استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-05-2026, 05:56 AM   #211

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

والمعنى: وما وجهناك أولًا لبيت المقدس، ثم صرفناك إلى الكعبة، لأي سبب من الأسباب، إلا لأجل أن يظهر ويتبين ويتميز الذي يتبع الرسول ويتأسى به، ويتوجه حيث توجه إلى أي قبلة، من الذي يشك ويرتاب، ويرجع على عقبيه كافرًا مرتدًّا بأدنى شبهة، فهي امتحان من الله عز وجل للعباد.

والله- عز وجل- يعلم من سيتبع الرسول صلى الله عليه وسلم منذ قدّر مقادير الخلق في الأزل، قبل خلق السمٰوات والأرض بخمسين ألف سنة[19]، لكن المراد بالعلم في الآية العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فهذا بعد أن يظهر ذلك منهم.

﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ الواو: حالية، و"إن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: وإنها كانت لكبيرة، والضمير يعود إلى واقعة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

واللام في قوله: ﴿ لَكَبِيرَةً ﴾ للتوكيد، أي: لعظيمة شديدة، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ [الأنعام: 35]، أي: عظم.

أي: وإن هذه الواقعة عظيمة شاق أمرها على النفوس، وخاصة لأول وهلة، وذلك؛ لاعتيادها التوجه إلى بيت المقدس، ومن طبيعة النفوس إلف ما اعتادت عليه، واستنكار ما يجد ويحدث حتى تألفه وتعتاده.

هذا بالنسبة لعامة النفوس، فكيف بأنفس سفهاء اليهود الذين أعماهم البغي والحسد عن قبول الحق، واتخذوا من واقعة تحويل القبلة فرصة لإثارة البلبلة وتشكيك الناس في دينهم، ونجم نفاق المنافقين وقالوا: ما بال محمد يحولنا مرة إلى ههنا، ومرة إلى ههنا، وعظمت المحنة، حتى ارتد بعض الناس عن دينهم- حصل هذا كله وأعظم منه- علمًا بأنه تقدمت التوطئة والتمهيد لهذا الأمر، وذكر ما سيقول هؤلاء السفهاء.

﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى ﴾ "إلا" أداة حصر.

أي: إلا على الذين هداهم الله، أي: وفقهم للانقياد لأمره- عز وجل- وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، فأمر هذه الواقعة يسير عليهم؛ لقوة يقينهم وإيمانهم بالله ورسوله وتسليمهم لأمر الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 7].

قال ابن كثير[20]: "أي: وإن كانت هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما يشاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكًّا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾ [التوبة: 124، 125].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ [فصلت: 44]، وقال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82].

ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله، من غير شك ولا ريب، من سادات الصحابة. وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا إلى القبلتين".

ولهذا فإن من كمال طاعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليمهم وسرعة انقيادهم، أنه لما جاء أهل مسجد قباء الخبر بتحويل القبلة إلى الكعبة استداروا نحوها وهم في الصلاة.

عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: "بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل، فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فتوجهوا إلى الكعبة"[21].

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾.
سبب النزول:
عن عكرمة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "لما وُجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك، وهم يُصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾"[22].

وعن البراء بن عازب- رضي الله عنه- قال: "مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقالوا: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ قال: صلاتكم إلى بيت المقدس"[23].

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾الواو: عاطفة، و"ما" نافية، واللام في قوله: ﴿ لِيُضِيعَ ﴾لام الجحود التي تكون بعد كون منفي، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [فاطر: 44]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾ [آل عمران: 179]، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33].

والمعنى: أنه لا يمكن أن يضيع الله إيمانكم، فذلك مستحيل ممتنع أشد الامتناع، كقوله تعالى: ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ [يس: 40]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ [مريم: 92]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ [الشعراء: 211]، وتضييع الشيء إهماله، وتركه يذهب سدى.

والمراد بقوله: ﴿ إِيمَانَكُمْ ﴾ أي: إيمانكم بالقبلة الأولى بيت المقدس، وصلاتكم نحوها، وأطلق الإيمان على الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، وأعظم أركانه، وأهم العبادات بعد الشهادتين.

والمعنى: أن إيمانكم بالقبلة الأولى بيت المقدس وصلاتكم نحوها لن يضيع أجره سدى، بل هو محتسب لكم وتؤجرون عليه؛ لأن الصلاة إلى بيت المقدس صحيحة قبل تحويل القبلة إلى الكعبة.

وفي هذا احتراز عن الفهم الخطأ، كما قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [النساء: 95، الحديد: 10].

عن ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطينكم أجرهما جميعًا ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾"[24].

وفي الآية دليل على دخول الأعمال؛ قولية أو فعلية أو قلبية، في مسمى الإيمان- كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فالإيمان عندهم قول باللسان واعتقاد بالجنان، وهو القلب، وعمل بالأركان، وهي الجوارح.

