استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ البـــــرامج والتقنيــــات ۩ > ملتقى الكتب الإسلامية
ملتقى الكتب الإسلامية كل ما يتعلق بالكتب والمقالات والمنشورات الإسلامية،وغير ذالك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 12-26-2025, 12:14 AM   #31

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(31)

(باب وضوء الرجال والنساء جميعًا) إلى (باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء)

أجاز الشرع استعمال الماء الفاضل عن المرأة بعد اغتسالها من الجنابة بالنسبة للرجل أو العكس، هذ وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام المقدار الكافي من الماء الذي يتوضأ به وهو المد والذي يُقدر بملء كفي الرجل المتوسط.
وضوء الرجال والنساء جميعاً

شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الرجال والنساء جميعاً.أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا معن، حدثنا مالك (ح) وحدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع ، عن ابن القاسم حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب وضوء الرجال والنساء جميعاً، يعني: مجتمعين، يجتمع الرجل والمرأة في الوضوء من إناء واحد، هذا يغترف وهذا يغترف من الإناء، فهذا هو المقصود بالترجمة، و(جميعاً) هي حال، والمراد بها: أنهم يتوضئون مجتمعين، يعني: حال كونهم مجتمعين. ثم أورد النسائي حديث: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، يعني: مجتمعين، فهي حال من الواو في: (يتوضئون) وليس للتأكيد وإنما هي للحال، يعني: يتوضئون مجتمعين، أي: لا يكون توضؤهم كل واحد على حدة، بل يحصل منهم الاجتماع. وقوله: (كان الرجال والنساء يتوضئون)، كان واسمها وخبرها، الرجال والنساء اسم ويتوضئون خبر، ثم: (جميعاً) حال، كان الرجال والنساء يتوضئون مجتمعين، يعني: في حال اجتماعهم، والمقصود من ذلك: أن هؤلاء الذين يتوضئون مجتمعين هم المحارم، فالرجل مع زوجته، أو الأخ مع أخته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، ليس المقصود أن جنس الرجال مع جنس النساء ولو كان بعضهم أجانب عن بعض، وإنما إذا كان بعضهم محارم لبعض، ومن العلماء من قال: يحتمل أن يكون هذا قبل فرض الحجاب، وأنهم رجال ونساء ليس بعضهم محرماً لبعض، ويكون هذا قبل الحجاب، لكن الأظهر والأقرب أن المقصود بهم المحارم، وأن هذا في جميع الأحوال؛ لأنه إذا قيل: قبل الحجاب، يعني أنهم يتركون ذلك بعد الحجاب، ولكن المقصود من ذلك: أن المحارم يتوضأ بعضهم مع بعض، الرجل مع زوجته، والأخ مع أخته، والرجل مع بنته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، أي: يكون في حق المحارم وليس في حق الأجانب.

تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].(أخبرني) سبق أن ذكرت أن الفرق بينها وبين (أخبرنا): أن (أخبرني) يستعملها الراوي إذا كان سمع وحده من شيخه، أو أخذ وحده عن شيخه، تحمل وحده سواءً كان عن طريق السماع أو القراءة، فيقول: حدثني أو أخبرني، معناه أنه ليس معه أحد عندما حدثه شيخه. أما: حدثنا وأخبرنا, فإنهم يستعملونها فيما إذا كان الرجل تحمل ومعه غيره؛ بأن يكون الشيخ لم يحدث شخصاً واحداً، وإنما حدث جماعةً من الطلاب أخذوا عنه في وقت واحد، وكل واحد منهما يعبر فيقول: حدثنا أو أخبرنا، يعني: هو وغيره، هذا هو الفرق بينهما في اصطلاح المحدثين.[حدثني مالك ].

فـالنسائي له طريقان في هذا الحديث:

طريق يرويها عن هارون بن عبد الله عن معن بن عيسى عن مالك ، والطريق الثانية: عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك ، معناه أن الطريقين يلتقيان عند مالك وهذا هو أول موضع يستعمل فيه النسائي التحويل، يعني: يأتي (ح) وحدثنا، أو (ح) وأخبرنا، أو (ح) وفلان في المواضع الكثيرة التي مضت، والأحاديث العديدة التي مضت كلها ليس فيها تحويل؛ والسبب أن النسائي لا يستعمل التحويل كثيراً, وهو نفس السبب الذي كان عند البخاري؛ لأن البخاري كان يأتي بالأحاديث من طرق مختلفة على الأبواب ليستدل به على موضوعات، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن يحتاج إلى التحويل من يجمع الطرق في مكان واحد، كما يفعل الإمام مسلم ، أما البخاري فكان لا يحتاج إلى التحويل؛ لأنه يأتي بالحديث في سبعة مواضع أو في ثمانية مواضع، وكل موضع يأتي بطريق غير الطريق الأولى، فلا يحتاج إلى أن يستعمل التحويل، ولكنه استعمله قليلاً ومثله النسائي، لما كان من النسائي في طريقته أنه يستعمل التراجم كثيراً، وكثيراً من المواضع لا يأتي في الباب إلا حديثاً واحداً، ولهذا فإن أرقام الأبواب ليست بعيدةً عن أرقام الأحاديث، فبينهما شيء من التقارب بكثرة الأبواب، فمن أجل ذلك لا يحتاج إلى التحويل ولا يستعمل التحويل، وإنما يستعمله قليلاً، وهنا بدأ لأول مرة في كتابه السنن يستعمل التحويل. والمقصود من التحويل هو: الإتيان بكلمة (ح) والمقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنها لو لم تأت الـ (ح) لكانت الواو التي بعدها تعطف على الذي قبلها، ومعلوم أن الذي قبلها متقدم على الذي بعدها، فالذي قبلها مالك ، والذي بعدها الحارث بن مسكين ، فلو لم يأت هذا التحويل لظن أن الإمام مالك يروي عن الحارث بن مسكين ، والحارث بن مسكين متأخر عن الإمام مالك، فيروي عن الإمام مالك بواسطة، ولا يروي عنه مباشرة. إذاً استعمال التحويل فائدته هي الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أن الشيخ بعدما يذكر مسافة من الطريق، يرجع ويأتي بطريق آخر، ثم الطريقان يلتقيان عند مكان واحد، ثم ينطلقان بطريق واحد، فهنا الآن إسنادان: هارون عن معن ، والحارث بن مسكين عن ابن القاسم ، ومعن وابن القاسم يرويان عن مالك ، ثم تتحد الطريق: مالك عن نافع عن ابن عمر.إذاً هذه هي فائدة التحويل، فلو لم تأت (ح) التحويل هذه لالتبس أو لظن القلب، أو التقدم والتأخر فيكون المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً، وتكون الأسماء متداخلة بعضها مع بعض، أما الإتيان بهذه الـ (ح) فإنها تفصل وتميز، وتدل على أن المؤلف أو أن المحدث وقف في إسناده الأول ورجع لينشئ إسناداً جديداً يتلاقى مع إسناده الأول، ثم يتحدان بعد ذلك إلى أن يصل السند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يأتي التحويل ويستمر الإسناد، ثم يأتي بإسنادٍ آخر يكمله إلى النبي عليه الصلاة والسلام.[ هارون بن عبد الله ]. أما هارون بن عبد الله فقد سبق أن مر ذكره مراراً , وهو هارون بن عبد الله البغدادي أبو موسى, الملقب بـالحمال، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وهو ثقة.[ عن معن ].وهو ابن عيسى الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من أصحاب مالك ، بل قال أبو حاتم الرازي : إنه أثبت أصحاب مالك ، وسبق أن مر بنا في زياد بن سعد أنه أثبت أصحاب الزهري ، كما قال ابن عيينة: أنه أثبت أصحاب الزهري ، فـمعن بن عيسى هذا هو أثبت أصحاب مالك , ومعن بن عيسى هذا من الثقات الحفاظ، وهو من رجال الجماعة. أما الطريق الثاني: فهي الحارث بن مسكين ، وهنا ما قال: أخبرني الحارث بن مسكين ، وسبق أن مر في بعض الطرق أنه قال: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وجميع ما جاء عن الرواية عن الحارث بن مسكين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يأتي: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقيل في تفريق النسائي بين هاتين الحالتين: أن الحارث بن مسكين كان قد منع النسائي من الرواية عنه، فكان يأتي ويختفي في مكان لا يراه النسائي، بحيث إذا حدث النسائي أو قرأ على النسائي أحد يسمع، فأحياناً يقول: أخبرني، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، لا يقول: أخبرني لأنه منعه من أنه يروي عنه، فهو لا يعبر بـ(أخبرني)؛ لأنه منعه من الرواية عنه، ولأنه لو قال: أخبرني لكان معناه أنه يحدثه، فقالوا في الفرق بينهما: أنه لعله منعه أولاً ثم أذن له بعد ذلك، فكان يروي أحياناً بأخبرني حيث كان مأذوناً له، وأحياناً لا يعبر بـ(أخبرني) حيث سمع قراءةً عليه وهو يسمع وهو غير مأذون له، فهو لا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين ما أراد أن يحدثه، بل منعه أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً من وراء ستار، فيسمع القارئ يقرأ عليه، ثم هو يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ما يقول: أخبرني، وفي المواضع التي مرت يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، هذا هو الفرق بين الحالين اللتين حصلتا للرواية عن الحارث بن مسكين فإنه أول ما حصل الالتقاء به فإنه منعه.[ وحدثنا الحارث بن مسكين ].الحارث بن مسكين هو من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه النسائي وابن ماجه .[ عن ابن القاسم ].أما ابن القاسم فهو: عبد الرحمن بن القاسم المصري , الفقيه المشهور الذي اعتنى بجمع مسائل الإمام مالك وفقهه، وهو من أصحاب مالك وهو مشهور عند ذكر أقوال الإمام مالك في المسائل الفقهية، وكذلك أيضاً هو يروي عنه الأحاديث كما هو هنا، وقد سبق أن مر بنا, وهو من الثقات، وقد خرج حديثه البخاري والنسائي , وأبو داود في المراسيل، يعني: ما خرج له في السنن، وإنما خرج له في كتابه المراسيل.وفي نسخة التقريب كما سبق أن نبهت عليه قال: البصري، والبصري والمصري متقاربتان من حيث الرسم ولهذا يحصل تصحيف بينهما؛ فأحياناً يكون هو المصري, ويقال له: بصري، وأحياناً يقال: هو مصري ويقال له: بصري، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية قال عنه: البصري، وهو ليس بصرياً وإنما هو مصري، ولكن لتقارب اللفظين يحصل التصحيف بينهما، فيطلق على المصري في بعض الأحيان بصرياً تصحيفاً، ويطلق على البصري مصرياً تصحيفاً. ثم الطريقان عن: معن بن عيسى وابن القاسم هما طريقان يلتقيان عند الإمام مالك ، ثم يتوحد الطريق بعد ذلك إلى نهايته عن الإمام مالك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك سبق أن مر ذكره مراراً، وهو المحدث الفقيه إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المعروف الذي له أصحاب اعتنوا بجمع حديثه وفقهه، وكتابه الموطأ جمع فيه بين الفقه والحديث، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].و نافع هو مولى ابن عمر ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه في الكتب الستة.[عن ابن عمر].و ابن عمر سبق أن مر ذكره، وأنه أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد الذي فيه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر هو الذي يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، وأما عند غيره فهناك طرق أخرى أو أسانيد أخرى يقال عن كل واحدٍ منها: إنه أصح الأسانيد.
فضل الجنب

