا أعْمَى لا يُؤذِّنُ بصَلاةِ الصُّبحِ حتَّى يَتحقَّقَ طُلوعَ الفَجرِ، ويُناديَ عليه النَّاسُ، ويُخبِروه بأنْ دخَلْتَ في الصَّباحِ، أو طلَعَ الصَّباحُ، فيَعلَمُ ابنُ أمِّ مَكتومٍ بذلك دُخولَ وَقتِ الفجْرِ بيَقينٍ، فيُؤذِّنُ.
قوله: «ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، ويَرْقَى هَذَا» قال العلماء: معناه أنّ بلالاً كان يؤذن قبل الفجر، ويتربّص بعد أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهّب ابنُ أمّ مكتوم للطّهارة وغيرها، ثمّ يرقى ويَشرع في الأذان مع أول طُلوع الفجر.

من فوائد الحديث
الصِّيامَ إلى آخِرِ وَقتٍ قَبْلَ الفَجْرِ، ولا يوجد ما يُسمّى: وقت الإمساك.
- وفيه: مَشروعيَّةُ اتِّخاذِ مُؤذِّنيْنِ لمَسجدٍ واحدٍ.
- وفيه: مَشروعيَّةُ كَونِ المُؤذِّنَ أعْمى، إذا كان عنده مَنْ يُنبهه لدخول وقت الصلاة، مِنْ شخصٍ أو ساعة ونحوها.
- وفيه: جواز ذِكرُ الإنْسانِ بما فيه مِن العاهاتِ للتعريف به؛ ليُستدَلَّ بذلك على ما يُحتاجُ إليه منه، إذا كان مَشهوراً بها، ولم يُذكَرْ على سَبيلِ الذَّمِّ أو التَّنقُّصِ له.
- وفيه: مَشروعيَّةُ أنْ يُنسَبَ الرَّجلُ إلى أُمِّه إذا كان مَعروفًا بذلك، مِثل ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وغيره.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2026, 08:39 PM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

– باب: صَومُ مَنْ أد


عَنْ عَائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنهما- زَوْجَيْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُما قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيُصْبِحُ جُنُباً، مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ، فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ؛ وعَنْها -رضي الله عنها-: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَفْتِيهِ، وهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وأَنَا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ»، فَقَال: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَال: «وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي». الحديثان رواهما مسلم في الصيام (2/780-781) باب: صحّة صوم مَنْ طلع عليه الفجرُ وهو جُنُب.
أمّا الحديثُ الأول: قولهما: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيُصْبِحُ جُنُباً» وفي رواية له: «كان رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُدْركه الفَجْر» يعني وقت الفجر، فيلزمه الصّوم وهو جُنُب، لا أنّها تُدركه الصلاة فيتأخر عنها، وفي رواية له عن أم سلمة: كان رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصْبح جُنُباً من جماعٍ لا مِن حُلُم، ثمّ لا يُفْطر ولا يَقْضي.
قولهما: «وهو جُنبٌ من أهله»
تُفسّره الروايات الأخرى، ومنْها: «يُصبح جُنُباً منْ جِماعٍ لا مِنْ حُلُم»، فإنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لمْ يكنْ يَحتلم؛ لأنّ الاحْتلام منَ الشّيطان، والشّيطان لا سُلطان له عليه، وهذا مِنْ خصائصه الشريفة، ولا يعني ذلك أنّ الذي يُدْركه الفَجر مِن احْتلام أنّه لا يجوز له الصّيام، فليس الحُكم خاصّاً بمن أصابته الجَنَابة مِنْ أهله، وإنّما أنّ ذلك كان باختياره، فغيره الذي لا يقع باختياره كالمحتلم أولى بأنْ يُعْذر، فمَن أدْركه الفجر وهو جُنُب فإنّه يَصُوم ولا يُفطر يومه ذلك، ولا يجبُ عليه قضاء.
قولهما: «ثمّ يَغتسلُ ويَصُوم»

فيه أنّه لا علاقة للصّيام بالجَنابة، فلو أنّ إنْساناً لم يستطع الاغْتسال، أو كان فاقداً للماء، فإنّه يصومُ وصَومه صَحيح، وعليه التّيمم للصّلاة لا للصيام، ولا فرقَ بين صَومِ النَّفْل وصوم الفَرض في ذلك، ومثله الحائض: فإنّها إذا طَهُرت قبل الفجر، فإنّها تَصوم ولو لمْ تَغْتسل إلا بعـد طلـوع الفجر، لكن إذا لمْ تَطْهر ولمْ يَنْقطع الدم إلا بعد طُلوع الفجر، فإنّه لا يلزمها الإمْسَـاك، ولا يَصحّ أنْ تنوي الصّيام، وعليها القضاء.
الحديث الثاني