كما أن فيها احترازًا من أن يقال، أو يتوهم أن تقدير هذه المحنة بصرف القبلة؛ لأجل إضاعة إيمانهم.

وفيها وعد لهم بحفظ إيمانهم عن الضياع، بل وزيادته وتنميته، كما قال تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27]، وقال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ [مريم: 76].

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحج: 65].

قوله: ﴿ بِالنَّاسِ ﴾ متعلق بما بعده، وقدم عليه للتنبيه إلى عنايته- عز وجل- بالناس؛ ليشكروه، مع مراعاة الفواصل، والمراد بالناس عموم بني آدم.

﴿ لَرَءُوفٌ ﴾قرأ أبوعمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وأبوبكر عن عاصم وخلف: ﴿ لَرَءُوفٌ ﴾بحذف الواو بعد الهمزة، وقرأ الباقون بواو بعد الهمزة: ﴿ لَرَءُوفٌ ﴾.

واللام في قوله: ﴿ لَرَءُوفٌ ﴾ للتوكيد، فأكدت هذه الجملة بمؤكدين "إن" واللام.

و"رؤوف" على وزن "فعول" أي: ذُو الرأفة التامة العظيمة، والرأفة أخص وأشد من الرحمة، وقُدّم "رؤوف" على "رحيم"؛ لأن "رؤوف" أبلغ، ولمراعاة الفواصل.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ على وزن "فعيل" يدل على أنه- عز وجل- ذو الرحمة الواسعة، رحمة ذاتية، ثابتة له- عز وجل- كما قال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ [الأنعام: 133]، وقال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ [الكهف: 58]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 147].

ورحمة فعلية، يوصلها من شاء من خلقه، كما قال عز وجل: ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ [العنكبوت: 21].

رحمة عامة لجميع الخلق؛ مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، ورحمة خاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43].

فرحمته- عز وجل- لجميع الخلق بما فيهم الكفار والبهائم في الدنيا ما يتمتعون به من نعم الله، من المآكل والمشارب وغير ذلك، فهذا من آثار رحمته عز وجل.

ورحمته لهم في الآخرة العدل في حسابهم حتى إنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، كما جاء في الحديث[25].

ورحمته الخاصة بالمؤمنين هدايتهم للصراط المستقيم في الدنيا وإلى الجنة في الآخرة، فهو- عز وجل- رؤوف رحيم بجميع خلقه- سبحانه وتعالى.

عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي، قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي، أخذته فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟" قالوا: لا، يا رسول الله. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها"[26].

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1] أخرجه البخاري في الأنبياء (3339)، والترمذي في التفسير (2961)، وابن ماجه في الزهد (4284)- من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.

[2] انظر: "البيان والتبيين" (3/ 325).

[3] سبق تخريجه.

[4] انظر: "بدائع التفسير" (1/ 362).

[5] في "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 159).

[6] ذكره السيوطي في "الخصائص الكبرى" (1/ 383-387) من حديث أنس رضي الله عنه، والبيهقي في الدلائل من حديث عائشة رضي الله عنها. وانظر "تفسير ابن كثير" (5/ 13، 38).

[7] أخرجه النسائي في البيوع (4647) من حديث عمارة بن خزيمة عن عمه- رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الجنائز (1367)، ومسلم في الجنائز (949)، والنسائي في الجنائز (1932)، والترمذي في الجنائز (1058)، وابن ماجه في الجنائز (1491).

[9] انظر: "بدائع التفسير" (1/ 369).

[10] أخرجه البخاري في الحج (1741)، ومسلم في القسامة (1679) من حديث أبي بكرة- رضي الله عنه.

[11] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (5050)، ومسلم في صلاة المسافرين (800)، وأبوداود في العلم (3668)، والترمذي في التفسير (3024)، وابن ماجه في الزهد (4194).

[12] أخرجها البخاري في التفسير (4487)، والترمذي في التفسير (2961)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 249-250)- الأثران (1332، 1336)

[13] أخرجه ابن ماجه في الزهد (4284).

[14] أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه- فيما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (1/ 276).

[15] أخرجه البخاري في الجنائز (1386)، والنسائي في الجنائز (1934)، والترمذي في الجنائز (1059).

[16] أخرجه ابن ماجه في الزهد- باب الثناء الحسن (4221).

[17] أخرجه الحاكم (2/ 268)- وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وأخرجه ابن مردويه- فيما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (1/ 276).

[18] أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 249)- الأثر (1334).

[19] كما في حديث عبدالله بن عمرو- رضي الله عنه- أخرجه مسلم في القدر- حجاج آدم وموسى- عليهما السلام (2653)، والترمذي في القدر (2156).

[20] في "تفسيره" (1/ 277).

[21] أخرجه البخاري في التفسير (4494)، ومسلم في المساجد (526)، والنسائي في الصلاة (493).