شرح حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الجنب. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرته: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد)].قال النسائي: باب فضل الجنب، أي: ما يبقى منه من الماء؛ فالفضلة التي تبقى بعد أن يغتسل يقال له: فضل؛ لأن الفضل هو الزائد الذي يزيد على ما يستعمل أو على الحاجة, هذا هو المقصود بالفضل هنا: الزيادة التي تبقى بعد اغتسال الجنب. قوله: باب فضل الجنب، يعني: ما يبقى بعد اغتساله فإن حكمه أنه ماءٌ طاهر يجوز ويمكن استعماله، وأن كون الجنب يغترف من إناء ويغتسل من إناء يتناول منه فما يبقى بعده يمكن أن يستعمل؛ لأنه طهور، ولا يقال: إنه ماء مستعمل؛ لأن الماء المستعمل هو: الذي يتساقط من الأعضاء، فهذا هو الذي رفع به الحدث، فلا يرفع بهذا المتساقط حدثاً آخر، أما الإناء الذي يؤخذ منه ويغترف منه ثم يبقي بقية، فهذا شأنه كشأن غيره من المياه، ماء اغترف منه جنب واغتسل وبقي منه بقية في الإناء، فإن لغيره أن يأتي ويغترف منه ويغتسل. النسائي أورد في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كنت أغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد). هذا اللفظ مطابقته للترجمة فيها دقة، أو فيها شيء من الخفاء، ووجهها: أنه إذا كان كل واحد منهما يغترف، فمن ينتهي منهما أولاً، فإن الآخر يكون قد استعمل ذلك الفضل الذي بقي من الأول؛ لأنه إذا انتهى واحد منهما معناه: أن الثاني استعمل البقية التي بقيت على اغتسال الأول أو على اغترافه، فهو يدل على الترجمة ويطابقها من هذه الناحية؛ لأن الإنسان عندما يسمع الحديث وعندما يرى الترجمة يقول: ليس هناك تطابق، وليس هناك واحد يستعمل فضل الثاني، لكنه جاءت أحاديث صريحة في هذا في صحيح مسلم : (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة )، فهذا هو الواضح فيما يطابق الترجمة.وأما هذا الحديث فهو يدل على الترجمة من حيث أن من فرغ منهما أولاً فإن الثاني الذي لم يفرغ يكون قد استعمل الفضل، أي: استعمل الزيادة التي بقيت بعد فراغ الجنب الأول الذي فرغ قبل صاحبه، وهذا سائغ كما هو معلوم، وهو أيضاً يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة من كونهم يتوضئون جميعاً الرجال والنساء، لكنه أفرد الحديث بترجمة مستقلة وأتى بفضل الجنب ليستدل به على موضوع آخر غير موضوع اجتماع الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد.الترجمة السابقة كانت في الوضوء، أي: كله في رفع الحدث، سواءً اغتسال أو وضوء، كله في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، والترجمة السابقة فيها الاشتراك، وهذه الترجمة أيضاً فيها الاشتراك، إلا أن النسائي أتى بالترجمة الثانية ليستدل على موضوع آخر وهو استعمال الفضلة واستعمال البقية، والحديثان يدلان على المرتبتين: قضية اشتراك الرجال والنساء، وقضية استعمال الفضلة، ولكن النسائي أتى بترجمتين, وأتى بالحديثين ليستدل على كل موضوع بحديث مستقل. واغتسال الرجال والنساء هذا متفق عليه ومجمع عليه، واغتسال النساء بفضلة الرجال أيضاً حكي الإجماع عليه، أما اغتسال الرجال بفضلة النساء فهذا فيه خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء على جوازه، وأن الرجل يغتسل بفضل اغتسال المرأة، فما يبقى بعد اغتسالها فللرجل أن يغتسل به، ومن العلماء من قال: إنه لا يغتسل بفضل المرأة إذا خلت به، فإذا خلت بالماء واستعملته فإنه لا يستعمله، ويستدلون على ذلك بحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض كتب السنن أنه قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)، وقد صححه بعض العلماء لكن بعضهم ضعفه، واعتبرت الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على الجواز مطلقاً، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة ).ومن العلماء من قال: إن المقصود بالمنهي عنه إنما هو الماء المستعمل, وهو المتساقط من الأعضاء، وهذا ليس بواضح، أو قيل: إنه للكراهة لا للتحريم، فيكون التفريق بينهما: أن ما جاء من الأحاديث الدالة على الفعل يدل على الجواز، وما جاء من المنع يدل على الكراهة.وقول عائشة رضي الله عنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهما يغتسلان من إناء واحد: (دع لي) معناه: أنها تشترك معه في الاغتسال، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في قضية الاشتراك, وقضية اغتسال الرجال بفضل النساء، ومنه الحديث الذي في صحيح مسلم: اغتساله عليه الصلاة والسلام بفضل ميمونة، وهذا واضح الدلالة على ذلك، وكما قلت: بعضهم ضعف الحديث الذي فيه المنع، وبعضهم حمله على الكراهة، وبعضهم حمله على أنه متساقط من أعضائها، وهذا ليس بواضح كونه متساقطاً من أعضائها، يعني: معناه أنها تتوضأ مثلاً لتغتسل في طست, ثم الماء الذي يتساقط يأتي بعدها من يستعمله، هذا ليس واضحاً تفسيره, أو حمله على هذا المعنى، لكن يمكن أن يكون هذا ضعيفاً، وإذا كان صحيحاً فيحمل هذا على الكراهة وهذا على الجواز.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ]. قتيبة هذا هو: ابن سعيد الذي أكثر عنه النسائي، يعني مر ذكره كثيراً في الأسانيد الماضية يروي عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو من رجال الكتب الستة كما سبق.[حدثنا الليث ]. هو الليث بن سعد المصري، الفقيه المحدث الذي يعتبر فقيه مصر، وإذا ذكر الفقه في مصر يأتي في مقدمة من يذكر بالفقه الليث بن سعد ، وكما ذكرت لكم فيما مضى فقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في رسالة، وبين كثيراً من مناقبه وفضائله وفقهه، وحديثه في رسالة مستقلة اسمها: الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية، وهي موجودة ومطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وأذكر أنه قال: أنه لا يعلم مسألة شذ فيها أو قال قولاً يخالف غيره فيها، إلا في مسألة واحدة وهي: ميتة الجراد، فكان يقول بحرمتها. [عن ابن شهاب ]. هو الزهري الذي ذكرت فيما مضى أنه يأتي بصيغتين: بصيغة ابن شهاب ، وبصيغة الزهري ، هكذا يأتي ذكره في الأسانيد؛ لأنه اشتهر بنسبته إلى جده زهرة ، وبنسبته إلى جدٍ من أجداده اسمه شهاب ، وسبق أن ذكرت لكم نسبه وأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وزهرة أخو قصي بن كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلتقي نسب الزهري مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في جد الرسول صلى الله عليه وسلم كلاب الذي هو أبو قصي وأبو زهرة. وهو ينسب إلى زهرة بن كلاب, فيقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة الذي هو أخو قصي بن كلاب. وأما شهاب فهو كما ترون جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ، يعني جد جده؛ لأن جده الأول: عبيد الله ، وجده الثاني: عبد الله ، وجده الثالث: شهاب ، فهو جد جده، وهذا معناه أنه ينسب إلى واحدٍ من أجداده الذي هو جد جده؛ لأنه اشتهر بهذين الوصفين. وهو من الحفاظ الثقات، وممن خرج حديثه الجماعة، وقد ذكرت لكم فيما مضى أنه هو أول من قام بجمع السنة وجمع الحديث بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله بصفة رسمية، وإلا فإن جمعه بصفة فردية موجود من قبل؛ لأن بعض الصحابة كان يكتب وكان يجمع، وكذلك غيرهم كان يكتب لنفسه، لكن كونه يجمع بتكليف من الدولة وبتكليف من الخليفة فإن هذا لم يحصل إلا في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وكان الذي كلف بهذا هو الزهري ، ولهذا يقول السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمر [عن عروة ]. هو ابن الزبير بن العوام ، وهو من الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين والذين يرجع الناس إلى فقههم وإلى علمهم، وهم جمعوا بين الفقه والحديث، فهم محدثون فقهاء، ويقال لهم: الفقهاء السبعة، وفي المسائل التي يتفقون عليها يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فيأتي في بعض المسائل التي يطلق عليهم فيها فيقول: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وأن ابن القيم ذكرهم في أول إعلام الموقعين؛ لأن كتاب ابن القيم إعلام الموقعين بدأه بذكر فقهاء الأمصار والذين يرجع إليهم في الفتوى، والذين هم يوقعون, يعني: يخبرون بحكم الله عز وجل؛ لأن اسم الكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، فهو إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم، وإنما هو إخبار من العلماء عن شرع الله عز وجل وعن أحكام الشريعة، وذكر في أوله جملةً من المفتين الذين يرجع إليهم في الفتوى، ولما ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين، ذكر أن ممن اشتهر في المدينة من التابعين الفقهاء السبعة، وذكرهم ثم ذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، ولا أدري لمن هذين البيتين، هل هما له أو لغيره، وأنه أوردهما غير عاز لهما، وغير ذاكر أنهما من شعره، وإنما ذكر اشتمال هذين البيتين على الفقهاء السبعة، لذلك يقول: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمٌسعيدٌ أبو بكر سليمان خارجة[ عن عائشة ]. هي أم المؤمنين، وهي خالة عروة، يعني: هو يروي عن خالته؛ لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر ، فهو يروي عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها مر ذكرها مراراً وتكراراً، وذكرت أنها أحد الصحابة السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم ستة من الرجال وواحدةٌ من النساء، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنسٌ والبحر كـالخدريوجابرٌ وزوجة النبي
القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)].أورد النسائي باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وفي بعض النسخ: في الوضوء، يعني: المقدار من الماء الذي يكفي للوضوء, وأورد تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)، والمكوك قيل: إنه المد الذي هو ربع الصاع؛ لأن الصاع مكون من أربعة أمداد، وجاء في بعض الأحاديث أنه يغتسل بالصاع، فالصاع أربعة أمداد، يعني هنا المكاكي خمسة، فمعناه زيادة على الصاع على تفسير المكوك بالمد، فيكون معناه خمسة أمداد، يعني: صاع ومد، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع)، وقد جاءت الروايات تختلف في بعض التقادير، وهذا إنما هو في بيان ما حصل في بعض أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام، كلٌ يحكي ما كان يعلمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بهذا المقدار، أو أنه حصل التوضؤ بهذا المقدار. والمكوك قيل: إن المراد به المد الذي هو ربع الصاع، والمد يقدرونه بأنه بمقدار ملء اليدين المتوسطتين يعني بمقدار -مثلاً- ملء اليدين المتوسطتين من التمر أو من البر أو ما إلى ذلك، يعني يكون الصاع أربع مرات من هذا المقدار، لكن إذا نظرنا للصاع الذي هو موجود عندنا والذي هو قريب من صاع النبي صلى الله عليه وسلم أو مثله، فنجد أن أربع أوراد بأيدينا لا تصل إلى ملئه، ولعل السبب في هذا والله أعلم أن المتقدمين كانت أيديهم أكبر، والناس فيما بعدهم كانوا بخلاف في الصاع، ولهذا الذين حكوا ذلك في الماضي إنما يحكون عن واقع أيديهم، ومن المعلوم أنه قد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فكان ستين ذراعاً فنقص الحجم ومقدار الناس عن تلك المقادير في الأزمان المختلفة، فيحتمل أن يكون الأمر أنه حصل النقصان أيضاً بعد ذلك الزمن، فصار مقدار الكف أو مقدار ما يكون في الكفين أربعة مما يكون في كفيهم, يعني: يملأ الصاع، وأربعةً مما يكون في أيدينا لا يملأ الصاع، فلعل هذا هو السبب.وقوله: (مكاكي)، في بعض الروايات في صحيح مسلم : (مكاكيك)، فأبدلت الكاف الأخيرة ياء, ثم أدغمت ياءً في ياء فصارت مكاكي.

تراجم رجال إسناد حديث: ( كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ]. وهو عمرو بن علي الفلاس بن بحر بن كنيز البصري, الذي سبق أن مر ذكره تكراراً ومراراً، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين, ومن أئمة الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي ذكره في الكلام في الرجال, قال فيه الفلاس: كذا، وقال فيه الفلاس: كذا، وهو من رجال الكتب الستة؛ بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما سبق أن ذكرت فيما مضى؛ لأن أصحاب الكتب الستة كلهم يروون عنه مباشرةً، فكل واحد يقول: أخبرنا عمرو بن علي ؛ لأنه شيخ لهم جميعاً.[حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر]وعبد الله بن عبد الله بن جبر, ويقال: ابن جابر أيضاً، فهو أحياناً يأتي في بعض الأسانيد ابن جبر، وفي بعضها ابن جابر، ولا تنافي بينها؛ لأنه يقال له: ابن جبر، ويقال له: ابن جابر، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. [سمعت أنس بن مالك]. و أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المكثرين الذين مر ذكرهم مراراً، وهو أحد السبعة الذين أشرت إليهم آنفاً المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2025, 12:17 AM   #32

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(32)

تابع باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء - باب النية في الوضوء

نية المؤمن أبلغ من عمله، وعلى حسب نيتك تنال أجرك، ومن شرط العبادة النية، والوضوء عبادة تفتقر إلى نية تميزه عن غسل الأعضاء لأجل التبرد ونحوه، ومما ينبغي في الوضوء الاقتصاد بالماء وعدم الإسراف.
القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

شرح حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي وهي أم عمارة بنت كعب، أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتي بماءٍ في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: وأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) ].هنا أورد النسائي حديثاً آخر في الترجمة السابقة: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وكلمة (الرجل) هذه لا مفهوم لها، فالمرأة كذلك، بمعنى: أن المرأة لا تختلف في الحكم فتكون أكثر أو أنقص؛ لأن الأحكام للرجال والنساء سواء، فإذا جاء شيء يخص الرجال خص الرجال، وإذا جاء شيء يخص النساء خص النساء، وأما حيث لا يأتي ما يدل على التخصيص فإن الحكم لا فرق فيه بين الرجال والنساء. إذاً: فذكر الرجل في الترجمة لا مفهوم له، وإنما جرى على الغالب من أن الذكر يكون للرجال، وقد جاءت الأحاديث على هذا المنوال؛ يذكر الرجل فقط والأحكام لا تخص الرجال، وإنما هي للرجال والنساء، مثل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فكذلك المرأة داخلة في هذا الحديث، فإذا كانت امرأة تصوم صوماً فلتصمه؛ لأن القضية ليست خاصة بالرجال، فذكر الرجل لا مفهوم له، فأحياناً يأتي ذكر الرجال ليس للتخصيص؛ وإنما لكون ذكرهم يأتي في الغالب، ولكون الخطاب معهم.وقد أورد النسائي تحته حديث أم عمارة الأنصارية بنت كعب -ويقال: إن اسمها نسيبة -: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأوتي بماءٍ في إناءٍ قدر ثلثي مدٍ)، والحديث الأول فيه ذكر المكوك؛ والمكوك هو المد، وهنا مقدار ثلثي المد، والرسول صلى الله عليه وسلم الغالب عليه أنه كان يتوضأ بالمد، ولكن قد ينقص عنه -كما جاء في هذا الحديث- وقد يزيد. وفي الاغتسال كان يغتسل في الصاع، وقد يزيد كما جاء في حديث الخمسة الأمداد؛ لأن الخمسة هي صاع ومد؛ لأن الصاع أربعة أمداد، فخمسة: صاع ومد، يعني: وضوءه واغتساله هو في هذه الحدود، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً.

تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. محمد بن بشار لقبه بندار، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وذكرت أن محمد بن بشار أحد رجال الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرةً، ويشابهه ويماثله شخصان سبق أن ذكرتهما فيما مضى، وهما من رجال أصحاب الكتب الستة، بل هما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ومات الثلاثة في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، وكلٌ منهم شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، وهم: محمد بن مثنى الملقب بـالزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهذان مع محمد بن بشار ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم من صغار شيوخ البخاري. وذكرت فيما مضى: أن محمد بن مثنى قد وافق محمد بن بشار بأنه ولد معه في سنةٍ واحدة، ومات معه في سنةٍ واحدة، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما أنه قال: وكانا كفرسي رهان؛ أي: ما كان أحد يسبق الثاني، فالولادة واحدة، والوفاة واحدة، ولهما نفس الشيوخ والتلاميذ. و محمد بن بشار من الثقات, ولقبه بندار. [عن محمد].محمد هنا غير منسوب، وقال عقبه: حدثنا محمد ثم ذكر كلمةً معناها، لا أدري ماذا يريد بهذه الكلمة؟ ومن المعلوم أن الذي يذكر ليس محمد المروي عنه الذي لم ينسب؛ لأن محمداً هو الذي قال: حدثنا محمد، يعني: ابن جعفر، فهو ليس الذي ذكر هذا، وإنما الذي ذكر قبله، إما أن يكون محمد بن بشار هو الذي ذكر هذه الكلمة، والنسائي هو الذي قال: ثم ذكر كلمة معناها؛ لأن الذي قال: حدثنا محمد هو محمد بن بشار، ثم ذكر أيضاً محمد بن بشار كلمةً معناها، ما فهمت هذه الكلمة التي قال: كلمة معناها، فلا أدري ماذا يريد بها؟ هل محمد بن بشار ذكر كلمةً أخرى وراء محمد، فقال: غندر أو قال: ابن جعفر، أو قال كلمةً أخرى؟وأبو داود ذكر محمد بن جعفر, فقال: حدثنا محمد بن جعفر، يعني: سماه ونسبه هناك، وأما النسائي فهو في السنن الكبرى قال مثل ما قال هنا، يعني: قال: ثم ذكر كلمةً معناها، بهذا اللفظ. إذاً: فـمحمد المذكور هنا هو ابن جعفر الذي هو غندر، وهو معروف بالرواية عن شعبة، وأيضاً محمد بن بشار كثير الرواية عن محمد بن جعفر، وكثيراً ما يأتي إذا جاء ذكر محمد غير منسوب, والراوي محمد بن بشار، فالمقصود به: محمد بن جعفر الذي هو غندر، وهذه الكلمة التي جاءت هنا لا أفهم لها معنى، ما أدري ماذا يراد بها؟ لا أدري هل هذا وضعها، أو أن فيها تصحيف، أو فيها زيادة ونقصان؟ [حدثنا محمد]. هو غندر، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة ].هو ابن الحجاج وقد مر ذكره، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث. [عن حبيب ].حبيب هو ابن زيد الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[سمعت عباد بن تميم].هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية].هي: أم عمارة بنت كعب الأنصارية ، ويقال: اسمها نسيبة، وهي صحابية، وهي تروي هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد خرج حديثها أصحاب السنن الأربعة.هنا يقول: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي، وفي سنن النسائي الكبرى: عباد بن تميم يحدث عن جدته، وفي سنن أبي داود : عباد بن تميم يحدث عن جدته، وهي جدة لهما جميعاً، فكل منهما صحيح، فما جاء فيه جدتي فالمتكلم هو حبيب بن زيد ، وهي جدة حبيب بن زيد، وما جاء فيه ضمير الغائب إذا قال حبيب بن زيد: عن تميم عن جدته، فالضمير يرجع إلى تميم فهي أم تميم والد عباد. وهي أم عبد الله بن زيد بن عاصم راوي حديث الوضوء، وهو أخوه لأمه؛ لأن عبد الله بن زيد بن عاصم أخو تميم بن غزية من أمه، فهي جدة لـعباد؛ لأنها أم لـتميم والده، وهي أيضاً جدة لـحبيب بن زيد . وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال: أنها والدة حبيب بن زيد الأكبر، وجدة حبيب بن زيد الأصغر، وقال: إنه روى عنها، يعني: حفيدها عباد بن تميم، وروى حبيب بن زيد عن مولاة جدته أم عمارة، يعني: فهي جدةٌ للاثنين، فما جاء في بعض الأسانيد من ذكر جدتي، والضمير يرجع إلى المتكلم وهو حبيب بن زيد صحيح، وما جاء من ضمير الغيبة والضمير يرجع إلى عباد بن تميم فهو صحيح أيضاً. ففي سنن النسائي الكبرى, وفي سنن أبي داود: عباد يحدث عن جدته، وفي السنن الصغرى عندنا: يقول حبيب بن زيد عن عباد بن تميم: سمعته يحدث عن جدتي، فكل من الضميرين صحيح؛ لأنها جدة للجميع، جدة لهذا، وجدة لهذا.[قال شعبة: (فأحفظ أنه غسل ذراعيه)]. يعني أنه روى عن حبيب بن زيد أنه غسل ذراعيه ودلكهما، وأنه مسح باطن أذنيه, ولم أحفظ أنه مسح ظاهرهما، يعني: أنه ما حفظ في روايته عن حبيب بن زيد، (أنه مسح ظاهرهما)، لكن قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن المسح للأذنين يكون لباطنهما ولظاهرهما؛ فتكون السبابة في داخل الأذن في باطنها، والإبهام تمسح ظاهرها، فالسبابة تمسح داخل الأذن، والإبهام تمسح ظاهر الأذن، وقد جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالذي ذكر شعبة أنه لم يحفظه في هذا الحديث هو ثابتٌ في بعض الأحاديث الأخرى.
النية في الوضوء