في هذا الحديثِ تَرْوي أمُّ المؤمنينَ عائشَةُ -رَضِي اللهُ عنها-: أنَّ رَجلًا جاءَ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَستَفتيهِ في مَسألةٍ تخُصُّ طَهارةَ الصَّائمِ مِن الجَنابةِ، وكانت عائشَةُ -رَضِي اللهُ عنها- منْ وَراءَ البابِ تَسمَعُ، فأخبَرَ الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صَلاةَ الفَجرِ تُدرِكُه وهو جُنبٌ، فهلْ يَصومُ على حالِ الجَنابةِ ثمَّ يَغتسِلُ بعْدُ؟ والجَنابةُ تُطلَقُ على كُلِّ مَنْ أَنزَلَ المَنِيَّ أو جامَعَ، وسُمِّيَ بذلك لاجتِنابِه الصَّلاةَ والعباداتِ حتَّى يَتطَّهَّرَ مِنها، فَقالَ له رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وأَنا تُدرِكُني الصَّلاةُ وأَنا جُنبٌ، فَأَصُومُ» وقدْ أجابه - صلى الله عليه وسلم - بفعلِه هو؛ لأنَّه أبلَغُ ممَّا لو قال له: اغتَسِلْ وصُمْ.
وهذا كما سبق بَيانٌ لمَشروعيَّةِ صِيامِ الجُنبِ قبْلَ الاغتسالِ؛ وذلك أنَّ حُدوثَ الجَنابةِ قبْلَ الفجرِ؛ لا تَمنَعُ مِن عقْدِ نِيَّةِ الصِّيامِ ولا تَقطَعُه.
فَقالَ الرَّجلُ: «لَسْتَ مِثلَنا يا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ غَفرَ اللهُ لَكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَما تَأخَّرَ»، أي: إنَّ هذا مِن خَصائصِكَ، ولَيس عليك حرَجٌ فيما تَفعَلُ. وفي رِوايةِ أبي داودَ: «فَغَضِبَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -» وإنَّما غَضِبَ - صلى الله عليه وسلم - لاعتقادِ الرَّجلِ الخُصوصيَّةَ بلا عِلمٍ، مع كونِه أخبَرَه بفِعلِه - صلى الله عليه وسلم - جَوابًا لسُؤالِه.
وَاللهِ، إِنِّي لَأرجو أنْ أَكونَ أَخشاكُم لِلهِ

ثمّ قال له رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَاللهِ، إِنِّي لَأرجو أنْ أَكونَ أَخشاكُم لِلهِ»، أي: أكونَ أشَدَّكم خَشيةً لله مِن عُقوبتِه، «وأَعلمَكُم بِما أَتَّقي»، أي: أكونَ أكثَرَكم عِلماً بما أتَّقِي به اللهَ -سُبحانه-، ورَجاؤه - صلى الله عليه وسلم - مُحقَّقٌ باتِّفاقٍ، وهَذا فيهِ إنكارٌ على مَن نَسَبَ لَه التَّقصيرَ في العِبادةِ، لِلاتِّكالِ على المَغفرَةِ.
ومثله حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا». رواه البخاري في كتاب الإيمان حديث رقم (20): باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا أعلَمُكم بالله» وأنّ المعرفة فعل القلب.
كان - صلى الله عليه وسلم - يأمُر أصْحابه بما يُطيقون

قال الحافظ ابن رجب: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمُر أصْحابه بما يُطيقون من الأعمال، وكانوا لشدّة حرصهم على الطاعات، يريدون الاجْتهاد في العمل، فربما اعتذروا عن أمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرّفق واسْتعماله له في نفسه، أنّه غير محتاجٍ إلى العمل، بضمانِ المَغفرة له، وهم غير مضمونٍ لهم المغفرة، فهم يَحتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك، فكان - صلى الله عليه وسلم - يَغضب من ذلك، ويخبرهم أنّه أتقاهم وأعلمهم به.
عِلمُ النبي عِلمُ يقين

فكونه أتقاهم لله يتضمن شدّة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله وإنّما زاد علمه بالله لمعنيين:
- أحدهما: زيادة معرفته بتفاصيل أسْمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه، وعظمته وكبريائه، وما يستحقّه من الجَلال والإكْرام والإعظام.
- والثاني: أنّ عِلْمه بالله مستندٌ إلى عينِ اليقين، فإنّه رآه إمّا بعين بصَره، أو بعين بَصِيرته، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: رآه بفؤاده مَرتين. وعلمهم به مستندٌ إلى علم يقين، وبين المرتبتين تباين، ولهذا سأل إبراهيم -عليه السلام- ربه أن يُرقّيه منْ مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، بالنسبة إلى رؤية إحْياء الموتى. قال: فلما زادت معرفة الرسول بربّه، زادت خشيته له وتقواه، فإنّ العلم التام يستلزم الخشية كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر: 28). فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى، إنّما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله.
وقد خرج البخاري في آخر «صحيحه» عن مسروق قال: قالت عائشة: صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ترخّصَ فيه، وتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله، ثمّ قال: «ما بالُ أقوام يتنزّهون عن الشَّيء أصْنَعه؟! فوالله إني لأعْلَمُهم بالله، وأشَدّهم خَشية».

ما يؤخذ من الحديثين

- الصِّيامِ عبادة لها أحْكامٌ يَنبغِي للمُسلمِ أنْ يَعلَمَها ويَعمَلَ بها وقد بيَّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم واجباتِه وسُننَه ومَكروهاتِه بالقولِ والفعلِ
- وفيهما: أنّ الأحْكام الشّرعيّة الأصلُ فيها أنّها ليستْ خاصّة بالنّبي صلى الله عليه وسلم بل هي للأمّة عامة
- وفيهما: تيسير الإسْلام على العباد فيما يسّر الله فيه عليهم، لا في ترك الطّاعات.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2026, 08:41 PM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي

– باب: في الصّائِمين


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نَسِيَ وهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقَاهُ». الحديث رواه مسلم في الصيام (2/809) باب: أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، ورواه البخاري في الصوم (1933) باب: الصّائم إذا أكلَ أو شرب ناسياً. قوله: «َمَنْ نَسِيَ وهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ: يُبيَّن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ مَن أكَل أو شَرِب ناسياً وهو صائمٌ، فإنَّه يَبْقَى على صِيامِه، وصومه صحيح ولا يُفطِرُ، ولا إثْم عليه؛ إذْ لا قصدَ له في ذلك ولا إرادة، بل هو رزقٌ ساقه الله إليه؛ ولهذا أضاف إطْعامه وسقيه إلى الله -تعالى-، وما يكون مُضافاً إلى الله -تعالى- لا يؤاخذ عليه العبد؛ لأنّه إنّما يُنهى عن فعل ما يجوز له، والأفعال التي ليست اختيارية لا تدخل تحت التكليف، ولا فَرْق بين الأكل والشّرب القليل والكثير، لعموم الحديث، وخَصَّ الأكلَ والشُّربَ مِنْ بينِ المُفَطِّراتِ؛ لغَلَبَتِهما، ونُدرةِ غيرِهما، كالجِماعِ.
قولِه: «فإنَّما أَطْعَمه اللهُ وسَقاه»
بيَّن أنَّه لا يَلزَمُه القَضاءُ، فنَسَبَ الفِعلَ للهِ -تعالى- لا للنَّاسِي؛ للإشعارِ بأنَّ الفِعلَ الصَّادرَ منه مَسلوبُ الإضافةِ إليه، فلوْ كان أفْطَرَ متعمّداً؛ لأُضِيفَ الحُكمُ إليه، وهذا لُطفٌ مِن اللهِ -تعالى- بعِبادِه، ورَحمةٌ بهم. بخِلافِ المتعَمِّدِ؛ فإنَّه يقضي اليوم. وليس عليه قضاء؛ لأنّه أُمر بالإتمام، وسمى الذي يُتَمَ صوماً، فدل على أنه صائم حقيقة.
لا قضاء على من أكل أو شرب ناسيًا
وصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وكونه لا قضاء عليه؛ أمْرٌ مُجْمعٌ عليه تقريباً، ويقاس على الأكل والشرب بقية المفطرات، كالجماع، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أفْطرَ في شهرِ رَمضان ناسياً، فلا قَضَاءَ عليه، ولا كفّارة». أخرجه ابن حبان (8/288)، والحاكم (1/430) وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) (6070).
قاعدة عظيمة عامة

وهذا الحُكم في الصّائم، هو فردٌ منْ أفراد القاعدة العظيمة العامة في قوله -تعالى-: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: 286). وقد صحّ في الحديث الشريف: «أنّ الله -تعالى- قال إجَابةً لهذا الدعاء: «قد فعلتُ». وفي رواية: «قال: نعم»، وهذا منْ لُطْفٌ الله -تعالى- بعباده، وتيسيرٌ عليهم، ورفع الحَرَج والمَشقّة عنهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لي عنْ أمّتي: الخَطَأ، والنِّسْيان، وما اسْتُكْرهُوا عليه». رواه أحمد وابن ماجة.
وكذلك مَنْ اغْتسلَ أو تمضمض أو استنشق، فدخل الماء إلى حَلقه بلا قصد، لم يَفْسُد صومه، وكذا لو طار إلى حَلْقه ذُبابٌ أو غبار من طريق أو دقيق أو نحو ذلك، أو وصل الدّواء مِنْ أنفه إلى حَلقه بغير اختيار لمْ يَفسد صومه؛ لأنّه لا قصد له ولا إرادة، فهو كالناسي في تَرْك العَمْد وسَلب الاختيار.
وهذا ما بوّب به البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: «باب الصّائم إذا أكل أو شرب ناسياً»، ثم قال: وقال عطاء: إنْ اسْتَنْثر فدخل الماء في حَلْقه لا بأس إن لم يملك، وقال الحسن: إنْ دخل حلقَه الذّباب فلا شَيء عليه، وقال الحسن ومجاهد: إنْ جامعَ ناسياً فلا شَيء عليه.
مَسألةٌ مُهمّة
- وها هنا مَسألةٌ مُهمّة، وهي: ما حُكمُ مَنْ رَأى صَائماً يأكل أو يشرب ناسياً؟
- والجواب: أنّ مَنْ رأى صائماً يأكلُ أو يشرب في نهار رمضان ناسياً، وجب عليه إعْلامه وتذكيره؛ لأنّ هذا مِنْ باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأكلُ والشُّرب في نهار رمضان منكر، والناسي معذور، فوجب إعلامه في الحال.
باب: في الصَّائم يُدْعَى
لطعَامٍ فليَقُل: إنِّي صَائمٌ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ، وهُوَ صَائِمٌ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ». رواه مسلم في الصيام (2/805-806) باب: الصائم يُدعى لطعامٍ فليَقل: إنّي صائم.
قوله: «إِذا دُعِيَ أَحدُكم إلى طَعامٍ» المرادُ به مُطلَقُ الطَّعامِ، سواءٌ كان وَليمةً أو غيْرَها، «وهوَ صائمٌ» نفْلًا أو قَضاءً أو نَذراً، فأرشَدَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّائمَ إلى أنْ يُوضِّحَ حالَه: «فَلْيَقُلْ: إنِّي صائمٌ» اعتِذاراَ منه للدَّاعي، وإعلاماً بحالِه أنَّه صائمٌ، لا يَستطيعَ الأَكلَ مِن طَعامِه.
أي: لْيُعلِمْ أَخاه المُسلمَ الدَّاعيَ أنَّ امتناعَه ما كانَ إلَّا لأَجلِ صَومِه، لا لأنَّه تَحرَّجَ مِن أنْ يَأكُلَ طَعامَه، وكانَ مِن عادةِ العربِ أنَّهم إذا أَضْمَروا لأَحدٍ شَرّاً، لم يَأكُلوا مِن طَعامِه.
وجاءَ أيضاً: عَن أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: قالَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذا دُعِيَ أَحدُكم فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صائمًا فلْيُصلِّ -أي فلْيَدْعُ-، وإنْ كانَ مُفطِرًا فلْيَطْعَمْ». رواه مُسلمٍ، وفي رواية عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإنْ كان مُفطراً فليَطعم، وإنْ كان صَائما فليَدْعُ». رواه أبوداود.
مَنْ كان صائماً ودعاه أحدٌ إلى طعام

فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ مَنْ كان صائماً ودعاه أحدٌ إلى طعام، فليُخبره بأنّه صائم؛ اعتذاراً له، فإنْ سَمح له، ولم يطالبه بالحُضُور سَقَط عنه الحضور، وإنْ لمْ يَسْمح، وطالبه بالحُضُور لزمه الحضور، وليس الصّوم عُذراً في تركِ إجابة الدعوة، ولكن إذا حَضر لا يلزمه الأكل، ويكون الصّوم عُذراً في ترك الأكل، ويدعو حينئذٍ لصاحب الدعوة، كما في الحديث، وقد فعل ذلك النّبي - صلى الله عليه وسلم - عن أنس - رضي الله عنه - قال: «دَخَل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمّ سُليم فأتته بتَمْر وسَمَن، قال: «أعيدُوا سَمْنكم في سِقائه، وتَمْركم في وِعَائه، فإنّي صَائم». ثم قامَ إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سُليم وأهل بيتها. أخرجه البخاري ومسلم.
ومن أهل العلم مَنْ فرَّق بين الفَرْض والنفل في مَسْألة الحُضور، فإنْ كان صومه فرضاً فليس عليه أنْ يحضر؛ لأنّ الداعي سيعذره، وإنْ كان نفلا فيُنظر إنْ كان الداعي ممّن له حقٌّ عليه لقرابة أو صداقة، ويخشى إنْ اعتذر أنْ يكون في قلبه شيء، فالأفضل أنْ يَحْضر ولا يعتذر.

فوائد الحديث

1- إنّ النِّسيان أمرٌ جِبِلِّيٌّ في طَبيعةِ البَشَرِ، واللهُ -تَبارَك وتعالى- يَعلَمُ ذلك مِن عِبادِه، ولا يُكَلِّفُهم شيئًا فوْقَ طاقتِهم، ومِن رَحمتِه -سُبحانَه وتعالَى- بهمْ أنْ تَجاوَزَ عن مُؤاخَذتِهم بسَبَبِ نِسيانِهم.
2- وفيه: دلالةٌ على عَدَمِ تكليفِ النَّاسي.
3- وفيه: التَّيسيرُ في هذه الشّريعة، ورفْعُ المشقَّةِ والحرَجِ عن العِبادِ.
4- قال العلماء: لا يُفطِر الصّائم بشيء مِنَ المُفْطرات؛ إلا إذا توافرت ثلاثة شروط :
الشرط الأول: أنْ يكونَ عالماً، فإنْ كان جاهلًا لمْ يُفطر؛ لقوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: 5).
الشرط الثاني: أنْ يكون ذَاكراً، فإنْ كان ناسياً، فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه.
الشرط الثالث: أنْ يكون مُختاراً لا مُكرَهاً، بأنْ يتناول المُفطِّر باختياره.

فوائد الحديث

1- بيان أنّ المستحبّ لمَن دُعي إلى طعامٍ وهو صائم، ولا يُريد الإفطار أنْ يقول: إنّي صائم، ففيه بيان أنّه لا بأس بإظْهار نوافل العبادة من الصوم والصلاة وغيرهما، إذا دعت إليه حاجة، والمُسْتحب إخفاؤها إذا لمْ تكنْ حاجة.
2- وفيه أنّه يُكره للمُتنفّل إفْساد نيّته، وفطر يومه لغير عُذر، ولو كان الفِطر مُباحاً له ابتداء، لم يُرشده إلى العُذر بصُومه.
3- وذَهَب بعض أهل العلم إلى أنه إن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإنْ لمْ يَسْمح وطالبه بالحضور لزمه الحُضور، ولا يلزمه الأكل.
4- ومَنْ حَضر وهو صَائم، ولمْ يفطر، فليدعُ لصاحب الطعام بخير.
5- كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَريصاً عَلى حُسنِ العِشرةِ بيْنَ المُسلمينَ، وعَلى التَّأليفِ بيْن قُلوبِهم وإِدامةِ المَودَّةِ بيْنَهم؛ ولذلكَ جَعَلَ إجابةَ الدَّعوةِ حقًّا للمُسلمِ عَلى أَخيهِ المُسلمِ؛ حتَّى يَتواصَلَ المُسلمونَ ويَجتمِعوا ويتفرقوا.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2026, 10:52 PM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي


– باب: كفّارةُ مَنْ


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَال: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟»، قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَال: لَا، قَال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَال: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟» قَال: لَا، قَال: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَال: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، قَال: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ؛ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَال: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: احْتَرَقْتُ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «لِمَ؟»، قَال: وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَاراً، قَال: «تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ»، قَال: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. الحديثان رواهما مسلم في الصيام (2/781) بَاب: تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ على الصَّائِمِ، ووُجُوبِ الكَفَّارَةِ الكُبْرَى فيه وبَيَانِها، وأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى المُوسِرِ والمُعْسِرِ، وتَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ المُعْسِرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ.
يروي أبو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم -، وهذا الصحابي: هو سلمة بن صَخْر البياضي، فقال: «هَلَكْتُ!» أي: فَعَلْتُ ما هو سَبَبٌ لِهَلاكي، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أيضاً في الصحيحين: أنه قال: «احترقت» فأقرّه النبيّ -[- على قوله: «هلكت، واحترقت» ولو لمْ يكن الأمر كذلك، لهوَّن عليه النبي -صلى الله عليه وسلم - الأمْر، فدلّ هذا على أنّ الوطء في نهار رمضان مُحرّم ومن أعظم المُفطرات إثماً وجُرْماً، وأيضاً لوجُوب الكفارة فيه خاصّة.
للذَّنب حَرارة عند المُؤمن
وللذَّنب حَرارة عند المُؤمن، ولهذا قال الرجل كما في بعض الروايات: «احْترقت» وهكذا حال المؤمن مع الذنوب، فيرى أنّها تُحْرقه أو تُهلكه، فسَألَه - صلى الله عليه وسلم -: قَال: «ومَا أَهْلَكَكَ؟» وفي رواية: «ما شَأنُك؟» فأخبره أنَّه جامع امرأتَه في نهارِ رَمَضانَ فسَألَه - صلى الله عليه وسلم - عن استطاعتِه أنْ يُعتِقَ رَقبةً، ويُرادُ بها العبْدُ المملوكُ أو الأَمَةُ، وعتق الرقبة عند جمهور أهل العلم: لا بدّ أنْ تكون مؤمنة، وقال الحنفية: لا فرق بين مؤمنة أو كافرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر الإيمان في الحديث، ولكن الصحيح هو ما عليه الجمهور، أنه لا بدّ مِنْ إيمان هذه الرقبة، ويكون هذا الحديث مقيداً بالنُّصوص التي فيها ذكر الإيمان، ككفارة قتل الخطأ.
العجز عن أنواع الكفارات الثلاث

قوله: «فقالَ: لا أسْتَطيعُ» فسَألَه -صلى الله عليه وسلم - عن استطاعتِه أنْ يَصومَ شَهْرَينِ مُتَتابِعَين، أي: لا يَفصِل بيْنَ الشَّهرَيْنِ بأيَّامِ فِطْرٍ لغيرِ عُذرٍ، فقالَ: لا أسْتَطيعُ، فسَألَه -صلى الله عليه وسلم - عن استطاعَتِه أن يُطعِمَ سِتِّين مِسكينًا، قال: لا، فأوضَحَ الرَّجُلُ أنَّه فقيرٌ، ومن أفقر أهل المدينة، أي: هو عاجِزٌ عن أداءِ أيٍّ نوعٍ مِنْ أنواعِ الكَفَّاراتِ الثَّلاثةِ.
المسألة الأولى
هل تسقط الكفّارة عن الإنسان المُعْسر الذي لا يجد الكفارة؟ لأنّه قال: «يا رسولَ الله، والله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر مني»، فعذَرَه النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأسْقطها عنه، ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا قدرت كفّر، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وأحد قولي الإمام الشافعي، أمّا جمهور أهل العلم فيقولون: أنّها لا تَسْقط مع الإعْسَار، بل تبقى دَيناً في ذمّته، كما هو قول النووي هنا وتبويبه. قالوا: وأَمَّا الحَدِيثُ فَلَيْسَ فيه نَفْيُ اسْتِقْرَارِ الكَفَّارَةِ، بَلْ فيه دَلِيلٌ لِاسْتِقْرَارِها، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الكَفَّارَةِ بِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الخِصَالِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقِ التَّمْرِ فَأَمَرَهُ بِإِخْرَاجِهِ، فَلَوْ كَانَتْ تَسْقُطُ بِالعَجْزِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيه شَيءٌ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِخْرَاجِه، فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهِ.
المسألة الثانية

ومن المَسائل المهمة: أن الإنسان إذا كان عالماً مختاراً غير مُكره، فإنّه يؤاخذ بعمله، وتجبُ عليه الكفارة إنْ كان هناك كفارة، أمّا إذا كان ناسياً أو مُكرهاً فإنه لا يؤاخذ، لأنّ الله -تعالى- يقول: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: 286)، ولذلك النّبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعذر هذا الرجل؛ لأنّ هذا الرجل قال: «أصَبتُ امرأتي في نهار رمضان»، وقال: «وقعتُ على امْرأتي وأنا صَائم» وقال: «هلكت» وقال: «احترقت»، فهذا كلُّه يدلُّ على أنّه كان عامداً وعالماً بالحُكم الشرعي، وإلا لما أخَذَ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر.
المؤاخذة في ارتكاب المَحْظُورات