[22] أخرجه أحمد (1/ 347)، وأبوداود في السنة (4680)، والترمذي في التفسير (2964)، والطبري في "جامع البيان" (2/ 651). وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

[23] أخرجه البخاري في الإيمان (40)، وفي التفسير (4486)، وأحمد (4/ 283)، والطبري في "جامع البيان" (2/ 651).

[24] أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1/ 252)- الأثر (1348).

[25] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2582)، والترمذي في صفة القيامة (2420)، من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه.

[26] أخرجه البخاري في الأدب (5999)، ومسلم في التوبة (2754).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 05:59 AM   #212

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



الفوائد والأحكام في سورة البقرة من (142-143)

1- علم الله- عز وجل- بما لم يكن وما سيكون؛ لقوله: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 142] فأخبر- عز وجل- بهذا قبل وقوعه، وتحقق ذلك، ووقع كما أخبر عز وجل وفي هذا معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم ودلالة على صدقه.

2- تسفيه اليهود وذمهم، حيث عرفوا الحق وتركوه، واعترضوا على حكم الله- عز وجل- بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، والانصراف عن بيت المقدس؛ لقوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ وفي هذا دفاع عن الحق، وتسلية له صلى الله عليه وسلم ولأصحابه، وتقليل من شأن اليهود، ومقالتهم الباطلة.

3- أن من أشد أنواع السفه: السفه في الدين، برد الحق والاعتراض على حكم الله؛ لقوله تعالى: ﴿ السُّفَهَاءُ ﴾ أي: الذين بلغوا من السفه غايته.

4- استغلال اليهود وأهل الريب والنفاق حادثة تحويل القبلة للتشكيك في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، والكيد له ولدعوته.

وهكذا دَأْبُ أهل الزيغ والنفاق، في كل زمان ومكان، ينتهزون الفرص للكيد للإسلام، وبخاصة اليهود والمنافقون فيجب الحذر منهم.

5- في إخبار الله- عز وجل- لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بما سيقوله هؤلاء السفهاء، قبل وقوعه، بل وقبل تحويل القبلة تهيئتهم للاستعداد له، وتقوية لقلوبهم وتطمين لها.

6- تولي الله- عز وجل- الدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والرد على هؤلاء السفهاء وإفحامهم وإسكاتهم بقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142].

7- أن اليهود إنما قالوا هذه المقالة: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142] اعتراضاً على حكم الله وشرعه، وتكذيباً للحق؛ لهذا أجابهم الله بقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.

8- وجوب التسليم لأمر الله- عز وجل- وحكمه الشرعي وتحريم الاعتراض عليه، عرفنا الحكمة أو لم نعرفها؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾.

9- أن لله- عز وجل- المشرق والمغرب، والملك كله، والأمر كله، يوجه رسوله والمؤمنين إلى أي قبلة شاء- سبحانه وتعالى- ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

10- أن الله- عز وجل- يهدي ويدل ويوفق- بفضله- من شاء من عباده إلى صراطه المستقيم، كما يضل من شاء بعدله؛ لقوله تعالى: ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾.

11- إثبات المشيئة والإرادة الكونية لله- عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾.

12- فضل الله- عز وجل- على هذه الأمة، حيث هداها إلى أقوم طريق، وأول قبلة، وأعظم وجهة، بيت الله الحرام أينما كانوا، وكان النصارى يتوجهون دائمًا إلى المشرق أينما كانوا، وكان اليهود يتوجهون إلى المغرب أينما كانوا.

13- الترغيب في سلوك الطريق المستقيم، والتحذير من سلوك طرق الاعوجاج والضلال.

14- امتنان الله- عز وجل- وفضله العظيم على الأمة المحمدية بجعلها أمة وسطاً عدولاً خياراً بين الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143].

فهم خير الأمم، ورسولهم صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وخاتمهم وسيد ولد آدم، وكتابهم القرآن أعظم الكتب والمهيمن عليها جميعاً، ودينهم الإسلام أكمل الأديان، وشريعتهم أيسر الشرائع الحنيفية السمحة، وقبلتهم الكعبة المشرفة أول وأفضل بيت وضع للناس، وأشرف البقاع، وأعظم بيوت الله حرمة.

15- أن الله عز وجل فضل هذه الأمة بما فضلهم به، وجعلهم خياراً وعدولاً بين الأمم؛ ليكونوا شهداء على الناس من الأمم السابقة، ويكون الرسول عليهم شهيداً؛ لقوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

16- إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم وشهادته على أمته، وتشريفه وتكريمه صلى الله عليه وسلم.

17- تشريف هذه الأمة وتكريمها، بحيث تشهد على جميع الأمم، ولا يشهد عليها إلا رسولها.

