![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#271 |
|
|
و«ما»: مصدرية، و«البينات»: صفة لمصدر محذوف، أي: من بعد مجيء الآيات والحجج البينات، أي: الواضحات القاطعات في الدلالة على أصل الشريعة ومقاصدها التي تقتضي الاجتماع والائتلاف، ولا تحتمل التفرق ولا الاختلاف، وقيام الحجة عليهم بذلك. وفي هذا تشنيع عليهم، فهم أسوأ حالًا من المختلفين في الحق قبل مجيء البينات، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴾ [البينة: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [يونس: 93]. ﴿ بغيًا بينهم ﴾ «بغيًا»: مفعول لأجله، أي: لأجل البغي، وهو الحسد والظلم والعدوان فيما بينهم، ومن بعضهم على بعض، لا من غيرهم، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [الجاثية: 17]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 14]. ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الفاء هي الفصيحة، وقيل: عاطفة. وهداية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: هداية البيان والإرشاد، وهذه عامة لجميع الخلق، ولا تقوم عليهم الحجة إلا بها. وهداية التوفيق وهذه للمؤمنين خاصة، وهي خاصة بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56]. ﴿ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ «ما»: اسم موصول يفيد العموم، وضمير الواو في ﴿ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ يعود إلى الذين أوتوا الكتاب، كما في قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾، أو يعود إليهم وإلى الذين اختلفوا قبل بعثة النبيين، وقبل إنزال الكتاب، أي: فهدى الله الذين آمنوا لجميع الذي اختلف فيه المختلفون من الحق. قال ابن القيم[5]: «فأخبر سبحانه أن الذين آمنوا هدوا لما اختلف فيه أهل التأويل الباطل الذي أوقعهم في الاختلاف والتفرق». ﴿ من الحق ﴾ بيان لـ«ما» الموصولة، أي: فهدى الذين آمنوا للحق الذي اختلفوا فيه. ﴿ بإذنه ﴾، أي: بأمره الكوني ومشيئته. أي: فوفق الله الذين آمنوا لما اختُلف فيه قبل بعث النبيين وبعد بعثهم، من الحق، بإذنه الكوني والشرعي، بما جاء في القرآن والإسلام. عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ﴾، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غد للنصارى»[6]. ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الجملة مقررة لمضمون ما قبلها. قوله: ﴿ يَهْدِي﴾ أي: يوفق، ﴿ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من يريد كونًا هدايته ممن هو أهل للهداية. ﴿ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى طريق معتدل واضح لا اعوجاج فيه ولا التواء، وهو صراط الله، وطريق الحق والإيمان والإسلام، الذي فيه السعادة في الدنيا والآخرة، ودخول الجنة والنجاة من النار، كما قال تعالى: ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ [الشورى: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]. وهو طريق الإيمان والإسلام، وطريق الهدى ودين الحق، كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33]؛ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. فمن أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة أن هداها للصراط المستقيم الذي ضل عنه كثير من الأمم، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4]. وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتركوا. واستأجر آخرين بعدهم، فقال لهم: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر، قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم، فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا. واستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور. فقالت اليهود والنصارى: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟ قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء»[7]. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً؟ فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء»[8]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»[9]. قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾. قوله: ﴿ أَمْ حسبتُم ﴾ «أم» هي المنقطعة التي بمعنى «بل» التي هي للإضراب الانتقالي، وهمزة الاستفهام الإنكاري، والتقدير: بل، أحسبتم. والخطاب للمؤمنين وقيل: لكل من يصلح خطابه، و﴿ حسبتُم ﴾ بمعنى ظننتم تنصب مفعولين. ﴿ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ «أن»: مصدرية، وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي «حسب»، أي: أم حسبتم دخول الجنة، أو سد مسد مفعولها الأول، والثاني: محذوف، والتقدير: أم حسبتم دخول الجنة حاصلًا. والجنة في اللغة: البستان كثير الأشجار والثمار، سميت بذلك لأنها تجن وتستر من بداخلها. وهي في الشرع الدار التي أعدها الله تعالى للمؤمنين والمتقين، كما قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]. وهي جنات عدن، كما قال تعالى: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ [الرعد: 23]، وهي دار السلام، كما قال تعالى: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 127]. فيها من ألوان النعيم ما لا يعلمه إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17][10]. ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ الواو للحال، أي: والحال أنه لما يأتكم، و«لما»: حرف نفي وجزم وقلب، مثل: «لم». والفرق بينهما أن «لم» للنفي مع عدم ترقب السامع حصول الفعل المنفي، و«لما» للنفي مع ترقب السامع حصول الفعل المنفي، فيكون النفي بها نفيًا لحصول قريب، كما قال النابغة الذبياني[11]: أَزِفَ الترحّل غير أن ركابنا ![]() لما تزُل برحالنا وكأن قد ![]() ![]() ![]() أي: وكأنه قد زالت، فقولك: «لم ينزل المطر» نفي لنزول المطر دون توقع نزوله، وقولك: «لما ينزل المطر» نفي لنزول المطر مع توقع نزوله. ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ «مثل» فاعل «يأتكم»، ومعنى «مثل» أي: صفة وشبه وسنن. ﴿ خلوا ﴾ أي: مضوا ﴿ من قبلكم ﴾ تأكيد لـ«خلوا»، أي: ولما يأتكم صفة وشبه الذين مضوا من قبلكم من الرسل وأممهم، أي: صفة ما حصل لهم من الابتلاء في الدين، كما قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]. وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين ﴾ [آل عمران: 142]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 16]. ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ استئناف، فيه بيان وتفسير لقوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾. ومعنى ﴿ مَسَّتْهُمُ ﴾: أصابتهم إصابة مباشرة، وحلت بهم. ﴿ الْبَأْسَاءُ﴾ البؤس والفقر الشديد، وهذه مصيبة في الأموال، ﴿ وَالضَّرَّاءُ﴾ الضر والمرض والسقم والألم، ونحو ذلك، وهذه مصيبة في الأبدان. ﴿ وَزُلْزِلُوا﴾ الزلزلة والزلزال: الاضطراب وعدم الثبات، وهو نوعان: زلزال حسي يقع على الأرض فيجعلها تتحرك وتضطرب فيدمر كل ما عليها. وزلزال معنوي يقع على القلوب وهو أشد وأنكى. وهو المراد هنا، أي: وزلزلوا في قلوبهم، أي: أزعجوا بالمخاوف والفتن، من القتل والنفي وسلب الأموال ونحو ذلك، وهذه مصيبة في الأنفس والقلوب. وهكذا لقي المسلمون في صدر الإسلام في مكة من أذى المشركين البأساء والضراء وأخرجوا من ديارهم ولقوا أذى اليهود لهم في المدينة بعد هجرتهم. عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفْرَق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه»، ثم قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون»[12]. وهكذا حصل لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 10، 11]. ولهذا روي أن هذه الآية: ﴿ أم حسبتهم) نزلت يوم الأحزاب[13]. ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ «حتى»: للغاية، أي: بلغت بهم البأساء والضراء والزلزلة إلى غاية يقول عندها الرسول والذين آمنوا معه: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾. قرأ نافع «يقولُ» بالرفع على إلغاء عمل «حتى»، وقرأ الباقون ﴿ يقول ﴾ بالنصب على إعمال «حتى»، وإنما عملت هنا مع أنه حكاية عن شيء مضى، وهي لا تعمل إلا في المستقبل على حكاية الحال الماضية فصار «يقول» مستقبلًا بالنسبة لقوله: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ﴾. وجاء التعبير بالمضارع مع أن الآية تخبر عن حال من قد مضوا؛ لإنذار المخاطبين أن يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم. ﴿ الرسول ﴾ «أل» يحتمل أن تكون للعهد، أي: رسول الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، ويحتمل أن تكون للاستغراق، أي: رسول كل أمة حصل لهم ذلك، وهذا أقرب. أي: حتى يقول الرسول، والذي هو أعرف الناس بالله، وأوثقهم بنصره وأعظمهم صبرًا. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ «الذين»: معطوف على «الرسول»؛ أي: ويقول الذين آمنوا. ﴿ معه ﴾ أي: معه في هذه المقالة، ومعه في الإيمان بالله والثقة بوعده ونصره، وأكرم بها من معية. ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ جملة مقول القول، و«متى» للاستفهام، استبطاءً للنصر واستعجالًا، وطلبًا له واستفتاحًا، أي: متى يأتي نصر الله، كما في حديث خباب رضي الله عنه: «قلنا يا رسول الله: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا». ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: الجملة خبرية مؤكدة بأداة التنبيه: «ألا»، و«إنَّ»، يحتمل أن تكون جوابًا لقول الرسول والذين آمنوا معه: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾، ويحتمل كون الجملة استئنافية، يخبر الله عز وجل بها عن قرب نصره لأوليائه عند كل شدة وضيق. وكلا الاحتمالين صحيح، فنصر الله قريب من المؤمنين، مما يوجب التعلق به عز وجل والثقة بوعده ونصره، كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6]. المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] أخرجه البخاري في النفقات (5352)، ومسلم في الزكاة (993)، والترمذي في التفسير (3045)، وابن ماجه في المقدمة (197) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجهما عنهما الطبري في «جامع البيان» (3/ 624)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 376). [3] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 390). [4] ذكره ابن كثير في «تفسيره» (2/ 422 - 426) من رواية ابن مردويه ومن رواية الآجري، وأخرجه أحمد (265 – 266) من حديث طويل عن أبي أمامة رضي الله عنه، وفيه: «عدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا»، والحديث ضعيف عند عامة أهل العلم من حديث أبي ذر وأبي أمامة رضي الله عنهما. [5] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 39). [6] أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق فيما ذكر ابن كثير في «تفسيره» (1/ 365)، والحديث بدون ذكر الآية، أخرجه مرفوعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه البخاري في الجمعة (876)، ومسلم في الجمعة (855)، والنسائي في الجمعة (1367). [7] أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (558). [8] أخرجه البخاري في الإجارة، الإجارة إلى نصف النهار (2269)، والترمذي في الأمثال (2871)، وأحمد (2/ 6، 11). [9] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (770)، وأبو داود في الصلاة (767)، والنسائي في قيام الليل (1625)، والترمذي في الدعوات (3420)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1357). [10] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3244)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2824)، والترمذي في التفسير (3197)، وابن ماجه في الزهد (4328). [11] انظر: «ديوانه» (ص89). [12] أخرجه البخاري في المناقب (3852)، وأبو داود في الجهاد (2649). [13] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (3/ 637). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#272 |