فالمؤاخذة في ارتكاب المَحْظُورات، إنّما تتمّ بثلاثة أشياء:
1- العِلمُ وضِدّه الجهل.
2- الذِّكْر وضِدّه النسيان.
3- العَمْدُ وضدّه الخَطأ.
أما الجاهل أو الناسي أو غير المختار، فإنّه لا يُؤاخذ، ولذلك لو فعل الإنسان شيئاً من المُفْطرات: أكل أو شرب أو جامع ناسياً، لمْ يؤاخذ ولا تجب عليه كفارة، حتى في الجماع، وهذا من رحمة الله -تبارك وتعالى- بعباده.
المسألة الثالثة
ومن المسائل التي يستفاد منها في هذا الحديث: الرّفقُ بمن جاء تائباً ونادماً، ولا سيما إذا كان هذا الخطأ في حقّ الله -تبارك وتعالى-، بخلافِ ما إذا كان هذا الحقّ مُتعلقاً بالمَخلوقين، فهذا الرجل مع كونه أتى جُرْماً عظيماً وهو أعظم المفطرات، مع ذلك لم يُعنِّفه النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وشواهدُ هذا في تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم - كثيرة، وهو ممّا يدلّ على حُسن خُلُق النبي -صلى الله عليه وسلم -، وعظيم تربيته، وكرم وفادته، فهذا الرجلُ جاء خائفاً وجِلاً، فذهب من عند النبي -صلى الله عليه وسلم - فرحَاً مسروراً، ومعه المِكتل والزنبيل من التّمر الذي يُطعم به أهله، وكذلك كلُّ مَنْ ارتكب مَعْصية لا حَدّ فيها، ثمّ جاء نادماً تائباً راجعاً، يقول أهل العلم: إنه لا يُعزَّر ولا يُعنَّف.
المسألة الرابعة

لمْ يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة الرّجل، ولهذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل على المَرأة كفارة؟ على قولين، والصّحيح: عدم وجُوب الكفارة على المَرأة، والحجة لمَن لمْ يُوجب هي: تركُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الاسْتفصال عن المرأة في هذا الحديث، وهل المرأة كانت موافقة أو مُكرهة؟ فدلّ على أنها لا كفارة عليها في كل الأحوال. والقاعدة في هذا: أنّ تَرْك الاسْتِفصال في مَقام الاحْتمال، يُنَزّل مَنْزلةَ العُموم في الأقوال.
قوله -صلى الله عليه وسلم - له: «اجْلِسْ»

وإنّما أمَره بالجُلوسِ؛ لانتظارِ الوَحْيِ في حَقِّه، وقيل: أنّه عرَف أنَّه سيؤتى بشَيءٍ يعينُه به، ليُكفّر به عنْ نفسه، فانتظَرَ الرَّجُلُ حتى أُتِيَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، أو عَرقان، والعَرَقُ: المِكتَلُ أو الوِعاءُ الضَّخمُ يَسَعُ خَمْسةَ عَشَرَ صاعاً مِنَ الطّعام أو التّمر، وهِيَ سِتُّونَ مُدًاً لِسِتِّينَ مِسْكِيناً، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ.
فقال - صلى الله عليه وسلم - له: «خُذْ هذا» أي: هذا العَرَقَ بِتَمْرِه «فتَصدَّقْ به» على الفُقَراءِ والمحتاجين، فقال الرَّجُلُ: «أعلى أفْقَر منَّا؟» أي: أتصَدَّقُ به على شَخصٍ أفقَرَ مِنَّا؟ كأنَّه قال: ليس هناك في المدينةِ من هو أفقَرُ مِن أهلِ بيتي، فأنا أَوْلى بهذه الصَّدَقةِ من غيري.
قَوْلُهُ: «فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا»

هُمَا الحَرَّتَانِ، والمَدِينَةُ بين حَرّتين، والحَرّة الأرض الملبسة حجارة سَوداء، يُقَالُ: لَابَةٌ ولُوبَةٌ، ونَوْبَةٌ بِالنُّونِ، حَكَاهُنَّ أَبُو عُبَيْدٍ والجَوْهَرِيُّ وغيرهما مِنْ أَهْلِ اللُّغَة.
قوله: «فضَحِكَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى ظَهَرَت نَواجِذُه» والنّواجذ هي آخِرُ الأسْنانِ أو هي الأضراسُ؛ تَعجُّباً مِن حالِه؛ حيث إنّه جاءه خائفاً على نَفْسِه، راغبًا في فدائِها، فلمَّا وجد الرُّخصةَ؛ طَمِعَ أن يأكُلَ ما أُعطِيَه منَ الكَفَّارةِ!
وقيل: ضحك مِنْ حسْنِ بيانِ المتكَلِّمِ وتلَطُّفِه في الخِطابِ، وتوَسُّلِه في التوَصُّلِ إلى مَقصِدِه.
ثُمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -: «أطعِمْه عِيالَك» فهم أولى من غيرهم لقربهم.