شرح حديث: ( إنما الأعمال بالنية...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النية في الوضوء.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك، ح وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك -واللفظ له- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)].يقول النسائي رحمه الله: باب: النية في الوضوء، ويريد بهذه الترجمة أن الأعمال لا بد فيها من النيات، وأنها تكون معتبرةً بالنيات، وقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). وهذا الحديث حديث عظيم، يدل على أن الأعمال تعتبر بنياتها، وأن الإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب النية التي ينويها بالتقرب إلى الله عز وجل. والوضوء هو من الأعمال التي تدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنية)، وفي بعض الروايات: (بالنيات)، ولا تنافي بين النية والنيات؛ لأن النية بالإفراد يراد بها جنس النيات، وعلى هذا تتفق مع لفظ الجمع في رواية: (إنما الأعمال بالنيات). وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: أنه يحصل الأجر والثواب، ويحصل الجزاء على حسب نيته، فالجملة الأولى: تدل على أن الأعمال إنما تعتبر بنياتها، والجملة الثانية تدل على ما يترتب عليها من الجزاء، وأن لكلٍ من الجزاء والثواب ما نواه، وأن جزاءه على نيته، وثوابه على نيته. ثم أيضاً من المعلوم أن الأعمال منها ما يكون عبادةً وقربةً في أصله؛ كالوضوء, والصلاة وغيرها، ومنها ما يحصل الأجر فيه والثواب إذا حصلت النية فيه؛ كالأكل, والشرب, والإنفاق على الأولاد، فهذه أمور يقوم بها الإنسان، منها ما هو لازمٌ لنفسه، ومنها ما هو لازمٌ لمن يعول، ولكنه يثاب على ذلك إذا نوى، وإذا احتسب الأجر والثواب عند الله، وأما إذا لم يفكر ولم يدر في خلده التقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل، فإنه لا يحصل من ورائه شيئاً، وإنما يحصل الثواب والجزاء على العمل الذي هو مباح أو واجب، كالإنفاق على الأولاد، وكالأكل والشرب، فإذا نوى القربة ونوى التقرب إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يأجره على ذلك. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب أمثلة ونماذج متفرعة عن هذه القاعدة -التي هي قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى)- فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)، تقابل: (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (فهجرته إلى الله ورسوله)، تقابل (وإنما لامرئ ما نوى). فقوله: ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله )، يعني: أن عنده قصداً حسناً، وعنده نية طيبة، (فهجرته إلى الله ورسوله) يقابل قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: فيحصل الأجر والثواب لنيته, وعلى تقربه إلى الله عز وجل، فالجملة مكونة من شرط وجزاء، والشرط يرجع للجملة الأولى التي هي النية، والجزاء يرجع للجملة الثانية التي هي حصول الثواب على الأعمال، أو ترتب الثواب على الأعمال.وقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، اتحد الشرط والجواب، والأصل التغاير بينهما، فهنا حصل الاتحاد، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، وإنما يتضح الفرق بينهما والمغايرة بينهما بالتعلق، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وجزاءً، فإذاً كل من الاثنين له متعلق وله تعلق، وبه يحصل التغاير، يعني: فليس الشرط والجزاء متحدين تماماً، ولكن بينهما فرق. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً ومثالاً فيما كان فيه القصد حسناً، والثواب على ذلك طيباً وعظيماً, ذكر مثالاً آخر يتعلق بغير ذلك, فقال: (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو لامرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: من كان قصده الدنيا, فإنه يحصل الدنيا التي أرادها إن شاء الله عز وجل أن يحصلها، ولكن ليس هناك ثواب، ولا هناك أجر؛ لأن النية إنما كانت للدنيا ولم تكن للآخرة؛ لأنه لم يهاجر ابتغاء وجه الله عز وجل، ولنصرة دين الله عز وجل، وإنما هاجر لحظٍ دنيوي، ولرغبةٍ دنيوية، فنصيبه وتعلقه إنما هو في الدنيا.إذاً: هذا الحديث حديث عظيم، ابتدأ به البخاري صحيحه، فهو أول حديث في صحيح البخاري، وإنما ابتدأ به؛ لأن كل عمل إنما هو معتبر بالنية، فلكونه مشتمل على هذه القاعدة وعلى هذا الأساس افتتح به الإمام البخاري صحيحه، وجعله أول حديث في صحيحه، وتبعه على ذلك بعض العلماء، والنووي لما جمع أربعين حديثاً من جوامع الكلم، جعل أول حديث في الأربعين, أول حديث في صحيح البخاري، وجعل ثاني حديث في الأربعين أول حديث في صحيح مسلم الذي هو حديث عمر: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر...)، وهو جبريل.ثم إن إسناد هذا الحديث، يقول فيه النسائي: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم حدثني مالك، ثم قال: ح، وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك واللفظ له، ثم اتحدت الطرق الثلاث عند يحيى بن سعيد الأنصاري، واتحدت إلى عمر. فإذاً: الحديث جاء من عند النسائي بثلاث طرق، كلها تتلاقى عند يحيى بن سعيد الأنصاري، الطريق الأولى: يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد، والطريقة الثانية: الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك، والطريق الثالثة: سليمان بن منصور عن عبد الله بن المبارك، ثم الثلاثة: حماد ومالك وعبد الله بن المبارك كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذه الطرق الثلاث منها طريقان عاليتان الأولى والثالثة، والطريق الثانية نازلة؛ لأن الطريق الأولى والثالثة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري اثنان، والطريقة الثانية الوسطى بين النسائي ويحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط، الذين هم: الحارث بن مسكين، وابن القاسم، ومالك، فهي ثلاث طرق؛ طريقان عاليتان ليس بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري فيهما إلا اثنان، وطريقٌ نازلة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط.

تراجم رجال إسناد حديث: (إنما الأعمال بالنية...)

قوله: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي ].هو بصري، ثقةٌ، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري شيئاً. [ عن حماد ].هنا حماد غير منسوب، وهو يحتمل: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد؛ لأنه جاء في السنن الكبرى للنسائي تسميته، وأنه حماد بن زيد، ثم أيضاً في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد وما روى عن حماد بن سلمة، ولم يُذكر في مشايخه حماد بن سلمة، وبمثل هذه الطريقة يتضح معرفة الاثنين اللذين يحتمل أن يكون هذا أو هذا؛ بمعرفة الطرق الأخرى، أو قد يصرح به في بعض الطرق كما هنا.الطريقة الثانية: الحارث بن مسكين، وهنا قال: والحارث بن مسكين، ولم يقل: أخبرنا ولا أخبرني، وقد ذكرت سابقاً أن الحارث بن مسكين منع النسائي أن يروي عنه, فكان يأتي ويختفي من وراء الستار ويسمع, ثم يروي، ولكنه ما يقول: أخبرني؛ لأنه ما أراده في التحديث، فيقول: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالتحديث، بل منعه من أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً، ومن وراء الستار يسمع. وقد جاء في بعض الطرق كما مر بنا في النسائي أنه يقول: أخبرنا، إذاً: فقد قصده بالسماع، فيحتمل أن يكون أذن له فيما بعد، فصار يقول: أخبرني، فالحالات التي كان سمع فيها وهو ممنوع، وإنما سمع من وراء الستار دون أن يعلم الحارث بن مسكين ما يقول فيها: أخبرني، والحالات التي يكون حصل له إذن فيها يقول: أخبرني الحارث بن مسكين. و حماد بن زيد الذي ذكرته في الإسناد في الطريق الأولى هو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.وأما الحارث بن مسكين فقد عرفنا أنه ثقةٌ، وأنه خرج حديثه أبو داود, والنسائي.[ عن ابن القاسم ].هو عبد الرحمن كما سبق أن عرفنا ذلك، وهو صاحب الإمام مالك الفقيه المشهور، الذي عُني بجمع مسائل الإمام مالك الفقهية، وكذلك روى الحديث عنه -كما هنا- وكما مر بنا في طرق متعددة يروي فيها عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك الأحاديث، فهو معنيٌ بجمع فقه الإمام مالك، وهو أيضاً يروي الأحاديث عن الإمام مالك، وهو ثقة, روى له البخاري، وروى له النسائي، وأبو داود في كتاب المراسيل, كما سبق أن عرفنا ذلك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، الإمام المشهور، المحدث, الفقيه، الذي هو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، والذي له أصحاب عنوا بفقهه، فصار فقهه مدوناً بعناية أصحابه بذلك، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أحد الأفراد الذين قال عنهم البخاري: إن إسنادهما أصح الأسانيد؛ وهو مالك عن نافع عن ابن عمر. فهذا هو الطريق الثاني، وفيه ثلاثة، فالطريق الأول فيه اثنان، والطريق الثالث ففيه اثنان كذلك.[أخبرنا سليمان بن منصور ].هو البلخي، وهو ثقةٌ, لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، فهو شيخٌ للنسائي، ولم يرو عنه الباقون، وهو من الثقات، وهو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب بـزرغندة.[ أنبأنا عبد الله بن المبارك ].هو عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام, المشهور, المحدث، الذي ذكره في التقريب الحافظ ابن حجر فقال: ثقة، حافظ، حجة، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير. والنسائي لما ذكر الطرق الثلاث إلى حماد بن زيد، وإلى مالك، وإلى عبد الله بن المبارك قال: واللفظ له، يعني: اللفظ لـعبد الله بن المبارك، فليس هذا لفظ مالك ولا لفظ حماد بن زيد، وإنما هو لفظ عبد الله بن المبارك، فذكر ثلاثةً من الرواة، وعين من له اللفظ منهم، يعني: لفظ الحديث الموجود هو لفظ عبد الله بن المبارك؛ ومعناه: أن لفظ مالك ولفظ حماد بن زيد ليس بهذا اللفظ الموجود، بل يختلف عنه شيئاً ما، وأما اللفظ المزبور الموجود, فهو لفظ عبد الله بن المبارك، وهنا تلتقي الطرق الثلاث، وتتحد عند يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنها ثلاث طرق من النسائي: طريقٌ فيها شخصان، ثم طريق فيها ثلاثة، ثم طريق فيها اثنان، ثم تلتقي عند يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تتحد في طريق واحد.[ عن يحيى بن سعيد ].هو يحيى بن سعيد الأنصاري, المدني، سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن محمد بن إبراهيم ].هو محمد بن إبراهيم التيمي, المدني، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن علقمة بن وقاص ].هو علقمة بن وقاص الليثي، وهو أيضاً ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

قوله: [ عن عمر بن الخطاب ].هذا أول حديث يأتي لـعمر رضي الله عنه، وعمر أمير المؤمنين، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين؛ لأن أبا بكر يسمى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما ولي عمر وكان خليفة لـأبي بكر، ولو أضيف إلى أبي بكر لطالت الإضافات، فيقال: خليفة خليفة رسول الله، فأطلق عليه أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل من وطأ على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين وبعد أبي بكر، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه المناقب الكثيرة، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى له قصراً في الجنة، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً -يخاطب عمر- إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، يعني: أن عمر بن الخطاب لا يجتمع هو والشيطان في طريق، فإما عمر وإما الشيطان، فإذا سلك عمر طريقاً هرب منه الشيطان.فهو صاحب المناقب الكثيرة، وقد تولى الخلافة بعد أبي بكر، ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وفي عهده فتحت الفتوح، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الوقت؛ دولة فارس والروم، وأخذت كنوز كسرى وقيصر، وأحضرت إلى عمر في المدينة، وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتحقق على يديه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله)، فقد أنفقت في سبيل الله على يد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأحاديثه خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثاً.ومن الملاحظ الذي يلبس به بعض المخذولين، يقولون: كيف يكون أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي أحاديثهم قليلة، وأبو هريرة أحاديثه كثيرة، مع أن هؤلاء أسلموا في أول من أسلم، وأبو هريرة ما أسلم إلا في السنة السابعة عام خيبر، ومع ذلك تكون أحاديثه بالآلاف، وهؤلاء أحاديثهم بالمئات؟! فبعض المخذولين المرذولين يلبس ويشوش على من لا يفهم من أهل السنة بمثل هذا الكلام، ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حصل له أمور جعلته يكثر حديثه منها:أولاً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك. وثانياً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له دعوة ما نسي شيئاً بعدها. ثالثاً: كونه عمِّر وعاش بعد الخلفاء الراشدين مدةً طويلة.رابعاً: أنه كان موجوداً في المدينة والناس يوفدون ويردون على المدينة، فيأخذ ويعطي، فكثر حديثه.وأما الخلفاء الراشدون: أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وعمر رضي الله عنه تولى الخلافة ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وكان مشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة فكان متفرغاً، ما عنده إلا الأخذ والإعطاء في الحديث، ثم كان مقيماً في المدينة، والمدينة يفد لها الناس صادرين وواردين، فيأخذون ما عنده ويعطونه ما عندهم، فكثر حديثه، وصار أن ما وجد عنه من الكثرة لا مجال فيها لتلبيس الملبسين، ودجل الدجالين، وما يحوكه المغرضون الذين يريدون أن يشوشوا على بعض أهل السنة، وعلى بعض الناس في الطعن في أبي هريرة ورواية أبي هريرة، وما إلى ذلك مما يريدونه من السوء، من القصد السيئ.