|
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ 1- كثرة ما أعطاه الله تعالى لبني إسرائيل من الآيات البينات الشرعية والكونية الدالة على عظمته وكمال ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وصدق رسله، إقامةً للحجة عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾، وأن النعمة على السابقين منهم نعمة على اللاحقين. 2- تقريع وتوبيخ وتبكيت بني إسرائيل الموجودين في عهده صلى الله عليه وسلم بسؤالهم كم آتاهم الله هم وأسلافهم من الآيات البينة والنعم العظيمة، فلم ينجع ذلك فيهم، بل كفروا وبدلوا نعمة الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. 3- تحذير بني إسرائيل في عهده صلى الله عليه وسلم وغيرهم من تبديل نعمة الله تعالى بما أعطاهم من الآيات البينات بالكفر بها وعدم شكرها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. 4- تسلية النبي صلى الله عليه وسلم تجاه تكذيب قومه مع ما جاءهم به من الآيات البينات. 5- أن أعظم نعمة أنعم الله تعالى بها على الخلق إعطاؤهم الآيات البينة في نفسها المبينة للحق من الباطل، والهدى من الضلال، والحلال من الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾. 6- شدة عقاب الله والوعيد بذلك لمن بدل نعمة الله وكفر بآياته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. 7- تمام عدل الله عز وجل وحكته، فلا يعاقب أحدًا من الخلق إلا بعد بيان الحق له بالآيات البينات وكفره بها، وتبديل نعمة الله بعد ما جاءته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. 8- تزيين الحياة الدنيا للكفار واغترارهم بزخرفها، وانشغالهم بها عن الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾، وهذا يحتمل أن الله تعالى زين لهم ذلك كونًا وقدرًا، إذ لا شيء يحصل في الكون بلا تقديره، وليس في هذا حجة؛ لأنه لا يحتج بالقدر على المعاصي. ويحتمل أن الذي زين لهم ذلك هو الشيطان بوسوسته، وتسويله لهم، وفي هذا ما يوجب الحذر منه، ومن الاغترار بالدنيا. 9- عدم اغترار المؤمنين بالحياة الدنيا وزخرفها لمفهوم قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾، وذلك لعلم المؤمنين بدناءتها وحقارتها، كما أخبر الله عنها في كتابه، ووصفها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته. 10- دأب الذين كفروا واستمرارهم على السخرية والاستهزاء بالمؤمنين والازدراء لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وفي هذا مع بيان أذيتهم للمؤمنين تثبيت قلوب المؤمنين تجاه ذلك. 11- تسلية المؤمنين تجاه سخرية الكفار منهم في الدنيا، ببيان فوقيتهم على الكفار يوم القيامة، فهم في أعلى الدرجات، والكفار في أسفل الدركات، والعاقبة للمتقين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وفي هذا تبكيت للكافرين. 12- أن الجزاء من جنس العمل، فحي ث يسخر الكفار من المؤمنين ويتعاظمون عليهم في الدنيا يجعل الله عز وجل الذين اتقوا فوقهم يوم القيامة؛ مجازاةً وإرغامًا لهم، كما أنهم فوقهم في الشرف والكرامة في الدنيا والآخرة، وقد قال الله عز وجل للمؤمنين: ﴿ ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11]. 13- في الإظهار مكان الإضمار، وفي التعبير بالتقوى بدل الإيمان في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ ﴾ تنبيه على فضل التقوى ومكانتها، وأنها سبب فوقية المؤمنين ورفعة منازلهم وعلو درجاتهم. 14- أن الله عز وجل يرزق بفضله من يشاء من عباده، ويعطيهم العطاء الجزيل من المنازل والدرجات والخير الكثير الذي لا نهاية له في الدين والدنيا والآخرة بلا حساب ولا عد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261] وقال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»[1]. 15- إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل المتعلقة بمشيئته، كالرزق والإحياء والإماتة، وغير ذلك، وكل ما يقع في الكون من حركة وسكون وغير ذلك إنما هو بمشيئة الله تعالى، أي: بإرادته الكونية. 16- أن الناس في أول الأمر كانوا أمة واحدة على الفطرة ودين الإسلام الذي دان به أبوهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾. 17- أن الاختلاف أمر طرأ على الناس، بعد أن كانوا أمة واحدة على دين واحد؛ لقوله تعالى: ﴿ اختلفوا ﴾، ولا يزال ذلك إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 118، 119]. 18- أن سبب بعث النبيين ما وقع بين الناس من اختلاف في الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ﴾ رحمةً منه تعالى للناس وإعذارًا لهم. 19- أن الحكمة من بعث الأنبياء والرسل هي التبشير والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾، وهذا يستلزم بيان الحق والدعوة إليه، وبيان الباطل والتحذير منه. 20- إثبات علو الله عز وجل على خلقه بذاته وصفاته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾، والإنزال يكون من أعلى إلى أسفل. 21- أن الكتب السماوية منزلة من عند الله عز وجل غير مخلوقة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾. 22- نزول كتب الله عز وجل بالحق، ووصولها بالحق، واشتمالها على الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾. 23- أن الله عز وجل إنما أنزل الكتب ليُحْكم بها ويتحاكم إليها عند الاختلاف والنزاع؛ لقوله تعالى: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾، أي: ليحكم الكتاب أو الرسول بهذا الكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، إلى أن صار الحكم على جميع الكتب السماوية وبين الناس كلهم لخاتم كتب الله عز وجل القرآن الكريم المهيمن عليها، والناسخ لها، فبالرجوع إلى القرآن والسنة يحصل الاجتماع والائتلاف، وتزول الفرقة والاختلاف. 24- أن الذين اختلفوا في الكتاب هم الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾. 