فوائد الحديث

1- رَمَضانُ شَهرٌ كَريمٌ، وصيامُه فَرْضٌ على العاقِلِ البالِغِ القادِرِ، وللفِطْرِ العَمْدِ فيه أحكامٌ، وفي هذا الحَديثِ بيانٌ للكَفَّارةِ لِمن جامَعَ أهْلَه في نهارِ رَمَضانَ.
2- وفيه: أنَّ كَفَّارةَ الجِماعِ في نَهارِ رَمَضانَ مُرَتَّبةٌ إعتاقًا، ثُمَّ صَوماً، ثُمَّ إطعاماً.
3- وفيه: إعانةُ المُعسرِ في الكَّفارةِ.
4- وفيه: ضحكِ النبي عندَ التَّعجُّبِ.
5- وفيه: استِعمالُ الكِنايةِ فيما يُستَقْبَح ظُهورُه بصَريحِ لَفظِه، وأنّ على المسلم أنْ يسأل عن دينه ولو كان سؤاله مما يستحيا منه، فلا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر. وفيه: الرِّفقُ بالمُتعلِّم، والتَّلطُّفُ في التَّعليمِ، والتَّأليفُ على الدِّين.
6- وفي الحديث: دلالة على أنّ المُسْتفتي يذهب إلى المفتي في مكانه، ويسعى حتى يصل إليه؛ لأنّ الأمر يتعلَّق بدينه، فالرجل ذهب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسأله.
7- وأنّ العالمَ بالشّرع عليه أنْ ينفع الناس، ويفتي في كلّ وقتٍ يستطيعه، فالرجل عندما وقعتْ عليه الواقعة، ذَهبَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - واسْتفتاه، وهذا ممّا يجعل الناس يتعلَّقون بالعالم، ويكون أقرب إلى قلوبهم.
8- وفيه: ما كان عليه الصحابة من النَّدم على المَعصيةِ، واستِشعار الخَوفِ.
9- وفيه: جواز المَسألة لمنْ كان مُحتاجاً.
10- دلّ الحديث على أنّ حُدود المدينة النبوية، هو ما بين الحرّتين، لقوله «ما بينَ لابتيها» يُريد الحَرّتين.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-05-2026, 10:54 PM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح كتاب الصيام من مختصر مسلم

الشيخ: د. محمد الحمود النجدي




– باب: في القُبْلة للصائم


عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عنها- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وهُوَ صَائِمٌ، ويُبَاشِرُ وهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ. الحديث رواه مسلم في الصيام (2/776) باب: بيان أنّ القُبلة في الصّوم ليستْ مُحرّمة على مَنْ لم تُحرّك شَهوته، ورواه البخاري في الصوم (4/149) باب: المُباشَرة للصائم. وقالت عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنها-: يَحْرم عليه فرجُها.
تَقولُ عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنها-: «كانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ» أي: يُقبِّلُ زَوجاتِه، ويُباشِرُهنَّ، وفي رواية مسلم: «أنّ النّبي -[- كان يُقبّلها وهو صائم..»، والتقبيل أخصّ مِنَ المباشرة، فهو مِنْ ذكر العام بعد الخاص، والمُباشَرةُ هيَ الاستِمتاعُ بالزَّوجةِ بما دُونَ الجِماعِ، نحْوِ المُداعَبةِ والمُعانَقةِ، وأصل المباشرة: التقاء البشرتين، ويُستعمل في الجماع، وليس الجماع مُراداً بهذه الحديث، فقولها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وهُوَ صَائِمٌ، ويُبَاشِرُ وهُوَ صَائِمٌ» أي: يَفعَلُ هذا وهو صائمٌ، سواءٌ كان صَومَ فرْضٍ أو تَطوُّعٍ.
وقولها: «كان يقبّل ويباشر وهو صائم»
رواه عمرو بن ميمون عن عائشة بلفظ: «كان يُقبّل في شَهر الصّوم». أخرجه مسلم والنسائي، وفي رواية لمسلم: «يُقبّل في رمضان وهو صائم»، فأشارت بذلك إلى عدم التّفرقة بين صومِ الفَرض والنفل.
وفي هذا المعني: ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح: عن مسروق سألت عائشة: ما يحلّ للرجل مِن امرأته صائماً؟ قالت: كلُّ شيءٍ إلا الجِماع». (الفتح).
أيباشر الصّائم؟

وفي رواية حماد عند النسائي: «قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصّائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول الله -[- يُباشر وهو صائم؟ قالت: إنّه كان أملككم لإربه»، وظاهر هذا أنّها اعتقدت خُصوصية النّبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قاله القرطبي. قال: وهو اجتهاد منْها. وقول أم سلمة - يعني: الآتي ذكره - أولى أن يؤخذ به؛ لأنّه نصٌ في الواقعة.
قال الحافظ: قلت: قد ثبت عن عائشة صريحًا إباحة ذلك كما تقدم، فيجمع بين هذا وبين قولها المتقدم: «إنّه يَحلّ له كلّ شيء إلا الجماع» بحمل النَّهي هنا على كراهة التنزيه، فإنّها لا تنافي الإباحة. انتهى.
ويدلّ على أنّها لا ترى بتحريمها، ولا بكونها من الخَصائص: ما رواه مالك في «الموطأ»: أنّ عائشة بنت طلحة أخبرته: أنّها كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يَمنعك أنْ تَدنو مِنْ أهلك، فتلاعبها وتقبّلها؟ قال: أقبلُها وأنا صَائم؟ قالت: نعم».
الاختلاف في القُبْلة والمُباشرة للصّائم