18- عظم مسؤولية هذه الأمة ورسولها صلى الله عليه وسلم، بين الأمم ورسلهم عليهم السلام، حيث حُمِّلتْ هذه الأمة ورسولها الشهادة على الناس، كما حُمِّل صلوات الله وسلامه عليه الشهادة على أمته.

19- اشتراط العدالة في الشهود؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

20- إثبات الحكمة لله- عز وجل- في أفعاله وأقواله وأحكامه، في خلقه وشرعه وقدره؛ لقوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾، وقوله تعالى بعد ها: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ [البقرة: 143] الآية.

21- إثبات صحة الصلاة إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 143] وأن ذلك كان بأمر الله- عز وجل- أي: ما وجهناك للقبلة الأولى، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ فيتوجه حيث توجه صلى الله عليه وسلم ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143] وقد صلى صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهراً.

22- أن في أمره صلى الله عليه وسلم بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس، ثم تحويله إلى الكعبة ابتلاءً وامتحاناً للناس؛ ليظهر حال من يتبع الرسول ويطيعه، وينقاد له، ويتوجه حيث توجه، وحال من يرجع على عقبيه ويرتد، شاكًّا مرتاباً، مخالفاً مكذباً.

23- وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيد ذلك، والتنفير من مخالفته وعدم اتباعه.

24- بلوغ القرآن الغاية في التحذير والتنفير مما يراد التنفير منه؛ لقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143].

25- إثبات علم الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ الآية.

26- أن الله- عز وجل- إنما يجازي الناس على حسب ما يصدر ويظهر منهم، لا على ما قدره عليهم، وعلمه قبل حصوله منهم، لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143].

27- أن عدم اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ردة وانقلاب على العقبين، ورجوع إلى الوراء، وفي المقابل فإن اتباعه صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الوحي من عند الله- عز وجل- علو شأن ورفعة قدر.

28- أن صرف القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام أمر كبير، وحدث عظيم، ليس من السهل التسليم به وقبوله إلا على من هداهم الله- عز وجل- من أهل الإيمان واليقين، الذين يستسلمون لأمر الله- عز وجل- ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينقادون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ [البقرة: 143].

ولهذا اشتدت المحنة وعظم الابتلاء لما حولت القبلة إلى الكعبة، حتى إن بعض الناس ارتد عن الإسلام- نسأل الله الثبات على دينه.

29- إثبات الهداية لله- عز وجل- بقسميها: هداية الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والقبول؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾.

30- امتنان الله- عز وجل- على عباده المؤمنين بهدايته إياهم للتسليم لأمره والانقياد لشرعه في أمر القبلة وغيره.

31- أن الله- سبحانه وتعالى- لا يضيع عمل عامل من أهل الإيمان، فمن صلى إلى القبلة الأولى قبل نسخها فلن يضيع إيمانه بها وصلاته إليها، وأجره على ذلك محفوظ عند الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143].

وكما قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ [البقرة: 142].

32- الاحتراز عن الفهم الخطأ، فقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ لإزالة ما قد يظن من ضياع صلاة من صلى إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة.

33- أن الأعمال الصالحة من الإيمان؛ قولاً كانت أو فعلاً أو اعتقاداً؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ وفي هذا رد على المرجئة.

34- إثبات صفة الرأفة العظيمة التامة لله عز وجل.

35- إثبات صفة الرحمة لله- عز وجل- رحمة ذاتية ثابتة لله- عز وجل- ورحمة فعلية، يوصلها من شاء من عباده، رحمة عامة لجميع الخلق، ورحمة خاصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 143].

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:01 AM   #213

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

سبب نزول هذه الآيات من سورة البقرة من (144 - 150)

قال الله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 144 - 150].

سبب النزول:
عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "كان أول ما نسخ من القرآن القِبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142] فأنزل الله: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ [البقرة: 142]، وقال: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ﴾ [البقرة: 115]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143]"[1].

وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 144] إلى الكعبة، إلى الميزاب، يؤم به جبريل- عليه السلام"[2].

وعن البراء بن عازب- رضي الله عنه- قال: "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول إلى الكعبة، فنزلت: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ فصرف إلى الكعبة"[3].

وعن أنس- رضي الله عنه- قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ " الحديث[4].

وعن مجاهد عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة إلى بيت المقدس، والكعبة بين يديه، وبعدما هاجر ستة عشر شهراً، ثم صرف إلى الكعبة"[5].

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1] سبق تخريجه.

[2] أخرجه ابن مردويه- فيما ذكره ابن كثير في "تفسيره" (1/ 278).

[3] أخرجه البخاري في الإيمان (41)، وفي التفسير (4486)، وأحمد (4/ 283).

[4] أخرجه مسلم في المساجد- تحويل القبلة من القدس (527).