غرابة سند حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

هذا الحديث هو من الأحاديث الغريبة التي هي من غرائب الصحيح؛ يعني: ما جاءت إلا من طريق واحد؛ لأن هذا الحديث -(إنما الأعمال بالنيات)- ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وفي الإسناد الذي معنا ثلاثة رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري : حماد بن زيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ورواه جمع كثير انتشر واتسع بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو حديث غريب من غرائب الصحيح، ومن المعلوم أن الصحيح لا يشترط فيه تعدد الطرق، فيكفي الطريق الواحدة إذا كان رجالها ثقات, وكان متصلاً، فإنه يكفي في الصحة.فأول حديث في صحيح البخاري حديث ما جاء إلا من طريق واحدة، وآخر حديث في البخاري كذلك؛ وهو حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب فرد من غرائب الصحيح، ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ولم يروه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير إلا عمارة بن القعقاع، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل، ثم كثر رواته عن محمد بن فضيل بن غزوان.والغريب والفرد هو: الذي جاء من طريق واحد؛ لأن الأحاديث أو أقسام الأحاديث عند المحدثين أربعة أقسام: غريب، وعزيز، ومشهور، ومتواتر، فالغريب: ما جاء من طريق واحدة، ويقال: له فرد. والعزيز: ما جاء من طريقين؛ يعني: يجيء عن صحابيين، ثم هكذا يتسلسل عن اثنين. والمشهور: ما جاء عن ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. والمتواتر: ما رواه جمعٌ كثير تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستندهم الحس. إذاً: الغريب هو: ما جاء من طريق واحد، فإذا كان رجاله ثقات وهو متصل؛ فإنه يكون صحيحاً كما في هذا الحديث الذي هو فاتحة صحيح البخاري ، وحديث أبي هريرة الذي هو خاتمة صحيح البخاري.ويكون عزيزاً إذا كان فيه صحابيان، ومشهوراً إذا كان فيه ثلاثة صحابة، وهكذا، ولكن ليس لازماً أن يتصل إلى المخرج هكذا، يعني: مثل ما هو موجود عندنا، ليس هو فرداً إلى النسائي، وإنما هو فرد إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اتسع بعد ذلك.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2025, 12:19 AM   #33

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(33)

باب الوضوء من الإناء - باب التسمية عند الوضوء

المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومنها: تفجر الماء ونبوعه من بين أصابعه الشريفة، حتى استطاع الصحابة أن يتطهروا بهذا الماء النابع من بين أصابعه، وكفاهم جميعا مع كثرة عددهم.
الوضوء من الإناء

شرح حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء من الإناء.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضئوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الوضوء من الإناء، وأورد تحته حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه وقد حانت صلاة العصر، فالتمسوا الماء فلم يجدوا، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بوَضوء في إناء -يعني: قليل- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، حتى توضئوا جميعاً ) أي: من هذا الماء القليل الذي بارك الله تعالى فيه بملامسة النبي صلى الله عليه وسلم له، ودعائه عليه الصلاة والسلام، فكثر الماء ببركة ملامسته للماء القليل، وكثره الله عز وجل حتى كفى الفئام الكثيرة من الناس.وهذا الحديث هو من أحاديث دلائل النبوة، ومن الأدلة الدالة على صدقه عليه الصلاة والسلام؛ حيث إن الله عز وجل يجري على يديه هذه الخوارق من العادات؛ فهنا ماء قليل يدخل يده في الإناء, فيتفجر الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام حتى يستفيد الناس جميعاً، وحتى يتوضأ الناس جميعاً من أولهم إلى آخرهم، ولم يبق أحد بحاجة إلى الوضوء.ومحل الشاهد منه: الوضوء من الإناء، فالرسول صلى الله عليه وسلم توضأ من الإناء، والصحابة توضئوا من هذا الإناء الذي فيه ماء قليل, وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، وبارك الله تعالى فيه، حتى كفى الفئام من الناس، وحتى كفى هذا العدد الكبير من الناس.

تراجم رجال إسناد حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

قوله: [أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكر قتيبة مراراً وتكراراً، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات, الأثبات، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وفي الحديث المتقدم مر ذكره.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق هو أحد الثقات الأثبات, وهو من أهل المدينة، وحديثه في الكتب الستة، وقد سبق أن مر ذكره، بل سبق أن مر قريباً مثل هذا الإسناد تماماً.[ عن أنس ].هنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة يروي عن عمه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وعبد الله بن أبي طلحة الذي هو والد إسحاق هو الذي حنكه الرسول صلى الله عليه وسلم حين ولد، فبعدما وقع في قصة مجيء أبي طلحة إلى أم سليم، وكان لهما ولد، وكان مريضاً، وفي الوقت الذي جاء كان قد مات، وهي لم تخبره بموته، وتجملت وصنعت له طعاماً وأكل ثم جامعها، وقد سألها قبل ذلك عن الولد فقالت: إنه أهدأ ما يكون، وقد سكنت نفسه -وهي صادقةٌ فيما قالت- فهو فهم أنه شفي من المرض، وأنه هدأ نفسه، يعني: كان ثائر النفس من شدة المرض، وأنه هدأ نفسه، وهي تريد أنه هدأ نفسه أي: ذهبت النفس، وأنه استراح ليس فيه حركة، وهو يفهم أنه في راحة، فلما جامعها وأصبح، مهدت لذلك وقالت: أرأيت لو أن أناساً عندهم عارية، فردت العارية إلى صاحبها ما شأنهم؟ ثم قالت: إن ابنك قد مات، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حصل، فقال: (بارك الله لكما)، فنشأ عن ذلك الوقاع الذي حصل ولد وهو عبد الله هذا، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحنكه، وعبد الله صار له عدد من الأولاد وفيهم خير، ومن أهل علم، وفيهم إسحاق هذا الذي يروي عن أنس بن مالك الذي هو أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أم عبد الله هي أم سليم أم أنس بن مالك، وإسحاق كما ذكرت هو من رجال الجماعة, ومن الثقات الأثبات, يروي عن أنس بن مالك، وأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر ذكره في أحاديث عديدة، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرت ذلك فيما مضى.

شرح حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا ماءً، فأتي بتور فأدخل يده، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: حي على الطهور، والبركة من الله عز وجل)، قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجعد قال: قلت لـجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وخمسمائة ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو بمعنى حديث أنس بن مالك المتقدم: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بوضوء، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا، فأتي بتور فيه ماء -والتور هو الإناء، ويقال: مثل الطست- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، فتوضئوا جميعاً وناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حي على الطهور والبركة من الله)، يعني: هذا الماء الذي هو قليل، وهو طهور يتوضأ به، بارك الله تعالى فيه حتى كثر وكفى الفئام من الناس.ثم ذكر الأعمش -وهو أحد رواة الأحاديث- أنه روى عن سالم بن أبي الجعد قال: ( كم كنتم يومئذ؟ قالوا: كنا ألفاً وخمسمائة )، وكان هذا في غزوة الحديبية، وهذا حديث آخر غير حديث عبد الله؛ لأن جابراً يروي هذا الحديث، وعبد الله بن مسعود يروي هذا الحديث، فإذاً: هذان حديثان: حديث عن جابر، وحديث عن عبد الله بن مسعود، وهذا الحديث -كما ذكرت في الحديث السابق- من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وهو أن الماء القليل يكون في إناء، ثم يبارك الله فيه فيكفي لألف وخمسمائة من الناس يتوضئون منه؛ لأن الأصل أن هذا الإناء يكفي لوضوء شخصٍ واحد، لكن أنزل الله تعالى فيه البركة، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، حتى كفى ألفاً وخمسمائة من الناس توضئوا منه، فهو من دلائل نبوته الكثيرة، وهو من الأحاديث العديدة الدالة على ما ساقه الله على يديه من الخوارق للعادات.

تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].طريقة النسائي -كما هو معلوم- المطردة في هذا الكتاب وغيره من كتبه أنه يقول: (أخبرنا). وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو محدث, فقيه، وقد خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرةً إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وهو الذي سبق أن ذكرت أن من عادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في روايته عن شيوخه.[أخبرنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام الصنعاني، المحدث, الفقيه, المشهور، ويأتي ذكره عند النسائي لأول مرة، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، هو أحد الثقات الحفاظ، ورحل العلماء إليه في اليمن لأخذ الحديث عنه، وكان مكثراً من الرواية في الحديث. وقيل عنه: إنه تشيع، لكن تشيعه هو من جنس -كما ذكرت سابقاً- تقديم علي على عثمان في الفضل، وتقديم علي على عثمان في الفضل لا يؤثر، ولا يبدع من قال به، وفيه جماعة من السلف يقولون بذلك، منهم: عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وعدد يقولون بهذا، وإن كان المشهور عند أهل السنة تقديم عثمان على علي في الفضل كما أنه مقدم عند الجميع في الخلافة، التقديم بالخلافة فما أحد يقول من أهل السنة: إن علياً أولى منه؛ لأن الصحابة اتفقوا على ذلك، فمن قال: بأن علياً أولى، فمعناه: أنه قال قولاً يخالف ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ضلال بلا شك، ولهذا قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، أما تقديمه عليه بالفضل فقد جاء عن بعض السلف، لكن لا يبدع من يقول به، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، وقال: إن هذا لا يؤثر ولا يضر، ولا يبدع من يقول به، وإنما الذي يبدع فيها مسألة الخلافة؛ لأن معنى من قال بها أنه خالف ما عليه الصحابة، وخالف ما أطبق عليه الصحابة، وأجمع عليه الصحابة من تقديم عثمان على علي، والمشهور عن أهل السنة أن عثمان هو المقدم في الفضل كما هو المقدم في الخلافة، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا؛ لأنهم كانوا في عهدهم يقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، يعني: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.[أخبرنا سفيان، عن الأعمش]. سفيان هنا مهمل لم ينسب، وعبد الرزاق روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، والسفيانان رويا عن الأعمش، فإذاً : بالنسبة للشيوخ والتلاميذ فـالأعمش شيخ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق تلميذ لـسفيان بن عيينة ولـسفيان الثوري، فإذاً :كيف يعرف أيهما؟ نقول: من المعلوم أن سفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، والأعمش كوفي، فإذاً: الأقرب والأظهر أن يكون هو سفيان الثوري، مع أننا ما وجدنا شيئاً يدلنا على تسمية سفيان وتعيينه، هل هو الثوري أو ابن عيينة؟ لكن كون الثوري من أهل الكوفة، والأعمش من أهل الكوفة، ومن المعلوم أن العلماء إذا كانوا في بلد يكون اتصالهم بهم أكثر، والأخذ عنهم أكثر، بخلاف من لا يلقاه إلا في سفر عارض طارئ فترة ثم ينقطع، فإن من كان من أهل بلده، ومن كان يلتقي به مراراً وتكراراً يكون أقرب إلى أن يكون هو المعني، فإذاً :كون سفيان الثوري من أهل بلد الأعمش الذي هو (شيخه) فإنه يدل على أن سفيان الذي لم ينسب هنا هو الثوري.والأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، والأعمش لقب له، وهو يأتي باسمه ويأتي بلقبه، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن إبراهيم ]. إبراهيم هو: ابن يزيد النخعي الكوفي، الإمام, المشهور والمعروف بالفقه والحديث، فقد سبق أن مر ذكره فيما مضى.[عن علقمة].علقمة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: علقمة بن قيس النخعي، صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعلقمة هذا هو عم الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد؛ لأن يزيد الذي هو والد الأسود وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس هو أخو علقمة، فهو عمٌ لـعبد الرحمن، وعم للأسود بن يزيد بن قيس، وعلقمة هذا من الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن مسعود].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وكان متقدم الوفاة -توفي سنة اثنين وثلاثين- ولهذا فإنه لا يعتبر من العبادلة الأربعة، فإذا ذكر في الصحابة العبادلة الأربعة فليس فيهم ابن مسعود، وإنما هم صغار الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة، وليس فيهم عبد الله بن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنين وثلاثين، وأما هؤلاء فتأخرت وفاتهم؛ منهم من فوق السبعين ومنهم قبل ذلك، فهم يعتبرون من صغار الصحابة، وكانوا في عصرٍ واحد، وطالت حياتهم بعد وفاة عبد الله بن مسعود؛ ولهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة، وعبد الله بن مسعود ليس واحداً منهم، رضي الله تعالى عن الجميع، وحديثه في الكتب الستة كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وفي إسناد الحديث المتقدم قال الأعمش: حدثني سالم بن أبي الجعد، -وهذه طريق أخرى غير الطريق الأولى- قال: سألت جابراً -والسائل هو سالم بن أبي الجعد-: ( كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفاً وخمسمائة ). وسالم بن أبي الجعد هو من أهل البصرة، وهو من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. وجابر بن عبد الله هو: جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وحديثه في الكتب الستة.
التسمية عند الوضوء

شرح حديث: (... توضئوا باسم الله...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسمية عند الوضوء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت وقتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مع أحدٍ منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول: توضئوا باسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم، قال ثابت: قلت لـأنس: كم تراهم؟ قال: نحواً من سبعين ).يقول النسائي رحمه الله: باب التسمية عند الوضوء، يعني: في ابتداء الوضوء، عندما يبدأ الإنسان في الوضوء، أو يريد أن يتوضأ يسمي الله عز وجل، وقد أورد النسائي هذه الترجمة لبيان مشروعية التسمية، وأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ( أن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام طلبوا الوضوء، فقال عليه الصلاة والسلام: هل أحد معه ماء؟ فأوتي بماء ووضع يده فيه وقال: توضئوا باسم الله، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضئوا جميعاً )، ثم قال ثابت البناني -وهو أحد الراويين اللذين رويا عن أنس هذا الحديث-: (كم تراهم)؟ يعني: هؤلاء الصحابة الذين توضئوا. قال: (نحواً من سبعين). والمقصود من إيراد الحديث: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله)، فهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا؛ وهو للاستدلال به على مشروعية التسمية عند الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا باسم الله)؛ أي: مبتدئين باسم الله، أو قائلين: باسم الله، وهو يدل على هذا، وقد ورد حديث صريح في المسألة؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وقد تكلم فيه، ولكن طرقه كثيرة، ويقوي بعضها بعضاً، ولهذا فإن بعض العلماء قال: بأنه مستحب، وبعضهم قال: بأنه واجب مع الذكر، أما إذا لم يذكر ونسي فإنه لا شيء عليه في ذلك، وقال السندي في حاشيته: لعل النسائي لم يذكر هذا الحديث لما فيه من الكلام، وأتى بهذا الحديث المشتمل على التسمية، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله).ولفظ (الوضوء) الذي في الحديث: (أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبوا الوضوء) هو بفتح الواو، وقد عرفنا فيما مضى أن ما كان مفتوحاً من هذا اللفظ فالمراد به الماء الذي يتوضأ به، وإذا كان مضموماً فالمراد به الفعل الذي هي التوضؤ، فكون الإنسان يتوضأ بالفعل، هذا يقال له: وضوء، والماء الذي يستعمل في الوضوء يسمى وَضوءاً.وهذا الحديث أيضاً من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ حيث يبارك الله عز وجل بالماء القليل الذي يضع يده فيه فيكفي الفئام من الناس، ويكفي الأعداد الكبيرة من الناس، فإن هذا الحديث يقول فيه أنس: إنهم كانوا (نحواً من سبعين)، وقد عرفنا سابقاً ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة )، يعني: في الحديبية، وجاء في بعض الطرق: ( ولو كنا مائة ألف لكفانا )، فهذه الأحاديث هي من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، حيث تقع أمور خارقة للعادة يجريها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، فهنا ماء قليل يكون في إناء فيبارك الله تعالى فيه؛ حيث يضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يده فيه، فيتفجر الماء من بين أصابعه ويفور حتى يكفي الأعداد الكبيرة الهائلة من الناس، فهو من دلائل نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