25- التوبيخ لهؤلاء الذين اختلفوا في الكتاب؛ لأنهم اختلفوا فيه بعد إيتائه لهم ومجيء البينات إليهم بسبب البغي والظلم والحسد بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾. 26- وجوب الحذر من البغي والظلم والحسد؛ لأن ذلك سبب للاختلاف في الحق، وعدم قبوله بعد بيانه. 27- أن الاختلاف شر يجيب الحذر منه، وخاصة الاختلاف في الدين، لما له من أثر في تفريق وحدة الأمة وبعدها عن الحق، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]. 28- توفيق الله عز وجل للمؤمنين وهدايته لهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ﴾. 29- أن الإيمان سبب للهداية للحق، وذلك لما يتضمنه الإيمان من صدق صاحبه في طلب الحق، كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]. 30- أن هداية التوفيق بيد الله عز وجل وبإذنه الكوني، ولعباده المؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ولهذا ينبغي سؤال الله عز وجل وحده الهداية إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. 31- إثبات إذن الله عز وجل الكوني والشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾؛ أي: بإذنه وأمره الكوني والشرعي. 32- إثبات أفعال الله الاختيارية لقوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ﴾، وقوله: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾، وقوله: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾. 33- إثبات المشيئة لله عز وجل، وهي الإرادة الكونية المتعلقة بأفعاله الاختيارية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾. 34- أن ما جاء به الشرع هو الحق والصراط المستقيم، وما سواه فباطل معوج؛ لقوله تعالى: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. 35- أن الابتلاء في الدين سنة من سنن الله عز وجل يختبر الله به العباد ليتبين الصادق الصابر من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]. 36- تقوية قلوب المؤمنين أمام الابتلاء في الدين وتسليتهم بذكر ما وقع لغيرهم من الأمم الخالية، كما قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120]. 37- إثبات الجنة وأنها غالية الثمن، تحتاج إلى مجاهدة وصبر على ما يصيب المؤمن من الابتلاء في ذات الله تعالى. ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان: «هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة»[2]. 38- أن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما صدقته الأعمال، وطريق الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «وحفت الجنة بالمكاره»[3]. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة»[4]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأمثل فالأمثل»[5]. وقد أحسن القائل: فدرب الصاعدين كما علمتم ![]() به الأشواك تكثر لا الورود[6] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ومن يتهيب صعود الجبال ![]() يعش أبد الدهر بين الحفر ![]() ![]() ![]() 39- أن النصر بيد الله عز وجل يجب أن يطلب منه وحده، كما هو دأب الرسل والمؤمنين معهم؛ لقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾. 40- جواز استعجال النصر إذا كان ذلك على سبيل الدعاء بتعجيل النصر مع الثقة بوعد الله عز وجل وترقبه والتطلع إليه، لا على سبيل الشك، أو اليأس من نصر الله. 41- البشارة للمؤمنين بقرب نصر الله عز وجل لهم مما يقوي عزائمهم، ويثبت قلوبهم، ويجعلهم يترقبون النصر ولا يستبطئونه؛ لقوله تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾. وفي هذا بشارة لهم بفتح مكة ونصرهم على أعدائهم. 42- حسن عاقبة الصبر، وأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرًا، وأن العاقبة للتقوى. 43- قدرة الله عز وجل التامة على نصر أوليائه وعلى كل شيء، وحكمته البالغة في عدم مبادرتهم بالنصر ليتطلعوا إليه ويصدقوا في بذل أسبابه. [1] أخرجه البخاري في الصوم (1904)، ومسلم في الصيام (1151)، وأبو داود في الصوم (2363)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2804)، ومسلم في الجهاد والسير (1773) من حديث عبد الله بن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهم. [3] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. [4] أخرجه الترمذي في الزهد (2399)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: «حديث حسن صحيح». [5] أخرجه الترمذي في الزهد (2398)، وابن ماجه في الفتن (4023) من حديث مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [6] هذا البيت للشاعر العراقي وليد الأعظمي في «ديوان الزوابع»؛ انظر «الأعمال الشعرية الكاملة» (ص85). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#273 |
|
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾[البقرة: 215]. قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه تشريف وتكريم له صلى الله عليه وسلم، والسائلون هم الصحابة رضي الله عنهم. ﴿ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ «ماذا» اسم استفهام، مبني على السكون، في محل نصب، مفعول مقدّم لـ«ينفقون»، أي: يسألونك، أيَّ شيء ينفقون؟ أو «ما» اسم استفهام، في محل رفع مبتدأ، و«ذا» اسم موصول، مبني على السكون، في محل رفع خبر، و«ينفقون» صلته، والعائد محذوف، أي: ما الذي ينفقونه؟ والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لـ«يسألونك»، والمعنى: ماذا ينفقون من أموالهم جنسًا وقدرًا وكيفًا. والإنفاق: إخراج المال وصرفه في سائر وجوه الإنفاق، والمراد به في الشرع: إخراجه في وجوهه المشروعة؛ الواجبة، والمستحبة، والمباحة. ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، و«ما»: شرطية، و«أنفقتم»: فعل الشرط، وقوله: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ ﴾: جواب الشرط، وقرن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية. ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ «من»: لبيان الجنس، أي: ما أنفقتم من خير، من أيِّ جنس، وأي قدر. والخير: المال. وقد تضمن قوله: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ جواب سؤالهم، وزيادة. فقد سألوا ﴿ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾، فأجيبوا بقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الآية. ففي قوله: ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ جواب سؤالهم، وهو أن الإنفاق يكون من أيّ أنواع الخير والمال، من غير تحديد جنس المال؛ ولا قدر المنفق منه، وكيفيته. وفيه إشارة واضحة إلى أن المصلحة عدم تحديد جنس وقدر المنفق تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج عنهم، ويؤيد هذا قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ قل العفو ﴾ [البقرة: 219]. كما أن فيه إشارة إلى أن النفقة تقع موقعها أيًّا كانت جنسًا وقدرًا. وفي الحديث: «أفضل الصدقة جهد المقل»[1]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبق درهم مائة ألف درهم» قالوا: وكيف؟ قال: «كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها»[2]. وأما الزيادة في الإجابة على سؤالهم فهي قوله تعالى: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾، وهو بيان محل ومصرف النفقة، وقد انصب الجواب على هذا حتى إنه ليبدو أنهم إنما أجيبوا عنه دون المنْفَق. ولعل من الحكمة في هذا- والله أعلم- التنبيه إلى أن معرفة محل النفقة ومصرفها أهم من معرفة المنفَق، وذلك؛ لعظم حق من ذكروا وفضل النفقة عليهم، من بين سائر وجوه النفقة، التي لا تحصى، المشروع منها وغيره، فكأنه قيل لهم: ليس المهم معرفة المنفَق، فهو من الخير والمال أيًّا كان جنسًا وقدرًا، وإنما المهم معرفة المنفَق عليهم، وأن تقع النفقة موقعها، كما قال الشاعر: إن الصنيعة لا تكون صنيعة ![]() حتى يصاب بها طريق المصنع[3] ![]() ![]() ![]() قوله: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾؛ أي: فينبغي أن يعطى ما أنفق من خير، ويصرف للوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين وابن السبيل. والوالدان هما الأب والأم، والجد والجدة، وإن علوا. ﴿ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ معطوف على «الوالدين» من عطف العام على الخاص؛ لأن الوالدين من الأقربين، وإنما خصهما بالذكر، وقدمهما لفضلهما، وعلو منزلتهما وعظيم حقهما. ﴿ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾: جمع أقرب على وزن «أفعل» فالأولى بالنفقة من الأقارب الأقرب فالأقرب منهم، كما هو الحال في الميراث. عن طارق المحاربي رضي الله عنه قال: قدمنا المدينة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك»[4]. وقال صلى الله عليه وسلم في المواريث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر»[5]. ويدخل في «الأقربين» الأولاد وإن نزلوا، والإخوة والأعمام وبنوهم وإن نزلوا، وغيرهم. والنفقة على الأقارب أفضل من غيرها، لأنها كما قال صلى الله عليه وسلم: «صدقة وصلة»[6]. ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ جمع يتيم ويتيمة، وهو من فقد أباه دون البلوغ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد احتلام»[7]، مشتق من اليتم وهو الانفراد، ومنه سميت «الدرة اليتيمة». وخص اليتامى من بين الأطفال؛ لأنهم فقدوا كاسبهم وكافلهم- بعد الله- عز وجل- وهو والدهم، مما يوجب على المسلمين تعويضهم عن فقد أبيهم، والعطف عليهم، ورعايتهم، والإنفاق عليهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئًا»[8]. ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ جمع مسكين، وهو من لا يجد كفايته، أو لا يجد شيئًا، مأخوذ من السكون، وهو عدم الحركة، واللصوق بالأرض، من شدة الحاجة والفقر، كما قال تعالى: ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴾ [البلد: 16]. وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه وأذله، فإن تكلم لم يُسمع له، وإن سُمع لم يُصدق. والمسكين إذا أفرد شمل الفقير، كما أن الفقير إذا أفرد شمل المسكين، وإذا ذكرا معًا، فالمسكين أحسن حالًا من الفقير، وقيل العكس[9]. ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر الذي انقطع به السفر، فيُنْفَق ويُتصدق عليه، بل ويعطى من الزكاة الواجبة، ولو كان غنيًّا في بلده. وسمي المسافر: ابن السبيل؛ لملازمته السبيل، أي: الطريق. ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ في هذا ترغيب في فعل الخير عمومًا من الإنفاق وغيره. الواو: عاطفة، و«ما»: شرطية، و«تفعلوا»: فعل الشرط، وجوابه جملة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾؛ أي: وما تفعلوا من خير أيًّا كان بذلًا أو قولًا أو فعلًا، قليلًا كان أو كثيرًا، صغيرًا كان أو كبيرًا. ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ أي: فإن الله بالذي تفعلونه من الخير ذو علم تام، محيط به، ولن يضيع عنده، بل سيجازيكم عليه أعظم الجزاء، في الدنيا والآخرة، وفي هذا أعظم الوعد لمن فعل الخير، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المزمل: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 110]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77]. وقد أحسن القائل[10]: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ![]() لا يذهب العرف بين الله والناس ![]() ![]() ![]() وقال الآخر[11]: يد المعروف غنم حيث كانت ![]() تحملها كفور أم شكور ![]() ففي شكر الشكور لها جزاء ![]() وعند الله ما كفر الكفور ![]() [1] أخرجه أبوداود في الصلاة (1449)، والنسائي في الزكاة (2526)، من حديث عبدالله بن حبشي رضي الله عنه. [2] أخرجه النسائي في الزكاة (2527). [3] البيت ينسب لحسان بن ثابت رضي الله عنه, ولغيره. انظر: «ربيع الأبرار» (5/ 280). [4] أخرجه النسائي في الزكاة (2532). [5] أخرجه البخاري في الفرائض- ميراث الجد مع الأب والإخوة (6737)، ومسلم في الفرائض- ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر (4141)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [6] أخرجه النسائي في الزكاة (2582)، والترمذي في الزكاة (658)، وابن ماجه في الزكاة (1699)، من حديث سلمان بن عامر رضي الله عنه ، وقال الترمذي: «حديث حسن». [7] أخرجه أبوداود في الوصايا (2873)، من حديث علي رضي الله عنه. [8] أخرجه البخاري في الطلاق (5304)، وأبو داود في الأدب (5150)، والترمذي في البر والصلة (1918)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه. [9] انظر تفصيل الكلام في الفرق بين الفقير والمسكين عند تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 8]. [10] البيت للحطيئة؛ انظر: «ديوانه» (ص51). [11] البيتان لابن عائشة؛ انظر: «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ص25)، «الجامع لأحكام القرآن» (5/ 384). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#274 |
|
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ... ﴾ 1- حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عمّا يحتاجون إليه، وينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، من النفقة ووجوه صرفها وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾. دون ما لا حاجة لهم به، ولهذا كانت أسئلتهم رضي الله عنهم معدودة محدودة. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن»[1]. 2- توجّه الصحابة رضي الله عنهم بأسئلتهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المبلغ عن الله عز وجل، وهو أعلم الخلق. وهكذا ينبغي التوجه في السؤال بعده إلى أهل العلم والذكر، كما قال عز وجل: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]. 3- أن من كمال وحسن الإجابة الزيادة في الجواب عن السؤال، إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك، كأن يكون فيه تنبيه لما هو أهم من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. 4- الترغيب في الإنفاق من الخير والمال، من أي جنس، وبأي قدر، وعلى أي كيفية؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الآية. 5- التيسير على العباد، ورفع الحرج عنهم في عدم تحديد جنس وقدر المنفَق، وأن المهم معرفة المنفَق عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. 6- أن النفقة تقع موقعها من أي جنس كانت من المال، وبأي قدر وعلى أي كيفية؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾. فلا ينبغي أن يحقر الإنسان شيئًا من ذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»[3]. 7- أن من أهم وأعظم وجوه الإنفاق النفقة على الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِﰄ ﴾. 8- عظم منزلة الوالدين ووجوب الإنفاق عليهما، لهذا خصهما بالذكر من بين الأقارب، وقد قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له: مَن أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك»[4]. 9- فضل النفقة على الأقارب، فالنفقة عليهم صدقة وصلة، وأن الأولى منهم بالنفقة الأقرب فالأقرب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾. وعن زينب زوجة عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما أنها قالت لبلال: سل النبي صلى الله عليه وسلم: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ قال: «نعم، لها أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة»[5]. وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم»[6]. 10- عناية الإسلام باليتامى والمساكين وأبناء السبيل، وحثه على الإنفاق عليهم؛ لضعف اليتامى بفقدهم من يعولهم، ولفقر المساكين وشدة حاجتهم، ولحاجة أبناء السبيل غالبًا في سفرهم إلى المساعدة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾. 11- أن الدين الإسلامي هو دين التكافل الاجتماعي بأسمى معانيه. 12- علم الله- عز وجل- بكل ما يعمله العباد من خير، ووعده- عز وجل- بالمجازاة على ذلك أعظم الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. 13- الترغيب في فعل الخير مطلقًا، قولًا وفعلًا وبذلًا، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. [1] انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (6/ 333). [2] أخرجه البخاري في الهبة وفضلها والتحريض عليها (2566)، ومسلم في الزكاة (1030)، والترمذي في الولاء والهبة (2130)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في الزكاة (1417)، ومسلم في الزكاة (1016)، والنسائي في الزكاة (2552)، من حديث عدي ابن حاتم رضي الله عنه. [4] أخرجه مسلم في البر والصلة (2548)، وابن ماجه في الأدب (3658)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري في الزكاة (1466)، ومسلم في الزكاة (1000)، والنسائي في الزكاة (2583)، وابن ماجه في الزكاة (1834). [6] أخرجه البخاري في الزكاة (1462). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#275 |
|
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]. قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾؛ أي: فرض وأوجب عليكم أيها المؤمنون القتال في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، ونشر دينه، والدفاع عن حوزة الإسلام، وعن حرمات المسلمين، وهو فرض كفاية، وقد يتعين في بعض الأحوال. وبني الفعل «كتب» لما لم يسم فاعله؛ لأن الذي كتب ذلك وأوجبه وفرضه معلوم، وهو الله عز وجل. قال صلى الله عليه وسلم: «من مات، ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق»[1]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»[2]. وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ الواو: للحال، والجملة في محل نصب على الحال، أي: ﴿ وَهُوَ﴾ أي: القتال ﴿ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ «كُرْه» مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: وهو مكروه لكم، تكرهه النفوس البشرية من حيث