[5] أخرجه أحمد (1/ 325)، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" (1/ 457)- الأثران (23، 24)، والطبراني في "المعجم الكبير" (11/ 67)- الحديث (11066)، والبيهقي في "سننه" (2/ 3)، وابن عبدالبر في "التمهيد" (8/ 53-54).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:04 AM   #214

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا... ﴾

قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144].

قوله: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ "قد" حرف تحقيق.

والمعنى: قد رأينا تقلب وجهك في السماء، وجاء التعبير بالمضارع بدل الماضي للدلالة على استمرار رؤية الله- عز وجل- لتقلب وجهه، كلما حصل منه ذلك التقلب والترقب في الحال والاستقبال.

وقيل: إن "نرى" فعل مضارع على بابه، وهو إخبار من الله- عز وجل- بأنه سيرى تقلب وجهه ويوليه قبلة يرضاها.

ومعنى ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي: توجهك بوجهك وبصرك إلى السماء حال الدعاء، تنظر إليها، وتنتظر أمر الله- عز وجل- لك ووحيه إليك، بتحويل القبلة إلى الكعبة، قبلة أبيك إبراهيم- عليه السلام- محبة لها، وكراهية لموافقة اليهود في قبلتهم، وقد كان صلى الله عليه وسلم بمكة إذا استقبل بيت المقدس جعل الكعبة بين يديه، حيث كان يصلي بين الركنين، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه الجمع بينهما، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، حتى صرفه الله إلى الكعبة.

﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ الفاء: عاطفة تفيد التعليل، واللام: واقعة في جواب القسم، والنون للتوكيد، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد. أي: فوالله لنولينك، أي: لنوجهنك، ﴿ قِبْلَةً ﴾ وجهة، ونكرت للتعظيم، ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ تحبها وتقبلها، وهي التي كان يدعو الله أن يوجهه إليها.

ولا يفهم من هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يرض القبلة الأولى، بل قد رضيها وصلى إليها قبل نسخها ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، لكنه يحب أن يوجه إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

وتكلم عز وجل عن نفسه بضمير الجمع والتعظيم في قوله: ﴿ قَدْ نَرَى ﴾ وقوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ﴾ لأنه ذو العظمة التامة، كما قال عز وجل في الحديث القدسي: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي"[1].

﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾.
بهذا الخطاب والأمر له صلى الله عليه وسلم ولأمته، حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وأعلمهم بذلك.

وكان صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهي شمال مكة فتكون قبلة أهلها جهة الجنوب.

ولهذا لما نهى صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة أو استدبارها حال البول والغائط قال: "ولكن شرقوا أو غربوا"[2] وهذا لأهل المدينة ومن كان شمال مكة.

قوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ أي: استقبل بوجهك وبدنك، في الصلاة والعبادة ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ شطر الشيء نصفه، وشطر الشيء نحوه وجهته، وهو المراد بقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾، أي: نحو المسجد الحرام وجهته.

قال الشاعر:
أقول لأم زنباع أقيمي
صدور العيس شطر بني تميم[3]






أي: جهتهم ونحوهم.

و﴿ الْمَسْجِدِ ﴾ مكان السجود والصلاة.

﴿ الْحَرَامِ ﴾ "حرام" على وزن "فعال" صفة مشبهة مأخوذ من "الحُـرْم" وهو الحظر والمنع، وسُمي بذلك لأنه يحرم فيه أشياء لا تحرم في غيره، ويجب احترامه وتعظيمه.

كما قال تعالى: ﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ [إبراهيم: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25].

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن هذا البلد حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة؛ لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده"[4].

ونظراً لعظم الأمر وأهميته لم يكتف بمخاطبته صلى الله عليه وسلم وأمره بذلك- مع أن الغالب- أن الخطاب والأمر له خطاب وأمر له ولأمته- بل أكد ذلك بخطاب وأمر الأمة وحدها، فقال: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ الواو: عاطفة، و"حيث" ظرف مكان، وهي شرطية.

و"ما" زائدة إعراباً، ومؤكدة من حيث المعنى للعموم في الأمكنة و"كنتم" فعل الشرط، وجوابه ﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾.

أي: وفي أي مكان، وفي أي جهة كنتم أيها المؤمنون في البر أو البحر أو الجو، في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، أو ما بين ذلك.

﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ أي: فاستقبلوه، ووجهوا وجوهكم نحوه، وفي هذا أعظم رمز لوحدة الأمة الإسلامية، ووجوب تضامنها، حيث أمر الله- عز وجل- المسلمين بالتوجه جميعاً لأعظم قبلة، في أعظم عباداتهم، وهي الصلاة، وكذا في نسكهم ودعائهم.

وكان أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة العصر، كما في حديث البراء بن عازب- رضي الله عنه- وغيره.

وروي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة الظهر[5].

وكان ذلك في منتصف شهر رجب، وقيل: في النصف من شعبان. والصحيح الأول.