وقد اخْتُلفَ في القُبْلة والمُباشرة للصّائم: فكرهها قومٌ مُطلقًا، وهو مشهور عند المالكية، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر: «أنّه كان يَكره القبلة والمباشرة». ونقل ابن المنذر وغيره عن قومٍ تحريمها؟ واحتجّوا بقوله -تعالى-: {فالآن باشروهن..} الآية، فمنع المباشرة في هذه الآية نهارًا، والجواب عن ذلك: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - -هو المُبين عن الله تعالى- قد أباح المباشرة نهاراً، فدلّ على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، لا ما دونه من قُبْلة ونحوها، فقوله -تعالى-: {أو لامَسْتُم النّساء} النساء:43. الصواب في تفسيرها: أنَّ المُراد به الجماع، كما قال ابن عباس وجماعةٌ من أهل العلم.
وقال الترمذي: ورأى بعضُ أهل العلم أنّ للصّائم إذا مَلَك نفسه أنْ يُقبّل، وإلا فلا، ليَسْلم له صَومه، وهو قول سفيان والشافعي، ويدلّ على ذلك: ما رواه مسلم: من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه سَأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيقبّل الصائم؟ فقال: سَلْ هذه- لأمّ سلمة- فأخبرته أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غَفر لك اللهُ ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، فقال: «أمَا واللهِ إنّي لأتقاكم لله، وأخْشَاكم له»، فدلّ ذلك على أنّ الشابَ والشيخ سواء؛ لأنّ عُمر حينئذ كان شابًّا، ولعلّه كان أول ما بلغ، وفيه دلالةٌ على أنّه ليس من الخصائص.
واختلفَ فيما إذا باشرَ أو قَبّل أو نظر، فأنْزلَ أو أمْذَى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنْزلَ في غير النّظر، ولا قضاء في الإمْذاء. وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويُكفّر، إلا في الإمْذاء فيقضي فقط. واحتجّ له بأنّ الإنْزال أقصى ما يطلب بالجماع منَ الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأنّ الأحْكامَ عُلقت بالجِماع، ولو لمْ يكنْ إنزالٌ، فافترقا.

وفي البخاري تعليقا: وقال جابر بن زيد: إنْ نَظر فأمْنَى؛ يتمّ صومه. وصله ابن أبي شيبة: من طريق عمر بن هرم: «سئل جابر بن زيد عن رجلٍ نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها، هل يفطر؟ قال: لا، ويتم صومه».
وقال ابن قدامة: إنْ قبَّلَ فأنْزلَ، أفْطَرَ بلا خلاف.
قوله: «ولكنَّه كانَ أمْلَكَكُم لإرْبِه»
لإربه: بفتح الهمزة والراء وبالموحدة، أي: حاجته، ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء، أي: عضوه، والأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير.
وقال البخاري: وقال ابن عباس: «مأْرب: حَاجة» مأْرب بسكون الهمزة وفتح الراء، وهذا وصله ابن أبي حاتم: من طريق علي بن أبي طلحة وعكرمة عن ابن عباس في قوله: (وليَ فيها مآربُ أخْرى) قال: «حَوائج أخْرى»، وقال ابن عباس: في تفسير (أولي الإرْبة): المُقْعد، وقال ابن جبير: المَعتوه. وقال عكرمة: العنين، وقال طاووس: (غير أولي الإرْبة) الأحْمق لا حَاجة له في النساء. وصله عبد الرزاق في تفسيره.
معنى قولها: «كان أمْلَككم لإرْبه»

ومعنى قولها: «كان أمْلَككم لإرْبه» أي: حاجته بأنّه يَستطيع عليه الصلاة والسلام أنْ يَملك نفسه بأنْ لا يتدرّج به الأمر إلى الجِماع، فإذا كانت الوسيلة تُؤدّي إلى المفاسد، فلا تجوزُ هذه الوسيلة والغاية ممنوعة؛ لأنّ الوسائل لها أحْكام المقاصد، فالذي يَخاف الجماع عند المباشرة والتقبيل؛ فإنّه لا يجوز له ذلك؛ لأنّ الوسائل لها أحكام المقاصد، والذي يستطيع أنْ يتمتع بالمباشرة والتقبيل من غير أن يجامع فهذا جائز له.

فوائد الحديث


1- بيَّنَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأمّته بقولِه وفِعلِه، المشروعَ وغيرَ المشروعِ للصَّائمِ، ونَقَلَ لنا الصَّحابةُ الكرامُ ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم .
2- حُسْنُ أخلاقِه - صلى الله عليه وسلم - مع أهلِه ولُطفِ مُعاشَرَتِه.
3- نقل أمّهات المؤمنين أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته للأمّة، ومنه: بيان أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ زُوجُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم ورَضِيَ اللَّهُ عنها- القَدْرَ الحَلال الَّذي يُمكِنُ للصَّائمِ أنْ يَقْترِبَ فيه مِن امِرأتِه.
4- وفيه جواز الإخبار بالأمُور الخاصّة بين الزّوجين، إذا كان لمصلحةٍ، كتعليم جاهلٍ أو نحو ذلك، ولا يعدُّ هذا من الإفشاء المَنْهي عنه.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
* شرح حديث: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها
* فضل صلاة المرأة في بيتها
* ديانة الصوفية
* الأخلاق في الإسلام
* العليم الخبير
* خصائص أهل السُنَّة والجماعة

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
مختصر, مسلم, من, الصيام, شرح, كتاب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم ابو الوليد المسلم ملتقى الكتب الإسلامية 35 يوم أمس 06:42 PM
مختصر الكلام لأهم مسائل وأحكام الصيام ابو الوليد المسلم ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 02-24-2026 01:04 PM
مختصر كتاب قيام الليل وقيام رمضان والوتر كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 11-24-2017 01:36 PM
كتاب مختصر صحيح البخار كتاب تقلب صفحاته بنفسك الشيخ ابوسامح ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 2 07-29-2016 08:21 PM
مختصر شرح خمسون سؤالا و جوابا في العقيدة Abujebreel قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله 44 03-28-2013 09:03 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009