تراجم رجال إسناد حديث: (... توضئوا باسم الله ...)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وهو محدث, فقيه، إمام، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنهم رووا عنه مباشرةً، وهو من شيوخهم جميعاً إلا ابن ماجه فإنه لم يرو عنه شيئاً، ولم يخرج عنه شيئاً، وهو من الحفاظ والثقات, المتقنين المؤلفين، ولـإسحاق بن راهويه مسند، وعادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما كانت هذه طريقة النسائي، حيث يقول عن شيوخه: أخبرنا، وكذلك إسحاق بن راهويه يقول عن شيوخه: أخبرنا.[أنبأنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام بن نافع الصنعاني، الإمام المشهور, الذي رحل الناس إليه في اليمن، وأخذوا الحديث عنه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا معمر ]. هو ابن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، وهو شيخ لـعبد الرزاق، روى عنه عبد الرزاق كثيراً من الأحاديث، وكثيراً ما يأتي في الصحيحين رواية عبد الرزاق عن معمر، بل إن صحيفة همام بن منبه التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام؛ لأن الصحيفة كلها بهذا الإسناد: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي في مسند الإمام أحمد كلها، وهي ضمن مسند أبي هريرة، ويفصل بين كل حديث وحديث بقوله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؛ أي: يأتي بإسناد واحد في أولها ثم يفصل بين كل حديث وحديث بهذه الجملة. والبخاري ومسلم انتقيا من هذه الصحيفة؛ فأحاديث اتفقا على إخراجها، وأحاديث منها انفرد بإخراجها البخاري، وأحاديث منها انفرد بإخراجها مسلم، وقد ذكرت فيما مضى أن هذا من أوضح الأدلة التي استدلوا بها على أن البخاري ومسلماً لم يقصدا استيعاب الصحيح، ولم يريدا جمع الأحاديث الصحيحة كلها، وأنه لا يقال: إنهما أرادا ذلك؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد منها ما هو موجود عند البخاري , ومسلم، ومنها ما هو موجود وعند البخاري وحده ومنها ما هو موجود عند مسلم وحده، فلو كانت القضية جمع الأحاديث الصحيحة لاستوعباها، وإنما ذكرا بعضها اتفاقاً، وكل واحد منهما أخذ ما لم يأخذ الآخر، وتركا منها أشياء ليست عندهما، فإذاً: هذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري , ومسلماً ما أرادا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ولا تخريج كل الأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة، وليست كل الأحاديث الصحيحة، ولهذا فإن استدراك الحاكم عليهما لا وجه له؛ لأنهما ما أرادا الاستيعاب، فإلزامهم بأن هذا على شرطهم وما خرجوه ليس بلازم لهما؛ لأنهما لم يلتزما حتى يلزما، ولم يلتزما حتى يقال: فاتهما.وهنا قتادة معطوف على ثابت؛ لأن معمراً روى عن ثابت وعن قتادة، وكل من الاثنين يروي عن أنس بن مالك، فـقتادة مجرور، لكونه ممنوعاً من الصرف فيكون مفتوحاً, لكن لا يكون مضموماً؛ لأنه سيكون معطوفاً على معمر، ومن المعلوم أن قتادة متقدم وفاته قبل العشرين ومائة، وأما عبد الرزاق فولادته بعد العشرين ومائة، فهو ما أدرك زمانه.[عن ثابت وقتادة].ثابت هو ابن أسلم البناني الذي سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب.وقتادة هو ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من الثقات، ومن رجال الكتب الستة، خرجوا حديثه جميعاً.[عن أنس].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره مراراً، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال ثابت: قلت لـأنس: (كم تراهم) يعني: تظنهم، وقوله: (نحواً) يدل على أن القضية ظن وليست علم؛ لأن ترى بالفتح بمعنى العلم، وأما تُرى بالضم فهي بمعنى الظن, وهي المطابقة لقوله: (نحواً من سبعين). أقول: هما قضيتان: القضية التي يرويها أنس، وقضية صلح الحديبية التي فيها حديث جابر الذي قال: (كنا ألفاً وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا)، هذه مسألة أخرى. وحصول دلائل النبوة، وحصول هذه الخوارق للعادات جرت في قصص متعددة وفي أحوال مختلفة، جمعها الذين عنوا بدلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: أبي نعيم, ومثل: البيهقي، وإسماعيل الأصبهاني، والفريابي، وغيرهم كثير، وكتبهم اسمها: دلائل النبوة، فيجمعون مثل هذه الأحاديث التي فيها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ودلائل نبوته، والخوارق للعادات التي أجراها الله تعالى على يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ومن الكتب: (دلائل النبوة للبيهقي)، و(دلائل النبوة) لـأبي نعيم الأصبهاني، و(دلائل النبوة) لـإسماعيل الأصبهاني الذي هو قوام السنة، وكذلك (دلائل النبوة) للفريابي، وغيرهم ألفوا في هذا، وقد عنوا بجمع ما كان من هذا القبيل.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2025, 12:21 AM   #34

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(34)

(باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء) إلى (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً)

جاء في شرعنا الحنيف جواز صب الماء على الرجل وهو يتوضأ، لا سيما إذا كان كبيراً في قومه، وليس ذلك مما يذم به فاعله، كما أنه يجوز الوضوء مرة مرة، أو مرتين مرتين, أو بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين، أو بعضها مرتين وبعضها ثلاثاً.
صب الخادم الماء على الرجل للوضوء

شرح حديث المغيرة في صبه الماء على رسول الله ليتوضأ

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوءأخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول : (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)، قال أبو عبد الرحمن: لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. هنا أورد النسائي رحمه الله باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء. هذه الترجمة أوردها النسائي ليبين أن مثل هذا العمل لا بأس به، يعني : كون الإنسان يخدم غيره فيصب عليه الماء وهو يتوضأ، وقد فُعِل به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما حصل من المغيرة في هذا الحديث؛ لأنه قال: (سكبت له وضوءه)، فكان مثل هذا العمل سائغاً وجائزاً، ولا بأس به، وإنما الذي لا يصلح هو كونه يوضأ؛ بحيث يصب على وجهه ويغسله, ثم يغسل يديه، هذا هو الذي لا يفعل إلا عند العجز للحاجة والضرورة، أما مع القدرة فلا يفعل؛ لأنه لم يأت شيء يدل عليه.وفي هذا استخدام الأحرار، وأنه لا بأس بذلك، لا سيما إذا أرادوا ذلك ورضوا به، ووافقوا عليه، وإن لم يكن ذلك الغلام مولى له، بل هو حر يخدم غيره، ،كأنس بن مالك رضي الله عنه خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات وهو من الأحرار.[عن عروة بن المغيرة: أنه سمع أباه يقول: (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)].وفي الحديث المسح على الخفين، وسيأتي الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه )، يعني: في تلك الحالة التي خدمه فيها المغيرة، حيث صب عليه الماء.

تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صبه لماء على رسول الله ليتوضأ

قوله: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين]. وسليمان بن داود يأتي ذكره لأول مرة في الأسانيد، وهو سليمان بن داود المهري المصري أبو الربيع، وقد روى عنه النسائي , وأبو داود، ولم يخرج له الباقون، وهو ثقةٌ، والحارث بن مسكين سبق أن مر ذكره مراراً، وقلنا : إنه أحياناً يقول : أخبرنا الحارث بن مسكين، وأحياناً يعطفه على غيره ولا يصرح بأخبرنا عند ذكره، وذكرت السبب في ذلك وهو: أنه كان يمنع النسائي من أن يأخذ عنه، فكان النسائي يختفي من وراء الستار ويسمع ويروي عنه , ولكن لا يقول: أخبرني، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع . ولكنه جاء في بعض الأحاديث كما مر يقول النسائي: (أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع )، وعلى هذا يكون حصل له إذن بعد المنع، ويكون في كل حالة يروي على حسب ما اتفق له، ففي الحالة التي منع فيها لا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالإخبار، وفي الحالة التي أذن له يقول فيها: أخبرني. والحارث بن مسكين من الثقات، وهو قاضٍ في مصر، وروى له أبو داود , والنسائي مثل سليمان بن داود الذي قبله؛ لأن كلاً منهما خرج له النسائي , وأبو داود، ولم يخرج لهما الباقون.[قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له].يعني: هذا اللفظ الموجود الذي أثبته في نهاية الحديث ونهاية الإسناد هو لفظ الحارث بن مسكين، وليس لفظ سليمان بن داود؛ يعني: أن سليمان بن داود رواه بالمعنى، وأما الحارث بن مسكين فهو بهذا اللفظ الموجود، وهو كثيراً ما يأتي ويقول: واللفظ له، هذا يتكرر في سنن النسائي في غالب المواضع التي مرت.[عن ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري , المحدث , الفقيه، والإمام المشهور، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، مكثر من رواية الحديث. [عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث]. إذاً: عبد الله بن وهب يروي عن ثلاثة أشخاص، روى عنه في هذا الحديث أو في هذا السند اثنان مصريان، وهو مصري، ويروي هو عن ثلاثة: عن مالك بن أنس، وعن يونس بن يزيد الأيلي، وعن عمرو بن الحارث المصري، يروي عنهم جميعاً، والثلاثة يروون عن الزهري.ومالك بن أنس سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة، وهو الإمام المشهور، وحديثه في الكتب الستة.ويونس بن يزيد الأيلي أيضاً مر ذكره، وهو من الثقات، من رجال أصحاب الكتب الستة.وعمرو بن الحارث المصري هو أيضاً من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره هنا لأول مرة.[عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد سبق ذكره مراراً، وهو من الحفاظ، ومن الفقهاء، وهو أول من قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله -كما سبق أن مر ذلك- وحديثه في الكتب الستة، وهو معروف بفضله، وبعلمه، وبعلو منزلته، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أكثر ما يأتي ذكره في أسانيد كتب السنة.[عن عباد بن زياد].عباد بن زياد ثقة، ويأتي ذكره لأول مرة، وقد خرج له مسلم , وأبو داود, والنسائي؛ يعني: مثل الذين خرجوا لشيخي النسائي في هذا الحديث وهم: الحارث بن مسكين، وسليمان بن داود المصري أبو الربيع يضاف إليهم الإمام مسلم، فهؤلاء الثلاثة خرجوا لـعباد بن زياد. وهذا هو أخو عبيد الله بن زياد الأمير المشهور، وهذا أيضاً تولى الإمارة، كان والي سجستان. [عن عروة بن المغيرة بن شعبة]. عروة بن المغيرة بن شعبة هو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة.[عن المغيرة بن شعبة]. أما المغيرة بن شعبة فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بدهائه، وبفطنته، وبقوته، وشجاعته رضي الله عنه وأرضاه، وقد تولى إمارة البصرة، وإمارة الكوفة، وكان من الذين جاهدوا في سبيل الله.وقد ذكر البخاري في صحيحه قصة له مع الفرس، وأنهم لما ذهبوا إليهم طلبوا واحداً يتكلم معهم , فكلمهم المغيرة، فذكر كلاماً عظيماً يبين فيه حالهم قبل الإسلام، وأن الله عز وجل أرسل لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنهم آمنوا به، وأن الله تعالى أعزهم به، وأن من أطاعهم فإنه يسلم، ومن لم يدخل في هذا الدين فإنهم يجاهدونه حتى يملكهم الله رقابهم، وحتى يدخلوا في دين الله عز وجل، قال هذه المقالة العظيمة كما ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه، وهذا من قوته، وعزة نفسه، وشجاعته، وصدعه بالحق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وله في الكتب مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. [قال أبو عبد الرحمن : لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. يعني: أن الذين ذكروا في الإسناد عروة بن المغيرة هم الاثنان الآخران اللذان هما : عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد الأيلي، أما الإمام مالك فهو لم يذكر عروة بن المغيرة.
الوضوء مرةً مرة

شرح حديث ابن عباس في الوضوء مرةً مرة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرةً مرة.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: الوضوء مرةً مرة. والمقصود من ذلك : بيان أن الوضوء يصح أن يكون مرة مرة؛ بمعنى: أنه يغسل كل عضو مرة واحدة، يغسل وجهه مرة واحدة، ويغسل يديه إلى المرفقين مرة واحدة، ويمسح رأسه -ومسح الرأس لا يتكرر- ويغسل رجليه مرة واحدة، وهذا هو أقل شيء يجزئ.وجاء عنه: (مرتين مرتين)، وجاء عنه: (ثلاثاً ثلاثاً)، وجاء أيضاً غسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثاً، أو بعضها مرة وبعضها مرتين، كل هذا جاء وبابه واسع. وترجم النسائي هنا باب: الوضوء مرة مرة، وأورد فيه حديث ابن عباس أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة).قوله رضي الله عنه: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فيه بيان حرص الصحابة على تعليم السنن، وتعليم الناس أحكام الدين، وأنهم كانوا يفعلون ذلك بدون أن يطلب منهم ذلك، بل إن ابن عباس قال : ألا، وهذه المقصود منها التنبيه؛ يعني: يعرض عليهم وينبههم حتى يستعدوا, وأن يتهيئوا، ثم قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟).وهذا من فضلهم ونبلهم وحرصهم على الخير، وحرصهم على بيان السنن وإيصالها إلى الناس، فهم الحريصون على كل خير، والسابقون إليه، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إنه: (توضأ مرةً مرة) فهذا معناه في بعض الأحوال، وليس دائماً وأبداً، بل أكثر الأحوال أنه كان يتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً)، ولكن كونه يفعله (مرةً مرة) فهو دال على الجواز، لكن لا بد من الاستيعاب، ومن التحقق من أن الماء في هذه المرة أصاب جميع أعضاء الوضوء.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الوضوء مرة مرة

قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى يأتي لأول مرة ذكره، وهو رفيق محمد بن بشار الذي هو بندار، قد سبق ذكره مراراً, أما محمد بن المثنى هذا يقال له : الزمن , وهو العنزي، وهو من الثقات , الحفاظ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه جميعاً، وخرجوا حديثه، ورووا عنه مباشرةً، كما رووا عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فهؤلاء الثلاثة شيوخٌ لأصحاب الكتب الستة، والثلاثة كانت وفاتهم في سنة واحدة، وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخ البخاري. [حدثنا يحيى]. هو ابن سعيد القطان، الإمام المشهور, المحدث، الإمام في الجرح والتعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن الثقات، الحفاظ، سبق أن الذهبي قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما أصابا الهدف في جرحهما.وقد جاء الحديث في سنن ابن ماجه، وصرح فيه بـالقطان، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، يعني: سماه. وأما النسائي فاكتفى بقوله : يحيى، وذكرت -فيما مضى- أن أحسن طريقة يمكن أن يعرف بها الرجل المبهم هو: أن يتتبع طرق الحديث في الكتب، فإذا وجد في بعضها التصريح بتسميته زال الإشكال، وعرف من هو، وأما إذا لم يعرف مصرحاً به في بعض الأسانيد, فعند ذلك ينظر في الشيوخ والتلاميذ, وقد ذكرت -فيما مضى- أن في طبقة يحيى بن سعيد القطان: يحيى بن سعيد الأموي، لكن يحيى بن سعيد الأموي غالباً ما يروي عنه ابنه سعيد، وهنا في هذا الإسناد -الذي معنا- جاء التصريح في سنن ابن ماجه باسمه ونسبه, وأنه يحيى بن سعيد القطان.وهنا يروي عن سفيان، وسفيان -كما عرفنا- المشهور بذلك اثنان : سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن جاء في بعض الطرق عند الترمذي في الجامع تسميته أنه الثوري، فهو الذي روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم.وسفيان الثوري من رجال الجماعة، ومن الثقات, الحفاظ، المتقنين، بل هو أحد الذين وصفوا بذلك الوصف العظيم الذي هو: أمير المؤمنين في الحديث، بل من العلماء من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وذكرت لكم وجه التقديم؛ لأنهم إذا أرادوا أن يقارنوا بين الثقتين, وأيهما أحفظ, فإنهم يعدون أخطاءهم القليلة، فمن وجدوا خطأه أقل اعتبروه أحفظ، وإن كان خطؤهم جميعاً قليلاً، لكن هذه عند المقارنة بين المبرزين وبين المتفوقين، فهذه هي الطريقة التي كانوا يميزون بها بين المتفوقين في الحفظ. [حدثنا زيد بن أسلم]. زيد بن أسلم هو من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، وهو مدني. [عن عطاء بن يسار]. عطاء بن يسار هذا أيضاً من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين، وقد سبق ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـأبي العباس، وقد ذكرت لكم -فيما مضى- أن بعض العلماء يقول: ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا اثنان: هما ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي .محمد بن المثنى، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان الثوري، وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار وابن عباس، وهؤلاء جميعاً ممن خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة. والحديث الذي مر معنا ليس بموقوف, بل يعتبر مرفوعاً؛ لأنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ثم توضأ مرة مرة).
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

شرح حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب : (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما توضأ ثلاثاً ثلاثاً، يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم)].هنا ذكر النسائي رحمه الله باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. يعني: كونه يغسل كل عضو ثلاث مرات، فيغسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ويمسح رأسه مرةً واحدة؛ لأن المسح لا يتكرر، وإنما هو مرة واحدة؛ لأنه لو كرر لصار غسلاً، وهو مسح وليس بغسل، ويغسل الرجلين ثلاث مرات، فالوضوء ثلاثاً ثلاثاً لما يغسل، وأما ما يمسح فإنما يكون مرة واحدة، وهذا هو الغالب على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو إسباغ الوضوء، ولا يزيد على ذلك.(أن عبد الله بن عمر توضأ ثلاثاً ثلاثاً يسند ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: هذا الفعل الذي فعله ثلاثاً ثلاثاً يسنده ويضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس هذا موقوفاً على ابن عمر، وإنما هو مرفوع؛ لأن معنى (يسنده) أي: يرفعه للرسول صلى الله عليه وسلم.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر ثقة، وخرج حديثه الترمذي , والنسائي، وهو يروي عن عبد الله بن المبارك، بل هو راويته، ولهذا فالمواضع التي مر فيها سويد عن عبد الله، ولم تنسب، فهو عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهو مروزي، كما أن عبد الله بن المبارك مروزي، فهما من بلد واحد.وأما عبد الله بن المبارك فحديثه عند أصحاب الكتب الستة، قال عنه الحافظ في التقريب : ثقة، حافظ، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير.[أخبرنا الأوزاعي]. هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، وكنيته أبو عمرو، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن كنيته أبو عمرو وأبوه عمرو، وهو عبد الرحمن إمام أهل الشام، وإذا ذكر الحديث والفقه بالشام، فالذي يتبادر إلى الأذهان : الأوزاعي؛ لأنه معروف في الحديث والفقه في الشام، فهو محدث الشام وفقيهها، وهو معروفٌ بفقهه وحديثه وكثرة روايته، وكثرة ما يضاف إليه من مسائل الفقه رحمة الله عليه، وحديثه في الكتب الستة، وهو أحد الحفاظ, الثقات, المتقنين المعروفين، المبرزين.[حدثني المطلب بن عبد الله].المطلب بن عبد الله بن حنطب قال عنه في التقريب : إنه صدوق كثير التدليس والإرسال، وقد روى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة.وهنا هذا اللفظ يحتمل الإرسال والتدليس؛ لأن التدليس يكون فيما إذا سمع من الشخص وروى عنه مدلساً بـ (عن) أو (قال)، أما الإرسال بالمعنى الواسع الأعم فهو: أن يكون سماعه لم يثبت عنه وإنما يرسل إليه، وهو أن يقول لمن لم يلقه : قال فلان، سواءً كان معاصراً له أو لم يعاصره.والعبارة هذه: (أن عبد الله بن عمر) ليس فيها ذكر تحديث، ولا ذكر سماع، ولا ذكر اتصال، فهو محتمل، لكن الوضوء ثلاثاً ثلاثاً جاء عن عدد كبير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وكلها ثابتة، ولو لم تأت لكان الأمر محتملاً الضعف.وابن عمر رضي الله عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وقد مر ذكره مراراً.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2025, 12:25 AM   #35

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(35)

باب صفة الوضوء، غسل الكفين - باب كم تغسلان

من الآداب الشرعية التي دلت عليها السنة استحباب غسل اليدين ثلاثاً قبل البدء بغسل المفروض في الوضوء؛ حفاظاً على نقاوة الماء، وحتى لا يتغير بما يكدره مما كان عالقاً في اليدين قبل غسلهما.
صفة الوضوء، غسل الكفين

شرح حديث المغيرة في صفة الوضوء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [صفة الوضوء، غسل الكفين. أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر بن المفضل حدثنا ابن عون عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة وعن محمد بن سيرين عن رجل حتى رده إلى المغيرة قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا من حديث ذا, أن المغيرة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر, فقرع ظهري بعصا كانت معه، فعدل وعدلت معه حتى أتى كذا وكذا من الأرض، فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني، ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه، فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه وذراعيه، وذكر من ناصيته شيئاً وعمامته شيئاً -قال ابن عون: لا أحفظ كما أريد- ثم مسح على خفيه، ثم قال: حاجتك؟ قلت: يا رسول الله! ليست لي حاجة، فجئنا وقد أم الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح، فذهبت لأوذنه فنهاني، فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا)].يقول النسائي رحمه الله في صفة الوضوء وبدأ بغسل اليدين؛ وذلك أن اليدين عندما يريد الإنسان أن يتوضأ يغسلهما أولاً خارج الإناء إذا كان يتوضأ من إناء، فإذا غسلهما خارج الإناء بعد ذلك يدخل اليد اليمنى في الإناء، ويخرج منها الماء الذي يغسل به أعضاءه. وقد أورد النسائي في ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه, (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر)، وكان هذا في غزوة تبوك كما سبق (وكان يمشي، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وقرب منه، وقرع ظهره بعصا) يعني: لمسه بها، يريد أن ينبهه على أن يتبعه من دون أن يتكلم معه، وليس المراد من ذلك الضرب، فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، وذهب وراءه، وكان على بعيره، وهذا على بعيره، ثم أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم ذهب حتى توارى، يعني: أبعد.ثم إنه جاء بعد أن قضى حاجته وقال: (هل معك ماء؟ فقال: نعم وإذا معه سطيحة، فأفرغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه ووجهه)، وهذا هو محل الشاهد؛ يعني: أول شيء عمله أنه غسل يديه، والمقصود من غسل اليدين: غسل الكفين، وليس غسل اليدين الذي هو أحد أركان الوضوء؛ لأن غسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، ثم غسل وجهه، ولما أراد أن يغسل يديه، وإذا عليه جبة شامية ضيقة الكمين، فلم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يحسرها، وأن يخرج ذراعيه مع فتحاتها المخصصة لليدين، فأخرجهما من تحت الجبة؛ يعني: عليه ألبسة أخرى غير الجبة، وليس معنى ذلك أنه ليس عليه إلا الجبة، وأنه أظهر يديه من تحت الجبة فينكشف ما تحت الجبة، لا، وإنما عليه غير ذلك، فأخرج اليدين من تحت الجبة وغسل وجهه وذراعيه.وذكر الغسل هنا، وقد ذكره قبل، وكأنه بدأ بغسل الوجه، ثم أراد أن يغسل اليدين فلم يتمكن، فأخرج يديه من تحت الجبة وأعاد غسل وجهه؛ يعني: أنه كرر غسل الوجه، ثم غسل ذراعيه.والمقصود من غسل الذراعين: غسلهما إلى المرفقين، ويدخل أيضاً في ذلك اليدان اللتان غسلتا أولاً؛ لأن غسل اليدين الذي يكون بعد الوجه إنما يكون لكامل اليد إلى المرفقين. (وذكر من ناصيته شيئاً، ومن عمامته شيئاً)؛ يعني: أنه مسح على الناصية والعمامة، والعمامة إذا كانت مشدودة، ومحكم شدها على الرأس، وخلعها يكون فيه مشقة؛ فإنه يمسح عليها وعلى الناصية؛ أي: ما ظهر من الناصية من الرأس مما لم تغطه العمامة. أما إذا كان الرأس غير مغطى، أو كانت تغطيته بشيء ليس فيه صعوبة، مثل الألبسة التي علينا كالغتر، فإزالتها ومسح الرأس متعين، وإنما العمامة التي يمسح عليها هي التي تكون محكمة ومشدودة، ويكون المسح عليها مثل المسح على الخفين. قال ابن عون: (لا أحفظ كما أريد) يعني: أنه ما حفظ أو ما ضبط هذا الحديث؛ لأنه ذكره عن راويين، ولم يميز حديث هذا من هذا؛ فمزج بين الروايتين دون أن يعرف أن هذه اللفظة لفلان وهذه اللفظة لفلان، ولكن المجموع هو للاثنين؛ إما مجتمعين، وإما أن هذه اللفظة لواحد، وهذه اللفظة لواحد. (ثم مسح على الخفين) يعني: كان عليه الخفان عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الروايات: (أن المغيرة أهوى لينزعهما، قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).والحديث جاء في الصحيحين وفي غيرهما، إلا أنه ليس في الصحيحين ذكر العمامة والناصية.قوله: (حاجتك، فقلت: ليست لي حاجة) يعني: هل تريد شيئاً؟ فقال: (ليس لي حاجة). قال: (ثم جئنا)؛ يعني: جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من قضاء حاجته وقد تأخر، وإذا مجتمع الناس والجيش الذين كانوا معه في الطريق إلى تبوك يصلون ويؤمهم عبد الرحمن بن عوف ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة، وقد صلى الناس ركعة، فأراد المغيرة أن يخبر عبد الرحمن بن عوف وهو في الصلاة بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، فأرشده بأن يدعه وألا ينبهه، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى ودخل مأموماً وراء عبد الرحمن بن عوف وصلى الركعة الباقية، ولما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة وقضيا الركعة الباقية عليهما، وكانت الصلاة صلاة صبح.وهذا الحديث يدل على أن الجماعة إذا تأخر عليهم الإمام، ورأوا أنهم يؤدون الصلاة ولا ينتظرونه -يعني إذا طال انتظاره- أن ذلك لا بأس به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك. [(فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني)]؛ أي أناخ راحلته وكان راكباً عليها، وذهب حتى توارى؛ أي: ذهب بعيداً، و(كان عليه الصلاة والسلام إذا ذهب المذهب أبعد), كما عرفنا ذلك في أول كتاب السنن، فمن الأبواب والتراجم التي بدأ بها النسائي: الإبعاد عند قضاء الحاجة، وهنا يقول المغيرة: (حتى توارى) يعني: حتى اختفى عنه.[(ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه)] بمعنى: أنه يصب عليه - كما فعل أنس رضي الله عنه في الحديث الذي مضى- ليغسل ويتوضأ، وأن هذا سائغ -أي: إحضار الماء للمتوضئ، وصبه عليه، والمتوضئ يوضئ نفسه - وقد جاءت به السنة، أما كونه يوضئ غيره؛ يغسل وجهه، ويغسل يديه ورجليه فهذا لم تأت به السنة، إلا إذا كان هناك ضرورة تقتضي هذا، فلا بأس بذلك.[(فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)].لو لم يأت نص على المضمضة والاستنشاق في بعض الأحاديث لما دخلت، ولكن لما جاء ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق تدخل في الوجه، وأنها من ضمنه؛ اعتبرت من الوجه، لكنها قبله.وأبو بكر رضي الله عنه -كما هو معلوم في مناسبات- ذات مرة كان في أول الصلاة، فجاء الرسول وتقدم، فالتفت أبو بكر وإذا الرسول خلفه، فقال له: مكانك، ثم إنه تقهقر وتقدم الرسول وصلى، فلم يكن إماماً للرسول صلى الله عليه وسلم، والمرة الثانية لما كان يصلي بالناس في مرض موته عليه الصلاة والسلام، فجاء وجلس على يسار أبي بكر، فصار الرسول هو الإمام وأبو بكر واقف عن يمينه يبلغ الناس، أي: الرسول يكبر وأبو بكر يكبر يبلغ الناس، فلم يؤم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي أمَّه في ركعة واحدة هو عبد الرحمن بن عوف كما جاء في الصحيحين وغيرهما، ولهذا أبو نعيم في معرفة الصحابة، كان من عادته إذا بدأ بالترجمة للصحابي يأتي بكلام مسجوع، فيه ثناء على ذلك الصحابي، وذكر شيء من مناقبه، ثم بعد ذلك يبدأ بذكر الأحاديث التي تتعلق به بأسانيده، فقال عن عبد الرحمن بن عوف: إمام المصطفى. وكما هو معلوم الغسل يتكرر، وأكثر المعروف من فعل الرسول وعادته أنه يكرر الغسل للوجه، ولليدين، وللرجلين، يعني: أكثر ما كان يفعل الرسول أنه يغسل ثلاثاً ثلاثاً، فيمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم غسل مرة واحدة، ثم بعد ذلك لما نزع الجبة وأخرج يديه من تحتها غسل وجهه، فيكون كرر الغسل؛ لأنه أول غسل، أي: بدأ بالغسل قبل أن ينزع الجبة، وبعد ذلك غسل الوجه بعد أن أخرجهما من الجبة, ومعناه: أنه كرر غسل الوجه.(فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا) أي: ما فاتنا وسبقنا، فأول صلاة المسبوق ما يدركه؛ لأنه إذا جاء مع الإمام وهو يصلي فيعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه بعد فراغ إمامه آخر صلاته، والحديث ورد في ذلك: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فكلمة: (فأتموا) واضحة في أن ما يأتي به الإنسان بعد السلام هو آخر الصلاة، وليس أول الصلاة، ورواية: (أتموا)، أكثر رواة وأصح؛ وجاء في رواية: (اقضوا)، و(اقضوا) أيضاً تتفق مع (أتموا)؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الإتمام، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12]، يعني: أتم خلقهن، فتتفق رواية: (اقضوا)، مع رواية: (أتموا).وبعض العلماء يقول: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه أول صلاته، ويستدل برواية: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)، يعني: أن الذي أدركه هو آخر الصلاة، والذي يقضيه هو أول الصلاة، لكن القول بأن ما يدركه أول الصلاة، وما يقضيه آخر الصلاة متفق مع رواية: (فأتموا). والمحصل: أنه لو دخل الإنسان في الصلاة، فأول ما يفعله يكون أول صلاته، وليس آخر صلاته، وهنا يقول: (فصلينا ما أدركنا)، فيكون أول صلاتهم، (وقضينا ما سبقنا)، يعني: أننا أتينا بالذي سبقنا به والذي فاتنا، فيكون هو آخر الصلاة.

تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صفة الوضوء

قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].هو: محمد بن إبراهيم بن صدران البصري المؤذن، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ورمز لكونه من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، بدون ابن ماجه، فهؤلاء خرجوا حديثه ورووا له في كتبهم. [عن بشر بن المفضل].بشر بن المفضل هو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، و(إليه المنتهى) هذه من صيغ التعديل القوية الرفيعة؛ أي: من أرفع وأعلى صيغ التعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن عون].هو عبد الله بن عون، وهو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عامر الشعبي].عامر يأتي لأول مرة، وهو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو مشهور باسمه وبنسبته التي هي الشعبي، وأحياناً يأتي بـالشعبي، وأحياناً يأتي بـعامر، وهو ابن شراحيل، وهو من الثقات، الحفاظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن المغيرة].هو عروة بن المغيرة بن شعبة، وقد سبق ذكره، وأنه ثقة من رجال الجماعة.[عن المغيرة].يعني: عن أبيه المغيرة، وأبوه المغيرة سبق ذكره، وحديثه في الكتب الستة، وذكر عن ابن عون طريقين، هذه هي الطريق الأولى: ابن عون يروي عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة، وطريق أخرى: عن ابن عون يرويها عن محمد بن سيرين عن رجل عن المغيرة. وابن سيرين من الثقات، الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.والرجل المبهم هنا ذكر الحافظ ابن حجر في باب المبهمات في آخر التقريب وتهذيب التهذيب أن اسمه: عمرو بن وهب الثقفي. ابن حجر في آخر كتاب التقريب، وآخر كتاب التهذيب ذكر أسماء المبهمين بترتيب أسماء الذين رووا عنهم؛ يعني الآن هنا محمد بن سيرين هو الراوي عن المبهم، وذكر أسماء الرواة عن المبهمين على حروف المعجم، فيقول مثلاً: ذكر محمد بن سيرين، ثم المواضع التي جاء ذكر من يروي عنه مبهماً، ومنها هذا الموضع، قال: روى عن رجل عن المغيرة في المسح على الخفين، وقال: هو عمرو بن وهب، وكان قد قال: إنه لم يستقص في هذا الباب كل من أبهم في الكتب الستة، وإنما ذكر من سمي أو من عرف اسمه، أما من لم يذكر اسمه ولم يوقف على اسمه فإنه لا يذكره في هذا الباب.إذاً: المبهم هنا هو عمرو بن وهب الثقفي، قال عنه في التقريب: إنه ثقة، وقد خرج له البخاري في القراءة خلف الإمام، وخرج له النسائي. والمحصل أنه لا يؤثر ذكر إبهامه بعد أن عُلم وعرف، ومن المعلوم أنه لو لم يكن معلوماً، أو لم يكن الرجل معروفاً، فإن الحديث من هذا الطريق الموجودة لا يعول عليها، باعتبار أن كل لفظ منه يحتمل أن يكون من المبهم، لكن الحديث موجود من طرق أخرى في الصحيحين وفي غيرها.
كم يغسلان

شرح حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم يغسلان.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان - وهو ابن حبيب- عن شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً)].هنا ثم ذكر النسائي باب: كم يغسلان؛ يعني: الكفين؛ لأن هذه الترجمة تابعة للترجمة التي قبلها، والضمير في التثنية فيها يرجع إلى الكفين اللذين هما موضوع الترجمة السابقة، وهو: غسل الكفين، وهنا المقصود من ذلك عدد الغسلات، كم تغسل الكفان إذا أراد الإنسان أن يبدأ بالوضوء؟ ثم أورد حديث أوس بن أبي أوس أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثاً)، و(استوكف) قيل: هو من الوكف؛ وهو تقاطر الماء، ومنه وكف الماء إذا نزل من السطح؛ يعني: تقاطر الماء، وقالوا: إن المراد بذلك من استوكف؛ يعني: أنه غسل يديه وغسل أعضاءه حتى تقاطر منها الماء.ثم قيل: معناه: أنه غسل يديه خاصة، وقيل: إن معناه ما هو أوسع من ذلك؛ يعني: أنه فعل الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ويدخل ضمن ذلك غسل اليدين، أي: غسل اليدين أولاً، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، وغسل الرجلين، هذه كلها تثلث، وأما مسح الرأس فلا يكرر. وقد جاء في بعض الروايات أو بعض الأحاديث أنه أفرغ على يديه ثلاثاً، وهو حديث عثمان الذي سيأتي بعد هذا، وهو واضح في غسل يديه ثلاثاً؛ لأنه قال: (أفرغ على يديه ثلاثاً)، يعني: من الإناء، فهذا هو الذي فيه النص على الغسل، وأما هنا فقال: (استوكف ثلاثاً)، فهو يشمل اليدين وغير اليدين.

تراجم رجال إسناد حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)

قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة]. حميد بن مسعدة قيل عنه في التقريب: إنه صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان وهو ابن حبيب].كلمة: هو ابن حبيب أتى بها من دون تلميذ سفيان؛ لأن تلميذ سفيان لا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يشاء، ولكن إذا كان تلميذه أتى بكلمة واحدة ليس لمن دونه أن يضيف إليها شيئاً؛ لأنه لو أضاف إليها شيئاً لظن أن هذا اللفظ كله لفظ التلميذ، ولما كان الأمر يحتاج إلى بيان، ولكن أتوا بما يدل على أن البيان ممن دون التلميذ، ولهذا يقولون: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، وهكذا من الصيغ التي تستعمل.وسفيان بن حبيب ثقة، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم، ولا البخاري في الصحيح. [ عن شعبة ].هو شعبة بن الحجاج الذي يروي عنه سفيان بن حبيب، هذا هو الإمام المشهور, المحدث المعروف بإمامته، ومعرفته بالجرح والتعديل، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.[ عن النعمان بن سالم ].النعمان بن سالم هو الطائفي، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ابن أوس بن أبي أوس ].هو ابن أوس بن أبي أوس، وابن أوس جاء هنا بهذا اللفظ (عن ابن أوس بن أبي أوس) وجاء في تحفة الأشراف أنه قال: عن النعمان بن سالم (عن ابن ابن أوس) يعني: أنه حفيد؛ وهذا هو المتفق مع جده؛ لأنه قال: عن جده، يعني: ابن ابن أوس، والجد هو أوس، وعلى ما هو موجود هنا مستقيم ليس فيه إشكال، فـابن أوس ابنه يروي عن جده، وهو منسوب إلى جده، ولم ينسب إلى أبيه. وهذا شيء معروف يأتي في التراجم أن الإنسان ينسب إلى جده، وكثيراً ما ينسب الإنسان إلى جده. مثاله: الزهري يقال له: ابن شهاب، وشهاب هذا من أجداده، وهذا جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فــشهاب جد وعبيد الله هو جد الزهري، إذاً: هناك مسافة في نسبه.فإذاً: لا تنافي بين هذا وهذا، فكونه قال: عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده معناه: أنه منسوب إلى جده، أو كما عند المزي في تحفة الأشراف: عن ابن ابن أوس بن أبي أوس، ذكر (ابن) مرتين يعني: أنه حفيد، وذكر أيضاً المزي في تحفة الأشراف قال: المحفوظ أنه عن ابن عمرو بن أوس، يعني: ذكر أبا الراوي عن جده وهو عمرو بن أوس، عن ابن عمرو بن أوس ولم يذكر اسم الراوي الذي هو الحفيد، ولكنه ذكر اسم الأب، وقال: إنه المحفوظ؛ لأنه قال: إن بعض الرواة روى عن عبد الرحمن أو عثمان بن عمرو. وفي سنن البيهقي: عن النعمان بن سالم عن ابن عمرو بن أوس عن جده أوس فهنا ذكر أباه وأنه عمرو، وأنا لم أتحقق من معرفة هذا الراوي الذي هو الحفيد وعن اسمه، حتى الآن لم أقف على تعيينه على التحديد، وعلى ما قيل فيه، وطبعاً هو الراوي وليس الراوي أباه؛ لأن أباه ليس من الرواة، وإنما الراوي هو الحفيد، والألباني في صحيح سنن النسائي قال: إنه صحيح الإسناد، ولكن تعيين هذا الشخص باسمه، ومن هو هذا الحفيد وماذا قيل فيه لم أقف عليه، ولعلي أتمكن من ذلك في المستقبل وأنبه عليه إن شاء الله.وأما أوس بن أبي أوس الراوي فهو صحابي الحديث الذي يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ فاستوكف ثلاثاً).ثم ما يدل عليه الحديث من التثليث سواءً كان لليدين أو لجميع الأعضاء, جاء في بيانه أحاديث صحيحة غير هذا الحديث المجمل، ومنها: حديث حمران عن عثمان الذي بعد هذا، غسل يديه ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، فالتثليث موجود ثابت لأعضاء الوضوء كلها، إلا المسح على الرأس. وأما غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم فبعض العلماء قال بالوجوب، وبعضهم قال بالاستحباب، ولكن بالنسبة للغسل أو بالنسبة للوضوء ليس واجباً الغسل ثلاثاً، لا لليدين ولا لسائر الأعضاء، بل يكفي مرة مرة كما عرفنا ذلك، والزائد على ذلك مستحب.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-27-2025, 05:00 PM   #36

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(36)

(باب المضمضة والاستنشاق) إلى (باب المبالغة في الاستنشاق)

إن الهدي المنقول عن صاحب الشريعة مداومة المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وأنهما تكونان باليد اليمنى، وجاءت التوسعة في كيفيتهما وصلاً وفصلاً، مع الإشارة إلى قاعدة سد الذرائع في نهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق حتى لا يترتب عليه إفساد صومه.
المضمضة والاستنشاق

شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة والاستنشاق.أخبر� �ا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان قال: (رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه اليمنى إلى المرفق ثلاثاً, ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي, ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا, ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه)].هنا أورد النسائي باب المضمضة والاستنشاق، وأورد تحتها حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه الذي يرويه عنه حمران بن أبان. وقد (أفرغ على يديه ثلاثاً)، وهذا النص صريح في الترجمة السابقة، لكن هنا تفصيل: أفرغ على يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، يعني: غسلهما خارج الإناء ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق، ولم يذكر التثليث، لكنه جاء في بعض الروايات. ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويده اليمنى ثلاثاً، ثم اليد اليسرى ثلاثاً، ومسح على رأسه، وغسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم رجله اليسرى ثلاثاً، ثم قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه).إذاً: فالحديث دال على مشروعية المضمضة والاستنشاق، ومن العلماء من قال باستحباب ذلك، ومنهم من قال بالوجوب، والأظهر هو القول بالوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين كيفية الوضوء، وبين كيفية ما جاء في آية المائدة في الوضوء بفعله، وأيضاً جاء الأمر بالمضمضة والاستنشاق، وأن يبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً.

تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي

قوله: [خبرنا سويد بن نصر].وهو سويد بن نصر المروزي، ثقة، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.[عن عبد الله].وهو ابن المبارك، وإذا جاء سويد بن نصر يروي عن عبد الله فهو ابن المبارك؛ لأنه راويته. وعبد الله بن المبارك الإمام، المحدث، المشهور، الذي قال عنه في التقريب: إمام، حافظ، ثقة، عالم، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير. وحديثه في الكتب الستة كما عرف.[عن معمر]ومعمر هو: ابن راشد الأزدي نزيل اليمن، وهو الذي يروي عنه عبد الرزاق بن همام كثيراً، وصحيفة همام بن منبه المشتملة على مائة وأربعين حديثاً تقريباً بإسناد واحد: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فـمعمر بن راشد الأزدي هذا هو أحد الثقات، الحفاظ، وحديثه في الكتب الستة .[عن الزهري].هو الإمام، المشهور، وهو من رجال الكتب الستة كما عرفنا ذلك. [عن عطاء بن يزيد الليثي].عطاء بن يزيد الليثي هو من الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حمران].وحمران يأتي لأول مرة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عثمان بن عفان].وعثمان بن عفان رضي الله عنه هو أمير المؤمنين، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثالث الخلفاء الراشدين، وهو صهر الرسول صلى الله عليه وسلم على ابنتيه رقية وأم كلثوم، وصاحب المناقب الكثيرة، الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه تستحي منه الملائكة)، وهو من أصحاب الأموال التي استفاد منها أصحابها؛ حيث كان ثرياً، جهز جيش العسرة في غزوة تبوك، جهز فيه ثلاثمائة بعير بأحمالها وعتادها، وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها وقفاً للمسلمين، ومناقبه كثيرة جمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عن الجميع.
بأي اليدين يتمضمض؟

شرح حديث عثمان في صفة الوضوء من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [بأي اليدين يتمضمض؟أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة حدثنا عثمان هو ابن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن شعيب هو ابن أبي حمزة عن الزهري أخبرني عطاء بن يزيد، عن حمران: (أنه رأى عثمان دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل من رجليه ثلاث مرات، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا, ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].يقول النسائي رحمه الله: بأي اليدين يتمضمض، لما ذكر الترجمة السابقة التي فيها المضمضة والاستنشاق، وأنها مشروعة، ذكر بعد هذه الترجمة باب: بأي اليدين يتمضمض، أي أنه يأخذ ماءً ليتمضمض به بأي اليدين، هل هو باليمنى أو باليسرى؟ وقد أورد حديث حمران عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، والمشتمل على بيان أن الماء للمضمضة يؤخذ باليد اليمنى، فقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عثمان الذي سبق ذكره، وفي الباب الذي قبل هذا الباب أورده من طريق أخرى. قال: إن عثمان رضي الله عنه دعا بوَضوء، يعني: دعا بماء يتوضأ به.والوَضوء بالفتح هو: الماء المستعمل الذي يتوضأ به. وأما الوُضوء بالضم فهو: فعل الوضوء، فقد جاء ذكر اللفظين في هذا الحديث ذكر الوَضوء في أوله، ثم قال: (من توضأ وضوئي)، يعني في آخر الحديث، قال (وضوئي).وعثمان رضي الله عنه لما دعا بوضوء أفرغ على يديه فغسلهما ثلاثاً خارج الإناء، ثم أدخل يده اليمنى في الماء وأخذ ماءً للمضمضة, فتمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلاً من رجليه ثلاث مرات، ثم قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ وقال: ( من توضأ مثل وضوئي هذا, ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه ).فحديث عثمان رضي الله عنه مشتمل على بيان كيفية الوضوء، وأورده هنا من أجل بيان اليد التي يحصل بها أخذ الماء للمضمضة، وأنها اليمنى كما صرح به في هذا الحديث.قال في آخره: ( من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين )، يدل على أن الوضوء يستحب أن يصلى بعده ركعتان سنة الوضوء، ثم قال: (من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء, غفر له ما تقدم من ذنبه).وفيه بيان الإقبال على الصلاة وصرف ما يشغل عنها، وإذا هجم على الإنسان هاجس أو خاطر فإنه يدفعه ويكون مقبلاً على صلاته، وبهذا يغفر له ما تقدم من ذنبه، والمراد بالذنوب التي تغفر: الصغائر، أما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة، فإذا تاب وصلى الركعتين وقد تاب من جميع الذنوب، فإنها تغفر الذنوب بتوبته وبصلاة هاتين الركعتين، أما الصغائر فإنها تغفر باجتناب الكبائر، وتغفر أيضاً بفعل الصالحات كما جاء في هذا الحديث، وكما جاء في الحديث الآخر: (الصلوات الخمس, والجمعة إلى الجمعة, ورمضان إلى رمضان, كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر).

تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة الوضوء من طريق أخرى

قوله: [ أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة ].وهو حمصي، خرج له النسائي وحده، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق.[ عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي ].وهو أيضاً حمصي كما أن تلميذه حمصي، وعثمان هذا ثقة، خرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري ومسلم ولا الترمذي، وهو ثقة، عابد، ويروي عن شيخه شعيب بن أبي حمزة.[عن شعيب هو ابن أبي حمزة].وشعيب بن أبي حمزة هو أيضاً حمصي، وهو ثقة، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، ويقال: إنه من أثبت أصحاب الزهري، وهؤلاء الثلاثة يأتي ذكرهم لأول مرة في سنن النسائي، وهم: أحمد بن محمد بن المغيرة وعثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة، وكلهم من أهل حمص. [عن الزهري].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الذي هو أبو قصي بن كلاب. وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات، الحفاظ، المعروف بالفقه والحديث.[أخبرني عطاء بن يزيد].هو الليثي كما ذكر قبل، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حمران].هو ابن أبان مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عن عثمان وعن الصحابة أجمعين، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات، وهو الذي يروي عن عثمان بن عفان صفة الوضوء التي فعلها عثمان وقال: إنه يتابع فيها وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: إن الرسول توضأ وضوئي هذا، ثم قال: ( من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه ).قال في الرواية السابقة: (نحو وضوئي)، وفي هذه قال: (مثل وضوئه).معلوم أن (المثل) يعني: معناه المشابهة والمطابقة، وأما (نحو) فإنها المقاربة، يعني: قريب منه، قريب من أن يشبهه، هذا هو المراد بـ(نحو) والمراد بـ(مثل). ومن المعلوم أن عثمان رضي الله عنه وأرضاه توضأ وضوءاً تابع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل كما عمل رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن الحديث مخرجه واحد، فإحدى الروايتين إنما هي بالمعنى.
اتخاذ الاستنثار

شرح حديث: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [اتخاذ الاستنثار.أخبرن� � محمد بن منصور حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد ح وأخبرنا الحسين بن عيسى حدثنا معن عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: اتخاذ الاستنثار، يعني: فعله في الوضوء، والاستنثار هو: إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله فيه بالاستنشاق؛ وذلك لتنظيفه وإخراج ما فيه من وسخ، والاستنشاق هو: إدخاله وجذبه بريح الأنف، فالاستنشاق والاستنثار يتعلقان بالأنف، وتقدم ذكر المضمضة والاستنشاق، وهنا قال: اتخاذ الاستنثار .وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر)، فقوله: (فليجعل في أنفه ماء)، هو الاستنشاق، ثم قال: (ثم ليستنثر)، هو إخراجه من الأنف، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، أي: كونه دالاً على فعل الاستنثار.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر ...)

قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].النسائي له شيخان كل منهما يقال له: محمد بن منصور، وكل منهما يروي عن سفيان بن عيينة، وقد مر ذكر رواية النسائي عن محمد بن منصور قبل هذا الحديث، وذكرت أن الأقرب والأظهر منهما: أنه محمد بن منصور المكي الملقب بـالجواز، فهو أقربهما؛ وذلك أنه مكي وسفيان بن عيينة مكي، ومن المعلوم أن من يكون له علاقة بشيخه إما أن يكون معروفاً بإكثار الرواية، أو لكثرة الاتصال والعلاقة به، فإنه إذا أُهمل يكون تعيينه بمعرفة هذه الملابسات، وهذه العلاقة التي يتميز بها عن زميله وقرينه في الطلب. ومحمد بن منصور الثاني فهو طوسي كوفي، فيكون الأقرب والأظهر في التعيين بأن يكون المكي الملقب بـالجواز وهو شيخ النسائي في هذا الحديث، وفيما يأتي من الأحاديث في الرواية عن سفيان بن عيينة ويكون غير موضح بأنه الجواز؛ فإنه يحمل عليه. محمد بن منصور الجواز خرج له النسائي وحده، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب سواه.[سفيان].سفيان المهمل هنا هو ابن عيينة، وكل من محمد بن منصور، وابن عيينة مكي.إذاً: فـسفيان الذي أهمل هنا ولم يذكر هو ابن عيينة، وقد سبق أن مر ذكره، وأنه من الثقات، الحفاظ، ثقة، حافظ، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو الزناد].هو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب على صورة الكنية وليست كنيته، وكنيته أبو عبد الرحمن، ولقبه أبو الزناد، وهو من الثقات، الحفاظ، وحديثه مخرج في الكتب الستة.[أخبرنا الحسين بن عيسى].ثم قال: ح، و(ح) هذه معناها التحويل من إسناد إلى إسناد، وقد ذكرت فيما سبق أن النسائي يقل من استعمالها ولا يكثر منها، وأن عمله يشبه عمل البخاري؛ لأنه قليل التحويل؛ حيث لا يحتاج إليه، وكذلك النسائي قليل التحويل؛ لأنه لا يحتاج إليه، وذلك أنه يكثر الأبواب، ويأتي بالأحاديث بطرق مختلفة للاستدلال بها على موضوعات في تراجم، وهذا يفيد أنهما عمدا إلى أن يكون كتاباهما كتابي فقه وحديث، وكتابي رواية ودراية، فكان الحديث الذي يأتي بطرق مختلفة يذكرانه في مواضع متعددة من أجل الاستدلال به على موضوعات مختلفة، بخلاف مسلم؛ فإنه يذكر الأحاديث في مكان واحد فيحتاج إلى أن يستعمل التحويل. وهنا يقول: ح، وفائدة ذكر (ح): حتى لا يظن أن الأسانيد متصل بعضها ببعض من حيث أن ما يكون بعدها يكون سابقاً لما قبلها؛ لأنها تعني الرجوع إلى بدء إسناد آخر؛ لأن أبا الزناد يروي عن الأعرج، والأعرج يروي عن أبي هريرة، والذي بعد (ح) يروي عنه النسائي، فهو إشارة إلى رجوع إلى شيخ آخر، وإلى ابتداء إسناد جديد، فكلمة (ح) تشعر بهذا وتدل عليه. والحسين بن عيسى هو الطائي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهو صدوق، صاحب حديث؛ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، يعني مثل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، فإن ابن ماجه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا معن].معن هو: ابن عيسى الذي تقدم ذكره، وأنه أثبت أصحاب مالك، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة الذي تقدم ذكره كثيراً، وحديثه في الكتب الستة.[عن أبي الزناد].فالإسناد الأول عالي، والإسناد الثاني نازل؛ لأن الأول بين النسائي وبين أبي الزناد واسطتان هما شيخه محمد بن منصور وسفيان بن عيينة، والثاني بينه وبينه ثلاثة، الحسين بن عيسى الطائي ومعن بن عيسى والإمام مالك، فهو نازل.[الأعرج].فهو لقب لـعبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور به، يأتي ذكره كثيراً بلقبه، كما يأتي ذكره باسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، من رجال أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه أحد الصحابة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق ذكره مراراً وتكراراً .في الإسناد المتقدم صحابي الحديث عثمان بن عفان، وأحاديثه في الكتب مائة وستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، وانفرد مسلم بخمسة، أما أبو هريرة فقد سبق أن عرفنا ما له من الأحاديث، وأنها أكثر من خمسة آلاف حديث.
المبالغة في الاستنشاق

شرح حديث: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [المبالغة في الاستنشاق.أخبرن� � قتيبة بن سعيد حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير، ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال: أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)].هنا أورد النسائي بعد اتخاذ الاستنثار: المبالغة في الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق هو إدخال الماء للأنف بجذبه بالنفس بريح الأنف، والاستنثار هو إخراجه، وهنا الترجمة: المبالغة في الاستنشاق إلا في حال الصيام، وأورد تحتها حديث: لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وإسباغ الوضوء يكون بتثليثه، بحيث يأتي به ثلاثاً ثلاثاً، وأيضاً بدلك الأعضاء باليد حتى يحصل التنظيف، وحتى يحصل التمكن وتكرر وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، فهذه هي المبالغة في الوضوء.وكذلك أيضاً كونه يشرع عند غسل اليدين والرجلين، أيضاً يشرع في العضد وفي الساق، بمعنى: أنه يتجاوز المرفقين والكعبين قليلاً بحيث يدخل فيما بعدهما، وهذا هو أقصى ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ حيث كان يدخل فيهما ويتجاوز الكعبين والمرفقين، ويبدأ بما وراءهما ولا يتعدى ذلك كثيراً، فهذا هو إسباغ الوضوء.والمبالغ� � في الاستنشاق, يعني: جذبه بقوة، لكن استثني من ذلك حال الصيام؛ لأن حال الصيام قد يؤدي إلى وصول ودخول الماء في الفم عن طريق الأنف، ولهذا قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وهذا فيه سد الذرائع؛ لأنه لما كان المبالغة في الاستنشاق ذريعة إلى وصول الماء إلى الحلق عن طريق الاستنشاق، استثنى ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام في حال الصيام؛ حيث قال: (إلا أن تكون صائماً)، وقد جمع ابن القيم من أدلة سد الذرائع تسعة وتسعين دليلاً أوردها في كتابه إعلام الموقعين، وقال: إن هذا العدد يوافق ما جاء في الحديث من ذكر أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحصاها دخل الجنة).

تراجم رجال إسناد حديث: (أسبغ الوضوء وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)

قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].قتيبة بن سعيد مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الكتب الستة، وهو من الثقات، الحفاظ.[ حدثنا يحيى بن سليم ].هو يحيى بن سليم الطائفي، صدوق، سيء الحفظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن إسماعيل بن كثير ].وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وتعليقاً في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة.ثم حول الإسناد فقال: [ وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو الحنظلي المعروف بابن راهويه، وهو من الثقات الحفاظ، ومن الفقهاء، وله كتاب مسند، وطريقته أنه يستعمل لفظ ( أخبرنا ) كما يستعملها النسائي، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.[أخبرنا وكيع]. هو ابن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، والرؤاسي نسبة إلى قبيلة، والكوفي نسبة إلى بلد، فيقال له: الرؤاسي، ويقال له: الكوفي، وهو محدث، وصاحب تصانيف، وهو من الثقات، الحفاظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن سفيان ]. وسفيان هنا غير منسوب، ووكيع يروي عن سفيان الثوري كثيراً، ويروي عن سفيان بن عيينة قليلاً، والأظهر أنه الثوري؛ لأنه أولاً من أهل بلده، أي: من الكوفة، وأيضاً هو معروف بإكثار الرواية عنه وقليل الرواية عن سفيان بن عيينة، فإذا جاء وكيع عن سفيان غير منسوب فالمراد به سفيان الثوري، وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري الجزء الأول صفحة (204) في إسناد فيه رواية وكيع عن سفيان، وقال: إن القاعدة: أنه إذا كان اثنان متفقان في الاسم، فيحمل على من يكون له خصوصية، بأن يكون مكثراً، قال: وسفيان الثوري له خصوصية، ووكيع له خصوصية بـسفيان الثوري؛ لأنه مكثر عنه.[ عن أبي هاشم ]. أبو هاشم هذا هو إسماعيل، في الطريق الأولى إسماعيل بن كثير ، وكنيته أبو هاشم، ذكره في الإسناد الأول باسمه، وذكره في الإسناد الثاني بكنيته، ولهذا كما قلت: إن معرفة كنى المحدثين مهمة؛ لأن الذي لا يعرف يظن أن أبا هاشم شخص آخر غير إسماعيل بن كثير الموجود في الإسناد الأول، وإذا كان الإنسان يعرف أن إسماعيل بن كثير كنيته أبو هاشم، فإذا جاء مرة في الإسناد باسمه، ومرة في إسناد بكنيته، لا يظن أنه اثنين، وإنما يعرف أنه واحد.أي: الإسناد الثاني أنزل من الأول؛ لأن الأول فيه بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير واسطتان، هما: قتيبة ويحيى الطائفي، والطريق الثاني: فيها إسحاق بن إبراهيم ووكيع وسفيان الثوري، ثلاثة، فهو نازل عنه.[عن عاصم بن لقيط].هو عاصم بن لقيط بن صبرة، وعاصم هذا ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه لقيط بن صبرة صحابي خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.وإذاً هذا الإسناد فيه ثلاثة كلهم روى عنهم البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهم عاصم، وأبوه لقيط، وإسماعيل بن كثير.[عن لقيط بن صبرة].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنه هو أبو رزين العقيلي، وسبق أن مر بنا واحد من التابعين كنيته أبو رزين، وهو مسعود بن مالك الأسدي، وهذا صحابي كنيته أبو رزين، وهو لقيط بن صبرة، وله أربعة وعشرون حديثاً، وليس فيها شيء في الصحيحين.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر

من مواضيعي في الملتقى

* فضل قيام الليل
* كيف نحصن شبابنا من الآراء الشاذة؟؟
* الْمُسْتَعَانُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* الْمُصَـوِّرُ جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* عبادة الله وحده
* ليسوا سواء!
* فِرَق اليهود

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
للشيخ, متجدد, المحسن, الله, العباد, النصائح, شاء, شرح, سنن, عبد, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
شرح أسماء الله الحسنى للشيخ سعيد بن وهف القحطاني رحمه الله ... السليماني ملتقى الكتب الإسلامية 5 01-05-2026 02:52 PM
من سنن العدل الإلهي في معاملة العباد امانى يسرى محمد ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 2 09-15-2025 06:58 AM
شرح كتاب تطهير الإعتقاد عن أدران الإلحاد – الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر أبو طلحة ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 2 07-31-2023 11:53 AM
شرح كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد – الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله أبو طلحة ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 1 06-06-2022 05:39 PM
تسجيلات شرح كتاب فقه السنة للسيد سابق رحمه الله مع الشيخ // أحمد رزوق حفظة الله ابو عبد الله قسم غرفة أحبة القرآن الصوتية 2 04-02-2012 06:44 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009