فبادر صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى امتثال أمر الله- عز وجل- بالتوجه في الصلاة نحو الكعبة، حتى أهل مسجد قباء جاءهم الخبر وهم في صلاة الفجر، بتحويل القبلة إلى الكعبة، فاستداروا نحوها وهم في الصلاة.

كما في حديث البراء -رضي الله عنه-: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته الكعبة، وأن أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله، لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة، فداروا، كما هم قبل البيت"[6].

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "بينما الناس في قباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"[7].

وعن عمارة بن أوس -رضي الله عنه- قال: "بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع إذ أتى منادٍ بالباب: أن القبلة قد حولت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف، فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع نحو الكعبة"[8].

وهذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء.

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ "إن" للتوكيد، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، و"ال" في الكتاب للجنس، فاليهود أعطوا التوراة، والنصارى أعطوا الإنجيل.

﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ اللام للتوكيد، أي: وإن الذين أعطوا الكتاب وبخاصة أحبارهم وعلماؤهم الذين أنكروا استقبالكم المسجد الحرام، وانصرافكم عن بيت المقدس، ﴿ لَيَعْلَمُونَ ﴾ علماً جازماً ﴿ أَنَّهُ ﴾ أي: توجهكم إلى المسجد الحرام ﴿ الْحَقُّ ﴾ أي: الشيء الثابت، أي: أن توجهكم إلى المسجد الحرام هو الحق الثابت، الذي لا مرية فيه، كما قال عز وجل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام.

كما أن رسالته صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من الوحي من عند الله- عز وجل- كل ذلك حق يجب اتباعه.

قال ابن كثير[9]: "أي: واليهود- الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس- يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وما خصه الله تعالى به، وشرفه، من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً".

كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 76].

﴿ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ أي: من خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم، وفي هذا تذكير لهم بنعمة ربوبيته- عز وجل- التي لا يستطيعون إنكارها، واستعطاف لقلوبهم لو كان فيها حياة.

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ وقرأ الباقون بالياء: ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾.

و"ما" في قوله ﴿ وَمَا اللَّهُ ﴾ نافية تعمل عمل "ليس".

﴿ بِغَافِلٍ ﴾ الباء حرف جر، وهي زائدة إعراباً مؤكدة للنفي من حيث المعنى و(غافل) مجرور لفظاً، ومحله النصب خبر "ما".

والغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وهو أمر يعتري البشر لنقصهم. والله- عز وجل- لا يسهو ولا يغفل ولا يلهيه شأن عن شأن.

و"ما" في قوله ﴿ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ موصولة أو مصدرية، أي: وما الله بساه ولاه عن الذي يعملون، أو عن عملهم، من الكيد للرسول صلى الله عليه وسلم ولدعوته، والمخالفة والصد عن دين الله- عز وجل- وكتمان ما كانوا يعلمون من الحق، وغير ذلك.

وفي هذا أبلغ الوعيد والتهديد لأهل الكتاب، كما أن في الآية وعداً للمؤمنين، أي: إنه- عز وجل- ليس بغافل عن أعمالكم الصالحة أيها المؤمنون من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه، والقيام بما أوجب الله عليكم، بل سيحصي ذلك كله، ويدخره لكم، ويجازيكم عليه أحسن الجزاء.

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1] أخرجه مسلم في البر والصلة (2620)، وأبوداود في اللباس (4090)، وابن ماجه في الزهد (4174) -من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أبي سعيد- رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في الوضوء (144)، ومسلم في الطهارة (264)، وأبوداود في الطهارة (9)، والنسائي في الطهارة (21)، وابن ماجه في الطهارة (318)- من حديث أبي أيوب- رضي الله عنه.

[3] البيت لأبي زنباع الجذامي. انظر: "لسان العرب" مادة: "شطر".

[4] أخرجه البخاري في الحج (1834)، ومسلم في الحج (1353)، وأبوداود في المناسك (2017)، والنسائي في مناسك الحج (2875)، والترمذي في السير (1590)، وابن ماجه في الجهاد (2773)- من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما.

[5] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 279).

[6] سبق تخريجه.

[7] سبق تخريجه.

[8] أخرجه ابن مردويه فيما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (1/ 280).

[9] في "تفسيره" (1/ 280).
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:06 AM   #215

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ... ﴾

قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145].

قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ الواو: عاطفة، واللام موطئة للقسم المقدر، أي: والله لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب، وأظهر في مقام الإضمار فلم يقل: (ولئن أتيتهم)؛ لإظهار مذمتهم.

﴿ بِكُلِّ آيَةٍ ﴾ الباء للمصاحبة، أي: مصطحبًا كل آية، وقد تكون للتعدية، والآية: العلامة.

أي: والله لئن جئت اليهود والنصارى بكل آية شرعية أو كونية؛ حجة وبرهانًا وعلامة على صدق ما جئت به من عند الله، من الأمر بالتحول إلى الكعبة، وغير ذلك.