طبيعتها، لما فيه من التعرض للقتل، ومجالدة الأعداء، والمشقة والنصب، والجراح، وبذل المال، وغير ذلك. والنفوس- بطبيعتها البشرية- قد تكره ما هو دون القتال من التكاليف، وفي الحديث: «حفت الجنة بالمكاره»[3]. لكن المؤمن لا يكره ما أوجبه الله وأمر به، من القتال وغيره، بل يحبه- لما فيه من مرضاة الله، وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة- حتى وإن كرهته النفس بطبعها- قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ [الحجرات: 7]. والمؤمن في هذا، في جهاد مع نفسه، وهواه وشيطانه، قبل جهاد الكفار. وقد قيل: ![]() ![]() في ظلمة الشبهات والآراء وزخارف الدنيا تقول أما ترى ![]() حسني وفخر ملابسي وبهائي[4] ![]() وقال ابن دريد[5]: وآفة العقل الهوى فمن علا ![]() على هواه عقله فقد نجا ![]() ![]() ![]() ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾. «عسى» للترجي في المحبوب، والإشفاق من المكروه، أي: الطمع في حصول المطلوب والسلامة من المرهوب أو زواله- مع كون ذلك ممكنًا. قال الشاعر: عسى وعسى من قبل يوم التفرق ![]() بما نرتجي يومًا من الخير نلتقي[6] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ![]() يكون وراءه فرج قريب[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: عسى فرج يأتي به الله إنه ![]() له كل يوم في خليقته أمر[8] ![]() ![]() ![]() كما تأتي «عسى» للتوقع، وهو المراد- والله أعلم- في قوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ الآية. والترجي والإشفاق والتوقع إنما هو بالنسبة للمخلوق، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «عسى من الله واجبة»[9]. وقوله: ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾، هذا عام في الأشياء كلها من أمور الدين والدنيا، فقد يكره المرء الشيء كالقتال أو غيره، وهو خير له؛ لما يعقبه من العز والنصر والتمكين للمسلمين في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]. وقد يحب المرء الشيء، كالقعود عن القتال، وهو شر له؛ لما يعقبه من ضعف المسلمين، وتسلط الأعداء عليهم، ومن التعرض لعذاب الله الذي توعد به القاعدين عن القتال، كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التوبة: 39]. وقال تعالى: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: 81، 82]. والخير كل الخير في محبة أوامر الله- عز وجل- وامتثالها من القتال في سبيل الله وغير ذلك، وكراهية ما نهى الله عنه واجتنابه، والتسليم لأمره، والخيرة فيما يختاره الله للعبد، مما يوجب التسليم لأمره وقد أحسن القائل: خفي المحبوب منه ![]() وبدا المكروه فيه[10] ![]() ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ هذه الجملة كالتعليل لما قبلها، وحذف مفعول «يعلم» ليعم كل شيء، أي: والله يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [طه: 98]، وقال تعالى: ﴿ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الأنعام: 80]، ومن ذلك ما هو خير لكم، وما هو شر لكم، وما يصلح العباد في دينهم ودنياهم وأخراهم من الأحكام الشرعية والكونية والجزائية وغير ذلك. ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ الواو: عاطفة، أي: وأنتم لا تعلمون ما هو خير لكم، وما هو شر لكم، فقد تكرهون ما هو خير لكم، وقد تحبون ما هو شر لكم بسبب عدم علمكم. والأصل في الإنسان الجهل وعدم العلم إلا ما علمه الله- عز وجل- كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ [النساء: 113]. فهو عز وجل عندما فرض القتال وأوجبه يعلم أن ذلك خير للعباد في دينهم ودنياهم وأخراهم، وهم قد يكرهون ذلك؛ لأنهم لا يعلمون وجه المصلحة في ذلك، مما يوجب التسليم لله في ذلك كله، والاستجابة له، والانقياد لأمره. وفي هذا حض على القتال في سبيل الله، وترغيب فيه، كما أن فيه ما يسلي المؤمن ويطمئنه، فلا يكره شيئًا مما قضاه الله، شرعًا أو قدرًا، ويصبر على ما ناله في ذات الله، ولا يأسى على ما فاته من محبوبات الدنيا، أو يُلحف في طلبه، أو يفرح بحصوله، فرح بطر واختيال، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11] وقال تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 23]. قال ابن القيم[11]: «في هذه الآية عدة حكم وأسرار، ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد- أوجب له ذلك أمورًا: منها: أنه لا أنفع له من امتثال أمر ربه، وإن شق عليه في الابتداء؛ لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات، ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه، فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب المنهي، وإن هويته نفسه، ومالت إليه، وأن عواقبه كلها آلام وأحزان، وشرور ومصائب، وخاصية العاقل تحمّل الألم اليسير، لما يعقبه من اللذة العظيمة، والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة، لما يعقبها من الألم العظيم، والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غايتها، والعاقل الكيس دائمًا ينظر إلى الغايات، من وراء ستور مباديها؛ فيرى ما وراء تلك الستور، من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي، كطعام لذيذ، قد خلط فيه سم قاتل، فكلما دعته لذته إلى تناوله، نهاه عنه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء مر المذاق، مفض إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه مرارة مذاقه عن تناوله، أمره نفعه بالتناول. ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم، تدرك به الغايات من مبادئها، وقوة صبر يوطن به نفسه على تحمّل مشقة الطريق، لما يؤمل عند الغاية، فإذا فقد اليقين والصبر، تعذر عليه ذلك، وإذا قوي يقينه وصبره، هان عليه كل مشقة، يتحملها في طلب الخير الدائم، واللذة الدائمة. ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له، ويقتضيه له لما يرجو من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه، وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك. ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه، ورضي بما يختاره له، أمره فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات، التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه، بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أن يريحه من الأفكار المتعبة، من أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله، أصابه القدر، وهو محمود مشكور، ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر، وهو مذموم عنده، غير ملطوف به فيه، مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه، واللطف به، فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره. إذا نفذ القدر في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه: تحيله في رده، فلا أنفع له من الاستسلام، وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميت، فإن السبع لا يرضى أن يأكل الجيف». وقال أيضًا: «فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله، وإن شق على النفوس، وعلى الرضا بقضائه وإن كرهته النفوس»[12]. [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1910)، وأبو داود في الجهاد (3097)، والنسائي في الجهاد (2502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في الحج (1834)، ومسلم في الحج (1353)، وأبو داود في الجهاد (2480)، والنسائي في مناسك الحج (2875)، والترمذي في السير (1590)، وابن ماجه في الجهاد (2773)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [3] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559)، من حديث أنس رضي الله عنه. [4] الأبيات مجهولة النسبة. انظر: «كشف الخفاء» للعجلوني (1/ 40)، و«مجاني الأدب» (3/ 188). [5] انظر: «العقد الفريد» (2/ 113). [6] البيت لمحمد بن إسماعيل، كما في حاشية «شذرات الذهب» ص(351)، وهو بلا نسبة في «الدرر» (2/ 157). [7] البيت لهدبة بن خشرم وهو في «ديوانه» ص(54). [8] البيت لمحمد بن إسماعيل. انظر: «الصاحبي في فقه اللغة» (ص157). [9] أخرجه البيهقي في سننه ـ فيما ذكره الزركشي في «البرهان» (4/ 288)، وانظر: «السنن الكبرى» (9/ 13)، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج (2/ 103). [10] البيتان لابن المعتز؛ انظر: «ديوانه» (ص749). [11] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 391- 392). [12] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 392- 393. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#276 |
|
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ... ﴾ 1- وجوب القتال في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله - عز وجل - مع ولاة أمور المسلمين، عند القدرة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾. وهو فرض على الكفاية، ويتعين في بعض الأحوال، كما إذا كان في الصف، أو استنفره الإمام، أو داهم العدو بلاد الإسلام، ونحو ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يبايع من دخل في الإسلام، على الإسلام والجهاد، كما في حديث مجاشع رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، فقلت: بايعنا على الهجرة. قال: مضت الهجرة لأهلها. قلت: علامَ تبايعنا؟ قال: على الإسلام والجهاد»[1]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»[2]. 2- أن النفوس البشرية طبعت على كراهة ما يشق عليها، ومن ذلك القتال، لما فيه من التعرض لإزهاق الأرواح، والجراح، وبذل الأموال، والنصب والتعب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾. لكن المؤمن لا يكره شيئًا مما أوجبه الله، وأمر به، من القتال وغيره، بل يحبه، لما فيه من مرضاة الله - عز وجل - وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة - وإن كرهته النفس بطبعها - وهو في ذلك في جهاد مع نفسه وهواه وشيطانه. 3- أن الإنسان قد يكره الشيء، وهو خير له، وقد يحب الشيء، وهو شر له؛ لأن ذلك من الغيب، الذي استأثر الله بعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ ﴾. 4- أن الخِيرة والخير كل الخير فيما يختاره الله للعبد، وفي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتسليم لقضائه وقدره، وأن الشرور كلها في مخالفة أمر الله - عز وجل - والاعتراض على قضائه وقدره. 5- أن القتال في سبيل الله خير للأمة، في الحال والمآل، وأن ترك ذلك شر لها، في الحال والمآل. لما في القتال في سبيل الله من قوة للمسلمين وظهور الإسلام ونشره، والفوز برضوان الله وجنته، ولما في تركه من ضعف للمسلمين وظهور أعدائهم عليهم، وانطماس معالم الدين، والتعرض لسخط الله وعقابه. 6- علم الله - عز وجل - المحيط بكل شيء، والواسع لكل شيء، لهذا فرض القتال في سبيله، وأوجبه، لعلمه - عز وجل - بما فيه من الخير للأمة في دينها ودنياها وأخراها، وحذر ونهى عن تركه، لعلمه - عز وجل - بما في تركه من الشر على الأمة في دينها ودنياها وأخراها، لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾. 7- قصور علم الخلق، فهم لا يعلمون ما هو خير لهم، ولا ما هو شر لهم، لهذا كان لزامًا عليهم الاهتداء بهدى الله، والاستنارة بوحيه، واتباع أمره، واجتناب نهيه، والرضا والتسليم لقضائه وقدره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2963)، ومسلم في الإمارة (1863). [2] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2783)، ومسلم في الحج (1353)، وأبو داود في الجهاد (2480)، والنسائي في البيعة (4170)، والترمذي في السير (1590)، وابن ماجه في الجهاد (2773)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | ملتقى الكتب الإسلامية | 426 | 03-12-2026 05:50 PM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 24 | 03-12-2026 05:24 PM |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 344 | 02-18-2026 06:25 AM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|