أي: مهما جئتهم به من الآيات الكثيرة؛ لأن الآيات لا يمكن حصرها.

﴿ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ "ما" نافية، أي: ما توجهوا إلى قبلتك الكعبة؛ وذلك لفرط كفرهم وتكذيبهم، ومخالفتهم وعنادهم وحسدهم، كما قال تعالى: ﴿ أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ ﴾.

فهم يعلمون أنه الحق- كما ذكر الله- لكنهم لا يعملون به، والآيات إنما ينتفع بها من كان ضالته الحق، أما من كان معاندًا فلا حيلة فيه.. فلا جدوى في إطناب الاحتجاج عليهم، ولا مطمع في اتباعهم قبلته، ولهذا أكد ذلك بالقسم، تيئيسًا من إيمانهم.

وأضاف القبلة إليه صلى الله عليه وسلم في قوله ﴿ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ ؛ لتأكيد تميزه صلى الله عليه وسلم في قبلته عن أهل الكتاب، وإلا فقبلته الكعبة هي قبلة أبيه إبراهيم وغيره من الأنبياء بعده عليهم الصلاة والسلام، وهي أول بيت وضع للناس، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ [البقرة: 143، 144].

﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾الواو: استئنافية، و"ما" نافية ﴿ بِتَابِعٍ ﴾ الباء مؤكدة للنفي أي: وما أنت بمتوجه إلى قبلتهم، أي: إن ذلك مستحيل شرعًا في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله أمره بالتحول إلى المسجد الحرام، والانصراف عن قبلتهم، وهو صلى الله عليه وسلم معصوم عن مخالفة أمر الله عز وجل.

وهذا إخبار من الله- عز وجل- عن ثباته صلى الله عليه وسلم على التوجه إلى الكعبة، وشدة متابعته صلى الله عليه وسلم وتمسكه بما أمره الله به.

وفيه تيئيس من رجوعه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى قبلة اليهود، وإشارة إلى أن توجهه صلى الله عليه وسلم أول هجرته إلى المدينة نحو بيت المقدس؛ لأمر الله بذلك، لا متابعة منه لليهود.

﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ ﴾ يعني أهل الكتاب ﴿ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ فاليهود لا يمكن أن يتبعوا قبلة النصارى، وهي مشرق الشمس، والنصارى لا يمكن أن يتبعوا قبلة اليهود وهي بيت المقدس والصخرة؛ لأن كل طائفة منهم تكفر الأخرى، وترى أنها ليست على شيء، كما قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ ﴾ [البقرة: 142].

وفي هذا زيادة في التيئيس من اتباعهم قبلته صلى الله عليه وسلم، ببيان شدة اختلافهم فيما بينهم حتى في قبلتهم مع أن شريعة اليهود هي أصل شريعة النصارى، والإنجيل تكملة للتوراة.

﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ هذا تأكيد لما قبله وتحذير له صلى الله عليه وسلم من موافقة أهل الكتاب في قبلتهم وأهوائهم وحاشاه من ذلك.

قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ الواو: عاطفة، واللام موطئة للقسم، أي: والله لئن اتبعت أهواءهم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

والأهواء: جمع هوى، وهو الميل عن الحق، والمخالفة له، بلا دليل من شرع أو عقل، بل بمجرد اتباع هوى النفس، وهو ضد الهدى، كما قال تعالى: ﴿ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾.

والهوى- يعمي ويصم، وهو مهلك مردٍ، كما قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ ﴾ [البقرة: 142] ، وقال تعالى: ﴿ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ ﴾، وقال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ [البقرة: 142].

﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ أي: من بعد الذي جاءك من العلم بالوحي من عند الله أنك على الحق، وأنهم على خلاف ذلك. العلم الذي تقوم به الحجة، كما قال تعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ [البقرة: 143] ، وقال عز وجل: ﴿ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا ﴾ [البقرة: 145].

﴿ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ جملة جواب القسم و"إن" في قوله ﴿ إِنَّكَ ﴾ للتوكيد، و"إذًا" ظرف بمعنى "حين" أي: إنك حين اتباعك لأهوائهم من بعدما جاءك من العلم، أي في هذه الحال ﴿ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾.

واللام في قوله ﴿ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ للتوكيد، والظالمين: جمع ظالم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، على سبيل العدوان، وهو النقص، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ ﴾.

وهو قسمان: ظلم للنفس بالكفر والشرك والمعاصي، وظلم للغير- بالتعدي على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وغير ذلك، وهو- أيضًا- من ظلم النفس.

وأظلم الظلم: الشرك بالله؛ لقوله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 143].

واتباع أهواء أهل الكتاب في التوجه إلى قبلتهم وغير ذلك من أهوائهم الباطلة المخالفة للحق من أظلم الظلم؛ لأنه وضع للاتباع في غير موضعه بغيًا وعدوانًا، ونقص مما يجب على المرء من اتباع الحق واطراح الأهواء.

وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، وتعليق الشيء على الشرط لا يلزم وقوعه، وهذا كقوله تعالى: ﴿ نْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144].

وفي هذا كله تأكيد أنه لا محاباة لأحد من الخلق عند الله حتى ولو كان أفضل الرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم.

المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 06:10 AM   #216

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

«عون الرحمن في تفسير القرآن»


الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم


تفسير قوله تعالى:﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ... ﴾



قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146].

قوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ أي: الذين أعطيناهم الكتاب وأنزلناه عليهم، وهم اليهود والنصارى، وبخاصة أحبارهم وعلماؤهم.

﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أي: يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق رسالته، وما جاء به من عند الله من الوحي، ومن الأمر باستقبال المسجد الحرام.

﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ الكاف للتشبيه، و"ما" مصدرية، أي: يعرفونه معرفة تامة كمعرفتهم أبناءهم.

وعبر بـ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ ؛ لأن المعرفة تتعلق أكثر بالذوات والأمور المحسوسة، قال تعالى: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ [المطففين: 24].

وخص الأبناء دون البنات؛ لأن معرفة الرجل بأبنائه الذكور أقوى لكثرة مخالطته لهم، وقوة تعلقه بهم.

قال ابن كثير[1]: "والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا"؟ قال: نعم، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه"[2].

وإنما كانوا يعرفونه كمعرفتهم أبناءهم، لما جاء في كتبهم من البشارة به صلى الله عليه وسلم وذكر صفاته، وكمال دينه، وفضيلة أمته، قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الأعراف: 157].

﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: وإن فريقاً من أهل الكتاب، أي: جماعة منهم، وهم أكثرهم، وبخاصة أحبارهم وعلماؤهم.

﴿ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ﴾ اللام للتوكيد، أي: ليخفون الحق، ولا يظهرونه، وهو ما في كتبهم التوراة والإنجيل، من البشارة به صلى الله عليه وسلم وصفته، وصدق رسالته، وما جاء به، وأن قبلته الكعبة، كما هي قبلة الأنبياء من قبله، كما قال تعالى عنهم: ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 76].

﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ الواو: حالية، أي: والحال أنهم يعلمون الحق، ويعرفونه، كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك يكتمونه، وهذا أشد وأبلغ في ذمهم؛ لقيام الحجة عليهم، أي: يعلمون الحق ويعرفونه، ويعلمون أنه ليس لهم كتمانه، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 140].

ويؤخذ من قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ ﴾ أن فريقاً منهم لم يكتموا الحق، وهم يعلمون، وهذا الفريق منهم من آمن، ومنهم من كفر جهلاً.

قوله تعالى: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [البقرة: 147].

قوله: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ تقرير وتوكيد لما قبله، أي: الحق الثابت، الذي لا شك فيه ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي: من خالقك ومالكك ومدبرك، هو الذي أحقه وبعثك به، وأنزله عليك، ووجهك فيه إلى قبلة إبراهيم- عليه السلام- والأنبياء بعده.

والمراد بالربوبية هنا: ربوبية الله- عز وجل- الخاصة برسله وأوليائه.

﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ أي: فلا تكونن من الشاكين- فيما أنزل الله إليك من الحق، وفيما وجهك إليه من قبلة إبراهيم والأنبياء بعده، واثبت على ذلك، ولا تبال بمن خالفه، من اليهود وغيرهم؛ من أهل الشك والارتياب، وفي هذا أعظم التثبيت له صلى الله عليه وسلم.

وليس في نهيه صلى الله عليه وسلم عن الامتراء ما يدل على وقوع شيء من ذلك منه صلى الله عليه وسلم، بل ولا على إمكانية وقوع ذلك منه؛ لعصمته صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهذا كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [الأحزاب: 1].
المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن»

[1] في "تفسيره" (1/ 280).

[2] أخرجه أحمد (5/ 81).

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
* هل أنت شاب وتريد الغِنى؟
* من خير ما تُستغل به هذه الليالي
* شعبان.. تزكية القلوب والأعمال
* رسالة إلى كل تائه أو مدمن
* اليهود ورسول الله ﷺ
* وسطية أهل السنة في باب كرامات الأولياء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
----متجدد, الله, الرحمن, القرآن», تفسير, شاء, في, هو, «عون, كتاب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم ملتقى الكتب الإسلامية 426 03-12-2026 05:50 PM
منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم الفرق والنحل 24 03-12-2026 05:24 PM
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 344 02-18-2026 06:25 AM
تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 3 12-26-2025 02:48 PM
كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن أبوالنور ملتقى الكتب الإسلامية 2 07-24-2024 04:32 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009